تمهيد:
محمد ﷺ هو رسول الإسلام، وهو المبعوث بدين الله الخاتم إلى الناس أجمعين..
ولد بمكة، ونشأ وتربَّى في بادية العرب، وجاءه الوحي من الله على رأس الأربعين، وعاش رسالته داعيا إلى الله تعالى بمكة قبل الهجرة، وبالمدينة بعدها، وبلَّغ ما كلف به إلى العالم كله، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وكمل الدين، وتمت نعمة الله للعالمين.
وتعد سيرته ﷺ دراسة لنموذج الإنسان الكامل الذي يجب أن يُحتذى، وأن يكون أسوة وقدوة لمن أراد الفوز والفلاح.
واتباعا للمنهج الذي رسمتُه في دراسة تاريخ الدعوة، فإني أعقد هذا الفصل في التعريف بالرسول ﷺ بعد أن جعلت الفصل الأول في التعريف بالعالم الذي بُعث له رسول الله ﷺ.
إن الرسالة اختيار إلهي محض، لا دخل فيه لأمنيات بشر، ولا لطلب مخلوق، ويوم أن تمنى كفار مكة النبوة لبعضهم ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ١، متمنين بذلك أن تكون الرسالة في أحد رجال القريتين -مكة أو الطائف- ليقوم بها رجل عظيم مشهور فيهم بغناه، أو بجاهه، أو بغير ذلك، يريدونه الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم من مكة، وهو ابن عم أبي جهل، وكان يُعرف بريحانة قريش، أو أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف٢.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية ٣١. ٢ هذا ما قاله قتادة، ويذكر مجاهد أن الرجلين هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وعمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، ويذكر ابن عباس أن عظيم الطائف هو حبيب بن عمرو الثقفي، ويذكر السدي أن عظيم مكة هو كنانة بن عبد عمرو "تفسير القرطبي ج١٦ ص٨٣".
[ ١٠٩ ]
يوم طلب كفار مكة ذلك قال الله تعالى عنهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١، وبذلك أبطل الله أمنيات هؤلاء القوم وأمثالهم، ووضح لهم أن الرسالة والنبوة لا تكون لمن شاءه الناس، وإنما لمن أراده الله واختاره، ولا دخل لبشر في هذا الاختيار.
وبيَّن سبحانه في هذه الآية أيضًا أن أوضاع الناس المعيشية قسمة إلهية، تسير وفق إرادة الله وقدرته، لأسباب لا يعلمها إلا هو ﷾، وليس لها ارتباط بالعظمة أو بالحقارة، وليست نتاجًا لمجرد العمل، وعلى الناس أن يعلموا أن النبوة خير ما يعطاه إنسان في الدنيا، بل هي أعظم من كل الخير إذا اجتمع، فإذا ما آتاها الله إنسانًا فإنه يعظم، ويعلو باختيار الله إياه، وقد اختار الله لرسالته الخاتمة العالمية محمدًا ﷺ، وهو سبحانه ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٢، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٤، وعلى ذلك فهو ﷺ أعظم العرب قاطبة، وأعظم البشر أجمعين.
وإني لموقن بأن حكمة الله في اختيار رسوله محمد ﷺ للرسالة لا يمكن لبشر أن يدركها إدراكًا كليًّا، وأرى في نفس الوقت أن في مقدور البشر أن يعلموا شيئًا من هذه الحكمة، وبخاصة بعد انكشاف شيء من أسرارها خلال الحركة بالرسالة والإسلام.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية ٣٢. ٢ سورة الأنعام آية ١٢٤. ٣ سورة القصص آية ٦٨. ٤ سورة الحج آية ٧٥.
[ ١١٠ ]
إن الخصائص التي تَميَّز بها رسول الله محمد ﷺ، وظهرت خلال قيامه بالدعوة عديدة، وشاملة لكافة جوانب شخصيته، ومتأصلة في أصوله وجذوره، وملازمة له في تربيته ونشأته، وملموسة في سائر أعماله، وأقواله، وأمانيه، وأمانته، وسلوكه مع نفسه، ومع أسرته، ومع الناس أجمعين.
ولولا أن الرسالة والنبوة اصطفاء وإحسان من الله لقلنا: إن محمدا ﷺ اكتسبها بخصائصه، ونالها بأعماله وجهاده، لكن جمهور علماء المسلمين -ونحن معهم- يجمعون على أن الرسالة لا تكتسب، وإنما يخلق الله الناس، ويختار منهم رسوله، ويهبه من لدنه استعدادا خاصا، يجعله أهلا لهذا الاختيار، قادرا على تحمل أمانة التبليغ والدعوة.
والاختيار بهذه الكيفية رحمة من الله بالناس؛ إذ به جرت الأمور بين الخلق على وفق سننه في الكون، فلم يفاجئهم بشخص سيئ، ولم يدعهم إلى أمر شاذ لا يتصور ولا يعقل.
وبمتابعة خصائص الشخصية المحمدية نبدأ من الأصول والجذور، لنرى كيف أودع الله فيه يجعلنا نؤمن بحكمة الله في هذا الاختيار، و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١.
وفي هذا الفصل سأتناول الحديث عن سيرته ﷺ من مولده، ومرورا بنشأته، وزواجه، ومبعثه، وتكريم الله له، ومعونته إياه، في مباحث متتابعة حتى نصل إلى الهجرة إلى المدينة المنورة نهاية المرحلة المكية.
وسوف أعتمد -بإذن الله تعالى- على ما رواه المؤرخون، وعلماء السير، وبخاصة ما صح منها.
وسوف تكون الأحداث ممثلة للسيرة النبوية بكمالها في عدد من المباحث، وذلك فيما يلي:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٢٤.
[ ١١١ ]
المبحث الأول: النسب الشريف
مدخل
المبحث الأول: النسب الشريف
رسول الله ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.
وأم رسول الله ﷺ هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فنسب أبيه وأمه ﷺ يلتقيان في كلاب.
وكلاب هو ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مضر بن عدنان.
ونسبه ﷺ من جهة أبيه ومن جهة أمه مجمع عليه إلى عدنان، وما فوق ذلك فمختلَف فيه، والكل يجمع على أنه ﷺ من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵈.
ونسبه ﷺ كريم، جامع لسائر أسباب الفضل والرفعة.
فأبوه "عبد الله" أصغر أبناء عبد المطلب وأقربهم إلى قلبه، يُكْنَى بأبي القثم وأبي محمد وأبي أحمد، ويلقب بالذبيح.
وسبب هذا اللقب أن عدي بن نوفل بن عبد مناف، والد المطعم قال له: يا عبد المطلب، أتستطيل علينا وأنت فذ ولا ولد لك؟
فقال عبد المطلب: أبا لقلة تعيرني؟ فوالله لئن أتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة١.
فلما توافى بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: أوفِ بنذرك، وافعل ما شئت.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد ج١ ص٥٣.
[ ١١٢ ]
قال لهم: ليأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني ففعلوا.
فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، فخرج السهم على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وحد الشفرة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، فذهبوا إلى عرافة خيبر فقالت لهم: كم الدية فيكم؟
قالوا: عشرة من الإبل.
قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى بكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم، ففعلوا ذلك حتى بلغت الإبل مائة.
فقالت قريش: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب.
فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله فخرج القدح في كلتيهما على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع١.
يروي ابن كثير بسنده أن أعرابيا قال للنبي ﷺ: يابن الذبيحين، فتبسم رسول الله، ولم ينكر عليه فقيل لمعاوية: مَن الذبيحان؟
قال: إسماعيل وعبد الله٢.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٥٥. ٢ قصص الأنبياء لابن كثير ج١ ص٢١٧.
[ ١١٣ ]
تميز عبد الله بالعفة والطهر وحسن الخلق، رووا أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية، مر بها عبد المطلب، ومعه ابنه عبد الله أن يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب، فرأت نور النبوة في وجد عبد الله، فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مائة من الإبل، فعصمه الله تعالى من إجابتها، وقال لها:
أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه يحمي الكريم عرضه ودينه
فلما تزوجت آمنة عبد الله، وحملت برسول الله ﷺ، مر عبد الله على الكاهنة مرة أخرى، وقال لها: هل لك فيما طلبت؟!
فنظرت إليه، ولم ترَ ذلك النور في وجهه فقالت له: قد كان ذلك أول مرة، أما اليوم لا، ماذا صنعت؟
فقال: زوجني أبي آمنة بنت وهب الزهرية.
فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك، وأنشأت تقول:
الآن قد ضيعت ما كان ظاهرا عليك وفارقت الضياء المباركا
غدوت علي خاليا فبذلته لغيري هنيئا فالحقن بنسائكا
ولا تحسبن اليوم أمس وليتني رزقت غلاما منك في مثل حالكا
وداخلها الأسف على ما فاتها، والحسرة على ما تولى عنها١.
وكان عبد الله بارا بأبيه، مطيعا له، يروي ابن إسحاق أن عبد الله حين انصرافه مع أبيه بعد الذبح مر على امرأة من بني أسد، وهي أخت ورقة بن نوفل، فنظرت إلى وجهه وقالت له: أين تذهب يا عبد الله؟
قال لها: معي أبي.
قالت له: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي نكاحا الآن.
_________________
(١) ١ أعلام النبوة للماوردي ص١٤٦.
[ ١١٤ ]
قال لها: أنا معي أبي، ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه١.
فأخذه أبوه عبد المطلب، وذهب به إلى وهب بن عبد مناف وزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل نساء قريش نسبا وموضعا.
ورسول الله هو الابن الوحيد لعبد الله وآمنة، وقد مات أبوه قبل مولده، وماتت أمه وهو ابن ست سنوات.
وعبد المطلب: والد عبد الله اسمه شيبة الحمد، واشتهر بعبد المطلب؛ لأن عمه المطلب أحضره من المدينة، حيث نشأ عند أخواله، فلما ساله أهل مكة: مَن هذا؟ قال لهم: هذا عبدي، فثبت معه اسمه هذا، وترك شيبة.
وكان عبد المطلب شديد الوفاء بوعده، وقد رأينا ما فعل مع نذره بذبح أحد أبنائه إذا بلغوا عشرا.
ومن وفائه أنه أجار يهوديا يُدعى "أذينة" فتأمر حرب بن أمية على قتله وقتله، فلم يزل عبد المطلب يسعى في دمه حتى أخذ ديته، وسلمها لأهله٢.
وهو شيخ مكة، وزعيمها يوم قدوم أبرهة..
وكان عبد المطلب جسيما أبيض، وسيما، طوالا، فصيحا، ما رآه أحد قط إلا قدره، وقد صارت إليه السقاية والرفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه، وكان يعرف فيه قوة الحق وهيبة الملك.
ومكارمه أكثر من أن تُحصى، فإنه كان سيد قريش غير مدافع نفسا، وأبا، وبيتا، وجمالا، وبهاء، وفعالا.
وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية، وأول من جعل دية القتيل مائة من الإبل بعد فداء عبد الله..
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١. ٢ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٣١٠.
[ ١١٥ ]
وقد أقام لأهل مكة ما كان يقيمه آباؤه لهم، فشرف فيها شرفا لم يبلغه أحد قبله، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم.
ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان:
الأول: حفر بئر زمزم بعدما أمر به في المنام، ووصف له موضعها، وبعدها كانت السقاية معه، ولما حاولت قريش منازعته في زمزم والسقاية، أراهم الله ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بـ"زمزم"١.
الثاني: لما قدم أبرهة بجيشه يريد هدم الكعبة خافت قريش، وتفرقت في الشعاب، وتركت إبلها وغنمها، فاستولى عليها أبرهة، فذهب إليه عبد المطلب واستقبله أبرهة وسأله: ماذا جاء بك؟
قال عبد المطلب: جئت أسألك الإبل والغنم.
فقال أبرهة له: أكبرتك حين رأيتك، وزهدتني فيك حين كلمتني، تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك؟!
فقال عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه.
وقد كان حيث هلك أبرهة وجيشه بالطير الأبابيل، واسترد عبد المطلب الإبل والغنم٢.
وهو أول من طلى الكعبة بالذهب، وسُمي الفياض لجوده، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه، وتصيبه عقوبة، ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ونهى عن قتل الموءودة ونكاح المحارم، وأمر ألا يطوف بالبيت عريان٣.
و"هاشم" واسمه عمرو العلاء والد عبد المطلب.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص١٤٣ بتصرف. ٢ منتقى النقول ص٢٠، ٢١. ٣ منتقى النقول ص٢١.
[ ١١٦ ]
ولقب هاشما لأنه هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمهم، وذلك أن أهل مكة أصابهم جهد وشدة، فرحل هاشم إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقا كثيرا وكعكعا، وقدم بذلك إلى مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورا وجعلها ثريدا عم به أهل مكة، ولا زال يفعل معهم حتى استكفوا.
وهو أول من سن الرحلتين: ورحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام١.
ومن قبله كان تجار مكة لا يغادرون بلدهم، فركب هاشم إلى الشام، ونزل بقيصر، فلما علم به ملك الروم سأل عنه، وكلمه، وأعجب به، وجعل يرسل إليه ويدخله عليه.
فلما رأى هاشم مكانه منه قال له: أيها الملك، إن لي قوما وهم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتبا تؤمنهم، وتؤمن تجارتهم، فيقدمون عليك بما يستظرف من أدم الحجاز وثيابه؛ ليتمكنوا من بيعه عندكم، فهو أرخص عليكم، فكتب له كتاب أمان لمن أتى منهم، فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلما مر بحي من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافا.
والإيلاف أن يأمنوا وهم عندهم، وفي طريقهم، وفي أرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق، فأخذ هاشم الإيلاف فيمن بين مكة والشام، حتى قدم مكة فأعطاهم الكتاب، فكان ذلك أعظم بركة، ثم خرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم، ويوفيهم إيلافهم، الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام٢.
واشتهر هاشم بالدقة، والحكمة، ومكارم الأخلاق، ومن وصاياه الحكيمة لقومه وهو يخطب فيهم:
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٣١٦. ٢ المرجع السابق ج١ ص٣١٦.
[ ١١٧ ]
أيها الناس، نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة، وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم.
يا بني، أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أو حش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه، ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي.
أيها الناس، الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غير، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول يجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنيئة، فإنها تضع الشرف وتهدم المجد، ألا وإن نهنهة الجاهل أهون من حزيرته، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به١.
وكان من أجمل الناس، وأحسنهم صورة، يتلألأ النور في وجهه كالهلال يتوقد، لم يره أحد إلا أحبه، وأقبل عليه.
و"عبد مناف" والد هاشم اشتهر بأفعال الخير، وأماجد الأعمال، وسمي بالمغيرة لقوته، وإغارته على الأعداء، وسمي بالقمر لحسنه وجماله.
وقد ساد في حياة أبيه، وبرز بآرائه في دار الندوة، وسُر به والده "قصي" وهو الذي سماه "عبد مناف" واستبدله بـ"عبد مناة" كما سمته أمه.
قام بعد أبيه قصي بالسقاية والرفادة، واشتهر بالحكمة وحسن السياسة،
_________________
(١) ١ أعلام النبوة للماوردي ص١٣٩.
[ ١١٨ ]
أحاطت قريش عبد مناف بالتفضيل والتكريم، ومن أشعارهم:
كانت قريش بيضة فتفلقت فالمح خالصة لعبد مناف
والمح: صفرة البيض، يشيرون بذلك إلى أن قريشا إذا انقسمت كالبيضة، فعبد مناف صفرتها، وهي أصل البيضة، وأكثرها منفعة.
يروي البلاذري أن النبي ﷺ سمع جارية تنشد هذا البيت وتقول:
فالمح خالصة لعبد الدار
فقال الرسول ﷺ لأبي بكر ﵁:
كذا قال الشاعر؟
قال أبو بكر: لا، إنما قال: لعبد مناف.
فقال النبي ﷺ: "كذاك" ١.
وهذا تأكيد لمنزلة عبد مناف، وقدرته في قومه.
و"قصي" والد عبد مناف اسم مصغر من "قصى" أي بعد؛ لأنه بعد عن قومه في بلاد "قضاعة" مع أمه حين تزوجت بعد أبيه في بني عزرة.. وقد عاد قصي إلى مكة بعد أن عير بغربته.. وعمل بعد أن شب على أن يكون أمر مكة لأهلها، فأبت خزاعة وبنو بكر، فقاتلهم قصي ومن معه.. حتى تصالحوا بعد ذلك على أن يكون الأمر لقصي وبنيه؛ لأنهم الأحق والأولى.
فلما جمع قصي قريشا قال لهم: هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم "أي أنتم وبيوتكم" في الحرم حول البيت؟ فو الله لا يستحل العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم منه، وتسكنونه فتسودوا العرب أبدا.
فقالوا: أنت سيدنا، ورأينا تبع لرأيك، فجمعهم ثم أصبح بهم في الحرم حول الكعبة٢، وبنوا بيوتهم مجاورة للكعبة، وكانوا من قبل يبنونها بعيدا عن الشعاب.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٣٢١. ٢ المرجع السابق ج١ ص٣٢٤.
[ ١١٩ ]
وأمرهم قصي أن يجعلوا أبواب بيوتهم جهة الكعبة، على أن يتركوا بين كل بيتين طريقًا يؤدي إلى الكعبة، وفي نهاية هذه الطرق تأسست أبواب الحرم بعد ذلك.
وقد جمع "قصي" لنفسه أمر الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، وبذلك حاز الشرف في مكة كلها.
وبنى دارًا سماها "دار الندوة"، وجعلها مكانًا للاجتماع، والتشاور في كافة أمورهم الشخصية، والاجتماعية، والسياسة، وغيرها.
وقد فرض قصي على قريش مالًا يدفعونه إليه، وهو الذي يعرف بالرفادة، يصرفه على حجاج بيت الله تعالى، قال لهم: "يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل البيت، وأصحاب الحرم، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما، وشرابا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا".
يقول ابن هشام: فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا، فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومنا هذا، فهو الطعام الذي يصنعه الولاة كل عام، ويقدمونه للحجيج بمنى حتى ينقضي الحج١.
وقد قسم قصي المهام الرئيسية في أولاده.. فأعطى عبد مناف السقاية والندوة، وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء، وأعطى عبد العزى الرفادة والضيافة أيام منى.. وهكذا.
ومن أقوال قصي الحكيمة التي علمها أولاده:
"من عظم لئيما شركه في لؤمه".
"ومن استحسن مستقبحا كان معه".
"ومن لم تصلحه كرامتكم فداووه بهوانه، فذاك دواء يحسم الداء".
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص١٣٠.
[ ١٢٠ ]
"العي عيان: عي إفحام، وعي المنطق بغير سداد".
"من سأل فوق قدره استحق الحرمان".
و"كلاب" والد قصي جمع كلب، وهو مجمع نسب عبد الله وآمنة -أبوي النبي ﷺ- سمي بذلك من المكالبة، وهو المسارعة في التجمع على الكسب، أو جريا على عادة العرب في تسمية أبنائهم بأسماء موحشة كذئب، وأسد، وضبع
قيل لأعرابي: لِمَ تسمون أبناءكم بأشر الأسماء كـ"كلب" و"ذئب"، وتسمون عبيدكم بأحسن الأسماء كـ"رباح" و"مرزوق"؟
فقال: إنا نسمي أبناءنا لأعدائنا، ونسمي عبيدنا لأنفسنا.. يريد أن الأبناء هم عدة مواجهة الأعداء، والسهام المصوبة إليهم.
وقيل: سمي بذلك لدفع السوء والحسد عنه١.
ومن أسماء "كلاب" الحكيم، والمهذب، وعروة، ويكنى بـ"أبي زهرة" وزهرة هو جد النبي ﷺ من قبل أمه.
و"مرة" والد كلاب اسم منقول من وصف الحنظلة والعلقمة، وقيل: منقول من وصف الرجل بالمرارة.
وقيل: مأخوذ من القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: قوة، وكنيته أبو يقظة٢.
وهذه المعاني تفيد ما كان له من قوة في الحق، وشدة وقسوة على أهل الباطل.
و"كعب" والد مرة ومعناه العلو في الشرف والسؤدد والثبات والمنزلة، وكنيته أبو هصيص.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص٨. ٢ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٣٢٩.
[ ١٢١ ]
وهو أول ما جمع الناس، وخطبهم في يوم معين، هو يوم "العروبة"، وهو اليوم المسمى في الإسلام بيوم الجمعة، ومن خطبه في قومه:
أما بعد، فاسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح، والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا فتضربوا عنها صفحا، الآخرون كالأولين، والذكر كالأنثى، والزوج والفرد إلى بلى، فصلوا أرحامكم، وأوفوا بعهودكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروءتكم، فهل رأيتم من هالك رجع، أو ميت نشر، الدار أمامكم، واليقين غير ما تظنون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، بذلك جاء موسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم، والله لو كنا ذا سمع وبصر، ويد ورجل، لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولأرقلت فيها إرقال الفحل١.
و"لؤي" يكنى باسم ابنه كعب، اشتهر بالحكمة والحلم منذ صغره، وكان مطاعا محبوبا في قومه.
و"غالب" من الغلبة والفوز، وكنيته أو تيم.
و"فهر" كان رئيس أهل مكة، وقيل أنه سمي بـ"قريش" يقول ابن شهبة: من جاوز فهرا فليس من قريش٢.
و"مالك" يكنى باسم ولده "فهر" ولم ينجب سواه، تميز بالحكمة وحسن الخلق.
و"النضر" ابن كنانة، وكنيته "أبو يحلد".
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج١ ص٣٢٩، ٣٣٠. ٢ المرجع السابق ج١ ص٣٣٤.
[ ١٢٢ ]
و"كنانة" هي ستر السيف، سمي بذلك لأنه كان سترا على قومه، ويكنى بأبي النضر، يقول عامر العدواني لابنه في وصيته: يا بني، أدركت كنانة بن خزيمة وكان شيخا مسنا عظيم القدر، وكانت العرب تحج إليه لعلمه وفضله، ومن أقواله لهم: إنه قد آن خروج نبي من مكة يُدعى أحمد، يدعو إلى الله، وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق، فاتبعوه تزدادوا شرفا وعزا إلى عزكم.
قال أبو الربيع رحمه الله تعالى: إن كنانة رُئي وهو نائم في الحجر فقيل له: تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر، فقال: كل يا رب فصار هذا كله في قريش١.
و"خزيمة" يكني بأبي أسد، يروي ابن عباس أن خزيمة مات على دين إبراهيم ﵇، وهو أول من أهدى البدن للبيت.
و"مدركة" اسمه عمرو على الصحيح، وكنيته أبو هذيل، وأبو خزيمة.
و"إلياس" كان عاقلا، أريبا، يقول ابن الزبير: لما أدرك إلياس وبلغ أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم، وجمعهم رأيه، ورضوا به، فردهم إلى سنن آبائهم، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة.
وهو وصي أبيه، تميز بجمال الخُلُق والخِلْقة، ويذكر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا" ٢.
ويذكر أنه كان يبشر بنبي من صلبه، يصلح الله به شئون الناس.
و"مضر" اسمه عمرو، وكنيته أبو إلياس، كان على دين إبراهيم ﵇، اشتهر بالحكمة، وسداد الرأي، ومن أقواله:
_________________
(١) ١ سبل الهدى ج١ ص٣٣٨. ٢ الروض الأنف ج١ ص١٠.
[ ١٢٣ ]
"خير الخير أعجله".
"احملوا أنفسكم على مكروهها فيما يصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق"١.
و"نزار" سماه أبوه بهذا الاسم لما نظر في وجهه ورأى نور النبوة الذي كان يتنقل في الأصلاب، لما رأى ذلك فرح ونحر وأطعم، وقال: هذا نذر يسير، فسمي بـ"نزار" وكنيته "أبو إياد".
و"معد" يضرب به المثل في الخُلُق، يقول عمر بن الخطاب ﵁: "اخشوشنوا وتعددوا" أي: كونوا على خلق معد.
و"عدنان" أول من كسا الكعبة، وكان الناس يعرفون أن نبيا سيخرج من صلبه، ويكنى بأبي معد.
وقد سبق الإشارة إلى إجماع النسابين على معرفة نسب النبي ﷺ إلى عدنان، وأن عدنان من نسل إسماعيل ﵇، إلا أنهم يختلفون في عدد آباء عدنان إلى إسماعيل ﵇؛ ولذلك أكتفي هنا بذكر نسبه ﷺ إلى عدنان مع تأكيد أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇، فلقد روى ابن سعد أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه عدنان، ثم يمسك، ثم يقول: "كذب النسابون" ٢، ويرى السهيلي أن هذا الحديث من قول ابن مسعود، ويقول عمر بن الخطاب ﵁: إنما ننتسب إلى عدنان، وما فوق ذلك لا ندري ما هو٣.
ومن هذا الإيجاز نرى شرف النسب، وعلو المحتد، فجميعهم كرام، ذوو شأن؛ حيث نلمح في سيرتهم كل خير، فهم حماة البيت، والمقربون من الله، والمؤسسون لأهل مكة "دار الندوة"، وقد نظموا للقبائل سائر المهام، وعرفوا الناس
_________________
(١) ١ سبل الهدى ج١ ص٣٤٤، والفواق: المدة بين حلبتين للناقة. ٢ الطبقات الكبرى ج١ ص٥٦. ٣ المرجع السابق ج١ ص٥٨.
[ ١٢٤ ]
بيوم العروبة، وجمعوهم فيه كل أسبوع لسماع الخطب وتداول الأمور.
وفي أسمائهم نلمح صفاتهم، ففي كعب العلو والثبات، وفي لؤي الهدوء والأناة، وفي غالب القوة القاهرة للأعداء١، وفي فهر الطول والعون، سمي قريشا لأنه كان يقرش -أن يفتش- عن حاجة المحتاج ليعينه بماله ونفسه٢، وفي مالك السيادة وملك العرب٣، وفي النضر الحسن والجمال٤، وفي كنانة ستر قومه، ومرجعهم لعمله وفضله٥، وفي خزيمة إصلاح قومه، وأخذهم على الحق٦، وهكذا إلى عدنان الذي عاش زمن موسى عليه السلام٧.
هذا نسبه ﷺ من جهة أبيه..
وأما نسبه من جهة أمه فهو إلى كلاب، وعند كلاب يلتقي نسبها مع أبيه فنسبه من جهة أمه عال هو الآخر، يصفه ابن هشام ويقول: "إن آباء آمنة من فضلاء قريش وسادة بني زهرة"٨.
ولم يكن للنبي ﷺ أخ ولا أخت من أمه وأبيه، يقول الماوردي: "لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده بها آية، فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل به"٩.
_________________
(١) ١ مدارج الصعود ص٦، ٧. ٢ نور الظلام ص٣٠. ٣ المرجع السابق ص٣٠. ٤ فيض القدير ج٣ ص٣٧. ٥ المرجع السابق ج٣ ص٣٧. ٦ سيرة ابن كثير ج١ ص١٨٨. ٧ الروض الأنف ج١ ص١١. ٨ سيرة ابن هشام ج١ ص١٦٩. ٩ أعلام النبوة ص١٤٧.
[ ١٢٥ ]
ولقد تميز آباؤه بعديد من المزايا العامة التي اشتركوا فيها جميعا، واستمرت معهم تكريما لرسول الله ﷺ.
وسأبين أهم هذه المزايا لما لها من مردود إيجابي على شخصية النبي ﷺ، وتهيئة النفوس للاستماع له، والإجابة لدعوته، وبخاصة أن الناس جبلوا على الطاعة السريعة لمن علا نسبه، وسمت أخلاقه، وكان لهم به صلة وقربى.
وسأوضح -بإذن الله تعالى- أهم هذه المزايا في عدد من المسائل لتتضمن كل مسألة مزية، وهي كما يلي:
المسألة الأولى: أصالة النسب.
المسألة الثانية: بعدهم عن عبادة الأصنام.
المسألة الثالثة: صلتهم بسائر بطون العرب.
وسوف أفصل هذه المسائل فيما يأتي
[ ١٢٦ ]
المسألة الأولى: أصالة النسب
اشتهر آباؤه ﷺ جميعا بعلو الأصل، وشرف النسب، ومكارم الخلق، فكانوا من أحسن الخلق وأماجدهم، وقد رأيناهم سادة الناس، ورواد القبائل، حملوا مهام البيت، وقاموا بواجب ضيوف الله.
ولعل أهم ما تميزوا به هو طهارتهم، وعفتهم، وبعدهم عن سفاح الجاهلية، وضلالات الشرك والهوى، والأحاديث الصحيحة تؤكد هذه الحقيقة، فعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي" ١، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، وما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام" ٢.
ويروي ابن سعد في طبقاته عن محمد الكلبي قال: "كتبت لنبي الله ﷺ خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا، ولا شيئا مما كان عليه أمر الجاهلية"٣.
وهكذا وضع الله رسوله ﷺ في موضع يحمل معه شرف سلسلة طويلة، كريمة الخلق والسلوك، طيبة الشأن والذكر، وهو اصطفاء من الله تعالى.
فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" ٤.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد - باب علامات النبوة - باب كرامة أصله ﷺ ج٨ ص٣٩٥. ٢ المرجع السابق - باب علامات النبوة - باب كرامة أصله ﷺ ج٨ ص٣٩٥. ٣ سيرة ابن كثير ج١ ص١٩١. ٤ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب فضل النبي ﷺ ج٧ ص٥٨.
[ ١٢٧ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه" ١.
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي، فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وخرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نفسا، وخيركم أبا" ٢.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما" ٣.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي، لم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وأخرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي" ٤.
وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" ٥، وقد أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ: "إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتخذه خليلا، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزارا، ثم اصطفى من ولد نزار
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب المناقب - باب صفة النبي ﷺ ج٦ ص٥٦٦. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد - كتاب علامات النبوة ج٨ ص٣٩٥. ٣ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٢٧٦. ٤ تهذيب تاريخ دمشق ج١ ص٢٧٩. ٥ صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب الفضائل - فضل نسب النبي ج١٥ ص٢٦.
[ ١٢٨ ]
مضر، ثم اصطفى من مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشا، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب"١، والاصطفاء أخذ الأحسن من جماعة فيها غيره ليسوا مثله.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "خير العرب مضر، وخير مضر بنو عبد مناف، وخير بني مناف بنو هاشم، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب، والله ما افترقت فرقتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما" ٢.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار إلى خيار" ٣.
وعن ابن عباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير فريق، ثم حين خلق القبائل جعلني من خير قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتا، وخيرهم نسبا" ٤.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا" ٥.
_________________
(١) ١ الحاوي ج٢ ص٣٦٦. ٢ الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٢٠. ٣ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص١٦٨. ٤ سنن الترمذي - كتاب المناقب ج٥ ص٥٨٤. ٥ الطبقات الكبرى ج١ ص٢٠.
[ ١٢٩ ]
وعن ابن عباس قال: دخل ناس من قريش على صفية بنت عبد المطلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية، فقالت صفية: منا رسول الله ﷺ، فقالوا: تنبت النخلة أو الشجرة في الأرض الكبا.
فذكرت ذلك صفية لرسول الله ﷺ، فغضب وأمر بلالا فنادى في الناس، فقام على المنبر فقال: "أيها الناس، من أنا؟ ".
قالوا: أنت رسول الله.
قال: "انسبوني".
قالوا: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
قال: "أجل، أنا محمد بن عبد الله، وأنا رسول الله، فما بال أقوام يبتذلون أصلي؟! فو الله إني لأفضلهم أصلا وخيرهم موضعا" ١.
وعن ربيعة بن الحارق قال: بلغ النبي ﷺ أن قوما نالوا منه، فقالوا: إنما مثل محمد كمثل نخلة نبتت في كناس، فغضب النبي ﷺ وقال: "إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين، فجعلني في خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلا، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا"، ثم قال: "أنا خيركم قبيلا وخيركم بيتا" ٢.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "قال لي جبريل ﵇: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أجد أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أجد أفضل من بني هاشم" ٣.
بهذه النصوص الكثيرة التي أوردتها تطمئن النفس على صدق ما تضمنته، وهو ما نريد إبرازه في إثبات علو نسبه ﷺ، وتمتع آبائه وأجداده بكرم الطبع، وشرف
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد - باب علامات النبوة ج٨ ص٣٩٩. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٢٧٦. ٣ دلائل النبوة ج١ ص١٥١.
[ ١٣٠ ]
الأصل، والبعد عن الدنايا وصغائر الأمور.
كان ﷺ نتاج هذه السلسلة الكريمة التي يفتخر بها، وتذكرها العرب له، وقد أقر خصومه في مكة بهذه الحقيقة، وهي في أشد حالات العداء معه.
يروي البخاري أن هرقل أرسل إلى أبي سفيان ومن معه، وكانوا في تجارة بالشام، فدعاهم إلى مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعا ترجمانه.
فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا.
فقال هرقل: ادنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره.
ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه.
يقول أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟
قلت: هو فينا ذو نسب.
ثم سأله عدة أسئلة وأبو سفيان يجيبه، وأخيرا قال هرقل لترجمانه: قل لأبي سفيان: سألتك عن نسبه فقالت: هو فينا ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها١.
والمهم أن أبا سفيان يومئذ كان على الكفر، ولم يدخل في الإيمان بعد، ومع ذلك نطق بالحق، وشهد بعلو نسب رسول الله ﷺ، وهو أول ما سأل عنه هرقل لمعرفته بضرورة سمو نسبه، وطهارته إن كان رسولا صادقا..
إن معرفة خصائص النسب الشريف لرسول الله ﷺ يؤثر على تقويم صاحبه وتقدير شأنه، وإدراك مستقره في الأمور، فالخلق الغالب على الأصل ينزع عنه الفرع ولا يتغير بالإسلام إلا إلى الأفضل.
أخرج الشيخان وأحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تجدون
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٣١، ٣٢.
[ ١٣١ ]
الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه"١.
فأصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا أو فقهوا فهم خيار الناس٢.
قال ابن حجر في الفتح: وجه التشبيه أن المعدن لما كان إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولا تتغير صفته، فكذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، بل من كان شريفا في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف بمن أسلم من المشروفين في الجاهلية٣.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: "أنا ابن العواتك" ٤ والعاتك: هو الكار الشجاع في القتال، والمرأة العاتك: هي الشريفة الكريمة.
وعند اشتداد المواجهة بين الرسول ﷺ وأهل مكة لم نسمع مطعنا في نسب رسول الله وأصله، ولا نقدا لخلقه وسلوكه، ولا همزا حول شيء يتصل به ﷺ.. ولو وجد شيء من هذا لتحدثوا عنه وأظهروه..
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ج٦ ص٥٢٥. ٢ شروح النووي على مسلم ج٥ ص٢٣٠. ٣ فتح الباري ج٦ ص٥٢٩. ٤ الطبراني، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد - كتاب علامات النبوة - باب في كرامة أصله ﷺ ج٨ ص٢١٥.
[ ١٣٢ ]
المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام
المسألة الثانية: بعد آبائه ﷺ عن الشرك وعبادة الأصنام
ثبت بالأدلة والبراهين العديدة أن أصول النبي ﷺ وآباءه من لدن آدم ﵇ إلى والده المباشر عبد الله بن عبد المطلب، كانوا جميعا بعيدين عن الشرك وعبادة الأصنام.
والأدلة على ذلك عديدة، يجمعها السيوطي -رحمه الله تعالى١- في مقدمتين ليصل إلى نتيجة عقلية مسلمة:
أما المقدمة الأولى: فهي أن آباء النبي ﷺ هم من خير الناس، كل منهم أفضل معاصريه وأخيرهم، فهم خيار من خيار، اصطفاهم الله منذ وجود آدم ﵇، واستمر هذا الاصطفاء معهم حتى جاء رسول الله محمد ﷺ.
أما المقدمة الثانية: فإنها تظهر حقيقة دينية تاريخية، وهي أن الأرض لم تخل من عهد آدم ﵇ إلى بعثة النبي ﷺ وإلى أن تقوم الساعة من أناس على الفطرة يوحدون الله، ويعبدونه بما بقي من دين سابق، ويرون أن الأصنام والأوثان وما يماثلها، ما هي إلا افتراءات لا حقيقة لها؛ ولذلك فهم بعيدون عنها، لا يقتنعون بها..
فإذا انضمت المقدمة الأولى إلى المقدمة الثانية لظهر بجلاء أن آباء النبي ﷺ في كل عصر كانوا من هؤلاء الأناس الذين عاشوا بالفطرة النقية الموحدة؛ ذلك أن الخيرية والأفضلية تقوم أساسا على التوحيد والتقوى.
ومن الواجب التسليم بهذا؛ لأن الأفضلية إذا لم تقم على التوحيد، وقامت على المال أو الكثرة أو السلطان مثلا، فإن الشرك يعلو التوحيد، ويفضل المشرك
_________________
(١) ١ الحاوي للفتاوى ج٢ ص٣٦٧ بتصرف.
[ ١٣٣ ]
المؤمن، وهذا غير صحيح، فوجب بمجموع هاتين المقدمتين أن يكون آباء النبي -وهم أفضل الخلق في زمانهم على التوحيد- أصل التفضيل وأساسه؛ لأن القول بغير ذلك يؤدي إلى أحد أمرين لا يسلم بهما أو بأحدهما عاقل:
الأمر الأول: أفضلية المشرك على المسلم، وهذا أمر غير صحيح، وغير مسلم، ولم يقل به أحد من العقلاء.
الأمر الثاني: أن يكون هناك مَن هم أفضل من آباء النبي ﷺ، وهذا معارض بما ثبت في المقدمة الأولى التي سبق ذكر أدلتها.
يقول الإمام السيوطي: "يجب أن يكون آباء النبي موحدين، لا شرك فيهم ليكونوا من خير أهل الأرض، كل في قرنه"١.
وفي الدراسة السابقة عن المقدمة الأولى أوضحت أن آباء النبي هم خيار الخلق من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ، وبذلك ثبتت المقدمة الأولى.
وإثبات المقدمة الثانية بعد ذلك أمر مسلم؛ لأن الناس كانوا على الإسلام منذ آدم إلى نوح ﵇، يقول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢ وفي الآية بيان أن الناس جميعا بعد آدم ﵇ كانوا على دين واحد هو الإسلام.
فعن أبي أمامة ﵃ أن رجلا قال: يا رسول الله، أنبي كان آدم؟
قال ﷺ: "نعم نبي مكلم".
فقال الرجل: فكم كان بينه وبين نوح ﵇؟
قال ﷺ: "عشرة قرون" ٣.
_________________
(١) ١ الحاوي للفتاوى ج٢ ص٣٦٨. ٢ سورة البقرة آية ٢١٣. ٣ فتح الباري شرح صحيح البخاري ج٦ ص٣٧٢.
[ ١٣٤ ]
وهكذا استمرت البشرية على دين الإسلام عشرة قرون، وبعد هذه المدة بدأ الشرك في الظهور، واختلف الناس، فبعث الله رسله مبشرين ومنذرين، بلاغا وإرشادا؛ ولذلك بعث شيث ﵇، وإدريس ﵇؛ نصرا لأهل الحق، ومحافظة على دين الله القويم.
يُروى عن قتادة ﵁ أنه قال: "ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الهدى، وعلى شريعة الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحا ﵇"١.
وعن ابن عباس: "أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الإسلام"٢.
وهذه الآراء بيان لاستمرار الإسلام في الناس منذ آدم إلى نوح ﵇، فلما اختلفوا وانقسموا جاء رسل الله، وعلى رأسهم نوح ﵇.
والتعبير بالاختلاف في الآية بيان لتمسك فريق من الناس بالإسلام الذي كانوا جميعا عليه، حين ارتد فريق منهم، وعبدوا الأصنام، وأشركوا في الألوهية، وبذلك وجد الاختلاف والتفرق بدليل أن الله توعد هؤلاء المشركين الذين أشركوا وضيعوا وحدة الأمة وتجمعها على الدين الحق، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٣.
ومع الاختلاف على الدين الحق قبيل نوح ﵇ نرى أن والد نوح كان مؤمنا موحدا امتدادا لآبائه من قبله، دليل ذلك أن نوحا ﵇ دعا لأبيه كما
_________________
(١) ١ الحاوي ج٢ ص٣٧٢. ٢ تفسير الطبري ج٤ ص٢٧٥. ٣ سورة يونس آية ١٩، ودلالة الآية أن الله توعد المختلفين، والله لا يتوعد إلا بسبب كفر أو معصية.
[ ١٣٥ ]
في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١، والنبي ﷺ لا يستغفر لكافر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ٢، وبذلك تكون الآية صريحة في إيمان والد "نوح" وهو "سام"؛ لأنه لو لم يكن مؤمنا لما دعا له، وأيضا فإن دعوة نوح لأبيه كانت بعد الطوفان، ولم ينجُ من الطوفان إلا المؤمنون.
هذا عن الفترة من آدم إلى نوح ﵉..
أما ما بعد نوح ﵇، فقد روى ابن عباس أن نوحا ﵇ لما أهبط ومن معه من السفينة هبطوا إلى قرية، فبنى كل رجل منهم بيتا، فسميت القرية سوق الثمانين نسبة لعدد الناجين، فلما ضاقت بهم القرية تحولوا إلى بابل فبنوها، ولم يزالوا على الإسلام وهم ببابل، أما من كفر فقد غرق وهلك، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ٣، ومفهوم الآية يوضح أن ذرية من كفروا غرقوا بغرق أبائهم، ولم يبقَ إلا المؤمنون الموحدون، كما يفيده ضمير الفصل الموجود في الآية.
وقيل: إن المؤمنين مع نوح كانت لهم ذرية مؤمنة نجت من الناجين إلا أنها ماتت بأجلها، ولم يبقَ إلا أبناء نوح.
وقيل: إن المؤمنين من ذرية الآخرين تلحق بذرية نوح في البقاء بسبب إيمانهم٤.
_________________
(١) ١ سورة نوح آية ٢٨. ٢ سورة التوبة آية ١١٤. ٣ سورة الصافات آية ٧٧. ٤ فتح القدير ج٤ ص٤٠٠.
[ ١٣٦ ]
واستمر إيمان آباء النبي ﷺ من نوح إلى إبراهيم ﵈، غير أن ما ورد عن والد نبي الله إبراهيم ﵇ "آزر" يتعارض مع هذا؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ٢، وفي هذه الآيات تصريح واضح بكفر أب إبراهيم ﵇، وقد رد العلماء هذا التعارض بأن إبراهيم ﵇ كان يخاطب عمه "آزر"، أما والده فو "تارح"، واللغة العربية تطلق اسم الأب على العم؛ ولهذا يقول الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ٣، فأطلق سبحانه على إسماعيل اسم الأب ليعقوب ﵇ مع أنه كان عمه.
وبعد نجاة إبراهيم ﵇ من النار أمره الله تعالى بأن يهاجر إلى بلاد الشام فهاجر حيث أمره الله تعالى، وأخذ معه المؤمنين، وكانوا ثلاثة، هم: زوجته سارة وابن خالته لوط وأبوه تارح٤، ولو كان أبوه مشركا ما اصطحبه معه في رحلة الهجرة من موطنه إلى بلاد الشام.. وأيضا فلقد دعا إبراهيم ﵇ لأبيه بعد هلاك عمه بمدة طويلة، ولو كان مشركا ما دعا له، يقول الله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٧٤. ٢ سورة مريم آية ٤٢. ٣ سورة البقرة آية ١٣٣. ٤ الكامل لابن الأثير ج١ ص٩٦. ٥ سورة إبراهيم آية ٤١.
[ ١٣٧ ]
أما آباء النبي محمد ﷺ بعد إبراهيم فهم على النحو المذكور لسائر الآباء، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ١.
فقد أخبر الله تعالى بأنه بقدرته ﷾ جعل كلمة الهدى والتوحيد باقية، متنقلة في عقب إبراهيم ﵇ تنتقل من واحد إلى مَن بعده في عقبه، والعقب: أبناء الرجل الذكور دون الإناث.
يقول المفسرون: الكلمة هي شهادة التوحيد، جعلها الله مستمرة في ذرية إبراهيم ﵇، يعقب كل جيل ما سبقه، بحيث لا يزال في ذريته من ينطق ويؤمن بها.
ويقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ٢ وقد دعا إبراهيم ﵇ في الآية بدعوتين:
أحدهما: أن يجعل مكة بلدا آمنا في المقام والمعاش.
والثانية: أن يجنبه وبنيه وذريته عبادة الأصنام، وقد استجاب الله له، فأكرم مكة بجعلها حرما آمنا، ورزق أهلها ثمرات كل شيء، كما استجاب الله سبحانه الدعوة الثانية لإبراهيم في أولاده فنجاهم من عبادة الأصنام وجعل النبوة والكتاب فيهم خاصة.
وقد جاءت أحاديث مسندة تفصل ما جاء في الآيات:
يقول النبي ﷺ: "لا تسبوا مضر؛ فإنه كان قد أسلم" ٣.
ويقول النبي ﷺ: "لا تسبوا مضر؛ ولا ربيعة فإنهما كانا مؤمنين" ٤.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف الآيات ٢٦-٢٩. ٢ سورة إبراهيم آية ٣٥. ٣ طبقات ابن سعد ج١ ص٥٨. ٤ الروض الأنف ج١ ص١٠.
[ ١٣٨ ]
ويقول النبي ﷺ: "لا تسبوا قسا؛ فإنه كان مسلما" ١.
ويقول النبي ﷺ: "لا تسبوا إلياس؛ فإنه كان مؤمنا" ٢.
وقد رأينا من كلمات آباء النبي ﷺ، ووقفنا على معانيها الدالة على العقل والحكمة وروح الإيمان..
يقول السهيلي: "وكعب بن لؤي أول من جمع يوم العروبة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ، ويعلمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والإيمان به".
وعبد المطلب هو الذي قابل أبرهة وقال له: للبيت رب يحميه..
أما آباء النبي ﷺ القريبون إليه فهم: كلاب، وقصي، وعبد مناف، وهاشم، وعبد المطلب، وعبد الله، فإنهم شيوخ مكة، وحماة الكعبة، وإليهم يرجع الفضل في تنظيم أمور البيت الحرام، والإنفاق على الحجيج، وفي حياتهم إشارات إلى عقيدتهم الدينية.
يقول عبد الله: أما الحرام فالممات دونه.
ويقول عبد المطلب: للبيت رب يحميه.
وقد تميز هاشم وعبد مناف بالحكمة وكرم الأخلاق، ودور قصي وكلاب مع الكعبة وأهل مكة لا يخفى؛ ولذلك كان ﷺ يفتخر بآبائه ويقول ﷺ: "أنا ابن الذبيحين" يريد بهما: عبد الله وإسماعيل ﵉، وفي يوم حنين قال: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
ويقول ﷺ: "أنا خيار من خيار من خيار".
_________________
(١) ١ الحاوي ج٢ ص٣٨٠. ٢ الروض الأنف ج١ ص١٠.
[ ١٣٩ ]
وحديث النبي ﷺ عن آبائه لتعريف منازلهم، وبيان مراتبهم، والإشارة إلى نِعَمِ الله تعالى التي أحاطه وأحاطهم بها.
يقول أبو الحسن الماوردي: "أنبياء الله صفوة عباده، وخيرة خلقه، لما كلفهم من القيام بحقه، والإرشاد لخلقه، استخلصهم من أكرم العناصر، واجتنابهم بمحكم الأواصر، فلم يكن لنسبهم من قدح، ولمنصبهم من جرح؛ لتكون القلوب لهم أصفى، والنفوس لهم أوطأ، والناس إلى إجابتهم أسرع، ولأوامرهم أطوع، وإن الله استخلص رسوله ﷺ من أطيب المناكح، وحماه من دنس الفواحش، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة، وقد قال ابن عباس في تأويل قول الله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين﴾ أي: تقلبك من أصلاب طاهرة، من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيًّا، فكان نور النبوة ظاهرًا في آبائه، ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصًّا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده نهاية، فيزول عنه أن يشارك فيه، ويماثل فيه، فلذلك مات عنه أبواه في صغره، فأما أبوه فمات وهو حمل، وأما أمه فماتت وهو ابن ست سنين، وإذا خبرت حال نسبه، وعرفت طهارة مولده، علمت أنه من سلالة آباء كرام، ليس في آبائه مسترذل، ولا مغموز مستبذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة"١.
ويقول الشهرستاني: "ظهر نور النبي ﷺ في أسارير عبد المطلب بعض الظهور، وببركة ذلك النور ألهم النذر في ذبح ولده، وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور، وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه، وتصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك
_________________
(١) ١ الحاوي ج٢ ص٣٨٥.
[ ١٤٠ ]
ففكر وقال: والله إن وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب فيها المسيء بإساءته، وببركة ذلك النور قال لأبرهة: إن لهذا البيت ربا يحفظه"١.
ومع سلامة النسب النبوي وأصالته أرى توضيح أمرين:
الأمر الأول: يتصل بتوحيد آباء النبي ﷺ؛ لأن منهم من عاصر الأنبياء، ومنهم من كان بعيدا عنهم، أما من كان نبيا أو عاصر نبيا، فإنه كان على التوحيد الخالص الواضح الذي جاء من عند الله تعالى، بكل ما يلزمه من اعتقاد وشريعة وأخلاق، أما من بعد منهم عن زمن الأنبياء فإنه كان على توحيد يبعده عن تأليه الصنم وعبادته، مع غياب تعاليم الرسالة السابقة؛ ولذلك لم يكن لهم دين واضح بتعاليمه وتفصيلاته.
إنهم لم ينغمسوا في الشرك، ولم يكونوا سدنة الأصنام، ولا كهنة الآلهة، مع ما لهذه الأعمال من أهمية في الحياة الجاهلية، ومع منزلتهم في قبائل مكة، التي تمكنهم من الحصول على ما يريدون، ولو كانوا من الكهنة ما منعهم أحد، لكن الله أنقذهم منها.
إن بعدهم الزمني عن رسالات الله أنساهم كثيرا من الحقائق الدينية، شأنهم في ذلك شأن الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام، ورأوا ضرورة وجود إله واحد قدير، واهتموا في البحث عن دين إبراهيم ﵇؛ ولذلك لم تكن لآباء النبي ﷺ دعوة دينية، ولم يقوموا بنشر عقيدتهم في الناس، إلا أن الله أكرمهم بالتوحيد، وخصهم بالخيرية، وفضلهم على الناس، ليذكر الرسول بهم، وحتى لا تلحقه منقصة بسببهم، يعيره بها المشركون والكافرون.
الأمر الثاني: أهل الفترة وآباء النبي: يراد بالفترة المدة الزمنية بين رسولين، وبخاصة إذا طالت المدة، وغابت تعاليم الرسول السابق كليا أو جزئيا.
_________________
(١) ١ الحاوي ج٢ ص٣٨٢.
[ ١٤١ ]
ودرس العلماء والفقهاء أحكام أهل الفترة؛ لأنهم بعدوا عن الرسالة السابقة، ولم تأتهم رسالة جديدة، وهذا حال يرفع عنهم المسئولية أمام الله تعالى عند جمهور العلماء.
والعرب من الأمم التي طالب الفترة بهم، ولم يأتهم رسول منذ إسماعيل ﵇، يبين الله ذلك لمحمد ﷺ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ ١.
وصلة هذا المبحث بآباء النبي ﷺ تلمس الإنصاف لهم؛ لأن آباءه القريبين ابتداء من كلاب لم يكن لهم دور ديني واضح، مع ثبوت عدم تأليههم للأصنام، وسبب ذلك أنهم كانوا من أهل الفترة التي لا وجود فيها لدعوة دينية.. وأقصى ما كانوا فيه أنهم من الحنفاء الموحدين، الباحثين عن الحقيقة، التي تجلت أمامهم بمبعث النبي ﷺ.
يذهب جمهور العلماء إلى أن أهل الفترة ناجون؛ لأنه لا تكليف قبل البعثة بدلالة الآيات التالية:
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢ والآية أساس للجمهور الذين يرون أن وصول الرسالة إلى الناس شرط للمسئولية، يقول قتادة: "إن الله ليس بمعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبر، أو تأتيه من الله بينة"٣.
ويقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ والآية واضحة في ثبوت العذر لأهل الفترة على عدم إيمانهم، ودلالتها على ضرورة تبليغ الدعوة على وجهها الصحيح عن طريق رسول الله، أو بواسطة من يكلفه من الدعاة.
_________________
(١) ١ يس آية ٦. ٢ سورة الإسراء آية ١٥. ٣ تفسير القرطبي ج١ ص٢٥١. ٤ سورة القصص آية ٤٧.
[ ١٤٢ ]
وعلى هذا فآباء النبي ﷺ القريبون كانوا من الحنفاء، على أقل تقدير، وليس بضروري أن يكونوا على رسالة دينية كاملة "عقيدة وشريعة"، وأما الأبوان الشريفان فهما من أهل الفترة بإجماع؛ لتأخر زمانهما، وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين١، فآخر نبي بعث للعرب هو إسماعيل، وبينه وبين محمد ﷺ ثلاثة آلاف سنة، ولم يعمرا طويلا، وكان العرب في جهل بالنسبة للرسالة لدرجة أنهم تعجبوا حين بعث الله تعالى نبيه محمدا ﷺ وقالوا ما حكاه الله تعالى: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٢، وقالوا أيضا ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٣، وقد صور الله تعالى أحوالهم متعجبا فقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُون﴾ ٤.
وهذا محمد ﷺ لما حبب إليه الخلاء، كان يذهب إلى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، وكانت عبادته على ما بقي من دين إبراهيم وإسماعيل ﵉؛ إذ لا سبيل له إلى غير ذلك.
إن تباعد الزمان بين رسالة إسماعيل ﵇ وآباء النبي القريبين غيب عنهم حقيقة رسالة الله بكمالها وتمامها؛ ولكنهم تمسكوا بما أبقاه الله بينهم، فلم يعبدوا غير الله، ولم يشركوا معه إلها آخر.
ومن هنا نرى أن توحيد الحنفاء كافٍ في القول بإيمان آباء رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ أرجح الرأي القائل بأن أبا النبي ﷺ من أهل الفترة على الآراء الأخرى، هذا وقد فصل السيوطي الآراء كلها بأدلتها في كتابه الحاوي. ٢ سورة الإسراء آية ٩٤. ٣ سورة فصلت آية ١٤. ٤ سورة المؤمنون آية ٦٩.
[ ١٤٣ ]
المسألة الثالثة: صلة بني هاشم بسائر بطون العرب
تعرف أسرة النبي ﷺ بالأسرة الهاشمية نسبة إلى هاشم بن عبد مناف، وهي أسرة عربية يمتد نسبها إلى إبراهيم ﵇.
فرسول الله ﷺ واحد من العرب يتصل مع كل عربي بنسب وصلة؛ لأنهم جميعا أبناء إسماعيل، وعروبة النبي ثابتة موطنا وجنسا ولغة.
يقول الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ ١، وفي هذا بيان لقرية النبي ﷺ التي أخرج منها، وهي مكة، موطنه الذي أجبر على تركه، والهجرة منه إلى يثرب، المدينة التي نورت بهجرته ﷺ إليها، يقول قتادة وابن عباس: لما خرج النبي ﷺ من مكة إلى المدينة التفت إلى مكة وقال: "اللهم إنك أحب البلاد إلى الله، وأنت أحب البلاد إليَّ، ولولا المشركون أهلك أخرجوني ما خرجت منك" ٢.
ويقول تعالى: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ٣، ويقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّي﴾ ٤، وعلى هذا فالنبي أمي، أي عربي؛ لأن الأمية صفة ومسمى للعرب قبل المبعث في مقابل أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل٥.
وجاء الإسلام بلغة العرب، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦، ويقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ ٧، فهذه العروبة
_________________
(١) ١ سورة محمد آية ١٣. ٢ الحديث صحيح، رواه الثعلبي، تفسير القرطبي ج١٦ ص٢٣٥. ٣ سورة الجمعة آية ٢. ٤ سورة الأعراف آية ١٥٧. ٥ الملل والنحل ج١. ٦ سورة يوسف آية ٢. ٧ سورة مريم آية ٩٧.
[ ١٤٤ ]
الثابتة لرسول الله تؤكد قرابته العامة لكل عربي، وتؤيد التقاءه مع كل منهم في نسب بعيد أو قريب.
وقد وضح ابن حزم الأسباب النسبية التي ربطت النبي ﷺ بقبائل العرب جميعا، فقال: "وفي عبد المطلب يجتمع معه ﵇: بنو علي، وجعفر، وعقيل -بني أبي طالب- وبنو العباس، وبنو الحارث، وبنو أبي لهب.
وفي عبد مناف يجتمع معه: بنو أمية، وسائر بني عبد شمس، وبنو المطلب، وبنو نوفل، وبنو عبد المطلب.
وفي قصي يجتمع معه: بنو عبد العزى، وبنو عبد الدار، الذين منهم حجبة الكعبة.
وفي كلاب يجتمع معه: بنو زهرة، وأمه منهم، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.
وفي مرة يجتمع معه: بنو تيم بن مرة، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة.
وفي كعب يجتمع معه: بنو عدي، وبنو جمح، وبنو سهم.
وفي لؤي يجتمع معه: بنو عامر بن لؤي.
وفي غالب يجتمع معه: بنو تيم الأدرم.
وفي فهر يجتمع معه: بنو الحارث، وبنو محارب، وفهر هذا هو أبو قريش كلها، من لم يكن من ولده فلا نسب له في قريش، ومن كان من ولد فهر فهو قرشي.
وفي كنانة يجتمع معه: كل من ينتمي إلى كنانة من بني عبد مناة، وملك، وملكان، وحدال، وعمرو بن كنانة.
وفي خزيمة يجتمع معه: بنو أسد، والقارة، وهم بنو الهون بن خزيمة.
[ ١٤٥ ]
وفي مدركة يجتمع معه: بنو هذيل.
وفي إلياس يجتمع معه: بنو تميم وإخوتهم، وبنو ضبة، ومزينة، والرباب، وخزاعة، وأسلم، فأما الرباب فهم: تيم، وعدي، وثور، وعكل.
وفي مضر يجتمع معه: قبائل قيس كلها: سليم، ومازن، وفزارة، وعبس، وأشجع، ومرة، وسائر بني ذبيان، وغطفان، وعقيل، وقشير، والحريش، وجعدة، والعجلان، وكلاب، والبكاء، وهلال، وسواءة، وبنو جشم، وبنو نصر، وثقيف، وسعد، وسائر هوازن، ومحارب، وعدوان، وفهم، وباهلة، وغني، والطفاوة، وسائر قيس.
وفي نزار يجتمع معه: قبائل ربيعة، وهم: بكر، وتغلب، وعنز بني وائل، وعبد القيس وقبائلها، وعنزة، والنمر بن قاسط.
وفي معد يجتمع معه: إياد.
وفي عدنان يجتمع معه: بنو عك"١.
هذه واحدة..
وأخرى وهي أن جميع بطون مكة قبيل البعثة كانت ترتبط ببني هاشم بقرابة ورحم، فعن ابن عباس: "أن النبي ﷺ لم يكن بطن من بطون قريش إلا وله فيه قرابة"٢، وبسبب هذه القرابة نرى القرآن الكريم يكرر في معرض دعوته لأهل مكة أن الرسول "منكم" و"من أنفسكم" و"منهم" يقول تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ ٤.
_________________
(١) ١ جوامع السيرة ص٢، ٣، ٤. ٢ صحيح البخاري - باب المناقب ج٤ ص٢١٧. ٣ سورة التوبة آية ١٢٨. ٤ سورة آل عمران آية ١٦٤.
[ ١٤٦ ]
ويقول: ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُم﴾ ١، فالرسول ﷺ منهم، وهم أقرباؤه، ومع ذلك فدعوته للعالم كله، وعليهم أن يؤمنوا به ليؤكدوا تشرفهم بحمل الرسالة، وتبليغها للعالمين.
إن بطون قريش يرتبطون بقرابة مع رسول الله فهم أخواله وأعمامه، وله منهم عمات وخالات، كما يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ٢ ودلالة هذه الآية صريحة في وجود أعمام وأخوال وعمات وخالات له ﷺ في مكة، وأنه ﷺ تزوج من بناتهم المهاجرات بعد الهجرة، وبالبحث في زوجات النبي ﷺ القرشيات نجد أنهن لسن من بني هاشم، ولكنهن من بقية بطون مكة..
فعائشة من بطن "تيم"، وتلتقي برسول الله في جده مرة.
وحفصة من بطن "عدي"، وتلتقي برسول الله في جده كعب.
وأم حبيبة من بطن "بني أمية"، وتلتقي برسول الله في جده عبد مناف.
وأم سلمة من بطن "بني مخزوم"، وتلتقي برسول الله في جده كلاب.
وسودة من بطن "بني عامر"، وتلتقي برسول الله في جده لؤي.
وزينب من بطن "بني أسد"، وتلتقي برسول الله في جده خزيمة.
وهذا يثبت القرابة القريبة لرسول الله مع بطون مكة جميعا، فهم أعمام وعمات وأخوال وخالات أقرباء لمحمد ﷺ.
إن قرابة النبي ﷺ لبطون مكة تعود لعدة أجيال قديمة، وهي حقيقة لا شك فيها.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٥٠. ٢ سورة الأحزاب آية ٥٠.
[ ١٤٧ ]
وقد تحدث القرآن عن هذه القرابة في مجال حث أهل مكة على الإيمان؛ حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ١.
فهي تشير إلى القرابة المعروفة بين رسول الله ﷺ وأهل مكة، والتي يجب أن تدفعهم إلى الإيمان بالإسلام أداء لحق المودة، والقرابة مع رسول الله ﷺ.
ويقول تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٢..
والآية تتضمن -كما هو ظاهر- دلالة قاطعة على أن النبي ﷺ كان له في مكة عشيرة، أو بطن خاص يلتحم به التحام القرابة العصبية المباشرة، مع التحام هذا البطن الخاص بوشائج القربى مع سائر بطون قريش، والقرائن القرآنية مضافة إلى أخبار السيرة والروايات، تدل على أن هذا البطن الخاص كان ذا مكانة محترمة، وملك جانبا عزيزا بين الناس.
لقد أمر النبي ﷺ كثيرا من المسلمين بالهجرة من مكة إلى الحبشة بسبب ما نالهم من اضطهاد قريش، لمتابعتهم النبي ﷺ وعدم وجود من يحميهم وينصرهم، في حين أن النبي ﷺ ومعه غيره من رجالات المسلمين القرشيين لم يهاجروا، وظل يقوم بدعوته قويا صريحا واضحا في الإنكار والتخويف والإنذار بلسان القرآن، معتمدا على الله تعالى الذي جعل له من أقربائه أنصارا، مع أنهم لم يؤمنوا بالإسلام٣.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية ٢٣. ٢ سورة الشعراء آية ٢١٤. ٣ يراجع في هذه القضية مواقف عمه أبي طالب الذي عاش حياته مدافعا عن محمد ﷺ مع أنه لم يؤمن، وقصة إسلام حمزة التي قامت دفاعا عن محمد ﷺ، واشتراك بني هاشم والمطلب مع المسلمين في حصار الكفار لهم.. وكلها تدل على ما كان للقرابة والعصبية من نصرة ومساندة. ويجب أن ينظر إلى أن الهجرة إلى الحبشة كانت للمحافظة على روح وقوة الجماعة المسلمة، ولإيصال الإسلام خارج جزيرة العرب.
[ ١٤٨ ]
وفي نهاية هذا المبحث أجد شبهة تستحق أن نرد عليها، فلقد عرض الدكتور/ محمود علي مراد لأحداث السيرة في المرحلة المكية في رسالته للدكتوراه، ورأى أن أغلب مروياتها وضع تمجيدا لبني هاشم، أجداد العباسيين، الذين دونت السيرة في عهدهم؛ ولذلك جاءت أحداث سيرة ابن إسحاق وبخاصة في الفترة المكية تمجيدا لبني هاشم خدمة للعباسيين على حساب الأمويين أعدائهم.
ويرى أن النصوص التي تصور عبد المطلب مؤمنا غير صحيحة، ولا تتناسب مع بعض الشواهد التي ذكرها الدكتور في مؤلفه، فقصة حفر عبد المطلب لزمزم، ومواجهته لأبرهة، وإصراره على الوفاء بنذره، بذبح أحد أبنائه العشرة.
هذه الأحداث يردها الدكتور، ويستدل في ردها برضى عبد المطلب على وضع الأصنام حول الكعبة، وعدم قيام عبد المطلب بدعوة دينية في قومه، وتسميته أحد أبنائه بـ"عبد العزى"، وجحود أبنائه الديني؛ حيث لم يؤمن أحدهم بمحمد إلا بعد ثلاث سنوات من البعثة١، مما يدل على عدم توجيههم دينيا.
ونحن لا نرتضي ما ذهب إليه الدكتور لما يلي:
١- التشكيك في راوي السيرة "ابن إسحاق" غير صحيح، فهو من رواة السنة، وأحاديثه ورواياته مقبولة، وقد وثقه علماء الجرح والتعديل٢.
_________________
(١) ١ سيرة رسول الله ﷺ، د/ محمود علي مراد ص٤٢ بتصرف، وهي رسالة حصل بها المؤلف على الدكتوراه من جامعة السوربون، وهي مترجمة من الفرنسية إلى العربية. ٢ محمد بن إسحاق صاحب السيرة التي لخصها ابن هشام من العلماء الثقات، يقول عنه البخاري: روى عنه إبراهيم بن سعد سبعة عشرة ألف حديث، ومن أشهر مشايخه: عاصم بن قتادة، والزهري، وعبد الله بن أبي، وهشام وعمرو ابني عروة بن الزبير، وإبان بن سعيد. يقول ابن هشام عنه: هذا أعلم الناس بالمغازي، ويقول عاصم بن عمر: لا يزال في الناس علم ما بقي ابن إسحاق، ويقول ابن معين عنه: إنه ثقة، حسن الحديث. وقد جرح بعض العلماء ابن إسحاق لإكثاره في الرواية، واتهامه بالقدر، وتتبعه لأولاد اليهود الذين رووا أحاديث الغزوات، وهي أسباب ردها علماء الحديث، وينحصر نقد ابن إسحاق عند إمامين جليلين، هما: الإمام مالك بن أنس، وهشام بن عروة، بناء على أسباب وجدوها فيه، وهي: =
[ ١٥١ ]
٢- لأجداد الأمويين والعباسيين أمجاد ومزايا، فلِمَ نتهم ابن إسحاق بروايته أمجاد العباسيين مع أن إيرادهم هنا مع أحداث السيرة ضرورة علمية لما لهم من صلة مباشرة بصاحب السيرة رسول الله ﷺ؟!!
ولِمَ لَمْ نفهم سبب سكوته عن أمجاد الأمويين، مع أن مجال الدراسة بعيد عنهم، ولم يشر ابن إسحاق إلى الأمويين بأي سوء؟!
٣- رد الأحاديث المروية اعتمادا على العقل وحده لا يكفي؛ لأن إيمان عبد المطلب لم يكن بصورته التامة، فهو يشبه الحنفاء كما قلنا.. لكن الدكتور يتصوره رسولا، وينقد على هذا الأساس.
٤- تشكك ابن هشام في صحة القصائد التي عزاها ابن إسحاق إلى بنات عبد المطلب، وقد أبرز الدكتور هذا التشكيك، واستشهد به، فلم اعتبر ابن هشام صادقا هنا وغير صادق في مروياته الأخرى عن عبد المطلب؟!
_________________
(١) = الأول: حرصه على الإكثار من الرواية، وهو أمر كرهه الإمام في حياته، قال عبد الرحمن بن مهدي للإمام مالك: "يا أبا عبد الله، سمعنا في بلدكم -أي: بالمدينة- أربعمائة حديث في أربعين يوما، ونحن في يوم واحد نسمع هذا كله -أي بالعراق- فقال له: يا أبا عبد الرحمن، من أين لنا دار الضرب التي عندكم؟ دار الضرب تضربون بالليل، وتنفقون بالنهار". الثاني: اتهامه بالقدر، وهي تهمة اتهم بها كثير من المحدثين ولم تنل منهم، وقد أخرج مسلم في صحيحه عن بعضهم. أخرج الخطيب عن أبي زرعة الدمشقي قال: "ومحمد بن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ منه، منهم: سفيان، وشعبة، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقا وخيرا، مع مدحة ابن شهاب له، وقد ذاكرت دحيما قول مالك في ابن إسحاق فرأى أن ذلك ليس للحديث، إنما هو لأنه اتهمه بالقدر". وقال الجرجاني: الناس يشتهون حديثه، وكان يُرمى بغير نوع من البدع، وقال موسى بن هارون: سمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول: كان محمد بن إسحاق يُرمى بالقدر، وكان أبعد الناس منه. الثالث: تتبعه لغزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وغيرها. "انظر: مع الرسول ﷺ ص١٢٤، ١٢٥ بتصرف".
[ ١٥٢ ]
المبحث الثاني: إرهاصات الميلاد والرأي فيها
الإرهاص أمر خارق للعادة يظهره الله قبيل مبعث نبي ما، وهو يختلف عن خوارق العادات الأخرى؛ لأن المعجزة تظهر على يد مدعي النبوة تصديقا له، والكرامة تظهر على يد عبد صالح تكريما له، والمعونة تظهر لعبد صالح معونة له.
وقد أورد مؤرخو السيرة المحمدية عددا من الإرهاصات ذكروا أنها وقعت عند ولادته ﷺ.
من هذه الإرهاصات:
ما رواه محمد بن إسحاق عن حسان بن ثابت، قال: "والله إني لغلام يفعة، ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت؛ إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بـ"يثرب": يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك؟! ما لك؟! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به"١.
وعن أسامة بن زيد قال: "قال زيد بن عمرو بن نفيل، قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه، واتبعه"٢.
ما رواه ابن سعد بسنده عن ابن عباس أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به -تعني رسول الله ﷺ- فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع على الأرض معتمدا على يديه، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها، ورفع
_________________
(١) ١ صحيح السيرة ص١٤. ٢ المرجع السابق ص١٦.
[ ١٥٣ ]
رأسه إلى السماء، وقالت أيضا: لما ولدته خرج مني نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفا، ولدته كما يولد السخل ما به قذر، ووقع إلى الأرض وهو جالس على الأرض بيده"١.
ويروي ابن سعد أيضا أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقوم خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادهم، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك، فتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك من مرازبته فجمعهم، ولبس تاجه، وجلس على سريره، ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده.
قال: أتدرون فيمَ بعثت إليكم؟!
قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك.
فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى، وما هاله.
فقال الموبذان: وأنا -أصلح الله الملك- قد رأيت في هذه الليلة رؤيا، ثم قص علي رؤياه في الإبل، فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟
قال: حدث يكون في ناحية العرب -وكان أعلمهم من أنفسهم- فكتب عند ذلك كتابا: من كسرى ملك الملوك، إلى النعمان بن المنذر، أما بعد، فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة النسائي، فلما ورد عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟
فقال: لتخبرني أو ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلم.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٢ ص٢٦٤.
[ ١٥٤ ]
فأخبره بالذي وجه به إليه فيه.
قال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له: سطيح.
قال: فائته فأسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح، فسلم عليه وكلمه، فلما سمع سطيح قوله، رفع رأسه يقول: عبد المسيح، على جمل مشيح، أتى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساواة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته١.
والإرهاصات التي ذكرها مؤرخو السيرة عديدة، وكلها تشير إلى حدوث أمر جديد يتأثر به العالم كله، ويصل خبره ونفعه إلى كل مكان في أرض الله تعالى.
أدرك من شاهد هذه الإرهاصات أو بعضها حدوث هذا التغيير، لكنه لم يرتبط في أذهانهم بالمولود الجديد، اللهم إلا نفر قليل من أهل الكتاب الذين كانوا يقرءون الكتاب، ويرون صفة رسول الله، الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وسار العلماء القدامى على تصديق كل أثر صح سنده، فلم يبحثوا عن علة الأثر أو غايته؛ لأنهم رأوا أن من الأخبار ما هو متصل بأمر خارق للعادة، لا يصل العقل إلى كنهه وحقيقته، مما جعلهم يقفون عند حد ثبوت النص وتصديقه والعمل به، ورأينا العلماء القدامى يروون إرهاصات النبوة في مؤلفاتهم ودروسهم ولم يعلقوا عليها، مما يدل على أنهم راضون عنها، سعداء بذكرها.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٢ ص٢٦٨، ٢٦٩.
[ ١٥٥ ]
إلا أننا في العصر الحديث وجدنا عددا من المستشرقين والمسلمين الذين كتبوا في السيرة، يرفضون الإرهاصات باسم العلم والعقل من غير نظر إلى السند، أو مصدر رواية الحدث.
فمنهم مَن رفض هذه الإرهاصات بحجة أن الإسلام لا يحتاج إليها في حركته وانتشاره؛ لأنه يحمل عوامل التصديق به في ذاته، كما أن هذه الإرهاصات لم تؤدِّ إلى إسلام أحد، ولم تكن دليلا على صدق الرسالة يوم بعث محمد ﷺ، وأيضا فلقد ولد مع النبي ﷺ في يوم مولده غيره، ومن الممكن أن يدعي أهل هؤلاء الأبناء وقومهم أن هذه الإرهاصات بسبب ميلاد أبنائهم.
إن هذا الفريق لا يصرح بكذب الإرهاصات، ولا يقول بها؛ لأنها لا تمثل أمامه فائدة تذكر للدعوة الإسلامية.
يقول عباس العقاد: علامات الرسالة الصادقة هي عقيدة تحتاج إليها الأمة، وهي أسباب تتمهد لظهورها، وهي رجل يضطلع بأمانتها في أوانها، فإذا تجمعت هذه العلاقات فماذا يلجئنا إلى علامة غيرها؟..
وإذا تعذر عليها أن تتجمع فأي علامة غيرها تنوب عنها أو تعوض ما نقص منها؟ وقد خلق محمد بن عبد الله ليكون رسولا مبشرا بدين، وإلا فلأي شيء خلق؟ ولأي عمل من أعمال الحياة ترشحه كل هاتيك المقدمات والتوفيقات وكل هاتيك المناقب والصفات؟..
إن المؤرخين يجهدون أقلامهم غاية الجهد في استقصاء بشائر الرسالة المحمدية يسردون ما أكده الرواة منها وما لم يؤكدوه، وما قبله الثقات منها وما لم يقبلوه، وما أيدته الحوادث أو ناقضته، وما وافقته العلوم الحديثة أو عارضته، ويتفرقون في الرأي والهوى بين تفسير الإيمان، وتفسير العِيَان، وتفسير المعرفة، وتفسير الجهالة.
فهل يستطيعون أن يختلفوا لحظة واحدة في آثار تلك البشائر التي سبقت الميلاد، أو صاحبت الميلاد حين ظهرت الدعوة، واستفاض أمر الإسلام؟..
[ ١٥٦ ]
لا موضع هنا لاختلاف، فما من بشارة قط من تلك البشائر كان لها أثر في إقناع أحد بالرسالة يوم صدع النبي ﷺ بالرسالة.
ولم يكن ثبوت الإسلام متوقفا عليها؛ لأن الذين شهدوا العلامة المزعومة يوم الميلاد لم يعرفوا يومئذ مغزاها ومؤداها، ولا عرفوا أنها علامة على شيء، أو على رسالة ستأتي بعد أربعين سنة، ولأن الذين سمعوا بالدعوة، وأصاخوا إلى الرسالة بعد البشائر بأربعين سنة لم يشهدوا بشارة واحدة منها، ولم يحتاجوا إلى شهودها لؤمنوا بصدق ما سمعوه واحتاجوا إليه.
وقد ولد مع النبي ﷺ أطفال كثيرون في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا جاز للمصدق أن ينسبها إلى مولده جاز للمكابر أن ينسبها إلى مولد غيره، ولم تفصل الحوادث بالحق بين المصدقين والمكابرين، إلا بعد عشرات السنين، يوم أتت الدعوة بالآيات والبراهين، غنية من شهادة الشاهدين، وإنكار المنكرين، أما العلامة التي لا التباس فيها، ولا سبيل إلى إنكارها، فهي علامة الكون، وعلامة التاريخ، قالت حوادث الكون: إن الدنيا في حاجة إلى رسالة، وقالت حقائق التاريخ: محمد ﷺ هو صاحب تلك الرسالة، ولا كلمة لقائل بعد علامة الكون، وعلامة التاريخ؟ ١.
ومنهم مَن رأى ضرورة عرض هذه الإرهاصات على العقل، فهو ميزان القبول والرفض لأي قول، في إطار الأسس العلمية، التي أخذوها من المستشرقين؛ حيث يعتمدون على العقل اعتمادا كاملا في إدراك كل شيء.
وحتى تظهر النظرة العقلية في صورة الحياد العلمي عند أصحاب هذه الاتجاه نراهم يعرضون المرويات على القرآن الكريم أحيانا، فما اتفق معه منها قُبل، وما لم يتفق فمصيره الرفض وعدم القبول، مع أن القرآن يتحدث عن الخوارق المعجزة وغيرها.
_________________
(١) ١ مطلع النور ص١١-١٣.
[ ١٥٧ ]
وعلى أساس فكرهم هذا رفضوا كثيرا من الإرهاصات، كما رفضوا كثيرا من أحداث السيرة لخروجها على عادة العقل، وسكوت القرآن عنها، ولربما جاءوا لموضعها في القرآن الكريم وأولوه، بما يؤيد موقفهم الرافض لمرويات السيرة والتاريخ، وذلك كموقفهم من شق الصدر وغيرها.
وحين ننظر إلى هؤلاء ندرك الفرق بينهم، فكلاهما يرفض إلارهاصات المروية، إلا أنهما يختلفان في سبب الرفض؛ حيث يذهب الفريق الأول في سبب رفضه إلى عدم فائدتها للدعوة، بينما الفريق الثاني ينكر وجودها لعدم تسليم العقل بها.
وقبل أن نرد عليهم أشير إلى أن أحداث هذه الإرهاصات جاءت على غير ما ألفه الناس، وأقل ما تتركه في عقولهم البحث عن فاعلها، وعن أسباب وقوعها بهذه الصورة الخارقة، وهذا كافٍ في توجيه أنظارهم إلى التفكير والتدبر، وإن لم يصلوا لشيء.
إن الفريقين على خطأ فيما ذهبا إليه لأسباب كثيرة أهمها:
أولا: ضرورة التفريق بين الجانب العقلي والصورة النبوية؛ لأن النبوة وحي مستمد من الله تعالى، وقدرة الله تعالى مطلقة، تعلو كثيرا عن نطاق العقل البشري وطاقته.
وإذا كانت النبوة محاطة بخوارق العادات، فكيف تدرك حقائق هذه الخوارق بالعقل المحدود.
لقد حاول كفار مكة مواجهة النبوة بعقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ١ وحجتهم فيما طلبوه أن النبوة رئاسة وقيادة، وجدير بها العظماء المشهورون بالغنى والجاه والسطوة؛ ولذلك طلبوها لأحد عظماء مكة أو الطائف.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية ٣١.
[ ١٥٨ ]
ولو عرضنا هذا المنطق على العقل وحده لكان منطقا مسلما، فالعظيم بماله يعطي ويسود، وبجاهه يأمر ويطاع، وبقوته وسطوته يوجه ويسيطر ويحكم.
أما لو عرضناه على منطق النبوة والوحي فإن الأمر يختلف كما قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١.
إن النبوة رحمة الله تعالى يعطيها لمن اصطفاه واختاره، ولا دخل للعقل فيها؛ لأن العقل محدود التصور، محدود الإدراك، فكيف له أن يتدخل في رحمة الله وعطائه بالرأي والتوزيع والنقد؟!!..
إن العقل يعجز في إدراك شأن صاحبه، ولا يستطيع له أمرا، فأمور الدنيا تجري بقدر الله تعالى، ولا يمكن لإنسان أن يخرج عن هذه القدرة الإلهية.
إن الغنى والفقر، والسعادة والشقاوة، والصحة والمرض، والتيسير والتعسير.. كل ذلك وغيره قدر لا دخل للإنسان فيه.. فأين العقل إذن في هذه المجالات؟!..
إن القدر الإلهي قد يرفع إنسانا ويعطيه، وحينئذ يستخدم كثيرا من العقلاء الموهوبين، ومع أن حظه في العبقرية قليل، مما يدل على أن الأمر بيد الله رب العالمين.
إن العقل البشري قد يتصور العظمة في الأمور الظاهرة، كالغنى والوظيفة والسلطان، وتثبت الأيام والتجارب أن العظمة الحقيقية في الجوانب المعنوية، المستورة التي يعلمها الله تعالى وحده؛ ولذلك كانت النبوة قدرا إلهيا ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ .
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية ٣٢.
[ ١٥٩ ]
لقد استعمل القرشيون عقلهم أيضا أمام الوحي، والقدرة الإلهية في حادثة الإسراء والمعراج، وأنكروا على رسول الله ﷺ ما قاله لهم، وقالوا له: أنضرب لها الأكباد الإبل شهرا وتزعم أنك تأتيها في ليلة واحدة؟!..
لقد أملى عليهم عقلهم استحالة ما سمعوه من رسول الله؛ لأن العقل لا يسلم أبدا بأن يسافر إنسان ما في زمان النبوة والبعثة، من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ويعود في ليلة واحدة، ونسوا أن الذي أسرى برسول الله هو قدر الله تعالى، والفاعل هو الله، يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، والنبي ﷺ يقول: "أُسري بي الليلة" ٢، ولم ينسب الفعل لنفسه.
إن أصل الخلاف بين الرسول وأهل مكة في هذه الحادثة هو مصدر الفعل والتصور، فأهل مكة يعتمدون على عقولهم، بينما الرسول ينطلق من الوحي والنبوة.
لقد ذهب الكفار إلى أبي بكر ﵁ ليكون معهم في تصورهم العقلي وينكر معهم الإسراء والمعراج..
لكنه ﵁ بمنطق الإيمان بالنبوة والرسالة يرد عليهم قائلا: إن قال فقد صدق، إنه يخبرني أن الوحي يأتيه من السماء في لحظة وأنا معه فأصدقه، أفلا أصدقه هنا؟!
إن البعض قد يتصور أن الإيمان أبي بكر في شأن حادثة الإسراء والمعراج وغيرها قد بني على غير تفكير، أو على أساس الإيمان فقط، وهذا تصور خاطئ، إنه قد علَّم الجميع درسا فائقا، في كيفية استعمال العقل، وحدوده التي لا ينبغي له أن يتجاوزها.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية ١. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي - باب الإسراء ج٢ ص٢١٠.
[ ١٦٠ ]
إن العقل له أن يفكر في قول الرسول إنه رسول، فإذا ثبت لديه صدق الرسول فالنتيجة الحتمية الموافقة لأي منهج عقلي، أن يؤمن بكل ما صدر عن ذلك الرسول، بدون تدخل للعقل؛ لأن الرسالة مستمدة من الله ﷿، وقدرة الله صالحة لكل فعل خالف العقل أو توافق معه، وذلك هو جوهر القياس العقلي الذي أجراه أبو بكر أمام المشركين، لقد قال لهم: إنه يقول لي: إن الخبر يأتيه من السماء في لحظة فأصدقه، فأي غرابة في منطق العقل والعلم أن يصدقه بعد ذلك في أنه قد أسري به إلى بيت المقدس ما دامت القدرة التي أنجزت هذا الفعل هي قدرة الله ﷿.
فليخجل أتباع المدرسة العقلية من أنفسهم، وليتعلموا ذلك الدرس العظيم على يد أبي بكر في كيفية استخدام العقل١.
يقول ابن عطاء الله السكندري: زار بعض السلاطين ضريح أبي يزيد ﵁ وقال: هل هنا أحد ممن اجتمع بأبي يزيد؟
فأشير إلى شيخ كبير في السن كان حاضرا هناك.
فقال له: هل سمعت شيئا من كلام أبي يزيد؟
فقال: نعم سمعته يقول: "من زارني لا تحرقه النار".
فاستغرب السلطان ذلك الكلام، فقال: كيف يقول أبو يزيد ذلك، وأبو جهل رأى النبي ﷺ وتحرقه النار؟
فقال ذلك الشيخ للسلطان: أبو جهل لم يرَ النبي ﷺ، إنما رأى "يتيم أبي طالب"، ولو رآه ﷺ رسولا لم تحرقه النار.
ففهم السلطان كلامه، وأعجبه هذا الجواب منه، أي: إنه لم يره بالتعظيم والإكرام والأسوة واعتقاد أنه رسول الله، ولو رآه بهذا المعنى لتغير حاله، لكنه رآه باحتقار، واعتقاد أنه "يتيم أبي طالب"، فلم تنفعه تلك الرؤية.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ص٥٧، ٥٨.
[ ١٦١ ]
وما كان المستشرقون في تركيزهم على بشرية الرسول إلا متابعين في ذلك لهذه النزعة، وكل من يركز على بشرية الرسول من الكُتَّاب المسلمين إنما هو بذلك يتابع المستشرقين والمبشرين في هذه النزعة، أو يتابع أبا جهل، وهم في ذلك ليسوا تقدميين ولا تطوريين، وإنما هم من الرجعيين حيث ترجع فكرتهم إلى ما قبل خمسة عشر قرنا مضت، وينزعهم فيها أبو الجهل كله، وأبو الظلمة القلبية كلها!!!
ليس هناك إذن اجتهاد وخطأ وصواب، وإنما هناك تصرفات تصدر عن الكرم والرحمة، فيتحدث الله مبينا طبيعة رسوله الكريمة، فطرته الرحيمة، ورأفته الواضحة، ويبين في الوقت نفسه: أن بعض هؤلاء الذين فاضت عليهم هذه الرحمة ليسوا جديرين بها، وليسوا أهلا لها، لفساد طويتهم وسوء نواياهم.
ومن الحقائق المعروفة: أن الإنسان يميل إلى التركيز على "بشر" أو على "يوحى إلي" حسب قوة شعوره الديني وضعفه، فالذي لا إيمان له لا يرى إلا البشرية والعقل والمنهج الوضعي، ومن ضعف إيمانه يركز على البشرية، ويخفف التركيز على البشرية كلما قوي الإيمان، ويزداد التركيز على: "يوحى إلي" كلما ازداد الإيمان حتى يصل الإنسان إلى مستوى ألا يرى، أو يكاد يرى إلا "يوحى إلي"..
وهناك إذن طرفان يمثلان فريقين من الناس، طرف "بشرا" أو ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وطرف ﴿يُوحِي إِلَيَّ﴾ أو "رسولا"، وبين الطرفين يتأرجح عدد لا يحصى من المسلمين نزولا وارتفاعا، وانخفاضا وسموا.
إن مقياس الإيمان قوة وضعفا، ومقياس درجة الإيمان الذي لا يخطئ، إنما هو ما وقر في القلب، أو غلبه عليه من "البشرية" أو من "يوحى إلي" إنهما يمثلان ما يوضع في كفتي ميزان.
إن النبوة اصطفاء إلهي، واختيار رباني، لا يدرك سرها إلا القادر العظيم، ومن الضروري أن توضع في موضعها، ويقف العقل عند حده، وبذلك يتميز جانب
[ ١٦٢ ]
النبوة عن جانب البشرية في التصور الإنساني.
ثانيا: التفرقة بين الجانب الإلهي والجانب البشري تكريم للإنسان واحترام للعقل؛ لأن الإنسان إن أدرك حقيقة ذاته وعرف حقوقه وواجباته، وتمكن من القيام بما هو مسئول عنه، ونال ما هو محتاج إليه في كمال ودقة، كان هذا تكريما له.
وحينما يكلف العقل بما هو ممكن، وحينما يعيش في إطار قدرته الذاتيه ينال رضى نفسه، ويحسن تفكره وتدبره، ويصير مصدر السعادة والخير لذاته ولصاحبه.
وحينما يخرج الإنسان عن طاقته، ويتمادى العقل بعيدا فوق مداركه واستعداداته، فإنه يضل، ويزيغ عن الحق، ويجلب على صاحبه الاضطراب والضياع. من أين للإنسان أن يتصل بقدرة غيبية بعيدا عن ميزان النبوة ومسالكها؟! ومن أين للعقل أن يدرك الغيب الخفي مجردا عن أدواته ومصادره؟؟..
إن العقل ليس هو النبوة؛ ولذلك يجب أن يكون عقلا فقط، ويجب أن يؤمن العقل بالنبوة ليعرف ويعلم، ويؤمن ويهتدي.
ثالثا: يتصور القائلون بالعقل أنهم تقدميون، يسلكون منهجا علميا معاصرا، وما دروا أنهم حين أعملوا العقل في مقابل النبوة، والإرادة الإلهية، رجعوا إلى عصور سحيقة، وتشبهوا بمخلوقات قديمة، اعتمدت على عقلها، وبذلك أثبتوا رجعيتهم وتخلفهم.
ألم يقف إبليس بعقله إمام الوحي والنبوة، حين أمره الله بالسجود لآدم ﵇؛ حيث أبى وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾؟!.. وتمسك برأيه، وتصور صوابه، مع أنه قائم على الضلال والهوى..
على هؤلاء القائلين بالعقل فقط أن يروا مدى رجعيتهم وتخلفهم، ويعلموا أنهم تشبهوا مع أمثالهم الذين وجدوا مع آدم ﵇ في القول والتوجيه.
[ ١٦٣ ]
رابعا: يرى المنكرون للإرهاصات النبوية غرابة فيها لا يستسيغها العقل؛ ولذلك سارعوا إلى إنكارها، أو السكوت عنها، ومن عجب أن هؤلاء المنكرين أغلبهم من المستشرقين غير المؤمنين بالإسلام والذين يدينون بالمسيحية؛ ولذلك نسألهم: أيها أكثر غرابة في عقولكم: امرأة تحمل بلا زوج، أم انطفاء نار؟ وأيها أقرب للعقل: اهتزاز قصر، أو ولادة طفل بغير أب؟!..
إن المسلم يصدق بكل هذا؛ لأنه يؤمن بالله، وبنبوة عيسى ﵇..
ولكن السؤال نوجهه لهؤلاء الذي يحاولون تفسير الإسلام تفسيرا عقليا، بعيدا عن بيئته وطبيعته.
لو وقفنا أمام كل غريبة من الغرائب، ولم نسلم بها، وأخذنا نعرضها على التجربة والقواعد العقلية، فسوف نهدم كثيرا من وقائع الحياة التي نعيشها، فكم فيها من الغرائب والعجائب؟!!
إن كون الله معجز كله، وتصور إيجاده فوق مستوى العقل كسائر أسرار الله في الخلق.
كيف وجد العقل؟ وكيف يتصور ويفهم ويحكم؟
كيف للقلب أن يعمل؟ ومتى ينشط؟ ومتى يتوقف؟
كيف تقوم الجوارح والأحاسيس والعواطف بوظائفها؟
إن كل ذلك وغيره قدرة إلهية، لا تدرك العقل حقيقتها وكنهها، مما يجعلنا نقول لهؤلاء: متى تقفون بالعقل عند طاقته وحدوده؟.. متى؟!..
خامسا: المنكرون للإرهاصات والأحاديث يحكمون القرآن الكريم حينما يتصورون تعارض الأحاديث ومرويات السيرة معه؛ لأنهم لا يريدون تكذيب القرآن -كما يزعمون- ولكنهم يردون السنة فقط، حتى يظهروا بمظهر الإنصاف والحياد.
ألم يعلموا أن السنة الصحيحة لها حجة شرعية كحجية القرآن الكريم؟! يقول النبي ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".
[ ١٦٤ ]
والأمر المهم هنا، هو سؤالهم: لِمَ صدقتكم بالقرآن الكريم وهو وحي صادر عن الغيب؟ وهل دفعكم تصديق القرآن الكريم إلى الإيمان بما جاء فيه؟ وقد جاء فيه ضرورة الإيمان بالنبوة والوحي وتسليم الأمر لله رب العالمين.
إن إنكار الوحي الغيبي إنكار للإسلام كله، يقول الدكتور/ سعيد البوطي: إن الهمس الذي يدعو المسلمين إلى ثورة علمية إصلاحية في شئون العقيدة الإسلامية يستهدف في الحقيقة نسف الإسلام كله؛ لأن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية، يعني حشوه بأمور عقلية غريبة عنه؛ لأن الوحي الإلهي -وهو ينبوع الإسلام ومصدره- يعد قمة الخوارق والحقائق الغيبية كلها، ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما جاء في السيرة النبوية من خوارق العادات بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهي كله، بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب والجنة والنار بالحجة الطبيعية ذاتها.
كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج إلى مصلح، يتدارك شأنه ولا يحتاج إلى إصلاح يغير من جوهره.
غاب عن هؤلاء الناس هذا كله، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقتضيات العلم لو كانوا يتمتعون بحقيقته، وينسجمون مع منطقيته، ولكن أعينهم غابت في غمرة انبهارها بالنضهة الأوربية الحديثة، وما قد حف بها من شعارات العلم وألفاظه، فلم تبصر من حقائق العلم والمنطق إلا عناوينها وشعاراتها، وقد كانوا بأمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين، وإلى هضم صحيح لمضمون تلك الشعارات١.
سادسا: من الحقائق المسلمة أن عديدا من الأطفال وُلدوا يوم مولد محمد ﷺ؛ لأن هذه من الضرورات المعلومة.
_________________
(١) ١ فقه السيرة للبوطي ص٣٩.
[ ١٦٥ ]
ومع ذلك فلا تعارض بين كثرة المواليد وهذه الإرهاصات؛ لأن القائلين بها لا يتخذونها دليلا على معرفة الله والتصديق بالرسالة، وإنما يتصورونها رمزا قدريا لإعلان جزء من القدرة المتحكمة في هذا الكون، وتهيئة العقول لاستقبال منقذ البشرية، ومحرر الإنسان من ظلمات الطغاة، وعبث العابثين، المرسل من الله العزيز الحكيم.
وحين نقول -والقول حق- إن أيام مولد النبي ﷺ شهدت حدثا فريدا لا يمكن للعقل تصوره، مع أنه حقيقة ثابتة، وهو هلاك جيش أبرهة بحبات الحصى تنزل على الرءوس فتجعلها كعصف مأكول.. نعم، العقل لا يتصور أن حبات الحصى الصغيرة تملك قوة فكرية تمكنها من اختراق الرأس، وتقتل بعدما تتحرك كل حصاة نحو من تريد قتله!! بلا أدنى خطأ، وهل يمكن لحصاة صغيرة أن تدبر وتقتل وتفعل كل هذا؟!
إنها حادثة فوق مستوى العقل.. ولكنها حدثت لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ وكان حدوثها بعد ميلاد النبي ﷺ بخمسين يوما على الأرجح.
وما الذي يمنع أن تكون هذه الحادثة من إرهاصات المولد النبوي..
إن القضية في النهاية ليست منهجا علميا أو عقليا، بقدر ما هي قضية إيمان وتسليم.. فالمؤمن يصدق بالخبر إذا اشتمل على صدق روايته، ويكذبه إذا لم تأته الرواية صحيحة مقبولة، أما غير المؤمن فإنه ابتداء لا يصدق، وبعدها يبحث عن مبرر يؤيد مقالته وتكذيبه.
سابعا: الوجود كله خضع واستسلم لله تعالى، إلا أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي تمرد عن الحق، ولعب به الشيطان، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ
[ ١٦٦ ]
أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ١.
والآية توضح هذه الحقيقة التي يجب أن تُعرف معرفة مَن رأى وشاهد؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ .. هذه الحقيقة تبين ما يلي:
١- كل من في السماوات ومن في الأرض وما بينهما، صغيرا أو كبيرا -خاضع ومستسلم لله تعالى.
٢- المخلوقات الكبرى المنتظمة في عملها كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب -خاضعة خاشعة لله رب العالمين.
٣- انقسم الناس إلى قسمين: قسم خشع وخضع لله، وهو القسم الفائز الناجي.
أما القسم الثاني فهو قسم متمرد ضال؛ ولذلك حق عليه العذاب، ووجبت له اللعنة، ولحقه الهوان؛ لأنه مطرود من رحمة الله تعالى.
إن هذه الحقيقة بعناصرها المذكورة تؤكد حاجة الكون إلى التوازن بعودة الإنسان إليه، وائتلافه معه في حركته ونشاطه.
ألا يحق لهذا الكون أن يسعد يوم ميلاد رسول الله ﷺ الذي سيبعث لإعادة التوازن بين سائر عناصره، وليضع الإنسان في إطار الطاعة لله رب العالمين؟
يقول الشيخ/ محمد متولي الشعراوي: "تقرأ في كتب السيرة أنه حدث في يوم مولده ﷺ: أن انشق إيوان كسرى، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نيران فارس إلى آخره"، وهذه هي المعروفة بإرهاصات النبوة.
نجد بعض الناس يرددها بأسلوب التأدب مع سيرته ﷺ؛ ولكنه لا يتعرض لها بالنفي أو التأييد، وإن كان يقترب من الرفض، وربما ذهب بعض الناس الذين
_________________
(١) ١ سورة الحج آية ١٨.
[ ١٦٧ ]
لا يريدون الإقرار بهذه الظواهر، أو المعجزات الكونية إلى أن الرسول ﷺ ليس في حاجة إلى هذه المعجزات الكونية.
أما وقد وضح أن الرسول ﷺ جاء ليعيد انسجام الإنسان مع الكون الساجد، وأن كل ما في الوجود يسجد ويسبح لله، غير أن الجنس البشري هو الذي يشذ بعضه عن الإجماع في الخضوع والسجود لله، فإن هذه الظواهر الكونية المخلوقة لله والعابدة له بلغتها كما أثبتها القرآن ليس مستبعدا أن تفرح، وأن تبتهج بمثل هذا المولد، مولد الإنسان الأعظم ﷺ الذي جاء ليعيد إلى الإنسانية رشدها.
فإذا عرضت لنا السيرة أن أشياء من الكون فرحت بمولد الرسول ﷺ أو حدثت منها أشياء، فذلك أمر لا نستبعده على كون مسبح لله، عارف بحق الله، وأيضا لسنا نحن المطلوبين بأن نؤمن بهذا، ولكن الذي آمنوا بها هم الذين شاهدوها، وهم الذين سمعوا عنها، فالذين سمعوها حجة على أنفسهم، ونحن نتلقى عنهم الخبر فإن كنا موثقين لهم في الخير صدقناه، وإن لم يتسع ظننا لتوثيقهم في خبرهم فنحن أحرار في أن نصدق أو لا نصدق، ولكن منطق الوجود، لا يمنع حدوث شيء من ذلك أبدا، فإذا ذكر أن إيوان كسرى قد انشق، فماذا في ذلك من الدهشة؟ وماذا في ذلك من العجب؟
أنستبعد أن يوقف شق الإيوان بالميلاد المحمدي؟ ولِمَ يكون هذا الاستبعاد؟
أننكر على الله أن يطفئ نار فارس التي تعبد من دونه، وأن يوقت ذلك بالميلاد المحمدي؟ وما سبب الإنكار؟
أنتصور ألا تغيض بحيرة ساوة مع الميلاد المحمدي؟ ولماذا هذا التصور؟ ١
ألم ينشق القمر نصفين معجزة لرسول الله ﷺ؟
ألم يفض الماء من بين أصابعه الشريفة ﷺ؟
ألم يحدثه الحجر والشجر؟
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ص٦٣.
[ ١٦٨ ]
ألم..؟ ألم..؟ ألم..؟
وقد يرد هنا سؤال:
وهل تدرك الكائنات؟
نعم الكائنات مدركة عابدة لربها..
لنقرأ قول الله تعالى حكاية عن سليمان ﵇: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ ١، ونقرأ قوله تعالى وهو يحكي حديث النمل والهدهد، يقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ ٣
ألا يدل ذلك على أن الكون يدرك، فللطير منطقه وللنمل فكره وحذره، وللهدهد تخطيط وفهم وعمل.
ثامنا: ونحن في إطار الدعوة ندرك ضرورة وجود المنبهات الموقظة قبيل عرض الشيء الهام، لينتبه الغافلون، ويستيقظ النائمون.. وهذه قضية علمية معاصرة.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية ١٦. ٢ سورة النمل آية ١٨. ٣ سورة النمل الآيات ٢٠-٢٢.
[ ١٦٩ ]
ألا يدفعنا استيعاب هذه القضية إلى اعتبار أن هذه الإرهاصات جاءت بقدر الله للتنبيه، وليعلم من يعقل أن لا دوام لمخلوق، وما يلحقه النقص، والتغيير ليس بإله، وكل ما يلحقه العجز والهلاك والانتهاء فهو مخلوق لله رب العالمين.
[ ١٧٠ ]
المبحث الثالث: ميلاد اليتيم محمد ﷺ
وُلد محمد ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من عام الفيل، بمكة المكرمة، في دار أبيه التي كانت موجودة بشِعْب بني هاشم، وقيل: إنه ولد بدار عند الصفا، كانت لمحمد بن يوسف، أخو الحجاج، اشترتها زبيدة زوجة هارون الرشيد، وبنت مكانها مسجدا١، وهي اليوم بناء صغير موجود بجوار الساحة الجنوبية للحرم الشريف، وبها مكتبة صغيرة عامة تعرف بمكتبة الحرم المكي.
ومما يدل على ولادته يوم الاثنين ما رُوي أن أعرابيا قال: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين؟
قال ﷺ: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو وأنزل عليَّ فيه" ٢.
ويشهد لولادته ﷺ عام الفيل حديث قيس بن مخرمة الذي قال فيه: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل" ٣.
يقول محمد بن إسحاق: "ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول"٤.
كما يروي الترمذي بسنده عن قيس بن مخرمة بن عبد مناف قال: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، كنا لدين"٥.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص١٨٤. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب الصيام - باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ج٨ ص٥١. ٣ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص١٧٥. ٤ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٧١. ٥ سنن الترمذي - كتاب المناقب ج٥ ص٥٨٩.
[ ١٧١ ]
ورُوي عن أبي الحويرث قال: "سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول الله ﷺ؟ قال قباث: رسول الله أكبر مني، وأنا أسن منه، ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل أخضر محيلا أعقله"١.
يقول ابن عباس ﵁: "ولد نبيكم يوم الاثنين"٢.
وجمهور المؤرخين وعلماء السيرة يجمعون على أن رسول الله ﷺ ولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل، حين طلع الفجر٣.
وقد مات أبوه عبد الله وهو حمل في بطن أمه، وكانت وفاته بالمدينة عند أخواله من بني النجار حيث دفن بدار عدي النابغة، يقول ابن كثير: "خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام، إلى غزة، في عير من عيران قريش، يحملون تجاراتهم، فلما فرغوا من تجارتهم مروا بالمدينة، وعبد الله يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبد الله، فقالوا: خلفناه عن أخواله في المدينة وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث، فوجده قد تُوفي، ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه، وأخبره"٤، وكان وقع خبر وفاته على أبيه وإخوته مؤلما.
وكان عُمْر عبد الله يوم وفاته خمسا وعشرين سنة على الصحيح٥.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٢ ص٢٦٢. ٢ الفتح الرباني ج٢٠ ص١٨٩. ٣ السيرة النبوية لابن كثير ج١ ص١٩٩، وهناك أقوال ضعيفة تشير إلى غير هذا التاريخ، لكنها مغايرة لرأي جمهور العلماء ومؤلفي التاريخ والسيرة. ٤ طبقات ابن سعد ج١ ص٦١، وهذا رأي الجمهور. ٥ المرجع السابق ج١ ص٦١.
[ ١٧٢ ]
يذهب أغلب علماء التاريخ وكُتَّاب السيرة إلى أن عبد الله والد النبي ﷺ مات والرسول حمل في بطن أمه، يقول ابن إسحاق: "ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أن توفي وأم رسول الله حامل به"١، ولم يترك عبد الله مالا يورثه لزوجه وولده، اللهم إلا جاريته أم أيمن، وخمسة جمال، وقطعة من غنم٢.
ولذلك ولد النبي يتيما فقيرا لحكمة أرادها الله تعالى..
إن اليتم في حد ذاته منقصة للوليد، وبخاصة في مجتمع يفتخر بالأنساب والأحساب والقبيلة والجماعة، إن الوليد
في نشأته بعيدا عن أبيه يعيش منعزلا، لا يحسن معاملة الناس، وينمو ضعيفا في بدنه وسلوكه، لا يتمكن من مواجهة مصاعب الحياة، وإذا وجد مع اليتم الفقر، فإن الصغير يعيش مهملا، لا يهتم به أحد، وإن اهتم به أحد فلتسخيره واستغلاله.
من أين لليتيم بأبوة حانية؟!.. تتعهده غلاما، وتربيه طفلا، وتوجهه شابا يافعا، وتدفعه إلى غمار الحياة رجلا مسئولا.
وأين لليتيم من رعاية شاملة، تحافظ عليه في نومه، ويقظته، وسكونه، وحركته، وراحته، وعمله؟..
ومن أين لليتيم من ينصره، ويعينه في مواجهة الخطوب والحوادث؟
فإذا ما انضم إلى اليتم الفقر، فالنتيجة أسوأ وأظلم..
إن اليتيم الفقير لا ينال التعليم الذي يريده، ولا يتمكن من نيل الأعمال التي يرغبها؛ لأن غيره أسبق إليها منه، وله من يساعده، أما اليتيم الفقير فإن الجميع ينصرفون عنه، ولا يهتمون بشأنه!!!
ذلك هو منطق الواقع والحياة.
فاليتيم ضعيف، مهمل، منعزل، تؤثر معيشته في خُلُقه وسلوكه..
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص١٥٨. ٢ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٤٠٠.
[ ١٧٣ ]
ولذلك كانت وصية الله باليتامى من أجل إيجاد دافع إيماني، يجعل المسلم يراقب الله في معاملتهم، ويطيع الله في حسن رعايتهم، والإحسان إليهم.
يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر﴾ ١.
ويقول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ٢.
ويقول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ ٣.
ويقول الله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ٤.
ويقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٥.
ويقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ٦.
ويقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة الضحى آية ٩. ٢ سورة الفجر الآيتان ١٧، ١٨. ٣ سورة الماعون الآيتان ١، ٢. ٤ سورة البلد الآيات ١١-١٥. ٥ سورة الأنعام آية ١٥٢. ٦ سورة الإنسان آية ٨. ٧ سورة البقرة آية ٢٢٠.
[ ١٧٤ ]
ويقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ١.
ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٢.
والآيات كثيرة، والأحاديث معها مبينة وشارحة، وكلها تدور حول الاهتمام باليتيم حتى لا يضيع في مجتمع يهمله.
إن الآيات تدعو إلى حسن معاملة اليتيم، وعدم القسوة معه، وترك دَعِّه وزجره وظلمه، حتى يجد من المؤمنين من يعوضه فقدان الأب والأم..
كما تدعو الآيات إلى ضرورة المحافظة على مال اليتيم، وتنميته بالحق والعدل، والابتعاد عن أكله بالباطل، أو الاستيلاء عليه بأي وجه من الوجوه.
وتدعو الآيات إلى العمل على إصلاح اليتيم، والعناية بتربيته، وتوجيهه نحو الخير والفلاح.
وتدعو الآيات إلى أهمية رعاية اليتيم ماليا، إن كان في حاجة للمال؛ حيث الآيات وضحت أن إعطاء اليتيم من المال له أثر كبير على المعطي، إنه بهذا العطاء يتخلص من العقبة، ويدخل الجنة، ويشرب السلسبيل، ويقرب من الله تعالى.
إن الإسلام واجه واقع اليتيم بشريعته العادلة؛ لنشر الخير بين الناس أجمعين.
وتعامل مع طبيعة البشر ومع ميولهم الفطرية؛ ليترقى بها في رفق ولين.
هذا في الإسلام.. وبالإسلام وحده.
أما في الجاهلية، حيث لا دين ولا شريعة، فإن الأمر يختلف..
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ٢. ٢ سورة النساء آية ١٠.
[ ١٧٥ ]
لكن الأمر مع الأنبياء في صغرهم له وضعه الخاص؛ لأن الله يصطفيهم بعلمه وإرادته، ويربيهم بقدرته ومعونته.
ومع قدرة الله تعالى تتوقف سنن الكون، وتنعدم التأثيرات المادية، ويقف العقل مستسلما مصدقا، وليس له إلا أن يؤمن ويصدق، بعدما يرى المسيرة مع المصطفين الأخيار.
هذا هو موسى ﵇، ولدته أمه وخافت عليه أن يذبحه فرعون، فألهمها الله تعالى أن تضعه في صندوق، وترميه في النهر، وتترك الأمر بعد ذلك لله، وفعلت وهي تتساءل عن مصيره.. وهل سيموت غريقا؟ وهل ستأكله الحيتان والأسماك؟ وكيف يحيا بلا رضاعة؟ وكيف الطريق لإرضاعه؟..
أسئلة لا يجيب عليها العقل.. لكن مسار القدر مدهش عجيب، وقد أجاب بإعجاز إلهي حكيم، لقد وصل الصندوق إلى بيت فرعون، واتخذ فرعون وزوجته موسى ابنا لهما، وأعاداه لأمه فأرضعته، ثم سلمته لفرعون يريبه تربية ملكية خاصة، يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١.
من كان يتصور أن الإلقاء في اليم هو سبب النجاة؟ ومن يعقل أن فرعون بحذره هو الذي ربَّى موسى ﵇، وخلصه من الضعف واليتم والحاجة؟ وهكذا الأنبياء جميعا!!!
- أين تربَّى يوسف ﵇؟ وهل رباه وأبوه مع أنه كان حيا يرزق؟!
- وكيف وُلد عيسى ﵇ وتربَّى، وليس له أب أصلا؟!
إن الأنبياء صناعة ربانية؛ ولذلك يوجدهم الله في قوالب معينة، وفق حكمته ومشيئته.
_________________
(١) ١ سورة القصص آية ٦.
[ ١٧٦ ]
ومن هنا كان في يتم محمد ﷺ حكمة يريدها الله تعالى، ويتفضل بها على رسوله الأمين ﷺ..
يجمل الله تعالى هذا التفضيل على محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ١؛ حيث يشير إلى أن محمدا ﷺ ولد في رعاية الله تعالى، فبرغم يتمه إلا أن الله أحاطه بالإيواء الشامل، فأحبه كل من رآه، بدءا بمراضعه ومرورا بمن شاركهم في طفولته وشبابه ورجولته.
فهو إيواء يتضمن الرعاية والاهتمام والمعاملة والتضحية في مودة صادقة، أغنت محمدا ﷺ عن رعاية الوالد الحنون.
وفي ولادته ﷺ يتيما فقيرا إشارة إلى بعض الحِكَم الإلهية، التي يمكن استنباطها في العصر الحديث، ومن أهم الحِكَم المستنبطة ما يلي:
١- أراد الله تعالى أن ينشأ محمد ﷺ محاطا بالرعاية الإلهية التامة منذ اللحظة الأولى لوجوده في الدنيا، وحتى لا تفسر خيرات الله له بسبب أبيه أو أمه أو بتأثير ماله وغناه.. ولو فكر عقلاء هذا الزمان في تميز هذا اليتيم عن أقرانه ولداته؛ لأدركوا شيئا عن هذه العناية الإلهية بمحمد ﷺ.
٢- في ولادته ﷺ يتيما فقيرا ردٌّ لأي شبهة يمكن أن يختلقها الأفاكون الضالون كأن يقولوا: إن محمدا أخذ تعاليم النبوة من أبيه أو من أمه؛ حيث يحاول الآباء دائما غرس قيمهم وعاداتهم واهتماماتهم في أبنائهم، بل إن الابن يحاول بصورة تلقائية أن يقلد أباه، ويجتهد في حمل فكره ومذهبه.
لقد زعم كفار مكة أن محمدا ﷺ يأخذ ما يقوله لهم من رجل غريب وقالوا ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ
_________________
(١) ١ سورة الضحى آية ٦.
[ ١٧٧ ]
افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ١، وفي وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
لقد بحث كفار مكة عن شخص له صلة برسول الله ﷺ ليزعموا أنه مؤلف الوحي، وأن محمدا يأخذ منه، وقد بيَّن الله كذبهم وضلالهم فيما يزعمون.
فلو كان عبد الله والد النبي حيا لسهل عليهم ادعاء أنه المعلم لولده، وأن الوحي من كلامه وتأليفه.. لكن الله تعالى قطع عنهم هذا الطريق بوفاة عبد الله، وميلاد محمد بعد وفاته.
٣- وفي ولادته ﷺ يتيما تأكيد لحقيقة غائبة عن الكثير من الناس، وهي أن الأمور كلها بقدرة الله تعالى، وليس للإنسان في عمله إلا الكسب والميل، والله خالق كل شيء.
ولو عقل الناس لعاشوا مؤمنين حقا، عن اقتناع ورضى، ولسلموا بالقدر، وعاشوا مؤمنين.
إن العقل سوف يتساءل أسئلة توصل إلى اليقين والإيمان، ومن هذه الأسئلة:
- من أين وجد الإنسان؟ ومن يقدر على هذا الإيجاد؟
- هل يمكن تصور المستقبل من ناحية الصحة والغنى والسعادة، أم أن ذلك مجهول أمام الإنسان؟
- هل تجري الأحداث وفق تقدير العقل، أم أن أحداث الحياة تجعل العقل عاجزا عن تفسير اتجاهاتها غالبا؟
_________________
(١) ١ سورة الفرقان الآيتان ٤، ٥. ٢ سورة النحل آية ١٠٣.
[ ١٧٨ ]
- هل الإنسان يعلم ظواهر الأشياء وبواطنها، أم ماذا؟
إن النظر في هذه القضايا تدفع الإنسان إلى التسليم بقدرة الله تعالى، وحين نقارن محمدا ﷺ بسائر الناس مع إدراك يتمه وفقره، نتأكد أنه صناعة قدرية ربانية، والعلم بهذه الحقيقة يشير إلى بعض أسرار يتم محمد ﷺ..
إن الحكمة الإلهية التي أحاطت بمحمد ﷺ أحاطت بكافة جوانب مولده ﷺ.
فبالنسبة للأشخاص الذين أحاطوا به، وجريا على أن للإنسان من اسمه نصيبا، نرى أنهم مثلوا مع محمد عدة معانٍ نبيلة، فمن أمه آمنة كان الأمن والهدوء، ومن قبيلته الشفاء كانت العافية والصحة، ومن حاضنته أم أيمن كان اليُمْن والبركة، ومن مرضعته حليمة السعدية الحِلْم والسعد، ومن جده العبودية، ومن عمه التوجه إلى القادر والطلب منه، وكأن الله تعالى أوجد في حياة محمد ﷺ هذه المسميات لتتحول في حياته إلى خُلُق وسلوك.
وبالنسبة لتسميته فلقد ألهم الله جده عبد المطلب حين أخبرته السيدة آمنة بوضع حملها أن يسميه محمدا.
يقول السهيلي: "سئل عبد المطلب: ما سميت ابنك؟
فقال: محمدا.
فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك.
فقال: إني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم.
وكان ذلك لرؤيا كان رآها في منامه، كأن سلسلة من فضة، خرجت من ظهره، لها طرف في السماء، وطرف في الأرض، وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب، كأنهم يتعلقون بها، فقصها، فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض؛ فلذلك سماه: محمدا.
وذكروا أن أمه حدثته بأنه قد قيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا
[ ١٧٩ ]
وضعتيه فسميه محمدا"١.
وكان النبي ﷺ يذكر فضل تسميته محمدا ويقول: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما، وأنا محمد" ٢.
يقول القاضي عياض: "وقد سماه الله تعالى في كتابه محمدا وأحمد، فمن خصائصه تعالى له أن ضمن أسماءه ثناءه، فطوى أثناء ذكره عظيم شكره، فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغة من صفة الحمد، ومحمد مفعل مبالغة من كثرة الحمد، وتكرره فهو ﷺ أجل من حمد، وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدا، فهو أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة؛ ليتم له كمال الحمد، ويشتهر في تلك العرصات بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا كما وعده، يحمده فيه الأولون والآخرون، وفي هذين الاسمين من عجائب خصائصه، وبدائع آياته، وهو أن الله ﷿ حمى اسمه أن يسمى بهما أحد قبل زمانه.
أما أحمد الذي أتى في الكتب، وبشرت به الأنبياء، فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك.
وكذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب، ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده ﷺ وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم من العرب أبناءهم بذلك، رجاء أن يكون أحدهم، وهم: محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعفي، ومحمد بن خزاعة السلمي، لا سابع لهم، ثم حمى الله كل من تسمى به أن يدعي النبوة، أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشكك أحدا في أمره، حتى تحققت السمتان "الحمد والثناء" له ﷺ ولم ينازع فيهما"٣.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص١٨٢. ٢ صحيح البخاري ج٦ ص٤٣٥. ٣ الشفا للقاضي عياض ج١ ص٢٢٩-٢٣١.
[ ١٨٠ ]
وبالنسبة لولادته يوم الاثنين، فإنه كان لارتباط هذا اليوم بعدد من الأفعال الخيرة التي قدرها الله لكونه المخلوق في هذا اليوم، فلقد ورد الحديث من أن الله تعالى خلق الشجر يوم الاثنين، يقول ابن عباس ﵄: "ولد نبيكم يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين"١، وفي ذلك إشارة إلى ارتباط الحوادث العظيمة بيوم الاثنين، ومنها مولده ﷺ..
إن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه، والخيرات التي يمتاز بها بنو آدم، ويحيون ويتداوون، وتنشرح صدورهم لرؤيتها، وتطيب بها نفوسهم، وتسكن خواطرهم، لتحصيل ما يبقي حياتهم، على ما جرت به حكمة الحكيم ﷾، كل ذلك كان في يوم الاثنين، فولادته ﷺ في هذا اليوم إشارة إلى ما وجد من الخير العظيم والبركة الشاملة للناس أجمعين ببعثته صلى الله عليه وسلم٢.
وبالنسبة لولادته في شهر ربيع الأول، فلما في هذا الشهر من خيرات تتوافق مع خيرات مجيئه إلى الدنيا؛ حيث الازدهار، والجدة، والحسن، والنفع العام.
ففي الربيع تبدو خيرات الله تعالى في الكون؛ حيث ينبت الزرع، ويفيض الضرع، ويأتي الحب والنوى، وتنتشر الخضرة الجميلة في ربوع الأرض كلها، وفي السهول والجبال..
والجو في الربيع معتدل المناخ لا حرارة فيه، كما تقل فيه العلل والأمراض بفضل الله تعالى.
وفي مجيء محمد ﷺ ومبعثه تحقيق لهذه المعاني، فلقد أتى ﷺ بما يسعد الناس في الدنيا والآخرة.. ورسالته ﷺ قائمة على الاعتدال، والاستقامة، دائمة العطاء، شاملة لكافة الخلق، سهلة، ميسرة.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني ج٢٠ ص١٨٩. ٢ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٤٠٦.
[ ١٨١ ]
وبالنسبة لميلاد المصطفى في عام الفيل؛ لأنه ﷺ ولد قبل وقوع الحادثة بخمسين يوما، فمن أجل أن يدرك الناس أن قدرة الله الغائبة عنهم تتصل بكل موجود، وكل ما في الكون قدر إلهي محض، وإذا أراد الله شيئا قال له: كن فيكون، حتى إذا جاءهم محمد ﷺ علموا أنه المبعوث لهم من الله تعالى.
ومن أين للناس أن يدركوا هذه الأسرار في يوم مولده ﷺ؟
إن هذه الحِكَم وهذه الأسرار لم ترتبط وقتها في أذهان من رأوها بمبعثه محمد ﷺ ورسالته، ولا يراد منها ذلك، ويكفي أنها تحرك الأذهان نحو عدم تأليه من يزول، ويتغير مثل النار المنطفئة، أو البيوت المكسورة، أو الأصنام المهتزة، وليتأكدوا من وجود قوة قاهرة تحقق أعمالا، لا يقدر عليها الناس، ولا يمكنهم تفهم أسرارها.
وذلك أثر ممكن الحدوث، وبخاصة أن أهل الكتاب وحكماء العرب كانوا يؤمنون بمبعث نبي بشرت به الكتب المنزلة، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
يقول ابن كثير: يخبر الله تعالى أن أهل الكتاب يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون أنه صادق، وقد جاء وصفه مكتوبا مدونا في التوارة والإنجيل مع أساسيات دعوته في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتحليل الطيبات، وتحريم الخبائث٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٤٦. ٢ سورة الأعراف آية ١٥٧. ٣ تفسير ابن كثير ج١ ص١٩٤ بتصرف.
[ ١٨٢ ]
إن العالم كله قبيل بعثة النبي ﷺ، وقبيل مولده كان في انتظار رسول جديد يجمع العالم على الحق..
وعلى هذا فإن حدوث الميلاد محاطا بهذه الحكم، يمثل عوامل تصديق رسالة الرسول بعد مبعثه، وتعد دوافع إيمانيه للعقلاء الذين يعرفون أن النبوة صناعة ربانية، ولا مانع من جريان الأحداث معها على نحو خارق لعادة الناس.
والله أعلم حيث يجعل رسالته.
[ ١٨٣ ]
المبحث الرابع: محمد في ديار بني سعد
المبحث الرابع: محمد ﷺ في ديار بني سعد
بعدما وضعت السيدة آمنة بنت وهب حملها أرسلت إلى جده عبد المطلب وأخبرته بولادة حفيده، فسُر به كثيرا، وأخذه ودخل به الكعبة، ودعا له بخير، وسماه محمدا، فلما سئل عن سبب هذه التسمية مع أنها لم توجد في آبائه أو في أقربائه، قال: أردت أن يحمد في السماء عند الله، وفي الأرض عند الناس١.
يذكر السهيلي أن التسمية كانت لرؤيا رآها عبد المطلب توافقت في دلالتها مع ما حدثته به أمه صلى الله عليه وسلم٢.
يروي ابن عساكر أن عبد المطلب سر بولادة محمد كثيرا، وعق عنه بكبش، وقد عاش الوليد في كنف أمه سبعة أيام أرضعته فيها ومعها قبلته "الشفاء"، وقد سر أعمامه بميلاد ابن لأخيهم الذي فقدوه صغيرا، لدرجة أن أبا لهب أعتق جاريته ثويبية عندما أخبرته بميلاد محمد ﷺ، فذهبت إلى أمه "آمنة"، وأرضعته معها٣.
أقبلت آمنة على وليدها بالحنان والرفق، في انتظار مرضعة تستلمه؛ لتقوم بتربيته في البادية؛ حيث الخلاء الواسع، والطبيعة الجميلة، وبساطة الحياة، وفطرة الناس، وكانت عادة أثرياء أهل مكة أن يسلموا أولادهم بعد ولادتهم، لمرضعات من البادية لقاء أجر ورزق.
واتفق أن جاءت المراضع من بني سعد يلتمس أبناء الأغنياء؛ طمعا في الرزق واليسار
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج١ ص١٨٢. ٢ الروض الأنف ج١ ص١٨٣. ٣ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب النكاح - باب ما يحرم من الرضاع ج٧ ص١٢، وثويبية هي التي أرضعت عمه حمزة وأبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي؛ ليكون لهما أخا في الرضاع.
[ ١٨٤ ]
ومروا جميعا على آمنة، فرأوا ولدها يتيما فقيرا، فتركنه لقلة الأجر، وضآلة العطاء المنتظر من يتيم فقير.
ووجد النسوة عند أبناء الأثرياء ما يأملون، ما عدا حليمة السعدية، فإنها كانت فقيرة ضعيفة، رأت الأمهات منها ما صرفهن عن اختيارها مرضعة لأبنائهم، فلبنها قليل، وجسدها نحيل، وأتانها هزيل، والفقر باد عليها، فانصرفوا عنها إلى غيرها.
ووجدت حليمة نفسها مضطرة لأخذ محمد ﷺ حتى لا تعود لديارها خاوية الوفاض، فكان في أخذها له الخيرة والبركة، وظهر ذلك في كافة جوانب حياتها وأسرتها، ونعمت بهذا الخير هي وقومها بعد ذلك.
وحليمة هي بنت أبي ذؤيب، وهو عبد الله بن الحارث بن سعد من هوازن، وتعرف بحليمة السعدية، وكنيتها أم كبشة.. وزوجها هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة من هوازن كذلك، ويكنى بأبي كبشة.
وقد شرَّفها الله تعالى بإرضاع محمد ﷺ، فصارت له أما، وصار زوجها له أبا، وصار أبناؤها إخوته، وهم: عبد الله بن الحارث، وحفص بن الحارث، وأمية بن الحارث، والشيماء، وهي خذامة بن الحارث، وقد أكرمها الله تعالى، ففاض الخير في كل جوانب حياتها ببركته ﷺ، رغم أنها لم تكن راغبة فيه، ولولا انصراف الوالدات عنه ما أخذته.
تحكي حليمة قصتها مع رضاعة رسول الله ﷺ فتقول: خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء بمكة، على أتان لي قمراء قد أدمت بالركب، وخرجنا في سنة شهباء، لم تبقِ لنا شيئا، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، ومعنا شارف لنا، والله إن يبض علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي ما نام ليلنا أجمع، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يمصه، وما في شارفنا من لبن
[ ١٨٥ ]
نغذوه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فشق ذلك علينا ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء.
فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة رضاعة، من والد المولود، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن نصنع أمه؟ وما يفعل جده؟ فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري.
فلما أجمعنا الانطلاق قلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي، ولم آخذ رضيعا.
قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، فلما أخذته رجعت إلى رحلي١.
وقد رأت حليمة فضل الله عليها عقب عودتها إلى رحلها بمحمد ﷺ، تقول: "فلما وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي.
ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك.
وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا لبنها حافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا ليلتنا تلك بخير ليلة شباعا رواء، وقد نام صبيانا.
يقول أبوه -يعني زوجها- والله يا حليمة، ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة، قد نام صبيانا ورويا.
فقلت: والله إني لأرجو ذلك.
ثم خرجنا وركبت أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يابنة أبي ذؤيب، ويحك، أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟
_________________
(١) ١ مع الرسول ص١٨٩.
[ ١٨٦ ]
فأقول لهن: بلى والله، وإنها لهي هي.
فيقلن: والله إن لها لشأنا.
ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، وتروح أغنامهم جياعا هالكة ما بها من لبن، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذويب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا.
فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، كان ﷺ يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، فبلغ ستا وهو غلام جفر"١.
إن رعاية الله تعالى مستمرة مع رسول الله ﷺ، وها هي بركاته تحل بحليمة؛ حيث أخصبت أرضها الجدباء، ودر لبن إبلها الجاف، وصارت ترى النعيم في كل شئونها.
وقد أجمع مؤرخو السيرة على رواية ما حكته حليمة عن قصة إرضاعها محمدا ﷺ.. وهي بما روت تضيف فصلا جديدا من تكريم الله لعبده ورسوله محمد ﷺ..
ولما بلغ عمره ﷺ سنتين فصلته حليمة، وعادت به إلى أمه في مكة..
ويرجع السبب في عادة أثرياء مكة إرضاع أولادهم وتنشئتهم في البادية إلى أمور نتملس بعضها فيما يلي:
١- تتميز البادية بالنقاء والصفاء؛ حيث الخلاء الواسع، والفضاء الرحيب، وهذا يساعد في اتساع الأفق، وبعد المدارك، ويؤدي إلى هدوء الطبع، واستقرار النفس، فالناس في البادية يعيشون بين الخضرة اليانعة، والطبيعة الخلابة، مع الطمأنينة والهدوء، فلا اشتغال لهم بقضايا السلطة والإدارة،
_________________
(١) ١ مع الرسول ص١٨٩.
[ ١٨٧ ]
ولا عناء معهم في السعي والتجارة، ولا تعب في الترقي والصناعة، إن حياتهم الرتيبة تصنع الهدوء والاستقرار.
٢- تصنع البادية من أبنائها رجالا يعتمدون على أنفسهم، فليس لهم جيش يحميهم، ولا رجال أمن يحرسونهم، وإنما يعتمد كلٌّ على نفسه؛ ولذلك ينشأ البدوي على الجرأة والشجاعة، ويتعود الإقدام وعدم الخوف، ويعتمد البدو على أنفسهم في الدفاع والنصرة والحماية.
٣- يعيش أبناء البادية في مجتمع مغلق، لا يأتيهم غريب ولا يعيش بينهم أجنبي، وهذا الوضع ساعدهم على المحافظة على الفطرة الطبيعية، واللغة الفصيحة، والنسب الصريح، والقوة البدنية، في ترابط الأقارب، ومودة المحبين.
إن الآباء قصدوا تربية أبنائهم في البادية؛ لينشئوا أقوياء البنية، فصحاء اللسان، حسني الأخلاق، يتميزون بهدوء الطبع، وشجاعة السلوك، وحب التعاون والتواد، وتلك عوامل أرادها الله لرسوله ﷺ، فأرضعته حليمة السعدية ونشأ في ديار بني سعد؛ ليستفيد بما أراده الله له.
عادت حليمة السعدية بمحمد إلى أمة السيدة آمنة بعد تمام إرضاعه وفصاله، وذلك على عادة سائر المراضع مع أبنائهن، ولم تكن حليمة سعيدة بعودته لأمه؛ لأنها تخاف توقف الخير الذي تدفق عليها، تقول حليمة: "فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته"١.
عرضت حليمة على آمنة أن تعود بمحمد ﷺ إلى ديارها مرة ثانية لتستمر بركته، ولتبتعد به عن وباء كان بمكة يومذاك، فوافقتها آمنة، وأعادته معها مرة ثانية إلى ديار بني سعد، وبخاصة أن مكة يومذاك كانت موبوءة، وأملت أن يزداد محمد نضارة وازدهارا ونموا في بدنه وعقله وشخصيته، ليشب رجلا له قدره ومنزلته
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص١٦٤.
[ ١٨٨ ]
ويقوم بدوره مع جده وأعمامه وقومه.
وأخذته حليمة وعادت به سعيدة مرة ثانية، وفرحت بذلك، إلا أنها اضطرت إلى إعادته لأمه حين بلغ عمره خمس سنوات وشهرا، ولم تره بعد ذلك إلا مرتين، الأولى: بعد تزويجه ﷺ خديجة، والثانية: يوم حنين، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.
وكانت آمنة قد أوصت حليمة بمحمد، وعرفتها بما حصل معها، في حملها وولادته، وبينت لها ما رأت وما شاهدت من كرامات صاحبت مولده، وقالت لها: احفظي ابني هذا، واحذري عليه الرهبان والكهان.
تقول حليمة: مر بي بعض اليهود فقلت لهم: ألا تحدثوني عن ابني هذا؟! فإني حملته كذا، ووضعته كذا، ورأيت كذا! كما قالت أمه.
تريد حليمة بذلك أن تعرف شيئا عن الأسرار المتصلة بهذا الغلام المبارك.
تقول حليمة: لما رآه اليهود، قال بعضهم لبعض: اقتلوه.
وسألوها: أيتيم هو؟
فقلت لهم: لا، هذا أبوه، وأنا أمه.
فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه.
فذهبت به حليمة وقالت: كدت أخرب أمانتي١.
يقول ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن الذي أهاج أمه السعدية على إعادته لأمه أن نفرا من نصارى الحبشة رأوه معها، حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه، وسألوها عنه، وقلبوه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره.. يقول ابن إسحاق: إنها لم تكد تنفلت به منهم٢.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص٧١. ٢ سيرة النبي ج١ ص١٦٧.
[ ١٨٩ ]
وعاد محمد ﷺ إلى أمه ليبدأ مرحلة جديدة من قومه وعشيرته..
وفاء النبي لأيام حليمة:
عاش النبي ﷺ أيامه الأولى عند حليمة السعدية، ونما جسده بلبنها، وصفا لسانه بلغات بني سعد، وصاحب عديدا من الناس.
وعاش محمد -وهو في ديار حليمة- مع قبيلة بني سعد؛ حيث أحبه كل مَن رآه، وأحاطوه بالرعاية الحسنة والتكريم الجميل.
وحفظ ﷺ لحليمة وأسرتها هذا الجميل، وكان يذكره، ويشيد به.. يقول النبي ﷺ: "أنا أعربكم، أنا من قريش، ولساني لسان بني سعد" ١.
يقول محمد بن المنذر: استأذنت امرأة على النبي ﷺ كانت أرضعته، فلما دخلت عليه، سر بها، وقال: أمي، أمي، وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه٢، وعرَّف أصحابه بأنها حليمة.
يروي ابن سعد بسنده أن حليمة قدمت على النبي ﷺ بمكة بعد زواجه خديجة ﵂، وشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلم رسول الله ﷺ خديجة في شأنها، فأعطتها أربعين شاة وبعيرا، وانصرفت لأهلها٣.
وأخرج أبو داود بسنده عن ابن الطفيل ﵁ قال: "رأيت رسول الله يقسم لحما بالجعرانة -وأنا يومئذ غلام أحمل لحم الجزور- إذ أقبلت امرأة حتى دنت إلى رسول الله فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: مَن هذه؟ قالوا: هذه أمه ﷺ التي أرضعته"٤.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد - كتاب المناقب - باب في حليمة ج٩ ص٤١٥. ٢ الطبقات الكبرى ج١ ص١١٣. ٣ المرجع السابق ج١ ص١١٤. ٤ سنن أبي داود - كتاب الأدب - باب في بر الوالدين ج٢ ص٦٣٠.
[ ١٩٠ ]
وهكذا كان تقدير النبي ﷺ لمرضعته حليمة؛ وفاء لحقها، وبرا بأمومتها، وتكريما لوفادتها.. لم ينسه تغير الحال ما أسدي له من جميل..
ولم يتصور أن ما أخذته من أمه أجرا كافيا في حقها، بل كان ﷺ يقدر زوجها وأبناءها، فهم أبوه وإخوته في الرضاعة، أخرج أبو داود عن عمر بن الحارث أن عمر السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه، فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام له رسول الله فأجلسه بين يديه١.
وبعد فتح مكة كانت غزوة حنين، وأسر النبي ﷺ عددا من هوازن قبيلة حليمة، فجاء وفدهم إلى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة لفك أسراهم، وكان رأس القوم، والمتكلم فيها "أبو صرد زهير بن صرد" فقال: إن في هذه الحظائر "مكان الأسرى" أخواتك، وعماتك، وخالاتك، وبنات عمك، وبنات خالاتك، وأبعدهن قريب منك، بأبي أنت وأمي! إنهن حضنك في حجورهن، وأرضعنك بثديهن، وتوركنك على أوراكهن، وأنت خير المكفولين.
فقال رسول الله ﷺ: "إن أحسن الحديث أصدقه، وعندي من ترون من المسلمين، أفأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم، أم أموالكم؟ ".
فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، وما كنا لنعدل بالأحساب شيئا، فرد علينا أبناءنا ونساءنا.
فقال النبي ﷺ: "أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، فإذا صليت بالناس الظهر فقولوا: نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأقول لكم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص١١٤.
[ ١٩١ ]
لكم الناس"، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، قاموا فتكلموا بالذي قال لهم رسول الله ﷺ، فرد عليهم رسول الله ﷺ، وقال لهم: "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم"، وهنا تأثر المهاجرون والأنصار، وقالوا مثل ما قال رسول الله ﷺ، ثم اتفقوا على قول واحد وقاموا بتسليم الوفد جميع ما أخذوا، وهم راضون سعداء، وأطلقوا سراح ما في أيديهم من سبي هوازن إلا قوما تمسكوا بما في أيديهم، فأعطاهم الرسول ﷺ إبلا عوضا عن ذلك، وفك أسرهم جميعا١.
إن الإنسان العظيم لا ينسى جميلا أُسدي إليه، وأو أسدي لأحد من صحابته، ودائما يحفظ الفضل لأهله، وعلى رأس العظماء رسول الله ﷺ الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، لقد تذكر جميل آل حليمة في وقت عسرهم، وضعفهم فما خذلهم وما هانهم.. بل أكرمهم جميعا، وأعادهم إلى ديارهم أحرارا.
وهكذا حافظ رسول الله على الخلق الكريم، فوفَّى لحليمة ﵂ يوم أتت إليه، وأكرم أهلها وقومها ﷺ، يوم أن وقعوا أسرى عند المسلمين، وقد أسلموا بعد ذلك، وحسن إسلامهم..
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص١١٥.
[ ١٩٢ ]
المبحث الخامس: شق الصدر:
وتتواصل إرهاصات النبوة مع رسول الله ﷺ وهو عند حليمة بعد عودته معها مرة ثانية، ومن هذه الإرهاصات حادثة شق الصدر، الثابتة بالروايات الصحيحة.
يروي مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵂: "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان، ثم غسله في طست من ذهب بما زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني: ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قُتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره"١.
وروى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا له: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك.
قال: "نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام. واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا؛ إذ أتاني رجلان -عليهما ثياب بيض- بطست من ذهب، مملوء ثلجا، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنة بمائة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فوالله لو وزنته بأمته لوزنها"
_________________
(١) ١ صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الإسراء ج١ ص٣٩٢.
[ ١٩٣ ]
وإسناد هذا الأثر جيد قوي١.
ويروي أحمد وأبو نعيم في الدلائل عن عتبة بن عبد: أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟
قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادا، فقلت: يا أخي! اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي وكنت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فقال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا من علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء وثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه، وختم على قلبي بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفه، واجعل ألفا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوق، أشفق أن يخر عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انلطقا فتركاني، وفرقت فرقا شديدا، ثم انطلقت إلى أمي "حليمة" فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبس بي، فقالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرا لها، وحملتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها، وقالت: إني رأيت نورا خرج مني أضاء قصور الشام" ٢.
وقد تناولت كتب السيرة حادثة شق الصدر، فهي في: سيرة ابن هشام، وطبقات ابن سعد، ودلائل النبوة لأبي نعيم، والبداية والنهاية، والخصائص
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ج١ ص١٧٥ ورواه الحاكم وصححه. ٢ تهذيب ابن عساكر ج١ ص٣٩، والحاكم في المستدرك ج٢ ص٦١٦، ٦١٧، وقال: صحيح على شرط مسلم.
[ ١٩٤ ]
الكبرى للسيوطي، ودلائل النبوة للبيهقي، وسير أعلام النبلاء، وسائر المؤلفات الحديثة، وأشارت إليه بعض كتب التفسير، عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ١، وعند تفسير أول الإسراء.
وهذه الحادثة التي وقعت لرسول الله ﷺ منذ الطفولة المبكرة، تكررت معه بعد ذلك أكثر من مرة، فقد روى الإمام أحمد، وابن حبان، وابن عساكر، عن أبي كعب: أن أبا هريرة سأل رسول الله ﷺ: يا رسول الله! ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟
فقال النبي ﷺ: "إني لفي صحراء، ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما هامسا، فقال أحدهما للآخر: أضجعه، فأضجعاني بلا قسر ولا قصر، وقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهَوَى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أدخل يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمني، فقال: اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير"، وهذه هي المرة الثانية.
وتكررت مرة ثالثة قبيل البعثة، يروي أنس بن مالك ويقول: لما حان أن ينبأ رسول الله ﷺ كان ينام حول الكعبة، وكانت قريش تنام حولها فأتاه جبريل وميكائيل، فقالا بأيهم أمرنا، فقالا أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا وجاءا من القابلة وهم ثلاثة، فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره، وشقوا بطنه، ثم جاءوا بماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه، ثم جاءوا بطست من ذهب قد ملئت إيمانا وحكمة
_________________
(١) ١ سورة الشرح آية ١.
[ ١٩٥ ]
فملئ بطنه وجوفه إيمانا وحكمة١.
وتكررت مرة رابعة، لما جاوز النبي ﷺ الخمسين من عمره، فعن مالك بن صعصعة أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أُسري به، قال: "بينما أنا في الحطيم -أو قال: في الحجر- قال: فاستُخرج قلبي، ثم أُتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغُسل قلبي، ثم أحشائي، ثم أعيد " ٢.
وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله -﷿- نبيه ﷺ منذ صغره، وعلى امتداد عمره ﷺ، وإبعاده عن مزالق الطبع، ووساوس الشيطان، وتلك حصانة حسية للرسول الكريم أضفاها الله عليه؛ ليعيش طاهر الظاهر والباطن بتوفيق الله تعالى.
إن الله ﷾وقد شاءت إرادته منذ الأزل- أن يكون محمد خاتم المرسلين، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الأعلى للإنسان السوي، الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب وتصفية النفس.
ولما شب رسول الله ﷺ كانت مكة تعج بمختلف أنواع اللهو والفساد والملاذ الشهوانية الدنسة.
كانت حانات الخمر منتشرة، وبيوت الريبة وعليها علامات تعرف بها، ووجود المغنيات، والماجنات، والراقصات، من الأمور العادية الموجودة في ذلك المجتمع تتوجها عبادة الأصنام والأوثان.
وكان المجتمع المكي يومذاك يقر ذلك، ويعتبره جزءا من حياة الناس..
والله ﷾ برأ رسوله، واختاره من أكرم معادن الإنسانية، ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض؛ ولذلك أحاطه بكل أنواع الرعاية والحفظ.
_________________
(١) ١ حجة الله على العالمين ص٢٧٢. ٢ أخرجه مسلم، وأحمد ج٣ ص١٢١، والحاكم ج٢ ص٦١٦.
[ ١٩٦ ]
وأحاديث شق الصدر صحيحة بالسند، أجمعت عليها سائر مؤلفات السيرة، فلا مجال للشك في سندها.
وأحاديث شق الصدر مروية عن رسول الله ﷺ بعد مبعثه، فهي بذلك من الوحي المنزل على رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى أبدا.
ولا يصح لمسلم أن يشكك في هذه الروايات الصحيحة، ويدعي أن محمدا قال بها، وهو طفل صغير لا يتحمل الرواية.
إن شق صدر النبي ﷺ كان لإخراج حظ النفس والشيطان من قلبه، لقد كان بوسع القدر الإلهي أن يضع في محمد ما يشاء الله له من فضل وخير، بصورة معنوية غير مدركة بالحواس، لكن الله أراد له هذه الصورة الحسية؛ ليشهد الناس على هذه العجيبة الخالدة التي جعلت من محمد إنسانا قويا، شجاعا طاهرا، نظيف الظاهر والباطن ولا نستطيع القول بأن حظ الشيطان مرتبط في النفس بجزء مادي أو غدة معينة؛ لأن هذا مما يستحيل تحديده.
وكل ما يمكن الإشارة إليه أن شق صدر محمد ﷺ من عناية الله به؛ ليترقى في الطهر، ويسمو في السلوك، ويعلو في روحانيته وشفافيته، ويقترب في نورانيته من الروح والملأ الأعلى.
ومن العجب أن رأينا من ينكر حادثة شق الصدر من العلماء المسلمين، فها هو الدكتور/ محمود مراد يتحدث عن طفولة النبي ﷺ وشق صدره وغيرها من الإرهاصات فيقول: "يغلب ذكر الأعاجيب فيها ذكر الواقع، في قصص ساذجة لا تشبه ما ورد في النص من أحاديث محكمة عن عبد المطلب"١.
فشق الصدر في رأيه كلام ساذج يتضمن أعجوبة لا يتصورها الواقع، ولا يسلم بها، فهي عنده قصة مردودة.
_________________
(١) ١ محمد رسول الله ﷺ للدكتور/ محمود مراد ص٤١.
[ ١٩٧ ]
والدكتور/ محمد حسنين هيكل يرد حادثة شق الصدر بضعف السند، وبأن محمدا رواها وهو طفل صغير، وبأنه لا حاجة إليها في إثبات الرسالة، وبأن الإسلام أقام دعوته على العقل الذي يتعارض مع تصور هذه الحادثة١.
والمنكرون لشق الصدر فريقان:
فريق ينكره إنكارا تاما، ويبحث عن مبررات تؤيد إنكاره، فإن كان مسلما يذهب إلى ضعف سند روايات شق الصدر، وعدم تحمل الصغير للرواية، وإن لم يكن مسلما لجأ إلى التحليل العقلي، والواقع التجريبي ليصل الجميع إلى إنكار وقوع شق الصدر، ويرى هذا الفريق أن شق الصدر ليس ضروريا؛ لأن الله قادر على إنفاذ ما يرى، بدون هذه التصورات المزعومة، وبخاصة أن حظ الشيطان في النفس لا يسكن في عضو ما، وإنما هو يجري في الجسم كله مجرى الدم.
والفريق الثاني: ينظر إلى حادثة شق الصدر، ويرى صحة الأحاديث الواردة التي يؤكدها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فقد نزلت هذه الآية لتأكيد شق الصدر كما يقول الإمام الخازن في تفسيره٢؛ ولذا يبحث عن مخرج لإنكاره بعدما سلم بصحة أحاديث شق الصدر.
رأى هذا الفريق صحة الأحاديث، وعلم أنها كانت بعد البعثة؛ إذ تحدث بها ﷺ حين سئل عنها، فذهب إلى تأويل شق الصدر بأنه يعني التطهر المعنوي لرسول الله ﷺ.
إن حادثة شق الصدر وقعت بصورة حسية، وتكررت مع رسول الله ﷺ، والروايات الصحيحة تؤكد ذلك، فقد جاء في بعضها: "فشق من النحر إلى مراق البطن".
_________________
(١) ١ انظر: حياة محمد ص١٢٨، ١٢٩ بتصرف. ٢ تفسير الخازن ج٧ ص٢٦٢، وذكر الخازن أن الشق أحد معاني شرح الصدر.
[ ١٩٨ ]
وفي بعضها: "إلى أسفل بطنه".
وجاء في إحداها: "فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته".
وفوق ذلك كله فأنس بن مالك ﵁ يقول: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره١.
يقول الدكتور/ محمد سعيد البوطي في رده على كلا الفريقين: رُويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعن كثير من الصحابة.
وليست الحكمة من هذه الحادثة -والله أعلم- استئصال غدة الشر في جسم رسول الله ﷺ؛ إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم، أو علقة في بعض أنحائه لأمكن أن يصبح الشرير خيِّرا بعملية جراحية، ولكن يبدو أن الحكمة هي إعلاء أمر الرسول ﷺ وتهيئته للعصمة والوحي، منذ صغره بوسائل مادية؛ ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به، وتصديقهم برسالته.
إنها إذن عملية تطهير معنوي، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي؛ ليكون ذلك الإعلان الإلهي ظاهرا بين أسماع الناس وأبصارهم، وعلى مستوى تصوراتهم.
وأيا كانت الحكمة، فلا ينبغي -وقد ثبت الخبر ثبوتا صحيحا- محاولة البحث عن مخارج لصرف الحديث عن ظاهره وحقيقته، والذهاب إلى التأويلات الممجوجة البعيدة المتكلفة، ولن نجد مسوغا لمن يحاول هذا -رغم ثبوت الخبر وصحته- إلا ضعف الإيمان بالله ﷿.
ينبغي أن نعلم بأن ميزان قبولنا للخبر إنما هو صدق الرواية وصحتها، فإذا ثبت ذلك ثبوتا بينا فلا مناص من قبوله، موضوعا على الرأس، وميزاننا لفهمه حينئذ دلالات اللغة العربية وأحكامها، والأصل في الكلام الحقيقة، ولو أنه جاز لكل
_________________
(١) ١ السيرة النبوية في الصحيحين ص١٢٤.
[ ١٩٩ ]
باحث وقارئ أن يصرف الكلام عن حقيقته إلى مختلف الدلالات المجازية؛ ليتخير من بينها ما يروق له، لانشلت قيمة اللغة، وفقدت دلالتها، وتاه الناس في مفاهيمها١.
إن الدكتور/ محمود مراد يصف رواية الإرهاصات بالسذاجة ويصف قصص عبد المطلب بالإحكام، مع أنه لا فرق بينهما في التركيب اللغوي، أو الدلالات الفنية والمعنوية.. لكنه الغرض والمرض!!
وكلام الدكتور/ هيكل مردود؛ لصحة السند الذي جاء بشق الصدر على نحو ما أوردته، وقد قال النبي أحاديث شق الصدر وهو نبي مرسل، حين سئل عنها، وأيضا فإن خوارق العادات جاءت للناس ليسلموا بما جاءهم به الرسول ﷺ، ومن الممكن أن يخلق الله في عباده التسليم والإيمان من غير معجزة، أو خارقة للعادة، وتلك مشيئة الله.
ولو فرضنا أن هذه الخوارق لم تقع لرأينا من يطالب بها لتكون دليلا أمامه على التصديق، كما حدث من أهل مكة، فلقد دعاهم النبي ﷺ بالقرآن الكريم وبكافة الحجج الموجودة فيه، إلا أنهم طالبوا بخوارق للعادات، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٢.
إن إرهاصات النبوة لم تكن ليؤمن الناس بالإسلام، فقد ظهرت قبل المبعث بزمن طويل، ولم يبرزها النبي للناس بعد مبعثه ليجعلها دليلا لهم، وإنما جاءت هذه
_________________
(١) ١ فقد السيرة للبوطي ص٥٣. ٢ سورة الإسراء الآيات ٩٠-٩٣.
[ ٢٠٠ ]
الإرهاصات تنبيها للعقلاء؛ ليروا عجائب القدرة، وليعلموا أن الله محيط بخَلْقه، وله الأمر كله، ولتبعث في عقولهم البحث عن أسرار ما يشاهدون.
إن الأمر في النهاية عقل ونبوة، وفكر بشري ووحي إلهي، والفرق بينهما كبير.. والمؤمن يعطي كل جانب حقه.. أما غيره فإنه ينادي بسيادة العقل، وليس له في تصور النبوة والوحي نصيب.
يقول ابن حجر: "إن جميع ما ورد في شق الصدر واستخراج القلب، وغير ذلك مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك"١.
والبشرية كلها تعلم أن النبوات قائمة على خوارق العادات، الخارجة عن مألوف العقول طبائع الأشياء، فمن آمن بالنبوة لزمه الإيمان بالخوارق، ومن أنكر الخوارق أنكر النبوة من أساسها.. والله أعلم.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١٥ ص٥٢.
[ ٢٠١ ]
المبحث السادس: محمد في مرحلة الصبا
المبحث السادس: محمد ﷺ في مرحلة الصبا
عاد محمد ﷺ من ديار بني سعد بعدما بلغ خمس سنوات للمرة الثانية والأخيرة، وسُرت أمه بقدومه، وأخذت في توجيهه وتنشئته، تساعدها أم أيمن، ويعاون جده عبد المطلب الذي رأى في محمد صورة ابنه عبد الله.
لاحظت آمنة أن محمدا يتمتع بقوة بدنية وعقلية، تفوق أقرانه من الأطفال، ورأت أن تذهب به لزيارة أخوال أبيه من بني عدي بن النجار، وليعرف قبر أبيه الذي دفن في دارهم، وليعلم أصوله من جهة أمه كما علمها من جهة أبيه.
وأخذته ﷺ ورحلت به على ناقتين لها، ومعهما أم أيمن، ومكثت في المدينة شهرا كاملا؛ ليتمكن وليدها الصغير من التعرف بالمكان وأهله، ويرى ما هم فيه من عادات وأديان وأعمال، من خلال لعبه مع الصغار، أو جلوسه مع الكبار.
وعند عودة آمنة من المدينة إلى مكة ماتت في الطريق عند الأبواء١ ودفنت بها.. ورجعت القافلة مرة أخرى إلى مكة بلا آمنة، فاستقبلها عبد المطلب، وضم حفيده إليه، فكفل محمدا ﷺ ومعه حاضنته "أم أيمن" تخدمه.
وبقيت ذكريات رحلة المدينة مع رسول الله ﷺ طوال حياته؛ لأنه ﷺ لما هاجر في الإسلام إلى المدينة المنورة بعد سبع وأربعين سنة؛ نظر إلى أطم٢ بني النجار وقال: "كنت ألاعب "أنيسة" -وهي جارية من الأنصار- على هذه الأطم، وكنت مع الغلمان أبناء أخوالي نطير طائرا كان يقع علينا، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار"، وقال: "وفي دار بني عدي نزلت مع أمي، وفيها قبر أبي" ٣.
_________________
(١) ١ الأبواء: قرية صغيرة بين مكة والمدينة، بينها وبين المدينة ثلاثة وعشرون ميلا. ٢ الأطم: الحصون، ومفردها أطمة. ٣ الطبقات الكبرى ج١ ص١١٦.
[ ٢٠٢ ]
إنها ذكريات باقية بصورتها وحقيقتها.. وكان ﷺ يذكر حاضنته أم أيمن ويقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" ١.
وقد زار النبي ﷺ بعد البعثة أيضا قبر أمه فبكى وأبكى، فلما سئل: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: "تذكرت رحمتها فبكيت" ٢.
وبموت آمنة فقد الرسول أبويه، ووجد نفسه وحيدا فريدا، حرم من الآباء والإخوة، ولو كان غير محمد لأصابه الكثير، إلا أن الرعاية الإلهية كانت معه ﷺ؛ حيث قام عبد المطلب بكفالته بعد رجوعه إلى مكة مباشرة، وشمله بعنايته واهتمامه، وكان يرعاه أكثر من أبنائه.
كما أحاطته أم أيمن ﵂ بالرعاية والخدمة، وكانت تخاف عليه من أي أذى يلحق به، وبخاصة أنها رأت من يهود المدينة ما جعلها تخاف عليه منهم، تقول ﵂: "وكان قوم من اليهود يختلفون إليه، وينظرونه ويتفرسون فيه، تقول أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم"٣.
وبقيت هذه الحادثة في ذاكرتها؛ ولذلك نراها بعد عودتها إلى مكة، تذهب به إلى جده عبد المطلب ليكفله، فكفله مرحبا به، وقربه منه، ولما قارب أجله، وصى ابنه "أبا طالب" ليكفله من بعده، وهكذا عاش ﷺ مع جده، ومن بعده مع عمه، مكرما مصانا.
عناية عبد المطلب بحفيده:
عاد محمد ﷺ وحيدا إلى جده، فضمه إليه، وقربه من نفسه، ورق عليه رقة لم ينلها أحد من ولده، وكان يتفقده إذا خلا، وإذا نام.
قال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ بابنك هذا فإن له شأنا، وإنا لم
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص١١٦. ٢ المرجع السابق ج١ ص١١٧. ٣ المرجع السابق ج١ ص١١٨.
[ ٢٠٣ ]
نرَ قدما أشبه بقدم إبراهيم الذي في المقام منه، فسُر كثيرا، وأتى بولده أبي طالب وقال له: اسمع ما يقول هؤلاء، فسمع منهم، واحتفظ بما سمع إقرارا بضرورة الاهتمام بمحمد ﷺ.
وجاء عبد المطلب لحاضنته "أم أيمن" وكان اسمها "بركة" وقال لها: يا بركة، لا تغفلي عن ابني هذا، فإني وجدته من غلمان قريبا من السدرة، وإن أهل الكتاب يرون أن له شأنا.
وقد عمد عبد المطلب أن ينشئ حفيده نشأة الرجال الكبار، يقول ابن إسحاق: "وكان رسول الله ﷺ مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك، حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له"، يقول ابن إسحاق: "فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول لهم عبد المطلب حين رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع"١.
ويبدو أن هذه الواقعة تكررت مع غير أبناء عبد المطلب، فلقد روى ابن جريج قال: "كنا مع عطاء، فقال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبد المطلب أطول الناس قامة، وأحسنهم وجها، ما رآه أحد قط إلا أحبه، وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه معه أحد، وكان الأنداد من قريش -حرب بن أمية فمن دونه- يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول الله ﷺ وهو غلام لم يبلغ، فجلس على المفرش، فجبذه رجل فبكى، فقال عبد المطلب وذلك بعدما كف بصره: ما لابني يبكي؟
قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص١٩٥.
[ ٢٠٤ ]
فقال: دعوا ابني يجلس عليه، فإنه يحس من نفسه شرفا، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده"١.
وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا ناداه ليأكل معه، ويقول لمن حوله: علي بابني، فيؤتى إليه، ويأكل معه.
يروي كندير بن سعيد عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا رجل يطوف بالبيت ويرتجز، ويقول:
يا رب رد لي راكبي محمدا
يا رب رده واصطنع عندي يدا
فقلت: مَن هذا؟
قالوا: هذا عبد المطلب، ذهبت إبل له، فأرسل ابن ابنه محمد في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، وقد احتبس عليه هذه المرة.. يقول الراوي: فما برحت حتى أنظر ما يحدث، فلما جاء محمد ﷺ بالإبل، قال له جده: يا بني، لقد حزنت عليك حزنا، لا تفارقني أبدا٢.
وكان هذا الاهتمام بمحمد هو شأن عبد المطلب منذ مولد رسول الله، حتى عرف ذلك عنه؛ ولذلك حينما افتقدته حليمة السعدية مرة، لم تجد سوى جده، فأتت إليه، وأخبرته بضياعه ليبحث عنه..
يقول ابن إسحاق: "إن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس، وهي مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب، فقالت له: إني قد قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكة أضلني، فوالله ما أدري أين هو؟! فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده، يقول ابن إسحاق: وجده ورقة بن نوفل بن أسد، ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب، فقالا له: هذا ابنك
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ج١ ص٥٦. ٢ سير أعلام النبلاء ج١ ص٥٤.
[ ٢٠٥ ]
وجدنا بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فحمله على عنقه، وهو يطوف بالكعبة يعوذه، ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه آمنة"١.
ولما شعر عبد المطلب بدنو أجله، وصى ابنه أبا طالب بكفالته٢، فكفله عمه أبو طالب بعد وفاة جده عبد المطلب، وعُمْر النبي ﷺ ثماني سنوات، وقد اشترك في دفن جده، وسار خلفه وهو يبكي، وقد دفن عبد المطلب بالحجون٣.
يقول ابن سعد: "ومات عبد المطلب فدفن بالحجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشر سنين.
وسئل رسول الله ﷺ: أتذكر موت عبد المطلب؟
قال: نعم، أنا يومئذ ابن ثماني سنين.
قالت أم أيمن: رأيت رسول الله ﷺ يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب"٤.
عناية أبي طالب بابن أخيه:
عاش النبي ﷺ في كفالة عمه أبي طالب، تحيطه رعاية الله الذي حفظه من ذل اليتم وضرر الفقر.
تهيئة أبي طالب لكفالة محمد قدر إلهي خالص؛ لأن أبا طالب كان كثير العيال، فقير الحال، وكان الطعام يقدم لأولاده، فيتطاولون عليه لقلته، وكان الفقر باديا عليهم، يقول السهيلي: كانوا يصبحون غمضا، رمضا، مصفرة ألوانهم من الجوع.
ومع هذا الحال، فإن أبا طالب اهتم بوصية أبيه، وضم محمدا لأبنائه، وخصه بالرعاية والتوجيه، وكان يجالسه ويناقشه.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٦٧. ٢ البداية والنهاية ج٢ ص٢٨٢. ٣ سير أعلام النبلاء ج١ ص٥٦. ٤ اختار عبد المطلب ولده أبا طالب ووصاه بمحمد دون بنيه؛ لأن أبا طالب هو الشقيق لعبد الله من الأب والأم، فأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ من بني مخزوم، وكان جميع أبناء عبد المطلب يهتمون بمحمد ﷺ.
[ ٢٠٦ ]
ومن رعاية الله بمحمد ﷺ وهو في بيت أبي طالب أنه كان إذا وضع الطعام لأولاد أبي طالب سبقوه إليه، ويتقاصر هو، وتمتد أيديهم، وتنقبض يده تكرما واستحياء وقناعة، ومع ذلك يصبح صقيلا دهينا، كأنه في أنعم عيش، وأعز كفاية؛ لطفًا من الله ﷿.
رأى محمد رغم صغره حاجة عمه أبي طالب للمال، فأخذ على عاتقه أن يعمل ويكتسب شيئا يعين به عمه.
وأراد الله لمحمد ﷺ أن يخرج إلى الناس، ويختلط بهم، ويتعامل معهم، في بيئته، وبعيدا عنها؛ لينال أهلية الرسالة بصورة عملية تطبيقية.
إن التربية العملية لها دور رئيسي في بروز الشخصية السوية، وكلما اختلط الصغير بالناس اكتسب خبرة ومعرفة، وكلما سافر ورحل عرف المزيد؛ لهذا نرى -والله أعلم- أن الله هيأ لحبيبه محمد ﷺ مجالا رحبا لهذه التنشئة..
لقد عاش في بادية بني سعد خمس سنوات، اختلط بالناس وقام بالعمل والنشاط، تقول حليمة: "بينما هو ﷺ يلعب وأخوه خلف البيوت يرعيان بهما لنا"١.. ورحل إلى المدينة برفقة أمه في رحلتها التي ماتت فيها.. وأقام بالمدينة شهرا.. وفي كفالة جده اختلط بحكماء مكة ورجالاتها..
ومع عمه أبي طالب رأى حنان الأب واهتمامه؛ حيث كان يصطحبه معه أينما ذهب، وكان يحبه حبا شديدا، لا يتركه ينام إلا بجواره، ولا يخرج إلا في معيته، ولا يطعم أبناءه إلا وهو معهم.
وكان عمه لا يطمئن عليه إلا وهو معه؛ ولذلك كانت ملازمته له دائمة ومستمرة.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ج١ ص٥١.
[ ٢٠٧ ]
وهيأ الله لمحمد ﷺ أسباب الاتصال بالناس، والالتقاء بهم، مع اختلاف المذاهب والاتجاهات والعادات، فقام بأعمال عديدة ذكرها مؤرخو السيرة، ومنها ما يلي:
أولا: الرحلة الأولى إلى الشام، وقصة بحيرى الراهب
أراد أبو طالب أن يسير في ركب الشام للتجارة، فلما عزم على السفر تعلق به محمد ﷺ قائلا له: "أي عم، إلى مَن تخلفني هاهنا؟ "، فرق له قلب عمه، وأخذه معه، وأردفه خلفه على بعيره، واتجهوا صوب الشام مع القافلة.
وكان للنصارى عدد من الأديرة في الطريق، يسكنها الرهبان المنقطعون للعبادة، وهم الذين يعلمون ما بقي من دين عيسى ﵇، ويبدو أن هؤلاء الرهبان كانوا على علم بأوصاف النبي المنتظر ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ ١، وكما يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
لقد وصلت هذه المعرفة لديهم أن علموا ضرورة أن يكون النبي يتيما، وأن يكون موسوما بخاتم النبوة، وأن خوارق الطبيعة تحيط به، وكانوا يعلمون أن هذا النبي سيلقى كراهية اليهود؛ لأنهم يرغبون في أن تكون النبوة لهم ومنهم.
ويبدو أن هذه المسألة كانت معلومة لعديد من الرهبان والقسس؛ لأن ركب أبي طالب ومحمد نزل أولا في دير قريب بشمال الحجاز، فالتقوا مع صاحبه، فنظر صاحب الدير لمحمد، وقال لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ١٥٧. ٢ سورة البقرة آية ١٤٦.
[ ٢٠٨ ]
فقال أبو طالب: هو ابني.
فقال الراهب: ما هو ابنك، وما ينبغي أن يكون له أب حي.
قال أبو طالب: ولِمَ؟
قال الراهب: لأن وجهه وجه نبي، وعينه عين نبي.
فقال أبو طالب: وما النبي؟
فقال له الراهب: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ أهل الأرض، فاتقِ عليه من اليهود.
لقد كانت هذه الأديرة أماكن يستريح بجوارها المارة الذاهبون إلى الشام أو العائدون منها، ففيها من أسباب الحياة ما يشجع على الراحة عندها.
وكان أبو طالب يسمع من راهب الدير الذي ينزل عنده ما سمعه من غيره، فقال للنبي ﷺ: يابن أخي، ألا تسمع ما يقولون؟
فقال له محمد: أي عم، لا تنكر لله قدرة!!
وكانت الوقفة الكبرى حين بلغ الركب مدينة بصرى، فنزل الجميع وجلسوا تحت شجرة قريبة من دير "بحيرى".
يقول ابن إسحاق: "فلما نزل الركب أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرى، في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها، يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك، فلا يكلمهم، ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك عن شيء رآه، يذكرون أنه رأى رسول الله ﷺ وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، تتحرك بحركته، ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا من بحيرى، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها.
[ ٢٠٩ ]
فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته، وقد أمر بالطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم.
فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟!
قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعاما، فتأكلوا منه كلكم.
فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم؛ لحداثة سنه، فبقي في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم لم يرَ الصفة التي يعرف، ويجدها عنده.
فقال: يا معشر قريش! لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي.
قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا، فتخلف في الرحال.
فقال: لا تفعلوا، ادعوه، فليحضر هذا الطعام معكم.
فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأحضره، وأجلسه مع القوم.
فلما رآه بحيرى، جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، وقد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرى ذلك وحلف باللات والعزى؛ لأنه سمع قومه يحلفون بهما.
فقال له رسول الله ﷺ: "لا تسألني باللات والعزى شيئا، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما".
فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه.
[ ٢١٠ ]
فقال له: سلني عما بدا لك.
فجعل يسأله عن أشياء من حاله من قومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ، أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟
قال: ابني.
قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا.
قال: فإنه ابن أخي.
قال: فما فعل أبوه؟
قال: مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده"١.
وقد أورد الإمام الترمذي هذه الحادثة وزاد فيه: "حين سأله أشياخ من قريش عن سبب ما فعل قال لهم: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجر ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به وكان هو في رعي الإبل قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ، يقول البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي، ويقول ابن حجر: رواتها ثقات.
[ ٢١١ ]
فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، وبينما هو قائم عليهم، يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلوه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟
قالوا: جئنا لهذا النبي الذي أظلنا زمانه، فلم يبقَ طريق إلا بعث إليه بأناس منا، وإنا قد بعثنا إلى طريقك هذا.
فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟
قالوا: إنما اخترنا خيرتنا لك، لطريقك هذا.
قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟
قالوا: لا.
فلما رد الرومان قال لأبي طالب ومَن معه: أنشدكم الله أيكم وليه؟
قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب"١.
ويبدو أنها حادثة أخرى؛ لأن رواية ابن إسحاق كان التحذير من اليهود، والتحذير في هذه الحادثة كان من الروم، وأيضا فإن الحادثة الأولى حددت اسم الراهب وهو بحيرى، بينما هذه الحادثة لم تذكر اسما معينا.
وخلاصة هذه المرويات تثبت هذه الرحلة لرسول الله ﷺ ومصاحبته لعمه، ومعرفة أهل الكتاب بقرب مبعثه، وكراهيتهم لعروبة هذا النبي المبعوث الذي تمنوه منهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الجامع الصحيح سنن الترمذي ج٥ ص٥٩٠. ٢ سورة البقرة آية ٨٩.
[ ٢١٢ ]
وقد روى الهيثمي عددا من الآثار تشهد على علم أهل الكتاب بأمر نبوة محمد ﷺ، وهذا تأكيد لما جاء في القرآن الكريم.
يروي سلمة بن سلامة بن وقش -وكان من أصحاب بدر- قال: "كان لنا جار من اليهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته، قبل مبعث النبي ﷺ بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، وأنا يؤمئذ أحدث من فيه سنا، عليَّ بردة، مضطجع فيها بفناء أهلي فذكر البعث، والقيامة، والحساب، والميزان، والجنة، والنار.
قال ذلك لقوم أهل أوثان وأصحاب شرك، لا يرون أن بعثا كائنا بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنا، إن الناس يبعثون بعد موتهم، إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم.
قال: نعم، والذي يحلف به، لود أن له بدل تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، يم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه، وإنه ينجو من تلك النار غدا.
قالوا: ويحك! وما آية ذلك؟
قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن.
قالوا: ومتى نراه؟
فنظر إليَّ وأنا من أحدثهم سنا فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى نبيه ﷺ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا له: ويلك يا فلان! أليس قلت لنا فيه ما قلت؟
قال: بلى، وليس به أومن"١.
وكان عمر رسول الله ﷺ يوم أن سافر مع عمه اثنتي عشرة سنة٢..
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٨ ص٤٢٠. ٢ أنساب الأشراف ج١ ص٩٦.
[ ٢١٣ ]
الأمر الذي مكنه من استيعاب كل ما رأى وما سمع، مما جعل الرحلة تربية عملية، استفادة تجريبية من المعاشرة والاختلاط، والنظر والتحليل، والفهم والتدبر.
في هذه الرحلة وقعت عينا محمد على فسحة الصحراء الممتدة الواسعة، وتعلقتا بالنجوم اللامعة في سمائها الصافية البديعة، وجعل يمر بمدين، ووادي القرى، وديار ثمود، وتستمع أذناه إلى حديث العرب، وأهل البادية، وأخذ يتأمل هذه المنازل، وأخبارها، وماضي نبئها.
وفي هذه الرحلة وقف في بلاد الشام عند الحدائق الغناء، وعرف أخبار الروم ونصرانيتهم، وسمع عن كتابهم، وعن مناوأة الفرس "عُبَّاد النار" لهم، وانتظارهم الوقيعة بهم.
لقد كان له ﷺ من عظمة الروح، وذكاء القلب، ورجحان العقل، ودقة الملاحظة، وقوة الذاكرة، وغير ذلك من صفات حباه القدر بها ما مكنه من معرفة الواقع الحياتي لكل من قابله، تمهيدا للرسالة العظيمة التي أعده الله لها، الأمر الذي جعله ينظر إلى ما حوله نظرة الفاحص المحقق، فلا يستريح إلى كل ما يسمع ويرى، فيرجع إلى نفسه يسائلها: أين الحق من ذلك كله؟
ويبدو أن أبا طلب لم يستفد من رحلته مالا كثيرا، فعاد إلى مكة، ولم يرجع لمثلها بعد ذلك، وبقي في مكة، يقنع بالقليل ينفقه على أبنائه الكثيري العدد.
[ ٢١٤ ]
ثانيا: رعي الغنم
عاد النبي ﷺ إلى مكة، ورأى قلة مال عمه، وكثرة أولاده، فرغب في مساعدته، وهداه الله للعمل بأجرة لأهل مكة، فرعى لهم غنمهم.
عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم"، فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" ١.
والقيراط عملة فضية تمثل جزءا من الدينار أو الدرهم.. ومن قال: إنها جزء من الأرض فقد وهم؛ لأن قيراط الأرض لم يعرف إلا في مصر.
عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والشاة، فقال رسول الله ﷺ: "بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم، أرعاها لأهلي بأجياد" ٢.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ بمر الطهران، ونحن نجني الكباث، فقال النبي ﷺ: "عليكم بالأسود منه، فإني كنت أجنيه إذ كنت أرعى الغنم"، فقلنا: يا رسول الله، كأنك رعيت الغنم، قال: "نعم، وهل من نبي إلا وقد رعاها!! " ٣.
ومن المعلوم أن محمدا ﷺ رعى الغنم لحليمة مع غلام لها، كما سبق في حديث شق الصدر، حين جاءه الملكان وشقا صدره.
وللمرء أن يتساءل: وما الحكمة في رعي الغنم؛ حتى يقدرها الله لأنبيائه جميعا؟..
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب الإجارة - باب رعي الغنم على قراريط ج٤ ص٤٤١. ٢ المسند ج٣ ص٤٢، وفتح الباري ج٤ ص٤٤١. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب الأشربة - باب فضيلة الأسود من الكباث ج٤ ص٥، والكباث: ثمر الأراك الناضج.
[ ٢١٥ ]
أرى -والله أعلم- أن الحكمة في رعي الغنم هي تربية الأنبياء على ما سيكونون عليه حين تكليفهم بالنبوة، وليتعلموا حسن التعامل مع الناس.
وأهم هذه الفوائد ما يلي:
١- التعود على المسئولية:
إن ثقل التكليف يحتاج إلى طاقات بشرية تتحمله، والنبوة تكليف شاق؛ لأنها تعني إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإنقاذ البشر من ضلالات الهوى ليسعدوا بنور الإيمان وبرد اليقين. إن النبوة قمة الأمانة والمسئولية، وحاجتها إلى رسول يتحمل مشاقها ومصاعبها ضرورة لا بد منها.
ورعي الغنم عمل شاق، يكفي في تصور مشقته أن الراعي يعيش واقفا ومتحركا طوال الوقت؛ حيث تسرح الغنم وتمرح، وهذه أعمال في حد ذاتها تحتاج إلى قوة وطاقة؛ ولذلك كان رعي الغنم مقدمة للنبوة لما فيهما معا من مشقة وتعب..
٢- تعليم الصبر والتحمل:
تحتاج النبوة إلى التخلق بالخلق الكريم، والاتصاف بالحلم والصبر، وذلك أمر يحققه رعي الغنم؛ لأن القطيع يرعى وهو مطلق السراح، فيتوزع هنا وهنا، وكلما يجمعه الراعي يعود من حيث أتى، وذلك أمر يحتاج إلى الصبر والتحمل، وبدون ذلك لا يمكن للراعي رعي الغنم..
ومن رعي الغنم إذن تعلَّم الأنبياء الصبر والتحمل في دعوة الناس؛ لأن المدعوين ليسوا على اتجاه واحد، وإنما لكل اتجاهه ومذهبه وجدله، والنبي مسئول عن تبليغ الدعوة للناس على الوجه الصحيح؛ ولذلك وجب أن يكون صابرا حليما.
يقول ابن حجر: "إن مخالطة الغنم يحقق الحلم والشفقة؛ لأن النبي إذا صبر على رعيها، وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع، وسارق، وغير ذلك، ألف من ذلك الصبر على الأمة، وتحمل
[ ٢١٦ ]
اختلاف الطبع، وتفاوت العقول، ويكون تحمله لمشقة ذلك أسهل بعد تدريبه عليه"١..
٢- شمول الرعاية:
راعي الغنم يحتاج إلى سعة الأفق وهو يدبر أمر غنمه؛ لتعدد جوانب الرعاية التي تحتاج إليها، ففيها الصغير المحتاج للرضاعة، وفيها الذكر، وفيها الأنثى، كما أنها تحتاج دائما إلى البحث عن مصادر أكلها وغذائها، ولا بد لها من حراسة تحميها من الذئاب واللصوص، ومن الضروري المحافظة عليها من شدة الحر، وقسوة البرد، وكثيرا ما تنتابها الآلام والأوجاع، وعلى الراعي متابعة ذلك، ومن مسئوليات الراعي تدبير أمر مبيتها في الخلاء، أو في البناء.
إنها مسئوليات عديدة، لا يصلح لها ضيق الأفق، العاجز حمايتها، وإعداد كافة الجوانب التي تحتاج إليها.
ولذلك كان رعي الغنم تدريبا عمليا على مباشرة أعمال النبوة لتعدد المسئوليات النبوية، فعلى النبي أن يعلم حدود ما كلف به، ويحسن فهم من سيدعوهم، ولغة من سيخاطبهم، حتى إذا سئل أجاب، وإن عورض رد، وإن واجه عدوا قاومه بالحسنى.. كل ذلك في قوالب عديدة وصور كثيرة.
إن تعدد المسئولية في رعي الغنم باب يعلم النبي ضرورة قيامه الأمر، والدعوة إليه بصورة كاملة، تامة، شاملة.
٤- التسوية والعدل بين الناس:
يحتاج النبي إلى تبليغ الدعوة لسائر الناس على وجه يتناسب مع كل واحد منهم، ولا يقدم واحدا، ويترك غيره، ولا يهتم بغني على حساب فقير، ولا يتصور أن الخير في هذا أو في ذاك، فيفضله على غيره.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٤ ص٤٤١.
[ ٢١٧ ]
ورعي الغنم يحقق هذا الخُلُق؛ لأن الراعي عليه أن يرفق بالضعيف، ويحيطه بعنايته، فلو ولدت نعجة في الطريق فعليه حمل المولود بيده؛ ولذلك نراه يسير خلف القطيع ليكون في عون الضعفاء، ويراعي الأقوياء.
٥- تعليم التواضع:
إن قيام الأنبياء برعي الغنم يعوِّدهم التواضع وترك الكبر؛ لأن رعاية الغنم والحرص عليها يحتاج إلى العمل الدءوب بعيدا عن الخيلاء؛ حيث لا فخر بعمل كله تعب ومشقة، تحت حر الشمس، أو في برد الشتاء، والنبوة في حاجة إلى هذا التواضع الذي يجعل الأنبياء يتعاملون بالخلق الكريم مع كافة الناس، مع الرجال والنساء، مع الأغنياء والفقراء، مع الكبير والصغير، مع العظيم والحقير، وبذلك كانوا أمثلة عليا، وقدوة سامية.
وفي ذكر النبي ﷺ بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله أنه رعى الغنم دليل على عظيم تواضعه، اعترافه بفضل ما مَنَّ الله عليه به.
