ففي الظلام .. وعندما بدأ الفجر يمزق خيمة ليل ثقيل على امرأة اسمها: حبيبة بنت سهل .. عندما صدع بلال أسوار الليل بالأذان نهضت تلك المرأة من ليلها الطويل الشاحب .. توجّهت نحو الباب وفتحته ثم خرجت مثقلة بالهموم والشكوى .. تاركة البيت وصاحبه .. وبعد خطوات ثقيلة وحزينة توقفت أمام باب كالفرج .. أمام باب كالفجر .. أمام باب النبي - ﷺ - .. لم تطرق الباب .. بل مكثت تنتظره كي يبدّد ليلها
[ ٢ / ٣٣٤ ]
الطويل .. ثم (إن رسول الله - ﷺ - خرج إلى الصبح (١)، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس (٢)، فقال رسول الله - ﷺ -: من هذه؟
فقالت: أنا حبيبة بنت سهل. قال: ما شأنك؟
قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس "يا رسول الله إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني لا أطيقه. فقال رسول الله - ﷺ -: فتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم".
فلما جاء ثابت بن قيس، قال له - ﷺ -: هذه حبيبة بنت سهل -وذكرت ما شاء الله أن تذكر- وقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله - ﷺ - لثابت: خذ منها. فأخذ منها، وجلست هي في أهلها "وأمره - ﷺ - يطلقها") (٣)، فطلقها ثابت ﵄ .. ولم يستطع إرغامها على العيش معه .. وانتزعت حبيبة حقها في الانفصال والخلع وحق غيرها من النساء من بعدها .. فالزواج ليس سجنًا ولا إكراهًا .. إنه حب ومشاركة .. ألفة وود وتكامل .. فإن لم يكن كذلك فإن باب الطلاق وباب الخلع مفتوحان إلى يوم القيامة .. وهذا ما لا يعرفه النصارى حتى اليوم .. فالقسّ في الكنيسة يربط الزوجين برباط يسمّيه رباط الله المقدس .. ثم يقول: إن ما يربطه الله لا يفكّه ابن آدم .. أي أن الطلاق محرم .. والزواج حتى ولو كان فاشلًا لا بدّ أن يكون مؤبدًا .. وفي ذلك يقول كتابهم المقدس:
_________________
(١) أي صلاة الصبح.
(٢) اي الظلام.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٥٢٧٥ - ٥٢٧٤) وأبو داود (٢٢٢٧) واللفظ له والزوائد للبخاري.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
(أما أنا فأقول لكم: من طلّق امرأته -إلَّا في حالة الزّنا- يجعلها تزني، ومن تزوّج مطلقة زنى) (١).
أي أن المطلقة تعتبر زانية .. ومن تزوّج امرأة مطلقة فهو أيضًا زان .. فلا غرابة أن نرى انتشار الزنا عند النصارى بشكل مخيف ومقزز .. وما دامت المطلقة المسكينة قد حكم عليها الزنا المؤبدّ فلن يغير من الأمر شيء أن تمارسه فعلًا ..
أمّا محمَّد - ﷺ - فقد أحب المطلقة وتزوجها .. وزوَّجها .. وأفضل زوجاته خديجة تزوجت قبله أكثر من رجل .. وها هو الوحي يخبره بأنه سيتزوج مطلقة زيد .. فرق كبير جدًا بين سماحة الإِسلام وتطرّف النصارى .. الذين يرون الزواج بالمطلقة زنا .. بل يعتبرون الزواج بالبكر لا يليق بالنصراني المستقيم .. وفي ذلك كتابهم المقدس:
(أبناء هذه الدنيا يتزاوجون، أما الذين هم للحياة الأبدية والقيامة من بين الأموات فلا يتزاوجون، هم مثل الملائكة لا يموتون، وهم أبناء الله) (٢) .. لا أدري ما هو مصير البشر لو أخذوا هذه المقولة المتطرّفة .. حقًا إن الدين ليثير السخرية متى ما عبث بكتبه ونصوصه العلماء والعباد .. فحرّفوا وبدّلوا وغيّروا ظنًا منهم أنهم يخدمونه .. وهذا ما حدث للتوراة والإنجيل .. اللذين أصبحا مثار سخرية اليهود والنصارى أنفسهم .. الإِسلام شرّع الزواج وأشرع أبوابه ونوافذه .. وجعله فسحة للمرأة والرجل ومسؤولية وتلبية لحاجة بشرية ملحة .. ولم يجعله قيدًا وسجنًا لا يستطيعان الفكاك منه والهرب .. ولكي يبقى الزواج سليمًا من النغص
_________________
(١) الكتاب المقدس -متى- الطلاق.
(٢) الكتاب المقدس -لوقا- قيامة الأموات.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
والنكد والأمراض الجسدية والاجتماعية .. أنزل الله على نبيّه - ﷺ - تحريم الزنا .. حتى تبقى ساحة الزواج نقيّة طاهرة .. هذه الأحكام النقية .. وبهذا القرآن العذب والسنّة المطهّرة .. أعاد الإِسلام للإنسان توازنه الذي اختلّ على أيدي اليهود والنصارى .. فاليهود حرّفوا التوراة .. فتحوا بين سطورها بيوتًا للدعارة .. والنصارى حاولوا إقفال تلك البيوت بأحكام تحرم الطلاق وتنهى عن الزواج أصلًا .. فبقي الإنسان محتارًا بين قريتين: قرية للرهبان .. وقرية للشيطان .. قد تتساءل فتقول: