على دروب السواحل .. الفجر سار يناضل .. والليل صار مخيفًا .. والخوف كان الرواحل .. فهذه الرحلة يحدد نجاحها قيام دولة للإسلام في يثرب .. أو موت حلم ثم البدء من جديد .. والبحث من جديد .. يقول الصديق ﵁:
(أدلجنا من مكة ليلًا، فأحيينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا (٢)، وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل نأوي إليه، فإذا صخرة، فانتهيت إليها، فإذا بقية ظل لها، فسويته، ثم فرشت لرسول الله - ﷺ - فروة، ثم قلت: اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم ذهبت أنفض (٣) ما حولي
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٠٥).
(٢) وقت الظهر.
(٣) أتحسس وأحرس وأراقب المكان.
[ ١ / ٢٦٧ ]
هل أرى من الطلب أحدًا؟ فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي نريد -يعني الظل- فسألته، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش فسماه، فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، وأمرته أن ينفض ضرعها من التراب، ثم أمرته أن ينفض كفيه -فقال هكذا، فضرب إحدى كفيه على الأخرى- فحلب لي كثبة (١) من لبن، وقد رويت معي لرسول الله - ﷺ - أداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن، حتى برد أسفله، فأتيت رسول الله -ﷺ- فوافقته وقد استيقظ فقلت: أتشرب يا رسول الله؟ فشرب رسول الله -ﷺ- حتى رضيت ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله.
فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له. فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله. قال: لا تحزن إن الله معنا. فلما أن دنا منا، وكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله - وبكيت. فقال - ﷺ -: "ما يبكيك؟ " فقلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن إنما أبكي عليك.
فدعا عليه رسول الله -ﷺ-: فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها. ثم قال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن ينجني مما أنا فيه: فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا، فإنك ستمر بإبلي وغنمي بمكان كذا .. وكذا ..، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله -ﷺ-:
_________________
(١) قليل.
[ ١ / ٢٦٨ ]
"لا حاجة لنا في إبلك وغنمك"، ودعا له رسول الله -ﷺ-، فانطلق راجعًا إلى أصحابه، ومضى رسول الله -ﷺ-) (١).
مَن سراقة هذا وما الذي أتى به خلف رسول الله -ﷺ- .. وكيف عرف أنهم يسلكون طريق السواحل؟