مدخل
الفصل الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة في المدينة المنورة
تمهيد:
تمت الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بأمر الله تعالى، وبذلك بدأت مرحلة جديدة مع الدعوة إلى الله تعالى، تتميز بخصائصها، ومفاهيمها، وأهميتها وتختلف عن المرحلة المكية بصورة كلية، وصار الأمر فيها مهيأ لانطلاقة الإسلام إلى العالم كله، بصورة عملية دائمة.
ولم يعد الصراع بين مجتمع واسع وبين أفراد قلائل فيه، كما كان الحال في مكة وإنما تحول إلى صراع بين مجتمع ومجتمع آخر يعادله، ويتفوق عليه بالإيمان الحق، وتتبع الصراط المستقيم.
وقد وصلت الدعوة الإسلامية نظريًا إلى العالم كله، خلال المرحلة المكية ومعها وصلت أخبار ما بين رسول الله ﷺ وبين كفار مكة من عداوة وصراع، وهذا جعل الناس ينتظرون ما تسفر عنه الأحداث بعد الهجرة، وما ينتهي إليه الصراع بين أهل مكة وأهل المدينة. وأخذ أبناء الجزيرة على الخصوص ينتظرون نتيجة هذا الصراع، ليتخذوا قرارهم بعد أن تهدأ العاصفة، ويستقر البركان.
وأراد الله تعالى أن ينتصر دينه بمفهوم البشر وسننهم، ليشعر المؤمنون بمسئوليتهم تجاه الإسلام، ويقوم المسلمون بالواجب المنوط بهم في مجال الدعوة إلى الله تعالى، وليعلم سائر الناس أن الإسلام قوي بما فيه من تعاليم، وإرشاد، وأن الإيمان أساسه الاقتناع والرضى، وأن الاستفادة بالإسلام تحتاج إلى الاستقامة والطاعة والانقياد والتسليم وخلوص العبودية لله رب العالمين.
وكان رسول الله ﷺ والمسلمون معه خير أمة أخرجت للناس في الفهم والتطبيق والصدق والإخلاص فاستقاموا على الطريقة الحقة، وجاهدوا في الله حق الجهاد، وجعلوا كل أمانيهم إرضاء الله ورسوله، ولم يبالوا بأي أذى ينالهم، أو بأي ضرر ينزل بهم ما داموا على المنهج القويم الذي ارتضاه الله للناس.
لقد تمتعت هذه الجماعة بالإسلام في المدينة، وحولت الفكرة المجردة إلى عمل واقعي، وجعلت المبادئ حركة ناصعة تخاطب العقل، وتتراءى للعين، ويلمسها
[ ٢٠١ ]
بوضوح كل من شاهد صحابيًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فلقد تحولوا رضوان الله عليهم إلى عباد ربانيين، يعيشون لله حياتهم كلها.
لقد تمكن المسلمون خلال العهد المدني بقيادة رسول الله ﷺ من إسكات صوت الباطل، وقهر قوته، وإيصال الدعوة إلى العالم كله، بعدما أزاحوا رموز الفساد وطواغيت الدنيا، وجابوا العالم كله دعاة يحملون رسالة الله، ويجاهدون في سبيله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وينشرون الخير بين الناس أجمعين.
وفي هذا الفصل سنعيش مع رسول الله ﷺ، وهو يتحرك بدعوة الله، بصور عديدة، وأنواع كثيرة، ومعه كان أصحابه ﵃.
وسيأتي هذا الفصل مكونًا من المباحث التالية:
المبحث الأول: بناء المجتمع الإسلامي.
المبحث الثاني: تشريع الجهاد وحركة الدعوة.
المبحث الثالث: السرايا والغزوات قبل بدر.
المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى.
المبحث الخامس: أحداث ما بين "بدر" و"أحد".
المبحث السادس: غزوة أحد.
المبحث السابع: أحداث ما بين "أحد" و"الأحزاب".
المبحث الثامن: غزوة الأحزاب.
المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية.
[ ٢٠٢ ]
المبحث العاشر: غزوة الحديبية.
المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة.
المبحث الثاني عشر: فتح مكة.
المبحث الثالث عشر: الاستقرار العام في الجزيرة ومواجهة غير العرب.
المبحث الرابع عشر: السرايا والغزوات في الميزان.
المبحث الخامس عشر: وجاء نصر الله تعالى.
المبحث السادس عشر: انتقال الرسول ﷺ إلى الله تعالى.
والله الموفق.
[ ٢٠٣ ]
المبحث الأول: بناء المجتمع الإسلامي
مدخل
المبحث الأول: بناء المجتمع الإسلامي
استقر المهاجرون في المدينة المنورة، ودخل أغلب الأوس والخزرج في الإسلام، وتحولت المدينة كلها إلى مجتمع متكامل، خال من الصراع، بعيد عن الضلال والضياع واستسلم الجميع لحكم الله تعالى، وأنزلوا رسول الله ﷺ بينهم بما يليق به، فحكموه في كل ما عن لهم، وأخذوا برأيه في سائر ما وجههم إليه، وبذلك ظهر المجتمع الإسلامي بخصائصه، ومزاياه التي بعث الرسول ﷺ لإيجادها في واقع الحياة، ولقد قدم هذا المجتمع صورة فريدة في دنيا الناس، لم تسبق، ولم تلحق، لقد صنع من الضعفاء قوة، ومن الفقر غنى، ومن التشرذم والضياع رجالا عرفوا الحقيقة، وتمسكوا بها، فعاش الحق لهم وسار بهم، وصاروا أمثولة رائعة، ومثالا تجريبيًا لمن يريد حياة الكرامة والعزة والرقي.
ومسلمو اليوم أحوج الناس إلى معرفة هذا المجتمع العظيم ليتأسوا به فهم خلوفه، وهو سلفهم وكل ما هم فيه من هوان وضياع يجب أن يعيدهم إلى ماضيهم الخالد عساهم أن يتذكروا، وعساهم أن ينتفعوا.
إن عوامل صناعة المجتمع المدني بعد الهجرة ليست أمورًا فوق الطاقة، ولكنها أمور تحتاج إلى الصدق معها، ولا بد فيها من إيمان يستلزم العمل بها، وإلى معرفة واضحة لمجموعة من الأشياء التي لا بد منها في الحياة الإسلامية وهي:
- معرفة الله تعالى معرفة تؤكد حقه على العبيد، وحق العبيد عليه ليقوم الناس بما عليهم، وينالوا ما لهم.
- تقرير مقام رسول الله ﷺ في الناس، ومعرفة دور ما تركه من وحي في النشاط، والخلق، والسلوك؛ لأن رسول الله ﷺ لم يستقبل الوحي ليبقى فكرة مجردة، وإنما حولها بالإيمان إلى طاقة عملية، وحركة شاملة في أعمال الناس وأخلاقهم، وصبغ ﷺ بما أنزل عليه كل الحياة في المدينة المنورة، لتتأسى به كل المجتمعات بعد ذلك.
- ضرورة التزام الإنسان بتعاليم الإسلام، وبخاصة الإنسان المسلم حتى لا يتحول الإسلام إلى فكرة للتثقيف المجرد، وليبق الدين كما كان في مجتمع المدينة، قواعد للسلوك، وضوابط للعمل، ومنهجًا يسير الأحياء، وينظم الحياة في كافة جوانبها، وحتى نستفيد بمجتمع المدينة المسلم نحاول الوقوف على ملامحه الرئيسية التي بها كان مجتمعًا إسلاميًا، وصار أسوة للناس أجمعين.
وأهم العناصر التي ظهرت في هذا المجتمع ما يلي:
[ ٢٠٤ ]
أولا: دين كامل
استمر الرسول ﷺ يدعو الناس في مكة ثلاثة عشر عامًا، مكتفيًا خلالها بالدعوة إلى العقيدة؛ لأنها أساس البناء الإسلامي، والركيزة الكبرى لإقامة المجتمع المسلم.
إن التنشئة الصحيحة تعتمد على العقيدة لاتصالها بالجانب الباطني في الإنسان ومن المعلوم أن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات بهذا الجانب الهام، إذ به يتم التصور ويكون التصديق، وأي عمل خارجي ظاهر يحتاج إلى قرار باطني والإنسان الحر يعمل بما يؤمن به، ويتفق ظاهره مع باطنه دائمًا والمنافقون والضعفاء والمرضى والأرقاء هم الذين يفعلون عكس ما ينطقون، ويبطنون غير ما يظهرون وهذا حال يأباه دين الله تعالى.
إن الإنسان يقوده عقله، وهو الذي يسهل أمام صاحبه الصعب بعد اقتناعه ورضاه، وكثيرًا ما رأيناه من يقدم على إفناء الجسد وهو به راض سعيد، بصدور القرار من باطن مؤمن بفعل صاحبه.
لقد مكث رسول الله ﷺ يربي المسلمين بالعقيدة حتى صفت نفوسهم، وسكن الإيمان قلوبهم، وصاروا عبيدًا للمعبود، واستسلموا لربهم الخالق العظيم، وحينئذ أتتهم الشريعة جزءًا جزءًا حسب أحوالهم، وحاجاتهم فأسرعوا إلى التطبيق، والالتزام العملي الدقيق.
لم يحدث مرة أن ترددوا في تنفيذ أمر أمروا به أو توقفوا عن ترك عمل أمروا بتركه ولو كان العمل هو حاجتهم، وكل نشاطهم.
والإيمان بالعقيدة هو الذي كون الجماعة الإسلامية الأولى في مكة قبل الهجرة.
[ ٢٠٥ ]
ولم يكن عجبًا أن دار القرآن المكي كله حول بيان حقيقة العقيدة، وتوضيح أركانها، والاستدلال عليها بمختلف الأدلة لأنه بذلك صنع الأمة، وحقق في عالم الناس المجتمع الإسلامي العظيم.
فلما تمت الهجرة بدأت التشريعات تنزل، وأخذت التكاليف الإلهية تظهر، والمسلمون يسارعون إلى الطاعة والتنفيذ، ولذلك لم يكرر القرآن الكريم توجيهاته كثيرًا في أمر شرعي واحد ولم يدلل على حقيقتها، ولم يبرهن على أحقيتها، بل كان يكتفي غالبًا بمجرد الأمر أو النهي.
وكان الصحابة ﵃ يترقبون الأمر ليتحول سريعًا إلى العمل، وإذا تضمن التوجيه نهيًا يظهر أثره قولا، ويختفي المنهي عنه حالا، وقد شملت التوجيهات الشرعية كافة الجوانب العملية في حياة الأفراد وسائر الناس.
وكانت مسارعة المسلمين للتلقى سببًا لتوجههم نحو رسول الله ﷺ يأخذون قوله وعمله، ويسألونه عما لا يعرفون، ويسمعون منه ما يريده ﷺ وما ينزل عليه.
لقد تعلم الصحابة العقيدة، وآمنوا بها وهم في مكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة.
فلما تمت الهجرة بدأ الوحي يوضح الإحكام الشرعية لأفعال الناس واستمر ذلك حتى تمت الشريعة، فتم الإسلام بذلك وكمل الدين، ونزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١.
إن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
الأحكام الشرعية المحددة المعروفة، وهي المتصلة بالعبادات المشروعة كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وأحكام هذه العبادات مفصلة بأدلتها الشرعية وكذلك أحكام النكاح، والميراث، والفرق بين الزوجين، إلى غير ذلك مما ورد مفصلا في شريعة الإسلام.
ومن المعلوم أن الصلاة شرعت في ليلة الإسراء والمعراج على نحو ما سبق ذكره. وكان ذلك قبل الهجرة، ولم يتمكن المسلمون من إقامتها في جماعة، وكانوا يؤدونها
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣.
[ ٢٠٦ ]
في البيت الحرام، والكعبة محاطة بالأصنام والأوثان، فلما كانت الهجرة تأسس مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام يقول الله تعالى فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ١، وقد صلى الرسول ﷺ والمسلمون معه في هذا المسجد جماعة، وأقاموا به أول جمعة في الإسلام.
وبالنسبة للزكاة فقد شرعت بعد الهجرة بخمسة أشهر في إطار المواخاة التي نظمها رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار٢.
وبالنسبة للصوم فقد شرع بعد الهجرة بثمانية أشهر بعد تحويل القبلة بشهر واحد، ومع تشريع الصوم شرعت زكاة الفطر، كما شرع الحج لما تيسر أداؤه بعد الحديبية، واستمرت أحكام هذه العبادات تنزل تباعًا، فكلما جد أمر نزل حكمه، وعندما يحتاج المسلمون لحكم جاء الوحي به.
القسم الثاني:
الأحكام الشرعية للعبادات غير المحددة وهي تشمل سائر أنشطة الإنسان في الحياة؛ لأن لكل جزئية حياتية حكم شرعي يضبطها.
وأنشطة الإنسان ليست ثابتة، ولكنها متغيرة متجددة، وللإيمان دخل فيها، فحياة الإنسان ومعايشه في تطور دائم، ولذلك قضت حكمة الله تعالى أن تنزل أحكام هذه العبادات في صورة مبادئ كلية، وقواعد عامة، حتى يتمكن العلماء من أخذ أحكام الحوادث الجديدة من القواعد والمبادئ وفق أصول علمية، وتبعًا لضوابط إسلامية لا بد منها في أي حكم مستنبط.
وفي إطار أحكام هذا القسم لا يمكن تصور مسألة ما بلا حكم شرعي إسلامي، وبذلك كان صلاح الإسلام لكل زمان ومكان.
لقد تم الإسلام في المدينة بعد الهجرة بعناصره جميعًا، وبرزت الأحكام الشرعية بجانب أحكام العقيدة، وتكامل حسنهما معًا بالأخلاق الإسلامية الكريمة.
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١٠٨. ٢ الفصول في سيرة الرسول ﷺ لابن كثير ص٥٦.
[ ٢٠٧ ]
وقد تميز الإسلام بمزايا عديدة، من أهمها ما يلي:
١- مراعاة الفطرة البشرية:
الفطرة هي الطبيعة الأولى التي خلق الله الإنسان عليها، والجبلة الحقيقية التي يتكون منها، والإسلام يراعي هذه الفطرة، وينميها، ويمكنها من مسارها الصحيح، وذلك ملحوظ في دوران كافة الأحكام الشرعية في إطار الطاقة البشرية، فلا يأمر الإسلام بمستحيل فعله، ولا ينهى عن فعل مستحيل تركه، بل كل ما جاءت به الشريعة يمكن عمله وتنفيذه، كما أن الاستقامة عليه تريح النفس، وترضيها.
إن الفطرة تجد راحتها حينما تصدق في طاعة دين الله تعالى، وتتلاءم معها وتسعد بها، وتتشوق للعمل الإسلامي إن تركته، وتبحث عنه إن بعد عنها.
إن الإسلام يعرف طريقه إلى النفس البشرية، يعرف مداخلها ومخارجها، فيسلك إليها على استقامة، ويعرف حاجاتها ومطالبها فيلبيها، ويعرف طاقاتها فيطلقها للعمل والبناء، وينمي الجوانب الإيجابية في النفس البشرية كالميل نحو الخير، وحب الأمن، وغلبة العدو، ويحارب الجوانب السلبية كسوء الخلق، والاندفاع نحو الشهوات المحرمة.
إن الإسلام نظام كامل للإنسان الذي يعيش على سطح هذه الأرض، يضع في اعتباره فطرته، وخصائصه النفسية، والعادية، والعقلية.
إن تعاليم الإسلام تلتقي مع الفطرة السوية، وتحقق لها سائر رغباتها، وتوجد معها الأمن والسعادة، وذلك لما فيها من حلول لكافة حاجات الإنسان، على وجه كامل تام.
٣- الشمول:
ونعني بالشمول في الإسلام أنه يشرع للإنسان في كل حالاته، وفي مختلف قضاياه، يشرع له صغيرًا وكبيرًا، ذكرًا وأنثى، حيًا وميتًا، قويًا وضعيفًا، مريضًا وصحيحًا غنيًا وفقيرًا، حاكمًا ومحكومًا.
ويشرع له وهو فرد واحد، أو وهو في جماعة، بل ويشرع لعلاقة الجماعة مع غيرها وللأمة مع سواها.
إن الإنسان أينما كان يجد في شرع الله طلبه، ويعرف طريقه، وهو نوع من الإعجاز يشهد بربانية الشريعة، وإتيانها من عند الله تعالى.
[ ٢٠٨ ]
ومن روعة هذا الشمول الاستمرارية، فهو دائم إلى يوم القيامة بلا خلل ولا نقص أبدًا لقد عاش المسلمون في عصر النبي ﷺ مع شريعة الله، واستقاموا على توجيهاتها بدقة، فوجدوا فيها حلا لكل قضاياهم، وتقدمًا في حياتهم فسعدوا، وعاشوا في بركات الله تنزل عليهم من فوقهم، وتأتيهم رغدًا من كل مكان.
يقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢.
وقد تحقق للمسلمين ما وعدتهم به الآيات، فبعدوا بفضل الله تعالى عن الانحراف العقلي، والشقاء في الحياة، وأحاطتهم بركات الله من كل ناحية، وعاشوا آمنين سعداء.
_________________
(١) ١ سورة طه: آية ١٢٣. ٢ سورة الأعراف: ٩٦.
[ ٢٠٩ ]
ثانيًا: قيادة أمينة رائدة
أخذ رسول الله ﷺ في قيادة المجتمع الإسلامي في المدينة بمنهج الله تعالى، بعدما صار أكثر من فيها مسلمين.
وأخذ رسول الله ﷺ يغذي أرواحهم بالقرآن المنزل عليه، ويقوي إيمانهم بالتقوى، ويعبدهم لله رب العالمين.
وقد تجلت عظمة القيادة في شخصية رسول الله ﷺ فهو ﵊ كان يبلغهم كل ما ينزل عليه من ربه بمجرد نزوله، ويحضهم على الاهتمام بالقرآن الكريم ويقول لهم ﷺ: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: الم حرف بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" ١.
إن إقبال القلوب على القرآن الكريم يجعلها تعيش نوره، وتسعد بطاعته، وتعتز بهدى الله، ورضاه، لقد بلغ الرسول ﷺ كل ما نزل استجابة لأمر الله تعالى له في قوله
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج١ ص٣٣٩.
[ ٢٠٩ ]
سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ١.
وكان ﷺ يقول للناس ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٢.
لم يكتم ﷺ أمرًا كلف بتبليغه، ولم يتقول على الله كلمة واحدة. وكانت أمانته بارزة لكل من عاشره فهو الأمين مع نفسه، ومع الناس، ومع الله.
وكان ﷺ شديد الحرص على إسعاد الناس بالإسلام، وكثيرًا ما كان يتألم لانصراف البعض عن الإيمان، والتصديق.
يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
ويقول سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ٤.
وكان الله تعالى يخفف عن الرسول حزنه وألمه لما كان يراه من بعد فريق عن الإيمان فيقول سبحانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ٥.
كان ﷺ شديد الحب لأصحابه وأتباعه، وكثيرًا ما حذر من أي أذى يلحق بهم.
يقول ﷺ: "الله الله في أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه" ٦.
ويقول ﷺ: "لا تسبوا أصحابي" ٧.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٦٧. ٢ سورة الأنعام: ١٩. ٣ سورة المائدة: ١٢٧. ٤ سورة الكهف: ٦. ٥ سورة ق: ٥٤. ٦ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، ج١٦ ص٩٢. ٧ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، ج١٦ ص٩٢.
[ ٢١٠ ]
وكان ﷺ يزكي أهل التزكية منهم، ويصفه بما هو فيه، ويعلي قدره بين الناس. يقول ﷺ عن أبي بكر الصديق: "إن أمنّ الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" ١.
ويقول ﷺ: "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه بها، ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر، وما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر، إلا أبا بكر".
ويقول ﷺ عن عمر بن الخطاب: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم" ٢.
ومن أقواله ﷺ: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر.
وأشدهم في أمر الله تعالى عمر.
وأشدهم حياء عثمان.
وأقضاهم علي.
وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل.
وأفرضهم زيد بن حارثة.
وأقرؤهم أبي بن كعب.
ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
وما أظلت الخضراء -يعني السماء، وإظلالها تغطيتها لما تحتها- ولا أقلت الغبراء -يعني الأرض، وإقلالها حملها لما فوقها- أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى ﵇ في ورعه" ٣.
وكان ﷺ شديد الحرص على أصحابه، رحيمًا بهم، عطوفًا عليهم، يتمنى أن لا يصيبهم أذى، فلم يأخذهم بظنه، ولم يسرع بعقوبة، أملا في مخرج لهم.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي. ك فضائل أبي بكر ج١٥ ص١٥٠. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي فضائل عمر ج١٥ ص١٦٦. ٣ الفتح الرباني باب فضل أبي ج٢٢ ص٣٧٠.
[ ٢١١ ]
يروي مسلم بسنده أن ماعز بن مالك أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني فرده.
فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله! إني قد زنيت فرده الثانية.
فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه فقال: "أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا"؟.
فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى.
فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله.
فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم.
فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا فوالله إني لحبلى.
قال لها: "إما لا فاذهبي حتى تلدي". فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال لها: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه". فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع نبي الله ﷺ سبه إياها، فقال: "مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت" ١.
وكان ﷺ لا يسمح بالشفاعة في الحدود أبدًا بعد ثبوتها، والتأكد من وقوعها ولذلك لما أهم قريشا شأن المخزومية التي سرقت، وكلمه أسامة بن زيد ﵁كطلبهم- قال له ﷺ: "أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة"؟.
ثم قام فاختطب ثم قال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم كتاب الحدود باب حد الزنا ج١١ ص٢٠٢، ٢٠٣. ٢ صحيح البخاري كتاب الحدود باب كراهية الشفاعة في الحد ج١٠ ص٢٧٣.
[ ٢١٢ ]
وكان نبينا ﷺ يحب مع هذا درء الحدود عن المسلمين ما استطاعوا، ومن أقواله ﷺ: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة" ١.
وكان ﷺ يلتزم بفعل كل ما يأمر به، ويترك كل ما ينهى عنه، ويتحرك في مقدمة الجيش حين الغزو، ويقول لأصحابه ما قاله الله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٢.
عاش ﷺ بين أصحابه يربيهم بالقرآن ويدعوهم إلى الله تعالى، وقد هداه الله إلى مفاتيح القلوب بالحسنى ففتحها، واستمر يغذي نفوسهم بعظمة الإسلام، ونور الوحي حتى خرج حظ الشيطان من نفوسهم، وصاروا رجالا يعملون لله، ويوجهون الدنيا لسعادة الآخرة.
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه ﷺ في نفوس المسلمين أغرب ما في تاريخ البشر، وقد كان هذا الانقلاب غريبًا في كل شيء: كان غريبًا في سرعته، وكان غريبًا في سعته وشموله، وكان غريبًا في وضوحه وقربه إلى الفهم، فلم يكن غامضًا، ولم يكن مدهشًا، ولم يكن شاذًا ككثير من الحوادث الخارقة للعادة، ولم يكن لغزًا من الألغاز يصعب إدراكه، والوقوف على أسراره وإنما كان انقلابًا قائمًا على فهم واع، وقناعة كاملة، وحب صادق متجذر في الوجدان، والضمير.
إنه حب لرسولهم الذي جاءهم من الله بدين الله يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٣.
إنه ﷺ لم يدعهم لملك شخصي، أو مجد قومي، أو دنيا زائلة وإنما هداهم الله إلى الصراط المستقيم وعرفهم بطرق الخير، ووضعهم أمام حجة الله خالصة نقية، فكان منهم ما استحقه صلى الله عليه وسلم٤.
_________________
(١) ١ نفحات الحبيب الشفيع ص١٥٦. ٢ سورة هود: ٨٨. ٣ سورة آل عمران: ١٦٤. ٤ نفحات الحبيب الشفيع ص١٥٩.
[ ٢١٣ ]
ثالثًا: مؤمنون صادقون
صدق مجتمع المدينة في إيمانه بالله، وقدم أفراده صورة صحيحة عن الإسلام، وبدءوا يتلقون تعاليم الله تعالى التي جاء بها الوحي تلقيًا صحيحًا.
فلقد كانوا يهتمون بالقرآن الكريم والسنة النبوية حفظًا وفهمًا، ويحيطون بكل ما ينزل، ويعلمون ما يحمله من توجيه وأحكام، وإن غاب عنهم معنى سألوا عنه رسول الله ﷺ.
وكانوا يتلقون ما يأتيهم من الوحي بالعمل والتطبيق والتنفيذ، وبذلك كانوا صورة عملية للوحي المنزل، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه بكل دقة وإخلاص.
وكان عملهم وفق تعاليم الله مصاحبًا للحب والرضى؛ لأنهم بهذا العمل يعيشون مع الشرع المحكم، ومع الله العزيز، ومع الحق المطلق الذي أنزله العليم الخبير.
وكان من إخلاصهم مع تعاليم الله أنهم طرحوا ما عداه فلم يأخذوا من مواريث فارس أو الروم، وإن تلاقى في بعض جزئياته مع تعاليم الله.
إن ما جاء من عند الله يكفيهم، وهم به سعداء، فلم يتركونه وهو الكامل إلى غيره وهو الناقص؟!!
ولم يتركونه، وقد التزموا بإسلامهم وعليهم أن يتمسكوا به؟!
ولم يتركونه، والترك يمثل خللا في إيمانهم، ونقصًا في تدينهم؟!
ولم يتركونه، وقد ثبت فضله، وتأكدت نتائجه؟!
إن تلقي هذه الجماعة المؤمنة للوحي المنزل كان قائمًا على معرفتهم بحقيقته، وإيمانهم بالواجب معه، وفهمهم لضرورة وضعه في المقام الذي هو جدير به.
[ ٢١٤ ]
إن الوحي هو كلام الله الذي نزل للناس ليكون دستور الحركة، وقانون الحياة، وهو يصور علامة فارقة بين حياة الجاهلية والحياة الإسلامية.
ولقد تلقى الصحابة الوحي بعقولهم، وأعمالهم، وسلوكهم، وأحوالهم، وصاروا به صناعة جديدة.
لم يتلفتوا معه إلى غيره مما صنعه البشر، ولو أتاهم من ممالك الأرض المشهورة -فارس والروم- لأنهم لا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولم يخلطا الوحي بغيره لأنهم لو فعلوها لكانوا ظالمين لأنفسهم ولدينهم لأنهم حينئذ يساوون تعاليم البشر بتعاليم الله تعالى.
إنهم كانوا مع الله صادقين، وكانوا يعلمون أن أهل الباطل يعملون على إضلالهم، وإبعادهم عن الحق، في جرأة على الخير، واستهتار بالحقيقة، واستدلال قبيح يعتمد على البهتان والسوء.
إن منطق أعداء الله واضح في قيامه على الإفك، وبعده عن مسلمات العقل وبداهة الحكمة، إنها جرأة تقلب الأمور، وتجعل الحقائق أباطيل، بلا أدنى إحساس بالخجل والأسف مثل قوله تعالى عن قوم لوط إذا قال بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ١ فلقد جعلوا الطهارة والعفة تهمة يعاقب فاعلها بالطرد والنفي.
ومثل فرعون، وهامان، وقارون، إذ قالوا: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ٢.
ومثل قول فرعون إذا قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٣ ومثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ
_________________
(١) ١ سورة النمل: ٥٦. ٢ سورة طه: ٦٣. ٣سورة القصص: ٣٨.
[ ٢١٥ ]
دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ١ حيث نرى الآيات تبرز كلمات فرعون وهو يثبت أنه الإله، وأنه واضع الطريقة المثالية، وأن موسى ﵇ داعية فساد، وأنه يعمل على صرف الناس عن دينهم الصحيح؟!
علمت الجماعة المؤمنة في المدينة المنورة كل هذا، وفهمت الإسلام حق الفهم ولذلك اقتصرت على الأخذ من وحي الله، وتركت ما عداه وإن تزين وتزخرف.
ولقد قدموا من أعمالهم وأخلاقهم المثاليات العوالي التي نتمنى أن نراها في دنيا المسلمين اليوم، ومن هذه الروائع:
- بايع بعض أصحابه ﷺ أن لا يسأل الناس، فكان السوط يسقط من أحدهم، فينزل عن دابته فيأخذه ولا يقول لأحد: ناولنيه.
وكان من شدة حبهم وطاعتهم له ﷺ أنه ﷺ نهى أهل المدينة عن كلام الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فما كان من الناس إلا أن أطاعوه ﷺ، وأصبحت المدينة لهؤلاء الثلاثة غريبة، عجيبة، كأنها مدينة الأموات ليس بها من يكلمهم، أو يجيبهم، كأنها لا تعرفهم، وكأنهم في خصومة مع الجميع، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
يقول كعب بن مالك، ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي نفس الأرض، فما هي الأرض التي أعرف.
ولقد مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام.
فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟!
فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيني وتوليت حتى تسورت الجدار.
وكان من صدق طاعة كعب بن مالك وهو في المحنة أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سورة غافر آية ٢٦.
[ ٢١٦ ]
يأتيه ويقول له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك.
فيسأله: أطلقها أم ماذا أفعل؟
فيقول له الصحابي: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها.
فيقول كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر وكان من حبه ﵁ للرسول ﷺ وإيثاره على كل أحد في الدنيا، أن ملك غسان يخطب وده، ويستلحقه بنفسه، "وتلك محنة عظيمة" ولكنه يرفض ذلك.
ويقول كعب: بينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام لبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني فدفع إليّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا فقرأته، فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها١.
ومن دقتهم ﵃ في طاعة شرع الله تعالى، ومسارعتهم في الامتثال أنه لما نزلت آية تحريم الخمر حرموها على أنفسهم للحظتها، يقول بريدة: بينما نحن قعود على مجلس شراب وعندنا باطية -إناء خمر- لنا ونحن نشرب الخمر حلالا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٢.
يقول بريدة: فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم، وبعض القوم شربته في يده، شرب بعضًا، وبقي بعض في الإناء، فألقوا بالآنية، ورموا ما في باطيتهم وقالوا: انتهينا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب حديث كعب بن مالك ج٨ ص٨٦، ٨٧. ٢ سورة المائدة: ٩٠-٩١.
[ ٢١٧ ]
ربنا، انتهينا ربنا! ١.
يقول أنس بن مالك: إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانًا وفلانًا إذ جاء رجل فقال وهل بلغكم الخبر؟
فقالوا: وما ذاك.
قال: حرمت الخمر.
قالوا: أحرق هذه القلال يا أنس.
فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل٢.
وعن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٣، فقال الناس ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم الصحابة في المغرب خلط في قراءته فأنزل الله فيه آية أغلظ منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٤، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٥ فقالوا: انتهينا ربنا.
ووصل الصدق في التسليم والخضوع إلى أن الواحد منهم كانت تتشابه لحظة ضعف
_________________
(١) ١ انظر سنن النسائي ج٨ ص٢٥٣. ٢ صحيح البخاري كتاب التفسير باب إنما الخمر والميسر ج٧ ص١٩٧. ٣ سورة البقرة: ٢١٩. ٤ سورة النساء: ٤٣. ٥ سورة المائدة: ٩٠، ٩١.
[ ٢١٨ ]
فيأتي لرسول الله مقرا بفعله لينال العقاب الذي حدده الله تعالى، وقد يكون في العقاب إزهاق روحه، وذلك كما فعل ماعز والغامدية إذ جاء للرسول وأقرا بالزنا وهما محصنان فرجمهما عليه السلام١.
إن هذا المجتمع الذي أسسه رسول الله ﷺ بالعقيدة الإسلامية كان صورة صادقة لتعليم الإسلام وتطبيقاته، فكل من فيه صدق إيمانه، وقويت عقيدته، وعبد نفسه للمعبود العظيم.
إن الأمة الإسلامية التي أخرجت للناس قد بلغت الأوج، كانت تعمل لله، وتجاهد لله، وتسعى إلى غايتها المرموقة في حب وثقة، التفت حول نبيها التفاف التلامذة بالمعلم، والجند بالقائد، والأبناء بالوالد الحنون.
وتساندت فيما بينها، بالأخوة المتبادلة المتناصرة، فهم نفس واحدة في أجسام متعددة، ولبنات مشدودة، في بناء منسق صلب.
وأدارت علاقتها بالآخرين على العدل والبر، فليس يظلم في جوارهم بريء، أو يحرم من ألطافهم عان أو يؤاخذ أحدهم بذنب غيره، أو يعطي لواحد ما يستحقه غيره من ثواب.
وبرغم ما وقع على المؤمنين من بغي قديم، فقد جعلت الإسلام يجب ما قبله، فمن تطهر من جاهليته، وتاب إلى ربه لا ينظر أحد إلى ماضيه، بل يصير في الجماعة المسلمة عضوًا كريمًا فيها، يملأ بصالح عمله كتابه الجديد.
أما الذين بقوا يكفرون ويصدون، فلا بد من الإعداد لهم، حتى تخلص الأرض من كفرهم وصدهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ٢.
كانت هذه الأمة تكدح لله، وتصل مساءها بصباحها في عبادته، وقد حزمت أمرها على واحد من اثنين، إما أن تحيا لله، وإما أن تموت فيه.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني ج١٨ ص٨٥ وانظر تفصيل ذلك في ص٢١٢. ٢ سورة النساء الآيتان ١٦٨، ١٦٩.
[ ٢١٩ ]
ولو ذهبت توازن بين المسلمين يومئذ وبين سائر أمم العالم لرأيت عناصر الغلب والامتياز تتجمع لديهم صاعدة، على حين تفور في كيان الأمم الأخرى زلازل عنيفة، فلا غرو إذا صاروا بعد سنوات معدودات دولة فتية تقضي لربها ولنفسها ما تشاء.
وقد وضع ﷺ من سلوكه مبادئ للعلاقات بين الناس لتحقيق المصلحة للجميع، وتأكيد الأمن لكل فرد.
إن التزام الأمة بتطبيق الإسلام تطبيقًا كاملا واعيًا أبرز كافة عناصر الخير في الإسلام، وحول المسلمين من جماعة همجية إلى أمة متماسكة تسير بالعدل، وتصون الحقوق، وتحفظ الكرامة الإنسانية، وتوجد الأمن والسلام والسعادة، بصورة أصلية ثابتة، وهذا الحال للأمة المسلمة جعل غير المسلمين ينظرون بحب وإعجاب إليهم، ويتمنى أن يكون مثلهم، ولذلك سارع الناس إلى اعتناق الإسلام رغبة، واقتناعًا بعدما شاهدوا تطبيقًا عمليًا بآثاره ونتائجه.
إن الجماعة المؤمنة التي صاحبت رسول الله ﷺ عاشت حياتها مجاهدة في سبيل الله فتحركه إلى سائر الآفاق ومعها المصحف والسيف، واستمرت على ذلك حتى تمكنت من صناعة أمة عظيمة تنشر العدل، وتحمي السلام، وتصون الحقوق، وتضمن الكرامة لكل الناس، وقد اعترف الجميع بما نشرته من خير وإصلاح للعاملين.
[ ٢٢٠ ]
رابعًا: التفاعل التام بين المسلمين والإسلام
لما تمت الهجرة إلى المدينة المنورة، صار للإسلام دولة تؤمن به، وتؤازره، وتدعو إليه وصدق المسلمون فيما عاهدوا الله عليه، فتحولت مظاهر الحياة، وكل الأنشطة وسائر المؤسسات إلى شريعة إسلامية تتحرك مع الناس وبهم في صورة عملية تعبر عن دين الله تعالى، وتؤكد التفاعل العظيم بين تعاليم الله وبين المؤمنين الصادقين.
وكان المسجد هو أول المؤسسات الدينية التي أقامها المسلمون في المدينة، فلقد أسس الرسول ﷺ مسجد قباء وهو في الطريق إلى المدينة، ولما وصل إليها ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري أسس المسجد الحرام بالمدينة، واتخذه المسلمون دار عبادتهم،
[ ٢٢٠ ]
وسياستهم، ففيه كان ينزل الوحي، وفيه يجتمع الأصحاب برسول الله ﷺ، وعنده التقى الوفود برسول الله ﷺ، ومنه تتحرك الوسائل، وينطلق الدعاة، وتجهز الجيوش.
لقد أصبح المسجد هو بيت الإسلام في المدينة، وبخاصة بعد أن شرع الله الأذان يدوي في الآفاق خمس مرات في اليوم والليلة، ويتردد صداه في الأفق البعيد.
ويعلم القاصي والداني أن أمة الإسلام عزيزة كريمة تعلن حقيقتها بصوت جهوري مكرر واضح المعالم بين معروف، فالله ربهم وهو الكبير المتعال، ومحمد هو رسولهم، والمبعوث بدين الله فيهم، وهو رائدهم إلى الفوز والفلاح، وإمامهم في الصلاة، وحياتهم هي الإسلام كله.
يقول ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة، إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله ﷺ حين قدمها أن يجعل لها بوقًا كبوق اليهود الذين يدعون به لصلاتهم ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس ليضرب به للمسلمين للصلاة، فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ﵁ أخو الحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف؛ مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسًا في يده فقلت له، يا عبد الله أتببيع هذا الناقوس؟
قال: وما تصنع به؟
قلت: ندعو به إلى الصلاة.
قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟
قلت: وما هو؟
قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال: "إنها لرؤيا حق، إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها
[ ٢٢١ ]
عليه، فليؤذن بها، فإنه أندى صوتًا منك".
فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب، وهو في بيته فخرج على رسول الله ﷺ، وهو يجر رداءه، وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله ﷺ: "فلله الحمد على ذلك" ١.
لقد آخى النبي ﷺ بينهم فصارت الأخوة رباطًا يربط المسلم بأخيه، ويلزمه بواجبه نحوه، ويجعل العلاقة بينهما كلها حب، وبر، وتكريم، وعلت أخوة العقيدة على أخوة النسب والمصاهرة، وخلا المجتمع من أي صورة غير إسلامية في أي ناحية من نواحي الحياة وأصبح الكل يحافظ على دين الله تعالى بلا مخالفة، أو تردد، ويكتفي به كفاية يعيش بها، ويعمل لها حتى أن أهل الذمة أقروا بحق الله عليهم، واستسلموا لحكم رسول الله ﷺ وعاشوا بعهد الذمة آمنين في الدولة المسلمة، ولم يتمردوا على المسلمين إلا بعد أن لعب بهم الهوى، وأضلهم شيطانهم، وكان الله لهم بالمرصاد، فدل رسول الله ﷺ على خيبة أنفسهم، فكان أن طهر الرسول ﷺ المدينة منهم حتى صارت مدينة خالصة لله ورسوله وأخذت عناصر تنظيم المجتمع تتفاعل، وتؤدي دورها في إطار منهج الله تعالى:
- فالإسلام هو المحرك للحياة، والأحياء.
- والرسول هو رائد الخير، وقائد الناس.
- والمسلمون هم الصورة العملية لدين الله تعالى.
وبذلك قام المجتمع الإسلامي، وظهرت معالمه، واستحق أن ينزل في وصفه قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢.
واطلع الله على قلوب وأعمال الجماعة المؤمنة فكان معهم بالنصر، والتأييد، ويسر لهم بقدرته أمر الحياة والمعاش وخصهم بما استحقوه من العون، والتوفيق، والسداد.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ج١ ص٨٠٥. ٢ سورة آل عمران الآية ١١٠.
[ ٢٢٢ ]
المبحث الثاني: تشريع الجهاد وحركة الدعوة
مدخل
المبحث الثاني: تشريح الجهاد وحركة الدعوة
لم يرض القرشيون بما آل إليه شأن المسلمين، ولم يقبلوا أن يعيش المسلمون في مجتمع آمن مستقر.
كان المظنون أن تهدأ ثائرة كفار مكة، وعباد الأوثان بعدما هاجر المسلمون إلى المدينة، وتركوا ديارهم وأموالهم عندهم، وابتعدوا عن مقابلتهم، وتخلصوا من مضايقاتهم وعدوانهم المتكرر على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين.
كان المظنون ذلك لكن الواقع شهد بغير هذا لأن أهل مكة درسوا موقف المسلمين بعد الهجرة، وتصوروا أن تواجدهم في مجتمع خاص بهم سوف يؤدي إلى بروز الإسلام، ووصوله إلى الأماكن البعيدة لعلمهم أن الإسلام هو دين الحق، وأنه يتلاءم مع الإنسان السوي، ويرضي العقل السليم.
ومن أجل هذا التصور وضعوا خطة حصار المسلمين، وحالوا القضاء عليهم في مستقرهم الجديد.
علم كفار مكة ما كان من عبد الله بن أبي سلول من كراهيته للإسلام فكتبوا إليه ومن كان يعبد معهم الأوثان قائلين لهم: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم٢.
فجمع ابن أبي أشياعه لقتال رسول الله ﷺ والمسلمين معه، فلقيهم رسول الله ﷺ وقال لهم: "لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم، وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا" ٢.
كما عملوا على منع المسلمين من زيارة البيت الحرام بمكة، وقد حدث أن سعد بن معاذ دخل مكة معتمرًا، ونزل على أمية بن خلف، فقال لأمية: انظر لي ساعة
_________________
(١) ١ سنن أبي داود باب خبر النضير ج٢ ص١٣٩، ١٤٠ ط الحلبي. ٢ المرجع السابق ونفس الصفحة.
[ ٢٢٣ ]
خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبًا من لقف النهار.
فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، من معك؟
فقال: هذا سعد.
فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا.
فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة١.
وحاولوا العدوان على المسلمين في المدينة، ولذلك كان رسول الله ﷺ يبيت ساهرًا، واتخذ لنفسه حرسًا.
ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: سهر رسول الله ﷺ حين مقدمه المدينة ليلة، فقال ﷺ: "ليت رجلا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة".
تقول عائشة: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح.
فقال ﷺ: "من هذا"؟.
قال: سعد بن أبي وقاص.
فقال له رسول الله ﷺ: "ما جاء بك"؟.
فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ، ثم نام٢.
ووجد الرسول ﷺ والمسلمون معه أنهم أمام عدو لا يريد السلام، ولا يفكر إلا في القضاء على الإسلام، ورأوا ضرورة التصدي لهذا الطاغوت الظالم الذي يعمل على إفساد الحياة، والقضاء على دين الله تعالى.
وشاءت إرادة الله تعالى أن ينصر جنده، فكلفهم بالجهاد، وأذن لهم فيه.
ودراستنا للجهاد هنا تتناول النقاط التالية:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري. ك المغازي. باب ذكر النبي من قتل ببدر ج٧ ص٢٨٢. ٢ صحيح مسلم.
[ ٢٢٤ ]
أولا: تعريف الجهاد
الجهاد في اللغة مشتق من الجهد وهو بذل الوسع، والطاقة، قولا وعملا، ويعرفه العلماء بأنه بذل الوسع والطاقة مع أعداء الله بالكلمة، والمال، والقتال، لتحقيق غايات عليا.
والجهاد شامل لكل جهد يبذل لترقية الروح وتهذيب النفس ونشر الإسلام ومقاتلة الأعداء إلا أنه عند الإطلاق ينصرف إلى مقاتلة الأعداء ودعوتهم، وهو مرادنا في هذه الدراسة.
وبعد تعريف صاحب الفتاوى الهندية للجهاد أو في تعريف الفقهاء وفيه يقول: إن الجهاد هو الدعاء إلى الدين الحق، والقتال مع من امتنع، وتمرد عن القبول إما بالنفس، أو بالمال، أو بالكلمة، أو بغير ذلك١.
وهذا التعريف الفقهي للجهاد يشتمل على الحقائق التالية:
١- اشتمل هذا التعريف على سائر العناصر التي تضمنتها أقوال الفقهاء، وهم يتحدثون عن حقيقة الجهاد، إذ فيه الدعوة إلى الدين الحق، والقتال الموجه ضد الممتنعين، والمتمردين، والطغاة الذين يصدون عن دين الله تعالى، ويقفون سدًا بين الحق والناس.
٢- قدم هذا التعريف الدعوة بالحسنى قبل القتال، وهو الترتيب الطبيعي لشريعة الإسلام في الجهاد، كما أن هذا الترتيب هو واقع ما فعله النبي ﷺ وأصحابه، حيث مكث ثلاثة عشر عامًا في مكة يدعو بالحجة، والبرهان، مع الصبر على ما وقع عليهم من الكفار وتحمل الأذى، ولم يلجأ النبي وأصحابه إلى القتال إلا بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية التي ينشرون بها دعوة الله، ويصونون حياتهم معها.
٣- قيد التعريف القتال بأنه ضد من امتنع عن القبول، وتمرد على الأدلة، صادًا عن سبيل الله ليخرج من الجهاد قتال المستأمن، والمعاهد، والذمي، لأن قتالهم لا يسمى جهادًا، ولا تقره شريعة الإسلام.
٤- ذكر التعريف وسائل الجهاد وأشار إلى أنها تكون بالمال، وبالنفس، دعوة أو قتالا، وبذلك فحصر الجهاد في القتال أمر غير مستساغ في دين الله تعالى.
٥- وصف التعريف الدعوة في الجهاد بأنها الدعوة إلى الدين الحق، فأغلق بذلك
_________________
(١) ١ الفتاوى الهندية ج٢ ص١٧٤.
[ ٢٢٥ ]
الأبواب في وجه دعاة الهوى، الذين يلتصقون بالدين زورًا للكيد له، أو التكسب به، ومنع التعريف بهذا القيد وصف دعاة الوثنية، ودعاة الأديان المحرفة بالمجاهدين؛ لأن دعوة هؤلاء وأمثالهم، ليست إلى الدين الحق؛ لأن الدين الحق هو الإسلام يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢.
٦- يتفق هذا التعريف مع القرآن الكريم في تقييد الجهاد بأنه في سبيل الله، وسبيل الله هو دينه جاء في الفتوحات الإلهية "أن المراد بالسبيل دين الله؛ لأن السبيل في الأصل الطريق فتجوز به عن الدين لما كان طريقًا إلى الله بعلاقة المجاورة٣.
يقول الرازي: سبيل الله أي طاعته وطلب رضوانه، وهذا لا يكون إلا باتباع دين الله وتطبيق تعاليمه٤.
ومن الملاحظ أن لفظ "سبيل الله" الذي هو اتباع الدين، كما جاء في القرآن الكريم قيدًا للقتال لإعلاء دين الله، جاء أيضًا قيدًا للإنفاق لتقوية دين الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٥.
وجاء قيدًا لأي عمل يؤدي إلى الهدف المذكور كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ ٦ حيث جعلت الآية الهجرة من أجل الدين في سبيل الله.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٩. ٢ سورة آل عمران: ٨٥. ٣ الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج١ ص١٥٣. ٤ تفسير الرازي ج٢ ص٢٥٥ ط دار الفكر. ٥ سورة التوبة: ٤١. ٦ سورة النساء: ١٠٠.
[ ٢٢٦ ]
وبهذا ندرك شمول الجهاد للدعوة، وللقتال بالنفس، والمال، واللسان، وتكثير السواد، وعمل الخير، وإعداد الناس بالعلم، وتقويتهم بالعمل والسلوك القويم، ما دام ذلك لإعزاز الدين، ولإعلاء كلمة الله، وهذا ما عناه جمهور الفقهاء عند تعريفهم للجهاد بمعناه الشامل.
والحق مع هؤلاء الفقهاء لأن الجهاد الإسلامي يعني بذل الجهد لتبليغ الدعوة بالوسائل السليمة، وبلوغ الغاية المرجوة في ذلك، ولا يلجأ إلى القتال إلا عند حدوث مقتضاه كاعتداء على الدعوة، أو على الدعاة، أو على الوطن.
إنه باختصار لنشر العقيدة الإسلامية، ولحمايتها من الفتنة، ولحماية دعاتها في ديارهم وبين سائر الناس.
وإذا تبين الجهاد بهذا المعنى الشامل فإن من الخطأ فهم الجهاد على أنه اعتداء، أو إيذاء، أو قهر، أو جبر على الدخول في الإسلام.
إن الجهاد في سبيل الله كما اتضح من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية لا يصادر الحرية، بل هو صيانة لها.
وليس الجهاد وسيلة لاندلاع نيران الحروب؛ لأنه في الواقع يضع النهايات السليمة للصراع ويريح البشرية من شرور الحروب.
وليس الجهاد نهبًا للأموال، بل هو الوسيلة لحماية الإيمان، والإيمان هو العاصم الحافظ للمقدسات، والأعراض، والأموال.
ليس الجهاد لقهر الناس وإخضاعهم مهما كانت الغاية؛ لأنه إفساح الطرق للدخول في دين الله، وهو الدين الذي ينشر لواء العزة، ويحمي الذمار، ويصون الكرامات، ويعتمد على الاختيار الحر، والاقتناع السليم والله تعالى يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٥٦.
[ ٢٢٧ ]
إن الجهاد يتقرر في الإسلام حماية للحرية، وصيانة للفكر، ليحول بين الناس وبين من يصدهم عن اختيارهم للدين القويم.
إن الأمر في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١ يحدد الوسائل المشروعة وهي تعني أن تكون الدعوة في الإسلام بالحجة والبرهان لا بالسيف والمعارك، وأن التاريخ ليسجل دائمًا أن العقائد لا تتحقق بالطغيان، إذ هي اعتقاد بحل في القلب وتتبوأ في الضمير، وتسكن في الباطن الأمين.
ولم يدع الله أمر القلوب للكشف، والبروز، والظهور، حتى لا تكون هدفًا يدركه الطغاة، ويحركونه تبعًا لأهوائهم بضربات الأيدي، أو برشقات السيوف، أو بما شاكلها من أدوات الحديد والنار.
إن القلب غيب عن الناس لا تدرك مشاعره إلا بالإحساس الروحي، أو المعنوي، ولا سبيل للسلاح إلى هذه المعاني حتى تفتح بالضرب، وتغلف بالضراب.
وما دام شأن القلب هكذا، فإنه من الحال أن يوجه السيف إليه، أو يغير بقوة وإرهاب وذلك يؤكد سمو غايات الجهاد، وبعده عن أي عنت أو ظلم، أو عدوان.
لقد أمضى النبي ﷺ في مكة ثلاثة عشر عامًا وهو يتلقى مع أصحابه كل يوم منذ أن جهر بالدعوة صنوفًا من العذاب تحملوها صابرين، وصمدوا لكل مكروه، فلم يفتنهم عن دينهم عذاب مهما طال، ولا إيذاء مهما عظم، بل اعتزوا بالله ورسوله، وكفوا حتى عن مقابلة الإساءه بمثلها.
وعلى كل حال فإن الجهاد في سبيل الله لم يمتهن كرامة، ولم يبدأ بعدوان، ولم يلجأ المجاهدون في سبيل الله إلى أموال الوادعين لنهبها، وإن كانت ظروف القتال قد ألقت إليهم أموال العدو، ووضعت في أكفهم الغنائم فأحلها الله لهم.
وهكذا كان الجهاد، وعلى هدي ذلك يجب أن يستمر٢.
_________________
(١) ١ سورة النحل: ١٢٥. ٢ الجهاد في الشريعة ص١٤ رسالة ماجستير مخطوطة بكلية الدراسات الإسلامية للبنات القاهرة تأليف الدكتورة نعمات محمد علي الهاشي.
[ ٢٢٨ ]
ثانيا: مراحل تشريع الجهاد
مدخل
ثانيًا: مراحل تشريع الجهاد
يتصور بعض المستشرقين، ومن يشايعهم من أعداء الإسلام أن الجهاد شرع لقهر الناس، وإجبارهم على الدخول في دين الله تعالى، وهذا افتراء مردود، لا دليل له، وكل الوقائع تشهد بكذبه.
إن الجهاد في جملته يخضع للمبدأ العام الذي يتفق مع الفطرة، القائم على أساس مدافعة العدوان، والتصدي للظلم، وحماية حق الإنسان في الحرية والكرامة، وهو مبدأ ثابت يقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
والعقوبة بكافة صورها في الإسلام نوع من مدافعة الجريمة على قدرها، وهو مبدأ حق وعدل؛ لأن الظلم لو ترك لعم الفساد، ولو تجرد الحق والعدل من قوة الحماية لأصبحت الشئون للطغاة، وساد في الناس البغي، والفساد.
والمجتمعات على اختلافها تتمنى مدافعة الاعوجاج ليستقيم لها الأمر، وتصلح الحياة، والجهاد هو الذي يحول هذه الأماني إلى حقيقة يسعد بها الناس.
ولا لوم مطلقًا على من يدفع ظلمًا ويرده، بل إن رد الظلم هو سر البقاء يقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
وقد تمسك المؤمنون منذ البداية بحقهم في الانتصار، ورد الظلم والبغي مع المحافظة على العدل وصيانة حقوق الناس، يشير الله إلى هذا في القرآن المكي واصفًا المؤمنين فيقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٩٤. ٢ سورة البقرة: ٢٥١.
[ ٢٢٩ ]
بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ١.
يقول الرازي: إن الانتصار يجب أن يكون بالمثل، فإن النقصان حيف، والزيادة ظلم، والتساوي هو العدل، وبه قامت السماوات والأرض، ويقول: إنه لا يصح العفو إلا إذا كان سببًا لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته٢.
والجهاد الإسلامي حق وعدل كله وذلك يتضح من المراحل التي مر بها تشريعه وهي:
_________________
(١) ١ سورة الشورى الآيات من ٣٩ حتى ٤١ وهذه الآيات مكية. ٢ تفسير الرازي ج٢٧ ص١٧٩ ط دار الفكر.
[ ٢٣٠ ]
المرحلة الأولى: مرحلة التحمل والصبر
أمر الله تعالى المسلمين بالصبر والتحمل وكف الأيدي وهم في مكة قبل الهجرة لأنهم كانوا ضعفاء لا يمكنهم رد الإيذاء، ومواجهة العدوان.
في هذه المرحلة كان الأمر بالصبر والتحمل، مع المحافظة على الدين، وعدم التسليم للطغاة، وإباحة الانتصار للنفس بصورة فردية، آمنة.
والسلبية في هذه المرحلة ضرورة اقتضتها ظروف المسلمين، فهم في مكة قليلو العدد مستضعفون، يخافون أن يتخطفهم الناس، يقول ابن كثير: "إن المسلمين لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا منهم، فلو أمر المسلمون بقتالهم وهم أقل من العشر لشق عليهم"١.
وتطبيقًا لتنفيذ فكرة المقاومة السلبية كانت الآيات تأمر في هذه المرحلة بالمصابرة والتحمل وعدم إطاعة الحاقدين.
يقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ ٢.
ويقول تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٢ ص٣٠٠. ٢ سورة المزمل: ١٠. ٣ سورة الأعراف: ١٩٩.
[ ٢٣٠ ]
ومن المعلوم أن الأمر الموجه للرسول ﷺ هو أمر لأمته.
وحتى يكون التحمل أمرًا مسلمًا به وسهلا عرف الله المؤمنين بأنه يدافع عنهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ ١.
ويجب أن يكون واضحًا أن سلبية هذه المرحلة كانت في ترك المقاتلة، وتحمل الأذى منعًا لضرر أعلى، وما عدا ذلك فالإيجابية ثابتة موجودة، والجهاد بالكلمة تشريع مقرر، يقول الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ٢ وسورة الفرقان سورة مكية، وفي هذه الآية أمر بعدم طاعة الكفار وهم يعارضون القرآن الكريم، وفيها كذلك الجهاد بآيات القرآن لأن الضمير في "به" يعود عليه.
فهذه آية مكية أمر الله فيها بالجهاد، ولذلك استمرت الدعوة في كافة صورها، ففي مجال إبلاغ الدعوة وتبيينها وشرح أهدافها لم يحدث أبدًا توقف، وفي مقابلة شبه القوم كانت الحجج المقنعة والمواجهة الفكرية، وأمام اتهامات المعاندين للرسول ﷺ وتشككهم في الوحي كان التصدي بالرد والحوار وإثبات ضلال المعاندين، وخطأهم، وكان الوحي خير نصير في المواجهة.
ويجب أن يتضح كذلك أن هذه السلبية في المقاتلة لم تكن مبدأ، وإنما كانت ضرورة عاشها المسلمون، وعليهم أن يتذكروا حقوقهم خلالها، ويترقبوا لأنفسهم وينتظروا الوقت الذي يتمكنون فيه من استرجاعها، عساهم يأخذون حقهم الذي سوف ينتصر حتمًا.
وكان النبي ﷺ في خلال هذه المرحلة يشير لأصحابه إلى الفرح، والمخرج حيث قال للمسلمين قبل الهجرة إلى الحبشة: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه" ٣.
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٣٨. ٢ سورة الفرقان: ٥٢. ٣ سيرة النبي ج١ ص٣٢٣.
[ ٢٣١ ]
المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالقتال
بدأ الإذن بالقتال بعد الهجرة مباشرة لتنتهي مرحلة المقاومة السلبية وذلك بنزول قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١.
فالله ﷾ حين أذن لهم في الذي كفهم عنه بين السبب في الإذن، وهو أنهم ظلموا خلال المرحلة المكية التي انتهت بإخراجهم، والاستيلاء على أموالهم، يقول الزمخشري: هم أصحاب رسول الله ﷺ كان يؤذيهم المشركون أذى شديدًا، فيأتون الرسول ﷺ ما بين مضروب، ومشجوج، يتظلمون إليه، فيقول لهم: "اصبروا فإني لم أومر بقتال". حتى هاجر٢.
وقد بدأت ملامح هذا الإذن خلال بيعة العقبة الثانية حيث بايع رسول الله ﷺ الأنصار على حمايته بما يحمون به أنفسهم وذراريهم وجرت خلال مفاوضات البيعة كلمات تشير إلى ضرورة الاستعداد للتصدي لعدوان من يعتدي على رسول الله وعلى دينه إذا قصدوا المدينة المنورة.
ولما تمت الهجرة بدت القوة الإسلامية وأصبح المسلمون مستعدين لملاقاة أعدائهم وفي إطار هذا الوضع نزل الإذن للمهاجرين بالقتال لاسترداد بعض حقهم.
وهكذا أذن الله لهم بالقتال بعد الهجرة، وبدأت مرحلة المواجهة الإيمانية، وهي المرحلة الثانية، وفيها نرى المهاجرين يتصرفون خلالها على أساس أنهم أصحاب حق مهان يجب أن يهاب، ومن حقهم أخذه بالظفر إن تمكنوا منه، ولذلك قاموا بعدد من السرايا والغزوات عقب الهجرة لإرهاب من ظلموهم، واستولوا على أموالهم، وحرموهم من ديارهم، وقد صحبهم رسول الله ﷺ في بعض هذه الحملات الصغيرة التي حدثت بعد الهجرة، وقبل غزوة بدر الكبرى.
ولعل ما يؤكد ارتباط الإذن بالقتال بالمهاجرين وحدهم أن جميع المشتركين في هذه
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٣٩. ٢ تفسير الزمخشري ج٣ ص١٥ ط دار المعرفة.
[ ٢٣٢ ]
السرايا كانوا من المهاجرين فقط، يؤكد ابن إسحاق أنهم جميعًا من المهاجرين فيذكر عقب حديثه عند كل سرية قوله: وليس من الأنصار معهم أحد، ويبين أن رسول الله ﷺ خرج مع أصحابه من المهاجرين في أربع غزوات قبل بدر١.
وما ذكره بن إسحاق يؤكد أن سلبية المرحلة الأولى كانت ضرورة، فلما زال سببها أذن الله للمسلمين بالقتال؛ لاسترداد حقوقهم، في إطار المحافظة على حقوق الآخرين.
وإنما كان الإذن لازمًا في بداية المرحلة الثانية ليكون المسلمون في حل من الدفاع القتالي، وحتى لا يتخيلوا أن أوامر المصابرة وحدها هي أوامر هذه المرحلة أيضًا.
إن الإذن بالقتال لم ينسخ العفو والمصابرة حيث لا مناقضة بينهما؛ لأن الصبر طريق إعانة، والقتال يحتاج إليه، والعفو أسلوب دعوة، وتبليغ دين الله يقوم عليه.
والإذن بالقتال غير الأمر به، ولذا لم يشعر المؤمنون بفرضية القتال بعد هذا الإذن فكان خروجهم في بدر اختياريًا، بعدما علموا أن من خرج للقتال أثيب، ومن تخلف لم يحاسبه رسول الله ﷺ وهذا ملاحظ في قلة عدد المسلمين الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ إلى بدر.
ولما كان الخروج اختياريًا في "بدر" وكان الإذن خاصًا بالمهاجرين فقد اهتم النبي ﷺ بأخذ رأى الأنصار في ميدان المعركة قبيل الاشتباك؛ لأنهم عنصر لم يكلف بالقتال لأنه لم يفرض بعد، ولم يظلم كالمهاجرين وأيضًا فإنهم بايعوا رسول الله ﷺ على الدفاع عنه ضد من يهاجمه في المدينة، وهو الآن خارجها، وكان اشتراكهم مع المهاجرين، وخروجهم مع رسول الله ﷺ تبرعًا محضًا، ردءًا لرسول الله ﷺ، ومساعدة للمهاجرين وحبًا للجهاد في سبيل الله تعالى.
وكان القرشيون في بدر يعلمون أن المهاجرين وحدهم هم غرماؤهم، امتدادًا للحوادث القديمة، ولذلك حينما بدأت الحرب بالمبارزة خرج من المسلمين أنصار فأبى الكفار مقاتلتهم، وطلبوا أن يكون المبارزون من بني عمومتهم.
وقد استمرت هذه المرحلة الثانية مدة عاش المسلمون خلالها فترة التمهيد للمرحلة الثالثة
_________________
(١) ١ انظر سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٥٩١ وما بعدها بتصرف.
[ ٢٣٣ ]
ومن هذا التمهيد أن الله حثهم على الثبات في الحرب وأخبرهم بذلك ضمنيًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ ١ فلقد شبه لهم الفرار بصورة مؤلمة وكأن من يفر من القتال يسلم دبره إلى أعدائه الزاحفين.
ومن هذا التمهيد أن الله تعالى أمرهم أمرًا صريحًا بالثبات حين المواجهة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢ كما أمرهم بضرورة إحكام الضرب والنزال وتقييد الأسرى وحبسهم حتى ينتهي اللقاء، وعلى المؤمنين أن يثقوا في نصر الله تعالى ومعونته ما داموا على الحق سائرين فقال الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ٣.
ومن هذا التمهيد قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٤ لأن الإعداد المسبق، وتجهيز شئون القتال يخوف الأعداء، ويدخل الرعب في قلوبهم، الأمر الذي يكفهم عن القتال.
ومن التمهيد كذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ١٥. ٢ سورة الأنفال: ٤٥. ٣ سورة محمد الآيات من ٤ إلى ٧. ٤ سورة الأنفال: ٦٠.
[ ٢٣٤ ]
ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١.
وفي هذه الآية أمر الله المسلمين بالتحريض على القتال، والثبات أمام العدو، ولو كان الأعداء أكثر عددًا منهم؛ لأن الله يؤيد القلة المؤمنة الصابرة على عدوها الكافر، كما هو واضح من الآيات.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٥، ٦٦.
[ ٢٣٥ ]
المرحلة الثالثة: مرحلة القتال المقيد
احتاج المسلمون إلى الأمر بالقتال بعد الإذن به؛ لأن منهم من أسلم حديثًا ولم يقع إيذاء عليه، ومنهم من طبع على ضعف فطري، ومنهم من بينه وبين أهل مكة قرابة وصلة وهؤلاء لا يكفي معهم الإذن بالقتال، وإنما لا بد لهم من الأمر به ليشعروا بوجوبه، ويقيموه مخافة الإثم من ترك فرض.
وهذه المرحلة لم تخرج هي الأخرى عن التزام الحق ومقاومة الباطل ورد العدوان كما يستفاد من آيات تشريعها.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢.
ويقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وفي هذه الآيات أمر الله تعالى بالقتال المقيد وعرف بأنه موجه لقتال المعتدين الذين يقاتلون المسلمين وحدهم، مع الالتزام بعدم العدوان، وعلى المسلمين أن يعرفوا جيدًا أنه لا عدوان إلا على الظالمين.
وقد بدأت هذه المرحلة الثالثة بعد بدر مباشرة حيث بدأت قريش تعمل للحرب
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٥، ٦٦. ٢ سورة البقرة: ١٩٠. ٣ سورة البقرة: ١٩٣.
[ ٢٣٥ ]
وأخذت تستعد للانتقام من هزيمتهم في بدر، جاء في أسباب النزول للنيسابوري أنه لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجعوا إلى مكة، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، أصيب آباؤهم، وأبناؤهم، وإخوانهم في بدر فقابلوا أبا سفيان، ومن كان له في ذلكم العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا ففعلوا١ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ ٢.
وكان الله مع المؤمنين فوجههم بعد بدر مباشرة إلى وجوب الاستعداد للحرب ولزوم الثبات فيها، ثم كانت قمة المعية الإلهية أن وجه المسلمين إلى أن مرحلة الإذن المجرد قد انتهت، لتبدأ مرحلة أوسع منها هي مرحلة فرضية القتال فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣.
والآية تؤكد خاصة المرحلة الثالثة، وهي الأمر بقتال من يقاتل المسلمين من أهل مكة، ومن ظاهرهم وقصر العدوان على من يعتدي.
_________________
(١) ١ أسباب النزول ص١٦٣. ٢ سورة الأنفال: ٣٦. ٣ سورة الأنفال: ٣٨-٣٩.
[ ٢٣٦ ]
المرحلة الرابعة: مرحلة الأمر بالقتال العام
وأخيرًا كان تشريع المرحلة الرابعة حيث أمر الله المسلمين بالحرب العامة ضد كل المشركين أيا كان نوعهم، وجنسهم، ومكانهم، وزمانهم، فقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١ ودلالة الآية ظاهرة؛ لأن المشركين في مكة، وفي قبائل العرب، وفي البوادي أجمعوا أمرهم على محاربة المسلمين للقضاء عليهم، وأخذوا في الإعداد لتحقيق غاياتهم قبل غزوة الأحزاب، فكان أن نزل تشريع الجهاد العام للتصدي لكافة المشركين.
ويقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
والأمر واضح في قتال أعداء الله لأنهم بسبب كفرهم ونفاقهم تمكنت العداوة منهم فأصبحوا خطرًا يجب الخلاص منه بالجهاد.
وقد أمر الله تعالى بالقتال العام لأعداء الله بعدما اتضح إصرار أحزاب الكفر على إطفاء نور الله في الأرض باذلين كل ما يمكنهم لتحقيق ذلك، ولهذا كان الأمر بالجهاد العام مناسبًا للوضع الموجود الذي يقول الله تعالى عنه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
ومع هذا التعميم في الحرب لا نسخ في أوامر المرحلة الثالثة لاندراجها في سعة هذا العموم من باب أولى.
والحرب في المرحلة الرابعة لا تعارض مبدأ مقاومة الباطل، ورد العدوان؛ لأن الأمر فيه ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فقتالهم لكم هو المشبه به وهو السبب؛ لأن
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣٦. ٢ سورة التحريم: ٩. ٣ سورة الصف: ٨.
[ ٢٣٧ ]
الكاف زادت هنا عن مجرد التشبيه فتضمنت معنى المقابلة والعقوبة، وقتالكم يجب أن يشبهه، وذلك يستلزم أن وجه الشبه في قتالهم أوضح وأسبق.
وأيضًا فإن المشركين هم الذين بدءوا في العام الخامس الهجري بالمقاتلة العامة ساعة أن تجمعوا في عدد هائل، ضم قريشًا وأحابيشها، ومن تبعها من بني كنانة وأهل تهامة. ومعهم غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، يعاونهم يهود بني قريظة.
يقول ابن إسحاق في حديثه عن هذا التجمع: فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في مرة، وسعد بن رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه بني أشجع.
وقد بلغ تجمع المشركين في الأحزاب عشرة آلاف، وكان أملهم القضاء على المسلمين أجمعين كما يوضحه قول حيي بن أخطب لكعب بن أسد القرظي: عاهدني القوم وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه١.
فكان لزامًا أمام اتجاهات هذا التجمع الشامل أن يأمر الله المسلمين بالمقابلة العامة لتبدأ المرحلة الرابعة قبيل غزوة الأحزاب التي وقعت في الخامس من شوال في العام الخامس الهجري، ومن يومها والمسلمون مكلفون بقتال من قاتلهم من سائر الفئات المشركة ومن ظاهرهم من بقية الناس.
وإذا نظرنا إلى وقائع الجهاد، وأعمال المجاهدين، والتزامهم بأخلاق الإسلام لظهر جليًا براءة الجهاد الإسلامي من أي اتهام يوجه إليه؛ لأن في كل صوره يحقق الحرية، ويضمن الكرامة، ويحفظ للإنسان حقوقه وكل ما هو ضروري له. كما سيتضح عند دراسة الغزوات.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٢١٤، ٢١٥.
[ ٢٣٨ ]
المبحث الثالث: السرايا والغزوات قبل بدر
مدخل
المبحث الثالث: السرايا والغزوات قبل بدر
استقر المسلمون في المدينة، وأخذوا يحيون الإسلام المنزل عليهم قولا وعملا، وظهرت قوتهم في دولة للإسلام، واجتهدوا بقيادة رسول الله ﷺ في تبليغ الإسلام، والدعوة لدين الله تعالى.
ولم يتوقف القرشيون عن محاولاتهم في صد الناس عن دين الله، وإعداد العدة للقضاء على المسلمين في المدينة، فأخذوا في تحريض أعراب البوادي، وتأليب قبائل العرب، وتهييج اليهود ليكونوا جميعًا معهم فيما يعملون له.
وشعر المسلمون أن قريشًا تتعامل مع القبائل المحيطة بالمدينة، والتي تسكن الطريق إلى مكة، للتحرك في أمان ويسر، وتنتقل بقوافلها التجارية في طمأنينة واستقرار، وفي نفس الوقت تحرم المسلمين من الخروج من المدينة، ودعوة هؤلاء الناس.
واستفادت قريش بما أشاعته كذبًا في أن محمدًا وأصحابه فروا من مكة خوفًا، وضعفًا، وبذلك تعاون الأعراب معها، وتصوروا الأمر كما زعم القرشيون.
وأخذ القرشيون يتفاخرون بالاستيلاء على أموال المهاجرين، بلا رادع يردعهم أو أناس يخافون منهم، ويعلنون أن قوتهم غالبة، ودينهم صحيح.
وهذه أمور تؤثر في نفوس العرب، وتدفعهم بعيدًا عن تصور الحق، أو البحث عنه ما دام الوضع كما سمعوا وتصوروا.
ولم يغب هذا الأمر عن رسول الله ﷺ فرأى أن الحركة بالدعوة في هذه الظروف تحتاج إلى تصرف عملي، يصحح مفاهيم الناس، ويظهر القوة الإسلامية، ويبعد الأعراب والقبائل المحيطة بالمدينة عن أكاذيب قريش، ويبين لقريش أن حقوق المهاجرين لن تضيع، وأن قوة المدينة ثابتة بموقعها، وبرجالها المؤمنين، وبصدق ما تدعو إليه، وفوق ذلك بمعية الله لها.
وصار من الضروري إظهار الإسلام بصفاته، ونقائه، وإنقاذه من غبش الطغاة، وأكاذيب المفترين.
[ ٢٣٩ ]
وقد اقتضى هذا الوضع حتمية القيام بما عرف بـ"السرايا والغزوات". هي عبارة عن دوريات، أو مفارز مكونة من عدد من الرجال، ومعهم سلاحهم البسيط للقيام بعمليات الاستطلاع، والتعرف على الطرق، واكتشاف المسالك المؤدية إلى المدينة، وإلى مكة، والتعرف للقوافل المكية الذاهبة إلى الشام، أو إلى اليمن، وعقد المعاهدات مع من يقبل من العرب وسكان البوادي، وإبراز قوة المسلمين أمام مشركي العرب، ويهود المدينة، والأعراب، ليعلموا جميعًا أن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلصوا من الضعف الذي عاشوه في مكة، وأيضًا لإنذار أهل مكة ليفيقوا من غفلتهم، وليدعوا إيذاء المسلمين، ويتركوا العدوان عليهم، وينتهوا عن صد الناس عن دين الله تعالى، ويمتنعوا عن نشر الأكاذيب وتضليل الناس.
والغزو: هو السير إلى القتال في عدد قليل أو أكثر، والغزوة المرة الواحدة، وجمعها غزوات١.
والسرية: عدد مسلح من الرجال لا يقل عن خمسة ولا يزيد عن أربعمائة، يسبقون الجيش للحصول على معلومات، وأخبار، وسميت السرية بالسرية لتحركها خفية وسرًا، أما الغزوة فإنها تخرج ظاهرة غالبًا٢.
يقول ابن الأثير: السرية من الجيش الطائفة يبلغ أقصاها أربعمائة من المقاتلين الأشداء وتخرج خفية وسرًا٣.
وقد اصطلح علماء السيرة على أن الجماعة التي يقودها رسول الله ﷺ تسمى "غزوة" والجماعة التي يقودها أحد الصحابة تعرف بـ"السرية".
وقد غزا النبي ﷺ غزوات عدة منها:
غزوة الأبواء، ويقال لها "ودان"، ثم غزوة بواط، ثم غزوة سفوان، وهي بدر
_________________
(١) ١ لسان العرب مادة غزا، سرا. ٢ لسان العرب مادة غزا، سرا. ٣ البداية والنهاية لابن الإثير ج٢ ص١٥٩ وعدد الخارجين إن كان أقل من عشرة يسمى "بعثا" وإن كان أقل من أربعين يسمى "حضيرة" و"عصبة" والأربعمائة "سرية" فإن زاد فهو "كتيبة"، والخمسمائة "منسر" والثمانمائة "جيش" والآلاف "جحفل" وقد تنوب الأسماء عن بعضها مجازًا.
[ ٢٤٠ ]
الأولى، ثم غزوة العشيرة، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بني سليم، ويقال لها: قرقرة الكدر، ثم غزوة السويق، ثم غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر، ثم غزوة الفرع، ثم غزوة بني قينقاع، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة بدر الأخيرة، وهي غزوة بدر الموعد، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة بني المصطلق وهي المريسيع، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وبني ثعلبة، ثم غزوة عمرة القضاء، ثم غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك وفي بعض ذلك تقديم وتأخير عند الرواة والمحدثين.
والغزوات الكبار الأمهات ثمان هي:
بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، والحديبية، والفتح، وحنين، وتبوك.
وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن، ففي بدر نزل قرآن كثير من سورة الأنفال وفي "أحد" نزل آخر آل عمران من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١ إلى قبيل آخرها بيسير.
وفي قصة الخندق وقريظة نزل صدر سورة الأحزاب.
وفي بني النضير نزلت سورة الحشر.
وفي قصة الحديبية وخيبر نزلت سورة الفتح، وأشير فيها إلى الفتح وهو الحديبية.
وفي فتح مكة نزلت سورة النصر.
وذكرت تبوك في سورة براءة.
وجرح رسول الله ﷺ في غزوة "أحد" فقط.
وقاتلت معه الملائكة في بدر، وحنين، وأحد على خلاف في الثالثة.
ونزلت الملائكة يوم الخندق، فزلزلوا المشركين، وهزموهم، ورمى ﷺ بالحصباء في وجوه المشركين فهربوا، وكان الفتح في غزوتين: بدر، وحنين.
وقاتل المسلمون بالمنجنيق في غزوة واحدة وهي الطائف، وتحصن المجاهدون بالخندق في واحدة هي الأحزاب، وهو الخندق الذي أشار به سلمان الفارسي رضي الله عنه٢.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٢١. ٢ أوصل الحاكم النيسابوري عدد غزوات رسول الله وسراياه إلى ما فوق المائة.
[ ٢٤١ ]
أولا: أسباب وقوع السرايا والغزوات قبل بدر
أذن الله تعالى للمسلمين بالقتال بعد الهجرة، وشرع لهم القيام بالسرايا والغزوات على نحو ما ذكرت، وكان ذلك من صميم حركة النبي ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى.
وبيان ذلك أن أهل مكة نشطوا بعد الهجرة في صد الناس عن سبيل الله تعالى، واستغلوا وضعيتهم عند العرب في عداوتهم، وعدوانهم على الإسلام والمسلمين.
وقد ألف العرب في كل الجزيرة تقدير أهل مكة، لأنهم حماة البيت وأصل العرب، وإلى بلدهم "أم القرى" يأتي الجميع حجاجًا ومعتمرين، وزوارًا، ومتاجرين الأمر الذي مكن لهم في قلوب العرب، ومكنهم في الوقت نفسه من الاتصال بهم، وكثرة مقابلتهم في الأسواق، والمناسبات، والأحداث ولقد رأينا مدى تقدير العرب لأهل مكة أثناء مجيء أبرهة بجيشه قبل الإسلام يريد هدم الكعبة حيث وقف العرب ضد حملة أبرهة، وتمنوا لها البوار والهزيمة.
استغل أهل مكة هذا الوضع وأخذوا يشيعون بين الناس أن محمدًا ﷺ وصحبه فروا هاربين من مكة، وتركوا وراءهم كل شيء ليستمر ضعفهم، وهوانهم الذي كان معهم في مكة.
إن المسلمين وهم في مكة كانوا عددًا قليلا ضعيفًا خائفًا من طغيان المكيين وظلمهم يقول الله تعالى واصفًا هذا الحال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٢٦.
[ ٢٤٢ ]
ومن هنا تمكن أهل مكة من عقول الناس، واستمروا في إذاعة إفكهم، وبهتانهم وفي هذا صرف للناس عن استماع الدعوة، وعدم إقبالهم على رسول الله ﷺ.
والله عليم بخلقه، حكيم في تشريعه وتعاليمه، رحيم بعباده، حافظ لدينه ورسوله، ولذا كان تشريع الجهاد، والإذن بالسرايا والغزوات، بعد الهجرة مباشرة لتصحيح بعض المفاهيم التي يجب أن تصحح، وإحاطة الناس بالحقيقة المجردة بعيدًا عن غوغائية أهل مكة، ورد البهتان الذي أذاعوه بين الناس.
لقد أدى تشريع الجهاد إلى نفي كل ما قيل عن ضعف المسلمين وهوانهم، وبين أنهم بعد الهجرة صاروا قوة ترد الظلم، وتعيد الحق، وتحمي الدين، ولذلك أذن الله لهم بالقتال والحرب، وحقق بالجهاد ما عجز عنه الحوار الطيب، والجدال الحسن.
ولنا أن نتصور الحال إذا استمر على ما كان فيه، وبقي القرشيون على عتوهم، وعدوانهم.
إن الضعيف لا يتعامل مع الجبابرة، والعاجز لا يقدر على المواجهة!!
والخائف لا يمكنه إمساك الرمح والسيف!!
والمهين يضعف في مواقف العزة والكرامة!!
والقوة الغاشمة لا تسمع إلا لأمثالها لأنه لا يفل الحديد إلا الحديد!!
ولقد كان أقصى ما يتمناه أهل مكة أن يتقوقع المسلمون حول أنفسهم في المدينة ويتركوا دعوة غيرهم إلى الإسلام، ويستمروا مقيمين فيها كما فعل إخوانهم الذين هاجروا إلى الحبشة، ولو تحققت هذه الأمنية للقرشيين لسعدوا بها، وعاشوا في حياتهم الجاهلية آمنين.
ولكن الله تعالى قضى لدينه أن ينتشر، وقضى للناس أن يسعدوا بالإسلام، ولذا كان ضروريًا أن يتحرك الإسلام وسط الناس بالأسلوب المناسب لهم، ويتعامل مع الواقع بما يكافئه، ولذا كانت السرايا والغزوات.
ولم يقف أمر الإسلام عند التعاليم المجردة، وإنما باشرها المسلمون عمليًا خلال الغزوات والسرايا، فتحركوا بأعداد مسلحة لملاقاة القوافل المكية التي كانت تفر منهم، ولما رأى العرب التحرك السريع والمتكرر من السرايا الإسلامية سالموهم، ووادعوهم،
[ ٢٤٣ ]
وبعدوا عن دعايات أهل مكة، وانتظروا تغيير الحال، وتبدل الوضع، ليقرروا ما يرونه حينئذ، وكان رسول الله ﷺ خير معلم، وأعظم مرب، وهو يقود الجماعة المسلمة بعد الهجرة، إذ رأيناه ﷺ يقود أكثر هذه السرايا، ويخرج لملاقاة القرشيين، ويعاهد العرب على السلم والإسلام، حتى لا يتصور أحد من أعدائه أنه سكن المدينة ورضي بالمكث فيها، معتمدًا على حركة أصحابه وحدهم.
وحتى في السرايا التي لم يخرج فيها كان ﷺ يرسل عمه حمزة" أو أبناء عمومته ليكونوا في مقدمة الخارجين وبذلك كان ﷺ القدوة الحسنة، والسراج المنير للناس أجمعين إن المسلمين الذي خرجوا في السرايا والغزوات كانوا يؤدون مناسكهم، ويحافظون على شعائر دينهم، ويقيمون الصلاة، ويلتزمون بالعدل والخلق الكريم، مع البعد التام عن كل ما نهى الله عنه، وبذلك قدموا دعوة عملية، ظهر أثرها بعد غزوة بدر الكبرى، حيث دخل الناس في الإسلام وهم عارفون بنسكه وتكاليفه، التي رأوها تطبيقًا عمليًا أمامهم.
ومن أثار هذه السرايا في الدعوة إلى الله تعالى فتح العقول لسماع الحق، وتخليصها من استبداد الطغاة، وتحقيق الحرية أمام الأعراب بعيدًا عن أي إكراه، لتكون عقيدتهم مرتبطة بالرشد الصادق، والبيان الأمين.
كما أدت السرايا إلى تفرق العرب عن أهل مكة بعدما علموا أكاذيبهم، وفقدوا الثقة فيهم، وبذلك فشل المكيون في تكوين كتلة واسعة معادية لرسول الله ﷺ، تشمل قبائل العرب في البوادي، وفي القبائل التي تقيم على جوانب الطريق بين مكة والمدينة ومعهم اليهود والمنافقون، وبذلك كان الجهاد. وكانت السرايا تحركا في خدمة الدعوة لدين الله تعالى.
[ ٢٤٤ ]
ثانيًا: السرايا والغزوات قبل "بدر"
وقد بلغ عدد السرايا والغزوات قبل بدر ثمان منها أربع غزوات، وأربع سرايا بيانها كالآتي:
١- سرية سيف البحر:
كانت في رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وقد أمر رسول الله ﷺ على هذه السرية عمه حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلا من المهاجرين، يعترض عيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر١ من ناحية العيص٢، والتقوا بقافلة المشركين، فلما شعر بهم القرشيون دافعوا عن تجارتهم، واصطفوا للقتال، فمشى "مجي بن عمرة الجهني" وكان حليفًا للفريقين جميعًا، بين هؤلاء وهؤلاء، حتى حجز بينهم، فلم يقتتلوا.
وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله ﷺ، وكان أبيضًا، وحمله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي٣.
يقول ابن هشام: إن سرية حمزة هذه كانت في قوت واحد مع سرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ، ولذلك اختلف المؤرخون في أيهما كان أولا. والحقيقة أنهما كانا معًا في وقت واحد.
٢- سرية رابغ:
حدثت في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة، حيث بعث رسول الله ﷺ عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكبًا من المهاجرين، فلقي أبا سفيان وهو في مائتين عند بطن رابغ٤، وقد ترامى الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال، ولم تسل السيوف وفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمرو والبهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان المازني، وكانا مسلمين، خرجا مع الكفار، ليكون ذلك وسكيلة للوصول إلى المسلمين، وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف٥.
_________________
(١) ١ سيف البحر مكان في بلاد بني سليم قرب العيص. ٢ العيص بالكسر فسكون موضع ببلاد بني سليم به ماء على ساحل البحر، وفيه عسكر أبو بصير. ٣ سيرة النبي ج١ ص٥٩٥. ٤ رابغ بعد الألف باء مكسورة واد يقع بين الجحفة وودان. ٥ سيرة النبي ج١ ص٥٩١، ٥٩٢.
[ ٢٤٥ ]
٣- سرية الخرار:
كانت في شهر ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة، حيث بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في عشرين راكبًا، يعترضون عيرًا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز "الخرار"١ فخرجوا مشاة، يكمنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى بلغوا الخرار بأرض الحجاز صبيحة خمس من ذي القعدة، فوجدوا العير قد مرت بالأمس وكان لواء سعد ﵁ أبيض، وحمله المقداد بن عمرو٢.
٤- غزوة ودان:
حدثت في صفر من السنة الثانية على رأس اثني عشر شهرًا من الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ بنفسه، بعد أن استخلف على المدينة سعد بن عبادة، في سبعين رجلا من المهاجرين خاصة، يعترض عيرًا لقريش حتى بلغ "ودان"٣ فلم يلق كيدًا.
وفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشي الضمري، وكان سيد بني ضمرة في زمانه على أن لا يغزوهم ولا يغزوه ولا يكثروا عليه جميعًا، ولا يعينوا عليه عدوًا وكتب معهم كتابًا، وهاك نص المعاهدة:
$"هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا في دين الله، ما بل بحر صوفه، وإن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله، وذمة رسوله، ولهم النصر على من بر منهم واتقى".
وهذه أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ، غاب خلالها عن المدينة خمس عشرة ليلة وكان اللواء أبيض، وحامله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٤.
٥- غزوة بواط:
حدثت في شهر ربيع الأول في العام الهجري الثاني على رأس ثلاثة عشر شهرًا من
_________________
(١) ١ الخرار بفتح الخاء وتشديد الراء المفتوحة موضع بالحجاز قريب من الجحفة. ٢ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٦٠٠. ٣ ودان بواو مفتوحة ودال مشتقة من الود والمحبة وهي قرية جامعة قريبة من نواحي الفرع تقع بين الأبواء والجحفة. ٤ سيرة النبي ج١ ص٥٩١.
[ ٢٤٦ ]
الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ في مائتين من أصحابه المهاجرين، يعترض عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي، ومعه مائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير تحمل تجارة المكيين إلى الشام، فبلغ ﷺ بواطًا١ من ناحية رضوى، ولم يلق كيدًا ولم يقع قتال فأقام فيها ﷺ مدة ثم رجع بعدها إلى المدينة.
واستخلف ﷺ في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ ﵁، وكان اللواء أبيض وحمله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه٢.
٦- غزوة سفوان:
حدثت في شهر ربيع الأول سنة في العام الثاني الهجري على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة، حيث أغار "كرز بن جابر الفهري" في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشي، فخرج رسول الله ﷺ في سبعين رجلا من أصحابه لمطاردته، حتى بلغ واديًا يقال له "سفوان"٣ من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزًا وأصحابه، فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى لقربها من بدر.
واستخلف في هذه الغزوة على المدينة "زيد بن حارثة" وكان اللواء أبيض، وحمله علي بن أبي طالب رضي الله عنه٤.
٧- غزوة ذي العشيرة ٥:
حدثت في جمادى الأولى وجمادى الآخرة في العام الثاني الهجري على رأس ستة عشر شهرًا من الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين، من المهاجرين، ولم يكره أحدًا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يتعقبونها، ليعترضوا عيرًا لقريش ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبر بخروجها من مكة، وفيها أموال كثيرة لقريش، فبلغ ﷺ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتته بأيام، وهذه العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سببًا لغزوة بدر الكبرى.
_________________
(١) ١ بواط بفتح الباء وضم الواو جبل في جهينة من ناحية رضوى. ٢ سيرة النبي ج١ ص٥٩٨. ٣ سفوان بفتح أوله وثانية وآخره نون واد في ناحية بدر. ٤ سيرة النبي ج١ ص٦٠١. ٥ العشيرة: بضم العين وفتح الشين تصغير عشرة مكان قرب ينبع.
[ ٢٤٧ ]
وكان خروجه ﷺ في أواخر جمادى الأولى، ورجوعه في أوائل جمادى الآخرة كما جاء في سيرة ابن إسحاق، ولعل هذا هو سبب اختلاف أهل السير في تعيين شهر هذه الغزوة١ لأن بعضهم يراها في جمادى الأولى، والبعض يراها في جمادى الآخرة.
وفي هذه الغزوة عقد رسول الله ﷺ معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة، وادعه رئيسهم مجدي بن عمرو الضمري، ورجع إلى المدينة بغير قتال٢.
واستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء في هذه الغزوة أبيض، وحامله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٣.
وفي هذه الغزوة كنى رسول الله ﷺ عليًا بأبي تراب، وقصة ذلك أنه أرسله وعمار بن ياسر عيونًا على بني مدلج، فنظروا إليهم ساعة، ثم غشيهم النوم.
يقول عمار: فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في صور، من النخل، وفي دقعاء من التراب قمنا، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله ﷺ يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها فيومئذ قال رسول الله ﷺ لعلي بن طالب: "ما لك يا أبا تراب". لما يرى عليه من التراب.
وكان علي ﵁ إذا عتب على فاطمة في شيء لم يكلمها، ولم يقل لها شيئًا تكرهه إلا أنه يأخذ ترابًا فيضعه على رأسه، قال: فكان رسول الله ﷺ إذا رأى عليه التراب عرف أنه عاتب على فاطمة، فيقول له: "ما لك يا أبا تراب"؟ ٤.
٨- سرية نخلة:
وقعت في رجب في العام الثاني الهجري على رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة حيث بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة٥ في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٥٩. ٢ فتح الباري ج٧ ص٥٧٩. ٣ فتح الباري ج٧ ص٢٨١. ٤ سيرة النبي ج١ ص٥٩٩-٦٠٠. ٥ نخلة بفتح النون وسكون الخاء موضع بالحجاز قريب من مكة فيه نخل وكروم.
[ ٢٤٨ ]
وكان رسول الله ﷺ قد كتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فسار عبد الله، ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها عير قريش، وتعلم لنا من أخبارهم".
فقال: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وبين لهم أنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه.
وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا وتجارة، وفيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان، ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان، والحكم وأفلت نوفل ثم قدموا بالعير، والأسيرين، إلى المدينة، وقد عزلوا من غنيمتهم الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، ويعد عمرو بن الحضرمي أول قتيل في الإسلام، وعثمان والحكم أول أسيرين في الإسلام.
وقد أنكر رسول الله ﷺ ما فعلوه لأنهم اعتدوا في شهر حرام، وقال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، ومنع التصرف في العير والأسيرين ثم ردها لأصحابها١.
إن توجه هذه السرايا كان لجهات متعددة ولقبائل مختلفة، ولأماكن تنوعت بين البداوة، والتقدم مما يؤكد دقة التخطيط ويقظة القيادة، والعمل الدءوب لخدمة الإسلام والمسلمين.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٦٠٢.
[ ٢٤٩ ]
ثالثًا: السرايا وحركة الدعوة
أدت السرايا والغزوات إلى تغيير كثير من المفاهيم التي سارت بين العرب قبلها، لقد تصور العرب أن المسلمين خرجوا من مكة فارين لا شأن لهم، وأن أمر الإسلام سيبقى حبيسًا في المدينة، وأن سلطان المكيين سيبقى عاليًا، ولذلك لم يدخل أحد من العرب في الإسلام بعدما صدقوا ما يشيعه أهل مكة عن الإسلام والمسلمين، وبخاصة أن المكيين يفاخرون بأمجادهم، ويظهرون قوتهم وسلطانهم.
وقد أدت السرايا إلى تغيير كل هذه الأفكار لأنها تمت بطريقة سديدة، فقد تحركت السرايا إلى سائر القبائل المنتشرة في البوادي، وتعددت النواحي التي قصدتها حيث اتجهت كل واحدة منها لجهة ما، ولقوم معينين.
كما أن كل واحدة منها قصدت في توجهها أهل هذه النواحي أولا مع محاولة الإمساك بأموال تجارة قريش التي تمر في هذه الناحية ثانيًا؛ لأنها في الحقيقة أموالهم، وذلك لإحداث تأثير مزدوج في نفوس القبائل، وعند أهل مكة.
وهذا الأمر يمثل ما عرف حديثًا بالحرب الاقتصادية التي يقصد بها تحقيق النصر بلا قتال، كما تعرف بالحرب النفسية لإدخال الرعب والهزيمة في نفس الأعداء أيضًا.
وحين نعلم أن السرايا والغزوات بدأت بعد الهجرة بسبعة أشهر، واستغرقت عشرة أشهر تقريبًا يظهر لنا ولكل عاقل مدى شجاعة المسلمين، ومدى استعدادهم للبذل من أجل نيل حقوقهم، ومدى طاعتهم لرسول الله ﷺ.
إن هجرة الرسول ﷺ كانت في محرم من العام الأول للهجرة، ووقعت السرية الأولى في شهر رمضان من السنة الأولى، ووقعت السرية الأخيرة في شهر رجب من العام الثاني. حين نعلم ذلك -وهو حق- ندرك مدى حيوية المسلمين ومدى نشاطهم، وحركتهم التي أذهلت قبائل العرب في الجزيرة كلها، وأظهرت قوة المسلمين واستعدادهم لمواجهة أهل مكة ومن يشايعهم بعد أشهر قليلة من الهجرة، مما جعل أهل مكة لا يهنأون بما اغتصبوا من أموال وديار، فبدءوا يعيشون الواقع الجديد وبعدما كانت قوافلهم تسافر بعدد قليل من الرجال المسلحين.
[ ٢٥٠ ]
وقد أفصحت هذا السرايا عن شجاعة المسلمين؛ لأنهم خرجوا بأعداد قليلة للتصدي للقوافل المكية، وهي في حراسة مئات من الرجال المسلحين.
ولم يحدث قتال في هذا السرايا، ومع ذلك فقد قامت بدورها في الاستطلاع، والمعرفة، وإرهاب كفار مكة، وتحييد سكان البوادي والأعراب، واختيار المكان المناسب للنزال والحرب الأمر الذي جعل المسلمين يخرجون لبدر حيث وقع القتال بينهم وبين أهل مكة وحدهم، من غير أن يساعد المكيين أحد.
وأيضًا فلقد أدت هذه السرايا إلى تفتح أذهان الناس، وتطلعهم لمعرفة شيء عن الله الذي يدعو محمد ﷺ إلى الإيمان به، بعدما كانوا عنه منصرفين، وقد أدى ذلك إلى دخول كثير من الناس في الإسلام عقب غزوة بدر، لسابق علمهم به.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى القول بظفر صاحب المال المغصوب إن تمكن منه، وبخاصة إن كان المغتصب متمردًا على الشرع، والقانون، مستدلا بخروج المسلمين لأخذ أموالهم المغصوبة من القوافل حين يظفرون بها، وقد أباحها الله تعالى لهم.
ويرى المعارضون للظفر أن هذا الخروج كان في إطار سلطة شرعية، وكان استثناء للرسول ﷺ وصحابته.
ولقد اشترك في هذه السرايا المهاجرون وحدهم لأنهم أصحاب الحق، وعليهم وحدهم أن يعملوا لاسترداده، والظفر به، أما غيرهم فلا حق لهم، ولو قاموا به لعد عدوانًا منهم، الأمر الذي يأباه الله ورسوله ﷺ.
[ ٢٥١ ]
المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى
مدخل
المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى
تعرف غزوة "بدر"١ بأنها الغزوة الكبرى في الإسلام مع أنها كانت قليلة العدد بالنسبة لمن اشترك فيها، وبالنسبة لآثارها المادية ومع ذلك فهي الغزوة الكبرى لنتائجها المعنوية، وتأثيرها في العرب، وفي العالم كله.
وقعت غزوة "بدر" هذه في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة.
لقد تصور العرب وغيرهم أن المسلمين ضعاف لا يقدرون على المواجهة، وأنهم خرجوا من مكة هربًا من قوة المكيين، وأن الإسلام سيبقى معزولا مع أصحابه في المدينة المنورة.
ولم تغير السرايا والغزوات التي وقعت قبل غزوة بدر هذا التصور تمامًا لانتهائها جميعًا بلا قتال، واستمر الأمر على ذلك حتى وقعت الغزوة، وتغير كل شيء، تغيرت المفاهيم، وتغيرت التصورات، وانمحت كل الآمال التي صنعها الكفار افتراء وكذبًا، وبدأ عهد جديد للدعوة إلى الله تعالى ولهذا كانت بدر هي الغزوة الكبرى.
وحين نتناول الغزوة بالدراسة أرى ضرورة دراسة ما يلي:
_________________
(١) ١ "بدر" اسم بئر حفرها رجل من غفار اسمه بدر، وقيل هو بدر بن قريش الذي سميت قريش به، وهي على بعد مائة ميل جنوب المدينة في طريق الذاهب إلى مكة وهي قريبة من ساحل البحر وسميت بدرًا لتمامها وكمالها. "معجم البلدان ج١ ص٣٥٧".
[ ٢٥٢ ]
أولا: أسباب الغزوة
ترك المسلمون مكة، وتركوا فيها أموالهم، وديارهم، ليحافظوا على دينهم، ويتحركوا به للناس في أمن واستقرار، ولم يرتض القرشيون ذلك، فاستولوا على الأموال واغتصبوا الدور، وحرموا المهاجرين من اصطحاب نسائهم، وذراريهم، ومنعوهم من دخول المسجد الحرام.
وحاولوا قتل رسول الله ﷺ وتعقبوه أثناء هجرته، وأخذوا يؤلبون أعراب البوادي ضد رسول الله ﷺ حتى أن "كرز بن جابر الفهري" أغار على المدينة١ واستاق بعض إبلها استهانة بقوة المسلمين.
وحاول القرشيون تأليب غير المسلمين من سكان المدينة فأخذ اليهود وعبدة الأصنام، والمنافقون يجاهرون بعداوتهم لرسول الله ﷺ.
ووجد المسلمون أنفسهم أمام عداوة ظاهرة، وحرب موجهة إليهم من كل جانب، ورأوا أن قريشًا تعمل بلا كلل في تكثير أعداء الإسلام، وتوحيد أنشطتهم، وأعمالهم لمحاصرة المسلمين في المدينة، والقضاء عليهم.
رأى المسلمون ذلك، فتيقنوا من ضرورة العمل لحماية دينهم، وموطنهم، وأنفسهم، وتأكدوا من أهمية التأهب، والاستعداد لمواجهة هذا الإجرام المتنامي من أعداء الله تعالى.
إن للمسلمين حقوقًا تركوها في مكة، فعملوا للوصول إليها وأخذها ليفيق المكيون من غيهم، ويتعلموا أن الأمن لن يتحقق لهم إلا بأداء حقوق الآخرين، وليعرفوا أن المهاجرين ليسوا هملا لا حقوق لهم، وليسوا جماعة خائفة لا تقدر على المواجهة.
وكان الله تعالى مع حق المسلمين العادل، فأمرهم بالاستعداد، والتهيؤ، للتصدي لأعدائهم، وأنزل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٧ ص٨٥٠.
[ ٢٥٣ ]
رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ ٢.
والآيات واضحة الدلالة في أن إعداد القوة، والتهيئة للقتال، وقبول التضحية، يضمن الحقوق، ويمنع الحرب؛ لأن العدو المعتدي إذا رأى أمامه قوة تخيفه، وترهبه يمسك عن الظلم، ويخشى عاقبة عدوانه على غيره.
وإعداد القوة يرهب عدو المسلمين الظاهر، وهم أهل مكة، ويرهب كذلك العدو المستتر وهم المنافقون، واليهود، ومن على شاكالتهم من الأعراب والرعاة.
وكانت السرايا والغزوات قبل بدر جزءًا من هذا الاستعداد، والمواجهة، وقد اشترك في هذه السرايا المهاجرون وحدهم لأنهم أصحاب حق مسلوب يبحثون عنه، ولذلك قصدوا القوافل التجارية لأهل مكة الذاهبة إلى الشام، أو العائدة منها، وفي نفس الوقت لإظهار قوتهم وعزيمتهم، وشجاعتهم أمام أعدائهم.
ونلاحظ حكمة التوجيه النبوي لأصحابه في هذه السرايا والغزوات، فلقد تم توجيهها إلى أماكن عديدة، وإلى قبائل مختلفة تقطن الطرق بين مكة والمدينة.
كما نلاحظ أن السرايا كما قصدت القوافل المتجهة إلى الشام قصدت القوافل المتجهة إلى اليمن أيضًا في مكان وزمن لم يتوقعه القرشيون، ذلك أن سرية عبد الله بن جحش اتجهت إلى "نخلة" وهي مكان بين مكة والطائف في الطرق المتجهة إلى الجنوب وكان هدف هذه السرية هو المراقبة والاستطلاع.
وقضى الله تعالى بنجاة كل قوافل قريش، وعدم وقوع إحداها في يد المهاجرين ولذلك بقي الأمر على ما كان عليه، واستمر الإذن بالقتال للمظلومين الذين أخرجوا
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٠. ٢ سورة النساء: ٨٤.
[ ٢٥٤ ]
من ديارهم، وسلبت أموالهم.
وفي غزوة العشيرة خرج عدد من المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ للتصدي لقافلة قرشية أثناء ذهابها إلى الشام، ولكنها أفلتت منهم، فأخذ المسلمون يترقبون رجوعها، وأرسل النبي ﷺ طلحة بن عبيد الله، وسعد بن زيد، إلى شمال المدينة لاكتشاف القافلة حين رجوعها، فقبعا في "الحوراء"١ حتى مرت بهم راجعة، فأسرعا إلى المدينة، وأخبرا رسول الله ﷺ برجوعها٢.
كانت القافلة مكونة من ألف بعير محملة بثروات ضخمة، وكان يحرسها أربعون قرشيًا بقيادة أبي سفيان بن حرب٣.
إن الاستيلاء على هذه القافلة فرصة طيبة للمهاجرين، وضربة قاصمة لأهل مكة، وإعلان واضح يظهر قوة المسلمين، ويبين حرصهم على نيل حقوقهم، ومدى عزتهم وشجاعتهم.
أخذت الأحداث تجري بقدر الله إلى حيث يشاء وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها" ٤.
فخرج عدد قليل بأسلحة عادية ظنًا منهم أنها واحدة من السرايا السابقة، وبخاصة أن الرسول لم يأمر بقتال، ولم يكلفهم به، وكانت الحالة التي تصورها المسلمون أن الخروج خاص بالمهاجرين ليأخذوا أموال القافلة عوضًا عن أموالهم، والذين خرجوا من الأنصار خرجوا لمساعدة إخوانهم، نظرًا لضخامة القافلة، ومصاحبة لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ الحوراء بفتح الحاء وسكون الواو مكان يقع شمال المدينة. ٢ المغازي ج١ ص٢٠. ٣ سيرة النبي ج١ ص٦٠٦. ٤ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٦٧.
[ ٢٥٥ ]
ثانيا: مواقف الفريقين قبل المعركة
مدخل
ثانيًا: مواقف الفريقين قبل المعركة
فهم القرشيون غاية المسلمين من محاولة التعرض لقوافلهم التجارية، فأخذوا حذرهم للإفلات والهرب، وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، يؤكد ذلك ما أشار أبو جهل به لأبي سفيان قبل رحيله من مكة قائلا له: "يا معشر قريش إن محمدًا قد نزل بيثرب وأرسل طلائعه وإنما يريد أن ينال منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه أو أن تقاربوه١، وكانت آخر محاولات المسلمين خروجهم للاستيلاء على قافلة أبي سفيان بعد أن جاء خبر رجوعها من الشام وهي التي فرت منهم حين ذهابها إلى الشام، وأراد الله تعالى أن تقع غزوة "بدر" هذه المرة حيث نشب القتال، وكان ما كان من أحداث، وأحكام ويمكن توضيح موقف كل من المسلمين والقرشيين قبيل المعركة فيما يلي:
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٦٠٢.
[ ٢٥٦ ]
أ- موقف المسلمين:
بعدما علم رسول الله ﷺ بعودة القافلة من الشام، وفيها ألف بعير محملة بتجارات قبائل مكة، تحت حراسة ثلاثين أو أربعين رجلا، أخبر رسول الله وأصحابه، وندبهم للخروج وهو يقول لهم: "هذه عير قريش فاخرجوا لعل الله أن ينفلكموها".
انتدب الرسول أصحابه للخروج ولم يأمرهم، وترك الأمر لاختيارهم فخف بعضهم، وقعد الأكثرون، ظنًا منهم أنها واحدة من الغزوات السابقة التي أفلتت فيها القوافل، وتمكنت من الهرب، وعادوا بعدها إلى المدينة المنورة.
ورأوا كذلك أن العدد الذي خرج مع رسول الله ﷺ كاف في أداء المهمة، ولم يتأهب الذين خرجوا للحرب التي فيها صناديد مكة، فلم يصطحبوا معهم كامل أسلحتهم وخيلهم١.
وقد استعمل النبي ﷺ على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ولما بلغ "الروحاء"٢ رد أبا لبابة إلى المدينة وولاه أمرها٣.
وقد بلغت قوات المسلمين ثلاثمائة وخمسة عشر رجلا، معهم فرسان، وسبعون
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٦٠٧. ٢ الروحاء بفتح الراء مشددة وسكون الواو وآخرها ألف ممدودة تقع جنوب المدينة وهي تابعة لإقليم الفرع سميت بذلك لاتخاذها مكانًا للراحة والسكون. "معجم البلدان ج٢ ص٧٦". ٣ سيرة النبي ج١ ص٦١٢.
[ ٢٥٦ ]
بعيرًا، فأخذ الرجال يتعاقبون على الإبل "كل ثلاثة على جمل"١، وكان النبي ﷺ يتعاقب معهم٢ وساروا للقاء القافلة قرب "بدر" التي تبعد عن المدينة بمائة ميل تقريبًا في الجهة الجنوبية، في الطريق الذاهب إلى مكة.
وكان خروج النبي ﷺ من المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من مهاجره، وضرب النبي ﷺ عسكره في بئر أبي عنبة٣ وهي على ميل جنوب المدينة، فعرض أصحابه ورد الصغار منهم، وبعدها واصل السير نحو بدر٤.
وعندما اقترب الركب الإسلامي من "الذفراء" وهي قرية قريبة من "بدر" أرسل المسلمون عيونهم لمعرفة أخبار القافلة فجاءهم الخبر بما لم يتوقعوه.
جاءهم الخبر بأن أبا سفيان بن حرب اكتشف خروج المسلمين لملاقاة القافلة، فغير طريقه إلى الساحل، تاركًا بدرًا إلى يساره، وأسرع في سيره حتى بعدت القافلة عن المسلمين، وفي نفس الوقت أرسل أبو سفيان لأهل مكة يستنجد بهم لإنقاذ تجارتهم من محاولة استيلاء المسلمين عليها.
وصل المسلمون إلى "بدر" وعسكروا فيها يومين ليستريحوا من وعثاء السفر، وليرى الأعراب وغيرهم من تواجدهم في بدر مدى شجاعتهم وقوتهم، ويعرفوا استعدادهم للقتال من أجل حماية الحقوق، وصيانة المبادئ والخلق الكريم.
ولما استقر رسول الله ﷺ وجنده في "بدر" علم أن أهل مكة خرجوا لملاقاة المسلمين في تحد سافر، واستعداد تام للقضاء على المسلمين والإسلام.
وبرغم علم القرشيين أن القافلة التجارية نجت إلا أنهم أصروا على الحرب آملين تلقين المسلمين درسًا يمنعهم من التصدي لقوافلهم بعد ذلك، وحتى يعلم أهل الجزيرة قوة أهل مكة وشدتهم في الحرب واللقاء، وكان رأس الداعين إلى ضرورة محاربة المسلمين أبو جهل لعنه الله.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب باب عدة أصحاب بدر ج٦ ص٢٣٩. ٢ الطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص١٢ وقد رد رسول الله يوم بدر "إمتاع الأسماع ج١ ص٦٢". ٣ بئر في جنوب المدينة على بعد ميل واحد. ٤ الطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص١٢.
[ ٢٥٧ ]
وجد رسول الله ﷺ نفسه والمسلمين معه أنهم أمام حرب فرضت عليهم بلا استعداد لها، ورأوا أن القتال أصبح ضرورة، وبخاصة أن الله تعالى وعدهم إحدى الطائفتين العير أو النفير، وما دامت العير قد فرت، فإن النفير أصبح قدر الله فيهم.
نظر الرسول ﷺ إلى الموقف العام وتأمل في موقف أصحابه الذين خرجوا معه من المهاجرين والأنصار، ورأى أن المهاجرين أصحاب حق، ولذلك أذن الله لهم بالقتال ورأى ﷺ أن الأنصار لم يبايعوه يوم العقبة على القتال خارج المدينة، وإنما بايعوه على حمايته داخل المدينة وها هو القتال قد أتى وهم خارجها.
رأى النبي ﷺ ذلك فبدأ يستشير أصحابه، ويأخذ رأيهم، فأدى أبو بكر وعمر برأيهما، ثم قام المقداد بن عمر بن الأسود فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه١.
وسكت الناس بعد مقالة المقداد فقال رسول الله ﷺ: "أشيروا عليّ أيها الناس"، وكان ﷺ يريد بكلمته هذه الأنصار.
فلما أحس الأنصار أن الرسول يريد سماع رأيهم، قام سعد بن معاذ وقال: كأنك تريدنا يا رسول الله؟
فقال ﷺ: "أجل".
قال سعد: لقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا، على السمع، والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا: إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله٢.
_________________
(١) ١ الدرر ج٣ ص١٦٣ وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وبرك الغماد موضع في هجر يكنى به عن المكان البعيد. ٢ بلوغ الأماني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج٢١ ص٢٩، ٣٠ وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ج١٢ ص١٢٤.
[ ٢٥٨ ]
وبعد أن اطمأن رسول الله ﷺ إلى رأي الأنصار أخذ في التأهب للقتال الذي أصرت عليه قريش، واستعد جميع من معه ﷺ من المهاجرين والأنصار على قدر استطاعتهم لهذا اللقاء الذي فرض عليهم، وكان أملهم أن لا يقع قتال.
وقدر الله أن يتم اللقاء، وتقع هذه الحرب لتكون فارقة بين الحق والباطل، وقد سبق أن وعدهم ﷾ بتحقيق أحد أمرين: الغنيمة بعد القتال، أو الظفر بما تحمله القافلة من مال ومتاع وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ ١ فلما نجت القافلة وسقط الخيار الأول لم يبق إلا القتال الذي وعدوا بالنصر فيه والغنيمة منه.
وقد رحب الجميع بالقتال، وساروا مع رسول الله ﷺ نحو بدر، وأخذوا يستعدون للقاء.
ومن أهم أعمال الاستعداد للقتال في المعسكر الإسلامي ما يلي:
١- معرفة مكان القرشيين:
بدأ النبي ﷺ وأبو بكر الصديق ﵁ في البحث عن المكان الذي نزل فيه جيش قريش وأخذا يتجولان في منطقة "بدر" فإذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول الله ﷺ عن مكان جيش قريش، وعن مكان محمد وأصحابه "وإنما سأله عن مكان المسلمين حتى لا يعرف من هما".
قال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟
فقال له رسول الله ﷺ: "إذا أخبرتنا أخبرناك".
قال: أو ذاك بذلك؟
قال ﷺ: "نعم".
قال الشيخ: فإنه قد بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٧.
[ ٢٥٩ ]
كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به جيش المدينة- وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به جيش مكة.
ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟
فقال له رسول الله ﷺ: "نحن من ماء". ثم انصرفا عنه.
وبقي الشيخ يتفوه: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟ أم ماذا؟ ١.
وبذلك علم النبي ﷺ مكان جيش قريش فنظم جيشه، وأخذ يعده للقاء.
٢- معرفة قوة العدو:
كلف النبي ﷺ أربعة من قادة المهاجرين على رأس نفر من أصحابه، لتحري عدد العدو، ومدى قوتهم، والأربعة هم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وبسبس بن عمرو ﵃، فذهبوا إلى ماء بدر، فوجدوا سقاة قريش عنده فلما اقتربوا منهم حاولوا الفرار، فقبض الصحابة على ثلاثة هم: أبو يسار غلام أبي العاص بن سعيد، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية بن خلف، وجاءوا بهم إلى الرسول ﷺ وهو في الصلاة، فاستخبرهم القوم فقالوا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم قولهم، ورجوا أن يكونوا لأبي سفيان، فضربوهم ضربًا موجعًا، حتى اضطر الغلمان أن يقولوا: نحن لأبي سفيان، فتركوهم.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة قال لهم كالعاتب: "إذا صدقوكم ضربتموهم وإذا كذبوكم تركتموهم، صدقوا والله إنهم لقريش".
ثم خاطبهم قائلا: "أخبروني عن قريش".
قالوا: هم وراء الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.
فقال لهم رسول الله ﷺ: "كم القوم"؟.
الوا: كثير.
قال ﷺ: "ما عدتهم"؟.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٦١٦.
[ ٢٦٠ ]
قالوا: لا ندري.
قال ﷺ: "كم ينحرون كل يوم"؟.
قالوا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا.
قال ﷺ: "القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف".
ثم قال لهم ﷺ: "فمن فيهم من أشراف قريش"؟.
قالوا: عتبة، وشيبة، ابنا ربيعة، وأبو البحتري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل عمرو بن هشام، وأمية بن خلف في رجال سمياهم.
فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها" ١.
٣- النزول في مكان حيوي:
تحرك النبي بجيشه نحو بدر، ونزل ليلا عند أدنى مياه في بدر مما يلي جهة المدينة، وهنا قال الحباب بن المنذر لرسول الله ﷺ: يا رسول الله أرأيت هذه المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال ﷺ: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة".
قال الحباب: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنزله ونغور -أي نخرب ما وراءه من القلب- ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول الله ﷺ: "لقد أشرت بالرأي".
فنهض رسول الله ﷺ بالجيش، حتى وصل عند أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض، وغرروا ما عداها من القلب٢.
٤- تحديد المهام القتالية:
جهز الرسول ﷺ جيش المسلمين للقتال وصف الصفوف، وعقد الألوية، وحدد لكل لواء شعاره.
_________________
(١) ١ بلوغ الأماني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج٢١ ص٣٤ تاريخ الطبري ج١ ص٤٣٦. ٢ سيرة النبي ج١ ص٦٢٠.
[ ٢٦١ ]
يقول ابن سعد: وعقد رسول الله ﷺ يومئذ الألوية، وكان لواء رسول الله ﷺ يومئذ الأعظم، ولواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، وجعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين، يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله، ويقال: بل كان شعار المسلمين جميعًا يومئذ: يا منصور أمت، ومن الممكن أن يكون هناك شعار خاص لكل فريق، وشعار واحد لهم جميعًا.
وبنى لرسول الله ﷺ عريشًا، وقام سعد بن معاذ على بابه يحرسه، ونزل النبي ﷺ إلى الصفوف، فلما رأى القرشيين يتجهون إلى وادي بدر قال: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها، وفخرها، تحاربك، وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم الغداة" ١. أي أمتهم.
ولما قرب اللقاء وقف النبي ﷺ وخطب في أصحابه وقال لهم بعد حمد الله والثناء عليه: "أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، وأنهاكم عما نهاكم عنه، فإن الله عظيم شأنه، يأمر بالحق، ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله، على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم، وينجي به من الغم، وتدركون النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذركم، ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله ﷿ على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله يقول: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ انظروا الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته، وأعزكم به بعد ذلة، فاستمسكوا به يرضى به ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرًا تستوجبون الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته، فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم نستعين بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا، وعليه توكلنا، وإليه المصير، يغفر الله لي وللمسلمين"٢.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص١٧٦. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٨١.
[ ٢٦٢ ]
وقد بلغ عدد الذين خرجوا مع رسول الله ثلاثمائة وخمسة عشر رجلا، أغلبهم من الأنصار مع أنهم كانوا يعلمون أن الإذن بالقتال لم يكن لهم١.
وجملة من خرج من المهاجرين أربع وثمانون صحابيًا، ومن الأوس واحد وستون ومن الخزرج مائة وسبعون.
٥- الجيش الإسلامي في رعاية الله:
أرض وادي بدر رملية ناعمة، تؤذي من يسير عليها، ويتحرك فوقها، وقد شعر المسلمون بالتعب لطول السفر، وعدم النوم، وسيطر عليهم قلق الانتظار والترقب. وهنا تحوطهم رعاية الله تعالى فينزل عليهم المطر، وتتلبد الأرض، ويسهل عليهم السير ويغشاهم نعاس ألقاه الله عليهم لتهدأ خواطرهم، ويذهب تعبهم وذلك من فضل الله عليهم يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ ٢.
وقد احتلم عدد من الصحابة فلما أصبحوا وجدوا الماء فاغتسلوا وتطهروا، وبذلك دخلوا المعركة أطهارًا، ناجين من رجس الشيطان، ثابتي الأقدام، مطمئني القلوب.
ومكث الرسول ﷺ هذه الليلة في صلواته، ودعائه ليصبح على يوم اللقاء والمعركة وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة حيث كان نصر الله تعالى.
وفي صباح يوم الجمعة تراءى الجمعان فقال رسول الله ﷺ: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك، وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة" ٣.
وعدل رسول الله ﷺ صفوف المسلمين، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب، قد كان في يده قدح يعدل به، وكان "سواد بن غزية" خارجًا عن الصف فدفع النبي ﷺ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب باب عدة أصحاب بدر ج٦ ص٢٣٩. ٢ سورة الأنفال: ١١. ٣ سيرة النبي ج١ ص٦٢١، زاد المعاد ج٣ ص١٧٦.
[ ٢٦٣ ]
القدح في بطنه ليتساوى مع الصف، فاشتكى سواد وجع القدح إلى رسول الله ﷺ.
فقال له ﷺ: "استقد مني".
وهنا اعتنق سواد النبي ﷺ وقبل بطنه.
فقال ﷺ: "ما حملك على هذا يا سواد"؟.
قال سواد: يا رسول الله قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير١.
ولما أتم ﷺ تعديل الصفوف، أصدر أوامره إلى جيشه، بأن لا يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة، ثم أدلى إليهم بتوجيه خاص في أمر الحرب فقال: "إذا أكثبوكم، يعني كثروكم فارموهم، واستبقوا نبلكم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم"٢، ثم رجع إلى العريش ومعه أبو بكر، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش.
وبعد أن سوى ﷺ الصفوف، وتهيأ الجميع للقتال أرسل إلى القرشيين عمر بن الخطاب ﵁ في فرصة أخيرة يقول لهم: "ارجعوا فإنه إن يل هذا الأمر مني غيركم أحب إليّ من أن تلوه مني، وأن آليه من غيركم أحب إليّ من أن آليه منكم".
فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصحًا فاقبلوه، فوالله لا تنتصرون عليه بعدما عرض من النصح، فأبوا النصيحة، وأصروا على القتال٣.
وهكذا يبدو الخلق الإسلامي من توجيهات رسول الله ﷺ بعدم البدء في القتال، وعدم استعمال سلاح إلا إذا استعمله الأعداء أولا، فإن كان الرمي بالنبال يكون الرد بالنبال، وإن سلوا السيوف فلا مانع من الرد بها، وفي إرسال عمر لهم بيان تام لرغبة المسلمين في السلام الكريم الذي لا يضيع الحقوق.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٦٢٦. ٢ صحيح البخاري. كتاب المناقب. باب غزوة بدر ج٦ ص٢٠٥. ٣ سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ج٤ ص٥٣.
[ ٢٦٤ ]
ب- موقف القرشيين:
أرسلت قريش عيرها إلى الشام، في قافلة ضخمة، بقيادة أبي سفيان بن حرب، وكانت القافلة مكونة من ألف بعير، فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشي، ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في هذه العير، فأدركهم رجل من جذام بـ"الزرقاء"١ من ناحية "معان"٢ -وهم منحدرون إلى مكة- فأخبر أبا سفيان أن محمدًا ﷺ كان قد عرض لغيرهم في بدأتهم، وأنه تركه مقيمًا ينتظر رجعتهم، وقد حالف أهل الطريق، ووادعهم، فخرجوا خائفين الرصد، وبعثوا "ضمضم بن عمرو" حين فصلوا من الشام، وأمره أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية أن يخبر قريشًا أن محمدًا قد عرض لغيرهم، وأمره أن يجدع بعيره إذا دخل مكة، ويحول رحله، ويشق قميصه من قبله ودبره، ويصيح: الغوث الغوث.
فلم يرع أهل مكة إلا وضمضم يقول: يا معشر قريش! يا آل لؤي بن غالب اللطيمة اللطيمة! قد عرض لها محمد في أصحابه، الغوث الغوث! والله ما أرى أن تدركوها، وقد جدع أذني بعيره، وشق قميصه، وحول رحله، فلم تملك قريش من أمرها شيئًا حتى نفروا على الصعب والذلول، وتجهزوا للحرب في ثلاثة أيام، وأعان قويهم ضعيفهم، وقام سهيل بن عمرو، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وحنظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن أبي سفيان، يحضون الناس على الخروج.
فقال سهيل: يا آل غالب، أتاركون أنتم محمدًا والصباة من أهل يثرب يأخذون عيراتكم وأموالكم؟ من أراد مالا فهذا مالي، ومن أراد قوة فهذه قوتي، فمدحه أمية بن أبي، وأيده في تهييج أهل مكة.
ومشى نوفل بن معاوية الديلمي إلى أهل القوة من قريش، فكلمهم في بذل النفقة والحملان، لمن خرج، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: هذه خمسمائة دينار فضعها حيث رأيت
_________________
(١) ١ الزرقاء تأنيث الأزرق موضع جنوب الشام جهة معان. ٢ معان بفتح الميم أو ضمها وهي مدينة في طرف بلاد الشام الدنيا.
[ ٢٦٥ ]
وأخذ من حويطب بن عبد العزى مائتي دينار، وثلاثمائة دينار لتقوية السلاح، والظهر.
وحمل طعيمة بن عدي على عشرين بعيرًا، وقواهم، وخلفهم في أهله بمعونة ومال، ولم يتخلف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعيثًا، فلما مشوا إلى أبي لهب أبى أن يخرج، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان مدينًا له بأربعة آلاف درهم.
قال أبو لهب للعاص: اخرج، وديني لك فخرج عنه وتحمل أبو لهب ما وعد به. واستقسم أمية بن خلف، وعتبة، وشيبة، عند هبل بالآمر بالخروج والناهي عنه فخرج القدح الناهي، وأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبو جهل واستقسم زمعة بن الأسود فخرج الناهي أيضًا، وكذلك خرج لعمير بن وهب، وخرج حكيم بن حزام وهو كاره لمسيره، بعدما خرج له القدح الناهي مثل غيره، فلما نزلوا مر الظهران نحر أبو جهل جزرًا وزعها عليهم، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها وأخذ عداس يخذل شيبة، وعتبة بن ربيعة، والعاصي بن منبه بن الحجاج، وأبا أمية بن خلف فأتاه عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل فعنفاه.
فقال: ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي، فابتاعوا له جملا بثلاثمائة درهم من نعم بني قشير، فخرج بها مع الجيش، أملا في أن يفر بها حين الهزيمة التي يتوقعها، وأقبل القرشيون في تجمل عظيم، وحنق زائد، على رسول الله ﷺ وأصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم وتجرؤهم على قوافلهم ورجالهم١.
وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت رؤيا قبل مجيء ضمضم بثلاث ليال، رأت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يالغدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله قام به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ بمثلها، ثم قام به على رأس جبل أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فرماها فتفتتت ودخلت كل بيوت مكة وعاشت الرؤيا في مكة وخاف منها الكثير غير أبي جهل فإنه سخر منها٢.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٦٦. ٢ سيرة النبي ج١ ص٦٠٧.
[ ٢٦٦ ]
فكان عمرو بن العاص يحدث فيقول: لقد رأيت كل هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبي قبيس، فلقد كان ذلك عبرة، ولكن الله لم يرد أن نسلم يومئذ فأخر إسلامنا إلى ما أراد.
ولم يدخل دارًا ولا بيتًا من دور بني هاشم ولا بني زهرة من تلك الصخرة شيء١. تمكن أبو سفيان من الإفلات بالقافلة؛ لأنه علم بخروج المسلمين للاستيلاء عليها فلما اقترب من بدر أخذ طريق الساحل، بعد أن علم بوصول المسلمين إليها، ذلك أنه كان يسير على الطريق الرئيسي حذرًا متيقظًا، وقد ضاعف حركاته الاستكشافية.
ولما اقترب من بدر تقدم عيره، حتى لقي "مجدي بن عمرو" وسأله عن جيش المدينة، فقال: ما رأيت أحدًا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا.
فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا أبو سفيان بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها القرشيون عند وصولهم إلى الجحفة٢.
وخرج الجيش القرشي، بعدته، وعتاده، وقد بلغ عدده تسعمائة وخمسين رجلا، بقيادة عدد من صناديد مكة، وكان معهم مائتا فرس، وعدد كبير من الإبل لركوبهم، وحمل أمتعتهم ومئونة طعامهم، وليتاجروا فيها، وفي أحمالها، بعد تحقيق النصر الذي تصوروه مؤكدًا.
وقبل أن يتحرك جيش الشرك أخذ القرشيون لأنفسهم الأمان من "كنانة" بعدما قال لهم مالك بن جعشم المدلجي، وهو من أشراف كنانة: "أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه".
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٩. ٢ المغازي ج١ ص٣٠.
[ ٢٦٧ ]
وقد كره أهل الرأي أن يخرجوا للقتال بعد نجاة القافلة، ومشى بعضهم لبعض في ذلك إلا أن دعاة الحرب، وعلى رأسهم أبو جهل "عمرو بن هشام" جعلوا يحرضون على الخروج، ويحضون على القتال، حتى تمكنوا من غايتهم، ولم يخالفهم إلا بنو زهرة وبنو عدي ونفر من بني هاشم.
أما بنو زهرة فقد قال لهم الأخنس بن شريك حليفهم: يا بني زهرة قد نجى الله أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم أن تخرجوا في غير منفعة، لا كما يقول هؤلاء فرجعوا، وكانوا نحو المائة، ويقال ثلاثمائة، فما شهدها زهري إلا رجلين هما عما مسلم بن شهاب الزهري، وقتلا كافرين ببدر.
واغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعًا معظمًا.
وأما بنو عدي بن كعب فقد خرجوا مع الجيش حتى وصلوا إلى ثنية "لفت"١ وهي مكان بين مكة والمدينة، فعدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فقابلهم أبو جهل فقال لهم: يا بني عدي كيف رجعتم؟ لا في العير ولا في النفير؟
قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع، فرجعنا.
وأما بنو هاشم: فإنهم لما أزمعوا التخلف قال لهم أبو جهل: لا تفارقنا هذه العصابة منكم حتى نرجع.
ولم يترك أبو جهل شخصًا من مكة، كارهًا للخروج، أو مسلمًا يعلمون إسلامه ولا أحدًا من بني هاشم إلا وأشخصوه معهم بما بذلوه من جهد وحيلة، وكان على رأس من أخذوهم معهم: العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وأبو العاص بن الربيع.
وقد حاول أبو سفيان صرف قريش عن الخروج، فأرسل إليهم رسالة حملها قيس بن امرئ القيس، وجاء فيها: "إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها لله فارجعوا"٢.
_________________
(١) ١ لفت بفتح أوله وسكون ثانية موضع بين مكة والمدينة. ٢ المغازي ج١ ص٤٣.
[ ٢٦٨ ]
فلما علم أبو جهل بالرسالة قال: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم ثلاثًا فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها.
وواصل جيش قريش مسيرته نحو بدر حتى وصل إلى العدوة القصوى فبات عندها. وقد قام القرشيون بعدد من العمليات عند بدر استعدادًا للقتال، إلا أن الله تعالى أخزاهم، وجعل تخطيطهم وسعيهم وبالا عليهم، يتضح ذلك من أعمالهم التالية:
١- اختيار المكان:
اختار القرشيون لأنفسهم مكانًا حيويًا نزلوا فيه عند العدوة القصوى في بطن الوادي حيث قربه من الماء، وأرضه صخرية لا تسيح فيه الأقدام، بينما نزل المسلمون في أرض رملية، بعيدًا عن الماء وذلك يمنعهم من الحركة، ويوقع بهم الظمأ.
اشتد الأمر بالمسلمين وأصابهم التعب والظمأ، بينما كان الماء وفيرًا لدى القرشيين، والأرض تحت أقدامهم صلبة وأراد الله تعالى بقدرته وحكمته أن يبدل الأمر ويغير الحال فأنزل في ليلة المعركة مطرًا كثيرًا ألحق الأذى بالكفار، ومنعهم من التقدم، وشق عليهم أن يتحركوا فوق الصخر المبلل بالماء أما المسلمون فقد تطهروا، وتصلب الرمل تحت أقدامهم وسهل المشي، وثبتت الأقدام، وملئوا أسقيتهم وشربوا، وسقوا إبلهم.
وهكذا تحولت مزية المكان الذي اختاره القرشيون إلى سوأة ألمت بهم.
٢- محاولة تخريب معسكر المسلمين:
نظر القرشيون إلى معسكر المسلمين فوجدوا أن المسلمين قد بنوا حوضًا وملئوه ماء وخربوا ما عداه فأرسلوا نفرًا منهم لهدم الحوض، وإسالة مائه فحاول المسلمون طردهم، ومنعهم من الاقتراب، فقال ﷺ: "دعوهم يشربون، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل سوى حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان إذا اجتهد في اليمين فيما بعد يقول: لا والذي نجاني من يوم بدر وهكذا ضلت محاولة القرشيين في تخريب حوض المسلمين".
٣- معرفة عدد المسلمين:
اطمأنت قريش لمنزلتها في بدر فبعثت "عمير بن وهب الجمحي" للتعرف على مدى
[ ٢٦٩ ]
قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول المعسكر، ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين، أو مدد؟
فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئًا فرجع إليهم، فقال: ما وجدت شيئًا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة، ولا ملجأ، إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم وأنى لهؤلاء القوم لهم أن يفكروا ويتدبروا، ودعاة الحرب فيهم تنذر وتحرض وتحول بينهم وبين التعقل والفهم السليم!!
٤- مقاومة معارضي القتال:
قامت معارضة ضد أبي جهل -المصمم على المعركة- تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال، فقد مشى حكيم بن حزام في الناس، وأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟
قال: وما ذاك يا حكيم؟
قال: ترجع بالناس وتحمل دية حليفك عمرو بن الحضرمي -المقتول في سرية النخلة.
فقال عتبة: قد فعلت، أنت ضامن عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعليّ عقله، وديته وما أصيب من ماله.
ثم قال عتبة لحكيم بن حزام: فائت ابن الحنظلية "أبا جهل" فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره.
ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبًا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تقتلوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون.
[ ٢٧٠ ]
وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل -وهو يهيئ درعًا له- فقال له: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني بكذا وكذا.
فقال أبو جهل: انتفخ والله سرحه حين رأى محمدًا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال: ولكنه رأى أن محمدًا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه "وهو أبو حذيفة بن عتبة، كان قد أسلم قديمًا، وهاجر" فتخوفكم عليه.
ولما بلغ عتبة قول أبي جهل "انتفخ والله سحره"، قال عتبة: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره، أنا أم هو؟ ١.
وتعجل أبو جهل الحرب مخافة أن تقوى هذه المعارضة، فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمي -أخي عمرو بن الحضرمي المقتول في سرية عبد الله بن جحش- فقال: هذا حليفك "أي عتبة" يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك، فقام عامر، فكشف عن استه، وصرخ: واعمراه واعمراه فحمي القوم، واشتد أمرهم وانفعلوا لثأرهم، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر٢.
وبذلك أفسد أبو جهل على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، وتغلب الطيش على الحكمة، وذهبت هذه المعارضة دون جدوى.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٨٣ بتصرف. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٨٣.
[ ٢٧١ ]
ثالثًا: أحداث المعركة
التقى الجمعان وجهًا لوجه، وفي صباح يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان في العام الثاني من هجرة النبي ﷺ بدأ القتال وكان الجو حارًا.
وكانت بدايته عدوانًا قرشيًا ضد المسلمين، فلقد جاء الأسود بن عبد الأسد المخزومي، ودنا من حوض ماء المسلمين وقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب، فضربه فقطع قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض، فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه، وحمزة يتبعه فضربه في الحوض، فقتله١.
وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين، فثبتوا على حقهم، ولم يزولوا، وشد عليهم عامر بن الحضرمي، ونشبت الحرب، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع بن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب، فقلته عامر بن الحضرمي، ومهجع هو أول شهيد قتل من المهاجرين٢.
وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، ويقال قتله حبان بن عرقة ويقال عمير بن الحمام قتله خالد بن الأعلم العقيلي٣.
دنا الجيشان بعضهم من بعض، وخرج عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة فتيان من الأنصار وهم، معوذ، وعوف ابنا عفراء، ثالثهم عبد الله بن رواحة، فاستحيا رسول الله ﷺ، وكره أن يكون أول قتال لقي فيه المسلمون المشركين من الأنصار، وأحب أن تكون الشوكة بين بني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم، وقال لهم خيرًا.
ثم نادى منادى المشركين: يا محمد أخرج إلينا الأكفاء من قومنا.
فقال ﷺ: يا بني هاشم قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث نبيكم به، إذا جاءوا ببطالهم ليطفئوا نور الله.
فقام علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فمشوا إليهم، وكان علي ﵁ معلمًا بصوفة بيضاء.
فقال عتبة لابنه: قم يا وليد، فقام فقتله علي.
ثم قام عتبة فقتله حمزة.
ثم قام شيبة فقام إليه عبيدة فضربه شيبة ضربة فقطع ساقة، فكر حمزة وعلي فقتلا
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٨٣. ٢ الطبقات الكبرى ج٢ ص١٧. ٣ المصدر السابق ج٢ ص١٨.
[ ٢٧٢ ]
شيبة واحتملا عبيدة إلى الصف فنزلت فيهما هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ ١"٢.
واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعلم، فأحنه الغداة اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك فانصره اليوم٣ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
وبذلك حكم أبو جهل على نفسه.
وأخذ أبو جهل يصيح في قومه ويقول: لنا العزى ولا عزى لكم.
فنادى منادي رسول الله ﷺ: الله مولانا ولا مولى لكم، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار٥.
وتصور إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يذمر المشركين، ويخبرهم أنه لا غالب لهم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٦ فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة، فضرب صدر الحارث فسقط، وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع في البحر٧.
وأقبل أبو جهل يحض المشركين على القتال بكلام كثير، ويهون عليهم ما شاهدوه
_________________
(١) ١ سورة الحج: ١٩. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج٦ ص٢٤٣. ٣ زاد المعاد ج٣ ص١٨٤. ٤ سورة الأنفال: ١٩. ٥ سورة الأنفال: ١٩. ٦ سورة الأنفال: ٤٨. ٧ زاد المعاد ج٣ ص٨١.
[ ٢٧٣ ]
من صورة سراقة بن مالك وقال لهم: يا معشر الناس لا يهمنكم خذلان سراقة فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة، وشيبة، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقيد محمدًا وأصحابه، ونربطهم بالحبال، ولا ألفين رجلا منكم قتل رجلا واحدًا منهم فقط، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم١.
اتسع نطاق المعركة، وأجهد المسلمون أعداءهم، والنبي في العريش يدعو على أعداء الله، ويحرض المسلمين على القتال، يقول لهم ﷺ: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة".
تعلق أمل المسلمون في معونة الله وبذلوا للنصر كل طاقتهم، وأخذوا في الاستعانة والدعاء حتى أتاهم المدد الإلهي العظيم، وعنه يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ٢.
وهكذا جاءت الملائكة في صورة متتابعة استجابة لاستغاثة المجاهدين في بدر.
يقول ابن إسحاق: خفق النبي ﷺ خفقة في العريش فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ثنايا النقع٣.
وأخذ ﷺ ينادي ربه ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض فما زال ﷺ يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وأبو بكر ﵁ يقول له: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك٤.
يقول ﷺ: "إن الملائكة قد سومت فسوموا، فأعلموا بالصوف في مغازهم وقلانسهم"، وكان أربعة يعملون في الزحوف، فكان حمزة معلمًا بريشة نعامة، وعلي معلمًا بصوفة بيضاء، والزبير معلمًا بعصابة صفراء، وأبو دجانة معلمًا بعصابة حمراء٥.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص١٨٤. ٢ سورة الأنفال: ٩. ٣ سيرة النبي ج١ ص٦٣٢. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي باب الأمداد بالملائكة في بدر ج١٢ ص٨٤، ٨٥. ٥ المغازي ج١ ص٧٦.
[ ٢٧٤ ]
يقول سهيل بن عمرو: ولقد رأيت يوم بدر رجالا بيضًا، على خيل بلق، بين السماء والأرض، معلمين، يقتلون، ويأسرون١.
ويقول أبو أسيد الساعدي، "بعد أن ذهب بصره": لو كنت معكم الآن ببدر "ومعي بصري" لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى٢.
وكان ابن عباس يحدث أن أبا رهم الغفاري قال: أقبلت أنا وابن عم لي يوم بدر حتى أصعدنا في جبل "ونحن مشركان" ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة، فننتهب مع من ينتهب "فبينا نحن في الجبل" إذ رأيت سحابة دنت منا، فسمعت فيها حمحمة الخيل وقعقعة الحديد، وسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت، وأتبعت البصر حيث تذهب السحابة، فجاءت إلى النبي ﷺ وأصحابه، ثم رجعت وليس فيها شيء مما كنت أسمع٣.
يقول رسول الله ﷺ: "ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدخر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رؤي يوم بدر".
قيل: وما رأى يوم بدر؟
قال ﷺ: "أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة".
وقال ﷺ يومئذ: "هذا جبريل يسوق الريح كأنه دحية الكلبى، إني نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" ٤.
وقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: رأيت يوم بدر رجلين، عن يمين النبي ﷺ أحدهما وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشد القتال، ثم يليهما ثالث من خلفه، ثم رابعهما رابع أمامه٥.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٥ ص١٨٣. ٢ سيرة النبي ج١ ص٦٣٣. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي. باب الإمداد بالملائكة يوم بدر ج١٢ ص٨٧. ٤ المغازي ج١ ص٧٧، ٧٨. ٥ المصدر السابق ج١ ص٧٨.
[ ٢٧٥ ]
وعن صهيب ﵁: ما أدرى كم يد مقطوع، أو ضربة جائفة لم يدم كلمها يوم بدر قد رأيتها١.
وعن أبي بردة بن نيار ﵁ قال: جئت يوم بدر بثلاثة رءوس فوضعتهن بين يدي رسول الله فقلت: يا رسول الله، أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلا أبيض، طويلا، ضربه، فتدهده أمامه فأخذت رأسه.
فقال ﷺ: "ذاك فلان من الملائكة".
وعن ابن عباس: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون من الناس تثبيتًا للمسلمين فيقول: إني قد دنوت منهم فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشيء، وذلك قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ٢.
وعن حكيم بن حزام: لقد رأيتنا يوم بدر، وقد وقع بوادي خلص بجاد من السماء قد سد الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا، فوقع في نفسي أن هذا شيء من السماء أيد الله به محمدًا ﷺ فما كانت إلا الهزيمة لحقت بجيش الكفر، وما كان النمل إلا الملائكة٣.
وعن ابن عباس ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ بعنان فرسه وعليه أداة الحرب" ٤.
وعن ابن عباس ﵁ قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه فإذا به يسمع ضربة السوط، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فينظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا وقد خطم أنفه، وشق وجهه، من ضربة السوط ويخضر ذلك الموضع أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال ﷺ: "صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة" ٥.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٨٨. ٢ سورة الأنفال: ١٢. ٣ إمتاع الأسماع ج١ ص٨٩ وخلص واد بين مكة والمدينة، والبجاد الكساء. ٤ المغازي ج١ ص٨٠. ٥ صحيح مسلم بشرح النووي باب الإمداد بالملائكة ج١٢ ص٨٦، ٨٧.
[ ٢٧٦ ]
وروى البيهقي عن السائب بن أبي حبيش ﵁ وكان مع المشركين في بدر أنه كان يقول: والله ما أسرني أحد من الناس.
فيقال له: فمن؟
فيقول: لما انهزمت قريش انهزمت معها، فيدركني رجل أبيض طويل على فرس أبلق بين السماء والأرض، فأوثقني رباطًا١.
وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطًا، فنادى في العسكر: من أسر هذا؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: "يابن أبي حبيش من أسرك"؟.
فقلت: لا أعرفه، وكرهت أن أخبره بالذي رأيت.
وهنا قال ﷺ: "أسرك ملك من الملائكة" ٢.
وروى ابن سعد وأبو الشيخ بن عطية بن قيس قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من قتال بدر جاء جبريل على فرس أنثى أحمر، عليه درعه، ومعه رمحه، فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك وأمرني ألا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟
قال ﷺ: "نعم، رضيت". فانصرف٣.
روى أبو يعلى عن جابر قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في غزوة بدر إذ تبسم في صلاته، فلما قضى صلاته قلنا يا رسول الله: رأيناك تبسمت، قال: "مر بي ميكائيل وعلى جناحه أثر الغبار، وهو راجع من طلب القوم، فضحك إليّ فتبسمت إليه" ٤.
وروى البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ ".
قلنا: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها.
قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة٥.
وروى ابن سعد عن عكرمة قال: كنا يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من
_________________
(١) ١ مسند أحمد ج٢ ص١٩٤ تحقيق أحمد شاكر. ٢ المغازي ج١ ص٧٩. ٣ الطبقات الكبرى ج٢ ص٢٧. ٤ بغية الرائد في تحقيق مجموع الزوائد ج٦ ص١١١. ٥ صحيح البخاري كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدرًا ج٦ ص٢٥٦.
[ ٢٧٧ ]
ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربه١.
ونهى رسول الله يومئذ عن قتل بني هاشم، فقال: "من لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله" ٢.
ونهى عن قتل العباس بن عبد المطلب.
ونادى مناديه: من أسر أم حكيم بنت حزام فليخل سبيلها فإن رسول الله قد أملها وكان قد أسرها رجل من الأنصار، وكتفها بذؤابتها فلما سمع المنادى خلى سبيلها.
ونهى ﷺ أيضًا عن قتل أبي البختري فقتله أبو داود المازني، ويقال قتله المجذر بن زياد، ونهى عن قتل الحارث بن عامر بن نوفل فقتله خبيب بن يساف ولا يعرفه.
ونهى عن قتل زمعة بن الأسود فقتله ثابت بن الجذع ولا يعرفه٣.
ولما التحم القتال كان رسول الله ﷺ رافعًا يديه يسأل الله النصر، وما وعده، وأمر ﷺ فأخذ من الحصا كفًا فرماهم بها وقال: "شاهت الوجوه، اللهم أرعب قلوبهم، وزلزل أقدامهم" ٤، فانهزم أعداء الله لا يلوون على شيء، وألقوا دروعهم، والمسلمون يقتلون، ويأسرون، وما بقي منهم أحد إلا امتلأ وجهه وعيناه، وما يدري أين يتوجه والملائكة يقتلونهم وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٥.
وجمح بعقبة بن أبي معيط فرسه، فأخذه عبد الله بن سلمه العجلاني، فأمر النبي ﷺ عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح فضرب عنقه صبرًا، وصدق الله رسوله ﷺ في قوله لعقبة: "إن وجدتك خارج جبال مكة قتلتك صبرًا".
وبينا عبد الرحمن بن عوف ﵁ يجمع أدرعًا، بعد أن ولى الناس، إذا هو بأمية
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٢ ص٢٠٦. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٨٨. ٣ وسبب قتل من نهى النبي ﷺ عن قتلهم عدم وصول النهي إلى الصحابي القاتل، أو أنه لم يعرض الشخص الذي نهى النبي ﷺ "عن قتله إمتاع الأسماع ج١ ص٨٩". ٤ زاد المعاد ج٣ ص١٨٥. ٥ سورة الأنفال: ١٧.
[ ٢٧٨ ]
ابن خلف، وابنه علي، فأخذ يسوقهما أمامه فأبصره بلال فنادى: يا معشر الأنصار، أمية بن خلف رأس الكفر، لا نجوت إن نجا! فأقبلوا حتى طرح أمية على ظهره، وقطع الحباب بن المنذر أرنبة أنفه، وضربه خبيب بن يساف حتى قتله١.
وقتل عمار بن ياسر ﵁ علي بن أمية بن خلف.
وقتل الزبير بن العوام ﵁ عبيدة بن سعيد بن العاص.
وقتل أبو دجانة ﵁ عاصم بن أبي عوف بن ضبيرة السهمي.
وقتل علي ﵁ عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، وحرملة بن عمرو وهو يراهما أبا جهل.
وقتل حمزة ﵁ أبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، وهو يراه أبا جهل.
وكان أبو جهل في مثل الحرجة "هي الشجر الملتف" والمشركون يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فصمد معاذ بن الجموح إلى أبي جهل فضربه ضربة، وطرح رجله من الساق، فأقبل عليه عكرمة بن أبي جهل فضربه على عاتقه فطرح يده من العاتق، وبقيت الجلدة، فوضع معاذ عليها رجله، وتمطى بها عليها حتى قطعها، وضربه مع معاذ، معوذ وعوف ابنا عفراء فنفل رسول الله ﷺ معاذًا سيف أبي جهل ودرعه وأخذ المسلمون يجمعون الغنائم والأموال، ويأخذون الأسرى، فرحين بنصر الله تعالى.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص١٨٥.
[ ٢٧٩ ]
رابعًا: نتائج المعركة
لم تغرب شمس يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من العام الثاني للهجرة إلا وقد تم النصر لجند الله في بدر، وتأكد المسلمون المجاهدون من نصر الله تعالى، بعدما رأوا الملائكة تنزل عليهم في صورة بشرية، معونة، وتثبيتًا، وأسفرت المعركة عن هزيمة ساحقة لكفار مكة، وانتصار كبير للمسلمين، وكان لهذا النصر صدى واسع في الجزيرة العربية كلها.
وقد لقي سبعون من صناديد مكة مصرعهم في بدر، وعلى رأسهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيدة والعاص ابنا سعيد بن العاص، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم من القادة والزعماء كما أسر منهم سبعون آخرون١.
وفر الباقون إلى مكة تاركين وراءهم الأموال وكثيرًا من الإبل، والخيل التي كانت في صحبتهم.
وقد حفر المسلمون قليبًا، دفنوا فيه قتلى المشركين، بعدما أمرهم ﷺ بإلقائهم فيه دفعة واحدة.
ذلك أن رسول الله ﷺ كان إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه، لا يسأل عنه، مؤمنًا كان أو كافرًا، احترامًا لإنسانيته، وإلقاء القتلى في القليب من هذا الباب، إلا أنه ﷺ كره أن يشق على أصحابه بكثرة جيف الكفار أن يأمر بدفنهم، واحدًا، واحدًا، فرأى أن دحرجتهم إلى القليب جملة أيسر عليهم وعلى المسلمين فأمر به، وبخاصة أن نتن الجيف قد انتشرت لبقائها في العراء مدة ليست قليلة.
وقد أمر النبي ﷺ بإلقاء القتلى جميعًا في القليب بأجسادهم، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل جسده وتقطع، فأهالوا عليه التراب حيث هو، ووقف الرسول على القليب ثم قال: "يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري. كتاب المناقب. باب في غزوة بدر ج٦ ص٢٥٠.
[ ٢٨٠ ]
قد وجدت ما وعدني ربي حقًا؟ بئس القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس".
قال المسلمون: يا رسول الله تنادي قومًا قد ماتوا؟
قال ﷺ: "قد علموا أن ما وعدهم ربهم حق" ١.
وقال السدي عن مقسم عن ابن عباس: وقف رسول الله ﷺ على قتلى بدر فقال: "جزاكم الله عني من عصابة شرًا فقد خونتموني أمينًا، وكذبتموني صادقًا"، ثم التفت إلى أبي جهل فقال: "هذا أعتى على الله من فرعون، إن فرعون لما أيقن بالهلكة وحد الله، وإن هذا لما أيقن بالهلكة دعا باللات والعزى".
وأما الأسرى والجرحى فقد اهتم بهم رسول الله ﷺ وأخذهم إلى المدينة، وفرق الأسرى على أصحابه لإعالتهم، ورعايتهم وقال لهم: "استوصوا بالأسارى خيرًا". وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى.
يقول أخو مصعب: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غذاءهم، وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحيي فأردها على أحدهم فيردها علي ما يمسها.
وقد استشهد من المسلمين أربعة عشر شهيدًا وهم ﵃:
١- عبيدة بن الحارث ﵁.
٢- عمير بن أبي وقاص ﵁.
٣- عمير بن الحمام من بني سلمة ﵁.
٤- سعد بن خيثمة من بني عمرو بن عوف من الأوس ﵁.
٥- ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة ﵁.
٦- مبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف ﵁.
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج٦ ص٢٤٩.
[ ٢٨١ ]
٧- عاقل بن البكير الليثي ﵁.
٨- مهجع مولى عمر حليف بني عدي ﵁.
٩- صفوان بن بيضاء الفهري ﵁.
١٠- بيضاء الفهري ﵁.
١١- يزيد بن الحارث من بني الحارث بن الخزرج ﵁.
١٢- رافع بن المعلى ﵁.
١٣- حارثة بن سراقة وهو ابن عمة أنس بن مالك خرج نظارًا، وهو غلام، فأصابة سهم فقتله ﵁.
١٤- عوف، ومعوذ ابنا العفراء وكان سنهما أربع عشرة سنة١ ﵄ وهؤلاء الشهداء منهم ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
وقد أحاط الله شهداء المسلمين بالخير، وميزهم بالفضل، وأحاطهم بالنعيم.
يروي البخاري عن رفاعة ابن رافع الزرقي ﵁، وكان من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟
قال ﷺ: "من أفضل المسلمين"، أو كلمة نحوها.
قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة٢.
وروى أبو داود وابن ماجه والطبراني بسند جيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اطلع الله تعالى على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٣.
وروى مسلم والترمذي عن جابر ﵁ أن عبدًا لحاطب جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا إليه فقال: يا رسول الله ﷺ ليدخلن حاطب النار، فقال: "كذبت لا يدخلها، فإنه قد شهد بدرًا والحديبية" ٤.
وفي الصحيح عن علي ﵁ في قصة كتاب حاطب وأن عمر بن الخطاب قال: يا رسول
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٧٠٦، ٧٠٨. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب باب شهود الملائكة بدرًا ج٦ ص٢٥٦. ٣ صحيح البخاري باب شهود الملائكة بدرًا ج٦ ص٢٥٧. ٤ صحيح مسلم باب فضائل حاطب ج١٩ ص٥٦.
[ ٢٨٢ ]
الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: "أليس من أهل بدر؟ ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، أو قال فقد وجبت لكم الجنة" ١.
وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: أصيب حارثة بن زيد ببدر فجاءت أمه إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى فترى ما أصنع؟
فقال ﷺ: "ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس" ٢.
وإنما استحق أهل بدر كل هذا الفضل؛ لأنهم قدموا أنفسهم لنصر دين الله تعالى، فجعل الله ذنوبهم بعد ذلك تقع مغفورة، كما أنهم لصفاء أرواحهم، وصدق إيمانهم لا يقع الذنب منهم إلا خطأ، وبصورة نادرة.
والمغفرة المذكورة تتعلق بأحكام الآخرة، وبحقوق الله تعالى، أما أحكام الدنيا وحقوق الناس فلا بد من استيفائها، وأدائها لأصحابهما بعدما حدثت.
ومن مواقف المسلمين في بدر ما حدث من عمير بن الحمام الأنصاري فلقد روى الإمام أحمد في مسنده أنه ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض".
فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟
فقال ﷺ: "نعم".
فقال عمير: بخ بخ.
فقال ﷺ: "ما يحملك على قولك بخ بخ"؟.
قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها.
قال ﷺ: "فإنك من أهلها".
فأخرج تمرات من قرته، فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم رمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج٦ ص٢٤٩. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج٦ ص٢٤٨.
[ ٢٨٣ ]
خامسًا: قريش والهزيمة
تقهقرت فلول جيش مكة، وولوا الأدبار في الظلام وأسرعوا فارين إلى مكة، وشربوا من الكأس التي أذاقوه لغيرهم كثيرًا.
وقد أخذ المتخلفون في مكة يتحسسون أخبار المعركة، وكان أول خبر أتاهم من "الحيسمان بن إياس الخزاعي" الذي وصل إلى مكة.
فقالوا له: ما وراءك؟
فقال لهم: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البحتري بن هشام.
فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر، والله إن يعقل هذا لقد طار قلبه، فسلوه عني.
فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟
قال: ها هو ذاك قاعد في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.
يروي ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير، متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، "كبته الله تعالى وأخزاه" ووجدنا في أنفسنا قوة، وعزة، وكنت أعمل الأقداح في حجرة زمزم، فوالله إني جالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فطان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم.
فقال أبو لهب: هلم إلي يابن أخي فعندك لعمري الخبر.
فجلس إليه والناس قيام عليه فقال: يابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس، فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا،
[ ٢٨٤ ]
ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئًا ولا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة.
فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، وثاورته فاحتملني، وضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفًا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت، استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته١، وكانت نهاية أبي لهب على نحو يعادل جريمته لأن العدسة قرحة كانت العرب تتشائم بها ويرون أنها تعدي أشد العدوى، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقي بعد موته ثلاثة أيام، لا يقترب أحد من جثته، ولا يحاول أحد دفنه، فلما خاف بنوه السبة في تركهم له دفعوه بعصا في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى تغطت جثته٢.
يروي بن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ناحت قريش على قتلاها بمكة شهرًا، وجز النساء شعورهن، وما أن يؤتى براحلة الرجل منهم، أو بفرسه، إلا وتوقف بين أظهر النساء، ويسترنها بالستور حولها، وينحن حولها، ويخرجن إلى الأزقة صائحين ثم قالوا: لا تفعلوا ذلك فيبلغ محمدًا وأصحابه فيشمتوا فيكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، حتى لا يتعالى عليكم محمد وأصحابه في الفداء.
وشعر القرشيون بعد هزيمتهم في بدر بهوان شديد عملوا على التخلص منه، فلما عادوا إلى مكة وجدوا أن أبا سفيان أوقف عير القافلة والأموال التي عاد بها من الشام في دار الندوة، ولم يحركها، ولم يوزعها على أصحابها، فاتفق كبراؤهم على أن يجهزوا بها جيشًا كثيفًا لقتال محمد ﷺ والأخذ بثأر هزيمتهم في بدر، فباعوا الإبل التي بلغت ألف بعير، وضموها إلى الأموال التي بلغت خمسين ألف دينار، بعد أن أخذوا أرباحهم، وقدرها خمسون ألفًا أخرى، وكان الدينار يربح مثله٣.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج٢ ص٤٦٢ والعدسة قرحة قاتلة مثل الطاعون. ٢ المرجع السابق ج٢ ص٤٦٣. ٣ إمتاع الإسماع ج١ ص١١٣.
[ ٢٨٥ ]
كما قاموا بتشكيل مجموعة من رجالهم، لتدور على العرب في البوادي، وتؤلبهم على رسول الله ﷺ وتحضهم على قتال المسلمين في المدينة، وقد تكونت هذه المجموعة من عمرو بن العاص، وهبيرة بن أبي وهب، وابن الزبعري، وأبي غرة عمرو بن عبد الله الجمحي، وقد استمع العرب لهؤلاء ونفروا مع قريش في غزو أحد١.
وبذلك أشعلت قريش نار الحرب في الجزيرة كلها، وأخذت تعد عدتها لحرب شاملة وكان من الضروري أن يكلف المسلمون بقتال من يعتدي عليهم، وهنا كان فرض الجهاد مقيدًا بقتال المعتدي، وهو المرحلة الثانية في تشريع الجهاد.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٦١، ٦٢.
[ ٢٨٦ ]
سادسا: المسلمون في إطار انتصار بدر
الاختلاف في توزيع الغنائم
سادسًا: المسلمون في إطار انتصار بدر
تحقق النصر للمسلمين في بدر، وقد استشهد منهم أربعة عشر شهيدًا، وغنموا ما كان مع القرشيين من عتاد، وأموال، وقد أقام النبي ﷺ والمسلمون بعد المعركة في بدر ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أخذوا في الرجوع إلى المدينة بعد أن انتهوا من دفن الشهداء ووضع قتلى المشركين في القليب.
وقد عاش المسلمون بعد النصر الحقائق التالية:
١- الاختلاف في توزيع الغنائم:
عندما أتم النبي ﷺ تسوية الصفوف قال للمجاهدين: "من قتل قتيلا فله سلبه، من أسر أسيرًا فهو له"، فلما انهزم المشركون تفرق المجاهدون إلى أعمال متعددة فمنهم من وقف عند خيمة النبي ﷺ يحرسه، ومنهم من أغار على الأعداء ليهزمهم، ويقتلهم، ومنهم من اتجه للأسر والغنيمة.
وقد غنم المسلمون مائة وخمسين بعيرًا، وعشرة أفراس، وأداما كثيرًا حمله القرشيون معهم للتجارة بعد النصر الذي أملوا فيه.
وقد اختلف المسلمون في الغنائم؛ لأن الذين كانوا حول النبي ﷺ لم يأخذوا شيئًا، وقالوا: ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الأجر، ولا جبنا عن لقاء العدو، ولكن
[ ٢٨٦ ]
خفنا على رسول الله ﷺ من أن يميل عليه خيل المشركين، ورجالهم، وقد أقام عند رسول الله ﷺ وجوه المهاجرين والأنصار ولم يغنم أحد منهم شيئًا ومتى أعطى الشباب لا يبقى للشيوخ شيء، وبخاصة أن الغنيمة قليلة، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وهكذا لم يترك الله أمر الغنائم لعقولهم واجتهادهم، وإنما جعلها لحكم الله ورسوله جاء في تفسير ابن كثير عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون، ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه، ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض.
قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب.
وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو، وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به٢ فأمر رسول الله ﷺ برد الغنائم حتى يقضي الله فيها، فرد أصحابه ﷺ الغنائم التي جمعوها من أعدائهم، أما ما أخذ بغير قتال فقسمه ﷺ بينهم.
وجمعت الغنائم، واستعمل عليها رسول الله ﷺ عبد الله بن كعب بن عمرو المازني وسار بها حتى وصل إلى "سير" وهناك قسمها على المجاهدين، وقيل بل استعمل عليها خباب بن الأرت، وكان فيها إبل، ومتاع، وأنطاع، وثياب٣.
وأنزل الله تعالى قوله في شأن الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ١. ٢ تفسير ابن كثير ج٢ ص٢٨٣. ٣ إمتاع الأسماع ج١ ص٩٣.
[ ٢٨٧ ]
أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
وقد جعل النبي ﷺ الغنيمة أسهمًا، بعد أن أخذ الخمس منها، فأعطى للراجل سهمًا، وللفارس سهمين، وضرب لثمانية من الصحابة ﵁، تخلفوا عن الغزوة لعذر ألم بهم وهم:
من المهاجرين:
١- عثمان بن عفان، خلفه رسول الله ﷺ على ابنته رقية، ليعودها في مرضها، وقد ماتت يوم قدوم زيد بن حارثة بنبأ النصر، وعند عودة النبي ﷺ إلى المدينة كانوا عائدين من دفنها في البقيع.
٢- طلحة بن عبيد الله ﵁.
٣- وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، بعثه رسول الله ﷺ مع طلحة بن عبيد الله يتحسسان العير تلقاء "الحوراء" فلم يلحقا بالجيش.
ومن الأنصار:
٤- أبو لبابة بن عبد الله ﵁، خلفه على المدينة.
٥- عاصم بن عدي ﵁، خلفه رسول الله ﷺ على قباء، وأهل العالية.
٦- الحارث بن حاطب ﵁، أمره ﷺ بأمر في بني عمرو بن عوف.
٧- خوات بن جبير ﵁، كسر بالروحاء.
٨- الحارث بن الصمة ﵁، كسر بالروحاء٢.
وضرب النبي ﷺ كذلك لمن استشهد ببدر، وسلم غنائمهم لأبنائهم، واصطفى النبي ﷺ لنفسه من الغنيمة جمل أبي جهل، فجعل يغزو ﷺ عليه حتى ساقه هديًا في الحديبية.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٤١. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٩٤.
[ ٢٨٨ ]
الاختلاف في مصير الأسرى
٢- الاختلاف في مصر الأسرى:
لما وصل رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة اهتم بأمر الأسرى، فبدأ يأخذ رأي أصحابه في كيفية التعامل معهم، يروي أبو الحسن النيسابوري بسنده إلى عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ لما جيء إليه بالأسرى يوم بدر، جمع أصحابه وقال لهم: "ما تقولون في هؤلاء الأسرى"؟.
فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله قومك وأصلك، استبقهم، واستأن بهم، لعل الله ﷿ يتوب عليهم.
وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم نارًا.
فقال العباس: قطعت رحمك.
فسكت رسول الله ﷺ ولم يجبهم، ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر.
وقال ناس: يأخذ بقول عمر.
وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله.
ثم خرج عليهم ﷺ فقال: "إن الله ﷿ ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ﷿ ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " ١.
وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
ومثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ٣.
ومثلك يا عمر كمثل نوح قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ٤".
ثم قال رسول الله ﷺ: "أنتم اليوم عالة! أنتم اليوم عالة! فلا ينقلبن منهم
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم: ٣٦. ٢ سورة المائدة: ١١٨. ٣ سورة يونس: ٨٨. ٤ سورة نوح: ٢٦.
[ ٢٨٩ ]
أحد إلا بفداء أو ضرب عنق"؟.
وهكذا أخذ رسول الله ﷺ برأي أبي بكر، وأخذ منهم الفداء، فلما كان الغد جاء عمر إلى رسول الله ﷺ وأبي بكر، فوجدهما في حزن وألم، لما نزل في شأن الأسرى من عتاب لرسول الله ﷺ.
يقول عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.
فقال رسول الله ﷺ: "أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" ١ شجرة قريبة وعندها أنزل الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
والكتاب الذي سبق من الله هو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٣.
ففيه الإذن بأخذ الفدية من الأسارى، ولذلك لم يعذبوا، وإنما نزل العتاب لأنهم أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الأرض، وكان على المجاهدين أن يجهزوا على أعدائهم في ميدان المعركة، جزاء وفاقًا لما جاءوا من أجله.
وكان علي ﵁ يقول: أتى جبريل إلى النبي ﷺ بعد انتهاء القتال يوم بدر فخيره في الأسرى، بين أن تضرب أعناقهم، أويؤخذ منهم الفداء، أو يستشهد منهم في قابل عدتهم واستقر الرأي على رأي الصديق مع العتاب، والعفو، فأخذ ﷺ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم، إلى ثلاثة آلاف درهم، إلى ألف درهم، وكان بعض الأسرى يكتبون فجعل رسول الله ﷺ فداء من يكتب تعليم عشرة من غلمان المدينة القراءة
_________________
(١) ١ أسباب النزول للنيسابروي ص١٣٧، ١٣٨. ٢ سورة الأنفال الآيتان ٦٧، ٦٨. ٣ سورة محمد: ٤.
[ ٢٩٠ ]
والكتابة، فإذا حذقوها فهو فداء لهم، وممن تعلم في بدر زيد بن حارثة ﵁.
ومنّ رسول الله ﷺ على عدد من الأسارى، فأطلقهم بغير فداء منهم: المطلب بن حنطب، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الجمحي.
ومنّ على ختنه أبي العاص بشرط أن يخلي سبيل زينب، وكانت قد بعثت في فدائه بقلادة لها كانت عند خديجة ﵂، أهدتها لها حين أدخلتها به على أبي العاص فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، واستأذن أصحابه في إطلاق أبي العاص ففعلوا واشترط رسول الله ﷺ على أبي العاص أن يخلي سبيل زينب، فخلاها، فهاجرت إلى أبيها في المدينة بعد ذلك، وقد بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثه، ورجلا من الأنصار وقال لهما: "كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها فخرجا حتى رجعا بها".
وكان في الأسرى سهيل بن عمرو، وكان خطيبًا مصقعًا، قال عمر: يا رسول الله، أنزل ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع لسان، فلا يقوم خطيبًا عليك في موطن أبدًا، بيد أن رسول الله ﷺ رفض هذا الطلب، احترازًا عن المثلة، وعن بطش الله يوم القيامة.
ومن أحداث الأسرى ما روي أنه بعد أسر عمرو بن أبي سفيان بن حرب، قيل لأبي سفيان: ألا تفدي عمرو!.
فقال أبو سفيان: حنظلة قتل، وافتدى عمروا! فأصاب بمالي وولدي؟ لا أفعل ولكن أنتظر حتى أصيب منهم رجلا فأفديه، فأصاب سعد بن النعمان بن زيد بن أكال أحد بني عمرو بن عوف، جاء معتمرًا مع المنذر بن عمرو، فلما قضيا عمرتهما طلبهما أبو سفيان، فأدرك سعدًا فأسره، وفاته المنذر، ففي ذلك يقول ضرار بن الخطاب:
تداركت سعدًا عنوة فأسرته وكان شفاء لو تداركت منذرا
وهنا تمكن أبو سفيان من بغيته وتبادل مع المسلمين في الأسر، فأفدى ابنه عمرو بسعد بن النعمان.
[ ٢٩١ ]
٣- الابتهاج بنصر الله تعالى:
أشاع اليهود والمنافقون في المدينة أكاذيب وتحدثوا عن هزيمة المسلمين، ولذلك عجل رسول الله ﷺ برد هذا الافتراء، وإخبار أهل المدينة بانتصار المسلمين في بدر، فأرسل رسولين هما عبد الله بن رواحه بشيرًا لأهل العالية، وزيد بن حارثة بشيرًا لأهل السافلة فنادى عبد الله: يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ، وقتل المشركين وأسرهم، ثم أتبع دور الأنصار فبشرهم.
وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله ﷺ القصواء يبشر أهل المدينة، فلم يصدق المنافقون ذلك، وشنعوا، وقدم شقران بالأسرى وهم سبعون رجلا، وتلقى الناس رسول الله ﷺ بالروحاء يهنئونه بفتح الله، فقدم المدينة ﷺ مؤيدًا، مظفرًا، منصورًا قد أعلى الله كلمته، ومكن له وأعز نصره، ودخلها من ثنية الوداع في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رمضان، فتلقاه الولائد بالدفوف وهن يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
فأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين واليهود، ولم يبق بالمدينة يهودي ولا منافق إلا وشعر بالخزي، وأسلم حينئذ بشر كثير من أهل المدينة، ومن ثم دخل عبد الله بن أبي سلول وجماعته من المنافقين في دين الإسلام تقية.
وقد عم السرور، والفرح قلوب المسلمين جميعًا، وشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم من نصر، حتى أن النجاشي ملك الحبشة لما جاءه خبر انتصار رسول الله ﷺ وهو في الحبشة أرسل إلى جعفر وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت قديم عليه ثياب رثه، جالس على التراب فأخذ يبشرهم بالنصر، ويهنئهم بالفوز والفلاح.
يقول جعفر ﵁: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما أن رأى ما في وجوهنا قال: إني أبشركم بما يسركم، إنه جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه ﷺ، وأهلك عدوه، وأسر فلان، وفلان، وقتل فلان، وفلان، التقوا بواد يقال له "بدر" كثير الأراك كأني أنظر إليه، كنت أرعى لسيدي رجل من بني ضمرة إبله.
فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاط؟
قال له النجاشي: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى أن حقًا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعًا عندما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله لي نصر نبيه ﷺ أحدثت له هذا التواضع١.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٣٠٧.
[ ٢٩٢ ]
٤- تشريع زكاة وعيد الفطر:
كان من تمام نصر الله للمسلمين في شهر رمضان أن فرض الله عليهم زكاة الفطر يتعاطونها فيما بينهم جميعًا، غنيهم وفقيرهم، من يملك، ومن لا يملك فقام ﷺ فيهم قبل نهاية رمضان بيومين، وعلمهم زكاة الفطر، وعرفهم بتشريع صلاة العيد في نهاية رمضان وخرج ﷺ إلى المصلى صباح يوم عيد الفطر فصلى بالناس أول صلاة في يوم العيد.
فلما كان شهر ذي الحجة من نفس العام ضحى ﷺ وصلى عيد الأضحى وأخذ ﷺ يضحي كل عام بكبشين حتى لقي ربه.
وهكذا عاش المسلمون في المدينة فرحة النصر، وفرحة الصوم، وفرحة العيد في ترابط وائتلاف وفي تمييز ورفعة.
[ ٢٩٣ ]
سابعا: بدر في رحاب القرآن الكريم
حديث ما قبل المعركة
سابعًا: بدر في رحاب القرآن الكريم
وجه القرآن الكريم المسلمين نحو الجهاد، وأذن لهم فيه قبل بدر، وصاحبهم في مسيرتهم تعليمًا، وتوجيهًا قبل المعركة، وأثناءها، وبعد الانتهاء منها، ليستمروا في معية الله تعالى عبادًا طائعين مستسلمين وقد أنزل الله سورة الأنفال تتحدث عن غزوة بدر، وتشمل أحداثها، ولذلك سماها ابن عباس بسورة "بدر"١وقال عنها تلك سورة بدر وقد كان حديث السورة شاملا لكل أحداث بدر، أذكر منها ما يلي:
١- حديث ما قبل المعركة:
أخذ القرآن الكريم يوجه المسلمين إلى أهمية الاستعداد للمعركة وتهيئة أنفسهم بالعتاد والتدريب فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا
_________________
(١) ١ فتح القدير ج٣ ص٢٨٢.
[ ٢٩٣ ]
تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ١؛ لأن الإعداد الجاد يحقق العزة، ويرهب الأعداء، وأمر المسلمين أن يجنحوا للسلم إذا رغبه أعداء الله فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
ووجه القرآن الكريم المسلمين إلى جوانب الضعف فيهم، وبين لهم عوامل التغلب عليها فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣.
فهم ضعفاء، يحتاجون إلى تقوية أنفسهم، وإيمانهم، وذلك يكون بالصبر، والتوكل على الله والثقة في نصره ﷾.
ووجه القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية معرفة ما في ذواتهم من نقص ليعملوا على إتمامه، وإكماله، وذلك في قوله سبحانه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٤.
وحذر القرآن الكريم المسلمين من الفرار أمام الأعداء، فقال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٠. ٢ سورة الأنفال: ٦١. ٣ سورة الأنفال: ٦٥-٦٦. ٤ سورة الأنفال: ٦-٨. ٥ سورة الأنفال: ١٩-٢٠.
[ ٢٩٤ ]
٢- حديث القرآن الكريم عن المعركة:
بين الله نصره للمسلمين، بمختلف صوره، فلقد أرسل لهم الملائكة يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وأنزل المطر، ورزقهم النعاس ليستريحوا، ويطمئنوا، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ ٢.
وكان تأييد الله للمسلمين في القتال، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ ٣.
وملأ الله ﷿ قلوب المؤمنين بالثقة، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٩-١٠. ٢ سورة الأنفال: ١١. ٣ سورة الأنفال: ١٧-١٨. ٤ سورة الأنفال: ٤٢-٤٤.
[ ٢٩٥ ]
٣- حديث ما بعد المعركة:
عاش القرآن الكريم مع المسلمين في قضية الغنيمة والأسرى ووضح حكم الله فيها فقال تعالى تعليقًا على اختلافهم في توزيع الغنائم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقال تعالى في شأن الأسرى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ١. ٢ سورة الأنفال: ٦٧-٧٠.
[ ٢٩٦ ]
٤- توجيهات قرآنية تربوية:
تحدثت سورة الأنفال عن غزوة بدر، وعن مواقف كل أطرافها، وقدمت وصفًا متكاملا لأهم أحداثها.
ويلاحظ أن الأحاديث لم تذكر في السورة متتابعة وفق ترتيب وقوعها؛ لأن القرآن الكريم لا يقصد إيراد قصة، أو مجرد سرد الأخبار، وإنما يقصد التربية والتوجيه، وإبراز القضايا التي يحتاجها المسلمون، وهذا القصد لا يحتاج إلى ترتيب الأحداث وإنما يعتمد على التركيز على الحدث، وإبراز مناط التأثير فيه.
لقد بدأت السورة تعرض مواقف المجاهدين من الأنفال، ومجيئهم لرسول الله ﷺ ليحكم بينهم بعدما اختلفوا وهو موقف حدث بعد انتهاء المعركة، فكان أن نزلت
[ ٢٩٦ ]
الآيات بأن الحكم في الغنائم لله ورسوله، وعلى المسلمين أن يحافظوا على تقوى الله تعالى، ويصلحوا ذات بينهم، ويستمروا على طاعة الله ورسوله فيما يقضيان به، ويحافظوا على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويقبلوا على آيات الله تذكيرًا وعبرة.
وهكذا لم تكتف السورة بعرض أحداث بدر، وإنما جعلت أحداثها منطلقًا للتذكير، والتوجيه، والتربية، وأن الأمر كله لله يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١.
وجهت السورة المسلمين إلى أن الأمر كله لله، يقع بقدرته حسب ما يريد ﷾، وعرفهم أنهم خرجوا للعير، خائفين من الحرب لكن الله أراد لهم غير ذلك لتحقيق غايات عليا، يقول الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٢.
وعرفت السورة المسلمين بضرورة الدعاء والاستغاثة لتحقيق النصر الذي هو بيد الله تعالى يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ١-٤. ٢ سورة الأنفال: ٥-٨.
[ ٢٩٧ ]
السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١.
وتتتابع التوجيهات الإلهية لعباده المؤمنين ليكونوا مجتمع الصفوة والنصر، فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ ٣.
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٤.
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٩-١٢. ٢ سورة الأنفال: ١٥-١٦. ٣ سورة الأنفال: ٢٠-٢١. ٤ سورة الأنفال: ٢٤-٢٥. ٥ سورة الأنفال: ٢٧-٢٨. ٦ سورة الأنفال: ٤٥-٤٦.
[ ٢٩٨ ]
- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.
- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
وعاشوا الحياة الإسلامية متميزة، بصورة، ومعنى، بعيدة عن أي لبس، وبخاصة بعد أن شرع الله الأذان شعيرة خاصة بالمسلمين، وأصبحت الكعبة قبلتهم، وهم يتصلون بالله وبذلك التميز سقطت دعاوى أهل الكتاب.
لقد كان رسول الله ﷺ يتجه في صلاته إلى بيت المقدس بعد الهجرة، واستمر على ذلك ستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا، وكان يجب أن يتجه إلى الكعبة، بيت الله تعالى يقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ٤.
فاستجاب الله لرسوله ﷺ، وحقق له ما كان يتمنى ويرضى قبيل بدر.
وفي البخاري أنه ﷺ صلى على بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأن أول صلاة صلاها متجهًا إلى الكعبة في مكة كانت
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٤. ٢ سورة الأنفال: ٧٢. ٣ سورة الأنفال: ٧٤-٧٥. ٤ سورة الأنفال: ١٤٤.
[ ٢٩٩ ]
صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد١ وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت وقد تساءل بعض الصحابة عن الذين ماتوا قبل تحويل القبلة، وكان صلاتهم إلى بيت المقدس فأنزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وبتحويل القبلة، وتوجه المسلمين إلى بيت الله بمكة، تمت المفاصلة التامة بين المسلمين واليهود، وتميز المسلمون بقبلتهم، فأخذ اليهود في إثارة الشبه والحقد على رسول الله ﷺ ودينه، يصور القرآن الكريم ذلك فيقول ﷾: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣.
وبدأ المسلمون يتجهون في صلواتهم إلى مكة المكرمة، فتحركت شجوبهم وتيقنوا بمدى ارتباط الإسلام بمكة، وبالمكيين.
يقول ﷺ: "إن اليهود لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".
وجاء انتصار بدر لتبدأ مرحلة جديدة، اتضحت خلالها خفايا القلوب، وتوجيهات سائر الطوائف، وشعر الجميع أن المواجهة الحاسمة قريبة، بعد أن اتضحت الحقائق، وبانت السبل، وأخذ كل طريقه نحو ما يأمله، ويرجوه.
وهكذا جاء انتصار بدر قمة النصر، وقمة الوضوح، وقمة المفاضلة بين الحق والباطل، ولذلك سماه الله تعالى يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان.
_________________
(١) ١ والمسجد الذي تحول الصحابة فيه بعدما أخبرهم أخوهم هو مسجد القبلتين وهو مسجد مشهور بالمدينة المنورة، وقد اشتهر بهذا الاسم لأن المسلمين صلوا صلاة العصر متجهين إلى قبلتين. ٢ سورة البقرة: ١٤٣. ٣ سورة البقرة: ١٤٢.
[ ٣٠٠ ]
المبحث الخامس: أحداث ما بين بدر وأحد
مدخل
المبحث الخامس: أحداث ما بين بدر وأحد
انتصر المسلمون في "بدر" انتصارًا باهرًا، تحدث به أبناء الجزيرة العربية جميعًا، مما جعلهم يخططون لمستقبلهم إزاء هذه القوة الإسلامية التي ظهرت في المدينة المنورة.
وأهم هذه القوى التي تأثرت بانتصار بدر، وسارعت إلى اتخاذ مواقف تتناسب مع هذا الوضع الجديد هي:
١- القرشيون في مكة:
وهم الذين تحملوا مذلة الهزيمة، وفقدوا قادتهم، وأئمتهم في بدر، وأجبروا على فداء أسراهم، وقد أخذوا يستعدون للثأر بعد "بدر" مباشرة وحاولوا إيذاء المسلمين، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ فاحتفظوا بمال القافلة التي كانت سببًا في حرب "بدر" ليشتروا به السلاح، ويعدوا العدة، وكونوا جماعات منهم تقوم بتحريض المشركين على ضرورة الثأر لهزيمتهم، وتطهير الطريق التجاري إلى الشام، حتى لا تنقطع تجارتهم التي هي حياتهم.
٢- اليهود في المدينة:
وهم القبائل اليهودية التي كانت تسكن المدينة، وحولها لأنهم رأوا أن انتصار المسلمين في بدر جعلهم يزدادون قوة، ويؤكدون سيطرتهم على سائر شئون المدينة، وازدياد نفوذهم الاقتصادي، وبخاصة بعدما شاهدوا المسلمين ينشجون في السعي والعمل ويعيشون كافة حاجات الحياة، ويحرمون الربا، ويمنعون الاستغلال، ويحققون التعاون التام بينهم. الأمر الذي أضعف قوتهم، وأفقدهم صور الكيد التي كانوا يعيشون بها بين المسلمين وغيرهم، وشعروا أن الأحداث تتحرك في غير ما يأملون.
٣- المنافقون:
وهؤلاء أفراد الأوس والخزرج ومن غيرهم كانوا يسكنون المدينة، ولم يدخلوا في الإسلام، وبقوا على الشرك، إلا أن هؤلاء الأفراد بعد انتصار المسلمين في "بدر" دخلوا في الإسلام تقية، وهم يبطنون العداوة، ويتعاونون مع أعداء الإسلام سرًا ليتحقق ما يتمنون.
[ ٣٠١ ]
٤- أعراب البوادي:
وهم الأعراب الذين يسكنون حول المدينة، وعلى الطرق التجارية بين مكة والمدينة وهؤلاء الأعراب كانوا يعيشون على السلب والنهب والقنص والإغارة، وفرض الإتاوات على المارة فلما ظهرت قوة المسلمين في بدر رأوا دولة قوية سوف تحكم في كل الخارجين على النظام والعدل، ولذلك وجدوا أنفسهم في مواجهة عدائية مع المسلمين في المدينة المنورة.
وأخذت هذه القوى على اختلاف مقاصدها تعمل لإضعاف المسلمين وإسقاط ما تحقق لهم بنصر بدر، بكل ما أمكنهم من مؤامرات حفية، وتحرشات ظاهرة، وعقد تحالفات من أجل تكوين قوة واحدة في مواجهة المسلمين في المدينة.
واستمر عون الله تعالى للحق وأهله، فأمد المسلمين بالرشاد والهدى، وأضل أعداءهم، وأخزاهم في كل ما خططوا له، وعملوا من أجله وفي هذا المبحث سأورد "بإذن الله تعالى" أهم الأحداث التي وقعت بين غزوتي بدر، وأحد وكيف تعامل معها رسول الله ﷺ وذلك فيما يلي:-
[ ٣٠٢ ]
أولا: محاولة قتل النبي ﷺ
عمرو بن وهب الجمحي من تجار مكة، وقادتها المعدودين، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ قبل الهجرة، اشترك مع ابنه وهب مع المشركين في بدر، ووقع ابنه وهب في الأسر فشعر بالذل لأسر ابنه، وقتل أصحابه.
جلس عمير مع صاحبه صفوان بن أمية في حجر إسماعيل، وتذاكرا بدرًا، فقال صفوان: والله ما في العيش بعدهم خير.
فرد عليه عمير: صدقت، أما والله لولا دين علي ليس له قضاء عندي، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علة، ابني أسير عندهم.
فقال له صفوان: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما عاشوا، لا يسعني شيء، وأعجز عنهم.
[ ٣٠٢ ]
فقال له عمير: فاكتم عني شأني وشأنك.
قال صفوان: أفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له، وسم، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب ﵁وهو في نفر من المسلمين يتحدثون بما أكرمهم الله به يوم بدر- فقال عمر: هذا عدو الله عمير ما جاء إلا لشر.
ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوحشًا سيفه قال ﷺ: فأدخله علي.
فلما أقبل عمير لببه عمر بحمالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار، ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه.
قال ﷺ أرسله يا عمر أدن يا عمير، فدنا وقال: أنعموا صباحًا.
فقال النبي ﷺ: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام، تحية أهل الجنة". ثم قال ﷺ: "ما جاء بك يا عمير"؟.
قال عمير: جئت لهذا الأسير الذي في أيديك فأحسنوا فيه.
قال ﷺ: "فما بال السيف في عنقك"؟.
قال عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟
قال ﷺ: "اصدقني ما الذي جئت له"؟.
قال عمير: ما جئت إلا لذلك.
قال ﷺ: "بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت لولا دين علي، وعيال عندي، لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل صفوان بدينك، وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك".
قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق
[ ٣٠٣ ]
ثم تشهد شهادة الحق.
فقال رسول الله ﷺ: "فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره"، ففعلوا ثم قال عمير: يا رسول الله إني كنت جاهدًا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله، وإلى الإسلام لعل الله أن يهديهم! وإلا آذيتهم في دينهم، كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.
فأذن له رسول الله ﷺ، فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، فأسلم على يديه أناس كثير، وسبحان مقلب القلوب، ومغير الأحوال، وبيده الأمر كله١.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٣٠٩.
[ ٣٠٤ ]
ثانيًا: غزوة بني سليم ١
بلغ رسول الله ﷺ أن جمعًا من "بني سليم، وغطفان" يوجد عند ماء يقال له "قرقرة الكدر"٢ ويقع في وسط الطريق بين مكة والشام جهة نجد، وأن هذا الجمع يريد مهاجمة المسلمين في المدينة، فبادر رسول الله ﷺ بالخروج إليهم قبل أن يستفحل أمرهم.
وكان خروج رسول الله ﷺ إلى بني سليم في مائتين من أصحابه في أوائل شوال عقب "بدر" بسبعة أيام فقط وحمل اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه٣.
وقد فر بنو سليم عندما علموا بخروج المسلمين إليهم، وتركوا خلفهم خمسمائة بعير، غنمها المسلمون، وقسمها رسول الله ﷺ على المشتركين وفق حكم الله تعالى ووجد الرسول ﷺ في الديار غلامًا اسمه "يسار" فسأله ﷺ عن الناس فقال يسار: لا علم لي بهم، فأخذه النبي ﷺ وأعتقه حينما رآه يصلي.
وقد خلف الرسول ﷺ على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقيل عبد الله بن أم مكتوم، وأقام الرسول ﷺ في ديار بني سليم ثلاثة أيام، ثم عاد إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسة عشر يومًا٤.
_________________
(١) ١ سليم بضم السين وفتح اللام مصغرة سلم. ٢ قرقرة الكدر قرقرة بفتح القاف وسكون الراء الأرض الملساء، والكدر بضم الكاف وسكون الدال لون. ٣ وقيل: إن غزوة بني سليم كانت في منتصف المحرم من العام الثالث للهجرة والرأي المذكور أعلاه أولى لتسلسل الغزوات بعده. ٤ الطبقات الكبرى ج٢ ص٢١.
[ ٣٠٤ ]
ثالثًا: غزوة السويق
امتلأ قلب أبي سفيان حقدًا، وغيظًا بسبب هزيمة قريش في بدر، ونذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمدًا، ويثأر لهزيمة المكيين، فجمع رجالا، وخرج في مائتي راكب وفاء لنذره، وشفاء لمرض نفسه، وسار برجاله حتى نزل عند قناة قرب جبل "نيب" قريبًا من المدينة، وعسكر في هذا المكان حتى جاء الليل، ودخل المدينة مستخفيًا تحت جنح الظلام، فأتى حيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبى.
ثم أتى إلى سلام بن مشكم "سيد بني النضير" وصاحب كنزهم آنذاك، فاستأذن عليه فأذن له، وقراه وسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس.
ثم خرج أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها: "العريض"١ فقطعوا أشجارًا، وأحرقوا أسوارًا من النخل، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفًا له معه في حرث لهما فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة.
وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فجمع أصحابه، وسارع لمطاردة أبي سفيان ومن معه ولكن رجال أبي سفيان فروا سراعًا، وطرحوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم وتمويناتهم على الطريق يتخففون به منه وتمكنوا من الإفلات، وبلغ رسول الله ﷺ إلى "قرقرة الكدر" ثم انصرف راجعًا، وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذا الخروج بغزوة السويق نسبة إلى الغنائم التي طرحها أبو سفيان ورجاله، وقد وقعت الغزوة في ذي الحجة بعد بدر بشهرين، واستعمل الرسول ﷺ خلالها على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه٢.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص١٩٦. ٢ المغازي ج١ ص١٨١.
[ ٣٠٥ ]
رابعًا: غزوة غطفان
كانت غطفان تسكن ناحية نجد، حول ماء يعرف بـ"ذي أمر" "بفتح الهمزة والميم" وقد غزاها النبي ﷺ من شهر المحرم في العام الثالث الهجري، وسبب هذه الغزوة أن بطنين من غطفان، وهما بطنا ثعلبة ومحارب، تجمعوا يريدون الإغارة على أطراف المدينة بقيادة "دعثور بن الحارث المحاربي" الذي تميز في قومه بالشجاعة، وحب الإغارة علم النبي ﷺ ما يعد له "دعثور" بواسطة عيونه، فندب المسلمين، وخرج معهم إلى بطني ثعلبة ومحارب في أربعمائة وخمسين مقاتلا، ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁.
فوجئ دعثور وجنوده بمقدم رسول الله ﷺ ففروا في رءوس الجبال ووصل المسلمون إلى مكان الماء، وعسكروا به، وأخذوا يبحثون عن دعثور ورجاله، فأصابوا رجلا منهم يقال له "جبار بن ثعلبة" فجاءوا به إلى رسول الله ﷺ، فلما دعاه إلى الإسلام أسلم فضمه الرسول ﷺ إلى بلال وجعله دليلا للمسلمين في أرض غطفان.
ويقال أن السماء أمطرت فابتل ثوب رسول الله ﷺ فنزل ﷺ تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف، واضطجع بمرأى من المشركين، واشتغل المسلمون في شئونهم، وأعمالهم، فبعث المشركون "دعثور بن الحارث" ومعه سيف متقلد به، فبادر "دعثور" وأقبل نحو رسول الله ﷺ بسلاحه، حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف مشهورًا، فقال: يا محمد، من يمنعك مني اليوم؟
فقال رسول الله ﷺ: "الله".
ودفع جبريل ﵇ في صدر "دعثور" فوقع السيف من يده.
فأخذ رسول الله ﷺ السيف، وقال له: "يا دعثور من يمنعك مني"؟.
فقال دعثور: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله،
[ ٣٠٦ ]
والله لا أكثر عليك جمعًا أبدًا، فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه.
ثم أتى "دعثور" قومه فقالوا: ما لك؟ ويلك!!
فقال لهم: نظرت إلى رجل طويل، فدفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت بأن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعًا، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام وأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وقد تكررت هذه الحادثة في غزوة "ذات الرقاع" وكان الذي حمل السيف فيها "غوري بن الحارث" وقد بقي على شركه، وعاهد النبي ﷺ على عدم مقاتلته أبدًا.
وقد أقام الرسول ﷺ وجيش المسلمين في غطفان قريبًا من شهر ليعلم الناس قوة المسلمين، وشجاعتهم، وحسن أخلاقهم، وبخاصة أنهم أنسحبوا من غطفان بلا عدوان على إنسان، أو مال، أو بغير ذلك من صور الظلم والعدوان٢.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ١١. ٢ المغازي ج١ ص١٩٥.
[ ٣٠٧ ]
خامسًا: غزوة بحرا ن ١
وتسمى غزوة بني سليم نسبة إلى جماعة من بني سليم كانت تقطن ناحية الفرع "بضم الفاء والراء" وهي قرية قرب المدينة في طريق الذاهب إلى مكة على بعد عشرين ميلا تقريبًا وسببها أن رسول الله ﷺ بلغه أن بها جمعًا يريد مهاجمة المدينة، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول من العام الثالث الهجري، في ثلاثمائة مقاتل، فلما وصل إلى مكانهم وجدهم قد تفرقوا في واديهم فأقام بينهم عشرة أيام، عاد بعدها إلى المدينة وكان قد ولى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه٢.
_________________
(١) ١ بحران بباء مضمومة، وقيل: بفتحها، وسكون الحاء. ٢ المغازي ج١ ص١٩٦.
[ ٣٠٧ ]
سادسًا: سرية زيد بن حارثة
توقفت تجارة قريش إلى الشام بعد "بدر" وتملك القرشيون الخوف على تجارتهم فلما جاء الصيف، وحان موعد خروج القوافل اختارت قريش "صفوان بن أمية" لقيادة قافلتها إلى الشام فقال لهم: إن محمدًا وصحبه عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟ وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء.
فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل، وخذ طريق العراق، وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطرق كل الجهل، فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فرات بن حيان -من بني بكر بن وائل- دليلا له، يكون رائده في هذه الرحلة.
وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية، آخذة الطريق الجديد، إلا أن أنباء هذه القافلة، وخطة سيرها طارت إلى المدينة، وذلك أن سليط بن النعمان، وكان قد أسلم، اجتمع في مجلس شرب، وذلك قبل تحريم الخمر، مع نعيم بن مسعود الأشجعي ولم يكن أسلم إذ ذاك، فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن قضية العير، وخطة سيرها، فأسرع سليط إلى النبي ﷺ وروى له القصة.
جهز رسول الله ﷺ لوقته حملة قوامها مائة راكب بقيادة زيد بن حارثة الكلبي فأسرع زيد حتى دهم القافلة بغتة، وهي تنزل على ماء في أرض نجد يقال له قردة -بالفتح فالسكون- فاستولى عليها كلها، ولم يكن مع صفوان ورجاله من يحرس القافلة فلاذ بالفرار دون أي مقاومة.
وأسر المسلمون دليل القافلة، فرات بن حيان ورجلين غيره، وحملوا غنيمة كبيرة من الأواني، والفضة، كانت تحملها القافلة، قدرت قيمتها بمائة ألف، فقسم رسول الله ﷺ
[ ٣٠٨ ]
هذه الغنيمة على أفراد السرية بعد أخذ الخمس، ثم جاء فرات بن حيان إلى رسول الله ﷺ وأسلم على يديه.
وقد مثلت هذه الغزوة مأساة شديدة، ونكبة كبيرة أصابت القرشيين بعد بدر، اشتد لها قلقهم وزادتهم همًا وحزنًا، ولم يبق أمامهم إلا طريقين: إما أن تمتنع عن غطرستها وكبريائها، وتأخذ طريق الموادعة والمصالحة مع المسلمين، أو تقوم بحرب شاملة تعيد لها مجدها التليد، وعزها القديم، وتقضي على قوات المسلمين، بحيث لا يبقى لهم سيطرة على هذا ولا ذاك، وقد اختارت مكة الطريق الثانية، فأخذت تعد العدة، وتضاعف الأعمال التي بدأتها بعد بدر وازداد إصرارها على المطالبة بالثأر، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة، وتصميم على الغزو فكان ذلك وما سبق من أحداث مقدمات واضحة لمعركة أحد.
وقد كان لسرية زيد أثرها الكبير على القرشيين، فقد فقدوا كثيرًا من أموالهم، وشعروا بأن المسلمين قد أحكموا حصارهم، ولذلك نشطوا في إعداد العدة لمهاجمة المسلمين، وحصارهم في المدينة، وتلقينهم درسًا يعوضهم عن كل ما فقدوه في "بدر" وفيما بعدها.
وكانت سرية زيد بن حارثة ﵁ في جمادى الآخرة من العام الثالث الهجري١.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٥٠، ٥١.
[ ٣٠٩ ]
سابعًا: غزوة بني قينقاع
بنو قينقاع بطن من يهود المدينة، وهم قوم عبد الله بن سلام، عاهدهم رسول الله ﷺ بعد تمام الهجرة مع سائر اليهود وحدد لهم الحقوق التي لهم، والواجبات التي يلتزمون بها، في إطار واضح أساسه "لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين".
لكن اليهود وبخاصة يهود بني قينقاع هالهم توحد الأوس والخزرج في إطار الإسلام فازدادوا حقدًا وحاولوا الإيقاع بينهم ليعودوا لجاهليتهم، وتئول السيادة لهم مرة أخرى، يروي ابن إسحاق أن شاس بن قيس، وكان شيخًا "يهوديًا" عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مر على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم،
[ ٣٠٩ ]
وصلاح ذات بينهم بالإسلام وعلى الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم حياة إذا اجتمع ملؤهم واتحدوا، وتماسكوا، فأمر فتى شابًا يهوديًا كان معه، وقال له: اعمد إليهم، فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث، وما كان قبله، وانشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار.
ففعل الغلام، وتأثر القوم، وعاودتهم ذكريات الماضي عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهم لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة، السلاح، السلاح، فخرجوا إليها "وكادت أن تنشب الحرب".
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم"؟.
فعرف القوم أنها نزعة شيطان، وكيد من عدوهم، فكبوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس١.
وكان بنو قينقاع من أشد اليهود عداوة لله ورسوله، وكانوا يسكنون وسط المدينة ويشتغلون بصناعة الذهب والحديد، فلما انتصر المسلمون في "بدر" بدءوا يظهرون حقدهم، ويثيرون المشاحنات مع المسلمين، فذهب إليهم ﷺ في سوقهم وقال لهم: "يا معشر يهود، أسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله ﷺ، يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة فأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا".
قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش، كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله تعالى
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٤٨-٤٩.
[ ٣١٠ ]
قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
ولم ينته بنو قينقاع بعد هذا اللقاء، فأخذوا يتحرشون بالمسلمين في جرأة، واستهتار، حتى أنهم أخذوا في التعدي على نساء المسلمين.
يروي ابن هشام أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها -وهي غافلة- فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله -وكان يهوديًا- فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
وأنزل الله ﷾ قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٢.
فقال ﷺ: "إنما أخاف من بني قينقاع"، فسار إليهم رسول الله ﷺ لهذه الآية، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان اللواء أبيض اللون.
قال ابن سعد: ولم تكن الرايات يومئذ قد حدثت، ولذلك لم تكن هناك راية للمسلمين، واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر فتحصنوا في حصنهم فحاصرهم أشد الحصار، فأقاموا على ذلك خمس عشرة ليلة، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ، على أن لرسول الله ﷺ أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتفوا، واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وكان لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي بن سلول، فجعلهم إلى رسول الله ﷺ، وتبرأ إلى الله تعالى ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٢-١٣. ٢ سورة الأنفال: ٥٨.
[ ٣١١ ]
أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الرجال.
فقام إلى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ.
فقال ابن أبي: يا محمد أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ من خلفه، وكان يقال لها ذات الفضول.
فقال له رسول الله ﷺ: "ويحك أرسلني". وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا ثم قال: "ويحك أرسلني".
قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر.
فقال ﷺ: "خلوهم لعنهم الله". ولعنه معهم، وتركهم من القتل، وأمر بهم أن يجلوا عن المدينة، فخرجوا بعد ثلاث، وولى إخراجهم منها عبادة بن الصامت، وقيل: محمد بن مسلمة، فلحقوا "بأذرعات"١ فما كان أقل بقائهم بها٢.
ووجد المسلمون في منازلهم سلاحًا كثيرًا، وآلة للصياغة، فأخذ رسول الله ﷺ صفية والخمس، وقسم أربعة أخماسه على أصحابه، فكان أول خمس وزع بعد "بدر" وكان الذي قبض أموالهم محمد بن مسلمة، وأنزل الله تعالى في شأن عبد الله بن أبي، وفي شأن عبادة بن الصامت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ٣ أي عبد الله بن أبي وقوله: إني أخشى الدوائر، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ أما المؤمنون الصادقون فهم أولياء المؤمنين، يفضلون ولاية الله ورسوله على أي ولاية سواها، وفي ذلك
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٢ ص٢٩. ٢ المغازي ج١ ص١٧٩. ٣ سورة المائدة: ٥١-٥٢.
[ ٣١٢ ]
نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ١، وذلك لتولي عبادة بن الصامت الله تعالى، ورسوله والذين آمنوا وتبرؤه من بني قينقاع، وحلفهم، وولايتهم، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ .
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٥٥.
[ ٣١٣ ]
ثامنًا: قتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط
رجع المسلمون بالأسرى حتى وصلوا إلى "الصفراء"١ قرب المدينة، فاستراحوا بها، فأمر رسول الله ﷺ بقتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط من بين الأسرى، جزاء وفاقًا لما ارتكبوه من جنايات ضد رسول الله ﷺ والمسلمين والإسلام، يقول ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث فقتله علي بن أبي طالب ﵁ ثم خرج حتى كان بعرق الظبية فأمر ﷺ بقتل عقبة بن أبي معيط، فقال عقبة حين أمر رسول الله ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟
قال ﷺ: "النار" وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.
ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت: قال يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا؟
فرد عليه عاصم وقال: على عداوتك الله ورسوله.
وقال للرسول ﷺ: أتقتلني يا محمد من بين قريش؟
قال ﷺ: "نعم! أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي، وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي" ٢.
كان هذان الرجلان من شر عباد الله، وأكثرهم كفرًا، وعنادًا، وبغيًا، وحسدًا وهجاء للإسلام، وأهله، وأقواهم عداوة لرسول الله ﷺ لعنهما الله "وقد وقع".
_________________
(١) ١ الصفراء واد قرب المدينة كثير الماء والزرع والخير. ٢ سيرة النبي ج١ ص٦٤٤.
[ ٣١٣ ]
تاسعًا: قتل كعب بن الأشرف
انتصر المسلمون في بدر، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية، يبشران بالنصر، ويوضحان مدى توفيق الله تعالى، فذكروا رءوس القرشيين الذين وضعوا في القليب، فلما سمع كعب بن الأشرف بنبأ انهزام قريش، وقتل رءوسهم قال: أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يذكرهم هذان الرجلان؟ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها١.
فلما أيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وجعل يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار، ويبكي على أصحاب القليب، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم.
ثم انبعث كعب عدو الله يهجو رسول الله والمسلمين، ويمدح عدوهم، ويحرض عليهم ولم يكتف بموقفه العدائي في المدينة فركب إلى قريش في مكة واستعداهم على رسول الله ﷺ.
فقال له أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي ديننا أهدى في رأيك، وأقرب إلى الحق؟
فقال كعب لأبي سفيان: أنتم أهدى منهم سبيلا، وأفضل.
فقال رسول الله ﷺ: "ما لنا بابن الأشرف، فقد استعلن بعداوتنا، وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتلانا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قرأ على المسلمين ما أنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٢ " ٣.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٥١. ٢ سورة النساء: ٥. ٣ سيرة النبي ج٢ ص١٩٧.
[ ٣١٤ ]
يروي البخاري في الصحيح عن جابر بن عبد الله قصة كعب بن الأشرف وفيها يقول: قال رسول الله ﷺ: "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله"؟.
فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟
قال ﷺ: "نعم".
قال: فأذن لي أن أقول شيئًا.
قال ﷺ: "قل".
فأتاه محمد بن مسلمة ومعه أبو نائلة وقال له: إن هذا الرجل يعني محمدًا قد سألنا الصدقة، وإنه قد عنانا وإني قد أتيتك أستسلفك.
قال كعب: وأيضًا لتملنه.
قال: فإنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه، حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين١.
فقال كعب: نعم، ارهنوني.
فقالوا: أي شيء تريد؟
قال كعب: ارهنوني نساءكم.
قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟
قال كعب: فارهنوني أبناءكم.
قالوا: نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال له: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللأمة -يعني السلاح- فواعداه أن يأتياه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم.
فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟
قال كعب: إنما هو محمد بن مسلمة، وأخي ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل لأجاب.
فدخل محمد بن مسلمة برجال معه هم: أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس،
_________________
(١) ١ الوسق ستون صاعًا، والصاع قدح وثلث بالكيل المصري.
[ ٣١٥ ]
وعبادة بن بشر وقال لهم: إذا ما جاء فإني قائم بشعره "أي آخذه" فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه، فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفح ريح الطيب فقال لهم: ما رأيت كاليوم ريحًا، أي أطيب، عندي أعطر من نساء العرب، وأكمل العرب.
فقال محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم رأسك؟
قال: نعم.
فشمه ثم أشم أصحابه.
فلما استمكن منه قال: دونكم، فاقتلوه، فلما قتلوه ساروا إلى النبي ﷺ، وحينما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام ﵇ تلك الليلة يصلي فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه فلما انتهوا إليه قال: "أفلحت الوجوه".
قالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه فحمد الله على قتله١ ويقال إن الذي قام على شعره أبو نائلة ﵁.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف ج٦ ص٢٧٧-٢٧٩.
[ ٣١٦ ]
عاشرًا: أهم أحداث المجتمع الإسلامي
وقعت أحداث عديدة، عاشها المجتمع الإسلامي في المدة ما بين بدر وأحد ومن أهمها:
١- زيدت صلاة الحضر ركعتين، وكانت قبل ذلك كصلاة السفر ركعتان.
٢- شرع صوم رمضان.
٣- شرعت زكاة الفطر في نهاية شهر رمضان.
٤- شرع عيد الفطر بصلاته في آخر شهر رمضان وشرع عيد الأضحى كذلك.
٥- بنى النبي ﷺ بعائشة في شهر شوال من السنة الأولى، وكان قد عقد عليها في مكة قبل الهجرة بثلاث سنوات.
٦- تزوج علي بن أبي طالب ﵁ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ودخل بها في ذي الحجة من السنة الأولى ﵂.
[ ٣١٦ ]
٧- تزوج عثمان بن عفان ﵁ أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في جمادى الآخرة من السنة الثالثة بعد موت رقية ﵂ ودفنها بالبقيع أثناء غزوة بدر.
٨- تزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب ﷺ في شهر شعبان من السنة الثالثة.
٩- وفي شهر رمضان من السنة الثالثة تزوج رسول الله ﷺ زينب أم المساكين وكان ذلك قبل "أحد" بشهر واحد.
١٠- في منتصف رمضان من السنة الثالثة ولد الحسين بن علي ﵁.
١١- ولد عبد الله بن الزبير في شوال من السنة الثانية، وهو أول مولود للمهاجرين كما ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر، وهو أول مولود للأنصار، وكان لهذين المولودين فرح بين المسلمين؛ لأن اليهود أشاعوا أنهم سحروا المسلمين، حتى لا تكون لهم ذرية.
١٢- وفيها شرعت عقوبة الجنايات، وحدد رسول الله ﷺ المعاقل، والديات، وكتب كتابا بها، وعلمه للمسلمين وبدأ تطبيق أحكام الجنايات كما شرعها الله تعالى.
تلك أهم أحداث المجتمع الإسلامي التي حدثت بين بدر وأحد١.
_________________
(١) ١ انظر إمتاع الأسماع والبداية والنهاية وسيرة النبي ﷺ في مواضع متعددة.
[ ٣١٧ ]
حادي عشر: حركة الدعوة بين بدر وأحد
تحركت سائر القوى بعد انتصار بدر، وشعر أعداء الإسلام أن الدائرة آتية عليهم لا محالة، فنشطوا في عدوانهم عساهم يحققون لأنفسهم شيئًا من المهابة والقوة.
وأدرك رسول الله ﷺ كل ما يحيط به، وبالمسلمين، فأرسل عيونه إلى كل الجهات التي يوجد فيها أعداء الله، ليحيط بكيدهم عند بدء ظهروه.
وقد رأينا جدوى هذه العيون، حيث كان رسول الله ﷺ ومعه بعض أصحابه يفاجئون الأعداء وهم في مرحلة التجميع، والإعداد لمهاجمة المسلمين، الأمر الذي جعلهم يتفرقون، ويفرون في الجبال والوديان.
[ ٣١٧ ]
وكان من أهداف القرشيين ضم كافة الأعراب إلى صفهم وتحويل كافة اليهود ليتحركوا معهم بعد بدر، لكنهم لم يحققوا كل ما يأملون بسبب ما قام به الرسول ﷺ من غزوات بعد بدر.
وكان الرسول ﷺ خلال هذه المدة يهتم بنشر الدعوة، وتعليم أصحابه ما ينزل عليه من وحي الله تعالى، ومن أهم ما عرفهم به، وعاشه معهم صوم رمضان، والفرحة بعيد الفطر، وصلاة السفر والحضر، وما يتصل بكل ذلك من أحكام، كما شرع للمسلمين في هذه المدة أحكام المعاقل والديات حيث دعت الحاجة لمعرفة حكم الله تعالى فيها.
وكان ﷺ يدعو من يلقاه إلى الإسلام ويهتم بتعليم من يدخل الإسلام، ويكله إلى بعض إخوانه ليفقهه في الدين.
وبرغم قصر المدة بين بدر وأحد فإنها امتلأت بالنشاط والحيوية، والعمل لخدمة الدعوة، وتطبيق شرع الله في الحياة الشخصية، والاجتماعية.
لقد كان حرص رسول الله ﷺ واضحًا في إبراز قوة المسلمين، وإدخال الهيبة والخوف في قلوب الأعداء، ولذلك كان ﷺ يذهب بنفسه قائدًا للمسلمين، ويقيم مدة في ديار القوم، إعلانًا لقوة المسلمين، وإظهارًا لشريعة الله تعالى، وتبليغًا للدين بطريقة عملية لقد تعلم المسلمون خلال هذه الغزوات القصر أثناء السفر، واستفادوا ضرورة الطاعة لله ورسوله وعلموا أحكام الفيء كما تعلموا أحكام الغنيمة من قبل، وتعامل رسول الله ﷺ مع يهود بني قينقاع بما يستحقون فقاتلهم، وأجلاهم إلى "أذرعات" وأمر بقتل كعب بن الأشرف لظهور عداوته، وإصراره على إيذاء المسلمين، ومهاجمة الإسلام، والعدوان على الأعراض، والأموال.
ومع كل هذه الأحداث باشر الرسول ﷺ والمسلمون معه حياتهم، ومعاشهم بصورة طبيعية فدخل رسول الله ﷺ بعائشة ﵂، وتزوج حفصة بنت عمر ﵂ كما تزوج ﷺ زينب أم المساكين خلال هذه المدة مما يدل على أن الزواج كان لغايات سامية تخدم الدعوة، وتنشر القيم والأخلاق.
[ ٣١٨ ]
كما زوج ابنتيه فاطمة وأم كلثوم لعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ﵃، وبذلك قرب إليه أربعة من مستشاريه الكبار، وهم: أبو بكر والد عائشة، وعمر والد حفصة، وعثمان زوج أم كلثوم، ورقية من قبلها، وعلي بن أبي طالب زوج فاطمة ﵃ أجمعين.
ولقد ساهمت هذه الغزوات في تعريف المسلمين بأعدائهم وأماكن تواجدهم، وطريقتهم في الكر والفر، كما أكدت لهم أن الأعداء لم يهدءوا بعد بدر، وإنما أخذوا في العمل للتغلب على القوة الإسلامية بكل ما أمكنهم من حيلة وعمل، ولذلك لم يتمكن الأعداء من نيل غرة في المسلمين، يفاجئوهم خلالها بالعدوان وبخاصة أن القضاء على الإسلام والمسلمين في المدينة أصبح هدفًا أساسيًا لسائر الأعداء، الأمر الذي جمع بينهم، وجعلهم يأتون إلى المدينة محاربين حيث كانت غزوة أحد.
[ ٣١٩ ]
المبحث السادس: غزوة أحد
مدخل
المبحث السادس: غزوة أحد
وقعت غزوة "أحد"١ في شهر شوال من السنة الثالثة: بعد هجرة النبي ﷺ بواحد وثلاثين شهرًا، وبعد غزوة "بدر" بثلاثة عشر شهرًا، وقد استخلف النبي ﷺ على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ﵁، ونسبة الغزوة إلى "أحد" نسبة للمكان الذي حدثت فيه، وهي من الغزوات المليئة بالدروس، والعبر، التي لا بد منها لحركة الحياة السليمة، وكان عدوان قريش على المسلمين في المدينة سببًا لفرض الجهاد لمقاتلة المعتدي، وصده عن العدوان، وهي المرحلة الثالثة في تشريع الجهاد.
وقد وقعت غزوة "أحد" في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة بالإجماع إلا أنهم اختلفوا في يومها فذكر البعض أنها كانت في اليوم السابع، والبعض ذكر أنها كانت في اليوم الحادي عشر وآخرون ذكروا أنها كانت في اليوم الخامس عشر.
والإحاطة بالغزوة تحتاج إلى دراسة الموضوعات التالية:
_________________
(١) ١ "أحد" جبل مشهور يقع على بعد خمسة أميال من المدينة، وسمي بذلك لظهوره جبلا واحدًا، منقطعًا عن جبال أخر موجودة قريبًا منه، ويقال له: ذو عينين بكسر العين، وفتحها مثنى عين.
[ ٣٢٠ ]
أولا: أسباب الغزوة
عاد أهل مكة إلى موطنهم من غزوة "بدر" بعدما رأوا ذل الهزيمة وعار الانكسار وعز عليهم أن يحدث ذلك لهم من جماعة خرجت فارة من بينهم منذ أقل من عام، فأخذوا يعدون العدة للثأر، وهزيمة المسلمين.
كما أنهم رأوا أن المسلمين أخذوا يسدون منافذ كل طرقهم إلى الشام، المارة في الحجاز، أو في نجد، وهذا بوار لهم، ولتجارتهم التي هي أهم أسباب حياتهم، وتصوروا أن استمرار هذا الحال يمثل موتًا بطيئًا لمكة كلها.
وقف صفوان بن أمية في قريش بعد بدر، وقال لهم: إن محمدًا وأصحابه قد غوروا علينا متجرنا فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسكن؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء.
قال له الأسود بن المطلب: تنكب طريق الساحل، وخذ طريق العراق، فخرج منهم تجار، فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهي أعظم تجارتهم، واستأجروا رجلا من بني بكر بن وائل، يقال له فرات بن حيان، يدلهم على ذلك الطريق الجديد الذي دلهم عليه الأسود.
وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، فلقيهم، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وبهذا فقدت قريش طريق العراق كما فقدوا من قبله طريق الساحل.
وأدرك القرشيون من غزوة رسول الله ﷺ لغطفان وسليم حينما هموا بمهاجمة المدينة وفرارهم حين علموا بسيره ﷺ إليهم أن قوة المسلمين لا يستهان بها، وأن طرقهم التجارية إلى الشام أصبحت غير مأمونة، وأن القبائل المتحالفة معهم أصبحت غير قادرة.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٠٢.
[ ٣٢١ ]
على حمايتهم وبدأت تشك في قوتهم وصمودهم.
ورأى المكيون كذلك أن الوثنيين، وأعراب البوادي، واليهود يشاركونهم في كراهية الإسلام، والعداوة لرسول الله ﷺ فاتصلوا بهم، وتصوروا أن اتحادهم في الهدف سبب رئيسي لتوحيد صفوفهم أمام المسلمين، الأمر الذي يؤدي إلى قهر المسلمين، والقضاء عليهم وعلى دعوتهم، ولذلك نشطوا في الإعداد للحرب، وأسرعوا في مهاجمة المسلمين، وجمعوا ما أمكنهم من العتاد والعدة وتحركوا لحرب المسلمين فكانت وقعة "أحد".
[ ٣٢٢ ]
ثانيا: موقف أطراف معركة أحد قبل القتال
موقف المشركين
ثانيًا: موقف أطراف معركة أحد قبل القتال
علم رسول الله ﷺ بنوايا القرشيين، فأخذ يعد للأمر عدته، واجتهد القرشيون في تحقيق غاياتهم في محاربة المسلمين، والقضاء عليهم، وعلى دينهم، وتأمين حركتهم التجارية، وتأديب أي خارج عليهم، وانطلقوا بجمعهم إلى المدينة، فوقعت الوقعة المعروفة في "أحد" وكان لكل فريق موقفه، وخطته، ولذلك لزم معرفة موقف كل طرف قبل المعركة.
١- موقف المشركين:
اتخذ القرشيون صورًا عملية عديدة بعد هزيمة "بدر" مباشرة، واستمرت جهودهم على نشاطها حتى وقعت المعركة، فلقد نشطوا في جمع الأموال، وتكثير الجنود والتأثير على القبائل، وخططوا لتحركهم بدقة عالية، لكن الله غالب على أمره ومن أهم مواقفهم ما يلي:
أ- الإعداد المالي:
بدأ القرشيون يعدون للحرب عقب "بدر" مباشرة، وبدءوا في جمع أموال يستعدون بها، فلما رجعوا إلى مكة من "بدر" وجدوا العير التي عاد بها أبو سفيان
[ ٣٢٢ ]
موقوفة عند دار الندوة، لم توزع لأصحابها بعد، فمشى إلى أبي سفيان مجموعة من أشراف مكة هم: الأسود بن المطلب بن أسد، وجبير بن مطعم، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزى، وحجير بن أبي إهاب، فقالوا: يا أبا سفيان، انظر هذه العير التي قدمت بها فاحتبسها، فقد عرفت أنها أموال أهل مكة، ولطيمة قريش، وهم طيبوا الأنفس، يجهزون هذه العير جيشًا كثيفًا إلى محمد، وأنت ترى من قتل من آبائنا وأبنائنا وعشائرنا وأهلنا.
قال أبو سفيان: وهل طابت أنفس قريش بذلك؟
قالوا نعم.
قال: فأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فأنا والله الموتور الثائر قد قتل ابني حنظلة وأشراف قومي ببدر فلم تزل العير موقوفة حتى تجهزوا، واقترب موعد الخروج إلى أحد.
قالوا: يا أبا سفيان، بع العير ثم اعزل أرباحها، وكانت العير ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار دينارًا، وكان متجرهم من الشام غزة لا يعدونها إلى غيرها، وكان أبو سفيان قد حبس عير بني زهرة لأنهم رجعوا من طريق بدر ولم يقاتلوا، وسلم ما كان لمخرمة بن نوفل، ولبني أبيه، وبني عبد مناف بن زهرة، فأبى مخرمة أن يقبل عيره حتى يسلم إلى بني زهرة جميعًا.
وتكلم الأخنس فقال: ما لعير بني زهرة من بين عيرات قريش؟
قال أبو سفيان: لأنهم رجعوا عن قريش.
قال الأخنس: أنت أرسلت إلى قريش أن ارجعوا فقد أحرزنا العير، لا تخرجوا في غير شيء، فرجعنا، فأخذت زهرة عيرها، وأخذ أقوام من أهل مكة كل ما كان لهم في العير١.
وهكذا اجتمعت قريش على حرب رسول الله ﷺ، ودفعوا أموالهم للإعداد
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص١٩٩، ٢٠٠.
[ ٣٢٣ ]
وجلب العدد، وأخذوا يحرضون غيرهم معهم، فوافقهم الأحباش وهم أقوام من غير العرب، وقبائل كندة، وأهل تهامة، وغيرهم.
ب- التعبئة العامة للمشركين:
نشط المكيون في جمع أكبر عدد لقتال المسلمين، فأخذوا يمرون على القبائل ويدورون على سائر المجتمعات العربية، مستفيدين في ذلك بشعرائهم ومشاهيرهم، وخطبائهم فاجتمعوا على أن يبعثوا أربعة من قريش لهذه المهمة، فبعثوا عمرو بن العاص وهبيرة بن أبي وهب، وابن الزبعرى، وأبا عزة الجمحي.
وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي من الشعراء المشهورين، المعروفين عند الناس، وكان رسول الله ﷺ قد منّ عليه يوم "بدر" وأطلق سراحه بلا فداء لأنه كان فقيرًا ذا عيال وحاجة، فلما عرضوا عليه أن يشترك معهم في التحريض على قتال المسلمين، عرفهم بأنه مدين لرسول الله ﷺ حين منّ عليه، وأطلق سراحه يوم "بدر"، بلا فداء بسبب عوزه وبنيه، ورفض أن يشترك معهم.
فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فأخرج معنا فقال له أبو عزة: إن محمدًا ﷺ قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه.
قال صفوان: فأعنا بنفسك، فلك الله إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، وما زال به حتى وافق على الخروج معهم.
فخرج أبو عزة في تهامة يحرضهم ويهيجهم بشعره وخطبه.
وخرج مسافح بن عبد مناف بن وهب إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ.
ودعا جبير بن مطعم غلامًا له حبشيًا يقال له: وحشي، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق.
[ ٣٢٤ ]
وقصد المكيون كل من أصيب ببدر في ماله وأهله، ودفعوهم إلى المشاركة بالمال أو بالنفس، أو بالتحريض لقتال المسلمين، ورحبوا بكل قادم غريب ليكون معهم في حربهم ضد المسلمين.
ولحق أبو عامر الفاسق بالمكيين وخرج إليهم في خمسة عشر رجلا من الأوس، وتابع قريشًا وسار معها، وهو يعدها أن قومه يؤازرونهم.
واسم أبي عامر هذا: عبد عمرو بن صيفي الراهب، وكان رأس الأوس في الجاهلية وكان مترهبًا، فلما جاء الإسلام خذل، فلم يدخل فيه، وجاهر رسول الله ﷺ بالعداوة فدعا عليه ﷺ فخرج من المدينة إلى مكة ولم يرجع إليها إلا مع جيش المكيين يوم أحد.
وقد اجتمع العرب على ما دعتهم إليه قريش، غير أنهم رفضوا الخروج بالنسوة، وقالوا: إننا نخشى أن تكون الدائرة علينا، ونعيش العار والفضيحة١.
ج- اصطحاب قريش للنسوة:
خرجت قريش بحدها، وجدها، وحديدها، وأحابيشها، ومن تابعها من بني كنانة، وأهل تهامة، ثم أمر أبو سفيان باصطحاب عدد من النسوة ليباشرن عملية التحريض، ويقمن بشحن المقاتلين، ومنعهم من الفرار حرصًا على الكرامة وحماية للعرض، فلما وجه أبو سفيان قومه لذلك خرج كبارهم بالظعن معهم التماس الحفيظة والحماسة، وبذل أقصى الجهد لحماية العرض والشرف، وقد بلغ عدد الخارجات خمس عشرة امرأة كلهن من قريش بعد أن رفض الأعراب والأحابيش خروج النساء.
وقد خرج أبو سفيان بن حرب وهو قائد الناس بهند بنت عتبة زوجته.
وخرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة.
وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة.
وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية، وهي أم عبد الله بن صفوان بن أمية.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٠١، ٢٠٢.
[ ٣٢٥ ]
وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبد الله بن عمرو وخرج طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بسلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية وهي أم بني طلحة مسافع، والجلاس، وكلاب وقد قتلوا يومئذ مع أبيهم.
وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بني مالك بن حسل مع ابنها أبي عزيز بن عمير، وهي أم مصعب بن عمير.
وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة.
وكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشي أو مر بها قالت: ويها أبا دسمة اشف واستشف، وكان وحشي يكنى بأبي دسمة١.
وكان لهؤلاء النسوة دور بارز خلال المعركة، فكن ينشدن الشعر، ويحمسن الرجال، ويخوفونهم من عار الهزيمة وذل الانكسار، الأمر الذي ظهر أثره في سير القتال يوم "أحد".
د- التحرك نحو المدينة:
تابع جيش مكة سيره على الطرق الغربية الرئيسية المعتادة، ولما وصل إلى "الأبواء"٢. اقترحت هند بنت عتبة -زوج أبي سفيان- أن ينبش القرشيون قبر أم رسول الله ﷺ آمنة ﵂، بيد أن قادة الجيش رفضوا هذا الطلب، وحذروا من العواقب الوخيمة التي تلحقهم لو فتحوا هذا الباب، فلعل الدارة تكون عليهم؛ ولأنه عمل يجلب الخزي والعار لفاعله٣.
واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة فاستراح عند مدينة تسمى "الصمغة" وأطلق الإبل والخيل ترعى، وبعدها تابع الجيش مسيرته، فسلك وادي العقيق، ثم انحرف منه إلى ذات اليمين، حتى نزل قريبًا من جبل "أحد" في مكان يقال له عينين٤، في بطن السبخة، ومن قناة على شفير الوادي، الذي يقع شمالي المدينة، فعسكر هناك يوم الجمعة
_________________
(١) ١ سيرة الرسول ج٢ ص٦٠. ٢ الأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء قرية صغيرة قرب المدينة. ٣ المغازي ج١ ص٢٠٦. ٤ عينين "بفتح العين تثنية عين" اسم من أسماء جبل أحد، أو اسم جزء منه.
[ ٣٢٦ ]
السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة١.
هـ- التعبئة النفسية:
أدى اصطحاب النسوة إلى بعث روح الحماس في جيش قريش، فقد كن يولولن ويذكرن بقتلى "بدر" ويدرن على المقاتلين محرضات حتى لا يضعفون.
وقد أخذ أبو سفيان يحرض رجاله كذلك على الثبات والقتال بوسائل ماكرة، فقال لأصحاب اللواء من بني عبد الدار: يا بني عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا، ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك الذي أراده أبو سفيان.
وشاركت هند زوجها أبا سفيان في هذه المهمة مع باقي النسوة، فإنه لما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم على القتال، فقالت هند فيما تقول:
ويها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
ضربًا بكل بتار
وتقول:
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
والحرب المعنوية:
قبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين فأرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول لهم: خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم، ولكن أين هذه المحاولة أمام إيمان الأنصار الراسخ، ولذا رد عليه الأنصار ردًا عنيفًا، وأسمعوه ما يكره.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٠٧.
[ ٣٢٧ ]
واقتربت ساعة الصفر، وتدانت الفئتان، فقامت قريش بمحاولة أخرى لنفس الغرض، فقد خرج إليهم عميل خائن يسمى أبو عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي، وكان يسمى الراهب، فسماه رسول الله ﷺ الفاسق، وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به، وجاهر رسول الله ﷺ بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله ﷺ، ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه، ومالوا معه، فكان أول من خرج إلى المسلمين في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى قومه وتعرف عليهم، وقال: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر فقالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق.
فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر وقاتلهم قتالا شديدًا ورماهم بالحجارة.
وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية للتفريق بين صفوف أهل الإيمان مما جعلهم يزدادون خوفًا من المسلمين، ويمتلئون هيبة من لقائهم١.
ز- عدة الجيش المكي وتنظيمه:
تجمع مشركو مكة، والأحباش، وأعراب البوادي، وبنو ثقيف لحرب رسول الله ﷺ وحصار المدينة حتى بلغ عددهم ألفين وتسعمائة مقاتل، منهم سبعمائة دارع، والباقون رماة وكان مع الجيش مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير بالإضافة إلى ما كان معهم من نساء.
سار الجيش المكي حتى قرب من المدينة وعند "أحد" نظم القرشيون جيشهم للقتال فاصطفوا صفًا واحدًا، وأمنوا الميمنة، والميسرة، فجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وحمل اللواء طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار، وولوا قيادة الخيل لـ"صفوان بن أمية" وجعلوا قيادة الرماة لـ"عبد الله بن أبي ربيعة"٢.
وتولى القيادة العامة أبو سفيان بن حرب لهلاك أكابرهم في "بدر".
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ج٢ ص٦٧. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٦٧.
[ ٣٢٨ ]
٢- موقف المسلمين:
تأهبت قريش لقتال المسلمين، وأخذت عدتها لتثأر لهزيمتها في "بدر" وسارت نحو المدينة في قوات ضخمة، وأسلحة عديدة، دفعت المحبين لرسول الله ﷺ أن يرسلوا له بخبر وسارت الأمور على نحو يحتم ضرورة القتال والمواجهة كما يتضح من النقاط التالية:
أ- العلم بموقف العدو:
أول من أرسل إلى رسول الله ﷺ يخبره بما عزم عليه القرشيون العباس عم النبي ﷺ حيث كتب كتابًا إلى رسول الله ﷺ مع رجل من بني غفار، يخبره بذلك، فقدم عليه الرجل وهو في قباء، فقرأه عليه أبي بن كعب، فطلب النبي ﷺ من أبي أن يكتم الخبر.
وقال له: "لا تطلع عليه أحدًا".
ونزل رسول الله ﷺ على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس.
فقال: "والله إني لأرجو أن يكون في ذلك خير" ١.
وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر وقد فارقوا قريشًا من ذي طوى، فأخبر النبي ﷺ بخبر أهل مكة وانصرفوا٢.
وبعث رسول الله ﷺ أنسًا ومؤنسًا ابني فضالة ليلة الخميس عينين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى النبي ﷺ فأخبراه بما رأوا٣.
وبعث رسول الله ﷺ الحباب بن المنذر بن الجموح فنظر إليهم، وعاد وقد حرز عددهم وما معهم، فقال ﷺ: "لا تذكروا من شأنهم حرفًا، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول، وبك أصول" ٤.
وطلب رسول الله ﷺ من أصحابه الاستعداد لملاقاة الكفار، بعدما أشار إليهم وعرفهم.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٠٦. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص١١٤. ٣ إمتاع الأسماع ج١ ص١١٥. ٤ سيرة النبي ج٢ ص٦٣.
[ ٣٢٩ ]
وباتت وجوه الأوس والخزرج ليلة الجمعة لست مضين من شوال، عليهم السلاح في المسجد، بباب النبي ﷺ، خوفًا من بيات المشركين، وحرست المدينة حتى أصبحوا.
ب- رؤيا رسول الله ﷺ:
رأى رسول الله ﷺ رؤيا، فلما أصبح يوم الجمعة، واجتمع الناس خطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس، إني رأيت في منامي رؤيا رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم، من عند ظبته -أي انكسر وتتلم من عند طرفه- ورأيت بقرًا تذبح، ورأيت كأني مردف كبشًا".
فقال الناس يا رسول الله، فما أولتها؟
قال ﷺ: "أما الدرع الحصينة فالمدينة، فامكثوا فيها، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي، أو قتل رجل من أهل بيتي وأما البقر المذبح فقتلى في أصحابي وأما أني مردف كبشًا فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله، ويراد به طلحة بن أبي طلحة"، وقد حدث١.
ج- المشاورة في خطة المواجهة:
جمع رسول الله ﷺ أهل الرأي من الصحابة ليشتركوا معه في وضع خطة للجهاد، والمقاومة، فقال ﷺ: "أشيروا عليّ أيها الناس".
فتكلم الصحابة، واختلفوا في الرأي، حيث رأى أغلبهم الخروج لملاقاة الكفار خارج المدينة ورأى القليل غير ذلك.
وكان رأي رسول الله ﷺ ألا يخرج من المدينة، ووافقه عبد الله بن أبي، والأكابر من الصحابة مهاجرهم، وأنصارهم.
وقال ﷺ: "امكثوا في المدينة، واجعلوا النساء والذراري في الآطام فإن دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقة، فنحن أعلم بها منهم، ونرميهم من فوق الصياصي والآطام، وكان هذا هو الرأي وبخاصة أن الصحابة قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية حتى صارت كالحصن".
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٧ ص٣٤٦.
[ ٣٣٠ ]
وقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرًا وطلبوا الشهادة وأحبوا لقاء العدو: اخرج بنا إلى عدونا.
وقال حمزة، وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك بن ثعلبة، في طائفة من الأنصار: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم، جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فساقه الله إلينا في ساحتنا.
وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعامًا، حتى أجالدهم بسيفي خارجًا من المدينة.
وتكلم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وإياس بن أوس بن عتيك ورأوا الخروج للقتال.
فلما رأى ﷺ ذلك، وأشار الكثيرون بالخروج من المدينة، ولم ينزل وحي محدد في هذا الأمر صلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس فوعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا، ففرح الناس بالخروج من المدينة لقتال عدوهم، وكره ﷺ ذلك المخرج إلا أنه وافقهم ونزل على رأيهم ما دام لم ينزل فيه وحي من الله تعالى١.
صلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس فوعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا، ففرح الناس بالخروج من المدينة لقتال عدوهم، وكره ﷺ ذلك المخرج إلا أنه وافقهم ونزل على رأيهم ما دام لم ينزل فيه وحي من الله تعالى١.
صلى رسول الله ﷺ العصر بالناس وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ورفعوا النساء في الآطام، ودخل ﷺ بيته، ومعه أبو بكر وعمر بن الخطاب ﵄ فعمماه ولبساه، واصطف الناس له ما بين حجرته إلى منبره، فجاء سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير فقالا للناس: قلتم لرسول الله ﷺ ما قلتم، واستكرهتموه على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء فردوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم فيه له هوى أو رأي فأطيعوه.
فبينا هم على ذلك إذ خرج رسول الله ﷺ قد لبس لأمته ولبس الدرع فأظهرها، وحزم وسطها، بمنطقه من حمائل سيف، واعتم وتقلد السيف.
فقال الذين يلحون: يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك.
فقال ﷺ: "قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، انظروا ما أمرتكم به فاتبعوه، امضوا على اسم الله
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ج٢ ص٦٣، ٦٤.
[ ٣٣١ ]
فلكم النصر ما صبرتم١.
د- رد الغلمان:
عسكر الجيش الإسلامي بالشيخين، وفيها طلب النبي ﷺ رؤية صغار من خرج مع الجيش للجهاد، فعرضوا جميعًا عليه ﷺ وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد بن ثابت، والنعمان بن بشير، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، وأبو سعيد الخدري، وسعد بن حبتة الأنصاري، وسمرة بن جندب، ورافع بن خديج، فردهم، ثم أجاز رافع بن خديج لأنه رام، فقال سمرة بن جندب لزوج أمه مري بن سنان: أجاز رسول الله ﷺ رافع بن خديج وردني وأنا أصرعه، فأعلم بذلك رسول الله ﷺ فقال: تصارعا، فصرع سمرة رافعًا فأجازه٢.
هـ- تنظيم الحراسة الليلية:
لما فرغ العرض، وغربت الشمس، أذن بلال بالمغرب فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه ثم أذن بالعشاء فصلى بهم، واستعمل على الحرس محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر، وقال ﷺ حين صلى العشاء: "من يحفظنا الليلة"؟.
فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ: "من أنت"؟.
قال: ذكوان بن عبد قيس.
قال ﷺ: "اجلس". ثم قال ﷺ: "من رجل يحفظنا هذه الليلة"؟.
فقام رجل فقال: أنا.
فقال رسول الله ﷺ: "من أنت"؟.
قال: أنا أبو سبع.
قال ﷺ: "اجلس"، ثم قال ﷺ: "من رجل يحفظنا الليلة"؟.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٦٦. ٢ الطبقات الكبرى ج٢ ص٣٩.
[ ٣٣٢ ]
فقام رجل فقال: أنا.
فقال ﷺ: "من أنت"؟.
قال: ابن عبد القيس.
قال ﷺ: "اجلس"، ومكث رسول الله ﷺ ساعة.
ثم قال: "قوموا ثلاثتكم".
فقام ذكوان بن عبد قيس.
فقال رسول الله ﷺ: "أين صاحباك"؟.
فقال ذكوان بن عبد قيس: أنا الذي كنت أجبتك الليلة.
قال ﷺ: "فاذهب، حفظك الله".
فقام ذكوان بن عبد قيس فلبس درعه، وأخذ درقته، فكان يطيف بالعسكر ليلته ويقال بل كان يحرس رسول الله ﷺ ولم يفارقه، وبذلك نام المسلمون ليلتهم آمنين استعدادًا للقاء عدو الله وعدوهم١.
وتنظيم الجيش الإسلامي في أحد:
نام ﷺ حتى إذا كان السحر قال: أين الأدلاء؟
فلما جاءوا إليه قال لهم ﷺ: "من رجل يدلنا على طريق يخرجنا على القوم من كثب"؟.
فقام أبو حثمة الحارثي فقال: أنا يا رسول الله.
فخرج ﷺ فركب فرسه، فسلك به في حرة بني حارثة، فذب فرس أبي بردة بن نيار بذنبه فأصاب كلاب سيفه فسل سيفه، فقال رسول الله ﷺ: "يا صاحب السيف، شم سيفك، فإني إخال السيوف ستسل فيكثر سلها" ٢.
دعا رسول الله ﷺ بثلاثة أرماح لعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى حباب بن المنذر بن الجموح، ويقال إلى سعد بن عبادة
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢١٧. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص١٢٠.
[ ٣٣٣ ]
ودفع لواء المهاجرين إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه١.
ثم ركب فرسه، وتقلد القوس، وأخذ قناة بيده، والمسلمون عليهم السلاح فيهم مائة دارع.
وخرج سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ ﵁ أمامه يعدوان والناس عن يمينه، وشماله حتى انتهى إلى رأس الثنية، عند مكان يقال له الشيخان، نسبة إلى شيخ وشيخة عمياوان كانا يجلسان في الجاهلية فوقه يتناجيان.
وهناك رأى ﷺ كتيبة خشناء لها جلبة وضجيج فقال ﷺ: "ما هذه"؟.
فقالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول من اليهود.
فقال ﷺ: "لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك وردهم" ٢.
ومضى فعسكر بالشيخين قريبًا من أحد، ولبس درعه الأول، وبعد استراحة الجيش أخذ سيره إلى أحد.
وفي الطريق عند "الحائط" رجع عبد الله بن أبي ومن معه من أهل النفاق، وهم ثلاثمائة رجل وهو يقول: عصاني وأطاع الولدان، ومن لا رأي له، ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ارجعوا أيها الناس، فرجعوا.
فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام "وكان خزرجيًا كابن أبي".
فقال رضي الله عليه: أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم، ونبيكم بعدما حضر عدوهم.
قالوا: لو نعلم قتالا ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال.
فلما أبوا قال: أبعدكم الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
ولما راآ بنو سلمة من الأوس، وبنو حارث بن الخزرج عبد الله بن أبي قد خذل، هموا بالانصراف، وكانوا جناحين من المعسكر، ثم عصمهما الله، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الطبقات ج٢ ص٣٩، ٤٠. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٦٤. ٣ سورة آل عمران: ١٢٢.
[ ٣٣٤ ]
فعن جابر ﵁: نزلت هذه الآية فينا ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة، وقد عصمهما الله فثبتا ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ .
وقالت طائفة من الأوس لرسول الله ﷺ لما رجع ابن أبي: يا رسول الله ألا تستعين بحلفائنا من يهود بني قريظة، وذلك لأن بني قريظة من حلفاء سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس؟!
فقال ﷺ: "لا حاجة لنا فيهم".
وتحرك الجيش الإسلامي إلى أحد، فبلغها عند صلاة الفجر يوم الخامس عشر من شوال، وهو "يوم المعركة" فأذن بلال وأقام، وصلى ﷺ بأصحابه الصبح صفوفًا.
وهكذا أراد الله تعالى للمسلمين أن يكونوا وحدهم حماة دينهم، ليعيشوا المسئولية كاملة، ولينتفعوا بما في الجهاد من خير في الدنيا والآخرة، ولذا تطهر الصف الإسلامي من المنافقين وغيرهم، ورفض رسول الله ﷺ أن يستعين بغير المسلمين.
ونزل رسول الله ﷺ الشعب من "أحد" ونظم جيشه في عدوة الوادي إلى الجبل، وجعل ظهره وعسكره إلى "أحد"، ولبس درعه الثانية فوق الأولى، ومغفرًا فوقها، وبيضة فوق المغفر، ثم قال: "لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال".
وقد سخرت قريش الظهر والكراع، في زروع كانت بالصمغة، من قناة المسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال: أترعى زروع بني قبيلة، ولما نضارب١.
وتعبأ رسول الله ﷺ للقتال، وسبعمائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، وهو معلم يومئذ بثياب بيضاء، وكان الرماة خمسين رجلا، فقال لهم ﷺ: "انضحوا عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبتوا مكانكم لا نؤتين من قبلكم". ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، أخي بني عبد الدار.
وكان المسلمون سبعمائة مقاتل فيهم مائة دارع، وفرسان أحدهما لرسول الله ﷺ والآخر لأبي بردة بن نيار.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص ١١٥.
[ ٣٣٥ ]
وصف رسول الله ﷺ أصحابه، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمرو الغنوي.
ثم قام ﷺ فخطب الناس فقال: "يا أيها الناس أوصيكم بما أوصاني به الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه ثم وطن نفسه له على الصبر واليقين، والجد، والنشاط، فإن جهاد العدو شديد كريه قليل من يصبر عليه إلا من عزم الله له رشده، فإن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه، فافتتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به فإني حريص على رشدكم، وإن الاختلاف، والتنازع، والتثبيط، من أمر العجز، والضعف، وهو مما لا يحب الله، ولا يعطي عليه النصر، ولا الظفر.
يا أيها الناس حدد -تأكد- في صدري أن من كان على حرام فرق الله بينه وبينه ورغب له عنه غفر الله له ذنبه، ومن صلى عليّ صلاة صلى الله عليه وملائكته عشرًا، ومن أحسن من مسلم أو كافر وقع أجره على الله في عاجل دنياه أو آجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا صبيًا، أو امرأة، أو مريضًا أو عبدًا مملوكًا، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه، والله غني حميد.
ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه.
وإنه نفث في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية ربكم، فإنه لا يقدر على ما عنده إلا بطاعته.
إن الله تعالى قد بين لكم الحلال والحرام، غير أن بينهما شبهًا من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم الله، فمن تركها حفظ عرضه ودينه ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيها، وليس ملك إلا وله حمى ألا وإن حمى الله محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده،
والسلام عليكم"١.
وهكذا وجه رسول الله ﷺ وأصحابه إلى عوامل النصر، والغلبة، وأساسها إعداد العدة، والصبر، واللجوء إلى الله وحسن الطاعة والانقياد، وأداء الواجبات، وصدق التوكل، وإخلاص التقوى، وتقدير محارم الله تعالى، والإيمان التام بقدره ﷾.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٢١، ١٢٢.
[ ٣٣٦ ]
ثالثا: أحداث المعركة
مدخل
ثالثًا: أحداث المعركة
بدأت قريش بالهجوم حيث قام أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي مع مجموعة بلغ عددها خمسين مقاتلا بالهجوم على المسلمين، فنشبت الحرب بعدها.
وكان أبو عامر قد ترك المدينة، ورحل إلى مكة بعد "بدر" واصطحب معه خمسة عشر رجلا من الأوس، وكون بهم قوات خاصة، بعدما انضم إليهم خمسة وثلاثون رجلا من عبيد أهل مكة.
وكان أبو عامر يزعم لأهل مكة أنه إذا نادى الأوس جميعًا، وهم يحاربون في صف المسلمين يستجيبون له وينحازون لقريش.
فلما بدأ القتال نادى قومه وقال: يا معشر الأوس أنا أبو عامر.
فأجابه الأوس: لا مرحبًا بك، ولا أهلا، يا فاسق.
فقال أبو عامر: لقد أصاب قومي بعدي شر١.
وتراموا بالحجارة ساعة حتى ولى.
وقد مرت المعركة بثلاث مراحل، كانت الأولى مرحلة انتصار كاسح للمسلمين وكانت الثانية خسارة للمسلمين، وكانت الثالثة مرحلة صمود المسلمين ومقاومتهم، وبيان هذه المراحل فيما يلي:
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٦٧.
[ ٣٣٧ ]
المرحلة الأولى للقتال انتصار المسلمين:
اشتد وطيس المعركة، وكان أول البشائر فيها مقتل حامل لواء قريش طلحة بن أبي طلحة بعدما نادى بالمبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام ﵁ ووثب على جمله، وأمسك به وأنزله على الأرض، وذبحه بسيفه، فكبر المسلمون، وسر رسول الله ﷺ لمقتل طلحة الذي كان يعرف بـ"كبش الكتيبة" لشجاعته، وقوته١.
واندلع القتال بعد مقتل طلحة في كل أرض المعركة، وشد المسلمون على لواء المشركين لأهميته في هزيمتهم، وقد تمكن المسلمون من حملة اللواء حتى أفنوهم جميعًا، لأنه بعد مقتل طلحة حمل اللواء، أخوه عثمان بن طلحة فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه حتى وصلت إلى سرته، فبانت رئته.
ثم رفع اللواء أبو سعد بن أبي طلحة، فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته فأدلع لسانه ومات لحينه، وقيل: بل خرج أبو سعد يدعو إلى المبارزة، فتقدم إليه علي بن أبي طالب فاختلفا ضربتين فضربه علي فقتله.
ثم رفع اللواء مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بسهم فقتله.
فحمل اللواء بعده أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فانقض عليه الزبير بن العوام وقاتله حتى قتله.
ثم حمل اللواء أخوهما الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة، فطعنه طلحة بن عبيد الله طعنة قضت على حياته، وقيل: بل رماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بسهم فقضى عليه.
ثم حمله من بني عبد الدار أرطأة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، وقيل حمزة بن عبد المطلب.
ثم حمله شريح بن قارظ فقتله قزمان، وكان منافقًا قاتل مع المسلمين حمية، لا عن الإسلام ثم حمله أبو زيد بن عبد مناف العبدري فقتله قزمان أيضًا.
ثم حمله ولد لشرحبيل بن هاشم العبدري فقتله قزمان أيضًا.
فتقدم غلام حبشي اسمه صواب فحمل اللواء، وأبدى من صنوف الشجاعة والثبات، ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله، فقد قاتل حتى قطعت يداه، فبرك على اللواء بصدره وعنقه، لئلا يسقط حتى قتل وهو يقول: اللهم هل أعذرت،
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٢٥.
[ ٣٣٨ ]
يعني هل أعذرت؟ أمام سادته المكيين.
وبعد أن قتل هذا الغلام -صواب- سقط اللواء على الأرض، ولم يبق أحد يحمله فبقي ساقطًا١.
وأخذ المسلمون يهتفون بشعار يوم أحد "أمت، أمت"، وينزلون بأعدائهم الضرب والقتل، ويشدون عليهم في كل ناحية، ويبرزون من ضروب الفداء والتضحية ما يعده المؤرخون أمثلة خالدة في إطار الجهاد، وحب الله ورسوله ومن هذه الأمثلة:
١- قتال أبي دجانة ﵁:
أقبل أبو دجانة ﵁ معلمًا بعصابته الحمراء، آخذًا بسيف رسول الله ﷺ، مقبلا على الجهاد والنصر، فقاتل حتى أمعن في المشركين، وكان لا يلتقي بمشرك إلا وقتله، وأخذ يهد صفوف المشركين هدًا ويفرقهم بددًا.
يقول الزبير بن العوام ﵁: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة، وقلت في نفسي: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه، فسألته إياه قبله، فآتاه إياه، وتركني، والله لأنظرن ما يصنع؟
فاتبعته فرأيته قد أخرج من جيبه عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه.
فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، فلبسها وخرج وهو يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول
فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحًا إلا أجهز عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه أبو دجانة بدرقته، فعضه بسيفه، فضربه أبو دجانة فقتله.
ثم أمعن أبو دجانة في هد الصفوف، حتى خلص إلى قائدة نسوة قريش وهو لا يدري بها.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٢٥-٢٢٨ بتصرف.
[ ٣٣٩ ]
قال أبو دجانة: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا هو امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة، وكانت تلك المرأة هي هند بنت عتبة.
يقول الزبير بن العوام: رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها، فقلت: الله ورسوله أعلم١.
٢- قتال حمزة بن عبد المطلب ﵁:
وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث الأبطال، فقد اندفع إلى قلب جيش المشركين في شجاعة منقطعة النظير، ففر من أمامه أبطال قريش، وتطايروا كما تتطاير الأوراق أمام الرياح العاتية، واستمر في اندفاعه ﵁ حتى صرعه وحشي، وهو مختبئ في مكنه، أملا في الحرية التي وعده بها سيده جبير بن مطعم، ولينال رضى هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.
يروي البخاري بسنده قصة استشهاد حمزة كا رواها وحشي بعدما أسلم فيقول: إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم، إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر.
فلما خرج الناس عام عينين خرجت مع الناس، إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل من مبارز؟
فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع يابن أم أنمار، مقطعة البظور أتحاد الله روسوله ﷺ؟
ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي، فوضعتها في ثنيته، حتى خرجت من بين وركيه، فكان ذاك العهد به.
فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة، حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسولا، فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٤ ص١٥، ١٦.
[ ٣٤٠ ]
فلما رآني قال ﷺ: "أنت وحشي"؟.
قلت: نعم.
قال ﷺ: "أنت قتلت حمزة"؟.
قلت: قد كان من الأمر ما بلغك.
قال: "فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني"؟.
قال: فخرجت١.
وبهذه الطريقة استشهد حمزة ﵁ يوم "أحد"، وجاءت هند إلى جسده فمثلت به، وأخرجت كبده، ولاكته في فمها لغلها الدفين، وحقدها الكامن، ولكنها لم تتمكن من أكله، فلفظته، وقد حزن النبي ﷺ كثيرًا لموت حمزة ﵁ ولذلك أبعد وجهه عن رؤية وحشي رغم أن وحشيًا كان قد أسلم، وحسن إسلامه.
وقد غسلت الملائكة حمزة بعدما احتلم في نومه، أثناء النعاس الذي رزقه الله للمؤمنين أثناء المعركة.
ومن العجيب أن وحشيًا لم يشترك في القتال ولم يقتل غير حمزة يوم أحد لأنه لم يأت مع الجيش إلا لهذه الغاية، ولما أسلم اشترك في حرب الردة بعد وفاة رسول الله ﷺ وقتل مسيلمة الكذاب وجاهد في الله حق الجهاد، ولله في خلقه شئون٢.
٣- تعدد البطولات:
برغم هذه الخسارة الفادحة التي لحقت بالمسلمين بقتل أسد الله، وأسد رسوله ﷺ ظل المسلمون مسيطرين على الموقف كله، فقد قاتل يومئذ أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن جحش، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وأنس بن النضر، وأمثالهم ﵃ قتالا فل عزائم المشركين، وفتت أعضادهم، وفرق جمعهم، ودفعهم إلى ترك ميدان المعركة ففروا إلى قمم الجبل٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري. ك المغازي باب قتل حمزة ج٦ ص٣٠٣. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب قتل حمزة ج٦ ص٣٠٢، ٣٠٤. ٣ البداية والنهاية ج٤ ص٢١.
[ ٣٤١ ]
٤- بطولة حنظلة الغسيل:
وكان من أبطال الجهاد يومئذ حنظلة الغسيل، وهو حنظلة بن أبي عامر، وأبو عامر هذا هو الذي سمي بالفاسق، كان حنظلة حديث عهد بالعرس، فلما سمع هواتف الحرب، وهو على امرأته، انخلع من أحضانها، وقام من فوره إلى الجهاد، فلما التقى بجيش المشركين في ساحة القتال، أخذ يشق الصفوف، حتى خلص إلى قائد المشركين أبي سفيان بن حرب، وكاد يقضي عليه لولا أن أتاح الله له الشهادة، فقد شد على أبي سفيان، فلما استعلاه، وتمكن منه رآه شداد بن الأسود فضربه بالسيف حتى قتله، فغسلته الملائكة ولذلك سمي بحنظلة الغسيل١.
٥- جهاد الرماة:
وكان للفصيلة التي عينها الرسول ﷺ على جبل الرماة يد بيضاء في إدارة دفة القتال لصالح الجيش الإسلامي، فقد هجم فرسان من جيش مكة بقيادة خالد بن الوليد، يساندهم أبو عامر الفاسق، ثلاث مرات على الرماة ليحطموا جناح الجيش الإسلامي الأيسر، ويتسربوا إلى ظهور المسلمين، فيحدثوا البلبلة والارتباك في صفوفهم، وينزلوا عليهم هزيمة ساحقة، ولكن هؤلاء الرماة رشقوهم بالنبل حتى فشلت هجماتهم٢.
وهكذا ظهرت البطولات الإسلامية، وانهارت مقاومة المكيين فولوا الأدبار، وفروا هاربين فوق الجبل، وكادت أن تنتهي المعركة بهذا النصر الحاسم، لولا خطأ وقع فيه الرماة، أدى إلى تغير الوضع، وتحول النصر إلى هزيمة وانكسار، وهو ما حدث في المرحلة الثانية.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج٣ ص٢٢. ٢ انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج٢١ ص٥٣، ٥٤.
[ ٣٤٢ ]
المرحلة الثانية للقتال هزيمة المسلمين:
لما انهزم المشركون، وولوا الأدبار، أقبل المسلمون على الغنائم والأسلاب، وهنا جاء خطأ الرماة تركوا الجبل، وخالفوا أمر رسول الله ﷺ الذي ذكره لهم وهو ينظم المعركة، وغرتهم الأسلاب والغنائم، وقال بعضهم لبعض: تقيمون ها هنا في غير شيء؟
قد هزم الله العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم! فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم!!
فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال لكم: "احموا ظهورنا، ولا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن غنمنا فلا تشركونا".
فقال الآخرون: لم يرد رسول الله هذا، وانطلقوا، فلم يبق منهم مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا دون العشرة، وذهبوا إلى عسكر المشركين ينتهبون١.
انتهز خالد بن الوليد فرصة ترك الرماة لمكانهم، وكان قريبًا منه على ميمنة خيل المشركين، فهجم على موضع الرماة، واحتله بفرسانه، وتمكن وجنوده من قتل قائد الرماة عبد الله بن جبير ﵁ وجرح من بقي معه، ولم يفطن المسلمون لهذه المباغتة، وصاح خالد في قريش ليعودوا إلى الميدان مرة أخرى، ويلتقوا وراء المسلمين، فعادت قوات قريش المهزومة للقيام بهجوم جديد، بينما خالد وفرسانه يحكمون قبضتهم على جبل الرماة، الموجود خلف المسلمين، وبذلك أصبح المسلمون محاطين من كافة جوانبهم، وتحرج موقفهم وصاروا عرضة للسهام تأتيهم من كل جانب، فانهارت مقاومتهم، وبخاصة أن صفوفهم لم تكن ثابتة في مواضعها، لتستطيع الصمود بعد تبعثر أفرادها لجمع الغنائم.
تفككت صفوف المسلمين وقام إبليس بمهمته فنادى عند جبل عينين وظهر للناس في صورة جعال بن سراقة وصرخ في الناس إن محمدًا قد قتل، ثلاث صرخات دوت في الوادي٢.
وبهذه الصورة تحول الموقف بسرعة كبيرة، وعاد المشركون من هزيمتهم إلى انتصار يتحقق، وبعدما كان المسلمون يعيشون فرحة الانتصار صاروا إلى هزيمة مؤلمة، وتخبط حالهم، واختلط توجههم، وتداخل المسلمون، وصاروا يقتتلون فيما بينهم، ويضرب بعضهم بعضًا ولا يشعرون بسبب ما هم فيه من العجلة، والدهشة، والمفاجأة.
وجرح أسيد بن حضير جرحين، ضربه أحدهما أبو بردة بن نيار وهو لا يدري.
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري كتاب المغازي ج٦ ص٢٨٧. ٢ المغازي ج١ ص٢٣٢ وهذا ابتلاء نزل بجعال لأنه كان يقاتل في صفوف المسلمين فظن المسلمون أنه ارتد حين صاح إبليس فيهم.
[ ٣٤٣ ]
وضرب أبو زعنة أبا بردة ضربتين وما يشعر.
والتقت أسياف المسلمين على اليمان حسيل بن جابر وهم لا يعرفونه حين اختلطوا، وحذيفة يقول أبي، أبي حتى قتل، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، فزادته مقالته هذه عند رسول الله خيرًا، وأمر رسول الله ﷺ بديته أن تخرج، فتصدق حذيفة بن اليمان بديته على المسلمين، ويقال: إن الذي أصابه عتبة بن مسعود، وأقبل الحباب بن المنذر بن الجموح يصيح: يا آل سلمة!! فأقبلوا إليه جماعة واحدة: لبيك داعي الله! فيضرب يومئذ جبار بن صخر في رأسه وما يدري١.
ولم ينقذهم من هذا الاضطراب إلا ظهور صيحتهم التي تميز المسلم من المشرك فأظهروا الشعار بينهم، فجعلوا يصيحون: أمت أمت! فكف بعضهم عن بعض.
وأصاب الوهن المسلمين، وتصوروا أن دولتهم قد زالت، وأن كيانهم تهدم، وبخاصة بعدما سمعوا صيحة إبليس المؤذنة بقتل رسول الله ﷺ.
لقد زعزعت صيحة إبليس المعسكر الإسلامي كله، وفي نفس الوقت قوت عزيمة المشركين لشعورهم بقرب تحقيق أمانيهم، ولم يدم ذلك الحال طويلا، فلقد جاء الخبر بسلامة رسول الله ﷺ ونجاته.
وكان أول من بشرهم بسلامة رسول الله ﷺ كعب بن مالك، فجعل يصيح ورسول الله ﷺ يشير إليه بإصبعه على فيه أن "اسكت". ودعا بلأمة كعب فلبسها، ونزع لأمته فلبسها كعب، وقاتل كعب حتى جرح سبعة عشر جرحًا لشدة قتاله.
وأخذ أبو سفيان في البحث عن حقيقة خبر مقتل رسول الله ﷺ لتهدأ نفسه، ويتيقن من تحقيق هدف المشركين الأول، فأخذ يسأل من يقابله، ويقول: يا معشر قريش أيكم قتل محمدًا؟
فقال ابن قمئة: أنا قتلته.
قال أبو سفيان: نسورك كما تفعل الأعاجم بأبطالها.
وأخذ أبو سفيان يطوف بأبي عامر في أرض المعركة عساه يرى محمدًا ويتأكد من قتله؟
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٣٤.
[ ٣٤٤ ]
ولما تصفح أبو سفيان القتلى قال: ما نرى مصرع محمد؟ كذب ابن قميئة.
ولقي أبو سفيان خالد بن الوليد فقال: هل تبين عندك قتل محمد؟
قال خالد: رأيته قبل قليل في نفر من أصحابه، مصعدين في الجبل.
قال أبو سفيان: هذا حق، كذب ابن قمئة، زعم أنه قتله١.
وهنا تغير الأمر ثانية وانكسرت شوكة الحماس القرشي وفترت حدتهم، وثبتت فئة مع رسول الله ﷺ، وأخذ المسلمون يفيئون إلى رسول الله ﷺ فتماسكت قوتهم، وتمكنوا من الصمود حتى انتهت المعركة.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٣٦، ٢٣٧.
[ ٣٤٥ ]
المرحلة الثالثة للقتال الصمود الإسلامي:
أدت مخالفة الرماة للأوامر التي تلقوها من رسول الله ﷺ إلى انكسار الجيش الإسلامي وتفكك صفوفه، وفرار المسلمين إلى الجبل في كل جوانبه.
ولما انكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ لم يبق منهم معه ﷺ إلا نفر يسير، ولم يبق للمسلمين لواء قائم ولا فئة ثابتة، وأخذت خيل المشركين تجوسهم مقبلة ومدبرة، في جنبات الوادي، وتجمع المشركون، يلتقون ولا يتفرقون، ما يرون أحدًا من الناس يردهم بعدما فر المسلمون، وصعدوا إلى الجبل، وقد استشهد من المسلمين من أكرمه الله تعالى بالشهادة ولولا ثبات النبي ﷺ وشجاعته لكانت النكسة الماحقة، ولوقعت الهزيمة التي لا انتصار بعدها.
روى البيهقي عن المقداد بن عمرو ﵁ قال: أوجع المشركون والله فينا قتلا ذريعًا، ونالوا من رسول الله ﷺ ما نالوا، ألا والذي بعثه بالحق ما زال رسول الله ﷺ شبرًا واحدًا، وإنه لفي وجه العدو، ويفيء إليه طائفة من أصحابه مرة، وتفترق عنه مرة، فربما رأيته قائمًا يرمي عن قوسه ويرمي بالحجر حتى تحاجزوا، وثبت رسول الله ﷺ في عصابة ثبتت معه١.
وقال محمد بن عمر: ثبت رسول الله ﷺ مكانه، ما يزول قدمًا واحدًا بل وقف في
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٠٤.
[ ٣٤٥ ]
وجه العدو، وما يزال يرمي عن قوسه، حتى تقطع وتره، وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرًا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له.
فقال عكاشة ﵁: يا رسول الله لا يبلغ الوتر.
فقال ﷺ: "مده فيبلغ".
قال عكاشة ﵁: فوالذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ، وطويت منه لبتين أو ثلاثًا على سية القوس١.
ثم أخذ رسول الله ﷺ قوسه، فما زال يرمي به، وأبو طلحة يستره متترسًا عنه، حتى تحطمت القوس وصارت شظايا، وفنيت نبله، فأخذ القوس قتادة بن النعمان فلم تزل عنده، ورمى رسول الله ﷺ بالحجارة وكان أقرب الناس إلى العدو.
وثبت معه ﷺ خمسة عشر رجلًا، ثمانية من المهاجرين هم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح ﵁، وسبعة من الأنصار هم: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وسعد بن معاذ، وقيل: سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة ﵁ ويقال: ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودع! ٢.
وصان الله رسوله من كيد أعدائه في هذه المحنة القاسية فشتت رميهم، وأفسد سهامهم وأرسل ملائكته لحفظ رسول ﷺ.
وروى الطبراني عن ابن عباس: أن ابن مسعود ثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ، وجعل رسول الله ﷺ لما انكشف الناس عنه إلى الجبل لا يلوون عليه، يدعوهم في أخراهم ويقول: "إليّ يا فلان، أنا رسول الله"، فما يعرج عليه أحد، هذا والنبل يأتيه ﷺ من كل ناحية، والله تعالى يصرف ذلك عنه٣.
وروى محمد بن عمر الأسلمي عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٤٢، بلوغ الأماني ج٢٢ ص٣٢٧. ٢ المغازي ج١ ص٢٤١، ٢٤٢. ٣ البداية والنهاية ج٤ ص٣٠، المغازي ج١ ص٢٣٨.
[ ٣٤٦ ]
يقول: شهدت أحدًا فنظرت إلى النبل من كل ناحية، ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرفه الله عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه ولم يره فعاتبه صفوان بن أمية في ذلك، فقال له: والله ما رأيته، أحلف بالله أنه منا ممنوع أما والله لقد خرجنا فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إليه١.
وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا، وتعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ، وعرفوا المشركين بذلك، وهم: عبد الله بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وعمرو بن قمئة، وأبي بن خلف، وزاد بعضهم عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
قال ابن سعد: قال أبو النمر الكناني وهو جد شريك بن عبد الله بن أبي نمر: شهدت أحدًا مع المشركين، ورميت يومئذ بخمس رميات، فأصبت منها بأسهم، وإني لأنظر إلى رسول الله صلى الله علي وسلم، وإن أصحابه لمحدقون به، وإن النبل لتمر عن يمينه، وعن شماله، وتقصر بين يديه، وتخرج من ورائه، ثم هداني الله للإسلام٢.
وروى عبد الرزاق عن الزهري قال: ضرب وجه رسول الله ﷺ يوم "أحد" سبعين ضربة بالسيف، وقاه الله شرها كلها.
وبايعه يومئذ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين وهم: علي، والزبير، وطلحة وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحارث بن الصمة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد٣.
وروى أبو يعلى بسند حسن، عن علي ﵁ قال: لما انجلى الناس عن رسول الله ﷺ يوم "أحد" نظرت في القتلى، فلم أر رسول الله ﷺ فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن أرى أن الله تعالى غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه ﷺ، فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثم حملت على القوم فأفرجوا لي، فإذا أنا
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٤ ص٣٠. ٢ الطبقات ج٢ ص٤٢. ٣ البداية والنهاية ج٤ ص٢٩.
[ ٣٤٧ ]
برسول الله ﷺ بينهم أي يقاتلهم صلى الله عليه وسلم١.
وتكاثر المشركون على رسول الله ﷺ، وأرادوا قتله، رمى عتبة بن أبي وقاص -لعنه الله- رسول الله ﷺ بأربعة أحجار فكسر حجر منها رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى٢.
وشجه عبد الله بن شهاب الزهري في وجهه، وسال الدم من الشجة حتى أخضل الدم لحيته الشريفة٣.
ورماه عبد الله بن قَمِئة -بفتح القاف وكسر الميم وبعدها همزة- فشج وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته وعلاه بالسيف، وكان عليه درعان، فوقع ﷺ في حفرة أمامه على جنبه، وهي من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأغمي عليه ﷺ، فأخذه علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة حتى استوى قائمًا فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف ابن قمئة شيئًا إلا وهن الضربة بثقل السيف، ومكث ﷺ يجد وهن الضربة على عاتقه شهرًا أو أكثر من شهر، ورمته جماعة كثيرة بالحجارة حتى وقع لشقه٤.
لقد دبت روح الإيمان في نفوس المسلمين ودفعتهم إلى قوة المجابهة، وطلب الشهادة في سبيل الله صادقين، مخلصين عندما رأوا الأعداء يقصدون رسول الله ﷺ.
وقد أدى ثبات رسول الله ﷺ أمام هاتيك الضربات الموجعة، وهذا الحصار المحكم وتلك الرميات المتتابعة، أدى إلى عودة الروح إلى قلوب المؤمنين، فاندفعوا لحماية دينهم الذي تحملوا مسئوليته مع رسول الله ﷺ ولم يرتضوا لأنفسهم الحياة الذليلة المهينة وبخاصة أن استشهادهم في سبيل الله يحقق لهم الحياة عند الله فرحين مستبشرين.
ذلك أن فريقًا من الصحابة حينما سمعوا صائحًا يقول: قتل محمد طار صوابهم، وانهارت عزيمتهم، فمر بهم أنس بن النضر، وقال لهم: ما تنظرون؟
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص١٦٠، ١٦١. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب ما أصاب النبي ﷺ يوم أحد ج٦ ص٢٠٣. ٣ المصدر السابق ج ٦ ص٢٠٤. ٤ البداية والنهاية ج٤ ص٢٩، ٣٠.
[ ٣٤٨ ]
قالوا: قتل رسول الله ﷺ.
قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمر؟
فقال أنس: واها لريح الجنة يا سعد، إني أجده دون أحد، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل، فما عرف حتى عرفته أخته بعد نهاية المعركة ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم١.
ونادى ثابت بن الدحداح أنس بن النضر، وهو يتشحط في دمه فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا قد قتل؟!
فقال أنس: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم٢.
وبمثل هذا الاستبسال والفداء عادت إلى جنود المسلمين روحهم المعنوية، ورجع إليهم رشدهم وصوابهم، وأخذوا سلاحهم، وانطلقوا يهاجمون تيارات المشركين، الذين يحاولون الوصول إلى رسول الله بعدما بلغهم أن خبر مقتل النبي ﷺ كذب مختلق.
ولما تأكد المسلمون من حياة رسول الله ﷺ ازدادوا قوة، وتمكنوا من الإفلات من التطويق وتجمعوا حول رسول الله ﷺ بعد أن باشروا القتال المرير، وجالدوا بضراوة بالغة، وثبتوا ثبوت الجبال الرواسي، ولم يتمكن المشركون من زحزحتهم، وإبعادهم عن رسول الله ﷺ.
أبدى المسلمون بعد تجمعهم حول رسول الله ﷺ شجاعة نادرة، وأصروا على الصمود، حتى الموت، ولم يرضوا لأنفسهم الذل والهوان، ولم يقبلوا أن يؤتى الإسلام من قبلهم، وجاهدوا مخلصين، وفدوا رسول الله ﷺ بأرواحهم، ومن هؤلاء:
١- سعد بن أبي وقاص: قد نثل له رسول الله ﷺ كنانته، وقال: "ارم فداك أبي وأمي". ولم يجمع النبي ﷺ أبويه فداء لأحد في يوم أحد لغير سعد رضي الله عنه٣.
٢- طلحة بن عبيد الله: يروي النسائي بسنده عن جابر بن عبد الله يقول: أدرك
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج٤ ص٣٢. ٢ البداية والنهاية ج٤ ص٣١. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٩٣.
[ ٣٤٩ ]
المشركون رسول الله ﷺ فقال ﷺ: "من للقوم"؟.
فقال طلحة: أنا.
فلما قتل الأنصار كلهم، تقدم طلحة فقاتلهم كقتال الأحد عشر، حتى ضربت يده وقطعت أصابعه، فقال: حس.
فقال النبي ﷺ لو قلت: "بسم الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون".
وقد جرح طلحة يوم "أحد" تسعًا وثلاثين جرحًا، أو خمسًا وثلاثين، وشلت إصبعه السبابة والتي تليها١.
وروى الترمذي أن النبي ﷺ قال فيه يومئذ: "من نظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" ٢.
وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم "أحد" قال: هذا يوم طلحة.
وكان ﷺ يقول إذا رأى طلحة ﵁: "هذا سلفي في الدنيا وسلفي في الآخرة" ٣.
يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت لك الجنان وبوأت المها العينا
يقول أبو بكر الصديق: لما كان يوم "أحد" انصرف الناس كلهم عن النبي ﷺ فكنت أول من فاء إلى النبي ﷺ فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه، ويحميه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة فداك أبي وأمي، فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي ﷺ، فإذا طلحة بين يديه صريعًا، فقال النبي ﷺ: "دونكم أخاكم فقد أوجب".
وقد رمى النبي ﷺ في جبهته ووجنته، حتى غابت حلقتان من حلق المغفر في وجنته فذهبت لأنزعهما عن النبي ﷺ فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر ألا تركتني.
فأخذ بفيه، فجعل ينضضه كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استل السهم بفيه
_________________
(١) ١ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج١ ص٢٨٦. ٢ سنن الترمذي كتاب المناقب باب مناقب طلحة ج٥ ص٦٤٤. ٣ فتح الباري ج٧ ص٣٦١.
[ ٣٥٠ ]
فندرت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني فأخذ بفيه، فجعل ينضضه حتى استله فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله ﷺ: "دونكم أخاكم، فقد أوجب".
يقول أبو بكر: فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع وثلاثون بين ضربة وطعنة ورمية.
وهذا أيضًا يدل على مدى كفاءة طلحة ذلك اليوم وتفانيه في الكفاح والنضال١.
٣- ومن المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ وصدوا أعداءه عنه أبو دجانة، ومصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وسهيل بن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية، وقتادة بن النعمان، وعمر بن الخطاب، وحاطب بن أبي بلتعة، وسهل بن حنيف، وأبو طلحة.
٤- كان أبو طلحة ﵁ يسور نفسه بين يدي رسول الله ﷺ، ويرفع صدره ليقيه من سهام العدو، يقول أنس: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ، وأبو طلحة بين يديه مجوب عليه بحجفه له، وكان رجلا راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين، أو ثلاثًا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل، فيقول: "انثرها لأبي طلحة". ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة، بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك.
يقول أنس: كان أبو طلحة يتترس مع النبي ﷺ بترس، وكان أبو طلحة حسن الرمي، فكان إذا رمى تشرف النبي ﷺ فينظر إلى موقع نبله.
٥- حاطب بن أبي بلتعة ﵁ تعقب حاطب ﵁ عتبة بن أبي وقاص الذي كسر الرباعية الشريفة لرسول الله ﷺ فضربه بالسيف حتى طرح رأسه، ثم أخذ فرسه وسيفه، وكان سعد بن أبي وقاص ﵁ شديد الحرص على قتل أخيه عتبة هذا إلا أنه لم يظفر به، بل ظفر به حاطب.
٦- وكان سهل بن حنيف ﵁ أحد الرماة الأبطال، بايع رسول الله ﷺ على الموت،
_________________
(١) ١ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج٦ ص٢٨٦.
[ ٣٥١ ]
ثم قام بدور فعال في رد المشركين.
٧- وقاتل عبد الرحمن بن عوف حتى أصيب فوه يومئذ فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، بعضها في رجله فعرج.
٨- وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته ﷺ حتى أنقاه، فقال: "مجه".
فقال: والله لا أمجه أبدًا، ثم أدبر يقاتل.
فقال النبي ﷺ: "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"، فقتل شهيدًا.
٩- وكانت أم عمارة "نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف" وقد شهدت أحدًا هي وزوجها وابنها، ومعها شن تسقي به الجرحى، فقاتلت وأبلت بلاء حسنًا يومئذ، وهي حاجزة ثوبها على وسطها، حتى جرحت اثني عشر جرحًا، بين طعنة برمح، أو ضربة بسيف: وذلك أنها كانت بين يدي رسول الله ﷺ هي وابناها عبد الله وحبيب ابنا زيد بن عاصم، وزوجها غزية بن عمرو، يذبون عنه.
فلما انهزم المسلمون أخذت أم عمارة تباشر القتال، وتذب عن رسول الله ﷺ بالسيف، وترمى بالقوس، ولما أقبل ابن قمئة -لعنه الله- يريد النبي ﷺ كانت فيمن اعترض له، فضربها على عاتقها ضربة صار لها فيما بعد ذلك غور أجوف، وضربته هي ضربات فقال رسول الله ﷺ: "لمقام نسيبه بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان".
وقال ﷺ: "ما التفت يمينًا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني".
وقال ﷺ لابنها عبد الله بن زيد: "بارك الله عليكم من أهل بيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان، ومقام ربيبك -يعني زوج أمه- خير من مقام فلان وفلان، ومقامك خير من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل بيت".
قالت أم عمارة: "ادع الله أن نرافقك في الجنة".
قال ﷺ: "اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة ".
قالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا١.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٤٨ والمغازي ج١ ص٢٦٩، ٢٧٣.
[ ٣٥٢ ]
١٠- وقاتل مصعب بن عمير بضراوة بالغة، يدافع عن النبي ﷺ هجوم ابن قمئة وأصحابه، وكان اللواء بيده، فضربوا على يده اليمنى حتى قطعت، فأخذ اللواء بيده اليسرى، وصمد في وجوه الكفار حتى قطعت يده اليسرى، ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل، وكان الذي قتله هو ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله ﷺلشبهه به- فانصرف ابن قمئة إلى المشركين وصاح: إن محمدًا قد قتل١.
١١- وخرج محمد بن مسلمة يطلب من النساء ماء، وكن قد جئن أربع عشرة امرأة مسلمة منهن فاطمة وأم سليم بنت ملحان، وعائشة أم المؤمنين وحمنة بنت جحش ومنهن أم أيمن ﵅، وكن يسقين العطشي، ويداوين الجرحي، ويناولن الطعام، ويحملن على ظهورهن ما يحتاج إليه المقاتلون من طعام، وشراب، وسلاح.
خرج إليهم محمد بن مسلمة فلم يجد عندهم ماء، وكان رسول الله ﷺ قد عطش عطشًا شديدًا، فذهب محمد إلى قناة بها ماء حتى استقى وأتى بماء عذب، فشرب رسول الله ﷺ ودعا له بخير، وجعل الدم لا ينقطع.
فلما رأت فاطمة الدم لا يرفأ، وهي تغسله وعلي يصب الماء عليها بالمجن، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم، ويقال: إن فاطمة ﵂ داوته بصوفه محترقة، وكان ﷺ بعد ذلك يداوي الجرح في وجهه بعظم بال حتى يذهب أثره، ومكث يجد وهن ضربة ابن قمئة على عاتقه شهرًا أو أكثر من شهر٢.
١٢- وكان شماس بن عثمان بن الشريد المخزومي لا يرمي رسول الله ﷺ ببصره يمينًا وشمالا إلا رآه في ذلك الوجه يذب بسيفه، حتى غشي رسول الله ﷺ فترس بنفسه دونه حتى قتل ﵀، فذلك قول النبي ﷺ: "ما وجدت لشماس شبهًا إلا الجنة" ٣.
١٣- ولقي رشيد الفارسي مولى بني معاوية رجلا من المشركين قد ضرب سعدًا مولى حاطب، فضربه على عاتقه فقتله، فاعترض له أخوه فقتله أيضًا فقال رسول الله ﷺ: "أحسنت يا أبا عبد الله وكناه يومئذ ولا ولد له" ٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٨٨. ٢ البداية والنهاية ج٤ ص٣٠. ٣ إمتاع الأسماع ج١ ص١٤٤. ٤ المرجع السابق ج١ ص١٤٦.
[ ٣٥٣ ]
١٤- وقال مخيريق من أحبار يهود لقومه: يا معشر يهود! والله إنكم لتعلمون أن محمدًا لنبي، وأن نصره عليكم لحق! ثم أخذ سلاحه، وحضر أحدًا مع النبي ﷺ فقتل؛ وقال حين خرج: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراد الله، فهي عامة صدقات رسول الله ﷺ وقال فيه ﷺ: "مخيريق خير يهود".
في ذلك الظرف الدقيق، والساعة الحرجة، أنزل الله نصره على رسول الله ﷺ وأرسل ملائكته لحمايته والدفاع عنه، وتخذيل المشركين وصرفهم من أن ينالوه ﷺ بسوء، وقد كان هدفهم الأول قتل رسول الله ﷺ ففي الصحيحين عند سعد قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم "أحد"، ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل٢.
وقد نزلت الملائكة يوم أحد، إلا أنها لم تقاتل لعدم صبر المؤمنين، الذي جعله الله تعالى شرطًا لاشتراك الملائكة في القتال، وقيل: بل نزلوا فرادى دفاعًا عن رسول الله ﷺ.
ومنّ الله على المجاهدين، الذين أحاطوا برسول الله ﷺ وتكاتفوا في الدفاع والصمود منّ عليهم ﷾ بنعاس، فناموا وذهب ما بهم من حزن وتعب.
يقول طلحة بن عبيد الله: غشينا النعاس حتى كان جحف القوم تتناطح.
ويقول الزبير بن العوام: غشينا النعاس فما منا رجل إلا وذقنه في صدره من النوم فأسمع متعب بن قشير يقول، وإني لكالحالم ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٣.
فأنزل الله تعالى فيه: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٤.
يقول أبو اليسر: لقد رأيتني يومئذ في أربعة عشر رجلا من قومي إلى جنب رسول الله ﷺ وقد أصابنا النعاس أمنة منه، ما منهم رجل إلا يغط غطيطًا حتى إن الحجف لتتناطح لقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور يسقط من يده وما يشعر به، وأخذه بعدما تثلم وإن
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٦٢، ٢٦٣. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٩٢. ٣ سورة آل عمران: ١٥٤. ٤ سورة آل عمران: ١٥٤.
[ ٣٥٤ ]
المشركين لتحتنا١.
ويقول أبو طلحة: ألقي علينا النعاس، فكنت أنعس حتى سقط سيفي من يدي، وكان النعاس لم يصب أهل النفاق والشك يومئذ، فكل منافق يتكلم بما في نفسه، وإنما أصاب النعاس أهل اليقين والإيمان٢.
وقعت هذه الأحداث كلها بسرعة هائلة، في لحظات خاطفة، وأدرك المصطفون الأخيار من صحابته ﷺ الذين كانوا في مقدمة المسلمين عند بدء القتال خطورة الموقف، وضرورة الصمود، والتصدي لأعداء الله، وأعداء رسوله، وزاد حماسهم لما سمعوا صوته ﷺ فأسرعوا إليه، لئلا يصل إليه شيء يكرهونه، إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله ﷺ ما لقي من الجراحات، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح، فلما وصلوا أقاموا حوله سياجًا من أجسادهم وسلاحهم، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو ورد هجماتهم.
وانتهت الجولة الثالثة بتكافؤ الفريقين، بعدما أصابهما التعب والإرهاق، فلقد عاشوا اليوم كله بين الكر والفر، وكثرت الجراحات، وتكسرت الرماح وقل النبل، وعقرت الخيل، ورأت قريش ضرورة الانسحاب والرجوع إلى مكة قبل أن يتغير الأمر.
سئل عمرو بن العاص عن كيفية افتراق المشركين والمسلمين يوم أحد وكان وقتها في معسكر المشركين، فقال: لما كررنا عليهم أصبنا من أصبنا منهم، وتفرقوا في كل وجه وفاءت لهم فئة بعد، فتشاورت قريش فقالوا: لنا الغلبة، فلو انصرفنا فإنه بلغنا أن ابن أبي انصرف بثلث الناس وقد تخلف ناس من الأوس والخزرج، ولا نأمن أن يكروا علينا، وفينا جراح، وخلينا عامتها قد عقرت منه النبل فمضوا٣.
وبدأ القرشيون في الانسحاب، والرجوع إلى مكة، وأقبل أبو سفيان يفاخر بانتصار المشركين، وسار حتى أشرف على المسلمين، وهم في عرض الجبل، فأخذ يصيح بأعلى صوته: اعل هبل، أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم ببدر، ألا إن الأيام دول، وإن الحرب سجال
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٥٩. ٢ المغازي ج١ ص٢٩٦. ٣ المغازي ج١ ص٢٩٩.
[ ٣٥٥ ]
وحنظلة بحنظلة.
فقال عمر ﵁: ألا أجيبه يا رسول الله؟
فقال ﷺ: "بلى فأجبه".
فقال أبو سفيان: اعل هبل!
فقال عمر ﵁: الله أعلى وأجل!
قال أبو سفيان: إنها قد أنعمت فعلا، أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟
فقال عمر ﵁: هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وهذا عمر.
فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول، وإن الحرب سجال.
فقال عمر: لا سواء! قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.
قال أبو سفيان: إنكم لتقولون ذلك، لقد خبنا إذا وخسرنا! لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال عمر: الله مولانا، ولا مولى لكم.
قال أبو سفيان: إنها قد أنعمت يابن الخطاب علينا، قم إليّ يابن الخطاب أكلمك فقام عمر فقال أبو سفيان: أنشدتك بدينك هل قتلنا محمدًا؟
قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن.
قال أبو سفيان: أنت أصدق عندي من ابن قمئة.
ثم قال أبو سفيان ورفع صوته: إنكم واجدون في قتلاكم عنتًا ومثلا، ألا إن ذلك لم يكن عن رأي سراتنا، أما إذا كان ذاك فلم نكرهه، ثم نادى: ألا إن موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول.
فقال رسول الله ﷺ: "قل نعم! ".
فقال عمر ﵁: نعم.
وانصرف أبو سفيان إلى أصحابه، وأخذوا في الرحيل١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري. ك المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٨٧.
[ ٣٥٦ ]
فأشفق رسول الله ﷺ والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة فتهلك الذراري والنساء، فبعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص لينظر وقال له: "إن ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل فهو الظعن، وإن ركبوا الخيل، وجنبوا الإبل فهي الغارة".
ثم قال ﷺ: "والذي نفسي بيده لئن ساروا إليها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزنهم".
فذهب سعد يسعى إلى العقيق، فإذا هم قد ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل بعدما تشاوروا حول نهب المدينة، فأشار عليهم صفوان بن أمية ألا يفعلوا، فإنهم لا يدرون ما يغشاهم، فعاد فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم١.
وقدم أبو سفيان مكة فلم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال: قد أنعمت ونصرتني وشفيت نفسي من محمد وأصحابه، وحلق رأسه.
وكان أول من قدم مكة بخبر أحد، وانصراف المشركين عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فكره أن يأتيهم هزيمة أهلهم، فقدم الطائف وأخبر أن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمنا.
ثم قدم وحشي مكة فأخبرهم بمصاب المسلمين، ووقف على الثنية التي تشرف على الحجون فنادى: يا معشر قريش! أبشروا، قد قتلنا أصحاب محمد مقتلة لم يقتل مثلها في زحف قط، وجرحنا محمدًا فأثبتناه بالجراح، وقتل حمزة، فسروا بذلك.
وبعد انتهاء القتال أخذ المسلمون يتفقدون قتلاهم، ليقفوا على مدى مصابهم يقول زيد بن ثابت ﵁: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الربيع، فقال لي: "إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ: كيف تجدك"؟.
فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته، وهو بآخر رمق، وفيه سبعون ضربة، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: يا سعد، إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: "أخبرني كيف تجدك"؟.
فقال سعد: وعلى رسول الله السلام، قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص عدوكم إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من وقته فجاء زيد إلى رسول الله ﷺ وأخبره خبره٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٧ ص٣٤٧. ٢ المغازي ج١ ص٢٩٢، ٢٩٣.
[ ٣٥٧ ]
يقول ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺفيما بلغني- يلتمس حمزة بن عبد المطلب وجعل يقول: "ما فعل عمي"؟. ويكرر ذلك، فخرج الحارث بن الصمة يلتمسه فأبطأ، فخرج علي فوجد حمزة ببطن الوادي مقتولا، فأخبر النبي ﷺ فخرج يمشي حتى وقف عليه فوجده قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به، فجدع أنفه، وأذناه، فنظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر وقد مثل به.
فقال ﷺ: "أحتسبك عند الله رحمة الله عليك يا عمي، فإنك كنت كما علمتك فعولا للخير، وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدي عليك، وتكون سبة من بعدي لتركتك، حتى تحشر في بطون السباع، وحواصل الطير" ١.
ثم قال ﷺ لمن حوله: "أبشروا جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع، حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله ﷺ".
وقال ﷺ: "لئن أظهرني الله تعالى على قريش في موطن من المواطن لأمثلن ثلاثين رجلا منهم" ٢.
فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ، وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن ظفرنا الله تعالى بهم يومًا من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب، وفي توعده ﷺ وتوعد أصحابه لكفار مكة مخالفة للعقوبة الشرعية المقررة، ولذلك نزل جبريل والنبي ﷺ واقف عند أحد بعد مقالته بخواتيم سورة النحل وفيها يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٣.
فكفر النبي ﷺ عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر، وفعل أصحابه مثل ما فعل٤ يقول ابن إسحاق أيضًا: وأقبلت صفية بنت عبد المطلب ﵂ لتنظر إلى حمزة وكان أخاها لأمها وأبيها، فكره رسول الله ﷺ أن تراه، فقال ﷺ: "المرأة. المرأة".
_________________
(١) ١ أسباب النزول للنيسابوري ص١٦٤. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٩٦، بغية الرائد ج٦ ص١٧٣ وفيه: سبعون بدل ثلاثين. ٣ سورة النحل: ١٢٦. ٤ أسباب النزول ص١٦٤.
[ ٣٥٨ ]
فقال الزبير بن العوام: فتوسمت أنها أمي صفية.
فقال ﷺ له: "القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها". فخرج الزبير يسعى فأدركها، قبل أن تنتهي إلى القتلى، فردها فلكمت صدره، وكانت امراة جلدة وقالت: إليك عني لا أرض لك١.
فقال الزبير لها: يا أمه إن رسول الله يأمرك أن ترجعي.
قالت: ولِمَ؟ وقد بلغني أنه قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك فلأصبرن، وأحتسبن إن شاء الله.
فجاء الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره.
فقال ﷺ: "خل سبيلها".
فأتته فنظرت إليه، واسترجعت، واستغفرت له٢.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار عن الزبير والطبراني بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس: أن صفية ﵂ أتت بثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما.
يقول ابن عباس ﵁: فجئنا بالثوبين لنلفه فيهما، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار، فعل به مثل ما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له.
فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب، فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما فكفنا كلا منهما في الثوب الذي صار٣.
وأراد أبو قتادة الأنصاري ﵁ أن ينال من قريش، لما رأى من غم رسول الله ﷺ في قتل حمزة وما مثل به، ورسول الله ﷺ يشير إليه أن اجلس وكان قائمًا، ثم قال ﷺ له: "يا أبا قتادة، إن قريشًا أهل أمانة من بغاهم العواثر أكبه الله تعالى لفيه، وعسى
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص١٧٠. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٩٧. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص١٧٠.
[ ٣٥٩ ]
إن طالت بك حياة أن تحقر عملك مع أعمالهم، وفعالك مع فعالهم، ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى" ١.
فقال أبو قتادة: يا رسول الله، ما غضبت إلا لله ﷿، ولرسوله ﷺ، حين نالوا من حمزة ما نالوا.
فقال رسول الله ﷺ: "صدقت، بئس القوم كانوا لنبيهم".
ووجد المسلمون في الجرحى الأصيرم -عمرو بن ثابت- وبه رمق يسير، وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام فيأباه، فقالوا: إن هذا الأصيرم ما جاء به؟
لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه: ما الذي جاء بك؟ أحربًا على قومك أم رغبة في الإسلام؟
فقال: بل ربغة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت إلى رسول الله ﷺ ثم قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابني ما ترون، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: "هو من أهل الجنة" ٢.
ووجدوا في الجرحى قزمان، وكان قد قاتل قتال الأبطال، قتل وحده سبعة، أو ثمانية من المشركين، وجدوه قد أثخنته الجراح، فاحتملوه إلى دار بني ظفر، وبشره المسلمون، فقال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتد به الجراح نحر نفسه، وكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر له: "إنه من أهل النار" ٣.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٤٥. ٢ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص٢٠٣. ٣ المغازي ج١ ص٢٢٤.
[ ٣٦٠ ]
رابعًا: نتائج المعركة
اختلفت نتيجة معركة "أحد" عن نتيجة معركة "بدر" فقد استشهد من المسلمين عدد كبير ما بين السبعين إلى خمسة وسبعين شهيدًا، ولحقت الجراح بسائر أفراد الجيش الإسلامي، ولم يقتل من المشركين إلا أربعة وعشرون رجلا، ولم يؤسر منهم أحد مع قلة الجرحى منهم.
يروي الإمام أحمد والشيخان والنسائي عن البراء بن عازب ﵁ قال: أصاب المشركون منا يوم أحد سبعين١.
وروى ابن حبان والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب ﵁ قال: أصيب يوم أحد من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة يقول الحافظ: وكان الخامس سعد مولى حاطب بن أبي بلتعة، والسادس ثقف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس٢.
ونقل الحافظ محب الدين الطبري عن الإمام مالك ﵀ أن شهداء "أحد" خمسة وسبعون من الأنصار، أو أحد وسبعون.
وعن الإمام الشافعي ﵀ أنهم اثنان وسبعون شهيدًا٣.
وقد دفن الشهداء بملابسهم التي كانوا يلبسونها، بلا غسل ما عدا حمزة وأبا حنظلة فقد غسلتهم الملائكة.
وأما الصلاة عليهم فقد روى ابن إسحاق عن من لا يتهم عن مقسم عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر بعمه حمزة فسجي ببردة، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى ووضعهم بجوار حمزة وصلى عليهم واحدًا بعد واحد، فصلى عليه وهو مع كل منهم ثنتين وسبعين صلاة٤.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج٢١ ص٥٣. ٢ فتح الباري ج٧ ص٣٥١. ٣ يرجح المفسرون أن عدد الشهداء سبعون شهيدًا ويستدلون بقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ لأن المسلمين أصابوا المشركين يوم "بدر" بمائة وأربعين ما بين قتيل وأسير، والآية تشير إلى أن إصابة المشركين في "بدر" ضعف إصابة المسلمين في "أحد". ٤ سيرة النبي ج٢ ص٩٨.
[ ٣٦١ ]
ولم يأخذ بهذا الحديث فقهاء الحجاز ولا الأوزاعي، وذكروا أن النبي ﷺ لم يصل على أحد من الشهداء، واستدلوا على رأيهم بوجوه:
الوجه الأول:
ضعف إسناد هذا الحديث؛ لأن ابن إسحاق قال: حدثني من لا يتهم، يعني: الحسين بن عمارة -فيما ذكروا- ولا خلاف في ضعف الحسين بن عمارة عند أهل الحديث، وأكثرهم لا يرونه شيئًا، وإن كان الذي عناه ابن إسحاق في قوله: حدثني من لا أتهم غير الحسين، فهو مجهول، والجهل يضعف الحديث، وكل الروايات الواردة في هذا الموضوع تعتمد على رواية ابن إسحاق وبذلك تكون كل الروايات ضعيفة.
الوجه الثاني:
حديث الصلاة على شهداء أحد لم يصحبه العمل بما دل عليه، لأن الثابت أن رسول الله ﷺ لم يصل على شهيد في شيء من مغازيه كلها ولم ترد رواية في هذا الشأن إلا هذه الرواية التي رواها ابن إسحاق في شهداء أحد.
وكذلك لم يثبت ولم يرو أن الخليفتين أبا بكر وعمر ﵄ صليا على شهداء أبدًا وحكمة عدم الصلاة على الشهداء والله أعلم، تحقيق حياة الشهداء، ومعاملتهم معاملة الأحياء تصديقًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١ فالتعامل معهم على اعتبار هذه الحياة التي ذكرتها الآية.
والقائلون بأن رسول الله ﷺ لم يصل على الشهداء يؤولون ما رواه الشيخان من أنه ﷺ صلى على قتلى أحد، ويذكرون أن ذلك كان بعد ثماني سنوات حيث صلى عليهم ﷺ كالمودع للأحياء والأموات، فيكون المراد بالصلاة حينئذ الدعاء، وكان النبي ﷺ يدعو للموتى عمومًا بلا تكبير، ولا نية٢.
يروي البخاري بسنده عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى "أحد" بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: "إني بين
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٦٩. ٢ الروض الأنف ج٣ ص١٧٨.
[ ٣٦٢ ]
أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها" ١.
يؤيد ذلك ما رواه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، في ثوب واحد ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن"؟. فإذا أشير له إلى أحد، قدمه في اللحد وقال ﷺ: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا٢.
الوجه الثالث:
إن المسلمين حملوا قتلاهم إلى المدينة، ودفنوهم بالبقيع، ولم يتمكنوا من إعادتهم إلى "أحد" ولو كان النبي ﷺ صلى عليهم لدفنهم عقب الصلاة كما رغب.
ومما يذكر هنا أن الناس، أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة، ودفنوهم بالبقيع، فلما أمر الرسول ﷺ بردهم إلى أحد لم يتمكنوا من ذلك، ولم يردوا إلا رجلا واحدًا أدركه المنادي قبل أن يدفن، وهو شماس بن عثمان المخزومي ﵁، الذي حمل إلى المدينة وبه رمق فأدخل على عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ.
فقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ: ابن عمي يدخل على غيري!
فقال رسول الله ﷺ: احملوه إلى أم سلمة، فحمل إليها فمات عندها.
فأمر رسول الله ﷺ برده إلى "أحد"، فرد إليها، ودفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها بلا غسل ولا صلاة، وكان قد مكث يومًا وليلة في المدينة ولكنه لم يذق شيئًا، وما ذهب إليه فقهاء الحجاز أقرب للفضل لأن ترك الصلاة عليهم إقرار باستمرار حياتهم، وفي ترك الغسل محافظة على أسر عبادة قاموا بها لأن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يثغب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك فكيف نزيل عنه هذا الطيب، ونحرمه من أثر العبادة المشرق.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من دفن الشهداء جمع أصحابه، وقال لهم: "تعالوا نثني على الله". وصفهم صفين، وجعل النساء خلفهم، ثم دعا ﷺ فقال:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٨٦. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد ج٦ ص٣٠٦.
[ ٣٦٣ ]
"اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت! اللهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، وعافيتك، ورزقك!
اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول!
اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، والغناء يوم الفاقة.
اللهم إني أعوذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعت منا!
اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين! اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين!
اللهم عذب الكفرة الذين يكذبون رسولك، ويصدون عن سبيلك!
اللهم أنزل عليهم رجسك وعذابك! اللهم اقتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق! آمين" ١.
وبعدها أخذ رسول الله ﷺ سيره إلى المدينة في جو من الألم والأسف.
وامتلأت بيوت الأنصار والمهاجرين بالحزن على قتلاهم، فلما رجع الرسول ﷺ إلى المدينة سالمًا وجد الجميع العزاء في سلامته ﷺ فواساهم رسول الله ﷺ، وبشرهم بأن ذويهم في الجنة وأنهم سيشفعون لهم، فرضوا بما قدر لهم، وصبروا على ما أصابهم، وهو أليم شديد.
لقد قتل من بني عبد الأشهل اثنا عشر رجلا، وجاءت أم سعد بن معاذ فعزاها رسول الله ﷺ في ابنها عمرو بن معاذ، وقال لها: "يا أم سعد أبشري، وبشري أهليهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعًا، وقد شفعوا في أهليهم".
قالت: رضينا برسول الله ﷺ، ومن يبكي عليهم بعد هذا.
ثم قالت: ادع يا رسول الله لمن خلفوا.
قال ﷺ: "اللهم أذهب حزن قلوبهم، وأجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص١٧٧ يقول الهيثمي ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣٦٤ ]
من خلفوا"١.
ثم قال ﷺ لأبي عمرو سعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية، وليس منهم مجروح، إلا يأتي يوم القيامة وجرحه كأغرز ما كان، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فمن كان مجروحًا، فليقر في داره، وليداري جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني"، وكان في بني عبد الأشهل وحدهم ثلاثون جريحًا يوم "أحد".
فنادى فيهم سعد: عزمة من رسول الله ألا يتبعه جريح من بني عبد الأشهل.
فتخلف الجرحى، وباتوا يوقدون النيران، ويداوون الجراح، ومضى سعد مع رسول الله ﷺ حتى جاء بيته، فما نزل ﷺ عن فرسه إلا حملا، واتكأ على سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، حتى دخل بيته، فلما أذن بلال ﵁ بصلاة المغرب خرج ﷺ على مثل تلك الحال، يتوكأ على السعدين فصلى، ثم عاد إلى بيته.
وأراد رسول الله ﷺ أن يسري على بني عبد الأشهل، ونساؤهم يبكون على قتلاهم فقال لهم: "أما حمزة فلا بواكي له" ٢ عسى أن يكون ذلك قدوة للنسوة فيدعن النواح والعويل، إلا أن سعد بن معاذ ﵁ مضى إلى نسائه فساقهن، حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله ﷺ، فبكين حمزة ﵁ بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النيران، يتكمدون بها من الجراح، وأذن بلال ﵁ حين غاب الشفق فلم يخرج ﷺ فجلس بلال عند بابه ﷺ حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصلاة يا رسول الله، فهب ﷺ من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل.
وسمع ﷺ البكاء فقال: "ما هذا"؟.
فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة.
فقال ﷺ: "رضي الله عنكن، وعن أولادكن". وأمر أن ترد النسوة إلى منازلهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن، وصلى رسول الله ﷺ العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صف
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٣١٦. ٢ بغية الرائد بتحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص١٧٥.
[ ٣٦٥ ]
له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه، يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه في المسجد يحرسونه، فرقًا من قريش أن تكر.
وبادر الصحابة ﵁ فأحضروا نساءهم ليبكين حمزة ﵁ فجاء معاذ بن جبل ﵁ بنساء بني سلمة: وجاء عبد الله بن رواحة ﵁ بنساء بلحارث بن الخزرج ولم يرض بذلك رسول الله ﷺ فقال ﷺ لهم: "ما أردت هذا". ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي١.
وكان لنجاة رسول الله ﷺ أثر كبير في تسلية أهل الشهداء؛ لأنهم رضوان الله عليهم رأوا في نجاة رسولهم خير عوض عما فقدوه.
مر ﷺ بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها بأحد، فلما نعوا لها أقاربها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ؟
قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين.
قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله٢.
ومن ابتلاءات يوم "أحد"، وتغلب روح الإيمان على المصائب ما حدث من حمنة بنت جحش زوجة مصعب بن عمير ﵂ فإنها أصيبت بعدد من أهلها، وأقبلت على رسول الله ﷺ فقال لها: "يا حمنة احتسبي".
قالت: من يا رسول الله؟
قال: "خالك حمزة".
قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه هنيئًا له الشهادة.
ثم قال لها: "احتسبي".
قالت: من يا رسول الله؟
قال: "أخوك".
قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه هنيئًا له الشهادة.
_________________
(١) ١ بغية الرائد بتحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص١٧٥. ٢ نفس المرجع ج٦ ص١٦٥.
[ ٣٦٦ ]
ثم قال لها: "احتسبي".
قالت: من يا رسول الله؟
قال: "مصعب بن عمير".
قالت: واحزناه!! وفي رواية أنها قالت: واعقراه.
فقال ﷺ: "إن للزوج من المرأة مكانًا ما هو لأحد".
ثم قال لها: "لم قلت هذا".
قالت: يا رسول الله ذكرت يتم بنيه فراعني١.
فدعا رسول الله ﷺ لولده أن يحسن الله عليهم الخلف، فتزوجت طلحة فولدت له محمد بن طلحة، وكان أوصل الناس لولدها٢.
وقد قتل من المشركين في أحد أربعة وعشرون قتيلا، وأسر منهم رجل واحد هو أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب من بني جمح وكان أسره في اليوم الثاني للمعركة والمسلمون في طريقهم إلى حمراء الأسد.
وفي الوقت الذي عاد فيه المسلمون إلى المدينة يداوون جرحاهم، ويعزي بعضهم بعضًا في القتلى والجرحى، نرى الكفار وقد عادوا منتصرين، وقتلاهم، أقل عددًا من قتلى المسلمين، وقد أخذوهم معهم إلى مكة حتى لا يحفر لهم قليب آخر.
لقد عاد المكيون من "أحد" منتصرين، وقد تصوروه نصرًا دائمًا يحقق لهم ما يبغون لكن الأيام أثبتت أنهم لم يحققوا شيئًا من الأهداف التي حاربوا لتحقيقها؛ لأن روج الإيمان في قلوب المسلمين لم تهن، ولم تضعف؛ ولذلك بادر المسلمون باتخاذ عدد من الأعمال بعد أحد أجهضت كل أحلام أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والأعراب وأهل مكة كما سيتضح من أحداث ما بعد "أحد".
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٩١. ٢ المغازي ج١ ص٢٩٢.
[ ٣٦٧ ]
خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في "أحد"
استمر عون الله تعالى رسوله ﷺ والمسلمين معه خلال معركة "أحد" وظهرت آيات بينات، خارقة للعادة، تبرز هذه المعونة، وتؤكدها للناس وقد سبق إيرادها في سياق ذكر أحداث غزوة أحد، وإني هنا أشير إلى أهم هذه الآيات للتذكير بشأنها، والاعتبار بها ومن أهمها:
١- إمداد المسلمين بالملائكة:
يروي البخاري بسنده عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم "أحد" ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد١.
وروى أحمد بسنده عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم "أحد" رجلين عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل يقاتلان عنه كأشد القتال٢.
وروى الطبراني وابن منده أنه ﷺ سأل الحارث بن الصمة عن مكان عبد الرحمن بن عرف فقال: هو بجنب الجبل.
فقال ﷺ: "إن الملائكة تقاتل معه".
قال الحارث: فذهبت إليه فوجدت بين يديه سبعة فقلت له: ظفرت يمينك أكل هؤلاء قتلت؟
فقال: أما هذا وهذا فأنا قتلتهما، وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره.
فقلت: صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم٣.
وروى ابن سعد أن مصعبًا لما قتل أخذ اللواء ملك في صورته، فجعل ﷺ يقول: "تقدم يا مصعب". فالتفت الملك إليه وقال: لست بمصعب فعرف ﷺ أنه ملك أيده الله به٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج٦ ص٢٩٢. ٢ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢١ ص٥٧، ٥٨. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص١٦٤. ٤ المغازي ج١ ص٢٤٥.
[ ٣٦٨ ]
وروى ابن إسحاق أن سعد بن أبي وقاص قال: كنت أرمي السهم يومئذ، فرده على رجل أبيض، حسن الوجه، ما كنت أعرفه فظننت أنه ملك١.
وهناك من ذهب إلى أن الملائكة لم تقاتل يوم "أحد" عن المسلمين.
ولا تعارض بين هؤلاء الذين قالوا بأن الملائكة لم تقاتل، وهؤلاء الذين قالوا: إن الملائكة قاتلت حول النبي ﷺ ومع عبد الرحمن بن عوف ﵁ لأن من قال بالمدد بالملائكي، واشتراك الملائكة في القتال يريد نزول أفراد قلائل منهم، للدفاع عن رسول الله ﷺ أو عن أحد من الصحابة ومن ينفي المدد يقصد نزول الآلاف للقتال كما حدث في "بدر" وهذا لم يحدث لأن المسلمين لم يصبروا، ولم يتقوا الله على النحو الذي وجب عليهم.
٢- مد عكاشة بقية وتر قوسه ﷺ بعدما انقطع:
وذلك أنه ما زال ﷺ يرمي عن قوسه حتى تقطع وتره، وبقيت في يده منه قطعة صغيرة تكون شبرًا في سية القوس فأخذ القوس عكاشة بن محصن ﵁ ليوتره له فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر.
فقال ﷺ: "مده فيبلغ".
قال عكاشة: فوالذي بعثه بالحق، لمددته حتى بلغ، وطويت منه لفتين، أو ثلاثًا على سية القوس٢.
٣- رد عين قتادة ﵁:
عن قتادة ﵁ قال: كنت أتقي السهام بوجهي دون وجه النبي ﷺ فكان آخرها سهمًا ندرت منه حدقتي، وسالت على خدي، فأخذتها بيدي، وسعيت بها إلى رسول الله ﷺ فلما رآها ﷺ في كفي دمعت عيناه، فقال ﷺ: "اللهم في عين قتادة كما وقيت وجه نبيك فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا". وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى، وصارت لا تعرف ولا يدري أيتهما التي سالت على خده٣.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٩٠. ٢ المغازي ج١ ص٢٤٢. ٣ المغازي ج١ ص٢٤٢.
[ ٣٦٩ ]
٤- شفاء نحر أبي رهم ببصاقة النبي ﷺ:
رمي أبو رهم الغفاري بسهم فوقع في نحره، فبصق ﷺ فبرئ١.
٥- انقلاب العرجون سيفًا في يد عبد الله بن جحش ﵁:
انقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه ﷺ عرجونًا فعاد في يده سيفًا فقاتل به، وكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع لبغاء التركي من أمراء المعتصم بالله في بغداد بمائتي دينار، وهذا السيف غير سيف عكاشة يوم "بدر" فسيف عكاشة أصله جذر من حطب، والجذر أصل الشجرة، وسيف عبد الله بن جحش أصله عرجون نخلة٢.
٦- غسل الملائكة لحنظلة ﵁:
التقى حنظلة وأبو سفيان فعلاه حنظلة، فجاء شداد بن أوس وضرب حنظلة فقتله.
فقال ﷺ: "إن حنظلة لتغسله الملائكة بماء المزن، في صحاف الفضة، بين السماء والأرض". فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان ابتنى بها تلك الليلة، وكانت عروسًا عنده، فرأت في المنام تلك الليلة كأن بابًا من السماء قد فتح فدخله ثم أغلق دونه فعلمت أنه ميت من غده، فدعت رجالا حين أصبحت من قومها، فأشهدتهم على الدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع، فلما سألوها عن حالته وقت خروجه.
قالت: خرج وهو جنب، حين سمع الهاتفة.
فقال ﷺ: "لذلك غسلته الملائكة" ٣.
وذكر السهيلي نقلا عن الواقدي وغيره أنه ﵁ التمس في القتلى فوجدوه يقطر رأسه ماء، وليس بقربه ماء، تصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم٤.
٧- إلقاء النعاس على المؤمنين:
وألقى الله النعاس على المؤمنين حين اشتد عليهم الخوف مع أن الخائف لا ينام عادة فعن الزبير بن العوام ﵁ قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ يوم "أحد" حين اشتد علينا
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٤٣. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص١٥٥. ٣ البداية والنهاية ج٤ ص٢١. ٤ الروض الأنف ج٣ ص١٦٤.
[ ٣٧٠ ]
الخوف وأرسل علينا النوم فما منا أحد إلا ذقنه في صدره١.
وروى البخاري عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم "أحد"، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه.
وروى البيهقي أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم "أحد" فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.
أما الطائفة الأخرى وهم المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعبهم، وأخذلهم للحق فلم يأتهم النعاس، وبقوا يفكرون في الهزيمة والخسران.
والآيات كثيرة وقد ذكرت بعضها للدلالة على العون الإلهي الذي أمد الله به رسول الله ﷺ والمؤمنين معه وفي أثناء الحديث عن الغزوة أشرت إلى كثير منها.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٩٦.
[ ٣٧١ ]
سادسًا: أحد في رحاب القرآن الكريم
أنزل الله ﷾ في شأن غزوة "أحد" آيات عدة من سورة آل عمران، بلغت تسعًا وخمسين آية وهي الآيات من رقم "١٢١" إلى رقم "١٧٩".
وبالنظر في هذا نرى أن الآيات من "١٢٩" إلى "١٣٦" تتناول موضوع نهي المسلمين عن القيام ببعض الأعمال المحرمة التي يقوم بها اليهود، وهو أكل الربا، والتعامل مع فاعليه والآيات من رقم "١٦٢" إلى الآية رقم "١٦٤" توجه المسلمين إلى ضرورة اتباع رضوان الله واتباع النبي ﷺ لما في ذلك من خير في الدنيا والآخرة.
وهذه الآيات التي جاءت في ثنايا آيات غزوة "أحد" تتصل بالغزوة بوجه ما فهي تتحدث عن سلوكيات اليهود السيئة التي لا يجوز للمسلمين فعلها وتوجههم إلى طريق الفوز والفلاح حتى يتم لهم النصر، ويأتيهم عون الله تعالى.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: اعلم أن وضع هذه الآيات الواردة في الترغيب والترهيب، والإنذار، والتبشير في سياق الآيات الواردة في قصة "أحد" هو من سنة القرآن في مزج فنون الكلام، وضروب الحكم، والأحكام، بعضها ببعض، على أن هذه السنة لا تنافي
[ ٣٧١ ]
أن يكون لكل آية لمجموع آيات اتصال بالآيات السابقة بوجه وجيه تتقبله البلاغة بقبول حسن.
تبدأ الآيات بالحديث عن مقدمات الغزوة فيقول تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
والحديث في الآيات واضح في أن المواجهة كانت صباحًا، برغم أن المسلمين خرجوا من المدينة بعد صلاة الجمعة، والمراد بالقتال الذي بوأ رسول الله ﷺ المؤمنين مقاعد لهم فيه قتال يوم "أحد" يقول الطبري: والآية تعني يوم "أحد" لأن الله ﷿ يقول في الآية التي بعدها: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ ولا خلاف بين أهل التأويل، أنه عنى بالطائفتين بني سلمة وبني حارثة٢، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله ﷺ أن الذي ذكره الله من أمرها في هذه الآيات إنما كان يوم "أحد" دون "يوم الأحزاب"٣.
وإنما ذكرهم بنصر يوم "بدر" ليعلموا أن الله تعالى ينصر الفئة القليلة الصابرة التقية ليسيروا على منهجها حتى يتحقق لهم النصر، وعليهم ألا يغتروا بكثرتهم، وأن يداوموا الصبر والتقوى، والتوكل على الله تعالى.
ويقول ﷾: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآيات من ١٢١ إلى ١٢٣. ٢ صحيح البخاري ك المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٩١. ٣ أسباب النزول ص٦٩.
[ ٣٧٢ ]
يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ، لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ١.
والآيات تشير إلى قول النبي ﷺ للمؤمنين أن الله كاف في نصرهم، وأن مدد الملائكة موجود بشرط الصبر والتقوى، وعلى المؤمنين أن يعلموا أن الأمر كله بيد الله تعالى وتتحدث الآيات بعد ذلك عن علو مقام المؤمنين، وتستقل مقام غيرهم فيقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٢.
والإشارة واضحة في أن الإيمان يعلو بصاحبه، ويرضيه، ويبعده عن اليأس، والقنوط وعلى المسلمين الذين أصيبوا يوم "أحد" أن يدركوا أن الآلام قد أصابت عدوهم أيضًا، وأن الأيام دول، والنصر لا يدوم لفريق، والرضا بما يقضي الله به ضرورة لازمة. وعلى المؤمنين أن يعرفوا أن المصائب ابتلاء للمؤمن، ليظهر على حقيقته، وليسعد المؤمنون بالشهادة التي يرفعهم الله بها.
إن جنة الله غالية ولا بد لها من البذل، والتضحية، والصدق، والوفاء. وعلى من يرجوها من المؤمنين أن يعمل لها، وأن يصدق فيما كان يتمناه، وليرض بما كتب الله له من بلاء في نفسه، أو ماله، أو ولده.
وتتحدث الآيات عن قمة الابتلاء يوم "أحد" بعدما انهزم المسلمون وأوذي رسول الله ﷺ وأصاب المسلمين ما أصابهم بعدما أشيع أن رسول الله ﷺ قد قتل فيقول تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٢٤-١٢٨. ٢ سورة آل عمران: ١٣٩-١٤٣.
[ ٣٧٣ ]
عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١ حيث أسقط في أيدي المسلمين حينما أشيع أن رسول الله ﷺ قد قتل في المعركة، فبين الله لهم أن الموت قدر محتم على كل نفس، أما الرسالة فهي باقية والإيمان بالله حقيقة ثابتة يحاسب كل إنسان على ما كلفه الله به، وعلى المؤمن أن يكون قويًا، يتحمل المسئولية، ويجاهد في سبيل الله تعالى صابرًا محتسبًا، وأن يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء، والرجاء، والاستغفار وطلب النصر ليأتيه الله بثواب الدنيا، وثواب الآخرة والله على كل شيء قدير.
ثم يوجه الله المؤمنين بعد ذلك إلى ما يرفع معنوياتهم، ويعلي من شأنهم فيقول ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ، وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
والآيات توجه المؤمنين إلى عدم اتباع الكافرين لأنهم يعملون لخذلان المسلمين،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٤٤-١٤٨. ٢ سورة آل عمران: ١٤٩-١٥٣.
[ ٣٧٤ ]
وإضعافهم، وعليهم أن يلجئوا إلى الله مولاهم، وناصرهم، والله ﷾ كفيل بإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وإنزال العقوبات الماحقة بهم في الدنيا وفي الآخرة ثم ذكر الله المؤمنين بما أصيبوا به من فزع، وهلع، وفرار، وترك لرسول الله وهو يناديهم، وعليهم أن يندموا على ما حدث منهم، ويعودوا إلى ما يجب أن يقوموا به ثم بين الله ﷾ مننه على المجاهدين، إذ أصابهم النعاس، فأمنت نفوسهم، وهدأت أصواتهم فيقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١.
وفي الآيات بيان لما أنزل الله عليهم من نعاس أصاب المؤمنين دون غيرهم من المنافقين الذين أخذوا يشككون المؤمنين في إيمانهم، وهم يظنون بالله ظنًا سيئًا، فرد الله عليهم بأن الأمر كله لله، وأن الموت حق مقدر يأتي لصاحبه عند حلول أجله، أيًا كان مكانه وزمانه، وقد أخفى الله الأجل عن الناس ليبتليهم، ويختبرهم، كما ابتلى المسلمين يوم "أحد".
وتبين الآيات ما كان من المنافقين، وتفصل في صفاتهم، وحيلتهم في توهين المسلمين.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٥٤-١٥٦.
[ ٣٧٥ ]
وبث الذعر في قلوبهم وبخاصة حينما انسحبوا من ميدان المعركة وعلى رأسهم عبد الله بن أبي متعللين بعدم وجود قتال زاعمين أنهم لو تأكدوا من تحقق القتال لبقوا، وهذا كذب يقولونه بألسنتهم وليس منه في قلوبهم شيء يقول الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ، الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
وقد كشف الله المنافقين، وعرف بهم وربطهم بمقالتهم فهم الذين قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهم الذين قالوا: لو أطاعونا ما قتلوا.
إن الأمر كله بيد الله، والمنافقون لا يعلمون الغيب وإن كان في مقدورهم منع القتل فليدرءوا الموت عن أنفسهم إن كانوا صادقين.
وأخيرًا تتحدث الآيات عن الشهداء فيقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
ومنزلة الشهداء عند الله عالية، فهم أحياء عنده ﷾، يجري عليهم الرزق ويعيشون في بشر وسرور، ولا ينالهم خوف ولا حزن، ويدومون في الخير، والنعيم المقيم.
يقول الشيخ محمد الغزالي معلقًا على حديث القرآن الكريم عن غزوة "أحد": ترفق القرآن الكريم وهو يعقب على ما أصاب المسلمين في "أحد" على عكس ما نزل في "بدر" من آيات، ولا غرو فحساب المنتصر على أخطائه أشد من حساب المنكسر، في المرة الأولى قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٦٧، ١٦٨. ٢ سورة آل عمران: ١٦٩-١٧١.
[ ٣٧٦ ]
كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
أما في "أحد" فقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
حسب المخطئين ما أصابهم من أوضار الهزيمة، وفي القصاص العاجل الذي حل بهم درس يذكر المخطئ بسوء ما وقع فيه.
وقد اتجهت الآيات إلى مزج العتاب الرقيق بالدرس النافع، وتطهير المؤمنين، حتى لا يتحول انكسارهم في الميدان إلى قنوط يفل قواهم، وينقلب إلى حسرة تشل إنتاجهم ونشاطهم فقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
ثم مضى الوحي يعلم المسلمين ما جهلوا من سنن الدين والحياة، ويذكرهم بما نسوا من ذلك، فبين أن المؤمن مهما عظمت بالله صلته فلا ينبغي له أن يغتر، أو يحسب الدنيا قد دانت له، أو يظن أن قوانينها الثابتة أصبحت طوع يديه.
كلا كلا. فالحذر البالغ، والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة ويوم يحسب المسلم أن الأيام كلها كتبت له، وأن شيئًا منها لن يكون عليه، وأن أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفضل الذريع يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٤.
ويقول ﷾: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٧، ٦٨. ٢ سورة آل عمران: ١٥٢. ٣ سورة آل عمران: ١٣٧-١٣٩. ٤ سورة آل عمران: ١٤٠. ٥ سورة آل عمران: ١٤٢.
[ ٣٧٧ ]
وفي هذه الآيات توضيح لمعالم طريق الدعوة، فطريق الدعوة مليء بالأشواك والصعاب، والأعداء متربصون، والأيام دول، والجنة مهرها غال ثمين، وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثمن التافه أو يتصورون تحقق الأمل بلا عمل، أو يحلمون بالنتيجة بلا سبق مقدماتها وهم لذلك يضحون بأنفسهم لقاء ما ينشدون ويبذلون أقصى ما يمكنهم لتحقيق المراد المنشود.
إن الاستعداد أيام الأمن يجب أن يستمر أيام الروع، بل هو في أيام الفزع أشد، وعلى المسلم أن يداوم على مجاهدة نفسه، والالتزام المستمر بما وجب عليه.
إن الإنسان -في عافيته- قد يتصور الأمور سهلة مبسطة، وقد يؤدي به ذلك إلى المجازفة، والخداع، وعدم تقدير الأمور على وجهها الصحيح، وليس كذلك المسلم.
فليحذر المؤمن هذا الموقف، وليستمع إلى تأنيب الله لمن تمنوا الموت قبل "أحد" ثم حادوا عنه لما جاءهم؛ لأن ذلك ضعف في الوعد، وخذلان في الإقدام.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ١.
ثم عاتب الله ﷿ من سقط في أيديهم، وانكسرت همتهم، حينما أشيع أن الرسول ﷺ قد مات؛ لأن العقائد اتباع مبادئ لا اتباع أشخاص، والمسلم عند الله خاضع له وحده.
ولو افترض أن الرسول ﷺ قتل وهو ينافح عن دين الله، فحق على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت، وأن يردوا المصير نفسه، الذي ورده قائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا ويضيعوا ما بايعوا الله عليه، وهم يعلمون أن الموت حق على الجميع.
إن عمل محمد ﷺ في أصحابه ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة من فكر الإنسان وضميره، وينيرها بنور الله تعالى، فإذا أدى رسالته ومضى، فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته التي خرج منها.
لقد جمع محمد ﷺ الناس حوله على أنه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٤٣.
[ ٣٧٨ ]
عرفوه إمامًا لهم في الحق، وصلة لهم بالله، وهو أول المؤمنين، وأول الصابرين.
فإذا مات عبد الله ظلت الصلة الكبرى بالحي الذي لا يموت باقية ثاقبة، كما بين ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
وقد استطرد النظم الكريم يبصر المؤمنين بمواطن العبرة فيما نالهم، ويعلمهم كيف يتقون في المستقبل هذه المآزق، وكيف يستفيدون من هذه الكبوة العارضة بعد أن عزل عن جماعة المسلمين من خالطوهم على دخل، وعاشروهم على نفاق.
ولئن أفادت وقعة "بدر" خذلان الكافرين فإن وقعة "أحد" أفادت فضح المافقين، ورب ضارة نافعة، وربما صحت الأجسام بالعلل.
ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة، درس عميق تعلم منه المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها، وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرف نفسها في حرب أو سلام.
إن الحياة تحتاج من المسلمين أن يعيشوا أمة متكاملة تعرف طريقها، وتحدد غاياتها وتلتزم بكل ما جاءها من عند الله تعالى، وعليهم أن يبذلوا كل جهدهم كما أمروا ولا يستسلموا لأحلام النصر، أو خطرات اليأس، وليتقنوا دائمًا أن الدنيا هي دار السعي والعمل والصبر والتحمل، وأن الآخرة هي دار الخير والسلام ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٤٤.
[ ٣٧٩ ]
سابعًا: أحد وحركة الدعوة
حين ننظر إلى معركة "أحد" نرى تقلب أحداثها، وتبدل أحوالها في كل أطرافها فلقد عاش كل فريق الغلبة والانكسار، مرة بعد أخرى، إلا أن محصلة الخسائر في المسلمين كانت أكبر منها في معسكر المشركين، وهذا ما جعل بعض المؤرخين يرى أن المسلمين قد انهزموا في أحد، باعتبار عدد القتلى، وكثرة الجرحى، ورجوع المشركين بقتلاهم دون أن يؤسر منهم أحد، رغم أن القتال كان بجوار المدينة بعيدًا عن موطنهم مكة.
والأمر بمقياس ذاك الزمان يشير إلى هزيمة المسلمين؛ لأن المعارك كانت عبارة عن تشابك بالأيدي، وتلاحم بالسيوف، ومواجهة مباشرة بالدروع والنبال، وكانت الحرب تستمر يومًا وبعض يوم، كما حدث في "بدر" وفي "أحد" وفي غيرهما من السرايا والغزوات وبعدها يقف القتال، ويعود كل فريق لموطنه، والنصر حينئذ يكون لمن ألحق بخصمه خسائر أكبر.
وبهذا المقياس يظهر انتصار القرشيين كما فهمه معاصرو "أحد" ولذلك أتى أبو سفيان حين قدم مكة هبل وقال له: قد أنعمت علي ونصرتني، وشفيت نفسي من محمد، وأصحابه، وحلق رأسه، وما فعل أبو سفيان ذلك إلا لشعوره بانتصار المكيين على المسلمين.
وبسبب هذا الفهم أخذ الأعداء يجاهرون بعداوتهم لرسول الله ﷺ وللإسلام، وجرءوا على معاداة المسلمين، وكثر التواصل بينهم شماتة بالمسلمين، وفرحًا بهزيمتهم وأملا في استمرار الإحساس بالنصر.
لكن بعض العلماء ينظر لأحداث "أحد" من ناحية أخرى، ويرى أنها كانت صقلا للمسلمين، وتقوية لإيمانهم، وتجلية لما يجب أن يلتزموا به في إطار حركة الدعوة وهم يعملون للإسلام، ويسلم هؤلاء العلماء بانتصار القرشيين ظاهرًا، ويرونه انتصارًا مؤقتًا لا يلبث أن يزول، وأن خسائر المسلمين جزء من الإعداد والتدريب، ويقولون: إن انكسار المسلمين يوم "أحد" كان عامل قوة لهم أدت بهم إلى انتصارات لاحقة، بعدما استفادوا من دروس "أحد" وتمكنوا بالانتصارات اللاحقة من نشر الإسلام، وإيصال الدعوة
[ ٣٨٠ ]
إلى العالم كله، وعملوا على إبراز ما في دينهم من قوة ذاتية معنوية، بجوار استعدادهم لبذل أموالهم وأرواحهم لخدمة دين الله تعالى، وهؤلاء المتفائلون يبنون نظرتهم تلك على معطيات واقعية أهمها ما يلي:
١- بروز بطولة النبي ﷺ وشجاعته وثباته في وجه أعدائه وإصراره على مقاتلتهم وحده مع أن الصحابة فروا عنه وتركوه، وتلك مسألة لا بد من وضوحها لبيان ما قام به رسول الله ﷺ وتحمله في سبيل دين الله تعالى.
وتظهر شجاعة النبي ﷺ من ثباته وحيدًا أمام جيش قريش، وحرصه على قتل ابن الأشرف، بعدما أصيب وبقي وحده، وكان ﷺ في حالة يفر فيها الأبطال المغاوير، وكان أبي بن خلف يتصور نفسه قادرًا على قتل رسول الله ﷺ بعدما جاءه فوجده جريحًا ووحيدًا.
فلقد أقبل أبي بن خلف يركض بفرسه حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ اعترض له ناس من المسلمين ليقتلوه، فقال ﷺ: "استأخروا عنه".
وقام ﷺ وحربته في يده فرماه بها بين سابغة البيضة والدرع فطعنه ﷺ في هذا الموضع فوقع عن قوسه، وكسر ضلعًا من أضلاعه، فاحتملوه فمات لما ولوا قافلين بالطريق وتحقق بذل ما أنبأ به ﷺ قبل "أحد".
وقصة ذلك النبأ أن أبي بن خلف قدم المدينة في فداء ابنه حين أسر يوم "بدر"، فقال: يا محمد إن عندي فرسًا أعلفها كمية كبيرة من ذرة كل يوم حتى أقتلك عليها.
فقال رسول الله ﷺ: "بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله".
وكان ﷺ في القتال لا يلتفت وراءه وكان يقول لأصحابه: "كأني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خلفي، فإذا رأيتموه فآذنوني"، فإذا بأبي يركض على فرسه، وقد رأى رسول الله ﷺ فعرفه، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا محمد لا نجوت إن نجوت.
فقال القوم: يا رسول الله! ما كنت صانعًا حين يغشاك فقد جاءك! وإن شئت عطف عليه بعضنا.
فأبى ﷺ ودنا أبي فتناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ويقال من الزبير بن
[ ٣٨١ ]
العوام، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير فتطاير عنه أصحابه ولم يكن أحد يشبه رسول الله إذا جد الجد، ثم أخذ الحربة فطعن أبي بن خلف بها في عنقه، وهو على فرسه فجعل يخور كما يخور الثور.
يقول له أصحابه: يا أبا عامر! والله ما بك بأس، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره.
فيقول لهم: لا واللات والعزى، ولو كان هذا الذي بي بأهل "ذي المجاز" لماتوا أجمعون١.
وهكذا تحققت النبوءة المحمدية، وقتل أبي بن خلف، وتأكدت شجاعة النبي ﷺ.
وبهذه الصورة الشجاعة لرسول الله ﷺ تعلمت الأمة ضرورة وجود القائد الشجاع الذي يقود الأمة نحو تحقيق شرع الله تعالى، وحماية، دينه في الأرض كلها، وبخاصة في الأوقات الصعبة، ووسط الظروف الحاسمة، وبين للمسلمين ولغيرهم أهليته ﷺ لتحمل الرسالة وأعبائها، وتفرده ليكون الأسوة والقدرة لكل عاقل أريب.
وقد استوعب المسلمون هذا الدرس، وأحاطوا برسول الله ﷺ، ولاموا أنفسهم على ما فرطوا فيه، وبخاصة ما فعله الرماة منهم، وحرصوا بعد رسول الله ﷺ على بيعة الراشدين من الخلفاء، وتولية الرجال القادرين على حمل الأمانة، وتقرير المسئولية.
٢- التسليم بضرورة وقوع الابتلاء لتمييز الخبيث من الطيب، ولذلك كان ابتلاء الأنبياء والرسل، فلم يحدث لهم انتصار دائم، أو هزيمة دائمة، وإنما تفاوت أمرهم بين هذا وذاك.
يقول الحافظ بن حجر: والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائمًا لدخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين، حتى يتميز الصادق من الكاذب وقد ظهر المنافقون، وعرفهم المؤمنون في "أحد" وذلك أن باطن المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين فلما جرت أحداث "أحد" وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول، عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًا في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم٢.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٢٥٠، ٢٥١، زاد المعاد في هدي خير العباد ج٣ ص٢٠٩، ٢١٠. ٢ فتح الباري ج٧ ص٣٤٧.
[ ٣٨٢ ]
ولذلك كانت هزيمة "أحد" بعد انتصار "بدر"، وكانت "أحد" سببًا في إقبال المسلمين بعد ذلك، والتزامهم بطاعة الله ورسوله حتى نصرهم الله تعالى.
إن الابتلاء بصورة عامة يمحص الجبهة الإسلامية من عدة نواح.
فهو يطهر القلوب، ويخلصها من شوائب المادة، وثقل الغرائز، لأن القلوب تخالطها الشهوات، وتؤذيها الخواطر النفسية، وتحكمها العادات، وتستولي عليها الغفلة، ويلعب بها الشيطان، وهي في حاجة مستمرة للمجاهدة والتوجيه والإنذار، ولذلك اقتضت حكمة العزيز الرحيم أن يقيض لها من المحن والبلاء ما يكون كالدواء الكريه مذاقه وفيه الشفاء، فكانت نعمته ﷾ عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم، وظفرهم بعدوهم، فله عليهم النعمة التامة في هذا وذاك.
كما أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا لطغت نفوسهم، شأن طغيانها لو بسط لهم الرزق قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ١ فدارت حياة المؤمنين بين السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فإن النفوس تكسب من العافية الدائمة والنصر والغناء طغيانًا وركونًا إلى العجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء وتلك المحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه، ويقطع العروق المؤلمة، لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه.
كما أنه سبحانه قد هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلاءه وامتحانه قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الشورى: ٢٧. ٢ سورة آل عمران: ١٤٢.
[ ٣٨٣ ]
كما أن هذه المحن استخراج عبودية أوليائه، وبروز معدن حزبه في أحوال يظهر فيها الإنسان على حقيقته في السراء والضراء، وفيما يحبون ويكرهون، وفيحال ظفرهم، وظفر عدوهم بهم، فإذا ثبتوا على العبودية فيما يحبون ويكرهون فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء، والنعمة، والعافية.
وهناك تمحيص خارجي للمؤمنين، لتمحيص صفوفهم ممن كان يظن أنه منهم وهو عدو لهم، وقد أشار إليه الله تعالى بقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وذلك حتى يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن المسلمين لما أظهرهم الله تعالى "ببدر"، دخل معهم جمهور كبير ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم من المنافقين، فاقتضت حكمته تعالى أن يسبب لهم محنة "أحد" حتى يميز الخبيث من الطيب بتمييز المنافق من المؤمن، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ١.
إن من أخطر الأمور على بنيان أمة الإسلام أن يعيش بين صفوفها من لا يؤمن بمبادئها وأهدافها، ومن يمالئ العدو ساعة الشدة عليها، يعيش بينهم مجهولا منهم فلا يأخذون حذرهم منه، يظنونه معهم وهم عليهم ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
إن المنافقين جرثومة فساد في جسم الأمة، وبؤرة خبيثة في كيانها، يعيشون بين صفها الواهن، ويبلبلون الأفكار، ويشككون في المواقف، وهم فوق هذا وذاك طابور خامس للعدو الخارجي، من هذا كان عذابهم أشد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ ٣.
وقد يتمنى البعض أن يطلع الله تعالى المؤمنين على غيبه حتى يعلموا هؤلاء المنافقين
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٧٩. ٢ سورة المنافقنون: ٤. ٣ سورة النساء: ١٤٥.
[ ٣٨٤ ]
فيتقوا شرورهم بلا محن وابتلاء؟ والله قادر على إظهار ما عليه المنافقون، وإزهاق ما يقومون به من أباطيل، لكن الحكمة الإلهية اقتضت غير ذلك.
إن هذه الأمنية لا تلتقي مع حكمة الله العليا، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ ١ ذلك أن المنافقين وإن كانوا متميزين في علمه وغيبه، لكن ذلك شيء وتميزيهم تميزًا مشهودًا مطلب آخر، فيه تكمن حكمة الله تعالى، حتى يقع غيبه شهادة، فيجازيهم على واقع مشهود، لا على غيب معلوم له تعالى وحده.
وقد قدر ﷾ للمسلمين محنة يوم "أحد" ليتحول الغيب المجهول إلى واقع معلوم، وليعلم المسلمون درسًا في سياسة الحياة، وهي أن العدو يداجي خططه، ويخفيها ويلبسها بلباس غيرها، ليصل إلى ما يريد، وعليهم أن يحذروا، ويعملوا على تجنبه مهما تزين، وتزخرف.
وبذلك فقد حصل للمسلمين تمحيصان: تمحيص داخلي، وتمحيص خارجي، وفي كل خير جليل، ونفع للمسلمين عظيم، وبهذا كشف الله قناع الخير، وأسفر ليل المحنة عن نهار النعمة، وأشرقت النفوس بعد فيض الدروس، وتهللت الأرواح بعد زوال الأشباح، وخرجت نفوس المؤمنين من المحنة أنقى ما كانت، وأصفى وأرضى بقضاء الله وأغبط، بعد تجلية القرآن لما منحوه من خير عميم، خصوا به دون غيرهم من المنافقين الذين لا يحبهم الله، ولذا حال بينهم وبين ما ابتلى به المؤمنين، حتى لا يتخذ منهم شهداء مع عصاينهم كما اتخذ من أوليائه شهداء، يشير الله تعالى إلى إيثار المؤمنين بالشهادة دون المنافقين في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ وفي هذا دلالة صريحة على أن اتخاذ الشهداء نعمة يهبها الله لمن أحب من عباده المؤمنين.
٣- تلقى المسلمون درسا في ضرورة دقة الطاعة، وعدم الاجتهاد فيما فيه نص، فلقد أتى المسلمون من قبل الرماة الذين تركوا أماكنهم لجمع الغنائم، وعصوا بذلك أمر رسول الله ﷺ الصريح بعدم ترك الجبل مهما كانت الظروف، وقد أفاد هذا الدرس
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٧٩. ٢ سورة آل عمران: ١٤٠.
[ ٣٨٥ ]
المسلمين في المعارك التي حدثت بعد ذلك، وتأكدوا من نتائج المخالفة، وآثارها السيئة فلم يقعوا فيها، واستمروا يعملون بمقتضى الأمر الصريح، والنص الفصيح، والتزموا حدود الاتباع ودقة الطاعة.
٤- لم تحقق قريش شيئًا من أهدافها التي جاءت من أجلها، فلا هي قضت على رسول الله ﷺ، ولم تستول على المدينة، ولم تمنع المسلمين من الحركة بدينهم، وتطبيق شريعة الله تعالى ولم تحرر طرقها التجارية إلى الشام، ولذلك عند نصرها نصرًا جزئيًا مؤقتًا.
يقول الأستاذ محمود شيت خطاب: لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة غزوة "أحد" نصرًا للمشركين، واندحارًا للمسلمين؛ لأن مناقشة المعركة عسكريًا تظهر انتصار المسلمين على الرغم من خسائرهم الفادحة بالأرواح في هذه المعركة ونبدأ المناقشة من الوجهة العسكرية البحتة، لأظهار حقيقة نتائج غزوة أحد.
لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم، وتعفير لوائهم في التراب، ولكن التفاف خالد بن الوليد وراء المسلمين، وقطع خط رجعتهم، وهجوم المشركين من الإمام جعل قوات المشركين تطبق من كافة الجوانب على قوات المسلمين، هذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر، ولكن بقي النصر بجانبهم إلى الوقت الأخير.
إن نتيجة كل معركة عسكرية لا تقاس علميًا، وواقعيًا، بعدد الخسائر في الأرواح فقط بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي، وهو القضاء المبرم على العدو ماديًا ومعنويًا؟؟ فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديًا أو ومعنويًا؟ ١
إن حركة خالد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المقابل وإطباقهم على قوات المسلمين من كافة الجوانب وهم متفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين، كل ذلك كان يجب أن تكون نتائجه القضاء الأكيد على كافة قوات المسلمين، لكن ذلك لم يحدث، ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوقًا ساحقًا على قوة صغيرة من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد خسائر العشر فقط من عددها هزيمة، لا يعد ذلك إلا انتصارًا لتلك القوة الصغيرة، ولا يمكن اعتبار فشل القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديًا في مثل هذا الموقف الحرج للغاية، انتصارًا بل هو الفشل
[ ٣٨٦ ]
والانكسار لهذه القوة الكبيرة.
ولم تستطع قريش أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضًا، وإلا لما استطاع المسلمون الخروج لمطاردتها بعد يوم فقط من يوم "أحد" دون أن تتجرأ قريش على لقائها بعيدًا عن المدينة، خاصة وأن الرسول قد خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت "فعلا" بمعركة أحد، دون أن يستعين بغيرهم من الناس:
إن نجاة المسلمين من موقفهم الحرج الذي كانوا فيه بأحد نصر عظيم لهم، لأن أول نتائج إطباق المشركين على المسلمين من كافة الجهات في التصور العقلي هو الفناء التام، لكن ذلك لم يحدث١.
إن المكيين لم يسيطروا على معسكر المسلمين، ولم يتمكنوا من أسر مسلم واحد ولم يغنموا شيئًا، ولم يقطعوا رابطة الاتصال بين المسلمين وقيادتهم، وذلك يؤكد النظرة القائلة بأن ما حدث في "أحد" لم يكن هزيمة مطلقة، وإن لا لما انسحب المشركون في نهاية النهار خوفًا من ظلام الليل، وشجاعة المؤمنين.
٥- تعلم المسلمون من معركة "أحد" دروسًا استفادوا بها في مواجهة أعداء الله بعد ذلك، ومن هذه الدروس ضرورة الطاعة، وتنفيذ توجيهات القيادة، وأهمية مفاجأة العدو وعدم تركه يتخير زمان ومكان وكيفية المعركة، وعلموا كذلك ضرورة مطاردة العدو حين انكساره، وعدم تركه لتجميع صفوفه مرة أخرى، كما ظهر في السرايا والغزوات بعد "أحد".
ولو قدر الله للمسلمين أن يطاردوا أعداءهم في المرحلة الأولى التي انهزم فيها الكفار لقضوا عليهم، وألحقوا بهم الخسائر الكثيرة لكنهم لم يفعلوا ذلك، وانشغلوا بجمع الغنائم فكانت الجائرة عليهم.
٦- علم المسلمون ما يناله الشهداء من فوز، وبذلك عد من قتل منهم فائزًا منتصرًا فأسرعوا إلى الجهاد رجاء نيل الشهادة.
يروي البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل للنبي ﷺ يوم "أحد"
_________________
(١) ١ الرسول القائد ص١٢.
[ ٣٨٧ ]
وقال له: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟
قال ﷺ: "في الجنة".
فألقى تمرات كن في يده، ثم قاتل حتى قتل١.
وروى الإمام مسلم بسنده من حديث أنس "أن عمير بن الحمام أخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة" ثم قاتل حتى قتل.
والقصتان مختلفتان، قد وقعتا لرجلين مختلفين، حيث وقع التصريح في حديث أنس أن ذلك كان يوم "بدر" كما صرح في حديث جابر أن ذلك كان في يوم "أحد".
وهذان شيخان كبيران من الصحب الكرام رخص لهما رسول الله ﷺ في التخلف لسنهما، غير أن الرغبة في الشهادة قد دفعتهما إلى اللحاق بالمسلمين ليحرزاها، يروي ابن إسحاق بسنده قائلا: كان اليمان والد حذيفة وثابت بن وقش شيخين كبيرين، فتركهما رسول الله ﷺ مع النساء والصبيان، فتذاكرا بينهما، ورغبا في الشهادة، فأخذا سيفيهما، ولحقا بالمسلمين بعد الهزيمة، فلم يعرفوا بهما، فأما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه٢.
ويوضح لنا رسول الله ﷺ ما أنعم الله به عليهم فيقول ﷺ: "لما أصيب إخوانكم "بأحد" جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا مأكلهم، ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم" ٣ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٨٨. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٨٧ وقد أراد رسول الله ﷺ دفع دية اليمان ﵁ لكن ولده حذيفة عفا وتصدق بديته على المسلمين. ٣ أسباب النزول ص٧٣. ٤ سورة آل عمران: ١٦٩.
[ ٣٨٨ ]
وما لهم لا يفرحون بالشهادة ويستبشرون بها، والمولى ﷿ يحدثنا عنهم ويبين أنهم أحياء في رحاب فضله وكرمه ومستقر رحمته وواسع جناته، ينعمون بالنعيم الدائم في خير جوار، قد أبيحت لهم أنهار الجنة وثمارها، طعام لا كالطعام، وشراب لا كالشارب، فشتان بين طعام الأرض وطعامهم، وشراب الأرض وشرابهم، وهيئت لهم مساكن لا في جبال الأرض، وهجيرها وزمهريرها، ولكن في ساق العرش، قناديلها من ذهب وملاطها من فضة، فطاب المثوى، وكرم المأوى.
فجمع الله لهم بذلك إلى الحياة الدائمة، منزلة القرب منه، ومعيشة لهم، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله إنهم يعيشون عنده بالرضا، بل بما هو فوق الرضا، بل هو كمال الرضا، وفرحهم التام بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته.
وعلى هذا فإن الآثار التي تركتها "أحد" في المسلمين، محصت إيمانهم، وجعلتهم يقبلون على الله دائمًا، ويتمنون الحياة لله والموت في سبيله سبحانه وتعالى١.
_________________
(١) ١ انظر زاد المعاد في هدي خير العباد ص٢١٨-٢٤٢.
[ ٣٨٩ ]
المبحث السابع: أحداث ما بين أحد والأحزاب
مدخل
المبحث السابع: أحداث ما بين أحد والأحزاب
بدأت الأحداث تأخذ مجرى جديدًا بعد "أحد" حيث اتخذ جميع الفرقاء مواقف عديدة بناء على نظرهم لأحداث "أحد".
فمشركوا مكة رأوا فيما حدث في "أحد" فرصة يصعب تكرارها، وقد أفلتت منهم، لعلمهم أن انكسار المسلمين جاء بسبب خطأ مجموعة الرماة، وجرأة خالد وبراعته في الاستفادة من انسحاب الرماة من موقعهم، ولذلك انسحبوا سريعًا إلى بلدهم، ومكنوا فيها، ولم يخرجوا لملاقاة المسلمين بعد ذلك وحدهم، واكتفوا بالفخر الكاذب وادعاء النصر، ونشر الأكاذيب، وتحريض القبائل على رسول الله ﷺ.
ورأى الأعراب، وأهل البادية أن انكسار المسلمين في "أحد" موقف لا بد أن يستفيدوا به، ولذلك فكروا في الإغارة على المدينة للسلب والنهب، ولإظهار قوتهم أمام المسلمين لتكون لهم مهابة ومنزلة عندهم، وتصوروا أن حالة المسلمين تمكنهم من ذلك.
ورأى اليهود أن المسلمين أصيبوا إصابة تؤدي إلى ضعف قوتهم وهمتهم، وأنهم في حاجة إلى وقت طويل لتعود لهم إرادتهم القوية، وشجاعتهم الوثابة، وقدرتهم على مواجهة خصومهم.
ورأى المنافقون أن وضعهم قد عرف بعودتهم من "أحد" وعدم اشتراكهم في القتال، وتأكدوا أن النفاق لم يعد خطة تحقق لهم الحياة، وليس هناك ما يمنع حينئذ من إظهار العداوة، والبغضاء لرسول الله ﷺ وللمسلمين.
لكل هذا كثرت التحركات، وتعددت الأعمال في المدة ما بين غزوتي "أحد" و"الأحزاب" ولم تقف أفكار الأعداء عند حد القول والأماني، وإنما ظهرت في خطط، ومعاهدات، ومواجهات.
يروي الواقدي حال اليهود، والمنافقين بعد "أحد" فيقول: "أخذ عبد الله بن أبي والمنافقون معه يشمتون بالمسلمين، ويسرون بما أصابهم، ويظهرون أقبح القول لهم، فلما رجع الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى المدينة وهو جريح، وبات
[ ٣٩٠ ]
يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب الليل، جعل أبوه المنافق يقول له شامتًا: ما كان خروجك مع محمد إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد وأطاع الولدان، والله لكأني كنت أنظر إلى هذا!
فيقول له ابنه: الذي صنع الله لرسوله وللمسلمين خير.
وأظهرت اليهود القول السيئ فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه! وأخذوا يخذلون عن رسول الله ﷺ أصحابه! ويأمروهم بالتفرق عن رسول الله ﷺ.
وجعل المنافقون يقولون لأصحاب رسول الله ﷺ: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل، حتى سمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن عدة، فمشى إلى رسول الله ﷺ ليستأذنه في قتل من سمع ذلك من اليهود، والمنافقين، فقال له رسول الله ﷺ: "يا عمر إن الله مظهر دينه ومعز نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم".
قال عمر ﵁: فهؤلاء المنافقون يا رسول الله ﷺ!
فقال رسول الله ﷺ: "أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله".
قال عمر ﵁: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوذًا من السيف، فقد بان لنا أمرهم، وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة.
فقال رسول الله ﷺ: "نهيت عن قتل من قال: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يابن الخطاب! إن قريشًا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن" ١.
وحتى نستمر حركة الدعوة، ويعيش المسلمون حياة العزة والكرامة، ويحافظوا على حقوق الإنسان التي شرعها الله تعالى، وحفظها للناس أجمعين، كان لا بد من مواجهة الواقع الذي عاشه أعداء الإسلام بعد "أحد" بما يليق به، ولذلك وقعت أحداث عدة، بدأت بعد "أحد" مباشرة، واستمرت إلى قبيل غزوة "الأحزاب" أوردها هنا إتمامًا لترتيب أحداث تاريخ الدعوة، وإبرازًا للجهد الذي أداه المسلمون صادقين مخلصين.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٣١٧.
[ ٣٩١ ]
أولا: غزوة حمراء الأسد
انسحب القرشيون من ميدان معركة "أحد" وأخذوا طريقهم إلى مكة، فلما وصلوا إلى "الروحاء" على بعد ست وثلاثين ميلا من المدينة، استراحوا بها، وأخذ قادتهم يتأملون في نتائج معركة "أحد" وفي تدبير أمورهم بعدها، فقال بعضهم لبعض: لا محمدًا أصبتم، ولا الكواعب أردفتم، فبئس ما صنعتم.
وقال عكرمة بن أبي جهل: ما صنعنا شيئًا، أصبنا أشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم وقبل أن يكون لهم وفر وقوة١.
ولما رجع المسلمون إلى المدينة بجراحهم ومصابهم باتوا ليلتهم بين الحزن والألم، وبات رسول الله ﷺ يفكر في الأمر، ويتأمله ورأى ضرورة ملاحقة كفار مكة وطلبهم ومفاجأتهم حتى لا يفكروا في الرجوع إلى المدينة.
فلما صلى رسول الله ﷺ في اليوم التالي لـ"أحد"، أمر بلالا ﵁ أن ينادي في الناس أن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، فهب المسلمون رغم ما بهم من جراح، طاعة للنداء، وطمعًا في الثأر، وأملا في إدخال الرعب في قلوب أعداء الله حتى لا يظنوا بالمسلمين ضعفًا وخورًا.
جاء سعد بن معاذ ﵁ إلى قومه بني عبد الأشهل، والجراح في جميعهم فاشية، فقال لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تطلبوا عدوكم فيجيبه أسيد بن حضير، وبه سبع جراحات تحتاج للعلاج: سمعًا وطاعة لله ورسوله! فأخذ سلاحه، ولم يعرج على دواء جراحه، ولحق برسول الله ﷺ.
وجاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة فأمرهم بالمسير، فتلبسوا ولحقوا.
وجاء أبو قتادة أهل خربى، وهم يداوون الجراح، فقال: هذا منادي رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم، فوثبوا إلى سلاحهم، وما عرجوا على جراحاتهم، فخرج من بني سلمة أربعون جريحًا، بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبقطبة بن عامر بن حديدة تسع جراحات، حتى وافوا النبي ﷺ عند بئر أبي عنبة إلى رأس الثنية وهي على
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٣٣٨.
[ ٣٩٢ ]
الطريق الرئيسي بين مكة والمدينة، وعليهم السلاح، فاصطفوا لرسول الله ﷺ، فلما نظر رسول الله ﷺ إليهم، والجراح فيهم فاشية قال: "اللهم ارحم بني سلمة" ١.
وكان حرص المسلمين على الخروج واضحًا، لدرجة أن جابر بن عبد الله ﵁ جاء إلى النبي ﷺ وبين له عذره في عدم الخروج لـ"أحد" واستأذنه في الخروج هذه المرة، وقال لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، إن مناديًا نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس وقد كنت حريصًا على الحضور بالأمس في "أحد"، ولكن أبي خلفني على أخوات لي وقال: يا بني، لا ينبغي لي ولك أن ندعهن، ولا رجل عندهن، وأخاف عليهن، وهن بنات ضعاف، وأنا خارج مع رسول الله ﷺ، لعل الله يرزقني الشهادة، فتخلفت عليهن فاستأثره الله عليّ بالشهادة، وكنت رجوتها لنفسي، فائذن لي يا رسول الله أن أسير معك، فأذن له رسول الله ﷺ.
يقول جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري٢.
وولى النبي ﷺ على المدينة الصحابي عبد الله بن أم مكتوم.
ومن نوادر الطاعة خروج عبد الله ورافع ابني سهل بن عبد الأشهل، فلقد رجعا من "أحد" وجراحهما ثقيلة، فلما سمعا النداء عزما على الخروج، وليس لهم دابة ولا يقدران على السير، فخرجا يزحفان على بطونهما، فلما عجز رافع عن الزحف حمله أخوه عبد الله على ظهره، حتى أتيا رسول الله ﷺ عند العشاء، فلما علم أمرهما قال لهما ﷺ: "لو طالت لكم المدة كانت لكم مراكب من خيل، وبغال، وإبل، وليس ذلك بخير لكم" ٣.
وخرج مع رسول الله كل من خرج في أحد فبلغ عددهم ستمائة وسبعين رجلا وخرج معهم جابر بن عبد الله بإذن رسول الله ﷺ، وجاء رسول الله باللواء، وهو على حاله يوم "أحد" لأنه لم يحل ولم يتغير، وأعطاه لعلي بن أبي طالب، وواصل الجيش الإسلامي سيره إلى "حمراء الأسد" على بعد ستة أميال من المدينة، حتى بلغها، وعسكر بها٤.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٣٣٤، ٣٣٥. ٢ المغازي ج١ ص٣٣٦، سيرة النبي ج٢ ص١٠٠. ٣ المغازي ج١ ص٣٣٥. ٤ إمتاع الأسماع ج١ ص١٦٨.
[ ٣٩٣ ]
وأخذت الأحداث تتفاعل في كلا المعسكرين.
المشركون يفكرون في الرجوع إلى المدينة، ليدركوا ما فاتهم في القضاء على المسلمين والمسلمون يفكرون في إرهاب العدو، وطرده، وإبعاده عن المدينة حفاظًا على الذراري والنساء، وإعادة هيبتهم التي فقدوها في "أحد".
وهنا نجد دقة التحركات الإسلامية الرشيدة، والتي من أهمها:
١- أرسل رسول الله ﷺ ثلاثة نفر من أسلم ليأتوه بخبر القوم، فلحق الثلاثة بالقوم عند "حمراء الأسد" فأبصرهم القرشيون وقتلوا اثنين منهم وهما سليط، ونعمان، ابنا سفيان بن خالد من بني سهم، وأما الثالث فقد تخلف لبطئه في السير ونجا فلما وجدهما المسلمون في "حمراء الأسد" قبروهما في قبر واحد، فعرفا بالقرينين١، وقد أدى ذلك إلى زيادة خوف العدو لأنه علم ملاحقة المسلمين لهم.
٢- لما عسكر المسلمون في "حمراء الأسد" أمرهم رسول الله ﷺ بجمع الحطب في النهار على أن يوقد كل رجل منهم نارًا مستقلة، فبلغت النيران خمسمائة، تبدو عالية في البعد٢، وتحدث الأعراب بهذا فأصيبوا بالذعر والخوف، وتوقعوا أن القوة الإسلامية أضعاف أضعاف ما هي عليه وأبلغوا رؤيتهم لأهل مكة.
٣- جاء معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة سلما لرسول الله والمسلمين، وقال: يا محمد لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك، فطلب منه ﷺ أن يخذل الأعداء، فذهب إلى القرشيين وهم بالروحاء فقال له أبو سفيان: ما وراءك؟
قال: تركت محمدًا وأصحابه خلفي، يتحرقون عليكم بمثل النيران، وقد أجمع معه من تخلف عنه بالأمس، من الأوس والخزرج، وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم فيثأروا منكم وغضبوا لقومهم غضبًا شديدًا، ولمن أصبتم من أشرافهم.
قالوا: ويلك! ما تقول؟!
قال: والله ما أرى إلا أن نرتحل حتى نرى نواصي الخيل
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٣٣٨. ٢ سيرة النبي ج٢ ص١٠٢.
[ ٣٩٤ ]
وأرسل معبد إلى رسول الله ﷺ رجلا من خزاعة يعلمه بانصراف القرشيين إلى مكة خائفين، مذعورين١.
٤- علم الله تعالى إخلاص أصحاب رسول الله ﷺ وهم حزبه وجنده، فجعل من بين المشركين من يخذلهم، ويصرفهم عن مهاجمة المدينة مرة أخرى، وذلك أن أبا سفيان حينما فكر مع بعض رفاقه في العودة إلى المدينة ومهاجمتها، قال له صفوان بن أمية وهو واحد من جيش القرشيين: يا قوم لا تفعلوا! فإن المسلمين قد حزنوا على ما أصابهم، وأخشى أن يجمعوا عليكم من تخلف من الخزرج، فعودوا إلى مكة، والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم.
وأدخل الله الرعب في قلوب القرشيين فأسرعوا بالرحيل إلى مكة، وأراد أبو سفيان أن يخيف المسلمين، فانتهز مرور نفر من عبد القيس يريدون المدينة، فطلب منهم أن يخبروا محمدًا وأصحابه بأن قريشًا اجتمعت على الرجعة إليهم، فلما ذكر الوفد ذلك للمسلمين قال رسول الله ﷺ: "حسبنا الله ونعم الوكيل". وقويت عزائم المسلمين للقاء العدو، ورغبوا في إلحاق الأذى بالمشركين، رغم ما بهم من جراح، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٢.
ومكث النبي ﷺ والمسلمون في "حمراء الأسد" ثلاثة أيام عادوا بعدها إلى المدينة المنورة، وقد استفاد المسلمون من غزوة "حمراء الأسد" عدة فوائد:
أ- تجديد روح التضحية، وإظهار حب المسلمين للجهاد، والاستشهاد في سبيل الله تعالى، فلقد خرجوا مع رسول الله للجهاد بعد أقل من يوم من هزيمتهم في "أحد" رغم الجراح، والآلام، وكانوا على شوق للحرب، والقتال.
ب- إبراز القوة الإسلامية، وإعلام الآخرين بها، حتى يكونوا على حذر في عداوتهم
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص١٠٤. ٢ سورة آل عمران: ١٧٢، ١٧٣.
[ ٣٩٥ ]
ولا يستهينوا بالقوة الإسلامية، ولذلك أمرهم رسول الله ﷺ بإظهار ملامح القوة، وإرهاب العدو، وعمل على تخذيل الكفار وتخويفهم.
ج- ضرورة الاهتمام بالتخطيط، والتنفيذ، والالتزام بالطاعة، ليبرز العمل في وقته وزمانه، وليعود بالفائدة المأمولة لدين الله تعالى، وللمسلمين، ولهذا كان الخروج بعد أقل من يوم، مع الاستعداد للتضحية والفداء.
د- ضرورة أخذ الحذر، وعدم تصديق من غدر وخان، فلقد أسر المسلمون أبا غرة الجمحي بـ"حمراء الأسد" فطلب أن يمنَّ رسول الله ﷺ عليه، وقال له: لا تقتلني، فأبى النبي ﷺ وقال له: "لن تقول خدعت محمدًا مرتين". وكان قد منّ عليه وفك أسره في "بدر"، وقال ﷺ: "إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".
[ ٣٩٦ ]
ثانيًا: سرية أبي سلمة ﵁
بعد شهرين من غزوة "أحد" علم رسول الله ﷺ أن طلحة وسلمة ابني خويلد أخذا في تحريض قومهما بني خزيمة لحرب المسلمين والإغارة على المدينة المنورة لسلب الأموال، وإثبات كيان قوي لهم أمام المسلمين، بعدما تصوروا أن هزيمة المسلمين في أحد فرصة تساعدهم على ما أرادوه من بغي وعدوان.
يروي الواقدي حال بني خزيمة وهم يستعدون، ويتشاورون في مهاجمة المسلمين ويقول بعضهم لبعض: نسير إلى محمد في عقر داره، ونصيب من أطراف المسلمين، فإن لهم سرحًا يرعى جوانب المدينة ونخرج على متون الخيل، ونخرج على النجائب المخبورة فقد أربعنا خيلنا وإبلنا فإن أصبنا نهبًا لم ندرك، وإن لاقينا جمعهم كنا قد أخذنا للحرب عدتها، معنا خيل ولا خيل معهم، ومعنا نجائب أمثال الخيل، والقوم منكوبون قد أوقعت بهم قريش حديثًا، فهم لا يستبلون دهرًا، ولا يثبتون على أمر.
فقام فيهم رجل منهم يقال له: قيس بن الحارث بن عمير، فقال: يا قوم، والله ما هذا برأي! ما لنا قبلهم وتر، وما هم نهبة لمنتهب، وإن دارنا لبعيدة من يثرب، وما لنا جمع كجمع قريش، مكثت قريش دهرًا تسير في العرب تستنصرها، ولهم وتر يطلبونه ثم ساروا وقد امتطوا الإبل، وقادوا الخيل، وحملوا السلاح مع العدد الكثير -ثلاثة
[ ٣٩٦ ]
آلاف مقاتل سوى أتباعهم- وإنما جهدكم أن تخرجوا في ثلاثمائة رجل إن كملوا، فتغررون بأنفسكم وتخرجون من بلدكم، ولا آمن أن تكون الدائرة عليكم، فكاد ذلك أن يشككهم في السير١.
وقد سمع هذا النقاش رجل من طيئ٢ فقدم على صهره، الذي هو من صحابة رسول الله ﷺ بالمدينة وأخبر بما عزم عليه بنو خزيمة فجاء الصحابي إلى رسول الله، وأخبره خبر بني خزيمة فأرسل رسول الله إلى أبي سلمة ﵁ وهو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال القرشي المخزومي وولاه على سرية قوامها مائة وخمسون رجلا وأوصاه بتقوى الله وأمره بالإسراع في الخروج فخرج ﵁ مع السرية، وكان معهم الطائي يدلهم على الطريق وواصلوا السير ليلا ونهارًا، في طريق غير مألوف، حتى وصل بجيشه إلى أدنى ماء لبني أسد بن خزيمة، فوجد عند الماء إبلا، وغنمًا مع الرعاة، فاستولوا عليها، وهرب الرعاة إلا ثلاثة، وحذروا بني أسد من جمع أبي سلمة، وكثروهم عندهم، ففرقوا في كل وجه هلعًا، وخوفًا.
فلما ورد أبو سلمة مكان تجمع القوم لم يجد أحدًا فعكسر فيه، وفرق أصحابه في طلب النعم والشاه، فجعلهم ثلاث فرق: فرقة أقامت معه، وفرقتان أغارتا في ناحيتين مختلفتين، وأوعز إليهما ألا يمنعوا في طلب، وألا يبيتوا إلا عنده إن سلموا، وأمرهم ألا يفترقوا، واستعمل على كل فرقة عاملا منهم، فآبوا إليه جميعًا سالمين، قد أصابوا إبلا وشياه، ولم يلقوا أحدًا، فرجع أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة راجعًا، ورجع معه الطائي فلما ساروا ليلة قال أبو سلمة: اقتسموا غنائمكم، فأعطى أبو سلمة الطائي الدليل رضاه من المغنم، وأخرج صفيًا لرسول الله ﷺ عبدًا، ثم أخرج الخمس، ثم قسم ما بقي بين أصحابه، فعرفوا سهامهم، وأقبلوا بالنعم والشاه يسوقونها حتى دخلوا المدينة٣.
وكانت سرية أبي سلمة٤ في مستهل شهر المحرم من العام الرابع الهجري.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٣٤٢. ٢ هو الوليد بن زهير بن طريف من بني طيئ. ٣ المغازي ج١ ص٣٤٣. ٤ أبو سلمة من بني مخزوم شهد أحدًا وجرح بها، وقد استمر في مداواة الجرح شهرًا حتى دمل على فساد، واشترك في "حمراء الأسد" فلما استعمله النبي ﷺ على السرية عاوده ألم الجرح، واشتد عليه بعد رجوعه إلى المدينة، فمات بها، فهو من شهداء "أحد" وقد خلفه الرسول ﷺ على زوجته أم سلمة أم المؤمنين ﵂.
[ ٣٩٧ ]
ثالثًا: بعث عبد الله بن أنيس
في الخامس من شهر المحرم من العام الرابع للهجرة جاءت الأخبار إلى رسول الله ﷺ أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب رسول الله ﷺ، ويحرض على مهاجمة المدينة وقد نزل بـ"عوانة" فأرسل رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس ﵁ إليه ليقضي عليه وينهي الفتنة التي يعمل لإشعالها.
قال عبد الله بن أنيس: يا رسول الله! انعته لي حتى أعرفه.
قال ﷺ: "إذا رأيته هبته، وفرقت منه، وذكرت الشيطان، وآية ما بينك وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته". وأذن له أن يقول ما بدا له.
وكان أنيس لا يهاب الرجال، فأخذ سيفه وخرج، حتى إذا كان ببطن عرنة لقي سفيان يمشي، وراءه الأحابيش فهابه، وعرفه بالنعت الذي نعت له رسول الله ﷺ، وقد دخل وقت العصر فصلى وهو يمشي يومئ إيماء برأسه، فلما دنا منه قال: من الرجل؟
قال: رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك عجبًا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الآباء وسفه أحلامهم.
فصحبه سفيان معه وأكرم قراه، فلما تفرق عنه أصحابه، قال: هلم يا أخا خزاعة فدنا منه وجلس عنده حتى نام الناس فقتله، وأخذ رأسه واختفى في غار، والخيل تطلبه في كل وجه، ثم سار الليل، وتوارى في النهار إلى أن قدم المدينة١ الذي ظل غائبًا عنها ثماني عشرة ليلة بدءًا من السبت لسبع بقين من المحرم، وقد قتل خالدًا، وجاء برأسه فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم٢، فأعطاه ﷺ عصاه، وقال له ﷺ: "هذه آية بيني وبينك يوم القيامة". فلما حضرت ابن أنيس الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه وكانت غيبته ﵁ عن المدينة ثمانية عشر يومًا٣.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٥٣. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٥٤. ٣ زاد المعاد في هدي خير العباد ج٣ ص٢٤٤.
[ ٣٩٨ ]
رابعًا: بعث الرجيع
والرجيع بفتح الراء المشددة وكسر الجيم اسم ماء لهذيل يقع بين مكة وعسفان بأرض الحجاز، وسمي البعث به لحدوث الوقعة عنده.
وسبب هذه الوقعة أن نفرًا من القارة، وعضل١، وهما بطنان من بطون الهون بن خزيمة بن مدركة قدموا على رسول الله ﷺ، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وطلبوا منه ﷺ أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن الكريم، ويفهمهم الإسلام، فبعث لهم الرسول ﷺ سرية مؤلفة من عشرة رجال، وأمر عليهم عاصم بن ثابت ﵁ فانطلقوا بهم حتى كانوا بين عسفان ومكة.
وهنا غدر القوم بهم، واستصرخوا عليهم النضر وحيًا من هذيل ليغدروا بهم معهم فأتوهم بقريب من مائة رام، تتبعوا آثار أفراد السرية حتى لحقوا بهم عند "فدفد" فلجأ عاصم ومن معه إليها، وأقاموا بها حتى لحقوا بهم.
وجاء الرماة فأحاطوا بعاصم ومن معه وقالوا لهم: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا.
فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا رسولك، فقاتلوهم ولم يستسلموا واستمر الرمي حتى قتل عاصم مع سبعة نفر من أصحابه.
وبقي خبيب، وزيد، ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم وربطوهم بها.
فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، وأبى أن يصحبهم فجروه، وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه.
وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة.
فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل أباهم الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله خرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فصلاهما فلما سلم قال: والله لولا إن تقولوا: أن ما بي جزع من الموت لزدت، وكان أول من سن الركعتين عند القتل، ثم قال: اللهم
_________________
(١) ١ القارة بتخفيف الراء وعضل بضم العين وفتحها وفتح الضاد.
[ ٣٩٩ ]
أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا١ وأخذ يقول:
لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وقد قربوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مضجعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطعمي
وقد خيروني الكفر والموت دونه فقد ذرفت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت وإني إلى ربي إيابي ومرجعي
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان في الله مضجعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
فلسلت بمبد للعدو تخشعًا ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي
ولما صلبوه، وأرادوا قتله قال له أبو سفيان: أيسرك أن محمدًا عندنا نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟
فقال: لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ثم صلبوه ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري، فاحتمله بخدعة ليلا فذهب به فدفنه، وكان الذي تولى قتل خبيب هو عقبة بن الحارث٢.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه أمية بن خلف٣.
وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر "الزنابير" فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء، وكان عاصم أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا، وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته٤.
_________________
(١) ١ قال السهيلي: وإنما صارت سنة لأنها فعلت في زمنه ﷺ واستحسنت من صنيعه، وقد صلاها زيد بن حارثة في حياة النبي ﷺ، كما صلاها حجر بن عدي بن الأدبر حين حمل إلى معاوية من العراق، ومعه كتاب زياد ابن أبيه يشهد عليه أنه خرج عليه، وأراد خلعه، وفي الكتاب شهادة جماعة من التابعين منهم الحسن، وابن سيرين، فلما دخل حجر بن عدي على معاوية قال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين. قال معاوية: أوأنا للمؤمنين أمير؟ ثم أمر بقتله، فصلى ركعتين قبل قتله يرحمه الله وقد عاتبت عائشة معاوية في قتله، فقال: إنما قتله من شهد عليه، ثم قال: دعيني وحجرًا، فإني سألقاه على الجادة يوم القيامة. قالت: فأين ذهب عنك حلم أبي سفيان؟ قال: حين غاب مثلك من قومي "الروض الأنف ج٣ ص٢٣٥". ٢ السيرة النبوية ج٢ ص١٧٣. ٣ السيرة النبوية ج٢ ص١٧٢. ٤ صحيح البخاري ك المغازي باب غزوة الرجيع ج١ ص٣١٠-٣١٢، زاد المعاد ج٣ ص٢٤٤-٢٤٦.
[ ٤٠٠ ]
خامسًا: سرية عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان
كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة: أما أحد يغتال محمدًا فإنه يمشي في الأسواق فندرك ثأرنا؟!
فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله بمكة وقال له: يا أبا سفيان إن أنت وفيتني خرجت إليه حتى أغتاله، فإني هاد بالطريق ومعي خنجر مثل خافية النسر.
قال أبو سفيان: أنت صاحبنا، وأعطاه بعيرًا، ونفقة، وقال له: اطو أمرك، فإني لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه إلى محمد.
قال الرجل العربي لا يعمله، فخرج ليلا على راحلته فسار خمسًا، ووصل المدينة في اليوم السادس، ثم أقبل يسأل عن رسول الله ﷺ حتى أتى المصلى، فعقل راحلته، ثم أقبل يؤم رسول الله ﷺ فوجده في جماعة من أصحابه يحدث في مسجده، فلما دخل ورآه رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "إن هذا الرجل يريد غدرًا، والله حائل بينه وبين ما يريده".
فوقف وقال: أيكم ابن عبد المطلب؟
فقال له رسول الله ﷺ: "أنا ابن عبد المطلب". فذهب ينحني على رسول الله ﷺ كأنه يساره، فجبذه أسيد بن حضير وقال: تنح عن رسول الله ﷺ، وجذبه بداخل إزاره، فإذا الخنجر يظهر فقال: يا رسول الله هذا غادر.
فأسقط في يد الأعرابي وقال: دمي دمي يا محمد، وأخذه أسيد بن حضير يلببه فقال له النبي ﷺ: "اصدقني من أنت، وما أقدمك، فإن صدقتني نفعك الصدق، وإن كذبتني فقد اطلعت على ما هممت به".
قال العربي: فأنا آمن؟!
[ ٤٠١ ]
قال ﷺ: "وأنت آمن".
فأخبره بخبر أبي سفيان، وما جعل له فأمر به فحبس عند أسيد بن حضير، ثم دعا به من الغد وقال له ﷺ: "قد أمنتك فاذهب حيث شئت، أو خير لك من ذلك"؟.
قال: وما هو؟
فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله يا محمد ما كنت أفرق بين الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت، ثم اطلعت على ما هممت به فما سبقت به الركبان، ولم يطلع عليه أحد، فعرفت أنك ممنوع، وأنك على حق، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان، فجعل النبي ﷺ يبتسم، وأقام الرجل أيامًا بالمدينة، ثم استأذن النبي ﷺ فخرج من عنده، ولم يسمع له ذكر بعد ذلك١.
وقد أدى هذا التصرف العدواني من أبي سفيان أن أرسل رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري مع رجل من الأنصار إلى مكة لقتل أبي سفيان إن أصابا فيه غرة، فلما رأى أهل مكة ابن أمية عرفوه وأدركوا شرًا وراءه، وتجمعوا له فرجع مع صاحبه إلى المدينة، يقول عمرو بن أمية: بعثني رسول الله ﷺ وبعث معي جبار بن ضمر الأنصاري إلى أبي سفيان بن حرب وقال: "إن أصبتما فيه غرة فاقتلاه".
فخرجنا حتى قدمنا مكة وحبسنا جملينا بشعب من شعاب يأجج ثم دخلنا مكة ليلا فقال جبار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين.
فقال عمرو: إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم، وإنهم إن رأوني عرفوني فإني أعرف بمكة من الفرس الأبلق.
فقال جبار: كلا إن شاء الله فأبى أن يطيعني فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فوالله إنا لنمشي بمكة إذ نظر إليّ معاوية بن أبي سفيان فعرفني فقال معاوية: عمرو بن أمية فوالله ما قدمها إلا لشر، فأخبر قريشًا بمكاني فخافوني وطلبوني وقالوا: لم يأت عمرو بخير، فحشدوا وتجمعوا.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٦ ص١٩٤، ١٩٥.
[ ٤٠٢ ]
قال عمرو: فقلت لصاحبي: النجاء، فخرجنا نشتد حتى صعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا فدخلنا كهفًا في الجبل فبتنا فيه وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا، فلما أصبحنا غدا عبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي يقود فرسًا له فغشينا ونحن في الغار وكان معي خنجر قد أعددته فخرجت إليه وضربته ضربة فصاح صيحة فأسمع أهل مكة وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا: من ضربك؟
فقال: عمرو بن أمية وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا، فاحتملوه فقلت لصاحبي لما أمسينا: النجاء، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدي، فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية فلما حاذينا الخشبة شددنا عليها وحملناها وخرجنا بها شدًا حتى أتينا جرفًا بمهبط مسيل يأحج فدفناها في الجرف فغيبه الله تعالى عنهم فلم يقدروا عليه وعدنا بعدها إلى المدينة١.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٦ ص١٩٥، ١٩٦ بتصرف.
[ ٤٠٣ ]
سادسًا: وقعة بئر معونة
وبئر معونة موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان، قريب من الرجيع، وفيه حدثت الواقعة المشهورة، التي استشهد فيها سبعون من القراء، حفظة القرآن الكريم.
ويبدو أن أهل هذه المنطقة خططوا لخديعة المسلمين، وعارضوا رسول الله ﷺ بسبب قربهم من مكة، وتأثرهم بأهلها.
يروي ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث أصحابه إلى بئر معونة في شهر صفر على رأس أربعة أشهر من "أحد" بعدما جاء أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بـ"ملاعب الأسنة" إلى المدينة فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، ودعاه إلى دين الله تعالى فلم يسلم ولم يبعد عن الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد، يدعونهم إلى أمرك، فإني أرجو أن يستجيبوا لك.
[ ٤٠٣ ]
فقال رسول الله ﷺ: "إني أخشى عليهم أهل نجد".
قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم، فليدعوا الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو، أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من الصحابة منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، في رجال من خيار المسلمين الحفظة فساروا حتى نزلوا بـ"بئر معونة" وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب.
فلما نزلوا "بئر معونة" بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب وعدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن ننقض عهد أبي براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم، وهم: عصية، ورعل، وذكوان١.
فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رآهم القراء أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم، "يرحمهم الله" إلا كعب بن زيد، أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق، فحمل من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا، رحمه الله٢.
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار، أحد بني عمرو بن عوف، وهو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح.
يقول ابن إسحاق: فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة.
فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟
_________________
(١) ١ عصية بضم العين وفتح الصاد وتشديد الياء المفتوحة ورعل بكسر الراء وسكون العين، وذكوان بفتح الذال وسكون الكاف أسماء قبائل. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الرجيع ج٦ ص٣١٢، زاد المعاد ج٣ ص٢٤٦، ٢٤٧.
[ ٤٠٤ ]
قال عمرو: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ، فنخبره الخبر.
فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو وما كنت لتخبرني عنه الرجال، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا.
فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عمرو بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبته زعم أنها كانت على أمه.
فخرج عمرو بن أمية، حتى إذا كان بـ"قرقرة الكدر" من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر١ حتى نزلا معه في ظل هو فيه.
وكان مع العامريين عقد من رسول الله ﷺ وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما؟
فقالا: من بني عامر، فأمهلهما، حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثأره من بني عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله ﷺ.
فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله ﷺ، فأخبره الخبر، قال رسول الله ﷺ: "لقد قتلت قتيلين، لأدينهما" ٢.
وقد تألم النبي ﷺ لأجل مأساة "بئر معونة" ولأجل مأساة "الرجيع" اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألمًا شديدًا، وتغلب عليه الحزن والقلق، حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه، ففي البخاري عن أنس ﵁ قال: دعا النبي ﷺ على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحًا، يدعو في صلاة الفجر على رعل وذكوان ولحيان وعصية، ويقول: "عصية عصت الله ورسوله" ٣. فأنزل الله تعالى على نبيه قرآنًا قرأناه حتى نسخ بعد: "بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه"، فترك رسول الله ﷺ قنوته٤.
_________________
(١) ١ وقيل إنهما من بني كلب، والراجح ما ذكرته وقرقرة الكدر موضع قريب من المدينة. ٢ سيرة النبي لابن هشام ج٢ ص١٨٥، ١٨٦. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الرجيع ج٦ ص٣١٧. ٤ نفس المرجع السابق ج٦ ص٣١٨.
[ ٤٠٥ ]
وأورد البخاري في صحيحه رواية أخرى تحدد محل القنوت ضمن أعمال الصلاة حيث ذكر بسنده عن عاصم الأحول أنه قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن القنوت في الصلاة.
قال: نعم.
فقلت كان قبل الركوع أو بعده؟
قال: قبله.
قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك، أنك قلت بعده.
قال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا، أنه كان بعث ناسًا يقال لهم القراء، وهم سبعون رجلا إلى ناس من المشركين، وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم، فظهر هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا يدعو عليهم١.
وقد بين الحافظ ابن حجر في الفتح أن المراد بالقنوت الدعاء، وأورد حديث أئمة الحديث والفقه الذين بينوا أن القنوت يجوز في صلوات الليل والنهار، وأولاها صلاة المغرب دبر صلاة النهار، وصلاة الفجر دبر صلاة الليل.
وبينوا أن رسول الله ﷺ قنت قبل الركوع قليلا، وأكثر قنوته كان بعده، وذكروا أن قول أنس في الرواية "كذب" يعني أخطأ بلغة أهل الحجاز.
وقد أجمع الفقهاء والمحدثون أن رسول الله ﷺ قنت في صلاة الصبح.
فلا عبرة لمن أنكر القنوت أمام هذا الإجماع؛ لأن الدليل لا ينقض إلا بما يساويه، أو يزيد عليه في القوة.
والحكمة في جعل القنوت جهرًا، وأثناء القيام هو اشتراك الإمام والمأموم في الدعاء وهم في حالة نشاط وإقبال على الله تعالى، ولذلك أجمعوا على الجهر بالقنوت لتحقيق هذه المشاركة بين الإمام يدعو، والمأمومين يؤمنون، ولا خلاف في الجهر بالقنوت بين الأئمة في أوقات الصلاة ما عدا صلاة الصبح فإنهم اختلفوا في محله، وفي الجهر به٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الرجيح ج٦ ص٣١٨. ٢ صحيح البخاري بشرح فتح الباري كتاب الوتر باب القنوت ج٢ ص٤٩٠، ٤٩١.
[ ٤٠٦ ]
سابعًا: غزوة بني النضير
فرح اليهود بهزيمة المسلمين في "أحد" وأخذوا يعلنون قوتهم وبأسهم، والحقيقة أنهم لم يكونوا أصحاب قتال وحرب، بل كانوا أصحاب خداع وتآمر، وكانوا يتعاونون خفية مع المنافقين، ومع كل من يعادي رسول الله ﷺ، ولم ينس يهود بني النضير ما لحق بإخوانهم من بني قينقاع، وبكعب بن الأشرف، فأخذوا يتحينون الفرص للغدر برسول الله ﷺ، وبالمؤمنين.
فلما وقعت غزوة "أحد"١ وخدع المشركون المسلمين في "الرجيع"، وفي "بئر معونة" فكر يهود بني النضير في الغدر برسول الله ﷺ، وانتهزوا فرصة ذهابه إلى ديارهم لمطالبتهم بالمساهمة في دية الرجلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري تطبيقًا للعهد الذي قطعه الرسول ﷺ معهم عند مجيئهم إلى المدينة.
وكان بين بني النضير وبني عامر حلفًا وعهدًا، فلما طالبهم الرسول ﷺ بالاشتراك في الدية قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟
فانتدبوا لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي على رسول الله ﷺ صخرة كما قال، ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة ﵃.
فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة،
_________________
(١) ١ ذهب البعض إلى أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر، وقبل أحد، والحق أنها كانت بعد "أحد" وبعد بئر معونة لأن سببها كان غدر بني النضير برسول الله ﷺ حين ذهب إليهم ليدفعوا ما عليهم من دية الرجلين من بني عامر الذين قتلهم عمرو بن أمية بعد نجاته في بئر معونة، وأيضًا فإن فكرة التآمر لاغتيال رسول الله ﷺ تواترت بين اليهود وبين أبي سفيان كما دلت الأحداث على ذلك بعد "أحد".
[ ٤٠٧ ]
فلما استلبث النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه ﷺ، فأخبرهم الخبر، وعرفهم أن اليهود أرادت الغدر به، وأمرهم بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم١.
وحاول ابن أبي إشعال الفتنة فذهب إلى بني النضير، ومناهم بأن قريظة، وغطفان، وألفين معه سيكونون معهم إن قاتلوا المسلمين، فلما اشتد الأمر نكص على عقبيه كما فعل مع بني قيقناع، فتنبه بنو النضير، وأعدوا للأمر عدته.
وسار النبي ﷺ بالناس، حتى نزل بهم، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة، فحاصرهم ست ليال، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟
وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم "عدو الله" عبد الله بن أبي بن سلول، ووديعة مالك بن أبي قوقل، وسويد، وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا بذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وانخذل المنافقون وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الدروع ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته ويحمل الأبواب والشبابيك فيضعها على ظهر بعيره فينطلق بها، فخرج أكثرهم إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام٢.
وممن سار منهم إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب فلقد نزلوها، وصار لهم فيها شأن وقوة ورأي.
حمل اليهود معهم النساء والأبناء وبعض الأموال وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٢٤٨. ٢ سيرة النبي ج٢ ص١٩١.
[ ٤٠٨ ]
سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك ابن خرشة ذكرا فقرًا فأعطاهما رسول الله ﷺ.
ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير أبو كعب بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها.
يقول ابن إسحاق وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله ﷺ قال ليامين: "ألم تر ما لقيت من ابن عمك، وما هم به من شأني"؟. فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش، فقتله فيما يزعمون١.
وقد أنزل الله سورة الحشر تتحدث عن بني النضير، ولذلك سماها ابن عباس سورة بني النضير٢، وقد ابتدأت السورة بالحديث عن خروجهم من المدينة، رغم قوة حصونهم ودقة تخطيطهم، ولم يكن أحد يتصور لهم هذا الخروج، لكن قضاء الله نفد عليهم فخربوا بيوتهم بأيديهم واستولى الرعب عليهم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ، وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣ والمراد بالذين كفروا يهود بني النضير، وأول الحشر هي أرض خيبر، وذكرت الآيات أن كل ما فعله المسلمون هو بأمر الله تعالى، وهم حين قطعوا نخيل بني النضير، كانوا عبيدًا يلتزمون بما أمروا به، حتى ينفد مراد الله، في إذلال اليهود، وحرمانهم من سائر ما يتحصنون به، وإظهار عجزهم، وضعفهم، يقول الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٤.
كما بينت الآيات موقف المنافقين، وطريقتهم في التحريض وهم كاذبون، فلقد
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص١٩٢. ٢ صحيح البخاري ك المغازي باب حديث بني النضير ج٦ ص٢٧١. ٣ سورة الحشر الآيات من ٢ إلى ٤. ٤ سورة الحشر: ٥.
[ ٤٠٩ ]
وعدوا اليهود بمشاركتهم في القتال والخروج، فلما جد الجد نكصوا، ولم ينفذوا وعدًا وعدوه لليهود؛ لأنهم شديدو الخوف من المسلمين يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ، لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
وتتناول الآيات صفات اليهود القائمة على الخور والضعف، والخوف، فهم لا يقاتلون إلا بمساندة مادية، ومعونة خاصة، ويحصنون قراهم من شدة الخوف، كما أنهم أشتات متفرقون لا تجمعهم وحدة النشأة، والتكوين، وإنما مثل المنافقين معهم كمثل الشيطان يغوي الإنسان ويؤذيه، يقول تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
والآيات في سورة الحشر تعايش المسلمين، وتبين لهم حقيقة الفيء وأحكامه؛ لأن ما أصابوه من أموال بني النضير كان أول فيء أصابوه، فهو إلى رسول الله ﷺ يوزعه على المستحقين له، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
_________________
(١) ١ سورة الحشر: ١١-١٣. ٢ سورة الحشر: ١٣-١٧.
[ ٤١٠ ]
السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١.
وتوضح الآيات الصفات الأساسية للمسلم فردًا، وجماعة، وتبين أن جماعة الإيمان متحابة، مترابطة، مطيعة لله تعالى، وتوضح بجلاء أخلاق المهاجرين والأنصار، وتذكر الصورة العملية لمسلكهم، وتعاونهم، فلقد كانوا ﵃ يبتغون رضى الله ورضوانه، وينصرون الله ورسوله، في صدق عام، وإخلاص شامل، وكان كل واحد منهم يؤثر أخاه على نفسه ويدعو له، ويسأل الله تعالى أن يملأ قلبه بالحب لكافة المسلمين، أحياء وأمواتًا يقول تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
كما توجه الآيات المسلمين إلى ضرورة الإخلاص في التقوى، والعمل ليوم الدين، والتذكر الدائم لله رب العالمين، والاهتمام بالقرآن الكريم حفظًا وفهمًا وعملا يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ، لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
وهكذا سجلت سورة الحشر أحداث غزوة بن النضير بمنهجية القرآن الكريم في ذكر الحدث، ذلك المنهج الذي يركز على العبرة، ويبين مناط القدوة والتأثير بلا ترتيب بين الأحداث والوقائع للوصول إلى الغاية المأمولة وهي إيجاد الإنسان الصالح، وتكوين المجتمع السعيد.
_________________
(١) ١ سورة الحشر: ٦-٧. ٢ سورة الحشر: ٨-١٠. ٣ سورة الحشر: ١٣-١٧.
[ ٤١١ ]
سابعا: غزوة بني النضير
ثامنا: غزوة نجد
ثامنًا: غزوة نجد
بعد هزيمة بني النضير، وطردهم من المدينة تخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم وغدرهم، ورأى رسول الله ﷺ أن عددًا من القبائل البعيدة عن المدينة تحتاج لعملية تأديبية، فخرج رسول الله ﷺ لتأديب هؤلاء الأعراب الخارجين المخادعين الذين يقيمون في الأماكن البعيدة عن المدينة في "نجد" وغيرها، وبخاصة بعدما علم أن جموعًا من بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان تحتشد لمهاجمة المسلمين في المدينة.
أسرع رسول الله ﷺ للخروج إليهم في أربعمائة من أصحابه بعدما ولى على المدينة أبا ذر الغفاري ﵁ فلما وصل إلى ديارهم بنجد فروا في رءوس الجبال فلم يقابل منهم أحدًا وقد وقعت هذه الغزوة في ربيع الثاني وأوائل جمادى الأولى من العام الرابع للهجرة١.
وأهمية هذه الغزوة تتجلى في مساهمتها في القضاء على العداوات المختلفة الموجودة عند الأعراب والبوادي، وبخاصة هؤلاء الذين يقطنون بعيدًا عن المدينة، ليتفرغ المسلمون لملاقاة المكيين الذين كانوا يتوعدون المسلمين، ويهددونهم مستعينين بهؤلاء الأعراب.
ويلاحظ أن هذه الغزوة كانت في بلاد نجد البعيدة عن المدينة، وهذا يؤكد قوة المسلمين ويعرف الجميع أن يد المسلمين طويلة، وأنها تستطيع الوصول إلى الأعداء في كل مكان لإبطال كيدهم، ومنعهم من العدوان أو التفكير فيه.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٢٥٠ والبعض يسمي هذه الغزوة بذات الرقاع وهو غير صحيح لأن غزوة ذات الرقاع شهدها أبو هريرة وأبو موسى الأشعري اللذان أسلما وقدما إلى رسول الله ﷺ قبل خيبر بأيام وبذلك فزمنها بعد خيبر على الأرجح.
[ ٤١٢ ]
تاسعًا: غزوة بدر الثانية
بعد تأديب الأعراب، والقضاء على شوكتهم أخذ المسلمون يتهيئون لملاقاة كفار مكة في الموعد الذي ضربوه لهم بعد "أحد".
وسبب هذه الغزوة أن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى المسلمين، وقال لهم جهرًا وعلانية: موعد ما بيننا وبينكم بدر الصفراء، رأس الحول، نلتقي فيه فنقتتل.
فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: "قل نعم إن شاء الله" ١.
فافترق الناس على ذلك، ورجعت قريش وأخبروا من قبلهم بالموعد.
وكانت بدر الصفراء مجمعًا للعرب، وسوقًا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان ليال خلون منه، فإذا مضت ثماني ليال تفرق الناس إلى بلادهم.
فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى رسول الله ﷺ، وأحب ألا يوافي رسول الله ﷺ الموعد حتى يدعي أن التخلف عن اللقاء بسبب المسلمين لا بسببه.
واستعمل أبو سفيان سلاح الضغط النفسي فكان يظهر أنه يريد أن يغزو رسول الله ﷺ في جمع كثيف، ويتحدث في ذلك حتى يصل الخبر إلى أهل المدينة، ويعلموا أنه يجمع الجموع ويحشد العرب، فيخافون ويقعدون.
قدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة -وأسلم بعد ذلك- فأخبر أبا سفيان، وقريشًا أن المسلمين يتهيئون لحربهم فأعلمه أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتل بجدب الأرض، وجعل لنعيم عشرين فريضة توضع تحت يد سهل بن عمرو، على أن يخذل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله على بعير.
فقدم نعيم المدينة، وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان حتى أرعب المسلمين، وتمنوا عدم الخروج في الموعد واستبشر المنافقون واليهود وقالوا: لن يفلت محمد من هذا الجمع فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، حتى خشي ألا يخرج معه أحد.
وجاءه أبو بكر وعمر ﵁ وقد سمعا ما سمعا فقالا: يا رسول الله ﷺ إن الله تعالى
_________________
(١) ١ انظر غزوة أحد.
[ ٤١٣ ]
مظهر دينه، ومعز نبيه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا جبن فسر لموعدهم، فوالله إن في ذلك لخيرة.
فسر رسول الله ﷺ بذلك، ثم قال: "والذي نفسي بيده لأخرجن، وإن لم يخرج معي أحد" ١، فنصر الله تعالى المسلمين، وأذهب عنهم الرعب الذي غرسه الشيطان في نفوسهم.
وكان اللقاء ضروريًا لتتضح حقيقة كل طرف، وتظهر قوته، ويعلم أهل مكة أن المسلمين لن يستكينوا أبدًا، وأن هزيمتهم في "أحد" كانت خطأ لن يتكرر.
ففي شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة خرج رسول الله ﷺ لموعده في ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وقيل: إنه استخلف عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁ وانتهى إلى "بدر" فأقام بها ينتظر المشركين٢.
وأما أبو سفيان، فخرج في ألفين من مشركي مكة، ومعهم خمسون فرسًا، حتى انتهى إلى "مر الظهران" على بعد مرحلة من مكة فنزل بـ"مجنة" "ماء في تلك الناحية".
خرج أبو سفيان من مكة متثاقلا وهو خائف من عقبى القتال مع المسلمين، وقد أخذه الرعب، واستولت على مشاعره الهيبة، فلما نزل بمر الظهران خار عزمه، فاحتال للرجوع، وقال لأصحابه: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا جدب، وإني راجع فارجعوا٣.
ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر أفراد الجيش المكي أيضًا، ولذلك أسرعوا في الرجوع إلى مكة بمجرد إشارة أبي سفيان بلا اعتراض من أحد ولم يبدوا أي مصادمة لهذا الرأي، أو يظهروا أي إصرار على القتال، ولم يلحوا على مواصلة السير للقاء المسلمين وبدا منهم أن الرجوع أمل تمنوه فلما رآه أبو سفيان رحبوا به.
وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام، ينتظرون العدو، وباعوا ما معهم من التجارة فربحوا بكل درهم درهمين، ثم رجعوا إلى المدينة، وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم، وتوطدت هيئتهم في النفوس وسادوا على الموقف، ولجأ الأعداء إلى المسالمة٤.
وتعرف هذه الغزوة "ببدر الموعد" و"بدر الثانية" و"بدر الصغرى" و"بدر الآخرة".
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٤٨. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٢١١. ٣ زاد المعاد ج٣ ص٢٥٥. ٤ إمتاع الأسماع ج١ ص١٨٤.
[ ٤١٤ ]
عاشرًا: غزوة دومة الجندل
ودومة الجندل "بضم الدال" مدينة بعيدة، تقع قرب الشام بينها وبين دمشق ست ليال وبينهما وبين المدينة ست عشرة ليلة١.
تقع "دومة الجندل" في الشمال بعيدًا عن المدينة، وبذلك فهي تكمل مع غزوة "نجد" عملا متكاملا لأن "نجد" تقع في أقصى الشرق، وهذه تقع في أقصى الشمال.
إن الاقتراب من بلاد الشام بهذه القوة بعد تحذيرًا للرومان الذين يحتلونها، حتى يتركوا الحرية للناس، ولا يقفوا ضد حركة الدعوة إلى الله تعالى.
وكان سبب هذه الغزوة المباشر أنه بلغه ﷺ أن بها جمعًا كثيرًا يظلمون من مر بهم، فخرج ﷺ لخمس ليال بقين من ربيع الأول في العام الهجري بعد "بدر الأخيرة" بستة أشهر.
وقد خرج في ألف من أصحابه ومعه دليل من بني غدرة يقال له "مذكور" فكان يسير الليل، ويكمن النهار، ويغاير في الطريق، واستخلف على المدينة "سباع بن عرفطة الغفاري".
فلما دنا رسول الله ﷺ من "دومة الجندل" قال له الدليل: يا رسول الله إن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي، حتى أطلع لك.
قال رسول الله ﷺ: نعم.
فخرج العذري طليعة وحده، حتى وجد آثار النعم والشاء وهم مغربون، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره، وقد عرف مواضعهم، فسار رسول الله ﷺ حتى هجم على ماشيتهم، ورعائهم، فأصاب رسول الله ﷺ منها، وفر باقيهم، فتفرق أهل "دومة الجندل".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٢٥٦.
[ ٤١٥ ]
وهربوا بعيدًا عن ديارهم.
ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد بها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبث السرايا فعادت كل سرية بإبل ولم تلق أحدًا، إلا أن محمد بن مسلمة أخذ رجلا منهم، فأتى النبي ﷺ فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس لما سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلم.
ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، في العشرين من ربيع الآخر، ووادع ﷺ في طريقه عيينة بن محصن الفزراي على أن يرعى أنعامه بـ"تغلمين" وما والاها إلى "المراض" وكانت بلاده قد أجدبت١.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٤ ص٤٨٤، ٤٨٥، زاد المعاد ج٣ ص٢٥٦.
[ ٤١٦ ]
حادي عشر: أهم الأحداث الاجتماعية بين أحد والأحزاب
برغم كثرة السرايا والغزوات التي وقعت خلال هذه الفترة نرى المسلمين يعيشون حياتهم الاجتماعية بصورة عادية، ومن أهم الأحداث الاجتماعية التي عاشها المسلمون ما يلي:
١- تزوج عثمان بن عفان ﵁ أم كلثوم بنت النبي ﷺ التي عقد عليها في ربيع الأول ودخل بها في شهر جمادى الأخرى من السنة الثالثة من الهجرة وذلك بعد أن توفيت "رقية" يوم بدر من العام الثاني.
ومما يذكر أن عبد الله بن عثمان بن عفان من زوجته رقية مات في جمادى الأولى وهو ابن ست سنوات، ودفنه أبوه بالبقيع.
٢- ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في السنة الثالثة وحملت أمه فاطمة ﵁ بالحسين ﵁.
٣- ولد الحسين بن علي في أول شهر شعبان من السنة الرابعة.
٤- في شهر رمضان من السنة الرابعة تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة بنت الحارث الهلالية وهي المعروفة بأم المساكين لكثرة صدقاتها لهم، وبرها بهم، وإحسانها عليهم، وكانت قبله ﷺ زوجة لـ"عبد الله بن جحش" وماتت ﵂ بعد شهرين أو ثلاثة من زواجها به ﷺ وقد صلى عليها النبي ﷺ ودفنها بالبقيع.
[ ٤١٦ ]
٥- في شهر شوال من السنة الرابعة تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة وكانت قبله عند زوجها أبي أولادها، أبي سلمة بن عبد الأسد ﵁ الذي شهد "أحدًا" وجرح بها فداوى جرحه شهرا حتى برئ، ثم خرج في سرية فغنم منها نعمًا، ومغنمًا جيدًا، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يومًا، ثم انتقض عليه جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما حلت أم سلمة في شوال خطبها رسول الله ﷺ إلى نفسها بنفسه الكريمة، وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مرارًا، فتذكر أنها امرأة غيرى أي شديدة الغيرة، وأنها مصبية أي لها صبيان يشغلونها عنه، ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال ﷺ: "أما الصبية فإلى الله وإلى رسوله -أي نفقتهم- ليس إليك وأما الغيرة فأدعوا الله فيذهبها". فأذنت في ذلك وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوج النبي ﷺ تعني قد رضيت وأذنت.
يروي الإمام أحمد بسنده عن أم سلمة أنها قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به، قال: "لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا فعل به". فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت، وقلت: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟
فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي فلما فرغ من مقالته، قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة بي غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال فقال ﷺ: "أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال، فإنما عيالك عيالي". فقالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ، فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٣٢، بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩٤.
[ ٤١٧ ]
٦- وفي السنة الرابعة أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت ﵁ أن يتعلم اللغة السريانية ليتمكن ﷺ من معرفة ما في كتب أهلها، ويرسل إليهم كتبه بلغتهم بواسطة أصحابه الدعاة قال ﷺ لزيد بن ثابت: "يا زيد أتحسن السريانية أنه تأتيني كتب بها"؟.
فقال زيد: لا يا رسول الله.
فقال له ﷺ: "تعلمها".
يقول زيد ﵁: فتعلمتها في سبعة عشر يومًا١.
وعلم المسلمون بذلك أهمية معرفة لغة من سيدعونهم لأن الدعوة لا تصح إلا بلغة المدعوين ليفهموا المراد، ويطلعوا على حقيقة الإسلام.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني بشرح مسند الإمام أحمد الشيباني كتاب العلم والعلماء ج١ ص١٤٥.
[ ٤١٨ ]
ثاني عشر: حركة الدعوة بين أحد والأحزاب
المدة بين "أحد" و"الأحزاب" عامان على الصحيح، ومع ذلك وقعت فيها أحداث جسام، ذكرت أهمها، مما يدل على الجهد الكبير الذي بذله رسول الله ﷺ، والمسلمون معه، في خدمة الإسلام، والحركة بالدعوة إلى دين الله تعالى.
لقد وصلت القوات الإسلامية خلال هذا العام إلى بلاد نجد في أقصى الشرق، وإلى أطراف الشام في الشمال، والاقتراب من مكة في حملات تأديبية هادفة.
ذلك أن الشيطان زين لغير المسلمين قوتهم، وغرهم بما حدث يوم "أحد"، ودفعهم إلى التطاول على المسلمين، وإعداد العدة لمهاجمة المدينة.
ولولا فطانة النبي ﷺ وإخلاص المسلمين معه لأوتي المسلمون، ولأصابهم من الأذى الكثير، وكانت المعونة الإلهية مع عباده فألهمهم الرشد، ووجههم نحو الطريق المستقيم.
لقد اهتم النبي ﷺ بجمع المعلومات عن طريق العيون التي بثها في هذه الأماكن البعيدة، وبذلك وضع سياجًا من الأمن حول المدينة، ولم يترك أعداءه يتخيرون مكان وزمان مقاتلة المسلمين، وهذا هو السبب في كثرة السرايا والغزوات خلال الزمن الفاصل بين "أحد" و"ألأحزاب".
[ ٤١٨ ]
واستفاد النبي ﷺ من عنصر المفاجأة، والمباغتة، ولذلك كان المجاهدون يسيرون بالليل، ويكمنون بالنهار، واستفاد الرسول من سلاح الضغط المعنوي، وإرهاب العدو حتى يتحقق السلام بلا قتال، وتصان الحقوق بلا دماء، ولهذا كان تحركه في حمراء الأسد، وإشعاله النيران الكثيفة والمتعددة ليلا ليشعر العدو أن الجيش الإسلامي كثير العدد قوي العدة.
وكان ﷺ يرسل لكل جماعة ما يكافئها من الرجال عددًا، واستعدادًا، حتى لقد بلغ عدد المسلمين في بعض الغزوات ألفًا وخمسمائة مقاتل، وفي بعضها الآخر كانت السرية مكونة من رجل واحد فقط.
وفي خضم الصراع بين المسلمين وأعداء الإسلام لم تغب الدعوة إلى الله تعالى، وإنما كان ﷺ يعلم أصحابه ما نزل من القرآن الكريم، ويفهمهم أحكام الإسلام التي جاء الوحي بها، ويتابع تحفيظهم الوحي المنزل، وترسيخه في حياتهم وسلوكهم، وإن العقل يندهش لاستيعاب المسلمين لكل الوحي الذي تتابع نزوله مع كثرة السرايا وتعدد المهام.
وكان التوجيه النبوي مرتبطًا بالأحداث والوقائع، فكلما حدث أمر ظهر حكمه وإذا احتاج المسلمون لمسألة وسألوا عنها كان الجواب الشافي يأتيهم من الله ورسوله ﷺ فتعلموا بذلك ضرورة التلقي من الوحي، وملازمة الطاعة والاتباع، وعلموا أن الالتزام بحكم الله أساس الإيمان، وطريق الفوز والفلاح وكانوا بحق نعم الرجال، ونعم المؤمنين، وخير أمة أخرجت للناس.
ومن خلال السرايا والغزوات تعلم المسلمون أحكام الفيء وفهموا أن الفيء هو المال الذي يقع في أيديهم من أعدائهم بلا قتال، أو مواجهة، وقد فصل لهم الرسول ﷺ حكم الله فيه، يوزعه على ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل حتى لا يبقى المال في أيدي الأغنياء وحدهم، ولذلك وزع أموال بني النضير على المهاجرين وحدهم، ولم يشاركهم من الأنصار إلا رجلين شكوا الفقر والعالة لرسول الله ﷺ.
وتعلم المسلمون كذلك مشروعية القنوت، والدعاء على الأعداء في صلواتهم، وعلموا كيفيتها، وترتيبها في أعمال الصلاة، وبذلك وقفوا على سلاح قوي يساعدهم في النصر على أعداء الله تعالى.
[ ٤١٩ ]
وكان الرسول ﷺ إذا خرج في غزوة يولي على المدينة أحد أصحابه، وإذا أرسل سرية عين أميرًا لها، وكان يعطي الراية لرجل يختاره ﷺ ليتعلم أصحابه في حياته ﷺ سلوك القيادة، ويتحملوا مسئولية الحكم والإمارة ويتدربوا على استنباط الرأي، والقدرة على اتخاذ القرار، وحسن التصرف فيما يجد من شئون الحياة.
ولم تخل تحركاته ﷺ من دعوة الله تعالى في كل حال، كان ﷺ يعلم أصحابه ما نزل من القرآن الكريم وكان يؤمهم في الصلاة، ويعرفهم أحكام شرع الله تعالى، ويعيش حياته الاجتماعية بصورة إنسانية عادية، فتزوج، وزوج، وولد له.
ولم يجعل هذه المرحلة رغم كثرة الغزوات والسرايا تدور في إطار إجراءات طارئة خاصة بها، وإنما عاشها ﷺ ومعه أصحابه بصورة عادية، يجاهدون ويستريحون، يعبدون الله ويتمتعون بالدنيا، ولذلك تعجب أعداء الإسلام مما رأوا من المسلمين، وانعكس هذا العجب على سلوكهم وأعمالهم، ولذلك لم يفكروا مرة في مواجهة المسلمين وقتالهم حين أتوا إليهم، بل كانوا يفرون ويهربون لسابق معرفتهم بشجاعتهم ورجولتهم.
وقد تعرض المسلمون للخداع من أعدائهم كما حدث في الرجيع، وبئر معونة، ولم يضعف حالهم بذلك، وإنما تصوروا الأمر على حقيقته، وتيقنوا أن طريق الإسلام طريق شاق، يحتاج للمجاهدة والتضحية، وعلى المسلمين أن يستعدوا لتجاوز هذا الطريق، وعليهم أن يؤمنوا بأن الآخرة خير من الأولى، وأن كل ما يصيبهم في سبيل الله هو خير لهم وأن الإيمان الحق يحتاج لدماء تحميه من أعدائه المتربصين الذين يريدون إطفاء نور الحق، والقضاء على منهج الله القويم، ولذلك كانوا وقود النور، ومشعل الخير للناس أجمعين.
ولعل أهم ما في هذه المرحلة هو الترابط التام بين المسلمين بعدما اندمج المهاجرون والأنصار في أخوة تامة وترابط شامل للظاهر والباطن، وعاش المسلمون جميعًا أخوة الإيمان والعقيدة، ولذلك لم يكن غريبًا عليهم أن يواجه المسلم أباه أو أخاه، أو ابنه أثناء الغزوات لأن ما عدا رباط العقيدة بين الناس زال وانتهى.
[ ٤٢٠ ]
المبحث الثامن: غزوة الأحزاب
مدخل
المبحث الثامن: غزوة الأحزاب
أدت تحركات المسلمين قبل الأحزاب إلى إعادة الهيبة لرسول الله ﷺ وصحابته، وأخذ أهل مكة وأعراب البوادي وقبائل العرب المنتشرة في أرجاء الجزيرة العربية يميلون إلى السلام مع المسلمين، ويهربون من عدم مواجهتهم كما رأينا من أبي سفيان في بدر الآخرة.
ونظر يهود بني النضير إلى حالتهم فوجدوا أنهم أخرجوا من ديارهم، وفقدوا أموالهم وشق عليهم أن يستقر المسلمون في المدينة، وينتشر الإسلام بين الناس فعملوا على القضاء على المسلمين ليعودوا إلى المدينة مرة أخرى، ورأوا أنه لا قبل لهم بالمسلمين فأخذوا يؤلبون الناس، ويجمعون الأحزاب لمقاتلة المسلمين.
وتولى كبر هذا التحريض نفر من اليهود على رأسهم سلام بن مشكم بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب في نفر من بني النضير، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس في بضعة عشر رجلا حيث خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله، وقالوا لهم: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله.
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بالدين الذي أصبحنا نختلف فيه، نحن ومحمد، أديننا خير أم دينه؟ فنحن عمار البيت، ننحر الإبل، ونسقي الحجيج، ونعبد الأصنام؟!
فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه، وإنكم أولى بالحق منه.
فأنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١.
يقول المفسرون:
خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبًا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشًا على غدر رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ فنزل كعب على أبي سفيان، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة:
_________________
(١) ١ سورة النساء الاية ٥١.
[ ٤٢١ ]
إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما فذلك قوله، يؤمنون بالجبت والطاغوت.
ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك.
فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقًا وأقرب إلى الحق؟ أنحن أم محمد؟
فقال كعب: أعرضوا على دينكم.
فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث.
فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه.
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما سمعوا، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا لذلك، واتعدوا له، وقال لهم أبو سفيان: مرحبًا وأهلا، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد.
ثم خرج ذلك النفر حتى أتوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأنهم سيعطونهم ثمر خيبر سنة إن هم نصروهم، وأخبروهم أن قريشًا تابعوهم على ذلك.
ثم ذهبوا إلى بني سليم فوعدوهم المسير معهم إذا خرجت قريش١.
وأخذ المنافقون في المدينة يبتعدون عن رسول الله ﷺ، ولا يشاركون المسلمين في المحافظة على المدينة، ويتحايلون في عدم الالتزام بالعهود الموجودة وصاروا يعملون ضد الإسلام في لؤم وخفاء.
وتمكن يهود بني النضير من التأثير على بني قريظة كذلك وضموهم إلى معسكر المقاتليت لرسول الله وصحابته.
وظن الأحزاب بهذا التجمع أن الأمور دالت لهم، وأن انتصارهم بكثرتهم حق ثابت ولذلك تحركوا جماعات نحو المدينة، وتواعدوا اللقاء حولها، وقدموا من كل صوب بعددهم وعدتهم وعداوتهم، لينالوا من دين الله تعالى، ومن رسوله ﷺ، ويستأصلوا المسلمين من المدينة.
ولكن الله ناصر لدينه، ومظهر للحق، ومعين لجنده الذين يعملون في إخلاص وصدق فأيدهم ونصرهم وخذل عدوهم وهزمهم بقدرته ﷾.
ودراسة غزوة الأحزاب تحتاج إلى دراسة ما يلي:
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٤٤٣.
[ ٤٢٣ ]
أولا: وقت الغزوة
تعرف غزوة الأحزاب بغزوة "الخندق" لأنها الغزوة الوحيدة التي حفر فيها المسلمون خندقًا يفصل بينهم وبين أعدائهم.
يروي ابن إسحاق أن هذه الغزوة حدثت في شهر شوال من العام الخامس الهجري ونص على ذلك غير واحد من العلماء كعروة بن الزبير، وقتادة، والبيهقي، والذهبي، وابن القيم، وقال آخرون: إنها وقعت في شوال سنة أربع للهجرة مستدلين بحديث ابن عمر ﵁ الذي قال فيه: عرضت على رسول الله ﷺ يوم "أحد" وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، وعرضت عليه يوم "الخندق" وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني"١.
ولا خلاف بين الرأيين في الحقيقة؛ لأن مرادهم أنها كانت بعد مضي أربع سنوات كاملة وقبل استكمال السنة الخامسة، وأن حديث ابن عمر يشير إلى أنه عرض على النبي ﷺ في "أحد" وهو في أول الرابعة عشرة، وعرض يوم "الأحزاب" وهو في نهاية الخامسة عشرة ويمكن فهم قول ابن عمر ﵁ على أنه في يوم الخندق بلغ سن القتال وتجاوز عمره الخامس عشرة ولو بأكثر من سنة.
ومن المعلوم أن غزوة بني قريظة كانت بعد الخندق مباشرة، والجمهور يرى أن الخندق كانت في اليوم السابع من ذي القعدة في السنة الخامسة فدل ذلك على أن الأحزاب كانت في الخامسة كذلك.
ولا شك أن المشركين لما انصرفوا من "أحد" واعدوا الرسول بدرًا في العام القابل فذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى "بدر" بعد عام من "أحد" وجاء أبو سفيان مع قريش في شعبان من العام الرابع، إلا أنه رجع إلى مكة لجدب ذلك العام كما زعموا، وهذا يؤيد أن "الأحزاب" لم تقع في العام الرابع لأن كفار مكة بعد رجوعهم لضعفهم ما كان لهم أن يأتوا إلى المدينة بعد شهرين من رجوعهم وضعفهم الذي تعللوا به٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق ج٦ ص٣١٩. ٢ زاد المعاد ج٣ ص٢٧٠.
[ ٤٢٤ ]
ثانيًا: تجمع الأحزاب
نشط يهود بني النضير في خطتهم للأخذ بثأرهم، والقضاء على المسلمين حتى يعودوا إلى المدينة مرة أخرى فجمعوا الجموع وحرضوا الأحزاب حتى جاءوا جميعًا لحصار المدينة وقتال المسلمين في وقت وقتوه، ومكان بينوه، وانضم إليهم المنافقون ويهود بني قريظة داخل المدينة، وبذلك وجد المسلمون أنفسهم محاطين بالأعداء من كل جانب.
يقول ابن كثير: إن كفار مكة لما سمعوا مقالة يهود بني النضير سروا، وفرحوا، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفرد من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس، وعيلان، فدعوهم إلى حرب النبي ﷺ وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب في أربعة آلاف، وحمل اللواء عثمان بن طلحة وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وألفًا وخمسمائة بعير والتقت بهم سليم بمر الظهران، في سبعمائة مقاتل يقودهم سفيان بن عبد شمس السلمي.
وخرجت غطفان في ألف يقودهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة. وخرج الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري بألف من بني مرة.
وخرج مسعر بن رخلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع١
ووصلت القبائل إلى مشارف المدينة، وعسكرت بها، فنزلت قريش ومن تبعهم
_________________
(١) ١زاد المعاد ج٣ ص٢٧١.
[ ٤٢٥ ]
من الأحابيش، وبني كنانة، وأهل تهامة بـ"مجمع الأسيال" المعروف بـ"وادي العقيق" ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، والأعراب بـ"ذنب نقمى".
ومجمع الأسيال وذنب نقمى موقعان متجاوران عند "أحد"١، وهما الموضعان اللذان نزل فيهما الأحزاب.
ولما عسكرت الأحزاب حول المدينة قاطعهم بنو قريظة ودخلوا حصونهم، وأغلقوها عليهم، فخرج إليهم حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي فاستأذن عليه حيي، فأبى أن يفتح له.
فناداه حيي وقال: ويحك يا كعب، افتح لي.
قال له كعب: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقًا.
قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك.
قال: ما أنا بفاعل.
قال: والله ما أغلقت دوني إلا خوفًا على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل بهذه المقالة ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر، ومجد الدنيا.
قال: وما ذاك.
قال حيي: جئتك بـ"قريش" على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بـ"مجمع الأسيال" من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بـ"ذنب نقمى" إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا المدينة حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه٢ يرعد ويبرق وليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقًا فلم يزل حيي بكعب يناقشه، ويحاوره، ويمنيه حتى سمع له، ونقض عهد رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٤ ص١٠٢ وذنب نقمى بفتح الذال والنون في ذنب، وفتح النون والقاف في نقمى. ٢ الجهام هو السحاب، والمعنى أنه سحاب لا ماء فيه.
[ ٤٢٦ ]
ووافقه على محاربته مع الأحزاب بعد أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن يدخل معه في حصنه حتى يصيبه ما ينزل ببني قريظة فنقض كعب بن أسد زعيم بني قريظة العهد، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وأمر كعب بن أسد، وبنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش، وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم، إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدًا على أن تكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم، فوافقهم حيي على ذلك فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة أسد، وأسيد، وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله ﷺ، ولم ينقضوا عهدهم.
فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين بعث الزبير بن العوام ﵁ لينظر الأمر فعاد إلى رسول الله ﷺ، وأخبره أن بني قريظة يصلحون حصونهم، وطرقهم٢ فبعث النبي ﷺ سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير ﵃ ليؤكدوا للنبي ﷺ خبر القوم.
وقد قال لهم ﷺ: "انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم، فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم، فإن كان حقا فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس".
فخرجوا حتى أتوهم فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا: الآن وقد كسر محمد جناحنا، وأخرجه من بيننا "يريدون بني النضير" ونالوا من رسول الله ﷺ فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه.
ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمر منه.
فاستهزءوا به وردوا عليه ردًا قبيحًا.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٢٧٢. ٢ صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ج٦ ص٣٢٧، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل نبي حواري، وإن حواريي الزبير".
[ ٤٢٧ ]
فقال: غير هذا القول كان أجمل بكم وأحسن، ثم نالوا من رسول الله ﷺ ساخرين، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد!
فشاتمهم سعد بن معاذ، وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة.
فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، الذي بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه ثم قالوا: عضل، والقارة. أي غدروا كغدر هؤلاء بأصحاب الرجيع.
فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين".
وتلك نبوءة من رسول الله ﷺ كان الواقع يشير لغيرها؛ لأن الأحزاب جاءوا بأعداد كثيفة، وأحاطوا بالمسلمين من كل جانب، وجندوا جنودهم خارج المدينة، وداخلها حتى سيطر الخوف على المسلمين، وزلزلت نفوسهم، وزاغت أبصارهم وظنوا أن الهزيمة بهم لاحقة، فاتجهوا إلى الله بالدعاء، والرجاء ليعينهم بأمره، وينصرهم بقدرته، والله على كل شيء قدير.
وظهر النفاق من بعض المنافقين، فقال معتب بن بشر: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر وأن أموالهما تنفق في سبيل الله وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وقالوا ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا﴾ ٢ وقال رجال ممن كانوا مع معتب ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ ٣.
وهمت بنو قريظة بالإغارة على المدينة ليلا، وأرسلوا إلى الأحزاب ليمدوهم بألف من قريش، وألف من غطفان، فبلغ ذلك المسلمين فعظم الخطب واشتد البلاء ثم كفهم الله تعالى عن ذلك لما بلغهم أن رسول الله ﷺ أرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير، ومعهم خيل المسلمين وكان المسلمون يبيتون بالخندق خائفين، فإذا أصبحوا أمنوا.
وبعث رسول الله ﷺ خوات بن جبير لينظر غرة في بني قريظة؛ لأن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٢٢١، ٢٢٢، زاد المعاد ج٣ ص٢٧٢. ٢ سورة الأحزاب: ١٢. ٣ سورة الأحزاب: ١٣.
[ ٤٢٨ ]
خاف على الذراري منهم، لكن النوم غلب خواتًا، فحمله يهودي، فلما استيقظ خوات تمكن من قتل اليهودي وتمكن المسلمون من هزيمة عشرة من اليهود جاءوا يريدون المدينة فأدى ذلك إلى خوف اليهود من ورائهم.
واجتمعت جماعة منافقة من بني حارثة فبعثوا أوس بن قيظي إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا، وليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فائذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا فأذن لهم رسول الله ﷺ وفرحوا بذلك، وتهيئوا للانصراف.
فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله! لا تأذن لهم إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة قط إلا صنعوا هكذا.
ثم أقبل سعد عليهم فقال: يا بني حارثة، هذا لنا منكم أبدًا ما أصابنا وإياكم شدة إلا صنعتم هكذا فردهم رسول الله ﷺ.
وقد بلغت حشود المشركين عند الخندق أكثر من عشرة آلاف مقاتل منهم أربعة آلاف من قريش، والباقون من بني سليم، وأسد، وفزارة، وغطفان ومع هؤلاء كان بنو قريظة وأشجع١.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٢١٩، ٢٢٠.
[ ٤٢٩ ]
ثالثًا: استعداد المسلمين للأحزاب
نشط يهود بني النضير في التحريض على قتال المسلمين، وتمكنوا من تجميع أحزاب عدة، وتعاهدوا معهم على القتال، ولم يكتفوا بالاتفاق مع القرشيين، وغطفان، وعرب نجد، وغيرها، وإنما ظلوا بيهود بني قريظة والمنافقين حتى ضموهم إليهم وكونوا بذلك قوة ضخمة تحيط بالمسلمين من ظاهر المدينة، ومن داخلها، بلغ عددها أكثر من عشرة آلاف من خيرة رجال القبائل وفرسانها، يصور الله تعالى هذا الحال في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا﴾ ١
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ١١، ١٢.
[ ٤٢٩ ]
ولو تمكن هذا الجمع الغفير من مفاجأة المسلمين وأخذهم على غرة لأتوا عليهم ولقضوا على المدينة قضاء كليًا، لكن معونة الله كانت مع عباده المؤمنين فألهمهم الحق؛ ووفق رسوله ﷺ في تتبع أخبار أعدائه، فبث العيون لمعرفة ما يعدون له، ولذلك لما جاءت الأخبار بتجمع الأحزاب وتأليب القبائل قرر رسول الله ﷺ وكبار الصحابة عدم الخروج من المدينة، وتحصين كافة الطرق الموصلة إليها، وسد جميع المسارات التي تمكن قاصدها من الدخول فيها، ورأوا أن المدينة من الشرق والجنوب والغرب محصنة بحصون طبيعية، تتكون من البساتين الكثيفة، والموانع الطبيعية التي تحول دون إجراء قتال فيها بين قوات كثيرة ما عدا جانبها الشمالي فإنه منطقة مكشوفة واسعة يسهل القتال فيها والولوج منها إلى المدينة.
ولى رسول الله ﷺ عبد الله بن أم مكتوم، على المدينة، وبدأ يستعد لملاقاة الأحزاب فجعل شعار المسلمين "هم لا ينصرون" ثم أخذ رأي أصحابه العالمين بشأن الحرب والقتال في تحصين الجانب الشمالي للمدينة، وتنظيم المجاهدين، والاستعداد للقتال والمواجهة فأشار عليه سلمان الفارسي ﵁ بحفر خندق عميق، واسع، يغطي المنطقة الشمالية، المفتوحة بطولها، الممتد من الحرة الشرقية إلى جبل سلع.
ولم يكن للعرب معرفة بالخندق في حروبهم السابقة؛ لأنهم تعودوا المواجهة المباشرة، والتلاحم اللصيق كما حدث في "بدر" و"أحد" ولذلك فوجئ الأحزاب حين مجيئهم بهذا الخندق الذي حفره المسلمون بعدما أخذوه من أساليب الفرس القتالية وكما ذكره لهم سلمان الفارسي ﵁ ولذلك قال المشركون حين رأوا الخندق: والله إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها١.
رحب رسول الله بفكرة الخندق، وأمر أصحابه بالحفر، وأشار لهم ﷺ بأهميته فعمل المسلمون فيه بجد ونشاط ورسول الله ﷺ يحثهم، ويساعدهم في عملهم هذا بعدما قسم الحفر على المهاجرين والأنصار، وجعل لكم عشرة من الصحابة أربعين
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج٢ ص٢٢٤.
[ ٤٣٠ ]
ذراعًا يحفرونها ويسوونها، على الطريقة الفارسية ليكون الحرف قائمًا، عموديا على بطن عريض مستقيم.
وقد بلغ طول الخندق خمسة آلاف متر في عرض بلغ ستة أمتار، وعمق بلغ خمسة أمتار، وتم الحفر في مدة تقل عن نصف شهر عمل خلالها المسلمون بكل جد، واشتغل النبي ﷺ معهم، ففي البخاري عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله ﷺ:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره١
وعن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن العيش عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا٢
وعن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ﷺ ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
قال: ثم يمد بها صوته بآخرها٣ ويرددها، ويقول: "أبينا، أبينا، أبينا".
واستمر المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع الذي يفتت الأكباد ويقعد عن العمل.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق ج٦ ص٣١٩ ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق ج٦ ص٣٢٠. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق ج٦ ص٣٢٤.
[ ٤٣١ ]
يقول أنس ﵁ كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع به إهالة سخنة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن.
يقول أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، فرفعنا أمامه بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين.
وأثناء حفر الخندق عرض الرسول ﷺ الغلمان فأجاز منهم عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب لبلوغهم خمسة عشر عامًا كاملة، ورد من هم دون ذلك، إلا أنه ﷺ سمح لهم بالاشتراك في حفر الخندق، وعادوا بعدها إلى المدينة.
واصل المسلمون عملهم في الحفر، فكانوا يعملون بالنهار، ويذهبون للمبيت في بيوتهم ليلا حتى أتموا الحفر.
وعندما وصل الأحزاب قرب المدينة فوجئوا بالخندق يمنعهم من دخول المدينة، فأخذوا يدورون حوله ليعثروا على نقطة ضعف، أو مكان ضيق يجتازونه فلم يجدوه، فأسقط في أيديهم فوقفوا على شاطئ الخندق، مكتفين بالحصار بدل القتال.
[ ٤٣٢ ]
رابعًا: سير القتال
عسكر الأحزاب في الجهة الشمالية من الخندق، ووقف المسلمون قبالتهم من الجهة الجنوبية، وجعلوا ظهورهم إلى جبل "سلع" وبذلك تمكن المسلمون من منع الأحزاب من القفز على الخندق، أو بناء قنطرة يعبرون فوقها إلى المدينة وقد بلغ عدد المسلمين أربعة آلاف مقاتل.
وفي أثناء ذلك أعلن بنو قريظة انضمامهم إلى معسكر الأحزاب، وكان يسكنون في ضواحي المدينة من الناحية الجنوبية، وبإمكانهم التسلل إلى داخل المدينة، لمعرفتهم السابقة بمسالكها وأهلها، ولو قدر لليهود أن ينجحوا في مهاجمة المدينة وإتيان المسلمين من ظهورهم لكانت ضربة أليمة للمسلمين.
لقد عمل اليهود على مهاجمة تجمع نساء المسلمين وأطفالهم فأرسلوا رجلا منهم يحدد مكانهم ويعرف غرتهم ويكتشف الطريق إليهم، لكن هذا اليهودي لم يتمكن من القيام بمهمته لأن امرأة مسلمة رأته يستطلع المواضع التي يوجد فيها النساء والأطفال ففاجأته
[ ٤٣٢ ]
بضربة فوق رأسه بخشبة كانت معها فقتلته.
يقول ابن إسحاق: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت وهي التي روت الحادثة حيث قالت: وكان حسان معنا في الحصن مع النساء والصبيان فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم، ولا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا، إذا أتانا آت فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا مَن وراءنا من يهود، وقد شغل رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله.
قال حسان: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا تقول صفية: فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئًا احتجزت ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاستلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل.
قال حسان: ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب١.
وعندما وجد يهود "بني قريظة" أن دسيستهم لم تعد إليهم ظنوا وجود حراس، ورجال مع النساء والأطفال فقبعوا في بيوتهم، وانصرفوا عن مهاجمة المدينة، ولم يخرجوا إلى قتال، واكتفوا بمد الأحزاب بالمؤن والطعام.
ولما علم المسلمون وهم عند الخندق، بمقتل هذا اليهود ملكهم الخوف على نسائهم وذراريهم، ووجدوا أنفسهم أمام عدو يواجهونه في الخندق، وآخر يأتيهم من خلف ظهورهم، فزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتوقعوا هزيمة مفاجئة.
وهنا فكر رسول الله ﷺ في هذا الموقف، وأراد أن يضع له حلا فبعث إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٢٢٧، ٢٢٨ وهذا حديث متصل صحيح ومع ذلك فإنه لا يدل على جبن حسان ﵁ ويرجع سبب عدم خروجه لاعتلال صحته هذا اليوم وهو سبب بقائه خلف المجاهدين، ويرد البعض الحديث لعدم جبن حسان لأنه ﵁ لو كان جبانًا لهجاه الشعراء بهذه الصفة، ولكن أحدًا لم يعارضه بهذه الصفة.
[ ٤٣٣ ]
فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين "سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة" فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه.
فقالا: يا رسول الله هل هذا أمر أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم أنه شيء تصنعه لنا؟
فقال ﷺ: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم".
فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله، وعبادة الأوثان لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة، إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا، وأعزنا بك، وبه نعطيهم أموالنا؟
ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
فقال النبي ﷺ: "أنت وذاك".
فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال ليجهدوا علينا١.
فأقام النبي ﷺ وأصحابه محاصرين، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن بعض رجال من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب بن مرداس أحد بني محارب بن فهر تحمسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيئوا يا بني كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا بخيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانًا من الخندق ضيقًا، فضربوا خيلهم، فاقتحمته فجالت بهم في السبخة بين الخندق، وسلع.
وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى سدوا الثغرة التي اقتحم الفرسان منها خيلهم.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٢٧٣، سيرة النبي ج٢ ص٢٢٢.
[ ٤٣٤ ]
وأقبلت الفرسان في عزيمة وقوة وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم "بدر" حتى ثبتته الجراحة، فلم يشهد "أحدا" فلما كان يوم "الخندق" خرج معلمًا ليرى مكانه فلما خرج هو وخيله قال: من يبارز؟
فبرز له علي بن أبي طالب ﵁، وقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه.
قال: أجل.
قال له علي: فإني أدعوك إلى الله، وإلى رسول الله، وإلى الإسلام.
قال: لا حاجة لي بذلك.
قال: فإني أدعوك إلى النزال.
قال له: لم يابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك.
قال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك.
فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي ﵁ فتنازلا، وتجاولا، فقتله علي ﵁، وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق وولت هاربة إلى حيث يوجد الأحزاب١.
ثم أقبل علي ﵁ نحو رسول الله ﷺ ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه فإنه ليس للعرب درع خير منها؟
فقال علي ﵁: ضربته فاتقاني بسوءته، فاستحييت من ابن عمي أن أسلبه، وبعث المشركون إلى رسول الله ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: "هو لكم لا نأكل ثمن الموتى". وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية". ولم يقبل منهم شيئًا٢.
تقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة، ويقول: "ما
_________________
(١) ١ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص٢٨٥، ٢٨٦. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٣٤.
[ ٤٣٥ ]
أخشى أن يؤتى الناس إلا منها". فبينما رسول الله ﷺ، في حضني قد دفئ وهو يقول: "ليت رجلا صالحًا يحرس هذه الثلمة الليلة". فسمع صوت السلاح، فقال رسول الله ﷺ: "من هذا"؟.
فقال سعد بن أبي وقاص: سعد يا رسول الله.
فقال ﷺ: "عليك هذه الثلمة فاحرسها".
تقول عائشة: فنام رسول الله ﷺ، حتى سمعت غطيطه.
وكان عباد بن بشر، والزبير بن العوام، على حرس رسول الله ﷺ.
وروى محمد بن عمر عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت مع رسول الله ﷺ في الخندق، وكنا في قر شديد، فإني لأنظر إليه ليلة قام فصلى ما شاء الله أن يصلي في قبته، ثم خرج فنظر ساعة فأسمعه يقول: "هذه خيل المشركين تطيف بالخندق ". ثم نادى عباد بن بشر.
فقال عباد: لبيك!
قال: "أمعك أحد"؟.
قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي نحرس قبتك.
قال ﷺ: "خذ أصحابك فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرة، اللهم فادفع عنا شرهم، وانصرنا عليهم واغلبهم فلا يغلبهم أحد غيرك".
فخرج عباد في أصحابه فإذا هو بأبي سفيان بن حرب في خيل المشركين يطوفون بمضيق من الخندق، وقد نذر بهم المسلمون فرموهم بالحجارة والنبل حتى أذلقهم المسلمون بالرمي، فانكشفوا منهزمين إلى منازلهم.
قال عباد: ورجعت إلى رسول الله ﷺ فوجدته يصلي فأخبرته.
قالت أم سلمة: يرحم الله عباد بن بشر، فإنه كان ألزم أصحاب رسول الله ﷺ لقبته يحرسها أبدًا.
وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يومًا، ويغدو خالد بن الوليد يومًا، ويغدو عمرو بن العاص يومًا، ويغدو هبيرة بن أبي وهب
[ ٤٣٦ ]
يومًا، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يومًا، ويغدو ضرار بن الخطاب يومًا، حتى عظم البلاء، وخاف الناس خوفًا شديدًا، وكان معهم رماة يقدمونهم إذا غدوا، متفرقين أو مجتمعين بين أيديهم: وهم حبان بن العرقة، وأبو أسامة الجشمي في آخرين، فناوشوا يومًا بالنبل ساعة، وهم جميعًا في وجه واحد وجاه قبة رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ قائم بسلاحه على فرسه، فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله، وقال: خذها وأنا ابن العرقة.
فقال رسول الله ﷺ: "عرق الله وجهه في النار".
ثم إن الأحزاب عبئوا قوتهم، واشتدوا في القتال بدءًا من السحر إلى هوى من الليل حتى شغل النبي والمسلمون معه عن صلاة الظهر، والعصر، ولم يتمكنوا من صلاتهما إلا بعد أن كشف الله الأحزاب١.
واستمر الحصار مدة طويلة قاربت شهرًا فتأثر جيش المشركين، وخارت معنوياته وأصيب بالألم من الوضع الذي وجد فيه نفسه.
فهو لم يفعل شيئًا طوال هذه المدة، ولم يحقق نتيجة تذكر وهو يعيش في جو شديد البرودة، ومؤنة بدأت في النفاذ واستمرارية هذا الوضع لا تتفق مع استعداداته وخبرته، لأنه جاء للقتال يومًا أو بعض يوم، وليس من خبرته التعامل من وراء الخندق والبقاء ساكنًا في مكان واحد مدة طويلة.
وهو لم ير من اليهود شيئًا يساعد على تغيير هذا الوضع، بعدما أمل منهم مهاجمة النساء والأطفال لينصرف المسلمون أو بعضهم للدفاع عن ذراريهم، فتتخلخل الجبهة ويتمكن القرشيون من اقتحام الخندق، ومهاجمة المدينة.
وبدأت علائف خيل وإبل القرشيين تنفذ فاستعانوا باليهود فأعانوهم بما طلبوا، غير أن الله جعلها للمسلمين، ذلك أن أبا سفيان قال لحيي بن أخطب: قد نفدت علافتنا فهل عندكم من علف؟
فقال حيي: نعم مالنا مالك فأصنع ما رأيت، مر القوم يأتوا بحمولة فيحملوا ما
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٤٦٩.
[ ٤٣٧ ]
أرادوا، فأرسلوا عشرين بعيرًا، فحملوها شعيرًا، وتمرًا، وتبنًا، وخرجوا بها إلى قريش حتى إذا كانو بـ"صفنة"١، وهم يريدون أن يسلكوا "العقيق" قابلوا جمعًا من بني عمرو بن عوف، وهم عشرون رجلا، فيهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، خرجوا لميت لهم مات منهم في حصنهم ليدفنوه فناهضوا الحمولة وقاتلهم القرشيون ساعة وكان فيهم ضرار بن الخطاب فمنع الحمولة ثم جرح فغلبهم المسلمون وأخذوا الإبل بحمولتها، وانصرفوا بها يقودونها إلى رسول الله ﷺ بعدما دفنوا ميتهم، وفكان أهل الخندق يأكلون منها، فتوسعوا بذلك وأكلوه حتى نفد، ونحروا من تلك الإبل أبعرة الخندق، وبقي منها ما بقي حتى دخلوا به المدينة.
فلما رجع ضرار بن الخطاب إلى القرشيين أخبرهم الخبر.
فقال أبو سفيان: إن حييًا لمشئوم، ما أعلمه إلا قطع بنا، ما نجد ما نتحمل عليه إذا رجعنا٢ ثم إن الله -﷿ وله الحمد- صنع أمرًا من عنده خذل به العدو، وهزم جموعهم، وفل قوتهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلا من غطفان يقال له "نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي ﵁" جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت.
فقال رسول الله ﷺ: "إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة".
فذهب من فوره إلى بني قريظة -وكان عشيرًا لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وقال: قد عرفتم ودى إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم.
قالوا: صدقت.
قال: فإن قريشًا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم، وأبناؤكم ونساؤكم لن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم، وتركوكم ومحمدًا فينتقم منكم.
قالوا: فما العمل يا نعيم؟
_________________
(١) ١ صفنة بفتح الصاد وسكون الفاء. ٢ المغازي ج٢ ص٤٧٠.
[ ٤٣٨ ]
قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن.
قالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش، وقال لهم: تعلمون ودى لكم ونصحي لكم؟
قالوا: نعم.
قال: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك.
فلما كانت ليلة سبت من شوال بعث الأحزاب إلى اليهود وقالوا لهم: إنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الكراع والخف، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا، فأرسل إليهم اليهود أن اليوم هو يوم سبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم رسلهم بذلك، قالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى اليهود: إنا والله لا نرسل إليكم أحدًا، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدًا١.
قالت قريظة: صدقكم والله نعيم.
فتخاذل الفريقان، ودبت الفرقة بين صفوفهم، وخارت عزائمهم، وسرى بينهم التخاذل، ثم أرسل الله عليهم جندًا من الريح، فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا إلا قلعته، كما أرسل الله ﷾ جندًا من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف، فلم يقر لهم قرار، وشعروا بالهزيمة، وبدءوا في الرحيل إلى مكة٢.
يروي ابن كثير صورة الساعات الأخيرة للمشركين عند الخندق فيقول: ذكر حذيفة أحوال المشركين مع رسول الله ﷺ يوم الخندق فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا، وفعلنا.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٢٧٣، ٢٧٤. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٢٣١.
[ ٤٣٩ ]
فقال حذيفة: لا تتمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحًا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه فيها.
فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ، ويقولون إن بيوتنا عورة وما هو بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، وحين يأذن لهم يتسللون ويرجعون.
وأخذ رسول الله ﷺ يستقبلنا رجلا رجلا، حتى أتى عليّ وما عليّ جنة من العدو ولا من البرد، إلا مرط لمرأتي ما يجاوز ركبتي فأتاني وأنا جاث على ركبتي.
فقال ﷺ: "من هذا".
فقلت: حذيفة!
فقال: "حذيفة".
فتقاصرت للأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم.
فقال ﷺ: "إنه كائن في القوم خبر فأتى بخبر القوم". وأنا من أشد الناس فزعًا وأشدهم قرًا فخرجت.
فقال رسول الله ﷺ: "اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته".
يقول حذيفة: فوالله ما خلق الله فزعًا، ولا قرًا في جوفي، إلا خرج من جوفي، فلم أجد فيه شيئًا.
فلما وليت قال ﷺ: "يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئًا حتى تأتيني".
فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم، نظرت ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم، يشير بيديه على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل.
ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي، أبيض الريش، فأضعه في كبد قوسي لأرمي به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله ﷺ: "لا تحدثن فيهم شيئًا حتى تأتيني". فأمسكت، ورددت سهمي إلى كنانتي.
[ ٤٤٠ ]
ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل. الرحيل، لا مقام لكم.
وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، وفرشهم، الريح تضرب بها.
ثم إني خرجت نحو رسول الله ﷺ، فلما انتصفت في الطريق، أو نحو من ذلك، إذ أنا بنحو من عشرين فارسًا، أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله قد كفاه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ، وهو مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف، فأومأ إلي رسول الله ﷺ بيده وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل على شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم وأخبرته أني تركتهم يرحلون١.
فأصبح رسول الله ﷺ وقد رد الله عدوه بغيظهم، لم ينالوا خيرًا وكفاه الله قتالهم، فصدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
ولما رحل المشركون رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان رجوعه ﷺ والمسلمون معه من الخندق في يوم الأربعاء السابع من ذي القعدة من العام الخامس الهجري، وسر المسلمون برجعوهم منتصرين، وأسرعوا إلى المدينة هربًا من القر والجوع، وكره رسول الله ﷺ هذه السرعة حتى لا يظن المنافقون والأحزاب بهم ضعفًا.
وقد استشهد من المسلمين ستة شهداء وهم: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عتمة، وكعب بن زيد النجاري ﵃، ورحمهم وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه بن عثمان، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، وعمرو بن عبد ود، ولم يشترك المنافقون في قتال؛ لأنهم كانوا بادين في الأعراب خارج المدينة٢.
إن معركة الأحزاب كانت هجمة شرسة من كافة مشركي الجزيرة العربية، وعلى رأسهم القرشيون الذين جاءوا إلى المدينة، ومعهم خبرة الغزوات السابقة، فكثروا العدد، وقصدوا اقتحام المدينة، والقضاء على أهلها، وإعادة اليهود إليها مرة أخرى.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٤ ص١١٤، ١١٥ وانظر الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢١ ص٨٠. ٢ البداية والنهاية ج٤ ص١١٥، ١١٦ وقد عاش سعد بن معاذ بجراحه حتى انتهى المسلمون من بني قريظة.
[ ٤٤١ ]
لكن الله تعالى وفق المسلمين بحفر الخندق، ووضع النساء والأطفال في أماكن حصينة وسط المدينة فانقلب الأمر، ولم يحقق المشركون شيئًا من أهدافهم بل إنهم شعروا بضعفهم وتأكدوا من أن رسول الله ﷺ والمسلمين معه في رعاية الله تعالى، بعدما عجزوا بهذا الجمع الذي لن يتمكنوا من جمعه مرة أخرى، وقد رأوا كيف أيد الله ﷾ رسول الله ﷺ بما لم يتوقعوه من ريح عاتية، وأعاصير مدمرة، وجدت حول الخندق فقط، وملائكة رأوا أثارهم.
ولذلك قال النبي ﷺ بعد انصراف الأحزاب: "الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" ١.
وقد كتب أبو سفيان كتابًا أرسله إلى رسول الله ﷺ جاء فيه: "باسمك الله، فإني أحلف باللات والعزى، لقد سرت إليك في جمعنا، وإنا نريد ألا نعود أبدًا حتى نستأصلكم، فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علمك هذا؟ فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد"٢.
فلما قرأها أبي بن كعب على رسول الله ﷺ في قبته، كتب إليه رسول الله ﷺ: "من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب، أما بعد، فقديمًا غرك بالله الغرور، أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر يحول الله بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى، وأما قولك: من علمك الذي صنعنا من الخندق؟ فإن الله ألهمني ذلك لما أراد من غيظك وغيظ أصحابك، وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى، وإساف، ونائلة، وهبل، حتى أذكرك ذلك" ٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب الخندق ج٦ ص٣٢٦. ٢ المغازي ج٢ ص٤٩٢. ٣ وفاء الوفاء ج٢ ص٣٤٤ المغازي ج٢ ص٤٩٣.
[ ٤٤٢ ]
خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في يوم الخندق
أحاط الله المسلمين بالعون، ونصرهم على عدوهم، وأكرمهم في وقت شدتهم، وعاشوا هذه المعونة في أعمال خارقة للعادة أتتهم من قبل الله تعالى ومنها:
١- ظهور عوامل النصر:
لما اشتد الأمر بالمسلمين كانت عناية الله بهم، فهزم عدوهم بأمور خارقة حيث جاءت العواصف، والسيول، والرعب، وملائكة الله تعالى، وانقسام الأحزاب على أنفسهم وتلك كلها أهم عوامل انتصار المسلمين على نحو ما سبق ذكره.
٢- كسر الكدية الصخرية:
لما بدأ المسلمون في حفر الخندق وواجهتهم بعض الصخور الصلبة، حاولوا تفتيتها مدة ثلاثة أيام فعجزوا، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ وشكوا إليه الأمر فكسرها من ضربة واحدة.
يروي البخاري بسنده عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: أتيت جابرًا ﷺ فقال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق.
فقال ﷺ: "أنا نازل". ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، فأخذ النبي ﷺ المعول فضربه فعادت الكدية كثيبًا أهيل، أو أهيم١.
يقول ابن إسحاق بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فدعا بإناء من ماء، فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق نبيًا لانهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسًا، ولا مسحاة٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الأحزاب ج٦ ص٣٢٠. ٢ سيرة النبي ﷺ ج٢ ص٢١٧.
[ ٤٤٣ ]
٣- تكثير الطعام:
عاش الصحابة رضوان الله عليهم، وهو عند الخندق بلا طعام مدة ثلاثة أيام فأصابهم الجوع، فرزقهم الله تعالى من حيث لا يتوقعون، يروي البخاري بسنده أن جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق، رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ، خمصًا شديدًا، فأخرجت لي جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته فساورته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعًا من شعير، كان عندنا، فتعال أنت، ونفر معك.
فصاح النبي ﷺ فقال: "يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع سؤرًا فحي هلا بكم".
فقال رسول الله ﷺ: "لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". فجئت وجاء رسول الله ﷺ، يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك.
فقلت: قد فعلت الذي قلتِ، فأخرجت له عجينًا، فبصق فيه ﷺ وبارك ثم عمد إلى برمتنا، فبصق وبارك، ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف، فأقسم بالله، لقد أكلوا، حتى تركوه، وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو١.
ويروي ابن إسحاق بسنده عن أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حُفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك، وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما.
قالت: فأخذتها، فانطلقت بها، فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي، وخالي فقال ﷺ: "تعالي يا بنية، ما هذا معك"؟.
فقالت: يا رسول الله، هذا تمر، بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق ج٦ ص٣٢٢، ٣٢٣.
[ ٤٤٤ ]
قال ﷺ: هاتيه.
قالت: فصببته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأتها، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: "اصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء". فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب١.
٤- إظهار غيب المستقبل:
تنبأ النبي ﷺ في يوم "الخندق" بانتشار الإسلام في العالم، وذكر انتهاء غزو القرشيين للمدينة، يقول البراء بن عازب: لما كان يوم "الخندق" عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فشكونا ذلك لرسول الله ﷺ، فجاء فوضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة وأخذ المعول فقال ﷺ: "بسم الله". ثم ضرب ضربة كسرت ثلث الصخرة وقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة من مكاني هذا". ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض الآن". ثم ضرب الثالثة، فقال: "بسم الله". فقطع بقية الحجر، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني هذا" ٢.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج٢ ص٢١٨. ٢ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني باب ما جاء في غزوة الخندق ج٢١ ص٧٨.
[ ٤٤٥ ]
سادسًا: حركة الدعوة خلال أيام الخندق
تعتبر غزوة "الخندق" اختبارًا قاسيًا للمسلمين في المدينة، وقد وفقهم الله تعالى للصمود في هذا الامتحان الشديد، وساهموا جميعًا في حفر الخندق، وقد شجعهم على النشاط والعمل، مشاركة الرسول ﷺ لهم في الحفر، بل نراه ﷺ في مقدمة العاملين وقد قسم الرسول ﷺ العمل على أصحابه بالتساوي، ولم يخص أحدًا من قرابته، أو خاصته براحة في العمل، ولم يميز بعضًا منهم بمزايا، وجمع ﷺ أمهات المؤمنين مع سائر
[ ٤٤٥ ]
المسلمات في المساكن الحصينة التي اختارها لهن، ولأطفالهن وسط المدينة.
وحرص رسول الله ﷺ على أن يلزم المسلمون بالعمل وفق الخطة الموضوعة، بحيث لا يترك العمل أحد من المسلمين إلا بإذن رسول الله ﷺ.
وكان رسول الله ﷺ يتعامل مع المسلمين بحكمة ومودة، إذ تراه ﷺ حين اختلف المهاجرون والأنصار في معية سلمان الفارسي أثناء الحفر حيث رغب كل من المهاجرين، والأنصار أن يكون معهم، وقالوا: إنه منا. قال لهم ﷺ: "سلمان منا آل البيت" ١. ووضعه مع مجموعة من الصحابة ضمت ثلاثًا من المهاجرين، وستة من الأنصار على أن يكون سلمان ﵁ أمير المجموعة، فرضي بذلك الجميع.
وكان ﷺ يتعامل برفق، ويحافظ على إرضاء نفوس المؤمنين فإنه ﷺ لما رد الغلمان في بداية حفر الخندق رضي منهم أن يشاركوا في الحفر تطييبًا لخواطرهم، وحفاظًا عليهم.
وكان ﷺ رحيمًا بأصحابه، إذ نراه لما اشتد البرد كان يضم بعضهم إليه، ويعطيه مرطًا يلبسه، بعد أن أخذه من بعض نسائه ﷺ، وكان يداعب أصحابه، ويتلطف معهم في الحديث.
يروي مسلم بسنده أن رجلا قابل حذيفة فقال له: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه، وأبليت.
فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة، وقر.
فقال رسول الله ﷺ: "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة". فسكتنا فلم يجبه منا أحد.
ثم قال ﷺ: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة". فسكتنا فلم يجبه أحد.
ثم قال ﷺ: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة". فسكتنا فلم يجبه أحد. فقال ﷺ: "قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم". فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم، حيث قال: "اذهب يا حذيفة فائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم عليّ". فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره النار، فوضعت سهمًا
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٤٤٦.
[ ٤٤٦ ]
في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ: "ولا تذعرهم عليّ". ولو رميته لأصبته، فرجعت، وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت فألبسني من شدة البرد رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت قال: "قم يا نومان" ١.
فلم يفزعه ﷺ وإنما كناه وسرى عنه، وغطاه من البرد حتى استيقظ.
ونظرًا لاشتغال المسلمين بالمعركة أذن لهم ﷺ بالصلاة حيث يعسكرون، ولذلك تأسست سبعة مساجد على الخندق، نسبت إلى من كان يؤم الصحابة بها ويقودهم في موقعة مثل مسجد أبي بكر، ومسجد عمر، ومسجد عثمان، ومسجد علي، ﵃، وبذلك استمرت حراسة الخندق ليلا ونهارًا، رغم البرودة الشديدة وأذن لهم ﷺ بتعدد الجماعات مراعاة للحال وبخاصة أن صلاة الخوف لم تكن شرعت بعد.
وكان ﷺ يمر على المسلمين في مواقعهم ليشرف عليهم ويوجههم إلى ما يجب أن يكون.
وقد تعلم المسلمون من فنون الحرب أهمية اكتشاف الأساليب المناسبة للتعامل مع العدو عددًا، وعدة، إذ لولا الخندق الذي حفره المسلمون لأصيبوا بهزيمة منكرة، ولا مانع من اكتساب خبرة الآخرين المفيدة للإسلام وللمسلمين.
واهتم رسول الله ﷺ بتضليل أعدائه وخداعهم وفك وحدتهم ونشر الشائعات بين صفوفهم، وذلك من أهم طرق هزيمة العدو وانكساره.
وكان ﷺ يعمل على المحافظة على روح القتال، وحب الشهادة بين المسلمين.
وكان ﷺ يبشر أصحابه بالنصر، وينبئهم بأخبار الوحي، وكان يمر على أصحابه يطمئن عليهم، ويجلب الطعام والمئونة لهم، ويطمئنهم على نسائهم، وذراريهم.
وكان ﷺ يناجي ربه، ويكثر من الدعاء على المشركين، ومن دعائه ﷺ على الأحزاب في يوم الخندق ما رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي خالد أنه قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ يقول: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب، فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني باب ما جاء في استجابة الله دعاء نبيه ج٢١ ص٨٠.
[ ٤٤٧ ]
وزلزلهم" ١.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو، أو الحج، أو العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرار، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وله الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ٢.
دعا النبي ﷺ على المشركين لأنهم شغلوا المسلمين عن صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى فعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم، وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" ٣.
ولم يكن اهتمام رسول الله ﷺ بأصحابه مقتصرًا على ميدان المعركة عند الخندق، بل رأيناه ﷺ يهتم بنساء المسلمين وذراريهم، فلقد كلف فريقًا بحراستهم، والدفاع عنهم، وكان دائم الحذر من بني قريظة: حينما خافهم على نساء المسلمين وأبنائهم.
وكان ﷺ كثير المشاورة لأصحابه فلقد أخذ برأي سلمان في حفر الخندق، وحينما فكر في إعطاء بني غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يتركوا قريشًا ويرجعوا أخذ برأي الأنصار، ونزل على رأيهم حين رفضوا ما اتفق عليه رسول الله ﷺ.
وخلال الغزوة تعلم المسلمون أحكام الصلاة إذا فات وقتها لعذر، فلقد أمر رسول الله ﷺ بلالا فأذن وأقام للظهر، وأقام بعد ذلك لكل صلاة إقامة، فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها وبذلك كان للفوائت آذان واحد، وإقامة لكل صلاة٤.
وهكذا عاش رسول الله ﷺ أيام الأحزاب، قائدًا للمسلمين، وداعيًا إلى الله تعالى، ومعلمًا حكيمًا، ومرجعا في الحكم والتشريع، وكان قدوة صالحة للمسلمين كما هو شأنه ﷺ إلى يوم القيامة.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق ج٦ ص٣٢٧. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق ج٦ ص٣٢٨. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق ج٦ ص٣٢٦. ٤ في البخاري ومسلم أن المسلمين فاتتهم صلاة العصر، وفي الموطأ فاتتهم صلاة الظهر، والعصر، وفي مسند أحمد فاتتهم صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. وطرق الجمع بين هذه الروايات أن غزوة الخندق استمرت أيامًا فكان هذا في يوم، وذلك في يوم آخر إلخ.
[ ٤٤٨ ]
سابعًا: الأحزاب في رحاب القرآن الكريم
سجل القرآن الكريم أحداث غزوة الأحزاب، وبين مواضع العبرة والعظة فيها، وجعلها منطلقًا للهداية، والرشد، وحسن الاتباع، وبنى عليها ضرورة الإخلاص في العبودية، وأهمية الصدق في الالتزام والطاعة؛ لأن ما حدث كان نصرًا إلهيًا واضحًا، قدره الله لعباده المؤمنين.
وقد سمى الله تعالى إحدى سور القرآن باسم الغزوة، وهي السورة المعروفة بسورة "الأحزاب" المدنية المكونة من ثلاث وسبعين آية، وعدد الآيات التي تحدثت عن الغزوة في السورة ست عشرة آية بالإضافة إلى آيتين تحدثتا عن بني قريظة.
وتبدأ الآيات بتذكير المؤمنين بفضل الله عليهم بعد مجيء الأحزاب المدينة، إذ إنه بعدما اشتد الأمر على المسلمين، أرسل الله ريحًا وجنودًا لا ترى وسلطها على هؤلاء البغاة من الأحزاب الذين أحاطوا بالمسلمين من الخارج والداخل، فأهلكتهم وهزمتهم في وقت ظن المؤمنون أن النصر بعيد وأن الهزيمة آتية، وكان هذا قمة البلاء وغايته، وبعدها جاء نصر الله تعالى، وهذا لون من التربية العملية التجريبية، كون الله بها الجماعة المسلمة الأولى يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ ١.
والآيات ترسم بداية المعركة ونهايتها، وتشير إلى أهوالها وأحداثها بإجمال، وتصور ما أصاب المسلمون من خوف وهلع، حتى زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظن المسلمون بالله ظنًا كثيرًا.
وأما المنافقون فقد انتهزوا الموقف، وأخذوا يخذلون المسلمين، ويظهرون الشماتة، وينادون بترك الخندق، ويرجعون معتذرين بالأكاذيب، ويتهمون الرسول بأن وعده
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٩-١١.
[ ٤٤٩ ]
بالنصر ليس صادقًا فنقضوا عهودهم، وأظهروا خبء قلوبهم، وحقيقة أمانيهم، يصور الله تعالى أحوال وأعمال المنافقين فيقول سبحانه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا، وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا، وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا، قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا، قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا، يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١.
إن هؤلاء المنافقون أظهروا عداوتهم لرسول الله ﷺ، وللإسلام، وخرجوا من صمتهم المخادع، وأخذوا ينشرون أكاذيبهم التي أشارت الآيات إلى أهلها، قالوا:
- ما وعدنا الله ورسوله إلا بأمور لم تتحقق بعد أن غررا بنا.
- طالبوا "لعنهم الله" المؤمنين بالعودة إلى المدينة، لينجوا من الهلاك والقتل.
- بدءوا بالرجوع، وترك ميدان القتال بدعوى أن بيوتهم عورة، وهي ليست كذلك.
- تؤكد الآيات ضعف إيمان المنافقين، لأنهم سرعان ما يرتدون، ويتركون ما آمنوا
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ١٢-٢٠.
[ ٤٥٠ ]
به، بمجرد توقع فتنة، وهؤلاء في الحقيقة لا دين لهم.
- لا عهد لهؤلاء المنافقين، فقد دخلوا في الإسلام وعاهدوا الله على الثبات والصبر والتحمل، لكنهم نكصوا ولم يفعلوا شيئًا مما عاهدوا الله عليه.
- يؤكد القرآن الكريم أن المنافقين صنف معاد للإسلام يعيش بين المسلمين، فهم معوقون، حاقدون، يعملون كل ما يضر الإسلام والمسلمين.
- الأمر كله بيد الله تعالى، وحين ينزل بأسه على المنافقين لن ينجيهم منه أحد.
وأما المؤمنون الصادقون فأسوتهم رسول الله ﷺ لا يهابون موتًا، ولا يشكون في صدق رسولهم، ويسيرون على منهج الله الذي أخذوه، ويزداد إيمانهم عند الشدة، ويتمسكون بالطاعة والتسليم، فمنهم من لقي الله شهيدًا، ومنهم من ينتظر دوره، في صدق وإخلاص، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ١.
وتبين الآيات نتيجة المعركة، وتؤكد صدق الله ورسوله، وكذب من ادعى غير ذلك من المنافقين، ومن في قلبه مرض.
وتختم الآيات تناولها لأحداث غزوة الأحزاب ببيان حكمة الابتلاء، وعاقبة نقض العهد، وجزاء الوفاء به، وبيان أهمية، وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة الله تعالى فيقول سبحانه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٢١-٢٣. ٢ سورة الأحزاب: ٢٤، ٢٥.
[ ٤٥١ ]
ومثل هذا التعقيب بتخلل تصوير الحوادث والمشاهد ليرد الأمر كله إلى الله، ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع، فليس شيء منها عبثًا أو مصادفة، إنما تقع الأحداث وفق حكمة مقدرة، وتدبير مقصود، وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب، وفيها تتجلى رحمة الله بعباده.
إن الأمر كله من أوله إلى منتهاه صناعة إلهية تضع الإنسان أمام حقيقته، وتكشف أمام بصيرته وبصره جلال الخالق وعظمته، وتجعل الجزاء ملائمًا للطاعة، وتدبر العاقبة في خط متواز للعمل والسلوك.
وتختتم الآيات بالحديث عن الآثر الضخم المتصل بأعمال المنافقين والمرجفين، وتظهر خطأ تصوراتهم، وتثبت القيم الإيمانية بالنهاية الواقعية.
وهكذا بدأت المعركة وسارت في طريقها وانتهت إلى نهايتها وزمامها في يد الله يصرفها كيف يشاء.
وأثبت النص القرآني هذه الحقيقة بطريقة تعبيره، فأسند إلى الله تعالى إسنادًا مباشرًا كل ما تم من الأحداث، والعواقب، تقريرًا لهذه الحقيقة، وتثبيتًا لها في القلوب، وإيضاحًا للتصور الإسلامي الصحيح.
[ ٤٥٢ ]
المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية
مدخل
المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية
حاول أعداء الإسلام القضاء عليه لتستمر وضعيتهم الظالمة القائمة على استعباد الناس واستغلال الضعفاء، والاستغراق في شهواتهم المادية رغم ما فيها من جور وعدوان.
وقد تجلت هذه المحاولات في التضييق على المسلمين قبل الهجرة، والإصرار على القتال في "بدر"، والمجيء إلى المدينة لمقاتلة المسلمين في "أحد" و"الأحزاب".
لقد اعتمدت محاولات أعداء الإسلام على إشاعة الأكاذيب، وتضليل العامة، وتوجيه القبائل لكراهية الإسلام، والعمل على القضاء على المسلمين، وصد الناس عن دينهم الذي يعيشون به وله.
ولا يمكن لعاقل أن يسلم بأحقية هذه المحاولات الظالمة، لأن الإسلام في جوهره دين يخلص الناس من العبودية لغير الله، ويربطهم بقيم نبيلة، وأخلاق عالية، ويجدد الحقوق والواجبات لكل مخلوق، ويضع منهجًا ينظم كافة جوانب الحياة، ويصون الكرامة الإنسانية للبشر أجمعين.
إن الإسلام دين يحقق السعادة، وينشر السلام، ويحفظ النفس، والعقل، والولد، والمال، والعقيدة؛ ولذلك فهو دين يتوافق مع العقل السوي، والمصلحة الحقيقة لسائر الأحياء، ولكافة جوانب الحياة، وكل من يتدبر تعاليم الإسلام ينكر أي عدوان فيها ولا يصدق أي كلام يقال عن الإسلام مهما تزين، وتزخرف.
رأى المسلمون محاولات الأعداء ضد دينهم فرفضوها، وكان الله معهم فشرع الجهاد على مراحل متعددة، ليتفق التشريع مع كل جديد يحتاج إليه.
لقد بدأ تشريع الجهاد بالإذن فيه بعد الهجرة، ثم كان الأمر بقتال من يعتدي عند "أحد" وأخيرًا كان الأمر بالقتال العام بعد الخندق؛ لأن الأحزاب حين تجمعوا، وأتوا من كل صوب وحدب، كانوا يقصدون القضاء على المسلمين والإسلام، وبهذا بلغوا قمة التحدي، ومثلوا غاية العدوان في استهتار واضح بالقوة الإسلامية.
ولما تجمع الأحزاب حول المدينة بانت حقيقة اليهود، والمنافقين، وقبائل الجزيرة جميعًا وتأكد المسلمون أن وجود اليهود، والمنافقين في المدينة، أو في ضواحيها، يمثل
[ ٤٥٣ ]
خطورة بالغة لأنهم على علم بأحوال المسلمين وأخبارهم، ويمكنهم مفاجأة المسلمين، والغدر بهم في أي وقت كما أن لهم صلات بأهل مكة وبالقبائل العربية يستغلونها في إشاعة الأكاذيب، وصرف الناس عن التفكير في حقيقة الإسلام.
إن المسلمين عباد الله، وهبوا أنفسهم للحق، وجعلوا أرواحهم في خدمة دينهم، ولذلك عز عليهم تصرفات أعدائهم، وصدهم الناس عن دين الله تعالى، فلما فرض القتال العام بعد الأحزاب أخذ رسول الله ﷺ، في توجيه أصحابه للتصدي للطغاة المعتدين لأن إمهالهم يعطيهم فرصة للإعداد، والتجهيز، وإعادة مهاجمة المدينة مرة أخرى.
لقد صدق الله وعده للمسلمين في يوم الأحزاب، فأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأرسل عليهم ريحًا، وجنودًا من الملائكة، وأدخل الرعب في قلوبهم، حتى تمكن المسلمون منهم ففروا هاربين كل إلى موطنه الذي جاء منه.
وقد فهم الأحزاب، وكل من والاهم نتيجة معركة الخندق على غير وجهها الصحيح الأمر الذي أدى بهم إلى اتخاذ مواقف خاطئة، ذلك أنهم ربطوا هزيمة الأحزاب بأسباب بعيدة عن الحقيقة، حيث أرجعوها إلى تغير المناخ، وهبوب الريح، وشدة الأعاصير، وتصوروا أن ما حدث أمر طبيعي رأوا مثله في فيافي الجزيرة كثيرًا، وليس بلازم أن يتكرر مرة أخرى في أي لقاء لهم مع المسلمين، وفكروا كذلك في انقسام الأحزاب على أنفسهم، وشك كل فريق في غيره، عندما تصور كل منهم أن الفريق الآخر نقض عهده إما لانضمامه للمسلمين، أو لخوفه منهم.
وأدى بهم هذا الفهم إلى استمرار استهانتهم بالمسلمين، فتصوروهم ضعافًا لا يمكنهم الخروج من المدينة، ولذلك استمروا في إعداد العدة، وتجهيز السلاح لمهاجمة المسلمين، كل قبيلة على حدة، مبتعدين عن تكتل القبائل، وتجمع الأحزاب مرة أخرى، بعدما أصيبوا بهذا التجمع عند الخندق.
وحقيقة الواقع تؤكد خطأ المشركين في تحليل أسباب هزيمتهم؛ لأن ما حدث قدر إلهي نصر الله به عباده المؤمنين، وهو سبحانه قادر على إعادته وغيره لنصر المسلمين إن نصروا الله، وأخلصوا في الجهاد والنية، وما تفكك الأحزاب، وإحداث الوقيعة بينهم إلا قدر إلهي قضى به ليتم نصره، ويؤيد جنده.
[ ٤٥٤ ]
وكما تأمل المشركون في نتائج معركة الخندق تأمل المسلمون فيها أيضًا، وأدركوا أن الله معهم، وأن جند الله لا ينحصرون في صورة، أو عدد، أو جهة، أو في شيء؛ لأن لله جنود السماوات والأرض، وما يعلم جنود ربك إلا هو.
وصل المسلمون إلى نتيجة هي الحق حيث رأوا أن القبائل لن تسكت عن مهاجمة المسلمين، وستحاول كل قبيلة أن تفعل كل ما تقدر عليه، وبخاصة أن المسلمين حوصروا ولم يفعلوا شيئًا، ولولا الخندق لقضى الكفار عليهم.
لكل هذا حرص رسول الله ﷺ على تتبع أخبار القبائل، فأرسل عيونه في الجزيرة العربية كلها، فعادوا إليه بتأييد ما توقعه المسلمون، ولذلك كانت الغزوات والسرايا إلى هذه القبائل منعًا لغدرهم، وحتى لا يتمكنوا من الهجوم على المدينة مرة أخرى.
وكان الوحي الكريم مع رسول الله ﷺ يوجهه إلى ما يجب عمله، وبذلك تحددت معالم الحركة، واتضحت السبل المؤدية لحماية الإسلام والمسلمين، وشرعها الوحي للناس لتبقي درسًا عمليًا، وخطة واقعية، أمام المسلمين إلى يوم القيامة.
لقد كان من الضروري مواجهة العداوات التي بثها المشركون بين القبائل العربية والإسراع في منعهم من الإعداد والهجوم، ولذلك تعددت الغزوات، وكثرت السرايا بعد الأحزاب، ووصلت إلى الأماكن البعيدة في نجد والشام.
وقام المسلمون بواجبهم الذي كلفوا به، وقادهم رسول الله ﷺ في غزواته، وأعانهم في سراياه، وبذلك لم يتركوا ظالمًا يعتدي، ولم يدعو طاغوتًا يستبد ويفتري، وصانوا حرية الدعوة وحرية الناس، وكانوا ﵃ بقيادة رسول الله ﷺ حركة إيجابية دائمة بالإسلام، وسيفًا مسلطًا على رقاب كل معتد أثيم.
إن العدل بالمسلمين صار له رجاله، والدعوة إلى الله وجدت في الجهاد خير من يحميها، وأصبح الطريق المستقيم صافيًا، نقيًا.
لقد تعددت الأحداث، وتنوعت بعد الأحزاب، واستمرت حتى صلح الحديبية وجرت في مسارها المشروع الذي قدره الله لها، وكما أمر به رسول الله ﷺ.
وفي هذا المبحث سأتناول أهم هذه الأحداث، وذلك فيما يلي:
[ ٤٥٥ ]
أولا: غزوة بني قريظة
نقض بنو قريظة عهدهم مع رسول الله ﷺ في وقت عصيب، وانضموا إلى الأحزاب وأخذوا في إمدادهم بالمؤن والطعام وعلف الدواب، وعاش المسلمون بسببهم لحظات عصيبة، خافوا خلالها على أطفالهم ونسائهم من غدر يهود بني قريظة، فلما أتم الله نصره، ورجع الأحزاب إلى ديارهم، عاد المسلمون متعبين إلى دورهم يريدون أن يدفئوا من القر، ويشبعوا من الجوع، لكن الله أمرهم بمواصلة الجهاد.
ولما علم يهود بني قريظة بانصراف الأحزاب ملكهم الخوف، وتوقعوا أن يكر المسلمون عليهم لما كانوا يعرفون من تصرف الرسول ﷺ مع بني قينقاع، وبني النضير، وحدث ما توقعوه فإنه لما رجع النبي ﷺ من الخندق، ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل ﵇ وقال: قد وضعت السلاح يا محمد؟ والله ما وضعناه، فاخرج إليهم.
قال ﷺ: "فإلى أين"؟.
قال جبريل ﵇: ها هنا وأشار إلى ديار بني قريظة.
فخرج ﷺ إليهم وقال لأصحابه: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة". فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك "وفعل كل ما فهمه" وذكروا ذلك للنبي حين رؤيته فلم يعنف واحدًا منهم١.
وتقدمت الملائكة زحف الجيش الإسلامي، يقول أنس ﵁ كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ج٦ ص٣٢٨. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ج٦ ص٣٢٩. جاء في صحيح مسلم أن حديث الرسول ﷺ تناول صلاة الظهر، مخالفًا ما رواه البخاري في صحيحه، والجمع بين الروايتين في كونها الظهر أو العصر محمول على أن هذا الأمر كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلى الظهر بالمدينة بعضهم دون بعض، فقيل للذين لم يصلوا الظهر لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة، وللذين صلوا بالمدينة لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. ويحتمل أنه قيل للجميع: لا تصلوا العصر ولا الظهر إلا في بني قريظة، ويحتمل أنه قيل للذين ذهبوا أولا لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة وللذين ذهبوا بعدهم لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة والله أعلم.
[ ٤٥٦ ]
واستعمل الرسول ﷺ على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ﵁، ودفع اللواء إلى علي بن أبي طالب ﵁، وكان اللواء على حاله الذي كان عليه عند الخندق لم يتغير.
وأخذت الملائكة تدعو المسلمين إلى الخروج لبني قريظة، فعن محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ مر بنفر من بني النجار فيهم حارثة بن النعمان، قد صفوا صفين عليهم السلاح فقال: "هل مر بكم أحد"؟.
قالوا: نعم، دحية الكلبي، مر على بغلة، عليها رحاله، عليها قطيفة من إستبرق، وأمرنا بحمل السلاح، فأخذنا سلاحنا وصففنا، وقال لنا: هذا رسول الله ﷺ يطلع عليكم الآن.
فقال رسول الله ﷺ: "ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة ليزلزل حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم" ١.
وكان خروج النبي ﷺ إلى بني قريظة لسبع بقين من ذي القعدة في العام الخامس الهجري، وتبعه المسلمون في ثلاثة آلاف مقاتل، ومعهم ستة وثلاثون فرسًا، وعسكر الجيش الإسلامي عند بئر لبني قريظة يعرف ببئر "أنَّا" بأسفل حرة بني قريظة٢.
وتكامل تجمع المسلمين عند البئر، واجتمعوا مع رسول الله ﷺ عشاء وغدا رسول الله ﷺ على حصونهم، وعبأ أصحابه، ونظمهم حول الحصون، وأمرهم أن يرموهم بالنبال، وأن يتعاقبوا في الرمي، حتى لا يتركوا لهم وقتًا يستريحون فيه.
وفي آخر النهار أيقن اليهود بالهلكة، فأمسكوا عن الرمي، وأرسلوا نباش بن قيس فكلم رسول الله ﷺ على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير من الأموال والسلاح، وتحقن دماؤهم، ويخرجوا من المدينة بالنساء والذراري، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة.
فأبى رسول الله ﷺ.
فقال نباش: تحقن دماءنا، وتسلم لنا النساء والذرية، ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل فأبى رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكمه.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج٢ ص٢٣٤. ٢ المغازي ج٢ ص٤٩٦، ٤٩٩.
[ ٤٥٧ ]
وعاد نباش إليهم بذلك.
فلما أتاهم نباش برفض رسول الله ﷺ لما اقترحوه، قال كعب بن أسد: يا معشر بني قريظة والله إنكم لتعلمون أن محمدًا نبي الله، وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن نبيًا من بني إسرائيل فهو حيث جعله الله، ولقد كنت كارهًا لنقض العهد والعقد، ولكن البلاء وشؤم حيي بن أخطب فاتبعوه وكونوا أنصاره وأولياءه، وقد آمنتم بالكتابين كليهما الأول، والآخر، فتعالوا فلنتابعه ولنصدقه ولنؤمن به فنأمن على دمائنا وأبنائنا ونسائنا وأموالنا.
فردوا عليه لن نكون تبعًا لغيرنا نحن أهل الكتاب والنبوة ونكون تبعًا لغيرنا.
فجعل كعب يرد عليهم الكلام بالنصيحة لهم.
قالوا: لا نفارق التوراة وندع ما كنا عليه من أمر موسى.
قال كعب: فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج في أيدينا السيوف إلى محمد وأصحابه فإن قتلنا قتلنا وما وراءنا أمر نهتم به، وإن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء والأبناء.
قالوا: ما في العيش من خير بعد هؤلاء.
قال: فواحدة قد بقيت من الرأي لم يبق غيرها، الليلة السبت ومحمد وأصحابه آمنون لنا فيها.
فنخرج فلعلنا أن نصيب منه غرة.
قالوا: نفسد سبتنا وقد عرفت ما أصابنا فيه؟
فصاحت اليهود: لا نكسر السبت.
وسقط في أيديهم، وندموا على نقض العهد يوم الأحزاب، ورقوا على النساء والصبيان حينما رأوا ضعف أنفسهم وهلاك النساء والصبيان.
فقال لهم كعب: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة حازمًا١.
إلا أن فريقًا من بني هدل خالف قومه اليهود، ودخل في الإسلام، ونجا بنفسه، وأمواله، وأولاده، وهم: ثعلبة وأسيد ابنا سعية، وأسيد بن عبيد وأبناؤهم٢.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٤ ص١٢٠. ٢ سيرة النبي ج٢ وبنو هدل ليسوا من بني النضير، ولا من بني قريظة لأن نسبهم فوق ذلك فهم بنو عمومتهم.
[ ٤٥٨ ]
بعد أن بذلوا النصح الأمين لقومهم ولم ينقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ يوم الأحزاب.
واشتد الأمر على اليهود، فطلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل لهم أبا لبابة بن المنذر، وكان لهم نصيحًا، لما بينهم وبينه من حلف؛ ولأن أمواله وأهله بينهم.
فلما أتاهم أبو لبابة قال له كعب بن أسد: يا أبا لبابة إنا قد اخترناك على غيرك، إن محمدًا قد أبى إلا أن ننزل على حكمه أفترى أن ننزل على حكمه؟
قال: نعم وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح.
قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله فندمت واسترجعت وأخذت في البكاء، فنزلت وإن لحيتي مبتلة من الدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم فأخذت من وراء الحصن طريقًا أخرى حتى جئت المسجد ولم آت رسول الله ﷺ فارتبطت، وكان ارتباطي على الأسطوانة المخلقة التي يقال لها "أسطوانة التوبة" وقلت: لا أبرح من مكاني حتى أموت، أو يتوب الله عليّ مما صنعت، وعاهدت الله تعالى بألا أطأ أرض بني قريظة أبدًا، ولا أرى في بلد خنت الله تعالى ورسوله ﷺ فيه أبدًا.
وبلغ رسول الله ﷺ ذهابي وما صنعت، فقال: "دعوه حتى يحدث الله تعالى فيه ما شاء لو كان جاءني استغفرت له، فإذا لم يأتني وذهب فدعوه".
وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم في حر شديد عدة ليال لا آكل فيهن، ولا أشرب ولا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله عليّ، وأذكر رؤيا رأيتها في النوم، ونحن نحاصر قريظة، كأني في حمأة آسنة، فلم أخرج منه حتى كدت أموت من ريحها، ثم أرى نهرًا جاريًا فأراني اغتسلت فيه حتى استنقيت، وأراني أجد ريحًا طيبة، فاستعبرتها أبا بكر فقال: لتدخلن في أمر تغتم له ثم يفرج عنك، فكنت أذكر قول أبي بكر وأنا مرتبط، فأرجو أن ينزل الله تعالى قبول توبتي.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٢٧.
[ ٤٥٩ ]
يقول أبو لبابة: فلم أزل كذلك حتى ما أسمع الصوت من الجهد ورسول الله ﷺ ينظر إليّ.
ومكث أبو لبابة مرتبطًا ست ليال تأتيه امرأته مرة، وابنته مرة أخرى، فتحله حتى يتوضأ، ويصلي ثم يرتبط.
واستمر الحال على ذلك حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط: إن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله ﷺ من السحر، وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك.
فقلت: يا رسول الله مما تضحك أضحك الله سنك.
قال ﷺ: "تيب على أبي لبابة".
قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟
قال ﷺ: "بلى إن شئت".
فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك.
فسار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلما مر ﷺ خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه٢.
ثم نزلت بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ فأمر بأسراهم فكتفوا رباطًا وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة، ونحوا ناحية، وأخرج النساء والذرية من الحصون فكانوا ناحية، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام وجمعت أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف، وثلاثمائة دارع، وألفا رمح، وألف وخمسمائة ترس وحجفة، وأثاث كبير، وآنية كثيرة، وخمر وجرار سكر فهريق ذلك كله، ولم يخمس ووجد من الجمال النواضح عدة، ومن الماشية شيء كثير
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١٠٢. ٢ سيرة النبي ﷺ ج٢ ص٢٣٧، ٢٣٨.
[ ٤٦٠ ]
فجمع هذا كله١.
وطلبت الأوس من رسول الله ﷺ أن يهب لهم بني قريظة فإنهم حلفاؤهم، كما وهب لابن أبي بني قينقاع حلفاءه.
فقال ﷺ: "أما ترضون أيها الأوس أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم"؟.
قالوا: بلى.
قال ﷺ: "فذلك إلى سعد بن معاذ". وسعد يومئذ في المسجد في خيمة "رفيدة بنت سعد الأسلمية" وكانت تداوي الجرحى وتلم الشعث، وتقوم على الضائع الذي لا أحد له، وكان لها خيمة في المسجد، وكان رسول الله ﷺ جعل سعد بن معاذ فيها منذ جرح فخرجت الأوس فحملوه على حمار، والتفوا حوله وأخذوا يقولون له: يا أبا عمرو! إن رسول الله قد ولاك أمر مواليك لتحسن فيهم فأحسن، فقد رأيت ابن أبي وما صنع من حلفائه، وأكثروا في هذا وشبهه وهو لا يتكلم.
ثم قال سعد: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم.
فقال الضحاك بن خليفة بن عبد الأشهل الأنصاري: واقوماه.
وقال غيره منهم: نحو ذلك، ثم رجع إلى الأوس فنعى لهم قريظة.
فلما جاء سعد إلى رسول الله ﷺ والناس حوله قال: "قوموا إلى سيدكم! فقاموا له على أرجلهم صفين يحييه كل منهم".
وقالت الأوس الذين حضروا: يا أبا عمرو! إن رسول الله ﷺ قد ولاك الحكم فأحسن فيهم، واذكر بلاءهم عندك.
فقال سعد: أترضون بحكمي لبني قريظة؟
قالوا: نعم.
فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه أن الحكم ما حكم، ثم قال: فإني أحكم فيهم أن يقتل من جرت عليه الموسى، وتسبى النساء والذرية، وتقسم الأموال.
فقال رسول الله ﷺ: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات" ٢.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٥٠٩، ٢١٠. ٢ المغازي ج٣ ص٥١١، ٥١٢.
[ ٤٦١ ]
فنفذ رسول الله ﷺ حكم الله تعالى، فقتل من بلغ منهم، وضرب رسول الله ﷺ عنق كعب بن أسد وهو بين يديه، وأمر بـ"نبانة" امرأة الحكم القرظي، وهي من السبي، فقتلت لأنها ألقت من حصن الزبير بن باطا رحى بإشارة زوجها على نفر من المسلمين كانوا يستظلون في فيئه، فشحذت رأس خلاد بن سويد بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مالك الأغر فمات، وأمر رسول الله ﷺ بقتل كل من أنبت منهم بعدما وزعهم على المهاجرين والأنصار، كما أمر بترك من لم ينبت، وتمادى القتل فيهم إلى الليل فقتلوا على شعل السعف، ثم رد عليهم التراب في الخنادق، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة والخمسين، ولما قتلوا صاحت نساؤهم، وشقوا جيوبهم، ونشروا شعورهم وضربوا خدودهم وملئوا المدينة عويلا وصراخًا١.
وأمر النبي ﷺ بتقسيم الأموال، والنساء والذراري قسمة الفيء حيث كان الخمس لله، ورسوله، والأربعة أخماس الباقية للناس بسهمها عليهم، وقد أعطى رسول الله الفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهمًا واحدًا٢.
ووصى رسول الله ﷺ بالرفق بالأسارى، وأمر بأن لا يفرق بين الأم وأولادها، ولا بين الأخوات، وعرض رسول الله ﷺ الإسلام على الأسرى فمن أسلم باعه إلى صحابي مسلم، ومن أبي أمر ببيعه في الشام إلى يهودي، وإذا كان الأسير لا أم له ولا أخوة فإنه يباع لرجل مسلم في المدينة.
وأرسل النبي ﷺ طائفة من الأسرى فبيعت في نجد، وطائفة أخرى بيعت في الشام وأوصى ﷺ بشراء أسلحة بثمنها.
واصطفى رسول الله ﷺ لنفسه ريحانه بنت زيد، فلما أسلمت ملكها، ودخل بها٣.
وتخلص المسلمون من بؤرة خطيرة، هددت أمن المسلمين، كانت دائمة التآمر للفتك برسول الله ﷺ وأصحابه، وقد أعدوا عدتهم بالسلاح الضخم الذي استولى عليه المسلمون.
_________________
(١) ١ المغازي ج٣ ص٥١٦-٥١٧ بتصرف. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٢٤٤. ٣ المغازي ج٣ ص٥٢١.
[ ٤٦٢ ]
وقتل رسول الله ﷺ مع بني قريظة حيي بن أخطب بعدما دخل معهم في حصنهم وفاء لما عاهدهم عليه يوم أن ضمهم إلى الأحزاب.
وقال له رسول الله ﷺ قبل مقتله: "ألم يمكن الله منك يا عدو الله"؟.
فقال: بلى والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد التمست العز في مظانه، وأبى الله إلا أن يمكنك مني، ولقد قلقلت كل مقلقل، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس لا بأس بأمر الله، قدر وكتاب، ملحمة كتبت على بني إسرائيل١.
ولم يقتل من النساء إلا واحدة هي زوجة الحكم القرظي، واستشهد من المسلمين يوم بني قريظة، رجلان هما: خلاد بن سويد من الخزرج، وأبو سفيان بن محصن، ودفن الأول في البقيع، ودفن الثاني في ديار بني قريظة٢.
ولما تم أمر بني قريظة استجاب الله دعوة سعد بن معاذ الذي جرح يوم أحد وحكم في بني قريظة بحكم الله ثم قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك ﷺ وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها، واجعل موتي فيها فقد أقررت عيني من بني قريظة٣.
وكان رسول الله ﷺ قد وضعه بعد أحد يعالج في المسجد، في خيمة أقامها لعلاج الجرحى، وهي الخيمة المعروفة بخيمة "رفيدة بنت سعد الأسلمية"، وقد أتى به الأوس من الخيمة، وأركبوه حمارًا ليحكم في بني قريظة، فلما تم الأمر وعاد سعد إلى الخيمة انفجر جرحه ومات ﵁، فحمل إلى بيته، فغسل وكفن وصلى عليه رسول الله ﷺ ومشى أمام جنازته، ويعد سعد ﵁ من شهداء أحد٤.
يروي الواقدي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: لما انتهى رسول الله وصحابته إلى
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٤٨. ٢ الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢١ ص٨٥. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرجع النبي من الأحزاب ج٦ ص٢٣١. ٤ المغازي ج٣ ص٥١٣.
[ ٤٦٣ ]
قبر سعد نزل فيه أربعة نفر: الحارث بن أوس بن معاذ، وأسيد بن حضير، وأبو نائلة وسلمة بن سلامة، ورسول الله ﷺ واقف على قدميه عند قبره، فلما وضع في لحده تغير وجه رسول الله ﷺ، وسبح ثلاثًا، فسبح المسلمون ثلاثًا حتى ارتج البقيع بتسبيحهم، ثم كبر رسول الله ﷺ ثلاثًا، وكبر أصحابه ثلاثًا حتى ارتج البقيع بتكبيرهم، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقيل: يا رسول الله رأينا لوجهك تغيرًا وسبحت ثلاثًا وكبرت ثلاثًا.
قال ﷺ: "تضايق على صاحبكم قبره، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد، ثم فرج الله عنه" ١.
وجاءت أم سعد، وهي كبشة بنت عبيد، تنظر إلى سعد ولدها في اللحد، فردها الناس، فقال رسول الله ﷺ: "دعوها".
فأقبلت حتى نظرت إليه، وهو في اللحد قبل أن يبنى عليه اللبن والتراب، ثم قالت: أحتسبك عند الله، وعزاها رسول الله ﷺ على قبره، وجعل المسلمون يردون تراب القبر ويسوونه، وتنحى رسول ﷺ فجلس حتى سوى على قبره ورش عليه الماء، ثم أقبل فوقف عليه فدعا له، ثم انصرف.
يقول أبو سعيد الخدري ﵁: كنت مع من حفر قبر سعد بن معاذ، وكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا تراب قبره٢.
يروي البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: اهتز عرش الرحمن لموت سعد٣، وفي الترمذي عن أنس بن مالك: إنه لما حملت جنازة سعد قال المنافقون ما أخف جنازته، وفسروا ذلك بسبب قتله بني قريظة.
فقال ﷺ لهم: "إن الملائكة كانت تحمله" ٤.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ج١ ص٢٩٠. ٢ سير أعلام النبلاء ج١ ص٢٩٥. ٣ صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار باب مناقب سعد ج١ ص١٥٦. ٤ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ج٦ ص٢٣١.
[ ٤٦٤ ]
ثانيًا: قتل ابن أبي الحقيق
وابن أبي الحقيق هو سلام بن مشكم بن أبي الحقيق، ويكنى بـ"أبي رافع" ويعرف بـ "عبد الله بن أبي الحقيق" والذي سماه عبد الله هو قاتله عبد الله بن عتيك وهو أحد زعماء بني النضير الذين خرجوا إلى خيبر بعد أحد، وكان من الأعداء الألداء لرسول الله ﷺ وللإسلام، وقد بدت عداوته بعدما علم بمقتل مقاتلة بني قريظة حيث قال: هذا كله عمل حيي بن أخطب، لا قامت يهودية بالحجاز أبدًا.
وصاح نساء بني قريظة وأقمن المآثم وفزعت اليهود إلى سلام ليروا رأيه، فأشار عليهم بأن يسيروا معه، ومعهم يهود تيماء، وفدك، ووادي القرى، ولا يجلبوا معهم أحدًا من العرب، حتى يغزوا محمدًا في عقر داره، فوافقوه على ما رأى، وأخذ يعد العدة لذلك يقول ابن إسحاق: لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف رغب الخزرج في قتل ابن أبي الحقيق لينالوا ثواب قتله، وحتى لا يسبقهم الأوس في فضل، ولأنه أشد عداوة لرسول الله من كعب، وحتى لا تستمر مؤامرته على محاربة المسلمين، فاستأذنوا رسول الله ﷺ فأذن لهم١.
يروي البخاري بسنده قصة مقتله فيقول: بعث رسول الله إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار، وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل.
فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب يقول عبد الله: فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٢٧٣.
[ ٤٦٥ ]
وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمرة صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقته على من دخل، فقلت إن القوم إذا نذروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله.
فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا رافع، حتى أعرف مكانه من صوته.
قال: من هذا؟
فأهويت نحو الصوت فضربته ضربة بالسيف، وأنا أدهش فما أغنيت شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت بصوت آخر: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟
فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، فعلمت أني ضربته ضربة أثخنته ولم تقتله، فوضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته.
فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجة السلم، فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة ثم انطلقت، حتى جلست على الباب فقلت لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا؟
فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء النجاء فقد قتل الله أبا رافع، فلما انتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته، فقال لي: "ابسط رجلك، فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط" ١.
وكان مقتل ابن أبي الحقيق في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، وقد أدى مقتله إلى تفرق الجمع الذي كان يعده للهجوم على المدينة، وعلم اليهود في خيبر أن المسلمين لهم بالمرصاد، ولن يتركوهم في تآمرهم على الإسلام وعلى المسلمين.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب المغازي باب قتل أبي رافع ج٦ ص٢٨١-٢٨٢.
[ ٤٦٦ ]
ثالثا: سيرة محمد بن مسلمة
ثالثًا: سرية محمد بن مسلمة
أعد النبي ﷺ سرية من أصحابه بلغ عددها ثلاثين راكبًا، ووجههم إلى "القرطاء" في أرض نجد، ناحية خيرية البكرات١، وذلك لعشر ليال خلت من المحرم سنة ست من الهجرة لتأديب بني بكر أحد بطون بني كلاب بعدما تأمروا على قتل رسول الله ﷺ وأعدوا لذلك رجالا منهم فلما وصلت السرية إلى ديار بني بكر، وشعر القوم بها هربوا، وتركوا أنعامهم وأموالهم فغنم المسلمون منها ما استطاعوا، وعادوا إلى المدينة في آخر المحرم، وتمكنوا عند رجوعهم من أسر رجل من بني حنيفة يقال له "تمامة بن آثال" وأحضروه معهم إلى المدينة. يروي أبو هريرة ﵁ قصة ثمامة فيقول: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن آثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: "ما عندك يا ثمامة"؟.
فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل منه ما شئت.
فتركه حتى كان الغد ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة"؟.
قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر.
فتركه حتى كان بعد الغد فقال له: "ما عندك يا ثمامة"؟.
قال: عندي ما قلت.
قال ﷺ: "أطلقوا ثمامة". فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب دين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟
_________________
(١) ١ موضع جهة نجد قريب من مكة.
[ ٤٦٧ ]
فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر.
فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت.
قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ، كانت اليمامة ريف مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة، حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي لهم حمل الطعام، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وهكذا توجه المسلمون إلى نجد لرفع كلمة الحق، وإشعار قادة الكفر، والضلال أن صدهم الناس عن دين الله أمر مرفوض، والواجب حماية حق الناس، في الاعتقاد والتدين، ومعاملة الذين يصدون عن سبيل الله معاملة المعتدي على حق غيره، المحارب لحرية الإنسان وكرامته.
_________________
(١) ١ مختصر السيرة ص٢٩٣.
[ ٤٦٨ ]
رابعًا: غزوة بني لحيان
بنو لحيان هم الذين غدوا بعشرة من أصحاب رسول الله ﷺ بالرجيع، وتسببوا في إعدامهم، ولكن لما كانت ديارهم مجاورة لحدود مكة، والتارات الشديدة قائمة بين المسلمين وقريش والأعراب، رفض رسول الله ﷺ أن يتوغل في البلاد بمقربة من العدو الأكبر في مكة، فلما تخاذلت الأحزاب، واستوهنت عزائمهم، واستكانوا للظروف الراهنة إلى حد ما، رأى رسول الله ﷺ أن الوقت قد حان لأن يأخذ من بني لحيان ثأر أصحابه المقتولين بالرجيع، فخرج إليهم في ربيع الأول أو جمادى الأول سنة ست في مائتين من أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأظهر أنه يريد الشام، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى "بطن غُرَان" واد بين أمج وعسفان، حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم، وسمعت بنو لحيان بالمسلمين فهربوا في رءوس الجبال، ولم ير المسلمون منهم أحدًا، فأقام رسول الله ﷺ يومين بأرضهم، وبعث السرايا إلى جهات عديدة، ثم سار بالقوم إلى عسفان، وبعث عشرة فوارس إلى كراع الغميم لتسمع به قريش بقيادة أبي بكر الصديق ﵁، ثم رجع إلى المدينة وهو يقول: "آئبون، تائبون،
[ ٤٦٨ ]
عابدون، لربنا حامدون! اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة على الأهل! اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل، والمال! اللهم بلغنا بلاغًا صالحًا يبلغ إلى خير، مغفرة منك ورضوانًا"١. وكانت غيبته عنها أربع عشرة ليلة٢.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٥٣٧. ٢ الرحيق المختوم ص٣٢١.
[ ٤٦٩ ]
خامسًا: غزوة الغابة
وقعت هذه الغزوة عند ماء يعرف بماء "قرد" قريبًا من المدينة المنورة، وسببها أنه كان لرسول الله ﷺ عشرون ناقة ذوات لبن، ترعى بالغابة حول الماء، ومعها راع وزوجته، فأغار عليها عيينة بن محصن الفزاري فقتل الراعي، وسبى المرأة، واستولى على اللقاح العشرين، فلما رآهم سلمة بن الأكوع السلمي عاد، وأخبر رسول الله ﷺ وصاح في المسلمين بما وقع.
فلما وقعت الصيحة بالمدينة كان أول من أتى إلى رسول الله ﷺ من الفرسان المقداد بن عمرو، ثم عباد بن بشر الأشهلي، وأسيد بن حضير أخو بني حارثة، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة الأسدي الأخرم، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وأبو عياش عبيد بن زيد بن صامت الزرقي، فلما اجتمعوا أمر رسول الله ﷺ عليهم سعيد بن زيد من بني عبد الأشهل، وأعطى ﷺ فرس أبي عياش معاذ بن معاص، وكان أحكم للفروسية من أبي عياش وسار النبي ﷺ معهم حتى واجه المشركين.
وكان أول من واجه المشركين محرز بن نضلة الأخرم فقتلوه ﵀، ولحق أبو قتادة بقاتله فقتله، وولى المشركون منهزمين، وتركوا خلفهم لقاح رسول الله ﷺ.
ولما بلغ رسول الله ﷺ ماء يقال له "ذو قرد" استرد إبله ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة، وأقام ﷺ يومًا وليلة، ثم رجع إلى المدينة، وصلى النبي ﷺ بالمسلمين صلاة الخوف لأول مرة عند "ذي قرد" يقول ابن عباس ﵁: قام رسول الله ﷺ إلى القبلة، وصف طائفة خلفه، وطائفة مواجهة العدو، فصلى بالطائفة التي خلفه، ركعة
[ ٤٦٩ ]
وسجدتين، ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم، وأقبل الآخرون فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعة، فلما سلم رسول الله ﷺ أقبلت كل طائفة وصلت الركعة الباقية لتتم صلاتهم جميعًا، وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة رسول الله ﷺ، فلما أتت المدينة نذرت أن تنحرها، فأخبرها رسول الله ﷺ أنه لا نذر لأحد في معصية الله، ولا فيما لا يملك، وأخذ ﷺ ناقته١.
وقد استشهد من المسلمين محرز بن نضلة ﵁، وقتل من المشركين مسعدة بن حكمة، وأوثار، وابنه عمرو بن أوثار، وحبيب بن عيينة.
_________________
(١) ١ مختصر السيرة ص٢٩٣.
[ ٤٧٠ ]
سادسًا: سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر
بعث رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلا من الصحابة في شهر ربيع الأول سنة ست إلى "الغمر" وهو ماء لبني سعد.
أسرع عكاشة ورجاله إلى الغمر، فلما علم القوم به تركوا ماءهم، وفروا إلى الجبال وتركوا بعض نعمهم، فأخذوا منها المسلمون مائتين، وعادوا إلى المدينة.
[ ٤٧٠ ]
سابعًا: السرايا إلى ذي القصة
أخذ بنو ثعلبة يغيرون على سرح المسلمين في المدينة فأرسل رسول الله ﷺ إليهم محمد بن مسلمة ﵁أولا- في عشرة رجال من الصحابة، في ربيع الأول سنة ست، فكمن لهم القوم عند مائهم "ذي القصة" حتى ناموا فأحدقوا بهم، وكان عددهم مائة، فما شعر المسلمون إلا والنبال تأتيهم من كل جانب، واستمر الرمي حتى قتل المشركون المسلمين جميعًا ماعدا محمد بن مسلمة، فإنه أفلت، وتمكن من الرجوع إلى المدينة وأخبر الرسول ﷺ بما حدث له، ولأصحابه.
فأرسل الرسول ﷺ سرية ثانية إلى بني ثعلبة في "ذي القصة" في ربيع الآخر مكونة من أربعين صحابيًا بقيادة عبيدة بن الجراح ﵁.
ونظرًا ليقظة بني ثعلبة، وتتبعهم لأخبار المسلمين صلى أفراد السرية المغرب بالمدينة المنورة حتى لا يشعر بهم أحد، ثم أخذوا في المسير بعد المغرب متجهين إلى "ذي القصة" واستمروا في السير طوال الليل، فوافوها قبيل طلوع الشمس، وفاجئوا القوم بالإغارة عليهم، ففر القوم هاربين إلى التلال والجبال، وتركوا إبلهم وغنمهم، فغنم المسلمين إبلًا وغنمًا وأسروا رجلًا واحدًا، ثم عادوا إلى المدينة بما غنموا، وقد أسلم الرجل عند رسول الله ﷺ فتركه ﷺ.
[ ٤٧٠ ]
ثامنًا: سرايا زيد بن حارثة ﵁
تميز زيد بن حارثة بالشجاعة والإقدام، والإخلاص في طاعة الله ورسوله ولذلك اختاره الرسول ﷺ لقيادة عدد من السرايا، خلال فترة ما بعد الخندق، وهي:
١- سرية زيد إلى الجموم:
والجموم ماء لبني سليم في مر الظهران، قرب مكة، خرج زيد إليها في عدد من أصحاب النبي ﷺ فأصاب امرأة من مزينة دلتهم على محلة "بني سليم" فذهبوا إليها، وأخذوا منها غنمًا، وإبلا، وبعض الأسرى، وعادوا إلى المدينة١ وقد أسلمت المرأة وزوجها النبي ﷺ من أحد أصحابه٢.
٢- سرية زيد إلى العيص ٣:
بعث النبي ﷺ في جمادى الأولى سنة ست زيد بن حارثة في مائة وسبعين رجلا من أصحابه لمقاتلة قافلة لقريش راجعة من الشام بتجارات لهم، فالتفت بهم عند العيص، واستولت على الأموال، واسروا بعض الرجال منهم أبو العاص بن الربيع، زوج زينب بنت رسول الله ﷺ، وكان الرسول قد فرق بينهما.
وكان أبو العاص رجلا مأمونًا، يتاجر لقريش في مالها، فلما قدم المدينة أسيرًا دخل على زينب سحرًا فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر قامت زينب على بابها، فنادت بأعلى صوتها وقالت: إني قد أجرت أبا العاص.
_________________
(١) ١ فتوح البلدان ج١ ص١٦٤. ٢ الطبقات الكبرى ج٢ ص٨٦. ٣ العيص واد بين مكة والمدينة.
[ ٤٧١ ]
فقال رسول الله ﷺ: أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟
قالوا: نعم.
قال ﷺ: "فوالذي نفسي بيده، ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت".
فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد إلى أبي العاص بن الربيع ما أخذ منه من المال، ففعل وأمرها ألا يقربها، فإنها لا تحل له ما دام مشركًا، ثم كلم رسول الله ﷺ أصحابه، وكان مع أبي الربيع بضائع لغير واحد من قريش، فأدى إليه الصحابة كل شيء، حتى إنهم ليردون الإداوة، والحبل، حتى لم يبق شيء، ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم شيء؟
قالوا: لا والله.
قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لقد أسلمت بالمدينة، وما منعني أن أقيم بالمدينة إلا أني خشيت أن تظنوا أني أسلمت لأذهب بالذي لكم، ثم رجع إلى النبي ﷺ فرد عليه زينب بالنكاح الأول١.
٣- سرية زيد إلى الطرف:
والطرف ماء لبني ثعلبة يقع على بعد ستة وثلاثين ميلا عن المدينة، بعث الرسول ﷺ إلى أهله زيدًا في خمسة عشر رجلا من الصحابة، فهرب الناس لما علموا بمقدم المسلمين، وأصاب منهم زيد بعض الإبل، ورجع إلى المدينة في جمادى الآخرة سنة ست بعد أن غاب عنها أربع ليال٢.
٤- سرية زيد إلى وادي القرى:
في رجب سنة ست خرج زيد إلى وادي القرى ومعه اثنا عشر رجلا من الصحابة، لاستكشاف حركات الأعراب فهجم عليهم سكان وادي القرى، وقتلوا منهم تسعة وعاد الناجون إلى المدينة، وفيهم زيد بن حارثة٣.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها ج٣ ص١٥٠، ١٥١، والمغازي ج٣ ص٥٥٣، ٥٥٤. ٢ المغازي ج٣ ص٥٥٤. ٣ الطبقات الكبرى ج٢ ص٨٩.
[ ٤٧٢ ]
تاسعًا: غزوة بني المصطلق
وتعرف بغزوة المريسيع١ وكان وقوعها في شعبان سنة ست للهجرة بعد الخندق على الصحيح، ودليل ذلك أن آية الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش ﵂ بعد زواجها من رسول الله ﷺ، ولذلك سألها ﷺ عن الإفك الذي دار حول عائشة ﵂ فقالت: أحمي سمعي وبصري وقالت عنها عائشة ﵂، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ.
وحادثة الإفك كانت أثناء العودة من غزوة بني المصطلق ونزول آية الحجاب كان بعد زواج زينب، وزواج زينب كان في ذي القعدة من السنة الخامسة فإذا ما علم أن حادثة الإفك كانت بعد نزول آية الحجاب، إذا علم ذلك صح أن "غزوة المريسيع" كانت في السنة السادسة بعد الخندق٢.
وسبب هذه الغزوة أن الحارث بن ضرار زعيم بني المصطلق سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب، يريدون حرب رسول الله ﷺ في المدينة، وأخذوا في إعداد العدة لذلك فبعث رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي ليعلم خبرهم فلما رأى تجمعهم واستعدادهم عاد لرسول الله ﷺ وأخبره بما رأى، فندب رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم خبر عدوهم، فأسرعوا بالخروج مع رسول الله ﷺ بعد أن أمر على المدينة زيد بن حارثة.
ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى المريسيع فنزله، وضرب قبة من أدم، وكان معه من نسائه عائشة وأم سلمة ﵄.
اجتمع المسلمون على الماء، وأعدوا وتهيئوا للقتال، وصف رسول الله ﷺ أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر ﵁، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة ﵁، ويقال: كان مع عمار بن ياسر ﵁ راية المهاجرين.
_________________
(١) ١ المريسيع: بضم الميم، وفتح الراء مصغرًا اسم لماء خزاعة بينه وبين المدينة ما يقرب من سبعين ميلا. ٢ انظر سيرة ابن هشام ج٢ ص٢٨٩.
[ ٤٧٣ ]
ثم أمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ أن ينادي فنادى في الناس: قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم، وأموالكم، ففعل عمر ﵁ فأبوا الإذعان فرماهم.
وكان عمر أول من رمى من المسلمين ثم إن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يحملوا عليهم فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت إنسان من بني المصطلق، وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم، وسبى رسول الله ﷺ الرجال، والنساء والذرية وغنمت النعم والشاء، وما قتل أحد من المسلمين إلا رجل واحد يقال له هشام بن صباية رضي الله عنه١.
وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى عنها رسول الله ﷺ وتزوجها.
وقد شعر المنافقون بافتضاح أمرهم في غزوة الأحزاب، فجمعوا جموعهم وأرادوا خلخة الصف الإسلامي بالإشاعات، وزرع جذور الوهن، وأخذوا يتحينون الفرص لبث أكاذيبهم، وكان أول هذه الفرص بعد غزوة الأحزاب في زواج رسول الله ﷺ "زينب بنت جحش" ﵂ حيث أخذوا يذكرون للناس أنها الزوجة الخامسة لرسول الله ﷺ وهذا لا يجوز، وقالوا: إن محمدًا أحبها وهي تحت زيد، فأمر ﷺ زيدًا أن يطلقها ليتزوجها، وهذا كذب وضحناه قبل٢ ورد الله عليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٣.
وانتهز المنافقون خروج المسلمين إلى بني المصطلق فخرجوا معهم في أعداد كبيرة، وتظاهروا بانصهارهم في الصف الإسلامي، وأخذوا يتحينون الفرصة لتحقيق ما خرجوا له.
يقول المقريزي: وبينما المسلمون على ماء المريسيع إذ أقبل "سنان بن وبر الجهني" حليف الأنصار ومعه فتيان من بني سالم يستقون، وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار فأدلى دلوه، وأدلى "جهجاة بن مسعود" أجير عمر بن الخطاب ﵁ دلوه،
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٤٠٧. ٢ انظر ص١٢٨-١٣١. ٣ سورة الأحزاب: ١.
[ ٤٧٤ ]
فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه، وتنازعا فضرب جهجاه سنانًا فسال دم سنان فنادى: يا للخزرج، وثارت الرجال، فهرب جهجاه إلى قومه وجعل ينادي في العسكر: يا لقريش، يا لكنانة، فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج، وشهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فقام رجال في الصلح فترك سنان حقه.
وانتهز عبد الله بن أبي الموقف وكان جالسًا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: والله ما رأيت كاليوم مذلة، والله إني كنت لكارهًا لوجهي هذا ولكن قومي قد غلبوني قد فعلوها، قد نافرونا، وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منتنا، والله ما صرنا وجلاليب قريش هذه إلا كما قال القائل "سمن كلبك يأكلك" والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفًا يهتف بما هتف به جهجاه، وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غير "والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
ثم أقبل ابن أبي على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وأنزلتموهم منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضًا للمنايا فقتلتم دونهم، فأيتمتم أولادكم، وقللتم عددكم وكثروا١.
أخبر زيد بن أرقم رسول الله بما رأى وسمع فتغير وجه رسول الله واستوثق منه وأبى على أصحابه قتل ابن أبي حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
وجاء ابن أبي ينفي صدور ما ذكر عنه فنزل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وقطعًا لهذه الفتنة، ومنعًا للخوض فيها بادر رسول الله ﷺ بالعودة إلى المدينة أثناء الحر الشديد، وكان ﷺ لا يروح حتى يبرد الجو.
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁ لرسول الله ﷺ وقال له: إن كنت تريد أن
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٩٩. ٢ سورة المنافقون: ١.
[ ٤٧٥ ]
تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر غيري فيقتله فتدعوني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي فأقتله فأدخل النار وعفوك أفضل، ومنك أعظم.
فقال رسول الله ﷺ: "ما أردت قتله، وما أمرت به، ولنحسن صحبته ما كان بين أظهرنا".
فقال عبد الله: إن أبي كانت هذه البحيرة قد اتسقوا عليه ليتوجوه، فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به يذكرونه أمورًا قد غلب الله عليها١.
وانتهز المنافقون حادثة أخرى وقعت حين رجوع المسلمين من المريسيع هي "حادثة الإفك" التي ظهرت بين المسلمين فتلقفها ابن أبي، وتولى كبر إذاعتها ونشرها وكما أخزاه الله تعالى بنزول القرآن الكريم في تأكيد كذبه في المرة الأولى أخزاه مرة أخرى بنزول براءة السيدة عائشة ﵂ من فوق سبع سماوات٢.
وسجل القرآن الكريم هذين الموقفين ليعلم المؤمنون طبائع المنافقين، وليأخذوا حذرهم الدائم منهم.
وزاد الله خزي المنافقين مرة أخرى، فإنه لما نزل المسلمون عند ماء يقال له "بقعاء" أخذتهم ريح شديدة، استمرت إلى أن زالت الشمس ثم هدأت، وخاف المسلمون أن تكون هذه الريح لمواجهة "عيينة بن حصن" ظنًا منهم أن يهاجم ظهورهم في المدينة، فقال لهم ﷺ: "ليس عليكم بأس منها فما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق". وهو "رفاعة بن زيد بن التابوت" وكانت هذه الريح أيضًا بالمدينة حتى دفن عدو الله فسكت.
وقال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبي: مات خليلك.
قال: أي أخلائي.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٢٩٣. ٢ هذه الحادثة هي حادثة الإفك التي سبق ذكرها في ص١٦٢-١٦٥ عند الحديث عن حسن معاملة رسول الله ﷺ لزوجاته ﵅.
[ ٤٧٦ ]
قال: من موته فتح للإسلام وأهله، رفاعة بن زيد بن التابوت.
قال: يا ويلاه، كان والله وكان وكان، وجعل يذكر.
فقال له عبادة: اعتصمت والله بالذنب الأبتر.
قال: من خبرك يا أبا الوليد بموته؟
قال: رسول الله أخبرنا الساعة، أنه مات هذه الساعة، فأسقط في يديه، وانصرف كئيبًا حزينًا، فلما دخلوا المدينة وجدوا عدو الله مات في تلك الساعة١.
وهكذا انتهت مؤامرات المنافقين في المدينة كما انتهت ألاعيب اليهود.
_________________
(١) ١ إمتاع الإسماع ج١ ص٢٠٤.
[ ٤٧٧ ]
عاشرًا: السرايا بعد غزوة بني المصطلق
واصل النبي ﷺ إرسال السرايا بعد غزوة بني المصطلق تأمينًا للحركة داخل الجزيرة العربية، وإرهاب الفلول المتناثرة التي تتحرك بتأثير اليهود والمنافقين. وأهم هذه السرايا ما يلي:
أ- سرية عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى ديار بني كلب في دومة الجندل في شعبان سنة ست للهجرة لدعوتهم إلى الإسلام بسبب إظهارهم العداوة لرسول الله ﷺ، وصد الناس عن الإسلام وقد أسلم فريق منهم، وتزوج عبد الرحمن بن عوف ﵁ تماضر بنت الأصبع بعد أن أذن له رسول الله ﷺ.
ب- سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان من نفس السنة ومعه مائة صحابي وسببها أن بني سعد حاولوا إمداد اليهود بالمؤن والسلاح على أن يأخذوا منهم بعض تمر خيبر.
ج- سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال سنة ست، وسببها أن رهطًا من عكل، وعرينة أظهروا الإسلام وأقاموا بالمدينة فمرضوا فبعثهم رسول الله ﷺ مع الرعاة لرعي الإبل، فلما صحوا قتلوا الراعي، وأخذوا الإبل، فأرسل الرسول ﷺ كرز بن جابر في عشرين من الصحابة حتى أدركوهم، وأحضروهم إلى المدينة فأقام عليهم رسول الله ﷺ حد الحرابة، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، جزاء وفاقًا على عداوتهم، وعدوانهم وقتلهم الراعي، وأخذهم الإبل١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٦٠٢.
[ ٤٧٧ ]
حادي عشر: حركة الدعوة خلال المرحلة ما بين الأحزاب، والحديبية
أخذت الحركة بالإسلام بعد الأحزاب تنشط وتتسع، فوصلت إلى كل قبائل الجزيرة العربية، لأنهم جميعًا تأثروا بهزيمة الأحزاب، وشعروا بضعف وضعهم فأخذوا يعملون بعصبية يملكهم الخوف، ويسيطر عليهم الفزع، وقد رأيناهم يتآمرون ولا يصمدون يتعاونون ويتفرقون، يقتلون ولا ينتظرون، فكان لا بد من مواجهتهم، والذهاب إليهم ليثوبوا لرشدهم، ويعرفوا حجمهم وقوتهم، ويبتعدوا عن العدوان والفساد، ويلتزموا بمراعاة حق الآخرين، ويبتعدوا عن همجيتهم السابقة.
وتعد سرايا ما بعد الأحزاب حملات تطهير للفساد الموجود في الجزيرة العربية، وتخلص من عدوان الطغاة، وإسكات صوت البغي وقهر العدوان قبل ظهوره.
وقد أدت هذه الغزوات والسرايا دورها، وقامت بتحقيق الهدف منها.
صحيح أن القبائل لم تدخل في الإسلام، لكن الحركة صارت آمنة، وأصبح صوت الإسلام عاليًا، وأخذ الناس يشعرون بحرية القول، وحرية الاستماع، وحرية التفكير، وحرية اتخاذ القرار، وهذا هو المطلوب فقط.
في هذه المدة تزوج النبي ﷺ أربعًا من زوجاته هن:
١- زينب بنت جحش ﵂ تزوجها ليبطل عادة العرب في نكاح زوجة الابن المتبنى بعد طلاقها.
٢- أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ لتعويضها بعد فراق زوجها، ولتطيب نفس أبيها وقومها، ومما يدل على وقع زواج النبي ﷺ من أم حبيبة ﵂ على أبي سفيان أن أبا سفيان بعد إسلامه عرض على النبي ﷺ أن يزوجه أختها لسروره بذلك فعرفه النبي ﷺ حرمة الجمع بين الأختين، وقد أشار الله تعالى إلى هذا الأثر في قوله سبحانه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ
[ ٤٧٨ ]
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
٣- جويرية بنت الحارث ﵂ من بني المصطلق وكانت خيرًا على أهلها جميعًا حيث صاروا أحرارًا بسببها.
٤- صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ بنت زعيم يهود بني قريظة لتأكيد صلة المسلمين بأهل الكتاب، ولبيان ما في الإسلام من خير للجمع.
ومن هذا الباب دخوله ﷺ بـ"ريحانة بنت زيد" القرظية، وزواجه من مارية القبطية أم ولده إبراهيم ﵁.
وفيما فعله النبي ﷺ درس للدعاة من بعده ﷺ ليوسعوا صدورهم في تقبل الآخر، وعدم الانغلاق على الذات، والنظر إلى غير المسلمين على أساس أنهم أرض خصبة لانتشار الإسلام، وعليهم أن يحسنوا فهم الإسلام، وأن يحسنوا عرضه بمنهج رسول الله ﷺ.
وخلال هذه المرحلة تعلم المسلمون من وحي الله، ومن عمل رسول الله ﷺ الأحكام التالية:
- ضرورة قضاء الصلاة إن فات وقتها مرتبة بأذان واحد وإقامة لكل صلاة كما فعل رسول الله ﷺ في قضاء ما فات المسلمين من صلاة يوم الخندق حيث صلاها في ديار بني قريظة.
- تعلموا أحكام صلاة الخوف، وأدوها خلف رسول الله ﷺ وعلموا كيفيتها، وشروطها، وكل ما يتعلق بها من أحكام، وقد صلاها النبي وأصحابه عند "ذي قرد" في غزوة الغابة.
- أدوا صلاة القصر في سراياهم وغزواتهم البعيدة كما تعلموها من رسول الله ﷺ.
- نزلت آية التيمم حين رجوع المسلمين من بني المصطلق لأن رسول الله ﷺ لما افتقد عائشة ﵂، ونزل منزلا شحيح الماء ضجر الناس فنزلت آية التيمم بعد طلوع الفجر٢ وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة: ٧. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٠٤.
[ ٤٧٩ ]
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
- تعلم الصحابة الجمع بين الصلاتين أثناء السفر جمع تقديم، أو جمع تأخير.
- حمى رسول الله ﷺ النقيع لفقراء المدينة لما فيه من سعة وكلأ، وقد أمر رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ يحفر بئر فيه، وبتجديد جهاته الأربع بمدى وصول صوت المؤذن.
- أقام النبي ﷺ حد الحرابة على هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام وغدروا بالمسلمين فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل٢ بعد نزول قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
وقد أقيم الحد فقطعت الأيدي والأرجل من خلاف فلم تثمل عين، ولم تحدث مثلة ولم يقطع لسان.
وفرض الحج في هذه المدة على قول.
وبرغم قصر المدة بين الأحزاب، والحديبية، وشغلها بالسرايا والغزوات العديدة، فإنها لم تخل من تعليم النبي ﷺ لأصحابه وتوجيههم إلى مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور ومن ذلك:
- أمرهم بالمحافظة على الصلاة في وقتها، وحين سأله رجل من بني عبد القيس خلال معركة المريسيع عن أحب الأعمال إلى الله.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٦. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٠٤. ٣ سورة المائدة: ٣٣.
[ ٤٨٠ ]
قال له ﷺ: "الصلاة في أول الوقت".
- أمر رسول الله ﷺ أصحابه بدعاء الله تعالى في الحضر والسفر، وعلمهم دعاء السفر الذي سبق ذكره.
- وجههم إلى أن المسلمين إخوة، وأنهم يد على من سواهم، وهم جميعًا يجيرون من أجاره أحدهم، فلقد أجاروا جميعًا أبا العاص بن الربيع بعدما أجارته زينب ﵂.
- أباح ﷺ للمحارب الزواج أثناء الغزوة كما تزوج عبد الرحمن بن عوف لما في الزواج من فوائد عديدة للرجل، وللدعوة وللأمة كلها.
- نهى ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلا إذا عاد من سفر، ذلك أن عبد الله بن رواحة طرق أهله فإذا مع امرأته إنسان، فظن أنه رجل فرفع سيفه يريد أن يضربهما ثم فكر وادكر، فغمز امرأته برجله فاستيقظت وصاحت.
فقال: أنا عبد الله، فمن هذا؟
قالت: رحيلة، سمعنا بقدومكم، فدعوتها تمشطني فباتت عندي، فبات وأصبح فرجع يلقى رسول الله ﷺ وهو سائر بين أبي بكر الصديق، وبشير بن سعد ﵁ فالتفت ﷺ إلى بشير فقال: يا أبا النعمان، إن وجه عبد الله ليخبرك أنه كره طروق أهله فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ: "خبرك يابن رواحة". فأخبره فقال ﷺ: "لا تطرقوا النساء ليلا". فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
- عاش رسول الله ﷺ أثناء غزواته حياته العادية، فكان يصطحب زوجاته، وكان يلاعبهم، ويسابقهم، وكثيرًا ما سبق عائشة وكان ﷺ يداعبها ويتلطف معها، حدث أن المسلمين أخذوا خوات بن جبير أسيرًا إلى رسول الله ﷺ فأبقاه الرسول عند عائشة وقال لها: احتفظي بهذا الأسير فلهت عنه فهرب، فلما جاء النبي ﷺ قال لها: "أين الأسير"؟.
قالت: غفلت عنه فخرج.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي باب ما جاء في كراهية طروق الرجل أهله ليلا ج٥ ص٦٦.
[ ٤٨١ ]
فقال ﷺ: "قطع الله يدك".
ودخل رسول الله ﷺ على عائشة فوجدها تقلب يدها، وتنظر إليها.
فقال لها: "ما لك"؟.
فقالت: أنظر كيف تقطع يدي.
فقال ﷺ: "اللهم إنما أنا بشر أغضب وآسف، كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه بدعوة فاجعلها له رحمة".
وفي وسط الجو المليء بالأعمال والآمال اهتم المسلمون بكل ما ينزل من الوحي فحفظوا القرآن الكريم ودرسوا السنة، واعتنوا بتربية أبنائهم وبناتهم على منهج الله تعالى وبذلك كانت الحركة الجادة بالإسلام شاملة للداخل والخارج في انسجام وتكامل، ولم يحدث تقصير ما في نصح وتوجيه، أو يقع خلل في عمل وسلوك، وإنما كان المجتمع الإسلامي يشبه خلية النحل كل ما فيه يؤدي واجبه على الوجه المطلوب.
وهكذا:
كانت السرايا والغزوات مدرسة لتخريج الرجال، وتعليم الإسلام وتطبيق أحكام الإسلام، ودعوة إلى الله تعالى١.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٠٤.
[ ٤٨٢ ]
المبحث العاشر: غزوة الحديبية
مدخل
المبحث العاشر: غزوة الحديبية
أدت الغزوات، والسرايا العديدة التي وقعت بعد الأحزاب إلى لجوء القبائل إلى السكون، والانكفاء على الذات، وترك ما كان الشيطان يزينه لهم لمهاجمة المسلمين، والعمل للقضاء على محمد ﷺ وصحبه وعلموا أنه لا قبل لهم في تنفيذ ما أملوا فيه؛ ولذلك بدأت مرحلة جديدة للحركة بدعوة الله تعالى وهي مرحلة العمل خارج الجزيرة العربية وترك القبائل في سكونهم الذين يعيشون فيه، لأنه وسيلتهم للتفكير في الإسلام ومحمد ﷺ هو طريقهم إلى اعتناق الإسلام.
في هذا الجو حدثت "غزوة الحديبية"١.
والحديبية مكان قريب من مكة يقع في شمالها بمقدار ثلاثين ميلا تقريبًا، وهي قرية متوسطة سميت باسم بئر فيها، وفيها مسجد الشجرة، وبعضها في الحل وبعضها في الحرم عند الجمهور٢.
وتسميتها بـ"الغزوة" هو من قبيل المجاز؛ لأن المسلمين لم يخرجوا من المدينة للقتال، وإنما خرجوا يريدون العمرة، كما وعدهم رسول الله ﷺ ولذلك ساقوا الهدي أمامهم، ولبسوا إحرامهم، ولم يأخذوا سلاحهم، وما أخذوه من سويف وضعوه في أغمادها وشبه الحديبية بالغزوة ينحصر فقط في قيادة رسول الله ﷺ وخروجه معهم.
وأكثر العلماء يرون أن الحديبية كانت في العام السادس من الهجرة وهو قول الزهري وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق وابن كثير وغيرهم٣.
والحديث عن غزوة الحديبية يحتاج إلى دراسة النقاط التالية:
_________________
(١) ١ الحديبية بضم الحاء وفتح الدال وسكون الياء قرية صغيرة سميت ببئر فيها وفيها أقام المسلمون مسجد الشجرة في المكان الذي بايع فيه الرسول ﷺ أصحابه والحديبية تبعد عنه بتسعة أميال تقريبًا. ٢ معجم البلدان ج٢ ص٢٢٩، ٢٣٠. ٣ البداية والنهاية ج٤ ص١٦٤.
[ ٤٨٣ ]
أولا: سبب الغزوة
رأى رسول الله ﷺ أنه دخل وأصحابه مكة معتمرين فدخلوا البيت، وأدوا عمرتهم، وحلقوا وقصروا رءوسهم، ورأى أنه أخذ مفتاح الكعبة ودخلها، ووقف بعرفة١، فلما أخبر أصحابه بما رأى سروا وفرحوا لأنهم يعلمون أن رؤيا رسول الله ﷺ وحي لا يكذب، فأخذوا يستعدون لهذه الرحلة المحبوبة، حيث بها يعبدون ربهم، ويرون موطنهم، ويقابلون أهليهم، عسى أن يهديهم الله تعالى.
وأخذ رسول الله ﷺ يعد العدة لأداء العمرة، فلما جاءه "بسر بن سفيان بن عمرو الكعبي الخزاعي" مسلمًا في شهر شوال سنة ست هجرية، قال له ﷺ: "يا بسر لا تبرح حتى تخرج معنا، فإنا إن شاء الله معتمرون" ٢.
فأقام بسر بالمدينة وأخذ يشتري البدن لرسول الله ﷺ ويضعها في "ذي جدر"٣ ترعى حتى يحين موعد سوقها للهدي.
وقد سر المسلمون لبدء حركتهم لدخول مكة لما في ذلك من أثر معنوي وهم يدخلون مكة بعدما طردوا منها، وشعورهم بالنصر أمام الجميع، وإظهار الإسلام لمن يحضر مكة في الموسم على أساس حقيقته القائمة على تحقيق السلام، ونشر العدل، وصيانة حرية الإنسان في الاعتقاد، والعمل، ولذلك بشر رسول الله أصحابه برؤياه.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٨٦. ٢ بسر بضم الباء وسكون السين، وقيل هو بشر بباء مكسورة وشين ساكنة بعدها. ٣ واد قريب من المدينة على بعد ستة أميال، به عشب وكلأ كانت ترعى فيه إبل رسول الله ﷺ.
[ ٤٨٤ ]
ثانيًا: التحرك للعمرة
استخلف رسول الله ﷺ على المدينة "عبد الله بن أم مكتوم" ونادى أصحابه للخروج لأداء العمرة، واستنفر العرب وأهل البوادي ليخرجوا معه، وأمر بالبدن فأخذت إلى "ذي الحليفة"١ وتجهز الجميع لأداء العمرة، إلا أن كثيرًا من الأعراب أبطئوا في الخروج معتذرين بعلل واهية٢.
وخرج المسلمون في يوم الاثنين أول ذي القعدة عام ست للهجرة وبلغ عددهم ألفًا وأربعمائة في أصح الأقوال٣، ومعهم أربع نسوة هن أم سلمة، وأم عمارة وأم منيع أسماء بنت عمر، وأم عامر الأشهلية٤، وليس معهم سلاح فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ألم تخش علينا من أبي سفيان بن حرب وأصحابه ولم نأخذ للحرب عدتها؟ فقال ﷺ: "ما أدري ولست أحب أن أحمل السلاح معتمرًا".
وقال سعد بن عبادة: لو حملنا يا رسول الله السلاح معنا، فإن رأينا من القوم ريبًا كنا معدين لهم.
فقال ﷺ: "لست أحمل السلاح، إنما خرجت معتمرًا" ٥
ونوى المسلمون السفر إلى مكة فدخلوا المسجد النبوي، وصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم أحرم، وركب راحلته، وأخذ يلبي بأربع كلمات هي: "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". وأحرم عامة المسلمين بإحرامه ﷺ ومنهم من أخر إحرامه فأحرم من ذي الحليفة وهي ميقات أهل المدينة٦.
وقلد المسلمون الهدي بذي الحليفة، وأحرم من لم يحرم بالعمرة، وأشعروا البدن وبعث رسول الله ﷺ عينًا من خزاعة ليأتيه بخبر أهل مكة، حتى كان بعسفان جاءه من أخبره بموقف قريش٧.
أتاه "بسر بن سفيان الكعبي" وكان قد سبق بالهدي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا ومعهم "العوذ المطافيل"٨ قد لبسوا جلود
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٨٦. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٣٠٨. ٣ صحيح البخاري ك المغازي باب غزوة الحديبية ج٦ ص٣٥٣، ٣٥٤. ٤ المغازي ج٢ ص٥٧٤. ٥ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٧٥. ٦ المغازي ج٢ ص٥٧٤. ٧ صحيح البخاري ك المغازي باب غزوة الحديبية ج٦ ص٣٥٦. ٨ العوذ الإبل والظباء، والمطافيل التي معها أطفالها وذراريها وهذه استعارة إلى خروج المكيين بنسائهم وأطفالهم.
[ ٤٨٥ ]
النمور، وقد نزلوا بذي طوى١ يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم٢.
ثم قال: "من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم الذي هم فيه" ٣.
قال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله.
فسلك الرجل بالمسلمين طريقًا وعرًا بين شعاب ملتوية، فساروا فيه محتملين المشاق، والصعاب حتى وصلوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، وعندها أمر رسول الله ﷺ الناس فقال: "اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق يوصلنا إلى ثنية المرار -مهبط الحديبية- من أسفل مكة". فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش، وخرج رسول الله ﷺ حتى وصل المسلمون إلى ثنية المرار، وعندها بركت ناقته ﷺ فقال الناس: خلأت.
فقال ﷺ: "ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها" ٤.
ثم قال للناس: "انزلوا".
قيل له: يا رسول الله ﷺ ما بالوادي ماء ينزل عليه.
فأخرج سهمًا من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن، وعسكر المسلمون في الحديبية منتظرين أن يأذن رسول الله ﷺ لهم لأداء العمرة٥.
_________________
(١) ١ موضع عند مكة. ٢ المغازي ج٢ ص٥٨٠. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٢١٠. ٤ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني باب غزوة الحديبية ج٢١ ص٩٦. ٥ المرجع السابق.
[ ٤٨٦ ]
ثالثًا: المفاوضات مع قريش
بعد استقرار رسول الله ﷺ وأصحابه في الحديبية، وإشارته ﷺ إلى تمني أن يخلي أهل مكة بينه وبين سائر العرب، جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه في مبادرة منه نصحًا لرسول الله ﷺ وقال: إني تركت كعب بن لؤي ومعه نفر من قريش نزلوا عند مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.
قال رسول الله ﷺ: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد أنهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم ١ ويخلوا ما بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فهو خير، وإلا قد جموا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره" ٢.
قال بديل: سأبلغهم ما تقول.
وانطلق حتى أتى قريشًا وقال لهم: إني قد جئتكم من عند الرجل، وسمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء.
وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته.
قال: سمعته يقول كذا كذا وحدثهم بما سمعه من رسول الله.
فلما انتهى بديل من مقالته لقريش.
قال عروة بن مسعود: إن بديلا جاءكم بخطة رشد لا يردها أحد إلا أخذ شرًا منها فاقبلوها منه، وابعثوني حتى آتيكم بمصداقيتها، وأكون لكم عينا٣ ألستم الولد وأنا الوالد؟
قالوا: بلى!
قال: هل تتهموني؟
قالوا: لا.
ورأى القرشيون أن يبعثوا لرسول الله ﷺ رجلا منهم لإيجاد حل يمنع المسلمين من الدخول هذا العام، وحتى لا يقع قتال في الشهر الحرام، وحتى لا يتحدث الناس أن أهل
_________________
(١) ١ ماددتهم أي أعطيتهم مدة يفكرون فيها ويتدبرون على مهل. ٢ الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد الشيباني باب غزوة الحديبية ج٢١ ص٩٧. ٣ المغازي ج٢ ص٥٩٧.
[ ٤٨٧ ]
مكة يصدون عن البيت من يقصده معتمرًا أو حاجًا، ولذلك تعددت بعوثهم إلى رسول الله ﷺ وهي:
البعث الأول:
أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، ليعرف غاية رسول الله ﷺ ويأتي القوم بخبر المسلمين، فذهب عروة إلى المسلمين، وقال: يا محمد إني تركت قومك على إعداد وأعداد عند ماء الحديبية قد استنفروا لك، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: إما أن تجتاح قومك، فلم نسمع برجل اجتاح أصله قبلك، أو بين أن يخذلك من نرى معك.
فلما فرغ عروة من كلامه، ورد رسول الله ﷺ كما قال لبديل بن ورقاء عاد إلى قريش فقال، يا قوم قد وفدت على كسرى، وهرقل، والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكًا قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يحدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى امرئ فيفعل، واعلموا أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قومًا لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، والله لقد رأيت نسوة معه، إن كن ليسلمنه أبدًا على حال، فروا رأيكم، وقد عرض عليكم خطة، فاقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه، رجل أتى هذا البيت معظمًا له مع الهدي ينحره وينصرف فقالوا: لا تكلم بهذا يا أبا يعفور، ولو غيرك تكلم بهذا، ولكن نرده في عامنا هذا ويرجع إلى قابل١.
البعث الثاني:
ثم أرسلوا بعد ذلك مكرز بن حفص، فلما رآه الرسول ﷺ قال: "هذا رجل غادر". وكلمه بمثل ما كلم أصحابه الذين جاءوا قبله، فعاد للمكيين، وأخبرهم بما سمع٢.
البعث الثالث:
ورأت قريش أن ترسل للرسول رجلا ليس من قريش ليظهروا قوتهم وأعوانهم، فأرسلت الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش ورأسهم.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٢ ص٩٦ المغازي ج٢ ص٥٩٨، ٥٩٩. ٢ المغازي ج٢ ص٥٥٩.
[ ٤٨٨ ]
فلما رآه النبي ﷺ قال: هذا من قوم يعظمون الهدي، ابعثوا الهدي في وجهه فبعثوها ترعى وهي معلمة، ومشعرة فلما رأى الحليس الهدي يسيل في الوادي، عليه القلائد، واستقبله القوم وهم يلبون، فلما رآهم تفلوا وشعثوا رجع، ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظامًا لما رأى، فقال لقريش: إني قد رأيت ما لا يحل صده، رأيت الهدي معكوفًا عن محله، والرجال قد تفلوا وشعثوا يريدون أن يطوفوا بهذا البيت، أما والله ما على هذا خالفناكم، ولا عاقدناكم على أن تصدوا عن بيت الله من جاء له معظمًا لحرمته، مؤديًا لحقه، والهدي معكوفًا أن يبلغ محله، والذي نفسي بيده، لتخلن بينه وبين ما جاء به أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد.
قالوا: كل ما رأيت مكيدة من محمد وأصحابه فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا بعض ما نرضى به١.
وهدأ المعسكر القرشي بعد ذلك، وتباطأ القرشيون في إرسال أحد بعد ذلك وأخذوا يتشاورون لاختيار حل للموقف الموجود، وليحققوا ضغوطًا نفسية على المسلمين تؤدي إلى انسحابهم، ورجوعهم عن مكة هذا العام.
رأى رسول الله ﷺ هدوءًا وصمتًا في الجبهة القرشية فأخذ زمام المبادرة، وأرسل إليهم من قبله من يخبرهم أنه جاء معتمرًا لا غازيًا، وأن البيت بيت الله لا يصد عنه من يقصده فأرسل أولا خراش بن أمية الخزاعي، فعقروا الجمل الذي كان يركبه، وأرادوا قتله فمنعه قومه، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ بما حدث معه فواصل الرسول ﷺ بعوثه إليهم، وأراد أن يرسل عمر بن الخطاب ﵁، فخاف عمر وأشار إلى عثمان بما له في قومه من مودة وصلة فبعث الرسول عثمان فمنعه القرشيون من دخول مكة، فأجاره سعيد بن العاص، وحمله إلى مكة والتقى بالقرشيين، وأخبرهم أن المسلمين لم يأتوا لقتال، وإنما جاءوا معتمرين يسوقون الهدي، ويعظمون البيت فرفضوا السماح بدخول المسلمين وأشاعوا أنهم قتلوا عثمان ﵁، وحبسوا أخباره عن المسلمين٢.
وانقطعت أخبار عثمان عن المسلمين وبقي في مكة مدة تمكن فيها من الاتصال
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٨٨ الطبقات ج٢ ص٩٦، المغازي ج٢ ص٦٠٠. ٢ المغازي ج٢ ص٦٠١ الفتح الرباني ج٢١ ص١٠٢.
[ ٤٨٩ ]
بالمسلمين، يقول عثمان ﵁: ثم كنت أدخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء مستضعفين فأقول لهم: إن رسول الله ﷺ يبشركم بالفتح فقد كنت أرى الرجل منهم والمرأة تنتحب حتى أظن أنه يموت فرحًا بما خبرته، فيسأل عن رسول الله ﷺ فيخفي المسألة، ويشتد ذلك على أنفسهم، ويقولون: اقرأ على رسول الله منا السلام، إن الذي أنزله بالحديبية لقادر أن يدخله بطن مكة.
وشعر المسلمون أن قريشًا بقتلهم عثمان اعتدوا عليهم في الأشهر الحرم، فاستعدوا لقتالهم، وأم رسول الله ﷺ منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية فجلس في رحالهم ثم قال: "إن الله أمرني بالبيعة". فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا، فما بقي لهم متاع إلا وطئوه، ثم لبسوا السلاح، وهو معهم قليل، وماتت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها، وشدت سكينًا في وسطها.
وكان رسول الله ﷺ يبايع الناس، وعمر بن الخطاب ﵁ آخذ بيده، فبايعهم على ألا يفروا.
وكان أول من بايع سنان بن وهب بن محصن، وقال: يا رسول الله، أبايعك على ما في نفسك، فكان رسول الله ﷺ يبايع الناس على بيعة سنان فبايعوه١.
وكان رسول الله ﷺ يبايع أصحابه وهو واقف تحت شجرة، ولذلك سميت البيعة "بيعة الشجرة" وفيها يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢.
والحقيقة أن قريشًا لم تقتل عثمان ﵁ وإنما أشاعت ذلك لتخذيل المسلمين وصرفهم عن دخول مكة.
وقد حدث والمسلمون في الحديبية أن بعثت قريش خمسين رجلا بقيادة مكرز بن حفص ليصيبوا المسلمين على غرة، وكان رسول الله قد نظم حراسة المعسكر الإسلامي، وجعله في ثلاثة من الصحابة هم أويس بن خولي، وعباد بن يشر، ومحمد بن مسلمة،
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٩٠. ٢ سورة الفتح: ١٨.
[ ٤٩٠ ]
فلما أرسلت قريش مكرز بن حفص في خمسين رجلا منهم لينالوا من المسلمين غرة تحقق لهم بعض ما يريدون، ظفر بهم محمد بن مسلمة، وجاء بهم إلى رسول الله ﷺ بوضعهم في الأسر، فجاء بعض القرشيين لتخليصهم بالقوة فتمكن المسلمون منهم وأسروا منهم اثني عشر فارسًا، وبذلك بلغ عدد أسرى قريش عند المسلمين اثنين وستين أسيرًا١، وحدث أن عشرة من المسلمين دخلوا مكة لزيارة البيت ورؤية أقربائهم بإذن من رسول الله ﷺ فحبسهم القرشيون، وبذلك بلغ ما عند قريش من أسرى المسلمين أحد عشر رجلا وهم هؤلاء العشرة وعثمان بن عفان ﵁.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٦٠٢.
[ ٤٩١ ]
رابعًا: الصلح
رأى القرشيون أن إطالة الأمر يسيء إليهم عند العرب الذين جاءوا مكة للحج والعمرة فأرسلوا رجالهم للصلح مع رسول الله ﷺ، وهم سهيل بن عمرو، وحويطب، ومكرز، وجلس الثلاثة مع رسول الله ﷺ، فقال سهيل: يا محمد، إن هذا الذي كان من حبس أصحابك، وما كان من قتال من قاتلك، لم يكن من رأي ذوي رأينا، بل كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به، وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة والذين أسرت آخر مرة.
قال ﷺ: "إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي".
قال سهيل: أنصفتنا، فبعث سهيل ومن معه إلى قريش بالشتم بن عبد مناف التيمي فبعثوا بمن كان عندهم، وهم: عثمان، وعشرة من المهاجرين.
وأطلق رسول الله ﷺ سراح من كانوا عنده من الأسرى وأرسلهم إلى مكة١.
وبعد ذلك أخذوا في مناقشة الموضوع من كافة جوانبه، وأطالوا الكلام والمراجعة ثم اتفقوا على الصلح القائم على البنود التالية:
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٩١.
[ ٤٩١ ]
الديباجة:
باسمك اللهم هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على ما يلي:
بنود الصلح:
١- وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبة مكفوفة١.
٢- وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش، وعقدها فعل.
٣- وأنه من أتى محمدًا بغير إذن قريش رده محمد إليهم، وأنه من أتى قريشًا من أصحاب محمد بغير إذن محمد لم يردوه.
٤- أن يرجع محمد ومن معه عامهم هذا على أن يدخل مكة في العام القادم فيقيم بمكة ثلاثًا بعد أن يخليها المكيون لهم.
٥- أن يدخل محمد وصحبه مكة في العام القادم بلا سلاح إلا سلاح المسافر والسيوف توضع في القرب.
وكتب وثيقة الصلح علي بن أبي طالب ﵁ ووقع عليها رسول الله ﷺ، وسهيل بن عمرو وشهد عليها من المسلمين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، ومن المشركين: حويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأحيف.
وكتبت الوثيقة من نسختين احتفظ رسول الله ﷺ بواحدة وأعطى سهيلا الأخرى٢.
_________________
(١) ١ الإسلال: السرقة، الإغلال: الخيانة، العيبة: آنية والمكفوفة أي التي تصون ما بها، والمعنى بيننا صدور ملازمة للوفاء نقية من الخداع والخيانة والغدر. ٢ الطبقات الكبرى ج٢ ص٩٧.
[ ٤٩٢ ]
خامسًا: موقف المسلمين من الصلح
لم يتوقع المسلمون الصلح بهذه السرعة ولم يتصوروا رجوعهم إلى المدينة بلا عمرة، لأنهم خرجوا من المدينة لا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله ﷺ. ولم يتصوروا أبدًا مقدرة المكيين على منعهم من أداء العمرة.
وقد قدموا للعمرة مستعدين للموت في سبيل الله تعالى، ولذلك بايعوا رسول الله ﷺ على الموت تحت الشجرة، وقد مدحهم الله لإخلاص قلوبهم، وصدقهم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
فلما تم الصلح داخل المسلمين أمر عظيم، وتصوروه ضعفًا، ودنية في الدين لا تجوز، وكادوا يهلكون لولا أنهم عند العمل أطاعوا وعملوا كعمل رسول الله ﷺ.
ذلك أنه لما تم الصلح، ولم يبق إلا إمضاء الكتاب، وثب عمر بن الخطاب وقال: يا رسول الله! ألسنا بالمسلمين؟
قال رسول الله ﷺ: "بلى".
فقال عمر: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟
فقال رسول الله ﷺ: "أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولم يضيعني".
فذهب عمر إلى أبي بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر ألسنا بالمسلمين؟
قال أبو بكر: بلى.
قال عمر: فلم نعط الدنية في ديننا؟
فقال أبو بكر: الزم غرزك، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله، ولن يضيعه.
ولقي عمر ﵁ في هذه القضية أمرًا كبيرًا، وجعل يردد على رسول الله ﷺ تساؤله والرسول يرد عليه، ويقول: "أنا رسول الله ولن يضيعني".
فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: ألا تسمع يابن الخطاب ما يقول رسول الله ﷺ يقول: "تعوذ بالله من الشيطان، واتهم رأيك، فجعل يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم
_________________
(١) ١ سورة الفتح: ١٠.
[ ٤٩٣ ]
حينًا وحينًا آخر يقول: يا رسول الله! ألم تكن حدثتنا أنك تدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة، وتعرف مع المعرفين؟ وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن؟
فقال ﷺ: "أقلت لكم في سفركم هذا"؟.
قال عمر: لا.
فقال ﷺ: "أما أنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورءوسكم ببطن مكة، وأعرف مع المعرفين يا عمر! أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؟
أنسيتم يوم كذا؟ أنسيتم يوم كذا"؟.
والمسلمون يقولون: صدق الله ورسوله، يا نبي الله! ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا١.
وكان منطق عمر هو رأي أغلب المسلمين؛ لأنهم نظروا إلى كتابة الصلح وبنوده نظرة معينة.
فلقد ساءهم أن يعترض سهيل على ديباجة الصلح التي أملاها رسول الله ﷺ لعلي ﵁ وهو يكتب حيث قال له ﷺ: "اكتب باسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ". فرد سهيل بتغيير ذلك إلى باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. لأن قريشًا لا تؤمن بالله الرحمن الرحيم، ولا تصدق بأن محمدًا رسول الله فنزل رسول الله ﷺ على ما رأى سهيل، وقال لعلي ﵁: "اكتبه".
وأيضًا فلقد تصور الصحابة أن الشروط تعطي لقريش مزايا لا تصح، وتحرم المسلمين منها في نفس الوقت، وتساءلوا عن سبب منع المسلمين من القدوم للمدينة إذا تركوا مكة وفي نفس الوقت تسمح لمن يكفر أن يذهب إلى قريش في مكة ويترك المدينة، وغضبوا من
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٢٩٤، ٢٩٥، إمتاع الأسماع ج١ ص٢٩٥، ٢٩٦.
[ ٤٩٤ ]
ردهم هذا العام عن العمرة على أن يؤدوها في العام القادم، وتصوروا ذلك دنية في الدين لا يجوز قبولها.
ولو تدبر المسلمون في الأمر لعلموا أن ما اتفق عليه رسول الله ﷺ هو الحق وهو النصر.
لأن الديباجة التي كتبت من المسلمات التي لا تعارض حكمًا إسلاميًا، والزيادة التي حذفت لا تفيد أهل مكة، ولا تضيف جديدًا للمسلمين، ولا ضرر في ترك كتابتها فهي جزء من العقيدة ثابتة في القلوب.
وأيضًا فإن عقد الهدنة عشر سنوات يفتح الباب للإسلام، ويجمع الناس حوله. وكذلك فإن المسلمين الذين يرتدون عن الإسلام وهم في المدينة خير للمسلمين أن يرحلوا منها حتى لا يكونوا عينا عليهم، ويصيروا قوة لأعداء المسلمين يخذل ويعبث.
أما المسلمون في مكة فإن بقاءهم فيها دعوة عملية، وحركة لله في مكة، وبخاصة أن الصلح ينص على حريته في الاختيار، كما أن بقاء المسلمين في مكة اختبار عملي لصدق أهل مكة في تطبيق بنود الصلح.
وأيضًا فإن تأجيل أداء العمرة هذا العام وأداءها في العام القادم خير لهم من دخول مكة عنوة هذا العام، كما أن في دعوتهم وقبولهم الصلح دليل أمام الناس على أن الإسلام هو دين الأمن والسلام.
وقد زاد من غضب المسلمين ما رأوه من أبي جندل بن سهيل بن عمرو فإنه جاء إلى معسكر المسلمين في الحديبية مسلمًا، بعدما تمكن من الإفلات من قيد أبيه الذي وضعه فيه، وقد جاء بعد كتابة الصلح وقبل توقيعه والإشهاد عليه.
يقول المقريزي: خرج أبو جندل من سجن أبيه، واجتنب الطريق وركب الجبال حتى هبط بالحديبية ففرح المسلمون به وتلقوه حين هبط من الجبل فسلموا عليه وآووه.
فرفع سهيل رأسه فإذا بابنه أبي جندل، فقال إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلبيبه.
[ ٤٩٥ ]
فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟
فزاد المسلمين ذلك شرًا إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل.
فقال حويطب بن عبد العزى لمكرز بن حفص: ما رأيت قومًا قط أشد حبًا لمن دخل معهم من أصحاب محمد، أما إني أقول لك: لا تأخذ من محمد نصفًا أبدًا بعد هذا اليوم، حتى يدخلوها عنوة.
فقال مكرز: وأنا أرى ذلك.
وقال سهيل بن عمرو: هذا أول من قاضيتك عليه يا محمد، رده.
فقال رسول الله ﷺ: "إنا لم نقض الكتاب بعد".
فقال سهيل: والله لا أكاتبك على شيء حتى ترده إليّ فرده عليه، ثم كلمه ﷺ أن يتركه، فأبى سهيل وضرب وجه ابنه بغصن شوك فقال له رسول الله ﷺ: "هبه لي أو أجره من العذاب إن لم نقض الكتاب بعد".
فقال سهيل: والله لا أفعل ولا أصالحك على شيء أبدًا.
فقال ﷺ: "فأجزه لي".
قال: ما أنا بمجيزه لك.
فقال ﷺ: "بلى فافعل".
قال سهيل: ما أنا بفاعل١.
فقال مكرز وحويطب: يا محمد نحن نجيزه لك وأجازاه وأما أبو جندب فقد أخذه مكرز وحويطب فأدخلاه فسطاطًا، وأجاراه فكف عنه أبوه.
ثم رفع رسول الله ﷺ صوته فقال: "يا أبا جندل، اصبر، واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك عهدًا، وإنا لا نغدر" ٢.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢١ ص١٠١. ٢ زاد المعاد ج٣ ص٢٩٤، الطبقات ج٢ ص٩٧.
[ ٤٩٦ ]
سادسًا: موقف المسلمين بعد توقيع الصلح
بعد توقيع وثيقة الصلح، وإشهارها بين الناس، دخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ودخلت بكر في عهد قريش، وكان هذا أول اختبار لالتزام الأطراف بالصلح الذي اتفقوا عليه.
رحب رسول الله ﷺ ببني خزاعة، وكره ذلك القرشيون فقال حويطب لسهيل: بادأنا أخوالك بالعداوة، وكانوا يتسترون منا، قد دخلوا في عقد محمد وعهده.
فقال سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا ولحمتنا، قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرًا فما نصنع بهم؟
قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر.
قال سهيل: إياك أن تسمع هذا منك بنو بكر، فإنهم أهل شؤم، فيقعوا بخزاعة، فيغضب محمد لحلفائه، فينتقض العهد بيننا وبينه١.
ورجع سهيل وصاحباه إلى قريش.
وفرغ رسول الله ﷺ لأصحابه، وقال لهم: "قوموا فانحروا، واحلقوا". فلم يجبه أحد إلى ذلك، فرددها ثلاث مرات، فلم يفعلوا، فدخل على أم سلمة ﵂ وهو شديد الغضب فاضطجع.
فقالت: ما لك يا رسول الله ﷺ؟ قالته مرارًا وهو لا يجيبها.
ثم قال: "عجبًا يا أم سلمة، إني قلت للناس انحروا واحلقوا مرارًا، فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك، وهم يسمعون كلامي، وينظرون في وجهي".
فقالت: يا رسول الله ﷺ انطلق أنت إلى هديك فانحره، فإنهم سيقتدون بك.
فاضطبع بثوبه وخرج، فأخذ الحربة ويمم هديه، وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعًا صوته: "بسم الله والله أكبر". ونحر.
فتواثب المسلمون إلى الهدي، وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع على
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٩٤.
[ ٤٩٧ ]
بعض وأشرك ﷺ بين أصحابه في الهدي، فنحر البدنة عن سبعة، وكان الهدي سبعين بدنة وقيل: مائة بدنة.
وكان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، عرض له المشركون فردوا وجوه البدن، فنحر رسول الله ﷺ بدنه حيث حبسوه وهي في الحديبية.
وشرد جمل أبي جهل من الهدي الذي أعده رسول الله ﷺ وهو يرعى وكان قد قلده وأشعره وكان جميلا نجيبًا مهيرًا فمر من الحديبية حتى انتهى إلى دار أبي جهل بمكة ووقف عنده وخرج في إثره عمرو بن عنمة بن عدي بن نابي السلمي الأنصاري للإتيان به فأبى سفهاء مكة أن يعطوه حتى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه إليه تنفيذًا للصلح وحاول القرشيون شراءه بمائة ناقة فقال رسول الله ﷺ: "لولا أننا سميناه في الهدي فعلنا". ونحره عن سبعة ونحر طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان بدنات ساقوها١.
وكان رسول الله ﷺ مقيمًا في الحل، ويصلي في الحرم وحضره من يسأل من لحوم البدن فقيرًا فأعطاهم من لحومها وجلودها، وأكل المسلمون من هديهم، وأطعموا المساكين، وبعث ﷺ من الهدي بعشرين بدنة لتنحر عند المروة مع رجل من أسلم فنحرها عند المروة، وفرق لحمها.
فلما فرغ رسول الله ﷺ من نحر البدن، دخل قبة له من أدم حمراء، فيها الحلاق فحلق رأسه، ثم أخرج رأسه من قبته وهو يقول: "رحم الله المحلقين"، قيل: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: "رحم الله المحلقين" ثلاثًا. ثم قال: "والمقصرين".
وحلق ناس، وقصر آخرون، وكان الذي حلقه ﷺ خراش بن الفضل الكعبي، فلما حلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله تعالى ريحًا عاصفًا فاحتملت شعورهم فألقتها في الحرم٢.
ثم أذن رسول الله ﷺ بالرحيل، فلما ارتحلوا مطروا ما شاءوا وهم صائمون، فنزل رسول الله ﷺ ونزلوا معه فشربوا من ماء المطر، وقام ﷺ فخطبهم ووعظهم فجاء ثلاثة نفر إليه، فجلس اثنان وذهب واحد معرضًا، فقال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٩٤. ٢ الطبقات الكبرى ج٢ ص١٠٤.
[ ٤٩٨ ]
"ألا أخبركم خبر الثلاثة".
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: "أما واحد فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فتاب فتاب الله عليه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" ١.
وفهم الصحابة مغزى ما رأوا، وما ذكره رسول الله ﷺ، وعلموا أنه ثم تربية لهم، وتوجيه لأهمية طاعة رسول الله ﷺ وعدم مراجعته فيما جاء به الوحي.
وأخذ عمر يحادث رسول الله ﷺ خوفًا على نفسه من موقفه يوم الصلح، فسأل رسول الله ﷺ فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر! نزرت رسول الله ﷺ ثلاثًا، كل ذلك لا يجيبك.
وحرك ﷺ بعيره حتى تقدم الناس، وخشي عمر أن يكون نزل فيه قرآن، فأخذه ما قرب وما بعد لمراجعته بالحديبية وكراهته القضية، وبينما هو يسير مهمومًا متقدمًا على الناس، إذا منادي رسول الله ﷺ ينادي: يا عمر بن الخطاب فوقع في نفسه ما الله به أعلم ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فسلم، فرد ﷺ وهو مسرور ثم قال: "أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس" ٢. فإذا هو يقرأ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٣.
فأنزل الله في ذلك سورة الفتح، فركض الناس وهم يقولون: أنزل على رسول الله حتى توافوا عنده، وهو يقرؤها، ويقال: لما نزل بها جبريل ﵇ قال جبريل: نهنئك يا رسول الله فلما هنأه جبريل هنأه المسلمون، وكان نزول سورة الفتح بكراع الغميم٤.
_________________
(١) ١ مسند أحمد مسند الأنصار. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية ج٦ ص٣٦٣. ٣ سورة الفتح: ١. ٤ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٩٩.
[ ٤٩٩ ]
سابعًا: عدم رد المؤمنات المهاجرات
لم يفرق الصلح بين الرجال والنساء المسلمات الذين يتركون مكة إلى المدينة وسكت عن حقوق المرأة المهاجرة التي لا بد منها لتوافقها مع طبيعتها وكرامتها.
ومن المعلوم أن رد المؤمنة إلى مكة إذا هاجرت أمر يتعارض مع حكم شرعي، وهو حرمة بقاء المرأة المسلمة تحت عصمة زوج مشرك.
وقد أنزل الله تعالى أمره بعدم إعادة المسلمات المهاجرات إلى أزواجهم المشركين، مع إعطاء المشركين ما أنفقوه في زواجهم، وأحل الله للمؤمنين الزواج بالمهاجرات بعد انقضاء عدتهن، ودفع مهورهن وكان رسول الله ﷺ هو ولي من لا ولي لها.
ومن هذا القبيل أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت شابة صغيرة أسلمت بمكة، فكانت تخرج إلى بادية أهلها فتقيم أيامًا بناحية التنعيم، ثم ترجع حتى أجمعت على المسير مهاجرة فخرجت كأنها تريد البادية على عادتها، فوجدت رجلا من خزاعة فأعلمته بإسلامها فأركبها بعيره، حتى أقدمها المدينة بعد ثماني ليال، فدخلت على أم سلمة ﵂ وأعلمتها أنها جاءت مهاجرة، وتخوفت أن يردها رسول الله ﷺ، فلما دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة ﵂ أعلمته بهجرة أم كلثوم ووضحت له أنها تخاف أن يردها رسول الله ﷺ إلى زوجها المشرك في مكة١، فأنزل الله فيها آية المحنة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية ج٦ ص٣٦٥. ٢ سورة الممتحنة: ١.
[ ٥٠٠ ]
فكان رسول الله ﷺ بعد هذه الآية يرد من جاءه من الرجال، ولا يرد من جاءه من النساء، فلما قدم أخواها الوليد، وعمارة، ابنا عقبة بن أبي معيط وقالا: يا محمد فِ لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه.
فقال ﷺ: "قد نقض الله ذلك، فانصرفا إلى مكة، فأخبرا قريشًا، فلم يبعثوا أحدًا ورضوا بأن تحبس النساء".
ويقال: إن أميمة بنت الأنصاري من بني عمرو بن عوف، كانت تحت حسان بن الدحداح أو ابن الدحداحة وهو يومئذ مشرك، ففرت من زوجها بمكة، وأتت رسول الله ﷺ تريد الإسلام، فهم ﷺ أن يردها إلى زوجها، حتى أنزل الله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فامتحنها ﷺ وعلم إيمانها، فأبقاها في المدينة ثم زوجها رسول الله ﷺ سهل بن حنيف، فولدت له عبد الله بن سهل.
[ ٥٠١ ]
ثامنًا: فراق الكافرات
منع الله تعالى إعادة المسلمات إلى المشركين، وحرم على المسلمين الإبقاء على الزوجات الكافرات، مع المعاملة بالمثل فيما أنفقوا، فلهم أن يأخذوا ما أنفقوا، وعليهم ان يدفعوا للمشركين ما بذلوا.
ولما أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ طلق عمر بن الخطاب امرأتين له هما: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، والأخرى أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب الخزاعية فتزوجها أبو جهم بن حذيفة، وطلق عياض بن غنم الفهري أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب، فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي، فولدت له عبد الرحمن بن أم الحكم، وكلهم يومئذ مشرك.
ولم يعلم أن امرأة من المسلمين لحقت بالمشركين مع وضوح الحكم، وإعطاء النسوة الحرية في الاختيار.
[ ٥٠١ ]
تاسعًا: أهم ما في الحديبية من حكم
كانت الحديبية مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له، ومفتاحًا، ومؤذنًا بين يديه، وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا، أن يوطئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها، وتدل عليها.
وكانت هذه الهدنة من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان متخفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحًا مبينًا.
وحقيقة الأمر أن الصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مستحيلا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًا وفتحًا ونصرًا، وكان رسول الله ﷺ ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورءوسهم، وهو ﷺ يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ١.
وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب
فكان ﷺ يرى تلك الشروط عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلوا من حيث طلبوا العز وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعز رسول الله ﷺ وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله، واحتملوا الضيم له وفيه، فدار الدوار، وانعكس الأمر، وانقلب العز بالباطل ذلا بحق، وانقلبت الكسرة لله عزًا بالله، وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده، ونصرة
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢١٦.
[ ٥٠٢ ]
رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها.
وبسبب صلح الحديبية كانت زيادة الإيمان والإذعان، والانقياد على ما أحبوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده، وانتظار ما وعدوا به، وشهود منة الله ونعمته عليهم بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم، أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تزعزع لها الجبال، فأنزل الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم وقويت به نفوسهم، وازدادوا به إيمانًا.
وتأمل كيف وصف لهم سبحانه النصر بأنه عزيز في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب، وقلقت أشد القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانا إلى إيمانهم، ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله، وأكدها بكونها بيعة له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسول الله ﷺ كذلك، وهو رسوله ونبيه فالعقد معه عقد مع مرسله، وبيعته بيعته، فمن بايعه، فكأنما بايع الله، ويد الله فوق يده، وإذا كان الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله، وقبل يمينه فيد رسول الله ﷺ أولى بهذا من الحجر الأسود، ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثه على نفسه، وأن للموفي بها أجرًا عظيمًا.
ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظن بالله: أنه يخذل رسوله وأولياءه، وجنده، ويظفر بهم عدوهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته، وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هو أهل أن يعامله به ربه ومولاه.
ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذ من الصدق والوفاء، وكمال الانقياد والطاعة، وإيثار الله ورسوله على ما سواه، فأنزل الله السكينة والطمأنينة والرضى في قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه، والصبر لأمره فتحًا قريبًا، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر، ومغانمها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر.
[ ٥٠٣ ]
ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي كف أيدي بعضهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لما له في ذلك من الحكم البالغة التي منها أنه كان فيهم رجال ونساء قد آمنوا، وهم يكتمون إيمانهم، لم يعلم بهم المسلمون فلو سلطكم عليهم، لأصبتم أولئك بمعرة الجيش، وكان يصيبكم منهم معرة العدوان والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به، وذكر سبحانه حصول المعرة بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفين بهم؛ لأنها موجب المعرة الواقعة منهم بهم، وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميزوا منهم، لعذب أعداءه عذابًا أليمًا في الدنيا، إما بالقتل والأسر، وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذاب لوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم، كما كان يدفع عنهم عذاب الاستئصال، ورسوله بين أظهرهم.
ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفار في قلوبهم من حمية الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم، التي لأجلها صدوا رسوله وعباده عن بيته ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يقروا لمحمد بأنه رسول الله مع تحققهم صدقه، وتيقنهم صحة رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذا الجعل إليهم وإن كان بقضائه وقدره، كما يضاف إليهم سائر أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم.
ثم أخبر سبحانه أنه أنزل في قلب رسوله وأوليائه من السكينة ما هو مقابل لما في قلوب أعدائه من حمية الجاهلية، فكانت السكينة حظ رسوله وحزبه، وحمية الجاهلية حظ المشركين وجندهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنس يعم كل كلمة يتقى الله بها، وأعلى نوعها كلمة الإخلاص، وقد فسرت ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمها الله أولياءه وحزبه، وإنما حرمها أعداءه صيانة لها عن غير كفئها، وألزمها من هو أحق بها وأهلها، فوضعها في موضعها، ولم يضيعها بوضعها في غير أهلها، وهو العليم بمحال تخصصه ومواضعه.
ثم أخبر سبحانه، أنه صدق رسوله رؤياه في دخولهم المسجد آمنين، وأنه سيكون ولا بد، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العام، والله سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجال ذلك، والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلموه، فقدم بين يدي ذلك فتحًا قريبًا، توطئة له وتمهيدًا
[ ٥٠٤ ]
ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فقد تكفل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذه تقوية لقلوبهم، وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لا بد أن ينجزه فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصر لعدوه، ولا تخلٍّ عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق، ووعده أن يظهره على كل دين سواه.
ثم ذكر سبحانه رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظم البراهين على صدق من جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم، إنهم متغلبون طالبو ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديهم وسيرتهم، وعدلهم، وعملهم، ورحمتهم، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، قالوا: ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٠٩-٣١٦ بتصرف يسير.
[ ٥٠٥ ]
المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة
مدخل
المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة
أتم المسلمون نحر هديهم، وحلقوا رءوسهم، وبدءوا في الرحيل من الحديبية بعد عشرين يومًا مكثوا فيها، وكان الجو شديد الحرارة، والماء لدى المسلمين قليل، فأكرمهم الله تعالى بنزول المطر فشربوا، وارتووا، ونظفوا رحالهم، وملابسهم.
كان صلح الحديبية هو الفتح المبين للإسلام، لأنه حقق ما كان يأمله النبي ﷺ حيث انفتحت السبل أمام الدعوة، وصارت الحركة بالإسلام آمنة، وشعر المسلمون لأول مرة أن القرشيين انكفئوا على مصالحهم، وأخذوا يركزون على تجارتهم بعدما تأكدوا من عجزهم عن محاصرة الإسلام، والقضاء على محمد ﷺ.
وشعرت القبائل العربية، والأعراب أنهم أمام الإسلام وجهًا لوجه، يسمعون دعوته، ويعلمون حقيقته، ويقفون على محاسنه ومزاياه؛ ولذلك وجدناهم لا ينتظرون مجيء الدعاة إليهم، وإنما أخذوا يفدون على رسول الله ﷺ في المدينة المنورة.
وحين ننظر إلى مسرح الأحداث في مجمل الجزيرة العربية نلحظ صورًا متعددة، حيث اتخذ كل فريق موقفًا ارتضاه لنفسه.
ففي جبهة مكة أخذ القرشيون يهتمون بمصالحهم الذاتية بعدما تيقنوا أن الأمر أفلت من أيديهم، واتضح لهم أن تجمع الأحزاب، وتأليب القبائل لا يفيدهم شيئًا، وكان تعاهدهم مع المسلمين على إيقاف الحرب بينهم يوم الحديبية هو عملهم الذي أخذوا يتحركون من خلاله.
أما اليهود في منطقة خيبر وحولها، فقد فوجئوا بانسحاب قريش من المواجهة فبدءوا في تكوين تكتل جديد من بعض القبائل ليعملوا معًا لمحاربة الإسلام والمسلمين.
وأما أغلب القبائل في الجزيرة العربية فقد رأت في الهدنة بين قريش والمسلمين انتصارًا للصمود الإسلامي، وبيانًا واضحًا لما ينادي به المسلمون من حق وصواب؛ ولذلك أخذوا في تفهم الإسلام، ومعرفة حقيقته، وصدقه.
ولم يبق من قبائل الجزيرة إلا عدد قليل منها، لم ترض بالهدوء والأمن فأخذت
[ ٥٠٦ ]
توجه إمكاناتها الضعيفة ضد الإسلام والمسلمين.
ووجد المسلمون ورسول الله ﷺ معهم أنهم أمام توجيهات مختلفة لا بد أن يتعاملوا مع كل منها بما يناسبها؛ ولذلك تنوعت أعمال المسلمين، وتضاعفت حركاتهم بدين الله تعالى.
لم يكن صلح الحديبية فرصة يستريح فيها المسلمون من شدة الجهاد، وصعوبة الحركة بدين الله تعالى.
وإنما كان الصلح بداية لجهد شاق، وعمل دءوب عاشه المسلمون جميعًا انتصارًا للحق، وتأييدًا لدين الله تعالى.
لقد بدأ المسلمون في المدينة يتصلون بإخوانهم في مكة، يشدون أزرهم، وينصحونهم بما يحتاجون إليه، ويدلونهم على كثير مما يحتاجون إليه.
وأخذوا كذلك في الذهاب إلى أطراف العالم كله يبلغوه دين الله تعالى، ويحملون رسائل الرسول ﷺ إلى شيوخ القبائل، وملوك العالم، وسلاطين الدنيا.
واستمروا في التصدي لليهود الذين اتخذوا من خيبر منطقة معادية للمسلمين، فأقاموا فيها حصونهم، وجمعوا الناس حولهم، وأخذوا يبثون في قبائل الأطراف التمرد على المسلمين، ويستعدون الرومان وأعوانهم للعمل ضد محمد ودينه.
وقد عاشت المدينة المنورة نشاطًا واسعًا بعد الحديبية.
وفي هذا المبحث سنتناول أهم الأحداث وبخاصة كيفية تعامل المسلمين مع كل الفرقاء على كثرتهم وذلك فيما يلي:
[ ٥٠٧ ]
أولا: هدوء جبهة قريش وظهور مفرزة أبي بصير ﵁
تم توقيع الصلح في شهر ذي القعدة، والعرب بقبائلهم، وأعرابهم في مكة يقيمون أسواقهم، ويؤدون منسكهم وفق ما بقي عندهم من علم بدين إبراهيم ﵇.
فشاهدوا ما حدث بين المسلمين وبين قريش، وعلموا بالصلح الذي تم.
لقد كانت قريش تقود الحرب ضد الإسلام والمسلمين، وتجمع حولها المنافقين، واليهود، والأعراب، وكل معارض لظهور دين الله تعالى.
فلما تم صلح الحديبية التزمت قريش به، وتخلت عن كافة أنشطتها المناوئة للإسلام، فانفرط عقد الأحزاب، وخمدت فتن المنافقين، وانحسر خطر اليهود، وتبعثرت القبائل الوثنية في أرجاء الجزيرة العربية، وأخذت قريش تهتم بمصالحها، وتجارتها وبخاصة بعدما أمنت طريق قوافلها.
وأدى هذا الوضع إلى هدوء عام للعواصف القرشية التي كانت تثار ضد الإسلام وأخذ المسلمون يهتمون بتعريف الناس دينهم بالحسنى، ومخاطبة القبائل وإقناعها بالإسلام الأمر الذي أدى إلى دخول الناس في الإسلام بأعداد غفيرة، حتى إن الذين دخلوا في الإسلام في العام ما بين الصلح وعمرة القضاء كانوا أكثر عددًا من الذين أسلموا في المدة من أول البعثة حتى الحديبية.
ولذلك تأكد الصحابة من أن صلح الحديبية هو الفتح الأعظم كما أخبرتهم سورة الفتح.
يروي الزهري: أن صلح الحديبية أعظم فَتْحٍ فُتِحَ في الإسلام.
ويستدل ابن إسحاق على عظمة هذا الفتح بأن عدد الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية كانوا ألفًا وأربعمائة والذين خرجوا يوم فتح مكة كانوا عشرة آلاف.
إن صلح الحديبية أظهر الوجه الحقيقي للإسلام، فبدأ الناس يتأملونه؛ ولذلك سارعوا إلى الدخول فيه بعدما انزاحت العقبة الكئود أمام إيصال الحق للناس، واستمر تطبيق بنود الصلح المتفق عليها، ولم يحدث لها تغيير، إلا بعد أن طلب القرشيون تعديل البند الثالث الذي أظهر التطبيق العملي ضرره على قريش بعدما كون أبو بصير ﵁ مفرزته في طريق أهل مكة.
لقد جلبت قريش الشر لنفسها باشتراطها ضرورة إعادة من يسلم من أهل مكة إليها إذا هاجر إلى المدينة، وأثبتت الحوادث أن هذا الشرط أفاد الجبهة الإسلامية
[ ٥٠٨ ]
كثيرًا وذلك بوقوع ما عرف بقصة "أبي بصير" وهو عتبة بن أسيد الثقفي ﵁ فلقد أسلم بعد الصلح في مكة، وهرب منها وجاء إلى رسول الله ﷺ في المدينة، فأرسل قومه إلى رسول الله ﷺ يطلبون رده إلى قريش تطبيقًا لبنود الصلح، وحمل الطلب إلى رسول الله ﷺ "خنيس بن جابر العامري" ومولى لهم يسمى "كوثر" على بعير لهم ليعود بأبي بصير إلى مكة.
فأمر رسول الله ﷺ: أبا بصير أن يرجع معهم، ودفعه إليهما.
فقال أبو بصير: يا رسول الله! تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني!
فقال ﷺ: " يا أبا بصير! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجًا ومخرجًا".
فقال أبو بصير: يا رسول الله ﷺ، تردني إلى المشركين.
قال ﷺ: "انطلق أبا بصير، فإن الله سيجعل لك مخرجًا". ودفعه إلى العامري وصاحبه.
فخرج أبو بصير معهما، وجعل المسلمون يسرون إلى أبي بصير: يا أبا بصير! أبشر فإن الله جاعل لك مخرجًا، والرجل يكون خيرًا من ألف رجل، فافعل، وافعل يأمرونه بالذين معه لينقذ نفسه منهم فهذا حقه، وليفعل ما سيفعله قبل أن يفعل به، وقد أعد القرشيون للعودة به عدتهم، فلما وصلا به إلى ذي الحليفة عند صلاة الظهر صلى أبو بصير في مسجدها ركعتين صلاة المسافر، ومعه زاد له من تمر يحمله فمال إلى جدار المسجد فوضع زاده فجعل يتغدى ودعاهما للطعام فقالا له: لا حاجة لنا في طعامك.
فقال لهم: ولكني لو دعوتموني إلى طعامكم لأجبتكم وأكلت معكم، فاستحيوا وأكلوا.
وقد علق العامري سيفه أثناء الطعام على الجدار، وتحادثوا وقد أمن كل منهم للآخر فقال أبو بصير: يا أخا بني عامر ما اسمك؟
قال: خنيس.
قال: ابن من؟
[ ٥٠٩ ]
قال: ابن جابر.
قال: يا أبا جابر أصارم سيفك هذا؟
قال: نعم.
قال: ناولنيه أنظر إليه إن شئت، فناوله وكان قريبًا من السيف منه فأخذ أبو بصير بقائم السيف والعامري ممسك بالجفن فعلاه به وضربه حتى برد١.
فخرج "كوثر" هاربًا يعدو نحو المدينة، وأبو بصير في إثره فأعجزه حتى سبقه إلى رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه بعد العصر، إذ طلع كوثر يعدو فقال ﷺ: "هذا رجل قد رأى ذعرًا".
وأقبل "كوثر" حتى وقف أمام رسول الله ﷺ.
فقال رسول الله ﷺ: "ويحك! ما لك"؟
قال: قتل صاحبكم صاحبي وأفلت منه وكاد أن يقتلني.
وأقبل أبو بصير، فأناخ بعير العامري بباب المسجد، ودخل متوشحًا سيف العامري، فقال: يا رسول الله وفت ذمتك، وأدى الله عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، أو أكذب بالحق.
فقال ﷺ: "ويل أمه مِحَشُ حَرْبٍ لو كان معه رجال" ٢.
وقدم أبو بصير سلب العامري، ورحله، وسيفه، ليخمسه رسول الله ﷺ فقال ﷺ: "إني إذا خمسته رأوا أني لم أوف لهم بالذي عاهدتم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك".
ثم قال ﷺ لكوثر: "ترجع به إلى أصحابك"؟
فقال كوثر: يا محمد ما لي به قوة ولا يدان تقدر عليه.
فقال ﷺ لأبي بصير: "اذهب حيث شئت" ٣.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٦٢٦. ٢ المرجع السابق. ٣ المغازي ج٢ ص٦٢٧.
[ ٥١٠ ]
فخرج حتى أتى العيص، فنزل منه ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام.
وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة خبر أبي بصير، فتسللوا إليه.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي كتب إليهم بقول رسول الله ﷺ لأبي بصير: "ويل أمه مِحَشّ حَرْبٍ لو كان معه رجال". وأخبرهم أنه بالساحل، فاجتمع عند أبي بصير قريب من سبعين مسلمًا على رأسهم "أبو جندل بن سهيل"، فكانوا بالعيص، وضيقوا على قريش، فلا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر عير إلا اقتطعوها، ومر بهم ركب يريدون الشام، معهم ثمانون بعيرًا، فأخذوا ذلك، وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين دينارًا، وكانوا قد أمروا عليهم أبا بصير، فكان يصلي بهم، ويقرئهم ويجمعهم، وهم له سامعون مطيعون فغاظ قريشًا صنيع أبي بصير، وشق عليهم، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير إليه ومن معه، فلا حاجة لنا بهم فكتب ﷺ إلى أبي بصير أن يتقدم بأصحابه معه، فجاءه الكتاب وهو يموت فجعل يقرؤه ﵁ ومات، والكتاب في يده فدفنه أصحابه، وأقبلوا إلى المدينة وهم سبعون رجلا١.
وهكذا تم إلغاء الشرط الذي وضعه القرشيون لأنفسهم، ظنًا منهم أنه يفيدهم في منع أهل مكة من اعتناق الإسلام.
وقد استمرت جبهة قريش على هدوئها إلى أن نقضت قريش العهد بمناصرة بني بكر حلفائها على بني خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ فكان أن تم فتح مكة.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٦٣١.
[ ٥١١ ]
ثانيا: العمل في المحيط العام "إرسائل الرسائل"
مدخل
ثانيًا: العمل في المحيط العام "إرسال الرسائل"
انفتحت السبل، وأصبح الطريق آمنًا أمام الدعاة ليصلوا بدينهم للناس، وتشوق الجميع ليتعلموا هذا الدين الذي أعلنه محمد ﷺ وتغلب به على قريش، وانتشر بسببه السلام بين العرب جميعًا، ورأى النبي ﷺ أن الجبهة أمام الدعوة قد اتسعت لتشمل الجزيرة كلها، والعالم كله، ما عدا جيوب صغيرة تأبى قبول الإسلام، والاستماع لدعاته، وهداه الله ﷾ لوسيلة تناسب هذا التوسع، هي وسيلة الرسائل يحملها الصحابة، الذين يختارهم لحملها إلى رؤساء القبائل، وشيوخ العشائر، وملوك الدنيا، وفيها يدعونهم ومن وراءهم إلى الدخول في الإسلام.
فأنشأ ﷺ لـ"كتابة الرسائل" وهو الذي عرف بديوان الإنشاء، وقصد به إعداد المكان الذي تكتب فيه الرسائل التي يمليها رسول الله ﷺ ليحملها من يختاره ﷺ، كما يستقبل الرسائل التي تأتي إلى رسول الله ﷺ.
وهو أول ديوان وضع في الإسلام، وذلك أن النبي ﷺ كان يكاتب أمراءه، وأصحاب سراياه من أصحابه، ويكاتبونه، وكتب إلى من أمكنه من ملوك الأرض ورؤساء العالم، يدعوهم إلى الإسلام.
واتخذ من أصحابه من يكتب له، وقد ذكر ابن عساكر أنهم كانوا خمسة وعشرين صحابيًا فذكر منهم: عليا، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاص، وأخاه "أبان"، وحنظلة بن أبي عامر الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل ابن حسنة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، والزبير بن العوام، ومعيقب بن أبي فاطمة الدوسي، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن الوليد، والعلاء بن الحضرمي، وعمرو بن العاص، وجهيم بن الصلت، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح١.
وقد أوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين كاتبًا٢، وأوصلهم الدكتور/ عبد الحي الفرماوي إلى ست وأربعين كاتبًا٣.
وقد اتخذ النبي ﷺ كتَّابًا يعرفون لغة من سيكتب إليهم، وعلى رأسهم زيد بن ثابت،
_________________
(١) ١ الاستيعاب ج١ ص٥١. ٢ التراتيب الإدارية ص١٩٢. ٣ رسالة مخطوطة بكلية أصول الدين بعنوان: رسم المصحف ونقطه ورقة ١٨، ١٩.
[ ٥١٢ ]
وأبي بن كعب، وعبد الله بن الأرقم، يقول ابن إسحاق: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك، وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم، وزيد بن ثابت واحتاج رسول الله ﷺ أن يكتب إلى أمراء الأجناد والملوك أمر من حضر أن يكتب له١، وكان اختيار الرسول لكتابه على أساس اتصافهم بالصدق، والأمانة، والدقة والورع يقول أبو بكر لزيد بن ثابت: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، فقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن واجمعه٢.
يقول ابن حجر: لأنه لو لم تثبت أمانته، وكفايته، وعقله لما استكتبه النبي ﷺ وإنما وصفه بالعقل، وعدم الاتهام دون ما عداهما إشارة إلى استمرار ذلك فيه٣.
وكان الكتبة من الصحابة يكتبون على اللوح، والرق "الجلد المرقق" والكاغد "الصحيفة" واللخاف "الحجارة البيضاء الرقيقة"، والنحاس، والحديد، وعسيب النخل، وعلى عظم أكتاف الإبل، والغنم، والأدم٤.
يروي ابن سعد أن رسول الله ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك وكان الملوك لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ رسول الله صلى اله عليه وسلم يومئذ خاتمًا من فضة وفصه منه، نقش عليه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، وختم به الكتب فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، وذلك في المحرم سنة سبع، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم، الذين بعثه إليهم.
وقد تميزت رسائله ﷺ بالمواصفات التالية:
١- كان يضع عنوانًا لرسائله هو: "من محمد رسول الله إلى فلان"، ويجعل العنوان قسمين، مفصول بينهما مثل:
"من محمد رسول الله.. إلى فلان".
٢- كان يصدر رسائله بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" يقول ابن حجر: جمعت كتبه
_________________
(١) ١ الفتح الرباني بشرح مسند الإمام أحمد الشيباني ج١ ص١٤٥. ٢ صحيح البخاري كتاب الحكام باب يستحب للكاتب أن يكون أمينًا ج١٣ ص١٨٣. ٣ فتح الباري ج١٣ ص١٨٤. ٤ التراتيب الإدارية ص١٩٧.
[ ٥١٣ ]
ﷺ إلى الملوك، وغيرهم، فلم يقع لي شيء منها البداءة بالحمد، بل بالبسملة١.
٣- كان يبدأ رسائله بعد البسملة بذكر اسمه ﷺ، واسم المرسل إليه، أو شهرته فإن كان المكتوب إليه ملكًا كتب بعد ذكر اسمه عظيم القوم الفلانيين، وربما كتب ملك القوم الفلانيين، وربما كتب صاحب مملكة كذا، وكان يعبر عن نفسه ﷺ في أثناء كتبه بلفظ الإفراد، مثل إني، ولي، وجاءني، ووفد علي، وما أشبه ذلك، وربما أتى بلفظ الجمع مثل بلغنا، وجاءنا، ونحو ذلك، وكان يخاطب المكتوب إليه عند الإفراد بكاف الخطاب، مثل لك، وعليك، وتاء المخاطب، مثل أنت قلت كذا وكذا، وجعلت كذا، وعند التثنية بلفظها مثل أنهما، ولكما، وعليكما، وعند الجمع، بلفظه مثل أنتم، ولكم، وعليكم، وما أشبه ذلك٢.
٤- كان ﷺ يكتب في رسائله: أما بعد، ويضعها فاصلة بين المقدمة وعرض الموضوع.
٥- كان يختم رسائله: بالسلام، فيقول لأهل الكفر، والسلام على من اتبع الهدى، ويكتفي في بعضها بقوله والسلام.
٦- كانت الرسائل تذيل باسم كاتبها، وبخاتم رسول الله ﷺ المكتوب فيه "محمد رسول الله" تكتب على ثلاثة أسطر في كل سطر كلمة "محمد" "رسول" "الله" من أسفل إلى أعلى، ليكون لفظ الله هو الأعلى٣.
٧- كانت الرسائل تؤرخ بالهجرة، حيث عرف التاريخ بها في زمنه ﷺ.
وقد كانت الرسائل عملا، دقيقًا، حسنًا، فبلغت الإسلام، وخاطبت الأمم والملوك بالحسنى، واشتملت على الحقائق التالية:
أولا: وجهت الرسائل إلى الملوك والأمراء فهم قادة الناس، ورعيتهم على دينهم، قد تضمنت الرسائل ما يفيد مسئولية الملوك عن رعاياهم ومن ذلك: "فإنما عليك إثم المجوس"، "عليك إثم الإريسيين"، "فإنما عليك إثم النصارى"، "فإنما عليك إثم القبط"
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٨ ص٦٨. ٢ التراتيب الإدارية ص٢٠٣. ٣ الرسائل النبوية ص١١٨.
[ ٥١٤ ]
"عليك إثم الأكاريين" وبذلك تعد هذه الرسائل تبليغًا لعالمية الإسلام بصورة عملية.
ثانيًا: كانت الرسائل تتناسب مع المرسل إليهم لهجة، وأسلوبًا، واستدلالا ولذلك كانت تتكلم عن المسيح والكتاب إذ كان الملك من أهل الكتاب، وتتكلم عن مساوئ الكفر والضلال إذا كان الملك كافرًا كالمجوس.
ثالثًا: كانت الرسائل واضحة في موضوعها فهي كلها تدعو إلى التوحيد، وطاعة الله، وتتضمن الإنذار والتبشير، وتربط دوام الملك بالإيمان، وتخوف من زوال الملك حين الاستمرار على الكفر والمعصية١.
وقد أرسل رسول الله ﷺ كتبه في شهر المحرم سنة سبع، بعد العودة من الحديبية بعشرين يومًا وبعدها تتابعت كتبه إلى سائر الناس، وقد عد ابن سعد منها أكثر من سبعين كتابًا٢، وفيما يلي نصوص أهم هذه الكتب:
_________________
(١) ١ النظام السياسي في الإسلام ص١٤٤. ٢ انظر الطبقات الكبرى ج١ ص٢٥٨-٢٧٩.
[ ٥١٥ ]
١- كتاب النبي -ﷺ- إلى النجاشي ملك الحبشة:
حمل الرسالة إلى النجاشي الصحابي عمرو بن أمية الضمري ﵁ ونص الرسالة: "هذا كتاب من محمد النبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدًا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ١ فإن أبيت فإن عليك إثم النصارى من قومك".
وقد رحب النجاشي بالرسالة، ووضعها على عينه، وأعلن إسلامه أمام جعفر بن أبي
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٦٤.
[ ٥١٥ ]
طالب، وكتب ردًا إلى النبي ﷺ جاء فيه: "إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم سلام عليك نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، والله الذي لا إله إلا هو، أما بعد.
فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت فروقًا، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك، وأصحابك فأشهد أنك رسول الله صادقًا، مصدقًا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين"١.
ثم جهز سفينتين حمل فيهما المهاجرين إلى الحبشة، وعاد بهم عمرو بن أمية إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فوصلوا إليها في شهر رجب من السنة السابعة، والمسلمون في غزوة خيبر.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص٣٥١، ٣٥٢.
[ ٥١٦ ]
٢- كتاب النبي -ﷺ- إلى المقوقس ملك مصر:
حمل رسالة النبي ﷺ إلى المقوقس حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وقد جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم أهل القبط١ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ".
وقد قام حاطب بدعوة المقوقس إلى الإسلام، وبين له قرب النصارى من المسلمين وأن محمدًا هو الذي بشر به عيسى ﵇.
وقد أخذ المقوقس الكتاب، وكتب ردًا عليه جاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام عليك"٢.
_________________
(١) ١ حسن المحاضرة ج١ ص٤٢. ٢ الرحيق المختوم ص ٣٥٣، ٣٥٤.
[ ٥١٦ ]
٣- كتاب النبي -ﷺ- إلى كسرى ملك فارس:
وأرسل النبي ﷺ رسالة إلى كسرى حملها الصحابي عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ قال فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإنما عليك إثم المجوس"١.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٣ ص٣٨١.
[ ٥١٧ ]
٤- كتاب النبي -ﷺ- إلى قيصر الروم:
وأرسل النبي ﷺ رسالة إلى قيصر الروم، قال فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الإريسيين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ "١.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٦٤.
[ ٥١٧ ]
واختار النبي ﷺ لحمل هذا الكتاب دحية بن خليفة الكلبي ﵁، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر.
وقد روى البخاري عن ابن عباس: أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء "بيت المقدس" فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبًا.
فقال: ادنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه.
يقول أبو سفيان: فوالله، لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبا لكذبت عنه.
ثم قال: أول ما سألني عنه أنه قال: كيف نسبه فيكم؟
فقلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟
قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟
قلت: لا.
قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟
قلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟
قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن دخل فيه.
قلت: لا.
قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
[ ٥١٨ ]
قلت: لا.
قال: فهل يغدر؟
قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة.
قال: فهل قاتلتموه؟
قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟
قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه.
قال: بماذا يأمركم؟
قلت: بقول اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها.
وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا قلت لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله.
وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا فقلت: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله.
وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك
[ ٥١٩ ]
الإيمان حتى تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف.
فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ، فقرأه، فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا: فقلت لأصحابه حين أخرجنا لقد علا أمر ابن أبي كبشة وإنه ليخافه على ملك بني الأصفر، فما زلت موقنًا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج٥ ص١٦٣ تاريخ الطبري ج٢ ص٢٩٠.
[ ٥٢٠ ]
٥- كتاب النبي -ﷺ- إلى المنذر بن ساوى:
وأرسل النبي -ﷺ- رسالة إلى المنذر جاء فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد فإني أذكرك الله ﷿، فإن من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقط نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية"١.
وحمل الرسالة إلى المنذر العلاء بن الحضرمي ﵁.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص٣٥٨.
[ ٥٢٠ ]
٦- كتاب النبي -ﷺ- إلى هوذة بن علي وثمامة بن آثال صاحبي اليمامة:
وأرسل النبي ﷺ مع الصحابي سليط بن عمرو العامري ﵁ رسالة إلى هوذة جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك"١.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص٣٥٨.
[ ٥٢١ ]
٧- كتاب النبي -ﷺ- إلى الحارث بن أبي شمر صاحب دمشق:
وأرسل شجاع بن وهب من بني خزيمة ﵁ برسالة إلى الحارث بن أبي شمر صاحب دمشق جاء فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن به وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك"١.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص٣٥٩.
[ ٥٢١ ]
٨- كتاب النبي -ﷺ- إلى ملك عمان وأخيه:
وأرسل النبي ﷺ عمرو بن العاص ﵁ إلى جيفر ملك عمان وأخيه عياد برسالة جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعياد ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله ﷺ إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما"١.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص٣٥٩، والظاهر أن الرسالة التي حملها، عمرو بن العاص كانت بعد هذا التاريخ لأن عمرو بن العاص أسلم بعد ذلك.
[ ٥٢١ ]
٩- الدعاة حملة الرسائل:
تخير النبي ﷺ من أصحابه ﵃ الأعرف بدينه الجميل في خلقته، الكريم في خلقه، القوي في شجاعته، الأمين في عمله ونشاطه، الحليم في صبره، الداهية في قوله وعمله، وأرسلهم فرادى لمواجهة ملوك الأرض وشعوبها، ودعوتهم إلى الله تعالى.
وقد حمل هؤلاء الصحابة كتب رسول الله ﷺ إلى ملوك ورؤساء الدنيا، ولكنهم ما يكونوا مجرد حاملين للرسائل، وإنما كانوا دعاة، يحملون دينهم، ويعملون له، ويدعون إليه بالحسنى، ويردون عنه زيف الضالين، وشبه المحرفين.
وكان رسول الله ﷺ يوصيهم بالخلق الكريم، والتعامل السهل، يروي البخاري بسنده أن رسول الله ﷺ كان يقول لأصحابه: "يسروا ولا تعسروا إنما بعثتم ميسرين لا معسرين".
ويروي البخاري أيضًا بسنده عن أبي سعيد بن بردة عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن وقال لهما: "يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا، تطاوعا ولا تختلفا" ١.
يقول ابن حجر: كان ذلك شأنه ﷺ في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات٢.
وحين ننظر إلى أعمال هؤلاء السفراء وأقوالهم ندرك دورهم في الدعوة إلى الله تعالى، ونعلم بيقين أن هؤلاء السفراء لم يكونوا رجالا عاديين، وأنهم تميزوا بعدة صفات أهمها:
أ- الفهم الدقيق للإسلام، وإحاطتهم التامة بكل ما نزل من القرآن الكريم وبكل ما حدث به ﷺ.
ب- خبرتهم الواسعة بالجهات التي ذهبوا إليها، وبالناس الذين تحدثوا معهم،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري. كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول ج١ ص٣٢٣. ٢ صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب ما يكره في التنازع ج٦ ص١٦٣.
[ ٥٢٢ ]
ولذلك كانوا يتكلمون معهم، ويناقشونهم في عقائدهم حديث الخبير الذي يعرف حقائق الشيء ظاهرًا وباطنًا ويدرك حاجته، ومراميه.
ج- تحليهم بحسن الخلق، والصبر الجميل ومراعاة حق مخاطبيهم في الفهم والمعرفة ولذلك كانوا يشرحون، ويوضحون ويجيبون على أي تساؤل يوجه إليهم.
د- اتصافهم بسرعة مواجهة المواقف المفاجئة، وحسن الحيلة، وبذلك تخلصوا من الانفعال والعصبية، وتمكنوا من تحقيق الغاية التي ذهبوا إليها.
هـ- تمتعهم بحسن الفهم، وحسن الخطاب، وحسن العرض، ولذلك كانوا يتكلمون مع من يحادثهم في مسائل هامة، في بداهة عالية، وهدوء رصين، ودقة ملتزمة بتعاليم الإسلام.
وصدقهم في الاعتقاد، ولذلك وفوا لإيمانهم، وحافظوا على حقوق محدثيهم وعرضوا قضيتهم بكل صدق، ووضوح، بلا تردد أو مداراة، وكانوا دعوة عملية صريحة.
ز- شجاعتهم الشخصية النابعة من ثقتهم في الله، واعتزازهم بالانتساب إليه جعلهم يؤكدون صدق الإسلام وإن خالف ما عليه الناس ويناقشون الملوك والرؤساء وهم فرادى، وسقط أبهة الملك، وقوة السلطان.
إن هذه الصفات جعلتهم سفراء لله ورسوله، حين تحدثوا مع من أرسلوا إليهم، يتضح ذلك حين ننظر في كلماتهم التي ذكروها لمن ذهبوا إليهم.
من ذلك ما ذكره دحية الكلبي لقيصر الروم، قال له:
"يا قيصر أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله هو خير منه ومنك، فاسمع بذل، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف.
قال: هات.
قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي؟
قال: نعم.
قال: فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك إلى من دبر خلق السماوات والأرض والمسيح في بطن أمه.
[ ٥٢٣ ]
أدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى، وبشر به عيسى بن مريم بعده وعندك من ذلك آثاره، من علم تكفي من العيان، وتشفي من الخبر.
فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة، وشوركت الدنيا، وأعلم أن لك ربًا يقصم الجبابرة، ويغير النعم.
فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينيه ورأسه وقبله، ثم قال: أما والله ما تركت كتابًا إلا وقرأته، ولا عالمًا إلا سألته، فما رأيت إلا خيرًا، فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له، فإني أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدًا ما هو أحسن منه فأرجع عنه فيضرني ذلك، ولا ينفعني١.
ومنه أيضًا ما ذكره العلاء الحضرمي للمنذر بن ساوى ملك البحرين قال له:
يا منذر إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة.
إن هذه المجوسية شر دين، ليس فيها تكرم العرب، ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكره على أكله، ويعبدون في الدنيا نارًا تأكلهم يوم القيامة.
ولست بعديم عقل، ولا فاقد رأي فانظر.
هلى ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه؟!
ولمن لا يخون أن لا تأمنه؟!
ولمن لا يخلف أن لا تثق به؟!
فإن كان هذا هكذا، فهو هذا النبي الأمي، الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه، إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل البصر.
فقال المنذر: قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده، إن من إعظام من
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج٤ ص٢٤٩.
[ ٥٢٤ ]
جاء به أن يعظم رسله، وسأنظر١.
ومن ذلك ما ذكره عمرو بن العاص للجلندي، قال له:
يا جلندي إنك وإن كنت منا بعيدًا، فإنك من الله غير بعيد.
إن الذي تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك، وأن لا تشرك به من لم يشركه فيك واعلم أنه يميتك الذي أحياك، ويعيدك الذي بدأك.
فانظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة، فإن كان يريد به أجرًا فامنعه أو يميل به هوى فدعه، ثم انظر فيما يجيء به هل يشبه ما يجيء به الناس فإن كان يشبهه فسله العيان، وتخير عليه في الخبر، وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، وخف ما وعد.
قال الجلندي: إنه والله لقد دلني على صدق هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، وأنه يفي بالعهد، وينجز الموعود، وأنه لا يزال سر قد اطلع عليه يساوي فيه أهله، وأشهد أنه نبي٢.
ومن ذلك ما ذكره المهاجر بن أبي أمية للحارث بن عبد كلال، حيث قال:
يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه النبي ﷺ نفسه فخطئت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرًا.
فإذا نظرت في غلبة الملوك، فانظر في غالب الملوك.
وإذا سرك يومك فخف غدك.
وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها، وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا، وأملوا بعيدًا، وتزودوا قليلا، منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم.
وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس له شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربًا يميت الحي ويحيي الميت، ويعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج٤ ص٢٥٠. ٢ الروض الأنف ج٤ ص٢٥٠.
[ ٥٢٥ ]
فقال الحارث: قد كان هذا النبي عرض نفسه عليّ فخطئت عنه، وكان ذخرا لمن صار إليه، وكان أمره أمرًا سبق، فحضره اليأس وغاب عنه الطمع، ولم يكن لي قرابة أحتمله عليها، ولا لي فيه هوى أتبعه له، غير أني أرى أمرًا لم يوسوسه الكذب ولم يسنده الباطل، له بدء سار، وعاقبة نافعة، وسأنظر.
إن هذه المواعظ التي واجه بها صحابة رسول الله ﷺ الملوك والرؤساء تدل بوضوح على عبقرية هؤلاء الصحابة، ومدى تمتعهم بالمزايا التي يجب أن يتحلى بها الدعاة وهم يتحركون بالإسلام فهم ليسوا موظفين عاديين يؤدون عملهم وفقط، وإنما هم أصحاب رسالة، وجنود قضية، يعيشون لها، ويتحركون بها. وتحقيق انتصارها هي كل همهم، واهتماماتهم.
إن الجو الذي قيلت فيه هذه الكلمات يؤكد طبيعة هؤلاء الرجال من أصحاب رسول الله ﷺ، إنها قيلت لملوك وأمراء، وهم بين جنودهم، ووزرائهم، وحاشيتهم، ولم يكن أحد منهم قد دخل في الإسلام بعد بينما المتحدث رجل واحد، هو سفير رسول الله ﷺ.
فدلالة الموقف واضحة في تأكيد شجاعة وقوة شخصية أصحاب رسول الله ﷺ وتبين في نفس الوقت قوة ولائهم للقضية التي جاءوا من أجلها.
لقد دار الحديث حول قضايا العقيدة فدعوا إلى الإيمان بالله الواحد، ونبذ عبادة غيره مع تقديم الدليل المناسب لكل منهم.
فمع قيصر يدلل الداعية على وحدانية الله بعبودية المسيح لله، ومع المنذر المجوسي يدلل بهوان النار وضررها، على عدم صلاحيتها للألوهية، وأن الألوهية الحقة هي لله الخالق.
وهكذا سار كل داعية في كلمته اتجاهًا يتناسب مع محدثه، بلا اصطدام معه، وبطريقة تدعوه إلى النظر والتدبر.
لقد ركزوا في كلماتهم السابقة على أهم أركان الإيمان وأساسيات العقيدة وهي:
- الإيمان بالله الواحد.
- الإيمان بالرسول النبي الأمي ﷺ.
[ ٥٢٦ ]
- الإيمان بالآخرة بما فيها من حساب وجزاء.
ولم يتكلموا في الأركان الباقية؛ لأن الإسلام كله، بأركانه وفروعه يتحقق تبعًا لهذه الأركان الثلاثة.
إن هؤلاء الرجال هم نماذج الدعاة في العالم كله، وقد تمكنوا من نشر الإسلام في الناس، لحسن خلقهم، وسعة معارفهم، وبلاغه خطابهم، وجمال عرض قضيتهم.
ونلاحظ من حركة الدعاة في العالم، وحملهم لرسائل رسول الله ﷺ مدى تفاعل المجتمع كله بالإسلام، وطاعته لرسول الله ﷺ، وتوحيده في إطار تعالم الدين، وتحقيق المصالح الحقيقية للناس أجمعين.
لم يحدث أن حكى التاريخ معارضة صحابي لأمر كلفه به رسول الله ﷺ ولو كان في التكليف فناء دنياه.
ولم ينقل أحد من العلماء أن صحابيًا جبن حين ذهابه وحيدًا يبلغ الإسلام في الأماكن البعيدة لقوم غير مسلمين.
ولم تكن حركة الدعاة بعيدة عن عقول وقلوب المسلمين في المدينة، بل كان المجتمع كله يتابع أخبار الدعاة، ويعايش مسارهم، ويدعو لهم، مع كل الاستعداد للبذل والفداء من أجلهم، ومن أجل الله تعالى.
وهذا ما نتمناه لأمة الإسلام التي يجب أن تسترشد في حياتها بعصر القدوة، عصر رسول الله ﷺ.
[ ٥٢٧ ]
ثالثا: القضاء على إرهاب اليهود في خيبر وما حولها
مدخل
ثالثًا: القضاء على إرهاب اليهود في خيبر وما حولها
بعد القضاء على اليهود في المدينة وضواحيها، والتخلص من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، تجمع من بقي منهم في خيبر وهي على بعد ثمانين ميلا شمال المدينة المنورة.
وخيبر عبارة عن ولاية في واد متسع تتناثر فيه التلال والمرتفعات، وقد جعل اليهود كل تل قرية صغيرة تتكامل منافعها وحاجاتها وجعلوا كل بيت حصنًا، وأحاطوا البيوت بسور منيع حتى صارت كل قرية حصنًا كبيرًا.
وقد أقام اليهود بيوتهم في خيبر بناء على نظرتهم للحياة، حتى يرون ضرورة التحصن خلف الجدر، وتوزيع الاستيطان في الأماكن العالية الحصينة، وإحاطة مساكنهم بالنخيل، والأشجار ليستفيدوا بثمرها، ويستتروا بها من عدوهم، ويعيشوا جنودًا محاربين ما دامت حياتهم فيها، وقد سمى اليهود موطنهم بـ"خيبر" ومعناه الحصن، والبعض يسميها "خيابر" إشارة إلى كونها مجموعة من الحصون المنيعة القوية.
وقد أخذ اليهود في إعداد العدة لمواجهة المسلمين وغيرهم، فأكثروا من تدريب رجالهم، وتسليحهم، وكانوا يخرجون كل يوم قبل الفجر، فيلبسون السلاح، ويصفون الكتائب، ويتجمعون في عشرة آلاف مقاتل استعدادًا للمسلمين، وإرهابًا لمن تسول له نفسه أن يأتي إليهم لمقاتلتهم.
ونظرًا لما في خيبر من زروع كثيرة، وثمار متنوعة فإنهم كانوا يسخرونها لكسب مودة القبائل، والتحالف معهم على المسلمين.
وقد تصور كثير من العرب أن اليهود في خيبر قوة لن تهزمها قوة أخرى، وكان اليهود أنفسهم يشيعون ذلك، ويقولون: محمد يغزونا! هيهات هيهات، وكان اليهود الذين وادعوا المسلمين في المدينة يقولون بعد أن تحرك المسلمون إلى خيبر: لو رأيتم خيبر وحصونها لعلمتم أن المسلمين سيرجعون قبل أن يصلوا إليها، حصون شامخات في ذرى الجبال والماء فيها دائم، وقوتهم ظاهرة بارزة١.
والحديث عن مواجهة يهود خيبر يقتضي بيان ما يلي:
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٦٣٦.
[ ٥٢٨ ]
١- حصون خيبر:
تخير اليهود التلال العالية، والجبال المرتفعة، في الوادي وأقاموا فوقها حصونهم، وقلاعهم.
والحصن الواحد عبارة عن عدد من البيوت المعدة للسكن، يضم الملاجئ العديدة والمخابئ القوية، ومصانع السلاح، ومخازن المؤن والطعام، وترتبط المخازن في الحصون الرئيسية، والمخابئ بأنفاق محفورة تحت الأرض وطرق معدة بين الزروع تضمن الحركة الآمنة للانتقال فيما بينها، وتحاط بيوت الحصن ومكملاتها بسور كبير عرضًا، وطولا، وارتفاعًا، نصبت فيه البوابات الضخمة، وأسس في أعاليه نقاط للحراسة والدفاع، ونصب المنجنيق، وجهزت أماكن الرماة.
وتختلف الحصون عن بعضها سعة واستعدادًا، تبعًا لموقعها، وقدرة أصحابها، وأهميتها في التصدي والمقاومة.
وتخضع الولاية كلها لنظام إداري واقتصادي واحد، ويعرف كل حصن باسم صاحبه، أو فائده، ويحكم الحصون كلها الأحبار ورجال الدين.
وتتكون الحصون الرئيسية من مجموعات وكل مجموعة قوة متكاملة يسهل الانسحاب من كل حصن فيها إلى غيره، ويعين كل منها الآخر بالرجال والسلاح حين الحاجة.
والحصون الرئيسية في خيبر ثلاثة مجموعات.
أولاها: يقع في منطقة تسمى "النطاة" وتتكون من ثلاثة حصون هي:
١- حصن ناعم.
٢- حصن الصعب بن معاذ.
٣- حصن قلعة الزبير.
وثانيها: يقع في منطقة تسمى "الشق" وتتكون من حصنين هما:
[ ٥٢٩ ]
١- حصن أبي.
٢- حصن النزار.
وثالثها: يقع في منطقة تعرف بـ"الكتيبة" وتتكون من ثلاثة حصون هي:
١- حصن القموص، وهو حصن أبناء أبي الحقيق من بني النضير.
٢- حصن الوطيح.
٣- حصن السلالم.
وحصون المجموعتين الأولى والثانية أكثر تحصينًا من الثالثة، ولذلك دار القتال الشديد حولهما أما حصون المجموعة الثالثة فقد استسلمت للمسلمين بلا قتال بعد سقوط المجموعتين الأوليين١.
وقد جهز اليهود حصن الصعب في المجموعة الأولى، وحصن النزار في المجموعة الثانية، بالمؤن والعتاد ليكونا موئل الأسر والذراري.
وقد قام اليهود بزراعة الوادي المنخفض بالزروع، والنخيل، والأشجار العالية، وحفروا كثيرًا من الآبار لسقي الأرض، ومد الحصون بالمياه.
وبهذا التصوير الواقعي لخيبر ندرك ما صنعه اليهود ليتحقق لهم الاستقلال الاقتصادي، والديني، والعسكري، ونرى مدى حرصهم على حماية أنفسهم، ونشاطهم، ومعرفة منهجهم في الحياة الأمر الذي أدى بهم إلى غرور دفعهم إلى التآمر على الإسلام والمسلمين، وإلى تجميع ما يمكنهم من القبائل لمحاربة رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٦٦٩.
[ ٥٣٠ ]
٢- تحرك المسلمين نحو خيبر:
أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد الحديبية عشرين يومًا تحرك بعدها إلى خيبر، وقد وعده الله تعالى بمغانم خيبر فقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ١.
والآية تشير إلى ما في صلح الحديبية من خير عجله الله تعالى لهم، كما تعدهم بمغانم كثيرة بعد ذلك هي مغانم خيبر، وقد شعر المنافقون وضعفاء الإيمان بما في خيبر من غنائم فعزموا على الخروج مع رسول الله ﷺ ليأخذوا منها فأمره الله تعالى بمنعهم في قوله ﷾: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢.
ولذلك قال النبي لأصحابه: "لا يخرج معنا إلا راغب في الجهاد".
فخرج معه الذين بايعوه تحت الشجرة وعددهم ألف وأربعمائة.
واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة ﵁.
وبعد أن صلى المسلمون صلاة الصبح تحرم الجيش الإسلامي وسلك رسول الله ﷺ في اتجاهه نحو خيبر جبل عصر "بالكسر وقيل بالتحريك" ثم الصهباء، ثم نزل على واد يقال له: "الرجيع" وكان بينه وبين غطفان مسيرة يوم وليلة، فتهيأت غطفان، وتوجهوا إلى خيبر، لإمداد اليهود، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حسًا ولغطًا فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا إلى ديارهم لحراسة الديار وحماية الذراري والنساء وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر.
ثم دعا رسول الله ﷺ الدليلين اللذين كانا يرشدان الجيش ليدلاه على الطريق الأحسن، حتى يدخل خيبر من جهة الشمال أي جهة الشام فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام كما يحول بينهم وبين غطفان.
قال أحدهما: أنا أدلك يا رسول الله فسار الجيش حتى انتهى إلى مفرق طرق وقال يا رسول الله ﷺ: هذه طرق يمكن الوصول من كل منها إلى المقصد، فأمره ﷺ أن
_________________
(١) ١ سورة الفتح: ٢٠. ٢ سورة الفتح: ١٥.
[ ٥٣١ ]
يسميها له واحدًا واحدًا.
قال الرجل: اسم واحد منها حزن فأبى النبي ﷺ سلوكه.
وقال: اسم الثاني شاش، فامتنع منه أيضًا.
وقال ﷺ: اسم آخر حاطب، فامتنع منه أيضًا.
فقال حسيل، فما بقي إلا واحد منها.
قال عمر: ما اسمه؟
قال: مرحب، فاختار النبي ﷺ سلوكه تفاؤلا باسمه.
وقد حدث في الطريق إلى خيبر أن رجلا من القوم قال لعامر بن الأكوع: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك؟
وكان عامر رجلا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اتقينا وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أبينا
فقال رسول الله ﷺ: "من هذا السائق".
قالوا: عامر بن الأكوع.
قال: "يرحمه الله".
قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به١.
وكانوا يعرفون أن رسول الله ﷺ لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد، وقد استشهد عامر في غزوة خيبر.
وفي الطريق أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله" فقال رسول الله ﷺ: "أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري باب غزوة خيبر ج٦ ص٣٧٤.
[ ٥٣٢ ]
فقال لي: "يا عبد الله بن قيس".
قلت: لبيك رسول الله.
قال: "ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة".
قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي.
قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" ١.
وعند الصهباء أدنى خيبر صلى رسول الله بالمسلمين العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري، فأكل وأكل الناس، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضمض الناس، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم صلى العشاء٢.
بات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبًا من خيبر، واليهود لا يشعرون بهم، وكان النبي ﷺ إذ أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس، وركب المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون فلما خرجوا لأرضهم، ورأوا الجيش قالوا: محمد، والله محمد والخميس٣، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي ﷺ: "الله أكبر خربت خيبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" ٤.
وكان النبي ﷺ اختار لمعسكره منزلا وسط الأشجار، تعلوه الحصون فأتاه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله أرايت هذا المنزل أنزلكه الله، أم هو الرأي في الحرب؟
قال: "بل هو الرأي".
فقال: يا رسول الله إن هذا المنزل قريب جدًا من حصن نطاة، وجميع مقاتلي خيبر فيه، وهم يدرون أحوالنا، ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا، وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن من بياتهم، وأيضا هذا بين النخلات، وفي مكان غائر، وأرض وخيمة، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد، نتخذه معسكرًا.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر ج٦ ص٣٨٠، ٣٨١. ٢ المغازي ج٢ ص٦٤٢، ٦٤٣. ٣ معنى قولهم والخميس أن الجيش أقبل في خمسة أركان مقدمة، ومؤخرة، وميمنة، وميسرة، وقلب. ٤ صحيح البخاري باب غزوة خيبر ج٦ ص٣٧٦.
[ ٥٣٣ ]
قال ﷺ: "الرأي ما أشرت، ثم تحول إلى مكان آخر".
ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال ﷺ: "قفوا". فوقف الجيش فقال ﷺ: "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا لنسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا بسم الله".
ولما كانت ليلة الدخول قال: "لأعطين الراية غدًا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ، كلهم يرجو أن يعطاها.
فقال رسول الله ﷺ: "أين علي بن أبي طالب".
فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه.
قال: "فأرسلوا إليه". فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرئ، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
فقال: يا رسول الله ﷺ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟
قال ﷺ: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر ج٦ ص٣٨٣.
[ ٥٣٤ ]
٣- اقتحام الحصون:
وصل المسلمون إلى مجموعة النطاة، وعرض علي بن أبي طالب على أهل النطاة الإسلام فأبوا، فعرض عليهم الاستسلام ودفع الجزية فأبوا، وهنا كان لا بد من قتالهم حتى ينزلوا على حكم الله تعالى.
بدأ المسلمون بمهاجمة مجموعة "النطاة" فأمر رسول الله ﷺ كيدًا لهم وفتحًا للطريق إليهم وإزالة للموانع الموجودة أمام حصونهم بقطع نخيلهم، وقد بلغ عدد النخيل الذي قطع أربعمائة نخلة، وكان المسلمون يعسكرون ليلا بالرجيع، ويهاجمون النطاة نهارًا
[ ٥٣٤ ]
ومن يجرح منهم يأخذوه إلى الرجيع، واستمر المسلمون على ذلك سبعة أيام، جرح منهم عدد كثير، حيث جرح منهم خمسون رجلا في أول يوم، وقد جرح محمد بن مسلمة بعدما أدلى عليه "مرحب" اليهودي رحى هشمت بيضته وجرح حليفة، فعالجه النبي ﷺ وأخذه إلى الرجيع، فمات بها بعد ثلاثة أيام.
واشتد الأمر على المسلمين فساق الله إليهم يهودي، وأخذ ينادي: أنا آمن وأبلغكم؟
فقالوا: نعم.
فدخل على رسول الله ﷺ فدله على عورة اليهود فغدوا عليهم، فظفرهم الله بهم.
وبعد سقوط تحصينات النطاة وجد المسلمون أنفسهم أمام حصن الناعم، وهو الحصن الرئيسي في النطاة وصاحبه هو "مرحب اليهودي" الذي كان يعد بألف فارس.
دعا علي بن أبي طالب أهل الحصن إلى الإسلام فأبوا، فخرج "مرحب" وطلب المبارزة فبارزه أولًا عامر بن الأكوع فاستشهد عامر ﵁ فدعا مرحب إلى المبارزة مرة أخرى فخرج له علي بن أبي طالب وقتله.
ولما دنا علي ﵁ من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن، وقال: من أنت؟
فقال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى.
ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟
فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني؟
قال ﷺ: "بل ابنك يقتله". فقتله الزبير.
ودار القتال المرير حول حصن ناعم طوال الأيام السبعة، قتل فيه عدة سراة من اليهود، انهارت بعده مقاومة اليهود، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم، واستولوا على عدد من الحصون التابعة له.
وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم،
[ ٥٣٥ ]
وفي النطاة وقد ملأه اليهود بالطعام، وأسكنوا فيه الذراري، والنساء.
قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث جاء بنو سهم للنبي ﷺ وشكوا إليه حالهم، فدعا رسول الله ﷺ: لفتح هذا الحصن دعوة خاصة.
فقال ﷺ: "اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعامًا وودكًا". فغدا الناس ففتح الله ﷿ حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه١.
ولما ندب النبي ﷺ المسلمون بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن، كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة، ودار البراز والقتال أمام الحصن، وقد فتح الحصن في ذلك اليوم وهو الثالث قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات.
وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس تلة عالية، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول الله الحصار، وأقام محاصرًا له ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل يشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك، فقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله ﷺ.
وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى الشق، وتحصنوا بقلعة أبي، ففرض المسلمون عليهم الحصار، فلما طلب اليهود المبارزة وخرج منهم رجلان بارزهم المسلمون، وقتلوهما.
وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء، وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة،
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص٣٧٠، ٣٧١.
[ ٥٣٦ ]
واقتحمها معه الجيش الإسلامي، وجرى قتال مرير داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في المجموعة الثانية.
وكان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل، ولذلك جمعوا في هذه القلعة الذراري والنساء وساعدوا من كان في الصعب منهم على الانسحاب إليه حينما رأوا بوادر سقوط الحصن في يد المسلمين.
وفرض المسلمون على هذا الحصن الحصار الشديد، وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولأن الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يجدوا سبيلا لاقتحامه، ولم يجرؤ اليهود على الخروج من الحصن، للاشتباك مع قوات المسلمين، لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة.
وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين، أمر النبي ﷺ بنصب آلات المنجنيق، وقذفوا بها القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير داخل الحصن، انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى، ففر أغلبهم من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم.
وبعد فتح هذا الحصن المنيع ثم فتح النطاة والشق، وهرب اليهود إلى المنطقة الثالثة.
ولما تم فتح ناحية النطاة والشق، تحول رسول الله ﷺ إلى مجموعة الكتيبة وفيها حصون الوطيح والسلالم والقموص حصن أبي الحقيق من بني النضير، وقد جاء إليها أغلب من انهزم من النطاة والشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن.
واختلف أهل المغازي هل جرى قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا؟
فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص، بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجري هناك مفاوضة للاستسلام.
أما الواقدي، فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاثة إنما أخذت بعد المفاوضة، ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال.
وقد فرض رسول الله على منطقة الكتيبة أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يومًا، واليهود لا يخرجون من حصونهم، حتى هم رسول الله ﷺ أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله ﷺ الصلح.
[ ٥٣٧ ]
٤- نهاية غزوة خيبر:
لما اشتد حصار المسلمين للكتيبة أرسل ابن أبي الحقيق الأكبر وكان محاصرًا في قلعته إلى رسول الله ﷺ ليكلمه في الصلح فقال له النبي ﷺ: "انزل".
فنزل وصالح النبي ﷺ على حقن الدماء على أن يخرج أهل خيبر الرجال والنساء والذراري جميعًا منها، ويخلوها للمسلمين بكل ما فيها من مال، وأرض، وذهب، وفضة، وماشية، وعقار، بحيث يخرج الواحد منهم بثوبه فقط.
فقال ﷺ: "برئت منكم ذمة الله ورسوله إن كتمتم شيئًا".
قال: نعم١.
وتم الصلح على ذلك، وتسلم المسلمون الحصون، وفتحت خيبر.
واستشهد من المسلمين في خيبر عدد قليل يدور بين ستة عشر وثلاثة وعشرين شهيدًا وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون قتيلًا٢.
وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة، يروي البخاري بسنده عن ابن عمر قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر٣.
وقد قسم رسول الله ﷺ الغنائم إلى ثلاثة آلاف وثمانمائة سهم جعل نصفها للمقاتلين والنصف الثاني جعله ﷺ للمسلمين، وحاجاتهم٤.
ولما تم الصلح طلب يهود خيبر من رسول الله إبقاءهم فيها لزراعة الأرض وفلاحة البساتين ولهم نصف نتاجها، فوافقهم رسول الله ﷺ وأبقاهم مزارعين في أرضها٥.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٦٧١. ٢ المغازي ج٢ ص٧٠٠. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر ج٦ ص٣٩٧. ٤ وزع ﷺ نصف المقاتلين لكل فارس سهم، وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان. ٥ صحيح البخاري كتاب المغازي باب معاملة النبي أهل خيبر ج٦ ص٣٩٨.
[ ٥٣٨ ]
٥- في أعقاب خيبر:
نقض ابنا الحقيق عهدهم مع رسول الله ﷺ وغيبا عن رسول الله ﷺ مالا كثيرًا فأتى رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رجل من اليهود فقال: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة.
فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟
قال: نعم.
فأمر بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه فدفعه إلى الزبير، وقال: خذه معك حتى تستأصل ما عنده، فحبسه الزبير حتى أقر بما عنده.
ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة، ليضرب عنقه قصاصًا لأخيه محمود بن مسلمة الذي قتله كنانة غيلة بإلقاء الرحى عليه عند حصن ناعم.
وذكر ابن القيم أن رسول الله ﷺ أمر بقتل ابني أبي الحقيق وأحدها كان زوج صفية بنت حيي وهو كنانة بن أبي الحقيق بعد نقضهما العهد مع رسول الله ﷺ وكان الذي اعترف عليهما وأخبر رسول الله بإخفاء المال هو ابن عم كنانة١.
وفي هذه الغزوة قدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة، ومعهم الأشعريون أبو موسى عبد الله بن قيس وأصحابه ﵃ ومعهم أسماء بنت عميس رضي الله عنها٢.
قال أبو موسى: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين، أنا وأخوان لي في بضع وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفرا وأصحابه عنده، فقال: إن رسول الله ﷺ بعثنا وأمرنا
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٢٧. ٢ المرجع السابق ج٣ ص٣٣٢.
[ ٥٣٩ ]
بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا إلى رسول الله مع المهاجرين العائدين من الحبشة فوافقنا رسول الله ﷺ حين فتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئًا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم.
ولما قدم جعفر على النبي ﷺ تلقاه وقبله، وقال: "والله ما أدري بأيهما أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"؟ ١.
وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول ﷺ إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، يطلب توجيههم إليه، فأرسلهم النجاشي على مركبين، وكانوا ستة عشر رجلا، معهم من بقي من نسائهم وأولادهم، وبقيتهم رجعوا قبل ذلك لأنهم لما سمعوا بهجرة النبي ﷺ إلى المدينة رجع ثلاث وثلاثون رجلا وثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس فيها سبعة، وشهد منهم أربعة وعشرون رجلا بدرًا.
وكانت صفية في السبايا حين قتل زوجها كنانة بن أبي الحقيق لغدره، ولما جمع المسلمون السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي، فقال: يا نبي الله، أعطني جارية من السبي.
فقال ﷺ: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي.
فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النضير، لا تصلح إلا لك.
قال: "ادعوه بها".
فجاء بها، فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها" ٢.
وعرض عليها النبي ﷺ الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها حتى إذا كان بسد الصهباء راجعًا إلى المدينة حلت، فجهزتها له أم سليم، وأهدتها له من الليل، فأصبح عروسًا بها، وأولم عليها بحيس من التمر والسمن والسويق.
ورأى ﷺ بوجهها خضرة، فقال: ما هذا؟
قالت: يا رسول الله رأيت قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه، وسقط في حجري، ولا والله ما أذكر من شأنك شيئًا، فقصصتها على زوجي، فلطم وجهي،
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٣٣. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٤٠٤.
[ ٥٤٠ ]
فقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة١.
ولما اطمأن رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله ﷺ؟
فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذراع، فلاك منها مضغة فلم يستسغها، ولفظها ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟
قالت: قلت إن كان ملكًا استرحت منه، وإن كان نبيًا فسيخبر، فتجاوز عنها صلى الله عليه وسلم٢.
ووفد أبو هريرة ﵁ ونفر من أوس على رسول الله ﷺ بخيبر، وفي ذلك يقول أبو هريرة: قدمنا المدينة، ونحن ثمانون بيتًا من أوس، فصلينا الصبح خلف سباع بن عرفطة الغفاري.
فلما فرغنا من صلاتنا قال قائل: رسول الله ﷺ بخيبر، وهو قادم عليكم.
فقلت: لا أسمع به في مكان أبدًا إلا جئته، فزودنا سباع بن عرفطة، وحملنا حتى جئنا خيبر فوجدنا رسول الله ﷺ قد فتح النطاة، وهو محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح الله علينا٣.
وجاء لرسول الله نفر من بني فزارة، وكانوا قد قدموا على أهل خيبر ليعينوهم فراسلهم رسول الله ﷺ أن لا يعينوهم وسألهم أن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا فأبوا عليه، فلما أن فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بني فزارة، فقالوا: حظنا الذي وعدتنا.
فقال رسول الله ﷺ: "لكم ذو الرقيبة"، جبل من جبال خيبر.
فقالوا: إذا نقاتلك.
فقال ﷺ: "موعدكم جنفًا".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٢٧. ٢ السيرة النبوية ج٢ ص٣٣٧. ٣ سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢١٢.
[ ٥٤١ ]
فلما أن سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ خرجوا هاربين١.
ونهى النبي ﷺ عن أكل لحم الحمر الأهلية فعن سلمة ﵁ قال: أتينا خيبر فحاصرناها حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى، فتحها علينا، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانًا كثيرة.
فقال رسول الله ﷺ: "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون"؟.
قالوا: على لحم.
قال ﷺ: "على أي لحم"؟.
قالوا: لحم حمر إنسية.
فقال رسول الله ﷺ: "أهرقوها، واكسروا الدنان".
فقال رجل: أو نهرقها ونغسلها؟
قال ﷺ: "أو ذاك" ٢.
ونهى رسول الله ﷺ عن أمور حيث قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره، ولا يبع شيئًا من المغنم حتى يعلم، ولا يركب دابة من المغنم حتى إذا أدبرها ردها، ولا يلبس ثوبًا من المغنم حتى إذا أخلقه رده، ولا يأت امرأة من السبي حتى تستبرأ بحيضة، وإن كانت حبلى حتى تضع الحمل".
ومر على امرأة مجح، فقال: "لمن هذه"؟.
فقيل: لفلان.
فقال: "لعله يطؤها"؟.
قالوا: نعم.
قال: "كيف بولدها؟ يرثه وليس بابنه، لقد هممت أن ألعنه لعنة تتبعه في قبره" ٣.
وهكذا فتحت خيبر وزال نفوذ اليهود من الجزيرة العربية كلها.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢١٣. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي. ٣ إمتاع الأسماع ص٣٢٤.
[ ٥٤٢ ]
٦- تطهير الجبهة الشمالية من أتباع يهود خيبر:
بعدما مكن الله للمسلمين من خيبر، نظروا حول خيبر فوجدوا جيوبًا يهودية في فدك، وتيماء، ووادي القرى، وكان من الضروري القضاء على عدوانية هذه الأقاليم حتى لا يكرروا كيدهم للمسلمين مرة أخرى.
فأرسل رسول الله ﷺ إلى "فدك"١ الصحابي محيصة بن مسعود ﵁ ليدعوهم إلى الإسلام فأبوا، ولما علموا بفتح خيبر أرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يصالحوه على ما صالح عليه خيبر، فقبل منهم ﷺ ذلك.
وحين انصراف المسلمين من خيبر نزلوا بوادي القرى٢ فاستقبلهم أهلها بالرمي، فعبأ رسول الله ﷺ أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وأعطى راية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا وبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب ﵁ فقتله، حتى قتل منهم أحد عشرة رجلا، كلما قتل منهم رجل دعا رسول الله ﷺ من بقي إلى الإسلام ويمتنعون.
وكلما جاء وقت صلاة صلاها النبي ﷺ بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فيمتنعون فيقاتلهم رسول الله ﷺ حتى أمسوا، وفي اليوم التالي تعذر الوضع، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها المسلمون عنوة، وغنموا أموالهم، وأصابوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا وأقام رسول الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام، وقسم على أصحابه، ما أصاب بها وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها كما عامل أهل خيبر٣.
_________________
(١) ١ بفتح الفاء والدال، قرية بالحجاز بين مكة، والمدينة وهي أقرب إلى المدينة منها إلى مكة. "معجم البلدان". ٢ وادي القرى بضم القاف واد بين الشام والمدينة، وهو بين تيماء وخيبر فيه قرى كثيرة، وبها كانت ديار ثمود. "معجم البلدان". ٣ زاد المعاد ج٣ ص٣٥٥.
[ ٥٤٣ ]
ولما بلغ يهود "تيماء" خبر استسلام "أهل خيبر" ثم "فدك"، و"وادي القرى" لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون للصلح، فقبل ذلك منهم رسول الله ﷺ وأقاموا بأموالهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، وهاك نصه: "هذا كتاب محمد رسول الله لبني عادي، إن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد".
ثم أخذ رسول الله ﷺ في العودة إلى المدينة وكان رجوع المسلمين في أواخر صفر أو في أول ربيع الأول سنة سبع من الهجرة١.
وفي جمادي الأولى بعد عودة رسول الله إلى المدينة جاء أبو العاص بن الربيع مهاجرًا من مكة بعد إسلامه فرد رسول الله ابنته زينب إليه٢.
وبالقضاء على اليهود في خيبر، وفي المناطق حولها، لم يبق لليهود وجود قوي، ومع ذلك رفضوا الدخول في دين الله تعالى، واستمروا في كيدهم للإسلام والمسلمين وورثوا هذا الكيد لما جاء بعدهم من ذراريهم، وبذلك عاشوا على ضلالهم، وداوموا العداء لدين الله تعالى.
وهم على ذلك إلى اليوم رغم تشتتهم في البلاد، وتقطع أوصالهم، وذهاب هويتهم.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٥٥. ٢ سنن أبي داود ج٣ ص١٥١.
[ ٥٤٤ ]
رابعا: مواجهة القبائل المتمردة
مدخل
رابعًا: مواجهة القبائل المتمردة
أدى صلح الحديبية إلى تمايز كل فريق بنيته وعمله، وبادر رسول الله ﷺ بالتعامل مع كل جبهة بما يناسبها.
فهادن قريشًا ومن سار على نهجها.
وواجه العالم بتبليغ الإسلام إليه، وتعريفه بدين الله تعالى.
وواجه اليهود، وذهب إليهم في حصونهم حتى قضى على خطورتهم.
وبقيت أمامه ثلة من القبائل المتناثرة في الجزيرة العربية التي عاشت على النهب والإغارة، ظنت نفسها بعيدة عن رسول الله ﷺ منقطعة عن المسلمين لبعدهم عنهم فأخذت تعمل ضد الإسلام متصورة أن المسلمين لن يعلموا شيئًا عن أخبارهم.
ولم تكن هذه القبائل في بلدة واحدة، أو في مكان ثابت، بل هم من الرحل المتنقلين ولذلك كان لا بد لتأديبهم بواسطة حملات تأديبية سريعة وخفيفة، ومفاجئة، ليعلموا أنهم تحت بصر المسلمين، ومحل اهتمامهم، وليتيقنوا أن المسلمين بفضل الله ومعونته يملكون حسن التعامل مع كل فريق، بما يكافئه بحيث لا يخدعهم لئيم ولا يفاجئهم غادر.
وقد أدت الحملات التأديبية لهذه القبائل إلى وقوع الغزوات والسرايا التالية:
[ ٥٤٤ ]
١- غزوة ذات الرقاع:
علم رسول الله ﷺ أن بطونًا من غطفان، المجاورين لخيبر قد تألموا لما لحق بأنصارهم من يهود خيبر وهم أنمار، وبنو ثعلبة، وبنو محارب، فأخذوا يجتمعون، ويستعدون لمهاجمة المدينة، فأسرع رسول الله ﷺ بالخروج إليهم في سبعمائة من أصحابه بعدما ولى على المدينة عثمان بن عفان ﵁ وسار حتى وصل إلى "نخل"١ فلقي جمعًا من غطفان، فتوافق الطرفان، ولم يقع قتال بعدما هاب كل طرف الطرف الآخر.
يروي البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت الغزوة بـ"ذات الرقاع"، لما كنا نعصب الخرق على أرجلنا٢.
ويسمي البعض هذه الغزوة بغزوة الأعاجيب لما ظهر فيها من الآيات العجيبة وخوارق العادات المذهلة.
يروي البخاري بسنده عن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا
_________________
(١) ١ نخل بفتح فسكون موضع بنجد من أرض غطفان في طريق الشام من ناحية مصر "معجم البلدان". ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع ج٦ ص٣٣٢ وقيل: سميت بذلك لرقاع كانت في أثوابهم وقيل الرقاع اسم للمكان أو اسم للجبل وفيها ألوان كالرقاع، ولا مانع من صحة أن تكون كل هذه أسباب للتسمية لأنها جميعًا كانت موجودة وقت الغزوة.
[ ٥٤٥ ]
على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ، فنزل رسول الله ﷺ، وتفرق الناس في العضاة، يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق بها سيفه.
قال جابر: فنمنا نومة، فجاء رجل من المشركين فاخترط سيف رسول الله ﷺ فوقف على رأس رسول الله ثم قال: أتخافني؟
قال ﷺ: "لا".
قال الرجل: فمن يمنعك مني؟
قال ﷺ: "الله".
فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﷺ، فقال: من يمنعك مني؟
فقال الرجل: كن خير آخذ.
قال ﷺ: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"؟.
قال الرجل: أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك: فخلى سبيله فجاء إلى قومه، فقال جئتكم من عند خير الناس.
قال جابر: فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئنا فإذا عنده أعرابي جالس.
فقال رسول الله ﷺ: "إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال لي: من يمنعك مني"؟
قلت: الله.
فها هو ذا جالس". ثم لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وفي رواية البخاري قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث.
قال ابن حجر: ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور، وأنه أسلم لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين والله أعلم٢.
والأعاجيب المروية كثيرة وهي مفصلة في كتب السيرة والسنة.
وكانت غزوة ذات الرقاع في ربيع الأول سنة سبع للهجرة٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع ج٦ ص٣٣٧. ٢ صحيح البخاري باب غزوة ذات الرقاع ج٦ ص٣٣٧. ٣ تناول ابن حجر كافة الأقوال التي ذكرت في سنة هذه الغزوة. "فتح الباري ج٧ ص٤١٧".
[ ٥٤٦ ]
٢- سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح في قديد ١:
وقعت هذه السرية في ربيع الأول سنة سبع للهجرة، وسببها أن بني الملوح قتلوا أصحاب بشير بن سويد، فبعث رسول الله ﷺ هذه السرية لأخذ الثأر، فشنوا الغارة في الليل فقتلوا من قتلوا، وساقوا النعم، وحين رجوعهم إلى المدينة طاردهم جيش كبير من العدو، أنقذهم الله تعالى منه لأنه حين قرب منهم نزل مطر غزير، وامتلأ الوادي بسيل عظيم حال بين الفريقين، وانسحب المسلمون وعادوا إلى المدينة غانمين منتصرين٢.
_________________
(١) ١ القديد بضم القاف وفتح الدال تصغير قد موضع قرب مكة. "معجم البلدان". ٢ زاد المعاد ج٣ ص٣٦٢، سيرة النبي ج٢ ص٦٠٩.
[ ٥٤٧ ]
٣- سرية عمر بن الخطاب إلى تربة ١:
أعلنت هوازن عدم موافقتها على صلح الحديبية مع أنها مجاورة لمكة وتقع بناحية العيلاء على طريق صنعاء ونجران وكان المأمول أن تسالم كما فعلت قريش، وبخاصة أنها شاهدت قوة المسلمين، وعلمت حرصهم على نشر الإسلام، وتبليغه للناس جميعًا.
لكن هذا المأمول لم يتحقق، لأن هوازن أخذت تعد العدة العدة لمهاجمة رسول الله في المدينة، والاستيلاء على أموال المهاجرين والأنصار، فأرسل رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ في ثلاثين رجلا يقودهم دليل بن هلال، فأخذوا يسيرون في الليل، ويكمنون في النهار، فلما علمت هوازن بخبرهم هربوا، فلما جاء عمر ديارهم لم يجد أحدًا فرجع إلى المدينة١.
_________________
(١) ١ تربة بضم التاء وفتح الراء واد خصب قرب مكة. ٢ زاد المعاد ج٣ ص٣٥٩، ٣٦٠.
[ ٥٤٧ ]
٤- سرية بشير بن سعد إلى بني مرة:
سار بشير بن سعد الأنصاري ﵁ إلى بني مرة في إحدى نواحي "فدك" وهم جماعة
من اليهود أبت أن تدخل في صلح قومهم مع رسول الله ﷺ ولذلك أرسل رسول الله ﷺ بشير بن سعد إليهم في شعبان سنة سبع للهجرة في ثلاثين رجلا.
خرج إليهم بشير فلم يجد أحدًا منهم، فاستاق الشاء والنعم، ثم رجع فأدركه بنو مرة عند الليل فرموهم بالنبل حتى فني بشير وأصحابه، فقتلوا جميعًا إلا بشيرًا فإنه حمل جريحًا إلى فدك، فأقام عند يهودي حتى برأت جراحه، وعاد إلى المدينة١.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٢ ص١٢٠.
[ ٥٤٨ ]
٥- سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة:
سار غالب بن عبد الله الليثي في رمضان سنة سبع للهجرة إلى بني عوان، وبني عبد بن ثعلبة بالميفعة، في مائة وثلاثين رجلا فهجموا عليهم جميعًا، وقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعمًا وشاء وعادوا إلى المدينة بما غنموا١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٦٠.
[ ٥٤٨ ]
٦- سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر:
سار عبد الله بن رواحة إلى خيبر في شوال سنة سبع للهجرة في ثلاثين راكبًا، وذلك أن أسير بن رزام كان يجمع غطفان لغزو المسلمين، فلما وصل ابن رواحة إليهم خاطب أسيرا وأطمعه أن رسول الله ﷺ يستعمله على خيبر إن ترك جماعته فتركهم مع ثلاثين من أصحابه، وهنا وقع الشقاق بين أسير وقومه فتقاتلوا قتالا شديدًا، وتمكن المسلمون من الرجوع إلى المدينة، وقد أفضى شقاق القوم إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين وبذلك تفرق القوم، ولم يقع مع المسلمين قتال، وتم القضاء على رأس الفتنة، وعاد المسلمون سالمين إلى المدينة١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٦٠.
[ ٥٤٨ ]
٧- سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار:
ثم كانت سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار في سنة سبع من الهجرة، وذلك أن حسيل بن نوبرة الأشجعي أخبر رسول الله ﷺ أن جمعًا من غطفان بالجناب، قد واعدوا عيينة بن حصين أن يزحفوا إلى أطراف المدينة.
فذكر ذلك لأبي بكر وعمر ﵁، فأشار بإرسال بشير بن سعد، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وكان حسيل دليلهم، حتى أتوا إلى يمن وجبار وهي نحو الجناب والجناب يعارض "سلاح" و"خيبر" ووادي القرى، فنزلوا بسلاح، ثم دنوا من القوم فأصابوا نعمًا كثيرًا ملأوا منه أيديهم، وتفرق الرعاء فأنذروا أصحابهم، فمروا على وجوههم، فلم يلق بشير أحدًا، وعاد بالنعم، فوجد عينًا لعيينة فقتله، ثم لقي جمع عيينة فأوقع بهم وهم لا يشعرون وقد ناوشهم بشير حتى انهزموا، وأسر منهم رجلا أو رجلين، وقدم بهما المدينة فأسلما وتركهما الرسول ﷺ لحالهما١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٦٠.
[ ٥٤٩ ]
٨- سرية أبي حدرد ﵁ إلى الغابة:
سار أبو حدرد الأسلمي إلى الغابة، وملخصها أن رجلا من جشم بن معاوية أقبل في عدد كبير على الغابة، يريد أن يجمع قيسًا على محاربة المسلمين، فبعث رسول الله ﷺ أبا حدرد مع رجلين فاختار أبو حدرد خطة حكيمة، وهزم العدو هزيمة منكرة، واستاق الكثير من الإبل والغنم١.
_________________
(١) ١سيرة النبي ج٢ ص٦٢٩
[ ٥٤٩ ]
٩- سرية أبي بكر ﵁ إلى بني هلال:
أرسل رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ في نفر من أصحابه لمباغتة بني كلاب بنجد في ناحية "ضرية" في شهر شعبان في العام السابع، ففاجأ القوم، وبيتهم ليلا وقتل منهم عددًا، عاد بعدها إلى المدينة المنورة١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٥٩.
[ ٥٤٩ ]
١٠- سرية غالب بن عبد الله إلى بني مرة:
بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الليثي على مائتي رجل في صفر سنة ثمان، ومعه أسامة بن زيد وعلبة بن زيد الحارثي إلى بني مرة لتأديبهم على ما فعلوه مع بشير بن سعد وصحبه، فسار حتى دنا منهم، وبعث الطلائع عليها علبة بن زيد، فأعلموه خبرهم ثم وافاهم، وحضهم على الجهاد، وأوصاهم بالتقوى، وحمل بهم على القوم فقاتلوا ساعة ثم حووا الماشية والنساء، وقتلوا الرجال، ومر أسامة بن زيد في إثر رجل منهم يقال له: نهيك بن مرداس، حتى دنا منه، فقال: لا إله إلا الله، فقتله، ثم ندم وأقبل إلى جماعته فقال له غالب بن عبد الله: بئس والله ما فعلت، تقاتل امرأ يقول: لا إله إلا الله.
وقدموا المدينة، فحدث زيد رسول الله ﷺ بخبره.
فقال: "قتلته يا أسامة! وقد قال: لا إله إلا الله؟! ".
فجعل أسامة يقول: إنما قالها تعوذًا من القتل.
فقال ﷺ: "أفلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب"؟.
فقال أسامة: لا أقتل أحدًا يقول لا إله إلا الله أبدًا١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٦١.
[ ٥٥٠ ]
خامسا: تطبيق بنود صلح الحديبية وأداء العمرة
عمرة القضاء
خامسًا: تطبيق بنود صلح الحديبية وأداء العمرة
حافظ المسلمون والقرشيون على ما تعاهدوا عليه في الحديبية، وتفرغ رسول الله ﷺ في العمل في جبهات جديدة عديدة بعد أن أمن جبهة قريش، ولذلك تضاعف العمل، ونشطت الدعوة بعد صلح الحديبية، ومر عام من الجهاد والدعوة، وجاء موسم الحج وهو الموعد المتفق عليه لأداء العمرة، فتحرك المسلمون لأداء عمرتهم وتم لهم وعد الله تعالى حينما قال لهم سبحانه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ١.
وبعد أداء العمرة واصلوا حركتهم بالدعوة ومواجهة الطغيان والمتمردين:
وفي هذه الدراسة سنتناول الأمور الآتية:
١- عمرة القضاء:
لما رجع رسول الله ﷺ من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيع وجماديين، ورجبًا وشعبان ورمضان وشوالا.
فلما أهل شهر ذي القعدة من العام السابع أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يتجهزوا لأداء العمرة التي أجلوها من العام الماضي.
وتسمى هذه العمرة عمرة القضاء لأنها قضاء عن عمرة العام السابق.
كما تسمى عمرة القصاص لأن الله كتبها لهم عوضًا عن الأولى التي لم تمكنهم قريش منها فتمت مثلا بمثل، وتسمى عمرة الصلح لأنها تمت بناء على بنود صلح الحديبية.
وتسمى عمرة القضية لأن رسول الله قاضى أهل مكة وصالحهم على هذه العمرة. والبعض يسميها: غزوة القضاء لخروج رسول الله ﷺ على رأسها قاصدًا مكة
_________________
(١) ١ سورة الفتح الآية ٢٧.
[ ٥٥١ ]
ليدخلها، رغم أنف المشركين فيها١.
أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يعتمروا، وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية فلم يتخلف من أهلها أحد، ممن هو حي، وخرج معهم عدد من غير أهل الحديبية فبلغ عدد الخارجين للعمرة ألفين.
وقال جماعة من المسلمين: والله يا رسول الله ما لنا زاد، وما من أحد يطعمنا، فأمر رسول الله ﷺ المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدقوا، وألا يكفوا أيديهم فيهلكوا.
فقلوا: يا رسول الله بما نتصدق، وأحدنا لا يجد شيئًا؟
فقال: "بما كان ولو بشق تمرة، ولو بمشقص يحمل به أحدكم في سبيل الله" ٢.
فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ يعني أن ترك النفقة في سبيل الله يؤدي إلى الهلكة.
وساق ﷺ ستين بدنة جعل عليها ناجية بن جندب الأسلمي ﵁، يطلب الرعي بها في الشجر، ومعه أربعة فتيان من أسلم، وكان أبو رهم كلثوم بن حصين الغفاري، ممن يسوقها ويركبها.
وقلد ﷺ هديه بيده، وحمل السلاح وفيها البيض والدروع، وقاد مائة فرس أمر عليها محمد بن مسلمة، واصطحب العتاد والسلاح، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري وأحرم من باب المسجد، وسار يلبي والمسلمون معه يلبون.
فلما انتهى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران، وجد بها نفرًا من قريش، فسألوه عن رسول الله ﷺ فقال: يصبح في هذا المنزل غدًا إن شاء الله.
فلما رأوا سلاحًا كثيرا مع بشير بن سعد، أسرعوا إلى مكة، وأخبروا قريشًا ففزعوا، وقالوا: والله ما أحدثنا حدثًا، ففيم يغزونا محمد؟
ولما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران قدم السلاح إلى بطن يأجج، وترك معه مائتين من
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٤ ص٢٢٦، ٢٢٧. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٣٣٦ والمشقص السهم العريض النصل. ٣ سورة البقرة: ١٩٥.
[ ٥٥٢ ]
أصحابه، عليهم أوس بن خولى ﵁.
وخرج مكرز بن حفص في نفر حتى لقوا رسول الله ﷺ ببطن يأجج.
فقالوا: يا محمد! والله ما عرفت صغيرًا ولا كبيرًا بالغدر! تدخل بالسلاح الحرم! وقد اشترطت ألا تدخل إلا بسلاح المسافر والسيوف في القرب؟
فقال ﷺ: "إني لا أدخل عليهم السلاح".
فعاد مكرز إلى مكة فخرجت قريش إلى رءوس الجبال وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه وحبس ﷺ الهدى بذي طوى، ودخل ﷺ مكة من الثنية التي تطلع على الحجون وقد ركب القصواء، وأصحابه حوله متوشحو السيوف يلبون، وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته، فلم يزل ﷺ يلبي حتى استلم الركن١.
وتحدثت قريش عن جهد المسلمين وضعفهم، ووقف منهم جماعات عند دار الندوة ليروا ما تصوروه فاضطبع ﷺ بردائه، وأخرج عضده الأيمن، ثم قال: "رحم الله امرأ أراهم اليوم قوة"!. فلما انتهى إلى البيت وهو على راحلته، وابن رواحة آخذ بزمامها، وقد صف له المسلمون دنا من الركن فاستلمه بمحجنه، وهو مضطبع بثوبه، وهرول هو والمسلمون في الثلاثة الأشواط الأول، وكان ابن رواحة يرتجز في طوافه، وهو آخذ بزمام الناقة، فقال ﷺ: "إيه يابن رواحه! قل: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده! فقالها ابن رواحة وقالها الناس".
فلما قضى ﷺ طوافه، خرج إلى الصفا فسعى على راحلته، والمسلمون يسترونه من أهل مكة أن يرميه أحد منهم أو يصيبه بشيء، ووقف عند فراغه قريبًا من المروة، وأوقف الهدي عندها فقال: "هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر" ٢.
ونحر عند المروة وكان قد اعتمر معه قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا، وشركه في الهدي من شهد الحديبية، فمن وجد بدنة من الإبل نحرها، ومن لم يجد بدنة رخص له في البقرة، وكان قد قدم رجل من الأعراب ببقر فاشتراه الناس منه، وحلق ﷺ عند المروة حلقه معمر بن عبد الله العدوي.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني باب عمرة القضاء ج٢١ ص١٣١. ٢ البداية والنهاية ج٤ ص٢٣١.
[ ٥٥٣ ]
ثم دخل ﷺ البيت، ولم يزل فيه حتى أذن بلال بالظهر فوق ظهر الكعبة.
وخطب ﷺ ميمونة وهو في مكة فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فتزوجها ﷺ وهو محرم، وقيل: بل تزوجها لما أحل بسرف.
ولما حان موعد خروج المسلمين من مكة ورجوعهم إلى المدينة جاءتهم عمارة بنت حمزة ﵂ تنادي: يا عم، يا عم.
فأخذها علي ﵁.
وكانت مع أمها سلمى بنت عميس بمكة، فقال: علام نترك بنت عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين! فخرج بها، حتى إذا دنوا من المدينة أراد زيد بن حارثة أن يتزوجها لأنه كان وصي حمزة وأخوه أخوة المهاجرين، وقال: أنا أحق بها، إنها ابنة أخي.
فقال جعفر بن أبي طالب: الخالة والدة وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي، أسماء بنت عميس.
فقال علي ﵁: ألا أراكم في ابنة عمي، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها نسب دوني، وأنا أحق بها منكم.
فقال رسول الله ﷺ: "أحكم بينكم، أما أنت يا زيد فمولى الله ورسوله، وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي، وأما أنت يا جعفر فتشبه خَلقي وخُلقي، أنت يا جعفر أولى بها، تحبك خالتك". فقضى بها لجعفر.
فقام جعفر فحجل حول النبي ﷺ فقال: "ما هذا يا جعفر"؟.
قال: يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدًا قام فحجل حوله.
فقال علي ﵁: تزوجها يا رسول الله ﷺ.
قال ﷺ: "هي ابنه أخي من الرضاعة" ١.
ولما كان الظهر في اليوم الرابع، أتى سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى رسول الله ﷺ في مجلس الأنصار، وهو يتحدث مع سعد بن عبادة، فقالا: قد انقضى
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٧٢.
[ ٥٥٤ ]
أجلك يا محمد، فاخرج عنا.
فقال ﷺ: "وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعت طعامًا"؟.
فقالا: لا حاجة لنا في طعامك، اخرج عنا، ننشدك الله والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا! فهذه الثلاث قد مضت!
فغضب سعد بن عبادة وقال لسهيل: كذبت لا أم لك! ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يبرح منها إلا طائعًا راضيًا.
فتبسم ﷺ ثم قال: "يا سعد! لا تؤذ قومًا زارونا في رحالنا". فأسكت الرجلين عن سعد، وروي أنهم بعثوا عليًا إلى النبي ﷺ ليخرج عن بلدهم١.
وأمر ﷺ أبا رافع بالرحيل، وقال: "لا يمسين بها أحد من المسلمين". وركب حتى نزل سرف، وخلف أبا رافع ليحمل إليه ميمونة حين يمسي، فخرج بها مساء، ولقي عنتًا من سفهاء المشركين فبنى ﷺ على ميمونة بسرف.
ولم ينزل بمكة بيتًا، وإنما ضربت له قبة من أدم بالأبطح، وظل هناك حتى سار منها وأثناء إقامته بعث بمائتي رجل ممن طافوا بالبيت إلى بطن يأجج، فأقاموا عند السلاح حتى أتى الآخرون فقضوا نسكهم، وبعد أن أدى المسلمون عمرتهم عادوا إلى المدينة في ذي الحجة من نفس العام٢.
وفي صفر من العام الثامن، وبعد استقرار المسلمين في المدينة خرج عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي من مكة، بعد مرجعه من الحبشة، يريد المدينة، فهاجر فوجد في طريقه خالد بن الوليد القرشي المخزومي، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة القرشي العبدري، وقد قصدوا قصده، فقدموا المدينة، ودخلوا على رسول الله ﷺ فبايعه خالد أولا، ثم بايعه عثمان، ثم عمرو فقال لهم ﷺ: "إن الإسلام يجب ما كان قبله والهجرة تجب ما كان قبلها".
وهكذا أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص بعد هذه الرحلة الطويلة من الجهاد والمعاناة، وصارا من خيرة صحابة رسول الله ﷺ، ولله في خلقه شئون.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٧٢. ٢ إمتاع الأسماع ص٣٣٦ إلى ص٣٤١.
[ ٥٥٥ ]
٢- سرية ابن أبي العوجاء:
أرسل رسول الله ﷺ ابن أبي العوجاء في شهر ذي الحجة سنة سبع في خمسين رجلا بعثه رسول الله ﷺ إلى بني سليم، ليدعوهم إلى الإسلام.
فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا.
وكان مع ابن العوجاء رجل من بني سليم سبق السرية، وأخبر قومه بقدومها فتجمعوا واستعدوا وقاتلوا قتالا شديدًا حتى قتل أغلب رجال السرية، وجرح فيها أبو العوجاء، وتحامل المسلمون حتى رجع من عاش منهم إلى المدينة في أول صفر من العام الثامن١.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج٢ ص٧٥٢.
[ ٥٥٦ ]
٣- سرية غالب بن عبد الله:
أرسل رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد إلى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان في مائتي رجل، فأصابوا من العدو نعمًا، وقتلوا منهم قتلى وقد تبعهم القوم فحال الله بينهم بواد عميق ملأه المطر ماء١.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٧٥٠.
[ ٥٥٦ ]
سرية ذات الصلح
٤- سرية ذات أطلاح:
سرية ذات أطلاح في ربيع الأول سنة ثمان، كانت بنو قضاعة قد حشدت جموعًا كبيرة للإغارة على المسلمين، فبعث إليهم رسول الله ﷺ كعب بن عمير الأنصاري في خمسة عشر رجلا، فلقوا العدو فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل حتى استشهدوا كلهم إلا رجلا واحدًا، فقد جرح وتحامل حتى أتى المدينة فشق ذلك على رسول الله ﷺ فلما هم بإرسال سرية أخرى لتأديبهم علم أنهم تركوا ديارهم وأقاموا في مكان آخر١.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج٢ ص٧٥٢.
[ ٥٥٦ ]
٥- سرية ذات عرق:
سرية ذات عرق إلى بني هوازن في ربيع الأول سنة ثمان، كانت بنو هوازن قد أمدت الأعداء مرة بعد أخرى، فأرسل إليها شجاع بن وهب الأسدي في خمسة وعشرين رجلا فاستاقوا نعمًا من العدو، ولم يلقوا كيدًا١.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص٣٨٦.
[ ٥٥٧ ]
٦- سرية شجاع بن وهب إلى السي:
كانت سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى السي، وهو ماء من ذات عرق إلى وجرة يريد بني عامر بناحية ركبة في ربيع الأول سنة ثمان، على أربعة وعشرين رجلا، فخرج حتى أغار على القوم وهم فارون، فأصابوا نعمًا وشاء، وقدموا المدينة بسبايا، فيهن جارية وضيئة، فلما قدم بنو عامر إلى رسول الله مسلمين رد إليهم ما أخذ منهم، واختارت الجارية الوضيئة شجاع بن وهب، وكان قد أخذها بثمن فأقامت عنده حتى قتل باليمامة رضي الله عنه١.
_________________
(١) ١ المغازي ج٣ ص٧٥٤.
[ ٥٥٧ ]
٧- سرية قطبة بن عامر إلى خثعم بتبالة:
بعث رسول الله ﷺ قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية "تبالة" فخرجوا على عشرة أبعرة يتعقبونها، فوجد قطبة رجلا فسأله فلم يجبه عن القوم وجعل يصيح بالحاضرين، فضرب عنقه، وشن الغارة ليلا فقاتله القوم قتالا شديدًا، وأتى قطبة عليهم، وساق النعم والشاء والنساء حتى قدم المدينة، فكانت سهامهم أربعة أبعرة لكل رجل أو عدلها: عشرة من الغنم عن كل بعير١.
ويلاحظ أن السرايا التي تحركت بعد عمرة القضاء توجهت إلى قبائل بعيدة عن المدينة، وهي من الرحل الذين لا يستقرون في مكان واحد، وأن الهدف كان منعهم من التفكير في الإغارة والنهب، وإحاطتهم بقوة المسلمين، وتعريفهم ما في الإسلام من حق ومزايا.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ص٣٤٤.
[ ٥٥٧ ]
سادسا: بدء مواجهة الرومان والقبائل التابعة لها
مدخل
سادسًا: بدء مواجهة الرومان والقبائل التابعة لها:
علت قوة المسلمين في الجزيرة كلها واستكان القرشيون، وعلم الناس خبر الإسلام فبدءوا الدخول فيه غير أن نفرًا من الناس وبخاصة من لهم صلة بالرومان أبوا الانصياع للواقع الجديد فبدءوا يلتقون بالرومان، ويتعاونون معهم في التصدي لدعاة الإسلام، وكراهية قوة المسلمين.
وشجعهم على ذلك ما فعله صاحب بصرى شرحبيل بن عميل الغساني عامل البلقاء من قبل قيصر الروم حيث مزق كتاب رسول الله وقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي حامل الرسالة.
إن هذا الفعل جريمة تحتاج إلى المواجهة حتى لا يتصور الناس ضعفًا بالمسلمين فيستهينون بهم، ويصدون الدعاة عن تبليغ الحق، وحمل الإسلام إلى الناس.
إزاء هذا الواقع الذي حدث في شمال الجزيرة العربية بدأت مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية مع هذه المنطقة رغم بعدها عن المدينة، واستعداداتها العسكرية الضخمة، وقد أدت المواجهة مع هؤلاء الناس إلى حدوث السرايا التالية:
[ ٥٥٨ ]
١- سرية مؤتة ١:
أدى مقتل الصحابي "الحارث بن عمير" حامل رسالة رسول الله ﷺ إلى ملك بصرى إلى غضب رسول الله ﷺ وتألمه لهذا العدوان الذي لا يراعي حقًا، ولا يحترم خلقًا، فجهز جيشًا من ثلاثة آلاف صحابي، وأمر عليه ثلاثة من خيرة الصحابة هم: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة ﵃ فأمر زيدًا أولا وقال لهم: "إن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله". وعقد لهم لواء أبيض٢.
وسار رسول الله ﷺ حتى كان خارج المدينة فعسكر بـ"الجرف" وندب الصحابة للخروج، ولم يبين لهم الأمر، حتى صلى بهم الظهر فجلس معهم، وعين الأمراء، وعقد
_________________
(١) ١ مؤتة: قرية بأدنى بلاد الشام في منطقة البلقاء. ٢ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢١ ص١٣٦.
[ ٥٥٨ ]
اللواء وأعطاه للأمير الأول، زيد بن حارثة، وأخذ المؤمنون يدعون قائلين وهم يودعون المجاهدين: دافع الله عنكم وردكم صالحين غانمين.
وقد ودع رسول الله الجيش حتى ثنية الوداع، وهناك أوصاهم فقال لهم: "أوصيك بتقوى الله، وبمن معك من المسلمين خيرًا، اغزوا باسم الله في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا.
وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، واكفف عنهم.
ادعهم إلى الدخول في الإسلام، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين.
إن دخلوا في الإسلام واختاروا أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
فإن أبوا الإسلام فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟
وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة رسوله، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تنقضوا ذمتكم وذمة آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.
[ ٥٥٩ ]
وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين للناس، فلا تتعرضوا لهم وستجدون آخرين في رءوسهم مفاحص الغدر والهوى فاقلعوها بالسيوف.
ولا تقتلن امرأة ولا صغيرًا ضرعًا، ولا كبيرًا فانيًا، ولا تغرقن نخلا، ولا تقلعن شجرًا ولا تهدموا بيتًا"١.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، مرني بشيء أحفظه عنك.
قال ﷺ: "إنك قادم غدًا بلدًا، السجود فيه قليل فأكثر السجود".
قال ابن رواحة: زدني يا رسول الله.
قال ﷺ: "اذكر الله، فإنه عون لك على ما تطلب".
فقام عبد الله من عنده، حتى إذا مضى ذاهبًا رجع.
فقال: يا رسول الله! إن الله وتر يحب الوتر.
فقال: "يابن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن أسأت عشرًا أن تحسن واحدة".
فقال: لا أسألك عن شيء بعدها٢.
ومضى المسلمون، وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير وسمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم، فقام فيهم رجل من الأزد يقال له: شرحبيل بن عمرو الغساني، وقدم الطلائع أمامه، وبعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين فلقوا المسلمين بوادي القرى فقاتلهم المسلمون وقتلوا سدوسًا.
ونزلوا معان من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من البلقاء في مائة ألف من الروم، ومعه من بهراء ووائل، وبكر، ولخم، وجذام مائة ألف عليهم رجل من بلى يقال له: مالك.
فأقاموا ليلتين بـ"معان" وأرادوا أن يكتبوا إلى رسول الله ﷺ بالخبر ليردهم أو يزيدهم رجالا، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد، ولا بكثرة سلاح، ولا بكثرة خيول، إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به،
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٣٤٨، ٣٤٩. ٢ المغازي ج٢ ص٧٥٦-٧٥٨.
[ ٥٦٠ ]
انطلقوا والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد وما معنا إلا فرس واحد، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور عليهم، فذلك ما وعدنا الله ووعدنا نبينا، وليس لوعده خلف وإما الشهادة، فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان.
فشجع الناس ومضوا إلى مؤتة، فرأوا المشركين ومعهم ما لا قبل للمسلمين به من العدد، والسلاح، والكراع، والديباج، والحرير، والذهب.
قال أبو هريرة: وقد شهدت ذلك فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة، ما لك؟ كأنك ترى جموعًا كثيرة.
قلت: نعم.
قال: لم تشهدنا ببدر، إنا لم ننصر بالكثرة.
وقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم: فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل الناس معه، والمسلمون على صفوفهم، وعلى الميمنة قطبة بن قتادة السدوسي، وعلى الميسرة عباية بن مالك، فقتل زيد طعنًا بالرماح.
ثم أخذ اللواء جعفر فنزل عن فرسه فعرقبها، ثم قاتل حتى قتل: ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوجد في نصفه بضع وثلاثون جرحًا، وقيل: وجد فيما بين منكبيه، اثنتان وسبعون ضربة بسيف أو طعنة برمح، ووجد به طعنة قد أنفذته.
ثم أخذ اللواء بعده عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل١.
وسقط اللواء، فاختلط المسلمون والمشركون، وانهزم المسلمون أسوأ هزيمة، وقتلوا، وأتبعهم المشركون، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرًا، فما يثوب إليه أحد، ثم تراجعوا، فأخذ اللواء ثابت بن أقرم، وصاح: يا للأنصار، فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: هلموا إلي أيها الناس.
فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٧٦٠-٧٦٢.
[ ٥٦١ ]
فقال خالد: لا آخذه، أنت أحق به، أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرًا.
قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك.
فأخذه خالد وواصل القتال، وجعل المشركون يحملون عليه، فثبت حتى كل المشركون، وحمل بأصحابه ففض جمعًا من جمعهم، ثم دهمه منهم بشر كثير فتحملها خالد والمسلمون حتى انتهى اليوم.
بات خالد ليلته ووضع خطة جديدة فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقة وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، وصمد في واد واسع ينتهي بمضيق جهة الرومان فلما جاء الرومان من المضيق، ورأوا تنظيم المسلمين أنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيأتهم، فقالوا: قد جاءهم مدد، ورعبوا، فانكشفوا منهزمين، وحين تراجعهم اضطربوا في المضيق وأدى تزاحمهم إلى هلاك كثير منهم وقتل المسلمون منهم مقتلة لم يقتلها قوم آخرون١.
وقتل من المسلمين يوم مؤتة اثنا عشر شهيدًا بما فيهم القواد الثلاثة وانسحب الجيش الإسلامي وعاد إلى المدينة ببعض الغنائم وتحدث أهل المدينة بأن الجيش فر من المعركة وسموهم بالفرار، فقعد الناس في بيوتهم حتى لا يسمعوا من يناديهم يا فرار. وكانوا يصلون في دورهم ولا يحضرون جماعة المسجد.
فلما علم بذلك النبي ﷺ قال: "ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار في سبيل الله" ٢.
والصحيح أن كل فئة انحازت عن الأخرى، وأطلع الله ﷾ على ذلك رسوله من يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه وقال عنهم ﷺ: "لقد رفعوا إليّ في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحه ازورارًا عن سرير صاحبيه، فقلت عم هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى".
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع من ص٣٤٥ إلى ص٣٤٩. ٢ المغازي ج٢ ص٧٦٥.
[ ٥٦٢ ]
وقال رسول الله ﷺ: "مثل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من در، كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابن رواحة في أعناقهما صدود، ورأيت جعفرًا مستقيمًا ليس فيه صدود قال: فسألت فقيل لي: إنهما حين غشيهما الموت أعرضا أو كأنهما صدا بوجوههما، وأما جعفر فإنه لم يفعل".
وقال رسول الله ﷺ في جعفر: "إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء".
قال أبو عمر: وروينا عن ابن عمر أنه قال: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبيه وما أقبل منه، تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح.
وقال موسى بن عقبة: قدم يعلى بن منبة على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ: "إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك". قال: أخبرني يا رسول الله فأخبره ﷺ خبرهم كله، ووصفهم له، فقال: والذي بعثك بالحق، ما تركت من حديثهم حرفًا واحدًا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معركتهم" ١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٣٨٣ المغازي ج٢ ص٧٦٧.
[ ٥٦٣ ]
٢- غزوة ذات السلاسل ١:
بعد انتهاء غزوة مؤتة، ورجوع المسلمين إلى المدينة بلغ رسول الله ﷺ أن نفرًا من "بلى وقضاعة" وهم الذين كانوا مع الرومان في مؤتة يجتمعون ويستعدون لمهاجمة أطراف المدينة فجهز رسول الله ﷺ جيشًا من المسلمين بلغ ثلاثمائة رجل ومعهم ثلاثون فرسًا وأمر عليهم عمرو بن العاص ﵁ لرحمه فيهم لأن أمه كانت بلوية أملا في تأثرهم بقرابته وعقد له اللواء وأعطاه راية سوداء.
أخذ عمرو ﵁ يتحرك بالجيش فكان يسير في الليل ويكمن بالنهار، فلما اقترب من القوم أرسل طلائعه للوقوف على خبرهم فبلغه أنهم جمع كثيف، فأرسل ابن مكيث إلى رسول الله ﷺ يخبره بجمع القوم، ويستمده بالرجال، فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في مائتين من كبار الصحابة، فلحقوا بعمرو وجنوده، فاختلف أبو عبيدة وعمرو
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٤ ص٢٥٥.
[ ٥٦٣ ]
فيمن يتولى إمارة الجيش حيث رأى أبو عبيدة أنه أمير مجموعته، وتمسك عمرو بأنه قائد الغزو، والمدد يتبعه، ولا يصح تواجد قائدين على جيش مسئول عن مهمة واحدة.
وبعد جدل ونقاش سلم أبو عبيدة القيادة لعمرو وقال له: لتطمئن يا عمرو، وتعلمن أن آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ أن قال: "إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا". وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك١، فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس، فآب إلى عمرو جمع، فصاروا خمسمائة، فسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلى ودوخها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا به تفرقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة وبلقين.
ولقي في آخر ذلك جمعًا ليس بالكثير، فقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل.
ورمي يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهربوا، وأعجزوا هربًا في البلاد وتفرقوا.
وهزم عمرو من هناك وأقام أيامًا لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم إلا ما ذكر له٢.
وتميز عمرو بن العاص بحسمه في القرار، وحسن قيادته لجنده، وكان يصر على تنفيذ ما يأمر به وبخاصة أنه في ميدان معركة لا يصح معه الجدل، والنقاش فلقد أمر جنوده بعدم إشعال النار ليلا رغم شدة البرد وقسوة الشتاء حتى لا يجد العدو مبيتهم فيفاجئهم.
كما أصر على وحدة القيادة، وأطاعه أبو عبيدة ﵁ وعاد المسلمون بعد انتهاء اللقاء إلى المدينة سالمين.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٤ ص٢٧٣. ٢ المرجع السابق ج٤ ص٢٧٤.
[ ٥٦٤ ]
٣- سرية الخبط:
بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في سرية فيها المهاجرون والأنصار، وهم ثلاثمائة رجل، إلى ساحل البحر إلى حي من جهينة، فأصابهم جوع شديد، فأكلوا الخبط حتى إن شدق أحدهم بمنزلة مشفر البعير العضة، فمكثنا على ذلك حتى قال لهم أبو عبيدة: لو لقينا عدوًا ما كان بنا حركة إليه، لما بالناس من الجهد.
فقال قيس بن سعد: من يشتري مني تمرًا يجزر، يوفيني الجزر ها هنا وأوفيه التمر بالمدينة؟
فجعل عمر بن الخطاب يقول: واعجباه لهذا الغلام، لا مال له يدان في مال غيره فوجد قيس رجلا من جهينة فقال له: بعني جزرًا وأوفيك سقة من تمر بالمدينة.
قال الجهني: والله ما أعرفك؟ ومن أنت؟
قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم.
قال الجهني: ما أعرفتني بنسبك، أما إن بيني وبين سعد خلة، سيد أهل يثرب، فابتاع منهم خمس جزر كل جزور بوسقين من تمر، يشترط عليه البدوي تمر ذخيرة مصلية من تمر آل دليم.
يقول قيس: نعم.
فقال الجهني: فأشهد لي فأشهد له نفرًا من الأنصار ومعهم نفر من المهاجرين.
قال قيس: أشهد من تحب، فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب ﵁.
فقال عمر: لا أشهد هذا يدان ولا مال له، إنما المال لأبيه.
قال الجهني: والله ما كان سعد ليخنى بابنه في سقة من تمر، وأرى وجهًا حسنًا وفعالا شريفًا.
فكان بين عمر وبين قيس كلام حتى أغلظ له قيس الكلام، وأخذ قيس الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة، كل يوم جزورًا فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره.
وقال أبو عبيدة: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟ ١.
أقبل أبو عبيدة بن الجراح ومعه عمر بن الخطاب ﵁ إلى قيس ونهياه عن ذبح الجزر فقال أبو عبيدة: عزمت عليك ألا تنحر، أتريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟
فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت وهو يقضي دين الناس، ويحمل الكل
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٧٧٥.
[ ٥٦٥ ]
ويطعم في المجاعة، لا يقضي سفة تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله، فكاد أبو عبيدة أن يلين له، ويتركه حين جعل عمر يقول: اعزم عليه فعزم عليه، فأبى عليه أن ينحر، فبقيت جزوران معه حتى وجد القوم الحوت في البحر فكفاهم اثنى عشر يومًا.
فقدم قيس المدينة ظهرًا مع المسلمين وهم يتعاقبون على ما بقي معه من الإبل وبلغ سعد ما كان أصاب القوم من المجاعة.
فقال: إن يكن قيس كما أعرفه فسوف ينحر للقوم.
فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابهم؟
قال: نحرت.
قال: أصبت انحر.
قال: ثم ماذا؟
قال: نحرت.
قال: أصبت.
قال: ثم ماذا؟
قال: ثم نحرت.
قال: أصبت، انحر.
قال: ثم ماذا؟
قال: نهيت.
قال: ومن نهاك؟
قال: أبو عبيدة بن الجراح أميري.
قال: ولم؟
قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك.
فقلت: أبي يقضي عن الأباعد، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، ولا يصنع هذا بي وبالمجاهدين.
قال أبوه: فلك أربع حوائط، وكتب له بذلك كتابًا، وأتى بالكتاب إلى أبي عبيدة فشهد فيه، وأتى عمر فأبى أن يشهد فيه، وأدنى حائط يعطي منها خمسين وسقًا.
وقدم البدوي مع قيس فأوفاه سقته وحمله وكساه، فبلغ النبي ﷺ فعل قيس.
فقال: "إنه في بيت جود" ١.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ من ص٧٧٤ إلى ص٧٧٦.
[ ٥٦٦ ]
٤- سرية أبي قتادة إلى خضرة:
كانت سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد أميرها أبو قتادة الأنصاري، بعثه رسول الله ﷺ في شعبان منها في خمسة عشر رجلا إلى غطفان نحو نجد، فساروا ليلا وكمنوا نهارًا، حتى أتوا ناحيتهم، فهجموا على حاضر منهم عظيم، وجردوا سيوفهم، وكبروا، فقتلوا رجالا، واستاقوا النعم، وحملوا النساء حتى قدموا بمائتي بعير، وألف شاة، وسبي كثير، فعزلوا من ذلك الخمس.
وقد غابوا خمس عشرة ليلة، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا، أو عدلها من البعير عشرة من الغنم١.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٧٧٧.
[ ٥٦٧ ]
سابعًا: حركة الدعوة في مرحلة ما بين الحديبية وفتح مكة
بعدما أتم المسلمون صلح الحديبية أخذت الحركة بالدعوة صورًا كثيرة، ونشطت في أماكن متعددة، واستفادت بكل الوقائع المتاحة.
وقد رأينا تتابع الرسائل إلى العالم كله يحملها دعاة مخلصون لدينهم، وكانت الرسالة يحملها صحابي واحد، ويسلمها إلى كبير القوم الذين قصدهم ملكًا كان أو سلطانًا، أو أميرًا، أو شيخًا لقبيلة، وهذا يؤكد اعتماد تبليغ الإسلام على الكلمة الحرة الطليقة، والبرهان الدقيق والتعامل مع الواقع، واستنطاق الآيات منه. وأن لا ما حمل
[ ٥٦٧ ]
البلاغ رجل واحد إلى أمة كبيرة بعيدة، ولم يترتب على عدم الاستجابة عداء أو حرب اللهم إلا في حالات الاعتداء على حامل الرسالة، والاستهزاء بشخصه، والاستهانة بإنسانيته، واحتقار دين الله تعالى بأي صورة كانت.
وعاشت الجزيرة العربية كلها حالة من الاستقرار والهدوء، وبدأ الناس يفدون إلى المدينة المنورة باحثين عن الحق ليكونوا معه وراجت تجارة أهل مكة بعدما تحقق الأمان لهم وهم يرحلون، ولم يشذ عن هذا الاستقرار إلا فريقان من الناس.
الفريق الأول وهم اليهود، فلقد تجمعوا في منطقة خيبر بعد إخراجهم من المدينة ونظموا حياتهم ومعاشهم فزرعوا الوادي بالنخيل والأشجار والثمار، وأقاموا على المرتفعات البيوت وحصونها وفق خطة منتظمة حيث جعلوا كل مجموعة من البيوت حصنًا، وكل حصون مرتفع ما حصنًا رئيسًا، وأحاطوا كل حصن رئيس بسور ضخم أعدوه للدفاع والقتال يسمح للمدافعين بالإقامة فوقه في علوهم. وبعد هذا يكون الوادي المزروع، وأسسوا في السور أبوابًا للدخول والخروج أحاطوها بالحرس من جانبيه، وربطوا بين الحصون الرئيسية بطرق بين الشجر والزروع، وتحت الأرض، وتصور اليهود في خيبر إمكانية تعرضهم للحصار فملئوا حصونهم بالأمتعة، والأغذية والسلاح ليتحملوا الحصار مدة طويلة توقع من يهاجمهم في اليأس، وتضطره إلى الإنسحاب وظن اليهود أن حصونهم ستمنعهم من المسلمين فأخذوا في الكيد لهم، وتحريض الأعراب على معاداة المسلمين، وتشجيع الرومان وأتباعهم على ضرورة التصدي للقوة الإسلامية قبل أن يستفحل الأمر، ويستحيل مواجهة المسلمين.
قدر رسول الله ﷺ واقع اليهود، وتيقن أن السكوت على عداوتهم وتصرفاتهم سيعيد الكثير إلى معاداة المسلمين، وسيزيدهم غرورًا وهمجية، ولذلك كانت ضرورة التحرك إلى خيبر وما حولها للتخلص من هذا الخطر الذي لا يرضى بالسلام، ولا يريد المسالمة وكان إن قضى النبي ﷺ على حصونهم وأتباعهم في خيبر، وفدك، وتيماء، وأذرعات، وبذلك تطهر شمال جزيرة العرب، وأصبحت الحركة آمنة للدعوة إلى الله تعالى.
[ ٥٦٨ ]
إن الإنسان المعاصر وهو يتصور حصون خيبر، واستعداداتها يتصور ما تفعله إسرائيل اليوم من جدار عازل، وقنوات مائية عميقة تجحظ جيرانها عنها لتعيش آمنة فيما اغتصبت من أرض، وتتمتع بما سرقته من أوطان.
يتصور الإنسان ذلك ويتساءل أين أصحاب محمد للتخلص من هذا العدوان الظالم؟ وأين هي القوة التي تستطيع المحافظة على الحقوق، وإلزام كل إنسان بما وجب عليه؟ ويفهم الإنسان المعاصر وهو يرى الظلم والظلمات الحكمة في أهمية القوة الإسلامية وضرورتها لحماية الحقوق، وصيانة الكرامة، ومنع الظلم والعدوان.
وفي هذه المرحلة التاريخية أدى رسول الله ﷺ وكثير من المسلمين عمرة القضاء في إطار ما عاهد عليه قريش، فالتزم ووفى وزار البيت واعتمر، وأظهر للدنيا كلها طبيعة الإسلام في سلامه وعطائه.
وكما واجه الرسول ﷺ يهود خيبر أرسل جيش مؤتة إلى أطراف بلاد الروم ليكون رسالة تحذيرية للرومان وأتباعهم ليدركوا أن ما أصاب اليهود قد يصيبهم إذا ألفوا العدوان والظلم، ولقد أدى جيش مؤتة مهمته وعاد إلى المدينة المنورة، وقد اشترك المسلمون في عديد من السرايا ليتعودوا على الحرب، ويعلموا دورهم في حماية الإسلام والدعوة لدين الله تعالى، وكان القرآن معهم يوجههم، ويربيهم بمنهج الله تعالى.
[ ٥٦٩ ]
المبحث الثاني عشر: وتطهير الجزيرة العربية كلها من الشرك
مدخل
المبحث الثاني عشر: فتح مكة وتطهير الجزيرة العربية كلها من الشرك
رضيت الجزيرة العربية بواقعها الجديد، وأخذت تؤمن بالإسلام، وتدخل في دين الله تعالى، ولم تبق إلا جيوب قليلة استمرت على عدائها لرسول الله ﷺ وعاشت تكره دين الله تعالى، وعلى رأس هذه الجيوب رءوس الكفر في مكة، وقبائل ثقيف، وهوازن، وبني سليم.
أخذت هذه الجيوب الكافرة تمثل عائقًا أمام الآخرين في إقبالهم على الإسلام، وتهدد الدعاة إلى دين الله تعالى في حركتهم بالدعوة إلى الله تعالى ولذلك كان التخلص من هذه الجيوب نهاية كريمة لإسلام الجزيرة كلها، وتوجيه كل طاقاتها لبروز خير أمة في مجال الواقع تحمل الإسلام إلى ممالك الدنيا، وتظهره في أمة عادلة ناهضة تدعو إلى الإسلام بالعمل، والقول، والسلوك، والخلق، وتنادي العالمين أن هلموا إلى الإسلام لتحققوا عالمية إنسانية في إطار دين الله، وتبتعدوا عن كل سوءات البشر، من صراع، وتحاسد، وطغيان، وعدوان.
ومن حكمة الله تعالى أنه عند فتح مكة وتطهير الجزيرة كلها من الشرك كانت معالم الإسلام قد عرفت، وأحكامه العملية قد فصلت، وأصبح كل من الفرد والجماعة والأمة يدرك مدى الخير الذي حققه الإسلام للجميع، وتيقنوا من صدقه، وأحقية أن يكون دين الناس أجمعين.
وعلم كل من أسلم مسئوليته أمام دينه الذي آمن به، فحمله إلى العالم مجاهدًا في سبيل الله، ولذلك انطلق دعاة الإسلام إلى العالم يبلغوه دين الله تعالى، ويزيلون كوابس الطغيان التي تمنع الناس من التفكير الحر، والاختيار الصحيح، واستمروا على إخلاصهم حتى استقر الحق، ودخل الناس في دين الله تعالى.
إن فتح مكة قضى على أكثر قوة تصدت لرسول الله، وناصبت دينه العداء، وجعلت نفسها المعارض الرئيسي للإسلام والمسلمين، ولذلك كان انضمام مكة للمعسكر الإسلامي من الناحية العملية انضمام الجزيرة كلها للإسلام.
إن الغزوات الكبرى كانت مع المكيين، أما غيرهم فكانت المواجهة معهم تتم بأعداد قليلة، وأحيانًا بفرد واحد.
وفي هذا المبحث سنبين الخطوات النهائية التي تطهرت فيها الجزيرة العربية من الأوثان والشرك، وذلك فيما يلي:
[ ٥٧٠ ]
أولا: فتح مكة
سبب فتح مكة
أولًا: فتح مكة
هو الفتح الأعظم الذي انتهى به عصر الأصنام في الجزيرة العربية كلها، وعلت به كلمة الله تعالى، وأصبح الإسلام قوة ظاهرة بانضمام مكة والمدينة تحت لوائه.
وصارت مكة هي قلب الأمة الإسلامية، ومستقرها الآمن، وغدت الأمل الذي عاش رسول الله ﷺ يعمل له، ويجاهد من أجله.
وفتح مكة يحتاج إلى دراسة النقاط التالية:
١- سبب فتح مكة:
تعاهد رسول الله ﷺ والقرشيون في الحديبية على حرية كل فرد وكل جماعة في أن تنحاز لأيهما، وتدخل في دينه وعقيدته.
وقد انحازت بنو بكر لقريش، وانحازت بنو خزيمة لرسول الله ﷺ.
وبنو بكر وبنو خزاعة قبيلتان متحاربتان في الجاهلية، وبينهما عداوات قديمة فلما انحاز كل منهما لطرف من طرفي الحديبية عاشوا آمنين في ظل هذا الصلح.
إلا أن بني بكر انتهزوا فرصة انشغال المسلمين بالسرايا، وبالدعوة إلى الله تعالى وظنوا أن يعد المسافة بين مكة والمدينة يؤدي إلى عدم وصول الأخبار إلى المدينة، وإلى تقاعس المسلمين عن الانتصار لحلفائهم بني خزاعة وبخاصة إذا خططوا لتآمرهم وخدعوا بحيلهم رسول الله والمسلمين معه، فتآمروا مع حلفائهم من قريش.
وقال القرشيون: ما يعلم بنا محمد، إذا دبرنا الغدر ليلا وفي الظلام.
فوثب بنو بكر على بني خزاعة ليلا وقتلوا منهم ثلاثًا وعشرين نفسًا عند بئر لهم
[ ٥٧١ ]
يعرف بـ"بئر الوتر" وكان أغلب القتلى من الأطفال والنساء والشيوخ، ففرت خزاعة إلى الحرم ودخلت فيه ولجأت إلى البيت الكريم.
أدركت بنو بكر حرمة المبيت، وشعرت بافتضاح تآمرها، فنادت قائدها نوفل بن معاوية الدؤلي، قائلة له: إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك.
فقال لهم: لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم؟ أفلا تصيبون فيه ثأركم؟ ١.
وقد أعانت قريش حلفاءها بالسلاح والرجال، وحاولوا إخفاء ما قاموا به حتى لا ينتقم المسلمون منهم، وظنوا أن ظلام الليل يستر غدرهم.
وفي مكة بحثت خزاعة بعد انتهاء العدوان الغادر عن مقر آمن تذهب إليه فلجأت إلى دار بديل بن ورقاء، واستجارت به.
وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى رسول الله ﷺ يخبره الخبر، ويستنجده، فلما وصل إلى المدينة وجد رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد بين الصحابة فوقف عنده ثم قال:
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا٢
قد كنتم ولدًا وكنا والدا٣ ثمة أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا اعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعًا وسجدا
فقال رسول الله ﷺ: "نصرت يا عمرو بن سالم، ثم عرضت له سحابة من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب" ٤.
ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة.
وأمر رسول الله ﷺ بالجهاز، وكتم الخروج، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم٥.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٣٩٠. ٢ يشير إلى ما كان بين خزاعة وبني هاشم من حلف في الجاهلية. ٣ يشير إلى أن زوجة قصي أم عبد مناف من أم بني هاشم خزاعة. ٤ سيرة النبي ج٢ ص٣٩٥. ٥ البداية والنهاية ج٤ ص٢٧٨، ٢٧٩.
[ ٥٧٢ ]
٢- محاولة أبي سفيان تجديد الصلح:
استيقظت قريش لنفسها، وأدركت أنها ارتكبت جرمًا يستوجب نقض صلحها مع المسلمين، فأسرعت بإرسال أبي سفيان في وفادة الإنقاذ لرسول الله ﷺ ليجدد الصلح والعهد، ويزيد في المدة، فخرج أبو سفيان من مكة، فلقيه بديل بن ورقاء عائدًا من المدينة فقال له: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ.
فقال بديل: سرت في خزاعة في هذا الساحل في بطن هذا الوادي.
فعمد أبو سفيان إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى، وعلم أنه من نوى المدينة فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدًا.
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته، فقال: يا بنيه ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش؟ أو رغبت به عني؟
فقالت: هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشه.
فقال: يا بنية والله ولقد أصابك بعلمك شر.
قالت: هداني الله للإسلام، وأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام وأنت تعبد حجرًا لا يسمع ولا يبصر؟
[ ٥٧٣ ]
قال: يا عجباه، وهذا منك أيضًا؟ أأترك ما كان يعبد آبائي وأتبع دين محمد؟ ثم قام من عندها١.
فلما لقي رسول الله قال له: يا محمد اشدد العقد، وزدنا في المدة.
فقال رسول الله ﷺ: "أو لذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم"؟.
فقال: معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير، ولا نبدل.
فخرج من عند رسول الله ﷺ وأتى أبا بكر فقال: جدد العقد وزدنا في المدة؟
فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله ﷺ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم.
ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما كان من حلفنا جديد فأخلقه الله، وما كان منه مثبتًا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعًا فلا وصله الله.
فقال له أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرًا.
ثم دخل على عثمان فكلمه.
فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله ﷺ.
ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم فكلهم يقول: عقدنا في عقد رسول الله ﷺ.
فلما يئس مما عندهم دخل على فاطمة بنت رسول الله ﷺ فكلمها فقالت: إنما أنا امرأة وإن ذلك إلى رسول الله ﷺ.
فقال لها: فأمري أحد ابنيك.
فقالت: إنهما صبيان ليس مثلهما يجير.
قال: فكلمي عليًا.
فقالت: أنت فكلمه.
فلما كلمه قال له علي ﵁: إن ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يفتات على رسول الله بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها فأجر بين عشيرتك.
_________________
(١) ١ المغازي ج١ ص٧٩٢، ٧٩٣، سيرة النبي ج٢ ص٣٥٧.
[ ٥٧٤ ]
قال: صدقت وأنا كذلك، فخرج فصاح ألا أني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد.
ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد إني أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد، ولا يرد جواري؟
فقال ﷺ: "أنت تقول يا أبا حنظلة".
فخرج أبو سفيان على ذلك فقال ﷺ حين أدبر أبو سفيان: "اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة".
وقدم أبو سفيان مكة فقالت له قريش: ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟
قال: لا والله لقد أبى عليّ، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قومًا لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي: التمس جوار الناس عليك، ولا تجر أنت عليه وعلى قومك وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا تخفر جواره، فقمت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أني قد أجرت بين الناس وقلت: ما أظن أن تخفرني؟
فقال: "أنت تقول ذلك يا حنظلة"؟ ١.
فقالوا مجيبين له: رضيت بغير رضى، وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئًا، وإنما لعب بك علي، لعمر الله ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين.
ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت: قبحك الله من وافد فما جئت بخير.
_________________
(١) ١ بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني ج٢١ ص١٤٤، والمغازي ج٢ ص٧٩٣، ٧٩٥.
[ ٥٧٥ ]
٣- استعداد المسلمين لفتح مكة:
أخذ رسول الله ﷺ لغزو مشركي مكة، وأمر عائشة أن تستعد لذلك، وأمرها أن لا تخبر أحدًا بجهة الغزو ليأخذ القرشيين على غرة.
وعين ﷺ عمر بن الخطاب على أطراف المدينة ليتحفظ على من يأتي المدينة من غير أهلها، ويرقب الحركة منها وإليها.
ودخل أبو بكر ﵁ على عائشة ﵂: وهي تجهز للسفر، وتعمل قمحًا سويقًا ودقيقًا، فقال: يا عائشة أهم رسول الله بغزو؟
قالت: ما أدري.
قال: إن كان هم بسفر فأعلمينا نتهيأ له.
قالت: ما أدري، لعله يريد بني سليم، لعله يريد ثقيفًا، لعله يريد هوازن، فاستعجمت عليه وحافظت على أسرار رسول الله ﷺ حتى دخل رسول الله ﷺ عليهما فقال له أبو بكر ﵁: يا رسول الله، أردت سفرًا؟
قال ﷺ: "نعم".
قال أبو بكر: أفأتجهز؟
قال ﷺ: "نعم".
قال أبو بكر: فأين تريد يا رسول الله؟
قال ﷺ: "قريشًا وأخف ذلك يا أبا بكر".
وأمر النبي ﷺ الناس بالاستعداد للجهاد وطوى عنهم الوجه الذي يريد.
قال أبو بكر: يا رسول الله! أوليس بيننا وبينهم مدة.
قال: "إنهم غدروا ونقضوا العهد، فأنا غازيهم، واطو ما ذكرت لك".
ونشط المسلمون في الاستعداد، وبدأت القبائل تفد برجالها إلى المدينة بعدما أخبرهم بأهمية القدوم إليها وقال لهم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليأت المدينة". وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا، فقدمت أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، المدينة ولحقت بنو سليم بهم عند قديد١.
وأخذ المسلمون يفكرون في جهة غزوتهم التي جاءوا لها، فظان يظن أنها الشام وظان يظنها ثقيفًا، وظان يظن أنها هوازن.
ومن التورية على الناس، إرساله ﷺ ابن ربعي في ثمانية نفر إلى بطن "إضم" ليصرف انتباه الناس عن مكة، وحتى يظن القوم أن رسول الله ﷺ سيتجه باستعداداته لمساعدة من
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ص٣٦١ إلى ص٣٦٤.
[ ٥٧٦ ]
أرسلهم إلى "إضم" وبخاصة أنها في اتجاه مكة.
فلما أجمع ﷺ المسير إلى قريش وعلم بذلك الناس، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ في أمرهم، وكان كتابه موجهًا إلى ثلاثة نفر: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وفيه يقول: إن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد بكتابي إليكم.
وأعطى الكتاب إلى امرأة من مزينة من أهل العرج تسمى "سارة" وجعل لها عشرة دنانير على أن تبلغه قريشًا، وقال لها: أخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق المألوف بين مكة والمدينة فإن عليه حرسًا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، وسلكت طريقًا غير مألوف حتى لقيت الطريق بالعقيق، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث ﷺ عليًا، والزبير ﵄ وقال لهما: أدركا امرأة من مزينة، قد كتب معها حاطب كتابًا يحذر قريشًا، فخرجا، فأدركاها، فاستنزلاها، والتمساه في رحلها فلم يجدا شيئًا فقالا لها: إنا نحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا، ولتخرجن هذا الكتاب، أو لنكشفنك، فلما رأت منهما الجد قالت: أعرضا عني، فأعرضا عنها، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب.
فلما جاءا بالرسالة إلى رسول الله ﷺ دعا حاطبًا فقال: "ما حملك على هذا"؟.
فقال: يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم.
فقال عمر ﵁: قاتلك الله، ترى رسول الله ﷺ يأخذ بأطراف المدينة، ويراقب كل داخل إليها، وتكتب إلى قريش تحذرهم، دعني يا رسول الله أضرب عنقه فإنه قد نافق.
فقال ﷺ: "وما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" ١. وأنزل الله تعالى في شأن حاطب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الفتح ج٧ ص٣، ٤.
[ ٥٧٧ ]
لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ١ والآية واضحة الدلالة في طريقة التعامل مع أعداء الله تعالى، الذين كفروا بالإسلام، وحاربوا رسول الله ﷺ لأن هؤلاء لا يفيد معهم الود لامتلاء قلوبهم بالحقد، والكراهية.
إن ولاية المؤمن الحقة هي للمؤمنين وحدهم، ومن يوالي أعداء الله فقد ضل الطريق المستقيم الذي أمر الله به.
وأما "سارة" فقد تركها الصحابيان بعد أخذ الرسالة منها، وكانت لا تدري ما بها فمضت إلى مكة تباشر مهمتها في الغناء، فأقبلت تتغنى بهجاء رسول الله ﷺ، وقد ارتدت عن الإسلام.
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة: ١.
[ ٥٧٨ ]
٤- الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة:
غادر رسول الله ﷺ المدينة متجهًا إلى مكة في عشرة آلاف من الصحابة ﵁ واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري ﵁ في العاشر من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة.
ولما كان بالجحفة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله من مكة مسلمًا مهاجرًا، ثم لما كان رسول الله ﷺ بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، فأعرض عنهما، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان بن الحارث: ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ ١.
فأنشده أبو سفيان أبياتًا منها:
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٩١.
[ ٥٧٨ ]
لعمرك إني حين أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدى فأهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلني على الله من طردته كل مطرد
فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "أنت طردتني كل مطرد" ١. ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢.
وواصل رسول الله ﷺ سيره وهو صائم، والناس صيام، حتى بلغ "الكديد" وهو ماء بين عسفان وقديد، فأفطر وأفطر الناس معه، ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران في وادي فاطمة، نزله عشاء، فأمر الجيش بإيقاد النيران فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله ﷺ على الحرس عمر بن الخطاب ﵁.
وركب العباس بعد نزول المسلمين بمر الظهران بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وخرج يلتمس أحدًا يخبر قريشًا ليخرجوا يستأمنون رسول الله ﷺ قبل أن يدخلها.
وكان الله قد عمى الأخبار عن قريش، فهم على وجل وترقب، وكان أبو سفيان يخرج ومعه حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار.
قال العباس: والله إني لأسير على بغلة رسول الله ﷺ إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا.
ويقول بديل: هذه والله خزاعة، خمشتها الحرب.
فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وقال العباس: أبا حنظلة؟ فعرف أبو سفيان صوته.
قال: أبا الفضل؟
قلت: نعم.
قال: ما لك؟ فداك أبي وأمي.
قلت: والله لئن ظفر بك أحد من المسلمين ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه
_________________
(١) ١ بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني ج٢١ ص١٤٥. ٢ سورة يوسف: ٩٢.
[ ٥٧٩ ]
البغلة، حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه.
يقول العباس: فجئت به على رسول الله ﷺ فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته ﷺ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إليّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال عمر: أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ، وركضت البغلة فسبقت فدخلت على رسول الله ﷺ، ثم دخل عليه عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه.
قلت: يا رسول الله ﷺ إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر فوالله لو كان من رجال بني عدي ما قلت مثل هذا.
قال عمر: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلي من الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب.
فقال رسول الله ﷺ: "اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فائتني به". فذهبت فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله"؟.
قال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؟ لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لأغنى عني شيئًا!
فقال رسول الله ﷺ: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله".
قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك، وأوصلك؟ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئًا.
فقال له العباس: ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق.
قال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا منه.
[ ٥٨٠ ]
قال ﷺ: "نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن" ١.
وفي صباح يوم الثلاثاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة ثمان غادر رسول الله ﷺ مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فيقول مثلا: سليم، فيقول: ما لي ولسليم؟ ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فيقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذا أخبره قال: ما لي ولبني فلان؟ حتى مر به رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء.
قال: هذا رسول الله ﷺ مع المهاجرين والأنصار.
قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا.
قال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة.
قال: فنعم إذن٢.
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا، فلما حاذى رسول الله ﷺ أبا سفيان قال أبو سفيان: يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد؟
قال: وما قال؟
قال: كذا وكذا.
وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة.
فقال رسول الله ﷺ: "بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيها قريشًا".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٤٠١، ٤٠٢، بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٢٤٤. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٢٤١.
[ ٥٨١ ]
ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس١.
ولما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال له العباس: النجاء إلى قومك، فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأخمش الساقين، قبح من طليعة قوم.
قال أبو سفيان: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وبثوا أوباشًا لهم، وقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لقريش شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فتجمع سفهاء قريش مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا المسلمين، وكان فيهم رجل من بني بكر حماس بن قيس، كان يعد قبل ذلك سلاحًا، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟
قال: لمحمد وأصحابه.
قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء.
قال: إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم.
ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فما لي عله هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السله
فكان هذا الرحل فيمن اجتمعوا في الخندمة.
أما رسول الله ﷺ فمضى حتى انتهى إلى "ذي طوى" وكان يضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل، وهناك وزع جيشه، وكان خالد بن الوليد على الميمنة، ومعه أسلم، وسليم، وغفار ومزينة، وجهينة قبائل من العرب، فأمره ﷺ أن يدخل مكة من أسفلها، وقال لخالد: "إن عرض لكم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب غزوة الفتح ج٧ ص٨.
[ ٥٨٢ ]
أحد من قريش فاحصدوهم حصدًا، حتى توافوني على الصفا".
وكان الزبير بن العوام على الميسرة، وكان معه راية رسول الله ﷺ فأمره أن يدخل مكة من أعلاها، من كداء، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه.
وكان أبو عبيدة على الرجالة والحسر، وهم الذين لا سلاح معهم، فأمره أن يأخذ بطن الوادي، ويدخل مكة من الشمال الغربي في اتجاه جبل هند حتى يأتي لمكة بين يدي رسول الله ﷺ.
وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق حدده لهم رسول الله ﷺ فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه، وقتل من أصحابه كرز بن جابر الفهري، وخنيس بن خالد بن ربيعة، كانا قد شذا عن الجيش، فسلكا طريقًا غير طريقه فقتلا جميعًا، وأما السفهاء من قريش فلقيهم خالد وأصحابه بالخندمة فناوشوهم شيئًا من قتال، فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلا وانهزم المشركون شر هزيمة.
وانهزم حماس بن قيس، الذي كان يعد السلاح لقتال المسلمين، حتى دخل بيته، فقال لامرأته: أغلقي عليّ بابي.
فقالت: وأين ما كنت تقول؟
فقال لها:
وأنت لو رأيتنا بالخندمه إذ فر صفوان وفر عكرمه
واستقبلتنا بالسيوف المسلمه يقطعن كل ساعد وجمجمه
ضربًا فلا يسمع إلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله ﷺ على الصفا.
وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله ﷺ بالحجون عند مسجد الفتح، وضرب له هناك قبة، فلم يبرح حتى جاءه رسول الله ﷺ.
ثم نهض رسول الله ﷺ، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس وحول
[ ٥٨٣ ]
البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ٢.
وأخذت الأصنام تتساقط على وجوهها كلما ضربها رسول الله أو أشار إليها.
وكان طوافه على راحلته، ولم يسع بين الصفا والمروة لأنه لم ينو العمرة يومئذ، فلما أتم طوافه ﷺ دعا عثمان بن طلحة، وأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ يستقسمان الأزلام، فقال: قاتلهم الله والله ما استقسما بها قط، ورأى في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصور فمحيت٣.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٨١. ٢ سورة سبأ: ٤٩. ٣ المغازي ج٢ ص٨٣٢، ٨٣٤.
[ ٥٨٤ ]
٥- مكة تحت القيادة الإسلامية:
تهدمت الأصنام، وتطهرت الكعبة من ألوان الشرك، والضلال، وبدأ عهد جديد في مكة، علا فيه الإسلام، وخضع الجميع لحكم الله تعالى.
وأخذ ﷺ يصرف أمور الناس والحياة، بوحي الله تعالى بعد استقرار الأمر لعشر بقين من رمضان سنة ثمان.
وأقام ﷺ في قبة من أدم أقامها له أبو رافع عند الحجون، وكان ﷺ يأتي منها إلى المسجد عند كل صلاة.
وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، ومنهم كان يستجير بمسلم قبل أن يعلن إسلامه من شدة خوفه.
وتحرك ﷺ من الحجون إلى الحرم أول مرة ضحى وقد اصطف الناس، واصطحب
[ ٥٨٤ ]
أبا بكر، وابن أم مكتوم، فلما انتهى ﷺ إلى الكعبة استلم الركن وكبر، فكبر الناس لتكبيره حتى ارتجت مكة كلها.
ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى ناحية من المسجد والناس حوله، فأتى بدلو من زمزم فغسل وجهه، فما يقع منه قطرة إلا في يد إنسان، إن كانت قدر ما يحسوها حساها، وإلا تمسح بها، والمشركون ينظرون، فقالوا: ما رأينا ملكًا قط أعظم مما رأينا اليوم.
وجاءته قريش فأسلموا، وقالوا: يا رسول الله، اصنع بنا صنع أخ كريم.
فقال ﷺ: "أنتم الطلقاء مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١ ".
ثم اجتمع الناس لمبايعته ﷺ، فجلس على الصفا، وجلس عمر بن الخطاب أسفل مجلسه وجلس ابن أم مكتوم بين يديه فبايعوه على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا وسألوه عن الهجرة إلى المدينة المنورة.
فقال ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح".
وتجرد الرجال من الأزر، ثم أخذوا الدلاء فغسلوا ظهر الكعبة وبطنها حتى انبعج الوادي من الماء، وأزالوا ما كان فيها من عمل الجاهلية فلم يدعوا فيها صورة ولا أثرًا من آثار المشركين إلا محوه.
وجاء عثمان بن طلحة بالمفتاح إلى رسول الله ﷺ لما بلغ رأس الثنية، فبعث ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ من البطحاء، ومعه عثمان بن طلحة ليفتح البيت، وأمره أن لا يدع صورة إلا محاها، ولا تمثالا إلا هدمه، ففعل عمر ذلك وترك صورة إبراهيم ﵇ حتى محاها رسول الله ﷺ.
ودخل ﷺ الكعبة، ومعه أسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فمكث فيها مدة وصلى ركعتين ثم خرج والمفتاح في يده، ووقف على الباب خالد بن الوليد يذب الناس عنه حتى خرج رسول الله ﷺ فوقف على باب البيت وأخذ بعضادتيه، وأشرف على الناس وفي يده المفتاح، ثم جعله في كمه، وقال وقد جلس الناس:
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٩٢.
[ ٥٨٥ ]
"الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش، ماذا تقولون؟ وماذا تظنون"؟. قالوا: نقول خيرًا ونظن خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت.
فقال ﷺ: "فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ".
ألا إن كل ربا في الجاهلية، أو دم، أو مال، أو مأثرة، فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وفي قتيل العصا والسوط الخطأ شبه العمد الدية مغلظة مائة ناقة، منها أربعون في بطونها أولادها.
إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتكثرها بآبائها، كلكم لآدم وآدم من تراب.
وأكرمكم عند الله أتقاكم، ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كائن بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من النهار، ألا لا ينفر صيدها، ولا يعضد عضاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلى خلاها".
فقال العباس ﵁: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لا بد منه للقبور، وظهور البيوت، فسكت ساعة.
ثم قال ﷺ: "إلا الإذخر فإنه حلال" ١.
"ولا وصية لوارث، وأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يحل لامرأة تعطي من مالها إلا بإذن زوجها، والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة، والمسلمون يد واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يرد عليهم أقاصهم، ويعقد عليهم أدناهم ومشدهم على مضعفهم، ومسيرتهم على قاعدهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين، ولا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم وبأفنيتهم، ولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي ج٧ ص٢١.
[ ٥٨٦ ]
والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امراة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر، وعن لبستين، لا يحتجب أحدكم في ثوب واحد يفضي بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء، ولا إخالكم إلا وقد عرفتموها"١.
ثم نزل ﷺ ومعه المفتاح، فتنحى ناحية من المسجد فجلس فقال: "ادعوا إليّ عثمان بن طلحة". فأقبل عثمان.
فقال ﷺ: "خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف" ٢.
وقال لخالد بن الوليد ﵁: "لم قاتلت وقد نهيت عن القتال"؟.
فقال خالد: هم يا رسول الله بدءونا بالقتال، ورشقونا بالنبل، ووضعوا فينا السلاح وقد كففت ما استطعت، ودعوتهم إلى الإسلام وأن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فأبوا، حتى إذا لم أجد بدًا قاتلتهم، فظفرنا الله عليهم وهربوا في كل وجه يا رسول الله.
فقال ﷺ: "فكف عن الطلب".
قال: قد فعلت يا رسول الله.
قال ﷺ: "قضاء الله خير".
ثم قال ﷺ: "يا معشر المسلمين، كفوا السلاح، إلا بني خزاعة عن بني بكر فلهم إلى صلاة العصر". فضربوهم ساعة، وهي الساعة التي أحلت لرسول الله ﷺ ولم تحل لأحد قبله.
وقام ﷺ خطيبًا في اليوم الثاني بعد قتل جندب بن الأدلع فقال:
"أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لم تحل لأحد
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٨٣٥-٨٣٧. ٢ المرجع السابق ج٢ ص٨٣٨.
[ ٥٨٧ ]
كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت حرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، فإن قال قائل، قد قاتل فيها رسول الله، فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد والله كثر إن نفع، وقد قتلتم هذا القتيل، والله لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار: إن شاءوا فدم قتيلهم، وإن شاءوا فعقله" ١.
وجاء الظهر، فأمر رسول الله ﷺ بلالا أن يؤذن فوق ظهر الكعبة، وكانت قريش فوق رءوس الجبال، وقد فر وجوههم وتغيبوا خوفًا من أن يقتلوا، فلما أذن بلال ورفع صوته كأشد ما يكون أمنوا ونزلوا.
وأتى يعلى بن منية بأبيه فقال: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة.
فقال ﷺ: "لا بل أبايعه على الجهاد، فقد انقضت الهجرة".
وكان سهيل بن عمرو أغلق عليه بابه، وبعث إلى ابنه عبد الله بن سهيل أن يأخذ له أمانًا، فأمنه رسول الله ﷺ وقال: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه إنه لميكن له بنافع". فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره.
فقال سهيل: كان والله برًا صغيرًا وكبيرًا، فخرج وشهد حنينًا، وأسلم بالجعرانة.
وهرب هبيرة بن أبي وهب زوج أم هانئ بنت أبي طالب ومعه عبد الله بن الزبعرى بن سهم القرشي السهمي إلى نجران، فبعث حسان بن ثابت بشعر إلى ابن الزبعرى فجاء، ولما نظر رسول الله ﷺ إليه قال: "هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الإسلام". فأسلم ومات ابن هبيرة بنجران مشركًا.
وهرب حويطب بن عبد العزى بن لؤي القرشي العامري، فأمنه أبو ذر ﵁ ومشى معه، وجمع بينه وبين عياله.
وأسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة ابن أبي جهل، والبغوم بنت المعذل امرأة صفوان بن أمية، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة.
_________________
(١) ١ المغازي ج٢ ص٨٤٤.
[ ٥٨٨ ]
وهند بنت منبه بن الحجاج أم عبد الله بن عمرو بن العاص، في عشر نسوة من قريش.
فأتين رسول الله ﷺ بالأبطح، وعنده زوجتاه وفاطمة ابنته، في نساء من نساء بني عبد المطلب، فبايعنه.
وكانت بيعة النساء عقيب بيعة الرجال عند الصفا، ورؤيت فيهن هند وهي متنكرة لأجل صنيعها بحمزة، وكان زوجها أبو سفيان حاضرًا، فعرفها رسول الله ﷺ وقال: "إنك لهند".
فقالت: أنا هند، فاعف عما سلف.
فبايعهن عمر ﵁ واستغفر لهن رسول الله ﷺ وطلبت أم حكيم أمانًا لعكرمة وقد هرب إلى اليمن، فخرجت إليه حتى قدم، فلما دنا من مكة قال رسول الله ﷺ: "يأتيكم عكرمة ابن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ إليه". فلما رآه ﷺ وثب إليه فرحًا فوقف، ومعه امرأته منتقبة.
فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني.
فقال ﷺ: "صدقت، فأنت آمن". فأسلم.
وهرب صفوان بن أمية بن جمح القرشي الجمحي، فأخذ له عمير بن وهب بن حذافة أمانًا، وخرج في إثره حتى رجع، وشهد هوازن كافرًا، وأسلم بالجعرانة.
وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح ممن أهدر رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح، فأتى به عثمان بن عفان ﵁، وسأله أن يهبه له، فوهب له جرمه وأسلم.
وأهدر ﷺ دم الحويرث بن نقيذ بن بجير بن عبد بن قصي، فضرب علي بن أبي طالب ﵁ عنقه وكان مؤذيًا لله ورسوله ﷺ.
وأهدر دم هبار بن الأسود بن عبد العزى بن قصي الأسدي القرشي، إلا أنه أسلم وحسن إسلامه.
وأخرج أبو برزة الأسلمي عبد الله بن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، وجاء به إلى رسول الله ﷺ.
فقال له رسول الله ﷺ: "اقتله". فأخرج أبو برزة عبد الله بن خطل وقتله بين الركن والمقام
[ ٥٨٩ ]
وعن السائب بن يزيد قال: رأيت رسول الله ﷺ أخرج عبد الله بن خطل من بين أستار الكعبة فقتله صبرًا.
ثم قال: "لا يقتل أحد من قريش بعد هذا صبرًا".
وقتل مقيس بن صبابة نميلة بن عبد الله الليثي رآه المسلمون بين الصفا والمروة فقتلوه بأسيافهم.
ولما قتل النفر الذين أمر رسول الله ﷺ بقتلهم، سمع النوح عليهم.
وجاء أبو سفيان بن حرب فقال: فداك أبي وأمي، البقية في قومك.
فقال ﷺ: "لا تقتل قريش صبرًا بعد اليوم". يعني على الكفر.
وأمر ﷺ بقتل وحشي، ففر إلى الطائف حتى قدم في وفدهم فأسلم.
فقال له ﷺ: "غيب عني وجهك". فكان إذا رأى النبي ﷺ توارى عنه.
واستسلف ﷺ من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فردها من غنائم هوازن.
وقال: "إنما جزاء السلف الحمد والأداء".
وقال: "بارك الله لك في مالك وولدك".
واستقرض من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم فأقرضه، واستقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فكانت ثلاثين ومائة ألف قسمها بين أهل الضعف، فأصاب الرجل خمسين درهمًا وأقل وأكثر، وبعث من ذلك إلى بني جذيمة.
وأهدي له يومئذ راوية خمر.
فقال ﷺ: "إن الله حرمها". فسارَّ الرجل المهدي غلامه: اذهب بها إلى الحزورة، فبعها.
فقال ﷺ: "بم أمرته"؟.
قال: ببيعها.
قال ﷺ: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". ففرغت بالبطحاء.
ونهى يومئذ عن ثمن الخمر، وثمن الخنزير، وثمن الميتة، وثمن الأصنام، وحلوان الكاهن.
[ ٥٩٠ ]
وقيل له يومئذ: ما ترى في شحوم الميتة يدهن بها السقاء؟
قال ﷺ: "قاتل الله يهود، حرم عليهم الشحوم فباعوها، فأكلوا ثمنها".
وقال يومئذ، وهو بالحزورة: "والله إنك لخير أرض الله إليّ ولولا أني أخرجت منك ما خرجت".
وهبط ثمانون من أهل مكة على رسول الله ﷺ، من جبل التنعيم عند صلاة الفجر فأخذهم سلمًا فعفا عنهم، ونزل فيهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ١.
وأتى بشارب فضربوه بما في أيديهم، فضرب بالسوط، وبالنعل، وبالعصا، وحثا عليه النبي ﷺ التراب.
وجاء جبر غلام بني عبد الدار، وكان قد أسلم وكتم إسلامه، فأعطاه النبي ﷺ ثمنه لسيده وأعتقه.
وقال رجل يومئذ: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح الله عليك مكة.
فقال ﷺ: "والذي نفسي بيده، لصلاة ها هنا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، من البلدان".
وقالت ميمونة أم المؤمنين ﵂: يا رسول الله، إني جعلت على نفسي، إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس.
فقال ﷺ: "لا تقدرين على ذلك، ولكن ابعثي بزيت يستصبح لك فيه، فكأنك أتيتيه".
وكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال ليشتري به زيت يستصبح به حتى ماتت فأوصت بذلك.
وأهدت هند بنت عتبة بعد إسلامها هدية لرسول الله ﷺ وهو بالأبطح، مع مولاة لها فانتهت الجارية إلى خيمته ﷺ، فسلمت واستأذنت فأذن لها فدخلت ورسول الله ﷺ بين أم سلمة وميمونة ونساء بني عبد المطلب.
فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية، وهي معتذرة إليك، وتقول: إن
_________________
(١) ١ سورة الفتح: ٢٤.
[ ٥٩١ ]
غنمها اليوم قليلة الوالدة.
فقال ﷺ: "بارك الله لكم في غنمكم، وأكثر والدتها". فسرت هند لما أخبرتها مولاتها بذلك، ورأوا من كثرة غنمهم ووالدتها ما لم يكن قبل ولا قريبًا منه.
وكانت هند تقول: هذا بدعاء رسول الله ﷺ وبركته.
وأتته إحدى نساء بني بكر، إما خالة أو عمة، بهدية طعام وهو بالأبطح فعرفها ودعاها إلى الإسلام فأسلمت، وسألها عن حليمة السعدية فأخبرته بوفاتها ﵂ فذرفت عيناه ﷺ.
وقالت له: أخواك وأختاك محتاجون فأمر لهم ﷺ بكسوة وجمل ومائتي درهم.
فقالت: نعم والله المكفول كنت صغيرًا، ونعم المرء كانت كبيرًا، عظيم البركة.
وأخذ أهل مكة ومن يقدم عليهم يأتي إليه ﷺ يبايعه، ويسأله حاجته، ويتعلم ما يحتاج إليه في أمور دينه الذي آمن به.
وكان ﷺ يذكر أهل مكة بما منّ الله عليهم بالإسلام، ويعرفهم بضلال ما كانوا فيه ليزدادوا إيمانًا، ولتشتد براءتهم مما كانوا فيه قبل الهدى والرشاد.
من ذلك قوله لعثمان بن طلحة حين أتى به ليعطيه مفتاح الكعبة: "ألم أقل لك يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت"؟.
فقال: بلى أشهد أنك رسول الله.
وعاش رسول الله ﷺ في مكة بعد فتحها مدة تقع بين اثني عشر وعشرين يومًا على اختلاف الروايات، انطلق خلالها لتطهير مكة وحواليها من كافة صور الأصنام والأوثان على كثرتها وتنوعها، كما قام انطلاقًا من مكة بغزوتي حنين والطائف، وبذلك أسلمت الجزيرة كلها١.
_________________
(١) ١ راجع في أحداث الفتح سيرة ابن هشام، والطبقات، والمغازي، وزاد المعاد، وإمتاع الأسماع والبداية والنهاية إلخ.
[ ٥٩٢ ]
ثانيًا: تطهير مكة وما حولها من الأصنام
بعد أن أتم الله نصره، وفتحت مكة أخذ رسول الله ﷺ في إزالة الأصنام والأوثان وكافة ألوان الشرك والضلال من صور، وبيوت، وهياكل. فبدأ أول دخوله مكة بتكسير الأصنام الموجودة حول البيت وعددها ثلاثمائة وستون صنمًا.
ثم نادى منادي رسول الله ﷺ: من كان يؤمن بالله وبرسوله فلا يدعن في بيته صنمًا إلا كسره، أو حرقه، وثمنه حرام.
فجعل المسلمون يكسرون الأصنام، ولم يكن في مكة رجل أو امرأة من قريش إلا واتخذ في بيته صنمًا يتمسح به حين الدخول، وحين الخروج.
ونشط عكرمة بن أبي جهل في معاداته للأصنام بعد إسلامه، فكان لا يسمع عن صنم في بيت إلا مشى إليه وكسره.
وجعلت هند بنت عتبة تضرب صنمًا في بيتها بالقدوم، وتكسره جزءًا جزءًا وهي تقول: كنا منك في غرور.
وأرسل ﷺ سراياه إلى القبائل المشركة لدعوة القوم إلى الإسلام، وتكسير الأصنام التي ألهوها ومن هذه السرايا:
١- بعث ﷺ خالد بن الوليد إلى "العزى" بـ"نخلة" في ثلاثين صحابيًا فهدمه لخمس بقين من رمضان والعزى أكبر أصنام العرب.
٢- وبعث الطفيل بن عمرو الدوسي إلى "ذي الكفين" صنم عمرو بن حممة الدوسي فحرقه بالنار.
٣- وبعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسًا إلى "مناة" بالمشلل فهدمه.
٤- وبعث عمرو بن العاص إلى "سواع" صنم هذيل فكسره وأزاله، وأسلم سادنه.
٥- وبعث هشام بن العاص في مائتين إلى يلملم.
٦- وبعث خالد بن سعيد إلى جهة عرنة وعرفة.
وبهذه السرايا تم بسط سلطان الإسلام على مكة وضواحيها ولم يعد فيها صوت لغير الله تعالى وأزيلت الأصنام من الجزيرة كلها.
٧- وبعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر من بني كنانة يدعوهم إلى
[ ٥٩٣ ]
الإسلام فخرج في أول شوال من السنة الثامنة في ثلاثمائة وخمسين صحابيًا، وانتهى إليهم، فقالوا: نحن مسلمون، فلم يصدقهم خالد، فودعهم أسرى عند الصحابة وأمر بقتلهم، فقتل بنو سليم من كانوا في أيديهم، ورفض المهاجرون والأنصار القتل.
فلما رجع خالد وعلم رسول الله ﷺ تبرأ مما فعل خالد، وأرسل عليًا ﵁ إلى بني جذيمة يودي لهم ما أصاب خالد.
٨- وبعث ﷺ جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الخلصة وهو بيت لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يسمونها الكعبة اليمانية، يقول ابن جرير: فنفرت في مائة وخمسين راكبًا، من أحمس وكانوا أصحاب خيل، فأتيناه فكسرناه وحرقناه وقتلنا من وجدنا عنده.
٩- بعث ﷺ أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية وقصة ذلك أن عبد ياليل بن عمرو، وعمرو بن أمية أحد بني علاج الثقفيان لما قدما على رسول الله ﷺ مع وفد ثقيف وأسلموا قالوا: أرأيت الربة ماذا نصنع فيها؟
قال ﷺ: "اهدموها".
قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنا أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا.
قال عمر بن الخطاب: ويحك يا عبد ياليل ما أجهلك. إنما الربة حجر لا تدري من عبده ممن لم يعبده.
قال عبد ياليل: إنا لم نأتك يا عمر.
وقالوا: يا رسول الله اتركها ثلاث سنين لا تهدمها، فأبى.
فقالوا: سنتين، فأبى.
فقالوا: سنة، فأبى.
فقالوا شهرًا واحدًا، فأبى أن يوقت لهم وقتًا.
وإنما كانوا يريدون ترك الربة خوفًا من سفهائهم، كما كرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها وأملوا في إقناعهم بالإسلام، وبعدها تزول كل صور الشرك والهوى ولذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعفيهم من هدمها وقالوا: يا رسول الله اترك أنت هدمها فإنا لا نهدمها أبدًا، حتى لا يقال فينا ما لا يجوز، وقد فهم رسول الله ﷺ رأيهم
[ ٥٩٤ ]
فقال بعد هذا: "أنا أبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها".
فرجع الوفد، وأخبروا قومهم بما سمعوا من رسول الله ﷺ.
فقال شيخ من ثقيف: فذاك والله مصداق ما بيننا وبينه فإن قدر على هدمها فهو محق ونحن مبطلون، وإن امتنعت ففي النفس من بعد هذا شيء.
وخرج أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة وأصحابهما لهدم الربة، فلما دنوا من الطائف قال المغيرة لأبي سفيان: تقدم أنت على قومك.
وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، ودخل المغيرة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة فلما نزلوها عشاء باتوا ثم غدوا على الربة يهدمونها.
فقال المغيرة لأصحابه الذين قدموا معه: لأضحكنكم اليوم من ثقيف.
فقام المغيرة بن شعبة واستوى على رأس الربة ومعه المعول وضرب الكرزين ثم سقط مغشيًا عليه يركض برجليه فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أسعد الله المغيرة قد قتلتم الربة، زعمتم أن الربة لا تمتنع بل والله لتمنعن، وفرحوا حين رأوه ساقطًا، وقالوا: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها فوالله لا يستطاع أبدًا.
فوثب المغيرة بن شعبة وقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع، حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله تعالى ولا تعبدوها ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سووها بالأرض.
وهكذا كان فتح مكة سببًا مباشرًا للقضاء على أصنام العرب وأوثانها ليعلو الحق ويدوم١.
_________________
(١) ١ انظر في سرايا تحطيم الأصنام سيرة ابن هشام والمغازي.
[ ٥٩٥ ]
ثالثا: غزوة حنين
مدخل
ثالثًا: غزوة حنين
فوجئ العرب بالانهيار السريع لمشركي مكة، واستسلامهم لرسول الله ﷺ فبدءوا في تقدير الإسلام غير أن فريقًا من القبائل تعالت على الإسلام، وبقيت في شركها، وأخذت تتجمع لمهاجمة المسلمين في مكة وعلى رأس هؤلاء قبائل هوازن، وثقيف، ونصر وحشم وبنو هلال١.
فلما بلغ رسول الله ﷺ أنهم تحشدوا، وتجمعوا تحت قيادة مالك بن عوف، وأخذوا في التحرك نحو مكة حتى نزلوا بـ"أوطاس" وهو واد سهل واسع بين مكة والمدينة مجاور لوادي حنين.
خرج رسول الله ﷺ على رأس جيش من المسلمين بلغ عدده اثنا عشر ألف رجل في يوم السبت السادس من شهر شوال، بعد أن ولى أمر مكة للصحابي عتاب بن أسيد بن أبي العيص، وأبقى معه معاذ بن جبل ليعلم الناس السنن والفقه، ويدارسهم القرآن الكريم وما شرع من أحكام الإسلام، والحديث عن غزوة حنين يحتاج إلى بيان النقاط التالية:
_________________
(١) ١ لم يحضر مع هوازن بطنان منهم هما كعب وكلاب.
[ ٥٩٦ ]
١- استعداد المشركين للحرب:
خرجت القبائل من ديارها، وتجمعت في وادي "أوطاس" واصطحبوا معهم أموالهم ونساءهم وأطفالهم لدفع الرجال للقتال دفاعًا عن كل ما لهم.
سأل دريد بن الصمة قائدهم مالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء؟
قال مالك: يا أبا قرة إني سقت مع الناس أموالهم وذراريهم، وأردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله يقاتل عنه.
فقال دريد: رويعي ضأن! وهل يرد المنهزم شيء؟
وصل جيش المسلمين إلى وادي "حنين" وعسكر فيه، فأخذ مالك بن عوف يبعث رسله ليعرف خبر رسول الله وجنوده بعد استقرارهم بـ"حنين" فبعث ثلاثة رجال
وكلهم رجعوا إليه، وهم في حالة خوف ورعب، وقالوا: رأينا رجالا بيضًا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى وقد اتفق الثلاثة على هذا.
وقالوا له: ما تقاتل أهل الأرض إنما تقاتل أهل السماء، وإذا أطعتنا رجعت بالناس فسبهم وحبسهم، وعبأ جنوده، ونظمهم في وادي حنين١.
_________________
(١) ١ بلوغ الأماني ج٢ ص١٦٨.
[ ٥٩٦ ]
٢- استعداد المسلمين للقتال:
خرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفًا من أصحابه، عشرة منهم من المهاجرين والأنصار، وألفين من مسلمي مكة، وسار بهم حتى نزل في "وادي حنين" وعبأ قواته من السحر ووضع الألوية والرايات في أهلها، فحمل رايات المهاجرين: علي، وسعد ابن أبي وقاص، وعمر بن الخطاب ﵃.
وحمل رايات الأنصار الحباب بن المنذر، وقيل: كان لواء الخزرج الأكبر مع سعد بن عبادة، ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي كل بطن لواء أو راية.
وكانت رايات المهاجرين سودًا وألويتهم بيضًا، ورايات الأنصار خضرًا وحمرًا، وكانت في قبائل العرب رايات، وبقيت سليم كما هي في مقدمة الخيل وعليهم خالد بن الوليد.
ولما تجمع المسلمون بهذا العدد أعجبتهم كثرتهم، وانتظروا النصر وقالوا بلسان الحال، والمقال: لن نغلب اليوم عن قلة.
وانحدر رسول الله ﷺ بأصحابه في وادي حنين، وهو على تعبئته، وقد ركب بغلته البيضاء "دلدل" ولبس درعين والمغفر والبيضة، وحض على القتال، وبشر بالفتح إن صدقوا وصبروا.
وقد أرسل رسول الله عبد الله بن أبي حدرد ليأتي بخبر القوم، فطاف بهم، وسمع كلامهم، وعاد إلى رسول الله ﷺ وأخبره بما رأى وسمع وبمدى استعداد القوم للقاء، وبعلمهم بجيش المسلمين كما نقلته العيون إلى مالك بن عوف١.
_________________
(١) ١ المغازي ج٣ ص٨٩٥-٩٠٠.
[ ٥٩٧ ]
٣- القتال:
بدأت الحرب بهجوم شديد من "هوازن" قبيل مطلع الشمس على المسلمين، وقد كانوا في كثرة عجيبة أدهشت المسلمين، وحيرتهم لأنهم لم يتوقعوها.
حملت هوازن على المسلمين حملة واحدة، فانكشفت خيل بني سليم، وولت الأدبار، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء، فالتفت رسول الله ﷺ يمينًا وشمالا، والناس منهزمون حتى بلغوا مكة، فلم يرجع آخرهم إلا والأسارى بين يدي النبي ﷺ وهو يقول: "يا أنصار الله. يا أنصار رسول الله أنا عبد الله ورسوله"!. ثم تقدم بحربته أمام الناس، وانهزم المشركون، وما ضرب أحد من المسلمين بسيف ولا طعن برمح، ورجع ﷺ إلى العسكر، وأمر أن يقتل كل من قدر عليه من المشركين، وقد ولت هوازن، وثاب من انهزم من المسلمين.
ولم يكن معه ﷺ وقت هزيمة هوازن إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد أخذ بثفر البغلة، والعباس آخذ بحكمتها، وهو يركضها إلى وجه العدو، وينوه باسمه فيقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب١
وقال ﷺ: "يا عباس! اصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة"!. فنادى بذلك، وكان رجلا صيتًا، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك!! يا لبيك، فأشرف ﷺ كالمتطاول في ركابيه، فنظر إلى قتالهم وقال: "الآن حمي الوطيس". ثم أخذ بيده من الحصا فرماهم بها وهو يقول: "شاهت الوجوه، حم، ثم لا ينصرون". ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة". فما زال أمرهم مدبرًا، وانهزموا، فانحاز ﷺ ذات اليمين، وهو على بغلته قد جرد سيفه، وثبت معه سوى من ذكرنا: علي، والفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد الخزرجي، وأسامة بن زيد، وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهم٢.
_________________
(١) ١ بلوغ الأماني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج٢١ ص١٧٤. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٤٤٣.
[ ٥٩٨ ]
ولما انكشف الناس قال رسول الله ﷺ لحارثة بن النعمان الأنصاري: "كم ترى الناس الذين ثبتوا"؟.
فحزرهم مائة، وهذه المائة هي التي كرت بعد الفرار، فاستقبلوا هوازن واجتلدوا والرسول يدعو: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان".
ويقال إن المائة الصابرة يومئذ: ثلاثة وثلاثون من المهاجرين، وسبعة وستون من الأنصار، وكان علي، وأبو دجانة، وعثمان بن عفان، وأيمن بن عبيد ﵃ يقاتلون بين يدي النبي ﷺ.
وكانت أم عمارة في يدها سيف صارم، وأم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها وهي يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وأم سليط، وأم الحارث، حين انهزم الناس، يقاتلن، وأم عمارة تصيح بالأنصار: أية عادة هذه! ما لكم وللفرار! وشدت على رجل من هوازن فقتلته وأخذت سيفه١.
ورسول الله ﷺ قائم مصلت السيف بيده، وقد طرح غمده ينادي: "يا أصحاب سورة البقرة". فكر المسلمون، وجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، يا خيل الله، وكان ﷺ قد سمى خيله خيل الله، وكان شعار المهاجرين بني عبد الرحمن، وشعار الأوس بني عبيد الله، وشعار الخزرج بني عبد الله، فكرت الأنصار ووقفت هوازن حملة ناقة، ثم كانت هزيمتهم أقبح هزيمة، والمسلمون يقتلون ويأسرون.
وأم سليم بنت ملحان تقول: يا رسول الله ﷺ ما رأيت هؤلاء الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك!! لا تعف عنهم إذا أمكنك الله منهم، تقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين! فقال: "يا أم سليم! قد كفى الله، عافية الله أوسع" ٢.
وحنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى شرعوا في قتل الذرية، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية! ألا لا تقتل الذرية". فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين! فقال: "أوليس
_________________
(١) ١ بلوغ الأماني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج٢١ ص١٧٥. ٢ المغازي ج٣ ص٩٠٣، ٩٠٤.
[ ٥٩٩ ]
خياركم أولاد المشركين؟! كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها وأبواها يهودانها أو ينصرانها! " ١.
وكان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وكان الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يومئذ كوقع الحصاة في الطست: له طنين، فيجدون في أجوافهم مثل ذلك، ولما رمى رسول الله ﷺ بذلك الكف من الحصا، لم يبق أحد من المشركين إلا وهو يشكو القذى في عينه، ورأوا رجالا بيضًا على خيل بلق، عليهم عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وهم بين السماء والأرض: كتائب، كتائب، فما كانوا يستطيعون أن يتأملوهم من الرعب منهم٢.
واستحر القتل في بني مالك من ثقيف، فقتل منهم قريب من مائة رجل تحت رايتهم، وقتل ذو الخمار، وهربت ثقيف.
واستشهد من المسلمين أربعة رجال جميعهم من الأنصار٣.
_________________
(١) ١ المغازي ج٣ ص٩٠٥. ٢ المغازي ج٣ ص٦٠٩. ٣ البداية والنهاية ج٤ ص٣٣٧.
[ ٦٠٠ ]
٤- تعقب الفارين:
لما انهزمت هوازن فرت إلى الطائف وإلى أوطاس، وإلى نخلة، فسير رسول الله ﷺ أصحابه لتعقب الفارين، وقتالهم.
فذهب الربيع بن ربيعة في عدد من المسلمين على خيلهم إلى نخلة فأدركوا دريد بن الصمة، وقتلوه.
وذهب أبو عامر الأشعري إلى أوطاس ومعه عدد من المسلمين، وقد جرى بين الفريقين قتال فقتل من المشركين تسعة، وأصيب بعض المسلمين واستشهد أبو عامر، فخلفه أخوه أبو موسى وقد فتح الله على يديه.
ولحق مالك بن عوف وأكثر من كان معه إلى الطائف، ولذلك ذهب إليهم رسول الله ﷺ فكانت غزوة الطائف١.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٥ ص٣٣٨.
[ ٦٠٠ ]
٥- غزوة الطائف:
وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع قائدهم، مالك بن عوف النضري، وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله ﷺ بعد فراغه من حنين.
وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول الله ﷺ إلى الطائف، فمر في طريقه على النخبة اليمانية، ثم على قرن المنازل، ثم على لية، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه، ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف فنزل قريبًا من حصنه، وعسكر هناك، وفرض الحصار على أهل الحصن.
ودام الحصار مدة غير قليلة، ففي رواية أنس عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يومًا، وعند أهل السير خلاف في ذلك، فقيل: عشرين يومًا، وقيل: بضعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر١.
ووقعت في هذه المدة عدة مناوشات، فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميًا شديدًا كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مكان مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك.
ونصب النبي ﷺ المنجنيق على أهل الطائف، وقذفهم به حتى فتحت طاقة في جدار الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار، فأحرقت الدبابة وخرج المسلمون من تحتها فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالا.
وأمر رسول الله ﷺ كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعًا ذريعًا، فسألته ثقيف أن يدعها لله والرحم.
ونادى مناديه ﷺ أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة، تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة
_________________
(١) ١ انظر البداية والنهاية ج٤ ص٣٥١، المغازي ج٣ ص٩٣٦.
[ ٦٠١ ]
يستقي عليها، فكناه رسول الله ﷺ "أبا بكرة" فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة.
ولما طال الحصار، واستعصى الحصن وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال والحديد المحمى، وكان أهل الحصن، قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة استشار رسول الله ﷺ نوفل بن معاوية الديلمي فقال: هم ثعلب في جحر، وإن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك، وحينئذ عزم رسول الله ﷺ على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس: إنا قافلون غدًا إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟
فقال رسول الله ﷺ: "اغدوا على القتال". فغدوا فأصابهم جراح.
فقال ﷺ: "إنا قافلون غدًا إن شاء الله". فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله ﷺ يضحك.
ولما ارتحلوا واستقلوا قال ﷺ: "قولوا: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون".
وقيل: يا رسول الله ﷺ ادع على ثقيف، فقال: "اللهم اهد ثقيفًا وآت بهم".
وقد استشهد من المسلمين في حصار الطائف اثنا عشر رجلا١.
_________________
(١) ١ انظر المغازي ج٣ ص٩٢٢-٩٣٨ بتصرف.
[ ٦٠٢ ]
٦- توزيع الغنائم:
انتهى ﷺ إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس خلون من ذي القعدة والغنائم بها ستة آلاف، والإبل أربعة وعشرون ألف بعير، فيها اثنا عشر ألف ناقة، والغنم أربعون ألفًا وقيل: أكثر، فأمر ﷺ بسر بن سفيان الخزاعي أن يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابًا من برود هجر، فكساهم كلهم، واستأنى ﷺ بالسبي ولم يوزع منهم، وأقام يتربص أن يقدم وفدهم، وكان قد فرق منه وهو بحنين، فأعطى عبد الرحمن بن عوف امرأة، وأعطى صفوان بن أمية، وعليًا، وعثمان، وعمر، وجبير بن مطعم، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبا عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام ﵃ فلما رجع إلى
[ ٦٠٢ ]
الجعرانة بدأ بالأموال فقسمها، فأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس، فجاء أبو سفيان بن بن حرب والفضة بين يديه، فقال: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالا، فتبسم ﷺ.
فقال أبو سفيان: أعطني من هذا يا رسول الله.
قال ﷺ: "يا بلال! زن لأبي سفيان أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل".
قال: ابني معاوية يا رسول الله!
قال ﷺ: "زن له يا بلال أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل".
قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت! ثم سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيرًا١.
وسأل حكيم بن حزام يومئذ مائة من الإبل فأعطاه، ثم سأل مائة أخرى فأعطاه ثم سأل مائة ثالثة فأعطاه، ثم قال: "يا حكيم بن حزام، إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من السفلى، وابدأ بمن تعول". فأخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك ما عداها وقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعد. فكان عمر بن الخطاب ﵁ يدعوه لعطاء فيرفضه٢.
وأعطى النضير بن الحارث علقمة بن كلدة أخا النضر بن الحارث مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية، حليف بني زهرة مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن جارية خمسين بعيرًا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، وسعيد بن يربوع خمسين بعيرًا.
وفي صحيح مسلم عن الزهري: أن الرسول ﷺ أعطى يومئذ صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل، ويقال إنه طاف مع النبي ﷺ وهو يتصفح الغنائم، إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه، فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء، فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال ﷺ:
_________________
(١) ١ المغازي ج٣ ص٩٤٤-٩٤٥. ٢ المرجع السابق ج٣ ص٩٤٥.
[ ٦٠٣ ]
"أعجبك يا أبا وهب هذا الشعب"؟.
قال صفوان: نعم.
قال: "هو لك وما هو فيه"!.
فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي، وأشهد أنك رسول الله١ وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين بعيرًا، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى أبا عامر العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة السلمي دون المائة، فعاتب النبي ﷺ في شعر قاله، فقال رسول الله ﷺ: "اقطعوا عني لسانه فأعطوه مائة من الخمس".
وقال يومئذ سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول الله ﷺ أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري؟
فقال: "أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني أتألفهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه".
ثم أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت ﵁ بإحصاء الناس والغنائم ثم فضها على الناس وكانت سهامهم: لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، وإن كان فارسًا أخذ ثنتي عشرة من الإبل أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له.
وقدم وفد هوازن، وهم أربعة عشر رجلا رأسهم أبو صرد زهير بن صرد الجشمي السعدي، قد أسلموا وأخبروا بإسلام من وراءهم من قومهم.
فقال أبو صرد: يا رسول الله أنا أصل العشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا من الله عليك، إنما في هذه الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا منحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا أحدهما بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته، وأنت خير المكفولين.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم.
[ ٦٠٤ ]
فقال رسول الله ﷺ: "إن أحسن الحديث أصدقه، وعندي من ترون من المسلمين، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم"؟.
قالوا: يا رسول الله! خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا! وما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فرد علينا أبناءنا ونساءنا.
فقال ﷺ: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، فإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله ﷺ فإني سأقول لكم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأطلب لكم إلى الناس". فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر بالناس: قاموا فتكلموا بما أمرهم به، فأجابهم بما تقدم، فقال المهاجرون: فما كان لنا فهو لرسول الله.
وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ.
وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا.
وقال عيينة بن حصن: أما أنا وفزارة فلا.
وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا!
فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ.
ثم قام رسول الله ﷺ في الناس خطيبًا فقال: إن هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، وقد كنت أستأنيت بهم فخيرتهم بين النساء والأبناء والأموال، فلم يعدلوا بالنساء والأبناء فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن أبى منكم ويمسك بحقه فليرد عليهم، وليكن قرضًا علينا ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا به". فقالوا: يا رسول الله رضينا وسلمنا.
قال ﷺ: "فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم". فكان زيد بن ثابت على الأنصار يسألهم: هل سلموا ورضوا؟ فخبروه أنهم سلموا ورضوا، ولم يتخلف منهم رجل واحد، وكان أبو رهم الغفاري يطوف على قبائل العرب، ثم جمعوا العرفاء واجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول الله ﷺ فاتفقوا على قول واحد: أنهم سلموا ورضوا، ودفع عند ذلك السبي إليهم.
[ ٦٠٥ ]
وتمسكت بنو تميم مع الأقرع بن حابس بالسبي فجعل رسول الله ﷺ الفداء ست فرائض: ثلاث حقائق وثلاث جذاع.
وقال يومئذ: "لو كان ثابتًا على أحد من العرب ولاء أورق لثبت اليوم، ولكن إنما هو إسار أو فدية". وجعل أبا حذيفة العدوي على مقاسم المغنم.
وقال للوفد: "ما فعل مالك بن عوف"؟.
قالوا: هرب ولحق بحصن الطائف مع ثقيف.
فقال ﷺ: إنه إن يأت مسلمًا رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل، وكان قد حبس أهل مالك بمكة عند عمتهم أم عبد الله بهمة ابنة أبي أمية، ووقف ماله فلم تجر فيه السهام، فلما بلغ ذلك مالكًا، فر من ثقيف ليلا، وقدم الجعرانة وأسلم، وأخذ أهله وماله ومائة من الإبل.
ولما أعطى رسول الله ﷺ عطاياه وجد الأنصار في أنفسهم إذ لم يكن فيهم منها شيء، وكثرت القالة، فقال واحد: لقي رسول الله قومه! أما حين القتال فنحن أصحابه، وأما حين القسم فقومه وعشيرته، ووددنا أنا نعلم ممن كان هذا؟ إن كان هذا من الله صبرنا، وإن كان هذا من رأي رسول الله استعتبناه.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فغضب غضبًا شديدًا، ودخل عليه سعد بن عبادة ﵁ فقال له: "ما يقول قومك"؟.
فقال سعد: وما يقولون يا رسول الله؟
فذكر له ما بلغه وقال: "فأين أنت من ذلك يا سعد"؟.
فقال: يا رسول الله، ما أنا إلا كأحدهم، وإنا لنحب أن نعلم من أين هذا؟ قال ﷺ: "فاجمع لي من كان ها هنا من الأنصار".
فلما اجتمعوا، حمد الرسول ربه وأثنى عليه ثم قال: "يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم"؟.
قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل.
[ ٦٠٦ ]
قال: "ألا تجيبوني"؟.
قالوا: وماذا نجيبك يا رسول الله؟
قال: "أما والله ولو شئتم قلتم فصدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك وطريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفًا فأمناك، وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في شيء من الدنيا تألفت به قومًا أسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس إلى رحالهم، بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟
والذي نفسي بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار، أكتب لكم بالبحرين كتابا من بعدي تكون لكم خاصة دون الناس"؟.
قالوا: وما حاجتنا بعدك يا رسول الله ﷺ؟
قال: "إما لا فسترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإن موعدكم الحوض، وهو كما بين صنعاء وعمان، وآنيته أكثر من عدد النجوم، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار". فبكوا حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله حظًا وقسمًا، وانصرفوا١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الطائف ج٧ ص٣٢، ٣٧ وللحديث روايات متعددة في الباب.
[ ٦٠٧ ]
٧- العودة إلى المدينة:
لما فرغ رسول الله ﷺ من توزيع الغنائم وأداء العمرة انصرف راجعًا إلى المدينة في آخر ذي القعدة من العام الثامن الهجري بعدما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وترك معاذ بن جبل معه لتعليم الناس الفقه والقرآن وما يحتاجونه من أحكام دين الله تعالى.
[ ٦٠٧ ]
المبحث الثالث عشر: الاستقرار العام في الجزيرة ومواجهة غير العرب
مدخل
المبحث الثالث عشر: الاستقرار العام في الجزيرة ومواجهة غير العرب
عاد رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون والأنصار إلى المدينة، وأخذ ينظم شئون دولة الإسلام بعد اتساعها، وأخذ في سياسة أمور الناس، وحراسة دينهم في الجزيرة العربية كلها.
ووجد ﷺ أن مسائل الحياة قد تعددت، واتجاهات الناس قد تنوعت، والحركة بالدعوة تحتاج إلى أعمال كثيرة في نواح مختلفة، وفي أوقات متزامنة.
وجد ﷺ أن أغلب القبائل قد أسلمت، وقلة أبت وكفرت، وأخرى يدور أمرها بين القبول والرفض.
وأدى هذا الوضع إلى أن يرسل رسول الله ﷺ عمالا لمن أسلم من القبائل، وأن يبعث دعاة للمترددين، وأن يواجه المتمردين بالقوة حتى لا يكونوا بؤرة فساد بين الناس تنشر الضلال والإفك.
وحتى يعرف الناس شمول دعوة الإسلام للعالم كله عمليًا بعدما عرفهم ذلك نظريًا أخذ في توجيه الدعاة والمجاهدين إلى خارج الجزيرة العربية حيث الروم ومعهم الغساسنة والفرس ومعهم المناذرة.
وبذلك بدأت مؤسسات الدولة الإسلامية في الظهور والتكوين وأخذت الحركة بالإسلام تتسع وتنمو.
وفي هذا المبحث سنتناول المسائل التالية:
[ ٦٠٨ ]
أولا: بعث عمال الصدقات إلى القبائل
استهل رسول الله ﷺ شهر المحرم من السنة التاسعة بعد رجوعه إلى المدينة المنورة في مباشرة تبليغ الإسلام، وحماية استقرار الجزيرة، وتقوية إيمان القبائل، وإلزامهم بشرع الله تعالى، فأرسل للقبائل التي أعلنت إسلامها عمالا من قبله ﷺ للحكم فيهم
بشرع الله، وأخذهم بما أمر الله تعالى مع تحصيل الصدقات والزكاة بعد فرضها ولذلك سموا بالمصدقين، وقد تكونت هذه الطائفة الأولى من المصدقين١ من:
١- عيينة بن حصن ﵁ إلى بني تميم.
٢- يزيد بن الحصين ﵁ إلى أسلم وغفار.
٣- عباد بن بشر الأشهلي ﵁ إلى سليم ومزينة.
٤- رافع بن مكيث ﵁ إلى جهينة.
٥- عمرو بن العاص ﵁ إلى بني فزارة.
٦- الضحاك بن سفيان ﵁ إلى بني كلاب.
٧- بشير بن سفيان ﵁ إلى بني كعب.
٨- ابن اللتبية الأزدي ﵁ إلى بني ذبيان.
٩- المهاجر بن أمية ﵁ إلى صنعاء، وخرج عليه الأسود العنسي.
١٠- زياد بن لبيد ﵁ إلى حضر موت.
١١- عدي بن حاتم ﵁ إلى طيئ وبني أسد.
١٢- مالك بن نويرة ﵁ إلى بني حنظلة.
١٣- الزبرقان بن بدر ﵁ إلى بني سعد "إلى قسم منهم".
١٤- قسيم بن عاصم ﵁ إلى بني سعد "إلى قسم منهم".
١٥- العلاء بن الحضرمي ﵁ إلى البحرين.
١٦- علي بن أبي طالب ﵁ إلى نجران لجمع الصدقة والجزية كليهما.
وكان ﷺ يحافظ للقبيلة على هيكلها التنظيمي، فلها شيخها، وفيها أولوا الرأي والثقة. وكان عمال النبي ﷺ في هذه القبائل يقومون بالتعليم والإرشاد، وتوجيه الناس إلى ما جاء به دين الله تعالى، كما يقومون بجمع الصدقات وإرسالها إلى المدينة، وقد عرفت القبائل ذلك فأطاعوا، واستقاموا وبذلك كانوا مؤمنين.
ويلاحظ أن إرسال هؤلاء العمال استغرق مدة طويلة امتدت من أول العام التاسع حتى وفاته ﷺ.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص٤٢٤.
[ ٦٠٩ ]
ثانيًا: إرسال الدعاة إلى القبائل
أخذ رسول الله ﷺ يرسل دعاة من المدينة إلى مختلف قبائل الجزيرة لتعليم المسلمين ما يحتاجون إليه من قرآن وفقه، ودين، ولعرض الإسلام على الذين لم يعلنوا إسلامهم ولتقوية إيمان من أعلن إسلامه حتى لا تتناوشه الظنون والوساوس، وتلعب به شياطين الإنس والجن من ذلك:
١- بعثه ﷺ أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن.
يروي البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: أقبلت إلى رسول الله ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن شمالي، كلاهما يرجو أن يكون من عمال النبي ﷺ على قومه، ويسأل في ذلك والنبي ﷺ يستاك، ويسمع.
فلما فرغا من سؤالهما قال ﷺ: "ما تقول يا أبا موسى"؟.
فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في نفسيهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل.
يقول أبو موسى: فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفتيه وقد قلصت.
ثم قال ﷺ: "لن نستعمل على عملنا من يريده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى". قال أبو موسى: فبعثني رسول الله ﷺ ومعاذًا إلى اليمن.
وقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذاك فأخبرهم أن الله ﷿ قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ١.
٢- أرسل ﷺ خالد بن الوليد ثم علي بن أبي طالب إلى همدان لدعوتهم إلى الإسلام
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٦ ص٣٥٠.
[ ٦١٠ ]
يروي البخاري عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب مكان خالد وأمره أن يعيد خالدًا إلى المدينة وقال له ﷺ: "مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء أن يقبل فليقبل". فكنت فيمن عقب مع عليّ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي ثم صفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعًا، فكتب عليّ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدًا ثم رفع رأسه، وقال: "السلام على همدان" ١.
٣- أرسل ﷺ أبا أمامة صدي بن عجلان ﵁ إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام وفي ذلك يقول أبو أمامة: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ﷿ وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم وقد سقوا إبلهم، وحلبوها.
فلما رأوني قالوا: مرحبًا بالصدي بن عجلان، وأكرموني ثم قالوا: بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل.
فقلت: لا ولكن آمنت بالله ورسوله، وبعثني رسول الله ﷺ إليكم أعرض عليكم شرائع الإسلام، فبينا نحن كذلك إذ جاءوا بقصعتهم فوضعوها واجتمعوا حولها يأكلونها وقالوا: هلم يا صدي.
قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم إلا ما ذكيتم كما قال الله تعالى.
قالوا: وما قال؟
قلت نزلت هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٦ ص٣٥٨. ٢ سورة المائدة: ٣.
[ ٦١١ ]
فجعلت أدعوهم إلى الإسلام فكذبوني وهجروني، وأنا جائع ظمآن قد نزل بي جهد شديد، فقلت لهم: ويحكم ايتوني بشربة من ماء فإني شديد العطش.
قالوا: لا، ولكن ندعك تموت عطشًا.
فاعتممت وضربت برأسي في العمامة ونمت في حر شديد، فأتاني آت في منامي بقدح فيه شراب من لبن لم ير الناس ألذ منه فشربته حتى فرغت من شرابي، ورويت وعظم بطني.
فقال القوم: أتاكم رجل من أشرافكم وسراتكم فرددتموه فاذهبوا إليه وأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي، فأتوني بالطعام والشراب.
فقلت: لا حاجة لي في طعامكم ولا شرابكم، فإن الله تعالى أطعمني وسقاني، فانظروا إلى الحال التي أنا عليها، فأريتهم بطني فنظروا فأسلموا عن آخرهم بما جئت به من عند رسول الله ﷺ.
قال أبو أمامة: ولا والله ما عطشت ولا عرفت عطشًا بعد تيك الشربة١.
٤- بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إلى بني عبد المدان.
يقول ابن هشام: بعثه رسول الله ﷺ إليهم وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام فخرج إليهم خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام ويقولون: يا أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد بن الوليد يعلمهم شرائع الإسلام وكتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ:
بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو،
أما بعد يا رسول الله ﷺ، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٦ ص٣٧٠.
[ ٦١٢ ]
فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركبانًا ينادون: يا بني الحارث أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وإني مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام، وسنة النبي ﷺ حتى يكتب إليّ رسول الله ﷺ والسلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته.
فكتب إليه رسول الله ﷺ: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام وأن الله قد هداهم بهداه فبشرهم، وأنذرهم، وأقبل، وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته" ١.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٦ ص٣٥٤.
[ ٦١٣ ]
ثالثًا: تسيير السرايا للخارجين على النظام
مع ظهور سيادة الإسلام في الجزيرة، وتعيين العمال، وإرسال الدعاة ظهرت جماعات متعددة تعيش على النهب والسلب، وتأبى الخضوع للنظام الإسلامي، فكان لا بد من تأديب هذه الجماعات، والأخذ على يدها ليستتب الأمن، ويستقر النظام، ويتفرغ المسلمون للتعامل مع القوى الخارجية ودعوتهم إلى الإسلام، وعلى رأس هذه القوى الفرس والروم، لأن التوجه إليهم يحتاج إلى قوة وصبر ورجال.
وأهم هذه السرايا ما يلي:
١- سرية عيينة بن حصن الفزاري، في المحرم سنة تسع، إلى بني تميم، في خمسين فارسًا لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري، وسببها أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل، ومنعوهم عن أداء الجزية وحرضوهم على قتال رسول الله ﷺ.
خرج عيينة بن حصن يسير الليل ويكمن النهار، حتى هجم عليهم في الصحراء فولى
[ ٦١٣ ]
القوم مدبرين، وأخذ منهم أحد عشر رجلا، وإحدى وعشرين امرأة، وثلاثين صبيًا، وساقهم إلى المدينة، فأنزلهم رسول الله ﷺ في دار رملة بنت الحارث.
وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم، فجاءوا إلى باب النبي ﷺ، فنادوا بصوت عال: يا محمد اخرج إلينا فخرج فتعلقوا به، وجعلوا يكلمونه، فوقف معهم، ثم مضى حتى صلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، فأظهروا رغبتهم في المفاخرة والمباهاة، وقدموا خطيبهم عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له الفضل علينا والذي جعلنا ملوكًا، وأعطانا الأموال نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم مالًا وأكثرهم عددًا، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وذوي فضلهم؟ فمن يفاخر فليعدد مثل ما عددنا، ولو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنا نستحيي من الإكثار فيما أعطانا الله أقول قولي هذا لأن نؤتى بقول هو أفضل من قولنا.
فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس، خطيب الإسلام، فأجابهم وقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كل شيء علمه، فلم يكن شيء إلا من فضله، ثم كان ما قدر أن جعلنا ملوكًا اصطفى لنا من خلقه رسولا، أكرمهم نسبًا، وأحسنهم زيًا، وأصدقهم حديثًا، أنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، وكان خيرته من عباده، فدعا إلى الإيمان فآمن المهاجرون من قومه وذي رحمه، أصبح الناس وجهًا، وأفضل الناس فعالا، ثم كان أول الناس إجابة حين دعا رسول الله، فنحن أنصار الله ورسوله، نقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر بالله ورسوله جاهدناه في ذلك، وكان قتله علينا يسيرًا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات١.
ثم قدموا شاعرهم الزبرقان بن بدر فأنشد مفاخرًا، فأجابه شاعر الإسلام حسان بن ثابت على البديهة.
ولما فرغ الخطيبان والشاعران قال الأقرع بن حابس: خطيبه أخطب من خطيبنا،
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٤٣٦.
[ ٦١٤ ]
وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، وأقوالهم أعلى من أقوالنا، ثم أسلموا فأجازهم رسول الله ﷺ، فأحسن جوائزهم، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
٢- سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم بناحية تبالة، بالقرب من تربة، في صفر سنة تسع خرج قطبة في عشرين رجلا على عشرة أبعرة يتعقبونها، فشن الغارة، فاقتتلوا قتالا شديدًا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعًا، وقتل عدد كبير، وساق المسلمون النعم والنساء والشاء إلى المدينة.
٣- سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع بعثت هذه السرية إلى بني كلاب، لدعوتهم إلى الإسلام، فأبوا وقاتلوا، فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم رجلا.
٤- سرية علقمة بن محرز المدلجي إلى سواحل جدة في شهر ربيع الآخر سنة تسع في ثلاثمائة، بعثهم إلى رجال من الحبشة كانوا قد اجتمعوا بالقرب من سواحل جدة للقيام بأعمال القرصنة ضد أهل مكة، فخاض علقمة البحر حتى انتهى إلى جزيرة، فلما سمعوا بمسير المسلمين إليهم هربوا.
٥- سرية علي بن أبي طالب إلى صنم لطيئ، يقال له القلس، ليهدمه، في شهر ربيع الأول سنة تسع بعثه رسول الله ﷺ في خمسين ومائة على مائة بعير وخمسين فرسًا ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة حاتم مع الفجر، فهدموه وملئوا أيديهم من
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: ٢-٥.
[ ٦١٥ ]
السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجد المسلمون في خزانة القلس ثلاثة أسياف وثلاثة أدرع، وفي الطريق قسموا الغنائم، وعزلوا الصفي لرسول الله ﷺ ولم يقسموا آل حاتم.
ولما جاءوا إلى المدينة استعطفت أخت عدي بن حاتم رسول الله ﷺ قائلة: يا رسول الله ﷺ غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة، ما بي من خدمة، فمنّ عليّ منّ الله عليك.
قال: "من وافدك".
قالت: عدي بن حاتم.
قال: "الذي فر من الله ورسوله". ثم مضى، فلما كان الغد قالت مثل ذلك وقال لها مثل ما قال أمس، فلما كان بعد الغد قالت مثل ذلك، فمنّ عليها.
ورجعت أخت عدي بن حاتم إلى أخيها عدي بالشام، فلما لقيته قالت عن رسول الله ﷺ: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته راغبًا أو راهبًا، فجاء عديّ بغير أمان ولا كتاب، فأتي به إلى داره ﷺ، فلما جلس بين يديه حمد رسول الله به وأثنى عليه، ثم قال: "ما يفرك؟ أيفرك أن تقول: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إله سوى الله"؟.
قلت: لا.
ثم تكلم رسول الله ﷺ ساعة ثم قال: "إنما تفر أن يقال: الله أكبر فهل تعلم شيئًا أكبر من الله"؟.
قلت: لا.
قال: "فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون".
قلت: فإني حنيف مسلم، فانبسط وجهه ﷺ فرحًا، وأمر بي فنزلت عند رجل من الأنصار، وجعلت آتي النبي ﷺ طرفي النهار.
وكان النبي ﷺ يسأله فيما يهديه، ويرشده قال لي: "إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسيًا"؟.
قلت: بلى.
[ ٦١٦ ]
قال: "أولم تكن تسير في قومك بالمرباع"؟.
قلت: بلى.
قال: "فإن ذلك لم يحل لك في دينك".
قلت: أجل وعرفت أنه نبي مرسل، يعرف ما يجهل.
ثم قال: "يا عدي أسلم تسلم".
فقلت: إني من أهل دين.
قال: "أنا أعلم بدينك منك".
فقلت: أنت أعلم بديني مني؟
قال: "نعم، ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك".
فقلت: بلى.
قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك".
يقول عدي: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل.
فقال ﷺ: "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة ويطلب من يقبله، فلا يجد أحدًا يقبله منه".
يقول عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم من ص٤٢٥ إلى ٤٢٨.
[ ٦١٧ ]
رابعا: غزوة تبوك والتصدى لعدوانية الرومان
استعداد المسلمين للغزوة
رابعًا: غزوة تبوك والتصدي لعدوانية الرومان
لم يقبل الرومان انتصار المسلمين، وتوحد الجزيرة تحت راية الإسلام وكبر عليهم أن تظهر قوة كبرى مجاورة لهم، فجهزوا جموعا كثيرة بالشام عند حلفائهم الغساسنة، وأرادوا غزو المسلمين في ديارهم، والقضاء على دولتهم الناشئة فكان أن جاءهم النبي ﷺ غازيًا في "تبوك".
والحديث عن غزوة تبوك يتطلب النقاط التالية:
١- استعداد المسلمين للغزوة:
علم رسول الله ﷺ بما يعمل له الرومان فجهز المسلمين وأعد العدة وكانت غزوة تبوك.
وتبوك موضع بين الحجر وأول الشام، وإليها كانت غزوة النبي ﷺ.
وقد وقعت هذه الغزوة في حر شديد، ومع قلة أموال المسلمين ولذلك سميت "غزوة العسرة".
ونظرًا لبعد مسافة تبوك عن المدينة، وللظروف التي أحاطت بها صرح الرسول ﷺ بجهة الغزوة على غير عادته ليستعد الصحابة لها، وليكونوا على بينة من المشاق التي سيتحملونها في خروجهم.
ندب الرسول ﷺ أهل المدينة للخروج إلى تبوك، وأرسل إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم فبعث بريدة بن الحصيب وأمره أن يبلغ الفرع، وبعث أبا رهم الغفاري إلى قومه، وأبا واقد الليثي إلى قومه، وأبا جعدة الضمري إلى قومه بالساحل، ورافع بن مكيث بن جندب بن جنادة إلى جهينة، ونعيم بن مسعود إلى أشجع، وبديل بن ورقاء وعمرو بن سالم وبسر بن سفيان إلى بني كعب بن عمرو، والعباس بن مرداس إلى بني سليم.
وحض على الجهاد ورغب فيه، وأمر بالصدقة فحملت صدقات كثيرة، وأول من
[ ٦١٨ ]
حمل صدقته أبو بكر الصديق ﵁، جاء بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله ﷺ: "هل أبقيت لبناتك شيئًا"؟.
قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
وجاء عمر بن الخطاب ﵁ بنصف ماله، فقال له رسول الله ﷺ: "هل أبقيت شيئًا"؟.
قال: نعم، نصف مالي جئت به.
وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر ﵁ فقال: ما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه.
وحمل العباس بن عبد المطلب ﵁ مالا يقال: إنه تسعون ألفًا.
وحمل طلحة بن عبيد الله مالا.
وحمل عبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية.
وحمل سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة مالا.
وتصدق عاصم بن عدي بتسعين وسقًا تمرًا.
وجهز عثمان بن عفان ﵁ ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، فلقد كفلت نفقته مئونة ثلث الجيش حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة!
جاء عثمان ﵁ بألف دينار ففرغها في حجر النبي ﷺ، فجعل ﷺ يقبلها ويقول: "ما ضر عثمان ما فعل هذا اليوم". قالها مرارًا.
ورغب ﷺ أهل الغنى في الخير والمعروف، فتبادل المسلمون في ذلك حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، وأتت النساء بكل ما قدرن عليه، فكن يلقين في ثوب مبسوط بين يدي النبي ﷺ، المسك، والمعاضد، والخلاخل، والأقرطة، والخواتيم، والخدمات.
وكان الناس في حر شديد، وحين طابت الثمار، وحسنت الظلال، وبدأ الناس يحبون المقام، ويكرهون الشخوص أخذهم ﷺ بالجد، ودعاهم إلى الخروج وعسكر بثنية الوداع.
تجمع المسلمون بثنية الوداع حتى بلغ عددهم قريبًا من أربعين ألفًا فيهم كثير من
[ ٦١٩ ]
الأعراب، وعبد الله بن أبي وأشياعه من المنافقين.
وكان لا بد من حمولة للمجاهدين لطول السفر، وصعوبة الطريق، وظهر واضحًا أن الذي لا يجد ما يحمله لن يغزو، وله عذره، وهنا جاء عدد من أصحاب النبي ﷺ يشكون له عدم وجود ما يركبون، وأخذوا في البكاء حزنًا على فوت الجهاد منهم.
وهم سبعة: أبو ليلى المازني، وسلمة بن صخر الزرقي، وثعلبة بن غنمة السلمي، وعلبة بن زيد الحارثي، والعرباض بن سارية السلمي، وهرمي بن عمرو المزني، وسالم بن عمير، جاءوا يستحملون رسول الله ﷺ، وكانوا أهل حاجة.
فقال لهم ﷺ: "لا أجد ما أحملكم عليه".
فولوا يبكون، فلقي اثنان منهما يامين بن عمير بن كعب فقال: ما يبكيكما؟
قالا: جئنا إلى رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، ونحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ فأعطاهما ناضحًا له، فارتحله اثنان منهم، وزود كل واحد صاعين من تمر.
وحمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين.
وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة١.
وأبطأ أبو ذر عن رسول الله ﷺ من أجل بعيره، وكان الحر شديدًا فخرج وحده، حتى لحق برسول الله ﷺ نصف النهار وقد بلغ منه العطش.
فقال له ﷺ: "مرحبًا بأبي ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ما خلفك"؟.
فأخبره أبو ذر ﵁ خبر بعيره.
فقال ﷺ: "إن كنت لمن أعز أهلي عليّ تخلفًا! لقد غفر الله لك بكل خطوة ذنبًا إلى أن بلغتني".
يروي ابن هشام أن رسول الله ﷺ مضى سائرًا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان، فيقول: "دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم،
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ص٤٤٦.
[ ٦٢٠ ]
وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". حتى قيل: يا رسول الله! قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: "دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فلقد أراحكم الله منه". وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ: "كن أبا ذر". فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ: "رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده" ١.
وولى رسول الله ﷺ على المدينة "سباع بن عرفطة ﵁" وخلف معه علي بن أبي طالب على أهله، وعقد الألوية والرايات، فدفع اللواء الأعظم لأبي بكر، والراية الكبرى للزبير بن العوام، وأمر ﷺ كل من خرج معه باتخاذ لواء أو راية.
وأخذ الجيش الإسلامي يتحرك من ذات الثنية باتجاه الشام.
وهنا برز أصحاب النفاق وانسحبوا من ذي الثنية ورجعوا إلى المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي وأشياعه.
وقالوا: يحسب محمد ﷺ أن قتال بني الأصفر -الروم- للعب؟
ونافق آخرون وهم الأعراب الذين أخذوا يتخلفون عن الجيش معتذرين بأسباب واهية كاذبة.
وكان تخلفهم رحمة بالمؤمنين الصادقين، ولذلك كان ﷺ كلما أخبره أصحابه بتخلف فلان يقول: "دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه".
وسار الجيش إلى تبوك، بعدما تخلص من المنافقين وضعاف الإيمان، وقد بلغ عدده ثلاثين ألفًا.
وعندما وصل المسلمون إلى "ذي خشب" وهو جبل يقع شمال المدينة قريبًا منها أخذ ﷺ يصلي والمسلمون معه الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمعًا، يؤخر الظهر حتى تدبر
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج٢ ص٥٢٣.
[ ٦٢١ ]
الشمس ويصلي العصر جمع تقديم، ويصلي المغرب مع العشاء وقت العشاء جمع تأخير واستمر ﷺ على ذلك حتى رجع من تبوك.
لما وصل الجيش إلى تبوك جمع النبي ﷺ جنوده، وخطب فيهم وقال ﷺ:
"أيها الناس! أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنن محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عواقبها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرًا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرًا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما ألقي في القلب اليقين، والارتياب من الكفر.
النياحة من عمل الجاهلية، والغلو من جمر جهنم، والشكر وقاية من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة إبليس، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المال أكل مال اليتيم.
والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربع أذرع، والأمر إلى آخره، وملاك العمل خواتمه، وشر الرؤيا رؤيا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتل المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل على الله يكذبه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ومن يتتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي أستغفر الله لي ولكم".
وطاف على ناقته بالناس وهو يقول: "يا أيها الناس! يد الله فوق يد المعطي،
[ ٦٢٢ ]
ويد المعطِي الوسطى ويد المعطَى السفلى، أيها الناس استغنوا ولو بحزم الحطب، اللهم هل بلغت! اللهم هل بلغت! اللهم هل بلغت! ".
وجلس بتبوك في نفر من أصحابه وهو سابعهم، فجاء رجل من بني سعد هذيم فسلم فقال: "اجلس".
فقال: يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
فقال: "أفلح وجهك".
ثم قال: "يا بلال، أطعمنا"!. فبسط نطعًا، ثم أخرج من حميت له خرجات من تمر معجون بسمن وأقط، ثم قال ﷺ: "كلوا". فأكلوا حتى شبعوا.
فقال الرجل: يا رسول الله إني كنت لآكل هذا وحدي!!
فقال ﷺ: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد".
ثم جاء من الغد متحينًا الغداء ليزداد في الإسلام يقينًا، فإذا عشرة حوله ﵇ فقال ﷺ: "هات أطعمنا يا بلال"!. فجعل يخرج من جراب تمرًا بكفه قبضة قبضة، فقال: "أخرج ولا تخف من ذي العرش إقتارًا"!. فجاء بالجراب فنثره، فحزره الرجل مدين، فوضع ﷺ يده على التمر ثم قال: "كلوا باسم الله". فأكل القوم وأكل الرجل وكان صاحب تمر، حتى ما يجد له مسلكًا، وبقي على النطع مثل الذي جاء به بلال كأنهم لم يأكلوا منه تمرة واحدة.
ثم عاد الرجل من الغد، وعاد نفر، فكانوا عشرة أو يزيدون رجلا أو رجلين، فقال ﷺ: "يا بلال أطعمنا". فجاء بذلك الجراب بعينه فنثره، ووضع ﷺ يده عليه وقال: "كلوا باسم الله". فأكلوا حتى شبعوا، ثم رفع مثل الذي صب، ففعل مثل ذلك ثلاثة أيام١.
وعسكر النبي ﷺ بجنوده في "تبوك" عشرين يومًا حتى فتح الله عليهم فعادوا إلى المدينة بلا قتال وبلا حرب.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ص٤٦٠.
[ ٦٢٣ ]
٢- نتائج الغزوة:
عسكر النبي ﷺ والمسلمون في تبوك، وعسكر قبالتهم جيش الروم، فشاور رسول الله ﷺ أصحابه في التقدم بعد أن بين لهم أن الأمر بيدهم وعليهم أن يختاروا لأنفسهم، وبخاصة أن الله لم يأمر بشيء، فرأوا الرجوع إلى المدينة، والاكتفاء بما حقق الله لهم في هذه الغزوة، إن غزوة "تبوك" خلت من القتال ولكنها تركت آثارًا عديدة على المسلمين وعلى غيرهم أما أثرها مع المسلمين فقد محص الله صفهم، وأحاطهم بآيات من عنده كإكثار الطعام وهم في أمس الحاجة إليه، ونزول المطر بدعاء النبي ﷺ.
وقد وجه النبي من عسكره في تبوك سرايا إلى القبائل العربية الموجودة في المنطقة وكانت تابعة للرومان، فلما رأى العرب قوة المسلمين قبلت العهد مع رسول الله ﷺ وصاروا من أهل الذمة، وعلى رأس هذه القبائل أهل أيلة، وأهل جرباء، وأهل أذرح، وأهل مقتا، حيث أتى يحنة بن رؤبة صاحب أيلة رسول الله ﷺ وصالحه على إعطاء الجزية وتبعه أهل جرباء وأذرح، فكتب لهم النبي ﷺ كتابًا وأعطاه لهم وجاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي ﷺ ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة١: سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقًا يريدونه، من بر أو بحر".
وقد كتب الكتاب جهيم بن الصلت، وشرحبيل بن حسنة، بإذن رسول الله٢.
وكتب ﷺ لأهل "جرباء" كتابًا جاء فيه: "هذا كتاب من محمد النبي رسول الله ﷺ لأهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم"٣.
_________________
(١) ١ وأيلة بفتح الهمزة وسكون الياء مدينة على البحر الأحمر مما يلي الشام وهي من بلاد الشام. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٥٢٥، ٥٢٦. ٣ إمتاع الأسماع ج ص، جرباء بفتح فسكون موضع جنوب الشام يقع في شمال جبل السراة.
[ ٦٢٤ ]
وكتب لأهل أذرح ما يلي: "من محمد النبي رسول الله لأهل أذرح إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة، وهم آمنون حتى يحدث إليهم محمد قبل خروجه"١.
وكتب لأهل "مقتا" كتابًا جاء فيه: "أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم ربع غزولهم وربع ثمارهم"٢.
وأرسل خالد بن الوليد في بعث إلى أكيدر دومة، رجل من كندة وكان ملكًا عليها، وكان نصرانيًا، فقال رسول الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟
قال: لا والله.
قالت: فمن يترك هذه.
قال: لا أحد.
فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان فركب، وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا لقيهم خيل رسول الله ﷺ، فأخذته وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلمه خالد فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه به عليه فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله ﷺ: "أتعجبون من لين هذه؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها" ٣.
ثم إن رسول الله حقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته٤ وبذلك تحقق للمسلمين العزة والقوة في هذه المناطق البعيدة.
أما آثار تبوك على غير المسلمين فلقد أيقنوا أن قوة الإسلام غالبة، وأنه لا قبل لأي فريق في مواجهة المسلمين وبدءوا يدركون صدق الإسلام وخطأهم فيه.
_________________
(١) ١ أذرح بفتح الهمزة وسكون الذال وضم الراء بلد صغير يقع في أطراف الشام من ناحية الجنوب. ٢ سيرة ابن هشام ج٢ ص٥٢٧. ٣ صحيح البخاري كتاب المناقب باب مناقب سعد بن معاذ ج٦ ص١٥٥. ٤ سيرة النبي ج٢ ص٥٢٦.
[ ٦٢٥ ]
٣- موقف المنافقين بعد الغزوة:
سارع المنافقون بالخروج إلى ثنية الوداع حينما ندب النبي ﷺ لغزوة تبوك.
ويبدو أن خروج المنافقين كان مناورة منهم لتثبيط همة المؤمنين ونشر الذعر بينهم وحتى لا يتهموا بالقعود والنكوص، وظنوا أن بمقدورهم القعود بالجيش كله من الغزو ولذلك ناقشوا كثيرًا في التخلف، وأكثروا من الحلف وهم كاذبون، وبدءوا في إضعاف عزائم المجاهدين مرة ببعد المسافة، وأخرى بقسوة الحر، وثالثة بوعورة الطريق، ورابعة بقوة الروم والأعراب المتحالفين معهم، وكل تلك أمور بينها رسول الله ﷺ لأصحابه حين دعاهم للخروج.
وكان أمل المنافقين القضاء على رسول الله ﷺ وعلى الإسلام كله، ولذلك خرجوا مع الجيش الإسلامي، وانتهزوا كل ما أمكنهم لتحقيق مآربهم، وأهم أفعالهم:
١- إنشاء مسجد الضرار:
بنى المنافقون في "ذي أوان" بجوار المدينة مسجدًا يتآمرون فيه، بعدما كانوا يجلسون في الخلاء ويراهم المسلمون، ويطلعون على مكرهم، وخبثهم، وهذا المسجد هو الذي عرف بمسجد الضرار، وقد دعوا الرسول ﷺ للصلاة فيه، فوعدهم بالصلاة معهم فيه حين رجوعه من الغزوة، وأثناء عودته من تبوك نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١٠٧-١٠٨.
[ ٦٢٦ ]
لقد كان المسجد ستارًا للمنافقين عن أعين المسلمين، لكن عين الله لا تنام، ولذلك أمر النبي ﷺ بهدم المسجد، وحرقه، بعدما أمره الله تعالى بعدم الصلاة فيه، وبين له أن سبب تأسيسه هو الإضرار بالمسلمين والكفر بما أنزل الله، وتفريق المسلمين وإيواء أعداء الله ورسوله.
٢- نشر الإشاعات الكاذبة:
أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ أن يبقى في أهله، وحينئذ قال المنافقون: ما خلفه محمد إلا خوفًا عليه، ويسرًا به، فلما سمع علي ذلك أخذ سلاحه ولحق بالمسلمين بـ"الجرف" فأعاده النبي ﷺ وقال له: "كذبوا إنما خلفتك ورائي في أهلي وأهلك".
وأخذ المنافقون يهولون في قوة الرومان، ويستهينون بالمسلمين.
يقول وديعة بن ثابت المنافق: ما لي أرى أصحاب محمد اتسعت بطونهم، وكذب لسانهم، وجبنوا عن اللقاء.
ويقول الجلاس بن سويد المنافق: الرومان سادتنا وعظماؤنا، ولئن كان محمد صادقًا فنحن شر من الحمير.
فقال له عمير ﵁: أنت شر من الحمير، محمد الصادق وأنت الكاذب.
فلما أتي رسول الله ﷺ بالمنافقين وسألهم عن أقوالهم السيئة قال وديعة: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ١.
وجاء الجلاس فحلف أنه ما قال من ذلك شيئًا وأن عميرًا كذب عليه، فأنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٦٥-٦٦.
[ ٦٢٧ ]
الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ١.
فلما نزلت الآية قال الجلاس: عمير صادق وأنا كاذب يا رسول الله وكان للجلاس دية في الجاهلية على بعض قومه، وكان محتاجًا، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أخذها منهم وأعطاها له فاستغنى بها وتاب فتاب الله عليه٢.
٣- محاولة قتل النبي ﷺ:
وفي أثناء الطريق مكر أناس من المنافقين لقتل رسول الله ﷺ عند العقبة٣، فلما بلغوها أرادوا أن يسلكوها مع رسول الله ﷺ فأخبره الله بخبرهم فقال ﷺ للناس: "اسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع"!. ليبعد المنافقين عن مؤامرتهم فسلك الناس بطن الوادي، وسلك ﷺ العقبة، وأمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، وأمر حذيفة بن اليمان يسوق خلفه، فغضب المنافقون، وأصروا على سلوك العقبة فأمر ﷺ حذيفة أن يردهم، فرجع إليهم فجعل يضرب وجوه رواحلهم بمحجن في يده، فانحطوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا، الناس فلما أصبح رسول الله ﷺ قال له أسيد بن حضير: يا رسول الله! ما منعك البارحة من سلوك الوادي، فقد كان أسهل؟
فقال ﷺ: "يا أبا يحيى! أتدري ما أراد البارحة المنافقون وما هموا به؟ قالوا: نتبعه في العقبة، فإذا أظلم الليل عليه قطعوا أنساع راحلتي ونخسوها حتى يطرحوني عن راحلتي "!.
فقال أسيد: يا رسول الله! فقد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي هم بهذا.
قال ﷺ: "يا أسيد إني أكره أن يقول الناس إن محمدًا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه".
فقال أسيد: يا رسول الله! هؤلاء ليسوا بأصحاب!
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٧٤. ٢ إمتاع الأسماع: ص٤٥٣. ٣ العقبة جبل يعرض للطريق فيجعله مضيقًا، والمراد المضيق في شمال مكة عند "واقص".
[ ٦٢٨ ]
قال ﷺ: "أوليس يظهرون شهادة ألا إله إلا الله"!.
قال: بلى! ولا شهادة لهم!
قال: "أوليس يظهرون أني رسول الله"؟.
قال: بلى! ولا شهادة لهم!
قال ﷺ: "فقد نهيت عن قتل أولئك" ١.
وقد فضح الله المنافقين بنزول الوحي يوضح صفاتهم، ويبين أكاذيبهم، ويحدد منزلتهم السافلة، وخلقهم الرديء.
فإنهم لما اعتذروا لعدم الاستعداد قال الله عنهم ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ٢.
وحتى يعرف المؤمنون أن في تخلف المنافقين خيرًا قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٣.
وحتى لا يغتر المسلمون بمظهر المنافقين قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ٤.
وحتى لا يصدق المسلمون أيمانهم قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ٥ ويقول تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٤٧٧. ٢ سورة التوبة: ٤٦. ٣ سورة التوبة: ٤٧. ٤ سورة التوبة: ٥٥. ٥ سورة التوبة: ٥٦. ٦ سورة التوبة: ٦٢.
[ ٦٢٩ ]
الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ١.
لقد رد الله أقوال المنافقين جميعًا، وبين طوايا قلوبهم، وخبايا نفوسهم، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وهكذا:
فضح الله النفاق والمنافقين، وبرزت سيم الإيمان والجهاد، وظهرت معالم الحياة أمام البصائر والأبصار.
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٩٦. ٢ سورة التوبة: ٥٨. ٣ سورة التوبة: ٦١. ٤ سورة التوبة: ٧٩. ٥ سورة التوبة: ٩٤.
[ ٦٣٠ ]
٤- الثلاثة الذين تخلفوا:
تخلف عن رسول الله ثلاثة من المسلمين هم: كعب بن مالك الأنصاري ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فلما رجع رسول الله ﷺ من تبوك جاءوا وندموا
على تخلفهم، وبينوا أنه لا عذر لهم في التخلف، ولم يكذبوا كغيرهم.
لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى ركعتين بالمسجد، جاءه المخلفون يعتذرون ويحلفون، ورسول الله يكل حقيقتهم إلى الله تعالى.
فلما جاء كعب بن مالك تبسم له رسول الله ﷺ تبسم المغضب وقال له: "ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك"؟.
قال كعب: بلى يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثًا كاذبا لترضى عني، ليوشكن الله أن يسخط عليّ، ولئن حدثتك اليوم حديثًا صادقًا تجد عليّ فيه، إني لأرجو عقبى الله فيه، ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك!
فقال ﷺ: "أما أنت فقد صدقت! فقم حتى يقضي الله فيك".
وبمثل ذلك ذكر صاحباه، فنهى ﷺ عن كلام الثلاثة فاجتنبهم الناس وتغيروا لهم حتى تنكرت لهم أنفسهم، فلبثوا على ذلك خمسين ليلة، وقد قعد مرارة وهلال في بيوتهما، وكان كعب يخرج فيشهد الصلوات مع المسلمين ويطوف بالأسواق، فلا يكلمه أحد، ويأتي رسول الله ﷺ، وهو في مجلسه بعد الصلوات، فيسلم عليه ويصلي قريبًا منه يسارقه النظر، وهو معرض عنه، وتسور يومًا جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمه، وأحب الناس إليه، فسلم عليه فلم يرد ﵇ فقال: يا أبا قتادة! أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، وكرر ذلك فقال في الثالثة: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناه وانصرف.
يقول كعب: فبينما أنا أمشي بسوق المدينة، وإذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على "كعب بن مالك"؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع لي كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها.
[ ٦٣١ ]
فلما مضت أربعون ليلة بعث إليّ رسول الله ﷺ وإلى هلال بن أمية ومرارة بن ربيع مع خزيمة بن ثابت يأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فقال كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض!
وبكى هلال بن أمية وامتنع عن الطعام، وواصل اليومين والثلاثة ما يذوق طعامًا، إلا أن يشرب الشربة من الماء أو الضيح من اللبن، ويصلي الليل ولم يخرج من بيته لأن أحدًا لا يكلمه، حتى إن الوالدين يهجرونه لطاعة رسول الله ﷺ.
وجاءت امرأته فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له، وأنا أرق به من غيري، فإن رأيت أن تدعني أخدمه فعلت.
قال: "نعم، ولكن لا تدعيه يصل إليك! ".
فقالت: يا رسول الله! ما به من حركة إليّ! والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، وإن لحيته لتقطر دموعًا الليل والنهار، ولقد ظهر البياض على عينيه حتى تخوفت أن يذهب بصره.
فلما كملت خمسون ليلة، وهم كما قال الله تعالى قد ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ١ أنزل الله توبتهم بقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤.
فأعلم رسول الله ﷺ أصحابه بذلك عند الصبح، فخرج أبو بكر ﵁ فأوفى على
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١١٨. ٢ سورة التوبة: ١١٧. ٣ سورة التوبة: ١١٨. ٤ سورة التوبة: ١١٩.
[ ٦٣٢ ]
سلع فصاح: قد تاب الله على كعب بن مالك! يبشره، فأتاه حمزة بن عمرو فبشره فنزع ثوبيه وكساهما إياه ولا يملك غيرهما، واستعار ثوبين من أبي قتادة فلبسهما، ثم انطلق إلى رسول الله والناس يهنئونه، وخرج أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى هلال يبشره، فلما أخبره سجد ولقيه الناس يهنئونه، فما استطاع المشي، لما ناله من الضعف والحزن والبكاء حتى ركب حمارًا، وبشر مرارة بن ربيع سلكان بن سلامة بن وقش، فأقبل حتى توافوا عند النبي ﷺ.
فقام طلحة بن عبيد الله يتلقى كعب بن مالك، فلما سلم على رسول الله ﷺ قال له ﷺ ووجهه يبرق من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك".
فقال: أمن عندك يا رسول الله أو من عند الله؟
قال: "من عند الله".
فقال كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة.
فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك".
قال: فالثلثان!
قال: "لا".
قال: فالنصف.
قال: "لا".
قال: فالثلث.
قال: "نعم" ١.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع من ص٤٨٦ إلى ٤٨٨.
[ ٦٣٣ ]
المبحث الرابع عشر: السرايا والجهاد في الميزان
الجهاد ضرورة عامة
المبحث الرابع عشر: السرايا والجهاد في الميزان
شرع الله الجهاد لتعيش الدعوة إلى الله في إطار خلقي كريم، يقدر الإنسان، ويبرز مزايا الدين، ويشجع الناس على الدخول في دين الله تعالى.
وحينما نتأمل في تشريع الإسلام للجهاد، وننظر في مساره التطبيقي من خلال الغزوات والسرايا، ومدى مساهمته في خدمة الدعوة، وتجلية صدق الإسلام وخيريته تظهر الحقائق التالية:
١- الجهاد ضرورة عامة:
قد يتساءل سائل ما، بحسن نية أو بسوء نية، ويقول:
ما سبب كل هذه التضحيات التي يحتاجها الجهاد الإسلامي؟
وهل يستحق كل هذا؟
وما الغاية منه؟ وما الحكمة في تشريعه؟
وهل استنفد المسلمون كافة الوسائل السلمية حتى يلجئوا إلى الجهاد والحرب؟ مع ما في الحرب من قتل، ودم، وإزهاق للأموال والأرواح.
وهل تتساوى غايات الجهاد مع مسئولياته؟
وهذه تساؤلات تحتاج لإجابات واضحة منعًا للبس، وردًا لشبهات يثيرها أعداء الإسلام حول مشروعية الجهاد الإسلامي.
إن الإسلام دين الله تعالى جاء به محمد ﷺ بعدما أوحى الله إليه به لإنقاذ الناس من ظلمات الجهل، وعبودية المادة، وطغيان الأقوياء حتى يعيشوا حياة آمنة مستقرة بالعدل والحق، وانتشار الخير والسلام.
ولم يبدأ الإسلام بتشريع الجهاد والقتال. وإنما بدأ بالكلمة الصادقة والدعوة الآمنة والحوار الجاد، يناقش العقول، ويحرك العواطف، ويثبت للناس صدق الإسلام، وأحقيته، بلا عدوان على أحد، أو سب لمخلوق، أو مصادرة لرأي واتجاه.
أعلن الإسلام غايته بوضوح وهي تنحصر في تحقيق السعادة للناس، ونشر السلام
[ ٦٣٤ ]
في العالم كله بواسطة منهج رباني خالص حدد الإسلام معالمه، وبين غاياته ومراميه.
ومع هذا أبى جبابرة الأرض أن يواجهوا الدعوة بالدعوة، والحجة بالحجة، والرأي بالرأي، وإنما بدءوا باضطهاد من يدعونهم، وقتل من يكلمهم، ووضعوا سياجًا يمنع الدعوة من الحركة والانطلاق. ولم يكن موقفهم هادئًا، ولم يكتفوا بالحديث مهما كان توجهه ومستواه. وإنما اعتمدوا على القتل والأذى، ولم يفرقوا في عدوانهم بين كبير وصغير، ولا بين رجل وامرأة، واستمروا في مباشرة العدوان وتصعيده حتى أجبروا المسلمين على الهجرة وترك الديار إلى أماكن لا عهد لهم بها كالحبشة والمدينة، ولم يترك الأعداء المسلمين أحرارًا حتى في مواطن هجرتهم، وإنما تتبعوهم بالعدوان، ولاحقوهم بالأذى ودبروا المؤامرات لاغتيار رسول الله ﷺ وقهر المسلمين وجيشوا الجيوش لقتل المسلمين في دارهم، وكان أملهم هو القضاء التام على المسلمين، وإطفاء نور الله في الأرض.
وبتحقق هذه الأمور في عالم الواقع يظهر أن مشروعية الجهاد جاءت بعد استنفاد كافة الوسائل التي يتصورها العقل لصيانة الحقوق، وضمان الخير للناس.
وقد شرع الله الجهاد لرد العدوان، ومنع الأذى، وتحقيق وضع يحقق الاستقرار للدعوة وللناس، ويصون الكرامة، ويحمي الحقوق، وذلك أمر تدعو إليه المواثيق الدولية القديمة والمعاصرة وتعمل له.
ولذلك كان تشريع الجهاد ضرورة عامة، ووحيدة بعد ما استنفد المسلمون كافة الطرق للتعامل مع أعدائهم الذين بدءوهم بالأذى، ولاحقوهم بالعدوان، ولم يسمعوا لهم كلمة، ولم يناقشوهم بحجة.
لو لم يشرع الله الجهاد وتركه المسلمون لتمكن المشركون من كل مسلم، ولقضوا على المسلمين ودينهم.
ولو لم يشرع الجهاد لاستمرت البشرية في ظلمات الجهل، وسوءات القهر والاستعباد.
ومن هنا ندرك ضرورة تشريع الجهاد، وسبب تكليف المسلمين به، وأهمية
[ ٦٣٥ ]
التضحية والبذل إنقاذًا لأنفسهم، وحماية لدينهم، وتحقيقًا لخير الإنسانية وسعادتها.
إن الأمم المعاصرة تحتفل بما بذلته في حروبها العالمية، وتتباهى بتضحياتها من أجل الحرية والديموقراطية، وتجعل قتلاها خلال هذه الحروب أبطالا تصنع لهم التماثيل، وتشيد بهم في كل مجال، فإذا نظرنا إلى الجهاد الإسلامي من زاوية هؤلاء الناس مع ربطه بوسائله وأهدافه، وتطبيقاته فإن ذلك يعد برهانًا على ضرورته، وحتمية استمراره لخير الناس مع وضوح الفرق بين الجهاد الإسلامي وهذه الحروب من ناحية أخلاقيات الجهاد ونتائجه.
إن الجهاد الإسلامي في إطار مشروعيته يحتاج إلى كل ما بذل له من تضحية وعطاء، ولو تضاعف الجهد لكان خيرًا وبركة.
ويبقى الجهاد في مشروعيته محافظًا على حقيقته، وغايته على الزمن كله.
ومن حكمة الله أن آيات الجهاد تورده مرتبطًا بسببه وعلته، يقول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢.
ويقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣.
ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٣٩. ٢ سورة البقرة: ١٩٠. ٣ سورة التوبة: ٣٦. ٤ سورة البقرة: ٢٥١.
[ ٦٣٦ ]
وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.
إنه تشريع رباني بسبب أنهم ظلموا!
ولرد عدوان المعتدي ومقاتلة من يقاتل!
ولمعاملة الأعداء بمثل ما يعملون!
ولإنقاذ البشرية من ظلم الطغاة واستبداد المتجبرين وحتى لا تنهدم الحضارات على رءوس أصحابها!
وقد سبق عند الحديث عن مراحل تشريع الجهاد في بيان واضح لهذه القضية.
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٤٠.
[ ٦٣٧ ]
٢- الجهاد يحمي حرية الإنسان:
أظهر الجهاد الإسلامي قيام الإسلام على المبادئ النبيلة، التي تحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتعمل على ضمان حرية الإنسان بصورة مطلقة، وذلك يتضح من خلال بعض الملاحظات في حركة الإسلام بين الناس، وأهمها:
أ- إن الإسلام فكرة قائمة على بعض المعاني التي لا بد من فهمها، قبل الإيمان بها والعمل بمقتضاها، ومن المعلوم أن حركة الأفكار تحتاج إلى الحرية، لتظهر الفكرة قولا يسمع ومعنى يتدبر، واتجاهًا يتحول إلى عمل وسلوك، وبدون الحرية لا تجد الأفكار مجالا تعيش فيه وتتحرك خلاله، وإذا فقد الإنسان الاختيار الحر فإنه يتصرف ويعمل بلا اقتناع أو رضى وهذا شأن يأباه الإسلام ويمنعه.
ب- ومن الحقائق المؤكدة تشريعيًا، وعمليًا، أنه لا إكراه في اعتناق الإسلام.
فكل النصوص الدينية تؤكد أن الإسلام يعتمد على الدليل والبرهان، ويقوم على الرضى والاقتناع، يقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿هُوَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٥٦.
[ ٦٣٧ ]
اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ١ ويقول تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ٢ والآيات واضحة الدلالة على أن دين الله تعالى يقوم على الإرادة الحرة والمشيئة الطليقة، ولا حرج فيه أبدًا.
هذا من الناحية التشريعية، أما الناحية العملية التطبيقية فهي تؤكد أن ذلك هو ما حدث في عالم الواقع، ولم يتحدث المؤرخون أو بعضهم أن جماعة من الناس، أو واحدًا من الأفراد دخل في الإسلام قهرًا وجبرًا، وكل ما قام به المجاهدون بعد انتصارهم هو إزالة الطغاة الجاثمين، وصيانة الأموال والأعراض، وتيسير أمر الحياة، وإعلان سيادة الله في الأرض هذا وفقط. مما أدى بالناس إلى التفكير والتدبير، والمقارنة فدخلوا في الإسلام طواعية واختيارًا بعد فهم واقتناع.
إن الناس دخلوا في الإسلام راضين سعداء، ولذلك نراهم يسارعون إلى معرفة لغة الإسلام، وحفظ القرآن الكريم والمحافظة على سنة نبيه الكريم.
ومما يؤكد الحرية في الاقتناع ما رأيناه من إيمان القوة الغالبة المنتصرة على المسلمين المنهزمين كما حدث في إسلام التتار، فلقد دخلوا في الإسلام بعد هزيمة المسلمين بعد معرفتهم بحقيقة الإسلام، وإيمانهم بصدق وصواب ما جاء به.
يقول أرنولد توينبي: إن الإسلام في جوهره دين عقلي بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية، وهو يعتمد الأسلوب العقلي طريقًا لإقامة العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق، والحق أن محمدًا كان متحمسًا لدينه وكان يمتلك غيرة الإيمان، ونار الاقتناع، عرض دعوته على أنها وحي وإلهام وأن لدينه كل العلامات التي تدل على أنه مجموعة من العقائد قامت على أساس المنطق والعقل٣.
لقد بقي الإسلام صامدًا في وجه الهجمات الاستعمارية التي استولت على العالم
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٧٨. ٢ سورة الكهف: ٢٩. ٣ الدعوة إلى الإسلام ص٤٥٥.
[ ٦٣٨ ]
كله، لما فيه من خير وصلاح، يؤكد هذا الأمر ما نراه دائمًا من إسلام عديد من الناس وهم بين أقوام غير مسلمين وفي ثنايا قوة تحارب الإسلام، وما ذلك إلا لاقتناعهم التام الذي جعلهم يتركون دين آبائهم، ويهاجرون بعد إسلامهم إلى المسلمين وديار الإسلام ليقوموا بواجب الأمانة التي تحملوها بإسلامهم.
ولا يمكن القول بأن الجزية تمثل إكراهًا ماديًا، يدفع الفقراء إلى الإسلام ليبتعدوا عنها. لا يقال ذلك لأن المسلم يدفع أضعاف هذه الجزية حين يؤدي ما عليه من واجبات دينية مثل دفع الزكاة، وأداء صدقة الفطر، وتحمل مغارم الكفارات العديدة، في الوقت الذي يعفى فيه دافع الجزية من الاشتراك في الجهاد، وعمليات تأمين الأمة، بينما المسلم يقوم بذلك على وجه الوجوب والفرضية.
ج- الجانب الباطني في الإنسان لا يعلمه إلا الله تعالى، وارتباط الإيمان في الإسلام بهذا الجانب تأكيد واضح على ضرورة الحرية للاقتناع والإيمان.
إن النفاق لا يغني من الحق شيئًا، والمنافق خطر على الإسلام أكثر من خطورة الكافر، لأن المنافق عدو خفي، والكافر عدو ظاهر، والعدو الخفي ضرره أكثر، وإيذاؤه أشد.
ويوم أن ظهر المنافقون في المدينة حذر الله منهم وبين للرسول ﷺ مظاهرهم، ومواطن الخطر من قبلهم فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
والآيات واضحة الدلالة على سلوك المنافقين السيئ، فلقد كانوا يأتون إلى النبي ﷺ ويحدثونه بألسنتهم حديثًا مخالفًا لما في قلوبهم، وينطقون بكلمة الحق مع أنهم لا يقرون بها،
_________________
(١) ١ سورة المنافقون الآيات: ١-٤.
[ ٦٣٩ ]
فهم كاذبون في إقرارهم، حيث لا ارتباط له بما في قلوبهم، ونراهم يسارعون إلى الأيمان الكاذبة لإبعاد التهمة عنهم، مع أنهم بهذه الأيمان يبالغون في الكذب. ويتصورون أنهم خدعوا بذلك رسول الله ﷺ والمؤمنين. إن هؤلاء المنافقين يبدون في صورة حسنة، وقلوبهم مملوءة بالسوء. لهم كلام منمق، لكنه السم الزعاف، وهم مدركون لفعلهم ولذلك يعيشون خائفين، يتوقعون انكشاف أمرهم في كل لمحة ولفتة.
﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
هذا هو موقف الإسلام من النفاق والمنافقين قديمًا وحديثًا، ولذلك فلا قيمة للإيمان إذا لم ينبع من الباطن القلبي. وذلك شأن لا يتحقق إلا في إطار الحرية، والاختيار الكريم.
د- يتكون الإسلام من أساسيات أخلاقية تعتمد على التسامح والعفو، وحب الخير لسائر الناس مع الالتزام بالصدق والأمانة وضرورة مراعاة حقوق الآخرين، والمحافظة على القيام بالواجب بكل دقة. ودين هذا شأنه لا يتصور منه إهانة الإنسان في عقله، وفي إرادته أو في حياته أو في أي جانب إنساني.
في إطار هذه الملاحظات يعمل الجهاد ويتحرك المجاهدون؛ ولذلك نرى الجهاد يحمي حرية الناس، ويحفظ عقلهم، ودينهم، وأموالهم.
_________________
(١) ١ سورة المنافقون: ٤. ٢ سورة محمد: ٢٩.
[ ٦٤٠ ]
٣- الجهاد يصون كرامة الإنسان:
كرم الله الإنسان منذ خلقه، وسخر كل ما في الوجود لخدمته وسعادته، وأرسل إليه رسله وأنبياءه ليستقيموا به على المنهج الرباني السديد، لكن الإنسان ظلم نفسه، وبعد عن ربه فلعب به الهوى، واستحوذ عليه الشيطان، فصار عبدًا لشهواته وغرائزه.
وانتهز أنصار الشر خيبة الناس فتمكنوا منهم وحولوهم إلى قطعان من العبيد، وتحكموا في رقابهم تحكم المالك في غنمه ومواشيه، ولذلك انقسم العالم إلى جزئيات متناثرة تحت سيطرة أفراد مستبدين، وفقد الإنسان إرادته، وضاعت كرامته.
فلما جاء الإسلام وجد هذه الفوضى فكون من المسلمين أمة مجاهدة تنشر العدل، وتصون الأمن، وتحقق كرامة الإنسان.
لقد شرع الله الجهاد، وحدد وسائله وغاياته، وطبقه المسلمون بكل دقة وشدة حتى تحققت في عالم الواقع كرامة إنسانية عاشها كثيرون، كرامة لم يتصورها أحد من الناس.
لقد جاهد المسلمون بعد الهجرة أقل من عشر سنوات قاموا خلالها بأكثر من مائة غزوة وسرية، تحملوا خلالها كثيرًا من الألم والتعب، والشهادة لكنهم حققوا في عالم الحياة أمة عادلة منصفة، وأزاحوا من حياة الناس مظالم الفرس والروم، واستبداد العرب وجاهلية الفوضى والعصبية، وأوجدوا بدل ذلك الإنسان الكريم الذي يعيش لله، ويعمل لله، ويموت لله، وفي ذلك الدلالة على تكريم الجهاد للناس.
إن مقارنة أمينة بين وضعية العالم قبل الإسلام وبين وضعيته تحت سيادة الإسلام تؤكد مدى الخير الذي قدمه الإسلام للناس من كافة النواحي.
لقد نظم الإسلام حياة الناس.
- حدد حق الحاكم ومسئولياته، وواجباته.
- وضح حقوق الناس وصان لهم النفس، والعقل، والعرض، والمال، والاعتقاد.
- أرسى أسس السلوك القويم، وأعلى مكارم الأخلاق.
- بين العقوبات الملائمة للجرائم لصيانة المجتمعات البشرية من الهمجية والعدوان.
- أعلى مقام العلم وجعله حقًا ضروريًا لكل رجل وامرأة.
- دعا إلى السعي والعمل وبذل أقصى الوسع للنجاح ويسر لذلك الطريق.
- أعطى لكل فرد ما يستحقه من جزاء وثواب تبعًا لطاقاته العقلية وإمكاناته العملية.
- حدد حقوق كل من الرجل والمرأة بما يضمن لكليهما الحياة السعيدة المستقرة.
- حقق بين أفراد المجتمع تكافلا كاملا يحقق العدل والمساواة.
ولم يحقق الإسلام هذا في عالم الواقع إلا بجهاد المسلمين وتضحياتهم وتلك هي مسئولياتهم إلى يوم القيامة.
[ ٦٤١ ]
٤- الجهاد يبرز إيجابية الإنسان المسلم:
أبرز تشريع الجهاد حقيقة الإنسان المسلم، في باطنه، وظاهره، وخلقه.
فهو في باطنه يسلم أمره لله ورسوله، ويؤمن بكل ما يبلغه من الرسول ﷺ.
وليست الحياة الدنيا في مفهوم المسلم مغنمًا يحرص عليه، وإنما هي مجال يطيع الله فيه، ليغنم رضوان الله وجنته بعد هذه الحياة الدنيا.
إن الجهاد يبرز أعلى درجات الاستسلام والطاعة لله تعالى؛ لأن المجاهد يدفع روحه لله، ويقبل الموت راضيًا به، ليفوز برضوان الله تعالى.
إن سائر العبادات رقي في حياة المسلم، واستمرارية لطهارة الدنيا، وعظمتها والهجرة من مكة إلى المدينة كانت خلاصًا من الضعف، والقلة، والأذى، وانتقالا إلى القوة، والكثرة، والغلبة، والتخلص من عدوان الكفر، وأذى المشركين، فهي رقي دنيوي في طاعة الله تعالى.
إن الجهاد هو بذل للمال، وللنفس، وترك الدنيا، من أجل إعلاء كلمة الله وذلك كان ذروة سنام الإسلام، وقد جعل الله المجاهدين صفوة الخلق، وأكرمهم عنده وجدد الله حياتهم بعد استشهادهم، وضاعف رزقهم، وأحاطهم بالبشر، والسرور، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
[ ٦٤٢ ]
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
إن التضحية لإحقاق الحق، وإبطال الباطل شهامة وبطولة يقدم عليها العظماء من الناس، وهي مناط إظهار إيجابية المجاهدين في سبيل الله تعالى.
لقد قام المجاهدون بما تعلموه من رسول الله ﷺ فلم يبدءوا بعدوان، وإنما كانوا يبدءون بعرض الإسلام وشرح أعماله ومراميه، ودفع ما يثار حوله من شبه وافتراء، وكانوا يعرضون الجزية يدفعها من يأبى الإسلام ليكون له العهد والذمة.
ولم يتعد المجاهدون على شيخ كبير أو امرأة أو صغير أو راهب في صومعة أو بيعة. إن الجهاد في الإسلام معلومة غايته، مبينة وسيلته، من خلال تشريعه الصريح، وتطبيقاته في الأمم، التي تمتعت به، وهو في مجمله قوة تؤمن بالله، وتستمد طاقتها من شريعة الله، وتبرز غايتها المعلنة منذ أن جاء الإسلام للناس.
إن تكوين القوى الدولية التابعة للأمم المتحدة تنطلق من هذا المفهوم الذي نرجو له أن يتطابق وسمه مع رسمه وتلتقي فكرته مع واقعه ليكون عونًا للضعفاء، ومساعدة للمحتاجين.
إن المجاهد لا يطلب مجدًا شخصيًا، ولا سلطانًا قوميًا، ولا استعلاء أمميًا، وإنما كل غايته تحقيق العبودية للمعبود، وإعلاء سلطان الله في الأمم كلها.
وبذلك فالمسلم المجاهد إنسان إيجابي يفيد الإنسانية كلها.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٦٩-١٧٤.
[ ٦٤٣ ]
٥- الواقعية في تشريع الجهاد:
لم يغب تشريع الجهاد مطلقًا عن مصلحة الناس، ومراعاة واقعهم العملي، حيث رأيناه في مكة لم يكلف المسلمين بجهاد، وإنما أمرهم بالصبر، والعفو لقلة عددهم وضعف أحوالهم، وغلظة أعدائهم، وفي نفس الوقت لم يوجه لومًا لمسلم ينتصر لنفسه ضد بغي وقع عليه، إذا رأى الانتصار ممكنًا، ولا يؤدي إلى ضرر أكبر.
وقد تحدث الوحي عن الجهاد بالإذن فيه، أو بالأمر به، ليعلم أهل مكة ومن يشايعهم أن قضية الإسلام لم تنته بالهجرة إلى المدينة، ولكن الحقيقة أن الهجرة تؤكد أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأنها ستكون أقوى من سابقتها، وأن الاستقامة على الحق ضرورة واجبة، والدعوة إلى الله أمر لن يتوقف، وأن قوة المسلمين ستكون في خدمة الدعوة دائمًا، وستبقى في حماية الحركة بالإسلام.
وقد تحقق في عالم الواقع أن أهل مكة وقبائل العرب وغيرهم أدركوا هذا الأمر وتيقنوا أن الإسلام تحميه قوة المسلمين، ويبلغه للعالم رجال يبذلون له كل ما يمكنهم من نفس ومال، وعمل.
حين شرع الله للمسلمين أن يتصدوا للظلم والعدوان عرفهم أن ذلك هو الجهاد. الذي كلفوا به، في إطار نظام متكامل يتضمن الدعوة أولا، ويتمسك بالخلق الحسن في كافة مراحله، ويملأ المجاهد بحب الجهاد، وحب الموت في سبيل الله.
وبإعلان الإسلام للجهاد نظامًا له منهجه، وهدفه، علم العرب جميعًا مدى حب المسلم لدينه، ومدى ربطه سعادة الآخرة بعمل الدنيا، ومدى تمنيه الموت مجاهدًا في سبيل الله تعالى، وهذا أمر يدفع الناس إلى التفكير الجاد في شأن الإسلام، ورجاله، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ.
أظهر تشريع الجهاد إيجابية الإسلام في معالجة مشاكل الناس، فالمسلم لا يجاهد لكسب مادي، وإنما يجاهد لضمان حرية الإنسان في التفكير، وصيانة عقله من الغوغائية والتسلط، وإزاحة الظلم والاستبداد من عالم الناس، وهذا شأن يجب أن يذكر به الجهاد الإسلامي.
إن العالم الحديث يلزم الأقوياء، والأغنياء بمعاونة الضعفاء، والمحتاجين في إطار مجموعة من النظم، والمواثيق، والمؤسسات الدولية، وذلك شاهد يؤكد عظمة تشريع الجهاد، وسبق الإسلام في تكليف المسلمين بقهر الظلم ودفع البغي، وإزاحة الطواغيت لقد تصدى الإسلام لأناس تألهوا على الناس، واستعبدوا البشر، وحولوا الأحرار إلى قطعان
[ ٦٤٤ ]
من الأنعام، وأقاموا سدًا يمنع نور الحق من الوصول للأفهام، فلما جاء الإسلام، وظهرت قوة المسلمين، انزاحت القوى المتسلطة، وتبين الرشد من الغي، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. إن هذه الإيجابية الإسلامية معروفة مقررة، بشهادة التاريخ، وبشهادة الواقع يقر بها كل منصف آمين.
وقد تعرضت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث بادعاء أن جهادها كان ظالمًا قائمًا على الاعتداء والغدر، وهذا افتراء واضح لأن الجهاد الإسلامي لم يكن إلا ردًا لظلم ودفعًا لعدوان، وحماية للدعاة في حياتهم وعملهم.
لقد أدت النتائج الأولى للجهاد إلى تحقيق حرية التفكير لسائر الناس، وصيانة حقوقهم الضرورية المرتبطة بإنسانيتهم، وحمايتهم، وحماية أموالهم في إطار تحديد ما لهم وما عليهم في دولة الإسلام.
[ ٦٤٥ ]
٦- ظهور فقه الإسلام في الجهاد:
أدى تشريع الجهاد في الإسلام إلى ظهور الأحكام التفصيلية لأعمال الجهاد بمختلف مراحله، وأصبح المسلمون مسئولين عن رعاية هذه الأحكام، وتطبيقها في عالم الواقع، ومن هذه الأحكام:
أ- إعداد القوة لحماية البلاد والعباد، والدين، وذلك بتنفيذ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ١.
ومن الواضح في الآية أن إعداد القوة، وتجهيز الجيش سبب لتحقيق السلام، وضمان الحقوق؛ لأن أعداء الحق إذا رأوا يقظة صاحب الحق يخافون منه، ويبتعدون عن مصادمته، ومن مسلمات الحضارة الحديثة أن الأمم الجادة تجهز جيشها، وتعده لحماية أمنها وسلامتها، ولذا لم يكن عجبًا وجود وزارات ومؤسسات في كل دولة
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٠.
[ ٦٤٥ ]
لإعداد العدة، وتجهيز القوة حماية للمصالح، وصيانة لحقوق المواطنين من أي عدوان يلحق بها، ونشر الأمن لكل خاضع لنظام الدولة وسيادتها.
ولذا كان توجيه المسلمين لإعداد القوة من بدهيات العقل، ومسلمات العمران والتقدم ومن أساسيات ضمان الأمن وتحقيق السلام.
ب- ضرورة التهيئة النفسية، وتقوية الجانب الروحي في الإنسان، لينشأ المسلم شجاعًا قويًا، لا يخاف إلا من الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
إن الخور والضعف أمام العدو يولد الهزيمة، ويورث الوطن والأمة الذل والهوان، ولذلك كان واجبًا تربية الأمة على التحمل والصبر، والقيام ببعض ما يكرهون في إطار متطلبات الأمة، ونظامها.
ج- تعلم المجاهدون من تطبيقات الجهاد مع رسول الله ﷺ النظم العسكرية التي بها يتحقق النصر، من حسن التخطيط، وسعة المشاورة، ومعرفة أسرار العدو، ومقابلة الخصم بما يكافئه، مع التوكل على الله، والاستعانة به ﷾.
د- بينت الشريعة الإسلامية أحكام الإسلام قبل القتال عن طريق تنشيط العلاقات الدولية، ومناقشة الخصم في القضايا المثارة، وعرض الإسلام عليه، عسى أن يتحقق السلام وينتشر الأمن في إطار حكيم حسن، بالكلمة الحرة، والقول الأمين ولذلك كان عرض الإسلام على الآخرين أمرًا واجبًا على من يتصدى لهم ويقابلهم.
هـ- تعلم المسلمون من الجهاد، أهمية القيادة، وضرورة طاعة القائد فيما يأمر به لأنه يوجه الجماعة وفق مرئيات لا يدركها جميع المجاهدين ولأن المواقف الصعبة والمصيرية تحتاج إلى الحسم والتنفيذ، ويضيعها التردد؛ ولذلك كانت طاعة الحاكم قضية واجبة في ميدان الحرب، منعًا للهزيمة والفشل.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٥.
[ ٦٤٦ ]
وتعلم المسلمون من الجهاد شروط مهادنة الأعداء، وطرق التعامل معهم قبل القتال، وأثناءه، وبعده وأساسها العزة، والتزام الحق، والقيام بالواجب.
ز- استفاد المسلمون طرق التعامل مع الغنائم، والفيء، والأسرى كما هو مفصل في كتب الفقه على ضوء التعاليم التي نزل الوحي بها.
ح- وأبواب الفقه مليئة بتفصيلات توضح مكانة الشهيد، ومنزلته عند الله، وكيفية دفنه، والصلاة عليه.
ط- تعلم المسلمون أن النصر لا يعني الغرور والاستعلاء وإنما هو عطاء إلهي، وتقدير رباني يحتاج إلى الشكر، ومداومة الطاعة، واستمرارية العمل لدين الله تعالى.
وهكذا ظهر فقه الجهاد من خلال تطبيقاته في المدينة المنورة.
[ ٦٤٧ ]
المبحث الخامس عشر: وجاء نصر الله
مدخل
No pages
[ ٦٩٩ ]
أولا: تتابع مجئ الوفود إلى المدينة
أولا: تتابع مجيء الوفود إلى المدينة
تيقن العرب من انتصار الإسلام، وآمنوا بصدقه وأحقيته فأسرعوا إلى الدخول فيه وبدءوا يرسلون وفودًا من قبلهم يمثلونهم لمبايعة رسول الله ﷺ وتعلم الإسلام، وكان العام التاسع هو قمة هذا التحرك الشامل.
أورد ابن سعد في الطبقات تفصيلات عن سائر الوفود التي جاءت للمدينة المنورة سواء قل عدد أفراد الوفد أو كثر، وسواء كان مجيئها في السنة التاسعة أو العاشرة أو قبل التاسعة أو بعد العاشرة، وسواء أعلن الوفد إسلامه أو اتفق على دفع الجزية، ويمكن مراجعة تفصيلات الوفود في كتب السنة، وفي كتب التاريخ ومؤلفات السيرة وغيرها.
[ ٦٤٨ ]
ومن أهم الوفود١ التي جاءت إلى المدينة ما يلي:
١- وفد أحمس:
قدم قيس بن غربة الأحمسي في مائتين وخمسين رجلا من أحمس فقال لهم رسول الله ﷺ: "من أنتم"؟.
فقالوا: نحن أحمس الله، وكان يقال لهم ذلك في الجاهلية.
فقال لهم رسول الله ﷺ: "وأنتم اليوم لله".
وقال رسول الله ﷺ لبلال: "أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيين". ففعل.
٢- وفد أزد شنوءة:
قدم على رسول الله ﷺ صرد بن عبد الله الأزدي في وفد من الأزد مكون من بضعة عشر رجلا فنزلوا على فروة بن عمرو، فحباهم وأكرمهم وأقاموا عنده عشرة أيام فأسلموا، وكان صرد أفضلهم، فأمره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن.
٣- وقد أزد عمان:
أسلم أهل عمان فبعث إليهم رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي يعلمهم شرائع الإسلام ويأخذ صدقة أموالهم، فخرج وفدهم إلى رسول الله ﷺ فيهم أسد بن بيرح الطاحي، فلما قابلوا رسول الله ﷺ سألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم، فقال مخربة العبدي واسمه مدرك بن خوط: ابعثني إليهم فإن لهم عليّ منة، أسروني يوم جنوب فمنوا عليّ، فوجهه ﷺ معهم إلى عمان.
وقدم سلمة بن عياذ الأزدي في أناس من قومه، فسأل رسول الله ﷺ عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبرهم رسول الله ﷺ فقال: ادع الله لي أن يجمع كلمتنا وألفتنا،
_________________
(١) ١ تراجع تفصيلات الوفود في المغازي، والطبقات، وزاد المعاد.
[ ٦٤٩ ]
فدعا رسول الله لهم، فلما رجع سلمة إلى قومه أسلموا وبارك الله فيهم.
٤- وفد بني أسد:
قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله ﷺ في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، وطليحة بن خويلد، ونقادة بن عبد الله بن خلف، ورسول الله ﷺ في المسجد مع أصحابه، فسلموا وقال متكلمهم: يا رسول الله! إنا شهدنا ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله فقبل منهم رسول الله، وسر بإسلامهم وأمرهم بدعوة قومهم، وتعليمهم الإسلام وأكرم وفادتهم ثم عادوا إلى ديارهم.
٥- وفد أسلم:
قدم عمير بن أفصى في جماعة من أسلم فقالوا: قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا منهاجك فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتها فإنا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء والنصر في الشدة والرخاء.
فقال رسول الله ﷺ: "أسلم سلمها الله، وغفار غفر الله لها".
وكتب رسول الله ﷺ لأسلم، ومن أسلم من قبائل العرب ممن يسكن السيف والسهل، وفيه ذكر الصدقة والفرائض في المواشي.
وكتب الصحيفة ثابت بن قيس بن شماس، وشهد عليها أبو عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب ﵄.
٦- وفد أسيد بن أبي أناس:
قال ابن عباس ﵁: أهدر رسول الله ﷺ دم أسيد بن أبي أناس لما بلغه أنه هجاه، فأتى أسيد الطائف فأقام بها، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة خرج سارية بن زنيم إلى الطائف.
فقال له أسيد: ما وراءك؟
[ ٦٥٠ ]
قال سارية: قد أظهر الله تعالى نبيه ونصره على عدوه، فاخرج يابن أخي إليه فإنه لا يقتل من أتاه.
فحمل أسيد امرأته، وخرج وهي حامل تنتظر، وسار نحو مكة فألقت غلامًا عند قرن الثعالب وأتى أسيد أهله فلبس قميصًا واعتم، ثم أتى رسول الله ﷺ وسارية بن زنيم قائم بالسيف عند رأسه يحرسه، فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ وقال: يا محمد أهدرت دم أسيد؟
قال: "نعم".
قال: تقبل منه إن جاءك مؤمنًا؟
قال: "نعم".
فوضع يده في يد رسول الله ﷺ، فقال: هذه يدي في يدك، أشهد أنك رسول الله ﷺ وأشهد ألا إله إلا الله، فأمر رسول الله ﷺ وجهه وألقى يده على صدره.
٧- وفد أشجع:
قدمت أشجع على رسول الله ﷺ عام الخندق وهم مائة ورأسهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعب سلع، فخرج إليهم رسول الله ﷺ وأمر لهم بأحمال التمر، فقالوا: يا محمد لا نعلم أحدًا من قومنا أقرب دارًا منك، ولا أقل عددًا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك فجئنا نوادعك، فوادعهم ﷺ ثم أسلموا بعد ذلك.
٨- وفد الأشعريين:
روى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: $"أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا والإيمان يمان، والحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدَّادين من أهل الوبر قبل مطلع الشمس١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم كتاب الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان ج٢ ص٣٠.
[ ٦٥١ ]
وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: "أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب وهم خيار مَن في الأرض".
فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله؟ فسكت، ثم قال: إلا نحن يا رسول الله؟
فقال ﷺ: "إلا أنتم" ١.
قال: ولما لقوا رسول الله ﷺ أسلموا وبايعوا، فقال رسول الله ﷺ: "الأشعريون في الناس كصرة فيها مسك".
٩- وفد الأشعث بن قيس:
قدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس في وفد كندة في ثمانين راكبًا من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: $"ألم تسلموا؟ ".
قالوا: بلى.
قال ﷺ: "فما بال هذا الحرير في أعناقكم"؟.
فشقوه منها، فألقوه.
١٠- وفد بارق:
قدم وفد بارق على رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله ﷺ: "هذا كتاب من محمد رسول الله لبارق لا تجد ثمارهم ولا ترى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق، ومن مر بهم من المسلمين في عرك، أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام، وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط يوسع بطنه من غير أن يقتثم". شهد أبو عبيدة بن الجراح، وحذيفة بن اليمان وكتب أبي بن كعب.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٦١٩.
[ ٦٥٢ ]
١١- وفد باهلة:
قدم مطرف بن الكاهن الباهلي على رسول الله ﷺ بعد الفتح وافدًا لقومه، فقال يا رسول الله أسلمنا للإسلام وشهدنا دين الله في سماواته وأنه لا إله غيره، وصدقناك وآمنا بكل ما قلت فاكتب لنا كتابًا فكتب له:
"من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيئة من باهلة، إن من أحيا أرضًا مواتًا فيها مراح الأنعام فهي له، وعليه في كل ثلاثين من البقر فارض، وفي كل أربعين من الغنم عتود، وفي كل خمسين من الإبل مسنة، وليس للمصدق أن يصدقها إلا في مراعيها وهم آمنون بأمان الله".
ثم قدم نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله ﷺ وافدًا لقومه، فأسلم وكتب رسول الله ﷺ للوفد ولمن أسلم من قومهم كتابًا فيه شرائع الإسلام.
وكتبه عثمان بن عفان ﵁.
١٢- وفد بني البكاء:
وفد من بني البكاء على رسول الله ﷺ سنة تسع ثلاثة نفر على رأسهم معاوية بن ثور بن عبادة البكائي، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء، ومعهم عبد عمرو، وهو الأصم، فأمر لهم رسول الله ﷺ بمنزلة وضيافة، وأجازهم، ورجعوا إلى قومهم، وقال معاوية للنبي ﷺ: إني أتبرك بمسك، وقد كبرت وابني هذا بر بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله ﷺ وجه بشر بن معاوية وأعطاه أعنزًا عفرًا وبرك عليهن.
١٣- وفد بني بكر بن وائل:
قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله ﷺ، فقال له رجل منهم: هل تعرف قس بن ساعدة؟
[ ٦٥٣ ]
فقال رسول الله ﷺ: "ليس هو منكم، هذا رجل من أباد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظًا والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه".
وكان في الوفد بشير بن الخصاصية، وعبد الله بن مرثد، وحسان بن حوط.
وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف عن عمرو بن الحارث بن سدوس وكان ينزل اليمامة فباع ما كان له من مال باليمامة، وهاجر وقدم على رسول الله ﷺ بجراب من تمر فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة.
١٤- وفود بلى:
قدم وفد من بلى في شهر ربيع الأول سنة تسع فأنزلهم ﷺ في منزل ببني جديلة، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه في بيته في الغداة فسلموا عليه وتكلموا معه فقال ﷺ: "يا رويقع".
قال: لبيك.
قال ﷺ: "من هؤلاء القوم"؟.
قال: قومي.
قال ﷺ: "مرحبا بك وبقومك".
قال: يا رسول الله ﷺ قدمنا وافدين عليك، مقرين بالإسلام ونحن على من وراءنا من قومنا.
فقال رسول الله ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يهده للإسلام".
قال فتقدم شيخ الوفد أبو الضبيب فقال: يا رسول الله إنا قدمنا عليك لنصدقنك ونشهد أن ما جئت به الحق، ونخلع ما كنا نعبد ويعبد آباؤنا.
فقال رسول الله: "الحمد لله الذي هداكم للإسلام فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار" ١.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص٣٣٠.
[ ٦٥٤ ]
١٥- وفود تجيب:
قدم وفد تجيب على رسول الله ﷺ وهم ثلاثة عشر رجلا، وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله ﷿، فسر رسول الله ﷺ بهم وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله ﷺ سقنا إليك حق الله في أموالنا.
فقال ﷺ: "ردوها فاقسموها على فقرائكم".
قالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل من فقرائنا.
فقال أبو بكر: يا رسول الله ﷺ ما قدم علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب.
فقال ﷺ: "إن الهدى بيد الله ﷿، فمن أراد الله به خيرًا شرح صدره للإيمان".
وسألوا رسول الله ﷺ أشياء فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله ﷺ فيهم رغبة، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم١.
١٦- وفود بني تغلب:
قدم على رسول الله ﷺ وفد بني تغلب ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فصالح رسول الله ﷺ النصارى على أن يقرهم على دينهم، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم.
١٧- وفود ثمالة والحدان:
قدم عبد الله بن علس الثمالي، ومسلمة بن هاران الحداني على رسول الله ﷺ في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ على قومهم، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم كتبه ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة.
_________________
(١) ١ المستدرك للحاكم ج٢ ص٦١.
[ ٦٥٥ ]
١٨- وفود جذام:
وفد رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامي، ثم أحد بني الضبيب على رسول الله ﷺ في الهدنة قبل خيبر، وأهدى له عبدًا وأسلم فكتب رسول الله ﷺ كتابًا: "هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لرفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى رسول الله فمن آمن -وفي لفظ- فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسول الله ومن أدبر -وفي لفظ- من أبى فله أمان شهرين". فلما قدم على قومه أجابوه وأسلموا.
١٩- وفود جرم:
روى ابن سعد عن سعد بن مرة الجرمي عن أبيه قال: وفد على رسول الله ﷺ رجلان منا يقال لأحدهما: الأصقع بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح، والآخر هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح فأسلما، وكتب لهما رسول الله ﷺ كتابًا.
٢٠- وفود جرير بن عبد الله البجلي:
بعث إليّ رسول الله ﷺ فأتيته فقال: "ما جاء بك"؟.
قلت: جئت لأسلم. فألقى إليّ كساءه وقال: "إذًا أتاكم كريم قوم فأكرموه ".
فقال رسول الله ﷺ: "أدعوك إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله وأن تؤمن بالله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان، وتنصح لكل مسلم، وتطيع الوالي وإن كان عبدًا حبشيًا".
٢١- وفود همدان:
قدموا سنة تسع بعد مرجعه ﷺ من تبوك، فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمّر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وبعث إلى سائرهم خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام، فأقام ستة أشهر يدعوهم فلم يجيبوه، ثم بعث علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالدًا، فجاء عليّ إلى همدان، وقرأ عليهم كتابًا
[ ٦٥٦ ]
من رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعًا، وكتب عليّ ببشارة إسلامهم إلى رسول الله ﷺ فلما قرأ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان".
٢٢- وفود فزارة:
قدم هذا الوفد سنة تسع بعد مرجعه ﷺ من تبوك، قدم في بضعة عشر رجلا جاءوا مقرين بالإسلام، وشكوا جدب بلادهم، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فرفع يديه واستسقى وقال: "اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا، مغيثًا، مريحًا، طبقًا، واسعًا، عاجلا، غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء" ١.
٢٣- وفد نجران:
كانت وفادة أهل نجران٢ سنة تسع، وقوام الوفد ستون رجلا، منهم أربعة وعشرون من الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران، أحدهم العاقب، كانت إليه الإمارة والحكومة واسمه عبد المسيح، والثاني السيد، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية واسمه الأيهم أو شرحبيل، والثالث الأسقف وكانت إليه الزعامة الدينية، والقيادة الروحانية، واسمه أبو حارثة بن علقمة.
ولما نزل الوفد بالمدينة، ولقي النبي ﷺ سألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول في عيسى ﵇، فمكث رسول الله ﷺ يومه ذلك حتى نزل عليه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٣ ص٦٥٣. ٢ زاد المعاد ج٣ ص٦٢٩.
[ ٦٥٧ ]
مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ١.
وقالوا: إنا نعطيك ما سألتنا، فقبل رسول الله ﷺ منهم الجزية، وصالحهم على ألفي حلة ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله، وترك لهم الحرية الكاملة في دينهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلا أمينًا فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح، ليقبض مال الصلح.
ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعدما رجعا إلى نجران، وأن النبي ﷺ بعث إليهم عليًا، ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين.
٢٤- وفد بني حنيفة:
كانت وفادتهم سنة تسع وكانوا سبعة عشر رجلا فيهم مسيلمة الكذاب وهم مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث من بني حنيفة، نزل هذا الوفد في بيت رجل من الأنصار، ثم جاءوا إلى النبي ﷺ فأسلموا، واختلفت الروايات في مسليمة الكذاب، ويظهر بعد التأمل في جميعها أن مسيلمة صدر منه الاستنكاف والأنفة والاستكبار والطموح إلى الإمارة، وأنه لم يحضر مع سائر الوفد إلى رسول الله ﷺ وأن النبي ﷺ أراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل أولا، فلما رأى أن ذلك لا يجدي فيه نفعًا تفرس فيه الشر.
٢٥- وفد بني عامر بن صعصعة:
كان فيهم عامر بن الطفيل عدو الله وأربد بن قيس أخو لبيد لأمه وخالد بن جعفر وجبار بن جعفر، وجبار بن أسلم، وكانوا رؤساء القوم، وشياطينهم وكان عامر هو
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٥٩-٦١.
[ ٦٥٨ ]
الذي غدر بأصحاب بئر معونة، فلما أراد هذا الوفد أن يقدم المدينة تآمر عامر وأربد، واتفقا على الفتك بالنبي ﷺ، فلما جاء الوفد جعل عامر يكلم النبي ﷺ، ودار أربد خلفه، واخترط سيفه شبرًا ثم حبس الله يده فلم يقدر على سله وعصم الله نبيه ودعا عليهما النبي ﷺ، فلما رجعا أرسل الله على أربد وجمله صاعقة فأحرقته، وأما عامر فنزل على امرأة سلولية فأصيب بغدة في عنقه فمات وهو يقول: أغذة كغدة البعير وموتًا في بيت السلولية.
وفي صحيح البخاري: أن عامرًا أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين خصال ثلاث: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، فطعن في بيت امرأة، فقال: أغدة كغدة البعير، في بيت امرأة من بني فلان ايتوني بفرسي، فركب فمات على فرسه.
٢٦- وفد طيئ:
قدم هذا الوفد وفيهم زيد الخيل، فلما كلموا النبي ﷺ، وعرض عليهم الإسلام أسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله ﷺ عن زيد: "ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيته دونما يقال فيه، إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه". وسماه زيد الخير.
وهكذا:
تتابعت الوفود من كل أنحاء جزيرة العرب، ودخل الجميع في دين الله أفواجًا.
وقد استعد رسول الله ﷺ وأصحابه لاستقبال الوفود، والترحيب بهم ورعايتهم وتزويدهم بما يحتاجون إليه في دين الله تعالى.
[ ٦٥٩ ]
ثانيًا: نظام استقبال الوفود
وضع النبي ﷺ نظامًا حسنًا في معاملة الوفود يعتمد على النقاط التالية:
١- استقبال الوفود:
عين رسول الله ﷺ بعض أصحابه لاستقبال الوفود حين وصولهم إلى المدينة، وتيسير معاشهم مدة إقامتهم في مدينة رسول الله ﷺ.
٢- تهيئة مكان نزول الوفود:
أعد رسول الله ﷺ عددًا من دور المدينة لإنزال الوفود بها، ومنها دار رملة بنت الحارث النجارية، وهي دار واسعة، وفيها نخيل وزروع، وقد نزل بها وفد سلامان، ووفد تميم بن عيينة بن حصن، ووفد بني كلاب، ومنها دار المغيرة بن شعبة، ونزل بها الأخلاف من ثقيف، ومنها دار أبي أيوب الأنصاري ونزل بها وفد نجران، ومنها دار يزيد بن أبي سفيان، ونزل بها وفد همدان، ومنها دار بلال، وقد نزل بها ملك أيلة حين قدم مع أهل الشام واليمن.
٣- إكرام الوفد:
أمر النبي ﷺ أصحابه بأن يحسنوا استقبال الوفود، ويكرموا وفادتهم فقاموا بذلك خير قيام، ففي طبقات ابن سعد أن وفد بني حنيفة نزلوا دار رملة فأكلوا مرة خبزًا ولحمًا، ومرة خبزًا ولبنًا، ومرة خبزًا وسمنًا.
وفيه أن النبي ﷺ رحب بوفد تجيب، وأكرمهم، وحباهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، ووفادتهم.
٤- الاستعداد للقاء الوفد:
اتخذ النبي ﷺ قبة في المسجد النبوي يستقبل فيها الوفود، وجعل خالد بن سعيد بن العاص لاستقابلهم، وتهيئة لقائهم برسول الله ﷺ ويستأذن لهم عند رسول الله ﷺ.
وكان الرسول ﷺ حين يلتقي بالوفد يلبس أحسن ثيابه، ويأمر أصحابه بذلك، فقد لبس ﷺ وأبو بكر وعمر يوم استقبال وفد كندة حللا يمانية وقد بنى الصحابة لرسول الله ﷺ دكة من طين يجلس عليها حين يستقبل الوفود.
٥- الاستماع للوفد أولا:
كان الرسول ﷺ يستقبل الوفد، ويستمع منه أولا، ليعرف موضوعه، ومذهبه وبعد ذلك يرد عليه، أو يكلف أحدًا من أصحابه بالرد.
وكان يجيب على أسئلة الوفد ويعرض عليهم الإسلام، ويقبل منهم الجزية، وكان يسمع للوفد أولا، ثم يرد عليهم.
وأكتفي هنا بإيراد نموذجين:
[ ٦٦٠ ]
النموذج الأول:
قدم وفد تميم على رسول الله ﷺ وتكلم خطيبهم فقال "الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنُّ، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالا وعظامًا، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا، وأيسره عدة.
فمن مثلنا في الناس؟
ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟
فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس.
فقال رسول الله ﷺ لثابت بن الشماس، أخي بني الحارث بن الخزرج: $"قم فأجب الرجل في خطبته".
فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله.
ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبًا وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابًا وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين.
ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوو رحمه أكرم الناس حسبًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالا.
ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعا رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا وكان قتله علينا يسيرًا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ ثابت بن الشماس من قوله، قال الأقرع بن حابس وأبي: إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا.
[ ٦٦١ ]
فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم.
النموذج الثاني:
قدم ضمام بن ثعلبة وافدًا عن بني سعد بن بكر، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب.
فقال رسول الله ﷺ: "أنا ابن عبد المطلب".
قال: أمحمد؟
قال: "نعم".
قال: يابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن بها عليّ في نفسك.
قال: "لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك".
قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك لنا رسولا؟
قال: "اللهم نعم".
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟
قال: "اللهم نعم".
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟
قال: "اللهم نعم".
قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منهما كما ينشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره، راجعًا
[ ٦٦٢ ]
فقال رسول الله ﷺ: "إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة".
إن المواجهة الصادقة بين الوفود ورسول الله ﷺ كثيرًا ما كانت تحقق الثمار المطلوبة، وبها انتشر الإسلام في كل الجزيرة العربية.
٦- الإهداء للوفد:
يروي البخاري بسنده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أوصى عند موته بثلاث منها إجازة الوفد بمثل ما كان يجيزهم.
وقد أعطي النبي ﷺ قروة بن عمرو الجذامي اثني عشر أوقية من الفضة، وأعطى كل واحد من وفد تميم ذلك، وفعل ذلك مع كل من وفد عليه.
وسر هذا الإهداء أنه يولد الحب، ويعظم الإخلاص ويبرز حسن المعاملة.
٧- توديع الوفود:
كان النبي ﷺ يحسن توديع الوفود كما يحسن استقبالهم، وكان يوصيهم بالدعوة، ويبعث معهم من يعلمهم القرآن إن احتاجوا إليه.
وهكذا وضع رسول الله ﷺ سياسة حسنة في التعامل مع رجال الوفود التي قدمت إليه في المدينة المنورة لأن كل وفد يمثل قبيلته وجماعته، فتقدير الوفد وتكريمه يعد تكريمًا للقبيلة كلها.
وأيضا فإن تأليف القلوب، والتعامل الكريم، وإبراز حسن الخلق من أساسيات التحرك بالدعوة بل هو الدعوة بعينها.
ويجب على المسلمين أن يهتموا بهذا الجانب الحيوي، وبخاصة أن العالم المعاصر تشابكت مصالحه، وكثرت اللقاءات فيه، وساعدت المخترعات الحديثة في تواصل الناس، وترابط المصالح، وبذلك تلتقي الدعوة مع الفطرة، ومع التقدم الحضاري الإنساني.
[ ٦٦٣ ]
ثالثًا: حج أبي بكر ﵁ وإعلان نهاية الوثنية في الجزيرة العربية:
اقترب موسم الحج في العام التاسع الهجري فكره رسول الله أن يخرج للحج مع المشركين وبخاصة أنه ﷺ عقد معهم عقد أمان يوم تبوك.
إن اشتراك رسول الله ﷺ مع المشركين في حج البيت يؤدي إلى ضرار بالمسلمين وشعائرهم؛ لأن المشركين يعارضون بتلبيتهم تلبية المسلمين فإن قال المسلمون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك قال المشركون: إلا شريكا هو لك، كما أنهم يطوفون بالبيت عرايا، ويرفعون أصواتهم بالشرك حيث يعتقدون ذلك وليس هناك ما يمنعهم من حج بيت الله.
وفي ذلك إفساد لروحانية الحج، ومضيعة لآثاره، كما إن اشتراك الرسول معهم في حجهم وبدعهم يعد إقرارًا لهم فيما يفعلون.
لكل ذلك كره رسول الله أن يحج معهم، واستعمل على الحج أبا بكر الصديق ﵁ ليؤكد ثبات حق المسلمين في الحج وليتعلم المسلمون الحج عمليًا لأهمية العمل في إتقان أداء النسك.
خرج أبو بكر ﵁ في ثلاثمائة رجل وعشرين بدنة قلدها ﷺ النعال وأشعرها بيده ﷺ في الجانب الأيمن، واستعمل عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر ﵁ خمس بدنات، وحج عامئذ عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأهدى بدنا، وأهل أبو بكر ﵁ من ذي الحليفة.
وسار حتى إذا كان بالعرج في السحر، سمع رغاء القصواء، فإذا عليّ بن أبي طالب ﵁ عليها فقال له أبو بكر: قد استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟!
قال عليّ: لا ولكن بعثني أقرأ سورة براءة على الناس، فأنبذ إلى كل ذي عهد عهده١ وكانت عادة العرب أن القوم منهم إذا عاهد سيدهم عهدًا مع غيره لا ينقضه
_________________
(١) ١ المغازي ج٣ ص١٠٧٧، البداية والنهاية ج٥ ص٣٧.
[ ٦٦٤ ]
إلا هو أو أقرب الناس إليه من عصبته النسبية.
وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أبي بكر ﵁ أن يخالف المشركين، فيقف يوم عرفة بعرفة ولا يقف بجمع "مزدلفة" ولا يدفع من عرفة حتى تغرب الشمس، ويدفع من جمع قبل طلوع الشمس، فخرج أبو بكر ﵁ حتى أتى مكة وهو مفرد بالحج، فخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر، وطاف يوم التروية حين زاغت الشمس بالبيت سبعًا ثم ركب راحلته من باب بني شيبة، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ولم يركب حتى طلعت الشمس على ثبير١، فانتهى إلى نمرة٢، فنزل في قبة من شعر فقال فيها، وركب راحلته لما زاغت الشمس، فخطب ببطن عرفة، ثم أناخ فصلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ثم ركب راحلته فوقف بالهضاب من عرفة، فلما أفطر الصائم دفع يسير العنق حتى نزل بجمع قريبًا من النار التي على قزح٣ فلما طلع الفجر صلى الفجر ثم وقف فلما أسفر دفع وجعل يقول في وقوفه: "يا أيها الناس، أسفروا". ثم دفع قبل الشمس، وكان يسير بهدوء حتى انتهى إلى "محسر"٤ فأوضع راحلته لتسرع، فلما جاز وادي محسر عاد إلى مسيره الأول، حتى رمى الجمرة راكبًا بسبع حصيات، ثم رجع إلى المنحر فنحر، ثم حلق.
وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ يوم النحر عند الجمرة براءة، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده وقال: إن رسول الله ﷺ يقول: "لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان".
وخطب أبو بكر ﵁ يوم النحر بعد الظهر على راحلته، وأقام يرمي الجمار ماشيًا ذاهبًا وجاثيًا فلما رمى يوم الصدر هو "اليوم الرابع"، وجاوز العقبة ركب، وصلى بالأبطح الظهر والعصر وصلى بمكة المغرب والعشاء، ثم خرج من ليلته قافلا إلى المدينة٥ ولما علم العرب جميعًا بأن رسول الله ﷺ تبرأ من الشرك والمشركين، ونقض العهود التي عاهدهم عليها، وأعطاهم مهلة أربعة أشهر ليستريحوا في الأرض آمنين، ويختاروا لأنفسهم ما يريدون.
لما حدث ذلك أقبل على الإسلام من كان مترددًا، فأسلم مشركو مكة، وأقبلت وفود معان، وغسان من الشمال، وغامد، ونجران من الجنوب وهكذا جاءت الوفود من الأماكن النائية لتعلن تمام إسلام الجزيرة كلها ودخول أبنائها في دين الله تعالى.
_________________
(١) ١ ثبير مرتفع عال بمنى. ٢ نمرة واد بجوار عرفة وهو ليس منها. ٣ قزح المرتفع الذي يقف عليه الإمام عند المزدلفة. ٤ محسر واد صغير يقع بين المزدلفة ومنى يستحب الإسراع حين المشي فيه. ٥ المغازي ج٣ ص١٠٧٨.
[ ٦٦٥ ]
رابعًا: حجة الوداع وتحديد المعالم الكبرى في الإسلام
ثم كانت حجة الوداع، ويقال لها: حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة التمام، وقد أجمع ﷺ الخروج في ذي القعدة سنة عشر من مهاجره وقد أسلمت جزيرة العرب ومن شاء الله من أهل اليمن، فصلى الظهر بمسجد المدينة أربعًا، وأذن في الناس بالحج، فقدم المدينة بشر كثير يريدون أن يأتموا برسول الله ﷺ ويعملوا بعمله، وسار من المدينة متدهنًا مترجلا يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، ومعه أزواجه، وأهل بيته، وعامة المهاجرين، فلما انتهى إليه اجتماع أصحابه والهدى دخل مسجد ذي الحليفة فصلى العصر ركعتين١، ثم خرج فدعا بالهدى فأشعره في الجانب الأيمن بيده ووجهه إلى القبلة، وقلده نعلين نعلين ثم ركب ناقته، فلما استوى بالبيداء أحرم٢.
وساق مائة بدنة وأمر ناجية بن جندب أن يشعر ما فضل من البدن، واستعمله على الهدي، وكان مع ناجية بن جندب فتيان من أسلم، وكانوا يسوقونها سوقًا ويتبعون بها الرعي، وعليها الجلال، فقال ناجية بن جندب: يا رسول الله! أرأيت ما عطب منها كيف أصنع به؟ قال ﷺ: تنحره وتلقى قلائده في دمه، ثم تضرب به صفحته اليمنى، ثم لا تأكل منه ولا أحد من أهل رفقتك.
وأمر من كان معه هدى أن يهل كما أهل، وسار وبين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله أمم لا يحصون كثرة: كلهم قد قدموا ليأتموا به ﷺ ويقال: كان معه تسعون ألفًا، ويقال: مائة وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب الحج باب ما يلبس المحرم. ٢ صحيح مسلم كتاب الحج باب تقليد الهدي.
[ ٦٦٦ ]
ومر ﷺ برجل يسوق بدنة، فقال: "اركبها، ويلك"!.
قال: إنها بدنة.
قال: "اركبها". وكان يأمر المشاة أن يركبوا على بدنهم.
وطيبته عائشة ﵂ لإحرامه بيدها، وأحرمت وتطيبت، فلما كانوا بالقاحة سال من الصفرة على وجهها، فقال: ما أحسن لونك الآن يا شقيراء.
وكان يصلي بين مكة والمدينة ركعتين أمثالا لا يخاف إلا الله، فلما قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم سلم وقال: "أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا سفر".
وأصبح ﷺ يوم الأحد بيلملم١، ثم راح فتعشى بشرف السيالة٢ وصلى المغرب والعشاء، ثم صلى الصبح بعرق الظبية، بين الروحاء والسيالة، وهو دون الروحاء، ثم نزل الروحاء، فإذا بحمار عقير فقال: دعوه حتى يأتي صاحبه، فأهداه له ﷺ، فأمر به أبا بكر ﵁ فقسمه بين الصحابة، وقال: "صيد البر لكم حلال إلا ما صدتم أو صيد لكم". ثم راح من الروحاء فصلى العصر بالمنصرف، وصلى المغرب والعشاء بالمتعشى وتعشى به، وصلى الصبح بالأثاية، وأصبح يوم الثلاثاء بالعرج.
ولما انتهى إلى الثنيتين بات بينهما بين كداء وكدى ثم أصبح فاغتسل ودخلها نهار الاثنين من ذي الحجة من أعلاها حتى انتهى إلى باب بني شيبة، فلما رأى البيت رفع يديه، فوقع زمام راحلته فأخذه بشماله، ثم قال حين رأى البيت: "اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وبرًا" ٣.
ولما دخل المسجد بدأ بالطواف قبل الصلاة.
وطاف راكبًا على راحلته، فلما انتهى إلى الركن استلمه وهو مضطبع بردائه، وقال: "بسم الله والله أكبر". ثم رمل ثلاثة من الحجر إلى الحجر، وكان يأمر من استلم الركن أن يقول: "بسم الله والله أكبر إيمانًا بالله، وتصديقًا بما جاء به محمد ﷺ". وقال
_________________
(١) ١ يلملم على مسيرة يومين من مكة عند الطائف، وهو ميقات أهل اليمن. ٢ السيالة موضع بين مكة والمدينة. ٣ زاد المعاد ج٢ ص٢٢٤.
[ ٦٦٧ ]
فيما بين الركن اليماني والأسود ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١.
ولم يستلم من الأركان إلا اليماني والأسود ومشى أربعة أشواط على مهل.
ثم انتهى خلف المقام فصلى ركعتين يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ٢ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٣ ثم عاد إلى الركن فاستلمه.
وقال لعمر ﵁: "إنك رجل قوي، إن وجدت الركن خاليًا فاستلمه، وإلا فلا تزاحم عليه فتؤذي".
وقال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: "كيف صنعت بالركن يا أبا محمد "؟
فقال: استلمت وتركت.
قال: "أصبت".
ثم خرج إلى الصفا من باب بني مخزوم، وقال: "أبدأ بما بدأ الله به". وسعى على راحلته فصعد على الصفا فكبر سبع تكبيرات، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دعا بين ذلك، ونزل إلى المروة، فلما انصبت قدماه في الوادي رمل وقال في المشي: "أيها الناس! إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا، وسعى حتى انكشف إزاره عن فخذه". وقال في الوادي: "رب اغفر وارحم، وأنت الأعز الأكرم". فلما انتهى إلى المروة فعل عليها مثل ما فعل على الصفا، فبدأ بالصفا وختم بالمروة.
وأقام بمكة يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس، وكان يوم التروية يوم الجمعة، فخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة، وقام يوم التروية بين الركن والمقام، فوعظ الناس وقال: "من استطاع أن يصلي الظهر بمنى فليفعل". فصلى في حجته هذه صلاة أربعة أيام، وهو مقيم بمكة حتى خرج إلى منى.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٠١. ٢ سورة الكافرون: ١. ٣ سورة الإخلاص: ١.
[ ٦٦٨ ]
وركب حين زاغت الشمس في يوم التروية، بعد أن طاف بالبيت فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى.
ثم أصبح فسار إلى عرفة، ولم يركب من منى حتى رأى الشمس قد طلعت، ثم ركب إلى عرفة، ونزل بنمرة، وقد ضرب له بها قبة من شعر، ويقال: إنما قال إلى فيء صخرة، وميمونة ﵂ تتبع ظلها حتى راح، وأزواجه في قباب خز فلما كان حين زاغت الشمس أمر براحلته القصواء، فرحلت برحل رث وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فلما توجه قال: "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة". ثم أتى بطن عرنة، وكانت قريش لا تشك أنه لا يتجاوز المزدلفة يقف بها، فقال نوفل بن معاوية الديلمي وهو يسير إلى جنبه: يا رسول الله ظن قومك أنك تقف بجمع.
فقال ﷺ: "لقد كنت أقف بعرفة قبل النبوة خلافًا لهم".
وكانت قريش كلها تقف بجمع إلا شيبة بن ربيعة من بينهم فإنه كان يقف بعرفة.
وخطب ﷺ حين زاغت الشمس، ببطن عرنة على ناقته فلما كان آخر خطبته أذن بلال وسكت ﷺ من كلامه، فلما فرغ بلال من أذانه تكلم بكلمات، وأناخ راحلته، وأقام بلال فصلى ﵇ الظهر، ثم أقام العصر جمع بينهما بأذان وإقامتين، ثم ركب، وهو يشير بيده إلى الناس: "ارتفعوا إلى عرفة". وكان من خطبته بعرفة قبل الصلاتين:
"أيها الناس إني والله ما أدري لعلي لا ألقاكم بمكاني هذا، بعد يومكم هذا، رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، واعلموا أن أموالكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، واعلموا أن الصدور لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله، ومناصحة أهل الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وأول دماء الجاهلية أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني سعد بن بكر فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع كله، وأول ربا أضعه ربا العباس بن
[ ٦٦٩ ]
عبد المطلب، اتقوا الله في النساء إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن عضتم به: كتاب الله وأنتم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ ".
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ثم قال بإصبعه السبابة يشير إلى السماء يرفعها ويكبها ثلاثًا: "اللهم اشهد".
ووقف على راحلته حتى غربت الشمس يدعو ونزل عليه وهو واقف بعرفة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
ومال إلى شعب الأذاخر، عن يسار الطريق بين المأزمتين فقضى حاجته، ولم يصل حتى نزل قريبًا من الدار التي على قزح، وصلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد لهما، وبإقامتين، لكل صلاة منهما إقامة، ولم يسبح بينهما، ولا آثر واحدة منهما، فلما كان في السحر أذن لمن استأذنه من أهل الضعف من الذرية والنساء في التقدم من جمع قبل حطمة الناس وحبس نساءه حتى دفعن بدفعه حين أصبح، فرمى الذين تقدموا الجمرة قبل الفجر أو مع الفجر.
ولما برق الفجر صلى ﵇ الصبح، ثم ركب راحلته ووقف على قزح.
وأردف الفضل بن العباس من مزدلفة إلى منى، وقال: "هذا الموقف وكل المزدلفة موقف". وحمل حصى العقبة من المزدلفة، وأوضع في وادي محسر ولم يقطع التلبية حتى رمى الجمرة ورمى جمرة العقبة يوم النحر على ناقته، بلا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك.
ولما انتهى إلى المنحر قال: "هذا المنحر، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر". ثم نحر بيده ثلاثًا وستين بدنة بالحربة، ثم أعطى رجلا فنحر ما بقي.
ولما فرغ من نحر الهدي دعا الحلاق فحلق.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣.
[ ٦٧٠ ]
وخطب في حجته ﷺ ثلاث خطب: الأولى قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة، والثانية يوم عرفة بعرفة بعد الظهر على راحلته القصواء، والثالثة يوم النحر بعد الصلاة، وكانت خطبة يوم النحر أطولها وأهمها؛ لأنه ﷺ وضح فيها المعالم الكبرى في الإسلام وهو يودع أصحابه عند الموقف العظيم، وهذا نص خطبة النحر كما ذكرها ابن هشام والمقريزي وغيرها.
"أيها الناس! اسمعوا من قولي واعقلوه، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا أيها الناس! أي شهر هذا"؟ فسكتوا.
فقال: "هذا شهر حرام".
وأي بلد هذا؟ فسكتوا، فقال: "بلد حرام".
وأي يوم هذا؟ فسكتوا فقال: "يوم حرام".
ثم قال: "إن الله حرم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، حرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت"؟. قالوا: نعم.
قال: "اللهم اشهد! ".
ثم قال: "إنكم سوف تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت"؟ قال الناس: نعم!
قال: "اللهم اشهد! ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلِمون ولا تظلَمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وأول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد بن ليث فقتلته هذيل، ألا هل بلغت"؟.
الوا: اللهم نعم!
قال: اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا ما أعطي عن طيب نفس".
[ ٦٧١ ]
فقال عمرو بن يثربي: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي اجتزر منها شاة؟ فقال: "إن لقيتها نعجة تحمل شفرة وأزنادًا بخبت الجميش فلا تهجها".
ثم قال: "أيها الناس! ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ ١.
يحرمون ما أحل الله، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر: الذي جاء بين جمادى الآخرة وشعبان، والشهر تسعة وعشرون وثلاثون، ألا هل بلغت"؟.
فقال الناس: نعم.
فقال: "اللهم اشهد".
ثم قال: أيها الناس إن للنساء عليكم حقًا، وإن لكم عليهن حقًا: فعليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا ولا يدخلن بيوتكم أحدًا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وأن تضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ ".
قال الناس: نعم!
قال: "اللهم اشهد. أيها الناس! إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه من أعمالكم، إن المسلم أخو المسلم، وإنما المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا بطيب نفس منه، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله، ولا تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، إني قد
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣٧.
[ ٦٧٢ ]
تركت فيكم ما لا تضلون به: كتاب الله، ألا هل بلغت"؟.
قال الناس: نعم.
قال: "اللهم اشهد" ١.
وقد تضمنت الخطبة القضايا التالية:
١- بيان ما لمكة وأشهر الحج ويوم النحر من حرمة تدعو المسلم إلى المحافظة عليها.
٢- تحريم العدوان على المسلم وضرورة المحافظة على كيانه الإنساني الكامل، وأن حرمة الإنسان لا تقل عند الله عن حرمة مكان الحج وزمنه ويومه.
٣- توضيح إطار المسئولية الدينية التي يلتزم الإنسان بها في صدق وأمانة وإخلاص بعيدًا عن المحسوبية، والعنصرية والمحاباة.
٤- ضرورة الفضل التام بين ما كان في الجاهلية وما جاء به الإسلام، فلا استمرار لعادة ولا تقدير لحكم سابق إن خالفه الإسلام أو هدمه.
٥- الزمان ثابت لا يتغير وهو يدور مع الأيام والشهور ولا يصح تغييره للهوى والعبث.
٦- بيان أن المرأة صنو الرجل في المسئولية والجزاء، ولهن حقوقهن في إطار خلقتهن وعلى الرجل أن يحترم في المرأة إنسانيتها، وأن يتقي الله تعالى وهو يعاملها.
٧- على المسلمين أن يعلموا أن عدوهم الأكبر هو إبليس اللعين، وهم مكلفون بمقاومته والحذر من ألاعيبه.
٨- وكان ﷺ يشهد الناس عن كل قضية يذكرها لهم ويبرئ ذمته أمام ربه ويناديه: "اللهم فاشهد".
٩- حمل رسول الله ﷺ المسئولية للمسلمين، وأشهد الله على أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة.
وبذلك وضح للمسلمين أهم ما يحتاجون إليه من توجيهات ودروس.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص٥١٠ إلى ٥٣٢، سيرة النبي لابن هشام ج٢ ص٦٠٣، ٦٠٤.
[ ٦٧٣ ]
خامسًا: آخر بعوث النبي ﷺ بعث أسامة
كبر على الرومان أن ينضم أتباعهم السابقون من عرب الشمال إلى ركب الإسلام واتباع محمد ﷺ فأخذوا في اضطهاد من يعلن إسلامه، وقتلوا والي "معان" بعد دخوله في الإسلام وانضمامه إلى المسلمين، فكان لا بد من تلقين الرومان درسًا يعلمون به أن محمدًا لن يترك أتباعه، ويدركون أن عاقبة عدوانهم ستنقلب عليهم، وأن مصلحتهم في تجنب معاداة المسلمين، وعدم الاستهانة بهم وبدينهم فأخذ ﷺ في أوائل العام الحادي عشر بتجهيز جيش ضخم وأمر عليه الصحابي "أسامة بن زيد" ﵁ ولم يبلغ بعد الثامنة عشرة، وجعل في الجيش كبار الصحابة، وأمر ﷺ أسامة أن يطأ أرض الروم ولا يتعمق في المسير لتحقيق هدف واضح يؤدي إلى إرهاب الروم، ويمنعهم من العدوان على المسلمين والتعدي على بلادهم، وقد تم تجهيز الجيش، واستعد للرحيل، وشاءت إرادة الله تعالى أن تكون حركته في أول عهد أبي بكر ﵁ بعدما لقي رسول الله ربه في هذه الأثناء.
ولعل من أوضح دروس هذا البعث تولية أسامة إمارة الجيش ليكون درسًا للشباب الإسلامي ليعلموا دورهم في بناء الأمة، وتيقنوا من أهميتهم في المحافظة على قوتها، وقد انضم كبار الصحابة إلى جيش أسامة طاعة لرسول الله ﷺ، وحبًا في الجهاد، وإبقاء لضرورة طاعة أمر الله ورسوله على الزمن كله، وتقديم النص الصريح على أي اجتهاد عقلي مهما كانت دقته ووضوحه.
وسيأتي تفصيل بعث أسامة حين نتناول بالدراسة تاريخ الدعوة في عهد أبي بكر ﵁.
[ ٦٧٤ ]
المبحث السادس عشر: انتقال الرسول إلى الله تعالى
أسلمت الجزيرة كلها، وأخذ الفرس والروم في تفهم الإسلام والتعامل معه وتأكدت حقائق الدين بكل جوانبه، فتمت مصادره، وتحددت معالمه، ونزل كل ما يحتاجه الإسلام من وحي الله تعالى ولذلك نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ٢.
وقد فهم كثير من الصحابة أن هاتين الآيتين فيهما نعي رسول الله٣ وإخبار بقرب انتقاله ﷺ إلى الله تعالى؛ لأن الرسالة هي غاية مجيء محمد ﷺ إلى الدنيا، فإذا ما كملت الرسالة وتم الدين ونزل ما رضيه الله للناس لم يعد هناك داع لبقاء رسول الله ﷺ في الحياة بين الناس.
وقد أعد الله الأمة لتقبل رحيل رسول الله ﷺ فدارس جبريل ﵇ محمدا ﷺ بالقرآن في رمضان الأخير مرتين، وكان يدارسه قبل ذلك في كل رمضان مرة واحدة.
وعلم النبي أصحابه على إدارة شئون الحياة، والمحافظة على الإسلام، والحركة بالدعوة عن طريق قيادة السرايا، وإدارة شئون المدينة، وإقامة الصلاة، والدعوة إلى الإسلام فرادى وجماعات، في إطار تعاليم الله الثابتة، ومنهجه الذي يحرص المسلمون على تطبيقه، وصيانته من كل عبث، والدفاع عنه ضد كل معتد أثيم.
وبكل هذا أدى الرسول وظيفته، وأتم الغاية التي خلق لها، ووصل إلى النهاية.
وجاء وقت الرحيل، فاعتكف ﷺ في رمضان من العام العاشر عشرين يومًا وكان يعتكف قبل ذلك عشرًا، وجاءه جبريل فدارسه القرآن مرتين، وكان يدارسه
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣. ٢ سورة النصر. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض رسول الله ج٧ ص٩٣.
[ ٦٧٥ ]
قبل ذلك مرة واحدة، وقال لأصحابه في حجة الوداع: "إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا". وكرر ذلك.
يقول ابن مسعود: نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، حين دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة ﵂، فنظر إلينا فشدد ودمعت عيناه وقال: "مرحبًا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم، وأؤديكم إليه، إني لكم منه نذير وبشير ألا تعلو على الله في عباده، وبلاده فإنه قال لي ولكم ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ " ١.
قلنا: فمتى أجلك؟
فقال ﷺ: "دنا الفراق والمنقلب إلى الله وسدرة المنتهى والرفيق الأعلى وجنة المأوى". فقلنا: من يغسلك؟
فقال: "أهلي".
قلنا: فيم نكفنك؟
قال: "في ثيابي أو في بياض".
قلنا: فمن يصلي عليك؟
قال: "مهلا، غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيكم خيرًا". فبكينا وبكى، ثم قال: "ضعوني على سريري على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة ليصلي عليّ جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت مع الملائكة، ثم ادخلوا عليّ فوجًا فوجًا فصلوا عليّ ولا تؤذوني بتزكية ولا رنة، أقرئوا أنفسكم مني السلام، ومن غاب من أصحابي فأقرئوه مني السلام، ومن تابعكم على ديني فأقرئوه السلام" ٢.
وفي أوائل صفر من العام الحادي عشر للهجرة خرج النبي ﷺ إلى جبل أحد
_________________
(١) ١ سورة القصص: ٨٣. ٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص٣١٩.
[ ٦٧٦ ]
ليودع الأموات كالأحياء، ثم خطب في أصحابه وقال: "إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني أنظر إليكم من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوها" ١.
وفي ليلة من ليالي صفر من نفس العام خرج إلى البقيع وخاطب الموتى قائلا: "السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن عليكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى ٢ وإنا بكم للاحقون". ولما رجع ﷺ من البقيع وجد عائشة تشكو ألمًا وتقول: وارأساه.
فقال ﷺ: "بل أنا والله يا عائشة وارأساه، وما ضرك لو مت قبلي فقمت إليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك".
قالت ﵂: والله لكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك.
فتبسم رسول الله ﷺ، ونام به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى اشتد عليه المرض وهو في بيت ميمونة٣.
وفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من صفر بدأ مرض رسول الله ﷺ الأخير الذي استمر أربعة عشر يومًا.
ولما ثقل المرض برسول الله ﷺ أخذ يسأل: "أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا"؟ ٤.
يستعجل يوم عائشة ﵂ ففهم الصحابة، وفهمت أمهات المؤمنين مراد النبي ﷺ بسؤاله فأذن له أن يستمر عند عائشة مدة مرضه، فانتقل ﷺ إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب وذلك بعد مرضه بسبعة أيام٥.
ثم إنه ﷺ خرج يومًا بين العباس وعلي حتى جلس على المنبر فحمد الله تعالى ثم قال:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٨٦. ٢ الكامل ج٢ ص٣١٨. ٣ الكامل لابن الأثير ج٢ ص٣١٨. ٤ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص١٠٢. ٥ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص٩٨.
[ ٦٧٧ ]
"أيها الناس إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليّ مني حقًا إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس". ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى، فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: "أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة". ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم، ثم قال: "إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عندنا فاختار ما عنده"١.
وفي يوم الأربعاء قبل وفاته بخمسة أيام قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس".
فقالت عائشة يا رسول الله: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ: "مه إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس" ٢.
ثم إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين العباس وعلي لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا تتأخر وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه". فأجلساه إلى جنب أبي بكر الأيسر، فكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر٣.
وعن عائشة وابن عباس ﵄ أنه لما نزل برسول الله ﷺ المرض طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال ﷺ وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا.
وقال ﷺ: "قاتل الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحرم ذلك على أمته.
_________________
(١) ١ الكامل ج٢ ص٣١٩. ٢ سيرة النبي ج٢ ص٦٥٢. ٣ سيرة النبي ج٢ ص٦٥٣.
[ ٦٧٨ ]
تقول عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا١.
وعن ابن عباس أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي مات فيه فسأله الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله؟
فقال: أصبح بحمد الله بارئًا.
فأخذ العباس بن عبد المطلب بيد علي وقال له: يا علي أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا إلى رسول الله فلنسألنه فيمن هذا الأمر بعده؟ إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا.
فقال علي: إنا لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس من بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله٢.
وقال رسول الله ﷺ لعائشة: "ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" ٣.
يقول ابن إسحاق: فكان المسلمون يرون أن رسول الله مات شهيدًا، مع ما أكرمه الله به من النبوة.
تقول عائشة ﵂: لدنا "رسول الله" ﷺ في مرضه، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا: يقول ذلك كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني"؟.
قلنا: فهمناه كراهية المريض للدواء.
فقال ﷺ: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد قصاصًا وأنا أنظر، فلدوا جميعًا إلا العباس فإنه لم يشهد معهم".
وزاد ألم المرض برسول الله ﷺ في يوم الخميس قبل وفاته بأربعة أيام.
يقول ابن عباس ﵁: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله وجعه فقال:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص٩٩. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص١٠٠. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص٩٣.
[ ٦٧٩ ]
ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع.
فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول: غير ذلك.
فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال ﷺ: "قوموا عني". فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب ذلك الكتاب وذلك لاختلافهم ولغطهم١.
ويجب أن يكون واضحًا أن ما أراد رسول الله كتابه كان أمرًا عاديًا لأنه لو كان من واجبات الشريعة لكتبه ﷺ بلا تأثر بكلام عمر أو بكلام غيره لسابق حسمه في أمور الدين، وأيضا فقد سبق ذلك إعلان تمام الدين وكماله.
وحكمة الله في عدم كتابة أمر في هذا الوقت واضحة منعًا لمن يقول: إن المريض قد يختلف عليه عقله إذا اشتد مرضه.
فإذا ما تصورنا أنه ﷺ كان يريد أن يعهد لأبي بكر ﵁ في الكتاب الذي كان يريده كما رجح البعض فإنه دليل على ثانوية الأمر، وحتى يبقى هذا الشأن شورى بين المسلمين لم يغيره ﷺ كلام عمر ولا غيره.
وكان ﷺ قد قال لعائشة في مرضه هذا: "لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابًا وأعهد عهدًا لئلا يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". فلم يكن والله أعلم الكتاب الذي أراد أن يكتب إلا في استخلاف أبي بكر.
وعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفس على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي مات فيه طفقت أنفس عنه بالمعوذات التي كان ينفس، وأمسح بيد النبي ﷺ عنه لبركتها.
ولما كان يوم الاثنين والناس في صلاة الفجر وأبو بكر يصلي لهم لم يفاجئهم إلا رسول الله يكشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ج٧ ص٩٤.
[ ٦٨٠ ]
يضحك سرورًا باستقامة أمر الناس وإخلاصهم مع الدين لله وهو ليس معهم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهم الناس أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ فأشار إليهم بيده رسول الله أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر١، وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله ﷺ قد أفاق من وجعه فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح حيث كان مسكنه.
ومع هذا التصور الذي شعر به المسلمون بعد صلاة الفجر كانت هي الصلاة الأخيرة لرسول الله ﷺ حيث توفي صباح يوم الاثنين وهو عند عائشة ﵂.
تقول عائشة: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه، ودخل عليّ عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله إلى صدري فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناوله فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته بأمره فاستن به وهو مستند إلى صدري، وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" ٢.
وكان رسول الله ﷺ يقول: "إنه لن يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخير". فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: "اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم الرفيق الأعلى". فكان آخر كلمة تكلم بها: "اللهم الرفيق الأعلى" ٣.
فلما رأت عائشة ﵂ شدة الموت التي لحقت برسول الله ﷺ قالت: فلا أكره شدة الموت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
ولم يترك النبي ﷺ مالا، وخرج من الدنيا وهو مدين، يقول عمرو بن الحارث: ما ترك
_________________
(١) ١ صحيح البخاي كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص١٠١. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص٩٦. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص٩٩. ٤ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص١٠٥.
[ ٦٨١ ]
النبي ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة.
وعن عائشة: توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير١. وعن أنس بن مالك قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه. فقال لها ﷺ: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم". فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه مَنْ جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب٢.
وعن عائشة قالت: دعا النبي ﷺ فاطمة في شكواه التي قبض فيها فسارها فبكت، ثم دعاها فسارها فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارني أنه يقبض في وجعه، الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته يتبعه فضحكت٣.
وتوفي رسول الله ﷺ صباح يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة٤ ومثل اليوم الذي ولد فيه.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟
فقالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا.
فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك، فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاضية برد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيني، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" ٥.
وعن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ وعليه ملحفة منعطفًا بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص١٠٦. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص٩٥. ٣ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص٩٥. ٤ سيرة النبي ج٢ ص٦٥٥. ٥ صحيح البخاري كتاب المناقب باب قول النبي: اقبلوا من محسنهم ج٦ ص١٥٤.
[ ٦٨٢ ]
الناس فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح للطعام، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه، فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم" ١.
وعن عائشة أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح، حيث كان مسكنه بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله، ولكنه ذهب لملاقاة ربه، كما ذهب موسى ﵇ لملاقاة ربه أربعين يومًا وسيرجع والله ما كان في نفسي إلا ذلك وليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم.
فجاء أبو بكر على فرس من منزله بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا.
ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال له أبو بكر: أيها الحالف على رسلك، فأقبل إليه الناس وتركوا عمر، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٣.
فأخذ الناس يبكون وقد تيقنوا موت رسول الله ﷺ يقول ابن عباس: والله لكأني بالناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها.
وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن رسول الله قد مات٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب باب قول النبي: اقبلوا من محسنهم ج٦ ص١٥٥. ٢ سورة الزمر: ٣٠. ٣ سورة آل عمران: ١٤٤. ٤ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص١٠٤.
[ ٦٨٣ ]
ولما عرفوا أنه ﷺ مات دهش الناس وطاشت عقولهم، فمنهم من خبل، ومنهم من أصمت، ولم يكن أثبت وأحزم من أبي بكر والعباس١.
وقد قضى المسلمون بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء في اختيار خليفة رسول الله بعد وفاته وبعد مشاورات تمت بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ووقى الله المسلمين شر الفتنة.
ولما فرغ الناس من بيعة أبي بكر، وجمعهم الله على خليفة واحد، وصرف عنهم كيد الشيطان أقبلوا على تجهيز نبيهم.
يروي ابن إسحاق بسنده أن علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وقثم بن العباس، وشقران مولى رسول الله، وأسامة بن زيد هم الذين تولوا غسله، وأن أوس بن خولى -وكان بدريًا- دخل معهم، وحضر غسل رسول الله، وأسنده إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقبلونه معه، وكان أسامة بن زيد وشقران هما اللذان يصبان الماء عليه، وعليّ يغسله بعدما أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه لا يفضي بيده إلى رسول الله، وعليّ يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيًا وميتًا، ولم ير من رسول الله ما يرى من الميت٢.
حدثني يحيى بن عبادة بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله من ثيابه؟
فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون والقميص دون أيديهم، فلما فرغوا من غسله كفنوه في ثلاثة أثواب صحاريين وبرد وحبرة أدرج فيها إدراجًا.
وحدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ تساءلوا عن طريقة الحفر هل يحفرون كحفر أهل مكة أو كحفر أهل المدينة؟ وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهيل
_________________
(١) ١ مختصر السيرة ص٤٦٠ إلى ٤٦٥. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ج٧ ص١٠٣.
[ ٦٨٤ ]
هو الذي كان يحفر لأهل المدينة وكان يلحد.
فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر اذهب إلى أبي طلحة ثم دعا الله قائلا: اللهم خر لرسول الله، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله.
فلما فرغ الصحابة من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وضع سريره في بيته، وقد اختلف المسلمون في دفنه فقال قائل: ندفنه في مسجده.
وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه.
فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض". فرفع فراش رسول الله الذي توفي عليه فحفر له تحته.
ثم دخل الناس على رسول الله ﷺ أرسالا يصلون عليه عشرًا عشرًا، حتى إذا فرغ الرجال دخل النساء، حتى إذا فرغ النساء دخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله أحد وقاموا بدفنه ﷺ والنساء عنه بعيد تقول عائشة ﵂: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء.
وكان الذين نزلوا في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم بن العباس، وشقران مولاه وأوس بن خولى، وجعلوا تحته ﷺ قطيفة كان يلبسها ويفترشها، وكان آخر الناس عهدًا به قثم بن عباس.
وبعد مدة ذهب أبو بكر وعمر لزيارة أم أيمن ﵂ كما كان رسول الله يفعل فلما رأتهما بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله.
قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكني أبكي لأن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فأخذا يبكيان١.
وهكذا..
انتقل رسول الله ﷺ إلى الله تعالى وترك من ورائه أمته تحمل الأمانة، وتقدر المسئولية، وتعلم عن يقين أن الله تعالى سيحاسبها بميزان الوحي الذي تركه ﷺ في
_________________
(١) ١ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضائل أم أيمن ج١٦ ص٩، ١٠.
[ ٦٨٥ ]
الناس، ليكون شاهدًا فيهم. انتقل رسول الله ﷺ إلى الله بعد أن ترك الإسلام كله، وصار كل شيء بينا حكمه، معروفة جنباته. حيث لا عذر بعد ذلك لناقض، أو كسول، ولا أهمية لعداوة أو نفاق.
انتقل رسول الله إلى ربه بذاته، وترك في أمته الوحي كله، وعرفهم أنه ترك لهم ما فيه كل الفلاح والهدى، يقول ﷺ: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي" ١.
انتقل الرسول ﷺ إلى ربه بعد أن وضح لأمته طريقة الحياة بعزة، وكرامة، وأخلاق وبعد أن وضع أيديهم على الحقائق التالية:
١- الإنسان متميز عن سائر المخلوقات بحقوق تناسبه ولا بد من المحافظة عليها، والوفاء بواجباتها بالمنهج الذي عاشه الرسول ﷺ وصحابته.
٢- القوة المادية أساس حماية العزة والكرامة، والضعفاء لا ينالون إلا الهوان، والذل وضياع الحقوق.
٣- الإسلام أمانة في عنق كل مسلم، ومصادره وتعاليمه واضحة بينة، ولا عذر لمسلم في البعد عن الإسلام بصورة كلية أو جزئية، ولا عذر للأمة إن قصرت في واجبات الإسلام.
٤- سينتقل الجميع إلى الله، وسيحاسبون على كل ما قدموا ولن ينفع إلا الصدق، والإيمان، والعمل الصالح، وستجزى كل نفس بما عملت، وما ربك بظلام للعبيد.
_________________
(١) ١ فيض القدير ج٣ ص٢٤٠.
[ ٦٨٦ ]