فحالما سمع حديث الرجل انتصبت في مخيلته (مائة من الإبل) (٣) تدفعها قريش لمن ينثر على الساحل دم رسول الله -ﷺ- وصاحبه .. تخيل سراقة تلك الإبل المائة وهي تسيل بين الأودية نحوه ليضمها ويلحقها بما يملكه من الأغنام والإبل المنتشرة في طريق المدينة. لذلك حاول إخراس ذلك المتكلم .. وتثبيط عزيمة السامعين من قومه حتى لا يلحقوا بالمهاجرين فيخسر الإبل الجائزة. لقد قال سراقة لذلك الرجل: (إنهم ليسوا بهم،
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٦١٥) والبيهقيُّ (٢/ ٤٨٣) واللفظ له.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٠٦) مناقب الأنصار. أي رأيت أشخاصًا قرب الساحل.
(٣) جاء ذلك في حديث صحيح الإسناد عند البيهقي (٢/ ٤٨٧).
[ ١ / ٢٦٩ ]
ولكن رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، يبتغون ضالة لهم) (١)، ويواصل سراقة حديثه فيقول:
(ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة (٢)، فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه (٣) الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي، فركبتها، فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام (٤)، فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - ﷺ - وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات. ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان (٥) ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله -ﷺ-، فقلت له:
إن قومك قد جعلوا فيك الدية .. وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم،
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٠٦) مناقب الأنصار. أي ذهبوا يبحثون عن شيء ضاع لنا.
(٢) الأكمة: هي التل.
(٣) الزج: هو الحديدة التى في أسفل الرمح.
(٤) جمع الزلم، وكان أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلام، وكانوا يكتبون عليها الأمر أو النهي ويضعونها في وعاء، فإذا أراد أحدهم أمرًا دخل يده فيه وأخرج سهمًا (أي زلمًا) فإذا خرج ما فيه الأمر استمر في عمله وإن خرج العكس رجع عنه.
(٥) هو الدخان أو الغبار.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني (١)، ولم يسألاني، إلا أن قال: "أخف عنا" فسألته أن يكتب لي كتاب أمن .. فأمر عامر بن فهيرة، فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله -ﷺ-) (٢) بعد أن أعطى الأمان لذلك الباحث الذي يريد قتله وحز رأسه، معجزة مخيفة ورادعة ما حدث لسراقة، إذًا فرسول الله - ﷺ - في حصن حصين لن تصل إليه أيدي المشركين، فلماذا يقول لسراقة: أخف عنا .. لماذا يقولها وهو محاط بهذا الحشد من الخوارق، والجنود التي لا يعلمها إلا الله؟
إنه يقولها لأنه رسول جاء بمنهج من عند الله للبشر، وعلى البشر مهمة نشره هنا وهناك، فبجهدهم ينتشر، وعلى البشر أن يركضوا هنا وهناك بحثًا عن الأسباب الموصلة للنجاح، ورسول الله - ﷺ - في هجرته يرسم خطًا لا يمكن أن ينتشر الإسلام إلا بالسير عليه، لقد هاجرﷺ - بعد أن خطط ورسم، وتكتم وتلثم، وسار في الليل والناس نيام، ثم جعل نتائج كل ذلك إلى الله سبحانه، إنه لم يتحدث لأبي بكر قبل الهجرة عن معجزات ستحصل في الطريق، لأنه فعل الأسباب كما طلب منه، ثم فوض أمره إلى الله، إن الهجرة تطبيق عملي لقوله - ﷺ -:
(إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) (٣) فإذا أتقنه فقد انتهى دوره .. وهذه طاقة البشر لا يكلفهم الله فوق طاقتهم .. فإن قبض عليه المشركون وقبضوا على صاحبه .. فقد أديا ما طلب منهما ولا شيء عليهما وإن أكرمهم الله بمعجزة أو خارقة فذلك فضل من الله .. لكن المسلم يأثم إن لم يتقن عمله أملًا في حدوث معجزة أو كرامة تقلب
_________________
(١) أي لم يأخذا منه شيئًا.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٣٩٠٦).
(٣) حديثٌ حسنٌ. انظر صحيح الجامع (٢/ ١٤٤).
[ ١ / ٢٧١ ]
الأوضاع وعليه أن ينتظر النكسة في أية لحظة تطرق بابه .. لقد استوعب رسول اللهﷺ- وأصحابه المستضعفون هذه الحقيقة .. فدعوا وأسروا واختفوا ولاقوا ما لاقوا في سبيل ربهم .. ولما أقفلت قريش أبواب مكة كلها في وجوههم تركوها لهم .. غادروها وهي أحب البقاع إلى الله وإليهم .. لقد وقف - ﷺ - يومًا (بالحزوراء في سوق مكة فقال: إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت وقال: علمت إنك خير أرض الله، وأحب أرض الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت) (١).
غادرها - ﷺ - بعد أن ضاقت به .. وغادرها الصحابة كلهم نحو مدينة مفتحة الأذرع والأبواب .. للهاربين للخلاص .. للحاملين سورة الإخلاص .. غادروها إلى مدينة عطوف .. يحن فيها كل شيء .. حتى الجذع يحن إلى رسول الله -ﷺ- .. حتى الحجارة فيها بادلت الصحابة عشقًا .. ألم يلتفت - ﷺ - إلى جبل أحد فيقول: (أحد جبل يحبنا ونحبه) (٢) إن الهجرة ترافق الشمس كل صباح تحيي الغرباء وتقول لهم: إذا أتقنتم أعمالكم تحولت مدن العالم إلى مدائن للحب والأنصار .. وشغفت جبال الدنيا بكم .. كما شغف جبل أحد بأسلافكم.
واصل الرسول - ﷺ - وصاحبه المسير .. وفي طريقهما شاهدا بعض الأغنام وشاهدا بينهما الراعي .. فطلبا منه السقيا .. فقال: (ما عندي شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقًا حملت أول الشتاء، وقد أخرجت، وما بقي لها لبن، فقال - ﷺ -:
_________________
(١) إسنادُهُ صحيحٌ. رواه البيهقي (٢/ ١٧ - ٥١٨) من طريق الزهري قال: أخبرني أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهرى سمع رسول الله -ﷺ- وهو واقف بالحزوراء في سوق مكة وهذا الإسناد صحيح وهو المحفوظ كما قال البيهقي.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري. انظرصحيح الجامع (١/ ١١٤). وأُحد جبل في المدينة.
[ ١ / ٢٧٢ ]
"ادع بها". فاعتقلها النبيﷺ- ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب (١) وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت فوالله ما رأيت مثلك قط؟
قال - ﷺ -: "أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ " قال: نعم. قالﷺ-: "فإني محمد رسول الله"، فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ. قالﷺ -: "إنهم ليقولون ذلك". قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وإنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال - ﷺ -:"إنك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا") (٢).
هذا الراعي المسكين نشأ في الصحراء حتى صار قطعة منها تهتز ربيعًا وجمالًا عندما يغشاها المطر .. ولقد اهتز إيمانًا عندما رأى المعجزات وحسن الأخلاق تهز عقله ليفيق من سبات الافتراءات التي أوصلتها إلى مسامعه قريش .. هذه الماعز التي لم يكن في ضرعها سوى الجفاف .. درت حليبًا وأنزلت .. أما هذا الرجل المطارد المتهم الذي حلبها فلم يشرب رغم عطشه .. لقد أسرت هذا الراعي أخلاق لم يعهدها .. يحلب وهو نبي الله ويسقي منهم دونه ثم يشرب آخرهم وهو الذي لو أراد لأدار الله له هذه الأرض ينتقي منها ما يشاء .. فأسلم الراعي وآمن وقرر ترك الصحراء والغنم ما دام بصحبة نبي.
لكن خلق النبي -ﷺ- الكريم وخوفه على أتباعه من الاضطهاد جعله يريثه إلى أجل لا يعلمه إلا الله. وامتثل هذا الراعي وصبر رغم شوقه ولهفه. هذا الراعي أظنه.
_________________
(١) الذي حلب هو رسول - ﷺ -، ثم سقى الجميع ثم شرب آخرهم.
(٢) إسنادُهُ صحيحٌ. رواه البيهقي وأبو يعلى، وانظر تخريج الذي بعده فهو هو.
[ ١ / ٢٧٣ ]