[ ١ / ٤٣ ]
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
مُقَدِّمَةُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أبو الفضل ﵀ «١»:
لاخفاء عَلَى مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أَوْ خُصَّ بِأَدْنَى لَمْحَةٍ «٢» مِنَ الْفَهْمِ «٣»، بِتَعْظِيمِ اللَّهِ قَدْرَ نَبِيِّنَا ﷺ، وَخُصُوصِهِ إباه بِفَضَائِلَ وَمَحَاسِنَ وَمَنَاقِبَ لَا تَنْضَبِطُ»
لِزِمَامٍ، وَتَنْوِيهِهِ «٥» مِنْ عَظِيمِ «٦» قَدْرِهِ بِمَا تَكِلُّ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَقْلَامُ؛
فَمِنْهَا مَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي كتابه، ونبّه به على جليل نصابه «٧»،
_________________
(١) - وفي نسخة (قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ الله تعالى وسدده) .
(٢) - اللمحة: النظرة الخفية وفي نسخة (لحظة) والمقصود هنا أقل قدر من الفهم.
(٣) - وفي نسخة: من فهم.
(٤) - الزمام: هو ما يزم به والمقصود أنها لا تحصر في كتاب.
(٥) - تنويهه: نوه به تنويها رفع ذكره وعظمه ومن كلام عمر بن الخطاب ﵁: أنا أول من نوه بالعرب: أي رفع ذكرهم بالديوان والإعطاء.
(٦) - وفي نسخة «من عظم» وفي أخرى «بعظيم» .
(٧) - نصابه: منصبه.
[ ١ / ٤٥ ]
وأثنى به عَلَيْهِ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ، وَحَضَّ الْعِبَادَ عَلَى التزامه «١» وتقّلد إيجابه «٢» . فَكَانَ ﷻ هُوَ الَّذِي تَفَضَّلَ وَأَوْلَى، ثُمَّ مَدَحَ بِذَلِكَ وَأَثْنَى، ثُمَّ أَثَابَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى، فَلَهُ الْفَضْلُ بَدْءًا وَعَوْدًا، وَالْحَمْدُ أُولَى وَأُخْرَى «٣»
وَمِنْهَا مَا أَبْرَزَهُ لِلْعِيَانِ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَتَخْصِيصِهِ بالمحاسن الجميلة، والأخلاق الحميدة، والمذاهب الْكَرِيمَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْعَدِيدَةِ، وَتَأْيِيدِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ، وَالْكَرَامَاتِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَاهَدَهَا مَنْ عَاصَرَهُ «٤»، وَرَآهَا مَنْ أَدْرَكَهُ «٥»، وَعَلِمَهَا عِلْمَ يَقِينٍ «٦» مَنْ جاء بعده حتى انتهى علم حقيقة ذَلِكَ إِلَيْنَا، وَفَاضَتْ أَنْوَارُهُ «٧» عَلَيْنَا ﷺ «٨» .
_________________
(١) ويعني المصنف بهاتين العبارتين أن ما أمرنا به على قسمين: مستحب وأشار اليه بقوله (حض العباد على التزامه) وواجب: وأشار اليه بقوله (وتقلد إيجابه) والتقلد: وضع القلادة في الجيد استعير للالتزام على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية ويجوز جعله مجازا مرسلا بمعنى أن نقيد أنفسنا بالتزام ما أوجبه علينا كما تقيد القلادة العنق.
(٢) ويعني المصنف بهاتين العبارتين أن ما أمرنا به على قسمين: مستحب وأشار اليه بقوله (حض العباد على التزامه) وواجب: وأشار اليه بقوله (وتقلد إيجابه) والتقلد: وضع القلادة في الجيد استعير للالتزام على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية ويجوز جعله مجازا مرسلا بمعنى أن نقيد أنفسنا بالتزام ما أوجبه علينا كما تقيد القلادة العنق.
(٣) وفي نسخة: والحمد لله أولى وأخرى.. وهذا أولى وأحسن.
(٤) - أي عاصر النبي ﷺ وفي نسخة (عاصرها) فعود الضمير هنا على الكرامات.
(٥) - وفي نسخة «من أدركها» .
(٦) - وفي نسخة «اليقين» .
(٧) - وفي نسخة «أنوارها» .
(٨) - وفي نسخة (ﷺ كثيرا) .
[ ١ / ٤٦ ]
عَنْ أَنَسٍ «١» ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ «٢» لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا «٣» مُسْرَجًا «٤» فَاسْتَصْعَبَ «٥» عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟!! فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ قَالَ: «٦» فَارْفَضَّ «٧» عرقا «٨» .
_________________
(١) هو أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي الصحابي رضي الله تعالى عنه، خدم النبي ﷺ وهو ابن عشر أو ثمان ولازمه عشر سنين، وروى عنه ألفي حديث ومائتين وستة، ودعاله ﷺ بالبركة في ماله وولده وعمره والمغفرة، فكان ﵁ من أكثر الناس مالا ودفن ولصلبه بضعة وعشرون ومائة من الأولاد، وكان له بستان يحمل في السنة مرتين، وعاش حتى سئم من الحياة، وتوفي سنة ٩٣ هـ وله مائة سنة ودفن قرب البصره.
(٢) البراق: سمي بذلك لسرعة سيره كالبرق وهو دابة دون البغل وفوق الحمار يضع حافره عند منتهى طرفه كما في الصحيح.
(٣) ملجما: أي موضوعا في فمه اللجام.
(٤) مسرجا: أي شد عليه السرج.
(٥) أي أنه ﷺ لما أراد ركوبه لم يستقر حتى يركبه.
(٦) قال: النبي ﷺ أو أنس الراوي أو من كلام الراوي عن أنس.
(٧) أرفض: سال.
(٨) هذا الحديث أسنده المصنف من طريق الترمذي.
[ ١ / ٤٧ ]
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَإِظْهَارِهِ عَظِيمَ قَدْرِهِ لَدَيْهِ
اعْلَمْ أَنَّ فِي كتاب الله ﷿ آيات كثيرة مفعمة بجميل ذكر المصطفى وَعَدِّ مَحَاسِنِهِ وَتَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَتَنْوِيهِ قَدْرِهِ اعْتَمَدْنَا مِنْهَا عَلَى مَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ وَبَانَ فَحْوَاهُ وَجَمَعْنَا ذَلِكَ فِي:
عَشَرَةِ فُصُولٍ
[ ١ / ٤٩ ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِيمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَجِيءَ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ وَتَعْدَادِ الْمَحَاسِنِ
كَقَوْلِهِ تَعَالَى «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «١»» الْآيَةَ قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٢»: وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ «مِنْ أَنْفَسِكُمْ «٣»» بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالضَّمِّ..
قَالَ الْقَاضِي أبو الفضل: «٤» أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ، أَوِ الْعَرَبَ أَوْ أَهْلَ مَكَّةَ، أَوْ جَمِيعَ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ الْمُوَاجَهِ بِهَذَا الْخِطَابِ، أَنَّهُ بَعَثَ فيهم رسولا من أنفسهم يعرفونه،
_________________
(١) التوبة ١٢٨.
(٢) أبو الليث السمرقندي نسبة الى سمرقند مدينة معروفة فيما وراء النهر، وهو الامام الجليل المعروف بامام الهدى. وهو مضربن محمد الفقيه الحنفي المشهور صاحب التصانيف الجليلة كالتفسير والنوازل وخزانة الفتاوي وتنبيه الغافلين والبستان توفي سنة ٣٧٣ هـ.
(٣) من أنفسكم: قراءة شاذة مروية عن فاطمة وعائشة ﵄ وقرأ به عكرمة وابن محيصن وفي المستدرك للحاكم عن ابن عباس أنه ﷺ قرأها كذلك وقراءة الجمهور بالضم.
(٤) وفي بعض النسخ: (قال الفقيه القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى) .
[ ١ / ٥١ ]
وَيَتَحَقَّقُونَ مَكَانَهُ، وَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَلَا يَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ وَتَرْكِ النَّصِيحَةِ لَهُمْ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ لم تكن قبيلة في العرب «١» إِلَّا وَلَهَا عَلَى «٢» رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِلَادَةٌ «٣»، أَوْ قَرَابَةٌ «٤» ..
وَهُوَ «٥» عِنْدَ ابن عباس «٦» وغيره: معنى قوله تعالى
_________________
(١) وفي نسخة (وأنه لم تكن في العرب قبيلة) .
(٢) (على) هنا للمصاحبه مثل قوله تعالى (وآتى المال على حبه) أي مع حبه.
(٣) ولادة: أي قرابة قريبة.
(٤) قرابة: أي قرابة بعيدة والمقصود منهما معا أن في كل قبيلة من العرب له ﷺ أب أو جد أو أم وقوله: لم تكن في العرب قبيلة أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ في قوله: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» .
(٥) كما رواه عنه البخاري والطبراني.
(٦) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي أبو العباس ابن عم رسول ﷺ ولد وكان بنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث، وكان يقال له حبر العرب غزا أفريقية مع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين. كان أبيض طويلا مشربا صفرة جسيما وسيما صبيح الوجه له وفرة دعاه رسول الله ﷺ فمسح رأسه وتفل في فيه وقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.. ويروى أن المهاجرين قالوا لسيدنا عمر بن الخطاب ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس فقال: ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول. وعن عطاء قال: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها وأعظم خشية، وإن أصحاب الفقه والقرآن والشعر عنده كل يأخذ نصيبه توفي سنة (٦٨) هـ وعن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر أبيض لم ير على خلقته فدخل في نعشه ولم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي» .
[ ١ / ٥٢ ]
«إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» «١» وَكَوْنِهِ مَنْ أَشْرَفِهِمْ، وَأَرْفَعِهِمْ، وَأَفْضَلِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الفتح وهذه نِهَايَةُ الْمَدْحِ.
ثُمَّ وَصَفَهُ بَعْدُ بِأَوْصَافٍ حَمِيدَةٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَحَامِدَ كَثِيرَةٍ، مِنْ حِرْصِهِ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَرُشْدِهِمْ وَإِسْلَامِهِمْ. وَشِدَّةِ مَا يُعْنِتُهُمْ «٢» وَيَضُرُّ بِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَعِزَّتِهِ»
عَلَيْهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِمُؤْمِنِهِمْ «٤» .
قَالَ بَعْضُهُمْ «٥»: أَعْطَاهُ اسْمَيْنِ مِنْ أسمائه رؤوف رحيم. ومثله في الآية الأخرى «٦» «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ «٧»» الآية.
_________________
(١) الشورى ٢٣.
(٢) يعنتهم: يشق عليهم.
(٣) عزته: مشقته.
(٤) وفي نسخة بمؤمنيهم.
(٥) القائل: هو الحسين بن الفضل.
(٦) وفي نسخة (ومثله في الآية الاخرى قوله تعالى)
(٧) آل عمران ١٦٤.
[ ١ / ٥٣ ]
وقوله تعالى «١»: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ «٢»» الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ «٣»» الآية..
وروي عَنْ عَلِيٍّ «٤» عَنْهُ ﷺ «٥» في قوله تعالى من أنفسكم قَالَ: «نَسَبًا وَصِهْرًا وَحَسَبًا لَيْسَ فِي آبَائِي مِنْ لَدُنْ آدَمَ سِفَاحٌ، كُلُّهَا نِكَاحٌ «٦»» .
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ «٧»: كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خمسمائة «٨» أم فما وجدت
_________________
(١) وفي نسخة (وفي الآية الاخرى) .
(٢) الجمعة ٢.
(٣) البقرة ١٥١.
(٤) وفي نسخة (علي بن أبي طالب ﵁) . ترجمته: علي بن أبي طالب بن عبد الله بن هاشم القرشي الهاشمي أول الناس إسلاما، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي ﷺ ولم يفارقه وشهد معه المشاهد كلها الا غزوة تبوك حيث أخره النبي ﷺ وقال له: الا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى. وزوجه النبي بنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما آخى النبي ﷺ بين أصحابه قال له: «أنت أخي» وكان أحد رجال الشورى الذين نص عليهم سيدنا عمر وقتل سنة ٤٠ هـ.
(٥) كما رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده.
(٦) وفي نسخة (كلنا) وكذا وقع في سنن الترمذي مرويا بالوجهين.
(٧) هو محمد بن السائب الكلبي أبو نصر المفسر المحدث النسابة أخرج له الترمذي ونسبته إلى كلب وهي قبيلة معروفة توفي في السنة التي مات فيها الشافعي سنة ١٨٤ هـ.
(٨) أراد التكثير وإلا فمحال أن يكون هناك خمسمئة أم إلى آدم.
[ ١ / ٥٤ ]
فيهن سفاحا ولا شيئا مما كانت عليه الجاهلية «١» .
عن ابن عباس «٢» ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» «٣» قَالَ: (من نبي إلى نبي حتى أخرجتك «٤» نَبِيًّا) «٥»
وَقَالَ جَعْفَرُ «٦» بْنُ مُحَمَّدٍ: عَلِمَ اللَّهُ تعالى عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ طَاعَتِهِ فَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ لِكَيْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ الصَّفْوَ مِنْ خِدْمَتِهِ، فأقام بينه وبينهم «٧» مَخْلُوقًا مِنْ جِنْسِهِمْ فِي الصُّورَةِ، أَلْبَسَهُ مِنْ نَعْتِهِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْخَلْقِ سَفِيرًا صَادِقًا، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ، وَمُوَافَقَتَهُ مُوَافَقَتَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» «٨» .
_________________
(١) وفي نسخة (مما كان) وفي نسخة (أهل الجاهلية) .
(٢) انظر ص (١٥٢ رقم (٦) .
(٣) الشعراء ١١٩.
(٤) وفي نسخة (حتى أخرجك) .
(٥) كما رواه ابن سعد والبزار وأبو نعيم في دلائله بسند صحيح عنه.
(٦) هو جعفر الصادق بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ علي بن أبي طالب ولد سنة ٨٠ هـ وثقه في روايته الشافعي وابن معين وابو حاتم والذهبي وهو من فضلاء أهل البيت وعلمائهم توفي في سنة ١٨٤ هـ ودفن بالبقيع مع أبيه وجده وعمه في قبر واحد.
(٧) وفي نسخة (فاقام بينهم وبينه) .
(٨) النساء ٨٠.
[ ١ / ٥٥ ]
وَقَالَ تَعَالَى «١»: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٢» .
قال أبو بكر محمد «٣» بْنُ طَاهِرٍ «٤»: زَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ، فَكَانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً، وَجَمِيعُ شَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ، فَمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَالْوَاصِلُ فِيهِمَا إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» فَكَانَتْ حَيَاتُهُ رَحْمَةً وَمَمَاتُهُ رَحْمَةً.
كَمَا قَالَ ﵊ «٥»: «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، وَمَوْتِي خَيْرٌ لَكُمْ» .
وَكَمَا قَالَ «٦» ﵊: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رحمة بأمة «٧»
_________________
(١) وفي نسخة (وقال الله تعالى) .
(٢) الانبياء (١٠٧) .
(٣) وفي نسخة (أبو بكر بن طاهر) .
(٤) هو أبو بكر بن طاهر بن مفوّز المغافري الشاطبي عالم ورع مات قرب ستة ٣٣٠ هـ.
(٥) وفي نسخة ﷺ كما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده والبزار بإسناد صحيح.
(٦) على ما رواه مسلم.
(٧) قال الحافظ المروزي: المعروف رحمة أمة. وكذا رواه مسلم. كذا ذكره الحجازي.
[ ١ / ٥٦ ]
قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا «١» وَسَلَفًا» .
وَقَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٢»: «رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» يَعْنِي لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
وقيل: لِجَمِيعِ الْخَلْقِ. لِلْمُؤْمِنِ رَحْمَةً بِالْهِدَايَةِ وَرَحْمَةً لِلْمُنَافِقِ بِالْأَمَانِ مِنَ الْقَتْلِ وَرَحْمَةً لِلْكَافِرِ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٣» ﵄ «٤»: هُوَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ إِذْ عُوفُوا مِمَّا أَصَابَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ
وَحُكِيَ»
: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: «هَلْ أَصَابَكَ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَخْشَى الْعَاقِبَةَ فَأَمِنْتُ لِثَنَاءِ اللَّهِ ﷿ عَلَيَّ بِقَوْلِهِ «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» «٦» .
وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ «٧» بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فِي قوله تعالى: «فَسَلامٌ
_________________
(١) الفرط: هو الذي يتقدم الواردين ليهيء لهم ما يحتاجون اليه عند نزولهم في منازلهم.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥١) رقم (٢)
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦)
(٤) فيما رواه جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، والطبراني، والبيهقي في دلائله.
(٥) لم يوجد في شيء من كتب الحديث نقله كما في تخريج السيوطي وغيره.
(٦) سورة التكوير «٢١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٥٥) رقم (٦)
[ ١ / ٥٧ ]
لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ» «١»
أَيْ بِكَ إِنَّمَا وَقَعَتْ سَلَامَتُهُمْ مِنْ أَجْلِ كَرَامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ» «٢» الْآيَةَ.
قَالَ كَعْبُ «٣» الْأَحْبَارِ وَابْنُ جُبَيْرٍ «٤»: الْمُرَادُ بِالنُّورِ الثَّانِي هُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.
وقوله تعالى «مَثَلُ نُورِهِ» أَيْ نُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقال «٥» سهل بن «٦» عبد الله: المعنى:
_________________
(١) الواقعة (٩١) .
(٢) النور ٣٥.
(٣) وهو كعب بن ماتع بن هينوع أدرك زمن النبي ﷺ ولم يره وأسلم في خلافة أبي بكر، وصحب عمر، وأكثر الرواية عنه وعن غيره، وروى الصحابة عنه أيضا، وكان أدرك الجاهلية على اليهودية، وسكن في اليمن، ثم في حمص بعد إسلامه، وبها توفي في بخلافة عثمان سنة ٣٢ هـ.
(٤) هو سعيد بن جبير الوالهي أبو عبد الله التابعي العابد الزاهد الثقة أحد أعلام رواة الحديث روي عن ابن عباس وغيره وروى عنه أصحاب السنن ومن لا يحصر قتله الحجاج ظلما سنة ٩٥ هـ ولم يسلط على أحد بعده بدعوته ﵁.
(٥) وفي نسخة (وقاله) وهو غير صحيح.
(٦) هو سهل بن عبد الله بن يونس التستري الصالح المشهور الذي لم يسمع الدهر بمثله علما وورعا وله كرامات مشهورة صحب ذا النون المصري بمكة ولد سنة ٢٠٠ هـ بتستر وتوفي في سنة ٢٧٣ بالبصرة.
[ ١ / ٥٨ ]
اللَّهُ هَادِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ «١» .
ثُمَّ قَالَ «٢»: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ إِذْ كَانَ مُسْتَوْدَعًا فِي الأصلاب «كمشكاة «٣»» صفتها «٤» كذا
وأراد ب «المصباح» قلبه، و«الزجاجة» صَدْرَهُ أَيْ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ «٥» دُرِّيٌّ «٦» لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» أي من نور ابراهيم ﵇ «٧» .
وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِالشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ.
وَقَوْلُهُ: «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ» أَيْ تَكَادُ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَبِينُ لِلنَّاسِ قَبْلَ كَلَامِهِ كَهَذَا الزَّيْتِ.
وَقَدْ قِيلَ «٨» فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا والله أعلم.
_________________
(١) وهذا المعنى هو المأثور عن ابن عباس ﵄.
(٢) أي سهل.
(٣) المشكاة: كوة غير نافذة وفيها أقوال أخر.
(٤) وفي نسخة (وصفها) .
(٥) كوكب: نجم.
(٦) دري: مضيء.
(٧) وفي نسخة (﵊.)
(٨) أي على ما ذكره المفسرون واللغويون
[ ١ / ٥٩ ]
وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ نُورًا وَسِرَاجًا مُنِيرًا، فَقَالَ تَعَالَى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ» «١»
وَقَالَ تَعَالَى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» «٢» .
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» «٣» إلى آخر السورة «شَرَحَ» وَسَّعَ. وَالْمُرَادُ «بِالصَّدْرِ» هُنَا الْقَلْبُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٤» ﵄ «٥»: شَرَحَهُ «بِنُورِ «٦» الْإِسْلَامِ» .
وَقَالَ سَهْلٌ «٧»: «بِنُورِ الرِّسَالَةِ» .
وَقَالَ الْحَسَنُ «٨»: «ملأه حكما وعلّما» .
_________________
(١) المائدة (١٥) .
(٢) الاحزاب (٤٦) .
(٣) الانشراح (١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٥) كما رواه ابن أبي حاتم عن عكرمة، وابن مردويه، وابن المنذر في تفسيريهما عنه.
(٦) وفي نسخة (بالاسلام) وفي أخرى (بالايمان) .
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٥٨) رقم (٦) .
(٨) هو يسار بن أبي الحسن البصري التابعي من أجل التابعين وهو في الزهد والعلم وإظهار الحق بمرتبه عالية غنية عن البيان مكث ثلاثين سنة لم يضحك ولم يخرج من محل الطاعة، لقي كثيرا من الصحابة، وتروى عنه احاديث كثيرة، وحيث اطلق المحدثون الحسن فهو المراد، وكانت أمه تخدم أم سلمة زوج النبي ﷺ فكان إذا بكى عندها في صغره وضعت ثديها في فمه فأصابته بركتها توفي بالبصرة سنة ١١٦ هـ وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
[ ١ / ٦٠ ]
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: «أَلَمْ يُطَهِّرْ قَلْبَكَ حَتَّى لَا يَقْبَلَ «١» الْوَسْوَاسَ» «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ» «٢» .
قِيلَ: «مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِكَ- يَعْنِي قَبْلَ النُّبُوَّةِ» -.
وَقِيلَ: «أَرَادَ ثِقَلَ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ» .
وَقِيلَ: «أَرَادَ مَا أَثْقَلَ ظَهْرَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ حَتَّى بَلَّغَهَا» .
حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ «٣» وَالسُّلَمِيُّ «٤» .
وَقِيلَ: «عَصَمْنَاكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَثْقَلَتِ الذُّنُوبُ ظَهْرَكَ» .
حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ. «٥»:
«وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» «٦» قال يحيى «٧» بن آدم: «بالنبوة» .
_________________
(١) وفي نسخة (حتى لا يؤذيك) .
(٢) الانشراح (٣) .
(٣) هو علي بن حبيب القاضي أبو الحسن وهو صاحب التصانيف الجليلة في التفسير وفقه الشافعية والأصول والحديث كالحاوي والأحكام السلطانية توفي سنة ٤٥٠ هـ وقد بلغ ستا وثمانين سنة.
(٤) هو أبو عبد الرحمن السلمي بضم السين وفتح اللام منسوب لسليم بالتصغير، وهو صاحب الحقائق شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم ولد سنة ٣٣٠ هـ وتوفي سنة ٤١٢ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٥١) رقم (٢) .
(٦) الانشراح (٤) .
(٧) هو يحيى بن آدم بن سليمان الأموي أبو زكريا أحد الأعلام الذين أخرج لهم أصحاب الكتب الستة وقد وثقه ابن معين وغيره توفي سنة ٢٠٣ هـ.
[ ١ / ٦١ ]
وَقِيلَ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي»
فِي قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» وقيل: في الأذان «٢» .
قال القاضي الفقيه أَبُو الْفَضْلِ: هَذَا تَقْرِيرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ عَلَى عَظِيمِ نِعَمِهِ لَدَيْهِ، وَشَرِيفِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، بِأَنْ شَرَحَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ، وَوَسَّعَهُ لِوَعْيِ الْعِلْمِ وَحَمْلِ الْحِكْمَةِ، وَرَفَعَ عَنْهُ ثِقَلَ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ، وَبَغَّضَهُ لِسِيَرِهَا وَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِظُهُورِ دِينِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَحَطَّ عَنْهُ عُهْدَةَ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ لِتَبْلِيغِهِ لِلنَّاسِ مَا نَزَلَ إِلَيْهِمْ، وَتَنْوِيهِهِ بِعَظِيمِ مَكَانِهِ، وَجَلِيلِ رُتْبَتِهِ، وَرِفْعَةِ ذِكْرِهِ وَقِرَانِهِ مَعَ اسْمِهِ اسْمَهُ
قال قتادة «٣»: «رفع الله تعالى ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتَشَهِّدٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ إِلَّا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله» .
_________________
(١) وسيأتي أن هذا حديث مرفوع.
(٢) وفي نسخة (في الأذان والاقامة) .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي، وقتادة هو ابن دعامه أبو الخطاب السدوسي الأعمى الحافظ المفسر روى عن عبد الله بن سرجس وأنس وخلق كثير توفي سنة ١١٧ هـ.
[ ١ / ٦٢ ]
وروى أبو سعيد «١» الخدري ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «٢»: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ:
تَدْرِي «٣» كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ .. قُلْتُ «٤»: اللَّهُ وَرَسُولُهُ «٥» أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي..»
قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٦»: جَعَلْتُ تَمَامَ الْإِيمَانِ بِذِكْرِكَ مَعِي. «٧»» .
وَقَالَ «٨» أَيْضًا: «جَعَلْتُكَ ذِكْرًا مِنْ ذِكْرِي، فَمَنْ ذَكَرَكَ ذَكَرَنِي» .
وَقَالَ جَعْفَرُ «٩» بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ: لَا يَذْكُرُكَ أحد بالرسالة إلا
_________________
(١) هو سعيد بن مالك بن سنان منسوب الى خدره، صحابي رفيع القدر مشهور من فقهاء الصحابة ومن أصحاب الشجرة توفي بالمدينة ودفن بالبقيع سنة ٦٤ هـ وروي عنه أحاديث كثيرة.
(٢) كما في صحيح ابن حبان ومسند أبي يعلى.
(٣) أي أتدري كما في نسخة صحيحة.
(٤) وفي نسخة (فقلت) .
(٥) الظاهر أن (ورسوله) سهو قلم، وإن وقع في نسخة زيادة (يعني جبريل) فإنه لا يلائم المقام.
(٦) قال التلمساني هو أبو عبد الله محمد بن عطاء شيخ وقته توفي كما نقل القشيري سنة ٣٩٩ هـ.
(٧) وفي نسخة (بذكري معك) .
(٨) أي عطاء.
(٩) تقدمت ترجمته في ص (٥٥) رقم (٦) .
[ ١ / ٦٣ ]
ذَكَرَنِي بِالرُّبُوبِيَّةِ. وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ «١» فِي ذَلِكَ إِلَى مَقَامِ الشَّفَاعَةِ
وَمِنْ ذِكْرِهِ مَعَهُ تَعَالَى أَنْ قَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ وَاسْمَهُ بِاسْمِهِ.
فَقَالَ تَعَالَى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ» «٢» و«آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» «٣» فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوَاوِ الْعَطْفِ الْمُشْرِكَةِ..
وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ هَذَا الْكَلَامِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ﷺ..
عَنْ حُذَيْفَةَ «٤» ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «٥»: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ، مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ..»
قَالَ الْخَطَّابِيُّ «٦»: أَرْشَدَهُمْ ﷺ إِلَى الْأَدَبِ فِي تَقْدِيمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مشيئة من سواه، واختارها ب «ثم» الَّتِي هِيَ لِلنَّسَقِ وَالتَّرَاخِي بِخِلَافِ «الْوَاوِ» الَّتِي هي للاشتراك..
_________________
(١) كالماوردي.
(٢) آل عمران (٣٢) .
(٣) النساء (١٣٦) .
(٤) هو حذيفة بن اليمان العبسي ولد بالمدينة وأسلم وأبوه وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون وشهدا أحدا فاستشهد أبوه فيها وشهد حذيفة الخندق وما بعدها، استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات سنة ست وثلاثين.
(٥) أسنده المصنف هنا من طريق أبي داوود، ورواه أيضا النسائي في اليوم والليلة وابن أبي شيبة في المصنف.
(٦) هو أبو سليمان حمد بفتح الحاء المهملة وسكون الميم كان رأسا في سائر العلوم لا سيما الحديث والفقه والأدب، شافعي المذهب، صنف التصانيف الجليلة منها معالم السنن وغريب الحديث، وشرح أسماء الله الحسنى وغير ذلك، وله شعر حسن توفي ببست سنة ٣٠٨ هـ.
[ ١ / ٦٤ ]
وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «أَنَّ خَطِيبًا «١» خَطَبَ عِنْدَ النبي ﷺ فقال: من يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا «٢» فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ. قُمْ «٣» . أَوْ قَالَ: اذْهَبْ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ «٤»: كَرِهَ مِنْهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ «٥» لِمَا فِيهِ مِنَ التسوية..
وذهب غيره إلى أنه إنّما كَرِهَ لَهُ الْوُقُوفَ عَلَى «يَعْصِهِمَا» وَقَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَصَحُّ.. لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ:
«وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى» وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقُوفَ عَلَى يَعْصِهِمَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَصْحَابُ الْمَعَانِي «٦» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» «٧» هَلْ «يُصَلُّونَ» رَاجِعَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَلَائِكَةِ!! أم لا..
_________________
(١) قيل (هو ثابت بن قيس بن شماس) .
(٢) وفي نسخة صحيحة زيارة (فقد غوى) .
(٣) الحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة، وأبو داوود في الأدب، ورواه مسلم أيضا.
(٤) أي الخطابي.
(٥) ويقصد بحرف الكناية هنا الضمير من (يعصهما) حيث كنى به عن الله ورسوله.
(٦) أي علماء البلاغة.
(٧) الأحزاب ٥٦.
[ ١ / ٦٥ ]
فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ.
وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِعِلَّةِ التَّشْرِيكِ.. وَخَصُّوا الضَّمِيرَ بِالْمَلَائِكَةِ.
وَقَدَّرُوا الْآيَةَ «إِنَّ اللَّهَ» يُصَلِّي «وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ» .
رُوِيَ «١» عَنْ عُمَرَ «٢» ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ جَعَلَ طَاعَتَكَ طَاعَتَهُ «٣»، فَقَالَ تَعَالَى: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «٤» .» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ «٥» اللَّهُ» «٦» .
وَرُوِيَ «٧» أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا»
: «إِنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أَنْ نَتَّخِذَهُ حَنَانًا «٩» كَمَا اتخذت النصارى عيسى» .. فأنزل
_________________
(١) وفي نسخة (وقد روي) .
(٢) قال الدلجي: ولم أدر من رواه.
(٣) هذا الحديث قال المخرجون: إنهم لم يجدوه في شيء من كتب الحديث وإن ورد ما هو بمعناه في صحيح البخاري.
(٤) النساء (٨٠) .
(٥) آل عمران (٣١) .
(٦) وفي نسخة (الآيتين) .
(٧) عن جماعة كابن المنذر عن مجاهد وقتادة، ورواه ابن الجوزي عن ابن عباس ﵄.
(٨) أي الكفار أو المنافقون والقائل منهم عبد الله بن أبي بن سلول نزل منزلة الجمع لعظمته عندهم.
(٩) حنانا: ربا ذا رحمة.. أو مكانا يتمسح به للبركة.
[ ١ / ٦٦ ]
الله تعالى «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ «١»» .. فَقَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ رَغْمًا لَهُمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي أُمِّ الْكِتَابِ:
«اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ «٢»» فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ «٣» وَالْحَسَنُ «٤» الْبَصْرِيُّ: «الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَخِيَارُ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابُهُ حَكَاهُ عَنْهُمَا «٥» أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ «٦» .
وَحَكَى مَكِّيٌّ «٧» عَنْهُمَا نَحْوَهُ «٨»، وَقَالَ: «هو رسول
_________________
(١) آل عمران ٣٢.
(٢) الفاتحة ٦، ٧.
(٣) هو رفيع بن مهران التابعي أسلم في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه وخرج له الشيخان وله تفسير توفي سنة ٩٠ هـ.
(٤) انظر ترجمة الحسن البصري ص «٦٠» رقم «٨» .
(٥) ورواه في المستدرك عن أبي العالية وصححه.
(٦) انظر ترجمته ص «٦١» رقم «٣» .
(٧) هو أبو محمد بن أبي طالب شيخ الصوفية وأهل السنة، وأصله من القيروان ولد بها ثم انتقل الى الأندلس وسكن قرطبة. كان بحرا في التفسير وغيره من العلوم وله تفسير كبير وكتابه «قوت القلوب» كتاب جليل، توفي في قرطبة. سنة ٤٣٧ هـ. ودفن فيها.
(٨) أي بالمعنى لا باللفظ، وأخرجه بلفظ مكي ابن جرير وابن أبي حاتم وأخرجه في المستدرك من رواية أبي العالية عن ابن عباس وصححه.
[ ١ / ٦٧ ]
اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄» .
وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ «١» مِثْلَهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قوله تعالى: «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ «٢»» .
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ «٣» فَقَالَ: «صَدَقَ وَاللَّهِ وَنَصَحَ» .
وحكى الماوردي «٤» ذلك في تفسير «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٥» بْنِ زَيْدٍ.
وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٦» السُّلَمِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى «٧»» إِنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَقِيلَ: «الاسلام»
وقيل: «شهادة التوحيد»
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص. «٥١» رقم «٦» .
(٢) سورة الفاتحة «٧» .
(٣) أي بلغه ذلك عن عاصم.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٦» .
(٥) هو ابن أسلم المدني وهو يروي عن أبيه وابن المنكدر وروى عنه أصبع وقتيبة وهشام وضعفوه وله تفسير وترجمة في الميزان وأخرج له أصحاب السنن وتوفي سنة ١٨٢ هـ.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٤» .
