تقول تلك الطفلة اليتيمة ﵂ إن النبي - ﷺ -:
(دخل على أم سلمة حين تزوجها واسمي برة، فسمعها تدعوني برة، فقال:
لا تزكوا أنفسكم، فإن الله هو أعلم بالبرة منكن والفاجرة، سميّها زينب.
_________________
(١) حديث صحيح. صحيح الجامع (٢/ ٩١٩).
[ ٢ / ٣٠٨ ]
فقالت أم سلمة: فهي زينب، فقلت لها: اسمي؟
فمالت: غيّر إلى ما غيّر إليه رسول الله - ﷺ -) (١).
كان - ﷺ - يحب الأسماء الجميلة.
علم - ﷺ - أن عمر بن الخطاب ﵁ سمّى ابنته "عاصية"، فماذا فعل .. يقول أخوها عبد الله:
(إن رسول الله - ﷺ - غيّر اسم عاصية، وقال: أنت جميلة) (٢) .. فأصبح اسمها جميلة بنت عمر بن الخطاب .. هي جميلة حقًا وأبوها أجمل منها .. ولم يكن - ﷺ - يغيّر أسماء الأطفال فقط .. بل كان للرجال والنساء والعجائز نصيب من ذلك الجمال.
فقد (ذكر عند رسول الله - ﷺ - رجل يقال له: شهاب، فقال رسول الله - ﷺ -: بل أنت هشام) (٣).
و(كان - ﷺ - إذا أتاه الرجل وله اسم لا يحبه حوّله) (٤) إلى اسم أجمل
_________________
(١) سنده قوي رواه ابن إسحاق ومن طريقه البخاري في الأدب المفرد (٨٢١) وأبو داود (٤٩٥٣): حدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء أنه دخل على زينب بنت أبي سلمة، فسألته عن اسم أخت له عنده، قال: فقلت: اسمها برة قالت: غير اسمها، ثم ذكرت كلامًا وبقية الحديث ..
(٢) حديث صحيح رواه مسلم.
(٣) سنده حسن رواه البخاري في الأدب المفرد (٨٢٥).
(٤) حديثٌ حسنٌ رواه الطبراني (١٧/ ١١٩) حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي وأبو زيد الحوطي، قالا: حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال: قال عتبة بن عبد السلمي: "﵁" وقد صحح الإمام الألباني سند هذا الحديث في السلسلة (٢٠٩) فقال: سنده صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون وهو يتحدث عن سند الخلال وهو من طريق أبى اليمان .. وهذا الحكم صحيح لولا إشكالية سماع شريح من عتبة فهو كثير الإرسال، حتى لقد قيل لمحمد بن عوف: هل =
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وألطف .. في هذه الأجواء المنعشة .. أجواء الجمال واللطف والأعراس والأسماء المحبوبة .. تشرق علينا قصة حدتث في بيت عائشة الحبيبة .. حيث كان النبي - ﷺ - عندها .. والنبي - ﷺ - إذا كان عند عائشة أو غيرها من زوجاته كان غاية في اللطف والرقّة والتواضع .. بينما كان - ﷺ - هناك .. جاءت عجوز لا تعرفها عائشة .. تقول ﵂: (جاءت عجوز إلى النبي - ﷺ - وهو عندي، فقال لها رسول الله - ﷺ -:
من أنت؟
قالت: أنا جثامة المزنية.
فقال: بل أنت حسانة المزنية. كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟
قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
"فقرب إليه لحم، فجعل يناولها، فقلت: يا رسول الله لا تغمر يدك".
فلما خرجت قلت: يا رسول الله .. تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان) (١).
_________________
(١) = سمع من أبي الدرداء؟ فقال: لا. فقيل: فسمع من أحد من أصحاب النبي - ﷺ -؟ قال: ما أظن ذلك وذلك أنه لا يقول في شيء من ذلك: سمعت. التهذيب (٤/ ٣٢٨) لكن الحديث حسن بالروايات الأخرى.
(٢) سنده قوي رواه الحاكم (١/ ٦٢) والبيهقيُّ في شعب الإيمان (٦/ ٥١٧) وابن عبد البر في الاستيعاب من طريق: الضحاك بن مخلد حدثنا صالح بن رستم حدثنا ابن أبي مليكة .. وابن أبى مليكة تابعي أدرك ثلاثين صحابيًا وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة وهو ثقة فقيه -التقريب (١/ ٤٣١) والضحاك ثقة ثبت التقريب (١/ ٣٧٣) أما صالح فحسن =
[ ٢ / ٣١٠ ]
ما أجل هذا النبي الوفي .. تطلق وجهه لما رأى تلك العجوز .. التي كانت تزورهم أيام خديجة .. وأضاف إلى جمال وفائه جمالًا آخر عندما غيّر اسمها .. نزع عنها ذلك الاسم الثقيل الذي جمع في معناه أشياء كثيرة وكريهة .. فهو يعني الكابوس .. والبليد الذي لا ينهض للمكارم .. والكسلان الذي يتبرّم بالحركة .. غيّره .. استبدله بـ "حسانة" .. اسم كالابتسامة .. في بيت النبوة أفراح وأعراس .. يهفو لمثلها شاب حزين .. يرنو إلى غسل ما بداخله من هموم .. شاب مثقل بالمسؤوليات .. لكن الحيرة في اختيار زوجة تشغله .. فهو جديد على مثل هذه التجربة .. ولديه من الأيتام الكثير .. هل يتزوج فتاة صغيرة في مثل سنّ أخواته .. يقضى معها أيام مرح وسعادة .. أم يضحي بسعادته من أجل أخواته المسكينات ويتزوج امرأة سبق لها أن تزوجت .. سبق لها أن كانت ربّة بيت لتعتني بأخواته الصغيرات وبه أيضًا ..
سنترك هذا الصحابي ليقرّر .. فنحن على عجلة من أمرنا .. فالرسول - ﷺ - قرّر أن يتوجّه إلى أرض نجد .. حيث تعدّ له قبيلة غطفان جيشًا لحربه ..
تزوّج ذلك الشاب .. ولما دعا داعي الجهاد ودّع زوجته وأخواته ولحق برسول الله - ﷺ - نحو أرض نجد .. فهو لن يتخلّف عن أي غزوة
_________________
(١) = الحديث، إذا لم يخالف .. توثيقه قوي وجرحه غير مفسر، قال أبو داود: ثقة، وقال الطيالسي وهو تلميذه: ثقة، وقال البزار: ثقة، وقال ابن وضاح: ثقة وقال ابن عدي: عزيز الحديث روى عنه يحيى القطان مع شدة استقصائه وهو عندي لا بأس به ولم أر له حديثًا منكرًا، وقال العجلي جائز الحديث .. أما جرحه فقد قال الدارقطى: ليس بالقوي. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم أما ابن معين فقال مرة: ضعيف وقال مرة: لا شيء .. وهو يعني هذه من ليس له من الحديث إلا القليل .. وهذا الجرح غير مفسر ولا ينهض أمام ذلك التوثيق المعتبر- التهذيب (٤/ ٣٩١).
[ ٢ / ٣١١ ]
يغزوها رسول الله - ﷺ - بعد اليوم .. فوالده ﵀ ورضي عنه قد توفي وهو السبب الوحيد في منعه من حضور غزوتي: بدر وأُحُد ..
إنه جابر بن عبد الله وهو الآن في مكان يقال له: