عائشة تجيب عن ذلك كلّه بقصة تأخذ بنياط القلب .. ذات يوم اشتاق أسامة إلى جدّه محمَّد - ﷺ - .. فتهادى إليه في بيت عائشة ﵂ .. وعندما همت قدمه الصغيرة بالدخول (عثر أسامة بعتبة الباب، فشجّ وجهه. فقال رسول الله - ﷺ -:
أميطي عنه الأذى، فتقذرته. فجعل - ﷺ - يمصّ عنه الدم، ويمجه عن وجهه ثم قال:
لو كان أسامة جارية لحليته وكسوته حتى أنفقه) (٤). تعلمت عائشة الصغيرة الكثير من هذا المشهد .. وتشربت حب هذا الطفل البريء ..
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ الترمذيُّ (٤٠٩٨) وابن حبان (١٥/ ٥٣٤).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٦٠٠٣).
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٣٧٣٥).
(٤) حديثٌ حسنٌ انظر سلسلة الأحاديث للإمام الألباني (٢٠١٩).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
أمّا والده زيد بن محمَّد .. فقد حلاه والده - ﷺ - بشي أنفس .. لقد زوّجه النبى - ﷺ - من ابنة عمّته أميمة بنت عبد المطلب واسمها: زينب بنت جحش .. فكان الزواج دليلًا على حبّ - ﷺ - لزيد .. وعلى تحطيمه - ﷺ - لقيود الجاهلية التي كانت تعيق وتشوّه تناغم المجتمع الإِسلامي ومساواته وتآخيه .. فزيد في نظر المشركين لا يزال عبدًا .. لكنه عند المسلمين ابن محمَّد - ﷺ - .. وهو في نظر الوثنيين لا يستحق الزواج بزينب .. لا يستحق الزواج إلَّا بأمةٍ .. لكنه عند المؤمنين: حب رسول الله - ﷺ - .. وهو في عين النبى - ﷺ - أمير من أمراء الإِسلام -وإن طعن من طعن في إمارته- قال - ﷺ - ذات يوم وهو يتحدث عن أسامة بن زيد: (كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده) (١).
هذا هو زيد في عالم الإِسلام وميزانه .. أمّا أولئك الذين يرفضون ميزان الإِسلام ويصرّون على التطاول بأنسابهم فقد بشّرهم - ﷺ - باحتقار شنيع لا يطيقونه .. قال - ﷺ -: (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا -إنما هم فحم جهنم- أو ليكونّن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو: مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من التراب) (٢) ولئن كان التراب أصلًا للجميع .. ولئن جعل الإِسلام زيدًا ابنًا لمحمد - ﷺ - .. فقد توهج الإِسلام حتى امحت فيه الفوارق .. كل الفوارق .. فكانت هذه القصة .. التي امحى فيها كل شيء بين النبى - ﷺ - وأحد الشباب الفقراء الذين لا يملكون مالًا ولا نسبًا .. ذاب كل شيء بين النبي - ﷺ - وهذا
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٤٦٩).
(٢) حديث صحيح انظر: صحيح الترمذى (٣/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الشاب حتى تحدث - ﷺ - عنه .. فظن الناس أنه يتحدث عن نفسه .. شاب ليس له سرير سوى سواعد محمَّد - ﷺ - وقلبه