أتذكرون ذلك المسكين الذي قدم على رسول الله -ﷺ- وهو في قباء وقدم له صدقة من طعام فأكل الصحابة منه ولم يأكل رسول الله -ﷺ- .. قباء تذكره .. وأنتم؟ .. ها هو يأتي مرة أخرى يحمل هدية من طعام تحملها يدان تشققتا من العبودية والكدح والشقاء .. تحمله أقدامه دامية .. عصفتها الدروب والثلوج والرمضاء والرياح .. وما إن وقف ذلك المسكين أمام رسول الله -ﷺ- حتى قال له:
_________________
(١) حديث صحيح. متفق عليه.
(٢) متفق عليه وهو أخر الحديث السابق.
(٣) صحيح. رواه البخاري (٣٧٨٤).
(٤) صحيح. رواه البخاري (٣٧٨٣).
[ ١ / ٣٠٥ ]
(إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله - ﷺ - منها وأمر أصحابه فأكلوا معه) (١).
فقال ذلك المسكين في نفسه: (هاتان اثنتان) (٢) ثم خرج من عند رسول الله -ﷺ- وهو أحر شوقًا مما كان عليه .. عاد لسيده اليهودي يكدح ويكدح .. وينتظر النهار بين نخيل المدينة .. فمن أجل النهار جاء .. جاء من مكان بعيد .. جاء سيدًا .. جاء مبتسمًا وباكيًا .. جاء عبدًا مقيدًا .. جاء من مر السنين .. ولن تضيره أيام قليلة من الانتظار .. فربما طلع النهار وانزاح ليله الدامي الطويل.
أما رسول الله -ﷺ- فمكث ما شاء الله له أن يمكث في ضيافة أبي أيوب .. ولم يكن هناك من مسجد للصلاة فـ (كان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم) (٣).
لكن المدينة اليوم عاصمة للإسلام .. وهي تتسع كل يوم بالوافدين والمهاجرين .. وكان لا بد لها من مسجد .. وقرب بيت أبي أيوب لمح رسول الله -ﷺ- حائطًا لبني النجار .. لم يرَ رسول الله - ﷺ- أنسب منه مكانًا لمسجده .. فكانت هذه القصة: