فقد كان عمر بن الخطاب قبل نزول الحجاب يقترح على النبي - ﷺ - أن يحجب نساءه .. أنس بن مالك أيضًا يحدّثنا بذلك فيقول:
(قال عمر بن الخطاب: قلت لرسول الله - ﷺ -: لو حجبت عن أمّهات المؤمنين، فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب) (٤)، وتقول
_________________
(١) أي لا تتطفلوا تترقبون نضج الطعام ثم تعرضون أنفسكم للدخول دون دعوة.
(٢) حديث صحيح رواه مسلم والزوائد له أيضًا -باب زواج زينب .. وأكملت الآية لأن الحديث يقول: إلى آخر الآية بعد كلمة: يؤذي النبي.
(٣) حديث صحيح رواه مسلم والزوائد له أيضًا -باب زواج زينب .. وأكملت الآية لأن الحديث يقول: إلى آخر الآية بعد كلمة: يؤذي النبي.
(٤) سنده صحيح رواه ابن جرير (١٠/ ٣٢٤) حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي -عدي، عن حميد عن أنس، وحميد تابعي ثقة سمع من أنس، واسم ابن أبي عدي: محمَّد بن إبراهيم وهو ثقة- التقريب (٢/ ١٤١) وابن بشار هو الثقة محمَّد بن بشار -التقريب (٢/ ١٤٧).
[ ٣ / ١٦ ]
عائشة ﵂: (إن أزواج النبي - ﷺ - كن يخرجن بالليل إذ تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول: يا رسول الله، احجب نساءك، فلم يكن رسول الله - ﷺ - يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي - ﷺ -، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة -حرصًا أن ينزل الحجاب- قال: فأنزل الله الحجاب) (١)، وفي حادثة أخرى .. كرّر عمر بن الخطاب تلك الأمنية .. كان ﵁ أجرأ من غيره في البوح بما يضمره ويضمره غيره من إجلال لبيت النبوّة .. تقول عائشة ﵂:
(كنت آكل مع النبي - ﷺ - حيسًا في قعب، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصابت أصبعه إصبعي، فقال: أوه، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب) (٢) ولكن فيما بعد .. فالحجاب لم ينزل بعد هذه الأحداث مباشرة .. تعالوا نسأل أنس بن مالك .. من أعلم الناس بنزول الحجاب؟ قال ﵁: (أنا أعلم الناس بالحجاب، لقد كان أُبيُّ بن كعب يسألني عنه، قال أنس:
أصبح رسول الله - ﷺ - عروسًا بزينب بنت جحش، وكان تزوجها بالمدينة، فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار، فجلس رسول الله - ﷺ -، وجلس معه رجال بعد ما قام القوم، حتى قام رسول الله - ﷺ -، فمشى،
_________________
(١) سنده صحيح رواه جرير من طريقين أحدهما قوي عن الزهري عن عروة عن عائشة، وهذا إسناده كالذهب، والطريق القوية هي: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمرو ابن عبد الله بن وهب حدثني يونس .. وأحمدُ صدوق من رجال مسلم، وعمه ثقة من رجال البخاري ويونس بن بكير حسن الحديث من رجال مسلم. والطريق الثانية: حدثني أبو أيوب النهراني، حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثني ابن حرة عن الزبيدي.
(٢) سنده قوي رواه ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير- الأحزاب ٥٣) حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن مسعر عن موسى بن أبي كثير عن مجاهد عن عائشة ..
[ ٣ / ١٧ ]
فمشيت معه، حتى بلغ حجرة عائشة، ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم، فرجع فرجعت الثانية حتى بلغ حجرة عائشة، فرجع فرجعت، فإذا هم قد قاموا، فضرب بيني وبينه بالستر، وأنزل الله آية الحجاب) (١) .. وكانت هذه الآية تتحدّث عن زوجات النبي - ﷺ - فقط .. ثم أنزل الله سبحانه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢).
ففرض الحجاب على المؤمنات جميعًا.
وبينما كانت المدينة تعيش فرحًا .. وتشريعًا يمنح سلامًا في كل زاوية .. كان هناك خطر ينذر بفاجعة .. كان هناك خطر قادم من مكّة .. يطفح بالغلّ والثأر .. أتذكرون ذلك الشبح الذي نهض من بين جثث أحد .. ثم توجه نحو مكة نازفًا .. ها هو يعود ولكن لوحده هذه المرة .. فقد آلمه ما حدث في بدر .. وما أصابه في أُحُد .. ها هو: