فوجئ بها القوم وصعقوا .. وحدث قتال غير متكافئ لهول المفاجأة، لأن (النبي - ﷺ - أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقي الماء، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم) (١)، فكسرت شوكة بني المصطلق، وبدأت جذوة قريش والشرك تخبو في نفوسهم بعد أن رأوا (مائة أهل بيت) (٢) وأكثر يساقون سبايا نحو المدينة .. وكان من هؤلاء السبايا شابة هي ابنة زعيم بني المصطلق واسمها (جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه) (٣) (وكانت امرأة حلوة، ملاحة، لا يراها أحد إلَّا أخذت بنفسه) (٤).
سارت جويرية والألم يعتصر قلبها .. وهي تساق جارية بعد أن كانت سيدة نساء قومها .. أحسّت بفداحة الجرم الذي ارتكبه زعماء قبيلتها في حقّها وحق مائة بيت اقتيدوا نحو المدينة .. ورغم حسن المعاملة .. ولطف العناية التي حظي بها هؤلاء من النبي - ﷺ - وأصحابه .. إلَّا أن للوطن والأهل حبًا زرعه الله في قلب الإنسان .. وقد أثار هذا الذلّ
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٢٥٤١).
(٢) سنده صحيح عند ابن إسحاق وسيأتي تخريجه عند نهاية القصة.
(٣) سنده صحيح عند ابن إسحاق وسيأتي تخريجه عند نهاية القصة.
(٤) سنده صحيح عند ابن إسحاق وسيأتي تخريجه عند نهاية القصة.
[ ٣ / ٣١ ]
الذي أصاب جويرية وقومها ذلك الشوق والحنين إلى تلك المرابع .. رغم أن النبي - ﷺ - وأصحابه يكرمون أسراهم .. (ويطعمون الطعام على حبّه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا) .. رغم أن النبي - ﷺ - وأصحابه يؤثرون الأسرى بالطعام الجيد على أنفسهم إلَّا أن قطرات الذلّ تفسد أشهى الأطباق .. وهو ذلّ جلبه الشرك لبني المصطلق .. فلولا استعدادهم وإعدادهم للهجوم على المدينة وأهلها لما أصابهم ما أصابهم .. كان بنو المصطلق يحلمون بسبايا المدينة يقتادونها نحو مرابعهم .. يحلمون بدم النبي - ﷺ - وأصحابه ودعوته .. لكن الله ردّ كيدهم في نحورهم .. وها هي بيوتهم وأحلامهم قد خلت منهم .. وها هو جيش محمَّد - ﷺ - يعود إلى المدينة بهم .. وفي الطريق يتوقف النبي - ﷺ - ويتوقف جيشه للاستراحة قرب المدينة .. فتنبث الجموع هنا وهناك .. ومع حلول الليل تتلاشى تلك الحركة .. وبعد أداء صلاة العشاء يأوي كل إلى فراشه .. ويقوم من يقوم منهم في سياحة مع الله وصلاة .. وكان أحد أفراد الجيش واسمه: صفوان بن معطل متأخرًا عن الجيش -ربما بأمر النبي - ﷺ - ليكون عينًا خلفية للجيش ونذيرًا لهم إذا ما لحق بهم أحد أو هاجمهم من الخلف .. وبعد منتصف الليل أمر - ﷺ - جيشه بالحركة نحو المدينة ..