يحاول إيقاف غطيط المشركين علهم يتنبهون لما يجري حولهم. يقول كعب بن مالك: (فصرخ الشيطان على العقبة بأبعد -والله- صوت ما سمعته قط، فقال: يا أهل الجباجب (١)، هلَّا لكم في مذمم (٢) -ما يقول محمَّد- والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم. فقال رسول الله - ﷺ -:
"هذا أزب (٣) العقبة .. هذا ابن أزيب .. أما والله لأفرغن لك، ارفضوا (٤) إلى رحالكم". فقال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى بأسيافنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنا لم نؤمر بذلك، ارفضوا إلى رحالكم". فرجعنا إلى رحالنا، فاضطجعنا على فرشنا، فلما أصبحنا أقبلت جلة من قريش، فيهم: الحارث بن هشام فتى شاب وعليه نعلان جديدان، حتى جاءوا في رحالنا، فقالوا: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا لتستخرجوه من بين أظهرنا، وإنه والله ما من العرب أحد أبغض إلينا أن ينشب الحرب فيما بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من قومنا من المشركين، يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء، وما فعلناه، وأنا أنظر إلى أبي جابر بن عبد الله بن عمرو بن
_________________
(١) أسماء منازل بمنى، وسميت به لأن كروش الأضاحي تلقى فيها أيام الحج. اللسان.
(٢) هكذا كان الحاقدون المشركرن يسمونه - ﷺ -، فيقولون مذممًا بدلًا من محمَّد.
(٣) شيطان اسمه أزب العقبة.
(٤) ارفضوا، أي تفرقوا إلى رحالكم.
[ ١ / ٢٤٢ ]
حرام -وهو صامت- وأنا صامت. فلما تثور القوم لينطلقوا، قلت كلمة كأني أشركهم في الكلام:
يا أبا جابر أنت سيد من ساداتنا، وكهل من كهولنا، لا تستطيع أن تتخذ مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟
فسمعه الفتى، فخلع نعليه فرمى بهما إلي، وقال: والله لتلبسنهما. فقال أبو جابر: مهلًا أحفظت لعمر الله الرجل -يقول أخجلته- أردد عليه نعليه. فقلت: والله لا أردهما، فَأْلٌ صالح، والله إني لأرجو أن أسلبنه) (١).
أما جابر بن عبد الله الأنصاري فيقص أحداث العقبة الثانية فيقول:
(بعثنا الله ﷿ له - ﷺ - من يثرب، فيأتيه الرجل منا، فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإِسلام، ثم بعثنا الله ﷿ وائتمرنا واجتمعنا - سبعين رجلًا منا، فقلنا: حتى متى نذر رسول الله - ﷺ - يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا شعب العقبة، فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين، حتى توافينا عنده، فقلنا: يا رسول الله، على ما نبايعك؟
قال - ﷺ -: "بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى
_________________
(١) إسنادُهُ صحيحٌ. رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٤٤): حدثني معبد بن كعب ابن مالك بن القين، أخر بني سلمة عن أخيه عبد الله، عن أبيه كعب بن مالك، قال: خرجنا في الحجة .. وهذا الإسناد صحيح شيخ ابن إسحاق، ثقة من رجال الشيخين فقد وثقه العجلي (٤٣٣)، وأخوه ثقة. انظر التقريب (١/ ٤٤٠). فقد قال الحافظ: ثقة يقال له رؤية.
[ ١ / ٢٤٣ ]
النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".
فقمنا نبايعه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعن رجلًا سنًا، فقال: رويدًا يا أهل يثرب. إنا لم نضرب إليه أكباد المطايا إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم: مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم (١) السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله ﷿، فقلنا: أمط (٢) يدك يا أسعد بن زرارة، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه نبايعه رجلًا رجلًا، يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنة) (٣).
شمس جديدة كالذهب .. وصباح منعش كالمطر .. ورواحل الأنصار تودع البطاح .. تحمل عهدًا .. تحمل حبًا لمحمد .. تنثر منه للتلال للكثبان .. تنعش به الأجواء .. تبشر به التائهين على صفحة الأرض كلها.
أما قريش فالأيام تزيد في جنونها، وطغاتها حارت بهم الدروب ..
_________________
(١) أي تضربكم وتشد عليكم.
(٢) أي أبعد.
(٣) إسنادُهُ صحيحٌ. رواه أحمد (٣/ ٣٣٩) والبيهقيُّ (٢/ ٤٤٢) من طرق عن: عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير: محمَّد بن مسلم أنه حدثه جابر بن عبد الله .. وهذا الإسناد صحيح ابن خثيم ثقة. انظر التقريب (١/ ٤٣٢) وأبو الزبير تابعي مدلس لكنه صرح بالسماع من جابر وهو محمَّد بن مسلم بن تدرس وحديثه صحيح.
[ ١ / ٢٤٤ ]
كلما أغاروا على مسلم ضعيف لم يجدوه .. لم يجدوا في بيته سوى الجدران .. سوى الرياح تنوح داخله باكية تبحث عن أحبتها فلا تجدهم، أما الأبواب فكانت تصطفق تضطرب كقلب عاشَق مهجور .. فلن تعانق بعد اليوم تلك الأيادي المتوهجة بالوضوء. ما الذي حدث يا مكة .. ماذا فعلت بك تلك الرؤيا التي رآها رسول الله -ﷺ -: