وهو حصن لبني حارثة .. دخلته عائشة أثناء غزوة الخندق وتحدّثت عنه .. فقالت: (إنها كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز (١) حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن) (٢)، وعندما بدأت المناوشات بين جيش المؤمنين وجيوش الوثنيين كان هناك طفلان يقومان بحركات كلّها فضول براءة .. أسماء بنت أبي بكر وأمّ سلمة كانتا داخل الحصن .. وكان معهما طفلان كالورد .. عبد الله بن الزبير ابن أسماء .. وعمر بن أبي سلمة ابن هند "أم سلمة" .. وفي غفلة من أميهما صعدا إلى أحد الأسطح لمشاهدة ما يحدث خارج الحصن .. كانا قصيرين .. لكن قصر قامتيهما لم يمنعهما من الإصرار على المشاهدة .. فقرّرا أن يتناوبا المشاهده .. ينحني أحدهما فيصعد الآخر على ظهره .. ثم تكون نوبة الآخر في الانحناء .. وهكذا .. ها هو عبد الله بن الزبير .. سنسأله عمّا جرى .. إنه يقول: (جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم (٣)، يعني حصنًا، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ (٤) لي، فأصعد على ظهره، فأنظر إليهم كيف يقتتلون وأطأطئ له، فيصعد فوق ظهري، فينظر) (٥).
لأنه لا يستطيع سوى النظر فقط .. ولا يسمح له بالمشاركة رغم
_________________
(١) أمنع.
(٢) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٣/ ٢٤٠) حدثنا عبد الله بن سهل عن عائشة أنها كانت .. وعبد الله بن سهل تابعي ثقة من رجال الشيخين -التقريب (٢/ ٤٦٧) واسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري. قال البخاري: عبد الله بن سهل سمع من عائشة انظر: التهذيب (١٢/ ٢١٥) ويكنى بـ أبي ليلى.
(٣) الحصن.
(٤) ينحني.
(٥) حديث صحيح رواه البخاري (٣٧٢٠) ومسلمٌ (الفضائل) والبيهقيُّ (٣/ ٤٣٩) واللفظ له.
[ ٣ / ٩٥ ]
حماس الأطفال وحبّهم لتقليد الكبار .. بقي الأطفال كلّهم مع النساء .. إلَّا من بلغ الخامسة عشر مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي كان يتحرّق للقتال يوم أُحُد .. لكن النبي - ﷺ - ردّه .. وها هو اليوم خارج حصن بني حارثة .. ماذا قال لك النبي - ﷺ - يا عبد الله .. يقول ﵁: (إن النبي - ﷺ - عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) (١)، وسمح له بالقتال والمشاركة بالمعركة .. أمّا من كان دون هذه السن فقد اكتفى بالمشاهدة .. حيث كانت الساحة تموج بالترقّب والتوتّر .. كان المؤمنون فيها خلف سواترهم يرقبون أي اقتحام لهذا الخندق ليضربوا ضربتهم ..
أمّا جيوش الأصنام فقد جنّ جنونها مما ترى أمامها من ذكاء عسكري نادر .. وقيادة لا مثيل لها .. حيّرها هذا الخندق .. هذا الإبداع العسكري الذي لم تعرفه العرب من قبل ولم تستخدمه .. إن اقتحامه ضرب من الجنون أو الانتحار .. أما الغزو عن طريق الجهات الأخرى .. فيعني الهزيمة .. فهل ستكتفي قريش ومن معها من الوثنيين بالحصار والقتال عن بعد .. عن طريق التراشق بالنبل والرماية بالأسهم ..؟ ربما .. فلن يقدر على اقتحام هذا الخندق إلَّا شجاع أو منتحر .. ها هو الشجاع الذي سيقتحم الخندق .. ها هو وقد استطاع عبوره باحثًا عن مبارز .. إنه عمرو بن عبد ودّ: