يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: (رجع رسول الله - ﷺ - يوم أُحد فسمع نساء بني الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده .. ورقد - ﷺ - فاستيقظ وهنّ يبكين، فقال: ويلهن إنهن لها هنا حتى الآن ..
_________________
(١) هو الحديث السابق.
(٢) هو الحديث السابق.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم) (١)، ولم يقف الأمر عند التحريم فقط .. فبعد فترة من الزمن نزل الوحي يشدّد تحريم النياحة على الميت .. يجعلها من كبائر الذنوب .. وهو بذلك يتغلغل داخل أعماق المؤمنين والمؤمنات .. يتتبّع آثار الجاهلية، يمحوها ويغرس مزيدًا من الإيمان مكانها ..
يقول - ﷺ -: (النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت، فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ثم يغلى عليها بدروع من لهب النار) (٢)، وسرابيل القطران تعني ثيابًا من نحاس مذاب أعاذنا الله من ذلك .. النياحة من أمر الجاهلية .. وهي ليست -أبدًا- مقياسًا لمدى الشعور بالحزن وفقدان الحبيب .. إنها نوع من التطرّف والغلوّ في إظهار المشاعر ..
ولذلك نزل الوحي مرّة أخرى مذكرًا .. وواصفًا تلك الممارسات بشيء خطير جدًا .. فقد قال - ﷺ -:
(اثنتان من الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت) (٣) توقف النواح .. ولم تتوقف الدموع وكذلك الحياة لم تتوقف .. ففي المدينة كانت الرسالة هي الحياة .. على الأحياء أن يؤدّوها كما أدّاها أولئك الشهداء ..
وتمرّ الأيام ويتبقى لأُحدٍ وشهدائها ذكريات وعطر يفوح في أجواء
_________________
(١) سنده حسن ورواه ابن ماجه (الصحيح ١/ ٢٦٥) والحاكم (٣/ ١٩٥) ابن وهب وعبيد الله بن موسى أخبرنا أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر وأسامة بن زيد حسن الحديث إذا لم يخالف (التقريب- ١/ ٥٣) وصحح الحديث الإمام الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٦٥) وبقية السند كالذهب.
(٢) حديث صحيح - صحيح الجامع الصغير (٢/ ١١٥١).
(٣) حديث صحيح رواه مسلم وأحمدُ (صحيح الجامع-١/ ٩٠).
[ ٢ / ٢٦١ ]
المدينة وأحاديث أهلها .. وتمرّ الأيام فيولد لأحد الأنصار غلام فيحتار في تسميته .. فتتجه به الحيرة إلى أحب الناس إليه .. إلى رسول الله - ﷺ - .. فيبحر به - ﷺ - إلى أبهج الذكريات وأقساها .. يبحر به إلى