تصوير المدينة عند الهجرة
اختلاف بين المجتمع المكيّ والمجتمع المدنيّ:
ولكي نأخذ صورة إجمالية صحيحة عن مدينة (يثرب) - التي اختارها الله دار هجرة للرّسول، ومنطلق الدعوة الإسلامية في العالم، ومهد أوّل مجتمع إسلاميّ يقوم بعد ظهور الإسلام- يجب أن نعرف وضعها المدنيّ، والاجتماعيّ، والاقتصاديّ، وصلة القبائل المقيمة فيها، بعضها ببعض، ومركز اليهود فيها، الاجتماعيّ، والاقتصاديّ، والحربيّ، والواقع الذي كانت تعيشه هذه المدينة الخصبة الغنية، التي التقت فيها ديانات، وثقافات، ومجتمعات مختلفة، بخلاف مكّة ذات الطبيعة الواحدة، والطابع الموحّد، والدين المشترك، وإلى القارىء بعض الأضواء.
اليهود:
المرجّح في ضوء التاريخ أنّ غالبية اليهود حلّوا بالجزيرة العربيّة بصفة عامة، ومدينة يثرب بصفة خاصة، في القرن الأول الميلاديّ، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:
«بعد حرب اليهود والرّومان سنة ٧٠ م التي انتهت بخراب بلاد فلسطين، وتدمير هيكل بيت المقدس، وتشتّت اليهود في أصقاع العالم، قصدت جموع كثيرة من اليهود بلاد العرب كما حدّثنا عن ذلك المؤرّخ اليهوديّ
[ ٢٤٩ ]
«يوسي فوس» الذي شهد تلك الحروب، وكان قائدا لبعض وحداتها..
وتؤيّد المصادر العربية كلّ هذا» «١» .
وكانت في المدينة ثلاث قبائل كبيرة رئيسية من اليهود، بلغ عدد رجالها البالغين أكثر من ألفين، وهي: «قينقاع» و«النّضير» و«قريظة»، ويقدّر أنّ رجال قينقاع المحاربين، بلغ عددهم سبعمئة، كما كان عدد رجال النّضير مثل هذا العدد، وكان الرجال البالغون من قريظة ما بين سبعمئة وتسعمئة «٢» .
وكانت العلاقة بين هذه القبائل الثلاث مضطربة متوتّرة، وقد يكون بعضهم حربا على بعض، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:
«قد كانت هناك عداوة بين بني قينقاع وبقية اليهود، سببها أنّ بني قينقاع كانوا قد اشتركوا مع بني الخزرج في يوم «بعاث» وقد أثخن بنو النّضير وبنو قريظة في بني قينقاع، ومزّقوهم كلّ ممزّق، مع أنّهم دفعوا الفدية عن كلّ ما وقع في أيديهم من اليهود، وقد استمرّت هذه العداوة بين البطون اليهودية بعد
_________________
(١) تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: للدكتور إسرائيل ولفنسون (أبو ذؤيب)، ص ٩؛ مطبعة الاعتماد القاهرة ١٩٢٧ م.
(٢) استفيد في هذا التقدير مما جاء في سيرة ابن هشام من الأعداد عند الحوادث والحروب، كجلاء بني النضير، وقتل الرجال من بني قريظة، وغير ذلك من القرائن. و«قينقاع» و«النضير» و«قريظة» هي القبائل اليهودية الأم، ولها توابع يلتحقون بها، وينسبون إليها كبني هدل، التابعين لبني قريظة، كان منهم بعض كبار الصحابة الذين أسلموا من أهل الكتاب، وكبني زنباع وهم فرع من فروع بني قريظة، وقد جاءت أسماء لجماعات يهودية في العقد الذي تم بين رسول الله ﷺ وبين اليهود، كيهود بني عوف، ويهود بني النجار؛ ويهود بني ساعدة، ويهود بني ثعلبة، وبني جفنة، وبني الحارث، وغيرها، وقد جاء في هذا العقد بعد ذكر هذه الجماعات «إنّ بطانة يهود كأنفسهم»؛ وذلك الذي حمل السمهودي صاحب كتاب «وفاء الوفا في أخبار دار المصطفى» على أن يقول: «إنّ يهود كانوا نيفا وعشرين قبيلة»؛ (وفاء الوفا: ص ١١٦) .
[ ٢٥٠ ]
يوم «بعاث»، حتى وقعت الحرب بين الأنصار وبين بني قينقاع، فلم ينهض معهم أحد من اليهود في محاربة الأنصار.
وقد أشار القرآن إلى عداوة اليهود فيما بينهم بقوله:
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ «١» [البقرة: ٨٤- ٨٥] .
وكانوا يعيشون في أحياء وقرى مختلفة خاصة بهم، فكانت بنو قينقاع يسكنون داخل المدينة في محلّة خاصة بهم، بعد أن طردهم إخوانهم بنو النّضير وقريظة من مساكنهم التي كانت خارج المدينة، وكانت مساكن بني النضير بالعالية بوادي «بطحان» على بعد ميلين أو ثلاثة من المدينة، وكانت عامرة بالنّخيل، والزّروع، وكانت بنو قريظة يسكنون في منطقة (مهزور) التي تقع على بعد بضعة أميال من جنوب المدينة «٢» .
وكانت لهم حصون، وآطام، وقرى، يعيشون فيها متكتّلين «٣» مستقلّين، لم يتمكّنوا من إنشاء حكومات يحكمها اليهود، بل كانوا مستقلّين في حماية سادات القبائل ورؤسائها، يؤدّون لهم إتاوة في كلّ عام، مقابل حمايتهم لهم، ودفاعهم عنهم، ومنع الأعراب من التعدّي عليهم، وقد لجؤوا إلى عقد المحالفات معهم، وكان لكلّ زعيم يهوديّ حليف من
_________________
(١) اليهود في بلاد العرب: ص ١٢٩.
(٢) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: للدكتور محمد سيد الطنطاوي، ص ٧٧.
(٣) [متكتّلين: أي متّحدين، ومتّفقين على رأى واحد] .
[ ٢٥١ ]
الأعراب ومن رؤساء العرب «١» .
وكانوا ينعتون أنفسهم بأنّهم أهل العلم بالأديان والشّرائع، وكانت لهم مدارس «٢» يتدارسون فيها أمور دينهم، وأحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبارهم الخاصّة برسلهم وأنبيائهم، كما كانت لهم أماكن خاصة يقيمون فيها عباداتهم وشعائر دينهم، وكانت تسمّى «المدراس» وكان المكان الذي يتجمّع فيه اليهود لتبادل المشورة في سائر أحوالهم الدينية والدنيوية.
وكانت لهم تشريعاتهم ونظمهم الخاصة بهم، أخذوا بعضها عن كتبهم، وبعضها وضعه لهم كهّانهم وأحبارهم من عند أنفسهم، وكانت لهم أعيادهم الخاصة بهم، وأيام خاصة، يصومون فيها، كيوم عاشوراء «٣» .
ويبدو أنّه ضعفت صلتهم بدينهم الأصيل والتعليمات التي جاءت في صحفهم، وأصبحوا على مرّ الأيام لا يتميّزون عن جيرانهم العرب، إلّا بأثارة من عقيدة التوحيد، وتمييز بين الحلال والحرام، ولمّا جاء الإسلام بعقيدة التوحيد النقيّة الحاسمة كما جاء في القرآن، زال تميّزهم في ذلك أيضا.
وقد بلغوا غاية الإسفاف والتدنّي في الأخلاق، وأصبحوا يستعينون في قضاء ماربهم بأمور خفيّة مدسوسة كالسّحر، ودسّ السّمّ في الطعام، وتسلية النفس بالتنكيت والتوريب «٤»، واستعمال الكلمات الموهمة ذات المعنيين شأن المجتمعات الحاقدة المغلوبة على أمرها، وبراعة اليهود في فنون السّحر
_________________
(١) ملخّص من «تاريخ العرب قبل الإسلام» ج ٧، ص ٢٣ للدكتور جواد علي.
(٢) تحقّق من المصادر اليهودية أنّ هذه المدارس كانت مركزا للتعليم الديني العالي وكانت كالكليات والجامعات في عصرنا (راجع دائرة المعارف اليهودية) .
(٣) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ص ٨٠- ٨١.
(٤) التوريب: أن تورّي عن الشيء بالمعارضات والمباحات (لسان العرب والقاموس المحيط) .
[ ٢٥٢ ]
والكهانة من الحقائق المسلّمة في التاريخ، وظلّ قادتهم وعلماؤهم يعترفون بذلك بشيء من التيه والافتخار، وأشار إلى ذلك القرآن بقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ الخ [البقرة: ١٠٢]، وقد ظلّ هذا الواقع باقيا إلى عهد الرسالة، يقول المستشرق اليهوديّ الشهير مارجليوث) Margoliouth (المعروف بتحامله على الإسلام وصاحب رسالته في كتابه عن رسول الله ﷺ:
«كان هؤلاء اليهود بارعين في فنّ السّحر، وكانوا يفضّلون أسلحة الفنّ الأسود (السّحر) على القتال السّافر، والمبارزة في ساحة الحرب» «١» .
وسيأتي في قصّة غزوة خيبر محاولة دسّ السّمّ في شاة مشويّة قدّمت للنبيّ ﷺ للتخلّص منه، وسلم منه النبيّ ﷺ ومات بشر بن البراء بن معرور «٢» .
وأمّا استخدام الكلمات المعروفة بطريقة خاصة وإرادة معانيها المستهجنة فقد جاء في القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٠٤] . أخرج أبو نعيم في (الدّلائل) عن ابن عباس ﵁ أنّ اليهود كانوا يقولون: «راعنا» سرّا لرسول الله ﷺ وهو سبّ قبيح بلسانهم، كانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين سدّا للباب وقطعا للألسنة، وإبعادا عن المشابهة، ومعنى هذه الكلمة عند اليهود اسمع-
_________________
(١) D.S.Margoliouths Muhammad and The Rise of Islam،p. ٩٨١. (١)
(٢) رواه البخاري [في كتاب المغازي]، باب الشاة التي سمّت للنبيّ ﷺ بخيبر [برقم (٤٢٤٩)، ومسلم في كتاب السلام، باب السّمّ، برقم (٢١٩٠) من حديث أنس بن مالك ﵁، وأخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما يذكر في سمّ النبي ﷺ، برقم (٥٧٧٧)، وأحمد: (٢/ ٤٥١) من حديث أبي هريرة ﵁] .
[ ٢٥٣ ]
لا سمعت- وقيل: أرادوا نسبته ﷺ- وحاشاه- إلى «الرّعن» مشتقّا من الرعونة وهي الجهل والحمق، والألف حينئذ لمدّ الصوت «١» .
وروى البخاريّ بسنده عن عروة عن عائشة ﵂، قالت: كان اليهود يسلّمون على النبيّ ﷺ، يقولون: «السّام عليك» «٢» ويعنون به الموت، وفي الحديث «لكل داء دواء، إلا السّام» «٣» أي: الموت، وفي ذلك نزلت الآية: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ «٤» [المجادلة: ٨] .
وابتلوا كذلك بانحطاط خلقيّ جنسيّ، وتورّط فيما لا يليق بمجتمع فاضل متماسك يقوم على شريعة وتعليمات سماويّة، تجلّى ذلك في قصة امرأة من العرب وقعت في سوق بني قينقاع، وقد جلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده، إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سوءتها فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه «٥»، ويبدو أنّ هذه الحادثة لم تكن فريدة من نوعها، ويتعذّر وقوعها في أسواق العرب غالبا.
وكانت معظم معاملاتهم مع غيرهم تقوم على الرهان، وتعاطي الرّبا، وكانت لهم من طبيعة منطقة المدينة الزراعيّة فرصة إلى ذلك، لأنّ الزّرّاع
_________________
(١) روح المعاني: للعلامة شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي: ج ١، ص ٣٤٨- ٣٤٩.
(٢) رواه البخاري، في كتاب الدعوات [باب الرّفق في الأمر كلّه، برقم (٦٠٢٤)، ومسلم في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ، برقم (٢١٦٥) من حديث عائشة ﵂] .
(٣) مجمع بحار الأنوار: ج ٣، ص ١٥٥.
(٤) راجع «روح المعاني»، و«تفسير ابن كثير» .
(٥) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٤٨.
[ ٢٥٤ ]
عادة يحتاجون إلى اقتراض الأموال لحين الحصاد «١» .
وكانت الرّهون لا تقتصر على الرهائن الماليّة، بل تخطّتها إلى رهن النساء والولدان، وقد جاء في قصّة قتل كعب بن الأشرف النّضري التي رواها الإمام البخاريّ﵀- في صحيحه، أنّه قال له محمد بن مسلمة: قد أردنا أن تسلفنا وسقا «٢» أو وسقين، فقال: نعم، ارهنوني، قالوا: أيّ شيء تريد؟! قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسبّ أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين؟! هذا عار علينا، ولكنّا نرهنك اللأمة «٣» .
ومن طبيعة هذه الرّهون خصوصا إذا كانت في الأبناء والنساء: نشوء الحقد والكراهة بين الراهنين والمرتهنين، لا سيّما وأنّ العرب اشتهروا بالغيرة الشديدة على نسائهم وشدّة الأنفة.
وقد ترتّب على سيطرة اليهود على الجوانب الاقتصاديّة في المدينة وضواحيها أن قوي نفوذهم الماليّ، وصاروا يتحكّمون في الأسواق تحكّما فاحشا، ويحتكرونها لمصلحتهم ومنفعتهم، فكرههم السواد الأعظم من الناس بسبب أنانيتهم واشتطاطهم في أخذ الرّبا، وحصولهم على غنى وثراء بطرق يأنف العربيّ عن سلوكها والتّعامل بها «٤» .
_________________
(١) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٧٩.
(٢) [الوسق: مكيال معلوم، ستّون صاعا، والصّاع: مكيال تكال به الحبوب ونحوها، وهو عند فلّاحي الشام: نصف المدّ الشامي، أي: يعادل (٩) لترات] .
(٣) رواه البخاري في كتاب المغازي، باب «قتل كعب بن الأشرف» [برقم (٤٠٣٧)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب قتل كعب بن الأشراف طاغوت اليهود، برقم (١٨٠١)، من حديث جابر بن عبد الله ﵁] . وقد سرد القصة ابن هشام باختلاف يسير في «السيرة النبوية» ج ٢، ص ٥١.
(٤) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ص ٧٩.
[ ٢٥٥ ]
ولما طبعوا عليه من الجشع، ولسياستهم التوسعيّة، يقول) De -Lacy OLeary (في كتابه «العرب قبل محمد»:
«ساءت العلاقات بين أولئك البدو (المدنيين) «١» واليهود المستعمرين في القرن السابع الميلاديّ، فإنّهم كانوا قد وسّعوا مناطقهم المزروعة إلى مراعي هؤلاء البدو» «٢» .
وكانت علاقة اليهود بالأوس والخزرج- سكان المدينة العرب- خاضعة للمنفعة الشخصية والمكاسب الماديّة، فهم يعملون على إثارة الحرب بين الفريقين، متى وجدوا في إثارتها فائدة لهم، كما حصل ذلك في كثير من الحروب التي أنهكت الأوس والخزرج، وكان يهمّهم فقط أن تكون لهم السيطرة المالية على المدينة، وحديثهم عن النبيّ المرتقب شجّع الأوس والخزرج على الدخول في الإسلام «٣» .
أمّا لغة اليهود في بلاد العرب، فقد كانت العربية بطبيعة الحال، ولكنّها لم تكن خالصة، بل كانت تشوبها الرّطانة العبريّة، لأنّهم لم يتركوا استعمال اللغة العبرية تركا تاما، بل كانوا يستعملونها في صلواتهم ودراساتهم «٤» .
أمّا الجانب الدينيّ والدعويّ فيقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:
«لا شكّ أنّه كان في المقدرة اليهوديّة أن تزيد في بسط نفوذها الدينيّ بين
_________________
(١) المراد بهم القبائل العربية؛ مثل الأوس والخزرج ومن جاورهم من العرب في ضواحي المدينة. Arabia Before Mohammad،London ٧٢٩١ p. ٤٧١. (٢)
(٢) مستفاد من كتاب «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» للدكتور محمد سيد طنطاوي، ج: ١، ص ٧٣ إلى ١٠١.
(٣) مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول: للأستاذ أحمد إبراهيم الشريف، ص ٢٠٣.
[ ٢٥٦ ]
العرب، حتى تبلغ منزلة أرقى مما كانت عليه لو توافرت عند اليهود النية على نشر الدعوة الدينية بطريقة مباشرة، ولكنّ الذي يعلم تاريخ اليهود يشهد بأنّ الأمة الإسرائيلية لم تمل بوجه عام إلى إرغام الأمم على اعتناق دينها، وأنّ نشر الدعوة الدينيّة من بعض الوجوه محظور على اليهود» «١» .
عجز اليهود كعادتهم أن يكيّفوا أنفسهم ومجتمعهم بالحقائق والواقع والتطوّرات الحديثة، ويفهموا التحدّي الحديث وينتفعوا بالفرصة المتاحة ويدينوا بالإسلام، فيأخذوا مكانهم اللّائق بثقافتهم وعقليتهم وتجاربهم والقوى المودعة فيهم، وذلك مصير كلّ مجتمع يعيش على التاريخ، والإدلال بالنسب والتمنّيات والأحلام المعسولة، ورواسب الماضي والقيادات المفلسة المنهارة.
إنّ اليهود لم يستطيعوا أن يبرزوا وجودهم، ويثبتوا صلاحيتهم وتفوّقهم كأمّة ذات رسالة وكتاب سماويّ، وكورثة الأنبياء السابقين وذرّيتهم، فلم يزعجهم ولم يحرّك ساكنهم ما كان عليه العرب من وثنيّة سخيفة وجاهلية منحطة، ولم يدعوا- على الأقلّ- إلى عقيدة التوحيد التي تميّزوا بها عبر العصور والأجيال، ورغم الانحطاط الخلقيّ ومواضع الضعف فيهم، ولعلّ السبب الرئيسيّ هو عدم ارتياحهم إلى دعوة غير الإسرائيليين إلى دين الأنبياء، بل امتناعهم عن ذلك عبر التاريخ- كما يقول (إسرائيل ولفنسون) وكما قالت السيدة مريم جميلة اليهودية الأمريكية سابقا، والمهتدية إلى الإسلام: ثمّ الإخلاد إلى الراحة والانغماس في الكسب والمعيشة، كما هي طبيعة اليهود.
ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّ عددا من العرب المنتمين إلى الأوس والخزرج وغيرهما من القبائل العربية الأصيلة، دانوا باليهودية عن رغبة منهم، أو بتأثير
_________________
(١) راجع «اليهود في بلاد العرب» لإسرائيل ولفنسون، ص ٧٢.
[ ٢٥٧ ]
المصاهرة والزواج، أو بحكم النشأة في البيئة اليهودية، وقد كان في يهود العرب جميع هذه الأنواع، وقد ثبت أنّ التاجر اليهوديّ الكبير والشاعر المشهور كعب بن الأشرف الذي يعرف بالنّضريّ كان من قبيلة «طيىء» تزوّج أبوه في «بني النضير»، فنشأ كعب بن الأشرف يهوديا متحمّسا. قال ابن هشام: «وكان رجلا من طيىء، ثم أحد بني نبهان، وكانت أمّه من بني النّضير» «١» .
وكان بعض من لا يعيش له ولد من العرب ينذر، إذا ولد له ابن وعاش هوّدوه، وكان في المدينة عدد من العرب الذين دخلوا في اليهوديّة عن هذا الطريق.
روى الإمام أبو داود السّجستاني بسنده عن ابن عباس قال: «كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد، أن تهوّده، فلمّا أجليت بنو النّضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] . قال أبو داود: المقلات: التي لا يعيش لها ولد» «٢» .
الأوس والخزرج:
تنتمي بطون الأوس والخزرج- سكّان المدينة العرب- إلى القبائل الأزدية اليمنيّة، وكانت موجات هذه الهجرة من اليمن إلى يثرب متفرّقة في أوقات مختلفة، وكانت لعوامل متعدّدة، منها اضطراب أحوال اليمن وغزو الأحباش، وإهمال أمر الإرواء، بخراب سدّ «مأرب» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢؛ ص ٥١.
(٢) راجع: سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب «في الأسير يكره على الإسلام» [برقم (٢٦٨٢)] .
[ ٢٥٨ ]
وعلى هذا فالأوس والخزرج أحدث عهدا في المدينة من اليهود «١» .
وقد سكنت بطون الأوس في المنطقة الجنوبية والشرقية، وهي منطقة العوالي من يثرب، بينما سكنت بطون الخزرج المنطقة الوسطى الشمالية، وهي سافلة المدينة، وليس وراءهم شيء في الغرب إلى خلاء حرة الوبرة «٢» .
وانقسم أمر الخزرج إلى أربعة أبطن، وهم: مالك، وعديّ، ومازن، ودينار، كلّها من بني النجّار المعروف ب «تيم اللات»، وقد سكنت بطون بني النجار في المنطقة الوسطى التي حول مسجد النبيّ ﷺ.
وقد سكن الأوس المناطق الزراعية الغنية في المدينة، وجاوروا أهمّ قبائل اليهود وجموعهم، واستوطن الخزرج مناطق أقلّ خصبا، وقد جاورهم قبيلة يهوديّة كبيرة واحدة، وهي «القينقاع» «٣» .
ليس من السّهل الحصول الآن على إحصاء دقيق عن عدد رجال الأوس والخزرج، ولكنّ الباحث المتتبع للحوادث يستطيع تحديد قوّتهم الحربية من المعارك التي خاضوها بعد الهجرة، فقد بلغ عدد محاربيهم في يوم فتح مكة أربعة آلاف مقاتل «٤» .
وكان العرب في وقت الهجرة النبويّة أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وبيدهم كان توجيه الأمور بها، ولم يستطع اليهود مقابل ذلك أن يجمعوا كلمتهم، ويقفوا صفّا واحدا في وجه خصومهم، فتفرّقت بطونهم، ودخل
_________________
(١) راجع «مكة والمدينة»؛ ص ٣١٥- ٣١٦.
(٢) مكة والمدينة: ص ٣١١.
(٣) المصدر السابق: ص ٣١٣.
(٤) إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع: لتقي الدين أبي محمد المقريزي، ج ١، ص ٣٦٤ (طبع القاهرة ١٩٤١ م) .
[ ٢٥٩ ]
بعضها في محالفات مع الأوس، ودخل بعضها في محالفات مع الخزرج، وكانوا في القتال أقسى على بني جنسهم من العرب، واستحكم عداء بين بني القينقاع وبني النّضير وبني قريظة، جعل بني قينقاع يتركون أرضهم وزرعهم، ويقتصرون على الصناعة «١» .
ووقعت كذلك بين الأوس والخزرج حروب كثيرة، أوّلها حرب سمير، وآخرها بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات «٢» . وقد عمل اليهود بجانبهم على الدسّ بين الأوس والخزرج وتشجيع عوامل الفرقة، وإذكاء روح التحاسد، حتى يشغلوهم بأنفسهم عنهم «٣»، وقد أدرك العرب منهم ذلك فلقبوهم ب «الثعالب» .
الوضع الطبيعيّ:
كانت يثرب عند الهجرة النبويّة منقسمة إلى عدّة دوائر، تسكنها بطون عربيّة ويهوديّة، وكل دائرة تابعة لبطن من البطون، وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين: يشتمل القسم الأول على الأراضي الزراعيّة بمنازلها وسكانها، ويشتمل القسم الثاني على الأطم «٤» أو الآطام «٥» .
وقد بلغ عدد آطام اليهود في يثرب تسعة وخمسين أطما «٦»، ويقول الدكتور ولفنسون في وصف هذه الآطام:
_________________
(١) مكة والمدينة: ص ٣٢٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٢٢- ٣٢٣.
(٣) راجع القصة التي رواها ابن هشام: ج ١، ص ٥٥٥.
(٤) [الأطم جمعه: الآطام: وهو الحصن، انظر تفسيره في الصفحة القادمة] .
(٥) مستفاد من كتاب «تاريخ اليهود في بلاد العرب» للدكتور إسرائيل ولفنسون، ص ١١٦.
(٦) وفاء الوفا في أخبار دار المصطفى (ﷺ): للسمهودي، ج ١، ص ١١٦.
[ ٢٦٠ ]
«كانت أهمية الآطام عظيمة في يثرب، فكان يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدوّ، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة، حين يذهب الرجال لمقاتلة الأعداء، وقد كانت الآطام تستعمل كالمخازن تجمع فيها الغلال والثّمار، ذلك أنّها كانت معرضة في أماكنها المكشوفة للنّهب والسلب، وكان الأطم مربعا لكنز الأموال والسّلاح، وكان للقوافل المثقلة بالبضائع أن تنزل بالقرب منه، كما كانت تقام على أبوابه الأسواق.
وكانت الآطام تشتمل- كما نظنّ- على المعابد وبيوت «المدراس»، إذ كانت فاخرة الأثاث، كثيرة الأدوات، مملوءة بالأسفار، فكان يجتمع فيها الزّعماء للبحث والمشاورة حيث يقسمون بالكتب المقدّسة، حين يهمّون بإبرام العقود والاتفاقات» «١» .
ويقول الدكتور (ولفنسون) في تفسير كلمة «أطم»: «أنّها مأخوذة من اللغة العبريّة، فيقال أطم عينيه: أغمضهما، وأطم أذنيه: سدّهما، والأطم في الجدران والحيطان: هي النوافذ المغلقة من الخارج، والمفتوحة من الداخل، ويستعمل في السّور أي الحائط الضخم» .
يقول الدكتور:
«وعلى ذلك يمكننا أن نفترض أنّ اليهود أطلقوا على الحصن اسم أطم، لأنّه كان في إمكانهم أن يغلقوا أبوابه، وإن كانت له نوافذ من الخارج وتفتح من الداخل» «٢» .
ومن هذه الأحياء والدّوائر المحصّنة كانت تتكوّن مدينة (يثرب)، فهي
_________________
(١) اليهود في بلاد العرب: ص ١١٦- ١١٧.
(٢) المصدر السابق: ص ١١٧.
[ ٢٦١ ]
في الحقيقة مجموعة من القرى تقاربت وتجمّعت، فتكوّنت منها المدينة، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله:
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [الحشر: ٧] . وبقوله:
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ «١» [الحشر: ١٤] .
و(حرّة واقم) التي تحدّ المدينة من الشّرق، كانت حرة أكثر عمرانا من الوبرة، وحين هاجر النبيّ ﷺ إلى يثرب، كانت حرة واقم مسكونة بأهمّ قبائل اليهود من بني النّضير وقريظة، وعدد من عشائر اليهود الآخرى، كما كانت تسكنها أهمّ البطون الأوسيّة بنو عبد الأشهل، وبنو ظفر، وبنو حارثة، وبنو معاوية، وفي منازل بني الأشهل كان يقوم حصنهم واقم، الذي سمّيت الحرة باسمه «٢» .
الحالة الدينيّة والمكانة الاجتماعيّة:
كان العرب تابعين لقريش وأهل مكة في العقيدة والديانة، ينظرون إلى قريش كسدنة للبيت، وقادة في الدين، وقدوة في الاعتقاد والعبادة، خاضعين للوثنيّة السائدة على جزيرة العرب، يعبدون من الأصنام ما تعبدها قريش وأهل الحجاز، إلّا أنّ علاقتهم ببعض الأصنام كانت أقوى من علاقتهم ببعضها.
فكانت «مناة» لأهل المدينة، وكانت أقدم الأصنام، وكان الأوس والخزرج أشدّ إعظاما لها من غيرهم، وكانوا يهلّون لها شركا بالله تعالى، وكانت حذو «قديد» الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل.
_________________
(١) مكة والمدينة: ص ٢٩٤.
(٢) منزل الوحي: للدكتور محمد حسين هيكل، ص ٥٧٧.
[ ٢٦٢ ]
كما كانت اللّات لأهل الطائف، و«العزّى» لأهل مكّة، وكان أهل هذه المدن أكثر تعصّبا وحميّة لها من غيرها، وكان من اتّخذ في داره صنما من أهل المدينة من خشب أو غيره يسمّيه «مناة» أيضا، كما فعل ذلك عمرو بن الجموح سيّد من سادات بني سلمة قبل أن يسلم «١» .
وقد جاء في حديث رواه الإمام أحمد عن عروة عن عائشة في تفسير قوله تعالى: * إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: ١٥٨] . قالت: إنّ الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلّون «لمناة» الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوف بالصّفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا:
يا رسول الله إنّا كنّا نتحرّج أن نطوف بالصّفا والمروة في الجاهليّة، فأنزل الله ﷿: * إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «٢» [البقرة: ١٥٨] .
ولم نطّلع على صنم لهم خاصّ في المدينة اشتهر كاللّات ومناة، والعزّى، أو كهبل، يعكفون على عبادته، ويشدّ إليه الرّحال من خارج المدينة، ويبدو أنّ الأصنام لم تنتشر في المدينة انتشارها في مكّة، فقد كان لكلّ بيت في مكة صنم خاصّ، وكانت الأصنام يطاف بها وتباع، فكانوا في الوثنيّة عيالا على أهل مكة وأتباعا لهم.
وكان لأهل (المدينة) يومان يلعبون فيهما، فلمّا قدم النبيّ ﷺ المدينة
_________________
(١) مستفاد من «بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» للعلامة السيد محمود شكري الآلوسي؛ ج ١، ص ٣٤٦، ج ٢، ص ٢٠٨.
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحجّ، برقم (١٧٩٠)، ومسلم في كتاب الحج، باب بيان أنّ السّعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلّا به، برقم (١٢٧٧)، وأبو داود في كتاب المناسك، باب أمر الصفا والمروة، برقم (١٩٠١)، والترمذي في تفسير القرآن، برقم (٢٩٦٥)، وأحمد (٦/ ١٤٤- ١٦٢)] .
[ ٢٦٣ ]
قال لهم: «قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما، يوم الفطر والأضحى» «١»، وقد ذكر بعض شرّاح الحديث أنّهما النّيروز والمهرجان، وكأنّهم أخذوهما من الفرس «٢» .
وكانت قريش تعترف بشرف الأوس والخزرج، وهم بنو قحطان العرب العاربة، وكانوا يصاهرونهم، ويتزوّجون فيهم، وقد تزوّج هاشم بن عبد مناف وهو سيد قريش في بني النجّار، تزوّج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عديّ بن النّجار، وهم من الخزرج إلا أنّهم كانوا يرون لأنفسهم فضلا عليهم، وقد قال عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة الذين دعوا إلى المبارزة يوم بدر، فخرج إليهم فتية من الأنصار فقالوا: من أنتم؟
قالوا: رهط من الأنصار.
قالوا: ما لنا بكم من حاجة.
ثم نادى مناديهم: يا محمد! أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
فقال رسول الله ﷺ: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ، فلمّا قاموا ودنوا منهم، وسمّوا أنفسهم، قالوا: نعم أكفاء كرام «٣» .
وكانوا ينظرون إلى الفلاحة التي كان يمارسها أهل المدينة بحكم طبيعة أرضهم ولاعتمادهم عليها في معاشهم نظرة فيها شيء من الاحتقار، وقد تجلّت هذه النظرة في الكلمة التي قالها أبو جهل وهو عقير، قد قتله ابنا عفراء
_________________
(١) [أخرجه أبو داود في كتاب الصّلاة، باب صلاة العيدين، برقم (١١٣٤)، والنّسائي في كتاب صلاة العيد، برقم (١٥٥٦)، والبيهقي في السّنن، (ج ٣/ ٢٧٧) وغيرهم من حديث أنس ﵁] .
(٢) بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب.
(٣) ابن هشام: ج، ص ٦٢٥.
[ ٢٦٤ ]
وهما من الأنصار، وقد أدركه عبد الله بن مسعود وبه رمق «لو غير أكّار «١» قتلني» «٢» .
الحالة الاقتصادية والحضارية:
كانت مدينة يثرب بطبيعتها منطقة زراعيّة، وكان أكثر اعتماد أهلها على الزّراعة والبساتين، وكان من أهمّ حاصلاتها التّمر والعنب، فكانت فيها جنّات النّخيل والأعناب «٣»، وجنّات معروشات وغير معروشات، وزروع ونخيل صنوان وغير صنوان «٤»، ومن الزّروع الحبوب والبقول، وكان التمر وخاصة أيام الجدب، وتخلف الأمطار، يسدّ كثيرا من حاجة السكان الغذائية، وكان كعملة يتبادل بها أهلها عند الحاجة، وكانت النّخيل مصدر خيرات كثيرة في حياتهم، فكانوا يستخدمونه في الغذاء، والبناء،
_________________
(١) قال العلامة محمد طاهر الفتني في «مجمع بحار الأنوار» (١/ ٦٨): أي الزّراع والفلّاح: وهو عند العرب ناقص يعرّض بأنّ ابني عفراء من الزراع، فلو غيرهما قتلني لم يكن عليّ نقص [أراد به احتقاره وانتقاصه، كيف مثله يقتل مثله] .
(٢) [أخرجه البخاريّ في كتاب المغازي برقم (٤٠٢٠)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب قتل أبي جهل، برقم (١٨٠٠) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٣) اقرأ حديث أبي طلحة في بيرحاء الذي رواه الشيخان: وكانت بساتين ملتفة الأغصان والأوراق حتى يدخل فيها الدبسي- وهو طائر صغير- فلا يكاد يخرج منها، جاء في قصة أبي طلحة الأنصاري: أنه كان يصلّي في حائط له، فطار دبسي: فطفق يتردّد يلتمس مخرجا فأعجبه ذلك، فجعل يتبعه بصره ساعة، إلى قصة تصدقه بهذا الحائط بسبب الفتنة التي فتن بها، أخرجه مالك في موطّئه [في كتاب الصدقة، باب الترغيب في الصدقة، برقم (١٩٢٦)، والبخاري في كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم (١٤٦١)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج، برقم (٢٣١٢)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، في تفسير سورة آل عمران، برقم (٢٩٩٧) .
(٤) راجع سورة الأنعام وسورة الرعد.
[ ٢٦٥ ]
والصناعة، والوقود، وعلف الدوابّ «١» .
ولتمر المدينة أنواع كثيرة، وتفاصيل دقيقة تصعب الإحاطة بها «٢» .
ولأهل المدينة تجارب وطرق في تنمية حاصل النخيل وتحسينه استفادوها من طول المراس، منها تأبير النخل «٣» .
هذا لا ينفي وجود حركة تجارية في المدينة، ولكنّها لم تكن في القوّة والانتشار بمكانة الحركة التجارية في مكة، إذ كان اعتماد أبناء الوادي- وهي غير ذي زرع ومياه وفيرة- على التّجارة ورحلة الشّتاء والصّيف.
وكانت في المدينة بعض الصّناعات يمارس أكثرها اليهود، ولعلّهم جلبوها من اليمن، فلم يزالوا فيه إلى أن غادروه في الزمن الأخير، حاذقين في الصناعات، وكان عامة بني قينقاع صاغة، وكانوا أغنى طوائف اليهود في مدينة يثرب، وكانت بيوتهم تحتوي على الأموال الطائلة، والحليّ الكثيرة من الفضّة والذهب، مع أنّ عددهم كان غير كثير «٤» .
وقد منح الله أرض يثرب، وهي بركانية التربة، خصبا زائدا، وهي ذات
_________________
(١) اقرأ شرح الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (في كتاب العلم، وترجم له: «باب طرح الإمام المسألة على الناس ليختبر ما عندهم من العلم») [برقم (٦١)] في «فتح الباري»، للحافظ ابن حجر العسقلاني، أو «عمدة القاري» للعيني [وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب مثل المؤمن مثل النخلة، برقم (٢٨١١)] .
(٢) تدلّ الثروة اللغوية الكبيرة التي تدور حول النخلة والتمر، على ما كانت تشغله هذه الشجرة وثمرتها من مكان في حياة العرب عامة وأهل المدينة خاصة، وما كان لهما من أهمية، راجع على سبيل المثال «أدب الكاتب» لابن قتيبة و«فقه اللغة» للثعالبي، و«المخصّص» لابن سيده؛ وقد أفرد عدد من العلماء كتبا للنخل.
(٣) التأبير: هو أن يشقّ طلع النخلة ليذر فيه شيء من طلع ذكر النخل، (شرح مسلم للنووي) .
(٤) اليهود في بلاد العرب: ص ١٢٨.
[ ٢٦٦ ]
وديان كثيرة، تفيض بمياه السيول، فتروي أرضها وتسقي النخل والزروع، اشتهر منها وادي العقيق «١»، الذي كان متنزّه المدينة، وكان يتدفّق بالماء، ويزهو بالبساتين، وكانت الأرض صالحة لحفر الآبار، وقد كثرت فيها البساتين، ومنها ما هو مسوّر ويسمّيه أهل المدينة «الحائط» «٢» .
واشتهرت آبار كثيرة بعذوبة الماء ووفرته، وكانت لهم شراج «٣»، وكانوا يحوّلون الماء بالمساحي إلى حدائقهم «٤» .
وكان من الحبوب الرئيسيّة الشعير، ثم القمح، وتكثر الخضراوات والبقول، وكانت لهم طرق في المزارعة، والمؤاجرة، والمزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، والمعاومة، منها ما أقرّه الإسلام ومنها ما منعه أو أصلحه «٥» .
_________________
(١) اقرأ «معجم البلدان» لياقوت الحموي؛ و«الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني.
(٢) اقرأ قصة ابتلاء كعب بن مالك في الجامع الصحيح للبخاري (كتاب المغازي) وقد جاء فيه: «حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمّي» [انظر تخريجه المفصّل في هذا الفصل، ص ٤٩٢] .
(٣) الشرجة: هي مسيل الماء.
(٤) اقرأ حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم، وجاء فيه: «اسق حديقة فلان»، وجاء فيه ذكر الشراج، وتحويل الماء بالمسحاة [أخرجه مسلم في كتاب الزهد، باب فضل الإنفاق على المساكين وابن السبيل، برقم (٢٩٨٤)، وابن حبان في الصحيح (٨/ ١٤٢) برقم (٣٣٥٦)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٩٦)] .
(٥) اقرأ أبواب الحرث والمزارعة في الصحاح: و«المزابنة»: بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلا، و«المحاقلة»: بيع الزرع في سنبله، الشعير بشعير كيلا، والقمح بقمح كيلا، و«المخابرة» و«المزارعة» متقاربتان؛ وهما المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع؛ كالثلث، والربع، لكن في المزارعة يكون البذر من مالك الأرض، وفي المخابرة يكون البذر من العامل، وقال جماعة من أهل اللغة: هما بمعنى، وفي صحة المزارعة والمخابرة خلاف مشهور للسلف والخلف؛ (مستفاد من شرح النووي لمسلم) . «والمعاومة»: هو بيع السنين، ومعناه: أن يبيع ثمر الشجرة عامين؛ أو ثلاثة أو أكثر.
[ ٢٦٧ ]
وكانت العملة في مكة والمدينة واحدة، وقد شرحناها ص (١٤٢- ١٤٣) .
وكانت المدينة تعتمد على المكاييل، وتحتاج إليها أكثر من مكة، لاعتماد أهلها على الحبوب والثّمار «١»، وكانت الأكيال المستعملة في المدينة هي المدّ والصّاع والفرق والعرق والوسق «٢» .
أمّا الأوزان المستعملة فهي الدرهم والثقاف والدّانق والقيراط والنّواة والرّطل والقنطار والأوقيّة «١» .
ولم تكن المدينة- على خصبها- مكتفية غذائيا، فكان أهلها يستوردون بعض المواد الغذائية من الخارج، وكانوا يجلبون دقيق الحوار والسمن والعسل، من الشام. قد جاء في حديث رواه الترمذيّ عن قتادة بن النعمان﵁-: «كان الناس إنّما طعامهم بالمدينة، التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة «٣»، من الشام من الدرمك «٤»، ابتاع الرجل منها فخصّ بها نفسه، وأمّا العيال فإنّما طعامهم التمر والشعير «٥»، والقصة تلقي ضوءا على الحالة الغذائيّة في المدينة- التي لم
_________________
(١) لذلك قال النبيّ ﷺ: «الميزان ميزان أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» (رواه أبو داود والنسائي من رواية طاووس عن ابن عمر، وصححه ابن حبان، والدارقطني) .
(٢) راجع للتفصيل والتقدير شروح كتب الحديث وكتب الخلاف، انظر لمقاديرها «التراتيب الإدارية» ج ١، ص ٤١٣- ٤١٥.
(٣) الضافطة: قال الفتني: «الضافطة» و«الضفاط» من يجلب الميرة والمتاع إلى المدن؛ وكانوا قوما من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما، (مجمع بحار الأنوار، ج ٣، ص ٤١٠؛ طبع حيدرآباد- الهند) .
(٤) «الدرمك»: الدقيق الحوارى؛ واحده: «الدرمكة» .
(٥) انظر تفسير قوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [النساء: ١٠٧] . الآيات في جامع الترمذي [أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة النساء، رقم الحديث (٣٠٣٦)] .
[ ٢٦٨ ]
تحدث بعد الهجرة فجأة- وعلى المستويات المختلفة في المعيشة.
وكان اليهود- كما عرف من طبيعتهم وتاريخهم في كلّ بلد- أكثر غنى من العرب، وكان العرب بطبيعتهم العربيّة البدويّة، لا يفكّرون في المستقبل كثيرا، فيوفّرون له المال، وكانوا أهل ضيافة وكرم، يضطرون إلى الاستدانة من اليهود، وكثيرا ما تكون هذه الاستدانة بالربا والرهن.
وكان لأهل المدينة ثروة من الإبل والبقر والأغنام، ويستخدمون الإبل في إرواء الأراضي ويسمّونها ب «الإبل النواضح»، وكانت لهم مراع اشتهرت منها «زغابة» و«الغابة»، يحتطب منها الناس، ويرعون فيها ماشيتهم «١» وكانت لهم خيل يستخدمونها في الحروب وإن كانت قليلة بالنسبة إلى مكة.
وكان بنو سليم مشهورين باقتناء الخيل، يجلبونها من الخارج.
وكانت في المدينة عدّة أسواق، أهمّها «سوق بني قينقاع» مركز بيع الحلي والمصوغات الذهبيّة، وكانت سوق للبزازين، وتوجد في المدينة المنسوجات القطنية والحريرية، والنّمارق الملونة والسّتور المرسومة «٢» .
وكان عطّارون يبيعون أنواع العطور والمسك، وكان يوجد من يتّجر في العنبر والزّئبق «٣» .
وكانت أنواع من البيع منها ما أقرّه الإسلام، ومنها ما منعه، مثل
_________________
(١) راجع «معجم البلدان» لياقوت الحموي، و«وفاء الوفا» للسّمهودي.
(٢) اقرأ حديث عائشة الذي [أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير.. برقم (٢١٠٧) وغيره] وقد جاء فيه ذكر القرام» قال الفتني: هو ستر رقيق وقيل صفيق من صوف ذي ألوان، قيل: ضربته مثل حجلة العروس، وقيل: وكان مزينا منقشا، (مجمع بحار الأنوار: ج ٤، ص ٢٥٨) .
(٣) راجع «التراتيب الإدارية» للعلامة عبد الحي الكتاني (القسم التاسع) .
[ ٢٦٩ ]
النّجش «١» والاحتكار، وتلقي الرّكبان «٢» خارج المدينة، وبيع المصرّاة «٣»، والبيع بالنّسيئة «٤»، وبيع الحاضر للبادي، وبيع المجازفة «٥»، وبيع المزابنة «٦»، والمخاضرة «٧» «٨»، وكان من الأوس والخزرج من يتعامل بالرّبا، وإن كان ذلك نادرا بالنسبة إلى اليهود.
وقد توسّعت الحياة في المدينة بعض التوسّع، ورقت بحكم طبيعة أهلها، فكانت البيوت ذات طبقات «٩»، وكانت لبعض البيوت حدائق، وكانوا يستعذبون الماء، وقد يأتون به من بعيد، وكانت توجد كراس «١٠»، وكانت تستعمل أقداح من زجاج وأقداح من الحجارة، وسرج منوّعة «١١»، وكانوا يستخدمون المكاتل والقفف في أعمال المنزل والزراعة، وكان للأغنياء شيء كثير من الأثاث لبيوتهم، خصوصا اليهود، وكانت أنواع من
_________________
(١) [النّجش: الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا ليشتريها بل ليغرّ بذلك غيره] .
(٢) [الرّكبان: الذين يجلبون إلى البلد الأرزاق للبيع، وسواء كانوا ركبانا أو مشاة، جماعة أو واحدا] .
(٣) [المصرّاة: الدّابّة الحلوب حبس لبنها في ضرعها، ليوهم المشتري كثرة اللبن] .
(٤) [النّسيئة: التأخير، يقال: باعه بنسيئة] .
(٥) [المجازفة: هي بيع الشيء لا يعلم كيله أو وزنه] .
(٦) [المزابنة: وهي بيع الرّطب في رؤوس النّخل بالتّمر، وأصله من الزّبن، وهو الدفع، كأن كلّ واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقّه بل يزاد منه، وإنما نهي في الحديث عنها لما يقع فيها من الغبن والجهالة] .
(٧) [المخاضرة: هي بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها] .
(٨) انظر أبواب البيع في كتب الحديث والفقه؛ وأحكامها من الحل والحرمة.
(٩) انظر حديث الهجرة، ونزول رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب ﵁ [في صحيح مسلم، برقم (٢٠٥٣)] .
(١٠) التراتيب الإدارية: ج ١، ص ٩٧.
(١١) المصدر السابق: ج ١، ص ١٠٤.
[ ٢٧٠ ]
الحلي كالأساور، والدمالج، والخلاخيل، والأقرطة، والخواتم، والعقود من الذهب أو من جزع ظفار «١»، وكان الغزل والنسيج فاشيين في النساء، فكانت الخياطة والدباغة وعمل بناء البيوت، وضرب الطوب، والنحت، من الصناعات التي عرفت في المدينة قبل الهجرة.
الوضع المعقد الذي واجهه الرسول ﷺ في مدينة يثرب:
وهكذا لم ينتقل رسول الله ﷺ والمهاجرون من مدينة- مكة- إلى قرية- يثرب- بل انتقل من مدينة إلى مدينة، وإن كانت هي الآخرى تختلف عن الأولى في مظاهر كثيرة للحياة، وكانت أصغر منها نسبيا، ولكنّ الحياة فيها كانت أكثر تعقّدا، والقضايا التي سيواجهها الرسول أكثر تنوّعا، لوجود ديانات وبيئات وثقافات مختلفة، لا يتغلّب عليها ولا يصهر المدينة كلّها في بوتقة عقيدة واحدة، ودعوة واحدة إلا الرسول المؤيد من الله، الذي أعطاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وقوّة الجمع بين الأنماط البشرية الكثيرة، والقوى المتصارعة والأهواء المتعاكسة، وألقى عليه محبة منه، وصدق الله العظيم:
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٢- ٦٣]
_________________
(١) اقرأ حديث عائشة في قصة الإفك الذي رواه البخاري في كتاب المغازي [باب حديث الإفك، برقم (٤١٤١)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في حديث الإفك، برقم (٢٧٧٠)، والنّسائي في السنن الكبرى (٥/ ٢٩٥)، برقم (٨٩٣١)، وعبد الرزاق في المصنّف (٥/ ٤١٠) برقم (٩٧٤٨)] . و«الجزع»: خرز فيه سواد وبياض؛ و«ظفار»: مدينة باليمن.
[ ٢٧١ ]
خريطة أثرية تقريبية للمدينة المنورة
[ ٢٧٢ ]
مساكن القبائل الهامة ومواقع الغزوات الإسلامية
[ ٢٧٣ ]
في المدينة
كيف استقبلت المدينة رسول الله ﷺ؟
سمع الأنصار بخروج رسول الله ﷺ من مكّة، فكانوا يخرجون كلّ يوم إذا صلّوا الصبح إلى ظاهر المدينة، ينتظرون رسول الله ﷺ فما يبرحون حتّى تغلبهم الشمس على الظّلال، فيدخلون بيوتهم، وكان الزمن زمن صيف وحرّ.
وقدم رسول الله ﷺ حين دخل الناس البيوت، وكان اليهود يرون ما يصنع الأنصار، وكان أول من رآه رجل من اليهود، فصرخ بأعلى صوته، وأخبر الأنصار بقدوم رسول الله، فخرجوا إلى رسول الله ﷺ وهو في ظلّ نخلة، ومعه أبو بكر﵁- في مثل سنّه- وأكثرهم لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك، وازدحم الناس، ما يميّزون بينه وبين أبي بكر، وفطن لذلك أبو بكر، فقام يظلّه بردائه فانكشف للناس الأمر «١» .
واستقبلهما زهاء خمسمئة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين.
أقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتّى إنّ العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيّهم هو؟ أيّهم هو؟، يقول أنس
_________________
(١) ابن هشام: ج ١، ص ٤٩٢ [حديث الهجرة: أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبيّ ﷺ، برقم (٣٩٠٦)] .
[ ٢٧٥ ]
- ﵁-: فما رأينا منظرا شبيها به «١» .
وخرج الناس حين قدما المدينة في الطّرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر! جاء رسول الله، الله أكبر! جاء محمّد، الله أكبر! جاء محمد، الله أكبر! جاء رسول الله «٢» .
ويقول البراء بن عازب- وكان حديث السّنّ-: قدم النبيّ ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ «٣»
وكبّر المسلمون فرحا بقدومه، وما فرحوا لشيء في حياتهم كفرحهم بقدوم رسول الله ﷺ.
وكانت المدينة باسمة الثّغر، ترفل في حلل الفرح والفخر، وكانت بنات الأنصار ينشدن «٤» في سرور ونشوة: [من مجزوء الرمل]
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب مقدم النبيّ ﷺ وأصحابه المدينة، برقم (٣٩٣٢)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبيّ ﷺ، برقم (٥٢٤)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب بناء المساجد، برقم (٤٥٣) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٢) [أخرجه البخاري في مناقب الصحابة، باب مناقب المهاجرين، برقم (٣٦٥٢)] .
(٣) رواه البخاري [في كتاب مناقب الأنصار]، باب مقدم النبيّ ﷺ وأصحابه إلى المدينة [برقم (٣٦٥٢)] .
(٤) ابن كثير ج/ ٢، ص/ ٢٦٩، رواه البيهقي بسنده عن ابن عباس وعائشة، روى ابن القيم البيتين الأولين عند عودة النبي ﷺ من تبوك إلى المدينة، وخروج الناس لتلقيه، قال: «وبعض الرواة يتوهم وهما ظاهريا، لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام» (زاد المعاد ج/ ٢ ص/ ١٠١) . ولكنّ المشهور المستفيض أنّ هذا النشيد إنما كان عند مقدمه من مكة إلى المدينة، وعلى ذلك تكاد تتفق كتب السيرة، وفي الأبيات شواهد داخلية على أنها كانت عند مقدمه الأول-
[ ٢٧٦ ]
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع
وجب الشّكر علينا ما دعا لله داع
أيّها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
يقول أنس بن مالك الأنصاريّ- وهو غلام يومئذ-: شهدت رسول الله ﷺ يوم دخل المدينة، فما رأيت يوما قطّ، كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا «١» .
مسجد قباء وأول جمعة في المدينة:
وأقام رسول الله ﷺ ب «قباء» أربعة أيام، وأسّس مسجدا هناك، وخرج يوم الجمعة، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلّاها في مسجدهم، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة «٢» .
_________________
(١) - إلى المدينة، فإن روح الفرح والحماس التي تسيطر على هذه الأبيات تنطق بأنها قيلت وأنشدت عند الطلعة الأولى. وقد تعدّدت الثنيات في المدينة، فلا مانع من أن يكون القادم من مكة يمر بثنية الوداع الواقعة في مدخل المدينة، فكان المدرج الذي ينزل منه إلى بئر عروة بالجنوب الغربي بالمدينة يسمى بثنية الوداع أيضا. يقول الشيخ عبد القدوس الأنصاري في كتاب «آثار المدينة المنورة» (ص ١٦٠): «وكما أنّ أهل المدينة كانوا يودّعون المسافر إلى جهة مكة من الثنية الواقعة بطريق مكة، ويحق لكل من الثنيتين بهذا النظر أن تسمّى ثنية الوداع لقيام معنى الثنية الذي هو الطريق في الجبل والوداع بكل منهما ولاشتراكهما فيه، فكلتاهما مركز لتوديع المسافرين ويقول: «ويوافقنا العباسي في تاريخه للمدينة على هذا الرأي، وهي ثنية الوداع التي تشرف على وادي العقيق، وتحيط به الحرة من كل جانب» .
(٢) أخرجه الدارمي [١/ ٤١، وأحمد (٣/ ١٢٢)، والحاكم (٣/ ١٢) عن أنس ﵁ بسند صحيح] .
(٣) ابن هشام: ج ١، ص: ٤٩٤ [وأخرجه الطبراني، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٦٢- ٦٣): رواه الطبرانيّ ورجاله ثقات] .
[ ٢٧٧ ]
في بيت أبي أيوب الأنصاريّ:
وخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة والناس يتلقّونه في الطريق أرسالا، ويطلبون منه الإقامة عندهم، ويقولون: أقم عندنا في العدد والعدد والمنعة، ويمسكون بزمام النّاقة، فيقول: «خلّوا سبيلها، فإنّها مأمورة» ووقع ذلك مرارا.
ولمّا مرّ النبيّ ﷺ بحيّ من بني النجّار إذا جوار يضربن بالدفوف ويقلن:
[من الرجز]
نحن جوار من بني النّجار يا حبّذا محمّد من جار
حتّى إذا أتى دار بني مالك بن النجّار، بركت على مكان فيه باب المسجد النبويّ اليوم، وهو يومئذ مربد «١» لغلامين يتيمين من بني النجّار، وهم أخواله ﷺ.
ونزل رسول الله ﷺ عن الناقة، فاحتمل أبو أيوب- خالد بن زيد النجاريّ الخزرجيّ- رحله، فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ فبالغ أبو أيوب في ضيافته وإكرامه، ونزل في السّفل من البيت، وكره أبو أيوب وأعظم أن يكون في العلوّ، فطلب منه أن يكون هو ﷺ في العلوّ، ويكون هو﵁- وعياله في السفل، فقال: «يا أبا أيوب! إنّ أرفق بنا وبمن معنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت» .
_________________
(١) ابن كثير: ج ٢، ص ٢٧٤ [وأخرجه ابن ماجه في أبواب النكاح، باب الغناء والدف، برقم (١٨٩٩)، والطبراني في الصغير (ج ١/ ص ٦٥) برقم (٧٨)، وأبو يعلى في مسنده (ج ٦/ ١٣٤) برقم (٣٤٠٩) من حديث أنس ﵁، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٢): رواه أبو يعلى من طريق رشيد عن ثابت، ورشيد هذا قال عنه الذهبي: مجهول] .
[ ٢٧٨ ]
ولم يكن أبو أيوب الأنصاريّ من الموسرين، لكنّه كان عظيم الفرح بنزول رسول الله ﷺ في بيته، كبير الاعتداد والشكر لهذه الكرامة التي أكرمه الله بها.
والحبّ يلهم من أساليب الراحة وطرائق الخدمة، ما لا يلهمه شيء آخر، يقول أبو أيوب: وكنّا نصنع لرسول الله ﷺ العشاء، ثمّ نبعث إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيممت أنا وأمّ أيوب موضع يده، فأكلنا منه، نبتغي بذلك البركة، وكان رسول الله ﷺ في سفل البيت وكنّا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حبّ «١» لنا فيه ماء، فقمت أنا وأمّ أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشّف بها الماء، تخوّفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه «٢» .
بناء المسجد النبويّ والمساكن:
ودعا رسول الله ﷺ الغلامين- صاحبي المربد- «٣» فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا «٤» .
_________________
(١) الحبّ: الجرّة (القاموس: حبب) .
(٢) رواه ابن إسحاق بسنده عن أبي أيوب (ابن كثير ج ٢، ص ٢٢٧) [وأخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب إباحة أكل الثوم ، برقم (٢٠٥٣)، والترمذي في أبواب الأطعمة، باب ما جاء في كراهية أكل الثوم والبصل، برقم (١٨٠٧)، وأحمد في مسنده (٥/ ٩٤- ٩٥)، والبيهقي في «الدلائل» (١٠/ ٥٠٩- ٥١٠) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁] .
(٣) المربد: الموضع الذي يجفّف فيه التمر.
(٤) أخرجه البخاري [في كتاب مناقب الأنصار]، باب مقدم النبيّ ﷺ وأصحابه إلى المدينة، [برقم (٣٩٣٢)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبيّ ﷺ، برقم (٥٢٤)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، برقم (٤٥٤) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
[ ٢٧٩ ]
وعمل رسول الله ﷺ في بناء المسجد، فكان ينقل اللّبن، واقتدى به المسلمون، وكان رسول الله ﷺ يقول:
اللهمّ إنّ الأجر أجر الآخره فارحم الأنصار والمهاجره «١»
وكان المسلمون مسرورين سعداء، ينشدون الشعر، ويحمدون الله تعالى.
وأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب سبعة أشهر «٢»، حتّى بني له مسجده ومساكنه، فانتقل إلى مساكنه.
وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله ﷺ فلم يبق بمكة منهم أحد، إلّا مفتون، أو محبوس، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها «٣» .
كان من الإصلاحات والتطويرات المباركة- وإن كانت لفظية واسمية- تغيير اسم المدينة، فقد كان اسم المدينة المنوّرة القديم «يثرب» ومعناه ذميم يتشاءم به، لأنّ الثّرب فساد في كلام العرب، والتثريب هو اللوم والتعيير «٤»، وكان اسما شائعا تقصد وتعرف به هذه المدينة، وقد قال الله تعالى:
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب: ١٣] .
وقد ورد في حديث صحيح أنّ رسول الله ﷺ غيّر اسمها من يثرب إلى
_________________
(١) ابن كثير: ج ٢، ص ٢٥١ [وقد سبق تخريجه في صفحة (٢٧٩) حاشية (٤) من حديث أنس بن مالك وأبي بكر ﵄] .
(٢) ابن كثير: ج ٢، ص ٢٧٩، وهو في رواية الواقدي عند أبي سعد، وجزم به ابن حجر في الفتح، وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بني له فيها مسجده ومساكنه، وحينئذ تكون إقامته ﷺ عند أبي أيوب أكثر من عشرة أشهر.
