دفنهم النبي - ﷺ - .. وتحدث عنهم ابن مسعود بحديث كالماء البارد
فقال:
(إن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسرح في الجنة، قال: فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال:
يا عبادي .. ماذا تشتهون؟ قالوا: يا ربنا ما فوق هذا شيء .. قال فيقول: عبادي ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا) (٢) إنهم يبحثون عن الموت من جديد .. يريدون فعل شيء
_________________
(١) حديث صحيح مر معنا في المجلد الأول.
(٢) سنده صحيح. رواه الطبراني (١٠/ ٢٤٩): حدثنا سليمان بن الحسن العطار أبو أيوب حدثنا محمَّد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي: أخبرني الحسن بن واقد عن الأعمش عن شقيق أن ابن مسعود حدثه أن الثمانية: وهذا السند صحيح: شقيق بن سلمة أدرك الجاهلية والإِسلام التهذيب (٤/ ٣٦١) وسمع منه التابعي الثقة الأعمش، قال الأعمش: قال لي أبو وائل: يا سليمان لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن الوليد وقال =
[ ٢ / ١١٩ ]
يجعلهم يستحقون كل ما حولهم .. ويستحقون ما هم فيه من الرفاهية والدهشة التي لا يمكن وصفها .. وماذا يساوي ألم الموت أمام عوالم السعادة والابتهاج والخلود .. ماذا يساوي الموت و(الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم مس القرصة) (١).
دفن - ﷺ - شهداء بدر بثيابهم ودمائهم .. وبشرهم .. وبشر أمثالهم فيما بعد فقال:
(أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح في الله إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمي، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك) (٢) ويقول - ﷺ -: (للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع
_________________
(١) = الأعمش عن إبراهيم: عليك بشقيق، فلا تضر عنعنة الأعمش، لا سيما وهما كوفيان، وتلميذه أي الحسن ثقة (التقريب ١/ ١٨٠) وعلي بن الحسن وولده ثقتان (التقريب ٢/ ٣٤ - ٢/ ١٩٢) وشيخ الطبراني ثقة. انظر (سؤالات السهمي كما عزاه الشيخ عبد القدوس نذير في مجمع البحرين ٦/ ١٤٧).
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (١/ ٦٩٦).
(٣) سنده حسن. رواه البيهقي (٤/ ١١ السنن الكبرى) وابن سعد (٣/ ١٣) واللفظ له: أخبرني خالد بن مخلد، حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري حدثني الزهريّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه وهذا سندٌ حسنٌ من أجل عبد الرحمن وهو حسن الحديث إذا لم يخالف وهو من رجال مسلم (التقريب ١/ ٤٨٩) وخالد صدوق وللحديث شاهد عند البخاري وغيره.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته) (١).
هذا ما سيفرح به الشهداء من المهاجرين والأنصار وما في الجنة أجمل وأبقى .. أما ما سيلقاه قتلى قريش فشيء مخيف ومرعب .. بشرهم به - ﷺ - .. خاطبهم وهم أكوام محشورون في تلك البئر المقرفة .. ولكن بعد ثلاثة أيام من انقضاء المعركة ..
وقد كانت سنته - ﷺ - إذا انتصر في معركة أن يقيم ثلاثة أيام (٢) على أرض المعركة بعد انقضائها ثم يعود إلى المدينة .. ربما كان ذلك لتأكيد الانتصار والمحافظة عليه من آية محاولة -ربما- تقوم بها الفلول الخاسرة لتعويض خسارتها .. وفي تلك الأيام الثلاثة كان النبي - ﷺ - مشغولًا بتركة هذا الانتصار .. مشغولًا بقضايا وهموم تحتاج إلى أكثر من التفكير .. ومن هذه القضايا والهموم.