ابن عبادة الكريم .. والصحابي العظيم الجليل .. يحب قبيلته .. ويتمزّق قلبه لأفعال أحد زعماء قومه المشينة .. يؤلمه ما يقوله عبد الله بن أبي ويتمنى هدايته لكن ابن أبي كان حجرًا .. نزلت الآية تبيِّن أن من قذف يجلد فتحركت الغيرة في دم سعد بن عبادة وغلت .. فتكلم بكلام لم يعجب النبي - ﷺ - .. فابتلاه الله بمصيبة وقعت في قومه .. فكانت عارًا على قوم ابن أبي بعد أن كان يتمنى تعليق العار على باب النبي - ﷺ - .. فعندما (نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾، قال سعد بن عبادة: لهكذا أنزلت يا رسول الله؟! لو أتيت لكاع (١) قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء، حتى يفرغ من حاجته! "إن أنا رأيت لكاع متفخذها
_________________
(١) = أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر وهذا السند صحيح الحجاج والحسن صدوقان وابن جريج وأبو الزبير صرحا بالسماع ورواه البزار عن ابن السائب عن ابن جبير عن ابن عباس، وعن ابن إسحاق عن الزهريّ عن أنس واللفظ له والزيادة للطبري.
(٢) وصف يطلقه سعد هنا على الزوجة التي يراها زوجها وهي تزني.
[ ٣ / ٦٠ ]
رجل، فقلت بما رأيت، إن في ظهري لثمانين"، فقال رسول الله - ﷺ -: يا معشر الأنصار، أما تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟
قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج فينا قط إلَّا عذراء، ولا طلّق امرأة له، فاجترأ رجل منّا أن يتزوجها "فقال رسول الله - ﷺ -: فإن الله يأبى إلَّا ذاك" (١).
قال سعد: "صدق الله ورسوله" يا رسول الله بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله، وأنهّا حق، ولكن عجبت لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء، والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فوالله ما لبثوا إلَّا يسيرًا حتى جاء هلال بن أميّة -"ابن عم له"- من حديقة له، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله - ﷺوهو جالس مع أصحابه، فقال:
يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء، فوجدت رجلًا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله - ﷺ - ما أتاه به، وثقل عليه جدًا، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله، إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلَّا حقًا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجًا.
واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين؟ "فشق ذلك على المسلمين، فقال: لا والله لا يجعل في ظهري ثمانين أبدًا، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت".
_________________
(١) أي أن الله لا يقبل إلا حكمه سبحانه.
[ ٣ / ٦١ ]
فهمّ رسول الله - ﷺ - بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله - ﷺ - جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل، حتى فرغ، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ- (١) - وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ- (٢) - عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾.
فقال رسول الله - ﷺ -:
أبشر يا هلال، فإن الله قد جعل لك فرجًا. فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله، فقال رسول الله - ﷺ -: أرسلوا إليها. فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله - ﷺ -، قيل لها: فكذَّبت.
فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟
فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمي لقد صدقت، وما قلت إلَّا حقًا. فقال رسول الله - ﷺ -: لاعنوا بينهما) (٣).