الذي لا ينتظر أحدًا من البشر حتى الأنبياء منهم .. وفي لحظات الكرب وشدة سكرات الموت كانت فاطمة تشاهد حركة أبيها من شدة الألم وذلك "لما ثقل رسول الله - ﷺ - جعل يبسط رجلًا ويقبض أخرى ويبسط يدًا ويقبض أخرى قالت فاطمة يا كرباه لكربك يا أبتاه قال رسول الله - ﷺ -: أي بنية لا كرب على أبيك بعد اليوم" (٢) ثم رفع طرفه إلى
_________________
(١) صحيح البخاري ١ - ٢٤٠ والزيادة عند مسلم ١ - ٣٤٨.
(٢) سنده صحيح رواه أبو يعلى ٦ - ١١١ حدثنا القواريري حدثنا حماد بن زيد حدثنا ثابت البناني عن أنس قال .. والقواريري هو الثقة الثبت العالم عبيد الله بن عمر من رجال =
[ ٤ / ٢٩٧ ]
السماء وكأنه يرى منزله من الجنة .. تقول عائشة ﵂: "كان النبي - ﷺ - يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير .. فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه .. ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: اللَّهم الرفيق الأعلى، فقلت: إذًا لا يختارنا .. وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا" (١). وتقول رضوان الله عليها: "كان رسول الله - ﷺ - إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا .. فلما مرض رسول الله - ﷺ - وثقل أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع فانتزع يده من يدي .. ثم قال: اللَّهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى" (٢) "وأخذته بحة وهو يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا .. قالت: فظننته خير حينئذ" (٣) وهنا دخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وفي يده سواك فكان النبي - ﷺ - ينظر إلى السواك في يده "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله - ﷺ -[وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك فأشار برأسه أن نعم .. فتناولته .. فاشتد عليه .. وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم] (٤) فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن .. فأعطانيه فقضمته .. ثم مضغته" (٥) "ونفضته وطيبته ثم دفعته
_________________
(١) = الشيخين: التقريب ١ - ٥٣٧ وشيخه ثقة ثبت فقيه: التقريب ١ - ١٩٧ وثابت تابعي ثقة معروف.
(٢) صحيح البخاري ٤ - ١٦٢٠.
(٣) صحيح مسلم ٤ - ١٧٢١.
(٤) صحيح مسلم ٤ - ١٨٩٣. وكلمة (هو) ليست في النص.
(٥) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٦ وجاء بعد كلمة (علبة) يشك عمر.
(٦) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٧.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
إلى النبي - ﷺ - فاستن به فما رأيت رسول الله - ﷺ - استن استنانًا قط أحسن منه [وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات] (١).
فما عدا أن فرغ رسول الله - ﷺ - رفع يده أو إصبعه ثم قال:
في الرفيق الأعلى
في الرفيق الأعلى
في الرفيق الأعلى
ثم قضى" (٢) "ومالت يده" (٣) "فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي" (٤) "في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة" (٥) "فلما خرجت نفسه لم أجد ريحًا قط أطيب منها" (٦) .. عندها بكت فاطمة والدها بحرقة بكته بقلبها ودمعها وقالت:
"يا أبتاه أجاب ربًا دعاه
يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه
يا أبتاه إلى جبريل ننعاه" (٧) أما عائشة الشابة الثكلى فقد ذهلت
_________________
(١) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٦ وجاء بعد كلمة (علبة) يشك عمر.
(٢) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٣.
(٣) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٦.
(٤) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٧.
(٥) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٧.
(٦) سنده صحيح رواه أحمد ٦ - ١٢١ ثنا همام قال أنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت.
(٧) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٩.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وتحدثت عن ذهولها فقالت: "مات رسول الله - ﷺ - بين سحري ونحري وفي بيت لم أظلم فيه أحدًا فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله - ﷺ - قبض وهو في حجري .. ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألدم مع النساء وأضرب وجهي" (١) .. بكت أمهات المؤمنين وبكت النساء وبكى الرجال ولم يبك عمر بن الخطاب بل قام يخطب غاضبًا فيمن حوله ومهددًا من يقول أن رسول الله - ﷺ - قد مات .. فطلبوا من رجل من أهل الصفة اسمه سالم بن عبيد أن ينادي أبا بكر فقد اشتد غضب عمر حتى لقد قال من شدة الصدمة "لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا. فسكتوا وكانوا قومًا أميين لم يكن فيهم نبي قبله .. قالوا: يا سالم .. اذهب إلى صاحب النبي - ﷺ - فادعه قال سالم: فخرجت فوجدت أبا بكر قائمًا في المسجد قال أبو بكر: مات رسول الله - ﷺ - .. قلت: إن عمر يقول لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا .. فوضع يده على ساعدي ثم أقبل يمشي حتى دخل .. فوسعوا له حتى أتى النبي - ﷺ - فأكب عليه حتى كاد أن يمس وجهه وجه النبي - ﷺ - حتى استبان له أنه قد مات .. فقال أبو بكر: إنك ميت وإنهم ميتون" (٢). وصل أبو بكر من بيته الذي يقع في مكان شرقي المدينة يقال له: (السنح) .. "أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل
_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه أبو يعلى ٨ - ٦٣ والبيهقيُّ في الدلائل ٧ - ٢١٣ حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال سمعت عائشة تقول ويحيى ووالده ثقتان وقد مر معنا هذا الإسناد كثيرًا.
(٢) سنده صحيح رواه النسائي في السنن الكبرى ٤ - ٢٦٣ أنبأ قتيبة بن سعيد قال حدثنا حميد ابن عبد الرحمن عن سلمة بن نبيط عن نعيم عن نبيط عن سالم بن عبيد .. ونبيط بن شريط صحابي صغير ونعيم تابعى ثقة: التقريب ٢ - ٣٠٦ وهو ابن أبي هند وتلميذه ثقة من صغار التابعين: التقريب ١ - ٣١٩ وحميد الرواسي ثقة من رجال الشيخين: التقريب ١ - ٢٠٣ وقتيبة ثقة ثبت من رجال الشيخين: التقريب ٢ - ١٢٣.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
فدخل المسجد .. فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله - ﷺ - وهو مغشى بثوب حبرة .. فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى .. ثم قال: بأبي أنت وأمي .. والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها" (١) ثم: