وذلك بعد أن أذن بلال ﵁ وأقام الصلاة فتقدم أبو بكر للصلاة وكبر وأمهم وأثناء الصلاة خرج علي بن أبي طالب والعباس ﵄ يحملانه ﵇ من غرفة عائشة التي تقول: "إن النبي - ﷺ - وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلى بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر .. فأومأ إليه النبي - ﷺ - بأن لا يتأخر قال: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر .. فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي - ﷺ - والناس بصلاة أبي بكر والنبي - ﷺ -" (٢) فتحول المسجد إلى ساحة من البهجة والسعادة التي لم تدم فقد أدخل ﵊ إلى بيت عائشة من جديد يقول أنس بن مالك ﵁: "إن رسول الله - ﷺ - صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد مخالفًا بين طرفيه فلما أراد أن يقوم قال: ادع لي أسامة بن زيد
_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن إسحاق السيرة النبوية ٦ - ٦٧ حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن محمَّد بن أسامة عن أبيه أسامة بن زيد وسعيد ومحمَّد بن أسامة تابعيان ثقتان من رجال: التقريب ١ - ٣٠١ و٢ - ١٤٣.
(٢) صحيح البخاري ١ - ٢٤٣.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
فجاء فأسند ظهره إلى نحره" (١) حيث تفاقم عليه المرض .. وكانت فاطمة ﵍ وأمهات المؤمنين لا يتوقفن عن زيارته بينما كان الألم لا يتوقف عنه .. وبعد أن خرج أسامة والعباس وعلي ﵃ رأى العباس بفراسته تقاسيم الموت في وجه النبي - ﷺ - .. ولما خرجا من عنده "قال الناس: يا أبا الحسن .. كيف أصبح رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا .. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا وإني والله لأرى رسول الله - ﷺ - سوف يتوفى من وجعه هذا .. إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت .. اذهب بنا إلى رسول الله - ﷺ - فلنسأله فيمن هذا الأمر .. إن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا .. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله - ﷺ - فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده .. وإني والله لا أسألها رسول الله - ﷺ -" (٢) كان العباس يريد معرفة من يخلف النبيﷺ - لكن عليًا كان أبعد نظرًا لأن الخلافة ليست منحة منه ﵊: وقد تحدث ﵊ بكلام خطير ودقيق وهام عن الخلافة وعن الصفات التي لا بد أن تتوفر في الخلفاء .. وما يحل للخليفة وما لا يحل وعن أنه لا يعطي الإمارة من سألها وأشياء كثيرة .. بينما لم يتحدث عن شخص بعينه يجب أن يتولى من بعده مما يعني أنه سيترك للمؤمنين أمر انتخاب الأصلح لهم ولها .. والصحابة بشر لهم وجهات نظر مختلفة وآراء مختلفة ومواهب مختلفة ومزايا مختلفة ولا يمكن أن يجمعوا على شخص بعينه .. لكن هناك
_________________
(١) سنده صحيح رواه البيهقي في الدلائل ٧ - ١٩٢ من طريق سعيد بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثنا حميد الطويل عن ثابت عن أنس وهذا السند على شرط البخاري وقد رواه كثيرًا انظر مثلًا صحيح البخاري (١ - ١٥٧ و١ - ٢٠٩).
(٢) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٥.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
ميزات إذا جمعت برز صاحبها كما برز أبو بكر الذي عينه ﵇ للصلاة دون أن يسعى للإمامة أو يقدم طلبًا لها .. النبي - ﷺ - هو الذي اختاره وعينه رغم رفضه لها في البداية .. وبعيدًا عن ذلك وبينما كان ﵇ تبرحه الآلام وتزداد به الأوجاع وتنشغل بجسده كان مشغولًا بأمته خائفًا عليها أن تضل كما ضلت اليهود والنصارى .. تقول عائشة وعبد الله بن عباس ﵄ "لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه .. قال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" (١) فبعد وفاة أي نبي تزداد العاطفة وتجيش المشاعر فتطيش بدعًا وخرافات ومزارات وزخارف .. حتى يتحول من مجرد قبر إلى وثن يطاف به ويتمسح ويستقبل وتشد الرحال إليه ويذبح عنده وتحيط به السرج والشموع والمصابيح ويطلى بالذهب ويرصع بالجواهر .. وفي النهاية ينصرف الناس عن الخالق ليتعلقوا بمخلوق لا يملك من أمره شيئًا إلا ما وهبه الخالق سبحانه وحباه به .. عندها ينهدم ما بناه النبي - ﷺ - خلال أكثر من عشرين عامًا ويعود الشرك من جديد لكن بدلًا من عبادة الصنم الذي على شكل صورة يصبح وثنًا على شكل قبر .. كان ﵇ يخشى ذلك ويحذر منه رغم ما هو فيه من المعاناة والحمى التي يزداد اشتعالها داخل جسده الشريف مما أعجزه عن الخروج للمسجد .. حيث صلى أبو بكر في الناس العصر والمغرب والعشاء والفجر والناس يترددون على المسجد وفي الطرقات وفي الأسواق فلا يرون فيها حبيبهم ونبيهم فيها فيزداد شوقهم وحزنهم حتى:
_________________
(١) صحيح البخاري ١ - ١٦٨.
[ ٤ / ٢٩٥ ]