دعونا نتجه إلى سقيفة بني ساعدة والذي سيأخذنا إلى هناك شاب من أهل بيت النبي - ﷺ - هو عبد الله بن عباس الذي يقول إن عمر بن الخطاب قال:
"كان من خبرنا حين توفى الله نبيه - ﷺ - أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما .. واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر .. انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار [فاجتمع المهاجرون يتشاورون فبينا هم كذلك يتشاورن إذ قالوا: فانطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار فإن لهم في هذا الحق نصيبًا] فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان .. فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم
فقلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت: من هذا؟
فقالوا: هذا سعد بن عبادة .. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك .. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله .. ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإِسلام .. وأنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر .. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر .. وكنت أداري منه بعض الحد .. فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك: فكرهت أن أغضبه .. فتكلم
[ ٤ / ٣٠٤ ]
أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر .. والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت .. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل .. ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبًا ودارًا .. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم .. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا .. فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر .. اللَّهم إلا أن تسول لي نفسي عند الوت شيئًا لا أجده الآن .. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش .. فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف .. [قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير .. فأتاهم عمر ﵁ فقال: [سيفان في غمد واحد إذًا لا يصطلحا] .. يا معشر الأنصار .. ألستم تعلمون أن رسول الله - ﷺ - قد أمر أبا بكر ﵁ أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ﵁ .. فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ﵁] (١). [قلت: يا معشر الأنصار .. يا معشر المسلمين .. إن أولى الناس بأمر نبي الله - ﷺ - ثاني اثنين إذ هما في الغار أبو بكر السباق المتين .. [من هذا الذي له هذه الثلاث؟ إذ هما في الغار من هما .. إذ يقول لصاحبه من صاحبه لا تحزن إن الله معنا مع من هو؟ فبسط عمر يد أبي بكر ﵄ فقال: بايعوه فبايع الناس أحسن بيعة وأجملها] .. ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الأنصار فضرب
_________________
(١) سند الزيادة حسن رواه أحمد ١ - ٢١ وغيره من طرق عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود وعاصم بن أبي النجود إمام القراء حسن الحديث من رجال الشيخين التقريب ١ - ٣٨٣ والمعقوفان داخله من حديث سالم بن عبيد السابق.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
على يده قبل أن أضرب على يده] (١) فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته .. وبايعه المهاجرون .. ثم بايعته الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة .. فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة .. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة .. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا .. فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه" (٢)
كل هذه الأحداث جرت بسرعة كبيرة خلال يوم الاثنين الذي مر بحزن وسلام .. فقد أصبح للدولة الإسلامية قائد جديد وللمسلمين إمام كفوء لقيادتها .. تقبل الأنصار قيادة أبي بكر المهاجر إلى أرضهم لأنهم رجال تثقفوا بالكتاب والسنة وآمنوا بالله ورسوله .. ورضوا أن يؤمهم رجل ارتضاه لهم النبي - ﷺ - وهو حي بين أظهرهم فيكف لا يرضونه بعد مماته .. وهم الذين ما كانوا ليقبلوا رجلًا من غيرهم لو لم يتشبعوا بالتربية الإِسلامية العظيمة .. بل ما كان الأوس ليقبلوا عليهم زعيمًا من الخزرج ولن يرضى الخزرج أن يتأمر عليهم زعيم من الأوس لو كِانوا لا يزالون على ثقافتهم الخشبية .. ثقافة الأصنام التي أزاحها الإسلام عن قلوبهم وعقولهم إلى غير رجعة .. أما أبو بكر فلم يشغله حزنه على نبيه عن مسؤوليته الضخمة تجاه أمته .. فهذا الرجل العظيم هو الذي أعاد
_________________
(١) سند الزيادة صحيح رواها ابن إسحاق ومن طريق الضياء في المختارة ١ - ٢٨٨ حدثني عبد الله بن أبي بكر عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر قال وهو سند صحيح فعبد الله بن حزم الأنصاري تابعي صغير وثقة من رجال الشيخين: التقريب ١ - ٤٠٥ وبقية السند سند البخاري والمعقوفان داخله من حديث سالم بن عبيد السابق.
(٢) صحيح البخاري ٦ - ٢٥٠٦.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
للمفجوعين رشدهم .. وهو الذي ساقته طول صحبته لنبيه ﵇ إلى النظر للأمور بمنظار أبعد وأكثر اتساعًا .. فاستحق أن يواصل صلاته بالأمة الظهر والعصر وبقية الصلوات بعد أن استقر الوضع السياسي ليعود للنفوس كمدها وحزنها على نبيها - ﷺ - في يوم أسود رسمه أنس بن مالك لنا فقال: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله - ﷺ - المدينة أضاء منها كل شيء .. فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء" (١)
ومضى ذلك اليوم لترحل شمس الإثنين بالفتنة جثة هامدة .. مضى الإثنين الحزين