فهي زوج رسول الله -ﷺ - لكنها كانت في بيت أبيها لم تنتقل بعد إلى بيت الزوجية والنبوة والحب الطهور .. وتلك الحجرات الصغيرات كن يتلهفن عليها حتى إذا جاء شهر شوال من تلك السنة وشهر شوال محبوب لدى عائشة .. إنها تقول عنه: (تزوجني رسول الله -ﷺ - في شوال .. وبنى بي في شوال .. فأي نساء رسول الله -ﷺ - كان أحظى عنده مني .. وكانت تستحب أن تدخل نساءها في شوال) (٣).
ولزفاف عائشة قصة تحب أن ترويها لنا فتقول ﵂:
(أتتني أمى أم رومان وإني لفي أرجوحةٍ ومعى صواحب لي، فصرخت نبى، فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (ابن كثير ٢/ ٣٣١).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٨٩٤).
(٣) إسنادُهُ صحيحٌ. رواه الإِمام أحمد. انظر سيرة ابن كثير (٢/ ٣٣٢) حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن أبيه عن عائشة وهذا الإسناد صحيح: وكيع ثقة معروف إسماعيل ثقة ثبت عبد الله بن عروة ثقة ثبت وسفيان إمام ثقة ثبت معروف.
[ ١ / ٣١٥ ]
على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهى ورأسى، ثم أدخلتنى الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأنى، فلم يرعني إلا رسول الله -ﷺ - ضحى فأسلمتني إليه وأنا يومئذٍ بنت تسع سنين) (١).
هذه قصة الزفاف .. وهكذا صار لعائشة ﵂ حجرة من تلك الحجرات المتواضعة .. وصار لها نصيب في حياته -ﷺ - وقلبه .. يزداد مع الأيام حتى صارت أحب الناس إليه .. يقول أحد الصحابة واسمه عبد الله بن شقيق:
(قلت لعائشة: أي الناس كان أحب إلى رسول الله -ﷺ -؟
قالت: عائشة .. قلت: فمن الرجال؟
قالت: أبوها) (٢).
وصحابي آخر قدم على رسول الله -ﷺ - فجرى بينهما حوار عن الحب .. يقول هذا الصحابي ﵁: (أتيته .. قلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة .. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها .. قلت: ثم من؟ قال: عمر .. فعد رجالًا) (٣).
المرأة من جديد تقفز في المقدمة .. تتقدم فتسير أمام من يدخلون قلب رسول الله -ﷺ - .. وقلب رسول الله -ﷺ - كان مدينةً منورةً أخرى للجميع .. سعدوا بدخولها .. واطمأنوا بالعيش فيها .. ومن آثار تلك الطمأنينة والحب
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٨٩٤).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٣٥٨).
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٤٣٥٨).
[ ١ / ٣١٦ ]
بين المهاجرين والأنصار هذه الخطوات التي يخطوها حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله -ﷺوهو يتجه إلى أحد بيوت الأنصار .. إلى بيت قيس بن فهد .. حمله حب مصاهرة الأنصار الكرام والتماهى معهم إلى يوم القيامة .. خطب حمزة ﵁ خولة بنت قيس فوافقت ووافق أبوها .. وزفت إليه وسكنا معا في بيت تعمره السكينة والإيمان ويزوره النبي - ﷺ - ليقضى فيه وقتا كأنسام البحار عند المساء .. خولة ﵂ تتحدث عن تلك الزيارات التي كان يقوم بها النبي - ﷺ - لبيت عمه .. وتتحدث عن عذوبته عليه -ﷺ -: (أن حمزة بن عبد المطلب لما قدم المدينة تزوج خولة بنت قيس بن قهد الأنصارية من بني النجار .. قال وكان رسول الله - ﷺ - يزور حمزة في بيتها وكانت تحدث عنه -ﷺ - أحاديث قالت جاءنا رسول الله -ﷺ - يومًا فقلت: يا رسول الله .. بلغني عنك أنك تحدث أن لك يوم القيامة حوضًا ما بين كذا وكذا .. قال أجل .. وأحب الناس إلى أن يروى منه قومك قالت فقدمت إليه برمة فيها خبزة أو حريرة .. فوضع رسول الله - ﷺ - يده في البرمة ليأكل فاحترقت أصابعه فقال: حس .. ثم قال: ابن آدم إن أصابه البرد قال: حس .. وإن أصابه الحر قال: حس) (١) وتقول ﵂: (إن رسول الله -ﷺدخل على حمزة فتذاكر الدنيا فقال رسول الله -ﷺ -: "إن الدنيا خضرة حلوة فمن أخذها بحقها بورك له فيها .. ورب متخوض في مال الله ومال رسوله له النار يوم يلقى الله) (٢) كان -ﷺ - يزور أصحابه أيضًا يتفقدهم ويتحسس معاناتهم ..
_________________
(١) سنده قوي رواه أحمد ٦/ ٤١٠ من طريق يحيى بن سعيد عن يحنس تابعي ثقة: التقريب ٢/ ٣٢٤ وللحديث شواهد قوية عند الطبراني: المعجم الكبير ٢٤/ ٢٢٧ تحت عنوان: خولة بنت قيس بن قهيد بن قيس بن ثعلبة الأنصاري امرأة حمزة بن عبد المطلب.
(٢) سنده قوى رواه أحمد ٦/ ٣٦٤ وغيره من طريق يحيى بن سعيد أن عمر بن كثير بن أفلح مولي أبي أيوب الأنصارى أخبره أنه سمع عبيد سنوطا يحدث عن خولة وعمر تابعي ثقة =
[ ١ / ٣١٧ ]
ولأنهم جميعًا بين أضلاعه -ﷺ- فلا بد أن يدلف معهم شيء من الأحزان يشعر به ويشاركهم معاناته .. كان يتقاسم معهم الأحزان والأفراح ..
فخلال تلك البهجة .. خلال فرح المدينة بعرس محمَّد - ﷺ - وعائشة .. خلال الفرح بالمهاجرين والإِسلام كانت قافلة الحياة الطويلة تمر .. تعبر لا تتوقف .. تحمل الفرح والأحزان والمفاجآت .. قافلة الحياة تحمل هذه المرة حزنًا يتأهب لدخول بيت أحد أبطال العقبة والبيعة الخالدة: