يقول أحد الصحابة ﵁: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر) (١)، وكانت الآيات قد نزلت كما يحدثنا أول من سمعها وأوّل من كتبها: زيد بن ثابت ﵁ .. فيقول: (إن النبي - ﷺ - أملى عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾، فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، قال: يا رسول الله .. والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله - ﷺوفخذه على فخذي- فثقلت عليَّ حتى أن تُرضَّ فخذي، ثم سُرِّي عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾) (٢)، فصارت الآية تقرأ هكذا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ (٣)، لكن ماذا عن أجر القاعدين المعذورين؟ يقول - ﷺ -:
(لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادِ إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؛ قال: حبسهم العذر) (٤).
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٥٩٥).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٥٩٢).
(٣) سورة النساء: الآية ٩٥.
(٤) حديث صحيح رواه البخاري وأحمدُ وأبو داود واللفظ له (تفسير ابن كثير- النساء- ٩٥) (٢/ ٣٣٩).
[ ٢ / ١٩٤ ]
فلم يحبس عنهم الأجر .. فالمسلم ليس بأعماله فقط .. بل بنواياه أيضًا .. وإذا كان ابن أم مكتوم قد حبسه العمى .. فإن هناك رجالًا حبسهم عن الجهاد رسول الله - ﷺ - .. رغم أنهم لا يشكون من شيء في أجسادهم .. ولا يشكّ - ﷺ - في إيمانهم .. وإنما حبسهم ﵊ ليكلفهم. بمهمة جهادية داخل المدينة هي الرباط والحفاظ على المدينة من أي عدو .. سواءً كان غدر يهودي أو منافق .. أو كرّ مشرك من خارج المدينة ..