٦- التعامل مع الناس:
يقتني الغنم عديد من الناس، ورعاتها كثيرون، وكل راعٍ يجد نفسه يتعامل بالضرورة مع كثير من أقرانه الرعاة؛ حيث يجلسون في وقت الراحة، ويتسامرون، ويتناقشون، وفي ذلك فرصة للأنبياء يتعرفون بها على الناس؛ لتتم دعوتهم بعد ذلك بما يناسبهم ويفيدهم.
٧- الشجاعة:
الراعي يعمل على حماية غنمه من الذئاب واللصوص وغيرها، وهو لذلك يحتاج إلى شجاعة تعينه على هذه الحماية ليلا ونهارا، والأنبياء وهم يقومون بالدعوة يتصدى لهم الأعداء من شياطين الإنس والجن، وهم محتاجون للشجاعة والجرأة، حتى يمكنهم القيام بواجب الدعوة.
[ ٢١٨ ]
٨- التأمل والتفكير:
وراعي الغنم الذكي القلب يجد في فسحة الجو الطلق أثناء النهار، وفي تلألؤ النجوم إذا جن الليل موضعا لتفكيره وتأمله يسبح منه في هذه العوالم، يبتغي أن يرى ما وراءها، ويلتمس في مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرا لهذ الكون وخلقه.
أليس هو يتنفس هواءه ولو لم يتنفسه لمات؟!..
أليست تحييه أشعة الشمس، ويغمره ضياء القمر، ويتصل وجوده بالأفلاك والعوالم جميعا؟!..
هذه الأفلاك والعوالم التي يراها في فسحة الكون أمامه، متصلا بعضها ببعض في نظام محكم ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ !!
وإذا كان نظام هذا القطيع من الغنم أمام محمد يقتضي انتباهه ويقظته حتى لا يعدو الذئب على شاة منها، وحتى لا تضل إحداها في مهامه البادية، فأي انتباه وأية قوة تحافظ على نظام العالم كله مع إحكامه الموجود؟!!..
إن رعي الغنم مدرسة تحتاج إلى قوة البدن، وقوة العزيمة، والهدوء والأناة، مع الصدق والإخلاص، وقصد الاستفادة والتعلم.
وقد جعل الله رسله رعاة للغنم ليتعلموا منها الكثير، في إطار معونة الله ورعايته لهم.
ولكن، لِمَ كانت الفوائد في رعي الغنم خاصة دون سائر الأنعام كالإبل والبقر وغيرها؟..
وأرى أن السر في اختيار الغنم لذلك -والله أعلم- كثرة عددها، وسرعة حركتها، وسهولة تفرقها؛ لعدم ربطها أو تقييدها، أما الإبل والبقر والخيل، فعددها قليل وربطها وتقييدها بالحبال أمر عادي، وكأن الله تعالى يعلم رسله -﵈- حسن التعامل مع الناس وهم أحرار.
[ ٢١٩ ]
وأيضا فإن السيطرة على الغنم المتفرقة سهل، وانقيادها للراعي لا يحتاج لجهد كبير؛ لأنها بنداء واحد أو بإشارة بالعصا تعود لمكانها، أما البقر والخيل والإبل فلا.
ومن هنا كان اختيار الغنم يرعاها الأنبياء ليتعلموا قيادة أشتات من الناس، ومخاطبة العديد من العقول، والتفاهم مع كافة لغات ولهجات المدعوين، الذين يصيخون للحق، ويؤمنون به.
وهكذا رعى النبي ﷺ الغنم في مكة..
[ ٢٢٠ ]
ثالثا: حرب الفجار
الإجارة عند العرب عهد لا يمكن الفكاك منه، وهو وعد يعطيه العربي لضعيف يلجأ إليه، ويلتزم بإنفاذه له، وكان الضعفاء أو المحتاجون يلجئون إلى مَن لديه قوة للحماية والنصرة فيجيرهم، ويعلن ذلك للناس، وبعدها تلتزم قبيلته معه في إنفاد ما وعد به مهما كلفهم ذلك، وبخاصة إذا كان من المقدمين فيهم.
وقد تقع الحرب بين القبائل بسبب هذه الحماية، وكثيرا ما وقعت.
وحروب العرب هي أيامهم التي كانوا يتواعدون عليها، وكثيرا ما جعلوها قريبة من البيت مع أوقات أسواقهم وتجاراتهم.
ومن أشهر أيام العرب التي وقعت بسبب الإجارة حرب الفجار -بكسر الفاء وفتح الجيم الممدود- التي هاجت بين العرب، واستمرت خمسة أعوام، واشترك فيها محمد ﷺ وعمره خمسة عشر عاما.
وسبب وقوعها أن النعمان بن المنذر أتى مكة بإبل تحمل الحرير والعطر، ويسميها العرب "لطيمة"، أتى بها لبيعها في سوق عكاظ، فلما نزلت عند بئر "أوارة" أراد البراض بن قيس -وكان صعلوكا خليعا- أن يستولي على اللطيمة لضعف صاحبها المنذري، وبعد قومه من مكة، فاستجار النعمان بـ"عروة الرحال بن ربيعة" ليقوي ضعفه، ويصد عنه عدوان كنانة، فأجار عروة اللطيمة، وأصبح العدوان عليها عدوانا على عروة وقبيلته.
فجاء البراض بن قيس أحد بن ضمرة يعاتب عروة، ويقول له: أتجير اللطيمة على كنانة؟!!
فقال عروة: نعم، وأجيرهم على الخلق كلهم.
وأدت هذه المواجهة الساخنة بني الرجلين إلى أن خرج عروة الرحال في سفره فتبعه البراض بن قيس، يطلب غفلته لينال منه، حتى إذا وصلا إلى "تيمن ذي
[ ٢٢١ ]
ظلال" وهو وادٍ بعالية نجد١ غفل عروة، وهو ابن ربيعة بن جعفر بن كلاب، فوثب عليه البراض، وقتله في شهر شوال، وهو من الأشهر الحرم، وتعرف هذه الحرب بـ"فجار البراض".
أدى مقتل عروة إلى قيام حرب الفجار -بكسر الفاء وفتح الجيم٢- وسماها العرب بهذا الاسم بسبب وقوعها في الأشهر الحرم؛ لأنهم لما تقاتلوا لم يأبهوا بحرمة الأيام، ولا بحرمة المكان، وقالوا: قد فجرنا وارتكبنا ذنبا عظيما، وبذلك سميت الحرب بهذا الاسم٣.
وقيل: إنما سميت بذلك لأن كلا الطرفين استحلا من المحارم بينهم ما لم يكن يقع في أيام العرب الأخرى٤.
وقد جاء خبر مقتل عروة إلى قريش، وهي بعكاظ فتركت السوق، ورحلت حيث عروة، وهوازن لا تشعر، وانفض السوق، ولم يقم بعكاظ سوق هذا العام.
علمت هوازن بعد ذلك أن قريشا ذهبت تيمن ذي ظلال، فاتبتعها ورأتها راجعة إلى مكة، وأدركتها قبل أن تدخل الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل.
فلما دخلت قريش الحرم أمسكت هوازن فوقفت الحرب، ولكنهم تواعدوا على اللقاء في عكاظ من العام القادم حيث كان يوم شمطة، وقد استمرت أيامهم بعد ذلك مدة طويلة.
وانتظم الفريقان خلال اقتتالهما تحت قيادة واحدة لكل قبيلة، حيث كان لكل بطن من قريش وكنانة رئيس منهم، ولكل قبيلة من قيس رئيس منهم، وعلى القبائل جميعا عند كل طرف رئيس واحد، وبهذا التنظيم يلتزم كل فرد بما يوجبه عليه العرف القبلي؛ حفاظا على وضع القبيلة، وحماية لها من الذل والهوان.
_________________
(١) ١ معجم البلدان ج٢ ص٦٨، وتيمن ذي ظلال: ليس تيمن الموجودة بين جرش وتبالة من مخالفي اليمن. ٢ انظر: لسان العرب - مادة فجر ج٦ ص٣٥٤، ط الدار المصرية للتأليف. ٣ الروض الأنف ج١ ص٢١١. ٤ سيرة ابن هشام ج١ ص١٨٦.
[ ٢٢٢ ]
ولذلك أشرك أبناء عبد المطلب محمدا ﷺ معهم في حرب الفجار، وكانت هذه المشاركة تجربة عملية، عاشها مع أعمامه وأقرانه من غير أن يكون منه عدوان أو ظلم، وبخاصة إذا علمنا أن أيام العرب كانت نادرة الدم، فهي عبارة عن تدريب ويقظة، وحراسة مستمرة، ومواجهة ينشغل بها أبناء القبيلة جميعا، حتى لا يتركوا غفلة لخصومهم، وكانوا يحددون لحروبهم أياما يتقابلون فيها في مكان معين، وفي موعد معين، وكأنها مباراة دورية، ومبارزة تنتهي بانتصار طرف، وانسحاب الفريق المنهزم، وبعدها يحددون موعدا جديدا في مكان يتفقون عليه، وأغلب أيام الفجار كانت في عكاظ.
يدل على ندرة الدم في أيام العرب أن هوازن حين عرض الصلح عليها، أخذت أربعين رجلا من قريش رهينة لديها حتى تأخذ دية قتلاها، الذين بلغوا هذا العدد طوال أيام الفجار التي استمرت خمسة أعوام.
إن حربا تقع بين قريش وكنانة بقبائلهما وبطونهما، وبين هوازن بكل ما تشتمل عليه، وتستمر خمسة أعوام، ويقتل من هوازن أربعون رجلا، ويقتل من قريش عشرون رجلا فقط، لدليل على قلة القتلى في أيام العرب.
والجانب الضعيف هو جانب هوازن؛ حيث انتصر القرشيون في يوم الشرب أكبر أيامهم، وانتصرت هوازن في يوم الحريرة انتصارا جزئيا؛ لأن بني نصر من قريش ثبتوا فيها، ولم ينسحبوا، مع أن هذه الأيام كانت تقع قرب ديار هوازن عند عكاظ، وقد دفعت قريش لهوازن دية عشرين قتيلا وهو العدد الزائد عن قتلاهم.
وأيام حرب فجار البراض هذه١ ستة، هي:
_________________
(١) ١ فجارات العرب أربعة: الفجار الأول: بين كنانة وهوازن، وكان الذي هاجه أن بدر بن معشر -أحد بني عقال بن مليك من كنانة- جعل له مجلسا بسوق عكاظ، وكان حدثا منيعا في نفسه، ثم كان أن افتخر في السوق وتصدى له الأحيمر بن مازن أحد بني دهمان، ثم تحاور الحيان عند ذلك حتى كاد أن تكون بينهما الدماء ثم تراجعوا ورأوا أن الخطب يسير. =
[ ٢٢٣ ]
١- يوم نخلة: وهو يوم مقتل عروة حيث هبت قريش لعروة فتبعتهم هوازن، وأدركتهم قبل دخولهم الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل، فلما دخلت قريش الحرم أمسكت هوازن، فكان كفافا، لا على هؤلاء، ولا على هؤلاء.
٢- يوم شمطة: وهي الوقعة الثانية للفجار، والمؤرخون يعدونها الأولى؛ لأن اليوم الأول تم بصورة تلقائية كرد فعل على قتل عروة، وأتصورهم يعدون الأيام التي يتم التواعد فيها، وكان النصر في يوم شمطة لقريش وكنانة أول الأمر ثم انقلب لهوازن آخره.
٣- يوم العبلاء: وهو جبل صغير قرب عكاظ، صخره أبيض، وقعت في الواقعة، وكان النصر لهوازن..
٤- يوم الشَّرِب: بفتح الشين مشددة وكسر الراء، وبها كانت وقعة الفجار العظمى التي يقع للقرب مثلها، وفي هذا اليوم قيد حرب بن أمية وسفيان وأبو سفيان أنفسهم كي لا يفروا؛ ولذا سموا بـ"العنابس" أي: الأسود لشجاعتهم، وكان النصر في هذا اليوم لقريش.
٥- يوم الحريرة: والحريرة تصغير حرة، وادٍ بين الأبواء ومكة قرب نخلة، وفيه انهزمت قريش ما عدا بني النصر، فقد ثبتت ولم تنهزم.
_________________
(١) = الفجار الثاني: وكان بين قريش وهوازن، وكان الذي هاجه فتية من قريش، تعرضوا لامرأة من بني عامر بن صعصعة، فهاجت الحرب، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة، تحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم. الفجار الثالث: كان بين كنانة وهوازن، وكان الذي هاجه أن رجلا من بني كنانة كان عليه دية لرجل من بني نصر، فأعدم الكناني، فغير النصراني ذلك قومه بسوق عكاظ، فقام إليه كناني فضربه، ثم تهايج الناس حتى كاد أن يكون بينهم قتال، ثم تراجعوا. الفجار الرابع: ويعرف بفجار البراض، وهي التي اشترك فيها رسول الله ﷺ قبل المبعث، وهي أخطرها؛ لأن الفجارات الأخرى لم يحدث فيها قتال، وإنما كانت تنتهي بالصلح والحوار، والبحث هنا يتناول هذا الفجار الرابع.
[ ٢٢٤ ]
٦- يوم عكاظ: وهو اليوم الذي تصالحوا فيه.
وقد استغرقت تلك الأيام خمس سنوات١.
قصة الصلح بعد هذه الفجار:
تواعدت هوازن وكنانة على التقابل في عكاظ، وحضروا في الموعد المحدد، وقبيل التراشق بالسهام، وجد الصفان بينهما عتبة بن ربيعة، وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة قد ضربه، ومنعه من الخروج شفقة عليه ليتمه وصغره؛ لأنه لم يكن قد أتم الثلاثين بعد، إلا أنه خرج سرا، ولم يشعر به أحد، وفوجئ به حرب على بعيره بين الصفين ينادي: يا معشر مضر، علامَ تفانون؟.. وإنما ناداهم باسم مضر لأنه الجد الجامع لقريش وهوازن وكنانة.
فقالت هوازن: ما تدعو إليه؟
قال عتبة: أدعوكم إلى الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم، وتعفوا عن دمائنا.
قالوا: وكيف ذاك؟
قال: ندفع لكم رهنا منا.
قالوا: ومَن لنا بهذا؟
قال: أنا.
قالوا: ومن أنت؟
قال: أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
فرضوا، ورضيت كنانة، ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلا، منهم حكيم بن حزام، بعد أن عدوا قتلاهم وقتلى قريش وكنانة، وجعلوا رجلا برجل، ثم أخذوا دية مَن زاد منهم، فأخذوا دية عشرين رجلا.
فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء، وانقضت حرب الفجار٢.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص٢١٢. ٢ الروض الأنف ج١ ص٢١١.
[ ٢٢٥ ]
اشتراك محمد ﷺ في حرب الفجار:
هاجت حرب الفجار وعمر محمد ﷺ خمسة عشر عاما، وانتهت وهو في العشرين من عمره.
والروايات عن اشتراك محمد ﷺ في هذه الحرب كثيرة، يذكر ابن هشام أن رسول الله ﷺ اشترك في هذه الحرب دفاعا عن أعمامه؛ حيث يقول ﷺ: "كنت أنبل على أعمامي" أي: أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها١.
ويقول ابن سعد: إن محمدا حضر الحرب مع أعمامه، ورمى بالسهام٢.
وأرى -والله أعلم- أن اشتراك النبي ﷺ في حرب الفجار كان لمساعدة أعمامه بإعداد النبال لهم والدفاع عنهم، من غير عدوان على أحد من خصوم قومه، أو محاولة النيل منهم على غرة، ومع ذلك كان ﷺ يقول: "ما أحب أني لم أكن فعلت" ٣.
إن الله الذي صرف محمدا ﷺ في شبابه عن كل ما كانت الجاهلية تفعله هو سبحانه الذي أبعده عن الفجور في هذه الأيام، وإنما كان اشتراكه -والله أعلم- لتحقيق بعض الفوائد، ومن أهمها:
١- مخالطة قبائل العرب بسائر أفرادها، الكبار والصغار، حين تجمعهم للحرب والقتال؛ لمعرفة أحوالهم وطبائعهم، وطرق تفكيرهم في هذه الظروف العصيبة.
٢- معركة كيفية نظم الحرب التي يباشرها العرب؛ حيث سيحتاج إلى هذه المعرفة فيما بعد.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٢١٠. ٢ الطبقات الكبرى ج١ ص١٢٨. ٣ الطبقات الكبرى ج١ ص١٢٨.
[ ٢٢٦ ]
٣- التدرب على أعمال الحرب الشاقة؛ حيث الحاجة إلى جهد كبير، في الليل والنهار، وتحت ظروف مناخية متقلبة، وفي ظروف قد ينعدم فيها الطعام ويندر الماء.
٤- المساهمة مع قومه في أعمالهم، وأداء حق القرابة لهم؛ لأنه قريبا سيطالبهم بحق القرابة له، والمحافظة على ما للقربى من مودة وتعاون ونصرة.
هذا بعض ما يمكن تصوره في مجال الفوائد التي اكتسبها النبي ﷺ باشتراكه في حرب الفجار.. مع ملاحظة أن الله ﷾ نجاه من العدوان والظلم فيها، وقصر نشاطه على خدمة أعمامه والنبل عنهم.
[ ٢٢٧ ]
رابعا: حلف الفضول
من أعظم ما فعل العرب قبل الإسلام حلف الفضول -بضم الفاء- وقد شاهده النبي ﷺ وعمره عشرون سنة؛ لأنه كان في ذي القعدة بعد انتهاء حرب الفجار في شوال، قبل المبعث بعشرين عاما، والحلف يعني: العهد والبيعة وأخذ الميثاق بين أفراد أو جماعات حول موضوع ما.
وأول مَن تكلم في هذا الحلف ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاصي بن وائل السهمي -وكان ذا قدر وشرف بمكة- فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار، ومخزوما، وجمحا، وسهما، فأبوا أن يعينوا الزبيدي على العاصي بن وائل وزبروه ونهروه، فلما رأى الزبيدي الشر، رقي على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فقال بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر
إن الحرام لمن تمت مكارمه ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؟
فاجتمعت بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسيد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما، فتحالفوا في ذي القعدة، في شهر حرام، قياما، فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يؤدي إليه حقه، ما بل بحر صوفه، وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التآسي في المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف "حلف الفضول"، ثم مشوا إلى
[ ٢٢٨ ]
العاصي بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي ودفعوها إليه١.
والسر في تسميته بالفضول أن العرب بعدما تحالف هؤلاء قالت: "لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر" ي: قاموا بعمل فاضل.
ويذكر ابن قتيبة سببا آخر للتسمية؛ وهو أن جرهم في الزمن الأول عقدوا حلفا بين ثلاثة رجال منها، هم: الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، وفضيل بن الحارث، فلما أشبه حلف قريش حلف هؤلاء سمي باسمهم، والفضول جمع فضل، والفضل اسم هؤلاء الثلاثة.
وقيل: سمي حلف الفضول؛ لأن الذين تحالفوا اتفقوا على إخراج فضول أموالهم للأضياف، وعلى التآسي في المعاش٢.
ويخطئ من يسمي هذا الحلف المطيبين٣؛ لأن حلف المطيبين كان في أبناء قصي يوم أن تنازع بنو عبد مناف وبنو عبد الدار حول الحجابة والسقاية واللواء والرفادة؛ حيث اجتمع بنو عبد مناف ومن تبعهم، وغمسوا أيديهم في حفنة مملوءة طيبا، ومسحوها في أستار الكعبة فسموا بالمطيبين، وقد انتهى النزاع بالصلح على أن تكون السقاية والرفادة لبني عبد مناف، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، فحلف المطيبين ليس هو حلف الفضول.
وقد شاهد النبي ﷺ حلف الفضول، وبيَّن بعد مبعثه ﷺ ما في هذا الحلف من عدل؛ حيث يقول ﷺ: "لقد شهدت مع عمومتي في دار عبد الله بن جدعان حلفا، يقال له: حلف الفضول، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعي به اليوم في الإسلام لأجبت" ٤.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٢٠٨. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٢١٠. ٣ يروي البيهقي أن النبي ﷺ قال: "ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين شهدته مع عمومتي"، وهذا خطأ واضح؛ لأن النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيبين، وإنما أراد حلف الفضول الذي شاهده مع أعمامه. "انظر: سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٢٠٩". ٤ السيرة النبوية ج١ ص١٣٤، إتحاف الورى بأخبار أم القرى ج١ ص١٢١.
[ ٢٢٩ ]
وعبد الله بن جدعان من بني تيم ابن عم عائشة ﵂، وكان في بدء أمره صعلوكا، ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا فاتكا، لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف ألا يؤويه أبدا لما أثقله من الغرم، وحمله من الديات، فخرج في شعاب مكة حائرا بائرا، يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن فيه حية، فتعرض للشق يرجو أن يكون فيها ما يقتله فيستريح، فلم يرَ شيئا، فدخل فيه وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت، واللؤلؤ، والذهب والفضة، والزبرجد، فأخذ منه ما أخذ ثم علم الشق بعلامة، وأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم، فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس، ويفعل المعروف١.
من آثار حلف الفضول:
وقد أفاد حلف الفضول كثيرا من المظلومين المعتدَى عليهم، فلقد أخذ الزبيدي سلعته من العاصي بن وائل كما رأينا.
ويقال: إن رجل من خثعم قدم مكة معتمرا، أو حاجا، ومعه بنت له يقال لها: القتول، من أوضأ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحاج، وغيبها عنه.
فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل.
فقال له: عليك بحلف الفضول.
فوقف عند الكعبة، ونادى: يا لحلف الفضول.
فإذا هم يأتون إليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث، فما لك؟
فقال: إن نبيها ظلمني في ابنتي، وانتزعها مني قسرا.
فساروا معه، حتى وقفوا على باب الدار، فخرج إليهم.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٢ ص٢١٧.
[ ٢٣٠ ]
فقالوا له: أخرج الجارية ويحك! فقد علمت من نحن، وما تعاقدنا عليه.
فقال: أفعل، ولكن متعوني بها الليلة.
فقالوا له: لا والله، ولا شخب لقحة، فأخرجها إليهم١.
ومن آثاره ما رواه ابن إسحاق من أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان -والوليد يومئذ أمير على المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان- منازعة في مال كان بينهما بذي المروة، فكان الوليد تحامل على الحسين في حقه؛ لسلطانه وجاهه.
فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي، أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ثم لأدعون بحلف الفضول.
فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد حين قال الحسين ﵃ ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه، حتى ينصف من حقه، أو نموت جميعا.
فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك.
وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك.
فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي٢.
وقد اهتم الفقهاء والعلماء بأمر هذا الحلف.. وأجابوا على من يسأل عن جواز المناداة بحلف الفضول، قائلا: يا لحلف الفضول!!
فقالوا: إن الإسلام قد رفع ما كان في الجاهلية من قولهم: يا لفلان عند التعصب والتحزب، وقد سمع رسول الله ﷺ يوم المريسيع رجلا يقول: يا للمهاجرين!.. وآخر يقول: يا للأنصار!..
فقال رسول الله ﷺ: "دعوها فإنها منتنة"..
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص١٥٧، ومعنى شخب لقحة: لا نتركك قدر شرب نقطة من لبن الناقة. ٢ سيرة النبي ج١ ص١٣٤، ١٣٥.
[ ٢٣١ ]
وقال ﷺ: "من ادعى بدعوى الجاهلية، فأعضوه بهن أباه ولا تكنوا" أي: سموه بها صراحة بلا كناية.
ونادى رجل بالبصرة: يا لعامر! فجاءه النابغة الجعدي بعصبة له، فضربه أبو موسى ﵁ خمسين جلدة.
وذلك أن الله ﷿ جعل المؤمنين إخوة، يوالي بعضهم بعضا، ولا يقال إلا كما قال عمر ﵁: يا لله ويا للمسلمين؛ لأنهم كلهم حزب واحد، وإخوة في الدين، إلا ما خص الشرع به أهل حلف الفضول.
والأصل في تخصيصه قوله ﷺ: "ولو دعيت به اليوم لأجبت" يريد: لو قال قائل من المظلومين: يا لحلف الفضول لأجبت، وذلك أن الإسلام إنما جاء لإقامة الحق ونصرة المظلومين، فلم يزدد به هذا الحلف إلا قوة.
وقوله ﷺ: "وما كان من حلف في الجاهلية، فلن يزيده الإسلام إلا شدة" ليس معناه: أن يقول الحليف: يا لفلان، لحلفائه، فيجيبوه، بل الشدة التي عنى رسول الله ﷺ إنما هي راجعة إلى معنى التواصل والتعاطف والتآلف.
وأما دعوى الجاهلية، فقد رفعها الإسلام إلا ما كان من حلف الفضول كما قدمنا، فحكمه باقٍ، والدعوة به جائزة، وقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى أن الحليف يعقل مع العاقلة إذا وجبت الدية لقوله ﷺ: "وما كان من حلف في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلى شدة" ١..
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص١٦٠، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ج٢ ص١٨٤.
[ ٢٣٢ ]
خامسا: الرحلة الثانية إلى الشام، التجارة لخديجة
بلغ محمد ﷺ خمسا وعشرين سنة، وكان يهتم بأحوال عمه أبي طالب، وبكثرة عياله، لما بلغ هذا السن وجد أن رعي الغنم لم يعد يناسبه، ودخله من الرعي قليل، لا يفي بحاجته وعمه، فأخذ يفكر في عمل آخر يحقق له ما يتمنى.
ولم يطل به البحث؛ إذ قال له عمه أبو طالب: يابن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وألحت علينا سنون منكرة، وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر أوان خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيرانها، فيتجرون لها في مالها، ويصيبون منافع، فلو جئتها، وعرضت نفسك عليها، لأسرعت إليك، وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك. فقال الرسول ﷺ لعمه: "فلعلها ترسل إليَّ في ذلك"١.
وخديجة ﵂ امرأة قرشية، كثيرة المال، عريقة الأصل، حسيبة، نسيبة، كانت تتجر بمالها، وترسل عيرانها مع القوافل برجال تستأجرهم، أو تضاربهم بجزء من الربح، وقد اشتهرت مكة بالتجارة حيث لا زرع فيها ولا صناعة، وكل ما فيها من بضاعة فهو مستورد من الشام، أو من اليمن، أو من غيرهما، وعادة التجار البحث عن الرجل الأمين، يتعاملون معه؛ صيانة للمال، ومحافظة عليه من الضياع.. وقد رغب أبو طالب من محمد ابن أخيه أن يذهب لخديجة يتاجر لها في مالها؛ لشدة ثقته في ابن أخيه، ولما اشتهر به في مكة بالأمانة والصدق، ولما عرف عن خديجة من حسن المعاملة، والمسارعة في إعطاء الحقوق،
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٢١٤.
[ ٢٣٣ ]
وكان يرى أن خديجة ستعطي محمدا من الأجر الكثير بعدما ترى منه الصدق والأمانة وحسن المعاملة.
لكن محمدا ﷺ أنفت نفسه أن يذهب لخديجة، باحثا عن عمل في أموالها؛ ولذلك قال لعمه: "لعلها ترسل إليَّ".
لم ينتظر أبو طالب أن ترسل خديجة لمحمد مخافة أن تولي رجلا آخر، أو تظنه لا يقبل العمل لديها، ولذلك ذهب بنفسه إلى خديجة وقال لها: يا خديجة، هل لك أن تستأجري محمدا؟
فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين، ولن نرضى لمحمد دون ذلك.
فقال خديجة: لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألت لقريب حبيب١!!
عاد أبو طالب لمحمد، وأخبره بما جرى مع خديجة، وقال له: هذا رزق ساقه الله إليك.
وقالت خديجة لميسرة لما تأهب ومحمد للسفر، قالت له: لا تنقض له أمرا، ولا تخالف له رأيا؛ لعلمها بحسن إدارته، وقوة شخصيته، وإتقان ما يقوم به من عمل.
وأخذ عمومته يوصون أهل العير بابن أخيهم، ولولا الحاجة ما أخرجوه٢..
لكن الله تعالى أخرجه من مكة تاجرا هذه المرة؛ ليجوب أرض الله مكتشفا، وليخرج من تجارته تلك بما يغنيه ويرضيه.
وكانت رحلة مباركة امتلأت بالعجائب التي قدرها الله لحبيبه ومصطفاه.. فقد توالت الإرهاصات، وكان ميسرة يرى رسول الله ﷺ إذا اشتدت الهاجرة، وقوي الحر، يظله ملكان وهو على بعيره، ولما دخل مكة في وقت الظهيرة ذهب إلى خديجة فرأت الملكين فوقه.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص١٣٠. ٢ المرجع السابق ج١ ص١٣٠.
[ ٢٣٤ ]
وتقابل النبي ﷺ في هذه الرحلة مع عدد من رهبان أهل الكتاب، وكلهم نظروا إليه، وعلموا خبره ومآله.
نزل في سوق بصرى في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له: "نسطورا"، فلما رآه الراهب قال لميسرة: يا ميسرة، مَن هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟
قال ميسرة: رجل من قريش.
فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، أفي عينه حمرة يا ميسرة؟
فقال ميسرة: نعم، لا تفارقه.
فقال الراهب: هو، هو١!!
اختلف مرة مع أحد التجار حول سلعة، فقال الرجل: احلف باللات والعزى..
فقال رسول الله ﷺ: "ما حلفت بهما قط".
فقال الرجل: القول قولك.. ثم نظر إلى ميسرة، وقال له: هذا نبي هذه الأمة.
وبالنسبة للتجارة فقد رَبِحَا رِبْحًا وفيرًا لم تره خديجة منذ أربعين سنة، فأحبه ميسرة وأطاعه، كأنه عبده، وقدرته وخديجة لمهارته وأمانته.
ولما كانا "محمد وميسرة" عائدين بمر الظهران، قال ميسرة للنبي ﷺ: هل لك أن تسبقني إلى خديجة، فتخبرها بالذي جرى لعلها تزيدك بكرة إلى بكراتك، فركب النبي ﷺ قعودا أحمر، فتقدم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في علية لها، معها نساء فيهن نفيسة بنت منية، فرأت رسول الله ﷺ حين دخل وهو راكب على بعيره، وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك!!
ودخل عليها رسول الله ﷺ وأخبرها بما ربحوا، فسرت بذلك.
وقالت: أين ميسرة؟
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٨٨.
[ ٢٣٥ ]
قال: خلفته في البادية.
فقالت: عجل إليه ليعجل بالإقبال، وإنما أرادت أن تعلم أهو الذي رأت أم غيره.
فركب رسول الله ﷺ وصعدت خديجة تنظر، فرأته على الحالة الأولى، فاستيقنت أنه هو، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، وأخبرها بقول الراهب نسطورا وبقول الآخر الذي خالفه في البيع.
يقول ابن إسحاق: فلما رأت خديجة أن تجارتها قد ربحت أضعفت له ما سمت من البكرات.
وأخبرت ابن عمها ورقة بن نوفل بما رأت، وبما سمعت، فقال لها ورقة: يا خديجة، إن محمدا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة أمر ينتظر١.
وهكذا مرت الرحلة ببركاتها مع محمد ﷺ، وعاد بالبكرات إلى عمه سعيدا راضيا، وقد أحبه ميسرة حبا جما..
لقد أدت هذه الرحلة عددا من النتائج الهامة التي أرادها الله تعالى لمحمد ﷺ.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ج١ ص١٨٩.
[ ٢٣٦ ]
المبحث السابع: زواج محمد ﷺ خديجة ﵂
سمعت خديجة ﵂ ما وقع لمحمد ﷺ في رحلة التجارة، وشاهدته بنفسها، فعادت بذاكرتها إلى ما قاله اليهودي لنساء مكة يوم أن اجتمعن به في المسجد الحرام، قال لهن: يا معشر نساء قريش، إنه يوشك فيكن نبي، فأيكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل، فحصبه النساء، وقبحنه، وأغلظن له، ما عدا خديجة، فإنها فكرت فيما سمعت، ووقر في نفسها صدقه، فلما تاجر محمد في مالها، ورأت منه الآيات والبركات تذكرت ما قاله اليهودي وقالت: ما ذلك إلا هذا١.
وخديجة امرآة قرشية، اشتهرت بين قومها بالمال والجمال والحسب والنسب ومكارم الأخلاق وهي من المكيات القليلات اللائي عملن بالتجارة، حتى صارت من أثرياء مكة الكبار، تزوجت قبل رسول الله ﷺ من رجلين مخزوميين هما:
الأول: هو عتيق بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وولدت له عبد مناف وهندا.
الثاني: هو أبو هالة، وهو زرارة بن النباش من بني عدي، وولدت له هالة وهندا والطاهر٢.
وبعد ترمل خديجة بوفاة زوجها الثاني، رفضت الزواج، فلها أولادها، وقد جاوزت الأربعين، وأنَّى لها برجل يكافئها عقلا وخُلُقا وأصالة!! وقد رغبها صناديد مكة فأبت.. لكنها بعدما رأت محمدا ﷺ، وتذكرت ما سمعته
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٢٢٢. ٢ الروض الأنف ج١ ص٢١٥، ٢١٦.
[ ٢٣٧ ]
عنه من اليهودي، ومن ابن عمها ورقة، تمنته زوجا، وسعت في ذلك بحكمة وهدوء، وعملت على اختبار التعامل معه، والتأكد من المزايا التي تصورتها فيه، وهيأ لها القدر ما أرادت حين أتاها أبو طالب يطلب منها أن يتاجر لها في مالها، وقد رحبت بهذا الطلب ترحيبا كبيرا، وقالت لعبد المطلب: لقد سألته لقريب حبيب.
وتاجر محمد ﷺ في مال خديجة وهو في قوة الشباب، ورشد الرجولة، إلا أنه لم يفكر في الزواج بعد بصورة مطلقة لما هو فيه من فقر وعيلة.. إنه يعمل ليسد رمقه، ويعين عمه، وما لمثله أن يفكر في الزواج.
وإذا فكر في الزواج كشأن الشباب، فلن يفكر في الزواج من خديجة؛ لما بينهما من فروق، ولأنها رفضت الزواج من كبار القوم وأغنيائهم..
إن فارق السن بينهما خمسة عشر عاما، فهي في الأربعين وهو في الخامسة والعشرين، ولها أولادها من زوجيها السابقين.
والفارق المالي كبير، فهي أغنى أغنياء مكة، ومحمد يعمل بالأجرة ليعيش.
وشخصيتها وتجارتها وحياتها العملية وسيرتها الشريفة جعلها في مصاف كبار مكة وعظمائها.
إن عديدا من عظماء مكة حاولوا الزواج منها فرفضتهم جميعا، وليس لمحمد ﷺ أن يفكر في زواجها، والكل يعلم موقفها من الزواج!!..
لهذا لم يفكر النبي ﷺ في الزواج منها.. وما درى أن القدر يخبئ له ما قدره الله تعالى.
وعزمت خديجة على أن تتزوج محمدا ﷺ مع صغره وفقره؛ لتنال معه الشرف العظيم، وتفضل به سائر الناس، فاحتالت لذلك بأكثر من طريق، وكان الذي سفر بينها وبين محمد ﷺ نفيسة بنت منية، وهي ابنة أمية بن عبيدة الحنظلي، كما سفر بينهما ميسرة، وأختها، ومولاة مولدة، وإحدي الكاهنات في قريش١.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع للمقريزي ج١ ص١٠.
[ ٢٣٨ ]
- فعن معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يذكر أن أبا مجلز حدث أن خديجة قالت لأختها: انطلقي إلى محمد فاذكريني له١، وأنهما تواطآ أن يتزوجها محمد ﷺ.
- وأرسلت مرة أخرى ابنة خالتها نفيسة بنت منية لتوجه محمدا نحو الزواج من خديجة، وتزيل من أمامه العقبات التي تمنعه من الزواج منها ومن غيرها..
تقول نفيسة: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة، جلدة، شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ من أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها، لو قدر على ذلك، قد طلبوها، وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسة إلى محمد، بعد أن رجع في عيرها من الشام.
فقلت: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟
فقال: "ما بيدي ما أتزوج به".
قلت له: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟
قال: "فمن هي؟ ".
قلت: خديجة.
قال: "وكيف لي بذلك؟ ".
قلت: عليَّ.
قال: "فأنا أفعل" ٢.
- يروي النبي موقفا له مع ميسرة، يقول ﷺ: "قلت لصاحبي:
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص١٣٢. ٢ الطبقات الكبرى ج١ ص١٣١.
[ ٢٣٩ ]
انطلق بنا نتحدث معا عند خديجة، فجئناها، فبينما نحن عندها إذ دخلت علينا كاهنة من مولدات قريش، فقالت: أمحمد هذا؟ والذي يحلف به إن جاء لخاطبا.
قلت: كلا.. حياء وخجلا!!
فلما خرجت أنا وصاحبي، قال لي: أمن خطبة خديجة تستحي؟ فوالله ما من قرشية إلا تراك لها كفؤا.
فرجعت أنا وصاحبي مرة أخرى، فدخلت علينا تلك الكاهنة، فقالت: أمحمد هذا؟ والذي يحلف به إن جاء لخاطبا.
فقلت علي حياء: أجل.. ولم تخالف خديجة ولا أختها"١.
إن المرء ليحار أمام هذا التوافق الذي وضع القدر خيوطه، حتى الْتَأَمَ وتَمَّ..
وهل كانت رحلة التجارة اختبارا من خديجة، أم إظهارا لمقام محمد؟
وهل رفض خديجة للزواج قبل ذلك جعلها تنتظر الشرف العظيم الذي ظهر لها في محمد ﷺ، فرغبت في الاقتران به؟
وما الذي جعل محمدا يرحب بالزواج من خديجة مع أنه كان لا يملك مطالب الزواج ونفقات الحياة؟!!
وما الذي جعل خديجة الرافضة للزواج أن تبحث عنه في شاب يصغر عنها بخمسة عشر عاما؟
إنها أسئلة تؤكد الحكمة الإلهية التي خبأها الله ﷾ لهذين الزوجين الكريمين..
إن القدر الذي دفع كلا من خديجة ومحمد ليسعى كل لصاحبه لتتكون بهما خير أسرة ظهرت في حياة المسلمين.
زوجة تشهد لزوجها بالعظمة وهي تقول: "ووالله لا يخزيك الله أبدا "٢.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ج١ ص٩٠. ٢ السيرة النبوية ج١ ص١٨٨.
[ ٢٤٠ ]
وزوج يشهد لزوجته بعد مماتها ويقول: "والله ما رزقني الله خيرا منها "، ويقول ﷺ: "لقد رزقت حبها" ١.
ويذهب محمد ﷺ إلى أعمامه يخبرهم بنبأ خطبة خديجة فيسرون جميعا، ويحضر محمد ﷺ مع عمه أبي طالب وعشرة رجال من قومه، ويخطبها عمه أبو طالب من عمها عمرو بن أسد، فيقول وهو يخطبها: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوبا، وحرما آمنا، وجعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة وقد بذل هلا الصداق حكمكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونشا. فقال عمرو بن أسد عمها: هو الفحل لا يقدع أنفه، وأنكحها منه٢.
وما روي من أن أباها هو الذي زوجها، وهو لا يدري لسكره، فمردود؛ لأن أباها خويلد هلك قبل حرب الفجار.
ويقال: إن الذي أنكحها هو ورقة بن نوفل، وقيل: هو أخوها عمرو بن خويلد والأظهر أنه عمها.
يمتن الله تعالى على محمد ﷺ بزواجه من خديجة؛ حيث يقول له سبحانه بعد المبعث: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ٣.
حيث كنت فقيرا فأغناك بمال خديجة الذي تنازلت عنه لك راضية سعيدة.. لتتفرغ للمهام الكبرى، وتعيش الأسرة معك راضية مطمئنة، ويرزقكم الله الأبناء عددا..
_________________
(١) ١ صحيح مسلم - مناقب خديجة ج١٥ ص٢٠١. ٢ الروض الأنف ج١ ص٢١٣. ٣ سورة الضحى آية ٨.
[ ٢٤١ ]
وأول مَن وُلد لرسول الله ﷺ القاسم، وبه كان يكنى ﷺ، ثم ولدت له ﷺ زينت، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، وكلهم ولدوا قبل الإسلام، أما عبد الله فقد وُلد في الإسلام، فسمي بالطاهر والطيب، وكل هؤلاء من خديجة.
وكانت خديجة تعق عن كل مولود لها، عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة واحدة..
وقد مات القاسم بعد ولادته بعامين..
ومات عبد الله قبل الهجرة..
أما رقية وأم كلثوم فخطبهما عتبة وعتيبة ابنا جدهما أبي لهب "شقيق عبد الله"، لكنهما تركاهما بعد بعثة محمد ﷺ كفرا برسالته، فتزوجهما عثمان بن عفان ﵁ الواحدة بعد الأخرى، حيث تزوج أم كلثوم بعد وفاة رقية، أما فاطمة فقد تزوجت علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وتزوج أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس ابن خالته زينبا بنت رسول الله ﷺ ﵃..
وأولاده ﷺ كلهم من خديجة ما عدا إبراهيم، فأمه مارية القبطية التي أهداها المقوقس للنبي ﷺ فأسلمت، وتزوجها ﷺ.. وولدت له في المدينة المنورة بعد الهجرة.
[ ٢٤٢ ]
المبحث الثامن: بناء الكعبة
الكعبة المشرفة هي البناء المربع المجوف المقام وسط المسجد الحرام، وهي تتوسط العالم كله.
وهي أول بناء وضع في الأرض، بنتها الملائكة بصورة بسيطة، وكثيرا ما كانت تتأثر بالنار فتحترق، وبالسيول فتتصدع، وبغير ذلك من عدوان الناس.
ولذلك تكرر بناؤها قبل الإسلام وبعده، فلقد بنتها الملائكة أولا، فعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم كان بينها؟ قال: "أربعون سنة" ١.
ثم توالى البناء فبلغ عددا ذكرها المؤرخون على اختلاف بينهم، إلا أنهم مجمعون على مرات ثلاث لثبوت أدلتها، وهي بناء إبراهيم ﵇، وبناء قريش، وبناء عبد الله بن الزبير ﵁.
وفي إطلاق عبارة البناء تجوز واضح، فإن بعضها كان جدارا واحدا كبناء الحجاج، وبعضها كان ترميما وإصلاحا وهكذا.
والبنايات التي ذكرها المؤرخون للكعبة كثيرة:
منها: بناء الملائكة ﵈.
ومنها: بناء آدم ﵇.
ومنها: بناء أولاد آدم ﵇.
ومنها: بناء العمالقة.
ومنها: بناء جرهم.
ومنها: بناء قصي بن كلاب.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق ج٤ ص١٧٧، ط. الشعب.
[ ٢٤٣ ]
ومنها: بناء الخليل إبراهيم ﵇.
ومنها: بناء قريش.
ومنها: بناء عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي ﵁.
ومنها: بناء الحجاج بن يوسف الثقفي.
فأما بناء الملائكة للكعبة: فذكروه الأزرقي في تاريخه، وذكر أن ذلك كان قبل خلق آدم ﵇، واستدل على ذلك بخبر رواه عن زين العابدين، وجزء خبر رواه من حديث ابن عباس ﵄، وكلاهما يدل على بناء الملائكة للكعبة.
وأما بناء آدم ﵇: فقد ذكره البيهقي قال: قال رسول الله ﷺ: "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا، فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر، وحواء تنقل التراب، حتى أجابه الماء فودي من تحته: حسبك يا آدم، فلما بنياه أوصى الله إليهما أن طوفا به" ١.
وأما بناء أولاد آدم للكعبة: فذكره الأزرقي، حيث روى بسنده إلى وهب بن منبه قال: رفعت الخيمة التي عرى الله -﷿- بها آدم ﵇ من حلية الجنة، حين وضعت له بمكة في موضع البيت، وبعدما مات آدم ﵇ بنى بنوه من بعده مكانها بيتا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم، حتى كان زمن نوح ﵇ فنسفه الغرق، وغير مكانه حتى بوئ لإبراهيم ﵇.
وأما بناء الخليل ﵇: فهو ثابت كما في القرآن العظيم والسنة الشريفة، وهو أول من بنى البيت بعد نوح ﵇، وحدد قواعده، ورفعه، ونظمه، عن ابن إسحاق: "أن الخليل ﵇ لما بنى البيت جعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعا، من الركن الأسود إلى الركن الشامي، الذي
_________________
(١) ١ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ج١ ص١٧٦.
[ ٢٤٤ ]
عنده الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعا، وجعل عرض سقفها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، وجعل بابها بالأرض، وحفر جبا في بطن البيت على يمين من دخله يكون خزانة للبيت، وكان إبراهيم ﵇ يبني وإسماعيل ينقل له الحجارة على رقبته، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١".
وأما بناء العمالقة وجرهم للكعبة: فذكره الأزرقي؛ لأنه روى بسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال في خبر بناء إبراهيم ﵇ للكعبة: ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته قبيلة من جرهم، ثم انهدم فبنته قريش.
وأما بناء قصي بن كلاب: فقد جزم به الماوردي في "الأحكام السلطانية"؛ لأنه قال: فكان أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم ﵇ قصي بن كلاب، وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل.
وأما بناء قريش الكعبة: فهو ثابت كما في السنة الشريفة الصحيحة عن النبي ﷺ، وحضره ﷺ وهو ابن خمس وثلاثين سنة، كما جزم به ابن إسحاق وغير واحد من العلماء.
وأما بناء ابن الزبير ﵁ للكعبة: فإنه ثابت مشهور، ويرجع سبب اهتمامه ببنائها إلى ما حدث فيها من تهدم لسببين:
السبب الأول: توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير ﵄ بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة؛ لمعاندته يزيد بن معاوية، ومبايعة أهل مكة والمدينة له خليفة للمسلمين.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٢٧.
[ ٢٤٥ ]
السبب الثاني: احتراق الكعبة؛ بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير ﵄ في خيمة له؛ حيث طارت الرياح بلهب تلك النار، فأحرقت كسوة الكعبة، كما أحرقت الساج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة، حتى إنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها من الوهن والضعف.
ولما زال الحصار عن ابن الزبير ﵄ لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية، رأى ابن الزبير ﵄ أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر منهم جابر بن عبد الله، وكره ذلك نفر، منهم ابن عباس ﵄.
وكان هدم ابن الزبير للكعبة في يوم السبت في النصف الأول من جمادى الآخرة سنة أربع وستين للهجرة.
وقد بناها ابن الزبير على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها ما أخرجه منها قريش في الحجر، وزاد في ارتفاعها على بناء قريش نظير ما زادته قريش على بناء الخليل ﵇ وذلك تسعة أذرع، فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا وهي سبعة وعشرون مدماكا، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود اليوم، والآخر المقابل له من الجهة الغربية المسدود الآن، واعتمد في ذلك على ما أخبرته به خالته عائشة ﵂.
وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد، وجعل لها درجا في ركنها الشامي يصعد منها إلى سطحها، وجعل فيها ميزابا يصب في الحجر، وجعل فيها روازن للضوء١.
والبناء المقصود من هذا المبحث، هو البناء الذي قامت به قريش، والذي
_________________
(١) ١ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ج١ ص١٨٦.
[ ٢٤٦ ]
اشترك فيه محمد ﷺ يوم أن كان عمره خمسا وثلاثين سنة.
والكعبة ليست هي المسجد الحرام، وليس هي الحرم؛ لأن المراد بالمسجد الاتساع المحيط بالكعبة، الذي يصلي فيه الناس، والحرم هو المكان الذي يشمل مكة وما حولها من جميع الجهات إلى الأماكن المعروفة المحددة، التي تفصل بين الحل والحرم، من كافة نواحي مكة، وهي المعروفة بالمواقيت المكانية، التي يحرم منها أهل مكة بالعمرة.
وبناية قريش للكعبة كان قبل الإسلام بخمس سنوات، وهي المرة التي اشترك فيها النبي ﷺ، وعمره خمس وثلاثون سنة١.
وسبب قيام قريش ببنائها ما أصابها من حريق نال منها بسبب شرارة صدرت من امرأة عربية، وهي تقوم بتجمير الكعبة، ولدخول السيل فيها، وتصدع جدرانها، ولأنهم لاحظوا أن نفرا تمكنوا من الدخول فيها، وسرقوا حليا وذهبا منها.
أرادت قريش أن تتغلب على هذه المثالب فاتفقوا على بناء الكعبة سويا، وقاموا بتقسيم جدر الكعبة أجزاء، ووزعوها على سائر القبائل؛ لتنال كل قبيلة شرف المساهمة في بناء الكعبة.
فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وهو الجدار الشرقي.
وكان من بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وهو الجدار الجنوبي.
وكان ظهر الكعبة لبني جمع وبني سهم، وهو الجدار الغربي.
وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزي بن قصي ولبني عدي بن كعب، وهو الحطيم٢ الواقع في الجهة الشمالية.
وقد اشترك النبي ﷺ مع قومه في بناء الكعبة، فكان ينقل معهم الحجارة، وهم يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل محمد مثلهم، فبانت عورته،
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص٢٢١، وهذا أصح الأقوال. ٢ السيرة النبوية ج١ ص٢٢٦، هامش الروض الأنف.
[ ٢٤٧ ]
فنودي: عورتك، عورتك، فما رؤي لرسول الله عورة بعد ذلك١.
وجاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعمه العباس ينقلان الججارة، فقال العباس للنبي ﷺ: اجعل إزارك على رقبتك، فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، فقال: "أرني إزاري"، فشده عليه٢.
وتجمع قبائل مكة في بناء الكعبة، واشتراك الكبار والصغار دليل على منزلة الكعبة في قلوب وعقول سائر القبائل؛ لأنهم كانوا يرون أنها بيت الله تعالى، والذي بناها هو إبراهيم ﵇ وإسماعيل ﵇، وأنها وديعة الله في أرضه للناس، وهم مسئولون عنها.
وأن المرء ليحار وهو يرى هذا الاهتمام بالكعبة، ويرى في نفس الوقت الأصنام وقد وضعوها حولها..
فهل هذا اهتمام بالأصنام حيث وضعوها في هذا المكان المقدس، أم هو اهتمام بالكعبة آملين أن تفيض على أصنامهم ببعض ما فيها من خير وبركة؟!
لقد أدت روح العصبية في القبائل إلى أن تبحث كل منها عن تميز لها تعلو به على غيرها من القبائل.. فلعب الشيطان بهم، ووجههم إلى تعدد الآلهة، وأعمى عقولهم عن الحق والصواب.
لقد كادت هذه العصبية أن توقع الحرب بين القبائل يوم بناء الكعبة..
فبرغم أنهم جزءوا جدران الكعبة، وجعلوا لكل قبيلة جزءا تقوم ببنائه، إلا أنهم لما ارتفعوا بالبناء إلى مستوى الحجر الأسود، ويسمونه بالركن، من باب تسمية الشيء باسم محله؛ لأنهم يضعون الحجر في ركن الكعبة، لما بلغوا هذا المستوى اختلفوا فيمن يرفعه بيده، ويضعه في مكانه..
يقول ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش
_________________
(١) ١ البخاري - كتاب الحج - باب فضل بناء الكعبة ج٣ ص٤٣٩. ٢ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب الحج - باب فضل مكة وبنائها ج٣ ص٤٤٢.
[ ٢٤٨ ]
جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تجاوزوا، وتحالفوا، وأعدوا للقتال.
ووصل الأمر بهم إلى أن بني عبد الدار أعدت جفنة وملئوها دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم في جفنة الدم؛ إيذانا باستعدادهم للقتال حتى الموت؛ ولذلك سموا "لعقة الدم"، وكل ذلك من حمية العصبية١.
ثم إن أهل مكة فكروا في مصير مكة إذا وقعت الحرب، واشتركت فيها القبائل جميعا، وأخذوا في تدبر الأمر، والبحث عن حل مقبول.
وتوقف العمل خمس ليال بسبب هذا التنافس، إلا أنهم في النهاية اجتمعوا في المسجد الحرام، ورأوا تحكيم أسنهم، وهو أبو حذيفة بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، فتدبر في الأمر، ثم قال لهم: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول من يدخل من باب هذا المسجد، ويقضي بينكم فيه، يريد به باب "بني شيبة"، وكان يسمى في الجاهلية "باب عبد شمس"، وهو في الإسلام "باب السلام"، فوافقوه على رأيه وانتظروا، فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر قال ﷺ: "هلموا إليَّ ثوبا"، فأتي به، فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده، ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، وليمثلها شيخها"، ولما فعلوا كان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني أبو زمعة بن الأسود بن المطلب، وفي الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، وفي الرابع أبو قيس بن عدي٢.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج١ ص٣٠٣، ط. دار الفكر العربي. ٢ المرجع السابق ج١ ص١٩٦، ويرى معاوية أنه العاصي بن وائل.
[ ٢٤٩ ]
فجاء الأربعة، وحملوا الثوب، ورفعوه حتى إذا بلغ الحجر الأسود موضعه حمله ﷺ بيده، ووضعه حيث هو الآن، وبنى عليه، واستمروا في البناء، كل في جهته حتى ارتفع البناء ثماني أذرع، ثم كسوها بالقباطي والبرود١.
يصور الأزرقي ما حدث يوم بناء الكعبة في حوار واضح تذكر فيه بعض الصحابة ما كان يوم بناء الكعبة، يقول الأزرقي: "اجتمع عند معاوية بن أبي سفيان -وهو خليفة- نفر من قريش، منهم: جعدة بن هبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن زمعة بن الأسود، فتذاكروا أحاديث العرب.
فقال معاوية: مَن قال حين اختلفت قريش في بنيان مقدم البيت: يا معشر قريش، لا تنافسوا، ولا تباغضوا، فيطمع فيكم غيركم، ولكن جزئوا البيت أربعة أجزاء، ثم ربعوا القبائل فلتكن أرباعا؟
قالوا: إنه أبو أمية بن المغيرة.
قال: هكذا كنت أسمع أبي يقول.
قال: فمن القائل حين اختلفت قريش في وضع الركن: حكموا بينكم أول من يطلع من هذا الباب؟
قال: أبو حذيفة بن المغيرة.
قال: نعم.
قال: فمن النفر الذين رفعوا الثوب حين وضعه رسول الله ﷺ؟
قال: جدك عتبة بن ربيعة أحدهم، في الربع الأول.
قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول.
قال: فمن كان من الربع الثاني؟
قالوا: أبو زمعة بن الأسود بن المطلب.
_________________
(١) ١ القباطي: ثياب مصنوعة من القطن، والبرود: الثياب المصنوعة من الصوف.
[ ٢٥٠ ]
قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول.
قال: فمن كان في الربع الثالث؟
قالوا: أبو حذيفة بن المغيرة.
قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول.
قال: فمن كان في الربع الرابع؟
قالوا: أبو قيس بن عدي السهمي.
قال: هذه واحدة قد أخذتها عليكم، وإنما هو العاصي بن وائل.
قال: فمن قال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا طيبا من كسبكم؟
قالوا: أبو حذيفة بن المغيرة.
قال: هذه أخرى قد أخذتها عليكم، إنما القائل هذا، والمتكلم به أبو أحيحة سعيد بن العاصي.
قال: فأسكت القوم"١.
وهذه الحادثة تدل على ما تميز به محمد بالصدق والأمانة في قومه، وقد سمي فيهم بالصادق الأمين، حتى أن هذه الأسماء إذا أطلقت بينهم تنصرف في أذهانهم تلقائيا إلى محمد ﷺ، وتدل كذلك على ما قدره الله لمحمد ﷺ، فلقد نال الشرف الذي بحث عنه الجميع، فهو الذي وضع الحجر الأسود على الثوب، وهو الذي رفعه من فوق الثوب، ووضعه في موضعه، وهو الذي بنى فوقه.. وقد رضي الجميع، واطمأنوا إلى تصرف محمد ﷺ فيهم..
ولم يغب إبليس عن هذا الحدث، فلقد حاول إفساد خطة الصلح، فجاء في صورة رجل نجدي، وحاول مناولة النبي ﷺ حجرا يشد به الركن.
فقال العباس بن عبد المطلب: لا، ونحاه، وناول العباس رسول الله ﷺ حجرا فشد
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ج١ ص١٧٢، ١٧٣.
[ ٢٥١ ]
به الركن.
فغضب النجدي حيث نُحي.
فقال النبي ﷺ: "إنه ليس يبني معنا في البيت إلا واحد منا".
فقال النجدي: يا عجبا لقوم أهل شرف، وعقول، وسن، وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنا، وأقلهم مالا، فرأسوه عليهم في مكرمتهم، وحرزهم، كأنهم خدم له، أما والله ليفوتنهم سبقا، وليقسمن بينهم حظوظا وجدودا! ١..
ولما بنى القرشيون الكعبة قصرت بهم النفقة، ولم يتمكنوا من بنائها على قواعد إبراهيم، وأهم التغييرات في بناء قريش للكعبة ما يلي:
١- كان باب الكعبة على الأرض، فلما هدمتها قريش وأعادوا بناءها، ردموا وسط الكعبة بمخلفات الهدم، فارتفعت أرض الكعبة، وبالتالي ارتفع بابها، وقد استحسنوا ذلك حتى لا يدخلها إلا من أرادوا له الدخول، وبخاصة أن بعض اللصوص كانوا يدخلون الكعبة لسرقة بعض المجوهرات التي أهديت إليها، يروي الأزرقي بسنده عن أبي جعفر أنه قال: كان باب الكعبة على عهد إبراهيم وجرهم بالأرض حين بنتها الملائكة، كما يروي أن أبا حذيفة بن المغيرة قال: يا معشر قريش، ارفعوا باب الكعبة حتى لا يدخل عليكم أحد إلا بسلم، فإنه لا يدخل عليكم إلا من أردتم، ففعلت قريش ذلك، وردموا الردم الأعلى، وصرفوا السيل عن الكعبة وكسوها٢.
٢- جعلوا للكعبة بابا واحدا، هو الباب الشرقي، وهو الموجود الآن، وسدوا الباب الغربي.
٣- تركوا بناء الحجر بطول ستة أذرع ونصف، مع أنه جزء من الكعبة؛ لأن النفقة الطيبة قصرت بهم، فأبوا أن يدخلوا في بنائها مالا خبيثا، وأطاعوا
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص١٤٦. ٢ أخبار مكة للأزرقي ج١ ص١٧٣.
[ ٢٥٢ ]
نصيحة أبي أحيحة سعيد بن العاص حين قال لهم: لا تُدخلوا في بيت ربكم إلا طيبا من كسبكم١.
٤- ارتفعوا بالبناء تسعة أذرع، فصار ارتفاع الكعبة ثمانية عشر ذراعا، حيث رغبوا في إطالتها؛ رمزا لرفعتها.
٥- قاموا بتسقيفها؛ حيث كرهوا أن تكون بغير سقف، ولعلهم لاحظوا أهمية السقف في حمايتها من الأتربة والفضلات التي تحملها الرياح إلى جوف الكعبة.
٦- أقاموا داخل الكعبة ست دعائم في صفين يجاوران الجانب الشرقي والجانب الغربي؛ لتكون أساسا يقوم عليه السقف، وقد بنيت هذه الدعائم من الحجر والخشب.
٧- أقاموا داخل الكعبة من ناحية شرق الحجر سلما حلزونيا يمكن بواسطته الصعود إلى سطح الكعبة.
٨- جعلوا سطح الكعبة مستويا يميل نحو الحجر، وأحاطوا السطح بسور يبلغ ارتفاعه ذراعا، وجعلوا فيه ميزابا يصب ماء المطر في الحجر.
٩- أدخلوا جميع جدران الكعبة بعيدا عن قواعد إبراهيم ﵇ بمقدار نصف ذراع؛ حيث أقيم عليه "الشاذوران" فيما بعد، وهو البناء البارز الموجود أسفل الجدر حاليا، ويشبه الوزرة، وهو حجارة مائلة ملتصقة بجدر الكعبة من خارجها، والشاذوران من بناء السلطان مراد العثماني عام ١٠٤٠هـ، وقد جعل ارتفاعه أحد عشر سنتيمترا من الأرض، وعرضه أربعين سنتيمترا، وهو بناء مائل على هيئة مثلث قائم الزاوية ارتفاعه ملاصق للكعبة من جهاتها الثلاث، أما جهة الحجر فهو على هيئة درجة واحدة مسطحة.
وجمهور الفقهاء أجمعوا على أن الشاذوران من البيت خلافا لأبي حنيفة٢.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ج١ ص١٧٣. ٢ في رحاب البيت الحرام ص١٢٦، ١٢٧.
[ ٢٥٣ ]
وقد أخبر النبي ﷺ عائشة ﵂ بأن قومها لم يقيموا الكعبة على قواعد إبراهيم ﵇.
- عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ﵇"، قلت: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟
قال عبد الله بن عمر: فوالله لئن كانت عائشة سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يقم على قواعد إبراهيم ﵇ إرادة أن يستوعب الناس الطواف بالبيت كله من وراء قواعد إبراهيم عليه السلام١.
- عن عائشة ﵁ قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ يدي فأدخلني في الحجر فقال لي: "صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت؛ فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت" ٢.
- عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال لها: "لولا أن قومك حديث عهد بشرك أو بجاهلية لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين، بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها من الحجر ستة أذرع، فإن قريشا اقتصر بها حين بنت الكعبة" ٣.
عبد الله بن الزبير وبناء الكعبة:
قام عبد الله بن الزبير حين ولي أمر مكة والمدينة، معارضا ليزيد بن معاوية
_________________
(١) ١ الفتح الرباني ج١٢ ص٤٩. ٢ الفتح الرباني ج١٢ ص٥٠. ٣ الفتح الرباني ج١٢ ص٥١.
[ ٢٥٤ ]
ببناء الكعبة، وسبب بنائه لها يرجع لأمرين:
الأول: توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير ﵄ بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة؛ لمعاندته يزيد بن معاوية.
الثاني: ما أصابها مع ذلك من الحريق؛ بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير ﵄ في خيمة له، فطارت الرياح بلهب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة، والساج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة، حتى إنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها١.
ولما زال الحصار عن ابن الزبير ﵄ لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية، رأى ابن الزبير ﵄ أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر قليل، وكره ذلك نفر كثير، منهم ابن عباس ﵃.
فلما رأى ابن الزبير هذا الخلاف بين الصحابة قفال لهم: لو أن بيت أحدكم احترق لا يرضى له إلا بأكمل صلاح، ولا يكمل صلاح الكعبة إلا بهدمها وإقامتها على قواعد إبراهيم ﵇ كما بينها النبي ﷺ لعائشة وسمعها ابن الزبير منها ﵂، فهدمها اجتهادا منه بناء على أحاديث رسول الله ﷺ؛ لأن النفقه موجودة وقد بعد الناس عن الجاهلية، وما أرى رسول الله ﷺ قواعد البيت لعائشة إلا لحكمة فهم ابن الزبير منها جواز بناء البيت على قواعد إبراهيم ﵇، وقد وافقه بعض الصحابة في هذا الاجتهاد.
وكان هدم ابن الزبير ﵁ لها يوم السبت في النصف الأول من جمادى
_________________
(١) ١ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ج١ ص١٨٥.
[ ٢٥٥ ]
الآخرة سنة أربع وستين، وبعد هدمها تماما بناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها ما أخرجه منها قريش في الحجر، وزاد في ارتفاعها على بناء قريش نظير ما زادته قريش في ارتفاعها على بناء الخليل ﵇ وذلك تسعة أذرع، فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا، وهي سبعة وعشرون مدماكا، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود اليوم، والآخر المقابل له المسدود حاليا، واعتمد في ذلك وفي إدخاله في الكعبة ما أخرجته قريش منها في الحجر على ما أخبرته به خالته عائشة ﵂.
وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد، وجعل لها درجا في ركنها الشامي يصعد منها إلى سطحها، وجعل فيها ميزابا يصب في الحجر، وجعل فيها روازن للضوء١.
فلما قتل ابن الزبير، وكانت ولاية عبد الملك بن مروان أمر بإعادة البيت إلى ما كان عليه في بناء قريش؛ ظنا أن ابن الزبير أخطأ في اجتهاده، أو شك في الأحاديث التي اعتمد عليها ابن الزبير؛ ولذلك قام الحجاج بأمر من الخليفة عبد الملك بإخراج الحجر من الكعبة، وإلغاء الباب الغربي، وأبقى على ما عدا ذلك من بناء ابن الزبير، ولما أتم الحجاج ما أمر به عبد الملك وفد على بعد الملك الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب -يعني ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها في أمر الكعبة.
فقال الحارث: أنا سمعته من عائشة.
قال عبد الملك: سمعتها تقول ماذا؟
قال الحارث: سمعتها تقول: وذكر الأحاديث.
قال عبد الملك بن مروان: أنت سمعتها تقول هذا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج١ ص١٨٦.
[ ٢٥٦ ]
سمعت هذا منها، قال: فجعل ينكت منكسا بقضيب في يده ساعة طويلة، ثم قال: وددت والله أني تركت ابن الزبير وما تحمل من ذلك١.
وقد أراد أبو جعفر المنصور أن يعيد بناءها على بناء ابن الزبير فأبَى عليه الإمام مالك وقال له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، يغيره من يريد تغييره، فتذهب هيبته من القلوب، فانصرف المنصور عما أراد٢.
الكعبة والمسجد الحرام:
جاء ذكر المسجد الحرام خمسة عشر مرة في القرآن الكريم، وهي:
١- ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٣.
٢- ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٤.
٣- ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٥.
٤- ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٦.
٥- ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٧.
٦- ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْه﴾ ٨.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ج١ ص٢١١. ٢ الروض الأنف ج١ ص٢٢٢. ٣ سورة البقرة آية ١٤٤. ٤ سورة البقرة آية ١٤٩. ٥ سورة البقرة آية ١٥٠. ٦ سورة البقرة آية ١٩١. ٧ سورة البقرة آية ١٩٦. ٨ سورة البقرة آية ٢١٧.
[ ٢٥٧ ]
٧- ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ١.
٨- ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٢.
٩- ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٣.
١٠- ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٤.
١١- ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٥.
١٢- ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٦.
١٣- ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ ٧.
١٤- ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٨.
١٥- ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٩.
وحين ننظر في هذه الآيات نرى أن المراد ببعضها الكعبة خاصة، وهي قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ويراد ببعضها الآخر مكة، وهي قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٢. ٢ سورة الأنفال آية ٣٤. ٣ سورة التوبة آية ٧. ٤ سورة التوبة آية ١٩. ٥ سورة التوبة آية ٢٨. ٦ سورة الإسراء آية ١. ٧ سورة الحج آية ٢٥. ٨ سورة الفتح آية ٢٥. ٩ سورة الفتح آية ٢٧.
[ ٢٥٨ ]
الْأَقْصَى﴾ حيث روي أن النبي ﷺ أُسري به من بيت أم هانئ، ويراد بها في موضع آخر الحرم كله، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ .
فالمسجد الحرام غير الكعبة المشرفة؛ ولذلك يقول القائل: خرجت من المسجد الحرام، واعتكفت به، وهكذا
ولذلك كان الحديث عن بناء الكعبة خاصا بها، أما المسجد فلم يقع له بناء وظل عبارة عن فسحة واسعة محيطة بالكعبة، وكان حول الكعبة خلاء كبير؛ لأن القبائل كانوا يسكنون في شعاب مكة الموجودة بين الجبل، حيث عرف كل شعب بمن كان يسكنه، واستمر الأمر على ذلك حتى استولى قصي على مكة، وأمر قومه أن يبنوا لأنفسهم حول الكعبة، وقال لهم: إن سكنتم حول الكعبة هابكم الناس، وخافوا من قتالكم، والهجوم عليكم، وبدأ هو أولا بالبناء فاتبعوه.
وكانت أبواب البيوت مفتوحة تجاه الكعبة، ومحيطة بها، ولم يتركوا للطائفين إلا مساحة ضيقة بمقدار مطافهم، حتى عد مكان الطواف مدخل البيوت.
وتقديرا للكعبة جعلوا بين كل دارين طريقا إليها، واشترطوا ألا يعلو بناء ما عن الكعبة حتى تُرى من جميع نواحيها.
واستمر حال المسجد على ذلك في زمن رسول الله ﷺ، وزمن أبي بكر ﵁، فلما ولي الخلافة عمر بن الخطاب ﵁ رأى أن الناس قد ضيقوا على المسجد، وألصقوا دورهم به، مع أنه صار مقصدا للناس، يشد المسلمون إليه الرحال من كل مكان..
لما رأى ذلك عمر ﵁ قال لأهل مكة: إن الكعبة بيت الله، ولا بد للبيت من فناء، وإنكم دخلتم عليها، ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدور من أهلها،
[ ٢٥٩ ]
وهدمها، وبنى سورا للمسجد وفتح في السور أبوابا في أماكن الطرق التي كانت بين الدور، وسمى كل باب باسم الطريق المقابل له، وبهذا تعددت الأبواب في السور.
ولما ولي عثمان ﵁ اشترى دورا أخرى، وأغلى في ثمنها، وزاد في سعة المسجد١، وزاد في عدد الأبواب.
فلما كانت خلافة ابن الزبير ﵁ عمر المسجد الحرام بعد أن انتهى من عمارة الكعبة المعظمة وزاد فيه زيادة كبيرة من الجهة الشرقية والجنوبية والشمالية، واشترى دورا كثيرة وسقف المسجد أيضا٢.
وتوالت الزيادة في المسجد الحرام، وأشهرها الزيادة العثمانية؛ حيث تركوا مكانا خاليا للطواف، وأحاطوه ببناء دائري، مقام على أعمدة رخامية، ومسقف بقباب في جميع نواحيه.
وكان آخرها في العصر الحديث؛ حيث الزيادة السعودية في عهد الملك سعود بن عبد العزيز وفي عهد أخيه الملك فهد بن عبد العزيز، جزاهم الله خير الجزاء.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص٢٢٤. ٢ في رحاب البيت الحرام ص١٩٩.
[ ٢٦٠ ]
المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية
أولا: كثرة المبشرات
المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية
بعدما تزوج محمد ﷺ من خديجة ﵂ لم يعد محتاجا لمال يسعى لتحصيله، أو ينشغل في العمل من أجل كسبه، فلقد أغناه الله بمال خديجة ﵂، وأغناه كذلك برضى النفس، وهدوء البال، وأغناه بالميل نحو التأمل والتفكير، أكثر من ميله للكسب المادي، وبذل الجهد والعمل.
ولذلك نراه ﷺ يبدأ حياة التأمل، ويتفرغ للتحنث بعيدا عن صخب الحياة، وضجيج العمل، وفي فترة ما قبل البعثة عاش محمد ﷺوعاش العالم كله- مقدمات البعثة، المتمثلة في النقاط التالية:
أولا: كثرة المبشرات
تمتلئ كتب السيرة والتاريخ بالمبشرات الكونية والإنسانية، التي أشارت إلى قرب ظهور نبي في بلاد العرب، يُبعث للعالم كله؛ لنشر العدل، وتحقيق الأمن والسلام، وقد أتت أغلب هذه المبشرات من أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وكهان العرب.
وسوف أورد هنا شيئا منها؛ لثبوتها بتصديق القرآن الكريم لها، ولأن ثبوت صدقها إثبات للإرهاصات العديدة التي صاحبت مولد محمد ﷺ ونشأته وحياته كلها.
إن مبشرات أهل الكتاب من اليهود والنصارى هي مبشرات صحيحة لشهادة القرآن الكريم؛ حيث بيَّن الله تعالى بصورة قاطعة معرفة الأحبار والرهبان برسالة محمد ﷺ، وتحديد مواصفاته، ومكان ظهوره، وطبيعة رسالته العالمية.
[ ٢٦١ ]
يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، ودلالة الآية صريحة في أن أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، يعرفون محمدا ورسالته معرفة تفصيلية، ومع ذلك فقد جحد فريق منهم نبوة محمد ﷺ، وكتم ما يعرفه، وأنكر ما هو صحيح لديه.
جاء في تفسير الطبري أن أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل
، فأخبر الله نبيه محمدا ﷺ وأمته بكتمانهم ذلك عن علم ومعرفة، وليس لهم ذلك٢.
وإنما شبه معرفتهم له ﷺ بمعرفتهم بأبنائهم، ولم يشبهه بمعرفتهم بأنفسهم؛ لأن الوالد يعرف ابنه في كل وقت وفي كل حال، وقد يغفل عن نفسه أحيانا، وأيضا فإن المعرفة الكاملة للنفس أمر مستحيل بينما المعرفة للولد تكون أكمل. قيل لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا كما تعرف ابنك؟ قال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه، بنعته، فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه٣!!
ويقول الله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ٤، فهو ﷺ موجود في التوراة والإنجيل بوصفه ورسالته.
يروي البخاري بسنده أن عطاء بن يسار لقي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وقال له: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٤٦. ٢ تفسير الطبري ج٣ ص١٤٦، ط. دار المعارف. ٣ تفسير القرطبي ج٢ ص١٦٣، ط. دار الكتب. ٤ سورة الأعراف آية ١٥٧.
[ ٢٦٢ ]
فقال عطاء: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا، ومبشرا، ونذير، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا١.
ويقول سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢، والآية تبين أن عيسى ﵇ بشر أتباعه -وعلى رأسهم الحواريون- برسالة محمد ﷺ، وحدد لهم اسمه ووصفه.
ويقول ﷾: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣، والآية صريحة في أن الله تعالى بيَّن لأهل الكتاب رسالة محمد ووضحه لهم بالتمثيل والتشبيه الذي يقرب المعنى، ويسهل المفاهيم الصعبة، فمثل محمد وأصحابه في التوراة أنهم متعاونون، يجب بعضهم بعضا، ويواجهون الكفار بقوة وشدة، وأنهم عابدون لله، راكعون، ساجدون، في وجوههم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب كراهية السخب في السوق ج٤ ص٤٦. ٢ سورة الصف آية ٦. ٣ سورة الفتح آية ٢٩.
[ ٢٦٣ ]
علامات السجود، وهم يدعون ربهم، ويطلبون منه الخير، والفضل دائما.. ومثلهم في الإنجيل كزرع يانع، بلغ غاية النمو والثمر، بمنظر بهيج، وفائدة واضحة، ينفع نفسه وغيره.
وضَرْب المثال بعد التصريح لزيادة التعريف والتوضيح؛ ولذلك كان عتاب الله لأهل الكتاب لكفرهم بمحمد ﷺ وإنكارهم آيات الله التي جاءت معه ﷺ، ولا عذر لهم في ذلك..
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ١؟!!..
ويقول سبحانه ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢؟!!..
وقد جاءت الآيتان بصيغة الاستفهام الإنكاري لإظهار خطأ أهل الكتاب فيما هم فيه من الكفر والعناد، بعدما رأوا الآيات الدالة على صدق محمد ﷺ وصدق دعوته، وقد رأوها بأعينهم، وتيقنوها بأفئدتهم.
لقد كان اليهود في المدينة المنورة يخوفون الأوس والخزرج قبل الهجرة بقرب ظهور نبي يتبعونه، ويتقوون به، حتى يتمكنوا من قتل العرب قتل عاد وإرم، الأمر الذي دفع أهل المدينة إلى الإسراع في الدخول في الإسلام، واتباع محمد ﷺ حتى لا يسبقهم اليهود إلى الإيمان به.
يروي ابن إسحاق أن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أنهم قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، ما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية ٧٠. ٢ سورة آل عمران آية ٧١.
[ ٢٦٤ ]
وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١..
وخلاصة المبحث هو تأكيد صدق أخبار اليهود ورهبان النصارى في البشارات العديدة التي تحدثوا عنها، وأكدوا ضرورة وقوعها في شخص رسول الله ﷺ، مع أنهم لم يؤمنوا بدعوة محمد
ﷺ حين جاءتهم؛ حقدا وحسدا..
- يقول سفيان بن حرب: إن أمية بن أبي الصلت ذهب إلى عالم من علماء النصارى، انتهى إليه علم الكتاب، وسأله عن النبي المنتظر.
فقال له: أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر.
فأجابه: هو رجل من العرب.
قال له: من أي العرب؟
فأجابه: من أهل بيت يحجه العرب من إخوانكم من قريش.
قال له: صفه لي.
فأجابه: رجل شاب حين دخل في الكهولة، بدء أمره يجتنب المظالم والمحارم، ويصل الرحم، ويأمر بصلتها، وهو محوج، كريم الطرفين، متوسط في العشيرة، أكثر جنده الملائكة٢.
- ويروي ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف قال: سافرت إلى اليمن
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٤٦. ٢ سبل الهدى ج٢ ص٢٥٦.
[ ٢٦٥ ]
قبل مبعث النبي ﷺ بسنة، فنزلت على عثكلان بن عواكن الحميري، وكان شيخا كبيرا، وكنت لا أزال إذا قدمت اليمن أنزل عليه، فيسألني عن مكة، وعن الكعبة وزمزم ويقول: هل ظهر فيكم رجل له ذكر؟ هل خالف أحد منكم عليكم في دينكم؟ فأقول: لا، حتى قدمت المرة التي بعث فيها رسول الله ﷺ فوافيته قد ضعف، وثقل سمعه، فنزلت عليه، فاجتمع عليه ولده، وولد ولده، فأخبروه بمكاني وأتوني له، وقد شدت عصابة على عينيه، وأسند فقعد، فقال لي: انتسب يا أخا قريش.
فقلت: أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عدي بن الحارث بن زهرة.
قال: حسبك يا أخا زهرة، ألا أبشرك ببشارة هي خير لك من التجارة؟
قلت: بلى.
قال: أنبئك بالمعجبة، وأبشرك بالمرعبة، إن الله تعالى بعث في الشهر الأول من قومك نبيا، ارتضاه صفيا، وأنزل عليه كتابا، وجعل له ثوابا، ينهى عن الأصنام، ويدعو إلى الإسلام، يأمر بالحق ويفعله، وينهى عن الباطل ويبطله.
فقلت له: ممن هو؟
قال: لا من الأزد ولا ثمالة، ولا من سرو ولا تبالة، هو من بني هاشم، وأنتم أخواله يا عبد الرحمن، أحسن الوقعة، وعجل الرجعة، ثم امض وآزره، وصدقه١.
- ويقول عروة بن مسعود الثقفي: بلغت نجران وكان أسقفها صديقا لي، فلما رآني، قال لي: يا أبا يعفور، هذا حين خروج نبي من أهل حرمكم، يهدي إلى الحق، وحق المسيح إنه لخير الأنبياء وآخرهم، فإن ظهر فكن أول مَن يؤمن به٢.
- ويُروى أن أبا ثور عمرو بن معدي كرب ﵁ قال: فزعنا إلى كاهن
_________________
(١) ١ سبل الهدى ج٢ ص٢٥٨. ٢ سبل الهدى ج٢ ص٢٥٩.
[ ٢٦٦ ]
لنا في أمر نزل بنا، فقال الكاهن: أقسم بالسماء ذات الأبراج، والأرض ذات الأدراج، والريح ذات العجاج، إن هذا لإمراج، ولقاح ذي نتاج.
قالوا: وما نتاجه؟
قال: ظهور نبي صادق، بكتاب ناطق، وحسام ذالق.
قالوا: أين يظهر؟ وإلامَ يدعو؟
قال: يظهر بصلاح، ويدعو إلى فلاح، وينهى عن الراح والسفاح، وعن كل أمر قباح.
قالوا: ممن هو؟
قال: من ولد الشيخ الأكرم، حافر زمزم، ومطعم الطير المحوم، والسباع الضرم.
قالوا: وما اسمه؟
قال: محمد، وعزه سرمد، وخصمه مكمد١.
- ويروي ابن هشام أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم وأفضت الرياسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي قبله، ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي ﷺ يمشي فعثر فقال ابنه: تعس الأبعد، يريد النبي ﷺ، فقال له أبوه: لا تفعل، فإنه نبي، واسمه في الوضائع -يعني الكتب- فلما مات لم يكن همه إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد ذكر النبي ﷺ فأسلم وحسن إسلامه٢.
وهكذا نرى كثرة المبشرات، وانتشارها في كل أرجاء الأرض، وكلها تشير إلى نبوة محمد ﷺ.
وكان الأمل أن يسارع أهل الكتاب إلى الإيمان والتصديق برسالة محمد ﷺ، فهم العارفون بها وبصدقها، وقد بشروا الناس بها، لكن الحقد أعمى قلوبهم، وصرفهم
_________________
(١) ١ سبل الهدى ج٢ ص٢٦٠، وصلاح اسم من أسماء مكة. ٢ سبل الهدى ج٢ ص٢٦٢.
[ ٢٦٧ ]
عن اتباع الحق، وكَبُرَ في نفوسهم أن يكونوا تابعين لغيرهم..
ومع أنهم لم يؤمنوا برسالة محمد ﷺ فقد أبقوا في أفهام الناس هذه المبشرات، وهيئوا العقول الصالحة للإيمان، مما جعل الكثير ينتظر هذا النبي المبعوث بدين الله تعالى.
وقد سبق ذكر ما قاله كاهن عمورية لسلمان الفارسي، وما قاله بحيرى لأبي طالب، وما قاله نسطورا لميسرة
١.
هذا بعض ما قاله الرهبان..
ومما قاله الأحبار ما رواه ابن سعد بسنده عن أبي بن كعب، قال: لما قدم تبع المدينة، ونزل بقناة، بعث إلى أحبار اليهود وقال لهم: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية، ويرجع الأمر إلى دين العرب، فقال له سامول اليهودي وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده مكة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته٢.
- وعن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: كان الزبير بن باطا -وكان أعلم اليهود- يقول: إني وجدت سفرا كان أبي يختمه عليَّ، فيه ذكر أحمد نبي يخرج بأرض القرظ صفته كذا وكذا٣.
- وعن ابن عباس ﵁ قال: كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخبير يجدون صفة النبي ﷺ عندهم قبيل أن يُبعث، ويعلمون أن دار هجرته بالمدينة، فلما ولد رسول الله ﷺ، قالت أحبار اليهود: ولد أحمد الليلة، هذا الكوكب قد طلع، فلما تنبئ قالوا: قد تنبئ أحمد، قد طلع الكوكب الذي يطلع، كانوا يعرفون ذلك، ويقرون به، ويصفونه، لولا الحسد والبغي٤.
_________________
(١) ١ انظر ص٨٧. ٢ الطبقات الكبرى ج١ ص١٥٩. ٣ الطبقات الكبرى ج١ ص١٥٩. ٤ الطبقات الكبرى ج١ ص١٥٩.
[ ٢٦٨ ]
- وعن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته، فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك.
قلت: هلم!
قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منه، ويكرهون ما جاء به، حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبقَ نبي غيره، يقول عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ﷺ قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام، فرد ﵇ ورحمة الله عليه وقال: "وقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا" ١.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٢ ص١٦١.
[ ٢٦٩ ]
ثانيا: انتشار العلم بخاتم النبوة
من مقدمات البعثة أن محمدا ﷺ تمتع بعلامات عرفت بخاتم النبوة، وقد رآها أهل الكتاب وغيرهم قبل مبعثه ﷺ وأكثروا الحديث عنها.
وخاتم النبوة عبارة عن بضعة لحم مرتفعة عن الجسد، وجدت في ظهره الشريف ﷺ عند أسفل عظم كتفه اليسرى، وقد تكلم العلماء عن الحكمة في وضعه مع الخاتم خلف ظهره، وفي هذا المكان المواجه للقلب.
يقول ابن دحية ﵀: الحكمة في وضع الخاتم بين كتفي رسول الله ﷺ إشارة إلى أنه لا نبي بعدك يأتي من ورائك١.
وقال في الفتح: السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة٢.
وقال العلامة السهيلي في الروض الأنف: وحكمة وضعه -أي الخاتم- عند النغض من الكتف اليسرى عصمته من وسوسة الشيطان، ولأن ذلك الموضع منه يدخل الشيطان، فكان ذلك حفظا له من الشيطان٣.
وروى ابن عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، فأري جسده ممهي "يرى داخله من خارجه" وأري الشيطان في صورة ضفدع، عند كتفه حذاء قلبه، له خرطوم كخرطوم البعوضة، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه، ويوسوس إليه، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس.
قال في الفتح: وهو مقطوع، وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى، وابن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب المناقب - باب خاتم النبوة ج٦ ص٥٦١. ٢ فتح الباري على صحيح البخاري ج٦ ص٥٦٢. ٣ الروض الأنف ج١ ص١٩١.
[ ٢٧٠ ]
عدي ولفظه: "إن الشيطان وضاع خطمه على قلب ابن آدم"١.
ميعاد ختم النبي بهذا الخاتم:
اختلف العلماء في موعد ختم النبي ﷺ بخاتم النبوة، وذكروا أوقاتا تتفق غالبا مع الأوقات التي ذكروها لشق صدره ﷺ، وهي:
- قال بعضهم: ختم حين مولده ﷺ.
- وقال آخرون: ختم يوم شق صدره عند حليمة.
- وقال غيرهم: ختم قبيل المبعث.
- وقيل: ختم ليلة الإسراء والمعراج.
ولكل دليله وحجته..
ورجح ابن حجر أن الختم كان يوم شق صدره عند حليمة، وقطع به القاضي عياض؛ لأن الذين رأوه وشاهدوه ذكروا أن رؤيتهم للخاتم كانت قبل البعثة بوقت طويل.
ولا مانع من القول بأن الله تعالى كرر الختم لرسول الله في كل هذه المرات إعمالا للأحاديث كلها، وزيادة في البركة والعون.
وسميت هذه العلامة بالخاتم جريا على عادة الناس في إثبات صدق ما يكتبون بخاتم معين، فكأن هذا الخاتم دليل على صدق محمد ﷺ.
والأحاديث المثبتة لخاتم النبوة كثيرة، منها:
- عن السائب بن يزيد ﵁ يقول: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح ﷺ رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زر الحجلة٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٦ ص٥٦٣. ٢ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب الوضوء - باب فضل استعمال وضوء الناس ج١ ص٢٩٦.
[ ٢٧١ ]
- وعن سماك قال: حدثني جابر بن سمرة ﵁ قال: رأيت خاتما في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام.
- وفي رواية أخرى قال: رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة حمام يشبه جسده١.
- وعن ابن زيد الأنصاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا أبا زيد، ادنُ مني، فامسح ظهري"، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم.
قلت: وما الخاتم؟
قال: شعرات مجتمعات٢.
- عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما، أو قال: ثريدا، فقلت له: هل استغفر لك النبي ﷺ؟
قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ .
قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل٣.
- وعن أبي نضرة العوفي ﵁ قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله ﷺ، يعني: خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة٤.
وللعلماء في وصف خاتم النبوة أقوال:
- يصفها الحاكم في كتابه بأنها شعر مجتمع.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح النووي - كتاب الفضائل - باب شيبة النبي ﷺ ج١٥ ص٩٧. ٢ قال الألباني في الشمائل: رواه الترمذي والحاكم وأحمد وابن حبان - بسند صحيح رقم ١٧. ٣ الثآليل: جمع ثؤلول، وهو بثر صغير صلب مستدير يظهر على الجلد كالحمصة أو دونها، والحديث رواه مسلم - كتاب الفضائل - باب إثبات خاتم النبوة ج١٥ ص٩٩. ٤ ناشزة: مرتفعة، والحديث قال الألباني عنه في الشمائل: رواه الترمذي بسند حسن رقم ١٩.
[ ٢٧٢ ]
- وفي كتاب البيهقي: بصقة ناشزة.
- وفي حديث عمرو بن أخطب: "كشيء يختم به".
- وفي تاريخ ابن عساكر: "مثل البندقة".
- وفي الترمذي: "كالتفاحة".
- وفي الروض: كرأس المحجم الغائص على اللحم.
- وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: شامة خضراء محتفرة في اللحم.
- وفيه أيضا: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس.
- وفي تاريخ القضاعي: ثلاث مجتمعات.
- وعن عائشة ﵂: كتينة صغير تصرب إلى الدهمة١.
واختلاف العلماء في وصف خاتم النبوة ليس من قبيل التنافي والتضاد، إنما هو باعتبار أن كلا منهم شبه الخاتم بما سنح له وبما ظهر أمامه؛ لأنه ﷺ كان يستره بثوبه، فواصف الخاتم رآه بنظرة خاطفة، أو أري له فجأة، ومع وجود عوامل الهيبة والدهشة في هذا الموقف العجيب، ومن الملاحظ أن الأقوال متقاربة في وصف الخاتم من ناحية صورته وحجمه ومكانه.
ووجود الخاتم النبوي مندرج في خوارق العادات التي أحاط الله بها النبوات، ويجب التسليم بها.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٢٦٠ هامش، فتح الباري ج٦ ص٥٩٣.
[ ٢٧٣ ]
ثالثا: منع الجن من الاستماع
الجن خَلْقُ الله تعالى أوجدهم من النار، وقدر لهم أن يعيشوا على نحو أراده لهم، فهم أجسام معنوية، هائمة في الدنيا، سريعة التنقل والحركة، قوية الإدراك، يرون الناس من حيث لا يرونهم.
وهم خلق مكلفون برسالات الله، منهم المؤمن، ومنهم الكافر، وقصة وجودهم تبدأ بقصة إبليس مع آدم ﵇؛ حيث أخرجهما الله من الجنة، وقدر لهما التناسل والتكاثر، وأهبطهما الأرض ليعيش كل طرف وذريته في عداوة مع الطرف الثاني وذريته إلى يوم القيامة.
وقد تمكن كل طرف بالاستعانة بأفراد من الطرف الآخر، والتعاون معهم فيما هو عليه من اتجاه وعمل.
واستطاع كهان الإنس أن يستعينوا بأفراد من الجن فزادوهم ضلالا وخبالا، يقول تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ١، وذلك أن الرجل من الإنس كان إذا نزل بمكان مخوف يقول: أستعبذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه، فزادوهم طغيانا وضلالا وبعدا عن الله تعالى.
وكان الجن يقومون باستماع الخبر من السماء، وبما يسمع الكهان من الناس، فيضيفون إليه من عندهم، ويتحدثون به كذبا وبهتانا، تقول السيدة عائشة ﵂: سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان.
فقال لهم رسول الله ﷺ: "ليسوا بشيء".
قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا؟!
فقال رسول الله ﷺ: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه
_________________
(١) ١ سورة الجن آية ٦.
[ ٢٧٤ ]
قر الزجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة"١.
ويروي البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان -السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان فيتحدثون به" ٢.
وبهذا الطريق علم الكهان خبر مبعث محمد ﷺ فتحدثوا به للناس..
ومن أقوال الكهان ما قاله خطر بن مالك وهو أعلم كهان العرب، قال:
أرى لقومي ما أرى لنفسي أن يتبعوا خير بني الإنس
برهانه مثل شعاع الشمس يبعث في مكة دار الحمس
بمحكم التنزيل غير اللبس فقلنا له يا خطر وممن هو؟
فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حمله طيش، ولا في خلقه هيش، يكون في جيش، وأي جيش! من آل قحطان وآل أيش.
فقلت له: بيِّن لنا، من أي قريش هو؟
فقال: والبيت ذي الدعائم، والركن والأحاتم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر كرائم يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم.
ثم قال: هذا هو البيان، أخبرني به رئيس الجان، ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر، ثم سكت وأغمي عليه، فما أفاق إلا بعد ثلاثة٣.
- يقول عبد الله بن كعب: سمعت عمر بن الخطاب يحدث الناس ويقول: والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية، في نفر من قريش، قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه، ليقسم لنا منه؛ إذ سمعت من جوف العجل
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب الطب - باب الكهانة ج٧ ص٢٠٨. ٢ صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق ج٤ ص٧٩. ٣ الروض الأنف ج١ ص٢٤٠، ٢٤١.
[ ٢٧٥ ]
صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه، وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شهرين، يقول: يا ذريح أمر نجيح، رجل يصيح، يقول: لا إله إلا الله١.
- ويقول الكاهن "سطيح" لربيعة بن نصر ملك اليمن لما سأله عن تأويل رؤياه، قال له الكاهن: رأيت حممة، خرجت من ظلمة، فوقعت أرض تهمة.. فأكلت منها كل ذات جمجمة، فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟
قال: أحلف ما بين الحرتين من حنش.. لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش.
فقال الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟
قال: لا، بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين!
قال: أيدوم ذلك في ملكهم أم ينقطع؟
قال: لا، بل ينقطع لبضع وسبع من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين.
قال: ومن يلي ذلك من أمر قتلهم وإخراجهم؟
قال: يليه إرم ذو يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن!
قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟!
قال: بل ينقطع.
قال: من يقطعه؟
قال: نبي زكي، يأتيه الوحي من قبل العلي!
قال: وممن هذا النبي؟
قال: رجل من ولد غالب من فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٢١٠.
[ ٢٧٦ ]
الدهر.
قال: وهل للدهر من آخر؟
قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون.
قال: أحق ما تخبرني؟
قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبئك به لحق! ١
- وسأل ربيعة بن نصر كاهنا آخر هو "شق" فأجابه بمثل ما أجاب سطيح..
- ويروي النويري في نهاية الأرب أن سفيان ين مجاشع بن دارم احتمل ديات دماء كانت من قومه، فخرج يستعين فيها، فدفع إلى حي من تميم، فإذا هم مجتمعون إلى كاهنة تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه..
قال سفيان: من تذكرين.. لله أبوك؟
فقالت: صاحب حل وحرم، وهدى وعلم، وبطش وحلم، وحر وسلم، رأس رءوس، ورائض يسوس، وماحي بوس، وماهد وعوس..
قال سفيان: من هو.. لله أبوك؟
قالت: نبي مؤيد، قد آن حين يوجد، ودنا أوان يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود بكتاب لا يفند، اسمه محمد.
قال سفيان: لله أبوك! أعربي هو أم أعجمي؟
قالت: أما والسماء ذات العنان، والشجر ذات الأفنان، إنه لمن معد بن عدنان، فقدك يا سفيان٢.
_________________
(١) ١ النبي محمد ﷺ ص٢١٨. ٢ المرجع السابق ص٢٢١، ٢٢٢، بوس: أي البؤس، والدعوس: أي الصعب.
[ ٢٧٧ ]
إن أخبار الكهان تشبه أنباء الأحبار والرهبان في أنها جميعا تدخل في جملة المنبهات الحسية التي تسبق الأمور الهامة؛ لتتيقظ العقول لهذا الجديد القادم.
إنها ليست دعوة إلى دين الله، وليست تكليفا بشريعة، ولكنها مقدمة لأمر له شأنه، ينبه الأفهام، ويوقظ العقول، وقد فطر الله الناس على أن عظائم الأمور تسبق بتمهيد يشير إليها، ويجذب الأفهام نحوها.
وقد عرفنا الله تعالى بما كانت تقوم به الجن من استماع حديث الملائكة، وحديث الله عنهم؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ١، وذلك حين كان يمكن للجن أن يجلس في السماء في مكان يسمع فيه، وفجأة تغير الحال وتبدل، ونظرت الجن إلى السماء التي كانوا يتحركون خلالها للتصنت والاستماع، بلا عائق أو مانع، فوجدوها على غير ما كانت عليها، يصور الله ذلك فيقول سبحانه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ ٢، لقد امتلأت السماء بالحرس القوي من الملائكة تمنع الجن من الاقتراب، فإذا اقترب أحدهم يُرمى بالشهب الملتهبة.
وقد كان الجن يتحايل في الاستماع؛ حيث كانوا يجلسون واحدا فوق واحد، فإذا احترق الأعلى طلع الذي تحته، حتى يتمكنوا من استماع شيء، فإذا ما استرقوا كلمة ألقوها إلى الكهان أشياعهم ليتحدثوا بها مع إضافة مائة كذبة إلى الكلمة الواحدة المسروقة٣.
فلما كانت بعثة محمد ﷺ منع الجن من الاستراق، يقول الله تعالى على لسان الجن: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ وحينئذ رأت الجن أن ذلك
_________________
(١) ١ سورة الجن آية ٩. ٢ سورة الجن آية ٨. ٣ فتح الباري - كتاب التفسير - باب قل أوحي إلي ج٨ ص٦٧١.
[ ٢٧٨ ]
الحدث مقدمة ضرورية لأمر ضروري سوف يقع، وقالوا عن ذلك: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ١، إنهم لم يحددوا ما سيجد للناس، ولكنهم أكدوا خطورته وأهميته.
ولما رأت قريش الشهب في السماء توقعوا أمرا جللا حتى تصوروه الفناء، يقول أبي بن كعب: رأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم، ويعتقون أرقاءهم، يظنون أنه الفناء، وفعلت ثقيف مثل ذلك.
فبلغ عبد ياليل فقال: لا تعجلوا، وانظروا، فإن تكن نجوما تعرف فهو عند فناء الناس، وإن كانت نجوما لا تعرف، فهو عند أمر قد حدث.
فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال: هذا عند ظهور نبي.
فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب فقال: ظهر محمد بن عبد الله يدعي أنه نبي مرسل.
فقال عبد ياليل: فعند ذلك رمي بها٢.
يروي ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية؟
قالوا: يا نبي الله، كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ملك ملك، ولد مولود، مات مولود.
فقال رسول الله ﷺ: "ليس ذلك كذلك، ولكن الله ﷾ كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه حملة العرش، فسبحوا فسبح مَن تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، فلا يزال التسيبح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض: ممَّ سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم
_________________
(١) ١ سورة الجن آية ١٠. ٢ سبل الهدى ج٢ ص٢٦٧.
[ ٢٧٩ ]
فيقولون: ألا تسألون مَن فوقكم ممن سبحوا؟
فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش فيقال لهم: ممَّ سبحتم؟
فيقولون: قضى الله تعالى في خلقه كذا وكذا، للأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به، فتسرقه الشيطاطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان فيحدثونهم فيخظئون بعضا، ثم إن الله تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة" ١.
وهكذا..
كثرت البشائر والمنبهات مقدمة لبعثة محمد ﷺ وإرساله بدين الله تعالى للناس أجمعين..
_________________
(١) ١ صحيح مسلم - كتاب السلام - باب تحريم الكهانة ج٤ رقم ١٧٥٠، ١٧٥١.
[ ٢٨٠ ]
رابعا: تكامل شخصية محمد ﷺ
مع بلوغ محمد ﷺ سن الأربعين١ تكاملت شخصيته في كافة جوانبها البشرية، فوصل إلى التمام في: صورته وخُلُقه وعقله وروحه، وذلك بفضل الله وعنايته.
إن النبوة تكليف إلهي، يصنع الله لها رجالا من خَلْقه، على نحو يريده ﷾، ويوحي إليهم، وبذلك توجد النبوة في النبي، وتتلاقى الرسالة والرسول في انسجام وتناغم وتوازن.
إن النبي صناعة إلهية، يقول الله عن موسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٢، ويقول سبحانه على لسان عيسى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ٣، وهكذا الأنبياء جميعا في تكوينهم وتنشئتهم وحياتهم؛ حيث نلقاهم جميعا محاطين بالرعاية والعناية، تحفهم خوارق العادات التي تمثل جزءا من حياتهم ونشاطهم قبل النبوة.
ويخطئ بعض الناس حيث يقفون أمام الإرهاصات والمبشرات موقف الإنكار والدهشة؛ لأنها خوارق للعادة جرت قبل البعثة، ويسلمون بخوارق العادات بعد النبوة؛ لأنها معجزة تصدق الرسول في نبوته.
وبعض آخر من الناس ينكر هذه المبشرات لخروجها عن مألوف عقولهم، ومعارضتها لتصوراتهم للكون والحياة.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ج١٥ ص٩٩. ٢ سورة طه آية ٤١. ٣ سورة مريم آية ٣٠.
[ ٢٨١ ]
والواجب أن يدرك الجميع أن خوارق العادات تحيط بالرسول قبل بعثته، بل وقبل مولده، كما تكون معه بعد مبعثه؛ لأنها جميعا من الله، ولكل منها وظيفته ودوره.
والخارق للعادة مطلقا لا دخل للعقل فيه، فما بال فريق من الناس يؤمن بالبعض، ويكفر بالبعض الآخر.
إن العقل عاجز لا يمكنه تغيير مسار الأمور العادية القدرية؛ كحركة الأفلاك، وتكوين الجنين وغيرها، والعقل حين يعجز عليه أن يسلم بما يرى.. هذا في الأمور العادية..
وواجب أن يكون التسليم في كل قدر الله وبخاصة ما جاء خارقا للعادة مطلقا.
لقد أحاطت عناية الله محمدا ﷺ من كافة النواحي، من ناحية نسبه، وحمل أمه به، وإرضاعه، ونشاطه، ورحلاته، وقد سبق ذكر صور لهذه العناية التي أثمرت شخصية متكاملة في واحد من الناس يريد الله له أن يكون رسولا نبيا.
وقد تجلى هذا الكمال البشري في شخصية محمد ﷺ قبل مبعثه في الجوانب التالية:
١- سمو السلوك:
عاش محمد ﷺ حياته كلها في أعمال فاضلة، وسلوك سليم، ولم يُؤْثَرْ عنه ريبة قط، بل كان في كل حالاته وأحواله رجلا فاضلا وممتازا، حتى عرف في مكة بحسن العمل وسمو السلوك.
ومع خروج النبي ﷺ إلى مجتمع مكة، واختلاطه بشبابها، وتعامله مع رجالها، كانت عناية الله معه، فصار رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحبهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأكثرهم أمانة،
[ ٢٨٢ ]
وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، ما رُئي ملاحيا، ولا مماريا أحدا، حتى عرفه قومه بالأمين الصادق؛ لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.
صرف الله عنه كل ما يسيء ويشين، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهيمون به من الغناء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة، ونحن في رعاية غنم أهلنا: هيا بنا نسمر كما يسمر الشباب، وقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان.
فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفا، وغرابيل، ومزامير.
قلت: ما هذا؟
قيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر، وضرب الله علي أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس.
فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟
فقلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت.
ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس.
فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟
فقلت: لا شيء، ثم أخبرته بالذي رأيت.
فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته" ١.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن كثير ج١ ص٢٥١.
[ ٢٨٣ ]
وعن أم أيمن ﵂ قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش يوما في السنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك معه، فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه وقلن: يا محمد، ما تريد أن تحضر لقومك عيدا، ولا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب ما شاء الله، ثم رجع مرعوبا فزعا.
فقالت عماته: ما دهاك؟
قال: "إني أخشى أن يكون بي لمم".
فقلن: ما كان الله يبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟
قال: "إني كلما دعوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه".
قالت: فما عاد إلى عيد لهم١.
وعن علي ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ: هل عبدت وثنا قط؟
قال: "لا".
قالوا: فهل شربت خمرا قط؟
قال: "لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان" ٢.
يقول ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺفيما ذكر لي- يحدث عما كان يحفظه الله به في صغره، وأمر جاهليته، أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره
_________________
(١) ١ الخصائص الكبرى ج١ ص٢٢١. ٢ دلائل النبوة لأبي نعيم ص١٤٦.
[ ٢٨٤ ]
فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر؛ إذ لكمني لاكم لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك.
فأخذته وشددته عليَّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليَّ من بين أصحابي".
يقول السهيلي: ورد مثل هذا الحديث الصحيح في بنيان الكعبة، وفيه أن رسول الله ﷺ كان ينقل الحجارة مع قومه، وكانوا يحملون أزرهم على عواتقهم لتقيهم قسوة الحجارة، وكان رسول الله ﷺ يحملها على عاتقه، وإزاره مشدود عليه، فقال له العباس ﵁: يابن أخي، لو جعلت إزارك على عاتقك، ففعل فسقط مغشيا عليه، ثم قال: "إزاري، إزاري"، فشد عليه إزاره، وقام يحمل الحجارة١.
ولا مانع من تكرار هذا التوجيه القدري ليبقى محمد ﷺ في طهارته وسموه.
يروي ابن سعد أن رسول الله ﷺ كان يتحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام لما عرف عنه من العقل والحكمة؛ ولذلك لما بعث ناداهم، وسألهم عن خُلُقه وصدقه، فأقروا له بما عملوا منه.
يروي البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٢، خرج رسول الله ﷺ حتى صَعِدَ الصفا فهتف: "يا صباحاه".
فقالوا: مَن هذا؟ فاجتمعوا إليه.
فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ ".
قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا قط.
قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
قال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟! ٣.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٨٣. ٢ سورة الشعراء آية ٢١٤. ٣ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب التفسير - باب تبت يدا ج٨ ص١٣٧.
[ ٢٨٥ ]
ولقد اشتهر رسول الله ﷺ قبل مبعثه بالأخلاق الكريمة، تمتع بالصفات الفاضلة، وجاء قول الله تعالى في وصف خلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١، لتصف أخلاقه بالعظمة التي اتصف بها بصورة شاملة قبل المبعث، حتى سماه قومه بالأمين، ووصفته السيدة خديجة بما كان فيه يوم أن جاءها مرتعشا خائفا، قالت له: والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق٢.
وصدقت السيدة خديجة ﵂ في شهادتها، ونطقت بالحق، وكانت تعبيرا ناطقا عن المستقبل؛ إذ أكرم الله محمدا ﷺ، واختاره رسولا للعالم كله.
٢- جمال الخِلْقَة:
أضفى الله تعالى بفضله وكرمه على رسوله محمد ﷺ الحسن والجمال، الذي تميز به قبل النبوة.. وحين نورد شيئا من جمال خلقته ﷺ، فليس أمامنا إلا مصادر السيرة والحديث ننقل عنها.
يروي البخاري بسنده عن أبي هريرة أنه قال: "كان النبي ﷺ أحسن الناس وجها، حتى قال أنس ﵁: لم أرَ بعده ولا قبله مثله"٣.
ولما سئل البراء ﵁: أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر، وكان مستديرا. وورد أنه كان ﷺ مليح الوجه٤.
وكان عظيم الفم، طويل شق العين٥.
_________________
(١) ١ سورة القلم آية ٤. ٢ صحيح البخاري - كتاب المناقب. ٣ البخاري ٧/ ٥٨ - كتاب اللباس - باب الجعد، ومسلم ٤/ ٨١٩ - كتاب الفضائل - باب في صفة النبي ﷺ وأنه كان أحسن الناس وجها. ٤ صحيح البخاري - كتاب الفضائل - باب كان النبي ﷺ أبيض مليح الوجه ج٦ ص٢٨. ٥ صحيح البخاري - كتاب الفضائل - باب صفة فم النبي ﷺ وعينيه وعقبيه ج٦ ص٢٨.
[ ٢٨٦ ]
أما شعره فليس بالجعد القطط، ولا بالسَّبِط، بل كان رَجلا١.
كان له جمة عظيمة تصل إلى شحمة أذنيه، وأحيانا تضرب منكبيه، وأحيانا ثالثة تكون بين أذنيه وعاتقه، كما كان ﷺ كثير شعر اللحية٢.
وإذا كان البياض في شعره قد شمل العنفقة والصدغين، وفي الرأس نبذ، فلم يكن ذلك البياض كله يبلغ عشرين شعرة٣.
أما الحمرة في بعض شعره، فكانت من آثار الطيب٤.
وكان أبيض اللون، ولكنه لم يكن بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، وإنما كان أزهر اللون٥.
ولم يكن ﷺ بالطويل البائن، ولا بالقصير، بل كان مربوعا، وكان مقصدا٦.
وكان ﷺ بعيد ما بين المنكبين، وكان ضخم اليدين والقدمين، وبسط الكفين، وكان لين الكف، حتى قال أنس: ما مسست خزة ولا حريرة ألين
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج٩ ص١٩١، ومسلم ج١٥ ص٩٢ - كتاب الفضائل - باب في صفة النبي ﷺ ومبعثه وسنه، ومعنى "رجل" أي: لم يكن شديد الجعودة، ولا البسوطة، بل بينهما "النهاية ج٢ ص٢٠٣". ٢ صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج٩ ص١٩١ رواية البراء، وابن عمر، وأنس ﵃، وصحيح مسلم ج١٥ ص٩٢ - كتاب الفضائل. ٣ صحيح مسلم ج١٥ ص٩٥، ٩٦ - باب شيبة ﷺ، صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب صفة النبي ﷺ ج٦ ص٢٦، ط. الأوقاف، العنفقة: هي ما تحت الشفة السفلى. ٤ صحيح البخاري ج٦ ص٢٧، ط. الأوقاف. ٥ صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج٩ ص١٩٠. ٦ المرجع السابق ص١٩٠، ١٩١، قال في النهاية: كان أبيض مقصدا، هو الذي ليس بطويل، ولا قصير، ولا جسيم، كأنه خَلْقَه نُحِيَ به القصد من الأمور، والمعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط "النهاية في غريب الحديث والأثر ج٤ ص٦٧".
[ ٢٨٧ ]
من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم١، وكان منهوس العقبين٢.
يروي الترمذي بسنده عن الحسن بن علي ﵁ أنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا، عن حلية رسول الله ﷺ فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخما٣، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب٤، عظيم الهامة٥، رجل الشعر٦، إذا انفرقت عقيقته فرقها وإلا فلا٧، يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره٨، أزهر اللون٩، وساع الجبين١٠، أزج الحواجب١١، سوابغ في غير قرن١٢، بينهما عرق يدره الغضب١٣، أقنى العرنين١٤، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم١٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج٩ ص١٩٢. ٢ مسلم ج٤ ص١٨٢٠، وقد فسر أحد رواة الحديث "منهوس العقبين" فقال: قليل لحم العقب. ٣ أي: عظيما في نفسه، معظما في الصدور والعيون عند كل من رآه ﷺ. ٤ الربعة والمربوع: هو الوسط، بين القصير والطويل على حد سواء، والمشذب: هو الطويل البائن الطول، والمراد: أنه ﷺ أطول من المربوع عن إمعان النظر، وأما في بادئ النظر يرى ربعة. ٥ الهامة: بتخفيف الميم هي الرأس، وعظم الرأس المتناسب مع الجسم دليل قوة العقل والمدارك. ٦ أي: في شعره ﷺ شيء من الجعودة. ٧ المراد بالعقيقة هنا: شعر الرأس، والمعنى: أن شعر رأسه الشريف ﷺ إن قبل أن يفرق بسهولة فرقه، أي: جعل شعره نصفا عن اليمين، ونصفا عن اليسار، وإلا بأن لم ينفرق فلا، أي: فلا يفرق شعره بل يتركه على حاله. ٨ أي: إذا جعل شعره وافرا وأعفاه من الفرق ﷺ. ٩ أي: هو ﷺ أبيض اللون بياضا نيرا مشربا بحمرة. ١٠ أي: واضح الجبين وممتده طولا وعرضا، وهو معنى رواية: صلت الجبين، وعظيم الجبهة. ١١ الزجج: تقوس في الحاجب مع طول طرفه، ويلزم من ذلك دقة الحاجبين وسبوغهما. ١٢ القرن -بالتحريك- هو اقتران الحاجبين، والتقاء أطرافهما، وهو من البلج، والمعنى: أن حاجبيه ﷺ لم يتصلا ببعضهما، فهو أبلج، وأما ما ورد في حديث أم معبد: "كان أزج أقرن" فالمراد كان كذلك فيما يبدو للناظر من بعيد ومن غير تأمل، وأما القريب المتأمل، فيرى أنه ﷺ أبلج في الواقع. ١٣ أي: بين حاجبيه ﷺ عرق إذا غضب تحرك وظهر جليا. ١٤ قال العلامة المناوي في شرح الشمائل: أقنى: من القنا، وهو ارتفاع أعلى الأنف واحدداب الوسط. ١٥ أي: للعرنين -وهو ما صلب من عظم الأنف- نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم: من الشمم، وهو ارتفاع قصبة الأنف، مع استواء أعلاه وإشراف الأرنبة.
[ ٢٨٨ ]
كث اللحية١، سهل الخدين٢، ضليع الفم٣، مفلج الأسنان٤، دقيق المسربة٥، كأن عنقة جيد دمية في صفاء الفضة٦، معتدل الخلق٧، بادن، متماسك٨، سواء البطن والصدر٩، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس١٠.
أنور المتجرد١١، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط١٢، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك١٣، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر١٤ طويل الزندين، رحب الراحة١٥، شئن الكفين والقدمين١٦، سائل الأطراف، أو قال: شائل الأطراف١٧.
_________________
(١) ١ أي: عظيم اللحية ﷺ. ٢ أي: غير مرتفع الخدين، وهو أكمل وأجمل. ٣ أي: عظيم الفم، وليس بضيق الفم، فإن سعة الفم تعطي فصاحة في الكلام، وبيانا لمخارج الألفاظ، ولا شك أن جميع ذلك على تناسب كامل بين أعضاء جسمه الشريف كلها ﷺ. ٤ يعني: أن أسنانه الشريفة ﷺ منتظمة ومنفرجة، وليست متراصة ومتضايقة فوق بعضها. ٥ المسربة: هي الشعر بين الصدر والسرة، والمعنى: أن تلك المسربة دقيقة. ٦ الجيد: هو العنق، والمراد: كأن عنقه ﷺ في استوائه واعتداله وحسن هيئته وجماله، كأنه عنق صورة، ولكن من حيث اللون هو في صفاء الفضة وبياضها البهيج اللامع. ٧ يعني: أن جميع أعضاء جسمه الشريفة ﷺ خلقها الله تعالى كاملة متناسقة مع بعضها غير متنافرة. ٨ والمعنى: أنه ﷺ ممتلئ الجسم، ليس بالنحيل ولا بالهزيل، وأن أعضاءه الشريفة متماسكة بقواها، وليست متراخية. ٩ والمعنى: أنه بطنه وصدره الشريفين مستويان، لا ينتأ أحدهما عن الآخر. ١٠ الكراديس: جمع كردوس، وهو رأس العظام ومجمعها، كالركبة والمنكب ونحوهما، والمعنى: أنه ﷺ كان عظيم رءوس العظام ومجامعها وقويها، ويدل ذلك على كمال قواه ﷺ. ١١ يعني: أنه ﷺ أنور العضو لا متجرد عن الثوب وشديد بياضه. ١٢ اللبة: هي البقرة فوق الصدر، والسرة ما بقي بعد القطع، وأما الذي يقطع عند الولادة فهو السر. ١٣ أي: خالي الثديين والبطن من الشعر. ١٤ أي: كثير شعر هذه المواضع الثلاثة. ١٥ أي: واسع الكف. ١٦ أي: ضخم الكفين والقدمين، كما جاء في رواية، والمعنى: أنه ﷺ ممتلئ الكفين والقدمين، وليس بالضعيف النحيل. ١٧ الشك من الراوي، والمعنى: أنه ﷺ كان مرتفع الأطراف بلا احدداب ولا انقباض.
[ ٢٨٩ ]
خمصان الأخمصين١، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء٢، إذ زال قلعا٣.
يخطو تكفيا٤، ويمشي هونا٥، ذريع المشية٦، إذا مشى كأنما ينحط من صبب٧، وإذا التفت التفت جميعا٨.
خافض الطرف٩، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء١٠، جل نظره الملاحظة١١.
يسوق أصحابه١٢، ويبدر من لقي بالسلام١٣.
_________________
(١) ١ تثنية أخمص، وأخمص القدم هو الموضع الذي لا يمس الأرض عند وطئها من وسط القدم، ومعنى خمصان الأخمصين: أنه ﷺ شديد تجافي الأخمصين عن الأرض، لكن على وجه لا يخرجه عن حد الاعتدال والجمال. ٢ أي: أملس القدمين ومستويهما بلا تكسر؛ ولذلك ينبو عنهما الماء: أي يتباعد عنهما الماء، يعني: أنه ﷺ إذا صب عليهما الماء مر سريعا؛ لأنهما مستويتان. ٣ يعني: أنه ﷺ إذا مشى رفع رجليه بقوة، كأنه يقلع شيئا، ولا يجرهما على الأرض، لا يمشي مشية المختال الذي يقارب خطاه تبخترا. ٤ يمشي مائلا إلى سنن المشي، وهو ما بين يديه. ٥ الهون: الرفق واللين، والمعنى: أنه ﷺ كان يمشي يرفع رجليه عن الأرض بقوة، كما دل عليه قول ابن أبي هالة: إذا زال زال قلعا، وإذا وضعهما على الأرض وضعهما برفق وتؤدة، وهذا معنى: يمشي هونا، فهو يشير إلى كيفية وضع رجليه على الأرض، وأنه ﷺ يمشي بسكينة ووقار، وحلم وأناة، دون أن يضرب برجله الأرض، أو أن يخفق بنعله، وقد أثنى الله تعالى على الذين يمشون هذه المشية، ويسلكون هذه الخطة، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ . ٦ أي: واسع الخطوة خلقة بلا تكلف. ٧ أي: كأنما ينزل في موضع منحدر. ٨ أي: لا يسارق النظر، ولا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة، كما يفعل ذلك الطائش الخفيف. ٩ المراد بالطرف هنا: العين، والمعنى: أنه ﷺ إذا لم ينظر إلى شيء يخفض بصره، وهذا شأن المتأمل المفكر. ١٠ والمعنى: أن نظره ﷺ إلى الأرض حال السكوت وعدم التحدث أطول من نظره إلى السماء، وأما في حال التحدث فإنه يكثر النظر إلى السماء، وكما ورد في سنن أبي داود أنه ﷺ كان إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء. ١١ قال العلامة المناوي في شرحه: والمراد أن أكثر نظره ﷺ في غير أوان الخطاب الملاحظة، والملاحظة: هي النظر بلحاظ العين، وهو شق العين مما يلي الصدغ، وأما الذي يلي الأنف فالموق والماق. ١٢ والمعنى: أنه ﷺ يقدم أصحابه بين يديه ويمشي خلفهم ليرعاهم ويختبر حالهم، ويعين ضعفاءهم، وليترك ظهره للملائكة خلفه، كما روى الدارمي بإسناد صحيح أنه ﷺ قال: "خلو ظهري للملائكة"، وأحرج الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: كان أصحاب النبي ﷺ يمشون أمامه ويدعون ظهره للملائكة كذا في جمع الوسائل. قال الإمام النووي: وإنما تقدمهم -أي تقدم أصحابه في قصة جابر يوم الخندق- لأنه ﷺ دعاهم إليه، فجاءوا تبعا له، كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم. ١٣ وفي رواية: ويبدأ، والمعنى: أنه ﷺ يبادره ويسبق من لقيه من أمته بتسليم التحية.
[ ٢٩٠ ]
٣- عظمة الْخُلُق:
كما اتصف ﷺ بجمال الخِلْقَة اتصف بعظمة الخُلُق، يصفه أنس بن مالك ﵁ فيقول: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي: أفٍّ قط!! ولا: لِمَ صنعت كذا؟ ولا: ألا صنعت كذا١.
وهذه الخدمة والملازمة من أنس للنبي ﷺ لم تكن في الحضر وحده، أو في السفر وحده، وإنما كانت -كما يقول أنس- في الحضر والسفر٢.
ولم يكن هذا الخلق الحسن قصرا على خدمه، وإنما كان هذا ديدنه مع كل من كان يأتي إليه، ويتعامل معه، فكان مثالا للصبر والحلم والرفق وتعليم الجاهل، وهذه نماذج منها:
عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء!! ٣
وجاء أعرابي، ورسول الله ﷺ وأصحابه في المسجد، فقام يبول في المسجد، فزجره الصحابة "مه مه" فنهاهم عن ذلك، وقال: "لا تزرموه، دعوه" فتركوه حتى بال.
ثم دعا النبي ﷺ، فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن"، ثم دعا بدلو من ماء فشنه عليه٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن الخلق والسخاء ج١٥ ص٦٩. ٢ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن خلقه ﷺ ج١٥ ص٧٠. ٣ صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ج٥ ص٢٣٤. ٤ صحيح مسلم - كتاب الطهارة - باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد ج٣ ص١٩٠، ومه: اسم فعل بمعنى انته، لا تزرموه: أي لا تقطعوه، وشنه: أي صبه.
[ ٢٩١ ]
وجاء في إحدى روايات البخاري في آخرها: "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" ١.
وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقا، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ، فخرجت من طريق حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك.
فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك؟
قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله٢.
وهذا الصبر والرفق يزينه التواضع في خلقه، والمزاح -أحيانا- مع أصحابه، فالأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي ﷺ، فتنطلق به حيث شاءت٣، والقاصد إليه في بيته لا يجد على بابه بوابين٤.
أما مزاحه ﷺ، فكان تسرية لأصحابه عند همومهم أحيانا، ومداعبة لأطفالهم أحيانا أخرى، إلى غير ذلك من مقاصده الحميدة في هذا المزاح، ونذكر -كمثال على ذلك- موقفه مع علي ﵁ حينما غاضب زوجته فاطمة ﵂، فخرج علي ﵁ فاضطجع إلى جدار المسجد، فتبعه النبي ﷺ، فإذا هو مضطجع، وقد امتلأ ظهره ترابا، فجعل النبي ﷺ يمسح التراب عن ظهره، ويقول: "اجلس يا أبا تراب" ٥.
ويقول أنس ﵁: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ صغير
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب الوضوء - باب صب الماء على البول في المسجد ج١ ص١٦٤. ٢ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن خلقه ﷺ ج١٥ ص٧٠، ٧١. ٣ صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب الكبر ج٩ ص٢٤٣. ٤ صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب. ٥ البخاري - كتاب الأدب - باب التكني بأبي تراب، وإن كانت له كنية أخرى ج١٠ ص٣٨.
[ ٢٩٢ ]
لي إذا رآه: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟! "١.
وإلى جانب صفاته في الرفق والتواضع والمزاح، فهو موصوف بالشجاعة في السلم والحرب، وشجاعته ﷺ في الحرب معروفة، أما في السلم فنذكر منها قصة الفزع الذي أصاب أهل المدينة ذات ليلة، فخرجوا نحو الصوت فإذا رسول الله ﷺ قد سبقهم إليه، وتلقاهم راجعا، وهو على فرس لأبي طلحة عري، وفي عنقه السيف، وهو يهدئ ثائرتهم ويقول: "لم تراعوا، لم تراعوا، ما رأينا من شيء" ٢.
وكان من خلقه ﷺ حسن التعامل، وحسن القضاء، فقد استقرض من رجل سنا من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: "أعطوه"، فطلبوا سنه، فلم يجدوا له إلا سنا فوقها، فقال: "أعطوه"، حتى قال الرجل: أوفيتني أوفى الله بك، ثم قال ﷺ: "إن خياركم أحسنكم قضاء" ٣.
وفي رواية: إن ذلك لرجل أغلظ للنبي ﷺ القول، فهَمَّ به أصحابه فقال لهم: "إن لصحاب الحق مقالا"، ثم قال لهم: "اشتروا له سنا، فأعطوه إياه"، فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا هو خير من سنه، قال: "اشتروه وأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء" ٤.
ومن صفاته: الجود والكرم، فهو أجود الناس٥، وما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال لا٦؛ ولهذا غضب الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك الرجل الذي طلب من النبي ﷺ أن يكسوه البردة التي أهدتها إليه امرأة
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب الانبساط إلى الناس - وباب الكنية للصبي، وقبل أن يولد للرجل ج١٠ ص٩، والنغير: تصغير نغر، وهو طائر صغير كالعصفور. ٢ صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق ج٥ ص٩٩. ٣ صحيح البخاري - كتاب الوكالة - باب وكالة الشاهد والغائب جائزة ج٤ ص١٤٠. ٤ صحيح البخاري - كتاب الاستقراض - باب لصاحب الحق مقال ج٤ ص٢٠٠. ٥ صحيح البخاري - كتاب الوحي - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ج١ ص١١. ٦ صحيح البخاري ج٤ ص٢٩.
[ ٢٩٣ ]
وكانت قد نسجتها بيدها، وكان ﷺ محتاجا إليها، ومع ذلك طواها وأرسل بها إليه، فقال له الصحابة: ما أحسنت، سألتها إياه، وقد علمت أنه لا يرد سائلا١.
وهذا الجود والكرم منه ﷺ كان سببا في دخول أقوام في دين الله، ومن ذلك قصته مع الرجل الذي جاءه يسأله، فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر٢.
ولهذا قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها!! ٣
بل لقد كان هذا الجود منه ﷺ مثار عجب، وسبب مودة، حتى لأعدائه، يقول صفوان بن أمية بعد أن أعطاه النبي ﷺ مائة من النعم، ثم مائة من غنائم حنين: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني، حتى إنه لأحب الناس إليَّ!! ٤
ولفرط جوده ﷺ ومعرفة الناس به علقت الأعراب -منصرفة من حنين- يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف وقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا" ٥.
وقال عمر ﵁: قسم رسول الله ﷺ قسما، فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم، قال: "إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، فلست بباخل" ٦.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ذكر النساء ج٤ ص٢٩. ٢ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب في سخائه ﷺ ج١٥ ص٧٢. ٣ صحيح مسلم - كتاب الفضائل ج١٥ ص٧٢. ٤ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب سخائه ﷺ ج١٥ ص٧٣. ٥ صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ما كان يعطي المؤلفة ج٥ ص٢٣٤. ٦ صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة ج٧ ص١٤٦.
[ ٢٩٤ ]
ولم يقتصر ذلك الجود على المؤلفة قلوبهم، ومن يطمع في إسلامهم، بل شمل جوده وكرمه صحابته المؤمنين، فعبد الله بن عمر ﵄ كان مع النبي ﷺ في سفر، وكان على بكر صعب لأبيه "عمر"، كان هذا البكر يغلب عبد الله، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: "بعنيه"، فقال: هو لك يا رسول الله "أي هبة"، قال رسول الله ﷺ: "بعنيه"، فباعه من رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: "هو لك يا عبد الله بن عمر، تصنع به ما شئت"!! ١.
وجابر بن عبد الله ﵁ يكون مع النبي ﷺ في غزاة ومعه جمل ثقال قد أعيا به، وخلفه في أخريات القوم، حتى زجره النبي ﷺ، فأسرع به، فطلب منه بيعه عليه فقال: هو لك يا رسول الله، قال: "بعنيه" فاشتراه منه، وقال: "لك ظهره إلى المدينة"، فلما قدم المدينة أوصى بلالا أن يقضيه، ويزيد له عن ثمنه، ثم رد عليه جمله والثمن!! ٢.
وفوق ما تقدم من كريم خلقه ﷺ، فلم يكن بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح٣.
ولم يكن ﷺ سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا٤، وهو القائل لعائشة ﵂: "يا عائشة، متى عهدتيني فحاشا؟! " ٥.
وهو الموصوف بالتوراة ببعض صفته في القرآن: "يا أيها النبي إنا إرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ج٤ ص٤١، ٤٢. ٢ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب شراء الدواب والحمير ج٤ ص٣٢، ٣٣. ٣ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب كراهة السخب في السوق ج٤ ص٤٦. ٤ صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحشا ج٩ ص٢٢٨. ٥ صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب لم يكن فاحشا ج٩ ص٢٢٨.
[ ٢٩٥ ]
ليس بفظ ولا غليظ "١.
وكان الصدق في الحديث خلقا من أخلاقه ﷺ، عرفه بذلك العدو والصديق، فأمية بن خلف حينما قال له سعد بن معاذ: سمعت محمدا يزعم أنه قاتلك.
قال: إياي؟
قال: نعم.
قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث.
وكذا زوجة أمية لما أعلمها بالخبر قالت: فوالله ما يكذب محمد!! ٢.
وأبو سفيان لما سأله هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجابه قائلا: لا، وعندها رد هرقل، لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله٣.
ومشركو قريش كانوا يعرفون هذا الخلق للنبي ﷺ، فحينما صَعِدَ الصفا، واجتمع إليه الملأ من بطون قريش قال لهم: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقا٤. وفي رواية: قالوا: ما جربنا عليك كذبا٥.
ولم يكن من خلقه ﷺ الغدر والخيانة، بل كان من خلقه الأمانة والوفاء بالعهد، وهذه أيضا اعترف بها أبو سفيان للنبي ﷺ أمام هرقل٦.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب السخب في السوق ج٤ ص٤٦. ٢ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام ج٦ ص٦٦. ٣ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص١١. ٤ صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ج٧ ص٣٦٠. ٥ صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب تبت يدا ج٨ ص٩٣. ٦ صحيح البخاري - باب بدء الوحي ج١ ص١١.
[ ٢٩٦ ]
والتزام النبي ﷺ بهذا الخلق جعله يرد أبا بصير وأبا جندل عام الحديبية -مع كرهه والمسلمين لذلك- لأنه عاهد قريشا على رد مَن يأتي إليه منهم١.
٤- حلاوة المنطق:
تميز ﷺ بحسن اللفظ، وجمال المنطق، وحلاوة الحديث، يقول أبو هالة: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان٢، دائم الفكر، ليست له راحة٣، طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة٤، يفتتح الكلام ويختتمه باسم الله تعالى٥، ويتكلم بجوامع الكلم٦، كلامه فصل، لا فضول ولا تقصير٧، ليس بالجافي ولا المهين٨، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا، غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه٩، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعدي الحق١٠ لم يقم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب الصلح - باب الصلح مع المشركين ج٤ ص٤٠١. ٢ لم يكن حزنه ﷺ من أجل أمور الدنيا، وإنما كانت تتوارد الأحزان لأسباب متعددة، ترجع إلى دين الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى؛ ولذا كانت الآيات تنزل في تسليته ﷺ وتخفيف شدة الأسى عنه. ٣ والمعنى: أنه ﷺ كان دائم التفكر في أمور الأمة ولا يصلح شئونهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، ومن ثَمَّ ليست له راحة. ٤ يعني: أنه ﷺ كان طويل الصمت، لا يتكلم إلا في حاجة دينية أو دنيوية، فيتحرز عن الكلام الذي لا فائدة منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ . ٥ والمعنى: أن كلامه ﷺ كان محفوا بذكر الله تعالى بدءا وانتهاء. ٦ أي: بكلمات قليلة الحروف، جامعة لمعانٍ كثيرة. ٧ يعني: أن كلامه ﷺ فاصل بين الحق والباطل، ومفصل لا يتداخل في بعضه، بحيث يتلقاه السامع بوضوح دون التباس، لا يكثر فيمل، ولا يقصر فيخل. ٨ أي: ليس هو ﷺ بالجافي الغليظ الطبع، السيئ الخلق، ولا بالمهين لخلق الله تعالى، ولا بالمهين: أي المبتذل الذليل، بل هو الفخم، المفخم، الموقر، المعظم ﷺ. ٩ فهو ﷺ يعظم نعم الله تعالى الكبيرة والصغيرة، الظاهرة والباطنة، ولا يذم منها شيئا، كما وأنه ﷺ لا يذم ذواقا -أي مذوقا- من المأكولات أو المشروبات التي أباحها الله تعالى؛ لأن في الذم كفران النعمة، وهو شأن المترفين المتكبرين، كما وأنه ﷺ لا يمدح ذواقا؛ لأن ذلك شأن ذوي الشره والنهمة المذمومة. ١٠ أي: فإذا تعدى أحد الحق وجاوزه إلى الباطل غضب ﷺ غضبا لا يقاومه شيء، ولا يدفع غضبه شيء حتى ينتصر للحق بالحق.
[ ٢٩٧ ]
لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها١، وإذ تحدث اتصل بها وضرب براحته اليمنى بظن إبهامه اليسرى٢.
وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه٣، جل ضحكه التبسم يفتر عن مثل حب الغمام٤.
٥- كمال العقل: لما بلغ النبي ﷺ سن الأربعين تميز بكمال العقل، وحسن تقدير الأمور، واتخاذ القرار السديد، ولعل فيما حباه الله به من عمل وترحال، وأحداث وأحمال، أثرا في تكامل عقله ﷺ.
ومما يدل على هذا الكمال قراره يوم بناء الكعبة؛ إذ حكم بين الذين اختلفوا فيمن يرفع الحجر الأسود ويضعه في موضعه حُكْما أرضاهم جميعا مع بساطته ويسره.
ومع رجاحة عقله ﷺ أنه تمكن من التعامل مع كافة طبقات الناس، وأنواعهم، وأجناسهم، في البيئات المختلفة، فأقروا له جميعا بكمال عقله، وسمو خلقه.
_________________
(١) ١ والمعنى: أنه ﷺ كان إذا أشار إلى شيء: إنسان أو غيره، أشار بكفه كلها، ولا يقتصر على الإشارة ببعض الأصابع؛ لأنه شأن المتكبرين والمحتقرين لغيرهم، وإذا تعجب ﷺ من أمر قلب كفه، كما هو شأن كل متعجب. ٢ يعني: أنه ﷺ إذا تحدث اتصل بحديثه بكفه اليمنى، وذلك لتأكيد الكلام وتقويته في النفوس، وزيادة إيضاحه بإشارات الكف، وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى؛ اعتناء بذلك الحديث، ودفعا لما يعرض لنفس السامع مع الفتور أو الغفلة عن الحديث. ٣ أي: إذا غضب من أحد أعرض عنه، فلا يقابله بما يقتضيه الغضب؛ امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ . وأشاح: أي بالغ في الإعراض وعدل عنه بوجهه ﷺ، وإذا فرح ﷺ من شيء غض طرفه، ولا ينظر إليه نظر شره وحرص. ٤ أي: معظم ضحكه ﷺ إنما هو التبسم، ويفتر: أي يضحك ضحكا حسنا كاشفا عن سن مثل حب الغمام في البياض والصفاء، وحب الغمام هو البَرَد -بفتحتين- الذي يشبه اللؤلؤ، فكان ﷺ إذا تبسم بدت أسنانه الشريفة كاللؤلؤ اللامع.
[ ٢٩٨ ]
وكان ﷺ صاحب دين ومبدأ، لم يفعل شيئا نهى الله عنه فيما بعد أبدا، ولم يترك شيئا أمر به.
ولو تأملنا سائر أعماله ﷺ قبل النبوة وبعدها، نرى كل واحدة منها تشهد بكمال العقل، وحسن التقدير.
وباتصاف محمد ﷺ بهذه الصفات التي أكرمه الله بها، صار مؤهلا ليكون رسولا للناس أجمعين..
[ ٢٩٩ ]
خامسا: تحبيب الخلاء لمحمد ﷺ
لم تغب ذكريات الماضي عن فكر محمد ﷺ، بل كان يختزنها في باطنه، ويغفل عنها لانشغاله بأعماله وأسفاره، فما تزوج خديجة ﵂، ورفع الله تعالى عن كاهله عناء الفقر، ومسئوليات المعاش، بدأ يعيش حياة الراحة الهادئة، والطمأنينة السعيدة، ويستعد للمسئوليات الجسام.
ومن خصائص النفس أنها تكون مشغولة مع صاحبها دائما، فهي معه في مسئولياته وقضاياه فإن استراح وسكن، وخلا من المهام، شغلته هي بما يحركها ويشغلها.
إن النفس البشرية قادرة على التذكر والتخيل والتفكير، وهي في حركتها لا تعرف حدود الزمان والمكان، ولا توقفها حواجز السلطة والطبقات، ويساعدها في حركتها الدائمة السريعة ما يأتيها من عالم الشعور وعالم اللاشعور.
وعلماء التربية يرشدون إلى ضرورة إشغال النفس بالحق وتوجيهها نحو النافع المفيد، وذلك بإيجاد حيز من الدوافع التي تدفع النفس نحو فكر معين مقصود.
لقد بدأ الماضي يعاود محمدا بعد زواجه من خديجة، وأخذت الذكريات تتحرك أمامه، وتشغل فكره، وتدعوه إلى التأمل فيها، وفيما وراءها.
لقد عاش في ديار بني سعد، وشق صدره، ورعى الغنم، وعاشر الرعاة، وعاش الخلاء، وسمع كلام الأحبار والرهبان والكهان، وسافر للمدينة وللشام، وباع واشترى.
وقابل أشتاتا من الناس، وسمع ألوانا عديدة من الأفكار والمذاهب والأديان.
[ ٣٠٠ ]
ورأى في مكة بعض الحنفاء ينكرون على العرب ما هم فيه من بعد عن دين إبراهيم ﵇، لقد عاش ﷺ حياة عملية ممتلئة بالحوادث والاتجاهات، وقد عادت نفسه لذلك كله، وتذكره عقله ﷺ في تحليل نظري وتأمل فكري؛ للوصول إلى شيء من أسرار ذلك كله.
والخلوة والبعد عن الناس من الأمور غير المحببة في حياة البشر؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، يحب الأنس، ويعشق ملاقات الآخرين، ويجب التعامل والسمر معهم، وما سمي الإنسان إنسانا إلا لوجود هذا الطبع فيه.
والخلاء مع هذا عامل تربوي، يُعلم الصمت والسكون، ويدفع إلى التأمل والتفكير، ويساعد على الطهارة والسمو؛ ولذلك كانت العبادة في جوف الليل من عظائم الأمور، وكان قرآن الفجر مشهودا، وذلك لمن جعل خلوته لخدمة القيم والخلق.
وقد حبب الله لمحمد الخلاء، فكان يخرج من مكة بعيدا عن الصخب والضجيج، ويمكث وحيدا في غار حراء، ومعه زاده وعدته، مدة تضم الليالي ذوات العدد، حيث يقضي شهر رمضان في خلوته وانقطاعه عن الناس.
يقول الخطابي: والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدعاوى الشغل الفطري، والبشر لا ينفك عن طباعه، ولا يترك مألوفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى بنبيه محمد ﷺ في بداية أمره فحبب إليه الخلوة، وقطعه عن مخالطة البشر؛ ليتناسى المألوف عن عاداتهم، ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه في مقام التعبد بين يديه؛ ليخشع قلبه، وتلين عريكته، فيجد الوحي منه حين وروده مرادا سهلا، ولا يصادفه حزنا وعرا.
فجعلت هذه الأسباب مقدمات لما أرصد له من هذا الشأن ليرتاض بها، ويستعد لما ندب إليه، ثم جاءه التوفيق والتبشير، وأخذته
[ ٣٠١ ]
القوة الإلهية، فجبرت منه النقائض البشرية، وجمعت له الفضائل النبوية١.
وقد كان من عادة مفكري أهل مكة أن ينقطعوا عن الناس مدة كلما جد لهم أمر، يلجئون خلالها إلى آلهتهم، وإلى عقلهم؛ بحثا عن حل لهذا الأمر الذي يشغلهم.
ووجد محمد ﷺ في هذا المسلك طريقا يعيشه في خلوته، يلتمس أثناءها إشباع ما يتمنى الوصول إليه، ووجد في جبل حراء شمال مكة غارا يأتيه المكيون فأحبه، وأخذ ينقطع فيه وحيدا، يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فكان إذا جاء رمضان يحمل طعامه وشرابه ويمكث فيه، بعيدا عن الصخب والضوضاء، يلتمس الحق..
وحراء جبل بأعلى مكة، على بعد ثلاثة أميال منها، على يسار المار إلى منى؛ ولهذا الجبل قمة مشرفة على الكعبة، وفي قمة الجبل غار عرف بـ"غار حراء"، وهو على هيئة حجرة ضيقة، مستطيلة منحوتة داخل قمة الجبل، أرضها مسطحة، وسقفها مقوس، والغار مفتوح من جهتيه الشمالية والجنوبية، ويمكن للجالس فيه أن يرى الكعبة، وبخاصة قبل وجود البنايات الحديثة العالية.
إن الخلوة في غار حراء تؤدي إلى القرب من الله، والنظر إلى الكعبة؛ ولذلك كان أهل مكة يعظمون هذا الغار، ويقصدونه بين الحين والحين، ويربطون بينه وبين الكعبة، وكان صلى الله عليه سلم يطوف بالبيت قبل أن يذهب إلى الخلاء، وكان أول ما يبدأ به إذا انصرف من خلوته أن يطوف بالبيت قبل أن يدخل بيته٢.
إن حياة التأمل والتفكير تعرف الإنسان بنفسه، وترقق مشاعره، وتبعده عن شواغل المادة، وتجعله يلتمس القوة في غير سائر المخلوقات؛ لأن كل مخلوق ضعيف ومحتاج.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٩. ٢ لم تنازع قريش محمدا في خلوته بغار حراء؛ لأن عبد المطلب أول من كان يخلو فيه، وكان لعبد المطلب منزلة فيهم، فلما خلا محمد بالغار جعلوه مكان جده.
[ ٣٠٢ ]
إن تحبيب النبي ﷺ في الخلاء تدريب على تخليه عن الناس، واتصاله بالملأ الأعلى، وهو يتلقى وحي الله تعالى، والذي سوف يتكرر كثيرا، ويدوم طويلا.
والخلاء يُعلم الإنسان التجرد عن الماديات والشهوات المتصلة بها، وتشعره بقيمة المعنويات والروحانيات الغائبة عن الحواس.
تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: " ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك"١ وجاء تعبير الحديث بلفظ "حُبب" المبني للمجهول إشارة إلى أن حب محمد للخلاء لم يكن من بواعثه البشرية، وإنما كان من الوحي والإلهام٢.
يقول ابن هشام: كان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذاك، كان أول ما يبدأ به، إذا انصرف من جواره الذهاب إلى الكعبة، قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته٣.
وكان ﷺ يطيل النظر في الكون المحيط به في السماء ونجومها، وقمرها وشمسها، وأفلاكها ومجراتها، وصورتها في الليل وفي النهار.
ويتأمل الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع؛ إذ تكسوها أشعة القمر، أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندي.
وينظر في أهل مكة والحياة تشغلهم، ويتأمل في الآتين لمكة، وهم يطوفون بالبيت، والأصنام أمامهم!!..
كان ﷺ يتأمل في كل ذلك وفي غيره يلتمس معرفة هذا الوجود، وما
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٢١. ٢ فتح الباري على صحيح البخاري ج١ ص٢٢. ٣ السيرة النبوية ج١ ص٢٣٦.
[ ٣٠٣ ]
وراءه من سبب وغاية!!!..
في هذا الكون المتحرك كان يلتمس الحقيقة العليا، وكان ابتغاء إدراكها يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون، وليخترق الْحُجُب وصولا إلى مكنون سره.
ولم يكن في حاجة إلى كثير من التأمل ليرى أن ما يباشره قومه من شئون الحياة، وما يتقربون به إلى آلهتهم ليس حقا.
فما هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق ولا ترزق، ولا تدفع عن أحد غائلة شر تصيبه؟!..
وما هبل، واللات، والعزى؟!!..
وكيف تكون آلهة، وهي مصنوعة بأيديهم؟!!
وما كان هذه الأنصاب والأصنام القائمة في جوف الكعبة أو حولها، إنها لم تخلق يوما ذبابة، ولا جادت مكة بخير!
ولكن!
أين الحق إذن؟
أين الحق في هذا الكون الفسيح بأرضه وسماواته ونجومه؟
أهو في هذه الكواكب المضيئة التي تبعث إلى الناس النور والدفء، ومن عندها ينحدر ماء المطر، وتأتي للناس، ولأهل الأرض كافة من خلائق، أسباب الحياة من الماء والهواء والنور والدفء؟
كلا! فما هذه الكواكب إلا أفلاك كالأرض سواء.
أهو فيما يتصوره وراء هذه الأفلاك من أثير لا حد له، ولا نهاية له؟
ولكن ما الأثير؟
وما هذه الحياة التي تحيا اليوم فتنقضي غدا؟ ما أصلها؟! وما مصدرها؟!
أمصادفة تلك التي أوجدت الأرض؟! وأوجدتنا عليها؟
لكن للأرض وللحياة سننا ثابتة لا تبديل لها، ولا يمكن أن تكون المصادفة أساسها.
[ ٣٠٤ ]
وما يأتي الناس من خير أو شر، أفيأتونه طواعية واختيارا، أم هو بعض سليقتهم، فلا سلطان لاختيارهم عليه؟!!
لقد رأى محمد ﷺ بثاقب فكره أن عناصر الكون خاضعة لقوة مجهولة هي أقوى من أن تقهر، وأسمى من أن تعرف، وأعلى من أن تتصور، واحدة هي بالضرورة لا تتعدد، عالمية، شاملة.. لأن الوجود كله واحد.
إن عناصر الكون تشغل فكره، وديمومتها المستمرة تدفعه إلى النظر والتدبير فيسائل نفسه، ويعاود النظر، هنا تارة، وهناك تارة أخرى.
ها هي الشمس، ترسل أول أشعتها على الحصى المنثور هنا وهناك، فتصيره جواهر تتلألأ، وأضواء تبرق، وجمالا ينساب بين الكائنات، فينشغل بها!!
ثم ها هي الشمس في كبد السماء، جبارة طاغية، ترسل بأثواب الضوء البراقة لتنشرها على الأرض في حسن وشمول، فيأخذه بهاؤها!!
وها هي ذي الأرض هامدة ساكنة، مستسلمة، كجثة لا حياة فيها.. ثم ماذا؟!..
وها هي أمواج الذهب ترسلها الشمس على الكون عند غروبها، في سخاء وهدوء، وتنسحب كأنها تريد أن توحي إليه بالأسف لمغيبها بلا استئذان.. وتنتهي!!
ثم ها هو ذا طوق القمر الباهر، يشبه طوق الحمامة، تنسجم فيه ألوان الطيف السبعة، ويتألق في وسطه القمر الذي يزهو بما يصدر عنه من شرر، يتحول إلى الآلاف المؤلفة من النجوم والكواكب، ليخلف القمر حتى الصباح!!
وها هي تلك الأعمدة المختالة تتلهى بها الرمال، عند هدوء الجو، بإقامتها ثابتة تحت القبة الزرقاء، حتى إذا ما ثارت الأعاصير، وبعثت بالأتربة من بطون الوديان قاذفة بها في هجوم عنيف، على الغيوم السوداء المفعمة بالبرق، هكذا بعد الهدوء!!
[ ٣٠٥ ]
وها هي ذي قوافل الغيم، تشبه الخراف البيض، تطاردها الرياح حتى تبعدها عن قمم الجبال، فتضطر إلى الهجرة قبل أن تسيل عبراتها على مسقط رأسها، بلا خيار، ولا قصد، ولا معرفة!!..
وها هي تلك العواصف الممطرة تنفجر شآبيبها الهطالة، فتصب على الجبال العريانة أنهارا من المياه، عنيفة جارفة، لها دوي، ولها زئير.
أمام هذه العناصر الكونية الهائلة، العاتية، التي لم تجرؤ قط، رغم جبروتها على عدم الخضوع، ولو شروى نقير، للقوانين التي تسيرها والتي فرضتها عليها القوة السامية العليا.. إن كل عنصر في فلكه يسبح، وكل عنصر لا يملك إلا الاستسلام والخضوع.. وهكذا رأى الكون في جملته قويا شديدا، وفي نفس الوقت وجده خاشعا ذليلا.
لشد ما بدا لمحمد من ضعف الإنسانية وهوانها!!..
ولكم بدا له غرورة العقل وضلاله!!..
ولكم رأى خداع الحس بالمحسوس، وخيبة الاستدلال بالماديات!!..
أجل، وكم من سخرية في أن تثق الإنسانية بالمحسوسات، مع أنها ترى السراب صورة براقة من موجات الأثير الفائر ليشهدها بذلك على غرورها المطلق!
في مثل هذه الأمور النفسية وغيرها كان محمد ﷺ يفكر أثناء انقطاعه وتعبده بغار حراء؛ إذ ليس أمامه إلا هذا التدبير.
وكان يتمنى رؤية الحق فيها، وفي الحياة جميعا، وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده، ويشغله لذلك عن هذه الحياة وصبحها ومسائها، فإذا انقضى شهر رمضان عاد إلى خديجة، وبه من أثر التفكير ما يجعلها تسائله، تريد أن تطمئن إلى أنه بخير وعافية.
ولكن..
بأي نسك كان محمد يتعبد أثناء تحنثه ذاك؟ وعلى أن شرع بذاته كان يعمل؟
[ ٣٠٦ ]
هذا أمر اختلف العلماء فيه، وقد روى ابن كثير في تاريخه طرفا من آرائهم في الشرع الذي كان يتعبد عليه.
فقيل: كان ﷺ يتعبد بشرع نوح ﵇.
وقيل: كان يتعبد بشرع إبراهيم ﵇.
وقيل: كان يتعبد بشرع موسى ﵇.
وقيل: كان يتعبد بشرع عيسى ﵇.
وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به.
ولعل هذا القول الأخير أقوم من غيره، فهو الذي يتفق وما شغف محمد به من التأمل، ومن التفكير، وما عرف عن غياب الشرائع يومذاك، حتى أن كثيرا من الحنفاء لم يصلوا إلى شيء رغم ما بذلوا من جهد للوصول إلى دين حقيقي.
واستمر محمد على عادته تلك في حب الخلاء، والانقطاع له، ومداومة البحث عن الحقيقة؛ حتى هداه الله إليه بنزول الوحي، وبدء الرسالة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ١.
يذهب المفسرون في بيان المعنى المراد من الضلال إلى معانٍ كثيرة:
- فهو بمعنى: الغفلة عما يراد بك من أمر النبوة.
- وبمعنى: عدم معرفة دين وشرع ما، فهداك الله للإسلام وشريعته.
- وبمعنى: في وسط ضلال قومك وكفرهم فهداهم الله بك.
- وبمعنى: الحيرة فيما ترى، فعرفك بالصواب والحق٢.
وهذه المعاني تلتقي في معنى عام واحد، وهو أن الرسول ﷺ كان يبحث عن طريق الحق والهدى، وسط قومه الغافلين، ولم يكن يتصور أن النبوة ستأتيه،
_________________
(١) ١ سورة الضحى آية ٧. ٢ انظر: تفسير القرطبي ج٢٠ ص٩٦، ٩٧.
[ ٣٠٧ ]
وكثيرا ما أضنته الحيرة والقلق حتى جاءه جبريل ﵇ فأرشده إلى صراط الله المستقيم.
والمعاني تدور مع أحوال محمد ﷺ قبل المبعث، ومع بحثه الدءوب عن الحقيقة التي هداه الله إليها، وعرفه بها، فكانت الرسالة والبعثة.
[ ٣٠٨ ]
المبحث العاشر: بدايات الوحي
وبلغ محمد ﷺ سن الأربعين، وكمل في ذاته، وأصبح مستعدا لتكميل الآخرين، وهنا جاءه وحي الله، كما هو الشأن مع جميع الأنبياء والمرسلين١. يروي البخاري عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "أنزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة"٢.
لقد حاول محمد ﷺ الوصول إلى الحقيقة المتصلة بالوجود والحياة، وطال تفكره وتدبره، ولم يصل إلى ما يتمنى ويريد.
إنه يسمع عن دين الله وأنبياء الله، لكنه لا يعرف حقيقة الألوهية وحقوقها، ويجهل كل ما يتصل بالنبوة والرسالة، وإدراكه للملأ الأعلى ساذج وبسيط، والأسرار من حوله تتكاثر وتتعدد، وكلما طال تأمله تشعبت مناحي النظر، وبعدت عنه الأسرار والغايات.
والعقل مهما سما إدراكه، ومهما دق فكره، ومهما تعمقت تأملاته ونظراته، لا يمكنه أن يصل إلى شيء من حقائق هذا الوجود، ولا بد له من وحي الله يكشف له الأسرار التي يحتاج إليها.
ومحمد ﷺ مع صفاء نفسه، وكمال عقله، وسمو روحه، يحتاج إلى فيوضات الله تهديه للحق، وتنقذه من الحيرة، وتعرفه بالحقائق الدينية التي لا يمكن للعقل أن يصل إليها.
كما يجتاج لرحمة الله مراعاة لجانب البشرية فيه، حتى لا تفاجئه روحانية الوحي، وغرائب الملأ الأعلى.
_________________
(١) ١ شروح النووي على صحيح مسلم ج١٥ ص٩٩. ٢ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب صفة النبي ﷺ ج٦ ص٢٦.
[ ٣٠٩ ]
ويحتاج كذلك إلى تعلم كيفية الاتصال بخالقه، والتعامل مع الملائكة، واستقبال الوحي بمختلف صوره وأشكاله.
وقد تجلت فيوضات الله تعالى على محمد ﷺ بصورة رقيقة، شفيقة عمادها الرحمة والمودة، وعناصرها الترقي ببشرية محمد ليكون نبيا ورسولا.
وكانت رحمة الله مع محمد ﷺ حين جاءه وحي الله تعالى؛ إذ كلفه بالنبوة أولا، وجاءه الوحي ينبئه، ومن المعروف أن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلما خبر ﷺ الوحي، ورأى صوره، وأنواعه، وأصبح متآلفا مع لقائه جاءته الرسالة، فصار رسولا نبيا.
والنبوة أخص من الرسالة؛ لأن النبوة تعني نزول الوحي من عند الله، إلى من يختاره الله تعالى من الناس؛ ليعلم ويعمل بما أوحي به، وهي تعليم لمن تنبأ خاصة، أما الرسالة فإنها الوحي يأتي للشخص المختار على أن يعلمه ويقوم بتبليغه للناس ويعمل به، فهو رسول الله إليهم.
وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس بلازم أن يكون النبي رسولا..
ولقد نبئ محمد ﷺ وجاءه الوحي من عند الله، واستمر على ذلك مدة تعد تمهيدا لإرساله، أراد الله أن يهيئه خلالها للتعامل مع الملائكة، والاتصال بالله، ويعرفه كذلك بكل ما تحتاجه الرسالة من أمور لا بد منها للرسول المختار.
إن الرسول بشر يتصل بالله وبالناس، ولا بد له من أن يتصف بصفات ذاتية ترتقي به إلى درجة الكمال البشري والسمو الروحي؛ ليسهل عليه الاتصال بالملأ الأعلى بجانبه الروحي، والتعامل مع الناس بجانبه البشري في توازن وانسجام.
وقد بدأت نبوة محمد بأوليات الوحي كما أرادها الله تعالى، ولم يكلف بالرسالة إلا بعد أن أصبح مؤهلا لها، مستعدا للقيام بواجبها١.
_________________
(١) ١ انظر: أعلام النبوة للماوردي ص١٧٥-١٨٠، ويرى الماوردي أن الوحي تدرج مع رسول الله منزلة بعد أخرى، فبدأ بالرؤيا ثم بالنداءات، ثم بالنبوة، ثم بالرسالة إلخ.
[ ٣١٠ ]
لقد كان ﷺ في مرحلة النبوة يخاف من الوحي يأتيه بإحدى صوره؛ ولذلك كان يأتي لخديجة شاكيا، ويقول لها: "خشيت على نفسي"، ويصف الرجل الذي يظهر أمامه ويقول: "سطا عليَّ الرجل"، وكان يجري منه محاولا الهرب من أمامه، أما في مرحلة الرسالة فكان يأنس بالوحي، ويتعجله، ويخاف أن يتركه ولا يأتيه..
ولقد اختلف الوحي مع محمد ﷺ في فترة النبوة عن الوحي في فترة الرسالة، يقول القاضي عياض: وإنما بدأ الوحي مع رسول الله ﷺ بالرؤيا؛ لئلا يفجأة الملَك، ويأتيه بصريح النبوة بغتة، فلا تتحملها قواه البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا، وما جاء من رؤية الضوء، وسماع الصوت، وتسليم الحجر والشجر عليه بالنبوة، حتى يستشرف عظيم ما يراد به، ويستعد لما ينتظره، فلم يأته الملَك إلا بأمر عنده مقدماته١.
يقول ابن كثير: وبدء الوحي بصورة التدرج يهدئ القلب، ويطمئن النفس..
ومن صور الوحي في بدايته ما يلي:
١- الرؤيا الصادقة:
إذا نام الإنسان انقطع عن عالم الناس، وعاش مع باطنه وإدراكاته اللاشعورية، وخلال النوم تهيم نفس النائم في رؤى تتضمن أفكارا وأحداثا، لا يمكن له أن يتصور حدوثها في حالة اليقظة؛ ولذا كانت الرؤى المنامية تدريبا للإنسان وهو في عالم اللاشعور، على ما سوف يراه في عالم الإدراك والشعور.
إن علماء النفس المعاصرين يزرعون في الإنسان مبادئهم الضارة، وقيمهم المادية، وهو نائم، وذلك بوضع تسجيل صوتي تحت رأسه وهو نائم تحببه فيما يرغبون، وتتحدث عن مزايا ما يدعون إليه، فإذا ما استيقظ الإنسان يجد عقله مشغولا بما سمعته روحه أثناء نومه، من غير إدراك سبب هذا الانشغال.
_________________
(١) ١ الشفا ج١ ص٣٦٠ بتصرف.
[ ٣١١ ]
إن هذه المقدمة بيان لأهمية الرؤى، وإبراز لدورها في تهيئة الإنسان لأحداث عالم اليقظة، وبخاصة إذا كانت الأحداث غريبة مدهشة.
ولقد كان من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن بدأه الوحي بالرؤيا الصادقة، تقول السيدة عائشة ﵂: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"١.
وبذلك كان الوحي يُعْلِمُ رسول الله وهو نائم بما يريده الله تعالى في رؤى صادقة، صالحة، خالية من الضغث والوهم، وكانت رؤى الوحي في وضوحها وظهورها تشبه ضوء الصبح في بيانه وسطوعه.
جاء في فتح الباري أنه ثبت في مراسيل عبيد بن عمير أنه ﷺ أوحي إليه أولا في المنام حتى أتاه الملَك بعد ذلك في اليقظة على الصورة التي أتاه بها في المنام٢، وقد تعددت الرؤى المنامية لرسول الله ﷺ، وكان يندهش لذلك.. ومنها٣:
- رأى أن آتٍ أتاه، ومعه صاحبان له، فنظروا إليه فقالوا: هو، هو، ثم ذهبوا.. فهاله ذلك، وتساءل عما رأى، وعن حديثهم أمامه، فقال له عمه أبو طالب: يابن أخي، ليس بشيء.
- وأتاه هذا الآتي مرة أخرى، فجاء لعمه، وقال له: يا عم، سطا بي الرجل الذي ذكرت لك، فأدخل يده في جوفي حتى أني أجد بردها، فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطيب بمكة، فحدثه حديثه، وقال: عالجه، فصوب به، وصعد، وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه، وقال: يابن عبد مناف، ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته، وليس الرائي شيطانا، ولكنه من النواميس الذين يتحسسون بها القلوب للنبوة، فرجع به.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٥. ٢ فتح الباري - كتاب الوحي ج١ ص٢٢. ٣ انظر: سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٠-٣١٢.
[ ٣١٢ ]
- رأى في منامه أن سقف بيته نزعت منه خشبة، وأدخل فيه سلم من فضة، ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمنع من الكلام، فقعد أحدهما إليه، والآخر إلى جنبه، وأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه، وأدخل يده في جوفه ورسول الله ﷺ يجد بردها، فأخرج قلبه، فوضعه على كفه، وقال لصاحبه: نعم القلب قلب رجل صالح، فطهر قلبه وغسله، ثم أدخل القلب مكانه، ورد الضلعين، ثم ارتفعا، ورفعا سلمهما، فإذا السقف كما هو، فذكر ذلك لخديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا، هذا خير فأبشر.
- ورأى في منامه جبريل ومعه نمط من ديباج فيه كتاب فقال له: اقرأ.
فقال له: "ما أقرأ؟ ".
فغته به حتى ظن رسول الله ﷺ أنه الموت، ثم أرسله فقال: اقرأ.
قال ﷺ: "ما أقرأ؟ ".
فغته به حتى ظن رسول الله ﷺ أنه الموت، ثم أرسله فقال له: اقرأ.
قال ﷺ: "ماذا أقرأ؟ "، قال ذلك إلا افتداء منه أن يعود إليه بمثل ما صنع.
قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
فقرأها رسول الله ﷺ ثم انتهى فانصرف جبريل، وهب رسول الله ﷺ من نومه، قال: "فكأنما كتب في قلبي كتابا"، فذكر ذلك لخديجة فقالت: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا.
وهكذا
تعددت الرؤى، وركزت على قضية إعلام الرسول بنبوته، وتطهيره، وإعلامه ما ينتظره من أحوال وأعمال، حتى لا يفجأه الملَك على صورته الحقيقة، فيصاب بالخوف والاضطراب.
[ ٣١٣ ]
٢- نداءات الملائكة:
من صور الوحي الذي بدأ برسول الله ﷺ نداء الملائكة عليه، وإعلامهم إياه بنبوته، وهو لا يعرف المنادِي، ولا يمكنه تحديد مصدر النداء..
من ذلك ما رواه ابن كثير بسنده أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر".
قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل ذلك بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث.
فلما دخل أبو بكر، قالت له خديجة، يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة١.
فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة.
قال: ومن أخبرك؟
قال: خديجة.
فانطلقا إليه، وقال رسول الله ﷺ له: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض".
فقال له: لا تفعل إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتني فأخبرني.
فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قل: لا إله إلا الله، فأتى محمد ورقة، فذكر له ذلك، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي مرسل٢.
ويقول النبي ﷺ: "خرجت مرة حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى
_________________
(١) ١ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة ﵂، آمن بمحمد يوم أن جاءه يسأله، فلما توفي قال الرسول ﷺ عنه: "لقد رأيت القس في الجنة على ثياب بيض؛ لأنه آمن بي، وصدقني"، ويقول ﷺ: "لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين". "سيرة ابن كثير ج١ ص٣٩٨". ٢ البداية والنهاية ج٣ ص٩.
[ ٣١٤ ]
السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، فرفعت أنظر إليه فما أتقدم وما أتاخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أتأخر ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرفت راجعا إلى أهلي.
حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، فبلغوا مكة، ورجعوا إلي!!
ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة، فأخبرته بما أخبرتها به، فقال ورقة: قدوس قدوس! والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت".
فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة.
وفي مرة ثالية قضى رسول الله ﷺ جواره، وانصرف يصنع كما كان يصنع؛ حيث بدأ بالكعبة فطاف، فلقيه ورقة عند الكعبة، قال له: يابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت.
فلما أخبره قال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتقاتلنه ولتوذينه، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يا فوخه.
ويقول ﷺ لخديجة: "لما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئا، فنظرت عن شمالي فلم أرَ شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء والأرض فقلت: دثروني دثروني، وصبوا عليَّ ماء باردا" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب سورة المدثر ج٨ ص٦٢، البداية والنهاية ج٣ ص١٢، ١٣.
[ ٣١٥ ]
إن نداءات الملائكة لرسول الله، وتعجبه مما يسمع، دفعه إلى معرفة شيء من أسرار ما يسمع؛ ولذلك كان يرجع لخديجة يقص عليها ما رأى.
وكانت خديجة ﵂ خير معين لرسول الله ﷺ، تسمع منه وتجتهد في معرفة أسباب ذلك، وتسأل أهل الكتاب عن خبر ما يسمع، وتخبر زوجها رسول الله ﷺ بما يسري عنه ويطمئنه.
وكانت تبحث عن أسرار ما يرى لتطمئن عليه، وتطمئنه ﵂، قالت له مرة: يابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟
قال: "نعم".
قالت: فإذا جاءك فأخبرني به.
فجاء جبريل، فقال رسول الله ﷺ: "يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني".
فقالت: قم يابن عم، فاجلس على فخذي اليسرى.
فقام رسول الله ﷺ فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟
قال: "نعم".
قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله ﷺ فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟
قال: "نعم".
فحسرت فألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟
قال: "لا".
قالت: يابن عم، اثبت وأبشر، فوالله إنه لملَك، ما هذا شيطان١.
٣- كلام الشجر والحجر:
يروي ابن سعد بسنده أن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا، ويفضي إلى الشعاب، وبطون
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٤، البداية والنهاية ج٣ ص١٥، ١٦.
[ ٣١٦ ]
الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه، وشماله، وخلفه، فلا يرى أحدا١.
روى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أعرف حجرا كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" ٢.
وقال محمد بن عمر بسنده عن برة بنت تجراة قالت: إن رسول الله ﷺ حين أراد الله تعالى كرامته، وابتداءه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد، حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة، وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر، ولا شجر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت رسول الله ﷺ خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر، وما حوله من الحجارة، وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله٣.
وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله تعالى أن رسول الله ﷺ قال: "يا خديجة، إني أرى ضوءا، وأسمع صوتا، لقد خشيت أن أكون كاهنا"، فقالت: إن الله تعالى لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله؛ إنك تصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتصل الرحم٤.
٤- لقاء الملائكة:
من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن أخذ يهيئه للقاء ملَك الوحي، وذلك بإرسال الملائكة إليه، تعلمه كلمة، أو شيئا ما؛ ليستعد بذلك على ملاقاة جبريل ﵇.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد ١/ ١٥٧. ٢ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب تسليم الحجر عليه ج١٥ ص٢٦. ٣ طبقات ابن سعد ج١ ص١٥٧. ٤ المرجع السابق ج١ ص١٩٥.
[ ٣١٧ ]
يروي ابن سعد أن رسول الله ﷺ لما نزلت عليه النبوة كان يأتيه "إسرافيل" واستمر معه يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل شيء من القرآن على لسانه١، يقول أبو شامة: إن "إسرافيل" كان يأتي النبي وهو في غار حراء، فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة، ولا يقيم معه، تدرجا وتمرينا..
وأحيانا كان يأتيه جبريل بصحبة ملك آخر، يقول ابن عباس ﵁: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصفا فقال رسول الله ﷺ: "يا جبريل، والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة دقيق، ولا كف من سويق"، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته.
فقال رسول الله ﷺ: "أأمر الله القيامة أن تقوم؟ ".
فقال جبريل: لا، ولكن أمر الله إسرافيل فنزل إليك، حتى يسمع كلامك.
فأتاه إسرافيل فقال: إن الله تعالى بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض إليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا، وياقوتا، وذهبا، وفضة، فإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا؟ فأوما إليه جبريل: أن تواضع.
فقال رسول الله ﷺ: "بل نبيا عبدا" ثلاثا٢.
ويقول البراء بن عازب ﵁: أتاه جبريل وميكائيل، فنزل جبريل وبقي ميكائيل واقفا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟
قال: هو هو.
قال: فزنه برجل، فوزنه به فرجحه رسول الله ﷺ.
قال: زنه بعشرة، فوزنه فرجحهم.
قال: زنه بمائة، فوزنه فرجحهم.
قال: زنه بألف، فوزنه فرجحهم.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد ج١ ص١٩١. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٠.
[ ٣١٨ ]
ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفة الميزان.
فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، ثم أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشقه، فأخرج منه مغمز الشيطان، وعلق الدم فطرحها، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاطه، ثم أجلساه فبشره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم١.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: بينما النبي ﷺ جالس، وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضا من السماء من فوق، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد، هذا ملك قد نزل، لم ينزل إلى الأرض قط.
فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منها إلا أوتيته٢.
٥- مجيء جبريل بالقرآن:
استمر الوحي بالمقدمات مع رسول الله ﷺ على النحو المبين، وأدرك محمد ﷺ أن أمرا عظيما ينتظره، وسمع من زوجته، ومن ورقة، ومن غيرهما: أن الذي يراه ويسمعه هو الوحي الذي كان يأتي موسى وعيسى والأنبياء من قبله عليهم صلوات الله وسلامه.
وشيئا فشيئا بدأ يطمئن لما يرى، ويثق فيما يسمع حتى جاءه جبريل ﵇ بأول آية قرآنية أمره الله تعالى أن يقرئه بها، تصور السيدة عائشة ﵂ نزول جبريل بأول آية قرآنية على رسول الله ﷺ فتقول ﵂: جاءه الملَك "أي جبريل" وهو في غار حراء، فقال: اقرأ.
قال: "ما أنا بقارئ".
_________________
(١) ١ انظر ص١٩٠ وما بعدها. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٠.
[ ٣١٩ ]
يقول النبي ﷺ: "فأخذني فغطني حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ".
فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.
ثم قال: "يا خديجة، ما لي؟ " وأخبرها الخبر، "لقد خشيت على نفسي".
فقالت خديجة له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة لأبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي والعبراني، فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وقد عمي في شيخوخته.
فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك.
فقال ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟
فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى.
فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله ﷺ: "أومخرجي هم؟ ".
[ ٣٢٠ ]
فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي١.
ومع أن النبي ﷺ كان يبحث عن الهداية التي جاءته، ومع أنه كان على يقين بالفوز العظيم بمجيء جبريل؛ ولذلك قال لخديجة: "أرأيتك الذي كنت أخبرتك أن رأيته في المنام؟ فإنه جبريل، استعلن لي، وأرسله إليَّ ربي".. ومع كل ذلك فإنه ﷺ أصيب بالروع، وخشي على نفسه.
وهذا الخوف الذي عاشه النبي ﷺ في لقاء جبريل ﵇ جعل البعض يتساءل عن سبب هذا الخوف؛ لأن المقام مقام سرو ورضى، وليس مقام رهبة وهلع.
وقد تناول العلماء هذه المسألة، ورأوا أن الخوف لم يكن من النبوة، أو من الوحي، وإنما كان من تصوره أذى يأتي من الغط الشديد، أو من ثقل المسئولية، أو لأن الحوار لم يكن عاديا.. فلقد أمر جبريل ﵇ محمدا ﷺ بالقراءة ثلاث مرات، وغطه بشدة ثلاث مرات أيضا، والرسول يقول له: "ما أنا بقارئ"، وينتشر خبر ذلك عند خديجة، وأبي بكر، وورقة، ويتحدث عنه أهل مكة؛ ليكون حديثهم تعريفا بمحمد، وتنبيها على منزلته عند الله، والناس، فضلا من الله ونعمة.
يقول الإسماعيلي: إن العادة جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى الله تعالى بإيصاله إلى الخلق أن يتقدمه ترشيح وتأسيس، وكان ما يراه النبي ﷺ من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك، فلما جاءه الملَك فجأه بغته بصورة تخالف العادة والمألوف، نفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه، وينفر وطبعه منه، حتى إذا اندرج عليه، وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى خديجة التي ألف تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له، فهونت عليه خشيته، مما عرفته من
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٥، ٦، ٧.
[ ٣٢١ ]
أخلاقه الكريمة، وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة؛ لمعرفتها بصدقه، ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق، واعترف به، وأشار الإسماعيلي كذلك إلى أن الحكمة في ذكره ﷺ ما اتفق له في هذه القصة: أن يكون سببا في انتشار خبره، في بطانته، ومن يستمع لقوله، ويصغى إليه، طريقا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله لينبهوا على محله١ ويعرفوا مقامه ﷺ.
ومع لقاء جبريل برسول الله ﷺ وإقرائه أول سورة العلق نلاحظ بعض الملاحظات:
الأولى: غط جبريل رسول الله ﷺ ثلاث مرات؛ ليجعل التفاته وفكره إليه وحده، دون الانشغال بغيره، ويعرفه بثقل الرسالة، وضخامة المسئولية، ويتعود على التلقي من الوحي فقط.
وليكن صبورا حين التبليغ.
ويعلم أن تكرار الطلب منهج في نشر دين الله تعالى.
وليتأكد ﷺ بتكرار الغط أن ما يحدث حقيقة واقعية ملموسة، وليست خيالا أو وهما.
لقد كان جبريل ﵇ في أشد الاشتياق للقاء محمد ﷺ؛ ولذلك ضمه إليه، وقبله أكثر من مرة.
كان من الممكن أن يلقن جبريل ﵇ محمدا ﷺ بما يلقنه شفاهة من بعد، ويمضي، لكنه فعل ذلك بأمر الله تعالى؛ ليؤكد خطورة الأمر، وأهميته، وضرورة بذل الجهد، وتحمل المشاق في أداء الواجبات الخطيرة، وهل هناك أخطر من مهمة الرسالة والدعوة؟!!
وكان من الممكن أن يتم اللقاء مناما، لكن الله تعالى أراد أن يطلع رسوله الأمين محمد ﷺ على صورة روحه الأمين، كما أراد له أن يعرف أهم صور
_________________
(١) ١ فتح الباري على صحيح البخاري ج١٢، ص٣٦٠.
[ ٣٢٢ ]
الوحي بعد أن عاش الرؤى، وسمع النداء، وشاهد الجمادات تناجيه، وعاش الخلوة بفكره، أراد الله له بعد ذلك أن يتعود على صورة الوحي التي ستستمر معه، وقد كان، فجاء جبريل وأقرأه أول سورة العلق.
الثانية: في بدء الوحي بـ"اقرأ" بيان لموقف الإسلام من القراءة، ومن العلم كله، فالقراءة أساس معرفة الدين، بها يحفظ القرآن، وتصان السنة، وتفهم الشريعة، وبها تكون الدعوة، وحماية الإسلام وبالعلم تحيا الأمة، وتحافظ على الضرورات الشرعية جميعا، وتنظم كافة جوانب الحياة.
الثالثة: قدمت خديجة ﵂ مع رسول الله ﷺ صورة للزوجة العظيمة المثالية، فلقد كانت تعيش حياة رسول الله لحظة بلحظة، تتمنى له الخير، تشاركه في كل ما يعن له، وتهتم بكل ما يهمه.
لقد أعطته مالها فأغنته ﷺ به، وأبعدته عن متاعب الفقر ومشاغله، ولما بدأ الوحي مناما ونداء وضوءا كانت تطمئنه، ولكنها من ورائه كانت تبحث عن حقيقة ما يرى ﷺ خوفا عليه وحذرا.
وكان ﵂ إذا غاب عنها ترسل في طلبه مَن يبحث عنه١..
كما ذهبت وحدها إلى ورقة، وأخبرته بخبر زوجها، تريد أن تعرف شيئا عنه، فقال لها ورقة: قدوس، قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة٢.
ولم تكتفِ بما سمعت عن ابن عمها ورقة، بل ذهبت مرة أخرى إلى غلام لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس -نصراني من أهل نينوى- يقال له: عداس، فقالت له: يا عداس، أذكرك الله إلا ما أخبرتني: هل عندكم علم عن جبريل؟
قال عداس: قدوس، قدوس، ما شأن جبريل يُذكر هذه الأرض التي أهلها أهل أوثان.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٣. ٢ انظر ص٣١٢.
[ ٣٢٣ ]
فقالت: أخبرني بعلمك فيه.
قال عداس: هو أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام١.
لقد تميزت خديجة ﵂ بكمال الخِلْقَة والْخُلُق، يقول عنها ﷺ: "خير نسائها خديجة بنت خويلد" ٢، وقد جعلت عقلها الكامل في خدمة محمد ﷺ ودعوته، وكانت ﵂ خير معين لمحمد ﷺ؛ ولذلك بشرها الله ببيت في الجنة٣..
ونلحظ مدى ملاطفتها وتقديرها لزوجها في مناداته: يابن عم.. ولذلك فقد استحقت التقدير من رسول الله ﷺ، يقول ﷺ: "إني رزقت حبها" ٤.
فتور الوحي:
واطمأن محمد ﷺ لصدق ما رأى وما سمع، وتيقن أن الذي كان يأتيه هو وحي الله، وتأكد أنه فاز بذلك فوزا عظيما.
وحتى يستوعب كل ما رأى، وتهدأ نفسه فتر الوحي، وانقطع عنه جبريل ﵇، فمكث ﷺ أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا، وأخذ يدور بسببه بين رءوس الجبال عساه يراه ويحدثه، وحاول أن يتردى من رءوس شواهق الجبال من شدة ألمه لانقطاع جبريل عنه.
وقد شق هذا الفتور على رسول الله ﷺ؛ لأنه لم يكن خوطب بعد من الله بأنه رسول الله، ومبعوثه إلى العباد، فخاف أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لا يراد استتمامه، فحزن لذلك؛ ولذلك أتاه جبريل بعد ذلك وأخبره بأنه رسول الله.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٣. ٢ صحيح مسلم - كتاب فضائل خديجة ج١٥ ص١٩٨. ٣ المصدر السابق ج١٥ ص٢٠١. ٤ المصدر السابق ج١٥ ص٢٠١.
[ ٣٢٤ ]
يقول الزهري: فكلما وافَى ذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال له: يا محمد، أنت رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى ذروة الجبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك١.
يتساءل البعض: كيف يجوز للنبي ﷺ أن يفكر في إلقاء نفسه من ذروة الجبل؟
والجواب: أن ذلك كان هَمًّا، لا قرارا.
وكان يظن أن قوته عاجزة عن تحمل ما يتوقعه من أعباء النبوة.
وخوفا مما قد يحصل له ﷺ حين القيام بها من مباينة الخلق جميعا وعداوتهم.
وذلك كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل، بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكر فيما سيكون من العقبى المحمودة صبر، واستقرت نفسه.
والعلماء يختلفون في تحديد مدة انقطاع الوحي، فبعضهم يذهب إلى أن الوحي انقطع مدة قاربت السنتين ونصف، وبعضهم يرى أنها كانت أياما، إلى غير ذلك من الآراء، يرى ابن إسحاق: أنها كانت ثلاث سنوات، ويرى ابن كثير: أنها كانت سنتين ونصف، ويرى ابن عباس: أنها كانت أربعين يوما، ويذهب ابن الجوزي إلى: أنها كانت خمسة عشر يوما، ويرى مقاتل: أنها ثلاثة أيام، والرأي الأول بالاعتبار هو في تقصير مدة الانقطاع لمناسبته مقام الرسول عند ربه، ولأنه من الأمور التي إذا طالت انتشرت وعرفت واشتهرت، كما أن الانقطاع مدة طويلة يؤدي إلى ضياع كثير مما تم بناؤه في دنيا الناس، وحياة رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر ص٣٢٤ وما بعدها.
[ ٣٢٥ ]
المبحث الحادي عشر: صور الوحي
المبحث الحادي عشر: صورة الوحي
تعتبر مدة انقطاع الوحي فاصلا بين النبوة والرسالة، فلقد نبئ ﷺ لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، ونزل عليه القرآن الكريم في شهر رمضان من نفس العام، والمدة بينهما هي فترة النبوة، وبعدها كان الرسالة.
ولقد كان الوحي إلى رسول الله ﷺ يأتيه بصورة عديدة، منها:
الأول: الرؤيا الصادقة في المنام ومثاله رؤية إبراهيم ﵇، كما يقول تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ١، فدل على أن الوحي كان يأتيهم في المنام كما كان يأتيهم في اليقظة، وما رأى رسول الله ﷺ لما بعث رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
يروي البخاري بسنده عن عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي٢.
الثاني: أن ينفث الملَك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال ﷺ: "إن روح القدس نفث في روعي، لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لن ينال إلا بطاعته" ٣.
يقول المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ ٤: هو أن ينفث في روعه بالوحي الذي يخص القلب دون السمع.
_________________
(١) ١ سورة الصافات آية ١٠٢. ٢ صحيح البخاري - كتاب الوحي ج١ ص١١. ٣ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٣٥٢. ٤ سورة الشورى آية ٥١.
[ ٣٢٦ ]
الثالث: أن يأتيه مثل صلصة الجرس وهو أشده عليه، فيتلبس به الملَك حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك على الأرض.
يروي الشيخان عن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: "أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملَك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" ١.
وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات عن أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يقول: "كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه عليَّ كما يلقي الرجل الرجل فذاك يتفلت مني، ويأتيني في شيء مثل صلصة الجرس حتى يخالط قلبي فذاك لا يتفلت مني" ٢.
الرابع: أن يكلمه الله تعالى بلا واسطة من وراء حجاب في اليقظة، كما في ليلة الإسراء، على القول بعدم الرؤية.
الخامس: أن يكلمه الله تعالى كفاحا بغير حجاب على القول بالرؤية ليلة الإسراء.
السادس: أن يكلمه الله تعالى في النوم، كما في حديث معاذ عند الترمذي: "أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى" ٣، وهذا النوع يختلف عن الرؤيا المنامية؛ لأن هذا كلام الله تعالى.
وذكر بعضهم أن من هذا النوع نزول سورة الكوثر لما رواه مسلم عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع بصره مبتسما
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٤. ٢ طبقات ابن سعد ١/ ١٩٧. ٣ سنن الدارمي - باب رقم ١٢.
[ ٣٢٧ ]
فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وكانت قد نزلت عليه قبل ذلك، على الأصح، وهذه مرة أخرى تتنزل فيها السورة؛ لأن القرآن الكريم نزل كله في اليقظة.
السابع: مجيء الوحي كدوي النحل.
روى الإمام أحمد والحاكم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أنزل عليه يُسمع عند وجهه دوي كدوي النحل"١.
الثامن: العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه، وعلى لسانه، عند الاجتهاد في الأحكام.
لأنه اتفق على أنه ﷺ إذا اجتهد أصاب قطعا، وكان معصوما من الخطأ، وهذا خرق للعادة في حقه ﷺ دون الأمة، وهو يفارق النفث في الروع من حيث حصوله بالاجتهاد، والنفث بدونه.
ولقد كان الوحي ثقيلا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ٢، ويرجع ثقل الوحي إلى ما يتضمنه من: عقيدة، وشريعة، وأخلاق، بحيث لا يقدر على حملها والعمل بها سوى العقلاء، الذين يحكمون عقولهم، ويسيطرون على هواهم ونفوسهم.
ومن دلالات ثقل الوحي ما كان يحدث لرسول الله ﷺ حين نزول الوحي عليه الآثار التي رواها أصحابه رضوان الله عليهم، ومنها:
- يقول زيد بن ثابت ﵁ عن عائشة ﵂ أنها قالت: أنزل على رسول الله ﷺ وفخذه على فخدي، فكادت فخذه ترض فخذي.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ١/ ٣٤. ٢ سورة المزمل آية ٥.
[ ٣٢٨ ]
- وقالت عائشة ﵂: إن الوحي ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه، وتلت الآية١.
- ويقول أبو أروى الدوسي ﵁: رأيت الوحي ينزل على رسول الله ﷺ وإنه على راحلته فترغوا، وتفتل يديها، حتى أظن أن ذراعها تنقصم، فربما بركت، وربما قامت موتدة يديها حتى يسرى عنه من ثقل الوحي، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان٢.
- ويقول عبادة بن الصامت ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه وغمض عينيه٣.
- ويقول أبو هريرة ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا أوحي إليه لم يستطع أحد منا يرفع طرفه إليه حتى يقضي الوحي٤.
- وتقول عائشة ﵂: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا"٥.
- وتقول أسماء بنت يزيد ﵂: كنت آخذه بزمام ناقة رسول الله ﷺ حين أنزلت عليه سورة المائدة، فكاد ينكسر عضدها من ثقل السورة٦.
- ويقول ابن عمر ﵁: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب
ععلى راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها٧.
_________________
(١) ١ أي: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ . ٢ طبقات ابن سعد ١/ ١٩٧. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب الفضائل - سبل الهدى ج٢ ص٣٤٤. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب الجهاد - باب فتح مكة ج١٢ ص١٢٨. ٥ صحيح البخاري - باب بدء الوحي ج١ ص٤، ومعنى يتفصد: ينفصل. ٦ سيرة ابن كثير ١/ ٤٢٤. ٧ سيرة ابن كثير ١/ ٤٢٤.
[ ٣٢٩ ]
- وثبت في الصحيحين نزول سورة الفتح على رسول الله ﷺ وهو على راحلته فكأنه يكون تارة وتارة بحسب الحال١.
والآيات التي بدأ الوحي بها بعد فترة الانقطاع هي أوائل سورة المدثر، وفيها يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ٢، وهذه الآيات تضمنت في إجمال كل ما يتعلق بالرسالة..
ففي الآية الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بيان لعظم مقام الرسول عند ربه كما يتضح من مناداته وتسميته بالمدثر الذي يفيد الستر والمؤانسة والهدوء، وهي أمور ضرورية ليقوم الإنسان بالمهام التي توكل إليه.
يقول القرطبي: وفي خاطبه بهذا الاسم فائدتان:
الفائدة الأولى: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب، وترك المعاتبة، سموه باسم مشتق من حالته التي هي عليها، كقول النبي ﷺ لعلي حين غاضب فاطمة ﵄، فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: "قم يا أبا تراب" ٣؛ إشعارا له أنه غير عاتب عليه، وملاطفة له، وكذلك قوله ﷺ لحذيفة: "قم يا نومان"، وكان نائما؛ ملاطفة له، وإشعارا لترك العتب والتأنيب، فقول الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فيه تأنيس وملاطفة؛ ليستشعر أنه غير عاتب عليه.
والفائدة الثانية: تنبيه لكل متدثر خائف؛ لينهض بما كفله الله به، فالقيام بالواجب أولى وأحسن من النوم والقعود، والتوكل على الله يساعد على النشاط والعمل.
_________________
(١) ١ سيرة ابن كثير ١/ ٤٢٤. ٢ سورة المدثر الآيات ١-٧. ٣ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب فضل علي ﵁ ج٦ ص١١٦.
[ ٣٣٠ ]
وفي الآية الثانية: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أمر بالقيام والنهوض، وترك النوم والكسل، وضرورة التصميم الجاد، والسعي المستمر في الدعوة لدين الله تعالى، وليكن الإنذار أول الأمر مع الناس، وهو المناسب لهم؛ تنبيها لعقولهم، وتعريفهم بالخطر الذي يترصد الغافلين، الساترين في الضلال، وهذا الإنذار رحمة من الله للناس؛ لأنه يعطيهم الفرصة لينقذوا أنفسهم من ضلال الدنيا وعذاب الآخرة.
وتتجلى الرحمة في هذا الإنذار بأنه يأتيهم بواسطة رسول، يدعو ويبين، ويكرر ويصبر، ويستمر طويلا في دعوتهم، عساهم يستجيبون ويتأثرون.
والرسول ﷺ كما هو منذر فهو مبشر إلا أن المقام اكتفى بالإنذار مراعاة لأحوال المخاطبين.
والآية الثالثة: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ توجه رسول الله خاصة لمعرفة مقام الله وعظمته التي تصغر أمامه سائر القوى، فهو وحده الكبير المتعال، وبهذا التصور يعيش الرسول ﷺ في دعوته الناس آمنا، لا يتأثر بمعارضاتهم أو عداوتهم؛ لأنه مع الله القوي العزيز.
يقول سيد قطب: ليواجه نذارة البشرية، ومتاعبها، وأهوالها، وأثقالها، بهذا التصور، وبهذا الشعور، فيستصغر كل كيد، وكل قوة، وكل عقبة، وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة، هو الكبير، وكما أن مشاق الدعوة وأهوالها في حاجة دائمة إلى استحضار هذا التصور ومعايشة هذا الشعور١.
والآية الرابعة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ توجه الرسول ﷺ للمحافظة على طهارة الظاهر والباطن؛ لأن التلقي عن الملأ الأعلى يتناسب مع هذه الطهارة.
وطهارة الثوب كناية عن طهارة القلب والعمل والسلوك.
والمحب للطهارة، المتعود عليها، يعمل ألا يقع في غيرها.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٢٩، ط. دار التراث العربي.
[ ٣٣١ ]
والطهارة عموما ضرورة لمزاولة مهام الرسالة والدعوة وسط الضالين المنحرفين، وبذلك يدعوهم الرسول ﷺ، ولا يتأثر بهم، وبخاصة أن أهل الباطل وأنصار الشيطان يحاولون التغلب على أهل الحق بأخذهم إليهم، مستعينين بوسائل الهوى، ومغريات الشهوات، وبكافة ما يمكنهم من إغراء.
ولذلك كانت الطهارة ضرورة للرسل والدعاة..
والآية الخامسة: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ والرجز شامل للشرك، ولسائر المعاصي، والرجز معناه العذاب، أطلق على مسبباته للإشارة إلى أن العقوبة ملازمة للمعصية، وقد أمر الله تعالى النبي ﷺ بالهجر وليس بالترك فقط؛ لما في الهجر من ترك ونفور، وكراهية وتباعد، والرسول ﷺ كان هاجرا للشرك، ولموجبات العذاب حتى قبل النبوة، فقد عافت فطرته السليمة الانحراف، وبعد عن أنواع المعتقدات الشائهة، وترك الرجس من الأخلاق والعادات، ولم يعرف عنه أنه شارك في شيء من هوس الجاهلية وأخطائها، ومع كل هذا كان هذا التوجيه الذي يعني ضرورة المفاصلة، وأهمية إعلان التميز الذي لا يصلح فيه، ولا هوادة معه، فهما طريقان مفترقان لا يلتقيان، كما يعني التحرز من دنس هذا الرجز ودواعيه.
والآية السادسة: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ توجه الرسول ﷺ إلى عدم المن على الناس، وعدم استكثار ما سوف يعطيه لهم، فهو مكلف بالعطاء، وسيعطي الكثير في إصلاح الحياة للناس أجمعين، فعليه البذل والعطاء، بلا مَنٍّ وبلا عدد، وبذلك يعظم العطاء، ويعظم صاحبه.
إن النبوة فضل إلهي، وعلى الرسول أن يدوم شاكرا عابدا متحليا بمكارم الأخلاق، وليس المن من الخلق الكريم أبدا.
والآية السابعة: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ تشتمل على أمر كريم يحتاجه الرسول في مسيرته مع النبوة والدعوة، وعليه أن يصبر مع نفسه وهو يقاوم شهواتها، ومع الوحي
[ ٣٣٢ ]
وهو يسمعه ويحفظه، ومع الناس وهو يعلمهم، ومع الأعداء وهو يقاومهم.
إن المعركة طويلة، والصبر هو الزاد الذي يلائمها، وهو الذي يحقق الفوز في النهاية.
وهذه الآيات السبعة الأولى في سورة المدثر نزلت في أول الوحي بالرسالة بعد فتور الوحي متضمنة الأسس الرئيسية للحركة بدين الله تعالى؛ ولذلك جاءت إعلانا واضحا عن أساسيات القيام بالرسالة، وأهم ما يجب أن يتحلى به الرسول والدعاة.
وأما أول سورة العلق فقد نزل في مرحلة الوحي بالنبوة التي استمرت ستة أشهر؛ ليعرف النبي ﷺ ربه، ويقف على كمال صفاته وحقائقها، ويألف لقاء الملائكة، وتلقي الوحي من ربه.
يذهب البعض إلى أن أول المدثر نزل أولا استنادا إلى حديث البخاري الذي رواه بسنده عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ..
قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله ﵁ عن ذلك، وقلت له مثل ما قلت لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاورت بحراء فلما قضيت جواري، هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئا، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليَّ ماء باردا"، قال ﷺ: "فدثروني وصبوا عليَّ ماء باردا"، قال: "فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ " ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب التفسير - سورة المدثر ج٨ ص٦٧٦.
[ ٣٣٣ ]
ويروي مسلم حديثا يشير كذلك إلى أن أول المدثر نزل أولا، فلقد روى بسنده عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: "فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي قبل السماء، فإذا الملَك الذي جاءني بحراء، جالسا على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثْتُ منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني، زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ "، قال أبو سلمة: والرجز الأوثان، ثم حمى الوحي بعد ذلك وتتابع"١، ورواه البخاري من هذا الوجه أيضا٢.
يعلق ابن كثير في تفسيره على هذا الاختلاف فيقول: والأولى القول بأن جبريل نزل بأول سورة العلق في بداية النبوة، وأن نزول أول سورة المدثر كان في بداية الرسالة؛ لأن في حديث نزول أول سورة المدثر الذي رواه مسلم وغيره إشارة إلى المجيء السابق لجبريل، حيث يقول: "فإذا الملَك الذي جاءني بحراء" يوم أن جاءه بأول سورة العلق، وهذا يفيد أن أول سورة نزلت بعد فتور الوحي هي المدثر، وهي أول وحي الرسالة، وعلى هذا فأولية نزول أول العلق أولية مطلقة، وأولية أول سورة المدثر مقيدة بما بعد فتور الوحي، وبدء الرسالة٣.
ويذهب البعض إلى أن سورة المزمل نزل قبل المدثر، لكن هذا الرأي مردود؛ لأن أول سورة المدثر فيه أمر بالإنذار، وهذا يكون في أول المبعث، أما أول سورة المزمل ففيها الأمر بقيام الليل، وترتيل القرآن، وهذا يقتضي تقدم تشريع
_________________
(١) ١ صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي ج٢ ص٢٠٦. ٢ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب التفسير - باب ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ج٨ ص٦٧٧، ٦٧٨. ٣ تفسير ابن كثير ج٤ ص٤٤٠.
[ ٣٣٤ ]
الصلاة، ونزول كثير من آيات القرآن الكريم يتلوها النبي في الصلاة، وفي غير الصلاة، حيث أمر بذلك.
ويذهب البعض إلى أن سورة الضحى هي التي نزلت أولا بعد فترة الوحي، مستدلا بقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .
لأن أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب، لما تباطأ الوحي عن رسول الله ﷺ ليلتين أو ثلاثا قالت للنبي ﷺ: ودعك ربك وقلاك، فنزلت..
يرد الحافظ ابن حجر هذا فيقول: الحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول والضحى، غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أياما وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثا، فاختلطتا على بعض الرواة.
وقد ثبت أن الوحي كان يفتر عن النبي ﷺ أحيانا كما حدث قبل نزول سورة الكهف، فإن النبي لما سئل عن أصحاب الكهف، قال: "سأحدثكم بها غدا" ولم يستثن ففتر عنه الوحي خمسة عشر يوما١، فقال الله له: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾، فدل ذلك على أن القول بالأولية فيه اختلاف كبير بين العلماء؛ بسبب اختلاف اعتبار كل قول٢.
وبعد نزول أوائل سورة المدثر تتابع الوحي، واستمر في مكة والمدينة، حتى لقي الرسول ربه..
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن كثير ج٤ ص٤٤٠، ٥٢٢ بتصرف. ٢ تفسير ابن كثير ج٣ ص٧٢.
[ ٣٣٥ ]
المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة
أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام
المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة
بعد أن كُلف رسول الله ﷺ بالرسالة تحول نشاطه إلى العمل بالتبليغ، وسيطرت عليه جوانب الرسالة سيطرة كاملة.
فهو ﷺ يتلقى الوحي من الله، ويبلغه لمن حوله، ويدعو به كل مَن بلغ، ويبذل في سبيل هذا وقته وجهده ونشاطه كله.
وكانت زوجته معه خير رفيق لهذه الرحلة الكريمة الشاقة..
وحيث إن الفصل التالي خاص بحركة الرسول ﷺ بالدعوة إلى الناس، وهو بذلك متضمن للرسول محمد، ورسالته في الفترة المكية، فإني أورد هنا أهم الأحداث المتصلة بالسيرة المحمدية موضوع الفصل.
وتتميما لجوانب السيرة الشخصية لمحمد ﷺ في الفترة المكية، فإني سأورد الملامح العامة لسيرة محمد ﷺ خلال هذه الفترة مع التركيز على ما له صلة بالجانب الشخصي عنده ﷺ، وبذلك نقدم السيرة لننتقل إلى حركته ﷺ بالدعوة بعد ذلك.
ولهذا سوف يتضمن هذا المبحث عددا من المواقف التي تحدد مسار السيرة النبوية، وهي:
أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام
عاش النبي ﷺ بعد الرسالة في بيئة متآلفة متحابة، فلقد كان ﷺ يربي عليا، وينفق عليه، وكان معه مولاه زيد بن حارثة، بالإضافة إلى زوجته وأولاده.
فتكونت بذلك جماعة متآلفة تجعل حركة الحياة في إطارها سهلة ميسرة، وهذا من فضل الله على محمد ﷺ؛ ليقوم بمهام الرسالة على وجهها.
[ ٣٣٦ ]
فلقد آمنت خديجة ﵂ بالرسالة من لحظتها الأولى، وأخذت تطمئن محمدا ﷺ وتسري عنه، وتفسر له ما يرى في الغار بما يربحه ويرضيه، وتشاركه في مشاغله ومسائله، يقول ابن إسحاق: وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاء به من الله، وآزرته على أمره، فكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع بشيء يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها، تثبته، وتخفف عليه، وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس، يرحمها الله تعالى١.
وكانت ﵂ عاقلة حكيمة، تكون حيث يكون، وتحب ما يحبه، وتتمنى ما يتمناه، آمنت بالدعوة، وعبدت ما كان يعبد في صدق وإخلاص.
جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ يعلمه الوضوء والصلاة بطريقة عملية، ففي الخبر: أن جبريل أتى محمدا ﷺ وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت له منه عين، فتوضأ جبريل، ورسول الله ﷺ ينظر إليه ليريه كيفية الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله ﷺ كما رأى جبريل يتوضأ، ثم أقام به جبريل فصلى به، وصلى رسول الله ﷺ بصلاته.
ولما انصرف جبريل جاء رسول الله ﷺ إلى خديجة، فتوضأ أمامها، يريها كيفية الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله ﷺ، ثم صلى لها كما صلى به جبريل، فصلت بصلاته٢.
ثم إن على بن أبي طالب رأى رسول الله وخديجة يصليان فقال: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: "دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده، لا شريك له، وإلى عبادته، وإلى الكفر باللات والعزى".
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٤٠٢. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣٩٨.
[ ٣٣٧ ]
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرا حتى أحدث به أبا طالب ليأذن لي فيه.
وكره رسول الله ﷺ أن يفشي علي سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا علي، إذا لم تسلم فاكتم هذا".
فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله ﵎ أوقع في قلب علي الإسلام فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟
فقال له رسول الله ﷺ: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد".
ففعل علي ﵁ وأسلم١.
وأما زيد بن حارثة فقد كان مع رسول الله ﷺ منذ صغره مولى له؛ لأن خديجة اشترته ووهبته للنبي ﷺ وعمره ثماني سنوات، وهو من أوائل من أسلم حتى قال بعضهم: إنه أسلم قبل علي بن أبي طالب، وبقي في كنف رسول الله ﷺ، ونزل القرآن باسمه في قصة زواجه بزينب بنت جحش٢، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٤٠٣. ٢ انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة ج٢ ص١٤٠-١٤٢ بتصرف. ٣ سورة الأحزاب آية ٣٧.
[ ٣٣٨ ]
وإنما كانت الصلاة وكان الوضوء في أول المبعث على وجه الإباحة والسنية، فلما فرضت الصلاة في ليلة الإسراء، جاء الأمر بالوضوء في القرآن الكريم لأداء الصلاة المفروضة.
وهكذا تآلفت هذه الجماعة بالإسلام، وتوحد عملها وهدفها، مما جعل السعادة ترفرف على محمد ﷺ في بيته الكريم.
وسارت به الحياة هادئة في مرحلة الدعوة السرية، ومدتها سنتان ونصف على الأرجح؛ لأن كفار مكة تصوروا محمدا واحدا من الحنفاء الذين يتكلمون من غير أن يؤثروا في غيرهم، وبخاصة أنه لا يتكلم مع كل الناس، وإنما كان يتخير أفرادا قليلين متميزين بلين الجانب والتواضع مع التروي والهدوء.
كما تصوروا أن محمدا سيفتر عن دعوته، ويتركها بعد مدة حين ينصرف الملأ والوجهاء عنه، وصدقوا أنفسهم حينما رأوا أتباع محمد ﷺ من الفقراء والضعفاء، فلما جهر محمد ﷺ بالدعوة، ودخل في الإسلام عدد يزيد كل يوم شعروا بالخطر، وبدءوا في المواجهة والمقاومة والعدوان.
[ ٣٣٩ ]
ثانيا: صلته بأعمامه
أعمام النبي ﷺ هم أبناء عبد المطلب، وكانوا جميعا يحبون محمدا، ويرون فيه أخاهم عبد الله، الذي استسلم للذبح فداء لهم، ومات، ومحمد حَمْل في بطن أمه حتى أن عمه أبا لهب أعتق جاريته "ثويبنة" فرحا بمولده ﷺ.
وقد أنزله جده منزلة خاصة، فلما مات عبد المطلب كفله عمه الشقيق "أبو طالب"، وكان أعمامه جميعا يهتمون بشأنه، فإذا رحل للتجارة أوصوا القافلة به.
وفي يوم زواجه من خديجة كانوا معه، وشاركوه هذا الحدث السعيد.. فلما ولد له ﷺ البنين والبنات خطب عمه أبو لهب لولديه عتبة وعتيبة بنتي رسول الله رقية وأم كلثوم.
[ ٣٣٩ ]
وبعد أن أعلن محمد ﷺ رسالته، ونادى في مكة بدين الله تعالى ظل عمه أبو طالب على دين قومه، ولم يدخل في الإسلام، ومع ذلك بقي يدافع عن محمد، ويرد من يقصده بسوء.
ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب أبَى خذلان رسول الله ﷺ وأعلن وقوفه بجانبه، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له: قد بلغنا يا أبا طالب الكثير عن ابن أخيك محمد، هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل.
فقال لهم أبو طالب: والله لبئس ما تسومونني! أتعظوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله ما لا يكون أبدا.
فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا.
فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك١.
وقد تجمع أعمامه حوله ﷺ حماية له ما عدا أبي لهب، فقدأعماه الله عن الحق، وأخذ في عداوة محمد ﷺ والصد عن الدعوة حتى أمر ولديه بتطليق بنات النبي ﷺ، وأخذت امرأته في وضع الشوك والحطب والقذر أمام بيت محمد ﷺ.
ولما عزمت قريش على قتل محمد جاءوا يستأذنون قومه -وهم بنو هاشم وبنو المطلب- لأخذه وقتله برضى قومه، فأبوا ذلك عليهم، ورفضوا تسليمه لهم مع أنهم لم يدخلوا في الإسلام يومذاك؛ عصبية وخوفا من العار..
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٢٦٦، ٢٦٧.
[ ٣٤٠ ]
إن أعمام النبي ﷺ ظلوا معه عصبية، حتى أن عمه حمزة أسلم بسبب دفاعه عن محمد ﷺ..
فلقد حدثوا أن أبا جهل مر على محمد ﷺ وهو عند الصفا فأذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ ولم يكلمه، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ما قاله أبو جهل، وشاء الله تعالى أن يمر حمزة راجعا من قنص له، متوشحا قوسه، فقالت له المرأة: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم عمرو بن هشام، وجده هنا جالسا فأذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف، ولم يكلمه محمد ﷺ، فاحتمل حمزة الغضب، فخرج يسعى، ولم يلتفت إلى أحد حتى أتى أبا جهل، وهو جالس في نادي القوم حول المسجد، فضربه بالقوس، فشج رأسه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول، فرد ذلك علي إن استطعت.
فقام رجال من بني مخزوم لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة؛ فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا.
وثبت حمزة من ساعتئذ على ما قاله، فأسلم وحسن إسلامه، ويومها عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز -والمسلمين معه- بإسلام عمه حمزة المعروف بينهم بأنه أعز فتى في قريش١.
وهكذا دافع عنه أعمامه؛ لمنزلته بينهم، وحسن تعامله، وكرم خُلُقه، ولو كان غير ذلك لخلعوه وتركوه.. أما عمه أبو لهب فقد استمر مع أعداء محمد يناصرهم، ويصد عن سبيل الله تعالى.
_________________
(١) ١ هذا الحبيب ص٦٧.
[ ٣٤١ ]
ثالثا: الجهر بالدعوة ومواجهة متاعب أهل مكة
استمرت الدعوة سرية مدة عامين ونصف، وبعدها أمر الله رسوله بالجهر بالدعوة.. وهنا أخذ كفار مكة في صرف النبي عن دعوته، وبذلوا لهذا الغرض كل ما أمكنهم، وأهم ما لاقاه الرسول ﷺ منهم ما يلي:
١- السؤال عن مدى صدق محمد ﷺ:
أخذ كفار مكة يبحثون عن مطعن يوجهونه لمحمد ﷺ، فأرسلوا رسلهم إلى أهل الكتاب يسألون عن مدى علمهم بصدق محمد، وكيفية كشف مزاعمه.
يقول محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا، حتى أتيا المدينة، فسألوا الأحبار عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم أمره، وبعض قوله.
وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.
فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول، فتروا فيه رأيكم:
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب.
وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه.
وسلوه عن الروح، ما هي؟
فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.
[ ٣٤٢ ]
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقال: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار اليهود أن نسأله عن أمور، وأخبروهم بها.
فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا، عن كذا وكذا، وسألوه عن الأمور التي حددها الأحبار.
فقال لهم رسول الله ﷺ: "أخبركم غدا عما سألتم عنه، ولم يستثن"، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا ينزل عليه من الله وحي، ولا يأتيه جبريل ﵇.
حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها ولم يخبرنا بشيء عما سألناه عنه.
وتألم رسول الله ﷺ من انقطاع الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة.
وبعد خمسة عشر يوما جاءه جبريل ﵇ من الله ﷿ بسورة أصحاب الكهف، وفيها يعاتبه الله على حزنه عليهم، ويخبره عما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، وقول الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
فلما أخبرهم بنبأ ما سألوا عنه، رجعوا إلى أنفسهم، وعملوا أنه لا طاقة لهم بمواجهة رسول الله ﷺ مواجهة عقلية فكرية؛ ولذا لجئوا إلى العدوان والإيذاء المادي، ونشر الأكاذيب والمفتريات حول محمد ودعوته.
٢- موقف أبي لهب منه: لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١ خرج رسول الله حتى صَعِدَ النبي ﷺ على الصفا فهتف: "يا صباحاه".
فقالوا: مَن هذا؟!
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آية ٢١٤.
[ ٣٤٣ ]
فجعل ﷺ ينادي: يا بني فهر! يا بني عدي! وهكذا لبطون قريش جميعا، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟
فقال النبي ﷺ: "أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟! ".
قال: نعم، ما جربنا عليك كذبا قط.
قال ﷺ: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وقد تب١.
ولم يكتفِ أبو لهب بهذا الموقف، بل أخذ في التصدى لرسول الله ﷺ، فكان يسير خلفه ويقول: إنه كاذب، وأنا أعلم خبره، فهو ابن أخي وأخذ هو وزوجته في وضع الشوك والحطب أمام بيت النبي ﷺ؛ ليعجزه عن الخروج والحركة، وفيه وفي زوجته نزل قول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ٢.
٣- السخرية والاستهزاء بمحمد ﷺ:
أخذ كفار مكة يستهزئون برسول الله ﷺ؛ توهينا لنفسه، وصرفا للناس عنه، فكانوا ينادونه بالمجنون، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب التفسير - باب سورة تبت ج٨ ص٧٣٧، والتباب الخسران والتدمير. ٢ سورة المسد.
[ ٣٤٤ ]
إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ١، ويصفونه بالسحر والكذب، يقول سبحانه: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ٢، وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ناقمة، وعواطف هائجة، وكراهية ظاهرة، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ٣، وكان إذا جلس، وحوله المستضعفون من أصحابه استهزءوا بهم، وقالوا: هؤلاء جلساؤه الذين ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ٤، فرد الله عليهم بأنه وحده العليم بحقائق الناس وقلوبهم، وليس لهم أن يتقوَّلوا عليهم، وذلك بقوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ٥، فأنكر عليهم بأسلوب يبرز جهلهم وخيبتهم.
إن كفار مكة كانوا يتصرفون باستعلاء وجبروت، وهم يتعاملون مع رسول الله وسائر أصحابه، حتى أنهم جعلوا المؤمنين مادة سخريتهم، ودعابة مجالسهم، يتضاحكون من عقيدتهم، ويتغامزون إذا رأوهم، وإذا رجعوا إلى أهليهم تفكهوا بسيرهم، معتقدين أنهم ضلوا عن الحق، بتركهم عبادة الأوثان، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ، وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الحجر آية ٦. ٢ سورة ص آية ٤. ٣ سورة القلم آية ٥١. ٤ سورة الأنعام آية ٥٣. ٥ سورة الأنعام آية ٥٣. ٦ سورة المطففين الآيات ٢٩-٣٣.
[ ٣٤٥ ]
٤- بث الدعاية الكاذبة عنه:
أخذ الكفار يبثون الدعايات الكاذبة حول شخصية محمد ﷺ، وعن القرآن الكريم الذي ينزل عليه حتى لا يصدقه أحد، فقالوا عن القرآن ما حكاه الله تعالى في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ١، وقالوا عن الرسول: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ٢.
وكل ما قالوه ظاهر البهتان؛ لأن القرآن الكريم كلام الله، ولو كان من عند محمد كما زعموا فما بالهم يعجزون عن الإتيان بأقصر سورة منه؟!
ومن هم هؤلاء الآخرون الذين يعينون محمدا؟! إنهم بشر كما يزعمون، فلمَ يتركونهم يفعلون؟! ولِمَ لا يواجهونهم بالتحدى؟!
وهل يكتب محمد عنهم وهو أمي؟! لقد جاءوا بالزور والبهتان!!
ولِمَ يعترضون على بشرية محمد ﷺ؟! أيريدونه ملَكا؟! وكيف يتعاملون مع الملَك؟!
إن قلوبهم قد عميت، وكل اعتراضهم تبريرات لكفرهم وعتوهم.. وقد رأيناهم يبحثون عن أي علة تساعدهم على كفرهم.
ذكروا أن الوليد بن المغيرة قال مرة لقريش: يا معشر قريش! والله لقد نزل بكم أمر ما أوتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم خلقا ومسلكا، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة، ونفثهم وعقدهم.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان الآيتان ٤، ٥. ٢ سورة الفرقان آية ٧.
[ ٣٤٦ ]
وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة، وتخالجهم وسمعنا سجعهم.
وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها، هزجه، وزجره..
وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، انظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.
ثم ذهب الوليد إلى الحيرة بحثا عن حل يريده، فتعلم بها أحاديث ملوك الفرس ووقف على أخبار رستم وأسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا للتذكير بالله والتحذير من نقمته، خلفه النضر، وهو يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: بماذا يكون محمد أحسن حديثا مني١.
وما درى الوليد أن حديث محمد ﷺ مع جماله يتضمن دينا صالحا، ومنهجا طيبا، وطريقا لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة، وهو كلام الله.. وأما حديثه فهو خيال كاذب، وإبهار لفظي لا حقيقة فيه، ولا غاية له، ولا فائدة معه.
وفي الوليد بن المغيرة المخزومي نزل قول الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٢.
وقصته مع القرآن الكريم ومع محمد ﷺ تشبه ما فعله النضر
_________________
(١) ١ تفهيم القرآن ج٤ ص٩. ٢ سورة المدثر الآيات ١١-٢٥.
[ ٣٤٧ ]
ابن الحارث، فلقد ذكروا أن النضر قال: والله لقد نظرت فيما قال محمد، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو ما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر، فكأنه رق له.
فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام فأتاه فقال: أي عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا.
قال: لِمَ؟
قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تعرض لما قبله.
قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا.
قال: فقل فيه قولا يعلم قومك منه أنك منكر لما قال، وأنك كاره له.
قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى.
قال أبو جهل: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه.
قال: فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره١.
٥- مساومات وتخليط:
حاول الكفار مرات عديدة أن يتعاون معهم محمد ﷺ في خلط الإسلام بالكفر؛ ليكونا سويا دينا خليطا من هذا وذاك، وأن يعبدوا الله يوما، ويعبد محمد أصنامهم يوما آخر، وهكذا.
يروي ابن إسحاق بسنده أن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي -وكانوا ذوي أسنان في قومهم- اعترضوا محمدا، وهو يطوف بالكعبة، وقالوا له: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٤ ص٤٤٣.
[ ٣٤٨ ]
نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ١ ٢، فكانت المفاصلة الكاملة بين الإيمان والكفر.
٦- الاضطهاد البدني:
كان أشد الناس إيذاء لرسول الله جيرانه، وعلى رأسهم عمه أبو لهب، يقول ابن إسحاق: كان النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ في بيته أبا لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي -وكانوا جيرانه- لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص فإنه أسلم فيما بعد، فكان أحدهم يطرح عليه ﷺ رحم الشاه، وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجرا ليستتر به منهم إذا صلى، فكان رسول الله ﷺ إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود فيقف به على بابه، ثم يقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق٣.
وازداد عقبة بن أبي معيط في شقاوته وخبثه، فقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس؛ إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان، فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم "وهو عقبة بن أبي معيط" فجاء به، فنظر،
_________________
(١) ١ سورة الكافرون. ٢ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٣٦١. ٣ سيرة النبي ج١ ص٤١٦.
[ ٣٤٩ ]
حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر، لا أغني شيئا، فجعلوا يضحكون، ويميل بعضهم على بعض، مرحا، ورسول الله ﷺ ساجد، لا يرفع رأسه حتى جاءته ابنته فاطمة، فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: "اللهم عليك بقريش" ثلاث مرات، فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، وقد سمى الرسول في دعائه فقال: "اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط"، وعد السابع فلم نحفظه، فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذي عد رسول الله ﷺ صرعى في القليب، قليب بدر١.
وكان أمية بن خلف إذا رأى رسول الله ﷺ همزه ولمزه، وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ٢ قال ابن هشام: الهماز: الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه، ويغمز به، والهمز هو الشتم نفسه، واللماز: الذي يعيب الناس سرا ويؤذيهم٣، واللمزة هي العيب والأذى.
أما أخوة أبي بن خلف فكان هو وعقبة بن أبي معيط متصافيين، جلس عقبة مرة إلى النبي ﷺ وسمع منه، فلما بلغ ذلك أبيا أنبه وعاتبه، وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله ﷺ ففعل، وأبي بن خلف نفسه هو الذي فت عظما رميما، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
وكان الأخنس بن شريق الثقفي ممن ينال من رسول الله ﷺ، وقد وصفه القرآن بتسع صفات تدل على ما كان عليه من خلق رديء، وهي في قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب الوضوء - باب إذا ألقي على المصلي قذر أو جيفة ١/ ٣٧. ٢ سورة الهمزة آية ١. ٣ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٥٦، ٣٥٧. ٤ نفس المصدر ١/ ٣٦١، ٣٦٢. ٥ سورة القلم الآيات ١٠-١٣.
[ ٣٥٠ ]
وكان أبو جهل يجيء أحيانا إلى رسول الله ﷺ يسمع منه القرآن، ثم يذهب عنه فلا يؤمن، ولا يطيع، ولا يخشى، ويؤذي رسول الله ﷺ بالقول، ويصد عن سبيل الله، ثم يذهب مختالا بما يفعل، فخورا بما ارتكب من الشر، كأنما فعل شيئا يذكر، وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى، أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ١.
وكان يمنع النبي ﷺ عن الصلاة منذ أول يوم رآه يصلي في الحرم، ومرة مر به وهو يصلي عند المقام فقال: يا محمد، ألم أنهك عن هذا، وتوعده فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد، بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا، فنزل قول الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ٢.
ولم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار، بل ازداد شقاوة فيما بعد، أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم!
فقال: واللات والعزى، لئن رأيته لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب.
فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه مهرولا، ويتقي بيديه.
فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟
قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا، وأجنحة.
فقال رسول الله ﷺ: "لو دنا مني لأختطفته الملائكة عضوا عضوا" ٣.
_________________
(١) ١ سورة القيامة الآيات ٣١-٣٥. ٢ سورة العلق آية ١٧. ٣ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص١٢٦.
[ ٣٥١ ]
٧- محاولة قتل محمد ﷺ:
وصل حد كراهية القوم لرسول الله ﷺ أن كفار مكة حاولوا قتله، من ذلك أن عتيبة بن أبي لهب أتى يوما إلى رسول الله ﷺ فقال: أنا أكفر بـ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ١ و﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ ٢، ثم تسلط على الرسول بالأذى، وشق قميصه، وتفل في وجهه ﷺ، إلا أن البزاق لم يقع عليه، وحينئذ دعا عليه ﷺ وقال: "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك".
وقد استجيب دعاؤه ﷺ، فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش، حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له: الزرقاء، فطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أخي، هو والله آكلي كما دعا محمد عليَّ، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام، فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فذبحه٣.
وفي رواية هشام عن عروة عن أبيه: أنه لما طاف الأسد بهم تلك الليلة انصرف عنهم، فجعلوا عتيبة وسطهم، فأقبل الأسد يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه٤.
ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفة ﷺ وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان٥.
ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله ﷺ ما رواه ابن إسحاق في حديث طويل، قال: قال أبو جهل: يا معشر قريش، إن محمدا قد أبَى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلس
_________________
(١) ١ سورة النجم آية ١. ٢ سورة النجم آية ٨. ٣ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص١٣٥. ٤ المرجع السابق ص١٣٦. ٥ المصدر السابق ص١١٣.
[ ٣٥٢ ]
له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدا، فامضِ لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم، ينتظرون ما يفعله أبو جهل، فلما سجد رسول الله ﷺ، احتمل أبو الجهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده.
وقام إليه رجال قريش، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟
قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ول أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني.
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: ذلك جبريل ﵇ لو دنا لأخذه١.
أما طغاة قريش فلم تزل فكرة قتل النبي ﷺ تنضج في قلوبهم، وتكبر في عقولهم وتفكيرهم، روى ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك من وجه رسول الله ﷺ.
فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك من وجهه ﷺ.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٢٩٨، ٢٩٩.
[ ٣٥٣ ]
ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: "أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح"، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر، واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة ليرفؤه بأحسن ما يجد، ويقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا.
فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! ثم انصرفوا عنه، قال ابن عمرو: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط١.
وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ، قال: بينما النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي ﷺ، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ٢
وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ فلهوا عنه، وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئا من غدائره إلا رجع معا٣.
ولم نغادر فكرة قتله ﷺ عقولهم، وبخاصة بعدما رأوا انتشار الإسلام، وصلابة المسلمين، وتأكدوا أن بقاء محمد ﷺ سوف يؤدي إلى القضاء على عبادة الاصنام، وحرمانهم من السيادة والتسلط، وكان آخر محاولتهم مؤامرة ليلة الهجرة.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٢٨٩، ٢٩٠، والغمز: الطعن والسب، ووصاة: أي توصية بالسوء، ويرفأ: أي يترفق. ٢ صحيح البخاري - باب ذكر ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة ١/ ٥٤٤. ٣ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص١١٣.
[ ٣٥٤ ]
٨- نتائج الاضطهاد:
مع الجهر بالدعوة وخروج الرسول للعلن والمواجهة بدأ كفار مكة في إيذاء الرسول وأصحابه.
وكان الاضطهاد في بدايته قليلا ضعيفا، ثم أخذ يشتد شيئا فشيئا، حتى وصل إلى حد التآمر، والتخطيط لقتل رسول الله ﷺ، ونتيجة لهذا التصعيد في الاضطهاد أخذ رسول الله ﷺ يجمع أصحابه في دار الأرقم ليعلمهم الإسلام بعيدا عن كفار مكة، كما أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر إليها كثير من أصحابه.
وقد حاول كفار مكة اعتقال المهاجرين، والفتك بهم، لكنهم فشلوا، ورأى المشركون والكفار أن أغلب المسلمين تركوا مكة، وتركوا محمدا ﷺ مع قلة قليلة من أصحابه في مكة، وهاجروا إلى الحبشة، وغاظهم أن محمدا لم يضعف، ولم يترك دعوته..
فذهبوا إلى عمه أبي طالب، وقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.
عظم علي أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله ﷺ وقال له: يابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا كذا، فأبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
فظن رسول الله ﷺ أن عمه خاذله، وأنه ضعف عن نصرته، فقال: "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك فيه"، ثم استعبر وبكى، وقام.
فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له: اذهب يابن أخي، فقل ما
[ ٣٥٥ ]
أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا١، وأنشد:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر وقر بذاك منك عيونا٢
فلما لم يحقق ذهابهم نتيجة يرجونها من أبي طالب، رجعوا بحيلة أخرى حيث ذهبوا إليه بعمارة بن الوليد؛ ليأخذه ويعطيهم محمدا، فأبَى وقال لهم: والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدا٣.
وذهبوا إلى محمد ﷺ محاولين مساومته، يقول ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، قال يوما، وهو في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد، فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟
وذلك حين أسلم حمزة ﵁ ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يكثرون ويزيدون فقالوا: بلى، يا أبا الوليد قم إليه، فكلمه..
فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت بمن مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها.
فقال رسول الله ﷺ: "قل يا أبا الوليد أسمع".
قال عتبة: يابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٢٦٥، ٢٦٦. ٢ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص٦٨. ٣ وقد سبق ذكر هذه المحاولة في ص٣٣١.
[ ٣٥٦ ]
من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا.
وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك.
وإن كنت تريد به مُلْكا ملكناك علينا.
وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه، لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.
ولما فرغ عتبة من حديثه.
قال له رسول الله ﷺ: "أوقد فرغت يا أبا الوليد؟ ".
قال: نعم، قال رسول الله ﷺ: "فاسمع مني".
قال: أفعل.
فقال ﷺ: ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ ثم مضى رسول الله ﷺ في السورة يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك".
فلما رجع عتبة إلى قومه رأوا فيه ما لا يريدون، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم،
[ ٣٥٧ ]
فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سَحَرَك والله يا أبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم١، وماذا أقول فيه؟ والله إنه ليس من كلام الإنس، ولا من كلام الجن.
فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.
قال: دعى أفكر فيه، لما اجتمع بقومه قال وقد حضر الموسم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضا.
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، أقم لنا رأيا نقول فيه.
قال: بل أنتم فقولوا أسمع.
قالوا: نقول كاهن.
قال: والله ما هو بكاهن، فقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن، ولا سجعه.
قالوا: فنقول مجنون.
قال: والله ما هو بمجنون فقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته.
قالوا: فنقول شاعر.
قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بشاعر.
قالوا: فنقول ساحر.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٢٩٣، ٢٩٤.
[ ٣٥٨ ]
قال: والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه، ولا بعقده.
قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟
قال: والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لمثمر، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر، فما يقوله سحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته.
فتفرقوا عنه بذلك، وجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروه لهم.
وأنزل الله تعالى في الوليد قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ .
٩- أبو طالب يحتاط للأمر:
رأى أبو طالب أن الكفار والمشركين قد اشتدت عداوتهم لمحمد ﷺ، ورأى أنهم لن ينتهوا من مكائدهم إلا إذا تخلصوا من محمد ﷺ بأي وسيلة ممكنة وذلك عار يلحق ببني عبد مناف، يتحدث به العرب كلهم، فجمع أبناء عبد مناف، وهم: بنو أمية، وبنو عبد شمس، وبنو المطلب، وبنو نوفل، وبنو هاشم، وعرض عليهم خطورة الأمر، وضرورة التكاتف، والاتحاد في مواجهة عدوان كفار مكة
[ ٣٥٩ ]
على ابن أخيهم محمد ﷺ، فوافقه بنو هاشم وبنو المطلب، وأخذوا على أنفسهم الميثاق على حماية محمد ﷺ والدفاع عنه، وعدم تسليمه إلى الكفار أبدا، واتفقوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، ولم يشذ من هذين البطنين إلا أبو لهب، فإنه انحاز مع كفار مكة ضد محمد ودعوته؛ ولذلك يقول النبي ﷺ: "كنا وبنو المطلب معا في الجاهلية والإسلام".
١٠- المقاطعة العامة:
لما رأى كفار مكة أن بني هاشم وبني المطلب تواثقوا وتعاهدوا جميعا على حماية محمد ﷺ عملوا على مقاطعتهم، وعدم التعامل معهم مطلقا، وتحالفوا على ألا يجالسونهم، ولا يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يدخلون بيوتهم، ولا يكلمونهم، ولا يتزوجون منهم، ولا يزوجوهم حتى يسلموا محمدا لقتله، والانتهاء من أمره، وكتبوا بذلك ميثاقا علقوه في جوف الكعبة.
واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات، واشتد الأمر على بني هاشم وبني المطلب حتى أكلوا ورق الشجر، وحوصروا في شعبهم، لا يخرجون منه إلا في الأشهر الحرم للتعامل مع وفود الحج والعمرة، وكان أهل مكة يزايدون عليهم لحرمانهم من كل خير؛ حيث منعوا أن يتصل بهم أحد من القبائل البعيدة عن مكة، وكانوا إذا رأوا تجارة قادمة سارعوا بشرائها قبل أن تصل إلى المحاصرين في الشعب، مبالغين في ثمنها.
ودام الحال على ذلك حتى قضى الله بنقض المقاطعة، وتمزيق الميثاق المكتوب١.
_________________
(١) ١ سيأتي حديث مفصل عن انتهاء المقاطعة في الفصل التالي.
[ ٣٦٠ ]
المبحث الثالث عشر: عام الحزن
المبحث الثالث: عام الحزن
ويشاء الله تعالى أن يتعرض محمد ﷺ لامتحان شديد.. فبعد مضي عشر سنوات من بعثته يموت عمه أبو طالب، وتموت زوجته خديجة بعده بأيام قليلة.
كان النبي ﷺ يجد من كل منهما العون والمساعدة، فلقد قام عمه بحمايته والتصدي لأعدائه، وتحمل من أجل ذلك، ومعه بنو هاشم وبنو المطلب مقاطعة قريش العامة، وقد كان من ورائها الضرر الكبير.
وزوجته خديجة نعم الزوجة، أمانة ووفاء، كانت عاقلة، وكانت كاملة، عاشرت النبي خمسا وعشرين سنة، وعاملته بكل الرقة والحنان والحب، وكانت تتابع أخباره وتسليه، وتحاول إرضاءه بعقلها، وحكمتها، وتعاونه بما لها، وبكل ما يمكنها.
يروي أنس بن مالك ﵁ حادثة تدل على حكمة خديجة، وحسن تصرفها، وكمال عقلها.
يقول أنس ﵁: إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب، فاستأذنه أن يتوجه إلى خديجة فأذن له، وبعث أبو طالب بعده جارية له يقال لها: "نبعة" فقال لها: انظري ما تقول له خديجة؟.. وما يقول لها؟.. بحثا عن سر ما يراه بينهما من مودة وما يلمسه من ترابط.
قالت نبعة: فرأيت عجبا، ما هو إلا أن سمعت به خديجة، فخرجت إلى الباب، فأخذته بيده فضمتها، إلى صدرها ونحرها، ثم قالت: بأبي وأمي، والله ما أفعل هذا لشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستبعث، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي، وادع الإله الذي يبعثك لي.
[ ٣٦١ ]
فقال لها ﷺ: "والله لئن كنت أنا هو، فقد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبدا، وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدا" ١.
يفقد الرسول ﷺ أبا طالب هذا، وخديجة هذه، في عام واحد، بل وفي أسبوع واحد.
ولذلك تألم كثيرا، وسُمي هذا العام عام الحزن..
والموت قدر الله على جميع الخلق فـ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ورسول الله ﷺ أول المؤمنين بقدر الله تعالى، وهو أول الصابرين، وكان حزنه في حدود القدر المشروع.
وقضاء الله في موت أبي طالب وخديجة يتضمن حِكَما جليلة، منها:
* بيان أن حبيبه ﷺ قدوة كاملة في الصبر الأمثل، والتأسي الجميل، لقد ابتلي النبي ﷺ بأقصى ما يبتلى به الإنسان فلم يجزع، ولم يفرق، ولكنه كان خير معتصم بجناب ربه، وأفضل لائذ بحمى مولاه، وليس غريبا على الذي فقد أباه قبل أن يولد، وأمه وهو في الخامسة، وجده الذي كان عوضا عن والده وهو في الثامنة، وأولاده الذين يعتبرهم الناس زينة الحياة الدنيا وعزاه الله عن ذلك عزاء جميلا، ليس غريبا أن يعزيه الله أيضا عن فقد العم وفقد الزوجة، وعزاء الله خير عزاء.
* أراد الله أن تقولم أعمدة الإسلام على كواهل المسلمين أنفسهم، فلقد كان أبو طالب ينصر المسلمين مع احتفاظه بشركه، فربما لو امتدت حياته حتى انتصار الإسلام، وقيام دولة المسلمين، لنسب الناس ذلك إلى زعامة هذا العم ومعاضدته، ولكن الله كان أغير على دينه، وأحرص على توطيده بجنود الإيمان وأبناء الإسلام؛ ولذلك كانت الوفاة قبيل الهجرة بزمن وجيز.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٧ ص١٣٤، ١٣٥.
[ ٣٦٢ ]
أما إطلاق عام الحزن على هذا العام فليس مرده إلى حزن النبي ﷺ على فقد عمه وزوجه، فالنبي ﷺ أصبر من أن تهزه أحداث الموت، ولو كانت مزلزلة، وهو أعرف الناس بالله، وأقربهم منه، وما شغل قلبه إلا بالدعوة الإسلامية، والحرص على إبلاغها للناس، والحرص على هدايتهم.. هذا هو الذي أحزنه، أحزنه أن هذه الوفاة سيكون لها أثر في انطلاق وحوش قريش، يقطعون الطريق في وجه الدعوة ويبطشون بكل من يعلن إسلامه.
إن حزن الرسول ﷺ كان من أجل انتصار الإسلام، ونجاح الدعوة، وكان يتألم كثيرا حينما يرى كفر قومه، وانصرافهم عن دين الله، يقول تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢.
وقد حاول النبي ﷺ أن يستعين بغير أهل مكة بعد وفاة عمه، فقام بمحاولتين داعيا إلى الله تعالى:
المحاولة الأولى:
ذهب النبي ﷺ إلى ثقيف في الطائف، واصطحب معه زيد بن حارثة ﵁ مولاه.
والطائف بلدة لطيفة، كثيرة الثمر، معتدلة المناخ، تقع شرقي مكة على مرتفع عال، وهي مشهورة بعنبها، وتينها، ورمانها، وتمرها، وأزهارها، وحدائقها الفيحاء، ولما وصل الرسول إليها ومعه زيد بن حارثة عمد إلى حيث يجتمع سادة
_________________
(١) ١ سورة الكهف آية ٦. ٢ سورة الأنعام آية ٣٣.
[ ٣٦٣ ]
ثقيف، فجلس إليهم، وكلمهم فيما جاء له، من طلب نصرتهم للإسلام، والقيام معه على من خالفه، على أن يعيش بينهم.
بدأ حديثه يأخذ بأفئدة أغلب الحاضرين، ويؤثر -كعادته- فيمن يصغون إليه، وإذا بثلاثة إخوة من أشراف ثقيف، ممن لهم الرأي المسموع فيها، يقطعون عليه حديثه، وهم: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، أبناء عمرو بن عمير.
فقال أحدهما مكذبا: أقطع ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك يا محمد!
وقال الثاني: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟
وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسول الله كما تقول لأنت أعظم قدرا من أن أرد عليك، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك١.
فقام رسول الله ﷺ من عندهم، وقد يئس من إيمان ثقيف، وقد قال لهم: "إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني"، وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه، فيثيرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، فدخله ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل شجرة من عنب، فجلس تحته، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف.
فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" ٢.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٤١٩. ٢ الكامل في التاريخ ج١ ص٣٤٥.
[ ٣٦٤ ]
يصور الحديث الصحيح الوارد في البخاري فعل ثقيف وقسوتهم على النبي ﷺ، فلقد روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أُحُد؟
قال: "لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت -وأنا مهموم- على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب -وهو المسمى بقرن المنازل- فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، لك ما شئت فيهم، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت" -والأخشبان: هما جبلا مكة، أبو قبيس والذي يقابله وهو قيقعان- قال النبي ﷺ: "بل أرجو أن يخرج الله ﷿ من أصلابهم من يعبد الله ﷿ وحده لا يشرك به شيئا" ١.
وهكذا كانت رحمة رسول الله ﷺ مع الناس، فبرغم ما لاقاه من ثقيف ومن أبناء عمرو بن عمير لم يدعُ عليهم، وإنما دعا لهم ﷺ.
المحاولة الثانية: عرض نفسه على القبائل
أخذ رسول الله ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب الآتين للمواسم حاجين أو معتمرين، وكان يطلب منهم أن يؤمنوا بالله تعالى، ويتركوا عبادة الأصنام والأوثان، على أن يخرج معهم إلى ديارهم؛ ليمنعوه من غدر قريش وعداواتها، حتى يتمكن من تبليغ رسالة الله، وتوصيل دينه إلى الناس.
فمنهم من لم يؤمن بدعوته، ورده ردا قبيحا.
ومنهم من لم يؤمن به.. ولكنه وعد بحمايته.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق ج١ ص٤٥٨.
[ ٣٦٥ ]
ومنهم من كان بينه وبين الفرس مواثيق تمنعه من الإيمان ونصرة الرسول ﷺ.
وكان على رأس من لم يؤمن بدعوته من القبائل، ورد عليه ردا قبيحا قبائل كندة، وكلب، وبني حنيفة.
يتكلم محمد بن عمر الأسلمي عن بني حنيفة فيقول: نسأل الله ألا يحرمنا الجنة، لقد رأيت رسول الله ﷺ جاءنا ثلاثة أعوام بعكاظ وبالمجنة وبذي المجاز، يدعونا إلى الله -﷿- على أن نمنع له ظهره، حتى يبلغ رسالات ربه، ويشرط لنا الجنة، فما استجبنا له، ولا رددنا عليه ردا جميلا، فخشنا عليه وحلم عنا١.
يروي مدرك بن منيب عن أبيه عن جده فيقول: رأيت رسول الله ﷺ في مكة وهو يقول: "يأيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبه، حتى انتصف النهار، فأقبلت جارية بعس من ماء فغسل وجهه ويديه، وقال: "يا بنية، لا تخشى على أبيك غلبة ولا ذلة"، فقلت: من هذه؟ قالوا: زينب بنت رسول الله ﷺ، وهي جارية وضيئة٢.
ومن القبائل التي أحسنت لقاء النبي ﷺ بنو شيبان بن ثعلبة، فعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لما أمر الله ﷿ نبيه ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه، ومعنا أبو بكر، ثم ذهبنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم فقال: من القوم؟
قالوا: من شيبان بن ثعلبة.
فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وقال: بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس، وفيهم مغروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مغروق قد غلبهم لسانا وجمالا، وكانت له غديرتان تسقطان على ثريبته،
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٥٩٥. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٥٩٤.
[ ٣٦٦ ]
وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر.
فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟
فقال مغروق: إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة.
فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟
فقال مغروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلك أخا قريش؟
فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله ﷺ فها هو ذا.
فقال مغروق: إلامَ تدعونا يا أخا قريش؟
قال رسول الله ﷺ: "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت على الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد".
فقال مغروق: وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فوالله ما سمعت كلاما أحسن من هذا، فتلا رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
فقال مغروق: دعوت -والله- إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك.
ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا، وصاحب ديننا.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٥١.
[ ٣٦٧ ]
فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى تركنا ديننا، واتباعنا دينك لمجلس واحد جلست إلينا فيه، لا أول له ولا آخر، لذل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة، إن الزلة مع العجلة، وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر.
ثم كأنه أحب أن يشركه المثني بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا، وصاحب حربنا.
فقال المثني: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة، في تركنا ديننا، ومتابعتنا دينك، وإنا إنما نزلنا بين صريين: أحدهما اليمامة، والآخر السمامة.
فقال له رسول الله ﷺ: "ما هذان الصريان؟ " قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى: ألا نحدث حدثا، ولا نؤوى محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا.
فقال رسول الله ﷺ: "ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله ﷿ لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم وأموالهم، أتحبون الله تعالى وتقدسونه؟ " فقال النعمان: اللهم فلك ذاك.
فتلا عليهم رسول الله ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ١.
ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية ٤٥، ٤٦. ٢ دلائل النبوة لأبي نعيم ص٢٣٧.
[ ٣٦٨ ]
ومن القبائل التي أعلنت استعدادها لإيواء النبي ﷺ مع عدم الإيمان به بنو كعب بن ربيعة، كاد الرسول ﷺ أن يذهب معهم لولا طاغية من طغاة البشر ردهم عما عزموا عليه.
يروي أبو نعيم عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله ﷺ ونحن بسوق عكاظ فقال: "من القوم؟ ".
قلنا: من بني عامر بن صعصعة بنو كعب بن ربيعة.
فقال: "إني رسول الله إليكم، أتيتكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي، ولا أكره أحدا منكم على شيء".
قالوا: لا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك.
فأتاهم بيحرة بن فراس القشيري فقال: من هذا الرجل الذي أراه عندكم أنكره؟
قالوا: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
قال: فما لكم وله؟
قالوا: زعم أنه رسول الله، فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه.
قال: ما رددتم عليه؟
قالوا: بالرحب والسعة نخرجه إلى بلادنا ونمنعه مما نمنع منه أنفسنا.
فقال ببحرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشر من شيء ترجعون به! أتعمدون إلى رهيق قوم طردوه وكذبوه فتؤووه وتنصروه، تنابذوا العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به، فبئس الرأي رأيكم، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: قم فالحق بقومك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك١.
ونلاحظ أن أهل مكة لم يتركوا محمدا يتصل بالناس، بل سلطوا عمه أبا لهب وأبا جهل يسيران خلفه، أحدهما بعد الآخر بالتناوب، وكلما خاطب قوما
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٥٩٥.
[ ٣٦٩ ]
ودعاهم إلى الله يقول أبو لهب، ويقول أبو جهل: يا بني فلان، إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وتتركوا حلفاءكم من الجن، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوا، ولا تسمعوا منه.
يقول طارق بن عبد الله: إني بسوق ذي المجاز، إذ مر رجل بي عليه حلة من برد أحمر، وهو يقول: "يأيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل خلفه قد أدمى عرقوبيه وساقيه يقول: يأيها الناس، إنه كذاب فلا تطيعوه.
فقلت: من هذا؟ قالوا: غلام بني هاشم الذي يزعم أنه رسول الله، وهذا عمه عبد العزى١ "أبو لهب".
ويروي الإمام أحمد بسنده عن رجل من كنانة يقول: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: "يأيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا".
وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، يقول: يأيها الناس، لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى.
يتبعه حيث ذهب ورسول الله ﷺ يفر منه، وما يلتفت رسول الله ﷺ إليه٢.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٢٣. ٢ سيرة ابن كثير ج٢ ص١٥٦.
[ ٣٧٠ ]
المبحث الرابع عشر: زواج النبي ﷺ بعد وفاة خديجة
أولا: سودة بنت زمعة ﵂
المبحث الرابع: زواج النبي ﷺ بعد وفاة خديجة
بعد وفاة خديجة ﵂ تزوج النبي ﷺ غيرها، وهو في مكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، فعقد على عائشة في مكة، ودخل بها في المدينة، وتزوج سودة بنت زمعة، ودخل بها في مكة، وتزوج أيضا أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵃ أجمعين؛ حيث عقد عليها وهي في الحبشة، ودخل بها بعد عودتها إلى المدينة بعد الهجرة.
وهذا تعريف بهولاء الزوجات:
أولا: سودة بنت زمعة ﵂
روى ابن إسحاق -من طريق يونس بن بكير- أن النبي ﷺ تزوجها بعد خديجة ودخل بها في مكة قبل الهجرة، ولم يصب منها ولدا، وكانت عائشة ﵂ تقول عنها: ما رأيت من امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة١.
يورد ابن كثير قصة زواج النبي ﷺ بسودة وعائشة، فيقول: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم، امرأة عثمان بن مظعون إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟
قال: "مَن؟ ".
قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا.
قال: "فمن البكر؟ ".
قالت: أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر.
قال: "ومن الثيب؟ ".
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص٥٧.
[ ٣٧١ ]
قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك.
قال: "فاذهبي فاذكريهما علي"، فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟!
قالت: وما ذاك؟
قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة.
قالت: انظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقلت: يا أبا بكر، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟
قال: وما ذاك؟
قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة.
قال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له.
قال: "ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي"، فرجعت فذكرت ذلك له، قال: انتظري، وخرج، ثم رجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته، فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين.
ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت لها: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة؟
قالت: وما ذاك؟
قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك إليه.
قالت: وددت، ادخلي إلى أبي بكر "والدسودة" فاذكري ذلك له، وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن، فدخلت عليه وحيته، فقال: من هذه؟
قالت: خولة بنت حكيم.
قال: فما شأنك؟
قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة.
[ ٣٧٢ ]
فقال: كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟
قالت: تحب ذلك.
قال: ادعيها إلي، فدعتها، قال: اي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفؤ كريم، أتحبين أن أزوجك به؟
قالت: نعم.
قال: ادعيه لي فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه١.
وقد شكت سودة ظروفها لرسول الله ﷺ، وحاولت أن تعتذر عن الزواج به، فسألها رسول الله ﷺ: "ما يمنعك مني؟ ".
قالت: والله يا نبي الله ما يمنعني منك ألا تكون أحب البرية إلي، ولكني أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية.
قال: "فهل منعك مني غير ذلك؟ ".
قالت: لا والله، قال لها رسول الله ﷺ: "يرحمك الله، إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صالحو نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده" ٢.
وهي التي وهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، وذلك حينما كبرت فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة٣.
ونفهم من رواية الصحيحين أنها كانت امرأة -مع كبر سنها فيما بعد- كبيرة الجسم حتى أنها لتعرف وتميز بين النساء إذا مشت، حتى قال عمر ذات يوم وقد خرجت سودة ليلا: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا٤.
وتصفها بعض الروايات بأنها كانت ثقيلة، ثبطة، بطيئة الحركة؛ ولهذا استأذنت النبي ﷺ ليلة جمع "مزدلفة" في الدفع قبل حطمة الناس فأذن لها٥.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٣١. ٢ البداية والنهاية ج٣ ص١٣٣. ٣ صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب كثرة النساء ج٨ ص١٢٧. ٤ صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب خروج النساء لحوائجهن ج٨ ص٢٠١. ٥ صحيح البخاري - كتاب الحج - باب من قدم من ضعفة أهله ج٣ ص١٦٦.
[ ٣٧٣ ]
ثانيا: عائشة بنت أبي بكر ﵂
تزوج النبي ﷺ عائشة ﵂ بعد وفاة خديجة بثلاث سنين١، والذي يظهر من غالبية الروايات أن عقده ﷺ كان بمكة وعمرها ست سنوات، أما الدخول بها فكان بالمدينة وهي بنت تسع سنين٢.
ومما يؤكد صغر سنها حين الزواج لعبها مع البنات عند رسول الله، ومجيء صواحب لها ينقمعن من رسول الله، فيسربهن إليها٣.
وقد خطبها النبي ﷺ من أبي بكر، فقال أبو بكر: إنما أنا أخوك! فقال له النبي ﷺ: "أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال".
أما عن كيفية دخوله ﷺ بها، فتحدثنا عائشة وتقول: تزوجني النبي صلى الله عليه سلم وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحرب بن خزرج، فوعكت، فتمرق شعري فوفى جميمه، فأتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوحة، ومعي صواحب لي، فصرخت بي، فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ، فأسلمتني إليه وأنا يؤمئذ بنت تسع سنين٤.
وزواج النبي ﷺ بعائشة كان بعد رؤيا رآها في المنام تكررت مرتين كما في البخاري٥، أو ثلاث مرات كما في مسلم٦.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب تزويج النبي ﷺ خديجة ج٦ ص١٦٣. ٢ صحيح البخاري - كتاب مناقب الأنصار - باب تزويج عائشة ج٦ ص٢٠١. ٣ صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٤. ٤ صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب البناء بالنهار ج٨ ص١٦٦. ٥ صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب نكاح الإبكار ج٨ ص١٣١. ٦ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب فضائل عائشة ج١٥ ص٢٠٢.
[ ٣٧٤ ]
يقول ﷺ: "جاءني بك الملَك في سرقة من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب، فإذا أنت هي، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه" ١.
وعائشة ﵂ هي الوحيدة من بين أزواجه ﷺ التي تزوجها وهي بكر؛ ولهذا كانت تظهر هذا الفضل، وتقول للنبي ﷺ: يا رسول الله، رأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟! قال: في التي لم يرتع منها، تعني: أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها٢.
وكان ابن عباس ﵄ يقول لعائشة: لم ينكح النبي ﷺ بكرا غيرك.
مكثت عائشة ﵂ مع النبي ﷺ تسع سنين، ومات عنها النبي ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة.
وفي فضلها قال ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣، وأخبرها النبي ﷺ أن جبريل يقرئها السلام٤.
وقد اختصت من بين سائر زوجات النبي ﷺ بنزول الوحي عليه وهو في لحافها، أخبر عن ذلك المصطفى ﷺ وهو يقول لأم سلمة: يا أم سلمة، لا تؤذيني عائشة، فإنه والله ما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها٥.
ومحبة النبي ﷺ لعائشة لم تكن تخفى على المسلمين، حتى لقد كانوا يتحرون بهداياهم اليوم الذي يكون فيه النبي ﷺ عند عائشة٦.
_________________
(١) ١ واللفظ للبخاري ومسلم معا. ٢ صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب نكاح الإبكار ج٨ ص١٣١. ٣ صحيح مسلم - كتاب الفضائل ج١٥ ص١٩٩. ٤ صحيح مسلم - كتاب الفضائل ج١٥ ص٢١٠. ٥ صحيح البخاري - كتاب المناقب ج٦ ص١٤٣. ٦ صحيح مسلم - كتاب الفضائل ج١٥ ص٢٠٥.
[ ٣٧٥ ]
وعائشة ﵂ هي التي قبض النبي ﷺ بين سحرها ونحرها -كما كانت تقول١- لأنه ﷺ لقي ربه وهو في حجرها، وكان آخر عهده أن بل ريقها ريقه ﵂.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج١٥ ص٢٠٨.
[ ٣٧٦ ]
ثالثا: أم حبيبة بنت أبي سفيان
أم حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الأسدي، وفارقته بعدما تنصر، وارتد، فعقد عليها النبي ﷺ وهي بأرض الحبشة، وأنكحها النجاشي للنبي ﷺ وأصدقها أربعمائة دينار ذهبا.
ودخل بها ﷺ في المدينة بعد أن عادت من هجرتها١.
وهي التي عرضت على النبي ﷺ الزواج بأختها عروة بنت أبي سفيان، فعجب النبي ﷺ لذلك، وقال: "أوتحبين ذلك؟! " قالت: نعم.
وتعلل ذلك، وتقول لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في الخير أختي، فرد عليها: "إن ذلك لا يحل لي".
وإنما عقد النبي ﷺ على أم حبيبة تكريما لها، وتقديرا لتمسكها بالإسلام، وعوضا لها عن مفارقة زوجها.
_________________
(١) ١ جوامع السيرة ص٣٥.
[ ٣٧٦ ]
المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى
النصر الأول: إسلام عداس
المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى
بذل النبي ﷺ جهده في دعوة أهل الطائف، وفي عرض نفسه على القبائل، ومع ذلك لم يتحقق له ما يتمنى؛ حيث رده أهل الطائف ردا قبيحا، ولم تؤمن القبائل بدعوته، ورفضت إجارته خوفا من عداء قريش، وتأثرا بما كان أبو لهب وأبو جهل يذكران عنه.
وكانت معونة الله مع عبده ورسوله محمد ﷺ؛ حيث يسر له من أمره رشدا، ولم يخرج من جهاده مع الناس خالي الوفاض، فحقق له عددا من الانتصارات التي ترضيه؛ رحمة من الله وفضلا، وأهمها ما يلي:
النصر الأول: إسلام عداس
بعدما ردت ثقيف رسول الله ﷺ بهذه الصورة السيئة -التي ذكرتها- أخذ ﷺ في العودة إلى مكة مرة أخرى.
وعندما وصل إلى بستان بني ربيعة جلس تحت ظل شجرة ليستريح، وأخذ يدعو ربه، ويستغيث به فاستجاب الله له، وجاءه نصر الله، حتى لا يعود لمكة خاوي الوفاض، فكان إسلام عداس.
وقصة إسلام عداس أنه ﷺ لما جلس تحت الشجرة رآه عتبة وعتيبة ابنا ربيعة وعلما ما وقع له، فتحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له: عداس؛ ليعطيه شيئا من الفاكهة تعينه على هذه المتاعب وقالا له: خذ قطفا "من هذا" العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه.
ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ثم قال له: كل.
فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده، قال: "باسم الله"، ثم أكل.
[ ٣٧٧ ]
فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ: "ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ ".
قال عداس: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى.
فقال رسول الله ﷺ: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى".
فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟
فقال رسول الله ﷺ: "ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي"، فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه، وأسلم.
وهكذا أسلم عداس في أثناء عودة النبي ﷺ من رحلته إلى الطائف. وأما أبناء ربيعة فقد قالا لعداس: ويلك يا عداس؟ ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟!
فقال لهما: لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي١.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٢١.
[ ٣٧٨ ]
النصر الثاني: إسلام الجن
حين انصرافه ﷺ من الطائف، راجعا إلى مكة، وعند وادٍ في طريق مكة يسمى "نخلة" قام ﷺ في جوف الليل يصلي، فأتاه سبعة من جن نصيبين، استمعوا لقراءته ﷺ وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته، أعلنوا إيمانهم وإسلامهم، ثم انصرفوا إلى قومهم دعاة، يحملون الإسلام إليهم، ويوضحون تعاليمه ومزاياه، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى
[ ٣٧٨ ]
الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، وقد نزلت قصتهم كاملة في سورة الجن.
وهكذا بدأ خلق آخر يدخلون في الإسلام، ويهتمون بالدعوة إليه..
ومن سياق الآيات يتضح أن الرسول ﷺ لم يكن يعلم بحضور هذا النفر من الجن.
لقد كان إيمان الجن نصرا آخر، أمده الله به، من كنوز غيبة المكنون، ولله جنود لا يعلمها إلا هو.
ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث تحمل في طياتها بشارات نجاح دعوة النبي ﷺ، وتؤكد أن سائر قوى الكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف الآيات ٢٩-٣٢. ٢ سورة الأحقاف آية ٣٢. ٣ سورة الجن آية ١٢.
[ ٣٧٩ ]
النصر الثالث: إجارة المطعم بن عدي
لما خرج محمد ﷺ إلى الطائف عزمت قريش على منعه من العودة إلى مكة، حتى لا يجد مكانا يأويه، أو أناسا يحمونه.. ومع ذلك نوى رسول الله العودة إلى مكة.
[ ٣٧٩ ]
قال له زيد بن حارثة ﵁ رفيقه في رحلة الطائف: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟
فقال ﷺ: "يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه".
وسار رسول الله ﷺ صوب مكة، حتى وصل حراء فمكث بها، وأخذ يبحث عن شخص يجيره وينصره..
فأرسل رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال الأخنس: أنا حليف، والحليف لا يجير.
فبعث الرجل إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل: إن بني عامر لا تجير على بني كعب.
فبعث الرجل إلى المطعم بن عدي، فرد المطعم ردا جميلا وقال: نعم، ثم تسلح، ودعا بنيه وقومه، وقال لهم: إلبسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدا، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ: أن ادخل، فدخل رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدا فلا يهجه أحد منكم.
وانتهى رسول الله ﷺ إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته.
وقيل: إن أبا جهل سأل مطعما: أمجير أنت أم متابع -مسلم-؟ قال: بل مجير، قال: قد أجرنا من أجرت..
وقد حفظ رسول الله ﷺ للمطعم هذا الصنيع، فقال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ما مَنَّ النبي ﷺ به على الأسارى ج٥ ص٢٢٦، ط. الأوقاف.
[ ٣٨٠ ]
النصر الرابع: أضواء وسط ظلام القبائل
ظلت القبائل على كفرها، وردوا على رسول الله حين عرض نفسه عليهم ردودا مختلفة، وكان لموقف القبائل أثر مؤلم على نفس رسول الله ﷺ.
ويأبَى الله إلا أن يكرم محمدا ﷺ ببعض الخير، فتشرق عليه أضواء من بين هذه القبائل، وذلك بإسلام أفراد منهم، ودخولهم في دين الله تعالى، وعلى رأس هؤلاء المسلمين:
١- سويد بن الصامت ﵁:
وهو رجل من بني عرف بن مالك الأوسي، جاء إلى مكة حاجا أو معتمرا، فتصدى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله، وإلى الإسلام.
فقال له سويد: فلعل الذي معك هو الذي معي.
فقال له رسول الله ﷺ: "وما الذي معك؟ ".
قال: معي مجلة لقمان؛ يعني: حكمة لقمان.
فقال له رسول الله ﷺ: "اعرضها عليَّ".
فعرضها عليه، فقال له ﷺ: "إن هذا الكلام حسن، والذي معه أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى علي، هو هدى ونور"، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن وأسلم، ثم انصرف عنه١.
٢- إياس بن معاذ ﵁:
إياس بن معاذ من بني عبد الأشهل وهم من الأوس، جاء وهو صغير مع قومه يلتمسون الحلف مع قريش؛ لينتصروا بهم على الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ أتاهم، وجلس معهم وقال لهم: "هل لكم في خير مما جئتم له؟ ".
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٢٧.
[ ٣٨١ ]
فقالوا له: وما ذاك؟
قال: "أنا رسول الله بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب"، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
فقال إياس بن معاذ: هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر -أنس بن رافع- حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج.
ثم لم يلبس إياس بن معاذ أن هلك، يقول محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد استشعر الإسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع١.
٣- أبو ذر الغفاري ﵁:
لما بلغ يثرب خبر سويد وإياس ﵄، وإنهما سمعا محمدا ﷺ وآمنا بدعوته، بدأ أهلها في التفكير في أمر محمد، وبخاصة أهل الرأي فيهم، ومنهم أبو ذر الغفاري، أخذ أبو ذر يفكر في الإسلام، وهو في يثرب، فقال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فأعلمني علم هذا الرجل، الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني.
فانطلق أخوه حتى قدم مكة، ولقي محمدا ﷺ، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر.
فقال أبو ذر: ما شفيتني مما أردت، فتزود أبو ذر، وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ وكان لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي ﵁ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١ ص٤٢٧، ٤٢٨.
[ ٣٨٢ ]
يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
فلما أصبح أبو ذر، احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ينظر إلى النبي ﷺ والنبي لا يراه حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه.
مر به علي في مضجعه فقال له: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه عنده، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
حتى إذا كان يوم الثالث، فعاد على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني، ما الذي أقدمك؟
قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنني فعلت، ففعل، فأخبره.
قال علي: فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل علي ﵁ على النبي صلى الله عليه سلم، ودخل أبو ذر معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ: "ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتى يأتيك أمري".
قال أبو ذر: والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه.
وأتى العباس فأكب عليه ثم قال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه١.
٤- الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁:
الطفيل شيخ من شيوخ قبيلة دوس، إحدى قبائل اليمن، قدم الطفيل مكة، ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، فقالوا له: يا طفيل، إنك
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب إسلام أبي ذر ج٦ ص١٨٢.
[ ٣٨٣ ]
قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك، وعلى قومك، ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه، ولا تسمعن منه شيئا.
يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، وحشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا خوفا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت منه قريبا، فأبَى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب، شاعر، ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟! فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل لبيته دخلت عليه.
فقالت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لكي لا أسمع قولك، ثم أبَى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولا حسنا، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق١.
٥- ضماد الأزدي ﵁:
ضماد رجل من اليمن، كان يعمل بالرقيا من الجن، قدم مكة، فسمع أهلها يقولون: إن محمدا مجنون.
فقال: لو أني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٣٨٢، ٣٨٣.
[ ٣٨٤ ]
فقال: يا محمد، إني أرقي من هذا الريح، فهل لك؟
فقال رسول الله ﷺ: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. أما بعد".
فقال ضماد: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات.
فقال ضماد: فقال سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه١.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص١٥٢.
[ ٣٨٥ ]
النصر الخامس: الإسراء والمعراج
وأكرم الله نبيه محمدا ﷺ برحلة الإسراء والمعراج؛ ليؤنسه ويعرفه بمنزلته عنده، وليبدأ ﷺ بها مرحلة جديدة في الدعوة إلى الله تعالى.
والحديث عن الإسراء المعراج يحتاج إلى تناول نقاط معينة، وهي:
١- مفهوم الإسراء والمعراج:
يراد بالإسراء تلك الرحلة التي صحب فيها جبريل ﵇ محمدا ﷺ ليلا من البيت الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس بإيلياء حيث ركبا معا البُرَاق.
ويراد برحلة المعراج صعود جبريل بمحمد ﷺ من بيت المقدس إلى السماوات العلا، في معراج أحضره معه جبريل ﵇.
٢- ثبوت الإسراء والمعراج:
والإسراء والمعراج ثبت وقوعهما لرسول الله ﷺ بالقرآن الكريم، وبالسنة النبوية، وبشهادة الصحابة رضوان الله عليهم.
[ ٣٨٥ ]
أما القرآن الكريم ففيه يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢.
وأما السنة فقد أخرج مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه سولم قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط به الإنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة.
ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية ١. ٢ سورة النجم الآيات ١-١٨.
[ ٣٨٦ ]
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم ﵇ فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵇.
فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير.
ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل.
فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد ﷺ.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﵇ إذا هو أُعطي شطر الحسن فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل ﵇.
قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد
[ ٣٨٧ ]
قال: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل.
قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﵇، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇.
قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل.
فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد ﷺ.
قيل: وقد بعث إليه؟
[ ٣٨٨ ]
قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملَك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال.
فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.
فأوحى الله إليَّ ما أوحى ففرض عليَّ خمسين
صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﵇، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟
قلت: خمسين صلاة.
قال موسى ﵇: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخيرتهم.
فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عن خمسا.
فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسا.
قال موسى ﵇: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف".
يقول ﷺ: "فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﷺ حتى قال الله تعالى: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة.
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﵇ فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف".
فقال رسول الله ﷺ: "فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" ١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي - باب الإسراء برسول الله ﷺ ج٢ ص٢١٠-٢١٥، يقول القاضي عياض عن هذا الحديث: لم يأتِ أحد بأصوب من هذا الحديث "الشفا ج١ ص١٧٩".
[ ٣٨٩ ]
وقد روى حديث الإسراء والمعراج ثمان وثلاثون صحابيا وصحابية، بعضهم ذكره مطولا، وبعضهم ذكره مختصرا، وبعضهم زاد جوانب لم تذكر عند الآخرين، وقعت بينهم اختلافات، والقدر المجمع عليه هو أنه ﷺ أُسري به من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين.
ثم أتى المعراج، وهو كالسلم، ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه، إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها.
ثم سلم على الأنبياء الذين في السماوات، بحسب منازلهم، ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم، وإبراهيم الخليل في السادسة والسابعة، ثم جاوز منزلتيهما ﷺ وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام؛ أي: أقلام القدر بما هو كائن.
ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة.
ورأى هناك جبريل على صورته، وله ستمائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، يتعبدون فيه، ثم لا يعودون منه إلى يوم القيامة.
ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هناك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه، ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم، جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، فيخبره بهم، وكان الأنبياء أنفسهم يسألون جبريل ﵇ عن المصاحب له، وعن بعثته.
[ ٣٩٠ ]
والقول بأن الصلاة كانت بعد العودة من العروج هو اللائق؛ لأنه ﷺ كان أولا مطلوبا إلى الجناب القدسي ليتشرف بالمقام العلوي، وتعرف منزلته عند ربه، وحتى يفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، وأظهر شرفه وفضله عليهم، بتقديمه في الإمامة وائتمامهم جميعا صلوات الله عليهم به، وذلك بوحي جبريل ﵇ لهم في ذلك، ثم خرج ﷺ من بيت المقدس فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس، والله ﷾ أعلم١.
وحتى نقف على ما بين هذه الروايات من اتفاق أو اختلاف أبين ما يلي:
أولا: رواة حديث الإسراء:
بلغ عدد رواة حديث الإسراء من الصحابة ثمان وثلاثين صحابيا وصحابية، وهم:
١- أبي بن كعب ﵁.
٢- أبو ذر الغفاري ﵁.
٣- بريدة بن عبد الله ﵁.
٤- أسامة بن زيد ﵁.
٥- أنس بن مالك ﵁.
٦- جابر بن عبد الله ﵁.
٧- حذيفة بن اليمان ﵁.
٨- سمرة بن جندب ﵁.
٩- سهل بن سعد ﵁.
١٠- شداد بن أوس ﵁.
١١- صهيب بن سنان ﵁.
١٢- عبد الله بن عباس ﵁.
١٣- عبد الله بن عمر ﵁.
١٤- عبد الله بن الزبير ﵁.
١٥- عبد الله بن أبي أوفَى ﵁.
١٦- عبد الله بن سعد بن زرارة ﵁.
١٧- عبد الله بن مسعود ﵁.
١٨- العباس بن عبد المطلب ﵁.
١٩- عثمان بن عفان ﵁.
٢٠- علي بن أبي طالب ﵁.
٢١- عمر بن الخطاب ﵁.
٢٢- مالك بن صعصعة ﵁.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٣ ص٢٢.
[ ٣٩١ ]
٢٣- أبو بكر الصديق ﵁.
٢٤- أبو أيوب الأنصاري ﵁.
٢٥- أبو الحمراء ﵁.
٢٦- أبو الدرداء ﵁.
٢٧- أبو سعيد الخدري ﵁.
٢٨- زيد بن حكيم ﵁.
٢٩- أبو سفيان بن حرب ﵁.
٣٠- أبو سلمة بن دحية ﵁.
٣١- أبو ليلى الأنصاري ﵁.
٣٢- أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ.
٣٣- أبو هريرة ﵁.
٣٤- أم المؤمنين عائشة ﵂.
٣٥- أسماء بنت أبي بكر ﵂.
٣٦- أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ.
٣٧- أم سلمة أم المؤمنين ﵂.
٣٨- أم هاني رضي الله عنها١.
وقد أورد السيوطي مختلف الروايات بأسانيدها في كتابه "الخصائص الكبرى" ونقلها عنه العلامة الشيخ/ يوسف النبهاني في كتابه "حجة الله على العالمين"، فليرجع إلى أيهما من أراد الاطلاع عليها.
ثانيا: الزيادات الواردة عن رواية أنس المذكورة
وردت زيادات في بعض الروايات زائدة عن رواية أنس بن مالك ﵁ التي نقلتها من صحيح مسلم وجعلتها أساسا لسائر الروايات، وسأحاول هنا ذكر هذه الزيادات لتتضح صورة الإسراء والمعراج كاملة، وهي:
أ- أخرج البخاري بسنده عن أنس، قال: ليلة أسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحى إليه بالإسراء وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟
فقال أوسطهم: هو خيرهم.
فقال أحدهم: خذوا خيرهم.
وفي ليلة أخرى أتوه وهو نائم فحملوه ووضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره
_________________
(١) ١ أورد ابن كثير حصر هذه الأسماء في تفسيره ج٣ ص٢٤، كما ذكرهم صاحب كتاب "حجة الله على العالمين" ص٣٣٧.
[ ٣٩٢ ]
وجوفه فغسله بماء زمزم بيده، حتى ألقى جوفه، ثم أتى بطشت من ذهب، محشو إيمانا وحكمة، فحشى به صدره ولغاديده "عروق حلقه"١.
ب- وأخرج أحمد عن طريق أنس: أن النبي أتر بالبراق ليلة أسرى به، مسرجا، ملجما، ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه، فأرفض البراق عرقا، ثم قر حتى ركبه صلى الله عليه وسلم٢.
ج- وأخرج ابن عساكر والبيهقي بسندهما عن حديث أبي سعيد الخدري يقول النبي ﷺ: "فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، فاجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيئة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين.
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم، قد أروح وأنتن، عندها ناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يتركون الحلال، ويأتون الحرام.
ثم مضت هنيهة فإذا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم لا تقم الساعة، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا: ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ .
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، فتفتح أفواههم، ويلقمون حجرا، ثم يرضخ من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - باب المعراج ج٦ ص١٩٠ بمثله. ٢ سيرة ابن هشام ج١ ص٤٠٥، ٤٠٦.
[ ٣٩٣ ]
قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بنساء تعلقن بثديهن، ونساء منكسات بأرجلهن، فسمعتهن يضججن إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء النساء؟
قال: هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن.
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمون، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون" ١.
د- وأخرج البيهقي وابن جرير بسندهما عن أبي هريرة ﵁ قال: "وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان".
فقال النبي ﷺ: "يا جبريل، ما هذا؟
قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء.
فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة.
ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله شيئا.
_________________
(١) ١ حجة الله على العالمين ص٣٥٣، ٣٥٤.
[ ٣٩٤ ]
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم أخر نيئ خبيث، فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث ويدعون النضيج الطيب.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا فتبيت معه حتى تصبح.
ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها.
ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء خطباء الفتنة.
ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج، لا يستطيع.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.
ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة، وريح مسك، وسمع صوتا.
فقال: يا جبريل ما هذا؟
قال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت غرفي، وإستبرقي، وحريري، وسندسي، وعبقريي، ولؤلؤي، ومَرْجاني، وفضتي، وذهبي، وأكوابي، وصحافي
[ ٣٩٥ ]
وأبارقي، ومراكبي، وعسلي، ومائي، ولبني، وخمري، فآتني ما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، قالت: رضيت.
ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا، ووجد ريحا منتنة.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب آتني ما وعدتني، فلقد كثرت سلاسلي، وأغلالي، وسعيري، وحميمي، وضريعي، وغساقي، وعذابي، وقد بعد قعري، واشتد حري، فآتني ما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت"١.
هـ- وأخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم؛ لئلا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب" ٢.
وجاء في حديث أبي هريرة ذكر كلام كل من إبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان ﵈، ثم ذكر كلام النبي ﷺ فقال: "وأن محمدا ﷺ أثنى على ربه ﷿، فقال: كلكم أثنى على ربه، وأنا أثني على ربي الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس، بشيرا ونذيرا، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة، وجعل أمتي أمة وسطا، وجعل أمتي هم
_________________
(١) ١ حجة الله على العالمين ص٣٥٨. ٢ المصدر السابق ص٣٦٢.
[ ٣٩٦ ]
الأولون، وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا، وخاتما، فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد" ١.
ز- جاء في حديث أبي هريرة من طريق الربيع بن أنس: أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى سدرة المنتهى قال له الله تعالى: سل، فقال ﷺ: "إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن، والإنس، والشياطين، والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ الكمه، والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل.
فقال له ربه تعالى: قد اتخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التوراة: محمد حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون، وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقا، وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثاني، ولم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما" ٢.
وهذه الزيادات -مع حديث أنس الذي أوردته- تقدم صورة كاملة للإسراء والمعراج، بدءا من شق صدره ﷺ قبيل الإسراء به، وحتى عاد إلى مكة.
ثالثا: أحداث متعارضة في روايات حديث الإسراء:
بمراجعة روايات أحاديث الإسراء نلحظ فيها المعارضات التالية:
١- في حديث أنس الوارد في الفقرة "أ" السابقة: أن ثلاثة نفر جاءوا إلى رسول الله قبل أن يوحى إليه، مع أن الإسراء كان بعد المبعث، وقبيل الهجرة؛ حيث جاء
_________________
(١) ١ الشفا للقاضي عياض ج١ ص١٨٢. ٢ الشفا للقاضي عياض ج١ ص١٨٣، ١٨٤.
[ ٣٩٧ ]
في الحديث أن كثيرا ممن أسلم ارتد.
٢- في رواية أنس الأولى: أنه ﷺ لقي إبراهيم ﵇ في السماء السابعة عند البيت المعمور، ولقي موسى ﵇ في السماء السادسة، وفي بعض الروايات أنه ﷺ رأى إبراهيم ﵇ في السماء السادسة، ولقي موسى ﵇ في السماء السابعة١.
٣- في رواية ابن إسحاق أن الرسول ﷺ أتى بثلاث أوان، أحدهما ماء، فقال قائل: إن أخذ الماء غرق، وغرقت أمته، وفي إحدى روايات البخاري: أنه أتى بثلاث أوان، ولم يذكر فيها الماء٢.
٤- يقول الله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٣ ورؤية الفؤاد تشبه رواية أنس من أن الرؤية كانت قلبية، وعين الرسول ﷺ نائمة، وفي الآ الثانية يقوله الله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ٤ فجاءت الرؤية بصيغة المضارع، ولم يقل على ما رأى كالآية الأولى، فدل على الرؤية الثانية ليست هي الرؤية الأولى.
٥- في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ دلالة على أنها رؤية قلبية، وفي قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٥ دلالة على أنها رؤية بالعين؛ ولذلك رأى فيها: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٦.
أما الآيات التي ترى في النوم فليست بهذا القدر من العظمة والفخامة.
_________________
(١) ١ انظر: صحيح مسلم في حديث أبي ذر بشرح النووي ج٢ ص٢١٧. ٢ انظر: سيرة ابن هشام ج١ ص٣٩٧، وصحيح البخاري ج٦ ص١٩٧، ١٩٨. ٣ سورة النجم آية ١١. ٤ سورة النجم آية ١٢. ٥ سورة النجم آية ١٧. ٦ سورة النجم آية ١٨.
[ ٣٩٨ ]
٦- في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ١ قال المفسرون في رواية: يغشاها فراش من ذهب، وفي رواية أخرى قالوا: ينتثر منها الياقوت وثمرها مثل قلال هجر.
٧- جاء في أحاديث الإسراء: أنه ﷺ رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين ونهرين باطنين، وأخره جبريل ﵇ بأن النهرين الظاهرين هما: النيل والفرات.. وذكر حديث أنس: أن هذين النهرين في السماء الدنيا، وقال له الملك: هما النيل والفرات، أصلهما، وعنصرهما.
رابعا: فك تعارض الأحاديث
والسؤال هنا: كيف نفك هذا التعارض؟ ونجمع بين هذه الآراء؟
نظر العلماء إلى هذا التعارض الظاهري، وذهبوا إلى أن الإسراء وقع مرتين، مرة في المنام، ومرة ثانية في اليقظة.
يقول الإمام محمد الشامي: "ذهب جماعة منهم المهلب شارح البخاري إلى هذا الرأي، وحكاه عن طائفة، منهم أبو نصر القشيري، والحافظ البغوي، والمحدث أبو القاسم عبد الرحمن الخثعمي المعروف بالسهيلي، وبين أن النووي جزم به فتاويه، وهؤلاء وغيرهم من العلماء ذهبوا إلى تكرر الإسراء مرتين، مرة في المنام، ومرة في اليقظة، وكانت مرة النوم توطئة له، وتيسيرا عليه، كما كان في بدء ثبوته ﷺ من الرؤيا الصادقة؛ ليسهل عليه أمر النبوة، لأمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا أولا؛ لأن هوله عظيم، فجاء في اليقظة بعد توطئة وتقدمة، رفقا من الله تعالى بعبده، وتسهيلا عليه٢.
_________________
(١) ١ سورة النجم آية ١٦. ٢ الروض الأنف ج١ ص١٤٩، ١٥٠، سبل الهدى والرشاد ج٣ ص١٠٦.
[ ٣٩٩ ]
وعلى هذا فإن حدوث الإسراء مرتين، مرة على صورة، ومرة أخرى على صورة أخرى، لا تعارض فيه، وبذلك ينتفي تعارض الروايات.
ولا مانع من تكرر الوحي إلى رسول الله ﷺ بالموضوع الواحد لحكمة يريدها الله، كما هو ثابت في حالات عديدة.
٣- كيفية وقوع الإسراء والمعراج:
أورد العلماء عدة آراء في كيفية وقوع الإسراء والمعراج؛ حيث ذهبوا في تحديد كيفيتها إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: الإسراء والمعراج كانا في النوم وبالروح
يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الإسراء كانت رؤيا لرسول الله ﷺ رآها وهو نائم، وعلى رأس القائلين بهذا الرأي أم المؤمنين عائشة ﵂، ومعاوية بن أبي سفيان ﵁، ويستدلون على رأيهم بما يلي:
١- رؤيا الأنبياء وحي، لأن قلوبهم لا تنام، يقول ﷺ: "الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم" ١، وبذلك يتحقق في المنام ما يقصد في اليقظة.
٢- يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢ فقوله تعالى: "الرؤيا" دليل على أنها كانت مناما؛ لأنها لو كانت يقظة لقال: "رؤية".
٣- جاء في حديث أنس في رواية شريك عنه: "وهو ﷺ نائم بالمسجد الحرام واستيقظت من منامي، وأنا في المسجد الحرام"٣، وذلك دليل لى وقوع الإسراء في أثناء نوم النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب المناقب ج٦ ص٣٤. ٢ سورة الإسراء آية ٦٠. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب المناقب - باب الإسراء ج٢ ص٢١٧.
[ ٤٠٠ ]
٤- كان معاوية بن أبي سفيان ﵄ إذا تحدث عن مسرى رسول الله ﷺ، يقول: كانت رؤيا من الله صادقة١.
٥- يقول ابن إسحاق: "حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ، ولكن أسري بروحه".
الرأي الثاني: الإسراء كان بالجسد والمعراج كان بالروح
يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الإسراء كان بالجسد والروح معا، من المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بإيلياء، وبعده كان المعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلا بالروح فقط، ويستدلون على ذلك بما يلي:
١- يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ حيث جعلت الآية المسجد الأقصى غاية الإسراء؛ تشريفا لرسول الله ﷺ، ولو كانت غاية الإسراء إلى مكان آخر غير المسجد الأقصى لذكره ﷾؛ لأنه أبلغ في التشريف والمدح.
٢- توجهت اعتراضات كفار مكة على انتقال رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس والعودة منه في ليلة واحدة، ولم يرد على لسانهم اعتراض على العروج إلى السماء السابعة، حتى سدرة المنتهى، مع أنه أدعى لإنكار الكافرين لو كان بالجسد
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٩٩، جاء في زاد المعاد: ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان مناما، وإنما قالا: الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه عرج به إلى السماء، أو ذهب به إلى مكة أو أقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تغب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، ومع هذا الفرق فإن القول بأن الإسراء بالروح لا يبعد كثيرا في أثره، وتصوره عن الإسراء في النوم؛ لأن التوجه أثناء النوم هو للروح أيضا.
[ ٤٠١ ]
وعلى هذا يثبت أن الإسراء كان بالجسد والروح، أما المعراج فكان بالروح فقط؛ لأن كفار مكة لم يعترضوا عليه مع كثرة المشاهد التي حكاها الرسول ﷺ حين رؤيته لها في معراجه، ولو كان المعراج بالجسد لكثر الاعتراض.
الرأي الثالث: الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح
يذهب جمهور علماء السلف والخلف من الفقهاء والمفسرين والمحدثين إلى أن الإسراء والمعراج كانا يقظة بالجسد والروح، ويستدلون على ذلك بما يلي:
١- يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فقد ذكرت الآية أن الإسراء كان بعبده المكون من الجسد والروح؛ لأنهما حقيقة العبد، وظاهر اللفظ يدل على هذه الحقيقة، ومن المعلوم أنه لا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند استحالة حقيقة الظاهر، ولا استحالة في قدرة الله أن يسري بعبده روحا وجسدا، فلزم أن يكون الإسراء بهما.
٢- يقول الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ١، ففي الآية إثبات واضح على أن الرؤية كانت بالبصر، وأسندها الله للبصر احترازا عن رؤية القلب.
٣- يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢، ففي الآية دلالة على الرؤية البصرية؛ لأنها لو كانت مناما ما كانت كبرى، ولسلم بها من سمعها من كفار مكة.
_________________
(١) ١ سورة النجم آية ١٧. ٢ سورة النجم آية ١٨.
[ ٤٠٢ ]
٤- يروي البخاري في صحيحه عن ابن عبسة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء١.
وقد رد الجمهور وهم أصحاب الرأي الثالث، القائلون بأن الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح معا، على الرأيين السابقين بإبطال أدلتهم وردها.
رد أدلة أصحاب الرأي الأول:
قال أصحاب الرأي الثالث: إن رؤيا الأنبياء وحي، وبها تثبت الحقائق والمعلومات، إلا أن الإعجاز في الإسراء والمعراج لا يتم إلا إذا كان بالجسد مع الروح؛ لأن المقصود إثبات ما شاهده النبي ﷺ بطريقة حسية حقيقية.. وبذلك لا يتحقق بإسراء الروح ما قصد بإسراء الجسد.
وأيضا فإن الرؤيا تأتي بمعنى الرؤية، ومن ذلك قول الشاعر:
وكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلبا كان جما بلابله
وما كانت الرؤيا فتنة للناس، إلا لأنها رؤيا بالبصر، وقد قال الكفار: يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس، ورجع إلى مكة في ليلته، والعير ترد إليها شهرا مقبلة وشهرا مدبرة، ولو كانت رؤيا نوم لم يستبعد أحد منهم هذا، فمعلوم أن النائم قد يرى نفسه في السماء، وفي المشرق، وفي المغرب، ولا يستبعد منه ذلك.
وأما استشهادهم بقوله ﷺ: "بين النائم واليقظان، ثم استيقظت"، فالظاهر أن تلك الأقوال كان في أول وصول الملك، وبعد يقظته كان الإسراء.
وأيضا فإن أحاديث الإسراء تتضمن ألفاظا صريحة تؤكد أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب التفسير ج٦ ص١٦٠.
[ ٤٠٣ ]
رد أدلة أصحاب الرأي الثاني:
يرد الجمهور أدلة الرأي الثاني أيضا، ويرون أن آية الإسراء ذكرت الغاية بالمسجد الأقصى مراعاة لحال المستمعين، حتى يؤمنوا بالإسراء؛ لأنه الأقرب إلى عقولهم، وأيسر لهم في التصور عن المعراج؛ لأنهم إذا صدقوا بالإسراء، وسلموا بصدق محمد ﷺ أخبرهم بعد ذلك بما هو أعظم منه، وهو "المعراج"؛ ولذلك نزلت آيات المعراج في سورة النجم بعد آية الإسراء.
وهكذا يرد الجمهور أدلة مخالفيهم، فيترجح رأيهم برجحان أدلتهم..
التوفيق بين الآراء ورد الاختلاف:
ويجب أن أشير هنا إلى ما ذكرته سلفا في ص٣٩٦ من أن الإسراء وقع لرسول الله ﷺ مرتين: مرة في اليقظة، ومرة في المنام، يرفع التعارض الظاهر في الأقوال الثلاثة، يقول الحافظ ابن حجر: إن قيل بتكرر الإسراء فلا إشكال، وأن المرة الأولى كانت مناما لتسهيله وتخفيف وطأته، وأن المرة الثانية كانت يقظة بعد التوطئة والتقديم؛ رفقا من الله بعبده، وتسهيلا عليه، كما حدث في أول الوحي؛ إذ بدأ بالنبوة وثنى بالرسالة.
وعلى هذا تصدق الآراء الثلاثة، فمن قال بالإسراء الروحاني، اعتمد على وقوع الإسراء في المرة الأولى، ومن قال بالإسراء الجسدي، اعتمد على وقوع الإسراء في المرة الثانية، ومن قال بالإسراء البدني، والمعراج الروحي أخذ من المرة الأولى المعراج، ومن المرة الثانية الإسراء.
يقول السهيلي: وهذ القول هو الذي يصح، وبه تتفق الأخبار، فالرواة جميعا ثقاة عدول، لا سبيل إلى تكذيب بعضهم أو توهينه١.
يقول ابن كثير: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء، فيه صورة ما وقع بعد ذلك؛ فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج٢ ص١٥٠.
[ ٤٠٤ ]
ذلك من حديث بدء الوحي، أنه رأى في منامه مثل ما وقع له يقظة بعد ذلك، من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس١.
وهكذا كان الإسراء والمعراج رحلة علوية سامية، خففت عن رسول الله ﷺ ما كان يعانيه من انصراف الناس عن الإيمان، واستهزائهم به، وعلو مقامه وقدره ومنزلته، وهذا كافٍ في عونه على متاعب الناس، وصموده أمام عتوهم وظلمهم.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١١٤.
[ ٤٠٥ ]
النصر السادس: إسلام الأنصار:
لما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز رسوله، وإيصال الدعوة إلى العالم كله، قضى بأن يترك المسلمون مكة، ويهاجروا منها إلى مكان آمن، يعيش أهله للإسلام، ويهاجر إليه المسلمون ليكونوا قوة تحمي الحق، وتدافع عنه، وترد كيد المعتدين.
لما أراد الله ذلك خرج رسول الله ﷺ إلى قبائل العرب كما كان يفعل في كل موسم، وذلك في العام العاشر من المبعث، وقد وفقه الله تعالى، ووفق الأنصار معه فتلاقوا في ثلاثة مواسم متتابعة عند العقبة؛ حيث كان اللقاء الأول تمهيدا لبيعتي العقبة، اللتين تمتا في اللقاءين الثاني والثالث.
وبيان هذه اللقاءات فيما يلي:
اللقاء الأول: إسلام نفر من الأنصار
حين خرج الرسول ﷺ في العام العاشر للقاء القبائل لقي نفرا من الخزرج، وهم:
١- أسعد بن زرارة.. من بني النجار.
٢- عوف بن الحارث بن رفاعة.. من بني النجار.
[ ٤٠٥ ]
٣- رافع بن مالك بن العجلان.. من بني زريق.
٤- قطبة بن عامر بن حديدة.. من بني سلمة.
٥- عقبة بن عامر بن ناتي.. من بني حرام بن كعب.
٦- جابر بن عبد الله بن وئاب.. من بني عبيد بن غنم.
فلما لقيهم الرسول ﷺ قال لهم: "من أنتم؟ ".
قالوا: نفر من الخزرج.
قال: "أمن موالي يهود؟ ".
قالوا: نعم.
قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ ".
قالوا: بلى، من أنت؟
فانتسب لهم، وأخبرهم خبره، فجسلوا معه، ودعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما حببهم في الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، كثيرا ما قالوا لهم: إن نبيا أظلنا زمانه، سنؤمن به، ونقتلكم وهو معنا قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله أيقنوا به، واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا، وعرفوا صدق ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب عن صفته.
فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام.
ثم قالوا: قد علمت الذي بيننا "يعنون الأوس والخزرج" من الاختلاف، وسفك الدماء، ونحن حراص على ما أرسلك الله به، مجتهدون لك بالنصيحة، دعنا نشير عليك برأينا، فامكث على رسلك باسم الله، حتى نرجع إلى قومنا، فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله ورسوله، فلعل الله يصلح ذات بينهم، ويجمع لك أمرهم
[ ٤٠٦ ]
فإنا اليوم متباغضون متباعدون، ولكنا نواعدك الموسم من العام المقبل، فرضي بذلك رسول الله ﷺ، انصرفوا راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا، وصدقوا١.
ويعد هذا الاتفاق عهدا بين رسول الله ﷺ وهؤلاء النفر وحدهم على أن يبذلوا جهدهم لإصلاح ذات البين، بين الأوس والخزرج؛ ليأتوا في العام القادم سويا، ويشتركوا في عهد رسول الله ﷺ معا.
وكثير من المؤرخين وكتاب السيرة لا يعدون إيمان هؤلاء النفر بيعة، ويعتبرونه مقدمة للبيعتين بعد ذلك، إلا أن الشيخ/ محمد الشامي عدها بيعة، وتحدث عن ثلاث بيع لعده اللقاء الأول اتفاقا متكاملا، وتم عند العقبة، يقول عبد الله بن أبي بكر: لا أدري ما العقبة الأولى، ويقول ابن إسحاق: قد كانت عقبة وعقبة، إشارة إلى اللقاء الأول والثاني؛ لأنهما كانا في مكان واحد، يجاور العقبة التي نسبت البيع إليها؛ لأن المبايعة كانت تتم بشعب يجاور العقبة، يقع يسار القادم من مكة إلى منى، وقد أقيم في هذا المكان مسجد يعرف بـ"مسجد البيعة" وموقعه في أول شعب يعرف بـ"شعب العقبة" و"شعب الأنصار"٢.
ومع جمال وجهة نظر الشيخ إلا أني سأعتبر اللقاء الأول تمهيدا للبيعتين بعده تبعا لجمهور مؤلفي السير والتاريخ.
اللقاء الثاني: بيعة العقبة الأولى
رجع النفر الذين قابلوا رسول الله ﷺ إلى يثرب، وأحاطوا قومهم بخبر لقائهم وإسلامهم، ودعوا أهل المدينة جميعا من الأوس والخزرج إلى الإيمان، ففشا الإسلام في دور الأنصار جميعا، فلم يبقَ بيت من بيوت الأوس والخزرج إلا وفيه ذكر لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٢٩. ٢ أخبار مكة ج٢ ص١٦٦، ١٦٧.
[ ٤٠٧ ]
ووضعت الحرب أوزارها، وانتهى يوم بعاث، آخر أيام الأوس والخزرج، والكل يتمنى ألا يعودوا إليها مرة ثانية ولذلك أقبلوا على الإيمان بدعوة محمد ﷺ؛ ليتوحدوا بالإسلام، وحتى لا يسبقهم اليهود إليه، يروي البخاري في صحيحه بسنده أن عائشة ﵂ قالت: "كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد افترق ملؤهم، وقتل سرواتهم، وخرجوا فقدمه الله لرسوله ﷺ، وجعله سببا في دخولهم الإسلام"١.
وذلك يشير إلى أنها كانت وقعة عظيمة، احتاجوا بعدها إلى وصل ما انقطع، وتعويض ما فقدوه، فوجدوا الإسلام، فصدقوا به، وآمنوا بمحمد ﷺ، وكان كل من الأوس والخزرج يأنف من تسيد صاحبه عليه، وأملوا في أن يكون الرائد من غيرهم؛ ولذلك كانت سعادتهم غامرة بمقدم مصعب بن عمير ﵁؛ ليكون إماما للجميع.
والذين حضروا اللقاء الثاني وبايعوا هذه البيعة اثنا عشر رجلا، هم:
١- أسعد بن زرارة.
٢- عوف بن الحارث.
٣- معاذ بن الحارث.
٤- ذكوان بن قيس.
٥- عبادة بن الصامت.
٦- يزيد بن ثعلبة.
٧- العباس بن عبادة.
٨- أبا الهيثم بن التيهان.
٩- عويس بن ساعدة.
١٠- رافع بن مالك.
١١- قطبة بن عامر.
١٢- عقبة بن عامر.
وقد بايعهم رسول الله ﷺ بيعة عرفت ببيعة النساء؛ لخلوها من النصرة والجهاد، أيضا لأنها جاءت موافقة لما نزل القرآن الكريم بها بعد ذلك، وهو يشرع للنبي ﷺ ما يبايع النساء عليه، وذلك في صلح الحديبية.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - باب مناقب الأنصار ج٦ ص١٤٤.
[ ٤٠٨ ]
يروي البخاري بسنده عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله: إن شاء الله عاقبه، وإن شاء عفا عنه" ١.
ولما هم القوم بالرجوع إلى المدينة طلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل معهم من يقرئهم القرآن، ويعلمهم ما نزل من الإسلام، فأرسل ﷺ معهم مصعب بن عمير، وأمره الرسول ﷺ أن يعلمهم الإسلام، ويقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين.. وكان اختيار مصعب بن عمير لهذه المهمة اختيارا موفقا؛ لأنه استطاع بفضل الله أن يدخل الإسلام في كل بيوت المدينة خلال عام واحد، وصار الجميع يهتمون بما يتلى عليهم من كتاب الله تعالى، حتى عرف مصعب ﵁ باسم القارئ والمقرئ.
وتلقى الأوس والخزرج مصعبا بالترحيب ليؤمهم حيث كره كل منهم أن يؤمه واحد من القبيلة الأخرى٢.
اللقاء الثالث: بيعة العقبة الثانية
عاد أصحاب العقبة الأولى إلى المدينة، ومعهم مصعب بن عمير، ولم يقترب موعد الحج من العام القادم حتى تهيأت قلوب أهل المدينة للخير، وانتشر الإسلام فيهم، حتى لم تبقَ دار من دور يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون إيمانهم، ويلتزمون بما عاهدوا الله عليه.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج٦ ص٢٠٠. ٢ البداية والنهاية ج٣ ص١٥١.
[ ٤٠٩ ]
وقد تعلقت قلوب أهل المدينة برسول الله ﷺ حبا وتقديرا، وتألموا لموقف أهل مكة من الإسلام والرسول؛ ولذلك اجتمعوا ودرسوا الموقف، وقال بعضهم لبعض: إلى متى نذر رسول الله يطوف في جبال مكة ويخاف ويعتدي عليه المشركون؟!
فكان أن رحل عدد غفير من الأوس والخزرج إلى الحج تأدية للمنسك، وحبا للقاء رسول الله ﷺ، فلما وصلوا إلى منى، وفي ثاني أيام التشريق واعدوا لقاء رسول الله في الشعب المجاور للعقبة.
يقول كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق أن نوافيه في الشعب الأيمن إذا انحدرنا من منى بأسفل العقبة، على ألا ننبه نائما، ولا ننظر غائبا.
فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم على من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بمعياد رسول الله ﷺ إيانا في العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة.
فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا، مستخفين، حتى اجتمعا في الشعب، عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بن كعب -أم عمارة- إحدى نساء بني مازن من بني النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا، ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، كما حضر معه ﷺ أبو بكر وعلي بن أبي طالب.
[ ٤١٠ ]
فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج١، إن محمدا من حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة من بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
وقال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم.
قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم تريدون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتل، أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم تريدون أنكم وافون له بما عاهدتموه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
ثم تكلم رسول الله ﷺ فقال لهم: "ليتكلم متكلمكم، ولا يطيل، فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم".
فقالوا: يا رسول الله، قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلم رسول الله ﷺ، فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم فوالله الذي بعثك بالحق لنمعنك ما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر.
_________________
(١) ١ قال: وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها.
[ ٤١١ ]
فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أشهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا.
فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم -أي: ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم- أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالتم" ١.
ثم قال أبو أمامة: يا محمد، سل لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله، وعليكم إذا فعلنا ذلك.
قال ﷺ: "أسألكم لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا، وتنصرونا، وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم".
قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟
قال ﷺ: "لكم الجنة".
قالوا: فلك ذلك٢.
وهنا قال رسول الله ﷺ: "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم"، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
فمن الخزرج: أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار، ورافع بن مالك بن العجلان نقيب بني زريق، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة نقيب بني الحارث بن الخزرج، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو نقيب بني ساعدة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت.
ومن الأوس: أسيد بن حضير نقيب بني عبد الأشهل، ورفاعة بن عبد المنذر وسعد بن خيثمة نقيبا بني عمرو بن عوف.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٦٠، ١٦١. ٢ المرجع السابق ج٣ ص١٦٣.
[ ٤١٢ ]
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي" يعني: المسلمين، قالوا: نعم١.
وقد روى البيهقي عن الإمام مالك ﵁ قال: حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير إلى رسول الله ﷺ إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة٢.
وفي حديث كعب بن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع القوم٣، فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يأهل الجباجب، هل لكم من مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم؟
فقال رسول الله ﷺ: "هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب، استمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك".
ثم قال رسول الله ﷺ: "ارجعوا إلى رحالكم"، فقال له العباس بن عبادة بن نضالة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا.
فقال رسول الله ﷺ: "لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم"، قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا.. فلما علم أهل مكة جاءوا إلى الأنصار، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه، وقد صدقوا لم يعلموه٤.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٤٤٣. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٢٨١. ٣ البداية والنهاية ج٣ ص١٦٣. ٤ المرجع السابق ج٤ ص١٦٤.
[ ٤١٣ ]
وكذلك أراد الله بالأنصار خيرا، وأراد الله بدينه أن يظهره على أيدي هذا الحي من العرب، وقضى بأن يكون للأنصار اليد الطولى في نصرة الإسلام، بعد أن أنعم الله عليهم بنعمة التوحيد والتوحد، ومحا ما كان بينهم من العداء والتنافر، فلطالما سالت الدماء غزيرة بين الأوس والخزرج، وكان آخر يوم شهدوه هو يوم بعاث الذي ذهب ضحيته العديد من رجالاتها، وكان اليهود وراء هذه الدماء الغزيرة التي تسيل ضمانا لسيادتهم، وابتزازا لأموال المتحاربين، عن طريق بيعهم الأسلحة، وما تحتاج إليه الحروب.
لقد قامت هذه المبايعة على المصارحة، فقد اشترط العباس للنبي ﷺ، كما اشترط أبو الهيثم لقومه وعلم كل طرف ما له وما عليه، وبذلك لم تكن بيعة قائمة على مجرد العاطفة فقط، ولكنها قامت على التفهم للموقف، والنظرة البعيدة للمستقبل.
وتجلت حكمة النبي ﷺ حين طلب من الأنصار أن يكتموا أمرهم حين يتوافدون إليه في المكان الذي واعدهم فيه وقد أطاعوه، فلم يوقظوا نائما، ولم ينتظروا غائبا، ذلك أنه كان يراقبهم في هذا الموسم من لم يدخل نور الإسلام في قلبه، وأراد الله تعالى تضليل أهل مكة، فتولى هؤلاء الذين لم يسلموا عبء الرد فيما بعد على مشركي قريش حين عاتبوا اليثربيين على مبايعتهم الرسول ﷺ، وسلم الأنصار المبايعون من عناء مجادلة المشركين والتعرض للكذب إن أنكروا.
وبعد تمام البيعة الكبرى عاد الأنصار إلى مدينتهم، وأخذ المشركون يشتدون في أذى المسلمين، ومنعهم من الخروج.
فشكا الصحابة أحوالهم إلى رسول الله ﷺ، واستأذنوه في الخروج من مكة، فأذن لهم، وقال لهم: $"أريت دار هجرتكم، أرض سبخة ذات نخل بين
[ ٤١٤ ]
لابتين"١، ثم مكث أياما، وخرج لأصحابه مسرورا، وقال لهم: "قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها" ٢، فأخذ الصحابة يخرجون متخافين مهاجرين إلى المدينة، لتبدأ مرحلة جديدة في سيرة رسول الله ﷺ، وفي الدعوة الإسلامية.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٦٨. ٢ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٤٦٨.
[ ٤١٥ ]