(٣) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٤٩٩- ٥٠٠.
(٤) لسان العرب للعلامة ابن منظور، مادة «ثرب» .
[ ٢٨٠ ]
«المدينة»، ونهى عن استخدام اسمها القديم، وقال: «هي طابة» «١»، وورد في صحيح البخاري قوله ﷺ: «هذه طابة» «٢» .
قال ابن عباس ﵁: «من قال للمدينة يثرب فليستغفر الله ثلاثا إنّما هي طيبة» «٣» .
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:
وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على المواساة، وكان الأنصار يتسابقون في مؤاخاة المهاجرين، حتّى يؤول الأمر إلى الاقتراع، وكانوا يحكمونهم في بيوتهم وأثاثهم وأموالهم وأرضهم وكراعهم، ويؤثرونهم على أنفسهم.
وقد يقول الأنصاريّ «٤» للمهاجر «٥»: انظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيّهما أعجب إليك حتى أطلقها، ويقول المهاجر: بارك الله لك في أهلك ومالك، ودلّني على السّوق.
فكان من الأنصاريّ الإيثار، ومن المهاجر التعفّف وعزّة النفس «٦» .
_________________
(١) [أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٥) من حديث البراء بن عازب ﵁] .
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب خرص التمر، برقم (١٤٨١)، وفي كتاب المغازي، باب نزول النبي ﷺ الحجر، برقم (٤٤٢٢)، ومسلم في كتاب الحج، باب فضل أحد، برقم (١٣٩٢)، وابن حبان (١٠/ ٢٥٥)، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٧٢) وغيرهم من حديث أبي حميد] .
(٣) مدينة يثرب قبل الإسلام: للدكتور ياسين غضبان، طبع دار البشير، ص ١٧.
(٤) [هو سعد بن الرّبيع ﵁] .
(٥) [هو عبد الرحمن بن عوف ﵁] .
(٦) اقرأ في الجامع الصحيح للبخاري، «باب» إخاء النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار «وباب» كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه؛ قصة عبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع-
[ ٢٨١ ]
وكان هذا الإخاء أساسا لإخاء إسلاميّ عالميّ فريد من نوعه، ومقدمة لنهضة أمة ذات دعوة ورسالة، تنطلق لصياغة عالم جديد، قائم على عقائد صحيحة معيّنة وأهداف صالحة منقذة للعالم من الشّقاء والتناحر والانتحار وعلى علاقات جديدة من الإيمان والإخاء المعنويّ والعمل المشترك، وكان هذا الإخاء المحدود بين المهاجرين والأنصار طليعة وشريطة لاستئناف حياة جديدة للعالم والإنسانية، لذلك خاطب الله هذه الحفنة البشرية في مدينة صغيرة بقوله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: ٧٣]
كتابه ﷺ بين المهاجرين والأنصار وموادعة يهود:
وكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهودا، وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم «١» .
_________________
(١) -[رقم (٣٩٣٧)، ومسلم في كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن..، برقم (١٤٢٧)، وأبو داود في كتاب النكاح، باب قلّة المهر، برقم (٢١٠٩) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٢) راجع للتفصيل «ابن هشام»: ج ١، ص ٥٠١. راجع للاطلاع على أهمية هذه الوثيقة السياسية التي يجوز أن تعتبر أقدم دستور دقيق مسجّل في العالم بقي بنصّه وفصّه إلى هذا اليوم، واستعراض ما جاء فيها من موادّ وبنود عميقة في الحكمة السياسية والمدنية والحربية، تجلّت فيها الحكمة النبوية، والهداية الربانية، والدراسة المتزنة للواقع، مقالة الدكتور محمد حميد الله أستاذ الحقوق الدولية في الجامعة العثمانية بحيدر آباد الهند، تعريب مؤلف هذا الكتاب (السيرة النبوية)، جاءت في مجموعة المباحث العلمية من المقالات السنية، (طبع إدارة جمعية دائرة المعارف العثمانية، ١٣٥٨ هـ) ص/ ٩٨- ١١٧، واقرأ نصّ الوثيقة في سيرة ابن هشام، ق/ ١، ص/ ٥٠١- ٥٠٤ (طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر)، وفي كتاب الأموال لأبي عبيد، وفي البداية والنهاية لابن كثير، ج/ ٣، ص/ ٢٢٤- ٢٢٦، وفي «مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة» للدكتور حميد الله، (طبع مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر-
[ ٢٨٢ ]
شرع الأذان:
ولمّا اطمأنّ رسول الله ﷺ بالمدينة، واستحكم أمر الإسلام، وكان الناس يجتمعون إليه للصلاة في مواقيتها بغير دعوة، وكره رسول الله ﷺ طرق الإعلان التي اعتادها اليهود والنصارى من بوق وناقوس ونار، أكرم الله المسلمين بالأذان، فأراه بعضهم في المنام، فأقرّه رسول الله ﷺ وشرعه للمسلمين، واختير بلال بن رباح الحبشيّ للأذان، وكان مؤذّن رسول الله ﷺ فكان إمام المؤذّنين إلى يوم القيامة» .
ظهور النفاق والمنافقين في المدينة:
لم يكن في مكة نفاق «٢»؛ لأنّ الإسلام كان هناك مغلوبا على أمره، لا يملك حولا ولا طولا، ولا يملك لأحد نفعا ولا ضرّا؛ وكان كلّ من يدخل فيه يعرّض نفسه للخطر والضّرر، ويثير لها العداء، ويهيج الأعداء، فلا يقبل عليه إلا من صدق عزمه، وقوي إيمانه، وجازف بحياته ومستقبله، ولم تكن هنالك قوتان متماثلتان، إنّما كان المشركون الأقوياء القاهرون، والمؤمنون المضطهدون المستضعفون، وقد صوره القرآن بقوله البليغ: وَاذْكُرُوا إِذْ
_________________
(١) - القاهرة) .
(٢) [قصة شرح الأذان أخرجها أبو داود في كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، برقم (٤٩٩)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان، برقم (١٨٩)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في أبواب الأذان والسنة فيها، باب بدء الأذان، برقم (٧٠٦)، والدارمي (١/ ٢٦٩)، وأحمد (٤/ ٤٣) من حديث عبد الله بن زيد ﵁] .
(٣) وهو الذي يرجّحه أكثر المفسرين والمؤرخين، وجميع السور التي ذكر فيها النفاق والمنافقين مدنية، وقد جاء في سورة براءة وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ [التوبة: ١٠١] .
[ ٢٨٣ ]
أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال: ٢٦] .
فلمّا انتقل الإسلام إلى المدينة واستقرّ الرسول ﷺ وأصحابه فيها، وبدأ الإسلام ينتشر، ويزحف، ويعلو، وقام المجتمع الإسلاميّ بجميع لوازمه، تغير الوضع ونجم النفاق ورفع رأسه، وكان ظاهرة طبيعية نفسية لا بدّ منها، فإنّما تظهر بادرة «النفاق» في بيئة تجمع بين دعوتين متنافستين، وقيادتين متقابلتين، هناك يوجد عنصر مضطرب يتأرجح بين هاتين الدعوتين، ويتردد في إيثار إحداهما على الآخرى، وقد ينحاز إلى دعوة، فيكون في معسكرها، ويعطيها ولاءه وحبّه العاطفيّ، إلا أنّ مصالحه المادية، وانتشار الدعوة المقابلة وانتصارها، لا يسمح له بإعلان موقفه، والانضواء إلى الدعوة الأولى، وقطعه للحبال التي تربطه ببيئته الأولى، وقد صوّر القرآن هذا الموقف المضطرب تصويرا دقيقا، فقال:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١]، وهم الذين وصفهم بقوله: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء: ١٤٣] .
وكان على رأس هؤلاء المنافقين الذين كانوا من الأوس والخزرج واليهود عبد الله بن أبيّ ابن سلول، اتفقوا بعد حرب بعاث على أن يولّوه الرئاسة ويتوّجوه، وكان قد تمّ له كلّ ذلك إذ جاء الإسلام، وصار النّاس يدخلون في دين الله أفواجا، فشرق به وكرهه كرها شديدا، قال ابن هشام: «قدم رسول الله ﷺ المدينة، وسيّد أهلها عبد الله بن أبيّ ابن سلول العوفيّ.. لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل غيره من أحد الفريقين، حتى جاء الإسلام، وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه، ثمّ يملكوه عليهم،
[ ٢٨٤ ]
فجاءهم الله تعالى برسوله ﷺ وهم على ذلك، فلمّا انصرف قومه عنه إلى الإسلام، ضغن «١»، ورأى أنّ رسول الله ﷺ قد استلبه ملكا، فلمّا رأى قومه قد أبوا إلّا الإسلام دخل فيه كارها، مصرّا على نفاق وضغن» «٢» .
وعادى الإسلام كلّ من كان في قلبه مرض، وفي السيادة طمع، وضاق ذرعا بهذا الدّين الزاحف، الذي هدم كلّ ما بناه، ونقض كلّ ما أبرمه، وجعل للمدينة شأنا غير الشأن، ومن المهاجرين والأنصار أمة جديدة، ألّف بين قلوبها، وبذلت نفوسها دون الرسول، وقدّمت محبّته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، فامتلأت قلوب هؤلاء المنافقين غيظا وحسدا، فصاروا يكيدون له، ويتربّصون به الدوائر، ويقلّبون له الأمور، وتكونت في المدينة جبهة معادية، متسرّبة في المجتمع الإسلاميّ، وكان على المسلمين أن يكونوا منها على حذر دائما، فقد تكون أشدّ خطرا على الإسلام والمسلمين من الأعداء المجاهرين، ومن هنا زخر القرآن بذكرهم وإزاحة السّتار عنهم، وكان لهم مع الإسلام وللإسلام معهم شأن، ويتردّد ذكرهم في كتب السيرة، وفي هذا الكتاب.
طلائع عداء اليهود:
وبدت طلائع عداء اليهود للإسلام بعد ما كان موقفهم موقف الحياد من المسلمين والمشركين من أهل مكة والمدينة، وربّما كانوا أميل إلى الإسلام
_________________
(١) الضّغن: الحقد والعداوة والبغضاء، وكذلك الضّغينة.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٥٨٤- ٥٨٥ [وأخرجه البخاريّ في كتاب التفسير، باب وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، برقم (٤٥٦٦)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب في دعاء النبي ﷺ، وصبره على أذى المنافقين، برقم (١٧٩٨) من حديث أسامة بن زيد ﵄] .
[ ٢٨٥ ]
والمسلمين، لأنّهم جميعا يلتقون على الإيمان بالنبوات والإيمان بالبعث، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، وهم أقرب الأمم إلى المسلمين في توحيد ذات الله وصفاته- على ما اعترى هذه العقيدة عند اليهود من الوهن بحكم التأثر بالأمم الجاهليّة التي جاوروها، والبلاد الوثنيّة التي قضوا فيها أيام الجلاء والنفي الطويلة، وما دخل فيها من الغلوّ والتقديس لبعض أنبيائهم، كما شرحناه في كلامنا على الوضع الدينيّ لليهودية في القرن السادس المسيحيّ «١» .
فكانت كلّ القرائن تدلّ على أنّهم يلتزمون هذا الحياد، إن لم يشايعوا الإسلام الذي جاء مصدّقا لكتابهم، والنبيّ الذي دعا إلى الإيمان بأنبياء بني إسرائيل، وأعلن القرآن على لسان المؤمنين فقال: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]، ولو كان ذلك لكان للتاريخ البشريّ- فضلا عن التاريخ الإسلاميّ- اتجاه آخر، ولكفيت الدعوة الإسلاميّة الشيء الكثير من المشاكل والقضايا التي أثارها الصراع بين الإسلام واليهودية، والنضال بين المسلمين الذين كانوا في دور النشوء والتكوين وبين اليهود الأقوياء الأغنياء المثقّفين.
ولكنّ ذلك لم يكن لسببين رئيسيين:
أوّلهما: ما طبع عليه اليهود من حسد، وضيق صدر، وجمود.
وثانيهما: ما بدأ القرآن به من نقد لما كان عليه اليهود من عقائد باطلة، وأخلاق منحطة، وعادات سيئة، وذكر لتاريخهم الماضي المليء بالأحداث من محاربة الأنبياء ودعواتهم، والاجتراء على قتلهم، وعنادهم، وصدّ عن
_________________
(١) راجع فصل «العصر الجاهلي» في الفصل الأول.
[ ٢٨٦ ]
سبيل الله، وافتراء على الله، وشره للمال، وأخذهم الرّبا وقد نهوا عنه، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكلهم السّحت، وتحريفهم للتوراة، وحبّهم الزائد للحياة، وغير ذلك مما زخر به القرآن.
وإذا كان مكان رسول الله ﷺ زعيم سياسيّ لحسب للوضع المعقّد- الذي كانت تعيشه المدينة- حسابه، وابتعد عن إثارة سخط اليهود وعدائهم، إن لم يتملّقهم ويتودّد إليهم، ولكنّه الرسول المأمور بتبليغ الرسالة، والصدع بما أمر به، وتمحيص الحقّ والباطل، وعدم مسايرة الفساد والضّلال، والمكلّف بدعوة الطوائف والأمم جميعا إلى الإسلام، وفيهم اليهود والنصارى أهل الكتاب، مهما كلّفه ذلك من ثمن ومشكلات طريفة، فإنّه هو النهج النبويّ الذي سار عليه الأنبياء قبله، وهو النهج القويم، والفارق بين السياسة والنبوّة، والزعماء القوميّين والأنبياء المرسلين.
هذا التعرّض لليهود في عقائدهم وحياتهم وأخلاقهم هو الذي أثار اليهود على الإسلام والمسلمين، فغيّروا موقفهم منهم، وناصبوا الإسلام العداء الخفيّ والسافر، وبرزوا في الميدان، وكان الكاتب اليهودي الفاضل «إسرائيل ولفنسون» دقيقا ومنصفا «١» في تحليل أسباب هذا النزاع، فقال:
«لو وقفت تعاليم الرسول ﷺ عند حدّ محاربته للدّيانة الوثنيّة فحسب، ولم يكلّف اليهود أن يعترفوا برسالته، لما وقع نزاع بين اليهود والمسلمين، ولكان اليهود قد نظروا بعين ملؤها التبجيل والاحترام لتعاليم الرسول ﷺ، ولأيّدوه وساعدوه بأموالهم وأنفسهم، حتى يحطّم الأصنام، ويقضي على العقائد الوثنيّة، لكن بشرط ألا يتعرّض لهم ولا لدينهم، وبشرط ألا يكلّفهم الاعتراف بالرسالة الجديدة، لأنّ العقلية اليهودية لا تلين أمام شيء يزحزحها
_________________
(١) [لم يعرف عن اليهود فضل ولا إنصاف ولا أمانة علمية] .
[ ٢٨٧ ]
عن دينها، وتأبى أن تعترف بأن يوجد نبيّ من غير بني إسرائيل» «١» .
هذا، وقد زاد اليهود غيظا وحقدا على الإسلام أنّه أسلم بعض أحبار اليهود وعلمائهم، كعبد الله بن سلام «٢»، وكان ذا مكانة عالية عندهم، ولم يكونوا يتوقّعون أن يدخل مثله في الإسلام، فأثار ذلك الحقد الدفين فيهم «٣» .
ولم يقتصر اليهود على مخالفة الإسلام، والابتعاد عنه، بل تعدّوا ذلك إلى تفضيل عبادة أوثان المشركين على المسلمين؛ الذين يلتقون معهم على عبادة الإله الواحد، ونبذ الأوثان والأصنام، وكان من المعقول المنتظر أنّهم إذا طلبت منهم المفاضلة بين دين قريش، والدين الذي يدعو إليه محمد ﷺ، على ما كان من خلاف بينهم وبين المسلمين- أن يشهدوا بفضل الإسلام على الوثنيّة، ولكنّ عداء الإسلام لم يسمح لهم بذلك، فقد روي أنّ قريشا قالت لعلماء اليهود الذين زاروهم في مكة: «يا معشر اليهود! إنّكم أهل الكتاب الأوّل، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه، نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟!، قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقّ» «٤» .
_________________
(١) تاريخ اليهود في بلاد العرب: (ولفنسون- ص ١٢٣) .
(٢) [انظر قصة إسلام عبد الله بن سلام في «الجامع الصحيح» أخرجها البخاري، من حديث أنس بن مالك ﵁، في كتاب التفسير، باب مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ برقم (٤٤٨٠)] .
(٣) ويبلغ عدد من أسلم من اليهود وكان له شرف الصحبة ٣٩ رجلا، جاءت أسماؤهم وتراجمهم في كتب طبقات الصحابة؛ كتاب «الإصابة» و«الاستيعاب» و«أسد الغابة» وغيرها، منهم بعض كبار العلماء وأجلة الصحابة، اعتمدنا في عدد المسلمين من أهل الكتاب على إحصاء مؤلف كتاب «الصحابة والتابعون من أهل الكتاب» للأستاذ مجيب الله الندوي، طبع دار المصنفين، أعظم كره (الهند) .
(٤) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢١٤.
[ ٢٨٨ ]
ويقول العالم اليهوديّ الدكتور إسرائيل ولفنسون معلّقا على هذا الحادث:
«ولكنّ الذي يلامون عليه بحقّ، والذي يؤلم كلّ مؤمن بإله واحد من اليهود والمسلمين على السواء، إنما هو تلك المحادثة التي جرت بين نفر من اليهود، وبين بني قريش الوثنيّين، حيث فضّل هؤلاء النفر من اليهود أديان قريش على دين صاحب الرسالة الإسلاميّة» .
إلى أن قال: «ثمّ إنّ ضرورات الحروب أباحت للأمم استعمال الحيل والأكاذيب، والتوسل بالخدع والأضاليل للتغلّب على العدوّ، ولكن مع هذا كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورّطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وألّا يصرّحوا أمام زعماء قريش، بأنّ عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلاميّ، ولو أدّى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم، لأنّ بني إسرائيل الذين كانوا مدّة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتّى من الأدوار التاريخيّة، كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم وكلّ عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين» «١» .
وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: ٥١] .
تحويل القبلة:
وكان رسول الله ﷺ والمسلمون يصلّون إلى بيت المقدس، ومضى على ذلك ستة عشر شهرا بعدما قدم المدينة، وكان رسول الله ﷺ يحبّ أن يصرف
_________________
(١) اليهود في بلاد العرب: ص ١٤٢.
[ ٢٨٩ ]
إلى الكعبة، وكان المسلمون العرب- وقد رضعوا لبان حبّ الكعبة وتعظيمها، وامتزج ذلك بلحومهم ودمائهم- لا يعدلون بالكعبة بيتا، ولا بقبلة إبراهيم وإسماعيل قبلة، وكانوا يحبّون أن يصرفوا إلى الكعبة، وكان في جعل القبلة إلى بيت المقدس محنة للمسلمين، ولكنّهم قالوا: «سمعنا وأطعنا» وقالوا: «آمنّا به كلّ من عند ربنا» فلم يكونوا يعرفون إلا الطاعة لرسول الله ﷺ والخضوع لأوامر الله، وافقت هواهم أم لم توافقها، واتفقت مع عاداتهم أم لم تتّفق.
فلما امتحن الله قلوبهم للتقوى واستسلامهم لأمر الله، صرف رسوله والمسلمين إلى الكعبة «١»؛ يقول القرآن:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة: ١٤٣] .
وانصرف المسلمون إلى الكعبة مطيعين لله ولرسوله، وصارت قبلة المسلمين إلى يوم القيامة أينما كانوا ولّوا وجوههم شطرها «٢» .
_________________
(١) وكان تحويل القبلة في سنة اثنتين من الهجرة.
(٢) راجع الصحاح الستة، وتفسير الآيات في تحويل القبلة في كتب التفسير [انظر الأحاديث في تحويل القبلة، أخرجها البخاري في كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان، برقم (٤٠)، وفي كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة..، برقم (٣٩٩)، وفي كتاب التفسير، باب قوله تعالى: * سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ.. برقم (٤٤٨٦)، وباب وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها، برقم (٤٤٩٢)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، برقم (٥٢٥)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، في تفسير سورة البقرة، برقم (٢٩٦٢) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في أبواب إقامة الصلوات، باب القبلة، برقم (١٠١٠)، وأحمد (٤/ ٢٧٤)، كلهم من حديث البراء بن عازب ﵁] .
[ ٢٩٠ ]
تحرّش قريش بالمسلمين بالمدينة:
فلمّا استقرّ الإسلام بالمدينة، وعرفت قريش أنّه في نموّ وازدهار، وأنّ كلّ يوم يمضي يزيد في قوّته وانتشاره، وأنّه إذا بقي الوضع هكذا، فإنّه يفلت منهم الزمام، ويصير كشابّ ترعرع واستكمل قوّته وشبابه، فلا سبيل لهم إليه.
هنالك شمّروا للمسلمين عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كلّ جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح، ويقول لهم:
كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء: ٧٧] حتى تهون عليهم الحياة واللذّات، وتسهل لهم الطاعة ومخالفة النفس والإيثار.
[ ٢٩١ ]
الإذن بالقتال
فلمّا قويت الشوكة، واشتدّ الجناح، أذن لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم «١»، فقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩] «٢» .
وبدأ رسول الله ﷺ يبعث سرايا وبعوثا إلى بعض القبائل والنّواحي، ولم تكن في غالب الأحيان حرب، وقد تكون مناوشات، وكانت تفيد إلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتظهر بها شوكة المسلمين ونشاطهم.
سرية عبد الله بن جحش:
ونخصّ بالذكر من هذه السّرايا سريّة عبد الله بن جحش، فقد نزلت فيها آية، ولأنّها تلقي ضوءا على أنّ القرآن لا يساير المسلمين في كلّ ما يصدر عنهم من تفريط أو خطأ، وأنّه الميزان العادل في الحكم على جميع الأمم والطوائف، وإلى القارىء قصّة هذه السرية بالاختصار:
بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش الأسديّ في رجب «٣» سنة اثنتين وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب له كتابا، وأمره ألّا ينظر فيه،
_________________
(١) راجع «زاد المعاد» ج ١، ص ٣١٤.
(٢) [انظر حادثة الإذن بالقتال في الأحاديث التي أخرجها الترمذي في أبواب تفسير القرآن في تفسير سورة الحج، برقم (٣١٧١)، وأحمد (١/ ٢١٦)، والحاكم (٢/ ٦٦) - وصحّحه، ووافقه الذّهبيّ- من حديث ابن عباس ﵄] .
(٣) كان العرب يفضّلون العمرة في رجب.
[ ٢٩٣ ]
حتى يسير يومين ثمّ ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا.
ولمّا سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه، فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتّى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم، فلمّا نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال:
سمعا وطاعة، ثمّ قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا، حتّى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة، ويرغب فيها، فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأمّا أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلّف عنه منهم أحد.
ومضى عبد الله بن جحش وأصحابه حتّى نزلوا بنخلة، فمرّت بهم عير لقريش، فيها عمرو بن الحضرميّ، فلما رآهم القوم، هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه، فلمّا رأوه أمنوا، وقال: عمّار «١» لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب «٢» فقال المسلمون: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة
_________________
(١) كتب المغازي والسير، وذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ هذه السرية كانت في جمادى الآخرة وكان حادث قتل عمرو بن الحضرمي حدث سلخ هذا الشهر.
(٢) رجب أول الأشهر الحرم الأربعة، وكان القتال ممنوعا في الشهر الحرام، درج العرب على ذلك في الجاهلية وفي صدر الإسلام، وكان القوم يعرفون ذلك، والأشهر الثلاثة الباقية: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم. ذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة نسختها آية براءة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] . سئل سعيد بن المسيب: هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم، ولم نقرأ في كتاب من كتب التاريخ والفتوح أن إعلانا صدر من-
[ ٢٩٤ ]
ليدخلنّ الحرم، فليمتنعنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنّهم في الشهر الحرام، فتردّد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثمّ شجّعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التّميميّ عمرو بن الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسر اثنين منهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين.
فلمّا قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلمّا قال ذلك رسول الله ﷺ سقط في أيدي القوم، وظنّوا أنّهم قد هلكوا، عنّفهم إخوانهم المسلمون فيما صنعوا وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ «١» [البقرة: ٢١٧] .
قال العلّامة ابن قيم الجوزية في «زاد المعاد»: «والمقصود أنّ الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرّىء أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشّهر الحرام بل أخبر أنّه كبير، وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشّهر الحرام، فهم أحقّ بالذمّ والعيب والعقوبة، لا سيّما وأولياؤه كانوا متأوّلين في قتالهم ذلك، أو
_________________
(١) - مركز الخلافة أو القيادة الإسلامية بوقف الإجراءات الحربية لأجل شهر من الأشهر الحرم، وعلى ذلك جرى المسلمون في عصورهم في الحروب والفتوح الإسلامية.
(٢) سيرة ابن هشام: ج: ١، ص: ٦٠١- ٦٠٥ [أخرجه البيهقي (٩/ ١١- ١٢)، والطبري في تفسيره (٢/ ٣٤٩- ٣٥٠)، وأبو يعلى في مسنده برقم (١٥٣٤)، والطبراني في الكبير برقم (١٦٧٠) من حديث جندب بن عبد الله ﵁، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٩٨): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح] .
[ ٢٩٥ ]
مقصّرين نوع تقصير، يغفر لهم الله في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله» «١» .
غزوة الأبواء:
وغزا رسول الله ﷺ بنفسه «غزوة الأبواء» «٢»، وتسمّى (بواطا) كذلك، وهي أولّ غزوة غزاها بنفسه، ولم يلق كيدا، فرجع، وتلتها غزوات وسرايا.
فرض صوم رمضان:
وفي السّنة الثانية الهجريّة فرض الصوم، وذلك بعد أن رسخت العقيدة في قلوب المسلمين، وألفوا الصلاة، وهاموا بها، وتلقّوا الأوامر والأحكام الشرعيّة بقبول واستعداد، كأنّهم كانوا منها على ميعاد، وأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] .
وقال:
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «٣» [البقرة: ١٨٥] .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٤١.
(٢) راجع للتفصيل في «سيرة ابن هشام» ج ١، ص ٥٩١- ٦٠٦.
(٣) اقرأ للتفصيل وأسرار الصوم وحكمه «الأركان الأربعة» للمؤلف، ص: ٢٢٠، طبعة دار ابن كثير بدمشق (عام ١٤٢٠ هـ- ٢٠٠٠ م) .
[ ٢٩٦ ]
خريطة السرايا قبل غزوة بدر
[ ٢٩٧ ]
خريطة غزوة بدر الكبرى ١٧/ رمضان ٢ هـ
[ ٢٩٨ ]
معركة بدر الحاسمة: سنة اثنتين من الهجرة
أهميّة معركة بدر:
وفي رمضان سنة اثنتين من الهجرة، كانت غزوة بدر الكبرى «١»، وهي المعركة الحاسمة التي تقرّر مصير الأمّة الإسلاميّة ومصير الدعوة الإسلاميّة، وعليها يتوقف مصير الإنسانيّة المعنويّ.
فكلّ ما حدث من فتوح وانتصارات، وكلّ ما قام من دول وحكومات، مدين للفتح المبين في ميدان بدر، ولذلك سمّى الله هذه المعركة ب «يوم الفرقان» فقال:
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤١] .
وكان من خبر هذه الغزوة أنّ رسول الله ﷺ سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشّام في عير عظيمة لقريش، فيها أموالهم وتجارتهم، وكانت الحرب قائمة بين المسلمين وبين قريش المشركين، لا تألو قريش في محاربة الإسلام، والصدّ عن سبيل الله، وإقامة الصعوبات للمسلمين، وكانت تبذل أموالها وكلّ ما تملكه، من حول وطول، ومن سلاح وكراع «٢» في محاربة
_________________
(١) تقع بدر على ١٤٥ كيلومترا في الجنوب الغربي من المدينة المنّورة.
(٢) [الكراع: اسم لجميع الخيل] .
[ ٢٩٩ ]
الإسلام، وإضعاف شأن المسلمين، وكانت كتائبهم تصل إلى حدود المدينة وإلى مراعيها.
فلمّا سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشّام على رأس هذه العير، وكان من أشدّ الناس عداوة للإسلام، ندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، ولم يحتفل احتفالا بليغا، لأنّ الأمر أمر عير لا نفير «١» .
_________________
(١) كما جاء في رواية كعب بن مالك التي جاءت في (صحيح البخاري) باب غزوة بدر. ويبدو من متابعة الأخبار والقرائن الدقيقة أنّ هذا الركب التجاري الذي اتجه إلى الشام، إنما كان من ضمن الاستعداد للهجوم على المدينة، فقد ثبت تاريخيا أن أهل مكة (بصفة العموم والإطباق) أسهموا في تمويل هذا الركب بسهامهم، حتى تستطيع قريش الإغارة على المدينة، حتى النساء أسهمن بأموالهنّ في تجهيز هذا الركب، وكان هذا الركب التجاري عائدا ببضائع تجارية، قيمتها نحو خمسين ألف دينار ذهبي، وكان الهدف استخدام هذه الثروة في الإغارة على المدينة. قال البيهقي في (دلائل النبوة) ٣/ ١٠٢: يقال: كانت عيرهم ألف بعير، ولم يكن لأحد من قريش أوقية فما فوقها، إلا بعث بها مع أبي سفيان، وكذلك جاء في (طبقات ابن سعد) . وتدلّ القرائن العقلية والعادات المتّبعة، على أن الركب كان يحمل كمية كبيرة من الأسلحة الحربية المستوردة من الشام، لأن مكة والحجاز لم تكن فيها مصانع للأسلحة الحربية، وإنما كانت تستورد من الخارج، وكانت هذه الأسلحة مهيأة ومستوردة للقتال ضد الجالية الإسلامية الصغيرة القاطنة في المدينة. فكان مما تقتضيه مصلحة الدفاع عن المدينة وعن الكيان الإسلامي الفريد القليل في العدد والعدّة، أن يحال بين قريش وبين هدف الهجوم على المدينة، مستعينة في ذلك بهذه الثروة الطائلة، التي حصّلتها عن طريق التجارة، وجلب البضائع الثمينة والمال التجاري من سورية الغنية الراقية، إضافة إلى الأسلحة الحربية السورية، وكان حملتها من المغيرين الجائرين على الجالية الإسلامية الصغيرة، والمستحلّين لنفوسها وأموالها وأعراضها. ويبدو من متابعة الأخبار، واستعراض المحيط الذي أحاط بهذا الإقدام العسكري، أنّ قريشا لما بلغهم همّ المسلمين بمواجهة الركب التجاري القادم من الشام، استعدّت للدفاع عن هذا الركب، ولو اقتضى ذلك الهجوم على الجالية الإسلامية اللاجئة في المدينة، وذلك تحت قيادة أبي جهل أعدى عدوّ للإسلام-.
[ ٣٠٠ ]
وبلغ أبا سفيان مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فأرسل إلى مكة مستصرخا لقريش ليمنعوه من المسلمين، وبلغ الصريخ أهل مكّة، فجدّ جدّهم، ونهضوا مسرعين ولم يتخلّف من أشرافهم أحد، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلّف عنهم أحد من بطون قريش إلا القليل النادر، وجاؤوا على حميّة، وغضب، وحنق.
تجاوب الأنصار وتفانيهم في الطاعة:
ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خروج قريش استشار أصحابه، وكان يعني الأنصار لأنهم بايعوه على أن يمنعوه في ديارهم، فلمّا عزم على الخروج من المدينة، أراد أن يعلم ما عندهم، فتكلم المهاجرون، فأحسنوا، ثمّ استشارهم ثانيا فتكلّموا أيضا فأحسنوا، ثمّ استشارهم ثالثا، ففهمت الأنصار
_________________
(١) - فكان هنالك إمكانان متبائنان: إما هجوم المسلمين على الركب التجاري، وإما مواجهة زحف قريش، فكان من الطبيعي أن يؤثر العدد الغالب من الخارجين من المدينة مواجهة الركب التجاري فقط بطبيعة الحال، ومقتضى الفطرة، ويقضي الله بترجيح الجانب المقابل، وهو وقوع الضربة الموجعة الحاسمة على أعداء الإسلام المغيرين، وإشعارهم بما للإسلام والمسلمين من مستقبل زاهر. وقد سبق ذلك نزول الآية: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال: ٧- ٨] . وقد روى الطبريّ في (التفسير) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قال: «أقبلت عير أهل مكة- يريد من الشام- فبلغ أهل المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله ﷺ يريدون العير، فبلغ ذلك أهل مكة، فسارعوا السير إليها، لا يغلب عليها النبي ﷺ وأصحابه، فسبقت العير رسول الله ﷺ، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، فكانوا أن يلقوا العير أحبّ إليهم، وأيسر شوكة، وأحضر مغنما، فلما سبقت العير، وفاتت رسول الله ﷺ، سار رسول الله ﷺ بالمسلمين يريد القوم، فكره القوم مسيرهم لشوكة في القوم.
[ ٣٠١ ]
أنّه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله! كأنّك تعرض بنا، لعلّك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها ألا تنصرك إلّا في ديارهم، إنّي أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر، فأمرنا تبع لأمرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان «١»، لنسيرنّ معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك.
وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: «اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون» ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك.
فلمّا سمع رسول الله ﷺ ذلك أشرق وجهه، وسرّ بما سمع من أصحابه، وقال: «سيروا، وأبشروا» «٢» .
تنافس الغلمان في الجهاد والشهادة:
ولمّا توجّه المسلمون إلى بدر، خرج غلام اسمه عمير بن أبي وقّاص، وهو في السادسة عشرة من سنّه، وكان يخاف ألا يقبله النبيّ ﷺ لأنّه صغير، فكان يجتهد ألا يراه أحد، وكان يتوارى، وسأله أخوه الأكبر: سعد بن أبي وقّاص، عن ذلك فقال: أخاف أن يردّني رسول الله ﷺ وأنّا أحبّ
_________________
(١) غمدان بضم أوّله، وسكون ثانيه، قصر بصنعاء باليمن كان منزل الملوك (مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع) . [والذي في صحيح مسلم: برك الغماد] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٤٢- ٣٤٣، وسيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٦١٤؛ ورواه البخاري مختصرا في [كتاب المغازي] باب قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ [الأنفال: ٩] [برقم (٣٩٥٢)]، ومسلم [في كتاب الجهاد] في باب «غزوة بدر» برقم [١٧٧٩] .
[ ٣٠٢ ]
الخروج، لعلّ الله يرزقني الشهادة، وكان كذلك، فأراد رسول الله ﷺ أن يردّه لأنّه لم يبلغ مبلغ الرجال، فبكى عمير، ورقّ له قلب رسول الله ﷺ فأجازه، وقتل شهيدا في الغزوة «١» .
التفاوت بين المسلمين والكفار في العدد والعدد:
وخرج رسول الله ﷺ مسرعا في ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، لم يكن معهم من الخيل إلا فرسان، وسبعون بعيرا، يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد «٢»، لا فرق في ذلك بين جنديّ وقائد، وتابع ومتبوع، فكان منهم رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وكبار الصحابة «٣» .
ودفع اللّواء إلى مصعب بن عمير، وراية المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب، وراية الأنصار إلى سعد بن معاذ.
ولمّا سمع أبو سفيان خروج المسلمين، خفض ولحق بساحل البحر، ولمّا رأى أنّه قد نجا وسلمت العير، كتب إلى قريش أن ارجعوا، فإنّكم إنّما خرجتم لتحرزوا عيركم، وهمّوا بالرجوع، فأبى أبو جهل إلا القتال «٤»، وكانت قريش بين ألف وزيادة «٥»، منهم صناديد قريش وسادتها، وفرسانها
_________________
(١) راجع «أسد الغابة» ج: ٤، ص: ١٤٨ [وأخرج هذه القصّة البزّار في «كشف الأستار» برقم (١٧٧٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٦٩): رواه البزّار، ورجاله ثقات] .
(٢) زاد المعاد: ج: ١، ص: ٣٤٢.
(٣) [أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٤١١)، وابن حبان في صحيحه برقم (١٦٨٨)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠): وصحّحه الذهبيّ] .
(٤) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٤٣، وابن هشام: ج ١، ص ٦١٨- ٦١٩.
(٥) رواه أحمد والبزار والطبراني، وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وفي فتح الباري (ج ٧، ص ٢٩١)، أن هذا هو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي. وقد جاءت في روايات وكتب السيرة أعداد أخرى، وهي أرقام متقاربة.
[ ٣٠٣ ]
وأبطالها، فقال رسول الله ﷺ: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «١» .
أمرهم شورى بينهم:
ومضت قريش، حتّى نزلوا بجانب من الوادي، ونزل المسلمون بجانب بدر، فجاء الحباب بن المنذر، وقال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال: يا رسول الله! فإنّ هذا ليس بمنزل، وأشار عليه بأرض تصلح للحرب.
فقال رسول الله ﷺ: لقد أشرت بالرأي، ونهض ومن معه من الناس، فأتى أدنى ماء من القوم، فنزل عليه «٢» .
وسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء شطر الليل، وصنعوا الحياض وسمح رسول الله ﷺ لمن وردها من الكفار بالشّرب «٣» .
وأنزل الله ﷿ في تلك الليلة مطرا، كان على المشركين وابلا شديدا، ومنعهم من التقدّم، وكان على المسلمين رحمة، وطّأ الأرض،
_________________
(١) [أخرجه أحمد في المسند (١/ ١١٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ بسند صحيح، وأخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر، برقم (١٧٧٩)] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٦٢٠ [وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٢٦): وقال الذهبيّ: حديث منكر] .
(٣) مستفاد من «سيرة ابن هشام»: ج ١؛ ص ٦٢٢.
[ ٣٠٤ ]
وصلّب الرمل، وثبّت الأقدام، وربط على قلوبهم «١» . وهو قوله تعالى:
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: ١١] .
الرسول القائد:
وتجلّت عبقريته القيادية العسكرية- بجوار رسالته العظمى التي هي الأساس ومصدر الإلهام والهداية- في قيادته للجيش، وتعبئته الحكيمة، وسدّه لمنافذ الخطر والهجوم، وتقديره الصحيح لقوّة العدوّ الحربيّة وعدده ومواضع نزوله، جاءت تفاصيلها في كتب السيرة «٢» .
استعداد للمعركة:
وبني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيه، على تلّ مشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده: «هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، إن شاء الله»، فما تعدّى أحد منهم موضع إشارته «٣» .
ولمّا طلع المشركون، وتراءى الجمعان، قال رسول الله ﷺ: «اللهمّ
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٤٣.
(٢) اقرأ تفاصيل الخطوات الدفاعية والإجراءات العسكرية الحكيمة التي اتخذها رسول الله ﷺ قبل معركة بدر في كتاب «حديث الدفاع» للواء «محمد أكبر خان» القائد الباكستاني في «الأردوية» و«الرسول القائد» للواء الركن المتقاعد محمود شيت خطّاب القائد العراقي، في العربية.
(٣) [أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب غزوة بدر، برقم (١٧٧٩) وو في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميّت من الجنة أو النار..، برقم (٢٨٧٣)، وأحمد في مسنده (١/ ٢٦): والنّسائي في كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين (٤/ ١٠٨) من حديث أنس ﵁] .
[ ٣٠٥ ]
هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها جاءت تحاربك، وتكذّب رسولك» «١» .
وكانت ليلة الجمعة، السابع عشر من رمضان، فلمّا أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها، واصطفّ الفريقان «٢» .
دعاء وتضرّع، ومناشدة وشفاعة:
عدّل رسول الله ﷺ الصفوف، ورجع إلى العريش، فدخله، ومعه أبو بكر، ورسول الله ﷺ يكثر الابتهال، والتضرّع، والدعاء، وقد علم أن لو وكل المسلمون إلى أنفسهم وقوتهم فالنتيجة معلومة واضحة، نتيجة كلّ قليل ضعيف أمام قويّ كثير العدد، ولمّا رأى الكفّتين: كفّة المسلمين وكفّة المشركين، غير متكافئتين، وضع صنجة «٣» في كفّة المسلمين، رجحت بها رجحانا ظاهرا، فاستغاث بالله الذي لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [الأنفال: ١٠] .
وشفع للكتيبة المؤمنة القليلة العدد، الفقيرة في العدد، فقال:
«اللهمّ! إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض» .
وجعل يهتف بربّه ﷿ ويقول: «اللهمّ! أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ
_________________
(١) [أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، برقم (١٧٦٣)، وأحمد في مسنده (١/ ٣٠- ٣٢) من حديث عمر بن الخطّاب ﵁، وأخرجه البخاري أيضا في كتاب المغازي، باب قول الله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ برقم (٣٩٥٣) من حديث عبد الله بن عباس ﵄] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٤٣- ٣٤٤.
(٣) [الصّنجة: أي سنجة الميزان: ما يوزن به كالرّطل والأوقيّة] .
[ ٣٠٦ ]
رسم ساحة القتال في غزوة بدر الكبرى ويبدو في جوانبها الحائط الذي بني حولها، وتقع العدوة القصوى في جانب اليسار من الرسم في الجهة الجنوبية من الساحة والتي كان نزول جيش الكفار فيها. أما العدوة الدنيا فإنها تقع في نهاية الرسم الشرقي وكانت منزل الجيش الإسلامي وتقع بمقربة منها مقابر شهداء بدر التي يبدو جزء من حائطها في الرسم.
رسم ساحة القتال في غزوة بدر
[ ٣٠٧ ]
نصرك» ويرفع يديه إلى السماء، حتّى سقط الرّداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر ﵁- يسلّيه، ويشفق عليه من كثرة الابتهال «١» .
تعريف دقيق بالأمّة وتحديد لمركزها ورسالتها:
لقد شفع الرسول ﷺ لهذه العصابة المؤمنة في هذه الساعة الحاسمة الدقيقة، بالكلمة الوجيزة التي تجلّت فيها الثقة والاضطراب والسكينة والافتقار جنبا لجنب، فكانت أدقّ تعريف بهذه الأمة وأدق تحديد لمركزها ومكانتها بين الأمم، وقيمتها وغنائها في هذا العالم، والثغر الذي ترابط عليه، وهو الدعوة إلى الله وإخلاص الدين والعبادة له.
وقد أثبت الانتصار الرائع المعجز الذي أبطل كلّ تجربة، صدق هذه الكلمة ودقّتها، وأنّها كانت تصويرا دقيقا لهذه الأمّة «٢» .
_________________
(١) راجع «زاد المعاد»، وكتب السيرة، ورواه في الصحيح [صحيح مسلم] في كتاب الجهاد والسير [(باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر) [برقم (١٧٦٣)، وأحمد في مسنده (١/ ٣٠)] عن عمر بن الخطاب﵁- قال: «لما كان يوم بدر نزل رسول الله ﷺ وأصحابه ثلاثمئة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني؛ اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» .
(٢) ولمّا أجاب الله دعاء الرسول ﷺ وقضى بانتصار المسلمين على عدوهم- على تفاوت واضح بين العدد والعدد- وبقائهم، فكان بقاء المسلمين مشروطا بقيام حياة العبودية بهم والدعوة إلى التوحيد الخالص، فلو انقطعت الصلة بينهم وبين الدعوة إلى التوحيد الخالص، وعبادة الله تعالى ورواجها وازدهارها في العالم، لم يبق على الله لهم حقّ وذمة، وأصبحوا كسائر الأمم، خاضعين لنواميس الحياة وسنن الكون. فكانت الدعوة إلى الله وحده وعبادته وتنفيذ أحكامه وشرائعه في العالم قيمة الأمة الإسلامية بين الأمم ودورها في العالم.
[ ٣٠٨ ]
هذان خصمان اختصموا في ربّهم:
ثمّ خرج رسول الله ﷺ إلى النّاس، فحرّضهم على القتال، وخرج عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فلمّا توسّطوا بين الصفين، طلبوا المبارزة فخرج إليهم ثلاثة فتية من الأنصار فقالوا: من أنتم؟!.
قالوا: رهط من الأنصار!.
قالوا: أكفاء كرام، ولكن أخرجوا إلينا من بني عمّنا.
قال النبيّ ﷺ: «قم يا عبيدة بن الحارث (ابن المطلب بن عبد مناف) وقم يا حمزة، وقم يا عليّ» .
قالوا: نعم أكفاء كرام.
وبارز عبيدة- وكان أسنّ القوم- عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأما حمزة وعليّ فلم يمهلا خصميهما أن قتلاهما، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة، فأجهزا عليه، واحتملا عبيدة وهو جريح، ومات شهيدا «١» .
التحام الفريقين ونشوب الحرب:
وتزاحم الناس، ودنا بعضهم من بعض، ودنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ: «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» «٢» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج: ١، ص: ٦٢٥ [وأخرجه أحمد في مسنده (١/ ١١٧)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في المبارزة، برقم (٢٦٦٥) من حديث عليّ ﵁] .
(٢) [أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، برقم (١٩٠١)، وأحمد (٣/ ١٢٦)، والبيهقي في السنن (٩/ ٤٣) و(٩/ ٩٩)، وأبو عوانة في مسنده (٤/ ٤٥٩) والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨١) من حديث أنس ﵁، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه] .
[ ٣٠٩ ]
أول قتيل:
وقام عمير بن الحمام الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله! جنّة عرضها السّماوات والأرض؟
قال: «نعم» .
قال: بخ بخ «١» يا رسول الله!.
قال: ما يحملك على قولك بخ بخ؟
قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهنّ، ثمّ قال: لئن حييت حتى آكل من تمراتي هذه، إنّها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثمّ قاتل، حتّى قتل فكان أول قتيل «٢» .
والناس على مصافّهم، صابرون ذاكرون الله كثيرا، وقاتل رسول الله ﷺ قتالا شديدا، وكان أقرب الناس من العدوّ، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأسا «٣»، ونزّل الله الملائكة بالرحمة والنصر، وقاتلوا المشركين، وهو قوله تعالى:
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢] .
_________________
(١) [بخ (بكسر الخاء وإسكانها): كلمة تقال في موضع الإعجاب] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٤٥، و«سيرة ابن كثير» ج ١، ص ٤٢١، [وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، برقم (١٩٠١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٢٦)؛ وأحمد في المسند (٣/ ١٣٦- ١٣٧) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٣) سيرة ابن كثير: ج ١، ص ٤٢٥.
[ ٣١٠ ]
مسابقة الإخوة في قتل أعداء الله ورسوله:
وتسابق الشباب في الشهادة ونيل السعادة، وكانت مسابقة بين أخلّاء وأصدقاء، وإخوة أشقّاء.
يقول عبد الرّحمن بن عوف: «إنّي لفي الصفّ يوم بدر، إذ التفتّ فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السّنّ، فكأنّي لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرّا من صاحبه: يا عمّ أرني أبا جهل فقلت: يابن أخي ما تصنع به؟
قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرّا من صاحبه مثله، قال: فما سرّني أنّي بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصّقرين حتّى ضرباه، وهما أبناء عفراء» «١» .
ولمّا قتل أبو جهل قال رسول الله ﷺ: «هذا أبو جهل فرعون هذه الأمّة» «٢» .
الفتح المبين:
ولمّا أسفرت الحرب عن انتصار المسلمين وهزيمة المشركين، قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» .
وصدق الله العظيم:
_________________
(١) أصل الرواية في الصحيحين، واللفظ للبخاري. (كتاب المغازي باب «غزوة بدر» [برقم (٣٩٨٨)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل برقم (١٧٥٢)، وأحمد في المسند (١/ ١٩٣) من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁]) .
(٢) سيرة ابن كثير: ج ١، ص ٤٤٤ [وأخرجه الطبراني في الكبير برقم (٨٤٦٨)، والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٢٦١- ٢٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁] .
[ ٣١١ ]
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣] .
وأمر بالقتلى أن يطرحوا بالقليب فطرحوا فيه، ووقف عليهم، فقال:
«يا أهل القليب! هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقا» «١» .
وقتل من سراة الكفّار يوم بدر سبعون وأسر سبعون «٢»، ومن المسلمين من قريش ستّة ومن الأنصار ثمانية «٣» .
وقع معركة بدر:
وتوجّه رسول الله ﷺ إلى المدينة مؤيّدا مظفّرا، وقد خافه كلّ عدوّ له بالمدينة وحولها، وأسلم بشر كثير من أهل المدينة.
وأرسل رسول الله ﷺ بشيرين إلى المدينة منهما عبد الله بن رواحة، يبشّر أهل المدينة، ويقول: «يا معشر الأنصار! أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، ويسمّي من قتل في بدر من صناديد قريش، يبشّرهم دارا دارا، والصبيان ينشدون الأبيات معه سرورا وشكرا، والناس بين مصدّق ومتردّد، حتّى أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة، وجيء بالأسرى وعليهم «شقران» مولى رسول الله ﷺ «٤»، حتّى إذا كان بالرّوحاء لقيه المسلمون
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٦٣٨- ٦٣٩، [وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، برقم (٣٩٧٦)، ومسلم في كتاب الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميّت من الجنة والنار عليه..، برقم (٢٨٧٤) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٢) رواه البخاري، عن البراء بن عازب، [باب] غزوة بدر من كتاب المغازي [برقم (٣٩٨٦)] .
(٣) سيرة ابن كثير: ج ١، ص ٤٦٣.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٧٠- ٤٧٣ [وأخرجه البيهقي في السّنن (٩/ ١٤٧) من حديث أسامة بن زيد ﵁] .
[ ٣١٢ ]
يهنّئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين.
ووقعت النياحة في بيوت المشركين بمكّة، وكثر البكاء على القتلى «١»، ودخل الرعب في قلوب الأعداء، ونذر أبو سفيان ألّا يمسّ رأسه ماء، حتّى يغزو رسول الله ﷺ والمسلمين، ووجد المسلمون المستخفون في مكة في أنفسهم قوّة وعزا.
إخاء العقيدة فوق إخاء الولادة:
أسر يوم بدر أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمّه، وكان مصعب صاحب اللواء يوم بدر، وأبو عزيز صاحب لواء المشركين، ومرّ به أخوه مصعب ورجل من الأنصار يشدّ يديه، فأوصاه بأن يشدّ الوثاق، قال: إنّ أمّه ذات متاع لعلّها تفديه منك، فقال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي؟! فقال له مصعب: إنّه أخي من دونك «٢» .
كيف عامل المسلمون الأسرى؟
وأوصى رسول الله ﷺ بالأسرى، فقال: «استوصوا بهم خيرا» يقول أبو عزيز هذا: «كنت في رهط من الأنصار، حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز، وأكلوا التّمر، لوصيّة رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحي، فأردّها، فيردّها عليّ، ما يمسّها «٣» .
وكان من الأسرى العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ وابن عمّه
_________________
(١) راجع «سيرة ابن هشام»: ج ١؛ ص ٦٤٧- ٦٤٨.
(٢) سيرة ابن كثير: ج ٢، ص ٤٧٥.
(٣) المصدر السابق: ج ٢، ص ٤٧٥.
[ ٣١٣ ]
عقيل بن أبي طالب «١»، وأبو العاص بن الربيع، زوج بنت النبيّ ﷺ وكان حكم الإسلام عاما، لا يميّز بين قريب وبعيد.
تعليم غلمان المسلمين فداء الأسرى:
وعفا رسول الله ﷺ عن الأسرى، وقبل منهم الفداء، وكان يفادي بهم على قدر أموالهم، وكان من لا شيء له منّ عليه رسول الله ﷺ فأطلقه، وبعثت قريش في فداء الأسارى وأطلق سراحهم.
وكان من بين الأسرى، من لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلّموا أولاد الأنصار الكتابة «٢»، فيعلّم كلّ واحد عشرة من المسلمين الكتابة «٣» .
وكان زيد بن ثابت ممّن تعلّم بهذا الطريق، وكان في ذلك من تقدير العلم وتشجيع القراءة والكتابة ما لا يحتاج إلى توضيح.
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٣.
(٢) مسند أحمد: ج ١، ص ٢٤٧.
(٣) طبقات ابن سعد: ج ٢، ص ١٤.
[ ٣١٤ ]
خريطة السرايا والغزوات بين بدر وأحد
[ ٣١٥ ]
خريطة إجلاء بني قينقاع شوال سنة ٢ للهجرة
[ ٣١٦ ]
غزوات وسرايا بين بدر وأحد
غزوة السويق:
كان أبو سفيان قد نذر ألا يمسّ رأسه ماء، حتّى يغزو المسلمين، فخرج في مئتي راكب من قريش ليبرّ يمينه، واستأذن على سلام بن مشكم سيد بني النّضير، فأذن له، وقراه، وسقاه، وبطن له من خبر الناس، وبعث رجالا، فقتلوا رجلين من الأنصار.
وخرج رسول الله ﷺ في طلبهم، ورجع أبو سفيان وأصحابه قبل أن يدركهم المسلمون، وألقوا أزوادا كثيرة، عامّتها سويق، فسمّيت «غزوة السّويق» «١» .
إجلاء بني قينقاع:
وكان بنو قينقاع أول يهود، نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ وحاربوا في بدر وأحد، وآذوا المسلمين، فحاصرهم رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة، حتّى نزلوا على حكمه، وشفع فيهم حليفهم عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، فأطلقهم له رسول الله ﷺ «٢» وكانوا سبعمئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجّارا «٣» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٤٤- ٤٥.
(٢) المصدر السابق: ج ١، ص ٤٧- ٤٩.
(٣) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٤٨.
[ ٣١٧ ]
أصدر النبيّ ﷺ عفوا عاما عن هؤلاء اليهود شريطة أن يخرجوا من المدينة إلى أيّ مكان شاؤوا، فجلوا عنها إلى الشام آمنين على أنفسهم، وعلى ما قدروا من حمله من أموالهم، وغادر بنو قينقاع يثرب سالمين بعد أن كانوا يتوقّعون الموت جزاء نكثهم وتمرّدهم «١» .
يقول المستشرق إسرائيل ولفنسون في كتابه «تاريخ اليهود في بلاد العرب»:
«كان لا بدّ من عمل حاسم إزاء بني قينقاع وهم يسكنون داخل المدينة في حيّ واحد، من أحياء العرب وتطهير المدينة وأحياء الأنصار من غير المسلمين» .
_________________
(١) راجع «سيرة ابن هشام»: ج ٢، ص ٤٨، وإجلاء بني قينقاع وقع بعد غزوة بدر الكبرى، وقد حدّد الزهري تاريخه، وذكر أنه كان في شوال من السنة الثانية من الهجرة. يقول مونتجمري وات) Montgomery Watt (في كتابه) Muhammad Prophet Statesman (ص ١٣٠: «لقد كان طرد قبيلة بني قينقاع أحد العوامل الهامة التي عملت على تثبيت مركز محمد ودعمه، وسبب هذا الطرد كما ترويه بعض الروايات نزاع طفيف طرأ بين يهود قينقاع وبعض التجار المسلمين في السوق في المدينة.. إلخ» . وينفي مونتجمري وات أن يكون سبب هذا الطرد قصة المرأة المسلمة التي اعتدي عليها في سوق بني قينقاع كما جاءت في كتب السيرة، وهو يقول: «أمّا الأسباب التي أدّت بمحمد إلى اتخاذ قرار طرد اليهود فيظهر أنها أكثر عمقا من هذه الحادثة العابرة، فاليهود لم يظهروا استعدادهم التام للاندماج في المجتمع الإسلامي» . ويضيف قائلا: «وقد يكون محمد أيضا على علم بالعلاقات الوديّة بين اليهود ومناوئيه من قريش في مكة، وهذا يعدّ مخالفة لروح الاتفاقية المبرمة بين المسلمين واليهود، وتناقضا لها» . راجع للتفصيل «غزوة بني قينقاع» للأستاذ محمد أحمد باشميل.
[ ٣١٨ ]
قتل كعب بن الأشرف:
وكان كعب بن الأشرف أحد رؤساء اليهود، شديد الأذى لرسول الله ﷺ وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، فلمّا كانت وقعة بدر، ذهب إلى مكة، فجعل يؤلّب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ: «من لكعب بن الأشرف، فإنّه قد آذى الله ورسوله»؟، فانتدب له رجال من الأنصار، فقتلوه «١» .
_________________
(١) زاد المعاد: ص ٣٤٨، ملخّصا. وقع قتل كعب بن أشرف بعد غزوة بدر، وقيل: غزوة بني النضير. وحدّد الواقدي ذلك بدقة وذكر أنه وقع في السنة الثالثة لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول. (السيرة النبوية الصحيحة، للدكتور أكرم ضياء العمري: ص/ ٢٠٢- ٢٠٣) .
[ ٣١٩ ]
خريطة غزوة أحد ١٥ شوال ٣ هجرية
[ ٣٢٠ ]
غزوة أحد شوّال سنة ثلاث من الهجرة
الحميّة الجاهلية وأخذ الثأر:
لمّا أصيب صناديد قريش يوم بدر، ورجع فلّهم إلى مكة، عظم المصاب عليهم، ومشى رجال أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم، فكلّموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فاستعانوا بهذا المال على حرب المسلمين، ففعلوا واجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ وحرّض الشعراء الناس بشعرهم، وأثاروا فيهم الغيرة والحميّة.
وخرجت قريش في منتصف شوّال سنة ثلاث للهجرة بحدّها وحديدها، بأبنائها ومن تابعها من القبائل، وخرجوا معهم بالظّعن «١»، لئلا يفرّوا «٢»، وخرج سادة قريش بأزواجهم وأقبلوا حتّى نزلوا مقابل المدينة.
وكان من رأي رسول الله ﷺ أن يقيم المسلمون بالمدينة، ويدعهم فإن يدخلوا عليهم قاتلوهم فيها، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج، وكان رأي عبد الله بن أبيّ ما رأى رسول الله ﷺ فقال رجال من المسلمين ممّن فاتهم بدر: يا رسول الله! اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرونا أنا جبنّا عنهم وضعفنا.
فلم يزالوا برسول الله ﷺ حتّى دخل رسول الله ﷺ بيته فلبس لأمته، وندم
_________________
(١) الظعن: جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في الهودج.
(٢) ابن هشام: ج ٢، ص ٦٠- ٦٢.
[ ٣٢١ ]
الذين اقترحوا الخروج، فقالوا: استكرهناك يا رسول الله! ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلّى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل» «١» .
فخرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه «٢»، فلمّا كانوا بالشّوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبيّ بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني «٣» .
في ميدان أحد:
ومضى رسول الله ﷺ حتّى نزل الشّعب من أحد (وهو جبل على نحو ثلاثة كيلو متر من المدينة) وجعل ظهره وعسكره إلى أحد «٤»، وقال: لا يقاتلنّ أحد منكم حتّى نأمره بالقتال، وتعبّأ رسول الله ﷺ للقتال، وهو في سبعمئة رجل.
وأمّر على الرّماة عبد الله بن جبير، وهم خمسون رجلا، فقال: ادفع
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٣ [وأخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٣٥١) والدارميّ في كتاب الرؤيا، باب في القمص واللبن..، برقم (٢٠٨٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵁] .
(٢) لفظ ابن حزم الرقم الذي ذكرته المصادر الكثيرة عن عدد جند المسلمين في غزوة أحد، وفق أقيسة قليلة بحتة، ولكن المشهور المستفيض ما ذكر.
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٣ [وأخرجه البخاريّ في كتاب المغازي، باب غزوة أحد، برقم (٤٠٥٠)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، برقم (٢٧٧٦) في أبواب تفسير القرآن، في تفسير سورة النساء، برقم (٣٠٢٨)، من حديث زيد بن ثابت ﵁] .
(٤) راجع لفهم «الوضع الاستراتيجي» في ميدان أحد، كتاب «ساحات القتال في العهد النبوي» ب (اللغة الأردوية) للدكتور حميد الله.
[ ٣٢٢ ]
الخيل عنّا بالنّبل، لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا «١» وأمرهم بأن يلزموا مركزهم، وألّا يفارقوا ولو رأوا الطّير تتخطّف العسكر «٢» .
ولبس رسول الله ﷺ درعا فوق درع، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ﵁-.
مسابقة بين أتراب:
ردّ رسول الله ﷺ جماعة من الغلمان في يوم أحد لصغرهم، فردّ سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وشفع أبو رافع لابنه وقال: يا رسول الله! إنّ ابني رافعا رام، فأجازه النبيّ ﷺ.
وعرض على رسول الله ﷺ سمرة بن جندب وهو في سنّ رافع، وردّه رسول الله ﷺ لصغره، فقال سمرة: لقد أجزت رافعا ورددتني، ولو صارعته لصرعته، ووقعت المصارعة بينهما، فصرع سمرة رافعا فأجيز وخرج وقاتل يوم أحد «٣» .
المعركة:
والتقى النّاس، ودنا بعضهم من بعض، وقامت هند بنت عتبة في النّسوة، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال يحرضنهم، واقتتل الناس حتّى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة الذي أخذ السيف من رسول الله ﷺ
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٦.
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٤٩، وراجع «صحيح البخاري» كتاب المغازي، باب غزوة أحد، [برقم (٤٠٤٣) و«مسند الإمام أحمد» (٤/ ٢٩٣) حديث البراء بن عازب ﵁] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٦.
[ ٣٢٣ ]
رسم ساحة القتال في غزوة أحد
[ ٣٢٤ ]
ووعده بأنّه يأخذه بحقّه، حتى أمعن في الناس، وجعل لا يلقى أحدا إلا قتله «١» .
شهادة حمزة بن عبد المطلّب ومصعب بن عمير ﵄:
وقاتل حمزة بن عبد المطّلب قتالا شديدا، وقتل عددا من الأبطال، لا يقف أمامه شيء، وكان وحشيّ غلام جبير بن مطعم له بالمرصاد، وكان يقذف بحربة له قلّما يخطىء بها شيئا، ووعده جبير بالعتق إن قتل حمزة، وقد قتل عمّه طعيمة يوم بدر، وكانت هند تحرّضه كذلك على قتل حمزة وشفاء نفسها، وحمل وحشيّ على حمزة بحربته، فدفعها عليه حتّى خرجت من بين رجليه، فوقع شهيدا «٢» .
وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتّى قتل، وأبلى المسلمون بلاء حسنا «٣» .
غلبة المسلمين:
وأنزل الله تعالى نصره عليهم، وصدقهم وعده، حتّى كشفوا المشركين عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها، وولّت النساء مشمّرات هوارب «٤» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٧- ٦٨.
(٢) المصدر السابق: ج ٢، ص ٧٠- ٧٢، واقرأ القصة بلسان وحشيّ في «الجامع الصحيح» للبخاري، [كتاب المغازي] غزوة أحد، باب «قتل حمزة﵁-» [برقم (٤٠٧٢) وأحمد (٣/ ٥٠١)] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٧٣.
(٤) المصدر السابق: ج ٢، ص ٧٧.
[ ٣٢٥ ]
كيف دارت الدائرة على المسلمين؟
وبينما هم كذلك إذ انهزم المشركون، وولّوا مدبرين، حتى انتهوا إلى نسائهم، فلمّا رأى الرّماة ذلك، مالوا إلى العسكر، وهم موقنون بالفتح، وقالوا: يا قوم! الغنيمة! الغنيمة! فذكّرهم أميرهم عهد رسول الله ﷺ فلم يسمعوا، وظنّوا أن ليس للمشركين رجعة، فأخلوا الثغر، وأخلوا ظهور المسلمين إلى الخيل «١»، وأصيب أصحاب لواء المشركين حتّى ما يدنو منه أحد من القوم، فأتاهم المشركون من خلفهم، وصرخ صارخ: ألا! إنّ محمدا قد قتل. فتراجع المسلمون وكرّ المشركون كرّة، وانتهزوا الفرصة، وكان يوم بلاء وتمحيص، وخلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ وأصابته الحجارة، حتّى وقع لشقّه، وأصيبت رباعيته، وشجّ في رأسه «٢»، وجرحت شفته ﷺ وجعل الدم يسيل على وجهه، فيمسحه ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعوهم إلى ربّهم؟!» «٣» .
ولا يعلم المسلمون بمكانه، فأخذ عليّ بن أبي طالب﵁- بيد رسول الله ﷺ ورفعه طلحة بن عبيد الله، حتّى استوى قائما، ومصّ مالك بن سنان الدّم عن وجهه ﷺ وابتلعه «٤» .
ولم تكن فرّة، إنّما كانت جولة يضطرّ إليها الجيش ثمّ يستأنف كرّة «٥»،
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٥٠.
(٢) [الشجّ في الرّأس: هو أن يضربه بشيء، فيجرحه فيه ويشقّه] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٧٨- ٨٠.
(٤) المصدر السابق: ج ٢، ص ٨٠.
(٥) يقول المستشرق جيورجيو في كتابه: «نظرة جديدة في سيرة رسول الله ﷺ» (ص ٢٦٧): «من وجهة نظر محارب متخصّص- محايد- لم يخسر المسلمون في معركة أحد، إنما وقعوا في تجربة مفاجئة وحسب، لأن جيش مكة لم يفن جيش المسلمين، كما لم يحتل-
[ ٣٢٦ ]
وما أصاب المسلمين من نكسة ومحنة، وما أصيبوا من خسارة في النفوس، وشهادة من كان قوة للإسلام والمسلمين، وناصرا لرسول الله ﷺ وللدّين، إنّما كان نتيجة زلة للرماة، وعدم تمسّكهم بتعاليم الرسول ﷺ وأمره إلى اللّحظة الأخيرة، وإخلائهم للجبهة التي عيّنهم رسول الله ﷺ عليها، وهو قوله تعالى:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٥٢] .
روائع من الحبّ والفداء:
نزع أبو عبيدة بن الجرّاح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ فسقطت ثنيّته، ونزع الآخرى، فكان ساقط الثنيتين «١» .
وتترّس أبو دجانة بنفسه دون رسول الله ﷺ يقع النّبل في ظهره وهو منحن عليه، حتّى كثر فيه النبل.
ورمى سعد بن أبي وقّاص دون رسول الله ﷺ ويناوله النبيّ ﷺ النبل ويقول: «ارم فداك أبي وأمّي» «٢» .
_________________
(١) - المدينة» .
(٢) [أخرج البخاريّ حادثة جرح الرّسول ﷺ، في كتاب المغازي، باب ما أصاب النبي ﷺ من الجرح يوم أحد، برقم (٤٠٧٣)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ، برقم (١٧٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ أيضا برقم (١٧٩١) في الكتاب والباب نفسه] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٨٠- ٨٢، ورواه البخاري [في كتاب المغازي] في غزوة أحد-
[ ٣٢٧ ]
وأصيبت عين قتادة بن النّعمان، حتّى وقعت على وجنته «١» فردّها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما «٢» .
وقصده المشركون، يريدون ما يأباه الله، فحال دونه نفر نحو عشرة، حتّى قتلوا عن آخرهم، وجالدهم طلحة بن عبيد الله، وترس عليه بيده، يقي بها النبيّ ﷺ فأصيبت أنامله وشلّت يده، وأراد رسول الله ﷺ أن يعلو صخرة هنالك، فلم يستطع لما به من الجراح والضعف، فجلس طلحة تحته، حتى صعدها، وحانت الصلاة، فصلّى بهم جالسا «٣» .
ولمّا انهزم الناس، لم ينهزم أنس بن النّضر، عم أنس بن مالك- خادم رسول الله ﷺ- وتقدّم، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمرو؟ فقال أنس: واها لريح الجنّة، يا سعد إني أجدها دون أحد «٤» .
_________________
(١) - في باب قوله تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [آل عمران: ١٢٢] [برقم (٤٠٥٧) و(٤٠٥٨)، ومسلم في فضائل الصحابة؛ باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁، برقم (٢٤١١)] .
(٢) [الوجنة: هي أعلى الخدّ] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٨٢.
(٤) المصدر السابق: ج ٢، ص ٨٦، وزاد المعاد: ج ١، ص ٣٥٠ [وأخرجه الترمذي في أبواب الجهاد، باب ما جاء في الدرع، برقم (١٦٩٢)، وفي أبواب المناقب، باب مناقب طلحة، برقم (٣٧٣٩) وقال: حسن غريب، وأحمد في المسند (١/ ١٦٥)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧٤) ووافقه الذهبي] .
(٥) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٥٠، وأصل الرواية في الصحيحين [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة أحد، برقم (٤٠٤٨)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، برقم (١٩٠٣)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، سورة السجدة، برقم (٣١٩٨)، وفي سورة الأحزاب، برقم (٣١٩٩)، وأحمد في المسند (٣/ ١٩٤) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
[ ٣٢٨ ]
وانتهى أنس بن النّضر إلى رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟
قالوا: قتل رسول الله ﷺ.
قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟، قوموا وموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثمّ استقبل القوم، فقاتل حتى قتل.
يقول أنس ﵁: لقد وجدنا به يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه «١» .
وقاتل زياد بن السّكن في خمسة من الأنصار دون رسول الله ﷺ يقتلون دونه رجلا ثم رجلا، فقاتل زياد حتّى أثبتته الجراحة، فقال رسول الله ﷺ:
«أدنوه منّي» فأدنوه، فوسّده قدمه، فمات وخدّه على قدم رسول الله ﷺ «٢» .
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب، يغزون مع رسول الله ﷺ فلمّا توجّه إلى أحد أراد أن يخرج معه، فقال له بنوه: إنّ الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد.
وأتى عمرو رسول الله ﷺ فقال: إنّ بنيّ هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، وو الله إنّي لأرجو أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنّة، فقال له رسول الله ﷺ: أمّا أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه، لعلّ الله يرزقه الشهادة، فخرج مع رسول الله ﷺ فقتل يوم أحد شهيدا «٣» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٨٢.
(٢) المصدر السابق: ج ٢، ص ٨١.
(٣) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٥٣.
[ ٣٢٩ ]
يقول زيد بن ثابت﵁-: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الرّبيع، فقال لي: إن رأيته فأقرئه منّي السلام وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ: كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو باخر رمق، وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة سيف، ورمية سهم فقلت: يا سعد! إنّ رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله السلام، وقل له: يا رسول الله! أجد ريح الجنّة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من وقته «١» .
وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهمّ! إنّي أقسم عليك أن ألقى العدوّ غدا، فيقتلوني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني: فيم ذاك؟ فأقول: فيك!.
عودة المسلمين إلى مركزهم:
ولمّا عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض معهم نحو الشّعب، وأدركه أبيّ بن خلف، وهو يقول: أي محمد لا نجوت إن نجوت، وقال رسول الله ﷺ: «دعوه»، فلمّا دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من أحد أصحابه، ثم استقبله وطعنه في عنقه طعنة تقلّب بها عن فرسه مرارا «٢» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ٢، ص ٣٥٣ [أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠١) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٤٨)، والطبري في تاريخه (٢/ ٥٢٨) من طريق ابن إسحاق] .
(٢) سيرة ابن هشام: (٢/ ٨٤) [أخرجه البيهقي في «السنن» (٩/ ٢٤)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٩٩- ٢٠٠)، وأبو نعيم في «الحلية» و(١/ ١٠٩) من حديث سعد بن-
[ ٣٣٠ ]
وخرج عليّ بن أبي طالب، فملأ درقته «١» ماء، وغسل من وجهه الدم، وكانت فاطمة بنت الرسول ﷺ تغسله، وعليّ يسكب الماء بالمجنّ «٢»، فلمّا رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها، وألصقتها، فاستمسك الدّم «٣» .
وكانت عائشة بنت أبي بكر وأمّ سليم تنقلان القرب على متونهما تفرغانها في أفواه القوم، ثمّ ترجعان فتملأ انها، ثم تجيئان، فتفرغانها في أفواه القوم «٤»، وكانت أمّ سليط تزفر «٥» لهما القرب «٦» .
ووقعت هند بنت عتبة، والنّسوة اللائي معها يمثّلن بالقتلى من المسلمين، يجد عن الآذان والآنف، وبقرت عن كبد حمزة﵁- فمضغتها، فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها «٧» .
_________________
(١) - وقاص ﵁، وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي] .
(٢) [الدّرقة: التّرس من جلد ليس فيه خشب ولا عقب] .
(٣) [المجن: قد تكرّر في الأحاديث ذكر «المجنّ والمجانّ» وهو التّرس والتّرسة، والميم زائدة لأنّه من الجنّة] .
(٤) رواه البخاري في «غزوة أحد» باب «ما أصاب النبي من الجراح يوم أحد» [برقم (٤٠٧٥)]، ومسلم في [كتاب الجهاد والسير] باب «غزوة أحد» [برقم (١٧٩٠)] باختلاف يسير، [وأحمد في المسند (٥/ ٣٣٠)، وابن ماجه في أبواب الطب، باب دواء الجراحة، برقم (٣٤٦٤) من حديث سهل بن سعد السّاعدي ﵁] وابن هشام: ج ٢، ص ٨٥ وزاد المعاد: ج ١، ص ٣٥٢.
(٥) رواه البخاري [في كتاب المغازي] (غزوة أحد) باب إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [برقم (٤٠٦٤)]، ومسلم [في كتاب الجهاد] في باب غزوة النساء مع الرجال [برقم (١٨١١) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٦) تزفر: تستقي.
(٧) رواه البخاري، [في كتاب المغازي] باب «أم سليط» [برقم (٤٠٧١) من حديث عمر بن الخطاب ﵁] .
(٨) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٩١.
[ ٣٣١ ]
ولمّا أراد أبو سفيان الانصراف، أشرف على الجبل، ثمّ صرخ بأعلى صوته: إنّ الحرب سجال، يوم بيوم، اعل هبل.
فقال النبيّ ﷺ: «قم يا عمر، فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء، فقتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار» «١» .
قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم.
قال النبيّ ﷺ: «أجيبوه» .
قالوا: ما نقول؟.
قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» «٢» .
ولمّا انصرف، وانصرف المسلمون، نادى: إنّ موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «٣» .
وفزع النّاس لقتلاهم، وحزن رسول الله ﷺ على حمزة، وكان عمّه وأخاه من الرضاعة، والمقاتل دونه.
صبر امرأة مؤمنة:
وأقبلت صفيّة بنت عبد المطّلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمّها، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزّبير بن العوام: «القها، فأرجعها، لا ترى ما بأخيها» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٩٣.
(٢) رواه البخاري، [في كتاب المغازي] باب «غزوة أحد» برقم (٤٠٤٣)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في الكمناء، برقم (٢٦٦٢)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٩٣) من حديث البراء بن عازب ﵁] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٩٤.
[ ٣٣٢ ]
فقال لها: يا أمّه! إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟
وقد بلغني أن قد مثّل بأخي، وذلك في الله لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله، وأتته، فنظرت إليه، وصلّت عليه، واسترجعت واستغفرت له، ثمّ أمر رسول الله ﷺ فدفن «١» .
كيف دفن مصعب بن عمير وشهداء أحد؟
وقتل مصعب بن عمير صاحب لواء رسول الله ﷺ ومن أنعم فتيان قريش قبل الإسلام، فكفّن في بردة، إن غطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّيت رجلاه بدا رأسه، فقال النبيّ ﷺ: «غطّوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الإذخر «٢»» «٣» .
وكان رسول الله ﷺ يجمع بين الرّجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحد، قدّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلوا «٤» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٩٧ [أخرجه أحمد (١/ ١٦٥)، والبيهقي (٤/ ٤٠١) من حديث الزبير بن العوّام ﵁] .
(٢) [الإذخر: حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب] .
(٣) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه..، برقم (١٢٧٦)، ومسلم في كتاب الجنائز، باب في كفن الميت، برقم (٩٤٠) من حديث خبّاب ابن الأرت ﵁] .
(٤) رواه البخاري [في كتاب الجنائز]، باب «من قتل من المسلمين يوم أحد» [برقم (١٣٤٣)، والترمذي في أبواب الجنائز، باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد، برقم (١٠٣٦)، وأبو داود في كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل؟ برقم (٣١٣٨)، من حديث جابر بن عبد الله ﵁] . هذا ما جاء في الجامع الصحيح، وقد وردت الأحاديث في الصلاة عليهم، وفي المسألة-
[ ٣٣٣ ]
إيثار النساء لرسول الله ﷺ:
عاد المسلمون إلى المدينة، فمرّوا بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ فلمّا نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرا يا أمّ فلان! هو بحمد الله كما تحبّين، قالت:
أرونيه حتّى أنظر إليه، حتّى إذا رأته قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل «١» .
اتّباع المسلمين أثر العدوّ واستماتتهم في نصرة الرسول ﷺ:
وتلاوم المشركون، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم وحدّهم، ثمّ تركتموهم ولم تبتروهم «٢» .
فأمر رسول الله ﷺ بطلب العدوّ هذا، والمسلمون مثخنون بالجراح، فلمّا كان الغد من يوم الأحد، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ في النّاس بالخروج في طلب العدوّ، وأذّن ألا يخرجنّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، وما من المسلمين إلا جريح ثقيل، فخرجوا مع رسول الله ﷺ لم يتخلف منهم أحد، وانتهوا إلى «حمراء الأسد»، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها رسول الله ﷺ والمسلمون الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثمّ رجعوا إلى المدينة «٣» وقد أثنى الله تعالى على ذلك وخلّد ذكره، فقال:
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا
_________________
(١) - تفصيل وخلاف، راجع شروح الحديث وكتب الخلاف.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٩٩ [وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ٣٠٢)، والطبري في تاريخه (٢/ ٥٣٣) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁] .
(٣) [أي لم يقطعوهم مستأصلين] .
(٤) سيرة ابن كثير: ج ٣، ص ٩٧.
[ ٣٣٤ ]
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٢- ١٧٥] .
وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون، أكثرهم من الأنصار، ﵃، وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلا «١» .
تربية نفوس المسلمين:
وقد كان ما وقع في أحد من محنة للمسلمين، تمحيصا وتربية لهم، فلا ثقة بجماعة عاشت على سرور انتصار، ونشوة الفتح، وحلاوة الظفر، ولم تذق مرارة المصائب والخسائر، فإنّها إذا أصيبت بذلك في يوم من الأيام، عزّ ذلك عليها واضطرب إيمانها، ولذلك يقول الله تعالى:
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٥٣] .
وقد هيّأ الله نفوس المسلمين في هذه المعركة، لتتلقّى نبأ وفاة رسول الله ﷺ وشهادته، وإن تأخّر ذلك، والثبات على العقيدة، والدعوة إليها والجهاد في سبيلها والوفاء لها في حياته، وبعد حياته، فلا يجبنون ولا يتخاذلون، ولا يهنون ولا يستكينون، فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ١٠١- ١٠٢.
[ ٣٣٥ ]
أحبّ إلى النفس من النفس:
وفي سنة ثلاث للهجرة طلبت «عضل» «و«القارة» نفرا من المسلمين، ليعلّموهم، فبعث معهم رسول الله ﷺ ستة من أصحابه، معهم عاصم بن ثابت، وخبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنة، حتّى إذا كانوا على «الرّجيع» وهو موضع بين «عسفان» ومكة، غدروا بهم، قالوا: لكم عهد الله وميثاقه ألّا نقتلكم، فقال بعض المسلمين: لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا، وقاتلوا القوم حتّى قتلوا.
وأمّا زيد بن الدّثنة، وخبيب بن عديّ، وعبد الله بن طارق، فأعطوا بأيديهم، فأسرهم المشركون، وقتل عبد الله بن طارق في الطريق، وأمّا خبيب وزيد، فباعوهما من قريش، وابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب، ليقتله بأبيه إهاب، وأمّا زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف.
وأخرجوا زيدا من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد! أتحبّ أنّ محمدا عندنا الآن في مكانك وأنّك في أهلك، قال: ما أحبّ أنّ محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنّي جالس في أهلي «١»، قال أبو سفيان: ما رأيت من النّاس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمد محمدا، ثمّ قتل «٢» .
وأمّا خبيب، فلمّا جاؤوا به ليصلبوه، قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني
_________________
(١) ذكره عروة وموسى بن عقبة في قصة خبيب (ابن كثير: ج ٣، ص ١٣١) .
(٢) رواية ابن إسحاق (ابن هشام: ج ٢، ص ١٧٢) .
[ ٣٣٦ ]
خريطة يوم الرجيع
[ ٣٣٧ ]
حتّى أركع ركعتين، فافعلوا، قالوا: دونك، فاركع، فركع ركعتين، أتمّهما وأحسنهما، ثمّ أقبل على القوم، فقال: أمّا والله لولا أن تظنّوا أنّي إنّما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة، وأنشد بيتين: [من الطويل]
فلست أبالي حين أقتل مسلما على أيّ شقّ كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع «١»
بئر معونة:
بعث رسول الله ﷺ نفرا من أصحابه على طلب من عامر بن مالك ليدعوهم إلى الإسلام، وكانوا سبعين رجلا من خيار المسلمين، فساروا حتّى نزلوا بئر معونة، واجتمع عليهم قبائل من بني سليم: «عصيّة» و«رعل» و«ذكوان»، فغشوا القوم، وأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، إلا كعب بن زيد، عاش حتّى قتل يوم الخندق شهيدا «٢» .
_________________
(١) راجع للتفصيل «سيرة ابن هشام»: ج ٢، ص ١٦٩- ١٧٦؛ ورواه البخاري في كتاب المغازي، باب التوحيد والجهاد، [برقم (٣٩٨٩)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في الرجل يستأمر، برقم (٢٦٦٠) و(٢٦٦١) من حديث أبي هريرة ﵁] . باختلاف يسير، وابن كثير: ج ٣، ص ١٢٣- ١٢٥.
(٢) راجع البخاري [أخرجه في كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع، ورعل، وذكوان..، برقم (٤٠٩٣) من حديث عائشة ﵁]، ومسلم [في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات ، برقم (٦٧٧)، من حديث أنس بن مالك ﵁]، وسيرة ابن هشام [٢/ ١٨٣- ١٨٧] .
[ ٣٣٨ ]
كلمة قتيل كانت سببا لإسلام القاتل:
وفي هذه السّرية قتل حرام بن ملحان، قتله جبار بن سلمى، وكان سبب إسلامه كلمة قالها حرام، وهو يجود بنفسه، يقول جبار: إنّ مما دعاني إلى الإسلام أنّي طعنت رجلا منهم يومئذ برمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول: فزت وربّ الكعبة! فقلت في نفسي:
ما فاز؟! ألست قد قتلت الرجل؟! حتّى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا:
للشهادة، فقلت: فاز لعمر الله، فكان سببا لإسلامه «١» .
_________________
(١) [أخرج هذه القصة مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات..، برقم (٦٧٧)، والبيهقيّ في «الدلائل» (٣/ ٣٤٧) من حديث أنس بن مالك ﵁] وابن هشام: ج ٢، ص ١٨٧.
[ ٣٣٩ ]
خريطة إجلاء بني النضير ربيع الأول سنة ٤ هجرية
[ ٣٤٠ ]
إجلاء بني النّضير
خرج رسول الله ﷺ إلى بني النّضير- وهم قبيلة عظيمة من اليهود- ليستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فرقّوا في الكلام ووعدوا بخير، ولكنّهم أضمروا الغدر والاغتيال، وكان رسول الله ﷺ قاعدا إلى جنب جدار من بيوتهم، فناجى بعضهم بعضا:
إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟! وكان رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ ﵃.
وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السّماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسّير إليهم، ثمّ سار بالنّاس، حتّى نزل بهم، وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع، فحاصرهم ستّ ليال، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فقبل، واحتملوا من أموالهم ما استقلّت بها الإبل، وكان الرجل منهم يهدم بيته عن العتبة والأسكفة، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به «١»، يقول الله تعالى في هذه الغزوة:
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ١٩٠- ١٩١.
[ ٣٤١ ]
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] .
فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشّام، وتخلّص المسلمون من وكر من أوكار المكيدة والمؤامرة والنّفاق والخداع، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب: ٢٥] .
وقسّم رسول الله ﷺ أموالهم إلى المهاجرين الأوّلين «١» .
غزوة ذات الرقاع:
وفي سنة أربع غزا رسول الله ﷺ نجدا فسار حتى نزل نخلا، وكان ستة رجال- منهم أبو موسى الأشعريّ- بينهم بعير يتعقّبونه، فنقبت أقدامهم، وسقطت أظفارها، فكانوا يلفّون على أرجلهم الخرق، فسمّيت «غزوة ذات الرّقاع» «٢» .
وتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا، حتّى صلّى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف «٣» .
_________________
(١) [أخرج البخاري واقعة إجلاء بني النضير في كتاب المغازي، باب حديث بني النضير ، برقم (٤٠٣١)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، برقم (١٧٤٦) من حديث عبد الله بن عمر ﵄] .
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرّقاع، برقم (٤١٢٨)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب غزوة ذات الرقاع، برقم (١٨١٦) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وأخرجه البخاري أيضا، في الكتاب نفسه، باب غزوة بني المصطلق..، برقم (٤١٣٩)، ومسلم في كتاب الصلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (٨٤٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢ ص ٢٠٤.
[ ٣٤٢ ]
من يمنعك مني؟
ولمّا قفل رسول الله ﷺ من هذه الغزوة، وقفل معه النّاس أدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ وتفرّق الناس في العضاه «١»، يستظلّون الشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة، فعلّق بها سيفه.
قال جابر: فنمنا نومة، ثمّ إذا رسول الله ﷺ يدعونا، فإذا عنده أعرابيّ جالس، فقال رسول الله ﷺ: إنّ هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده مصلتا، فقال لي: من يمنعك منّي؟، قلت: «الله» فها هو جالس، ثمّ لم يعاقبه رسول الله ﷺ «٢» .
غزوات لم يكن فيها قتال:
وخرج رسول الله ﷺ في شعبان سنة أربع، إلى بدر؛ لميعاد أبي سفيان فنزله، وأقام عليه ثماني ليال، ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان، ثمّ بدا له الرجوع، وقال: إنّ عامكم هذا عام جدب، وإنّي راجع فارجعوا، وكفى الله المؤمنين القتال.
وغزا دومة الجندل «٣»، ولم يلق كيدا، فرجع إلى المدينة «٤» .
_________________
(١) العضاه: شجر كثير الشوك.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، [برقم (٤١٣٦)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (٨٤٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄] .
(٣) [دومة الجندل: وهي موضع، تضمّ دالها وتفتح] .
(٤) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٠٩- ٢١٣.
[ ٣٤٣ ]
خريطة السرايا والغزوات بين أحد والخندق
[ ٣٤٤ ]
غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب شوّال سنة خمس من الهجرة
وفي شوّال سنة خمس كانت غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب «١»، وكانت من الحوادث التي لها أثر بعيد في تاريخ الإسلام والمسلمين، وفي تقرير مصير الدعوة الإسلامية، وفي المدّ الإسلاميّ، وكانت معركة حاسمة، ومحنة ابتلي فيها المسلمون ابتلاء لم يبتلوا بمثله.
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا [الأحزاب: ١٠- ١١] .
وكان سببها اليهود، فقد خرج نفر من بني النّضير، ونفر من بني وائل، فقدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وكانوا قد جرّبوها واكتووا بنارها، فصاروا يتهيّبونها، ويزهدون فيها، فزيّنها لهم الوفد اليهوديّ وهوّن أمرها، وقالوا: إنّا سنكون معكم حتّى نستأصله، فسرّ ذلك
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢١٤.
[ ٣٤٥ ]
خريطة غزوة الخندق شوال ٥ هـ
[ ٣٤٦ ]
قريشا، ونشطوا لما دعوهم إليه، واجتمعوا لذلك، واتعدوا له.
ثمّ خرج الوفد، فجاء غطفان، فدعاهم إلى ذلك، وطاف في القبائل، وعرض عليها مشروع غزو المدينة، وموافقة قريش عليه «١» .
وتمّت اتفاقية عسكرية، كان قريش واليهود وغطفان من أهمّ أعضائها، واتّفقوا على شروط، من أهمّها أن تشارك غطفان في «جيش الاتحاد» أو عسكر الحلفاء، بستة آلاف مقاتل، وأن يدفع اليهود لقبائل غطفان كلّ ثمر نخل خيبر لسنة واحدة، وحشدت قريش أربعة آلاف مقاتل، وغطفان ستة آلاف مقاتل، فكانوا عشرة آلاف، وأسندت قيادة الجيش إلى أبي سفيان «٢» .
الحكمة ضالّة المؤمن:
ولمّا سمع رسول الله ﷺ بزحفهم إلى المدينة، وتحزّب الأحزاب لقتال المسلمين، وعزمها على استئصال شأفتهم، أهمّ المسلمين ذلك، وتهيؤوا للحرب، وقرّروا التحصّن في المدينة والدفاع عنها، وكان جيش المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل.
هنالك أشار سلمان الفارسيّ بضرب الخندق على المدينة «٣»، وكانت خطّة حربيّة متبعة عند الفرس «٤»، قال سلمان: يا رسول الله! إنّا كنّا بأرض فارس إذا تخوّفنا الخيل خندقنا علينا، وقبل رسول الله ﷺ رأيه فأمر بحفر
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢١٤- ٢١٥.
(٢) المصدر السابق نفسه: ص ٢١٩- ٢٢٠.
(٣) المصدر السابق نفسه: ص ٢٢٤.
(٤) وكلمة خندق معرب كلمة «كنده» وترد كلمة خندك في الفارسية أيضا بنفس المعنى. راجع (فرهنك عميد) .
[ ٣٤٧ ]
الخندق في السهل الواقع شمال غرب المدينة وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدوّ «١» .
وقسّم رسول الله ﷺ الخندق بين أصحابه، لكلّ عشرة منهم أربعون ذراعا «٢»، وقد بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، والعرض من تسعة إلى ما فوقها «٣» «٤» .
روح المساواة والمواساة بين المسلمين:
وعمل رسول الله ﷺ في حفر الخندق، ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا «٥»، وكان البرد شديدا، ولا
_________________
(١) وقد تمّ حفره في شمالي المدينة الشرقي إلى غربيها، وكان حدّه الشرقي طرف حرة واقم، وحده الغربي غربي وادي بطحان، حيث طرف الحرة الغربية، (حرة الوبرة) . (آثار المدينة المنورة- للأستاذ عبد القدوس الأنصاري) . أمّا ما جاء من تحقيق العقيد عيسى أمين المجادل، المنشور في مجلة «الدفاع» الصادرة من إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة بالرياض، عدد ٧٩ شهر ذي الحجة سنة ١٤١٠ هـ: «إن الحفريات دلّت على أن الخندق كان طوله ٨ كيلو مترات، وعرضه ٦ أمتار، وعمقه ٥ أمتار، فإن ما قيل عن الطول مستبعد نظرا إلى مساحة المدينة وصعوبة الحفر إلى هذا الحد، وعدم الحاجة إليه، أمّا ما قيل عن العرض والعمق فإن الاعتماد عليه ممكن ولا إشكال فيه» .
(٢) سيرة ابن كثير: ج ٣، ص ١٩٢.
(٣) [انظر واقعة غزوة الخندق، أخرجها البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁، في كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، برقم (٤١٠٦)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب غزوة الخندق، برقم (١٨٠٣)، وأخرجها البخاري أيضا من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ في الكتاب والباب نفسه، برقم (٤٠٩٨)، ومسلم عنه أيضا في الكتاب والباب نفسه، برقم (٤٠٩٨)] .
(٤) غزوة الأحزاب: للأستاذ محمد أحمد باشميل.
(٥) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢١٦.
[ ٣٤٨ ]
يجدون من القوت إلا ما يسدّ الرمق، وقد لا يجدونه.
يقول أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه حجرين «١» .
وكانوا مسرورين، يحمدون الله، ويرتجزون، ولا يشكون ولا يتعتّبون.
يقول أنس﵁-: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلمّا رأى ما بهم من النّصب والجوع، قال:
اللهمّ إنّ الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له: [من الرجز]
نحن الذين بايعوا محمّدا على الجهاد ما بقينا أبدا «٢»
قال: ويؤتون بملء كفّ من الشّعير، فيصنع لهم بإهالة «٣» سنخة «٤» «٥» .
نور الفتوح الإسلاميّة في ظلام الحصار والشدّة:
عرض للمسلمين في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها
_________________
(١) أخرجه الترمذي [في أبواب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ، برقم (٢٣٧١)]، قال الطيبي: «عادة من اشتدّ جوعه وخمص بطنه أن يشد على بطنه حجرا، ليتقوّم به صلبه» . (مشكاة المصابيح مع هامشها؛ ج ٢، ص ٤٤٨) .
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح عن أنس ﵁ في كتاب المغازي، باب غزوة الخندق [برقم (٤٠٩٩) و(٤١٠٠)]، ورواه مسلم عن أنس نحوه [في كتاب الجهاد، باب غزوة الأحزاب، برقم (١٨٠٥)] .
(٣) الإهالة: الودكة وكل ما يؤتدم به.
(٤) السنخة: المتغيرة الريح، الفاسدة الطعم.
(٥) سيرة ابن كثير: ج ٣، ص ١٨٤، نقلا عن البخاري [قد سبق تخريجه آنفا] .
[ ٣٤٩ ]
المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فلما رآها أخذ المعول، وقال:
«باسم الله» وضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام» فقطع ثلثا آخر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنّي لأبصار قصر المدائن الأبيض» ثمّ ضرب الثالثة، فقال: «باسم الله» فقطع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنّي لأبصار أبواب صنعاء من مكاني الساعة» «١» .
هذا، والمسلمون في شكّ من حياتهم، يعضّهم الجوع، ويؤذيهم البرد، وينذرهم العدوّ.
المعجزات النبوية في الغزوة:
وظهرت المعجزات على يد الرسول ﷺ فإذا اشتدّت على المسلمين في بعض الخندق كدية «٢»، دعا بإناء من ماء، فتفل فيه، ثمّ دعا بما شاء الله أن يدعو به، ونضح ذلك الماء على تلك الكدية فانهالت وعادت كالكثيب «٣» .
وظهرت البركة في طعام قليل، فشبع به عدد كبير، وكفى الجيش كلّه.
قال جابر بن عبد الله: إنّا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا النبيّ ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل» ثمّ قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبيّ ﷺ المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم «٤»، فقلت: يا رسول الله!
_________________
(١) أخرجه البيهقي [في «الدلائل» (٣/ ٤١٧- ٤١٨)] بسنده عن البراء بن عازب الأنصاري [وأخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٣٠٣) و] (ابن كثير، ج ٣، ص ١٩٤) .
(٢) [الكدية: قطعة غليظة صلبة لا تعمل فيها الفأس] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢١٧- ٢١٨.
(٤) أهيل أو أهيم: أي: رملا سائلا.
[ ٣٥٠ ]
ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبيّ ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق «١»، فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتّى جعلنا اللحم في البرمة «٢»، ثمّ جئت النبيّ ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي «٣»، قد كادت أن تنضج فقلت:
طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: «كم هو؟» فذكرت له، قال: «كثير طيب. قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التّنوّر، حتّى آتي» فقال: «قوموا» فقام المهاجرون والأنصار.
فلمّا دخلت على امرأتي، قلت: ويحك! جاء النبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم! قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: «ادخلوا ولا تضاغطوا» فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم ويخمّر «٤» البرمة والتنّور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه، ثمّ ينزع. فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا.
وبقي بقية، قال: «كلي هذا وأهدي، فإنّ الناس قد أصابتهم مجاعة» «٥» .
وفي رواية: قال جابر: جئته، فساررته فقلت: يا رسول الله! ذبحنا بهيمة لنا وطحنّا صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح
_________________
(١) العناق: الأنثى من ولد الماعز.
(٢) البرمة: القدر.
(٣) الأثافي: حجارة ثلاثة توضع عليها القدر.
(٤) يخمر: يغطي.
(٥) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح [في كتاب المغازي] باب «غزوة الخندق» [برقم (٤١٠٢)، ومسلم في كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، برقم (٢٠٣٩) من حديث جابر بن عبد الله ﵄] .
[ ٣٥١ ]
النبيّ ﷺ وقال: «يا أصحاب الخندق! إن جابرا قد صنع سورا» «١» «٢» .
إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم:
وأقبلت قريش، حتّى نزلت أمام المدينة، في عشرة آلاف، وأقبلت غطفان بتوابعهم، فنزلوا أمام المدينة أيضا، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون في ثلاثة آلاف وبينه وبين قومه الخندق.
وكان بين المسلمين وبين بني قريظة عقد وعهد، فحملهم حييّ بن أخطب سيّد بني النضير- على نقض العهد، وقد فعل ذلك بنو قريظة بعد امتناع وتردّد، وتحققه رسول الله ﷺ «٣» فعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، ونجم النفاق من بعض المنافقين، وهمّ رسول الله ﷺ بعقد الصلح بينه وبين غطفان على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة، رفقا بالأنصار، وتخفيفا عنهم، فقد استقلّوا بأكبر نصيب من أعباء الحرب.
ثمّ عدل عن ذلك، بعد ما رأى من سعد بن معاذ وسعد بن عبادة الثبات والاستقامة، والصمود أمام العدوّ، والإباء، فقال سعد بن معاذ:
يا رسول الله! قد كنّا نحن وهؤلاء على الشّرك بالله، وعبادة الأوثان، لا نعبد
_________________
(١) قال الفتني في «مجمع بحار الأنوار»: اللفظة فارسية وهو طعام العرس في لغة الفرس.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [في كتاب المغازي] في باب «غزوة الخندق» [برقم (٤١٠٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵄] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٢٠- ٢٢١ [انظر نقض بني قريظة للعهد في حديث عبد الله بن الزبير ﵄، أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب الزبير بن العوام ﵁ برقم (٣٧٢٠)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل طلحة والزبير ﵄، برقم (٢٤١٦)، وأخرجه البخاري أيضا من حديث جابر بن عبد الله ﵄ في الكتاب والباب نفسه، برقم (٣٧١٩)، ومسلم أيضا في الكتاب والباب نفسه برقم (٢٤١٦)] .
[ ٣٥٢ ]
الله ولا نعرفه، وهم لا يطعمون منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السّيف، حتّى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله ﷺ: «فأنت وذاك» «١» .
بين فارس الإسلام وفارس الجاهلية:
وأقام رسول الله ﷺ والمسلمون، وعدوّهم محاصرهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أنّ فوارس من قريش أقبلوا تسرع بهم خيلهم حتّى وقفوا على الخندق، فلمّا رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها!
ثم تيمّموا مكانا ضيّقا من الخندق، فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه، فجالت بهم في أرض المدينة، ومنهم الفارس المشهور: عمرو بن عبد ودّ، الذي كان يقوّم بألف فارس، فلمّا وقف قال: من يبارز؟ فبرز عليّ بن أبي طالب﵁- فقال: يا عمرو! إنّك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين، إلا أخذتها منه.
قال: أجل.
قال له عليّ: فإنّي أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام.
قال: لا حاجة لي بذلك.
قال: فإنّي أدعوك إلى النّزال.
فقال له: لم يابن أخي؟ فو الله، ما أحبّ أن أقتلك.
قال له عليّ﵁-: لكنّي والله أحبّ أن أقتلك.
_________________
(١) راجع للتفصيل سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٢٢- ٢٢٣.
[ ٣٥٣ ]
فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثمّ أقبل على عليّ﵁- فتنازلا وتجاولا فقتله عليّ﵁- «١» وكان من فوارسهم نوفل بن مغيرة قد اقتحم الخندق بفرسه، فتورط فيه، فقتل هنالك، وخرجت خيلهم منهزمة، حتّى اقتحمت من الخندق هاربة.
أمّ تحرّض ابنها على القتال والشهادة:
تقول عائشة- أمّ المؤمنين﵂- وكانت مع نسوة مسلمات في حصن بني حارثة وذلك قبل أن يضرب عليهنّ بالحجاب: مرّ سعد بن معاذ وعليه درع قصيرة، قد خرجت منها ذراعه كلّها، وهو يرتجز، فقالت له أمّه: الحق يا بنيّ فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أمّ سعد! والله لو ددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي.
وكان ما تخوّفته عائشة﵂- فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل «٢»، ومات شهيدا في غزوة بني قريظة «٣» .
ولله جنود السموات والأرض:
أحاط المشركون بالمسلمين، حتّى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبا من شهر، وأخذوا بكلّ ناحية، واشتدّ البلاء، وتجهّر النفاق، واستأذن بعض الناس رسول الله ﷺ في الذهاب إلى المدينة
_________________
(١) ابن كثير: ج ٣، ص ٢٠٢- ٢٠٣ [أخرج الحاكم هذه القصة في «المستدرك» (٣/ ٣٢) من حديث ابن عباس ﵄، صحّحه الذهبي ووافقه] .
(٢) الأكحل: عرق في الذراع.
(٣) ابن كثير: ج ٣، ص ٢٠٧ [أخرج هذه القصة أحمد في مسنده (٦/ ١٤١) من حديث عائشة ﵂، وذكرها الهيثمي في المجمع (٦/ ١٣٦- ١٣٨)] .
[ ٣٥٤ ]
وقالوا: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا [الأحزاب: ١٣] .
وبينما رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدّة، إذ جاءه نعيم بن مسعود الغطفانيّ، فقال: يا رسول الله! إنّي قد أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول الله ﷺ: «إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة» .
فخرج نعيم بن مسعود، فأتى بني قريظة، وتكلّم معهم بكلام جعلهم يشكّون في صحّة موقفهم وولائهم لقريش وغطفان الذين ليسوا من أهل البلد، وعدائهم للمهاجرين والأنصار، الذين هم أهل الدار وجيرانهم الدائمون، وأشار عليهم بألّا يقاتلوا مع قريش وغطفان حتّى يأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونوا بأيديهم ثقة لهم، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثمّ خرج حتى أتى قريشا، فأظهر لهم إخلاصه ونصيحته، وأخبرهم بأنّ اليهود قد ندموا على ما فعلوا، وسيطلبون منهم رجالا من أشرافهم تأمينا للعهد، وسيسلمونهم إلى النبيّ ﷺ وأصحابه فيضربون أعناقهم ثم خرج إلى غطفان وقال لهم مثل ما قال لقريش، فكان كلا الفريقين على حذر، وتوغّرت صدورهم على اليهود، ودبّت الفرقة بين الأحزاب، وتوجّس كلّ منهم خيفة من صاحبه «١» .
ولمّا طلب أبو سفيان ورؤوس غطفان معركة حاسمة بينهم وبين المسلمين تكاسل اليهود، وطلبوا منهم رهنا من رجالهم، فتحقّق لقريش وغطفان صدق ما حدّثهم به نعيم بن مسعود، وامتنعوا عن تحقيق طلبهم، وتحقق لليهود صدق حديثه كذلك، وهكذا تخاذل بعضهم عن بعض وتمزّق الشمل وتفرّقت الكلمة.
_________________
(١) [انظر خدعة نعيم بن مسعود وللأحزاب فيما أخرجه عبد الرزاق في مصنّفه مرسلا برقم (٩٧٣٧)] .
[ ٣٥٥ ]
وكان من صنع الله لنبيّه أن بعث الله على الأحزاب الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تقلب قدورهم وتطرح أبنيتهم، وقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش! إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطمئنّ لنا قدور، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإنّي مرتحل.
وقام أبو سفيان إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فما أطلق عقاله إلّا وهو قائم.
وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم، ورسول الله ﷺ قائم يصلّي، وأخبره حذيفة بن اليمان الذي أرسله رسول الله ﷺ عينا إلى الأحزاب ينظر له ما فعل القوم، ثمّ يرجع، فأخبره بما رأى «١»، فلمّا أصبح انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة، وانصرف المسلمون ووضعوا السلاح «٢»، وصدق الله العظيم:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب: ٩] .
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب: ٢٥] .
ووضعت الحرب أوزارها، فلم ترجع قريش بعدها إلى حرب
_________________
(١) اقرأ القصة بطولها في صحيح مسلم [في كتاب الجهاد]، باب «غزوة الأحزاب» [برقم (١٧٨٨)، وفي مسند أحمد (٥/ ٣٩٢- ٣٩٣) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁] .
(٢) اقرأ للتفصيل ابن كثير: ج ٣، ص ٢١٤- ٢٢١، رواية عن ابن إسحاق.
[ ٣٥٦ ]
المسلمين، وقال رسول الله ﷺ: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنّكم تغزونهم» «١» .
واستشهد من المسلمين يوم الخندق سبعة على أكثر تقدير، وقتل من المشركين أربعة «٢» .
_________________
(١) سيرة ابن كثير: ج ٣، ص ٢٢١.
(٢) المصدر السابق: ج ٣، ص ٢٢٢ [وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الخندق..، برقم (٤١١٠) وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٢) و(٦/ ٣٩٤) والطبراني في الكبير برقم (٦٤٨٤) في حديث سليمان بن صرد بلفظ: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» .
[ ٣٥٧ ]
غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة
نقض بني قريظة العهد:
كان رسول الله ﷺ لمّا قدم المدينة، كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم، وجاء فيه:
«وأنّ من تبعنا من يهود، فإنّ له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وأنّه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأنّ قبائل «١» يهود أمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم» .
وجاء فيه: «أنّ بينهم النصر على ما حارب أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وأنّ بينهم النّصر على من دهم يثرب» «٢» .
_________________
(١) جاء في العهد: أسماء القبائل اليهودية كبني عوف، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس، وبني ثعلبة.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٥٠٣- ٥٠٤.
[ ٣٥٩ ]
ولكنّ حييّ بن أخطب اليهوديّ- سيّد بني النضير- نجح في حمل بني قريظة على نقض العهد، وممالأة قريش، بعد ما قال سيدهم كعب بن أسد القرظيّ: لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، ونقض كعب بن أسد عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ.
ولمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ خبر نقضهم للعهد، بعث سعد بن معاذ ﵁- سيد الأوس- وهم حلفاء بني قريظة- وسعد بن عبادة- سيّد الخزرج- في رجال من الأنصار، ليتحقّقوا الخبر، فوجدوهم على شرّ مما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله ﷺ وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد «١» .
وبدؤوا بالفعل في الاستعداد للهجوم على المسلمين، وهكذا حاولوا طعن جيش المسلمين من الخلف «٢»، وكان ذلك أشدّ وأنكى من الهجوم السافر والحرب في الميدان، وذلك قوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب: ١٠] .
واشتدّ ذلك على المسلمين، حتّى قال سعد بن معاذ- وكان من أولى الناس بالحدب عليهم، يحنو عليهم في كلّ ما يلمّ بهم- لما أصابه السهم في غزوة الخندق، فقطع منه الأكحل، وأيقن بالموت-: «اللهمّ! لا تمتني
_________________
(١) راجع «سيرة ابن هشام» ج ٢، ص ٢٢٠- ٢٢٣.
(٢) جاء في كتاب) Cambridge History of Islam ج ١، ص ٤٩) بقلم الأستاذ الإنجليزي الشهير» Montgomery Watt كانت قد بقيت في المدينة قبيلة عظيمة، هي قبيلة بني قريظة، وكانت تتظاهر بالإخلاص عند ما حاصر المشركون المدينة، ولكن ممّا لا شكّ فيه أنها كانت قد تمالأت مع المشركين، وكانت تنتهز أول فرصة للهجوم على المسلمين من خلف» .
[ ٣٦٠ ]
حتّى تقرّ عيني من بني قريظة» «١» .
المسير إلى بني قريظة:
فلمّا انصرف رسول الله ﷺ والمسلمون من الخندق راجعين إلى المدينة ووضعوا السلاح، أتى جبريل، وقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟
قال: «نعم» فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، إنّ الله ﷿ يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإنّي عامد إليهم، فمزلزل بهم، فأمر رسول الله ﷺ مؤذّنا، فأذّن في النّاس: «أنّ من كان سامعا مطيعا فلا يصلّينّ العصر إلّا في بني قريظة» «٢» .
ونزل رسول الله ﷺ ببني قريظة، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، حتّى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب «٣» .
ندم أبي لبابة وتوبة الله عليه:
وبعثت بنو قريظة إلى رسول الله أن ابعث إلينا أبا لبابة أخا بني عمرو بن عوف- وكانوا حلفاء الأوس- لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلمّا رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان، يبكون في
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٢٧. وكان سعد قد أصابه سهم قرشي لا قرظي، وقد جاء اسم الرّامي في صحيح البخاري حبّان بن العرقة القريشي [انظر: كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب..، رقم (٤١٢٢) و«السنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ٩٧)، ومسند الإمام أحمد (٦/ ٥٦)]، فلم يكن عند سعد ترة على القرظيين، ودافعا له إلى هذا الحكم.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٣٣- ٢٣٤؛ أخرج البخاري القصة بزيادة وتفصيل في باب مرجع النّبي ﷺ من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم [برقم (٤١٩٩)] . وأخرجها مسلم في كتاب الجهاد والسير في باب «جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل، أهل للحكم» [برقم (١٧٧٠)] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٣٥.
[ ٣٦١ ]
وجهه، فرقّ لهم وقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟
قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنّه الذبح.
قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أنّي خنت الله ورسوله ﷺ، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ حتّى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتّى يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهدت الله ألّا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.
ولمّا تاب الله عليه قال:
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٠٢] .
فثار النّاس إليه ليطلقوه، فقال: لا، والله، حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، ومرّ عليه رسول الله ﷺ خارجا إلى صلاة الصبح، فأطلقه وقد أقام مرتبطا بالجذع نحو عشرين ليلة، تأتيه امرأته في كلّ وقت صلاة، فتحلّه للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع «١» .
آن «٢» لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم:
ونزل بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ فتواثبت الأوس، وقالوا:
يا رسول الله! إنّهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا «٣» بالأمس ما قد علمت، فقال رسول الله ﷺ: «ألا ترضون يا معشر الأوس
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٣٦- ٢٣٨.
(٢) أنى: أي حان.
(٣) يعنون بني قينقاع.
[ ٣٦٢ ]
أن يحكم فيهم رجل منكم»؟ قالوا: بلى.
قال رسول الله ﷺ: «فذاك إلى سعد بن معاذ»، فأرسل إليه، فلمّا جاء إليه، قال له بنو قبيلته: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنّما ولّاك ذلك لتحسن فيهم، فلمّا أكثروا عليه، قال: لقد أنى لسعد ألّا تأخذه في الله لومة لائم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذّراري والنساء، قال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله» «١» .
موافقة لشريعة بني إسرائيل:
وقد وافق ذلك قانون الحرب في شريعة بني إسرائيل، فقد جاء في سفر التثنية (الإصحاح العشرون ١٠- ١١- ١٢- ١٣):
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٣٩- ٢٤٠، وفي رواية البخاري [في كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب..، برقم (٤١٢١) و(٤١٢٢)]، ومسلم [في كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد..، برقم (١٧٦٨) (١٧٦٩)] قال: قضيت بحكم الله؛ وربما قال: بحكم الملك «صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: مرجع النّبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة» . وكان عددهم حوالي ثمانمئة (٨٠٠) مقاتل، كما جاء في «الكامل» لابن الأثير (ج/ ٢، ص/ ١٢٧) . وقد شكّك في هذا العدد بعض الكتّاب المعاصرين في ضوء القياس واستبعاد وقوع ذلك في بلد صغير كالمدينة وبأمر نبي اتسمت سيرته بالرحمة والرأفة، من غير استناد إلى شهادات تاريخية، راجع كتاب.D.Barakat Ahmad Muhammad The jews والمراجع اليهودية ساكتة عن التعليق على هذا الحادث الذي كان جديرا باستفزاز شعورهم الديني، وقد صنّف مؤلف يهودي اسمه صموئيل أسبك كتابا مهما في القرن السادس عشر المسيحي أسماه «ماثر شهداء اليهود» ولكنه لم يتعرض لجلاء بني قينقاع وبني النضير عن المدينة، ولا لإعدام مقاتلي بني قريظة.
[ ٣٦٣ ]
«حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك فكلّ الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، وتستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها، وإذا دفع الربّ إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف، وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة كلّ غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الربّ إلهك» .
وهذه كانت العادة المتبعة في بني إسرائيل في عهد أنبيائهم، فقد جاء في التوراة:
«فتجنّدوا على مديان كما أمر الربّ، وقتلوا كلّ ذكر، وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم، أوي، وراقم، وصور، وحور، ورابع، خمسة ملوك مديان، وبلعام بن باعور قتلوه بالسيف، وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكلّ أملاكهم، أحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار» . (سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون ٧- ٨- ٩- ١٠) .
وذلك في عهد موسى﵇- وبموافقة منه.
وقد جاء في التوراة:
«فخرج موسى والعازر الكاهن وكلّ رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحلة، فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب، وقال لهم موسى: هل أبقيتم كلّ أنثى حيّة» (سفر العدد، الإصحاح الحادي والثلاثون ١٣- ١٦) «١» .
_________________
(١) الكتاب المقدّس: مطبعة أو كسفورد، ١٨٧٩ م.
[ ٣٦٤ ]
ونفّذ في بني قريظة حكم سعد بن معاذ، وخلت المدينة من جميع أوكار المؤامرة والمحاربة اليهودية، وأمن المسلمون من الطّعن من الخلف، ومن نشر الفوضى في الداخل.
وقتلت الخزرج سلّام بن أبي الحقيق، وكان ممن حزب الأحزاب، وكانت الأوس قد قتلت من قبل كعب بن الأشرف، وكان مقدّما في عداوته لرسول الله ﷺ والتحريض عليه، فنجا المسلمون من الرؤوس التي كانت تكيد ضدّ الإسلام والمسلمين، وتقود الحركات ضدّهم، واستراح المسلمون «١» .
وكان ما عامل به رسول الله ﷺ بني قريظة مما اقتضته سياسة الحرب وطبيعة القبائل العربية واليهودية، وكان لا بدّ من عقوبة صارمة تكون درسا للعابثين بالعهود والمحالفات، ونكالا لما بين يديها وما خلفها، يقول LR.V.C.Bodley في كتابه «حياة محمد الرسول»:
«وكان محمد وحيدا في بلاد العرب، وكانت هذه البلاد من حيث المساحة ثلث الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عدد النفوس فيها يبلغ خمسة ملايين نفس.. ولم يكن عنده من الجيوش التي تحمل الناس على امتثال أمره إلا الجيش الذي لا يزيد على ثلاثة آلاف جنديّ، ولم يكن هذا الجيش مسلّحا تسليحا كاملا، فإذا وهن محمد في هذه القضية أو ترك جريمة غدر بني قريظة من غير أن يعاقبهم عليها، لم يكن للإسلام في جزيرة العرب بقاء، إنّه لا شكّ أنّ عملية قتل اليهود كانت عنيفة، ولكن لم يكن حادثا فريدا من نوعه في تاريخ الديانات، ولقد كان لهذا العمل مبرّر من وجهة نظر
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٧٣ [انظر خبر قتل سلام بن أبي الحقيق فيما أخرجه البخاري، في كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق ، برقم (٤٠٣٨) و(٤٠٣٩) و(٤٠٤٠) من حديث البراء بن عازب ﵄] .
[ ٣٦٥ ]
المسلمين، قد تحتّم الآن على القبائل العربية واليهود أن يتأملوا مرة بعد مرة قبل أن يقدموا على غدر أو نقض عهد، لأنّهم قد عرفوا عواقبه الوخيمة وشاهدوا أن محمدا يستطيع أن ينفّذ ما يريده» «١» .
وقد كان من فوائد القضاء على آخر حصن من حصون اليهود في المدينة الضعف الذي طرأ على معسكر النفاق، ونشاط المنافقين، فقد أثّر ذلك في معنوياتهم، وأفقدهم الشيء الكثير من الثقة والآمال الواسعة، فقد كانوا آخر معقل من معاقلهم الكبيرة، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون معلّقا على غزوة بني قريظة:
«وأمّا المنافقون فقد خفت صوتهم بعد يوم قريظة، ولم نعد نسمع لهم أعمالا أو أقوالا تناقض إرادة النّبيّ وأصحابه، كما كان يفهم ذلك من قبل» «٢» .
العفو عمّن ظلم وعطاء من حرم:
بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت بثمامة بن أثال- سيّد بني حنيفة- فربط إلى سارية من سواري المسجد.
_________________
(١) The Messenger -The Life Mohammad) London ٦٤٩١ (PP. ٢٠٢ -٣٠٢. (١)
(٢) اليهود في بلاد العرب: ص ١٥٥. وقد أصاب الأستاذ محمد أحمد باشميل إذ قال: «غزوة الأحزاب- بحد ذاتها- ليست إلّا غزوة يهودية صرفة خطّط لها التفكير الإسرائيلي في خيبر، وقام بتمويلها المال اليهودي، الذي لا ينفق (إن أنفق) إلّا على إثارة الحروب، وشراء الذمم لبسط النفوذ اليهودي. وغزوة بني قريظة في حد ذاتها امتداد لمعركة الأحزاب، فقد كان يهود بني قريظة يمثلون الجناح الثالث للاتحاد العسكري الوثني اليهودي الذي قام لسحق المسلمين وإبادتهم إبادة كاملة» (غزوة بني قريظة: ص/ ١٤٩- ١٥٥) .
[ ٣٦٦ ]
خريطة إجلاء بني قريظة سنة ٥ هجرية
[ ٣٦٧ ]
ومرّ به رسول الله ﷺ وقال: ما عندك يا ثمامة؟
قال: يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فاسأل تعط ما شئت.
فتركه، ثمّ مرّ به أخرى، وقال له مثل ذلك، فردّ عليه كما ردّ عليه أولا، ثم مرة ثالثة، فقال: «أطلقوا ثمامة» فأطلقه.
وذهب ثمامة إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم جاءه فأسلم، وقال: والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، والله ما كان على وجه الأرض دين أبغض إليّ من دينك، فقد أصبح دينك أحبّ الأديان إليّ، وإنّ خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشّره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر.
فلمّا قدم ثمامة على قريش، قالوا: صبوت يا ثمامة! قال: لا والله، ولكنّي أسلمت مع محمد ﷺ، لا والله ما يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتّى يأذن فيها رسول الله ﷺ، وكانت اليمامة ريف مكة.
فانصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة، حتّى جهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يكتب إلى ثمامة يخلّي إليهم حمل الطعام، ففعل رسول الله ﷺ «١» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٧٧؛ وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب «الإمداد بالملائكة يوم بدر» [برقم (١٧٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁] .
[ ٣٦٨ ]
غزوة بني المصطلق وقصّة الإفك
[غزوة بني المصطلق شعبان ٥ هجرية]
وبلغ رسول الله ﷺ في شعبان سنة ستّ «١» أنّ بني المصطلق وهم فرع من خزاعة، يجمعون له.. فلما سمع خرج إليهم، وقد خرج معه أكبر عدد من المنافقين، خرج في غزوة «٢»، وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وقد بلغت سطوة المسلمين أوجها بعد انتصارهم في غزوة الأحزاب التي اجتمعت فيها قريش وحزبت الأحزاب للقضاء على الإسلام، اجتماعا لم تجتمع مثله، فكانت «٣» شوكة في حلقوم الكفّار في مكة، واليهود والمنافقين في المدينة وحولها، وعرفوا أنّ المسلمين لن يغلبوا في ساحة القتال بكثرة العدد والعدد، فاعتمدوا أخيرا على إثارة الفتن الداخلية، والتحريش بين المسلمين بإحياء النّعرة القوميّة القبلية، والإساءة إلى مقام الرسول ﷺ وتشكيك المسلمين فيه، ونشر المقالة حول عرضه وكرامته، وأحبّ أزواجه إليه، وبذلك يتزلزل كيان هذا المجتمع المثاليّ الوليد، الذي كان كلّ عضو من أعضائه مرآة أخيه، إذا سمع عنه ما يريب عاد إلى نفسه، فرآها نزيهة، فنفى
_________________
(١) قدّم موسى بن عقبة غزوة بني المصطلق إلى السنة الرابعة مخالفا معظم كتّاب السيرة الذين يجعلونها في السنة السادسة، وتابعه ابن القيم حيث اشترك سعد بن معاذ بالغزوة، وقد استشهد في أعقاب غزوة بني قريظة، (السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري) .
(٢) جاء في «طبقات ابن سعد»: وخرج معه بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قط مثلها (كتاب الطبقات الكبرى، ٢/ ٤٥، القسم الأول، طبع ليدن، ١٣٢٥ هـ) .
(٣) [فكانت: الضمير فيه راجع إلى سطوة] .
[ ٣٦٩ ]
غزوة بني المصطلق شعبان ٥ هجرية
[ ٣٧٠ ]
هذه التهمة كما ينفيها عن نفسه، ويفقد بعضهم الثقة ببعض، فإذا زالت الثقة بأهل بيت النبوّة، زالت عن الجميع، وكانت أعظم مؤامرة حاكها المنافقون وقد تجلّت هذه السياسة الماكرة في غزوة بني المصطلق أكثر ممّا تجلّت في أيّ غزوة.
خرج رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق، ولقيهم على ماء لهم، يقال له «المريسيع» «١» من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، وانهزم بنو المصطلق «٢» .
واقتتل أجير لعمر بن الخطاب من بني غفار، وحليف للخزرج من جهينة، فصرخ الجهنيّ: «يا معشر الأنصار!» وصرخ الأجير: «يا معشر المهاجرين!» فغضب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم، فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ليس الأمر إلا كما قيل: «سمّن كلبك يأكلك» أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، ثمّ أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحوّلوا إلى غير داركم» «٣» .
_________________
(١) ومن هنا سمّيت هذه الغزوة بغزوة المريسيع أيضا، كما في طبقات ابن سعد وغيرها.
(٢) كانت لغزوة بني المصطلق في المريسيع أهمية سياسية واستراتيجية واقتصادية كبيرة، وهي الطريق الرئيسي للتجارة المكية، وكانت طريقا فرعيا من مكة إلى المدينة كان يمرّ بها، إلى غير ذلك من الخصائص (مستفاد من بحث الدكتور حسين مؤنس المقدم إلى مؤتمر السيرة والسنة النبوية المنعقد في الدوحة في شهر محرم عام ١٤٠٠ هـ) .
(٣) [أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، برقم (٢٧٧٢)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة المنافقين، برقم (٣٣١٢)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٦٩ ٣٧٣) . من حديث زيد بن أرقم رضي لله عنه] .
[ ٣٧١ ]
فلمّا سمع ذلك رسول الله ﷺ أمر بالرحيل، لئلا ينشغل الناس بهذه الفتنة، ويجد الشيطان سبيلا إلى نفوسهم، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس.
ومشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتّى أمسى، وليلتهم حتّى أصبح، وصدر يومهم ذلك، حتّى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض، فوقعوا نياما.
وقدم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ الناس، حتّى وقف لأبيه على الطريق، فلمّا رآه أناخ به، وقال: لا أفارقك حتّى تزعم أنّك الذليل، ومحمد العزيز، فمرّ به رسول الله ﷺ فقال: «دعه، فلعمري لنحسننّ صحبته ما دام بين أظهرنا» «١» .
قصّة الإفك:
وكان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا، أقرع بين نسائه، فأيّتهن خرج سهمها خرج بها معه، وخرج سهم عائشة بنت أبي بكر زوج رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فخرج بها رسول الله ﷺ فلمّا فرغ من سفره ذلك توجّه قافلا، حتّى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا، فبات به بعض الليل، ثمّ أذّن بالرحيل، وخرجت عائشة لبعض حاجتها، وفي عنقها عقد لها، فانسلّ من
_________________
(١) طبقات ابن سعد: ج ٢، ق ١، ص ٤٦، طبع ليدن. [وقد وردت أخبار محاولة المنافقين في إثارة الفتنة بين المسلمين لما حصل بين الرجل الأنصاري والمهاجرين فيما أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) برقم (٤٩٠٧) والترمذي في أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة المنافقين، برقم (٣٣١٥)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٩٢- ٣٩٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄] .
[ ٣٧٢ ]
حيث لا تشعر، فلمّا رجعت إلى الرّحل فقدت العقد فذهبت تبحث عنه وقد أخذ الناس في الرحيل، فجاء القوم الذين كانوا يرحّلون لها البعير، فأخذوا الهودج، وهم يظنّون أنّها فيه، وكانت فتاة صغيرة السنّ، خفيفة اللحم، فلم ينتبهوا لخفّتها، ولم يشكّوا أنّها فيه، ورجعت عائشة إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب، وقد انطلق الناس، فتلففت بجلبابها، واضطجعت في مكانها.
وبينما هي كذلك إذ مرّ بها صفوان بن المعطّل السّلمي، وقد كان تخلّف عن العسكر لبعض حاجته، فلمّا رآها استرجع، وقال: ظعينة رسول الله ﷺ، ثم قرّب البعير واستأخر، فركبت وأخذ برأس البعير، وانطلق سريعا يطلب الناس فأدركهم، وقد نزلوا، ولحقت بالركب، فلم يرع الناس شيء، فكان مما ألفوه في حياة البادية ومسير القوافل، وكان حفظ الذمار والتعفف عن مثل هذه الخسائس، من الأعراف العربية التي كانوا يحافظون عليها في الجاهليّة والإسلام «١»، فيقول الشاعر الجاهليّ: [من الكامل]
وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها «٢»
_________________
(١) ومن أمثلته ما حكته أم سلمة، وقد حال قومها بينها وبين زوجها أبي سلمة، فلم يدعوها تهاجر معه إلى المدينة، فكانت تخرج كل غداة إلى الأبطح فما تزال تبكي حتى تمسي، سنة أو قريبا منها، حتى رقّوا لها وقالوا: الحقي بزوجك إن شئت، فارتحلت بعيرها وما معها أحد، فلقيها عثمان بن طلحة الداري فرثى لها، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معها إلى المدينة، قالت أم سلمة: والله ما صحبت رجلا من العرب قطّ أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجر.. إلى أن قالت: فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. (سيرة ابن كثير، ج ٢، ص ٢١٥- ٢١٧) وهذا قبل أن يسلم عثمان بن طلحة، فكان صفوان بن المعطّل السّلمي أحقّ بهذا الخلق والنزاهة، فقد أسلم قديما وصحب رسول الله ﷺ.
(٢) ديوان الحماسة.
[ ٣٧٣ ]
وقد كان الصحابة﵃- مع الرسول ﷺ كالأبناء للآباء، وأزواجه أمهاتهم، وكان أحبّ إليهم من والدهم وولدهم والناس أجمعين، وقد عرف صفوان بن المعطّل بالدين والصلاح والعفّة والحياء، ذكر أنّه لم يكن له أرب في النساء.
وكانت القضية لا تسترعي انتباها، ولكنّ عبد الله بن أبيّ تبنّى هذه القضية، وتحدّث بها بعد عودته إلى المدينة، وشايعه أصحابه من المنافقين، واهتبلوها لإثارة الفتنة بين المسلمين وإضعاف الصّلة التي تربطهم بمقام صاحب الرسالة العظمى ومن يتصل به من أهل، وإضعاف ثقة المسلمين بعضهم بأمانة بعض، وتورّط في هذه المكيدة بضع من المسلمين الذين أصبحوا فريسة التشهي للحديث والترديد لكلّ ما قيل من غير تمحيص «١» .
فلمّا سمعت بذلك عائشة وفوجئت به في المدينة فزعت له، وحزنت حزنا شديدا، لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم، وكبر على رسول الله ﷺ وعرف مصدره، فقام من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبيّ، وهو على المنبر، فقال: «يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلّا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت فيه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي»، فقام أسيد بن خضير، فقال: أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، وكان عبد الله بن أبيّ من الخزرج، فاحتملت بعضهم الحميّة، وثار الحيّان، وكاد الشيطان أن يلعب بهم لولا حكمة رسول الله ﷺ وحلمه.
_________________
(١) وذلك ما أشار الله تعالى إليه بقوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: ١٥] .
[ ٣٧٤ ]
هذا، والصّدّيقة بنت الصدّيق موقنة ببراءتها، عزيزة النفس، مليئة بالثقة والاعتزاز، شأن الأبرياء الذين لا ترتقي إليهم شبهة، ولا تلتصق بهم لوثة، تعلم أنّ الله سيبرّئها، ويبعد كل ظنّة وتهمة عن ساحة رسول الله ﷺ، ولكنّها لم تكن تظنّ أنّ الله منزل في شأنها وحيا يتلى، ويجعله كلمة باقية في أعقاب هذه الأمّة، ولكنّها ما تلبّثت طويلا أن أنزل الله على رسوله في شأنها القرآن، وأنزل براءتها من فوق سبع سموات، فقال إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
[النور: ١١- ١٢] .
وبذلك انطفأت نار الفتنة، وانحسمت مادة الفساد، وخزي الشيطان، وكأن لم يكن شيء، فتشاغل المسلمون بما أمرهم الله به ورسوله، وبما يعود عليهم وعلى الإنسانيّة بالخير والسعادة «١» .
_________________
(١) القصة مقتبسة من سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٨٩- ٣٠٢، وجاءت قصة الإفك من حديث عائشة الذي رواه البخاري [في كتاب المغازي، باب حديث الإفك، برقم (٤١٤١)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في حديث الإفك..، برقم (٢٧٧٠)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة النور، برقم (٣١٨٠) وأحمد في المسند (٦/ ٥٩)] .
[ ٣٧٥ ]
صلح الحديبية ذو القعدة سنة ست من الهجرة
رؤيا رسول الله ﷺ وتهيّؤ المسلمين لدخول مكة:
كان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنّه دخل مكّة، وطاف بالبيت وذلك في غير تحديد للزمان، وتعيين للشهر والعام «١» - فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فاستبشروا به، وفرحوا فرحا عظيما، وقد طال عهدهم بمكّة والكعبة التي رضعوا لبان حبّها، ودانوا بتعظيمها، وما زادهم الإسلام إلّا ارتباطا بها وشوقا إليها، وقد تاقت نفوسهم إلى الطواف حولها، وتطلّعت إليه تطلّعا شديدا.
وكان المهاجرون أشدّهم حنينا إلى مكّة، فقد ولدوا ونشؤوا فيها وأحبّوها حبا شديدا، وقد حيل بينهم وبينها، فلمّا أخبرهم رسول الله ﷺ بذلك، لم يشكّوا أنّ هذه الرؤيا تتفسّر هذا العام، وقد صادف كلّ ذلك رغبة شديدة في نفوسهم، وأثار كامن الشّوق ودفين الحبّ فتهيّؤوا للخروج مع رسول الله ﷺ لم يتخلّف منهم إلا نادر.
_________________
(١) راجع سورة الفتح ٢٧، واقرأ تفسيرها في تفسير ابن كثير: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [الفتح: ٢٧] .. إلخ.
[ ٣٧٧ ]
إلى مكة بعد عهد طويل:
خرج رسول الله ﷺ من المدينة في ذي القعدة سنة ستّ معتمرا- لا يريد حربا- إلى الحديبية ومعه ألف وخمسمئة، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليعلم النّاس أنّه إنما خرج زائرا للبيت، معظّما له «١» .
وبعث رسول الله ﷺ خراش الخزاعيّ عينا له من خزاعة، يخبره عن قريش، حتّى إذا كان قريبا من «عسفان» «٢» أتاه عينه، فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش «٣» وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، وسار النّبيّ ﷺ حتّى إذا كان بالثنيّة التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته، فقالوا: خلأت «٤» القصواء «٥»، خلأت القصواء، فقال: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل «٦»، والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظّمون فيها حرمات الله، ويسألونني فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إيّاها»، ثمّ زجرها، فوثبت به، فعدل، حتّى نزل بأقصى الحديبية، على ثمد قليل الماء، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فما زال يجيش لهم بالريّ حتّى صدروا عنه «٧» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٨٠، وابن هشام: ج ٢، ص ٣٠٨.
(٢) موضع بين مكة والمدينة.
(٣) الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة.
(٤) خلأ: كفتح، خلوءا أي لم يبرح مكانه.
(٥) اسم ناقة رسول الله ﷺ [والقصواء: الناقة التي قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقة النبي ﷺ قصواء، وإنما كان هذا لقبا لها] .
(٦) إشارة إلى فيل أبرهة الذي حبسه الله عن الدخول في مكة.
(٧) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٨١.
[ ٣٧٨ ]
فزع قريش من دخول المسلمين في مكّة:
وفزعت قريش لنزول رسول الله ﷺ عليهم، فأحبّ أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطّاب﵁- ليبعثه إليهم، فقال:
يا رسول الله! ليس بمكّة أحد من بني عديّ بن كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفّان، فإنّ عشيرته بها، وإنّه مبلغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان وأرسله إلى قريش، وقال: أخبرهم أنّا لم نأت لقتال وإنّما جئنا عمّارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالا بمكّة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم، ويبشّرهم بالفتح، ويخبرهم أنّ الله ﷿ مظهر دينه حتى لا يستخفى فيها بالإيمان «١» .
امتحان الحبّ والوفاء:
وانطلق عثمان حتّى جاء مكة، وأتى أبا سفيان، وعظاماء قريش، وبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به.
وقالوا حين فرغ عن رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف البيت فطف.
فقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله ﷺ «٢» .
وقال عثمان حين رجع، وقال له المسلمون: أشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟: «بئس ما ظننتم بي والذي نفسي بيده، لو مكثت بها سنة، ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية، ما طفت بها حتّى يطوف بها
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص: ٣٨١.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣١٥.
[ ٣٧٩ ]
رسول الله ﷺ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت» «١» .
بيعة الرضوان:
بلغ رسول الله ﷺ أنّ عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة، فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه ألّا يفروا، وأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه، وقال: هذه عن عثمان «٢»، فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة سمرة «٣» في الحديبية التي أنزل الله عنها:
* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨] .
وساطات ومفاوضات:
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ في رجال من خزاعة، فكلّمه، وسأله ما الذي جاء به؟
قال رسول الله ﷺ: إنّا لم نجىء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وأنّ قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم، ويخلّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فعلوا، وإلّا فقد جمّوا، وإن أبوا إلا القتال، فو الذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري حتّى تنفرد سالفتي «٤»، أو لينفذنّ الله أمره.
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٨٢.
(٢) المصدر السابق: ج ١، ص ٣٨٢، [انظر حادثة بيعة رضوان فيما أخرجه مسلم من حديث معقل بن يسار ﵁، في كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عنه إدارة القتال ، برقم (١٨٥٨)] .
(٣) السمر: الطلح.
(٤) السالفة: صفحة العنق عند معلق القرط.
[ ٣٨٠ ]
فلمّا بلّغهم بديل ما قاله رسول الله ﷺ، قال عروة بن مسعود الثقفيّ: إنّ هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: ائته، وجاء عروة بن مسعود الثقفيّ، فكلّمه رسول الله ﷺ وجعل عروة يرمق أصحاب رسول الله ﷺ فما تنخم نخامة «١» إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها جلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك:
على كسرى وقيصر والنجاشيّ، والله ما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا، ووصف لهم ما رآه، وقد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها «٢» .
معاهدة وصلح:
وجاء رجل من بني كنانة، ورجل اسمه مكرز بن حفص، وأخبرا قريشا بما رأيا، ثمّ بعثت قريش سهيل بن عمرو، فلمّا رآه رسول الله ﷺ مقبلا قال:
أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، وقال: اكتب بيننا وبينكم كتابا «٣» .
حكمة وحلم وتنازل:
فدعا الكاتب- وهو عليّ بن أبي طالب- فقال: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» .
_________________
(١) [النّخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٨٢.
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣١٦، وأخرجه البخاري في صحيحه باختلاف يسير؛ راجع كتاب المغازي، باب عمرة القضاء [برقم (٤١٧٨) و(٤١٧٩)] .
[ ٣٨١ ]
فقال سهيل: أمّا «الرّحمن» فو الله ما ندري ما هو، ولكن اكتب:
«باسمك اللهمّ» كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها، إلّا «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال النّبيّ ﷺ: «اكتب باسمك اللهمّ» .
ثمّ قال: «اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله.
فقال النّبيّ ﷺ: «إنّي رسول الله وإن كذّبتموني، اكتب محمد بن عبد الله»، فأمر عليّا أن يمحوها، فقال عليّ: لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله ﷺ: «أرني مكانها» فأراه مكانها، فمحاها «١» .
صلح وامتحان:
فقال له النّبيّ ﷺ: «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت، فنطوف به» .
فقال سهيل: والله لا تتحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب.
قال سهيل: وعلى ألّا يأتيك منّا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟!
وبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل، يرسف في قيوده، قد
_________________
(١) أخرجه مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية [برقم (١٧٨٣) وابن أبي شيبة في المصنّف (٧/ ٣٨٣)، وابن حبان في الصحيح (١١/ ٢١٢) برقم (٤٨٦٩) والبيهقي في السنن (٩/ ٢٢٠) برقم (١٨٥٨٩) من حديث البراء بن عازب ﵁] .
[ ٣٨٢ ]
خرج من أسفل مكة، حتّى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين.
قال سهيل: هذا يا محمّد أول ما أقاضيك عليه على أن تردّه.
قال النّبيّ ﷺ: «إنّا لم نقض الكتاب بعد» .
قال: فو الله إذا لا أقاضيك على شيء أبدا.
قال النّبيّ ﷺ: «فأجزه لي» .
قال: ما أنا بمجيزه لك.
قال: «بلى، فافعل» .
قال: ما أنا بفاعل.
قال أبو جندل: يا معشر المسلمين! أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذّب في الله عذابا شديدا «١»، وردّه رسول الله ﷺ.
وقد اصطلح الفريقان على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، وعلى أنّه من أتى محمّدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد، لم يردوه عليه، وأنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه «٢» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٨٣، وأخرجه البخاري في الجامع الصحيح في كتاب الشروط، باب «الشروط في الجهاد» [برقم (٢٧٣١) و(٢٧٣٢)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٢٨- ٣٢٩)، وعبد الرزاق في المصنّف برقم (٩٧٣٠)، وأبو يعلى في المسند برقم (٤٢) من حديث مروان بن حكم، والمسور بن مخرمة] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣١٧- ٣١٨.
[ ٣٨٣ ]
ابتلاء المسلمين في الصلح والعودة إلى المدينة:
فلمّا رأى المسلمون ما رأوه من الصلح والرجوع، وما تحمّل عليه رسول الله ﷺ في نفسه، دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتّى كادوا يهلكون، ووقع ذلك من نفوسهم كلّ موقع، حتّى جاء عمر بن الخطّاب إلى أبي بكر﵄- فقال: ألم يكن رسول الله ﷺ يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى! أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قال: لا، قال:
فإنّك آتيه ومطوف به «١» .
فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من الصلح، قام إلى هديه، فنحره، ثمّ جلس فحلق رأسه، وعظم ذلك على المسلمين، لأنّهم خرجوا وهم لا يشكّون في دخول مكة والعمرة، ولكن لمّا رأوا رسول الله ﷺ قد نحر وحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون «٢» .
صلح مهين أم فتح مبين؟
ثمّ رجع إلى المدينة، وفي مرجعه أنزل الله تعالى:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا [الفتح: ١- ٣] .
قال عمر﵁-: أو فتح هو يا رسول الله؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، [في كتاب الجزية والموادعة، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، برم (٣١٨٢)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية، برقم (١٧٨٥)، وأحمد (٣/ ٤٨٦) من حديث سهل بن حنيف] .
(٢) راجع للتفصيل «زاد المعاد» ج ١، ص ٣٨٣.
[ ٣٨٤ ]
قال: «نعم» ! «١» .
عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم:
ولمّا رجع إلى المدينة، جاءه رجل من قريش اسمه أبو بصير عتبة بن أسيد، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرّجلين، فخرجا به، فخرج هاربا منهم، حتّى أتى سيف البحر، وتفلّت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتّى اجتمعت منهم عصابة، لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشّام إلّا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النّبيّ ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن «٢» .
كيف تحوّل الصلح إلى الفتح والنصر؟
ودلّت الحوادث الأخيرة على أنّ صلح الحديبية الذي تنازل فيه رسول الله ﷺ لقبول كلّ ما ألحّت عليه قريش، ورأوا فيه انتصارا لهم ومكسبا، وتحمّله المسلمون في قوّة إيمانهم، وشدّة طاعتهم للرسول، كان فتح باب جديد لانتصار الإسلام، وانتشاره في جزيرة العرب بسرعة لم تسبق، وكان بابا إلى فتح مكّة، ودعوة ملوك العالم كقيصر وكسرى والمقوقس والنجاشيّ وأمراء العرب، وصدق الله العظيم:
_________________
(١) راجع صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية، [رقم الحديث (١٧٨٦)، والترمذي، أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة الفتح، رقم (٣٢٦٣) حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٨٤.
[ ٣٨٥ ]
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١٦] .
كان من مكاسب هذا الصّلح اعتراف قريش بمكانة المسلمين، وتسليمهم لهم كفريق قويّ كريم، تبرم معه المعاهدات، ويتّفق معه على مفاوضات، ثمّ كان من أفضل ثمار هذا الصلح الهدنة، التي استراح فيها المسلمون عن الحروب التي لا أوّل لها ولا آخر، والتي شغلتهم واستهلكت قوّتهم، فاستطاعوا في هذه الفترة السلمية، أن يقوموا بدعوة الإسلام، في ظلّ الأمن والسلام، وفي جوّ من الهدوء والسكينة.
وأتاح هذا الصلح الفرصة للمسلمين والمشركين على السواء لأن يختلطوا بعضهم ببعض، فيطلع المشركون على محاسن الإسلام، وما صنع من عجائب ومعجزات في تهذيب الأخلاق، وتزكية النفوس، وتطهير العقول والقلوب، من ألواث الشرك والوثنية، والعداء والخصومة، والضراوة بالدماء، والولوع بالحرب في بني جلدتهم الذين لا يختلفون عنهم في نسب وبيئة ولغة.
ولم يخف عليهم- رغم عنادهم وجحودهم- أن تعاليم الإسلام وحدها وصحبة النّبيّ ﷺ هي التي ميّزتهم عن أقرانهم وبني أعمامهم، وجعلت منهم أمة غير أمة، ونمطا من أنماط البشرية غير النمط القديم، فكان في ذلك باعث قويّ على تفهّم الإسلام والاعتراف بتأثيره.
فلم يمض على هذا الصّلح عام كامل حتّى دخل في الإسلام من العرب أكثر من الذين دخلوا فيه خلال خمس عشرة سنة- ومكّة لم تفتح بعد-.
يقول الإمام ابن شهاب الزّهريّ (ت ١٢٤ هـ):
«فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنّما كان القتال حيث التقى الناس، فلمّا كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس،
[ ٣٨٦ ]
وكلّم الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث، والمنازعة، فلم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر» «١» .
قال ابن هشام: «والدليل على قول الزهريّ أنّ رسول الله ﷺ قد خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمئة، في قول جابر بن عبد الله، ثمّ خرج في عام فتح مكّة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف» «٢» .
واستفاد بهذه الهدنة المستضعفون في مكّة، وقد أسلم على يد أبي جندل عدد كبير من أبناء قريش في مكّة، وضاقت قريش ذرعا بهذا الداعي إلى الإسلام، وانتشار الإسلام في مكّة.
ولحقوا بأبي بصير، وصار مركز دعوة وقوة للإسلام، وتكلّمت في شأنهم قريش، وسألت رسول الله ﷺ أن يلحقهم به في المدينة، ففعل، ونجوا من الضيق الذي كانوا فيه بمكّة، وكان كلّ ذلك من حسنات هذا الصلح وفوائد هذه الهدنة «٣» .
وكان من فوائد الموقف المسالم الذي وقفه رسول الله ﷺ وما بدا منه من زهد في الحرب، ورغبة في الصلح، وحلم وأناة أن تغيّرت نظرة القبائل العربية التي لم تدخل في الإسلام بعد، إلى الدين الجديد، والداعي إليه، ونشأ في نفوسهم إجلال للإسلام وتقدير له لم يكن من قبل، وكانت فائدة دعويّة لا يستهان بقيمتها وإن لم تكن مقصودة، سعى إليها الرسول ﷺ والمسلمون.
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٢٢.
(٢) المصدر السابق: ج ٢، ص ٣٢٢.
(٣) راجع «زاد المعاد»: ج ١، ص ٣٨٨- ٣٨٩.
[ ٣٨٧ ]
إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص:
وكان صلح الحديبية فتحا للقلوب، دخل في الإسلام خالد بن الوليد الذي كان قائد الفرسان لقريش، وبطل معارك عظيمة، وقد سمّاه رسول الله ﷺ «سيف الله» وهو الذي أبلى في الله بلاء حسنا، وفتح الله على يده الشام.
ودخل عمرو بن العاص- أحد كبار القادة والأمراء وفاتح مصر من بعد- وقد قدما المدينة بعد صلح الحديبية، فأسلما وحسن إسلامهما «١» .
_________________
(١) راجع «سيرة ابن هشام» ج ٢، ص ٢٧٧- ٢٧٨ [انظر قصة إسلامهما في مسند الإمام أحمد (٤/ ١٩٨- ١٩٩)، وفي «المستدرك» للحاكم (٣/ ٤٥٦)] .
[ ٣٨٨ ]
خريطة غزوة الحديبية ذي القعدة ٦ هجرية
[ ٣٨٩ ]
خريطة كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك
[ ٣٩٠ ]
دعوة الملوك والأمراء إلى الإسلام أواخر سنة ستّ وأوائل سنة أربع من الهجرة
دعوة حكمة:
ولمّا تمّ الصلح، وهدأت الأحوال، وجدت الدعوة الإسلاميّة متنفّسا ومجالا للتقدّم، فكتب رسول الله ﷺ كتبا إلى ملوك العالم وأمراء العرب، يدعوهم فيها إلى الإسلام «١» وإلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة «٢»، واهتمّ اهتماما كبيرا، فاختار لكلّ واحد منهم رسولا يليق به، ويعرف لغته وبلاده «٣» .
_________________
(١) [دعوة النبي ﷺ للملوك والأمراء إلى الإسلام، أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الإسلام، برقم (١٧٧٤)، والترمذي في أبواب الاستئذان، باب في مكاتبة المشركين برقم (٢٧١٦) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٢) نرجّح أنّ هذه الرسائل وجّهت في شهر ذي الحجة سنة ست بعد صلح الحديبية، كما قال الواقديّ وهو يوافق ٦٢٧ م، فإنّ في مقدّمة هؤلاء الملوك الإمبراطور الإيراني «كسرى أبرويز» ومن المقرّر أنه مات في مارس سنة ٦٢٨ م، ومن هنا يتقرّر أنّ صلح الحديبية في أوائل سنة ٦٢٧ م، وكان من الصعب وصول الرسالة الموجهة إلى هرقل كذلك، إذا كانت وجّهت في سنة ٦٢٨ م، لأنّه كان قد توجّه في هذه السنة إلى أرمينيا. (راجع «فتح العرب لمصر» لألفرد بتلر، ص ١٣٩- ١٤٠) .
(٣) يشير كلام ابن سعد في «الطبقات» ج ٢، ص ٢٣، والسيوطي في «الخصائص الكبرى» -
[ ٣٩١ ]
وقيل له: إنّهم لا يقبلون كتابا إلّا بخاتم، فصاغ رسول الله ﷺ خاتما حلقته فضة، ونقش فيه (محمّد رسول الله) «١» .
وقد دلّت هذه الكتب على أنّ هذا الدّين ليس دين العرب، أو دين الجزيرة العربيّة، وإنما هو دين البشريّة ودين الإنسانيّة، وكان إنذارا للسّلطات الحاكمة خارج الجزيرة المالكة للحول والطول، والحاكمة لأوسع رقاع راقية متمدّنة، بأنّها مهدّدة بالانقراض والزوال، إذا لم تستجب للدعوة أو تسمح- على الأقلّ- من تمكين رعاياها للاطلاع على هذه الدعوة، والاستماع إليها، وتقرير مصيرها في شأنها.
_________________
(١) - ج ٢، ص ١١: إلى أنّ ذلك كان على سبيل المعجزة، فجاء فيما ساقاه من الرواية: « فأصبح كل واحد يتكلّم لغة البلاد التي أرسل إليها» .. والمؤلّف حين لا يستبعد وقوع المعجزة، فسيرة الرسول ﷺ وسير الأنبياء قبله مليئة بالمعجزات وخوارق العادات، وإنكارها من المكابرة، ولكنّه يرجّح أنّ ذلك كان مبنيا على الحكمة وحسن الاختيار من رسول الله ﷺ، فلم يكن وجود من يحسن اللغة الرومية واللغة الفارسية، ولغة الأقباط في مصر، ولغة أهل الحبشة، غريبا لكثرة اختلاط العرب بهذه الأمم الأربع وكثرة رحلاتهم التجارية إلى هذه الأقطار وتنقّلاتهم فيها، وكانت القضية محدودة في هذه اللغات الأربع، إذ كان لغة أمراء الجزيرة العربية ورؤساء القبائل الذين كتب إليهم رسول الله ﷺ كتبه، ودعاهم إلى الإسلام، اللغة العربية، وفي اختيار رسول الله ﷺ دحية الكلبي لحمل رسالته إلى هرقل قيصر الروم، معنى لطيف يؤيد ما أشرنا إليه من حسن الاختيار، ومراعاة الحكمة، وقد كان شابا جميل الصورة، ذكيا فطنا، صادق الإيمان، وقد قيل في وصفه أنّ جبريل كان يفد على النّبي ﷺ في صورته، وكان أجدر بحمل هذا الكتاب إلى قيصر الروم، وإلى بلاد الشام من غيره، كما كانت هذه البلاد وأهلها أليق به من غيرهم.
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب دعوة اليهود والنصارى (٢٩٣٩) والترمذي (٢٧١٩)، وأبو داود في أول كتاب الخاتم، باب ما جاء في اتخاذ الخاتم، برقم (٤٢١٤) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ١٩٦)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٣٠٣) برقم (٦٣٩٢) . وغيرهم من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٣٩٢ ]
الكتب التي أرسلت إلى الملوك:
ومن هؤلاء الملوك الإمبراطور الروميّ «هرقل» وإمبراطور فارس «كسرى أبرويز»، والنّجاشيّ ملك الحبشة، والمقوقس ملك مصر.
وهنا نصوص الكتب التي أرسلت إلى هؤلاء الملوك:
قد أرسل رسول الله ﷺ كتابه إلى «هرقل» مع دحية الكلبيّ، وقد دفعه إلى عظيم «بصرى» فدفعه إلى هرقل، وهنا نصّ الكتاب:
«بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد عبد الله ورسوله، إلى «هرقل» عظيم الرّوم، سلام على من اتبع الهدى.
أمّا بعد؛ فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن توليت فإنّ عليك إثم الأريسيين يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «١» [آل عمران: ٦٤]» .
وجاء في كتابه ﷺ إلى كسرى أبرويز:
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، برقم (٧)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب: كتب النبي ﷺ إلى هرقل ملك الشام يدعوه إلى الإسلام، برقم (١٧٧٣)، والترمذي في أبواب الاستئذان، باب ما جاء كيف يكتب إلى أهل الشرك، برقم (٢٧١٧)، وأبو داود في كتاب الأدب، باب كيف يكتب إلى الذمي، برقم (٥١٣٦)، وأحمد في المسند (١/ ٢٦٣) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان] .
[ ٣٩٣ ]
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيّا، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس» «١» .
وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة:
«بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد رسول الله، إلى النّجاشيّ عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن، وأشهد أنّ عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإنّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإنّي رسول الله، وإنّي أدعوك وجنودك إلى الله ﷿، وقد بلّغت ونصحت فاقبل نصيحتي، والسّلام على من اتبع الهدى» «٢» .
وكتب إلى المقوقس عظيم القبط:
«بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد عبد الله ورسوله إلى «المقوقس» عظيم القبط،
_________________
(١) الطبري: ج ٣، ص ٩٠، [وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، برقم (٤٤٢٤)، وأحمد (١/ ٢٤٣- ٣٠٥) من حديث ابن عباس ﵄] .
(٢) طبقات ابن سعد: ج ٣، ص ١٥.
[ ٣٩٤ ]
سلام على من اتبع الهدى.
أمّا بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم أهل القبط، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «١» [آل عمران: ٦٤]» .
_________________
(١) «المواهب اللدنية»، ج ٣، ص ٢٤٧- ٢٤٨. وقد اكتشفت حتى الآن خمسة رقوق، فقد عثر المستشرق الفرنسي بارتليمي) Barthelemy (في أحد الأديرة بناحية «أخميم» من صعيد مصر على رق جلدي قديم، وذلك سنة ١٨٥٠ م اتّضح بالدراسة أنه رسالة النّبي ﷺ إلى المقوقس عظيم القبط في مصر. وأسهم المسيو بلين) Belin (في تحقيق الرسالة، ومقارنة نصها بما ورد في الأصول، ثم أعلن بعد ذلك عن الثقة في أصالة المخطوط، ونشرت عن ذلك دراسة في المجلة الآسيوية سنة ١٨٥٤ م، ثم في مجلة الهلال المصرية في نوفمبر سنة ١٩٠٤ م. كذلك اكتشف مخطوط جلديّ يحتمل أن يكون أصل الرسالة النبوية إلى منذر بن ساوى حاكم البحرين، نشر الدكتور بوش) Busch (الألماني حوله مقالا في مجلة المستشرقين الألمان. وفي سنة ١٩٤٠ م، نشر المستشرق الإنكليزي دنلوب) Dunlop (مقالا في مجلة الجمعية الآسيوية الملكية أعلن فيه أنه تحصّل على رقّ جلديّ يملكه تاجر سوريّ، يظنّ أنه رسالة النّبي ﷺ إلى نجاشي الحبشة، وذكر أن المالك السوري تخصّل على المخطوط من قسيس أثيوبي جاء إلى دمشق وقت الحرب العالمية الثانية. وفي مايو ١٩٦٣ م نشر الدكتور صلاح الدين المنجد مقالا في جريدة «الحياة» ببيروت، يعلن فيه الكشف عن رسالة النّبي ﷺ إلى كسرى، وذكر أنّ الأصل الجلدي لهذه الرسالة محفوظ لدى الأستاذ هنري فرعون أحد الوزراء اللبنانيين السابقين، وهو مخطوط بين اللوحين الزجاجيين، وفيه تمزيق واضح من أعلى الوسط يتّجه إلى يمين الرسالة وإلى أسفلها، وقد خيّط هذا التمزيق بمهارة للمحافظة على مظهر الرسالة. (ملخّص من بحث الدراسات المتعلّقة برسائل النّبي ﷺ إلى الملوك في عصره «للدكتور عز الدين إبراهيم»، المقدّم إلى مؤتمر السيرة، المنعقد في الدوحة شهر محرم ١٤٠٠ هـ) -.
[ ٣٩٥ ]
اعتبارات حكيمة خاصة بالملوك الذين وجّهت إليهم هذه الرسائل:
ويلاحظ القارىء الذكيّ فوارق دقيقة مؤسّسة على حكمة الدعوة والرسالات النبويّة، روعي فيها ما يمتاز به هؤلاء الملوك في العقائد التي يدينون بها، و«الخلفيات» التي يمتازون بها.
فلمّا كان «هرقل» و«المقوقس» يدينان بألوهية المسيح كليّا وجزئيا، وكونه ابن الله، جاءت في الكتابين اللذين وجّها إليهما كلمة «عبد الله» مع اسم النبيّ الكريم ﷺ صاحب هاتين الرّسالتين، فيبتدىء الكتابان بعد التسمية بقوله: «من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم»، وبقوله: «من محمّد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط» بخلاف ما جاء في كتابه ﷺ إلى كسرى أبرويز، فاكتفى بقوله: «من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس» .
وجاءت كذلك آية: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤]، في هذين الكتابين، وما
_________________
(١) - أمّا الكتاب الذي وجّه إلى الإمبراطور الروماني هرقل، فقد كان محفوظا في إسبانيا إلى القرن السابع الهجري، وقد أشار إلى وجوده في عصره المحدّث والمؤرّخ الشهير العلامة السّهيلي من رجال القرن السادس الهجري. وقد جاء في «إرشاد الساري» لشرح صحيح البخاري تأليف أبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني، المتوفى سنة ٩٢٣ هـ، (١/ ٨١): «وحكي أنّ ملك الإفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصالحي أخرج لسيف الدين قبج صندوقا مصفحا بالذهب، واستخرج منه مقلمة من ذهب، فأخرج منها كتابا زالت أكثر حروفه، فقال: هذا كتاب نبيّكم إلى جدّي قيصر، مازلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنّه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه» .
[ ٣٩٦ ]
جاءت في كتابه إلى كسرى أبرويز لأنّ الآية تخاطب أهل الكتاب الذين دانوا بألوهية المسيح، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم، وقد كان هرقل إمبراطور الدولة البيزنطيّة والمقوقس حاكم مصر قائدين سياسيّين، وزعيمين دينيّين كبيرين للعالم المسيحيّ، مع اختلاف يسير في الاعتقاد في المسيح هل له طبيعة أم طبيعتان» «١» .
ولمّا كان كسرى أبرويز وقومه يعبدون الشّمس والنّار، ويدينون بوجود إلهين، أحدهما يمثّل الخير وهو يزدان، والثاني يمثّل الشرّ وهو أهرمن، وكانوا بعيدين عن مفهوم النبوّة والتصوّر الصحيح للرسالة السماوية، جاءت في الكتاب الذي وجّه إلى الإمبراطور الإيرانيّ عبارة: (وإنّي رسول الله إلى الناس كافّة لينذر من كان حيّا) .
من هم هؤلاء الملوك؟
ولكي نشعر بأهميّة هذه الرّسائل التي وجّهت إلى دول وبلاد مختلفة، وملوكها، ومكانتها الصحيحة في التاريخ المعاصر، ووقعها في القلوب والنفوس، يجب أن نتعرّف بهؤلاء الأشخاص الأربعة: «هرقل»، و«كسرى»، و«النّجاشيّ»، و«المقوقس»، وحجم الحكومات التي كانوا يحكمونها. فقد يتصوّر القارىء الذي لم يتّسع وقته لدراسة التاريخ السياسيّ في القرن السابع المسيحيّ، ولم تتوفّر عنده معلومات عن هذه الممالك التي كان يحكمها هؤلاء الملوك، أنّها رسائل وجّهت إلى أمراء، أو
_________________
(١) راجع للتفصيل كتاب المؤلف: «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟!» الباب الأول، الفصل الأول، ص (٧٨- ٨٥) طبع دار ابن كثير بدمشق.
[ ٣٩٧ ]
أقيال يكثر عددهم في كلّ زمان ومكان، أمّا من عرف مكانة هؤلاء الملوك في الخريطة السياسية في ذلك العصر، واطّلع على تاريخهم وسيرتهم وأخلاقهم، وما كان لهم من حول وطول، وسطوة ورهبة، عرف ضخامة هذا العمل الذي لا يقدم عليه إلا نبيّ مأمور من الله، مكلّف بالدعوة، بعيد عن كلّ ظلّ من ظلال الخوف والضعف تجلّى عليه ملكوت السموات والأرض فتراءى له هؤلاء الملوك دمى كسيت حللا ملوكية فاخرة، أو تماثيل لا روح فيها ولا حياة.
هرقل الأول قيصر الروم (٦١٠- ٦٤١ م):
هو هرقل قيصر الروم الإمبراطور البيزنطيّ، كان يحكم إمبراطورية واسعة، توزّعت مع الإمبراطورية الإيرانية العالم المتمدّن في ذلك اليوم، وحكمت نصف العالم تقريبا، وكانت لها ولايات واسعة غنيّة متمدنة راقية، في القارات الثلاث: أوربة، وآسيا، وإفريقية، وخلفت الدولة الرومية الكبرى التي خضع لها العالم القديم «١» .
وكان من أسرة يونانية الأصل، ولد في «كيبوديشية» ونشأ في قرطاجنة «كارتهيج» «٢»، وكان ابن حاكم إفريقية الروميّ Exarch of Afrca ولم يكن شيء يدلّ على عصاميته ونبوغه، أو عبقريته القيادية، إلى أن قتل فوقاس) Phocas (المغتصب، إمبراطور البيزنطية الشرعيّ موريقس) Maurices (سنة
_________________
(١) قد ذكرنا حدود هذه المملكة، وما كانت تحكمه من ولايات، ومقاطعات، في أوربة وآسيا، وإفريقية، في الباب الأول من هذا الكتاب، تحت عنوان «الدولة الرومية الشرقية» .
(٢) مدينة قديمة في إفريقية، أسّسها الفينيقيون في ٨١٤ ق. م، وبمقربة من أطلالها قامت مدينة تونس.
[ ٣٩٨ ]
٦٠٢ م الذي كان صاحب الفضل على كسرى أبرويز، وانتهز الفرس هذه الفرصة للزحف على الدولة البيزنطية فدوّخوها واحتلّوها وأهانوها واحتضرت الدولة البيزنطيّة الشهيرة تلفظ آخر أنفاسها «١»، فدعي هرقل من قرطاجنة فقتل فوقاس، وتسلّم زمام الحكم والقيادة في سنة ٦١٠ م «٢»، والمملكة في صراع الموت والحياة، وفي براثن المجاعة، والأمراض الوبائية، والفقر، والعجز الماليّ.
وبقي هرقل في سنواته الأولى لا يبعث أملا ولا يحرّك ساكنا، ولكن حدث فيه انقلاب في سنة ٦١٦ م (وهي السنة التي نبّأ القرآن فيها بغلبة الروم في بضع سنين) «٣»، فتحوّل من ملك متخاذل راكن إلى الدعة والترف، إلى قائد متحمّس غيور، قد ملكته الفكرة وثارت فيه الحميّة، وتوجّه إلى مركز الإمبراطورية الإيرانية، يستعيد بلاده وكرامة أمّته، ويفتح مدن إيران الشهيرة، ويستولي على مراكزها الكبيرة، حتّى أوغل في قلب إيران، وأهان الإمبراطورية الإيرانية العظيمة القديمة، وأثخنها قتلا وجراحا، حتّى أو شكت الإمبراطورية السّاسانية على النهاية، وتزلزلت قوائم عرش آل ساسان، ورجع القائد المنتصر، فدخل القسطنطينية دخول الفاتح العظيم سنة ٦٢٥ م «٤»، وتوجّه إلى بيت المقدس في سنة ٦٢٩ م، ليعيد إليه الصليب
_________________
(١) اقرأ القصة مفصّلة في كتاب «انحطاط دولة روما وسقوطها» لمؤلّفه «جبون»، وكتاب «إيران في عهد الساسانيين» لمؤلفه «آرتهر كرستن سين» .
(٢) وبعد مضي عام على هذا الحادث كانت البعثة المحمدية في الجزيرة العربية.
(٣) واقرأ مقال «إحدى نبوءات القرآن العظيمة ونبوءة غلبة الروم» في كتاب المؤلف «المدخل إلى الدراسات القرآنية» طبعة دار ابن كثير بدمشق، وطبعة المجمع الإسلامي العلمي ندوة العلماء لكهنؤ (الهند) .
(٤) وفي سنة ٦٢٦ م كانت واقعة بدر الكبرى التي التقى فيها انتصار المسلمين على مشركي مكة بانتصار الروم أهل الكتاب على منافسيهم الفرس عباد النار، وتحققت نبوءة القرآن عن غلبة-
[ ٣٩٩ ]
المقدّس، الذي أخذه الفرس، وليفي بنذره، فكان الناس يبسطون له البسط ليمشي عليها، وينثرون عليه الرياحين «١»، إبداء لسرورهم وإجلالهم، وأقيم احتفال كبير بمناسبة عودة الصليب المقدّس إلى مكانه، وإظهارا للسّرور بالفتح العظيم في القدس، وهنا وصله كتاب النّبيّ ﷺ يدعوه فيه إلى الإسلام «٢» .
وعاد هرقل إلى ما كان عليه من دعة وترف، حتّى واجه الزحف الإسلاميّ الذي أدّى إلى زوال ملكه، وانتهاء الحكم البيزنطيّ من آسيا وإفريقية وانحصاره في أوربة وآسيا الصغرى، وعلى كلّ فإنّه كان من كبار ملوك العالم في عصره، لا ينافسه في اتساع المملكة، والقوة الحربية، وزهوّ المدنية، إلا الإمبراطور الإيرانيّ خسرو الثاني، ومات سنة ٦٤١ م في القسطنطينية، ودفن فيها.
كسرى أبرويز (خسرو أبرويز الثاني) (٩٥٠- ٦٢٨):
كان ابن هرمز الرابع، وحفيد خسرو الأول المعروف ب «أنوشيروان» العادل، يسمّيه العرب «كسرى أبرويز» جرى تتويجه على أثر قتل والده في سنة ٥٩٠ م، وثار عليه بهرام جوبين، وانهزم أبرويز فخرج من المملكة السّاسانية، والتجأ إلى الإمبراطور البيزنطيّ موريقس) Maurice (واستعان به
_________________
(١) - الروم في بضع سنين (والبضع مدة دون العشرة) .
(٢) فتح الباري: ج ١، ص ٣١.
(٣) وقد كان سبب تأخّر الكتاب النبوي إلى هرقل- بخلاف كسرى الذي وصله الكتاب قبل ذلك- أولا: أن الكتاب دفع إلى عظيم «بصرى» ليقدمه إلى قيصر، ولعله لم يتمكن من تسليمه إياه لانشغال قيصر بالحرب، وبعده عن عاصمته، وثانيا: أن المراجع الغربية تذكر أن هرقل قد اضطر إلى التوجه إلى أرمينيا في سنة ٦٢٨ م لقمع ثورة أو غرض آخر، فلم يتمكن من الوفاء بنذره إلا في سنة ٦٢٩ م.
[ ٤٠٠ ]
على استرداد ملكه، فأمدّه موريقس بجيوش جرّارة، وبعد حروب دامية انهزم بهرام، وتربّع خسرو على عرش آبائه.
وفي سنة ٦١٢ م زحف كسرى أبرويز على المملكة البيزنطيّة ليأخذ بثأر وليّ نعمته وأبيه المعنويّ موريقس، من قاتله النذل المغتصب لعرش القياصرة فوقاس) Phocas (ولم يكفه قتل فوقاس عن الاستمرار في الزحف الذي ساءت فيه نيّته، فواصله إلى القسطنطينية ووصل إلى ما لم يصل إليه سلفه من تدويخ المملكة المنافسة القديمة، وبلغ انتصاره ومجده أوجهما في سنة ٦١٥ م حتى نجح هرقل في دحر الإيرانيّين عن بلاده، والهجوم المنتصر على مركز المملكة السّاسانية، حتى اضطرّ كسرى أبرويز إلى أن يغادر عاصمته، والالتجاء إلى مكان حريز «١»، ولكنّه ما لبث أن قتل في ثورة في سنة ٦٢٨ م.
اتفقت كلمة مؤرّخي إيران على أنّ خسرو الثاني كان أعظم ملوك إيران أبهة وعظمة، فقد بلغت الدولة السّاسانية في عهده أوجها في الزينة والمدنية والزهوّ، ومظاهر الترف والبذخ، وقد دخل جزء من الولاية الشمالية الغربية في الهند في حكمه «٢»، وكان يلقّب نفسه ويسمّيه كما يلي:
«في الآلهة إنسان غير فان، وفي البشر إله ليس له ثان، علت كلمته، وارتفع مجده، يطلع مع الشمس بضوئه، وينير الليالي المظلمة بنوره» «٣» .
وقد بلغت في عهده المملكة الساسانية إلى ما لم تبلغ إليه في عهد من عهودها من الأبّهة، والفخفخة، وقد وصفه المؤرخ الطّبريّ في تاريخه بقوله:
_________________
(١) [مكان حريز: أي، حصين آمن] .
(٢) إيران في عهد الساسانيين: ص ٦٠٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٠٤، نقلا عن تهيو في ليكتس.
[ ٤٠١ ]
«كان من أشدّ ملوكهم بطشا، وأنفذهم رأيا، وأبعدهم غورا، وبلغ فيما ذكر من البأس والنّجدة، والنصر والظفر وجمع الأموال والكنوز، ومساعدة القدر ومساعدة الدهر إياه، ما لم يتهيأ لملك أكثر منه، ولذلك سمّي «أبرويز» وتفسيره بالعربية «المظفر» «١» .
وقد تأنّق تأنّقا عظيما في مظاهر الترف والمدنية، وأبدع في أنواع الأطعمة والأشربة «٢»، وبلغ في الألطاف والأدهان والعطور شأوا بعيدا، وقد نشأ في عهده ذوق دقيق للأطعمة اللذيذة، والخمور الراقية، والعطور اللطيفة، وارتقى في عهده الغناء والموسيقا، وأقبل الناس عليها إقبالا عظيما، وكانت عنده نهامة بجمع الأموال، واكتناز الكنوز، وجمع الطرف والنفائس، ولمّا نقل كنزه في سنة ٦٠٧- ٦٠٨ م من البناء القديم إلى البناء الجديد في طيسيفون، كان ما نقله ٤٦٠ مليونا وثمانية ملايين مثقال ذهب، وذلك ما يساوي ٣٧٠ مليون وخمسة ملايين فرنك ذهبيّ، وفي العام الثالث عشر من جلوسه على العرش كان في خزانته ٨٨٠ مليون مثقال ذهب «٣»، وقد حكم ٣٧ سنة، وخلفه ابنه شيرويه.
المقوقس:
هو حاكم الإسكندرية، والنائب العام للدولة البيزنطية في مصر، وقد ذكره المؤرّخون العرب غالبا باسم «المقوقس» واختلفوا في تسميته الحقيقية وكنيته اختلافا كثيرا، أمّا المؤرّخ أبو صالح الذي ألّف تاريخه في القرن السادس الهجريّ (١٢٠٠ م) فسمّاه ب «جريج بن مينا المقوقس» وقد ذكر
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك للطبري: ٢/ ١٣٧، المطبعة الحسينية الطبعة الأولى بمصر.
(٢) راجع تاريخ الأمم والملوك: للطبري، ص ٩٩٥.
(٣) إيران في عهد الساسانيين: ص ٦١١.
[ ٤٠٢ ]
ابن خالدون أنه كان من الأقباط، والمقريزيّ سمّاه «المقوقس الروميّ» فلما هاجم الفرس مصر فرّ حاكم الإسكندرية من قبل البيزنطيين، واسمه) John the Almoner (من الإسكندرية إلى قبرص ومات هناك، فعيّن هرقل مكانه نائبا آخر اسمه «جورج»، ولعلّه هو الذي يسمّيه العرب ب «جريج» وولّاه رئاسة الكنيسة الملكانية، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّ تعيينه كان في سنة ٦٢١ م.
ويرجّح «ألفرد بتلر» مؤلّف كتاب «فتح العرب لمصر» أنّ العرب كانوا يعتقدون أنّ الحاكم الذي كان يحكم مصر من قبل الدولة البيزنطية بعد انتصارها على إيران، كان يلقّب ب «المقوقس» وكان رئيس الكنيسة وحاكم مصر في وقت واحد، فأطلقوا على جورج الذي كان نائبا عن الدولة بهذا اللقب، ويرجّح أن «المقوقس» لقب لا علم، وقد ردّ هذا الاسم إلى أصول قبطية، ويمكن أن أسقفا قبطيا تسلّم زمام الحكم، ورئاسة الكنيسة عند استيلاء الفرس على مصر، وقد انسحبت القوات الإيرانية عن مصر في سنة ٦٢٧ م، ولكن لم توقّع وثيقة الصلح إلّا في سنة ٦٢٨ م، فيمكن أنّ كتاب النّبيّ ﷺ إلى المقوقس وصل إليه في هذه الفترة، حين كان الحاكم المصريّ شبه مستقل «١» ولذلك خاطبه النّبيّ ﷺ ب «عظيم القبط» .
وقد كانت مصر من أغنى ولايات الدولة البيزنطيّة، وأكثرها خصوبة وإنتاجا وسكّانا، وكانت تموّن العاصمة بالمواد الغذائية، وقد وصفها فاتح مصر عمرو بن العاص (م ٦٣ هـ) وقد دخلها بعد أن مضى على كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس ١٤ عاما، في كتابه الذي كتبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب﵁- بقوله: «مصر تربة غبراء وشجرة
_________________
(١) Appendix -C -P. ٨٠٥ -٠٤٥ (١) راجع «فتح العرب لمصر» لألفرد بتلر، وقد ورد اسم هذا الحاكم في بعض الكتب الجزكيروس أو قيرس.
[ ٤٠٣ ]
خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر» «١» .
ويدلّ على عمرانها وكثرة نفوسها أنّ عمرو بن العاص لمّا تمّ له فتح مصر سنة ٢٠ هـ (٦٤٠ م) أحصى من تستحقّ عليه الجزية يومئذ، فبلغوا أكثر من ستة ملايين «٢»، وكان الرومان يبلغون مئة ألف.
وقد جاء في كتاب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب﵁-:
«أمّا بعد، فإنّي فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أنّي أحصيت فيها أربعة آلاف متنة «٣»، بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهوديّ، وأربعمئة ملهى للملوك» «٤» .
النجاشيّ:
إنّ هذه البلاد لم تزل تسمّى من قديم الزمان بالحبشة) Abyssinia (أو أثيوبيا،) Ethiopia (وهي بلاد من إفريقية الشرقية، واقعة في الجنوب الغربيّ من البحر الأحمر ولا يمكن تقدير حدودها في العصر الذي نتحدّث عنه.
وحكومتها من أقدم الحكومات في العالم، وتقول الأخبار اليهوديّة أن ملكة «سبأ» كانت تسكن في الحبشة، وأنّ ذرّية سليمان ما زالت تحكم الحبشة، وقد بدأ اليهود يسكنون في الحبشة بعد خراب هيكل سليمان،
_________________
(١) النجوم الزاهرة: لابن تغري بردي، ج ١، ص ٣٢.
(٢) دائرة معارف القرن العشرين: للأستاذ محمد فريد وجدي، راجع مادة «مصر» والمؤلف يشك في صحة هذا العدد في ضوء تجارب تضخم العمران في البلاد المختلفة، فإن عدد النفوس في مصر في عصرنا لا يزيد على أربعين مليونا.
(٣) هو المكان الصلب المرتفع، كما في القاموس.
(٤) حسن المحاضرة: للسيوطي.
[ ٤٠٤ ]
وبدأت النصرانيّة تنتشر في الحبشة منذ القرن الرابع الميلاديّ، ولمّا بدأ ملك اليمن يضطهد المسيحيّين في بلاده طلب جستينين الأول من ملك الحبشة أن يساعد المسيحيّين في اليمن، فاستولى على اليمن في سنة ٥٢٥ م، ودامت السلطة الحبشية على اليمن العربية نحو خمسين سنة (وفي هذه الفترة هاجم ملك اليمن من قبل الحبشة أبرهة مكّة ليخرّب البيت، ووقعت حادثة الفيل) .
وكانت عاصمة الحبشة) Axum (وكانت حكومة مستقلة لا تخضع لحكومة أجنبية، ولا تؤدّي إليها الخراج، ولا تتصل بالإمبراطورية البيزنطيّة إلا عن طريق الصداقة والمشاركة في ديانة واحدة (المسيحية) يدلّ على ذلك دلالة واضحة أنّ الإمبراطور البيزنطيّ «جستينين» عيّن في منتصف القرن الثالث المسيحيّ رجلا اسمه «جوليان) Julian («سفيرا في بلاط الحبشة «١» .
ويقول) De Lacy OLeary (في كتابه «العرب قبل محمد»:
«كانت الحبشة منذ ٥٢٢ م حتّى ظهور الإسلام مسيطرة على تجارة شرق المحيط الأحمر وإفريقية، بل لعلّها كانت مسيطرة على تجارة الهند أيضا» «٢» .
وكان ملك الحبشة يلقّب دائما ب «النجاشيّ.Nagusa Nagashi «
وقد اضطربت الأقوال والروايات في تعيين هذا النجاشيّ الذي كتب إليه رسول الله ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، وممّا لا شكّ فيه أنّ هنالك شخصيّتين متمايزتين، الأول هو الذي هاجر إليه المسلمون من مكّة، وكان
_________________
(١) A.H.M.Jones Elizabeth Monros:A History of Abyssinia) Oxford، ٥٣٩١ (P.٣٦ ) Arabia Before Mohammad () London،٧٢٩١ (P. ٠٢١ (٢)
[ ٤٠٥ ]
كيف تلقى هؤلاء الملوك هذه الرسائل الكريمة؟
فيهم جعفر بن أبي طالب، وذلك سنة خمس من النبوّة، ويستبعد أنّه ﷺ كتب إليه كتابا يدعوه في ذلك الحين، فإنّ الأوضاع لم تكن تسمح بذلك، ولم يكن قد آن أوانه بعد، ولا نعرف أنّه ﷺ كتب إلى ملك من الملوك قبل الهجرة يدعوه إلى الإسلام، وغاية الأمر أنّه طلب منه أن يؤوي المسلمين الذين قست عليهم قريش وابن خالدون أنه كان من الأقباط، والمقريزيّ سمّاه «المقوقس الروميّ» فلما هاجم الفرس مصر فرّ حاكم الإسكندرية من قبل البيزنطيين، واسمه) John the Almoner (من الإسكندرية إلى قبرص ومات هناك، فعيّن هرقل مكانه نائبا آخر اسمه «جورج»، ولعلّه هو الذي يسمّيه العرب ب «جريج» وولّاه رئاسة الكنيسة الملكانية، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّ تعيينه كان في سنة ٦٢١ م.
ويرجّح «ألفرد بتلر» مؤلّف كتاب «فتح العرب لمصر» أنّ العرب كانوا يعتقدون أنّ الحاكم الذي كان يحكم مصر من قبل الدولة البيزنطية بعد انتصارها على إيران، كان يلقّب ب «المقوقس» وكان رئيس الكنيسة وحاكم مصر في وقت واحد، فأطلقوا على جورج الذي كان نائبا عن الدولة بهذا اللقب، ويرجّح أن «المقوقس» لقب لا علم، وقد ردّ هذا الاسم إلى أصول قبطية، ويمكن أن أسقفا قبطيا تسلّم زمام الحكم، ورئاسة الكنيسة عند استيلاء الفرس على مصر، وقد انسحبت القوات الإيرانية عن مصر في سنة ٦٢٧ م، ولكن لم توقّع وثيقة الصلح إلّا في سنة ٦٢٨ م، فيمكن أنّ كتاب النّبيّ ﷺ إلى المقوقس وصل إليه في هذه الفترة، حين كان الحاكم المصريّ شبه مستقل «١» ولذلك خاطبه النّبيّ ﷺ ب «عظيم القبط» .
وقد كانت مصر من أغنى ولايات الدولة البيزنطيّة، وأكثرها خصوبة وإنتاجا وسكّانا، وكانت تموّن العاصمة بالمواد الغذائية، وقد وصفها فاتح مصر عمرو بن العاص (م ٦٣ هـ) وقد دخلها بعد أن مضى على كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس ١٤ عاما، في كتابه الذي كتبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب﵁- بقوله: «مصر تربة غبراء وشجرة
_________________
(١) Appendix -C -P. ٨٠٥ -٠٤٥ (١) راجع «فتح العرب لمصر» لألفرد بتلر، وقد ورد اسم هذا الحاكم في بعض الكتب الجزكيروس أو قيرس.
[ ٤٠٦ ]
خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر» «١» .
ويدلّ على عمرانها وكثرة نفوسها أنّ عمرو بن العاص لمّا تمّ له فتح مصر سنة ٢٠ هـ (٦٤٠ م) أحصى من تستحقّ عليه الجزية يومئذ، فبلغوا أكثر من ستة ملايين «٢»، وكان الرومان يبلغون مئة ألف.
وقد جاء في كتاب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب﵁-:
«أمّا بعد، فإنّي فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أنّي أحصيت فيها أربعة آلاف متنة «٣»، بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهوديّ، وأربعمئة ملهى للملوك» «٤» .
النجاشيّ:
إنّ هذه البلاد لم تزل تسمّى من قديم الزمان بالحبشة) Abyssinia (أو أثيوبيا،) Ethiopia (وهي بلاد من إفريقية الشرقية، واقعة في الجنوب الغربيّ من البحر الأحمر ولا يمكن تقدير حدودها في العصر الذي نتحدّث عنه.
وحكومتها من أقدم الحكومات في العالم، وتقول الأخبار اليهوديّة أن ملكة «سبأ» كانت تسكن في الحبشة، وأنّ ذرّية سليمان ما زالت تحكم الحبشة، وقد بدأ اليهود يسكنون في الحبشة بعد خراب هيكل سليمان،
_________________
(١) النجوم الزاهرة: لابن تغري بردي، ج ١، ص ٣٢.
(٢) دائرة معارف القرن العشرين: للأستاذ محمد فريد وجدي، راجع مادة «مصر» والمؤلف يشك في صحة هذا العدد في ضوء تجارب تضخم العمران في البلاد المختلفة، فإن عدد النفوس في مصر في عصرنا لا يزيد على أربعين مليونا.
(٣) هو المكان الصلب المرتفع، كما في القاموس.
(٤) حسن المحاضرة: للسيوطي.
[ ٤٠٤ ]
وبدأت النصرانيّة تنتشر في الحبشة منذ القرن الرابع الميلاديّ، ولمّا بدأ ملك اليمن يضطهد المسيحيّين في بلاده طلب جستينين الأول من ملك الحبشة أن يساعد المسيحيّين في اليمن، فاستولى على اليمن في سنة ٥٢٥ م، ودامت السلطة الحبشية على اليمن العربية نحو خمسين سنة (وفي هذه الفترة هاجم ملك اليمن من قبل الحبشة أبرهة مكّة ليخرّب البيت، ووقعت حادثة الفيل) .
وكانت عاصمة الحبشة) Axum (وكانت حكومة مستقلة لا تخضع لحكومة أجنبية، ولا تؤدّي إليها الخراج، ولا تتصل بالإمبراطورية البيزنطيّة إلا عن طريق الصداقة والمشاركة في ديانة واحدة (المسيحية) يدلّ على ذلك دلالة واضحة أنّ الإمبراطور البيزنطيّ «جستينين» عيّن في منتصف القرن الثالث المسيحيّ رجلا اسمه «جوليان) Julian («سفيرا في بلاط الحبشة «١» .
ويقول) De Lacy OLeary (في كتابه «العرب قبل محمد»:
«كانت الحبشة منذ ٥٢٢ م حتّى ظهور الإسلام مسيطرة على تجارة شرق المحيط الأحمر وإفريقية، بل لعلّها كانت مسيطرة على تجارة الهند أيضا» «٢» .
وكان ملك الحبشة يلقّب دائما ب «النجاشيّ.Nagusa Nagashi «
وقد اضطربت الأقوال والروايات في تعيين هذا النجاشيّ الذي كتب إليه رسول الله ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، وممّا لا شكّ فيه أنّ هنالك شخصيّتين متمايزتين، الأول هو الذي هاجر إليه المسلمون من مكّة، وكان
_________________
(١) ٦٣.P (١٩٣٥،drofxO) ainissybA fo yrotsiH A:sornoM htebazilE senoJ.M.H.A ) Arabia Before Mohammad () London،٧٢٩١ (P. ٠٢١ (٢)
[ ٤٠٥ ]
فيهم جعفر بن أبي طالب، وذلك سنة خمس من النبوّة، ويستبعد أنّه ﷺ كتب إليه كتابا يدعوه في ذلك الحين، فإنّ الأوضاع لم تكن تسمح بذلك، ولم يكن قد آن أوانه بعد، ولا نعرف أنّه ﷺ كتب إلى ملك من الملوك قبل الهجرة يدعوه إلى الإسلام، وغاية الأمر أنّه طلب منه أن يؤوي المسلمين الذين قست عليهم قريش
واضطهدوهم.
ويستأنس من الأخبار التي رواها ابن هشام وغيره في كتب السيرة أنّه دخل الإيمان في قلبه، وآمن بأنّ عيسى ابن مريم﵊- هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم.
أمّا النّجاشيّ الذي كتب له النّبيّ ﷺ كتابا يدعوه إلى الإسلام، فهو كما مال إليه الحافظ ابن كثير هو النجاشيّ الذي ولّي بعد المسلم صاحب جعفر بن أبي طالب، يقول ابن كثير: «وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله قبل الفتح»، ونرجّح أنه هو الذي أسلم ونعاه رسول الله ﷺ إلى المسلمين، وصلى عليه، وقد ذكر الأبيّ عن الواقديّ وغيره من أهل السير:
«أنّه النجاشيّ الذي صلّى عليه رسول الله ﷺ وذلك في رجب سنة تسع منصرف تبوك» «١» .
وبذلك يحصل التوفيق بين الروايات المختلفة، وتدلّ عليه القرائن والدراية، والله أعلم.
كيف تلقّى هؤلاء الملوك هذه الرسائل الكريمة؟
فأمّا «هرقل» و«النّجاشي» و«المقوقس» فتأدّبوا، ورقّوا في جوابهم،
_________________
(١) [أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الإسلام، برقم (١٧٧٤)، والترمذي في أبواب الاستئذان، باب مكاتبة المشركين، برقم (٢٧١٦) من حديث أنس ﵁] .
[ ٤٠٦ ]
وأكرم «النجاشيّ» و«المقوقس» رسل رسول الله ﷺ وأرسل «المقوقس» هدايا منها جاريتان كانت إحداهما مارية أمّ إبراهيم بن رسول الله ﷺ.
وأمّا كسرى أبرويز، فلمّا قرىء عليه الكتاب مزّقه، وقال: يكتب إليّ هذا وهو عبدي؟! فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «مزّق الله ملكه» «١» .
وأمر كسرى باذان وهو حاكمه على اليمن بإحضاره، فأرسل بابويه يقول له: إن ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فأخبره رسول الله ﷺ بأنّ الله قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه فقتله «٢» .
وقد تحقّق ما أنبأ به رسول الله ﷺ بكلّ دقّة، فقد استولى على عرشه ابنه «قباذ» الملقب ب «شيرويه» وقتل كسرى ذليلا مهانا بإيعاز منه سنة ٦٢٨ م، وقد تمزّق ملكه بعد وفاته، وأصبح لعبة في أيدي أبناء الأسرة الحاكمة، فلم يعش «شيرويه» إلا ستة أشهر، وتوالى على عرشه في مدّة أربع سنوات عشرة ملوك، واضطرب حبل الدولة إلى أن اجتمع الناس على «يزدجرد» وتوجوه، وهو آخر ملوك بني ساسان، وهو الذي واجه الزحف الإسلاميّ الذي أدى إلى انقراض الدولة الساسانية التي دامت وازدهرت أكثر من أربعة قرون انقراضا كلّيا، وكان ذلك في سنة ٦٣٧ م، وهكذا تحقّقت هذه النبوءة في ظرف ثماني سنين «٣»، ولم تعد بعد ذلك الإمبراطورية الساسانية،
_________________
(١) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي]، باب كتاب النّبي ﷺ إلى كسرى وقيصر. [برقم (٤٤٢٤)، وأحمد في المسند (١/ ٢٤٣- ٣٠٥) من حديث ابن عباس ﵄] .
(٢) تاريخ الطبري: ج ٣، ص ٩٠- ٩١.
(٣) ملخّصا من كتاب «إيران في عهد الساسانيين»، الباب التاسع، «عهد الدولة الساسانية الأخير الزاهر»، ص ٥٩٣، والباب العاشر «سقوط المملكة» .
[ ٤٠٧ ]
فتحققت به نبوءة أخرى لرسول الله ﷺ وهو قوله: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» «١» .
وملّك الله المسلمين إيران، وهدى أهلها للإسلام، فكان منهم أئمة في العلم والدين، وعباقرة الإسلام، وأعلام المسلمين، وصدق عليهم قول رسول الله ﷺ: «لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس» «٢» .
حوار بين «هرقل» وأبي سفيان:
وقد أراد «هرقل» أن يتثبّت في أمر النّبيّ ﷺ وبحث عمّن يستخبره في شأنه، وصادف ذلك وجود أبي سفيان في «غزة» فأحضره إليه- وقد جاء في تجارة- وكانت استفساراته استفسارات عاقل مجرّب خبير بتاريخ الديانات وخصائص الأنبياء وسيرهم وشأن الأمم معهم وسنّة الله في أمرهم، وصدقه أبو سفيان شأن العرب الأولين حياء من أن يأثر الناس عليه كذبا، وجرى بينهما الحوار الآتي:
هرقل: كيف نسبه فيكم؟
أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.
هرقل: فهل قال هذا القول منكم أحد قطّ قبله؟
أبو سفيان: لا.
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم [في كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل..، برقم (٢٩١٨)] عن ابن عيينة، ورواه الإمام الشافعي بسنده أيضا، وراجع ابن كثير، ج ٣، ص ٥١٣.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٩٦)، [وابن حبان برقم (٧٣٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁] .
[ ٤٠٨ ]
هرقل: فهل كان من آبائه من ملك؟
أبو سفيان: لا.
هرقل: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟
أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟
أبو سفيان: بل يزيدون.
هرقل: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟
أبو سفيان: لا.
هرقل: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
أبو سفيان: لا.
هرقل: فهل يغدر؟
أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو فاعل فيها، (قال:
ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة) .
هرقل: فهل قاتلتموه؟
أبو سفيان: نعم.
هرقل: فكيف كان قتالكم إيّاه؟
أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه سجال «١»، ينال منّا وننال منه.
هرقل: ماذا يأمركم؟
_________________
(١) [أي مرّة لنا ومرّة علينا، وأصله أنّ المستقين بالسّجل، يكون لكلّ واحد منهم سجل] .
[ ٤٠٩ ]
أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة، والصّدق، والعفاف، والصّلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنّه فيكم ذو نسب، وكذلك الرّسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، قلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسّى بقول قيل قبله.
وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت: أن لا، فقلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا، فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت: أنّ ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنّهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتّى يتمّ، وسألتك أيرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟
فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصّلاة والصّدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنّه خارج، ولم أكن أظنّ أنّه منكم، فلو أنّي أعلم أنّي أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو
[ ٤١٠ ]
كنت عنده لغسلت عن قدميه «١» .. وأذن لعظماء الروم في القصر وأمر أبوابه فغلّقت، ثمّ اطّلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد أن يثبت ملككم وتبايعوا هذا النبيّ؟ ففرّوا وبادروا إلى الأبواب فوجدوها قد غلّقت، فلمّا رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردّوهم عليّ، وقال: إنّي قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه «٢» .
وهكذا آثر هرقل الملك على الهداية، ووقعت بينه وبين المسلمين في خلافة أبي بكر وعمر حروب ومعارك، وكان فيها ذهاب ملكه وسلطانه «٣» .
من هم الأريسيون؟
وردت كلمة «الأريسيين» أو «اليريسيين» - على اختلاف الروايات- في الكتاب الذي وجّه إلى «هرقل» وحده، ولم ترد في كتاب من الكتب التي أرسلت إلى غيره.
واختلف علماء الحديث واللغة في مدلول هذه الكلمة، فالقول المشهور أنّ «الأريسيين» جمع «أريسي» وهم الخول والخدم والأكّارون «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاري [في كتاب بدء الوحي]، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، [برقم (٧)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب كتب النبي ﷺ إلى هرقل ملك الشام يدعوه إلى الإسلام، برقم (١٧٧٣)، والترمذي في الاستئذان، باب ما جاء في ختم الكتاب، برقم (٢٧١٨)، وأبو داود في كتاب الأدب، باب كيف يكتب إلى الذمي، برقم (٥١٣٦)، وأحمد في المسند (١/ ٢٦٣) من حديث ابن عباس ﵄] .
(٢) [قد سبق تخريجه في التعليق آنفا] .
(٣) [قد سبق تخريجه في التعليق سابقا] .
(٤) راجع شرح النووي لصحيح مسلم، و«مجمع بحار الأنوار» للعلامة محمد طاهر الفتني.
[ ٤١١ ]
وجاء في «لسان العرب» لابن منظور: «الأرس»: الأصل و«الأريس»: الأكار، نقله عن ثعلب.
وذكر عن ابن الأعرابيّ: أنه قال أرس يأرس أرسا إذا صار أريسا، وأرّس يؤرّس تأريسا: إذا صار أكارا.
ونقل عن أبي عبيدة أنّه قال: الأجود عندي أن يقال أنّ «الأريس» كبيرهم الذي يمتثل أمره، ويطيعونه إذا طلب منهم الطاعة «١» .
وهنا يتساءل القارىء الفطن إذا كان المراد من «الأريسيين» الفلّاحين، كان «كسرى أبرويز» إمبراطور إيران أحقّ بأن يحذر من وقوع إثمهم ومسؤوليتهم عليه، وبأن ترد هذه الكلمة في الكتاب الذي كتب إليه، فإنّ طبقة الفلاحين كانت أعظم وأوسع وأكثر تميزا في المملكة السّاسانية الإيرانية منها في المملكة البيزنطيّة الرومانية، وكان أكثر اعتماد إيران في دخلها ومواردها على الفلاحة، وإلى ذلك نبّه الأزهريّ، كما نقل عنه ابن منظور بقوله: «وكان أهل السواد من هو على دين كسرى أهل فلاحة وإثارة للأرض، وكان أهل الروم أهل أثاث وصنعة، فكانوا يقولون للمجوس «أريسيين» نسبوهم إلى «الأريس» وهو الأكار، وكانت العرب تسمّيهم «الفلّاحين» «٢» .
ولذلك نرجّح أنّ المراد بالأريسيين هم أتباع «أريوس» المصريّ) Arius ٠٨٢ -٦٣٣ (وهو مؤسس فرقة مسيحية كان لها دور كبير في تاريخ العقائد المسيحيّة والإصلاح الدينيّ، وقد شغلت الدولة البيزنطية والكنيسة المسيحية زمنا طويلا.
_________________
(١) راجع «لسان العرب» مادة «أرس» .
(٢) المصدر السابق.
[ ٤١٢ ]
و«أريوس» هو الذي نادى بالتوحيد، والتمييز بين الخالق والمخلوق والأب والابن- على حدّ تعبير المسيحيين- فأثار نقاشا حول الموضوع، وكان الشغل الشاغل في المجتمع المسيحيّ لعدّة قرون، وآراؤه تتلخص في أنّه ليس من شأن الإله الواحد أن يظهر على الأرض، لذلك هو ملأ السيد المسيح بالقوة والكلام الإلهيّ، وأنّ من صفات الله الأساسية الوحدانية والأبدية وأنّه لم يخلق أحدا من ذاته رأسا، وأن الابن ليس هو الإله، بل هو مظهر لحكمة أمر الربّ، وأنّ ألوهيته إضافية لا مطلقة «١» .
ويقول جيمس ماكنون) James Mackinon (في كتابه «من المسيح إلى قسطنطين»:
«كان «أريوس» يلحّ على أنّ الله وحده القديم، كان الأزليّ الأبديّ، وليس له شريك، وهو الذي خلق الابن من العدم، لذلك ليس الابن هو الأزليّ، ولم يكن الله أبا من الأبد، فقد كان حين من الدهر لم يكن فيه وجود للابن، وأنّ الابن يحمل حقيقة خاصة لا يشاركه فيها الله وهو خاضع للتطورات، وليس هو الله بالمعنى الصحيح، إلا أنّه يصلح لأن يكون كاملا، ولكنّه على كلّ حال مخلوق كامل» «٢» .
بينما كانت كنيسة إسكندرية في أوائل القرن الرابع المسيحيّ تدين بألوهية المسيح إطلاقا من غير تفريق بين الخالق والمخلوق والأب والابن.
وقد أقصاه رئيس الكنيسة المصريّة البطريق ألكساندر) Alexander (في سنة ٣٢١ م من كنيسة الإسكندرية، وغادر «أريوس» المدينة، ولكن لم ينته النزاع بخروجه، وحاول الإمبراطور قسطنطين حسم هذا الخلاف ولكنّه أخفق.
_________________
(١) راجع للتفصيل «دائرة معارف الديانات والأخلاق» ج ١، مقال. ) From Christ to Constantine () London،٦٣٩١ «٢)
[ ٤١٣ ]
وفي سنة ٣٢٥ م عقد مجمعا في نيقية اجتمع فيه ٢٠٣٠ أسقفا، وكان الإمبراطور يميل إلى ألوهية المسيح فحكم ضدّ «أريوس» رغم أن أغلبية الحاضرين كانت تؤيد «أريوس»، ولم يوافقه إلا ٣١٨ أسقفا، فنفاه إلى إليريا) Illyria (وأحرقت كتاباته، وكان من وجدت عنده يعاقب.
ولكنّ هذه المحاولات لم تقلّل من أهميّة «أريوس» وإقبال الناس عليه، وكان آخر أمره أنّ «قسطنطين» لان في موقفه ورفع الحظر على عقيدته، وبعد موت منافسه الأكبر ألكساندر ونفي خليفته) Athanasius (عاد «أريوس» إلى الإسكندرية، وكاد «قسطنطين» يولّيه رئاسة الكنيسة المصرية، ويدين بعقيدته، ولكن باغتته المنية قبل ذلك «١» .
وقد جاء في كتاب «الصّراع بين الدين والعلم» ل «درابر» أنّ ثلاثة عشر مجمعا مسيحيا حكمت ضدّ «أريوس» في القرن الرابع المسيحيّ، وخمسة عشر مجمعا حكمت في تأييده، وسبعة عشر مجمعا أدلت برأي قريب من رأي «أريوس»، وهكذا عقدت خمسة وأربعون مجمعا للتقرير في هذه القضية.
والحقّ أنّ العالم المسيحيّ لم يكن له عهد بعقيدة التثليث السائدة الآن قبل القرن الرابع، وقد جاء في دائرة المعارف الكاثوليكيّة الجديدة: «أنّه لم يرفع الستار عن تطوّر عقيدة التثليث وسرّها إلا في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلاديّ.. وكلّ من يتحدّث عن عقيدة التثليث المطلقة، إنّما ينتقل من فجر التاريخ المسيحيّ إلى ربع القرن الرابع الأخير، فإنّ القول بأنّ الإله الواحد له ثلاثة مظاهر لم يتغلغل في أحشاء العالم المسيحيّ في حياته وفكره إلّا في هذه الفترة الزمنيّة» «٢» .
_________________
(١) دائرة معارف الديانات والأخلاق: مقال.) Arianism ( The new catholic Encyclopedia (٢) مقال «التثليث المقدس»، ج ١٤، ص ٢٩٥.
[ ٤١٤ ]
ودامت عقيدة «أريوس» ودعوته تصارعان الدعوة المكشوفة إلى تأليه المسيح وتسويته بالإله الواحد الصّمد وكانت الحرب سجالا، وقد دان بهذه العقيدة عدد كبير من النصارى في الولايات الشرقيّة من المملكة البيزنطيّة إلى أن عقد تيوسودس الكبير) Theosodus The Great (مجمعا مسيحيا في القسطنطينيّة، قضى بألوهية المسيح وابنيّته، وقضى هذا الإعلان على العقيدة التي دعا إليها «أريوس» واختفت. ولكنّها عاشت بعد ذلك، ودانت بها طائفة من النصارى، اشتهرت ب «الفرقة الأريسية» أو «الأريسيين» .
إذا من المرجّح المعقول أنّ النّبي ﷺ إنّما عنى هذه الفرقة بقوله: «فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين» فإنّها هي القائمة بالتوحيد النسبيّ في العالم المسيحيّ الذي تتزعمه الدولة البيزنطيّة العظمى، التي كان على رأسها القيصر «هرقل» «١» .
ومن الغريب أنّ بعض كبار علماء الإسلام في العصر الأول قد ذهبوا إلى هذا، فجاء في «مشكل الآثار» للإمام أبي جعفر الطّحاويّ مؤلّف «شرح معاني الآثار» المشهور (ت ٣٢١ هـ) ما نصّه:
«وقد ذكر بعض أهل المعرفة بهذه المعاني أنّ في رهط هرقل فرقة تعرف بالأريسية توحّد الله، وتعترف بعبودية المسيح له ﷿، ولا تقول شيئا ممّا يقول النصارى في ربوبيته وتؤمن بنبوّته، فإنّها تمسك بدين المسيح مؤمنة بما في إنجيله جاحدة لما يقوله النصارى سوى ذلك، وإذا كان ذلك كذلك،
_________________
(١) اطلعت بعد صدور الطبعة الثالثة للكتاب على بحث قيم لصديقنا الفاضل الدكتور محمد معروف الدّواليبي في الأريسيين يؤيد ما قلناه أن النّبي ﷺ إنما عنى بقوله: «فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين» أتباع أريوس) Arius (الفرقة المسيحية الوحيدة القائلة ببشرية المسيح النافية لألوهيته، وقد جاء هذا البحث القيم في رسالته «نظرات إسلامية» بعنوان: «أريسيون من جديد» ص ٦٨- ٨٣.
[ ٤١٥ ]
جاز أن يقال لهذه الفرقة «الأريسيون» في الرفع و«الأريسيين» في النصب والجرّ، كما ذهب إليه أصحاب الحديث «١» .
وقريبا من ذلك قال الإمام محيي الدين يحيى النّوويّ شارح «صحيح مسلم» (ت ٦٧٦ هـ) فقال: «الثاني أنّهم اليهود والنصارى وهم أتباع عبد الله «٢» بن أريس، (الذي تنسب إليه الأروسية) من النصارى، وله مقالة في كتب المقالات، ويقال لهم «الأروسيون» «٣» .
رسائل إلى أمراء العرب:
ومن أمراء العرب كتب إلى المنذر بن ساوى صاحب البحرين «٤»، وإلى جيفر بن الجلندى «٥» وعبد بن الجلندى الأزديين صاحبي عمان، وإلى
_________________
(١) مشكل الآثار: ج ٣، ص ٣٩٩.
(٢) هذا تسامح من النووي، فإنه كان قبل ظهور الإسلام بثلاثة قرون، ولم يكن اسمه اسما إسلاميا عربيا.
(٣) شرح صحيح مسلم: للنووي، ج ٢، ص ٩٨.
(٤) «البحرين» هي التي تسمّى الآن الأحساء، وكان جل سكّانها من بني عبد القيس، وبكر بن وائل، وتميم، أما الوالي عليها في أيام كتابة هذه الرسائل فكان المنذر بن ساوى، وهو من بني تميم. وليرجع في الاطلاع على نصوص الكتب التي وجّهت إلى الملوك وأمراء العرب ورؤساء القبائل ومعرفة من أرسلت معهم هذه الكتب وأخبار من أرسلت إليهم، وتراجم من حملها، كتاب «إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين» ﷺ تأليف الإمام محمد بن طولون الدمشقي (٨٨٠- ٩٥٣ هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت [وطبع كذلك بتحقيق الأستاذ محمود الأرناؤوط في دار ابن كثير بدمشق] .
(٥) جيفر بن جلندى وعبد بن جلندى، كانا حاكمين على عمان في هذا الوقت، وكان جيفر هو الملك منهما، وكان أسن من أخيه، (راجع نهاية الأرب ١٨- ٦٧ وما بعد) . وكلمة الجلندى على ما يظهر من روايات الإخباريين ليست أسماء لشخص، وإنما هي لقب، وقد تعني «قليلا» أو «كاهنا» في لهجات أهل عمان (ج ٤، ص ٢٠١) «تاريخ العرب قبل الإسلام» .
[ ٤١٦ ]
كتاب النبي ﷺ إلى هرقل كتاب النبي ﷺ إلى المنذر بن ساوى
[ ٤١٧ ]
هوذة بن عليّ «١» صاحب اليمامة «٢»، وإلى حارث بن شمر الغسّانيّ.
وأسلم المنذر بن ساوى وجيفر وعبد ابنا الجلندى، وأمّا هوذة بن عليّ صاحب اليمامة فطلب من رسول الله ﷺ أن يجعل له بعض الأمر فأبى، ومات هوذة على أثر ذلك «٣» .
غزوة بني لحيان وغزوة ذي قرد:
وكان بين صلح الحديبية (سنة ست من الهجرة) وبين غزوة خيبر غزوة بني لحيان، وغزوة ذي قرد «٤»، خرج فيهما رسول الله ﷺ واستعمل ابن أمّ مكتوم على المدينة.
وكان سبب الأولى طلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عديّ وأصحابه.
وسبب الثانية إغارة المشركين على لقاح لرسول الله ﷺ بالغابة، وقتل رجل من بني غفار، واحتمال امرأته مع اللّقاح «٥» «٦» .
_________________
(١) (هوذة بن علي الحنفي) كان ملكا على اليمامة، وكان على دين النصرانية، وإليه أرسل رسول الله ﷺ سليط بن عمرو، وحدود اليمامة يومئذ من الشرق إلى البحرين، ومن الغرب تنتهي إلى الحجاز، ومن مواضع اليمامة (منفوحة) كان يسكنها الأعشى، ومن أبرز قبائل اليمامة في أيام الرسول بنو حنيفة، ومنهم كان مسيلمة بن حبيب المعروف بالكذّاب لا دعائه النبوة.
(٢) تاريخ الطبري: ج ٣، ص ٨٤- ٨٥.
(٣) زاد المعاد: ج ٢، ص ٥٨.
(٤) على ما جاء في صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع [في كتاب الجهاد، باب غزوة ذي قرد وغيرها، برقم (١٨٠٧)، وأحمد في المسند (٤/ ٥٢- ٥٤)]، وقد رجّحه ابن حجر في فتح الباري، أما أصحاب السير فهم متفقون على أنّ غزوة ذي قرد كانت قبل صلح الحديبية.
(٥) [اللقاح: وقد تكرّر ذكر في الأحاديث مفردا ومجموعا: وهي الإبل الحوامل ذوات الألبان] .
(٦) راجع «سيرة ابن هشام» ج ٢، ص ٢٧٩- ٢٨٩.
[ ٤١٨ ]
غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة
جائزة من الله:
إنّ الله ﷾ بشّر أصحاب بيعة الرّضوان- في الحديبية- الذين أطاعوا الله ورسوله، وآثروا حكم الله وأمره على ما تهواه أنفسهم، وترشد إليه عقولهم، بالفتح القريب والمغانم الكثيرة، فقال:
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [الفتح: ١٨- ١٩] .
وكانت مقدّمة هذه الفتوح والمغانم، غزوة خيبر، وكانت «خيبر» مستعمرة يهودية تتضمن قلاعا حصينة «١»، وقاعدة حربية لليهود، وكانت آخر معقل من معاقلهم في جزيرة العرب، وكانوا يتربّصون بالمسلمين الدوائر، ولا ينسون ما حلّ بإخوانهم، ولا يأمنون أن يحلّ بهم، وكانوا يتامرون مع
_________________
(١) وكان من أشهر هذه الحصون، ناعم، قموص، حصن الشق، حصن نطاة، حصن السلالم، حصن الوطيح، حصن الكتيبة، ويذكر اليعقوبي أنه كان في خيبر عشرون ألف مقاتل نقلا عن كتاب «الصحابة والتابعون من أهل الكتاب» (ج ٢، ص ٥٦ للأستاذ مجيب الله الندوي، طبع دار المصنفين- الهند) .
[ ٤١٩ ]
خريطة غزوة خيبر محرم ٧ هجرية
[ ٤٢٠ ]
غطفان لغزو المدينة «١»، فأراد رسول الله ﷺ أن يستريح منهم ويأمن من جهتهم، وكانت في الشمال الشرقيّ للمدينة على بعد سبعين ميلا منه.
جيش مؤمن تحت قيادة نبيّ:
فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجّة وبعض المحرم، ثمّ خرج في بقيّة المحرم سنة سبع إلى «خيبر» .
وكان عامر بن الأكوع يرتجز في مسيره إليها، فيقول: [من الرجز]:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
إنّا إذا قوم بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا «٢»
وأقبل رسول الله ﷺ بجيشه وكانوا ألفا وأربعمئة، وكان معهم مئتا فرس، ولم يأذن لمن تخلّف عن الحديبية، وخرجت عشرون امرأة من نساء الصحابة، لمداواة المرضى وخدمة الجرحى، والإسعاف بالماء والطعام أثناء القتال.
وأقبل الجيش حتّى نزل ب «الرّجيع» «٣» بين اليهود وغطفان، ليحول
_________________
(١) يقول الأستاذ الإنجليزي الشهير LW.Montgomery Watt في كتابه» Mohammad Prophet and Statesman (محمد النبي والسياسي): «كان يهود خيبر وخاصة رؤساء قبيلة بني النضير التي أجلاها الرسول من المدينة يضمرون الحقد لمحمد، وهم الذين نجحوا في حمل قبائل العرب المجاورة على حمل السلاح على المسلمين والزحف عليهم، بما بذلوه من أموال، وكان ذلك هو السبب الرئيسي في توجّه محمد إلى خيبر بجيوشه» .
(٢) سيرة ابن كثير: ج ١، ص ٣٤٤- ٣٤٥ [وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (٣٩٥٩)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب غزوة خيبر، برقم (١٨٠٢) من حديث سلمة بن الأكوع باختلاف يسير في ألفاظه وأبياته] .
(٣) [الرّجيع: هو ماء لهذيل] .
[ ٤٢١ ]
بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، فقد كانوا لهم مظاهرين، فامتنعوا عن ذلك، وأقاموا في أموالهم وأهليهم، وخلّوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر «١» .
ودعا رسول الله ﷺ بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسّويق، فأمر به، فثرّي «٢»، فأكل المسلمون «٣»، ودعا رسول الله ﷺ لما أشرف على خيبر، وسأل الخير، واستعاذ من شرّها وشرّ أهلها، وكان إذا غزا قوما لم يغزهم حتّى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، فبات رسول الله ﷺ حتّى إذا أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركب القوم، واستقبلوا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم «٤» وبمكاتلهم «٥»، فلمّا رأوا رسول الله ﷺ والجيش، قالوا:
محمد والخميس «٦» معه، فأدبروا هربا، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» «٧» .
_________________
(١) وكانت غطفان مجموعا قبليا متخما مسرفا في البداوة، ينزل شرقي جبل السراة، جنوبي خيبر، وتمتد منازله حتى هضبة نجد، وكان هؤلاء يهددون هذه الطرق ويجبون من قوافلها أتاوات كبيرة، وكانت غطفان من القبائل التي سارت لغزو المدينة في غزوة الخندق. «بحث الدكتور حسين مؤنس محاولة وضع أطلس للسيرة النبوية الشريفة والعصر النبوي» .
(٢) ثرّي: بلّ.
(٣) [أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من مضمض من السّويق..، برقم (٢٠٩)، وعبد الرزاق في المصنّف، برقم (٦٩١) من حديث سويد بن النعمان ﵁] .
(٤) المساحي: جمع مسحاة، وهي المجرفة من الحديد.
(٥) مكاتل: جمع مكتل، وهي قفة كبيرة.
(٦) الخميس: الجيش.
(٧) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٢٩- ٣٣٠ [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (٤١٩٧)، ومسلم في كتاب الحج، باب فضل المدينة، ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة..، برقم (١٣٦٥)، والترمذي في أبواب السير، باب في البيات والغارات، برقم (١٥٥٠)، وأحمد في المسند (٣/ ١٠٢) من حديث أنس ﵁] .
[ ٤٢٢ ]
قائد منصور:
ونازل رسول الله ﷺ حصون خيبر، وبدأ يفتتحها حصنا حصنا، وكان أول حصن افتتح حصن ناعم، ومنها- حصن القموص- وقد استعصى حصن القموص على المسلمين، وكان عليّ بن أبي طالب رمدا، فقال رسول الله ﷺ: ليأخذنّ الرّاية غدا رجل يحبّه الله ورسوله، يفتح عليه، وتطاول له كبار الصحابة﵃- وكلّ منهم يرجو أن يكون صاحب ذلك، ودعا عليّا، وهو يشتكي عينيه، فأتى فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرىء، حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية «١»، فقال عليّ﵁-: أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا.
قال رسول الله ﷺ: «انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم» «٢» «٣» .
بين أسد الإسلام وبطل اليهود:
وأتى عليّ﵁- حصن القموص، فخرج «مرحب» وهو
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (٤١٩٧)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁، برقم (٢٤٠٦)، وأحمد في المسند (٥/ ٣٣٣) من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁] .
(٢) [حمر النّعم: الإبل البيض أو الحمراء التي تعني الغنى والعزة والجاه] .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (٤١٩٧)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁، برقم (٢٤٠٦)، وأبو داود في كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، برقم (٣٦٦١)، وابن حبان في الصحيح (١٥/ ٣٧٨) برقم (٦٩٣٢) وغيرهم من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁] .
[ ٤٢٣ ]
الفارس المشهور، يرتجز فاختلفا ضربتين، فبدره عليّ بضربة، ففلق مغفره ورأسه، ووقع في الأضراس، وكان الفتح «١» .
وكانت لمحمد بن مسلمة مواقف بطولية في هذه المعركة، وأبلى فيها بلاء حسنا، وقتل بعض كبار الفرسان والأبطال من اليهود.
عمل قليلا وأجر كثيرا:
وجاء عبد أسود حبشيّ من أهل خيبر، كان في غنم لسيّده، فلمّا رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح، سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنّه نبيّ، فوقع في نفسه ذكر النبيّ، فأقبل بغنمه إلى رسول الله ﷺ فقال: ماذا تقول؟ وما تدعو إليه؟ قال: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، وألا تعبد إلا الله، قال العبد: فما لي إن شهدت وآمنت بالله ﷿، قال: «لك الجنّة إن متّ على ذلك» .
فأسلم ثمّ قال: يا نبيّ الله! إنّ هذه الغنم عندي أمانة، فقال رسول الله ﷺ: أخرجها من عندك وارمها ب «الحصباء» «٢» فإنّ الله سيؤدّي عنك أمانتك، ففعل، فرجعت الغنم إلى سيّدها، فعلم اليهوديّ أنّ غلامه قد أسلم، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فوعظهم، وحضّهم على الجهاد، فلمّا التقى المسلمون واليهود قتل- فيمن قتل- العبد الأسود، واحتمله
_________________
(١) اختلفت الروايات في تعيين هذا الحصن الذي فتحه علي، والذي يرجح أنه كان حصن القموص؛ لأن هذا الحصن كان مركز مرحب الفارس اليهودي المشهور، وقد جاء في سيرة ابن هشام أن الذي قتل «مرحب» هو محمد بن مسلمة (ق ٢، ص ٣٣٣- ٣٣٤) والمشهور أن الذي قتله هو علي بن أبي طالب (الطبري ص ١٥٧٩) وقد جاء ذلك مصرحا في رواية مسلم، وجاءت فيه الأبيات التي ارتجز بها علي، والذي يرويه مسلم بسنده أولى بالاعتماد والترجيح (راجع صحيح مسلم [رقم (١٨٠٧)] كتاب الجهاد والسير) .
(٢) [الحصباء: هو الحصى الصغيرة] .
[ ٤٢٤ ]
المسلمون إلى معسكرهم، فأدخل في الفسطاط «١» فزعموا أنّ رسول الله ﷺ اطّلع في الفسطاط، ثمّ أقبل على أصحابه، وقال: «لقد أكرم الله هذا العبد، وساقه إلى خير، ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين، ولم يصلّ لله سجدة قطّ» «٢» .
ما على هذا اتبعتك:
وجاء رجل من الأعراب إلى النّبيّ ﷺ فامن به واتبعه، فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، فلمّا كانت غزوة خيبر، غنم رسول الله ﷺ شيئا فقسّمه له، وكان يرعى ظهرهم، فلمّا جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟
قالوا: قسمه لك رسول الله ﷺ فأخذه، فجاء به إلى النّبيّ ﷺ فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «قسم قسمته لك» قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا- وأشار إلى حلقه- بسهم، فأموت فأدخل الجنّة، فقال: «إن تصدق الله يصدقك» .
ثمّ نهضوا إلى قتال العدوّ، فأتي به إلى رسول الله ﷺ وهو مقتول، فقال: «أهو هو؟» قالوا: نعم، قال: «صدق الله فصدقه» فكفّنه النّبيّ ﷺ في جبّته ثم قدّمه، فصلّى عليه، وكان من دعائه له: «اللهمّ هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك، قتل شهيدا وأنا عليه شهيد «٣»» .
_________________
(١) [الفسطاط: هو ضرب من الأبنية في السّفر دون السّرادق] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٩٣.
(٣) المصدر السابق: ج ١، ص ٣٩٤ [وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٦٨٨) برقم (٦٥٢٧) من حديث شدّاد بن الهاد بسند صحيح، والنّسائي في السنن الكبرى (١/ ٦٣٤) برقم (٢٠٨٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٥) برقم (٦٦٠٨) .
[ ٤٢٥ ]
شرط البقاء في خيبر:
وافتتحت الحصون، حصن بعد حصن، بعد قتال وحصار، دام أياما، حتّى سألوا رسول الله ﷺ الصلح، وأراد رسول الله ﷺ أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمّد! دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أنّ لهم الشطر من كلّ زرع وثمر، ما بدا لرسول الله ﷺ أن يقرّهم «١» وكان رسول الله ﷺ يبعث إليهم عبد الله بن رواحة، فيخرص عليهم، ويجعل ذلك نصفين، فيخيّرهم أن يأخذوا أيهما شاؤوا، فيقولون: بهذا قامت السموات والأرض «٢» .
روح التسامح الديني:
وكان من بين المغانم التي غنمها المسلمون في غزوة خيبر صحائف متعدّدة من التوراة، فلمّا جاء اليهود يطلبونها أمر النّبيّ ﷺ بتسليمها لهم «٣»، ويقول الدكتور إسرائيل ولفنسون معلّقا على هذه القصّة:
«ويدلّ هذا على ما كان لهذه الصحائف في نفس الرسول من المكانة العالية مما جعل اليهود يشيرون إلى النبيّ بالبنان، ويحفظون له هذه اليد حيث لم يتعرّض بسوء لصحفهم المقدّسة، ويذكرون بإزاء ذلك ما فعله الرّومان حين تغلّبوا على أورشليم وفتحوها سنة ٧٠ ب. م إذ حرقوا الكتب المقدّسة
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ٣٩٤- ٣٩٥ وراجع للتفصيل سنن أبي داود، باب المساقاة.
(٢) فتوح البلدان: للبلاذري، ص ٣٤ [انظر الأحاديث المفصلة في هذا الباب فيما أخرجه أبو داود في كتاب الخراج، باب ما جاء في حكم أرض خيبر، برقم (٣٠٠٦)، وابن حبان في الصحيح برقم (١٦٩٧) وغيرها من حديث ابن عمر ﵄] .
(٣) تاريخ الخميس: ج ٢، ص ٦٠.
[ ٤٢٦ ]
وداسوها بأرجلهم، وما فعله المتعصّبون من النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حيث أحرقوا أيضا صحف التوراة، وهذا هو البون الشاسع بين الفاتحين ممّن ذكرناهم وبين رسول الإسلام» «١» .
قدوم جعفر بن أبي طالب:
وفي هذه الغزوة قدم على رسول الله ﷺ ابن عمّه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ففرح به رسول الله ﷺ فرحا عظيما، وتلقّاه بالبشر، وقبّل جبهته، وقال: «والله ما أدري بأيّهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» «٢» .
محاولة أثيمة لليهود:
وفي هذه الغزوة سمّ رسول الله ﷺ، أهدت له زينب بنت الحارث اليهودية، امرأة سلّام بن مشكم، شاة مشوية قد سمّتها، وسألت: أيّ اللّحم أحبّ إليه؟ فقالوا: الذراع، فأكثرت السمّ في الذراع، فلمّا انتهش من ذراعها، أخبره الذراع بأنّه مسموم، فلفظ الأكلة.
وجمع اليهود، ثمّ قال: «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه»؟
قالوا: نعم.
قال: «أجعلتم في هذه الشاة سمّا»؟
قالوا: نعم.
قال: «فما حملكم على ذلك»؟
_________________
(١) تاريخ اليهود في بلاد العرب: ص ١٧٠.
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٩٧ [وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢١١) عن الشعبي مرسلا، وعن جابر موصولا] .
[ ٤٢٧ ]
قالوا: أردنا إن كنت كاذبا نسترح منك، وإن كنت نبيا لم يضرّك.
وجيء بالمرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: أردت قتلك.
فقال: «ما كان الله ليسلّطك عليّ» .
قالوا: ألا نقتلها؟
قال: «لا» ولم يتعرّض لها، ولم يعاقبها.
ولم يقتلها ﷺ أولا، فلمّا مات بشر بن البراء بن معرور قتلها «١» .
أثر غزوة خيبر:
وكان لغزوة خيبر وانتصار المسلمين فيها انتصارا رائعا وقع كبير في قلوب القبائل العربية التي لم تسلم بعد، فقد كانت تعرف قوة اليهود الحربية في خيبر، وما كانوا يتمتّعون به من غنى ورفاهية، وثروة زراعية غذائية، ووفور السلاح والكراع، وقوّة الحصون والآطام، واستعصائها على الزاحفين المهاجمين، ووجود القادة المحنّكين، والأبطال المدرّبين كمرحب، والحارث أبي زينب، وكان له أثر في مجرى الحوادث.
يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون معلّقا على غزوة خيبر وأثرها في تاريخ الإسلام:
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٣٩٨، وأخرجه البخاري مختصرا عن أبي هريرة، [في كتاب الطب] في باب «الشاة التي سمت النبي بخيبر» [برقم (٥٧٧٧)، وأبو داود في كتاب الديانات، باب فيمن سقى رجلا سمّا أو أطعمه فمات..، برقم (٤٥٠٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٥١) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه البخاري أيضا في كتاب الهبة..، باب قبول الهدية من المشركين برقم (٢٦١٧)، ومسلم في كتاب السلام، باب السم، برقم (٢١٩٠) من حديث أنس ﵁] .
[ ٤٢٨ ]
«وممّا لا شكّ فيه أنّ غزوة خيبر كانت ذات شأن عظيم في تاريخ الفتوح الإسلاميّة، إذ كانت قبائل الحجاز تراقب نتيجتها باهتمام وتنظم شؤونها على حسب ما كان يتراءى لها من نتيجة صليل السّيوف بين الأنصار واليهود، وقد كان أعداء الرسول الكثيرون في بادية العرب وحاضرتها يعلّقون آمالا كبيرة على تلك الغزوة» «١» .
والأمر في غزوة خيبر (كما لاحظه الدكتور حسين مؤنس) لم يكن يقتصر على القضاء على مركز المقاومة اليهوديّ، بل يتخطّى ذلك إلى ما لا يقلّ أهمية عن ذلك، وهو القضاء على مقاومة أكبر القبائل العربية الضاربة فيما بين الحجاز ونجد في الشمال وسط الجزيرة وهي غطفان، ولم يكن من ذلك مفرّ قبل أن يتّجه النّبيّ ﷺ بقواته كلّها نحو مكّة للفراغ من أمرها «٢» .
فتوح ومغانم:
وبعد ما انتهى رسول الله ﷺ من أمر خيبر، انصرف إلى فدك «٣»، وبعثوا إلى رسول الله ﷺ يصالحونه على النصف من فدك، فقبل ذلك منهم، وكان رسول الله ﷺ يقسّمه حيث يرى من مصالحه ومصالح المسلمين «٤» .
ثمّ جاء إلى وادي القرى «٥»، وهي مجموعة قرى بين «خيبر»
_________________
(١) تاريخ اليهود في بلاد العرب: ص ١٦٢.
(٢) من بحث الدكتور حسين مؤنس قدمه إلى مؤتمر السيرة والسنة النبوية المنعقد في الدوحة في شهر محرم عام ١٤٠٠ هـ.
(٣) كانت فدك حكومة مستقلة كسائر الواحات والقرى في أعالي الحجاز، أهلها من اليهود وبها قوم من بني مرة، وقوم من بني سعد بن بكر. (نهاية الأرب، ١٧/ ٣٠٩) .
(٤) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٦٨.
(٥) وادي القرى: واد كثرت قراه، لذلك قيل له وادي القرى، وأهله عرب ويهود، وهو من المواضع المعروفة بالخصب في جزيرة العرب، وبه عيون وآبار.
[ ٤٢٩ ]
و«تيماء» «١» وقد استعمرها اليهود قبل الإسلام، وأصبحت لهم مركزا، وانضاف إليهم جماعة من العرب، ودعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، وأخبرهم أنّهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله «٢» .
وكانت في هذه الغزوة مبارزات، كان الزبير بن العوام﵁- بطلها، وكان الانتصار فيها للمسلمين، وأعطى اليهود من غد ما بأيديهم، وغنم المسلمون أموالا، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا، وقسّم رسول الله ﷺ ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل بيد اليهود، وعاملهم عليها.
ولمّا بلغ يهود تيماء ما واطأ عليه رسول الله ﷺ أهل خيبر، وفدك، ووادي القرى، صالحوا رسول الله ﷺ وأقاموا بأموالهم، وانصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة «٣» .
تعفّف المهاجرين:
ولمّا وصل المسلمون إلى المدينة، ردّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل، حين صار لهم بخيبر مال ونخيل، وكانت أمّ سليم- وهي أمّ أنس بن مالك- أعطت رسول الله ﷺ عذاقا فأعطاهن مولاته أم أيمن، فردّ رسول الله ﷺ على أمّ سليم عذاقها «٤»،
_________________
(١) معجم البلدان: ج ٧.
(٢) [أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، في كتاب الأيمان والنذور، باب هل يدخل في الأيمان والنذور والأرض والغنم..، برقم (٦٧٠٧)] .
(٣) ملخصا من «زاد المعاد»: ج ١، ص ٤٠٥.
(٤) [عذاقها: أي نخلاتها، وواحدتها: عذق] .
[ ٤٣٠ ]
خريطة عمرة القضاء ٧ هجرية
[ ٤٣١ ]
وأعطى أمّ أيمن مكانهنّ من حائطه مكان كلّ عذق عشرة «١» .
وبعث رسول الله ﷺ بعد خيبر سرايا كثيرة، وأمّر عليها كبار الصحابة، وكان في بعضها قتال، ولم يكن في بعضها قتال «٢» .
عمرة القضاء:
ولمّا كان العام المقبل، وذلك في سنة سبع، قدم رسول الله ﷺ والمسلمون، وخلّت قريش بينه وبين مكّة، وأقفلوا بيوتهم، وطلعوا على جبل قعيقعان «٣»، فأقام بها ثلاثا، واعتمر، وهو قوله تعالى:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ٢٧] .
التنافس في حضانة البنت وتكافؤ المسلمين في الحقوق:
وقد تغيّرت النفوس والعقول بتأثير الإسلام تغيرا عظيما، فعادت البنت التي كان يتعيّر بها أشراف العرب، وجرت عادة وأدها في بعض القبائل،
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٠٦، وروى مسلم القصة مفصلة في كتاب الجهاد والسير في باب «رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح» [برقم (١٧٧١) من حديث أنس ﵁] وذكر فيها فتح قريظة والنضير.
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٠٩- ٤١٠.
(٣) راجع صحيح البخاري [كتاب المغازي] باب عمرة القضاء، [رقم (٤٢٥٦)، وأبو داود، كتاب المناسك، باب في الرمل، رقم (١٨٨٥)، وابن حبان في الصحيح (٩/ ١٩٩) رقم (٣٨١١) وغيرهم عن ابن عباس ﵄. وقعيقعان: هو جبل بمكة. قيل: سمّي به، لأنّ جرهما لمّا تحاربوا كثرت قعقعة السّلاح هناك (النهاية: ٤/ ٨٨)] .
[ ٤٣٢ ]
فرارا من العار، وزهدا في البنات- حبيبة يتنافس في كفالتها وتربيتها المسلمون.
وكانوا سواسية، لا يرجح بعضهم على بعض إلا بفضل أو حقّ، ولمّا أراد النّبيّ ﷺ الخروج من مكّة، تبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ! يا عمّ! فتناولها عليّ، فأخذ بيدها وقال لفاطمة﵍-: دونك ابنة عمّك، فحملتها، فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر، فقال عليّ: أنا أخذتها، وهي بنت عميّ، وقال جعفر: ابنة عمّي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى فيها النّبيّ ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأمّ» وقال لعليّ:
«أنت منّي وأنا منك» وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي» وقال لزيد:
«أنت أخونا ومولانا» «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاري، في كتاب المغازي، باب عمرة القضاء [برقم (٢٦٩٩) من حديث البراء بن عازب ﵁، وأبو داود في كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد، برقم (٢٢٨٠) من حديث علي ﵁] .
[ ٤٣٣ ]
خريطة غزوة مؤتة جمادى الأولى ٨ هجرية
[ ٤٣٤ ]
غزوة مؤتة «١» جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة
قاتل سفير المسلمين وعقوبته:
بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزديّ بكتابه إلى شرحبيل بن عمرو الغسّانيّ، حاكم «بصرى» التابع لقيصر ملك الروم، فأوثقه رباطا، ثمّ قدّمه فضرب عنقه «٢»، ولم تجر العادة بقتل الرسل والسّفراء، عند الملوك والأمراء، مهما اشتدّ الخلاف، وكرهت الرسالة التي يحملونها، وكان حادثا لا يجوز التغاضي عنه، ففيه خطر عظيم على الرّسل والسّفراء، وإهانة شديدة للمرسل والرسالة، فكان لا بدّ من تأديب هذا المعتدي والغضب لهذا المعتدى عليه، حتّى لا تهون حياة السفراء، ولا تتكرّر هذه المأساة.
أول جيش في أرض الروم:
فلمّا بلغ رسول الله ﷺ الخبر، أراد أن يبعث بعثا إلى «بصرى» وذلك
_________________
(١) قرية تقع الآن على بعد ١٢ كيلو مترا جنوب الكرك في الأردن، والمسافة بين المدينة ومؤتة ١١٠٠ كيلو مترا تقريبا، وقد قطعها المسلمون على ظهور الإبل والخيل، وانقطع عنهم المدد والميرة والخبر بعد ما خرجوا من بلدهم، وهم يدخلون في لهوات العدو وفي فكيه، يفعل بهم ما يشاء. (مقتبس من كتاب المؤلّف «من نهر كابل إلى نهر اليرموك») [انظر «رحلات العلّامة أبي الحسن الندوي، ص (٣٦٤) طبع دار ابن كثير بدمشق] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤١٤.
[ ٤٣٥ ]
في جمادى الأولى من السّنة الثامنة للهجرة، فتجهز الناس، وهم ثلاثة آلاف، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وهو مولى رسول الله ﷺ، وفي الجيش كبار المهاجرين والأنصار، وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة»، فلمّا حضر خروجهم، ودّع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلّموا عليهم «١»، وكان أمامهم سفر طويل شاقّ، وعدوّ ذو شوكة، يتمتّع بحماية أعظم مملكة في ذلك العصر.
ومضى الجيش، حتّى نزل ب «معان» وبلغ المسلمين أنّ هرقل ب «البلقاء» في مئة ألف من الروم، وانضمّ إليهم جمع كثير من قبائل العرب: لخم، وجذام، وبلقين، وبهراء، وبلي، فأقاموا على «معان» ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدوّنا، فإمّا أن يمدّنا بالرّجال، وإمّا أن يأمر بأمره فنمضي له «٢» .
ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة:
وشجّع الناس عبد الله بن رواحة، فقال: يا قوم! والله إنّ الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله، فانطلقوا، فإنّما هي إحدى الحسنيين، إمّا ظفر وإما شهادة، فمضى الناس «٣» .
_________________
(١) زاد المعاد: وابن هشام: ج ٢، ص ٢٧٣ [وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة..، برقم (٤٢٦١) من حديث ابن عمر ﵄، وأحمد في المسند (٥/ ٣٩١- ٣٠٠- ٣٠١) من حديث أبي قتادة ﵁] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤١٥.
(٣) المصدر السابق: ج ١، ص ٤١٥.
[ ٤٣٦ ]
قتال المستميتين وصولة الأسود:
فلمّا كانوا بتخوم البلقاء، لقيتهم الجموع من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء، يقال لها «مشارف» ودنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها «مؤتة» والتقى الناس، واقتتلوا «١» .
وقاتل زيد بن حارثة﵁- براية رسول الله ﷺ حتّى استشهد، وقد أخذت الرماح منه كلّ مأخذ، ثمّ أخذها جعفر فقاتل بها، حتّى إذا أرهقه القتال، اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره، فاحتضن الراية بعضديه حتّى قتل، وله ثلاث وثلاثون سنة «٢»، ووجد المسلمون ما بين صدره ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة بالسّيف، وطعنة بالرمح كلّها في الأمام «٣»، ومات فتى الفتيان وهو يحنّ إلى الجنّة، ويتغنّى بنعمائها، ويستهين بالعدوّ وعدده وعدده، وبزخارف الدنيا.
فلمّا قتل جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الرّاية وتقدّم بها، ونزل عن فرسه، وأتاه ابن عمّ له، بعظم عليه بعض لحم، وقال: شدّ بهذا صلبك، فإنّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذ بيده وأخذ منه بفمه يسيرا، ثمّ ألقاه من يده، وأخذ سيفه فتقدّم وقاتل حتى قتل «٤» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٧٧- ٣٧٨.
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤١٥ باختصار.
(٣) ابن كثير: ج ٣، ص ٤٧٤، وزاد المعاد: ج ١، ص ٤١٥، وجاء في (الجامع الصحيح) «فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين ما بين طعنة ورمية» [انظر كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة، رقم الحديث (٤٢٦٠)] .
(٤) زاد المعاد: ج ١، ص ٤١٥، سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٧٩ [وأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الدابة تعرقب في الحرب، برقم (٢٥٧٣) من حديث عبد الله بن-
[ ٤٣٧ ]
قيادة خالد الحكيمة:
واصطلح النّاس بعده على خالد بن الوليد﵁- فأخذ الراية، ودافع القوم، وكان شجاعا حكيما، يعرف سياسة الحرب، فانحاز بالجيش الإسلاميّ إلى الجنوب، وانسحب العدوّ نحو الشمال «١»، وأرخى الليل سدوله، حتّى انصرف النّاس، وكلا الفريقين اغتنم السلامة، ورأى المصلحة في عدم التحرّش ومتابعة القتال.
ومعروف أنّ عملية الانسحاب- كما يقول الفاضل اللواء الركن محمود شيت خطّاب- تعدّ من أصعب العمليات العسكرية لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدّي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين، ولا تعدّ خسائر المسلمين الضئيلة في مؤتة شيئا يذكر بجانب الفائدة العسكريّة التي أفادها الاطلاع على خواصّ قوات الروم وتنظيمها وتسليحها وأساليب قتالها مما اتضح أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد «٢» .
ووزّع خالد عددا غير قليل من رجاله في خطّ مؤخرة جيشه، أحدثوا حين أصبح الناس ضجّة عظيمة، أدخلت إلى روع العدوّ أنّ مددا جاء من المدينة، فتهيّب الروم المسلمين، وقالوا: إذا كان صنع ثلاثة آلاف بنا ما قد رأيناه، فكيف بهم إذا جاءهم المدد، الذي لا يعرف عدده وقوته؟!!، فتقاعس الروم عن مهاجمة الجيش الإسلاميّ، وكفى الله المؤمنين القتال «٣» .
_________________
(١) - الزبير، والهيثمي في المجمع (٦/ ١٥٩- ١٦٠) عن رجل من الصحابة وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٥١١)] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤١٥، وسيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٧٩- ٣٨٠.
(٣) شيت خطّاب، الرسول القائد، ص ٢٠٦- ٢٠٧، وعن مؤتة انظر كذلك.Encyclopedia of Islam،art،muta
(٤) راجع «المغازي» للواقدي.
[ ٤٣٨ ]
خبر عيان لا بيان:
وبينما كان المسلمون يخوضون المعركة، كان رسول الله ﷺ يخبر أصحابه في المدينة بما يجري في المعركة، يقول أنس بن مالك﵁-: إنّ رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم الخبر، فقال: «أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب» وعيناه تذرفان «حتّى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتّى فتح الله عليهم» «١» .
وفي رواية أنّه قال وهو على المنبر: «وما يسرّهم أنّهم عندنا» .
الطيّار ذو الجناحين:
وقال في جعفر: «إنّ الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء «٢»» ولذلك لقّب ب «جعفر الطيّار» و«ذي الجناحين» .
حبّ نبويّ وعاطفة إنسانية:
وقال رسول الله ﷺ لزوج جعفر: «ائتيني ببني جعفر»، فلمّا حضروا تشمّمهم، وذرفت عيناه، وأخبر بشهادة جعفر، ولمّا أتاهم النعي، قال لأهله: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم أمر يشغلهم» وعرف في وجه رسول الله ﷺ الحزن «٣» .
_________________
(١) رواه البخاري [في كتاب المغازي]، باب غزوة مؤتة [برقم (٤٢٦٢)، وأحمد في المسند (٣/ ١١٣) من حديث أنس ﵁.
(٢) روى البخاري في صحيحه: كان ابن عمر إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يابن ذي الجناحين، [أخرجه في كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة، برقم (٣٧٠٩)]، وزاد المعاد، ج ١، ص ٤١٥.
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٨٠- ٣٨١ باختصار، والرواية في سنن الترمذي [في أبواب-
[ ٤٣٩ ]
كرّارون لا فرّارون:
ولمّا دنا الجيش من حول المدينة، تلقّاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدّون، ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابّة، فقال:
«خذوا الصبيان واحملوهم، وأعطوني ابن جعفر» فأتي بعبد الله، فأخذه، فحمله بين يديه.
وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فرّار! فررتم في سبيل الله، ويقول رسول الله ﷺ: «ليسوا بالفرّار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله تعالى» «١» .
بين مؤتة وفتح مكة:
وكان بين غزوة مؤتة وفتح مكة سرية ذات السلاسل، كانت في جمادى الآخرة، سنة ثمان، وهي وراء وادي القرى، وكانت في بلاد قضاعة، دوّخها الجيش الإسلاميّ.
وسريّة الخبط، وكان أميرها أبا عبيدة بن الجرّاح، وكانت في رجب سنة ثمان، في ثلاثمئة رجل من المهاجرين والأنصار، أرسلهم إلى حيّ من جهينة، مما يلي ساحل البحر، وأصابهم في الطريق جوع شديد، حتّى أكلوا الخبط (وهو ورق الشجر) وألقى إليهم البحر حوتا عظيما، يقال له «العنبر»
_________________
(١) - الجنائز، باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت، برقم (٩٩٨)، وأبو داود في كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت، برقم (٣١٣٢)، وابن ماجه في أبواب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت، برقم (١٦١٠)، وأحمد في المسند (١/ ٢٠٥) من حديث عبد الله بن جعفر ﵄] .
(٢) رواه الإمام أحمد بن حنبل [وأخرجه ابن هشام في السيرة (٣/ ٤٧٨) مرسلا من طريق ابن إسحاق عن عروة، وسنده ضعيف] .
[ ٤٤٠ ]
فأكلوا منه نصف شهر، وادّهنوا منه، حتّى صلحت منه أجسامهم، ولمّا سمع رسول الله ﷺ قال: «هو رزق أخرجه الله لكم» فتناول من لحمه شيئا «١» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤١٧، والرواية في صحيح البخاري، [في كتاب المغازي] باب «غزوة سيف البحر» [برقم (٤٣٦١)] وفي صحيح مسلم [في كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة ميتات البحر، برقم (١٩٣٥)، وأبو داود في كتاب الأطعمة، باب في دواب البحر، برقم (٣٨٤٠)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄] .
[ ٤٤١ ]
خريطة فتح مكة المكرمة رمضان ٨ هجرية
[ ٤٤٢ ]
فتح مكّة «١» رمضان سنة ثمان من الهجرة
تمهيد لفتح مكة:
ولمّا تمّ أمر الله في ترسيخ هذا الدّين، وتربية المسلمين، وامتحن الله قلوبهم للتّقوى، وفاضت كأس قريش ظلما وعدوانا، وجحودا بالحقّ، وصدّا عن سبيل الله، ومحاربة للإسلام وأهله، أراد الله أن يدخل رسوله والمسلمون مكة فاتحين غالبين، يطهّروا الكعبة من الرّجس من الأوثان وقول الزّور، ويعيدوا مكة إلى مكانتها الأولى، فتكون مثابة للناس وأمنا، ويجعلون البيت كما كان مباركا وهدى للعالمين.
نقض بني بكر وقريش الحلف:
وقد هيّأ الله لذلك أسبابا، وساعدت عليها قريش، بل دعت إليها من حيث لا تشعر، فقد وقع حادث لم يسوّغ ذلك فحسب، بل أوجبه، ولله جنود السّماوات والأرض.
كان قد تقرّر في صلح الحديبيّة أنّ من أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فعل، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل، ودخلت
_________________
(١) الموافق ليناير سنة ٦٣٠ م.
[ ٤٤٣ ]
بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده «١» .
وكان بين بني بكر وبين خزاعة ترة «٢» قديمة، وعداء متوارث، يرجع تاريخه إلى ما قبل البعثة، وجاء الإسلام فحجز بينهم، وتشاغل الناس بشأنه، فلمّا كانت الهدنة، ودخلت القبيلتان في معسكرين متحاربين، أراد بنو بكر أن ينتهزوا هذه الفرصة، ليصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فبيّت نفر من بني بكر لخزاعة وهم على ماء لهم فأصابوا منهم رجالا، وتناوشوا واقتتلوا.
وأعانت قريش بني بكر بالسّلاح، وقاتل معهم أشراف من قريش مستخفين ليلا، حتّى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلمّا انتهوا إليه قالت بنو بكر لبعض رجالهم: إنّا قد دخلنا الحرم، إلهك! إلهك! فقال: لا إله اليوم! يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلا تجدون هذه الفرصة بعد ذلك «٣» .
الاستغاثة برسول الله ﷺ:
وخرج عمرو بن سالم الخزاعيّ، وقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فوقف عليه، وأنشد أبياتا، ينشده فيها الحلف الذي كان بينه وبين خزاعة، وسأله النصر والنجدة، ويخبره بأنّ قريشا أخلفوه الموعد، ونقضوا ميثاقه المؤكد، وأنّهم بيّتوا وهم على ماء لهم وقتلوا ركّعا وسجّدا، فقال رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم!» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٩٠.
(٢) [ترة: أي ثأر] .
(٣) زاد المعاد: ج ١، ص ٤١٩، وابن هشام: ج ٢، ص ٣٩٠.
[ ٤٤٤ ]
براءة الذمة وإقامة الحجة:
وأراد رسول الله ﷺ أن يستوثق منهم الخبر، ويعذر إلى قريش، فبعث إليهم رجلا يخيّرهم بين إحدى ثلاث خلال، بين أن يدفعوا دية قتلى خزاعة، أو يبرؤوا من حلف من تولّى كبر هذا النقض، وقاد الحملة على خزاعة، وهم بنو نفاثة من بني بكر، أو ينبذ إليهم على سواء، فأجابه بعض زعمائهم: لكن ننبذ إليهم على سواء، وبذلك برئت ذمّة قريش، وقامت عليهم الحجّة «١» .
محاولة قريش لتجديد العهد:
وقال رسول الله ﷺ للنّاس حين بلغه الخبر: «كأنّكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشدّ العقد ويزيد المدّة» وهكذا كان، فرهبت قريش مما صنعت، وندمت على الجواب القاسي الذي أجاب به بعض سفهائهم، فبعثوا أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ليشد العقد ويزيد المدّة «٢» .
إيثار النّبيّ على الآباء والأبناء:
وقدم أبو سفيان على رسول الله ﷺ المدينة ودخل على ابنته «أمّ حبيبة» زوج النّبيّ ﷺ، فلمّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنيّة! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عنّي؟
قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس، ولم أحبّ أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ.
_________________
(١) أخرجه الزرقاني في المواهب (٢/ ٣٤٩): عن ابن عائذ عن ابن عمر، والرجل الذي بعثه رسول الله ﷺ اسمه ضمرة، والذي أجابه من قريش اسمه قرطة بن عمرو.
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٠، وابن هشام: ج ٢، ص ٣٩٥- ٣٩٦.
[ ٤٤٥ ]
قال: والله لقد أصابك بعدي شرّ «١» .
حيرة أبي سفيان وإخفاقه:
وأتى أبو سفيان رسول الله ﷺ فكلّمه فلم يردّ عليه شيئا، ثمّ ذهب إلى أبي بكر فكلّمه أن يكلّم له رسول الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعل، وراود عمر وعليّا وفاطمة على ذلك، فلم يجبه أحد إلى ذلك، وقالوا: إنّ الأمر أجلّ منه، حتّى احتار في أمره، وقال لفاطمة: يا بنت محمد! هل لك أن تأمري بنيّك هذا- وأشار إلى الحسن بن عليّ، وهو غلام يدبّ- أن يجير بين الناس، فيكون سيّد العرب إلى آخر الدهر، قالت: والله ما بلغ بنيّي هذا أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ، ولمّا رأى عليّ حيرته، وما فيه من ضيق وكرب، قال له: ما أعلم لك شيئا يغني عنك شيئا، ولكنّك سيّد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنّي شيئا؟ قال: والله ما أظنّه، ولكنّي لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس! إنّي قد أجرت بين الناس، ثمّ ركب بعيره، فانطلق «٢» .
ولمّا سمعت قريش القصّة، قالوا: جئتنا بما لا يغني عنّا، ولا يغني عنك شيئا.
التأهب لمكّة وكتاب حاطب بن أبي بلتعة:
وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، واستعان على أمره بالكتمان، ثمّ أعلم الناس أنّه سائر إلى مكّة وأمرهم بالجدّ والتجهّز، وقال: «اللهم! خذ
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٠، وابن هشام: ج ٢، ص ٣٩٥- ٣٩٦.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٣٩٦- ٣٩٧.
[ ٤٤٦ ]
العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتها في بلادها» «١» .
ولمّا كان المجتمع الإسلاميّ المدنيّ مجتمعا بشريا يعيش في واقع الحياة، وبين المشاعر الإنسانيّة، وخواطر النفس ورغباتها، كان الأفراد فيه يصيبون ويخطئون، وقد يكونون متأوّلين في تصرّفاتهم وأحكامهم، وقد يجانبهم الصواب في هذا التأويل، وذلك من خصائص المجتمعات البشريّة التي تتمتّع بالحريّة والثقة، وكان رسول الله ﷺ حين لا يقرّهم على هذا الخطأ، يلتمس لهم العذر، ويتسامح معهم، وكان من أوسع الناس صدرا مع هؤلاء المخطئين، وأكثرهم معرفة بفضلهم وحسن بلائهم في الجهاد، وسوابقهم في الإسلام، وقد حفظ لنا الحديث وكتب السيرة النبويّة وتاريخ الإسلام مثل هذه الحوادث النادرة في الوقوع، وهو ممّا يدلّ على أمانتها وشهادتها بالحقّ.
ومن هذه الحوادث ما وقع لحاطب بن أبي بلتعة، وهو ممّن هاجر من مكّة وشهد بدرا، فقد جاء في الروايات أن النّبيّ ﷺ لمّا أعلم الناس أنّه سائر إلى مكّة، وأسرّ الأمر، فتجهّز الناس كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا، يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم، ثمّ أعطاه امرأة، وجعل لها جعلا على أن تبلّغه قريشا، فجعلته في قرون رأسها «٢»، ثمّ خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السّماء بما صنع حاطب، فبعث عليا والزّبير، فقال:
انطلقا حتّى تأتيا روضة خاخ «٣»، فإنّ فيها ظعينة معها كتاب إلى قريش.
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢١، وابن هشام: ج ٢، ص ٣٩٧.
(٢) [قرون رأسها: أي ضفائرها] .
(٣) موضع بين المدينة ومكة، قال الفتني: بمعجمتين موضع باثني عشر ميلا من المدينة، وقيل بمهملة وجيم، وهو تصحيف، (مجمع بحار الأنوار، ج ٢، ص ١٢٠، طبع حيدر آباد، الهند) .
[ ٤٤٧ ]
فانطلقا تعادي بهما خيلهما حتّى وجدا المرأة بذلك المكان، فاستنزلاها وقالا: معك كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب! ففتّشا رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها عليّ﵁-: أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، والله لتخرجنّ الكتاب، أو لنجرّدنك، فلمّا رأت الجدّ منه، قالت:
أعرض، فأعرض، فحلّت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهما، فأتيا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم.
فدعا رسول الله ﷺ حاطبا، فقال: «يا حاطب ما هذا» فقال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، والله إنّي لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت، ولا بدّلت، ولكنّي كنت امرأ ملصقا في قريش، لست من أنفسهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنّه قد خان الله ورسوله، وقد نافق. فقال رسول الله ﷺ: «إنّه شهد بدرا، وما يدريك يا عمر! لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» ! فذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم «١» .
وخرج رسول الله ﷺ في رمضان سنة ثمان من المدينة ومعه عشرة
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢١- وقد وردت القصة في الصحاح [انظر هذه القصة فيما أوردها البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، برقم (٤٢٧٤)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل حاطب بن أبي بلتعة ، برقم (٢٤٩٤)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلما، برقم (٢٦٥٠) و(٢٦٥١)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، في سورة الممتحنة، برقم (٣٣٠٥) من حديث علي بن أبي طالب ﵁] .
[ ٤٤٨ ]
آلاف «١»، ومضى حتّى نزل «مرّ الظهران»، وعمّى الله الأخبار عن قريش، فهم على وجل وارتقاب.
عفو عمّن ظلم:
ولقي رسول الله ﷺ في الطريق ابن عمّه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فأعرض عنه، لما كان يلقاه منه من شدّة الأذى والهجو، فشكا ذلك إلى عليّ، فقال له: ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف: ٩١]، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا، ففعل ذلك فقال له رسول الله ﷺ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢]، وحسن إسلامه بعد ذلك، وما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه «٢» .
أبو سفيان بين يدي رسول الله ﷺ:
وأمر رسول الله ﷺ الجيش، فأوقدوا النيران، وخرج أبو سفيان بن حرب يتجسّس الأخبار، وهو يقول: «ما رأيت كاللّيلة نيرانا قطّ ولا عسكرا»، وكان العبّاس بن عبد المطلب، قد خرج من مكّة قبل ذلك بأهله وعياله مسلما مهاجرا ولحق بالعسكر، فعرف صوت أبي سفيان، وقال: هذا
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، برقم (٤٢٧٦)، ومسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية..، برقم (١١١٣) من حديث ابن عباس ﵄] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢١ [انظر قصة إسلام أبي سفيان فيما أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٣- ٤٤) من حديث ابن عباس ﵄ وصحّحه، ووافقه الذهبي] .
[ ٤٤٩ ]
رسول الله ﷺ في النّاس، واصباح قريش! فأركبه في عجز بغلته، وخشي عليه أن يدركه أحد المسلمين فيقتله، وأتى به رسول الله ﷺ.
فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنّه لا إله إلا الله؟» .
قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عنّي شيئا بعد.
قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟» .
قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أمّا هذه والله فإنّ في النفس منها حتى الآن شيئا.
قال العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحقّ «١» .
عفو عامّ وأمن بسيط:
ووسّع رسول الله ﷺ في الأمن والعفو، حتّى أصبح أهل مكّة لا يهلك منهم إلّا من زهد في السلامة، وكره الحياة، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» «٢» .
ونهى رسول الله ﷺ جيشه عن أن يستخدموا السلاح عند ما يدخلون مكّة على أيّ إنسان إلّا من اعترضهم وقاومهم، وأمر بأن يعفّ الجيش عن أموال
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٠٣، وزاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٢.
(٢) المصدر السابق: ج ٢، ص ٤٠٣، والرواية في البخاري مختصرة، باب «أين ركّز النّبي ﷺ الراية يوم الفتح» [برقم (٤٢٨٠) من حديث ابن عباس ﵄] .
[ ٤٥٠ ]
أهل مكّة وممتلكاتهم وأن يكفّوا أيديهم عنها «١» .
أبو سفيان أمام موكب الفتح:
وأمر رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب أن يجلس أبا سفيان حيث تمرّ به كتائب الإيمان.
وتحرّكت كتائب الفتح كأنّها بحر يموج، وكانت القبائل تمرّ على راياتها، كلّما مرّت قبيلة سأل عباسا عنها وعن اسم القبائل، فيقول: ما لي ولبني فلان؟ حتّى مرّ الرسول ﷺ في كتيبة خضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله! يا عباس من هؤلاء؟
قال: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما.
قال: يا أبا سفيان! إنّها النبوّة.
قال: فنعم إذا «٢» .
وقام أبو سفيان فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
قالوا: قاتلك الله، ما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد «٣» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٠٩.
(٢) المصدر السابق: ج ٢، ص ٤٠٤ [وقد سبق تخريجه آنفا، وهو جزء من حديث ابن عباس ﵁ نفسه] .
(٣) المصدر السابق نفسه: ص ٤٠٥، وزاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٣، وهو جزء من حديث-
[ ٤٥١ ]
دخول خاشع متواضع، لا دخول فاتح متعال:
ودخل رسول الله ﷺ مكّة، وهو واضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتّى إنّ ذقنه ليكاد يمسّ واسطة الرّحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح «١» .
وفي دخوله مكّة فاتحا- وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الروحيّ والسياسيّ- رفع كلّ شعار من شعائر العدل والمساواة، والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد «٢»، وهو ابن مولى رسول الله ﷺ ولم يردف أحدا من أبناء هاشم وأبناء أشراف قريش، وهم كثير.
وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة ثمان من الهجرة.
أتى النبيّ ﷺ رجل فكلّمه، فجعل ترعد فرائصه «٣»، فقال له رسول الله ﷺ: «هوّن عليك فإنّي لست بملك، وإنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» «٤» «٥» .
_________________
(١) - ابن عباس ﵄ السابق.
(٢) السيرة النبوية: لابن كثير، ج ٣، ص ٥٥٤، وجاء في صحيح البخاري رواية عن معاوية بن قرّة [عن عبد الله بن مغفّل]: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح [وقال: «لولا أن يجتمع الناس حولي لرجّعت كما رجّع» انظر كتاب المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟، برقم (٤٢٨١)] .
(٣) السيرة النبوية: لابن كثير، ج ٣، ص ٥٥٦.
(٤) [القديد: اللّحم المملوح المجفّف في الشّمس] .
(٥) [الفرائص، جمع الفريصة، وهي عصب الرقبة وعروقها، لأنها هي التي تثور عند الغضب وترجف من الخوف] .
(٦) [أخرجه ابن ماجه في الأطعمة، باب القديد، برقم (٣٣١٢)، والحاكم (٢/ ٤٦٦) و(٣/ ٤٨) من حديث ابن مسعود ﵁] .
[ ٤٥٢ ]
مرحمة لا ملحمة:
ولمّا مرّ سعد بن عبادة بأبي سفيان في كتيبة الأنصار، قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا، فلما حاذاه رسول الله ﷺ في كتيبته شكا إليه ذاك أبو سفيان، قال: يا رسول الله! ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: «وما قال؟» قال: كذا وكذا.
فاستنكر رسول الله ﷺ مقالة سعد، وقال: «بل اليوم يوم المرحمة، اليوم يعزّ الله قريشا، ويعظّم الله الكعبة» «١» .
وأرسل إلى سعد، فنزع منه اللواء، ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد إذ صار إلى ابنه «٢» .
ولم يزد الرسول الملهم أن أبدل حرفا بحرف، وأبا بابن، فعالج نفس أبي سفيان المكلومة- وكان في حاجة إلى تأليف القلب- من غير أن يسيء إلى سعد، صاحب سوابق في الإسلام.
مناوشات قليلة:
وكانت مناوشات قليلة بين صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وبين أصحاب خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثني عشر رجلا، ثم انهزموا «٣»، وكان رسول الله ﷺ قد عهد
_________________
(١) رواه الأموي في المغازي (فتح الباري: ج ٨، ص ٧) وروى البخاري القصة باختلاف بعض الألفاظ، ومقالة سعد بن عبادة ورد النّبي ﷺ في صحيحه، والأموي هو يحيى بن سعيد بن أبان، صدوق، روى له الستة، مات سنة ٩٤ هـ (راجع، ج ٢، ص ٦١٣) .
(٢) زاد المعاد، ج ١، ص ٤٢٣ [أخرجه البخاري بلفظ آخر في الحديث الطويل، في كتاب المغازي، باب: أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟ برقم (٤٢٨٠)] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٠٧- ٤٠٨ باختصار.
[ ٤٥٣ ]
إلى أمرائه من المسلمين، حين يدخلون مكّة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم «١» .
تطهير الحرم من الأوثان:
ولمّا نزل رسول الله ﷺ واطمأنّ النّاس، خرج حتّى جاء البيت، فطاف به، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمئة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا [الإسراء: ٨١] وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ [سبأ: ٤٩]، والأصنام تتساقط على وجوهها «٢» .
ورأى في الكعبة الصّور والتماثيل، فأمر بالصّور وبالتماثيل فكسرت «٣» .
اليوم يوم برّ ووفاء:
ولمّا قضى طوافه، دعا (عثمان بن طلحة)، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، ودخل، وكان قد طلب منه المفتاح يوما قبل أن يهاجر إلى المدينة، فأغلظ له القول، ونال منه، فحلم عنه، وقال: «يا عثمان! لعلّك ترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت» .
فقال: لقد هلكت قريش يومئذ وذلّت.
فقال: «بل عمرت وعزّت يومئذ» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ص ٤٠٩.
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٤، وراجع القصة في صحيح البخاري [في كتاب المغازي] باب أين ركز رسول الله ﷺ الراية يوم الفتح؟ [برقم (٤٢٨٧)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، برقم (١٧٨١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤١١، وزاد المعاد: ج ٢، ص ٤٢٤ [وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف برقم (١٨٧٥١) من حديث جابر ﵁] .
[ ٤٥٤ ]
ووقعت كلمته من عثمان بن طلحة موقعا، وظنّ أنّ الأمر سيصير إلى ما قال «١» .
فلمّا خرج من الكعبة، قام إليه عليّ بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة في يده ﷺ، قال لرسول الله ﷺ: اجمع لنا الحجابة مع السّقاية، صلّى الله عليك وسلّم، فقال رسول الله ﷺ: «أين عثمان بن طلحة؟» فدعي له، فقال:
«هاك مفتاحك يا عثمان! اليوم يوم برّ ووفاء «٢»، خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» «٣» .
الإسلام دين توحيد ووحدة:
وفتح رسول الله ﷺ باب الكعبة، وقريش قد ملأت المسجد صفوفا ينتظرون ماذا يصنع، فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته، فقال: «لا إله إلّا الله
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٥، وراجع القصّة في صحيح البخاري [في كتاب الجهاد والسير، باب الردف على الحمار، برقم (٢٩٨٨)، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره برقم (١٣٢٩)، وأبو داود في كتاب المناسك، باب الصلاة في مكة، برقم (٢٠٢٣) من حديث عبد الله بن عمر ﵄] .
(٢) السيرة النبوية: لابن هشام، ج ٢، ص ٤١١- ٤١٢ ملخصا.
(٣) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٥، نقلا عن طبقات ابن سعد [«خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم» هذه الكلمات الموجزة تتضمّن ثلاثة تنبّؤات: ١- بقاء نسل أبي طلحة في الدنيا باستمرار. ٢- ارتباط الحفاظ على مفتاح بيت الله وخدمته بهم. ٣- تسمية من ينزع منهم المفتاح ظالما. وعن الأول والثاني يعلم العالم كلّه أنّ المفتاح باق في بني شيبة إلى الآن، ونسلهم لا يزال باقيا. وعن الثالث قال المؤرّخون إنّ (يزيد) سلب المفتاح منهم، وبعد ذلك مضى أربعة عشر قرنا ولم يجترىء أحد على سلبه منهم حتى لا يلقّب بالظالم، وهو اللقب الذي ذكره رسول الله ﷺ لمن يسلبه مفتاح الكعبة من نسل أبي طلحة (رحمة للعالمين: ص ٧٥٠)] .
[ ٤٥٥ ]
وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلّ مأثرة أو مال أو دم، فهو تحت قدميّ هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج» «١» .
«يا معشر قريش! إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة، وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب»، ثمّ تلا هذه الآية:
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «٢» [الحجرات: ١٣] .
نبيّ المحبّة ورسول الرحمة:
ثم قال رسول الله ﷺ: «يا معشر قريش! ما ترون أنّي فاعل بكم؟»
قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم!
قال: «فإنّي أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٣» .
وأمر بلالا أن يصعد، فيؤذن على الكعبة، ورؤساء قريش وأشرافهم يسمعون كلمة الله تعلو، ومكّة ترتجّ بالأذان.
ودخل رسول الله ﷺ دار أمّ هانىء بنت أبي طالب، فاغتسل، وصلّى ثماني ركعات صلاة الفتح شكرا لله عليه «٤» .
_________________
(١) [أخرجه أبو داود في كتاب الديات، باب في دية الخطأ شبه العمد، برقم (٤٥٤٧)، وابن ماجه، في أبواب الديات، باب في دية شبه العمد مغلظة، برقم (٢٦٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄] .
(٢) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٤.
(٣) المصدر السابق: ج ١، ص ٤٢٤.
(٤) رواه البخاري [في كتاب المغازي] في باب منزل النّبي ﷺ يوم الفتح [برقم (١١٧٦)، -
[ ٤٥٦ ]
لا تمييز في تنفيذ حدود الله:
وسرقت امرأة من بني مخزوم- اسمها فاطمة- في هذه الغزوة، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد، لمكانته عند رسول الله ﷺ يستشفعونه، فلمّا كلّم رسول الله ﷺ تلوّن وجهه، وقال: «أتكلّمني في حدّ من حدود الله؟!» .
قال أسامة: استغفر الله لي يا رسول الله!
فلمّا كان العشيّ، قام رسول الله ﷺ خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: «أمّا بعد، فإنّما أهلك الناس قبلكم، أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، والذي نفس محمد بيده، لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
ثمّ أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة، فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك، وتزوّجت «١» .
عفو عن الأعداء الألدّاء:
ولمّا استقرّ الفتح، وأمّن رسول الله ﷺ الناس كلّهم، إلا تسعة نفر، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم من ارتدّ عن دينه، ومنهم من قتل مسلما غيلة، ومنهم من كان يشتغل ويتسلّى بهجائه ويذيعه بين الناس،
_________________
(١) - ومسلم في كتاب الحيض، باب تستر المغتسل بثوب ونحوه، برقم (٣٣٦) من حديث أم هانىء ﵂]، وزاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٥.
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مقام النبي ﷺ يوم الفتح، برقم (٦٧٨٨)، ومسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره ، برقم (١٦٨٨)، وأبو داود في كتاب الحدود، باب في الحد يشفع فيه، برقم (٤٣٧٣)، والترمذي في الحدود، باب ما جاء في كراهية أن يشفع في أبواب الحدود، برقم (١٤٣٠) وغيرهم من حديث عائشة ﵂] .
[ ٤٥٧ ]
وكان منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتدّ.
ومنهم عكرمة بن أبي جهل، وكان قد خرج إلى اليمن كارها لدولة الإسلام وخائفا على نفسه، فاستأمنت له امرأته بعد أن فرّ، فأمّنه النّبيّ ﷺ وهو ابن أعدى عدوّ له في الدنيا، وثب إليه رسول الله ﷺ وما عليه رداء، فرحا به وترحيبا، وأسلم عكرمة، فسرّ به رسول الله ﷺ سرورا عظيما، وحسن إسلامه، وكان له مواقف عظيمة في حروب الرّدّة وحروب الشّام.
ومنهم وحشيّ مولى جبير بن مطعم، وقاتل عمّ الرسول وأسد الله ورسوله حمزة بن عبد المطلب- وكان رسول الله ﷺ قد أهدر دمه- فأسلم، وقبل رسول الله ﷺ إسلامه.
ومنهم هبّار بن الأسود، وكان قد عرض لزينب بنت الرسول ﷺ حين هاجرت، فنخس بها حتّى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها، ففرّ، ثمّ أسلم، وحسن إسلامه، واستؤمن لسارة ولإحدى القينتين اللتين كانتا تغنّيان بهجائه، فأمّنهما فأسلمتا «١» .
بين هند بنت عتبة وبين رسول الله ﷺ:
واجتمع النّاس بمكة لبيعة رسول الله ﷺ على الإسلام، فجلس لهم على الصّفا، وأخذ على النّاس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا.
ولمّا فرغ من بيعة الرّجال، بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان متنقبة متنكّرة لما كان من صنيعها بحمزة «٢» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٥.
(٢) [انظر قصة إسلامها في الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ، برقم (٦٦٤١)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب قضية هند، -
[ ٤٥٨ ]
قال رسول الله ﷺ لهنّ: «بايعنني على ألّا تشركن بالله شيئا» .
فقالت هند: والله إنّك لتأخذ علينا ما لا تأخذ من الرجال.
قال: «ولا تسرقن» .
فقالت: إنّي كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة «١»، وما كنت أدري أكان ذلك حلالا أم لا؟ فقال أبو سفيان- وكان شاهدا لما تقول-: أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حلّ.
فقال رسول الله ﷺ: «وإنّك لهند بنت عتبة»؟
قالت: نعم، فاعف عمّا سلف، عفا الله عنك.
ثم قال: «ولا تزنين» .
فقالت: يا رسول الله! وهل تزني الحرّة؟ «٢» .
ثم قال: «ولا تقتلن أولادكنّ» .
قالت: ربّيناهم صغارا، وقتلتهم كبارا، فأنت وهم أعلم «٣»، فضحك عمر بن الخطاب﵁- حتى استغرق.
ثمّ قال: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ» .
فقالت: والله إنّ إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل.
ثمّ قال: «ولا يعصينني» .
_________________
(١) - برقم (١٧١٤)، وأبو داود كتاب البيوع، باب في الرجل يأخذ حقّه من تحت يده، برقم (٣٥٣٢) و(٣٥٣٣) من حديث عائشة ﵄] .
(٢) [الهنة: أي الحاجة، ويعبّر بها عن كلّ شيء (والنهاية ٥/ ٢٧٩)] .
(٣) السيرة النبوية: لابن كثير، ج ٣، ص ٦٠٣.
(٤) السيرة الحلبية: ج ٣، ص ١٠٩.
[ ٤٥٩ ]
فقالت: في معروف «١» .
المحيا محياكم والممات مماتكم:
ولمّا فتح الله مكة على رسوله- وهي بلده ووطنه ومولده- تحدّث الأنصار فيما بينهم، فقالوا: إنّ رسول الله ﷺ قد فتح الله عليه أرضه وبلده، فهو مقيم بها، لا يعود إلى المدينة.
وسأل رسول الله ﷺ الأنصار عن حديثهم، ولا يعرفه غيرهم، فاستحيوا ثم أقرّوا به، فقال: «معاذ الله! المحيا محياكم والممات مماتكم» «٢» .
كيف انقلب العدوّ محبا والماجن تقيا:
همّ فضالة بن عمير أن يقتل رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلمّا دنا منه قال له: «فضالة!»
قال: نعم يا رسول الله!
فقال: «ماذا كنت تحدّث به نفسك؟» .
قال: لا شيء، كنت أذكر الله.
فضحك النّبيّ ﷺ ثمّ قال: «استغفر الله»، ثمّ وضع يده على صدره، فسكن قلبه، وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري، حتّى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن كثير: ج ٣، ص ٦٠٢- ٦٠٣، بزيادة يسيرة من غير ابن كثير.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤١٦ [وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب فتح مكة، برقم (١٧٨٠)، وأبو داود في كتاب الخراج، باب ما جاء في خبر مكة، برقم (٣٠٢٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٥٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁] .
[ ٤٦٠ ]
قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدّث إليها، قالت: هلمّ إلى الحديث، قال: يأبى الله عليك والإسلام «١» .
إزالة آثار الجاهليّة وشعائر الوثنيّة:
وبثّ رسول الله ﷺ سراياه إلى الأوثان التي كانت حول الكعبة، فكسرت كلّها، منها اللّات والعزّى، ومناة الثالثة الآخرى، ونادى مناديه بمكّة:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدع في بيته صنما إلّا كسره» .
وبعث رجالا من أصحابه إلى القبائل، فهدموا أصنامها «٢»، وقال جابر:
كان بيت في الجاهليّة يقال له «ذو الخلصة» و«الكعبة اليمانية» و«الكعبة الشاميّة»، فقال لي النّبيّ ﷺ: «ألا تريحني من ذي الخلصة»؟
يقول جابر: فنفرت في مئة وخمسين راكبا من أحمس، (وكانوا أصحاب خيل) فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده، فأتيت النّبيّ ﷺ فأخبرته، فدعا لنا ولأحمس «٣» «٤» .
وقام رسول الله ﷺ في مكّة خطيبا، فأعلن حرمة مكّة إلى يوم القيامة:
«لا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، أو يعضد «٥» بها
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤١٧، وزاد المعاد: ج ١، ص ٤٢٦.
(٢) راجع للتفصيل «زاد المعاد» ج ١، ص ٤٢٦.
(٣) [الأحمس: وهم قريش، ومن ولدت قريش، وكنانة جديلة قيس، سمّوا أحمسا لأنهم تحمّسوا في دينهم: أي تشدّدوا (النهاية: ١/ ٤٤٠)] .
(٤) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح في كتاب المغازي، باب غزوة ذي الخلصة [برقم (٤٣٥٥)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل جرير بن عبد الله ﵁، برقم (٢٤٧٦)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في بعثة البشراء، برقم (٢٧٧٢)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٦٢) من حديث جرير بن عبد الله ﵁] .
(٥) يعضد: يقطع.
[ ٤٦١ ]
شجرة»، وقال: «لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد يكون بعدي»»
، ثمّ انصرف راجعا إلى المدينة «٢» .
أثر فتح مكّة:
وكان لفتح مكّة أثر عميق في نفوس العرب، فشرح الله صدر كثير منهم للإسلام، وصاروا يدخلون فيه أرسالا.
وكانت عدّة قبائل بينها وبين قريش حلف، وكانت ممتنعة عن الدخول في الإسلام لمكانة هذا الحلف.
وكانت قبائل ترهب قريشا وتجلّها، فلما رأتهم استسلموا للإسلام ورغبوا فيه زال الحاجز.
وكانت قبائل تعتبر مكّة لا يفتحها ولا يدخلها ملك جبّار أو من يريد لها سوءا، ولا يزال فيها من عاصر حادثة الفيل، وشاهد ما فعل بأبرهة، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنّه إن ظهر عليهم فهو نبيّ صادق «٣» .
فلمّا فتح الله لنبيّه مكّة، وخضعت قريش للإسلام طوعا أو كرها، أقبل العرب على الإسلام إقبالا لم يعرف قبل ذلك، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجا «٤»، وصدق الله العظيم: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب اللقطة، باب كيف تعرّف لقطة أهل مكّة، برقم (٢٤٣٤)، ومسلم في كتاب الحج، باب تحريم مكة..، برقم (١٣٥٣)، وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄] .
(٢) راجع «زاد المعاد» ج ١، ص ٤٢٥- ٤٢٦.
(٣) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي]، باب مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح، [برقم (٤٣٠٢)، من حديث عمرو بن سلمة ﵁] .
(٤) مستفاد من كتاب «رحمة للعالمين» لمؤلفه الشهير قاضي محمد سليمان المنصور فوري، [وقد نقله إلى العربية الدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم، طبع في دار السلام- الرياض، -
[ ٤٦٢ ]
النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا [النصر: ١- ٢]
أمير شابّ حديث السنّ:
وأمّر رسول الله ﷺ قبل أن يغادر مكّة عتّاب بن أسيد «١»، يدير أمورها، ويقيم الموسم والحجّ بالمسلمين، وهو دون العشرين سنة، أو فوقها قليلا، وذلك بمحضر من أهل الأسنان والفضل، فدلّ على أنّ المناصب على الجدارة والقوة، وأقرّه أبو بكر في خلافته «٢» .
_________________
(١) - انظر اقتباس المؤلف من هذا الكتاب في ترجمته العربية، ص ١١٥- ١١٦، وفيه فوائد أخرى أيضا] .
(٢) ابن هشام: ج ٢، ص ٤٤٠.
(٣) راجع «الإصابة» و«أسد الغابة» .
[ ٤٦٣ ]
خريطة السرايا والغزوات بعد فتح مكة رمضان ٨ هـ ربيع الآخر ٩ هجرية
[ ٤٦٤ ]
غزوة حنين «١» شوّال سنة ثمان من الهجرة
محاولة أخرى لإطفاء نور الله بالأفواه:
وبعد أن تمّ فتح مكة، وبدأ النّاس يدخلون في دين الله أفواجا، أطلق العرب السّهم الأخير في كنانتهم على الإسلام والمسلمين، فكانت محاولة يائسة لمحاربة الرسول ﷺ ووقف مدّ الإسلام في جزيرة العرب.
اجتماع هوازن «٢»:
وكانت هوازن قوة كبيرة بعد قريش، وكان بينها وبين قريش تنافس، فلم تخضع لما خضعت له قريش، وأرادت أن يكون لها الفضل والصيت في استئصال شأفة الإسلام، فيقال: إنّ هوازن استطاعت ما لم تستطعه قريش.
قام مالك بن عوف النّصريّ- سيد هوازن- فنادى بالحرب واجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلّها، ونصر وجشم كلّها، وسعد بن بكر، وتخلّف عن هوازن
_________________
(١) [انظر أخبار هذه الغزوة في: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٣٧- ٥٠٠) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٩- ١٥٨) و«تاريخ الطبري» (٣/ ١٢٥) و«البداية والنهاية» (٤/ ٣٢٢)] .
(٢) [واقعة اجتماع هوازن؛ أخرجها ابن هشام في السيرة، وأحمد في المسند (٣/ ٣٧٦) من حديث جابر بن عبد الله ﵁] .
[ ٤٦٥ ]
خريطة غزوة حنين شوال ٨ هجرية
[ ٤٦٦ ]
كعب وكلاب، وأجمع السير إلى رسول الله ﷺ، وحطّ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، ليثبتوا ويدافعوا عن الأهل والعرض.
وشهد الحرب دريد بن الصّمّة، وكان شيخا كبير السّنّ، مجرّبا، له رأي وحكمة، ونزلوا ب «أوطاس» «١»، وللبعير رغاء، وللحمير نهاق، وللشاء ثغاء «٢»، وللصغار بكاء، وقال مالك للناس: «إذا رأيتم المسلمين فاكسروا جفون سيوفكم «٣»، ثمّ شدّوا شدّة رجل واحد» «٤» .
وخرج رسول الله ﷺ ومعه ألفان من أهل مكّة، ومنهم من هو حديث العهد بالإسلام، ومنهم من لم يسلم، وعشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة فبلغ عددهم إلى ما لم يبلغه في غزوة قبل ذلك، حتى قال أناس من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلّة، وأعجبتهم كثرة الناس «٥» .
واستعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أميّة أدراعا وسلاحا- وهو مشرك- ومضى على وجهه يريد لقاء هوازن «٦» .
لا رجعة للوثنيّة:
قد خرج مع رسول الله ﷺ إلى حنين بعض حديثي العهد بالجاهليّة، وكانت لبعض القبائل شجرة عظيمة خضراء، يقال لها: «ذات أنواط»
_________________
(١) أوطاس: واد في ديار هوازن عند الطائف كانت فيه وقعة حنين.
(٢) [الرّغاء: صوت الإبل، والنّهاق: صوت الحمار. والثّغاء: صياح الغنم] .
(٣) [جفون السّيوف: أي أغمادها] .
(٤) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٣٧- ٤٣٩.
(٥) تفسير الطبري: ج ١٠، ص ٦٢- ٦٣.
(٦) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٤٠. [وأخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب في تضمين العارية، برقم (٣٥٦٢)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٠١) وغيرهما من حديث صفوان بن أمية ﵁] .
[ ٤٦٧ ]
يأتونها كلّ سنة، فيعلّقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما.
وبينما هم يسيرون مع رسول الله ﷺ إذ وقع بصرهم على الشجرة، فتحلّبت أفواههم على أعياد الجاهليّة التي هجروها، ومشاهدها التي طال عهدهم بها، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا «ذات أنواط» كما لهم «ذات أنواط»، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨]، لتركبنّ سنن من كان قبلكم» «١» .
في وادي حنين:
واستقبل المسلمون وادي حنين، وذلك في عاشر شوال، سنة ثمان، وهم ينحدرون فيه انحدارا في ظلام الصبح، وكانت هوازن قد سبقتهم إلى الوادي، وكمنوا لهم في شعابه وأحنائه ومضايقه، فما راع المسلمين إلّا أن رشقوهم بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، وكانوا قوما رماة «٢» .
وانشمر عامة المسلمين راجعين، لا يلوي منهم أحد على أحد «٣»، وكانت فترة حاسمة، يوشك أن تدور الدائرة على المسلمين، فلا تقوم لهم
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٤٢ [أخرجه الترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء «لتركبن سنن من كان قبلكم» برقم (٢١٨٠)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٤٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٦١): رواه أحمد والطبراني، وفي إسناد أحمد ابن لهيعة وفيه ضعف، وفي إسناد الطبراني يحيى بن عثمان عن أبي حازم، ولم أعرفه، وبقية رجالهم ثقات] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٤٢- ٤٤٣.
(٣) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٤٦.
[ ٤٦٨ ]
قائمة بعد ذلك، وكانت شبيهة بما وقع يوم أحد حين طار في الناس أن النّبي ﷺ قد قتل، وانحسر عنه المسلمون.
شماتة الأعداء وتزلزل ضعاف الإيمان:
ولمّا رأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكّة، والذين لمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، هذه الهزيمة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضّغن، فقال بعضهم: «لا تنتهي هزيمتهم دون البحر»، وقال بعضهم:
«ألا بطل السحر اليوم» «١» .
الفتح والسكينة:
ولمّا تمّ ما أراد الله من تأديب المسلمين الذين أعجبتهم الكثرة، وأذاقهم الله مرارة الهزيمة بعد حلاوة الفتح، ليقوّي إيمانهم، فلا يبطرهم الفتح، ولا تؤيسهم الهزيمة، ردّ لهم الكرّة على الأعداء، وأنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين، وكان رسول الله ﷺ واقفا في موقفه، على بغلته الشهباء، غير وجل ولا هيّاب، وقد بقي معه نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، والعباس بن عبد المطلب آخذ بحكمة بغلته، ورسول الله ﷺ يقول: [من مجزوء الرجز]
أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب «٢»
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٤٢- ٤٤٤ مختصرا.
(٢) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي] باب قول الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ برقم (٤٣١٥)] وفيه أنّ أبا سفيان بن الحارث أخذ بغلته البيضاء. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، [برقم (١٧٧٦)، والترمذي في أبواب الجهاد، باب ما جاء في الثبات عند القتال، برقم (١٦٨٨) من حديث البراء بن عازب ﵄]، وراجع للتفصيل «سيرة ابن هشام» (ج: ٢/ ص ٤٤٤- ٤٤٥) .
[ ٤٦٩ ]
ولمّا استقبلته كتائب المشركين، أخذ قبضة من تراب، ورمى بها إلى عيون الأعداء إلى البعد، فملأت أعين القوم.
ولمّا رأى انشغال الناس بأنفسهم، قال: «يا عباس! اصرخ يا معشر الأنصار! يا معشر أصحاب السمرة!» فأجابوا: لبّيك لبّيك، وكان رجلا صيّتا، فيؤمّ الرجل الصوت ويقتحم عن بعيره، ويأخذ سيفه وترسه، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ، حتّى إذا اجتمع إليه منهم طائفة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا.
وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه، فنظر إلى القوم يجتلدون، فقال:
«الآن حمي الوطيس» «١»، ثمّ أخذ رسول الله ﷺ حصيّات فرمى بهنّ وجوه الكفار، يقول عباس: «فما زلت أرى حدّهم كليلا وأمرهم مدبرا» «٢» .
واجتلد الناس، فما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم، حتّى وجدوا الأسارى مكتّفين عند رسول الله ﷺ «٣»، وأنزل الله ملائكته بالنّصر، فامتلأ بهم الوادي «٤»، وتمّت هزيمة هوازن، وذلك قوله تعالى:
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ
_________________
(١) سيرة ابن هشام: (ج: ٢، ص ٤٤٥): (استعرت الحرب) هذه من الكلم التي لم يسبق النبيّ ﷺ إليها [والوطيس: هو حجارة مدوّرة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها، (النهاية: ٥/ ٢٠٤)] .
(٢) أخرجه مسلم [في كتاب الجهاد، باب غزوة حنين، برقم (١٧٧٥)، وأحمد في المسند (١/ ٢٠٧)، وعبد الرزاق في المصنّف، برقم (٩٧٤١) من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٤٥.
(٤) المصدر السابق: ج ٢، ص ٤٤٩، ورواه مسلم مطولا في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين [برقم (١٧٧٥)] .
[ ٤٧٠ ]
كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [التوبة: ٢٥- ٢٦] .
آخر غزوة ضدّ الإسلام والمسلمين:
وبغزوة حنين طفئت جمرة العرب، فقد استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم، وأذلّت جمعهم، فانشرحت صدورهم للدخول في الإسلام.
في أوطاس:
ولمّا تمّت الهزيمة لهوازن، ذهبت فرقة منهم- فيهم الرئيس مالك بن عوف- فلجؤوا إلى الطائف، فتحصّنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا ب «أوطاس»، فبعث إليهم رسول الله ﷺ سرية من أصحابه، عليهم أبو عامر الأشعريّ، فقاتلوهم فغلبوهم «١» .
وجمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، فأمر بالسّبايا والأموال إلى «الجعرانة» «٢» فحبست بها «٣» .
وكان السّبي ستّة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر
_________________
(١) السيرة النبوية: لابن كثير، ج ٣، ص ٦٤٠ [وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، برقم (٤٣٢٣)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى الأشعري ﵁ برقم (٢٤٩٨) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁] .
(٢) يخفّف ويثقل، تقع على الطريق الشمالي الشرقي من مكة إلى الطائف على مسافة أكثر من ٢٠ كيلو مترا وهي خارج الحرم، وقد أحرم منها رسول الله ﷺ للعمرة، وعليها كان يلتقي الطريقان من مكة والمدينة إلى الطائف في العهد النبوي (مقتبس من كتاب «الحج ومقامات الحج» للأستاذ محمد الرابع الحسني الندوي) .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٥٩.
[ ٤٧١ ]
من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضّة، وكان أكبر مغنم غنمه المسلمون.
وكان رسول الله ﷺ قد نهى أصحابه يوم حنين، أن يقتلوا وليدا، أو امرأة، أو أجيرا، أو عبدا مستعانا به، وتأسّف على امرأة قتلت في حنين «١» .
_________________
(١) سيرة ابن كثير: ج ٣، ص ٦٣٨.
[ ٤٧٢ ]
غزوة الطّائف شوّال سنة ثمان من الهجرة
فلول ثقيف:
وقدم فلّ «١» ثقيف الطائف، وأغلقوا عليهم أبواب مدينتها، ورموا حصنهم، وأدخلوا فيه ما يصلح لهم لسنة، وأعدّوا للحرب عدّتها، فسار رسول الله ﷺ وذلك في شوّال سنة ثمان إليهم، ومضى حتّى نزل قريبا من الطائف، ولم يقدروا على أن يدخلوه، فقد أغلقوه دونهم، ورمت ثقيف المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنّه رجل «٢» جراد، وكانوا رماة.
حصار الطائف:
فنقل رسول الله ﷺ العسكر إلى مكان آخر، وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقاتلهم قتالا شديدا، وتراموا بالنّبل، واستخدم رسول الله ﷺ في هذا الحصار المنجنيق لأوّل مرّة، واشتدّ الحصار، وقتل رجال من المسلمين بالنبل «٣» .
_________________
(١) [الفلّ: القوم المنهزمون] .
(٢) [جماعة عظيمة من الجراد] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٤٧٨- ٤٨٣ باختصار، وزاد المعاد: ج ١، ص ٤٥٧ ملخصا.
[ ٤٧٣ ]
الرحمة في ميدان الحرب:
ولمّا ضاق الحصار، وطالت الحرب، أمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف وهي مما يعتمدون عليها في معاشهم، ووقع الناس فيها يقطعون، فسألوه أن يدعها لله، وللرحم، فقال: «فإنّي أدعها لله والرحم» .
ونادى منادي رسول الله ﷺ: «أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ»، فخرج منهم بضعة عشر رجلا، فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة «١» .
رفع الحصار:
ولم يؤذن لرسول الله ﷺ في فتح الطائف، فأمر عمر بن الخطّاب ﵁- فأذّن في الناس بالرّحيل، فضجّ الناس من ذلك، وقالوا:
نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله ﷺ: «فاغدوا على القتال» فغدوا، فأصابت المسلمين جراحات، فقال رسول الله ﷺ: «إنا قافلون غدا إن شاء الله» فسرّوا بذلك، وأظعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله ﷺ يضحك «٢» .
سبايا حنين ومغانمها:
ونزل رسول الله ﷺ «الجعرانة» فيمن معه من النّاس، واستأنى بهوازن
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٥٧، نقلا عن ابن إسحاق.
(٢) والقصة في صحيح البخاري [في كتاب المغازي] باب «غزوة الطائف» [رقم: ٤٣٢٥] وفي صحيح مسلم [في كتاب الجهاد]، باب «غزوة الطائف» [رقم (١٧٧٨) عن ابن عمر ﵄] .
[ ٤٧٤ ]
أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة ليلة، ثمّ بدأ بالأموال فقسّمها، وأعطى المؤلفة قلوبهم أول النّاس، وأجزل لأبي سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية، وأعطى حكيم بن حزام، والنّضر بن الحارث، والعلاء بن حارثة الثقفي، وغيرهم من أشراف قريش، فأكثر وأجزل، ثمّ أمر بإحضار الغنائم والناس، ففرضها عليهم «١» .
حبّ الأنصار وإيثارهم:
وتقاول شباب من الأنصار في هذا الفرض الذي كان لأشراف قريش، ولمؤلّفة القلوب النصيب الأكبر فيه، ولم يكن للأنصار إلا نصيب ضئيل.
فأمر رسول الله ﷺ بالأنصار، فجمعوا في حظيرة، فخطب خطبة عظيمة مسّت قلوبهم، ففاضت لها عيونهم، وثار فيهم الحبّ والحنان، قال فيها:
«ألم آتكم ضلّالا، فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟!» .
قالوا: الله ورسوله أمنّ وأفضل.
ولمّا سكتوا قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟»
قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله! لله ولرسوله المنّ والفضل.
قال: «أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم، ولصدّقتم: أتيتنا مكذّبا فصدّقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فواسيناك» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٤٨، باختصار [وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام..، برقم (١٠٦٠)] .
[ ٤٧٥ ]
ثمّ انعطف عليهم بكلمة فيها الثقة، وفيها العدالة، وفيها حكمة هذا التفاوت في الفرض والعطاء، فقال:
«أوجدتم عليّ يا معشر الأنصار في أنفسكم، في لعاعة «١» من الدّنيا، تألّفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم» .
ثم قال كلمة لم يتمالكوا أمامها، فانفجر الإيمان والحنان في نفوسهم، وتدفّق، قال:
«ألا ترضون يا معشر الأنصار! أن يذهب النّاس بالشّاء والبعير، وترجعون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده، لمّا تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس شعبا وواديا، وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار، والناس دثار، اللهمّ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» .
وبكى القوم حتّى أخضلوا لحاهم، وقالوا: «رضينا برسول الله قسما وحظّا» «٢» «٣» .
_________________
(١) لعاعة: بقلة خضراء وناعمة، شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها [ومنه «ما بقي في الإناء إلّا لعاعة» والمعنى بقية يسيرة] .
(٢) أصل الرواية في الصحيحين، وساقه ابن القيم في «زاد المعاد» أجمع وأشمل الطرق فاعتمدنا عليه، راجع الجامع الصحيح للبخاري، [كتاب المغازي] باب «غزوة الطائف» [رقم الحديث (٤٣٣٠)، و«صحيح مسلم» كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام..، برقم (١٠٦١)، و«مسند الإمام أحمد» (٤/ ٢٤)، من حديث عبد الله بن زيد ﵁، وأخرجه أحمد أيضا (٣/ ٧٦)، وابن هشام في السيرة (٢/ ٤٩٨- ٤٩٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁] .
(٣) [وفي الحقّ أنّ هذه الخطبة فريدة في لغات العالم، وإنها كما قال مولانا الداعية المجدّد أبو الحسن علي الحسني الندوي حين اطّلع على شرحي لهذه الخطبة فقال: إنّي أحسن ستّ-
[ ٤٧٦ ]
ردّ السبايا على هوازن:
وقدم وفد هوازن على رسول الله ﷺ وهم أربعة عشر رجلا، فسألوه أن يمنّ عليهم بالسبي والأموال، فقال: «إنّ معي من ترون، وإنّ أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟» .
قالوا: ما كنّا نعدل بالأبناء والنساء شيئا، فقال ﷺ: «إذا صلّيت الغداة فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله ﷺ أن يردّ علينا سبينا» فلمّا صلّى الغداة، قاموا، فقالوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس» فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ.
وأبى ثلاثة من بني تميم، وبني فزارة، وبني سليم، أن يتنازلوا عن سبيهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هؤلاء القوم قد جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم، وقد خيّرتهم، فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهنّ شيء، فطابت نفسه بأن يردّه، فسبيل ذلك، ومن أحبّ أن يستمسك بحقّه، فليردّ عليهم، وله بكلّ فريضة ستّ فرائض، من أوّل ما يفيء الله علينا» .
فقال الناس: قد طيّبنا لرسول الله ﷺ، فقال: «إنا لا نعرف من رضي منكم ممّن لم يرض، فارجعوا، حتّى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم»، فردّوا
_________________
(١) - لغات عالمية، لا أعرف فيها مثل هذه الخطبة، وإنها لمن دلائل نبوّته ﷺ (الأستاذ الدكتور نور الدين عتر في كتابه «في ظلال الحديث النبوي..» ص ٣٣٦)] .
[ ٤٧٧ ]
عليهم نساءهم وأبناءهم، ولم يتخلف منهم أحد، وكسا رسول الله ﷺ السبي قبطيّة قبطيّة» «١» «٢» .
رقّة وكرم:
وكان المسلمون قد ساقوا فيمن ساقوه إلى رسول الله ﷺ الشّيماء بنت حليمة السعدية، أخت رسول الله ﷺ من الرّضاعة، وعنّفوا عليها في السّوق، وهم لا يدرون، فقالت للمسلمين: تعلمون والله أنّي أخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدّقوها حتّى أتوا بها رسول الله ﷺ، ولما انتهت الشّيماء إلى رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله! إنّي أختك من الرّضاعة، قال: ما علامة ذلك؟ قالت: عضّة عضضتنيها في ظهري، وأنا متورّكتك «٣»، وعرف رسول الله ﷺ العلامة، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، وخيّرها، وقال: «إن أحببت الإقامة فعندي محببة ومكرّمة، وإن أحببت أن أمتّعك وترجعي إلى قومك فعلت»، فقالت: بل تمتّعني وتردّني إلى قومي «٤» .
_________________
(١) [القبطيّة: الثّوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، وكأنّه منسوب إلى القبط، هم أهل مصر وضمّ القاف من تغيير النّسب، وهذا في الثياب، فأمّا في الناس فقبطيّ، بالكسر (النهاية: ٤/ ٦)] .
(٢) زاد المعاد، ج ١، ص ٤٤٩، وروى البخاري القصة [في كتاب المغازي]، في باب قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ إلخ باختلاف بعض الألفاظ [برقم (٤٣١٨) و(٤٣١٩)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال، برقم (٢٦٩٣)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٢٦) من حديث عروة بن الزبير] .
(٣) يعني: حاملتك على وركي.
(٤) السيرة النبوية: لابن كثير: ج ٣، ص ٦٨٩.
[ ٤٧٨ ]
ومتّعها رسول الله ﷺ فأسلمت، وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية ونعما وشاء «١» .
عمرة الجعرانة:
ولمّا انتهى رسول الله ﷺ من غزوة حنين، وقسّمت السبايا والمغانم في الجعرانة، وهي على مرحلة من مكّة وميقات أهل الطائف، أحرم منها للعمرة، واعتمر وانصرف راجعا إلى المدينة «٢»، وذلك في شهر ذي القعدة «٣»، سنة ثمان.
طائعون لا كارهون:
ولمّا ارتحل المسلمون من الطائف، واستقبلوا المدينة، قال رسول الله ﷺ: «قولوا آيبون، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون» .
قيل: يا رسول الله! ادع الله على ثقيف.
قال: «اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» .
ولحق عروة بن مسعود الثقفيّ، وأدرك رسول الله ﷺ قبل أن يدخل المدينة، فأسلم ورجع يدعو قومه إلى الإسلام، وكان محبّبا إليهم، صاحب منزلة فيهم، فلمّا دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنّبل، فقتل شهيدا.
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٤٩.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٠٠.
(٣) أخرجه البخاري، [في كتاب المغازي] باب «غزوة الحديبية» [برقم (٤١٤٨)، ومسلم في كتاب الحج، باب بيان عدد عمر النبي ﷺ..، برقم (١٢٥٣)، وأبو داود في كتاب المناسك، باب العمرة، برقم (١٩٩٤) من حديث أنس ﵁] .
[ ٤٧٩ ]
وأقامت ثقيف بعد قتله أشهرا، ثمّ ائتمروا بينهم، ورأوا أنّه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فأرسلوا وفدا إلى رسول الله ﷺ.
لا هوادة مع الوثنية:
وقدموا على رسول الله ﷺ وضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، وأسلموا.
وسألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم «اللّات» لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ عليهم وما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم رسول الله ﷺ حتّى سألوا شهرا واحدا بعد قدومهم، فأبى عليهم إلّا أن يبعث أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة- وهو من قومهم- يهدمانها.
وسألوه أن يعفيهم من الصلاة، فقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه» .
ولمّا فرغوا من أمرهم وتوجّهوا إلى بلادهم راجعين، بعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، فهدمها المغيرة، وانتشر الإسلام في ثقيف، حتى أسلم أهل الطائف عن آخرهم «١» .
إسلام كعب بن زهير:
لمّا قدم رسول الله ﷺ من الطائف، جاءه كعب بن زهير- الشاعر بن الشاعر- وكان قد هجا رسول الله ﷺ ثمّ ضاقت به الأرض، وضاقت عليه نفسه، وحثّه أخوه «بجير» على أن يأتي رسول الله ﷺ تائبا مسلما، وحذّره من سوء العاقبة إن لم يفعل ذلك، فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ والتي اشتهرت ب «قصيدة بانت سعاد» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٥٨- ٤٥٩ ملخصا.
[ ٤٨٠ ]
فقدم المدينة، وغدا إلى رسول الله ﷺ حين صلّى الصبح، ثمّ جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال لرسول الله ﷺ: إنّ كعب بن زهير جاء يستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه؟ فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعني وعدوّ الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: «دعه عنك» فقد جاء تائبا نازعا، وأنشد كعب قصيدته اللامية التي أولها: [من البسيط]
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيّم إثرها لم يفد مكبول
وقال مادحا فيها:
إنّ الرّسول لنور يستضاء به مهنّد من سيوف الله مسلول
فخلع عليه رسول الله ﷺ بردته «١» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٤٦٦- ٤٦٨. قال القسطلاني في «المواهب» (: ج ٣، ص ٧٠) في رواية أبي بكر بن الأنباري أنه لمّا وصل إلى قوله: [من البسيط] إنّ الرسول لنور يستضاء به مهنّد من سيوف الله مسلول رمى ﵊ بردة كانت عليه، وأن معاوية بذل فيها عشرة آلاف، فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدا، فلما مات كعب، بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم، قال: وهي البردة التي عند السلاطين.
[ ٤٨١ ]
خريطة غزوة العسرة رجب ٩ هجرية
[ ٤٨٢ ]
غزوة تبوك «١» رجب سنة تسع من الهجرة
أثر غزوة تبوك النفسيّ وسببها:
كانت غزوة تبوك نظير فتح مكّة في قذف الرّعب في قلوب الأعداء، ورفع الغشاوة عن عيون كثير من الذين كانوا يعتقدون أنّ الإسلام سراج يلتهب ثمّ ينطفىء، أو سحابة صيف عن قليل تنقشع، وكانت هذه الغزوة احتكاكا بأعظم قوّة وأكبر دولة في العصر، وكانت عظيمة الشوكة، مرهوبة الجانب في نظر العرب.
وقد قال أبو سفيان حين رأى اهتمام هرقل- الإمبراطور الروميّ- بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعثه مع دحية الكلبيّ، وحسابه لظهور النبيّ في جزيرة العرب: «لقد أمر «٢» أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما
_________________
(١) موضع من بلاد العرب بين المدينة المنورة ودمشق على نصف الطريق، واقع إلى الجنوب الشرقي من أيلة، وفي معجم البلدان لياقوت عن أبي زيد: «تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر، ويقال: إن أصحاب الأيكة الذي بعث إليهم شعيب كانوا هناك» انتهى. وتبوك على ست مراحل من بحر القلزم بين جبلي حسمى وشروى، (ملخصا من دائرة المعارف للبستاني) وهي الآن ثكنة تابعة لإمارة المدينة في المملكة العربية السعودية، على بعد ٧٦٠ كيلو مترا تقريبا من المدينة المنورة.
(٢) [أمر الأمر: أي اشتدّ] .
[ ٤٨٣ ]
زلت موقنا أنّه سيظهر، حتى أدخل الله عليّ الإسلام» «١» .
وكان العرب لا يحلمون بغزو الروم والزّحف عليهم، بل كانوا يخافون أن يغزوهم في عقر دارهم، بل كانوا يرون أنفسهم أصغر من ذلك، وكان المسلمون في المدينة إذا حزبهم أمر، أو دهمهم خطر، ابتدرت أذهانهم إلى هجوم غسان وغزوهم، وهم تبع لقيصر ملك الروم وعماله.
جاء في قصّة الإيلاء التي وقعت سنة ثمان، يقول عمر بن الخطاب ﵁-: «كان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتيه بالخبر، ونحن حينئذ نتخوّف ملكا من ملوك غسّان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فأتى صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب، وقال: افتح افتح، فقلت: جاء الغسّانيّ؟!» «٢» .
وقد كانت الدولة الروميّة في أوجها، وقد دحرت جيوشها في قيادة هرقل جيوش إيران وأوغلت في ديارها، وهزمتها هزيمة منكرة، ومشى هرقل من حمص إلى «إيلياء» في موكب الملك المنتصر، والقائد المظفّر شكرا «٣» على هذا الانتصار الرائع، وذلك سنة سبع للهجرة، يحمل الصليب الذي استردّه من الفرس، وقد بسطت له البسط، ووزّعت عليه الرياحين، فمشى
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب كيف كان بدء الوحي، برقم (٧)، من حديث عبد الله بن عباس ﵄ عن أبي سفيان] .
(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة التحريم، باب: تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ..، برقم (٤٩١٣)، ومسلم في كتاب الطلاق [باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخيرهنّ، برقم (١٤٧٩) من حديث ابن عباس ﵄] .
(٣) صحيح مسلم (كتاب الجهاد والسير)، باب «كتاب النّبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام» [برقم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس ﵄ عن أبي سفيان] .
[ ٤٨٤ ]
عليها «١»، فما مضى على هذا الانتصار الرائع عامان، حتّى خرج رسول الله ﷺ من المدينة يريد الروم.
وقد مهّد الله بهذا الغزو الذي كان له أثر عميق في نفوس العرب، لغزو المسلمين للشام في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر، وكان ذلك سندا له.
ويقال في سبب هذه الغزوة أنّ رسول الله ﷺ اتصل به نبأ تهيّؤ الروم لغزو حدود العرب الشمالية، قال ابن سعد وشيخه الواقديّ: «إنّ رسول الله ﷺ بلغه من الأنباط أنّ هرقل رزق أصحابه لسنة وأجلبت معهم لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرهم من متنصّرة العرب، وجاءت مقدّمتهم إلى البلقاء» «٢» .
وسواء صحّت هذه الرواية أو لم تصحّ، فقد كانت الغاية في الحقيقة من هذه الغزوة إرهاب الدولة المجاورة، التي كانت تخاف معرّتها على مركز الإسلام والمسلمين، وعلى الدعوة الإسلاميّة الزاحفة وقوّتها الناشئة، ومنعها من أن تطمع في غزو المسلمين في عقر دارهم، وأن تعتبرهم مالا سائبا أو لقمة سائغة، فمن كان هذا شأنه لا يتقدّم بجيوشه إلى هذه الإمبراطورية العظيمة، ويدخل في حدودها متحدّيا متهدّدا، وتلك هي الحكمة التي ذكرها القرآن في سياق الآيات التي نزلت في غزوة تبوك، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ١٢٣] .
وقد تحقّقت هذه الغاية، فلم يقابل الروم هذا الزحف بزحف مقابل، وبتحرّكات عسكرية، بل كان هنالك نوع انسحاب مقابل هذا التحدّي السافر، وصاروا يحسبون لهذه القوّة الناشئة حسابا لم يحسبوه من قبل.
_________________
(١) فتح الباري: ج ١، ص ٣١.
(٢) الزرقاني على المواهب: ج ٢، ص ٦٣- ٦٤.
[ ٤٨٥ ]
والحكمة الثانية في هذه الغزوة الجريئة، بل في هذه المغامرة الخطرة، هي إدخال الرّعب في قلوب القبائل العربية التي لم تدخل في الإسلام في جزيرة العرب، والقبائل العربيّة المنتصرة الخاضعة لنفوذ الإمبراطورية الرومانية، والتابعة لها، وإتاحة الفرصة لها للتفكير في أهميّة الدّين الإسلاميّ جدّيا، وأنّه ليس من الفقاقيع والنفاخات التي تعلو سطح الماء ثمّ تغيب، وأنّ له مستقبلا زاهرا، لعلّ ذلك يفتح لها الطريق في الدخول في الإسلام، الذي ظهر في أرضهم وبلادهم، وذلك ما أشار إليه القرآن بقوله في الذين خرجوا في هذه الغزوة:
وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ [التوبة: ١٢٠] .
وقد كان الروم لا يزالون يذكرون غزوة مؤتة التي لم يقضوا منها حاجة في نفوسهم ولم يشفوها، وقد أسفرت عن انسحاب كلّ فريق راضيا من الغنيمة بالإياب، وقد أضعفت رهبة الدولة البيزنطيّة وجيوشها الجرارة في نفوس العرب.
وبالجملة فقد كانت لهذه الغزوة أهميّة كبيرة في السيرة النبوية وتاريخ الدعوة الإسلامية، وتحقّقت منها غايات كانت بعيدة الأثر في نفوس المسلمين والعرب، ومجرى الحوادث في تاريخ الإسلام.
زمن الغزوة:
وكانت هذه الغزوة في رجب سنة تسع «١»، غزاها رسول الله ﷺ في حرّ
_________________
(١) إنّه من الصعب تحديد زمن غزوة تبوك؛ طبق التقويم الشمسي الميلادي، وتعيين الشهر الإفرنجي الذي كان فيه الخروج من المدينة إلى تبوك، وقد جعل بعض مؤلفي السيرة شهر-
[ ٤٨٦ ]
شديد حين طابت الثّمار والظّلال واستقبل سفرا بعيدا ومفازة «١» وعدوا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد «٢»، وكان الزمن زمن عسرة الناس وجدب البلاد.
وتعلّل المنافقون بعلل، وكرهوا الخروج مع رسول الله ﷺ إشفاقا من العدوّ القويّ القاهر، وفرارا من الحرّ الشديد، زهادة في الجهاد، وشكّا في الحقّ، في ذلك يقول الله تعالى:
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ
_________________
(١) - نوفمبر مقابل رجب سنة ٩ هـ، منهم العلامة شبلي النّعماني في كتابه الشهير «سيرة النبي»، ولكنّ الشواهد الداخلية، والتصريحات التي جاءت في نص الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما من أصحاب الصحاح والسنن، تحتّم أن تكون هذه الغزوة قد وقعت في زمن الصيف، لقد جاء في صلب الحديث على لسان كعب بن مالك: «أن رسول الله ﷺ غزاها في حرّ شديد حين طابت الثمار والظلال» فليكن ذلك هو الميزان والحاكم في تحديد زمن هذه الغزوة، وكل ما لا يتفق معه لا يعول عليه. وفي روآية موسى بن عاقبة عن ابن شهاب: «في قيظ شديد في ليالي الخريف والناس خارفون في نخيلهم، وأكثر من ذلك قول المنافقين الذي نقله القرآن في سورة آل توبة، ثم رده عليهم، فقال: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١]» [فتح الباري: ٨/ ١١٨] . وشهر نوفمبر في المدينة والحجاز، مبدأ الشتاء، وتطبيق التقويمين الشمسي والميلادي، والهلالي الهجري، من الأمور الصعبة، وقد كثر فيه الاضطراب لاختلاف أهل السير في مبدأ التقويم الهجري، هل كان من ربيع الأول أو من المحرم. وقد توصّل الأستاذ إسحاق الرّامفوري بعد استعراض طويل للحوادث والغزوات، وتطبيق بين التقويمين، أنّه كان شهر أبريل (نيسان) ولا يبعد عن الصواب، لأنه مبدأ الصيف في المدينة، إلا أنه ذكر أنه كان ذلك في سنة ٦٣٠ م، والعلامة شبلي النعماني عيّنها بسنة ٦٣٥ م، والله أعلم.
(٢) مفازة: فلاة لا ماء فيها.
(٣) مقتبس من حديث كعب بن مالك ﵁ الذي رواه الشيخان [انظر تخريجه في صفحة ٤٩٢] .
[ ٤٨٧ ]
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] .
تنافس الصحابة في الجهاد والمسير:
وجدّ رسول الله ﷺ في سفره، وأمر الناس بالجهاز، وحضّ أهل الغنى على النفقة في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى، واحتسبوا، وجهّز عثمان بن عفّان جيش العسرة، وأنفق ألف دينار، ودعا له رسول الله ﷺ «١»، واستحمل «٢» رجال رسول الله ﷺ وكانوا أهل حاجة، فاعتذر رسول الله ﷺ لعدم وجود الظهر، فاشتدّ حزنهم على ذلك، وأسقط الله عنهم الحرج، يقول الله تعالى:
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢] .
وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النيّة، حين تخلّفوا عن هذه الغزوة من غير شكّ ولا ارتياب.
مسير الجيش إلى تبوك:
خرج رسول الله ﷺ في ثلاثين ألفا من الناس من المدينة إلى تبوك، وكان أكبر جيش خرج به في غزوة، وضرب عسكره على ثنيّة الوداع، واستعمل
_________________
(١) [أخرجه الترمذي في أبواب المناقب، باب [في عد عثمان تسميته شهيدا،..، برقم (٣٧٠١)، وقال: حسن غريب، وأحمد في المسند (٥/ ٦٣) بإسناد حسن من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁] .
(٢) [استحمل، أي: طلب راحلة تحمله إلى المعركة] .
[ ٤٨٨ ]
على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاريّ، وخلف على أهله عليّ بن أبي طالب، وقال له حين شكا إليه إرجاف المنافقين وقالتهم: «أفلا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس نبيّ بعدي» «١» .
ونزل ب «الحجر» ديار ثمود، وأخبرهم بأنّها ديار المعذّبين، وقال:
«لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلّا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» «٢» وقال: «لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضّؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا» .
وأصبح الناس ولا ماء لهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فدعا، فأرسل الله سبحانه سحابة، فأمطرت حتّى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء «٣» .
تخوّف العرب من الرّوم:
وكان رهط من المنافقين يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فيقول بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنّا بكم غدا مقرّنين بالحبال «٤» .
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة تبوك..، برقم (٤٤١٦)، وأحمد في المسند (١/ ١٨٢) من حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁] .
(٢) زاد المعاد: ج ١ ص ٤٠٣، وسيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٢٢، ومعناه في الصحيحين [أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله «ولقد كذب أصحاب الحجر»، برقم (٤٧٠٢) ومسلم في الزهد، باب النهي عن الدخول على أهل الحجر إلّا من يدخل باكيا، برقم (٢٩٨٠)، من حديث ابن عمر ﵄] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٢٢ [أخرج الطبراني هذه الحادثة في «المعجم الأوسط»، وقال الهيثمي (٦/ ١٩٤- ١٩٥): رواه البزّار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار ثقات] .
(٤) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٥٢٤- ٥٢٦.
[ ٤٨٩ ]
الصلح بين الرسول وأصحاب أيلة:
ولمّا انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يوحنّا بن رؤبة صاحب أيلة- وهو أحد الأمراء المقيمين بالحدود- فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل «جرباء»، و«أذرح» «١» وكتب لهم رسول الله ﷺ كتاب أمن، كان فيه كفالة الحدود وتأمين المياه، والطّرق البرية والبحرية، والضمان لسلامة الفريقين، وأكرمه رسول الله ﷺ «٢» .
عودة الرسول إلى المدينة:
وهنا بلغ خبر انسحاب الروم وعدولهم عن فكرة الزحف واقتحام الحدود، فلم ير رسول الله ﷺ محلا لتتبّعهم داخل بلادهم، وقد تحقّق الغرض.
وكان أكيدر بن عبد الملك الكنديّ النصرانيّ أمير دومة «٣»، وكان ردءا لجيوش الروم، إذ جاءت من ناحيته، فبعث رسول الله ﷺ إليه خالد بن الوليد في خمسمئة فارس، وأسر خالد أكيدر، وبعث به إلى رسول الله ﷺ فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله «٤» .
_________________
(١) [جرباء وأذرح: هما قريتان بالشّام] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٢٥- ٥٢٦.
(٣) دومة الجندل: كانت قرية عامرة، يقصدها الأعراب للبيع والشراء، كانت قد خربت على مر الزمن، فنزل بها «أكيدر» فأعاد إليها رواءها، وغرس الزيتون بها، فتوافد إليها الأعراب، يحميها سور قديم، وفي داخل السور حصن منيع، اشتهر بين أعراب الشمال، بذلك اكتسبت المدينة أهمية استراتيجية، وكان أكثر سكانها من كلب، وكان «أكيدر» يلقب نفسه بلقب الملك، على عادة ذلك الوقت، وكان أهل دومة على النصرانية في ذلك الحين. (راجع «تاريخ العرب قبل الإسلام») .
(٤) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٢٦.
[ ٤٩٠ ]
وأقام رسول الله ﷺ ب «تبوك» بضع عشرة ليلة، ثمّ انصرف قافلا إلى المدينة «١» .
في جنازة مسلم مسكين:
ومات عبد الله ذو البجادين في «تبوك»، وكان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك، ويضيّقون عليه، حتّى تركوه في بجاد «٢» ليس عليه غيره، فهرب منهم إلى رسول الله ﷺ، فلمّا كان قريبا منه، شقّ بجاده باثنين، فاتّزر بواحد، واشتمل عليه، ثمّ أتى رسول الله ﷺ فقيل له: «ذو البجادين»، ولمّا مات في تبوك شيّعة رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر في ظلام الليل، وفي يد بعضهم مشعل، يسيرون في ضوئه، وقد حفروا له، ونزل رسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر يدلّيانه إليه، وهو يقول: «أدنيا إليّ أخاكما» فدلّياه إليه، فلمّا هيّأه لشقه، قال: «اللهم! إنّي أمسيت راضيا عنه، فارض عنه»، قال عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة «٣» .
ابتلاء كعب بن مالك ونجاحه فيه:
وكان من بين من تخلّف عن هذه الغزوة من غير شكّ ولا ارتياب، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة، وكانوا من السابقين الأولين، ولهم حسن بلاء في الإسلام، وكان مرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة ممن شهد بدرا، ولم يكن التخلف عن الغزوات من خلقهم وعادتهم،
_________________
(١) المصدر السابق: ج ٢، ص ٥٢٧.
(٢) [البجاد، وجمعه البجد: هو الكساء الغليظ، ومنه تسمية رسول الله ﷺ عبد الله بن عبد نهم ذا البجادين، لأنّه حين أراد المصير إلى رسول الله ﷺ قطعت أمّه بجادا لها قطعتين فارتدى بإحداهما وائتزر بالآخرى (النهاية: ١/ ٩٦)] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٢٧- ٥٢٨.
[ ٤٩١ ]
ولم يكن ذلك إلّا من حكمة إلهيّة، وتمحيصا لأنفسهم، وتربية للمسلمين، وإنّما هو التسويف، وضعف الإرادة، والاعتماد الزائد على الوسائل الموجودة وعدم الجدّ والإسراع في الأمر، وكم جنى ذلك على أناس لم يكونوا أقلّ من إخوانهم إيمانا وحبا لله ولرسوله، وذلك ما عبّر عنه ثالث ثلاثتهم كعب بن مالك بقوله:
«فطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا.. فأقول في نفسي، أنا قادر عليه، ولم يزل يتمادى بي، حتّى اشتدّ الجدّ، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو يومين، ثمّ ألحقهم، فغدوت- بعد أن فصلوا- لأتجهّز فرجعت ولم أقض شيئا، ثمّ غدوت فرجعت فلم أقض شيئا.
فلم يزل بي حتّى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدّر لي ذلك» «١» .
وقد امتحن الله إيمان هؤلاء الثلاثة، ومدى حبّهم للرسول ﷺ ووفائهم للإسلام، والبقاء عليه في السرّاء والضرّاء، وإكرام الناس وجفوتهم، وفي حال إقبال رسول الله ﷺ وإعراضه امتحانا قلّ نظيره في تاريخ المجتمعات
_________________
(١) أخرجه البخاري، في كتاب المغازي [باب حديث كعب بن مالك ، برقم (٤٤١٨)، ومسلم في كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك، برقم (٢٧٦٩)، وأبو داود في كتاب الإيمان والنذور، باب فيمن نذر أن يتصدّق بماله، برقم (٣٣٢١)، والنّسائي في الطلاق، باب الحقي بأهلك..، برقم (٣٤٥١) و(٣٤٥٢)، وعبد الرزاق في المصنّف، برقم (٩٧٤٤)، وابن أبي شيبة في المصنّف، برقم (١٨٨٥٣)، وابن هشام في السيرة (٢/ ٥٣١)، وابن جرير في التفسير (١١/ ٥٨)، وابن كثير في السيرة (٤/ ٤٢- ٤٨)، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٧٣- ٢٧٩) وغيرهم من حديث كعب بن مالك ﵁] .
[ ٤٩٢ ]
البشريّة التي تقوم على أساس الإيمان والعقيدة والحبّ والعاطفة.
وقد صدقوا رسول الله ﷺ حين كذب الناس، وشهدوا على أنفسهم، حين برّأها المنافقون.
يقول كعب بن مالك في حديثه البليغ الطويل:
«جاءه المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكّل سرائرهم إلى الله، فجئته وسلّمت عليه، فلمّا سلّمت عليه، تبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: تعال، فجئت أمشي، حتّى جلست بين يديه فقال لي: ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك.
فقلت: بلى والله؟ إنّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكنّي والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر، لا والله ما كنت أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك» .
وجاءت الساعة الرهيبة، فنهى رسول الله ﷺ عن كلامهم، وما كان من المسلمين إلا السّمع والطاعة، فاجتنبهم الناس وتغيّروا لهم، حتّى تنكّرت في نفوسهم الأرض، فما هي التي يعرفونها، ولبثوا على ذلك خمسين ليلة، فأمّا مرارة بن الرّبيع وهلال بن أميّة، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا كعب بن مالك، فكان أشبّ الثلاثة وأجلدهم، وكان يخرج فيشهد الصلاة مع المسلمين، ويطوف في الأسواق، ولا يكلّمه أحد «١» .
_________________
(١) مقتبس من حديث كعب بن مالك نصه وهو يصور الحال ويذكر القصة [قد سبق تخريجه قبل-
[ ٤٩٣ ]
وكلّ ذلك لم يؤثّر في رابطة الحبّ والولاء، التي كانت تربطه برسول الله ﷺ، ولم يؤثّر كذلك في عطف رسول الله ﷺ عليه ورأفته به، بل لم يزده هذا العتاب إلّا رسوخا في المحبة، ولوعة، وجوى، يقول:
«وآتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا؟ ثمّ أصلّي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل عليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي» .
فتنكّرت له الدّنيا وأعرض عنه من كانت له دالّة عليه، يقول: «حتّى إذا طال عليّ ذلك من جفوة النّاس، مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ، فسلّمت عليه، فو الله ما ردّ عليّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة! أنشدك بالله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؟ فسكت فعدت له، فنشدته، فسكت، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتولّيت حتّى تسوّرت الجدار» «١» .
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعدّى إلى أزواج هؤلاء الثلاثة، فأمروا أن يعتزلوهنّ، ففعلوا.
وجاءت أدقّ مرحلة من مراحل هذا الامتحان للحبّ والوفاء، والثبات والاستقامة، وذلك حين خطب ودّه ملك غسان، الذي كانت منادمته وحضور مجلسه شرفا يتنافس فيه المتنافسون، ويتغنّى به شعراء العرب سنين طوالا «٢»، فجاءه- وهو في ضيق النفس، وجفوة النّاس، وإعراض
_________________
(١) - قليل] .
(٢) حديث كعب بن مالك في صحيح البخاري [قد سبق تخريجه قبل قليل في صفحة (٤٩٢)] .
(٣) اقرأ قصيدة حسان بن ثابت الأنصاري في مدح آل جفنة، يقول فيها: [من الكامل] لله درّ عصابة نادمتهم يوما بجلّق في الزمان الأوّل -
[ ٤٩٤ ]
رسول الله ﷺ عنه- رسول ملك غسان، فيدفع إليه كتابا منه يقول فيه: «إنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة فالحق بنا نواسك»، فتثور في كعب الغيرة، ويهيج الحنان، فيقصد تنّورا، ويرمي هذا الكتاب فيه.
ولمّا تمّ ما أراده الله من تمحيص هؤلاء الثلاثة المؤمنين وتخليد ذكرهم في القرآن، ودرسهم للمسلمين إلى آخر الأبد، وإقامة برهان على قوة إيمان وحسن إسلام، وقد ضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أفرج عنهم، وأنزل توبتهم من فوق سبع سموات.
ولم يفردهم بالتوبة حتّى يشعروا بغربتهم وبكونهم شامة بين الناس، بل مهّد لتوبتهم التوبة على سيد الأنبياء والمهاجرين والأنصار الذين لم يتخلّفوا، تكريما لهم، وجبرا لخواطرهم، ورفعا لمكانتهم، فقال:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٧- ١١٨] .
نظرة على الغزوات:
وبغزوة تبوك التي كانت في رجب سنة تسع للهجرة انتهت الغزوات النبويّة، التي بلغ عددها سبعا وعشرين غزوة «١»، والبعوث والسّرايا التي بلغ
_________________
(١) - يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
(٢) على تحقيق ابن القيم في «زاد المعاد» ومن رأي اللّواء الركن محمود شيت خطّاب وتحقيقه-
[ ٤٩٥ ]
عددها ستين «١»، ولم يكن في كلّها قتال.
وقد أريق في جميع هذه الغزوات والسّرايا التي بعثها النّبيّ ﷺ أقلّ دم عرف في تاريخ الحروب والغزوات، فلم تتجاوز القتلى كلّها ١٠١٨ قتيلا من الفريقين، وكانت حاقنة لدماء لا يعلم عددها إلّا الله، عاصمة لنفوس وأعراض لا يحصيها إحصاء، باسطة الأمن في أرجاء الجزيرة حتّى استطاعت الظّعينة «٢» أن ترتحل من الحيرة «٣» حتّى تطوف بالكعبة، ولا تخاف أحدا إلّا الله «٤»، والمرأة من القادسيّة على بعيرها حتّى تزور البيت لا تخاف «٥» بعد ما كانت الجزيرة كلّها كفّة حابل، وشبكة دقيقة من ترات وثارات، وحروب وغارات، لا تمشي فيها قوافل الحكومات الكبيرة إلا بخفارة ساهرة، وبذرقة «٦» ماهرة.
وكانت هذه الحروب مؤسّسة على الأصلين القرآنيين الحكيمين:
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ١٩١]، ووَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي
_________________
(١) - أنّ عددها يبلغ ثمانيا وعشرين (٢٨) غزوة (بحث تاريخ جيش النّبي ﷺ) .
(٢) كما حقّقها مؤلف السيرة الشهيرة القاضي محمد سليمان المنصور فوري في الجزء الثاني من كتابه: «رحمة للعالمين»، وهو مبنيّ على استقراء دقيق [انظر هذا التحقيق النفيس في ترجمته العربية بعنوان «نظرة تحليلية على هذه الغزوات والسرايا»، في صفحة (٤٥٧- ٤٧٠)] .
(٣) [الظّعينة: هي الراحلة التي يرحل ويظعن عليها، أي يسار، وقيل للمرأة ظعينة، لأنها تظعن مع الزّوج حيثما ظعن، أو لأنّها تحمل على الرّاحلة إذا ظعنت، وقيل: الظعينة: المرأة في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأت وللمرأة بلا هودج: ظعينة (النهاية: ٣/ ١٥٧)] .
(٤) [الحيرة: بلد بالعراق خربت (مقدمة فتح الباري: ١/ ١٠٩)] .
(٥) أخرجه البخاري، [في كتاب المناقب] باب «علامات النبوة» برقم (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم ﵁] .
(٦) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٨١.
(٧) البذرقة- بالذال المعجمة والمهملة-: الخفارة (القاموس) .
[ ٤٩٦ ]
الْأَلْبابِ [البقرة: ١٧٩]، موفّرة على النوع الإنسانيّ والمجتمع البشريّ قدرا كبيرا من الوقت والجهد في تغيير الأحوال ودرء الأخطار، وكانت خاضعة لآداب خلقية وتعليمات رحيمة جعلتها أشبه بعملية التأديب منها بعملية التعذيب.
أمّا بالنسبة إلى نجاح العمليّة وسرعتها فقد استمرّ التوسّع بنسبة ٢٧٤ ميلا مربعا في ظرف عشر سنوات، ولم يخسر المسلمون فيها إلا بنسبة شخص واحد في الشّهر، وكان أقصى خسائر العدوّ في النفوس ١٥٠ شخصا، فلمّا اكتملت السنوات العشر خضع أكثر من مليون ميل مربع للحكم الإسلاميّ «١» .
وكان رسول الله ﷺ إذا ودّع جيشا، قال:
«أوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله، في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تقتلوا وليدا
_________________
(١) مستفاد من كتاب «حديث دفاع» للواء محمد أكبر خان، ص ٢٧٢. [انظروا إلى مدى نجاح الرسول ﷺ، فقد ضحى بثمانية عشر وألف رجل فقط لتحقيق المصالح الروحية والخلقية والمادية والقومية التي لم تحقّقها أمة ولا دولة حتى اليوم. دعونا من حروب رجال الدنيا، ولنذكر ما يسمّى بالحروب المقدّسة، فهذه حروب «مها بهارت» (التي وقعت في الهند في القرن السادس قبل المسيح) لا يقلّ عدد المقتولين فيها عن عشرة ملايين نسمة، وكذلك أهلكت الهيئات الدينية والمقدّسة في أوربة نفوسا يربو عددها على مئات الآلاف. وقد ذكر المسترجان وديون بورت في كتابه:) Apology For Mohammad and Quran (أنّ عدد من أعدمته- سيذكره العلّامة المؤلّف أيضا- محاكم التفتيش بلغ اثني عشر مليون نسمة كانوا مسيحيين، قتلوا بأيد مسيحية. ودولة إسبانية وحدها أهلكت ثلاثمئة ألف وأربعين ألفا من المسيحيين، واثنان وثلاثون ألفا منهم أحرقوا أحياء (رحمة للعالمين، للقاضي محمد سليمان سلمان المنصور فوري: ص ٤٦٩- ٤٧٥)] .
[ ٤٩٧ ]
ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعة، ولا تعقروا نخلا، ولا تقطعوا شجرا، ولا تهدموا بناء» «١» .
قارن ذلك بقتلى الحربين العالميتين: الأولى (١٩١٤- ١٩١٨ م) والثانية (١٩٣٩- ١٩٤٥ م)، فقد ذكر الكاتب المحقّق في «دائرة المعارف البريطانيّة» في هذا الموضوع، أنّ عدد المقتولين في الحرب العالمية الأولى بلغ ستة ملايين وأربعمئة ألف نفس (٠٠٠، ٤٠٠، ٦) «٢»، وعدد المقتولين في الحرب العالميّة الثانية بين خمسة وثلاثين مليونا وستّين مليون نفس (بين ٠٠٠، ٠٠٠، ٣٥ و٠٠٠، ٠٠٠، ٦٠) «٣» .
ولم تخدم هاتان الحربان- كما يعلم الجميع- مصلحة إنسانية، ولم يستفد منها العالم البشريّ في قليل أو كثير.
وقد بلغ عدد ضحايا محاكم التفتيش في أوربة في القرون الوسطى، والاضطهاد الكنسيّ إلى اثني عشر مليون نفس (٠٠٠، ٠٠٠، ١٢) «٤» .
_________________
(١) رواه الواقدي عن زيد بن أرقم في غزوة مؤتة.
(٢) دائرة المعارف البريطانية: ج ١٩، ص ٦٦٩.
(٣) ص ١٠١٣، (طبعة ١٩٧٤ م) . [نشرت صحيفة «همدم» الأردوية الصادرة في ١٧/ من إبريل سنة ١٩١٩ م) تعداد قتلى الحرب العالمية المستمرة من سنة ١٨- ١٩١٤ م حسب مايلي: روسية (١٧٠) ألف نسمة، وألمانية (١٦٠) ألف نسمة، فرنسة (٢٠٠) ألف نسمة، وإيطالية (٤٦٠) ألف نسمة، والنمسا (٨٠٠) ألف نسمة، وبريطانية (٨٠٠) ألف نسمة، وتركية (٢٥٠) ألف نسمة، وبلجيكا (١٠٢) ألف نسمة، وبلغارية (١٠٠) ألف نسمة، ورومانية (١٠٠) ألف نسمة، وأمريكة (٥٠) ألف نسمة. المجموع الكلي أكثر من سبعة ملايين نسمة. ويشكّ كاتب المقال ويتساءل: هل دخل عدد قتلى مستعمرات الهند وفرنسة في تعداد إنكليز وفرنسا أم لا؟ ولكنّه يعترف بأنّ عدد الجرحى والأسرى والضائعين لم يدرج في الأعداد المذكورة. (رحمة للعالمين، ص: ٤٩٦)] . .John Davenport:Apology For Muhammad and Quran (٤)
[ ٤٩٨ ]
أوّل حجّ في الإسلام:
وفرض الحجّ سنة تسع «١»، وبعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا للحجّ هذه السنة، ليقيم للمسلمين حجّهم، والناس من أهل الشّرك على منازلهم من حجّهم «٢» وخرج مع أبي بكر من أراد الحجّ من المسلمين في ثلاثمئة رجل من المدينة «٣» .
ونزلت سورة (براءة) على رسول الله ﷺ فدعا عليّ بن أبي طالب، فقال له: «اخرج بهذه القصّة من صدر براءة وأذّن في الناس يوم النحر- إذا اجتمعوا بمنى- أنّه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدّته» .
فخرج عليّ بن أبي طالب على ناقة رسول الله ﷺ العضباء، حتّى أدرك أبا بكر بالطريق، فلمّا رآه أبو بكر قال: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثمّ مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحجّ، حتّى إذا كان يوم النّحر، قام عليّ بن أبي طالب﵁- فأذّن في الناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ «٤» .
_________________
(١) ذهب بعض العلماء إلى أنّ فرض الحج كان في السنة السادسة من الهجرة، واختاره العلامة الشيخ محمد الخضري في «تاريخ التشريع الإسلامي» ص ٥٢.
(٢) ابن هشام: ج ٢، ص ٥٤٣.
(٣) زاد المعاد: ج ٢، ص ٢٤.
(٤) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٤٣- ٥٤٦ [هذا الحديث مرسل، وله شواهد كثيرة، منها ما جاء من حديث ابن عباس ﵄ عند الترمذي في أبواب تفسير القرآن، سورة التوبة، برقم (٣٠٩١)، وقال: حديث حسن غريب، وعند أحمد في المسند (٢/ ٩٩)، وقد ذكر ابن كثير في التفسير (٢/ ٣٣٢- ٣٣٤) كثيرا من هذه الشواهد] .
[ ٤٩٩ ]
خريطة السرايا والغزوات بعد فتح مكة رجب ٩ هـ- صفر ١١ هـ
[ ٥٠٠ ]
عام الوفود سنة تسع من الهجرة
تقاطر الوفود إلى المدينة وأثرها في الحياة:
وبعد أن فتح الله مكّة، وعاد نبيّه من تبوك سالما غانما، وكان قد كتب قبل ذلك إلى الملوك والأمراء كتبا دعاهم فيها إلى الإسلام، فلقي من بعضهم الاستجابة الكريمة، ومن بعضهم ردّا رقيقا رفيقا، ووقف بعضهم أمامها خاشعا مترددا، وردّها بعضهم ردّا قبيحا، وتلقّاها بالإهانة والكبر، فلقي عقوبة عاجلة أطاحت بملكه ونفسه، وقد تسامع ذلك العرب كلّهم وتحدّثوا به.
وكان لفتح مكّة- عاصمة الجزيرة الروحيّة والاجتماعية- ودخول رؤساء قريش في الإسلام، وسقوط أكبر حصن من حصون المقاومة أمام دين الله، أثر عميق في نفوس المترددين والمتربّصين من العرب، فزال الحاجز بينهم وبين الإسلام، وطويت المسافة بينهم وبين قبوله.
قال العلّامة محمد طاهر الفتني (ت ٩٨٦ هـ) في السّير من كتابه «مجمع بحار الأنوار»:
«وهذه السّنة «١» سنة الوفود، فإنّ العرب تربّصوا بالإسلام أمر قريش،
_________________
(١) يعني سنة تسع للهجرة.
[ ٥٠١ ]
خريطة عام الوفود
[ ٥٠٢ ]
لأنّهم إمام الناس، وأهل بيت الله، فلمّا دانوا، وفتحت مكة، وأسلمت ثقيف، عرفوا أنه لا طاقة بهم، ووفدت الوفود من كلّ وجه يدخلون في دين الله أفواجا» «١» .
فكان لكلّ ذلك أثره الطبيعيّ في النفس، ففتح الطريق للدخول في الإسلام ولقاء رسول الله ﷺ في المدينة، وتقاطرت وفود هداية واستطلاع إلى مركز الإسلام كأنّها عقد انفرط، فتساقطت لآلئه في حجر الإسلام.
وكانت تعود إلى مراكزها تحمل روحا جديدة، وشحنة إيمانية، وحماسا في الدعوة إلى الإسلام، وكراهة شديدة للوثنيّة وآثارها، والجاهليّة وشعائرها.
كان من هذه الوفود وفد بني تميم، فيه أشراف قومهم المشهورون، جرت مساجلة بين خطيبهم وشاعرهم، وبين خطيب المسلمين وشاعرهم، ظهر فيها فضل الإسلام وتفوّق خطيبه وشاعره، أقرّ بذلك رؤساؤهم وأسلموا، وأجازهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم «٢» .
وقدم وفد بني عامر، وقدم ضمام بن ثعلبة وافدا عن بني سعد بن بكر، ورجع إلى قومه داعيا، فكان أوّل ما تكلّم به أن قال: بئست «اللّات» و«العزّى» .
قالوا: مه يا ضمام! اتّق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون.
وقال: ويلكم! إنّهما والله لا يضرّان ولا ينفعان، إنّ الله قد بعث رسولا، ونزّل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وحده
_________________
(١) مجمع بحار الأنوار: ج ٥، ص ٢٧٢.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٦٠- ٥٦٨.
[ ٥٠٣ ]
لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فما أمسى من ذلك اليوم في حيّه رجل ولا امرأة إلا مسلما «١» .
وقدم وفد بني حنيفة، معهم مسيلمة الكذّاب، وأسلم، وارتدّ، وتنبّأ، وتكذّب لهم، وكان مثير فتنة الرّدة، وقتل فيها «٢» .
وقدم وفد بني طيىء، وفيهم زيد الخيل- الفارس المشهور- وسمّاه رسول الله ﷺ «زيد الخير» وحسن إسلامه.
وقدم عديّ بن حاتم- ابن الجواد المشهور- وأسلم بعد ما رأى أخلاق رسول الله ﷺ وتواضعه، حتّى قال: والله ما هذا بأمر ملك.
وقدم وفد من بني زبيد، وفيهم فارس العرب المشهور عمرو بن معد يكرب، ووفد كندة فيهم الأشعث بن قيس، ووفد من الأزد، ورسول ملوك حمير بكتابهم يخبرون فيه بإسلامهم.
وبعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى إلى اليمن، للدعوة إلى الإسلام، وأوصاهما، وقال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا» «٣» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٧٤ [أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب ما جاء في العلم، برقم (٦٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام، برقم (١٢)، والنسائي في كتاب الصيام، باب وجوب الصيام، برقم (٢٠٩٣)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد، برقم (٤٨٦) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة..، برقم (٤٣٧٣)، ومسلم في كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي ﷺ، برقم (٢٢٧٣)، والترمذي في أبواب الرؤيا، باب ما جاء في رؤيا النبي ﷺ في الميزان والدلو، برقم (٢٢٩٢) وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄] .
(٣) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، في كتاب المغازي، باب: بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمن، [برقم (٤٣٤١)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب في الأمر بالتيسير وترك-
[ ٥٠٤ ]
وبعث فروة بن عمرو الجذاميّ إلى رسول الله ﷺ رسولا بإسلامه، وكان عاملا للروم على العرب في «معان» وما حولها من أرض الشام.
وأسلم بنو الحارث بن كعب ب «نجران» على يد خالد بن الوليد، وأقام فيهم خالد يعلّمهم الإسلام، وأقبل خالد ومعه وفد بني الحارث وعادوا إلى بلادهم، فبعث إليهم عمرو بن حزم ليفقّههم في الدين، ويعلّمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم.
وقدم وفد همدان «١» .
وبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فكسر «اللّات!»، ثمّ علا أعلى سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا، حتّى سوّوها بالأرض، وأقبل الوفد حتّى دخل على رسول الله ﷺ من يومه، وحمده «٢» .
وقدم وفد عبد القيس، ورحّب بهم رسول الله ﷺ وأمرهم ونهاهم عن الأوعية التي يسرع فيها الإسكار، سدا للذرائع، ولأنّهم كانوا يكثرون منها «٣» .
وقدم وفد الأشعريين وأهل اليمن، وكانوا يرتجزون: [من مجزوء الرجز]
_________________
(١) - التنفير، برقم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٥٧٥- ٥٩٦.
(٣) سيرة ابن كثير: ج ٤، ص ٦٢- ٦٣.
(٤) زاد المعاد: ج ٢، ص ٢٨، الحديث في الصحيحين عن ابن عباس [أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان، برقم (٥٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة..، برقم (١٣)] .
[ ٥٠٥ ]
غدا نلقى الأحبّه محمدا وحزبه «١»
وقال رسول الله ﷺ: «أتاكم أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانيّة» «٢» .
وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن، يدعوهم إلى الإسلام في نفر من المسلمين، فأقاموا ستة أشهر، يدعوهم خالد إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثمّ بعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعا، فكتب عليّ﵁- إلى رسول الله ﷺ يخبره بإسلامهم، فلمّا قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرّ ساجدا ثمّ رفع رأسه، وقال:
«السّلام على همدان، السلام على همدان» «٣» .
وقدم وفد مزينة في أربعمئة رجل.
وقدم وفد نصارى نجران وهم ستون راكبا، منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، فيهم أبو حارثة- أسقفهم وحبرهم- وكانت ملوك الروم قد شرّفوه، وموّلوه، وأخدموه، وبنوا له الكنائس، ونزلت فيهم آيات كثيرة من القرآن «٤» .
_________________
(١) زاد المعاد: ص ٣٢ [وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٠٥)، والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٥١) من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٢) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي] باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، [برقم (٤٣٨٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه..، برقم (٥٢)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁] .
(٣) زاد المعاد: ج ٢، ص ٣٣ [أخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٣٦٩) برقم (٣٧٤٧)، والروياني في المسند (١/ ٢١٩) برقم (٣٠٥) من حديث البراء بن عازب ﵁] .
(٤) اقرأ للتفصيل «زاد المعاد» ج ٢، ص ٣٥- ٣٦.
[ ٥٠٦ ]
وكتب رسول الله ﷺ إلى أهل نجران كتابا، يدعوهم فيه إلى الإسلام، فلمّا قرؤوه بعثوا وفدا إلى رسول الله ﷺ وسألهم وسألوه، ونزلت في جواب أسئلتهم آيات كثيرة من سورة آل عمران، وأراد رسول الله ﷺ أن يباهلهم «١»، وأبى شرحبيل ذلك وخاف، فلمّا كان من الغد أتوه، فكتب لهم كتابا، وضرب عليهم الخراج «٢»، وبعث معهم رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرّاح، وقال: «هذا أمين هذه الأمة» «٣» .
وقدم وفد تجيب، وسرّ بهم رسول الله ﷺ وأكرم منزلهم، وسألوا رسول الله ﷺ أشياء، فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسّنن فازداد بهم رسول الله ﷺ رغبة، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، وأقاموا أياما، ولم يطيلوا اللّبث فقيل لهم: وما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى من وراءنا، فنخبرهم برؤيتنا رسول الله ﷺ وكلامنا إيّاه، وما ردّ علينا، وانطلقوا راجعين، ثمّ وافوا رسول الله ﷺ في الموسم ب «منى» سنة عشر «٤» .
وكان من ضمن الوفود وفد بني فزارة، ووفد بني أسد، ووفد بهراء، ووفد عذرة، وأسلموا، وبشّرهم رسول الله ﷺ بفتح الشّام ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلّا الأضحية.
_________________
(١) [باهل يباهل مباهلة، من باب المفاعلة: وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منّا] .
(٢) زاد المعاد: ص ٣٧.
(٣) سيرة ابن كثير، ج ٤، ص ١٠٠، وأخرجه البخاري مختصرا [في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح..، برقم (٣٧٤٥)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي عبيدة ، برقم (٢٤٢٠)، وغيرهما من حديث حذيفة بن اليمان ﵁] .
(٤) زاد المعاد: ج ٢، ص ٤٣.
[ ٥٠٧ ]
ووفد بلي، ووفد ذي مرّة، ووفد خولان، وسألهم رسول الله ﷺ عن صنم لخولان «١»، الذي كانوا يعبدونه، قالوا: أبشر، بدّلنا الله به ما جئت به، وقد بقيت منّا بقايا من شيخ كبير، وعجوز كبيرة، متمسّكون به ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء الله «٢» .
وقدم وفد محارب، ووفد غسّان، وغامد، ووفد النّخع «٣» .
وكانت الوفود تتعلّم الإسلام، وتتفقّه في الدّين، ويشهدون أخلاق رسول الله ﷺ وعشرة أصحابه، وقد تضرب لهم خيام في فناء المسجد، فيسمعون القرآن، ويرون المسلمين يصلّون، ويسألون رسول الله ﷺ عمّا يجول في خاطرهم في بساطة وصراحة، ويجيبهم رسول الله ﷺ في بلاغة وحكمة، ويستشهد بالقرآن، فيؤمنون، ويطمئنّون.
بين وثنيّ جاهل وبين نبيّ معلّم:
وهذا حديث دار بين كنانة بن عبد ياليل وبين رسول الله ﷺ:
كنانة: أفرأيت الزّنى، فإنّا قوم نعتزب، ولا بدّ لنا منه؟
رسول الله ﷺ: «هو عليكم حرام، وإنّ الله تعالى يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: ٣٢]» .
كنانة: أفرأيت الرّبا فإنّه أموالنا كلّها؟
رسول الله ﷺ: «لكم رؤوس أموالكم، إنّ الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا
_________________
(١) زاد المعاد: ص ٤٤- ٤٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٧- ٥٥.
[ ٥٠٨ ]
خريطة سرايا تكسير الأصنام
[ ٥٠٩ ]
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨]» .
كنانة: أفرأيت الخمر فإنها عصير أرضنا لا بدّ لنا منها؟
رسول الله ﷺ: «إنّ الله قد حرّمها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٠]» .
كنانة: أفرأيت الرّبّة «١»، ما نصنع بها؟
رسول الله ﷺ: «اهدموها» .
كنانة وقومه: لو تعلم الرّبّة أنّك تريد هدمها لقتلت أهلها.
وهنا تدخّل عمر بن الخطاب في الحديث، فقال: ويحك يا بن عبد يا ليل، ما أجهلك! إنما الرّبّة حجر.
كنانة وقومه: إنّا لم نأتك يا بن الخطاب، وقال لرسول الله ﷺ: تولّ أنت هدمها، فأمّا نحن فإنّا لا نهدمها أبدا.
رسول الله ﷺ: «سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها» وأذن لهم رسول الله ﷺ في الرجوع، وأكرمهم وحيّاهم.
وقالوا: يا رسول الله، أمّر علينا رجلا يؤمّنا من قومنا، فأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان أصغرهم سنّا، لما رأى من حرصه على الإسلام، وكان قد تعلّم سورا من القرآن قبل أن يخرج «٢» .
وكان عام الوفود عام القضاء على نفوذ الوثنيّة، وتصفية الوجود الوثنيّ في جزيرة العرب.
_________________
(١) [الرّبة: يعني اللّات، وهي الصّخرة التي كانت تعبدها ثقيف بالطّائف] .
(٢) زاد المعاد: ج ٢، ص ٢٥.
[ ٥١٠ ]
فرض الزكاة والصدقات:
وفي السنة التاسعة للهجرة «١» بعث رسول الله ﷺ أمراءه وعمّاله على الصّدقات إلى كلّ ما دخل فيه الإسلام من البلدان.
_________________
(١) المرجّح أنّ فرض الزكاة كان في السنة الخامسة، قال الحافظ ابن حجر: «وما يدلّ على أنّ فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث النّبي ﷺ في قصة ضمام بن ثعلبة، وكان قدوم ضمام سنة خمس، وأن الذي وقع في التاسعة هو بعث العمال لأخذ الصدقات، وذلك يستدعي تقدّم فرضية الزكاة قبل ذلك» .
[ ٥١١ ]
خريطة حجة الوداع والطريق الذي سلكه النبيّ ﷺ
[ ٥١٢ ]
حجّة الوداع سنة عشر من الهجرة
حجة الوداع وأوانها:
ولمّا تمّ ما أراده الله من تطهير نفوس الأمّة من شوائب الوثنيّة، وعادات الجاهليّة، وإنارتها بنور الإيمان، وإشعال مجامرها بالحبّ والحنان، وتمّ ما أراده الله، من تطهير بيته من الرّجس والأوثان، وتاقت نفوس المسلمين الذين بعد عهدهم عن حجّ البيت، وطفحت كأس الحبّ والحنان، حتّى فاضت ودنت ساعة الفراق، وألجأت الضّرورة إلى وداع الأمة، آذن الله لنبيّه في الحجّ، ولم يكن قد حجّ النّبيّ ﷺ في الإسلام.
قيمتها البلاغية والتربوية:
فخرج من المدينة ليحجّ البيت، ويلقى المسلمين، ويعلّمهم دينهم ومناسكهم، ويؤدّي الشهادة، ويبلّغ الأمانة، ويوصي الوصايا الأخيرة، ويأخذ من المسلمين العهد والميثاق، ويمحو آثار الجاهليّة، ويطمسها ويضعها تحت قدميه.
وكانت هذه الحجّة تقوم مقام ألف خطبة وألف درس، وكانت مدرسة متنقّلة ومسجدا سيّارا، وثكنة جوالة، يتعلّم فيها الجاهل وينتبه الغافل،
[ ٥١٣ ]
وينشط فيها الكسلان، ويقوى فيها الضعيف، وكانت سحابة رحمة تغشاهم في الحلّ والتّرحال، وهي سحابة صحبة النّبيّ ﷺ وحبّه وعطفه، وتربيته وإشرافه.
تسجيل دقائق حجّة النبيّ:
وقد سجّل الرّواة العادلون من الصحابة كلّ دقيقة من دقائق هذه الرحلة، وكلّ حادث من حوادثها الصغيرة، تسجيلا لا يوجد له نظير في رحلات الملوك والعظماء، والعلماء والنبغاء «١» .
سياق حجّته ﷺ إجماليا:
ونحن نلخّص «٢» هذه الحجّة التي سمّيت ب «حجّة الوداع» و«حجّة البلاغ» و«حجّة التّمام»، وكانت كلّ ذلك أو أكثر، وحجّ معه أكثر من مئة ألف إنسان «٣» .
كيف حجّ النّبيّ ﷺ؟
عزم رسول الله ﷺ على الحجّ، وأعلم الناس أنّه حاجّ، فتجهّزوا وذلك في شهر ذي القعدة سنة عشر للخروج معه، وسمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحجّ مع رسول الله ﷺ، ووافاه في الطريق خلائق
_________________
(١) اقرأ كتاب «حجة الوداع وجزء عمرات النّبي ﷺ» للعلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي وتقديمه بقلم كاتب هذه السطور (طبع المكتب الإسلامي بيروت) .
(٢) اعتمدنا في هذا التلخيص على كتاب «زاد المعاد» النفيس للعلامة ابن قيم الجوزية المتوفى عام ٧٥١ هـ، وقد استوعب الموضوع رواية وتاريخا وفقها.
(٣) روي عددهم من مئة وأربعة عشر ألفا إلى مئة وثلاثين ألفا.
[ ٥١٤ ]
لا يحصون، فكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله مدّ البصر.
وخرج من المدينة نهارا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، بعد أن صلّى الظهر بها أربعا، وخطبهم قبل ذلك خطبة علّمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه.
ثم سار وهو يلبّي، ويقول: «لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك» والناس معه يزيدون وينقصون، وهو يقرّهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته، ثمّ سار حتّى نزل ب «العرج» «١» وكانت زاملته وزاملة «٢» أبي بكر واحدة.
ثم مضى حتّى أتى «الأبواء» «٣» فوادي «عسفان» «٤» في «سرف» «٥»، ثمّ نهض إلى أن نزل ب «ذي الطّوى» «٦»، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجّة، وصلّى بها الصبح، ثمّ اغتسل من يومه، ونهض إلى مكّة، فدخلها نهارا من أعلاها، ثمّ سار، حتّى دخل المسجد، وذلك ضحى، فلمّا نظر إلى البيت قال: «اللهمّ زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة» ويرفع يديه ويكبّر، ويقول: «اللهمّ أنت السّلام، ومنك السّلام، حيّنا ربّنا بالسّلام» .
_________________
(١) [العرج: قرية جامعة على طريق مكّة من المدينة] .
(٢) [الزاملة: هي البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، من الزمل، وهو الحمل] .
(٣) [الأبواء: جبل بين مكّة والمدينة، وعنده بلد ينسب إليه] .
(٤) [عسفان: قرية جامعة بين مكّة والمدينة] .
(٥) [سرف: قرية على ستة أميال من مكة من طريق مر، وقيل سبعة وتسعة واثنا عشر، وليس بجامع اليوم (معجم ما استعجم)] .
(٦) [الطّوى: موضع عند باب مكّة يستحبّ لمن دخل مكّة أن يغتسل به (النهاية: ٣/ ١٤٧)] .
[ ٥١٥ ]
ولمّا دخل المسجد عمد إلى البيت، فلمّا حاذى الحجر الأسود، استلمه، ولم يزاحم عليه، ثمّ أخذ عن يمينه، وجعل البيت عن يساره، ورمل في طوافه هذا ثلاثة الأشواط الأول، وكان يسرع في مشيه، ويقارب بين خطاه، واضطبع بردائه، فجعله على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الآخر ومنكبه، وكلّما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، واستلمه بمحجنه «١» .
فلمّا فرغ من طوافه، جاء إلى خلف المقام، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] فصلّى ركعتين، فلمّا فرغ من صلاته، أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثمّ خرج إلى الصّفا من الباب الذي يقابله، فلمّا قرب منه قرأ: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به»، ثمّ رقي عليه، حتّى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» .
وأقام بمكّة أربعة أيام: يوم الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فلمّا كان يوم الخميس ضحى، توجّه بمن معه من المسلمين إلى منى، فنزل بها، وصلّى بها الظهر والعصر، وبات بها، وكان ليلة الجمعة، فلمّا طلعت الشمس، سار منها إلى عرفة، ووجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتّى إذا زالت الشمس، أمر بناقته القصواء، فرحّلت، ثمّ سار، حتّى أتى بطن الوادي من أرض عرفة، فخطب الناس- وهو على راحلته- خطبة عظيمة قرّر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشّرك والجاهلية، وقرّر فيها تحريم المحرّمات التي اتّفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع ربا الجاهلية
_________________
(١) [المحجن: عصا معقّفة الرّأس كالصّولجان] .
[ ٥١٦ ]
كلّه، وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرا، وذكر الحقّ الذي لهنّ وعليهنّ، وأنّ الواجب لهنّ الرزق والكسوة بالمعروف.
وأوصى الأمّة فيها بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنّهم لن يضلّوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبر أنّهم مسؤولون عنه، واستنطقهم بماذا يقولون وبماذا يشهدون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فرفع إصبعه إلى السّماء واستشهد الله عليهم ثلاث مرّات، وأمرهم أن يبلّغ شاهدهم غائبهم، فلمّا أتمّ الخطبة، أمر بلالا فأذّن ثم أقام الصلاة، فصلّى الظهر ركعتين، ثمّ أقام فصلّى العصر ركعتين أيضا، وكان يوم الجمعة.
فلمّا فرغ من صلاته ركب حتّى أتى الموقف، فوقف وكان على بعيره، فأخذ في الدعاء والتضرّع والابتهال إلى غروب الشمس، وكان في دعائه رافعا يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، يقول فيهم: «اللهمّ! إنّك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوجل المشفق، المقرّ المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضّرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذلّ جسده، ورغم أنفه لك، اللهمّ! لا تجعلني بدعائك ربّ شقيّا، وكن لي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين» «١» .
وهنالك أنزلت عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣]، فلمّا غربت الشمس، أفاض من عرفة،
_________________
(١) [أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٧٤) برقم (١١٤٠٥)، والصغير (٢/ ١٥)، برقم (٦٩٦) من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده يحيى بن صالح الأيلي، روي عنه مناكير] .
[ ٥١٧ ]
وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسكينة، وضمّ إليه زمام ناقته، حتّى إنّ رأسها ليصيب طرف رحله، وهو يقول: «أيّها الناس، عليكم بالسّكينة» «١» .
وكان يلبّي في مسيره ذلك، لا يقطع التلبية حتّى أتى المزدلفة، وأمر المؤذّن بالأذان فأذّن، ثمّ أقام، فصلّى المغرب قبل حطّ الرحال وتبريك الجمال، فلمّا حطّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثمّ صلّى العشاء، ثمّ نام، حتّى أصبح.
فلمّا طلع الفجر صلّاها في أوّل الوقت، ثمّ ركب حتّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء والتضرّع، والتكبير والتهليل والذكر، حتّى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس.
ثمّ سار من مزدلفة، مردفا للفضل بن عباس، وهو يلبّي في مسيره، وأمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات، فلمّا أتى بطن محسّر حرّك ناقته، وأسرع السير، فإنّ هنالك أصاب أصحاب الفيل العذاب، حتّى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، وقطع التلبية.
ثمّ رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكّة على جميع البلاد، وأمر
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الإفاضة..، برقم (١٦٧١)، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية..، برقم (١٢٨٢)، وأبو داود في كتاب المناسك، باب الدفعة من عرفة، برقم (١٩٢٠)، والنّسائي في مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة، برقم (٣٠٢١)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٠١) من حديث أسامة بن زيد ﵁] .
[ ٥١٨ ]
بالسّمع والطّاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفارا، يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه، وقال في خطبته تلك:
«اعبدوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربّكم»، وودّع الناس حينئذ فقالوا: «حجّة الوداع» .
ثمّ انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنيّ عمره، ثمّ أمسك وأمر عليّا أن ينحر ما بقي من المئة.
فلمّا أكمل ﷺ نحره استدعى بالحلّاق، فحلق رأسه، وقسم شعره بين من يليه.
ثمّ أفاض إلى مكة راكبا، وطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، ثمّ أتى زمزم، فشرب وهو قائم.
ثمّ رجع إلى منى من يومه ذلك، فبات بها، فلمّا أصبح انتظر زوال الشمس، فلمّا زالت مشى من رحله إلى الجمار، فبدأ بالجمرة الأولى، ثمّ الوسطى، ثمّ الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة.
وخطب الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النّحر، وقد تقدّمت، والخطبة الثانية في ثاني يوم النحر.
وتأخّر حتّى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، ثمّ نهض إلى مكّة، فطاف للوداع ليلا سحرا، وأمر الناس بالرحيل، وتوجّه إلى المدينة «١» .
_________________
(١) ملخّصا من «زاد المعاد» ومقتبسا منه، ج ١، ص ١٨٠- ٢٤٩، بحذف المباحث التي توسّع فيها المؤلف وأفاض، ومواضع الخلاف بين الفقهاء والمحدّثين.
[ ٥١٩ ]
ولمّا وصل إلى غدير خمّ «١»، خطب ﷺ وذكر فيها فضل عليّ﵁- وقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ! وال من والاه، وعاد من عاداه» «٢» .
فلمّا أتى «ذا الحليفة» بات بها، فلمّا رأى المدينة، كبّر ثلاث مرّات، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون، لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثمّ دخلها نهارا «٣» .
خطبة النّبيّ ﷺ في حجّة الوداع:
ونذكر هنا نصّ الخطبة التي خطبها رسول الله ﷺ يوم عرفة، ونصّ الخطبة التي خطبها في أوسط أيام التشريق، للموعظة البليغة، والفوائد الكثيرة التي تشتملان عليها هاتان الخطبتان العظيمتان.
فقال في خطبة عرفة:
«إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.
_________________
(١) غدير بين مكة والمدينة، بينه وبين الجحفة ميلان.
(٢) السيرة النبوية: لابن كثير: ج ٤، ص ٤١٥- ٤١٦): نقلا عن الإمام أحمد والنسائي [أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١١٨) برقم (٤٥٧٦)، وابن حبان في الصحيح (١٥/ ٣٧٦) برقم (٦٩٣١)، والنسائي في السنن الكبرى (٥/ ١٣٠) برقم (٨٤٦٤)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٦٨) وغيرهم من حديث زيد بن أرقم ﵁] . وسبب ذلك أن بعض الناس كانوا قد اشتكوا عليا وعتبوا عليه، وتكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا، وتضييقا وبخلا، والصواب كان مع عليّ في ذلك.
(٣) زاد المعاد: ج ١، ص ٢٤٩.
[ ٥٢٠ ]
ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهليّة موضوعة، وإنّ أوّل دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل.
وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع من ربانا ربا العبّاس بن عبد المطلب، فإنّه موضوع كلّه.
فاتّقوا الله في النساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف.
وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عنّي، فماذا أنتم قائلون؟» .
قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأديت ونصحت.
فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السّماء وينكبها إلى الناس: «اللهمّ اشهد» ثلاث مرّات «١» .
[نص خطبة النبي ص]
وهذا نصّ الخطبة التي خطبها ﷺ في أوسط أيام التشريق:
«يا أيّها الناس! هل تدرون في أيّ شهر أنتم؟ وفي أيّ يوم أنتم؟ وفي أيّ بلد أنتم؟» .
_________________
(١) أخرجه مسلم [في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨)] وأبو داود [في كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي ﷺ، برقم (١٩٠٥)] وغيرهما عن جابر ﵁، [وأخرجه البخاري في كتاب المغازي. باب حجة الوداع، برقم (٤٤٠٦)، ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين، برقم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة ﵁، وأخرجه الترمذي في أبواب تفسير القرآن، سورة التوبة، برقم (٣٠٨٧)، وابن ماجه في أبواب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، برقم (٣٠٥٥) من حديث عمرو بن الأحوص] .
[ ٥٢١ ]
فقالوا: في يوم حرام، وبلد حرام، وشهر حرام.
قال: «فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، وفي بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه» .
ثمّ قال: «اسمعوا منّي تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنّه لا يحلّ مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه.
ألا! وإنّ كلّ دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدميّ هذه، إلى يوم القيامة، وإنّ أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل.
ألا وإنّ كلّ ربا في الجاهلية موضوع، وإنّ الله ﷿ قضى أنّ أوّل ربا يوضع ربا العبّاس بن عبد المطّلب، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون.
ألا وإنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، ثمّ قرأ:
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: ٣٦] .
ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض.
ألا إنّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون، ولكنّه في التحريش بينكم، واتّقوا الله في النساء، فإنهنّ عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، إنّ لهن عليكم حقا، ولكم عليهنّ حقا ألّا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، ولا يأذنّ في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهنّ، فعظوهنّ، واهجروهنّ في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرّح، ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإنّما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله
[ ٥٢٢ ]
﷿، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها» .
وبسط يديه، وقال: «ألا هل بلّغت؟! ألا هل بلّغت؟!» .
ثمّ قال: «ليبلّغ الشاهد الغائب، فإنّه ربّ مبلّغ أسعد من سامع» «١» .
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند [٥/ ٧٣] عن أبي حرة الرقاشي عن عمّه، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٦٦): رواه أحمد، وأبو حرة الرقاشي وثّقه أبو داود وضعّفه ابن معين، وفيه عليّ بن زيد وفيه كلام.
[ ٥٢٣ ]
الوفاة ربيع الأول السّنة الحادية عشرة للهجرة
كمال مهمّة التبليغ والتشريع ودنوّ ساعة اللقاء:
ولمّا بلغ هذا الدين ذروة الكمال، ونزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣] .
وبلّغ رسول الله ﷺ الرسالة، وأدّى الأمانة، وجاهد في الله حقّ جهاده، وربّى أمّة تقلّدت مهامّ النبوّة ومسؤولياتها، من غير نبوّة، وكلّفت النهوض بالدعوة، وصيانة الدين من التحريف، فقال الله تعالى:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .
وضمن الله لهذا القرآن الذي هو أساس هذا الدين، ومصدر الإيمان واليقين، بالبقاء والنّقاء، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] .
وأقرّ الله عين نبيّه بدخول الناس في هذا الدّين أفواجا، وبدت طلائع انتشاره في العالم، وظهوره على الأديان كلّها.
فقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ
[ ٥٢٥ ]
اللَّهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا [النصر: ١- ٣]
مدارسة القرآن ومضاعفة اعتكاف رمضان:
وكان النّبيّ ﷺ يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيام، فلمّا كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين «١» .
وكان جبريل يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، ولكنّه ﷺ قال ذلك العام: «إنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلّا حضر أجلي» «٢» .
أذن الله لنبيّه باللقاء الذي لم يكن أحد أشدّ شوقا له منه، وقد أحبّ الله لقاءه كما هو أحبّ لقاءه.
وقد هيّأ الله الصحابة﵃- الذين لم يكن أحد أشدّ حبّا له منهم، لسماع نبأ وفاته، واحتمال فراقه الذي لم يكن بدّ منه، مهما تأخّرت ساعة الفراق، ففوجئوا بنبأ شهادته في معركة أحد، ثمّ تحقّق أنّه كان إرجافا من الشيطان، وأنّ الله ممتّعهم بحياة نبيّهم إلى حين، ولكن لا بدّ من وقوع هذا الحادث، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] .
فكان المسلمون- الذين أحسن رسول الله ﷺ تربيتهم، وربط قلوبهم بالله تعالى، وشغلهم بتبليغ رسالة الإسلام إلى أقصى الحدود وأبعد الأمم،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتكاف، باب «الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان» [برقم (٢٠٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁] .
(٢) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب «علامات النبوة» [رقم الحديث (٣٦٢٤)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل فاطمة ﵂، رقم الحديث (٢٤٥٠) من حديث عائشة ﵂] .
[ ٥٢٦ ]
وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده- على يقين بأنّ رسول الله ﷺ مودّعهم في يوم من الأيام، ومفارق لهذا العالم الفاني، وراجع إلى ربّه، ليجزيه الجزاء الأوفى، فلمّا نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فهم منها الصحابة أنّه إيذان بدنوّ ساعة الفراق، فقد تمّت المهمّة، وجاء نصر الله والفتح «١» .
وقد استشعر كبار الصحابة وفاته حين نزلت الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «٢» .
الشوق إلى لقاء الله وتوديع الدّنيا:
وقد ظهر من رسول الله ﷺ بعد ما عاد من حجّة الوداع التي أشار فيها إلى دنوّ أجله «٣»، ما يدلّ على التأهّب للسفر، واللحوق بالرفيق الأعلى، فصلّى على قتلى أحد، كأنّه مودّع أصحابه عن قريب- بعد ثماني سنين- كالمودّع للأحياء والأموات، ثمّ طلع المنبر، فقال: «إنّي بين أيديكم فرط «٤»، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإنّي لأنظر إليه من مقامي هذا، وإنّي
_________________
(١) يقول ابن عباس: «هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له»، وروى الإمام أحمد. [١/ ٤٤٩] بسند عن ابن عباس، قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال رسول الله ﷺ: «نعيت إليّ نفسي» [وأخرجه عبد الرزاق في المصنّف (١١/ ٣١٨) برقم (٢٠٦٤٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٦٧) برقم (٩٩٧٠)، وأحمد في المسند (١/ ٤٤٩) من حديث عبد الله بن مسعود] . راجع تفسير ابن كثير.
(٢) راجع «السيرة النبوية» لابن كثير: ج ٤، ص ٤٢٧.
(٣) أخرج مسلم في صحيحه [في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة..، برقم (١٢٩٧)] عن جابر أن رسول الله ﷺ وقف عند جمرة العقبة وقال لنا: «خذوا عني مناسككم فلعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا» .
(٤) [فرط: يقال: فرط يفرط، فهو فارط وفرط؛ إذا تقدّم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيّىء لهم الدّلاء والأرشية] .
[ ٥٢٧ ]
قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوا فيها فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم» «١» .
شكوى رسول الله ﷺ:
وقد ابتدأت شكوى رسول الله ﷺ في آخر شهر صفر «٢» سنة ١١ للهجرة، وكان مبدأ ذلك أنّه ﷺ خرج إلى «بقيع الغرقد» «٣» من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثمّ رجع إلى أهله، فلمّا أصبح ابتدىء بوجعه من يومه ذلك «٤» .
قالت عائشة أمّ المؤمنين﵂-: رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه، فقال:
«بل أنا، والله يا عائشة وا رأساه «٥»» واشتدّ به وجعه، وهو في بيت ميمونة ﵂- فدعا نساءه، فاستأذنهنّ في أن يمرّض في بيت عائشة، فأذنّ له، وخرج يمشي بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن عبّاس، والآخر عليّ بن أبي طالب، عاصبا رأسه، تخطّ قدماه، حتّى دخل بيت عائشة ﵂ «٦» .
_________________
(١) حديث متفق عليه [أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، برقم (١٣٤٤)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته، برقم (٢٢٩٦)، والنسائي في كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، برقم (١٩٥٦)، وأحمد في المسند (٤/ ١٤٩) من حديث عقبة بن عامر ﵁] .
(٢) على القول الراجح وتتبع الأحاديث، والمرجح أنه كان يوم الإثنين.
(٣) [بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة، سمّي لأنه كان فيه غرقد وقطع، والغرقد: ضرب من شجر العضاه وشجر الشّوك] .
(٤) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٤٢، وابن كثير: ج ٤، ص ٤٤٣.
(٥) المصدر السابق: ج ٢، ص ٦٣٣.
(٦) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٤٢)، -
[ ٥٢٨ ]
تقول عائشة﵂-: وكان يقول في مرضه الذي مات فيه:
«يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت ب «خيبر» فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري «١» من ذلك السّمّ» «٢» .
آخر البعوث:
وبعث رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشّام، وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء و«الدّاروم» «٣» من أرض فلسطين.
وانتدب كثير من الكبار من المهاجرين والأنصار في جيشه، كان من أكبرهم عمر بن الخطاب﵁- بعثه رسول الله ﷺ، واشتدّ به المرض، وجيش أسامة مخيّم ب «الجرف» «٤» وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد وفاة الرسول ﷺ تحقيقا لرغبته وإكمالا لمراده.
الاهتمام ببعث أسامة:
واستبطأ رسول الله ﷺ الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه، فخرج عاصبا رأسه، حتّى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا في إمرة
_________________
(١) - ومسلم في كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام من يصلّي بالناس..، برقم (٤١٨)، وأحمد في المسند (٦/ ١١٧)] .
(٢) أبهر: عرق مستبطن بالصلب يتصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه.
(٣) أخرجه البخاري معلّقا، في كتاب المغازي باب «مرض النّبي ﷺ ووفاته» [برقم (٤٤٢٨)] أسنده الحافظ البيهقي عن الحاكم عن الزهري به (راجع ابن كثير، ج ٤، ص ٤٤٩) .
(٤) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٤٢.
(٥) السيرة النبوية: لابن كثير: ج ٤، ص ٤٤١ [وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد..، برقم (٤٤٦٨)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل زيد بن حارثة، وابنه أسامة ﵄، برقم (٢٤٢٦)، والترمذي في أبواب المناقب، باب مناقب أسامة بن زيد ﵁، برقم (٣٨١٤)] .
[ ٥٢٩ ]
خريطة آخر بعوث النبي ﷺ جيش أسامة بن زيد
[ ٥٣٠ ]
أسامة: أمّر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له، ثمّ قال: «أيّها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها» ثمّ نزل رسول الله ﷺ وأسرع الناس في جهازهم، وثقل برسول الله ﷺ وجعه، خرج أسامة بجيشه حتّى نزلوا «الجرف» من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره، حتّى تتامّ إليه الناس.
وثقل رسول الله ﷺ فأقام أسامة والناس ينظرون ما الله قاض في رسول الله ﷺ «١» .
وأوصى المسلمين في مرضه أن يجيزوا الوفد بنحو ممّا كان يجيزهم، وألّا يتركوا في جزيرة العرب دينين، قال: «أخرجوا منها المشركين» «٢» .
دعاء للمسلمين وتحذير لهم عن العلو والكبرياء:
وفي يوم من أيام شكواه اجتمع نفر من المسلمين في بيت عائشة، فرحّب بهم رسول الله ﷺ وحيّاهم، ودعا لهم بالهدى والنّصر والتوفيق، وقال:
«أوصيكم بتقوى الله وأوصى الله بكم، وأستخلفه عليكم، إنّي لكم منه نذير مبين، ألّا تعلوا على الله في عباده وبلاده، فإنّ الله قال لي ولكم: تِلْكَ
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ق ٢، ص ٦٥٠، وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة زيد بن حارثة» [برقم (٤٢٥٠)] وفيه: أن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله لقد كان خليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليّ وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده» [وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل زيد بن حارثة..، برقم (٢٤٢٦)، وابن حبان في الصحيح (١٥/ ٥٣٥) برقم (٧٠٥٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٠)، من حديث ابن عمر ﵄] .
(٢) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي]، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٣١) من حديث ابن عباس ﵄] .
[ ٥٣١ ]
الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣]، وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠]» .
زهد في الدّنيا وكراهية لما فضل من المال:
قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة ما فعلت بالذّهب؟» فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية أو التسعة، فجعل يقلّبها بيده، ويقول: «ما ظنّ محمّد بالله ﷿، لو لقيه وهذه عنده، أنفقيها» «١» .
اهتمام بالصلاة وإمامة أبي بكر:
وثقل برسول الله ﷺ وجعه، فقال: «أصلّى الناس؟» .
قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله!
فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب» «٢»، ففعلوا، فاغتسل ثمّ ذهب لينوء «٣»، فأغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: «أصلّى الناس؟» قالوا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلّي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا، فقال: يا عمر صلّ بالناس، فقال: أنت أحقّ بذلك منّي، فصلّى بهم تلك الأيام.
ثم إنّ رسول الله ﷺ وجد خفّة، فخرج بين رجلين، أحدهما العباس،
_________________
(١) [أخرجه ابن حبان في الصحيح (٨/ ٨) برقم (٣٢١٢)، وأحمد في المسند (٦/ ٤٩ و١٨٦) من حديث عائشة ﵂] .
(٢) [المخضب: شبه المركن، وهي إجّانة تغسل فيها الثياب] .
(٣) [لينوء: أي لينهض بجهد] .
[ ٥٣٢ ]
والآخر عليّ بن أبي طالب﵄- لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر فأومأ إليه ألا يتأخّر، وأمرهما، فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلّي قائما، وهو يأتم بصلاة النبيّ ﷺ، والناس بصلاة أبي بكر، ورسول الله ﷺ قاعد «١» .
وعن أمّ الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا، ثمّ ما صلّى لنا بعدها، حتّى قبضه الله «٢» .
خطبة الوداع:
وكان فيما تكلّم «٣» به رسول الله ﷺ وهو جالس على المنبر، عاصبا رأسه: «إنّ عبدا من عباد الله، خيّره الله بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله»، وفهم أبو بكر معنى هذه الكلمة، وعرف أنّ رسول الله ﷺ يعني
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتمّ به، برقم (٦٨٧)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام..، برقم (٤١٨)، والنسائي في كتاب الإمامة، باب الائتمام بالإمام يصلّي قاعدا، برقم (٨٣٤) وغيرهم من حديث عائشة ﵂] .
(٢) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي] باب مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٢٩)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم (٤٦٢)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب قدر القراءة في المغرب، برقم (٨١٠) من حديث أم الفضل بنت الحارث ﵂] .
(٣) يدلّ التتبع للأحاديث أنها كانت الخطبة الأخيرة، وقد ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنها كانت يوم الخميس قبل الوفاة بخمسة أيام، والمرجح أن هذه الصلاة كانت صلاة الظهر، وكل ما روي من خطب مختلفة في فضل أبي بكر ﵁، وسد الأبواب النافذة في المسجد إلا خوخة أبي بكر، وفضل الأنصار والوصية لهم، قطع من هذه الخطبة، رواها الصحابة مفردة، وكانت هذه الصلاة، الصلاة الأخيرة التي صلاها النّبي ﷺ جماعة وهو إمام، ولم يحضر صلاة المسلمين في المسجد بعد هذه الصلاة، وبذلك تجمع الأقوال والروايات المختلفة (مستفاد من «أصح السير» للشيخ عبد الرؤوف الدّانا بوري ﵀) .
[ ٥٣٣ ]
نفسه، فبكى، وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا.
فقال: «على رسلك يا أبا بكر! إنّه ليس من الناس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر، ولو كنت متّخذا من الناس خليلا لا تّخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلّة الإسلام أفضل» «١» .
وقال: «سدّوا عنّي كلّ خوخة «٢» في المسجد، غير خوخة أبي بكر» «٣» .
وصية الأنصار:
وكان أبو بكر والعباس﵄- مرّا بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النّبي ﷺ منا، وأخبر النّبيّ ﷺ بذلك، فخرج النّبيّ ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر «٤» ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله، ثمّ أثنى عليه، ثمّ قال:
«أوصيكم بالأنصار فإنّهم كرشي وعيبتي «٥»، وقد قضوا الذي عليهم،
_________________
(١) أخرجه البخاري [في كتاب الصلاة] باب: الخوخة والممر في الصلاة، [برقم (٤٦٦)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، برقم (٢٣٨٢)، والترمذي في أبواب المناقب، باب مناقب أبي بكر ﵁..، برقم (٣٦٦١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁] .
(٢) [الخوخة: باب صغير، كالنّافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين ينصب عليها باب] .
(٣) صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في الصلاة [قد سبق تخريجه آنفا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁] .
(٤) المرجّح أنّ هذه الخطبة الأخيرة كانت يوم الخميس بعد صلاة الظهر، لأن راوي الحديث وهو أنس بن مالك قال: «صعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له» .
(٥) [قوله ﷺ: «الأنصار كرشي وعيبتي» أراد أنّهم بطانته وموضع سرّه وأمانته، والذين يعتمد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك؛ لأنّ المجترّ يجمع علفه في-
[ ٥٣٤ ]
وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» «١» .
آخر نظرة إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة:
وكان أبو بكر يصلّي بالمسلمين، حتّى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النّبيّ ﷺ ستر الحجرة، ينظر إلى المسلمين، وهم وقوف أمام ربّهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمّة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيّها وغيبته، وقد قرّت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدّر لنبيّ أو داع قبله، واطمأنّ إلى أنّ صلة هذه الأمّة بهذا الدين وعبادة الله تعالى، صلة دائمة، لا تقطعها وفاة نبيّها، فملىء من السرور ما الله به عليم، واستنار وجهه وهو منير، يقول الصحابة﵃-:
كشف النّبيّ ﷺ ستر حجرة عائشة، ينظر إلينا وهو قائم، كأنّ وجهه ورقة مصحف، ثمّ تبسّم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننّا أنّ النّبيّ ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتمّوا صلاتكم، وأرخى الستر وتوفّي من يومه ﷺ «٢» .
_________________
(١) - كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته. وقيل أيضا: أراد بالكرش الجماعة، أي: جماعتي وصحابتي. ويقال: عليه كرش من الناس: أي جماعة (النهاية: ٤/ ١٦٣- ١٦٤)] .
(٢) صحيح البخاري (فضائل أصحاب النّبي ﷺ، باب قول النّبي ﷺ: «اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم») [برقم (٩٢٧) و(٣٦٢٨) و(٣٨٠٠) من حديث ابن عباس ﵄] .
(٣) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي] باب مرض النبي ﷺ ووفاته، [برقم (٦٨٠)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام ، برقم (٤١٩)، وابن ماجه في أبواب الجنائز، باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله ﷺ، برقم (١٦٢٤)] .
[ ٥٣٥ ]
تحذير من عبادة القبور واتخاذها مساجد:
كان آخر ما تكلّم به رسول الله ﷺ أن قال: «قاتل الله اليهود والنّصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقينّ دينان بأرض العرب» «١» .
تقول عائشة وابن عباس﵄-: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة «٢» له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتّخذوا من قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر ما صنعوا «٣» .
الوصية الأخيرة:
كانت عامة وصيّة رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة: «الصّلاة وما ملكت أيمانكم»، حتّى جعل يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه «٤» .
_________________
(١) [أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الجامع، باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، برقم (١٦٩٦)، والبخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، برقم (١٣٣٠)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المسجد على القبور، برقم (٥٣٠) من حديث أبي هريرة ﵁] .
(٢) [الخميصة: هي ثوب خزّ، أو صوف معلم. وقيل: لا تسمّى خميصة إلّا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديما [«النهاية» (٢/ ٨٠- ٨١)] .
(٣) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٤٣) و(٤٤٤٤)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المسجد..، برقم (٥٣١)، والنّسائي في كتاب المساجد، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم (٧٠٤)، وأحمد في المسند (١/ ٢١٨) و(٦/ ٣٤)] .
(٤) أخرجه البيهقي (٨/ ١١) انظر ابن كثير: «السيرة النبوية» (٤/ ٤٧٣) [وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في حق المملوك، برقم (٥١٥٦)، وابن ماجه في أبواب الوصايا، باب هل أوصى رسول الله ﷺ، برقم (٢٦٩٨)، وأحمد في المسند (١/ ٧٨) من حديث علي بن أبي طالب ﵁] .
[ ٥٣٦ ]
يقول عليّ﵁-: أوصى رسول الله ﷺ بالصّلاة والزّكاة وما ملكت أيمانكم «١» .
وتقول عائشة﵂-: ذهبت أعوده، فرفع بصره إلى السماء وقال: «في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى» «٢» .
ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر، وبيده جريدة رطبة، فنظر إليها، فظننت أن له بها حاجة، قالت: فأخذتها، فنفضتها، فدفعتها إليه، فاستنّ بها أحسن ما كان مستنّا، ثم ذهب يناولنيها فسقطت من يده «٣» .
وقالت: وبين يديه ركوة «٤» أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه، ثمّ يقول: «لا إله إلّا الله، إن للموت لسكرات»، ثمّ نصب أصبعه اليسرى، وجعل يقول: «في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى»، حتى قبض ومالت يده في الماء «٥» .
وقالت: نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة، ثمّ
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٧٨) وابن كثير [في «السيرة النبوية»] (٤/ ٤٧٣) .
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٣٧) من حديث عائشة ﵂] .
(٣) سيرة ابن كثير: ج ٤، ص ٤٧٤- ٤٧٥، والرواية في البخاري [في كتاب المغازي] باب مرض النبي ﷺ ووفاته، [برقم (٤٤٣٨) وأحمد (٦/ ٤٨) من حديث عائشة ﵂] .
(٤) [الرّكوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء] .
(٥) أخرجه البخاري [في كتاب المغازي]، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، [برقم (٤٤٤٩)، ومسلم في كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، برقم (٢١٩٢)، والترمذي في أبواب الدعوات، باب ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله ﷺ، برقم (٣٤٩٦)، وابن ماجه في أبواب الجنائز، باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله ﷺ، برقم (١٦٢٠) من حديث عائشة ﵂] .
[ ٥٣٧ ]
أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، وقال: «اللهمّ الرفيق الأعلى»، وكانت آخر كلمة تكلّم بها رسول الله ﷺ «١» .
كيف فارق رسول الله ﷺ الدنيا:
فارق رسول الله ﷺ الدّنيا، وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، «وما ترك عند موته دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا، إلّا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضا جعلها صدقة» «٢» .
وتوفّي ودرعه مرهونة عند يهوديّ بثلاثين صاعا من شعير، ما وجد ما يفكّ به، حتّى مات ﷺ «٣» .
وأعتق رسول الله ﷺ في مرضه هذا أربعين نفسا، وكانت عنده سبعة دنانير أو ستّة، فأمر عائشة﵂- أن تتصدّق بها «٤» .
تقول عائشة- أمّ المؤمنين ﵂-: توفّي رسول الله ﷺ وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رفّ لي، فأكلت منه حتّى طال عليّ فكلته ففني «٥» .
_________________
(١) [قد سبق تخريجه آنفا] .
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرض النبيّ ﷺ، برقم (٤٤٦١) من حديث عمرو بن الحارث ﵁] .
(٣) أخرجه البيهقي في الدلائل [(٤/ ٤٩)، برقم (٦٢٤٦) من حديث ابن عباس ﵁، وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب وفاة النبي ﷺ، برقم (٤٤٦٧) من حديث عائشة ﵂] .
(٤) السيرة الحلبية: ج ٣، ص ٣٨١.
(٥) متفق عليه [أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب الفقر، برقم (٦٤٥١)، ومسلم في كتاب الزهد، باب الدنيا سجن للمؤمن، وجنة للكافر، برقم (٢٩٧٣)] .
[ ٥٣٨ ]
وكان ذلك الفراق يوم الإثنين ١٢ ربيع الأول، سنة ١١ للهجرة بعد الزوال «١»، وله ﷺ ثلاث وستون «٢»، وكان أشدّ الأيام سوادا ووحشة ومصابا على المسلمين، ومحنة للإنسانيّة، كما كان يوم ولادته أسعد يوم طلعت فيه الشمس.
يقول أنس وأبو سعيد الخدريّ﵄-: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء.
وبكت أمّ أيمن، فقيل لها: ما يبكيك على النّبيّ ﷺ؟ قالت: إنّي قد علمت أنّ رسول الله ﷺ سيموت، ولكن إنّما أبكي على الوحي الذي رفع عنّا «٣» .
كيف تلقّى الصحابة نبأ الوفاة؟
ونزلت وفاة رسول الله ﷺ على الصحابة كالصّاعقة، لشدة حبّهم له، وما تعوّدوه من العيش في كنفه، عيش الأبناء في حجر الآباء، بل أكثر من ذلك، قد قال الله تعالى:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] .
وقد كان كلّ واحد منهم يحسب أنّه أكرم عليه وأحبّ لديه من صاحبه،
_________________
(١) وقد جاء في بعض الروايات وقت الضحى أو الضحوة كما جاء في «الاستيعاب» ج ١، ص ٤٧.
(٢) على أرجح الأقوال [انظر فيما أخرجه البخاري في هذا الباب، في كتاب المغازي، باب وفاة النبي ﷺ، برقم (٤٤٦٦) من حديث عائشة ﵂] .
(٣) السيرة النبوية: لابن كثير، ج ٤، ص ٥٥٤- ٥٥٦.
[ ٥٣٩ ]
ولم يكد بعضهم يصدّق بنبأ وفاته، وكان في مقدّمتهم عمر بن الخطّاب ﵁-، فأنكر على من قال: مات رسول الله ﷺ، وخرج إلى المسجد وخطب الناس، وقال: إنّ رسول الله ﷺ لا يموت حتّى يفني الله المنافقين «١» .
موقف أبي بكر الحاسم:
وكان أبو بكر﵁- وهو الذي هيّأه الله لخلافة النبوّة والوقوف موقف العزيمة والحكمة، رجل الساعة المطلوب والجبل الراسي الذي لا يحول ولا يزول، فأقبل من منزله حين بلغه الخبر، حتّى نزل على باب المسجد، وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء، حتّى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة وهو مسجّى «٢»، فكشف عن وجهه، ثمّ أقبل عليه فقبّله، ثمّ قال: بأبي أنت وأمّي، أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبدا، وردّ البرد على وجهه ﷺ.
ثمّ خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر! وأنصت، فأبى إلّا أن يتكلّم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت، أقبل على الناس، فلمّا سمعوا كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
أيّها الناس! إنّه من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، ثمّ تلا هذه الآية:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى
_________________
(١) سيرة ابن كثير: ج ٤، ص ٤٧٩ [وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٢١٩- ٢٢٠)، والترمذي في الشمائل باب في وفاة رسول الله ﷺ، برقم (٣٧٣)، وأبو يعلى في المسند، برقم (٤٨) من حديث عائشة ﵂] .
(٢) مسجّى: أي مغطّى ببرد.
[ ٥٤٠ ]
أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] .
يقول من شهد هذا الموقف: والله كأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتّى تلاها أبو بكر يومئذ، وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنّما هي في أفواههم، ويقول عمر: والله ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت «١» حتّى وقعت إلى الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت أنّ رسول الله ﷺ قد مات «٢» .
بيعة أبي بكر بالخلافة:
وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة، في سقيفة «٣» بني ساعدة «٤»، حتّى لا يجد الشيطان سبيلا إلى تفريق كلمتهم، وتمزيق شملهم، ولا تلعب الأهواء بقلوبهم، وليفارق رسول الله ﷺ هذه الدّنيا وكلمة المسلمين واحدة، وشملهم منتظم، وعليهم أمير يتولّى أمورهم، ومنها تجهيز رسول الله ﷺ ودفنه.
كيف ودّع المسلمون رسولهم وصلّوا عليه؟
وهدأ النّاس، وانجلى عنهم ما كانوا فيه من حيرة وغمرة، وتشاغلوا بما علّمهم رسولهم من عملهم لمن فارق الدّنيا.
_________________
(١) أي: تحيرت ودهشت.
(٢) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٥٥- ٦٥٦، ورواه البخاري مطولا [في كتاب المغازي] باب «مرض النّبي ﷺ ووفاته» [برقم (٤٤٥٢) و(٤٤٥٣)، من حديث ابن عباس ﵂] .
(٣) [السّقيفة: صفّة لها سقف] .
(٤) [أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب ما جاء في السّقائف، برقم (٢٤٦٢)] .
[ ٥٤١ ]
ولمّا فرغ من غسله وتكفينه ﷺ وقد تولّى ذلك أهل بيته، وضع سريره في بيته، وحدّثهم أبو بكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض نبيّ إلّا دفن حيث قبض» فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفّي فيه، وحفر له تحته، وتولّى ذلك أبو طلحة الأنصاريّ.
ثمّ دخلوا يصلّون عليه أرسالا، دخل الرجال حتّى إذا فرغوا، أدخل النّساء، حتّى إذا فرغ النساء، أدخل الصّبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله ﷺ أحد «١» .
وكان ذلك يوم الثلاثاء «٢» .
وكان يوما حزينا في المدينة، وأذّن بلال بالفجر، فلمّا ذكر النّبيّ ﷺ بكى وانتحب، فزاد المسلمين حزنا، وقد اعتادوا أن يسمعوا هذا الأذان ورسول الله ﷺ فيهم.
تقول أمّ سلمة- أمّ المؤمنين-: يا لها من مصيبة، ما أصبنا بعدها بمصيبة إلّا هانت، إذا ذكرنا مصيبتنا به ﷺ «٣» .
وقد قال النّبيّ ﷺ نفسه: «يا أيّها الناس، أيّما أحد من الناس (أو من المؤمنين) أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي، عن المصيبة الّتي تصيبه بغيره،
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٦٦٣ [وأخرجه الترمذي في الشمائل، باب وفاة رسول الله ﷺ، برقم (٣٧٦)، وابن ماجه في أبواب إقامة الصلوات، باب ما جاء في صلاة رسول الله ﷺ في مرضه، برقم (١٢٣٤)، والطبراني في الكبير برقم (٦٣٦٧) من حديث سالم بن عبيد] .
(٢) طبقات ابن سعد: نقلا عن «السيرة النبوية لابن كثير، ج ٤، ص ٥٠٧ رواية عن الأوزاعي، وابن جريح وأبي جعفر.
(٣) السيرة النبوية: لابن كثير، ج ٤، ص ٥٣٨- ٥٤٩.
[ ٥٤٢ ]
فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» «١» .
وقالت فاطمة﵂- حين دفن النّبيّ ﷺ: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا «٢» على رسول الله ﷺ التراب «٣»؟!! ولكن مع تعلّقهم به لم ينح عليه، فقد نهى عن النّياحة أشدّ النهي.
_________________
(١) السيرة النبوية: لابن كثير، ج ٤، ص ٥٤٩، نقلا عن ابن ماجه [أخرجه في الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم (١٥٩٩) من حديث عائشة ﵂] .
(٢) [يحثو التراب: أي يرمي به عن نفسه] .
(٣) أخرجه البخاري، [في كتاب المغازي]، باب مرض النبي ﷺ، برقم (٤٤٦٢)، والترمذي في «الشمائل» باب في وفاة رسول الله ﷺ، برقم (٣٧٩)، وابن ماجه في الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ، برقم (١٦٢٩)، وأحمد في المسند (٣/ ١٤١) وغيرهم من حديث أنس بن مالك ﵁] .
[ ٥٤٣ ]
أزواجه أمّهات المؤمنين وأولاده وأسباطه ﷺ
أ- أزواجه ﷺ:
أولاهنّ خديجة بنت خويلد القرشيّة الأسديّة﵂-: تزوّجها قبل النبوّة ولها أربعون سنة، وهي التي آزرته على النبوّة وجاهدت معه، وواسته بنفسها ومالها، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وجميع أولاده ﷺ (غير سيدنا إبراهيم) منها، وكان دائم الذّكر لها، والاعتراف بفضلها، وربّما إذا ذبح الشاة يقطعها أعضاء يبعثها في صدائق خديجة﵂- «١» .
ثمّ تزوّج بعد موتها بأيام سودة بنت زمعة القرشيّة العامرية.
ثمّ تزوّج بعدها عائشة الصّدّيقة حبيبة رسول الله ﷺ وهي أفقه نساء الأمة وأعلمهنّ، وكان الأكابر من أصحاب النّبيّ ﷺ يرجعون إلى قولها، ويستفتونها.
_________________
(١) متفق عليه، [أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب تزويج النبي ﷺ خديجة ، برقم (٣٨١٦)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل خديجة ﵂ ، برقم (٢٤٣٥) من حديث عائشة ﵂] . وممّا جاء في رواية عائشة فيها: «ما غرت على أحد من نساء النّبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط» .
[ ٥٤٥ ]
ثمّ تزوّج حفصة بنت عمر بن الخطّاب ﵄.
ثمّ تزوّج زينب بنت خزيمة، وتوفّيت عنده بعد شهرين.
ثمّ تزوّج أمّ سلمة هند بنت أبي أميّة حذيفة بن المغيرة القرشيّة المخزوميّة وهي آخر نسائه موتا.
ثمّ تزوّج زينب بنت جحش وهي ابنة عمّته أميمة.
وتزوّج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقيّة
ثمّ أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب
ثمّ صفية بنت حييّ بن أخطب سيّد بني النّضير ومن ولد هارون بن عمران أخي نبيّ الله موسى.
ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوّج بها.
ولا خلاف أنّه ﷺ توفي عن تسع زوجات وهنّ من ذكرنا، غير خديجة وزينب بنت خزيمة، فقد توفّيتا في حياته ﷺ وكلّهن ثيبات غير عائشة «١» .
وتوفّي عن سرّيّتين:
مارية بنت شمعون القبطية المصرية أهداها إليه ﷺ المقوقس عظيم مصر، وهي أمّ ولده إبراهيم﵇-.
وريحانة بنت زيد من بني النضير «٢» أسلمت فأعتقها ثم تزوّجها «٣» .
وحرّم الله زواجهنّ بعد وفاة رسول الله ﷺ لأنّهنّ أمّهات المؤمنين، وفي
_________________
(١) ملخصا من «زاد المعاد» لابن القيم: ج ١، ص ٢٦- ٢٩.
(٢) ويقال من بني قريظة.
(٣) سيرة ابن كثير: ج ٤، ص ٦٠٤- ٦٠٥.
[ ٥٤٦ ]
ذلك حفظ للصلة الدقيقة الحساسة التي تربط الأمّة بنبيّها ﷺ، فقال تعالى:
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣] .
قال ابن كثير في تفسير الآية:
«أجمع العلماء قاطبة على أنّ من توفّي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنّه يحرم على غيره تزوّجها من بعده، لأنهنّ أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين» «١» .
وقفة قصيرة عند تعدّد الزوجات:
قضى رسول الله ﷺ شطرا من عمره في العزوبة، مدّة خمسة وعشرين عاما، وهي فترة الشباب التي استوفت أفضل شروطه وصفاته، وكان مثلا للفتوّة الإنسانيّة العربيّة السليمة، والصحّة التي كان فيها نصيب للنشأة في البادية، والبعد عن أدواء المدنية، والتحلّي بأفضل صفات الفروسيّة والرّجولة، ولم يجد أشدّ أعدائه له مغمزا في هذه الفترة الحاسمة الدقيقة في حياته قبل النبوّة وبعد النبوّة إلى هذا اليوم، فكان مثالا للطّهر والعفاف والنزاهة والبراءة والعزوف عن كلّ ما لا يليق به.
فلمّا بلغ خمسا وعشرين سنة تزوّج خديجة بنت خويلد، وهي أيّم، قد بلغت من عمرها أربعين سنة، وقد تزوّجت قبله برجلين، ولها أولاد، وبينه وبينها من التفاوت في السنّ ١٥ سنة على القول المشهور، ثمّ تزوّج بعدها وقد جاوز الخمسين- سودة بنت زمعة، وقد توفي زوجها في الحبشة مسلما مهاجرا.
_________________
(١) سيرة ابن كثير: ج ٤، ص ٤٩٣، طبع دار الأندلس.
[ ٥٤٧ ]
ولم يتزوّج ﷺ بكرا إلا عائشة بنت أبي بكر.
وما تزوّج زواجا إلا ولهذا الزواج مصلحة راجحة من مصالح الدعوة الإسلاميّة، أو المروءة ومكارم الأخلاق، أو جلب منفعة عامّة، ودرء خطر اجتماعيّ كبير، فقد كان للأرحام والمصاهرة تأثير كبير في حياة العرب القبليّة، والاجتماعيّة، وقيمة ليست في أمّة أخرى، فكان لهذه المصاهرة أثرها البعيد في تاريخ الدعوة الإسلاميّة، والمجتمع الإسلاميّ المثاليّ، وحقن الدماء والتوقي من معرّة القبائل العربيّة.
ولم تكن حياته معهنّ حياة ترف ورفاهية، وتوسّع في المطاعم والمشارب وخفض العيش- وتلك غاية الزوجات في نظر كثير من الناس- بل كانت حياة زهد وتقشّف، وإيثار وقناعة، لا يطيقها أعاظم الرجال وكبار الزهاد في القديم والحديث، وحسب القارىء المنصف أن يقرأ قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٢٨- ٢٩] .
وكان من أثر هذه الغاية المتوخّاة، والنفسيّة السامية، والتربية العميقة المؤثرة، أن اخترن كلّهنّ﵅ وأرضاهنّ من غير استثناء وتلكّؤ- الله ورسوله والدار الآخرة، ويكفي مثالا، ما أجابت به عائشة﵂- فلمّا تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، وقال لها: «لا عليك ألا تستعجلي حتّى تستأمري أبويك» .
قالت له: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإنّي أريد الله ورسوله والدار الآخرة «١»،
_________________
(١) وسيمرّ شيء منها بالقارىء في الفصل السادس «الأخلاق والشمائل» من هذا الكتاب.
[ ٥٤٨ ]
قالت: ثمّ فعلت أزواج النّبيّ ﷺ مثل ما فعلت «١» .
ولم يشغل رسول الله ﷺ تعدّد الزوجات، وما يستلزم ذلك نفسيا واقتصاديا واجتماعيا، عن النهوض بأعباء الدعوة، والجهاد والتقشّف، والحياة المثالية، والقيام بالأمور الجسام، برهة من الزمان، بل زاده ذلك نشاطا وقوة، وكنّ أعوانا له على القيام بما أكرمه الله به، من تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، وتعليم المسلمين دينهم، ذكورا وإناثا، وكنّ يرافقنه في الحروب والغزوات، فيداوين الجرحى ويمرّضن المرضى، ويشرن بالخير، ويواسين في الشّدّة، وبهنّ قام نحو ثلث الدين- ممّا يتعلّق بحياته المنزلية والعشرة وكثير من الأحكام- تعلّمها المسلمون منهنّ، وحفظوه ونشروه «٢» .
وناهيك بأمّ المؤمنين عائشة﵂- فقد قال إمام علم الرجال والطبقات الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذّهبيّ (ت ٧٤٨ هـ) في كتابه المشهور «تذكرة الحفّاظ»:
«كانت أكبر فقهاء الصحابة، كان فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ يرجعون
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا.. برقم (٤٧٨٥) و(٤٧٨٦)، ومسلم في كتاب الطلاق، باب بيان أن تخييره امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، برقم (١٤٧٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٣/ ٢٦٠) برقم (٥٣٠٩)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، سورة الأحزاب، برقم (٣٢٠٤) وغيرهم من حديث عائشة ﵂] .
(٢) وقد أحسن الكلام في موضوع تعدّد الزوجات وما كان فيه من حكم ومصالح وما يحيط به من أحوال وظروف، مؤلف السيرة الهندي القاضي محمد سليمان المنصور فوري في كتابه النفيس «رحمة للعالمين» راجع ص ١٤١- ١٤٤، والكاتب المصري الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد، في كتابه «عبقرية محمد» تحت عنوان «تعدّد الأزواج» وعنوان «أسباب تعدّد زوجاته» .
[ ٥٤٩ ]
إليها، يروى عن قبيصة بنت ذؤيب، قالت: كانت عائشة أعلم الناس، يسألها أكابر الصحابة.
وقال أبو موسى: ما أشكل علينا أصحاب محمّد ﷺ حديث قطّ، فسألنا عائشة، إلّا وجدنا عندها منه علما.
وقال حسّان: ما رأيت أحدا من الناس أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بحلال وحرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا النّسب من عائشة ﵂» «١» .
وأمّا مكارم الأخلاق، وعلو الهمّة، والجود، والمواساة، فعن البحر حدّث ولا حرج، وحسبك ما رواه هشام عن أبيه: أنّ معاوية بعث إلى عائشة مئة ألف، فو الله ما غاب علينا الشهر حتّى فرّقتها، فقالت مولاة لها: لو اشتريت لنا من ذلك بدرهم لحما، فقالت: ألا ذكّرتني «٢»، وكانت صائمة «٣» .
وقد نشأت «مشكلة تعدّد الزوجات» في حياة محمّد ﷺ وشغلت عقول كثير من الباحثين الغربيين وأقلام الكتاب المستشرقين، وكثر التساؤل عنها، بسبب إخضاعهم الحياة الزوجية في بلاد العرب وفي الشريعة الإسلامية، وفي العصر الذي ظهر فيه الإسلام، للقيم والتصوّرات والأعراف الغربيّة، وتسليط الموازين والمقاييس الغربية (التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي وليدة
_________________
(١) تذكرة الحفاظ: ج ١، ص ٢٧- ٢٨، طبعة دار إحياء التراث العربي [وأخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب من ناجى بين يدي الناس..، برقم (٦٢٨٥) و(٦٢٨٦)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل فاطمة ﵂، برقم (٢٤٥٠) من حديث عائشة ﵂] .
(٢) تذكرة الحفاظ: ج ١، ص ٢٨.
(٣) زيادة من رواية أمّ ذرّ (المصدر السابق) .
[ ٥٥٠ ]
حضارة خاصّة ومجتمع خاصّ) على ما تقبله الفطرة السليمة والبيئة العربية، وتقتضيه المصالح الخلقية والاجتماعية، ويأذن به الله.
وتلك نقطة ضعف في التفكير الغربيّ وفي الكتابات الغربية يجعلون الغرب هو الميزان، ثمّ يطلقون أحكاما قاسية على كلّ ما جانبه أو اختلف عنه، فيخلقون مشكلة ثمّ يعالجونها، وما هي إلا نتيجة كبريائهم، وتقديسهم الزائد للقيم والمثل الغربية.
وقد كان مؤلّف السيرة الإنجليزي المستر R.V.C.Bodley منصفا وجريئا في نقد هذا الشعور الغربيّ نحو تعدّد الزوجات في حياة النّبيّ ﷺ، يقول في كتابه «حياة محمّد الرسول»:
«إنّه لا داعي إلى قياس حياة محمد الزوجيّة بالمقاييس الغربيّة، ولا الحكم عليها من وجهة نظر التقاليد والقوانين التي سنّتها المسيحيّة في الغرب، فلم يكن أولئك الرجال- العرب- غربيين ولا مسيحيين، إنّما نشؤوا في بلاد وفي عصر كان يسود عليه نظامهم الخلقيّ الخاصّ، ورغم كلّ ذلك لا مبرر لفتضيل النظام الخلقيّ الأمريكيّ أو الأروبيّ على النظام الخلقيّ العربيّ، إنّ الغربيين لا يزالون في حاجة إلى بحث دقيق، وتمحيص كبير لتفضيل نظامهم الخلقيّ وطريقة حياتهم على غيرها، فعليهم أن يتجنّبوا الطّعن في ديانات أخرى ومدنيات أخرى» «١» .
وليست «شناعة» تعدّد الزوجات (التي تخيّلها الغرب، وآمن بها أبناؤه في تقليد وحماس، واعتبروها حقيقة بديهية مسلمة، وجسّمها كتّابه ومشرّعوه)، شناعة دائمة على مرّ العصور والأجيال، قائمة على أسس علمية
_________________
(١) R.V.C.Bodley:The Messenger- The Life Of Mohammad،) London، ٦٤٩١ (pp.٢٠٢- ٣٠٢.
[ ٥٥١ ]
ثابتة، أو الفطرة الإنسانية السليمة، بل هي شناعة خيالية عاطفية، ناتجة عن دعاية قوية متحمّسة، تخفّ وقد تزول مع الزمان بتغيّر الاتجاهات والأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتربويّة «١» .
_________________
(١) وإلى ذلك أشار الكاتب الغربي العصري) Alwin Toffler (في كتابه الحديث) Future SchocK (الذي أحدث دويا في الأوساط العلمية أخيرا، اقرأ (على سبيل المثال) ص ٢٢٧ ٢٣٢، (طبع لندن ١٩٧٥ م) .
[ ٥٥٢ ]
أحوال أمّهات المؤمنين ﵅ التاريخية «١»
_________________
(١) من إضافات المحقّق الكتاب.
[ ٥٥٣ ]
ب- أولاده وأسباطه ﷺ:
ولدت له خديجة القاسم، وبه كان يكنّى، ومات طفلا، ثمّ زينب ثم رقيّة وأمّ كلثوم وفاطمة، واختلفوا في عبد الله، والطّيب، والطاهر، فعدّهم بعضهم ثلاثة أولاد، والصحيح عند ابن القيّم أنّ الطيب والطاهر لقبان لعبد الله، وهؤلاء كلّهم من خديجة﵂- «١» .
أمّا فاطمة فهي أحبّ بناته إليه، وأخبر بأنّها سيدة نساء أهل الجنّة «٢»، وقال: «فاطمة بضعة منّي، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها» «٣»، وهي أوّل أهل بيته لحوقا به.
وولدت له مارية القبطية إبراهيم، فتوفّي وقد ملأ المهد، وقد قال ﷺ حين توفّي: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا، إنّا بك يا إبراهيم! لمحزونون» «٤» .
_________________
(١) زاد المعاد: ج ١، ص ٢٥- ٢٦.
(٢) [أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂، في كتاب المناقب، باب علامات النبوّة ، برقم (٣٦٢٣)، وابن حبان في الصحيح (١٥/ ٤٠٢) برقم (٦٩٥٢)، والنّسائي في السنن الكبرى (٥/ ١٤٥) برقم (٨٥١٢) و(٨٥١٣)، وأخرجه الترمذي من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ في أبواب المناقب، باب مناقب أبي محمّد الحسن بن علي بن أبي طالب ، برقم (٣٧٨١)، وفي باب ما جاء في فضل فاطمة ﵂، برقم (٣٨٧٣)، وأحمد في المسند (٥/ ٣٩١)] .
(٣) متفق عليه [أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ، برقم (٣٧١٤)، وفي باب مناقب فاطمة ﵂، برقم (٣٧٦٧)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل فاطمة ﵂، برقم (٢٤٤٩)، والترمذي في أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة ﵂، برقم (٣٨٦٩)، والنّسائي في السنن الكبرى (٥/ ٩٧)، برقم (٨٣٧٠) و(٨٣٧١) وغيرهم من حديث المسور بن مخرمة] .
(٤) [أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ؛ «إنا بك لمحزونون» برقم.
[ ٥٥٤ ]
وكسفت الشمس يوم موته، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب رسول الله ﷺ فقال: «إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله ﷿، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» «١» .
الفرق بين نبيّ مرسل وزعيم سياسيّ:
لو كان مكان رسول الله ﷺ في هذه المناسبة الحزينة أيّ داع من الدعاة، أو زعيم من الزعماء، أو قائد دعوة أو حركة أو جماعة، لسكت على هذا الكلام- إذ لم يوفّق إلى نفيه- ظنّا منه أنّ ذلك الكلام إنّما هو في صالح دعوته وحركته، وظنّ أنّه لم يسترع الانتباه إلى هذه الناحية، بل إنّ الناس بأنفسهم فكّروا في ذلك، وقالوا: إنّ الشمس إنما انكسفت لوفاة ابن رسول الله ﷺ، إذا فهو ليس مكلّفا بنفي هذا التفكير.
_________________
(١) - (١٣٠٣)، وأبو داود في كتاب الجنائز، باب في البكاء على الميت، برقم (٣١٢٦)، وابن أبي شيبة في المصنّف (٣/ ٦٣) برقم (١٢١٢٦)، وعبد الرزاق في المصنّف (٣/ ٥٥٣) برقم (٦٦٧٢)، وابن حبان في الصحيح (٧/ ١٦٢) برقم (٢٩٠٢)، وأحمد في المسند (٣/ ١٩٤) وغيرهم من حديث أنس بن مالك ﵁] .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الكسوف [أخرجه البخاري في كتاب الكسوف، باب الدعاء في الكسوف، برقم (١٠٦٠)، ومسلم في كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف، برقم (٩٠٧)، وأبو داود في كتاب صلاة الاستسقاء، باب صلاة الكسوف، برقم (١١٧٧)، والنسائي في السنن الكبرى (١/ ٥٦٧) برقم (١٨٤٣)، وابن ماجه في أبواب إقامة الصلوات، باب ما جاء في صلاة الكسوف، برقم (١٢٦٢)، وأحمد في المسند (٢/ ١١٨) وغيرهم من حديث عائشة، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة ﵃ جميعا] . يقول المرحوم محمود باشا الفلكي في كتابه «التقويم العربي قبل الإسلام وتاريخ ميلاد الرسول وهجرته ﷺ» ص ١٨- ١٩ «قد قمت بحساب دقيق بيّن لي أن الشمس قد كسفت حقيقة كسوفا كليا تقريبا بالمدينة عند الساعة الثامنة والدقيقة الثلاثين بعد منتصف الليل يوم السابع والعشرين من شهر يناير (كانون الثاني سنة ٦٣٢ ميلادية ١ هـ)» . وذلك يوافق اليوم التاسع والعشرين من شوال سنة عشر للهجرة.
[ ٥٥٥ ]
وذلك هو الفرق بعينه بين النبيّ وغيره، فإنّ الأحداث التي يستغلّها أصحاب التفكير السياسيّ- وإن كانت حوادث طبيعية- يرى الأنبياء الكرام ﵈- استغلالها على حساب الدين حراما، وأمرا يرادف الكفر، ولا أدري أنّ أحدا سوى محمّد ﷺ يكون قد صدق في هذا الامتحان من غير الأنبياء، ومن مؤسّسي الجماعات وزعماء السياسة.
وولدت زينب- وقد تزوّجها أبو العاص بن الرّبيع وهو ابن أخت خديجة- ابنا اسمه عليّ، وبنتا اسمها أمامة.
وتزوّج رقيّة عثمان بن عفّان، فولدت له ابنه عبد الله، وماتت ورسول الله ﷺ ببدر، وكان عثمان قد أقام عندها يمرّضها، وتزوّج بعدها بأختها أمّ كلثوم، ولهذا كان يقال له «ذو النورين» وتوفّيت عنده أيضا في حياة رسول الله ﷺ.
وتزوّجت فاطمة عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عمّ رسول الله ﷺ فولدت له حسنا، وبه كان يكنى، وحسينا، وفيهما قال رسول الله ﷺ:
«هما ريحانتاي من الدّنيا» «١»، وفيهما قال: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» «٢» .
_________________
(١) مقتبس من هامش «مطلع الأنوار» لابن الربيع، ص ٦٧، [أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب الحسن والحسين ﵂، برقم (٣٧٥٣)، والترمذي في أبواب المناقب، باب مناقب أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب والحسين بن علي ﵄، برقم (٣٧٧٠)، والطبراني في الكبير (٣/ ١٢٧) برقم (٢٨٨٤)، وأبو يعلى في المسند، (١٠/ ١٠٦)، برقم (٥٧٣٩) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر ﵄] .
(٢) [أخرجه الترمذي في أبواب المناقب، باب مناقب أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، برقم (٣٧٦٨)، والنّسائي في السنن الكبرى (٥/ ٥٠) برقم (٨١٦٩)، -
[ ٥٥٦ ]
وقد بارك الله في ذريّتهما، ونفع بها الإسلام والمسلمين، وكان منهم سادة وقادة، وأئمة في العلم والدّين والجهاد والزهادة.
وولدت فاطمة لعليّ زينب وأمّ كلثوم، وتزوّج زينب ابن عمّها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أحد أجواد العرب في الإسلام، وولدت له عليّا وعونا، وتزوّج أمّ كلثوم بنت عليّ عمر بن الخطّاب ﵁، فولدت زيدا ومات عنها «١» .
وكلّ أولاده ﷺ توفّي قبله إلّا فاطمة، فإنّها تأخّرت بعده بستة أشهر «٢» .
_________________
(١) - وأحمد في المسند (٣/ ٦٤) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد روي هذا الحديث عن حذيفة بن اليمان ﵁ أيضا] .
(٢) مقتبس من «السيرة النبوية» لابن كثير وغيره: ج ٤، ص ٥٨١- ٥٨٢.
(٣) زاد المعاد: لابن قيم الجوزية، ج ١، ص ٢٦.
[ ٥٥٧ ]
الفصل السادس الأخلاق والشّمائل
صفة رسول الله ﷺ خلقا وخلقا
مع النّاس
في منزله ومع أهله وعياله
رقّة الشعور الإنساني ونبل العاطفة
كرمه وحلمه
الحفاظ على أصالة الدين والغيرة على روحه وتعاليمه
تواضعه
شجاعته وحياؤه
رأفة عامّة ورحمة واسعة
أسوة كاملة وقدوة عامّة
[ ٥٥٩ ]