سهل بن سعد ﵁ كان حاضرًا يسمع ويرى ويروي فيقول: (إنه قال: يا رسول الله -يوم أُحد- ما رأينا مثل ما أتى فلان .. أتاه رجل .. لقد فرّ الناس وما فرّ، وما ترك للمشركين سادةً ولا قادةً إلا أتبعها يضربها بالسيف. قال - ﷺ -: ومن هو؟ فنسب لرسول الله - ﷺ - نسبه فلم يعرفه، ثم وصف له بصفة فلم يعرفه، حتى طلع الرجل بعينه، فقال: ذا يا رسول الله الذي أخبرناك عنه. فقال: هذا؟ فقالوا: نعم.
فقال - ﷺ -: إنه من أهل النار.
فاشتدّ ذلك على المسلمين، قالوا: أيّنا من أهل الجنّة إذا كان فلان من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: يا قوم .. أنظروني فوالذي نفسي بيده لا يموت على مثل الذي أصبح عليه، ولأكونن صاحبه من بينكم. ثم راح على جده في العدو، فجعل الرجل يشدّ معه إذا شدّ، ويرجع معه إذا
[ ٢ / ٢٣٠ ]
رجع، فينظر ما يصير إليه أمره، حتى أصابه جرح أذلقه (١)، فاستعجل الموت، فوضع قائم سيفه بالأرض، ثم وضع ذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه حتى خرج من ظهره.
وخرج الرجل يعدو ويقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله .. وأشهد أنك رسول الله .. حتى وقف بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقال - ﷺ -: وذاك ماذا؟ فقال: يا رسول الله .. الرجل الذي ذكر لك، فقلت: من أهل النار، فاشتدّ ذلك على المسلمين، وقالوا: أيّنا من أهل الجنّة إذا كان فلان من أهل النار؟ فقلت: يا قوم أنظروني، فوالذي نفسي بيده لا يموت على مثل الذي أصبح عليه، ولأكونن صاحبه من بينكم، فجعلت أشدّ معه إذا شد، وأرجع معه إذا رجع، انظر إلى ما يصير أمره، حتى أصابه جرح أذلقه، فاستعجل الموت، فوضع قائم سيفه بالأرض، ووضع ذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه حتى خرج من بين ظهره، فهو ذاك يا رسول الله، يضطرب بين أضغاثه، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنّة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وإنه لمن أهل الجنّة) (٢)، كما في قصة عمرو بن أقيش الذي لم يسلم إلَّا وسط المعركة واستشهد ودخل الجنّة .. وهو لم يصلّ لله ركعة واحدة .. وأمّا هذا البطل المجاهد فهو من أهل النار .. ليس
_________________
(١) بلغ به الألم أشده.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٢٠٢) وأبو يعلى (زوائد- ١/ ٤٢٨) واللفظ له وسنده عنده، حسن: حدثنا يحيى بن أيوب، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن القاصد عن أبي حازم، عن سهل بن سعد .. وهذا السند حسن من أجل سعيد ملاحظة ورد في الزوائد أنه: سعيد القاص والصواب: القاضي، فهو قاضي بغداد وليس في ترجمته ما يدل على إنّه قاص .. وأبو حازم تابعي لم يسمع إلا من سهل (جامع التحصيل- ٢٢٧).
[ ٢ / ٢٣١ ]
لأنه غير مسلم .. بل هو مسلم .. لكن هناك فرق بين الاستشهاد والانتحار .. وهذا البطل المجاهد قد انتحر .. لم يصبر لتقتله جروحه أو ليشفى منها .. لم يقتله أحد .. بل هو الذي قتل نفسه .. ولو أدرك ما للجراح والآلام من منافع لطلب المزيد، قال - ﷺ -:
(إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله ﷿: أكتب له صالح عمله، فإن شفاه غسله وطهّره، وإن قبضه غفر له ورحمه) (١)، ويقول تعالى:
(إذا ابتليت عبدي المؤمن، فلم يشكني إلى عواده، أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم يستأنف العمل) (٢)، ويبدأ من جديد مطهرًا من كل ذنب .. ويقول - ﷺ - عن الذين يكثر ابتلاؤهم وامتحانهم في الدنيا:
(إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله تعالى إذا أحبّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط) (٣).
أمّا عن مثل هذا المسلم الشجاع .. فقد قال - ﷺ -: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًا، فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) (٤).
أمّا الشهيد .. فـ (للشهيد عند الله سبع خصال:
_________________
(١) حديث صحيح (صحيح الجامع-١/ ١١٠).
(٢) حديث صحيح (صحيح الجامع-٢/ ٧٩٣) وهو حديث قدسي.
(٣) حديث صحيح (صحيح الجامع- ١/ ٤٢٤).
(٤) حديث صحيح (صحيح الجامع-٢/ ١١٠٢).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
١) يغفر له في أوّل دفعة من دمه.
٢) ويرى مقعده من الجنّة، ويحلى حلة الإيمان.
٣) ويزوّج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين.
٤) ويجار من عذاب القبر.
٥) ويأمن الفزع الأكبر.
٦) ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها.
٧) ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته) (١).
مات ذلك الفارس .. ونهض - ﷺ - إلى مكان عند صخرة ليستريح وحوله من حوله من الصحابة .. لكن النبي - ﷺ - وقبل أن يستريح أراد الاطلاع إلى ما آلت إليه المعركة .. فحاول الصعود على الصخرة فلم يستطع .. لأنه كان مرهقًا .. ولأنَّه كان يلبس درعين .. فتأمّله طلحة ﵁ وتأمّل يده تشخب دمًا .. فهانت عليه آلامه ومتاعبه ويده .. فنثرها جميعًا تحت قدميه - ﷺ - .. حقًا لقد: