قال ابن عباس ﵄: (كان رسول الله - ﷺ - بمكة، فأُمِر بالهجرة، وأنزل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١).
وبعد نزول هذا الأمر الكريم اتجه - ﷺ - نحو صاحبه أبي بكر في سرية تامة .. متلثمًا، في وقت يلوذ فيه الناس ببيوتهم وتخف وطأتهم على الطرقات والدروب لشدة الحر والرمضاء .. في هذا الوقت الذي يتجول فيه السموم واللهب وحدهما في الطرقات كان - ﷺ - يطرق باب أبي بكر الصديق بحذر شديد .. تقول عائشة ﵂: (فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - متقنعًا (٢) -في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول الله - ﷺ -، فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر:
"اخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول
_________________
(١) إسناده حسن. رواه أحمد (تفسير ابن كثير٣/ ٥٨) فقال: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، وهذا الإسناد حسن وقد مر معنا تخريجه، وقال ابن كثير بعد أن ذكره: قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.
(٢) متغطيًا بثوب متخفيًا عن أعين قريش.
[ ١ / ٢٥١ ]
الله. قالﷺ -: "فإني قد أذن لي في الخروج". فقال أبو بكر: "الصحابة" (١) بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول اللهﷺ-: "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول اللهﷺ -: "بالثمن") (٢). أي سأدفع قيمتها.
هذا ما كان يفعله رسول الإسلام - ﷺ - .. أما أعداء الإسلام والحياة .. طواغيت قريش فكانوا في تلك الأيام في شغل وهم ومكائد ينسجون خيوطها في مكان يقال له: