وقد كان الصحابة ﵃ قد سألوا أبا بكر فقالوا: "يا صاحب النبي - ﷺ - .. هل يصلى على النبي - ﷺ - .. قال: نعم" (١) وكان بيت النبي - ﷺ - ومسجده محاطًا بجموع الصحابة رجالًا ونساء وأطفالًا ينتظرون الصلاة عليه .. لكن بيت عائشة لا يتسع لهم جميعًا فقد قدم صحابة من أطراف المدينة وما حولها .. ولا يمكن أن تحرم هذه الجموع المحبة المفجوعة من الصلاة على نبيها ووداعه والدعاء له .. فسألوا أبا بكر ﵁ عن كيفية الصلاة على النبي - ﷺ - فقالوا: "يا صاحب النبي - ﷺ - هل يصلى على النبي - ﷺ - قال: نعم .. قالوا: وكيف يصلى عليه؟ قال: يدخل قوم فيكبرون ويدعون ويجيء آخرون" (٢) فنظموهم مجموعات مجموعات وحددوا أحد أبواب عائشة للدخول وآخر للخروج بعد أداء الصلاة .. يقول أحد الذين شاهد تدفق أمواج الحب تلك: "لما قبض رسول الله - ﷺ - قالوا: كيف نصلي عليه؟
قالوا: ادخلوا من ذا الباب أرسالًا أرسالًا فصلوا عليه واخرجوا من الباب الآخر" (٣) فتحولت الحشود إلى مجموعات صغيرة ودخلت بترتيب
_________________
(١) جزء من حديث سالم بن عبيد السابق.
(٢) جزء حديث سالم بن عبيد السابق.
(٣) سنده صحيح رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢ - ٢٨٩ أخبرنا عفان بن مسلم والأسود بن عامر قالا أخبرنا حماد بن سلمة قال أخبرنا أبو عمران الجوني أخبرنا أبو عسيم شهد ذلك .. وأبو عمران الجوني هو عبد الملك بن حبيب تابعى ثقة من رجال الشيخين: التقريب ١ - ٥١٨ وحماد إمام معروف وكذلك تلميذه عفان والأسود هو المعروف بـ: شاذان وهو ثقة من رجال الشيخين: التقريب ١ - ٧٦.
[ ٤ / ٣١٣ ]
وسكينة وخشوع مخضبة بالدموع والبكاء .. فتحول المسجد وبيت عائشة إلى ساحة من النحيب والأنِين والرضا بقضاء الله والحمد للذي لا يحمد على مكروه سواه .. ولا أدري ما هي حال المكان بعد دخول أمهات المؤمنين وبقية النساء .. لا أدري ما هي حال الفقراء والمساكين وأهل الصفة وهم يصلون على كافلهم والحاني عليهم .. وكيف هي حال المدينة كلها في ذلك اليوم الثقيل المؤلم ..
انتهى الرجال والنساء والأطفال من الصلاة على النبي - ﷺ - فإذا الدنيا مساء وإذا الشمس قد غربت فلم يجدوا بدًا من: