من سيبارز هذا الشجاع .. دعونا نطرح هذا السؤال على رجل يهمّه جدًا ما حدث .. وشاهد -جيدًا- ما حدث .. إنه وحشي الذي جاء من أجل مهمة واحدة .. هي طعن حمزة فقط .. يقول وحشي:
(خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال:
يا سباع .. يا ابن أم أنمار مقطعة البظور .. أتحادّ الله ورسوله - ﷺ -؟ ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب) (١)، لفظ جميل يعبّر عن سهولة هلاك الشجعان على يد حمزة .. سقط ذلك الفارس وارتفع سيف حمزة يطلب المزيد .. وارتفعت معنويات المؤمنين وزاد حماسهم .. فأراد رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) = (٦/ ٣٤٩) وأبو يعلى (٣/ ١٤) من طرق عن الثقة المعروف حماد بن سلمة عن التابعيّ الثقة ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ .. وثابت سمع من أنس.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٧٢).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
أن يؤجج ذلك الحماس فصرخ بجموع المؤمنين رافعًا سيفًا: (من يأخذ مني هذا السيف بحقه؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان فيهم يقول: أنا .. أنا
فقال - ﷺ -: من يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم، فقال له سماك "أبو دجانة": أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين) (١) الذين أذهلتهم هذه المعنويات .. لقد أفنى حمزة مبادرتهم .. ومزّق أبو دجانة من أمامه منهم .. والتحم الجيشان فبان الفرق بين جيش همجى غاشم .. وبن جيش متحضر له هدف وتخطيط وأسلوب رفيع في التنفيذ .. جاء أحد الصحابة يبحث عن سبق .. بعد أن تفوّق حمزة وأبو دجانة فقال لرسول الله - ﷺ -: (أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنّة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل) (٢).
وبدأ الرماة بنشر مظلتهم الجوية .. ففوجئ المشركون بجيش يحصدهم على الأرض ويمطرهم من السماء .. فالرماة يؤدّون مهمّتهم بإتقان .. وسهامهم زخات من الموت .. زخات من القبور .. فرّقت جموع الوثنيين .. فصاروا يهربون في كل اتّجاه .. ولم تكن السهام تنطلق من قمة أحد فقط .. كان بقرب رسول الله - ﷺ - أمهر راميَيْن .. سعد بن أبي وقاص كان الأمهر .. شاهد علي بن أبي طالب ﵁ ما يحدث بين رسول الله - ﷺ - وبن سعد .. وسمعه ورواه فقال: (ما سمعت النبي - ﷺ - جمع أبويه لأحد إلَّا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أُحد: "يا سعد ارم فداك أبي وأمي") (٣)، ويقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (جع لي رسول الله - ﷺ - يوم أُحد أبويه كلاهما) (٤) .. لقد (نثل لي
_________________
(١) حديث صحيح رواه مسلم فضائل الصحابة (٢٤٧٠) وابن أبي شيبة بسند صحيح.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٤٦).
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٥٩).
(٤) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٥٧).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
النبي - ﷺ - كنانته يوم أُحد فقال: ارم فداك أبي وأمي) (١) .. كان سعد يمتع ناظري رسول الله - ﷺ - .. بل ويضحكه .. يقول ﵁: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النبي - ﷺ - ارم فداك أبي وأمي، فترعت له بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جنبه، فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى نظرت إلى نواجذه) (٢) ولم يكتف سعد بالرماية بين يدي رسول الله - ﷺ - .. لقد كان فارسًا يفتك بمن أمامه .. لقد استجاب الله له فلقي كما تمني: (رجلًا شديدًا حرده أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه) (٣) .. لكن ماذا عن عبد الله بن جحش هل استجاب الله لدعائه؟ ليس بعد .. فهو مازال يجالد بسيفه ويجتثّ من يواجه من المشركين .. لم ننس رامي النبى - ﷺ - الآخر .. إنه أبو طلحة (كان راميًا شديد النزع كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمرّ معه الجعبة من النبل، فيقول رسول الله - ﷺ -: انثرها لأبي طلحة، ثم يشرف إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمى، لا تشرف .. ألا يصيبك سهم، نحري دون نحرك) (٤).
ماهت الأرواح بالأرواح في جلاد يزهق الأرواح .. نبي قائد يفدي جنوده بأمّه وأبيه .. وجنود يفدون نبيّهم بأمّهاتهم وآبائهم وأرواحهم .. كانت الصدور درعًا دونه - ﷺ - .. حتى الملائكة كانت درعًا دونه - ﷺ - .. يقول سعد بن أبي وقاص: (رأيت رسول الله - ﷺ - يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٥٥).
(٢) حديث صحيح مر معنا قبل قليل.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٣٨١١).
(٤) حديث صحيح رواه مسلم (٢٤١٢).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
عنه -عليهما ثياب بيض- كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد) (١) .. كان - ﷺ - مسرورًا بما يرى من تنفيذ لتعليماته .. وانتصار وحماس بين فرسانه .. مصعب بن عمير الذي لا يملك سوى سيفه وقرآنًا يملأ صدره وأجواءه .. يلقن المشركين دروسًا كما يلقن الأنصار الآيات والسور .. وذلك الشيخ الأعرج ورفيق دربه عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح يقاتلان كالشباب .. لكن للسنّ أحكام قاسية .. سقط عبد الله والد جابر شهيدًا على أرض المعركة .. أوّل شهيد في سجلات أُحد .. وها هي الملائكة من فوقه ومن حوله .. (الملائكة تظلّله بأجنحتها) (٢) يا لها من شهادة .. يا لها من كرامة .. وبعده بزمن يسقط رفيق دربه عمرو بن الجموح ليطأ بعرجته أرض الجنّة .. ويدليها على أنهارها ومياهها ..
وبينما كانت المعركة تتأجج بركانًا يقذف حممًا .. يقذف جثثًا ودماءً وصل: