وقبل أن يصلي أبو بكر في الناس صلاة الصبح قام عمر فتوجه إلى المنبر مخاطبًا الصحابة ومعتذرًا عفا بدر منه بالأمس من أقوال وداعيًا بقية الصحابة لمبايعة أبي بكر ﵁: يقول أنس بن مالك ﵁: "إنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي - ﷺ - .. فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم .. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرهم .. فإن يك محمَّد - ﷺ - قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به بما هدى الله محمدًا - ﷺ - .. وإن أبا بكر صاحب رسول الله - ﷺ - ثاني اثنين فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه .. وكانت طائفة
_________________
(١) سنده صحيح رواه الترمذيُّ ٥ - ٥٨٨ وغيره من طريق جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس بن مالك وجعفر صدوق زاهد من رجال مسلم: التقريب ١ - ١٣١ وشيخه تابعي ثقة سمع من أنس.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر" (١)
وبعد أن انتهى عمر من خطبته نزل عن المنبر وطلب من أبي بكر الصعود كي يبايعه المؤمنون .. لكن أبا بكر رفض فلم يزل عمر يلح عليه حتى صعد .. يقول أنس ﵁: "سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر .. فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة" (٢)
"فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة [فلما قعد أبو بكر ﵁ على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا ﵁ .. فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به .. فقال أبو بكر ﵁: ابن عم رسول الله - ﷺ - وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين؟
فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله - ﷺ -.
ثم لم ير الزبير بن العوام ﵁ فسأل عنه حتى جاءوا به .. فقال: ابن عمة رسول الله - ﷺ - وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله .. فبايعاه] فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله .. ثم قال: أما بعد أيها الناس .. فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة .. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله .. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله .. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل .. ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء .. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله
_________________
(١) صحيح البخاري ٦ - ٢٦٣٩.
(٢) صحيح البخاري ٦ - ٢٦٣٩.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
فإذا عصيت الله رسوله فلا طاعة لي عليكم .. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله" (١) فنهض الجميع إلى الصلاة خلف أبي بكر في يوم امتزج فيه الأسى بالطمأنينة .. فرسول الله - ﷺ - مازال مسجى لم يدفن بعد والأمة قد اجتمع أمرها على خليفة لرسول الله .. وبعد أداء الصلاة بدأ الإعداد لـ