لكن دون سباق .. دون ركض .. دون ابتسامات وضحكات .. سبق النبي - ﷺ - عائشة في قصة تفيض بالأحزان والدموع والبراءة .. تحرك الجيش ولم تتحرك عائشة .. وأشرقت الشمس والأحزان على ذلك الموقع فلم تجد فيه سوى فتاة صغيرة منكسرة .. أضاعت عقدها وهودجها .. ورحل عنها حبيبها ووالدها وصويحباتها .. أشرقت الشمس والأحزان على عائشة ..
[ ٣ / ٣٢ ]
ووصل صفوان بن معطل ليجد ذلك الحزن في طريقه .. ليحمله إلى بحر أسود من الأحزان والهموم .. بحرٌ تقول عنه عائشة ﵂:
(كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله - ﷺ - معه .. فأقرع بيننا في غزوة غزاها "غزوة بني المصطلق"، فخرج فيها سهمى، فخرجت مع رسول الله - ﷺ -، وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، مسيرنا "وكنت إذا رحل بعيري، جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون هودجي في بعيري، ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه، فيضعونه على ظهر البعير، فيشدّونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به"، حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، "نزل منزلًا، فبات فيه بعض الليل، ثم" آذن (١) ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقدي من جزع ظفار (٢) قد انقطع "انسلّ من عنقي ولا أدري" فرجعت، "عودي على بدئي إلى المكان الذي ذهبت إليه" فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط (٣) القوم الذين كانوا يرحلون لي، فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذا ذاك خفافًا، لم يهبلهن (٤) ولم يغشهن اللحم "لم يهيجهن (٥)
_________________
(١) أعلنوا الاستعداد للرحيل.
(٢) خرز من مدينة ظفار.
(٣) هم الرجال أقل من عشرة.
(٤) يمتلئن بالشحم واللحم.
(٥) التهييج هو الورم من الشحم أو المرض.
[ ٣ / ٣٣ ]
اللحم فيثقلن"، إنما يأكلن العلقة (١) من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنن (٢) الجمل وساروا، "ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به"، ووجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، "ورجعت إلى العسكر"، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب، فتيمّمت (٣) منزلي الذي كنت فيه "فتلففت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني الذي ذهبت إليه" وظننت أن القوم سيفقدوني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، "فوالله إني لمضطجعة، إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل السلمي" وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرّس من وراء الجيش "قد كان تخلّف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس في العسكر" فأدلج (٤)، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ، "فلما رآني، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! أظعينة رسول الله! وأنا متلفّفة في ثيابي".
فاستيقظت باسترجاعه (٥) حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه (٦)، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها "واستأخر عني، فركبت وجاء فأخذ برأس البعير"، فانطلق يقود بي الراحلة "سريعًا يطلب الناس، فوالله ما
_________________
(١) الطعام اليسير.
(٢) وكان عمرها ﵂ أنذاك بين الثالثة عشر والرابعة عشر.
(٣) قصدته وذهبت إليه.
(٤) سار أخر الليل.
(٥) قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(٦) قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
[ ٣ / ٣٤ ]
أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودني" حتى أتينا الجيش. بعدما نزلوا موغرين في نحو الظهيرة (١)، "فقال أهل الإفك فيَّ ما قالوا، فارتجّ العسكر" فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولّى كبره (٢) عبد الله بن أبي بن سلول، "ووالله ما أعلم بشىء من ذلك" فقدمنا المدينة ..) (٣).