فعندما اتفق الطغاة على تحديد ليلة ينكسون فيها سيوفهم في ذلك الجسد الطاهر .. ثمانية سيوف وربما أكثر تتلمض تريد أن تستحم بدمائه - ﷺ - وتشب .. يريدون ليطفئوا نور الله .. والله متم نوره .. ولو كان فوق كل حبة رمل سيف لأعدائه .. أرسل الجبار سبحانه وحيًا يحمله جبريل (فأتى جبريل رسول الله -ﷺ-، فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كان العتمة من الليل اجتمعوا على بابه، فترصدوه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله -ﷺ- مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي، واتشح (٢) ببردي الحضرمي الأخضر، فنم فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله -ﷺ- ينام في برده ذلك إذا نام) (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري، وقد مر معنا أوله.
(٢) أي تغط.
(٣) جزء من حديث طويل مر معنا وهو عن اجتماع دار الندوه وهو حسن بالشواهد.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وامتثل الفارس الشاب لأمر سيده - ﷺ - .. واتشح بالبرد .. وكان على استعداد ليتشح بالدماء .. فقد علمه الإسلام كيف يبذل روحه لله وحده .. علمه كيف يكون رسول الله -ﷺ- أحب إليه من نفسه .. وخرج رسول الله -ﷺ- متسللًا .. وبعد خروجه (جاء أبو بكر وعلي نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، فقال: يا نبي الله. فقال علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، وجعل علي يُرْمَى بالحجارة كما كان يُرْمَى نبي الله - ﷺ - وهو يتضور (١)، قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف رأسه، فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضور، وأنت تتضور، وقد استنكرنا ذلك) (٢).
إذًا فقد حدث تغيير بسيط في خطة الهروب بعد أن علم - ﷺ - بالمؤامرة فلم ينم على فراشه .. وتسللﷺ - بعد تخطيط محكم وخدعة بارعة انطلت على جميع الأغبياء والأذكياء منهم .. على كل سيف صلت قد انتصب خلف باب ينتظر الجريمة .. ولم تكتشف أكداس الكفر خلف الجدار ما حل بهم إلا بعد أن تنفس الصبح في وجوههم يوقظهم ليسخر منهم .. علي بن أبي طالب كان فتى يعدل أمة .. ويخدع طواغيتًا قد ركمهم الحقد وحنطهم الغل حول الباب .. بينما كان رسول الله -ﷺ- يأخذ بيد صاحبه أبي بكر عند بئر ميمون ويواصلان المسير على عجل .. يدفعان الجبال عنهما دفعًا .. بالتأكيد لم يكونا في نزهة خارج مكة .. لقد كانا مسرعين
_________________
(١) يتلوى.
(٢) إسناده لا بأس به، رواه أحمد (الفتح الرباني ٢٣/ ١١٨) من طريقين، عن أبي عوانة، حدثنا أبو بلج، حدثنا عمرو بن ميمون عن ابن عباس: وأبو عوانه اسمه: وضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة ثبت. التقريب (٢/ ٣٣١) وشيخه اسمه: يحيى بن سليم وحديثه حسن إذا لم يخالف، أما عمرو بن ميمون أبو عبد الله الأودي، فهو مخضرم مشهور وثقة عابد. التقريب (٢/ ٨٠).
[ ١ / ٢٥٦ ]
يقصدان جبلًا عيَّناه وحدداه ورسماه ضمن خارطة الهجرة وخطة الهروب .. وهما الآن يعجان إليه .. لكن أبا بكر الصديق لم يكن طبيعيًا .. كان مرتبكًا .. طريقة سيره توحي بذلك .. فهو يحمل روحه في إحدى يديه .. ويحمل باليد الأخرى خمسة آلاف درهم هي كل ما يملكه من مال .. لكن حركته واضطرابه لا توحي بأنه خائف على روحه ولا على ثروته فماذا هناك؟