وقع اختيار رسول الله - ﷺ - على فارس مغوار يختصر المسافات والأحداث .. يجمع الجيوش والآلام والنواح بطعنة واحدة ..
وقع اختياره - ﷺ - على فارس يدعى عبد الله بن أنيس .. فتعالوا إلى الأحداث والحديث .. وفارسنا الذي يقول:
(دعاني رسول الله - ﷺ -، فقال:
إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعرنة، فأته فاقتله. قلت: يا رسول الله، انعته (١) لي حتى أعرفه. قال - ﷺ -: إذا رأيته وجدت له قشعريرة [قلت: والذي أكرمك ما هبت شيئًا قط]، فخرجت متوشحًا سيفي، حتى وقعت عليه بعرنة "مع ظعن (٢) يرتاد لهن
_________________
(١) أي صفه لي.
(٢) نساء.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
منزلًا"، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت له ما وصف لي رسول الله - ﷺ - من القشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصلّيت وأنا أمشي نحوه، أومئ برأسي الركوع والسجود.
فلما انتهيت إليه، قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لهذا. قال: أجل، أنا في ذلك [قلت: باغي حاجة فهل من مبيت؟ قال: نعم فالحق بي] فمشيت معه شيئًا، حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركته ظعائنه مكبّات عليه [ثم غشيت الجبال ولجمته حتى إذا ذهب الناس خرجت حتى] قدمت على رسول الله - ﷺ -، فرآني، فقال: أفلح الوجه. قلت: قتلته يا رسول الله. قال رسول الله - ﷺ -: "صدقت".
ثم قام معي رسول الله - ﷺ -، فدخل في بيته، فأعطاني عصا، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس، فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قلت: أعطانيها رسول الله - ﷺ - وأمرني أن أمسكها. قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله - ﷺ - فتسأله عن ذلك؟ فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - فقلت:
يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقلّ الناس المتخصرون يومئذ يوم القيامة، فقرنها عبد الله بسيفه) (١) .. الذي حطم صنمًا وخطرًا في دروب المؤمنين .. إن هذا النوع
_________________
(١) حديث صحيح عدا ما بين الأقواس الصغيرة وقد حسن الحافظان ابن حجر وابن كثير رحمهما الله سنده الذي عند أحمد وأبي داود وهو سند ضعيف وبقية الحديث هو: فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها، فضمت معه في كفنه، ثم دفنا جميعًا، والحديث عند أحمد (٣/ ٤٩٦) والطبرانيُّ (مسند العبادله- ٧٦) وأبي داود (١٢٤٩) مختصرًا. وقد ضعفه =
[ ٢ / ٢٨٩ ]
من الاغتيال لم يكن باجتهاد فردي .. لم يقم به أحد من أصحابه حماسًا وتطوعًا .. وهم قادرون على أكثر من ذلك .. إنها دماء لا يجوز الخوض فيها دون الرجوع إلى النبي -الإِمام- النص .. وإلا فإنها ضرب من التهور غير المبرر.
لم يكن عبد الله بن أنيس وحده الذي يبعث في سرية مكوّنة من فرد واحد .. كان هناك من ينافسه .. رجل شديد البأس .. قويّ البنية .. جسور لا يهاب الموت .. يعشق الشهادة .. كان - ﷺ - يبعثه إلى أعماق قريش .. يتغلغل فيها .. لا ليقتل .. بل لينقذ .. ليخلص بعض أولئك المستضعفين في مكة الذي أبقاهم ذووهم في مكة .. وقهروهم ومنعوهم من الهجرة .. فكانت تلك المهمات:
_________________
(١) = الإمام الألباني في ضعيف أبي داود (١٢٣) وسنده عند أحمد وأبي داود محمَّد بن إسحاق عن محمَّد بن جعفر عن ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه. لكن ابن إسحاق صرح بالسماع من شيخه الثقة عند أحمد (٣/ ٤٩٦) فتبقى مشكلة ابن عبد الله بن أنيس .. وعند رجوعنا إلى التقريب نجد أن الحافظ قال: إن اسمه: ضمرة أو عمرو .. أو دون اسم .. ولكن عندما نرجع إلى سنن البيهقي (٣/ ٢٥٦) نجد أنه قد سماه بـ عبيد الله .. وهو الأصوب والأصح للتصريح من تلميذه باسمه .. لكن معرفتنا باسمه لا تفي بالغرض .. فالرجل تابعي لكنه لم يوثق فحديثه يحتاج إلى شاهد أو متابعة وقد وجدت هذه المتابعة والشاهد عند الطبراني. حدثنا مصعب بن إبراهيم، حدثني أبي، حدثنا عبد العزيز الدراوردي، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمَّد بن كعب القرظي، قال، قال عبد الله بن أنيس .. وفي هذا السند خطأ فالصواب يزيد بن عبد الملك بن الهاد وهو تابعي ثقة وكذلك محمَّد بن كعب القرظي وسائر رجال السند ثقات وهو متصل انظر: التقريب (١/ ٣٤ - ٥١٢) (٢/ ٢٠٣ - ٣٦٧) وشيخ الطبراني ثقة انظر: مجمع البحرين (٣/ ١٥٥) ورواية الدراوردي ليست عن عبيد الله العمري. فالسند حسن والحديث صحيح بالسندين والزيادات بين المعقوفين من رواية الطبراني.
[ ٢ / ٢٩٠ ]