(٧) البقرة ٢٥٦.
[ ١ / ٦٨ ]
وَقَالَ سَهْلٌ «١» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» «٢» قَالَ: نِعْمَتُهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» «٣» الآيتين.
أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ «الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ» هو محمد ﷺ.
قال بعضهم: وهو الذي «صدّق به» .
وقرىء: «صدق به» بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ «٤»: الَّذِي «صَدَّقَ بِهِ» الْمُؤْمِنُونَ.
وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ «٥» .
وَقِيلَ: عَلِيٌّ.
وَقِيلَ غَيْرُ هذا من الأقوال.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في «٥٨» رقم «٦» .
(٢) سورة إبراهيم ٣٤.
(٣) الزمر ٣٣.
(٤) وفي نسخة «وغيره» والقائل قتادة ومقاتل.
(٥) وجمع للتعظيم بقوله «أولئك» في الآية السابقة «أولئك هم المتقون» .
[ ١ / ٦٩ ]
وَعَنْ مُجَاهِدٍ «١» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» «٢» قال: بمحمد ﷺ وأصحابه «٣» .
_________________
(١) هو أبو محمد بن جبر، من كبار التابعين، المقريء المفسر الزاهد العابد، روى عنه أصحاب السنن وغيرهم، ووثقه المحدثون كما ذكره الذهبي في ترجمته، ولد في خلافة عمر سنة ٢١ هـ وتوفي بمكة سنة ١٠٢ هـ وهو ساجد،.
(٢) الرعد ٢٨.
(٣) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
[ ١ / ٧٠ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي وَصْفِهِ تَعَالَى لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الثَّنَاءِ وَالْكَرَامَةِ
قَالَ الله تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا «١»» .. الآية.
جمع الله تعالى له فِي هَذِهِ الْآيَةِ ضُرُوبًا مِنْ رُتَبِ الْأَثَرَةِ «٢»، وَجُمْلَةِ أَوْصَافٍ مِنَ الْمِدْحَةِ فَجَعَلَهُ «شَاهِدًا» عَلَى أُمَّتِهِ لِنَفْسِهِ بِإِبْلَاغِهِمُ الرِّسَالَةَ.. وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ..
«وَمُبَشِّرًا» لِأَهْلِ طَاعَتِهِ
«وَنَذِيرًا» لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ
«وَدَاعِيًا» إِلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ
«وسراجا منيرا» يهتدى به للحق
_________________
(١) سورة الأحزاب «٤٥» .
(٢) الأثرة، بالضم الكرامة وبالكسر ما يستأثر به على غيره والأول هو المراد هنا.
[ ١ / ٧١ ]
عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «١» قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بن عمرو «٢» بن العاص «٣» فقلت «٤»: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: أَجَلْ «٥»، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا»
لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ «٧» وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ «٨» فِي الأسواق، ولا يدافع بالسيئة «٩»
_________________
(١) عطاء بن يسار: بفتح الياأ أبو محمد المدني من كبار التابعين توفي سنة ٩٤ أو ١٠٣ هـ.
(٢) عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن القرشي السهمي الزاهد العابد الصحابي، كان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة، وأمه ريطة بنت منبة، وكان ﷺ يقول: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، أسلم قبل أبيه، وكان كثير العبادة، والروآية عن النبي ﷺ، حتى قيل: إنه أكثر روآية من أبي هريرة، لأنه كان يكتب، وأبو هريرة لا يكتب، وإنما لم تشتهر روايته كأبي هريرة لأنه سكن مصر والواردون اليها قليل، وأبو هريرة سكن المدينة، والمسلمون يقصدونها من كل وجهة، توفي بفلسطين وعمره ٧٣ سنة.
(٣) العاص، قال النووي كتابته بالياء (العاصي) وهو الفصيح عند أهل العربية والجمهور على حذفها.
(٤) أخرج البخاري هذا الحديث منفردا عن بقية أصحاب الكتاب الستة في موضعين: أحدهما في التفسير، والثاني في البيوع، وهو الذي ساقه أبو الفضل منه.
(٥) أجل- نعم، وكأنه نزّل (أخبرني) منزلة أتخبرني؟ ..
(٦) حززا- حفظا أو حافظا.
(٧) الفظ: سيء الخلق قليل التؤدة.
(٨) الصخاب: الذي يرفع الصوت.
(٩) الصادرة منه.
[ ١ / ٧٢ ]
السيئة «١»، ولكن يعفوا وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ. بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا
وَذَكَرَ مِثْلَهُ «٢» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ «٣» وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ «٤»:
وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ «٥» عَنِ ابْنِ «٦» إِسْحَاقَ «٧»: وَلَا صَخِبٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا مُتَزَيِّنٍ «٨» بِالْفُحْشِ، وَلَا قَوَّالٍ لِلْخَنَا «٩»، أُسَدِّدُهُ لكل جميل،
_________________
(١) الصادرة من غيره.
(٢) وروي مثله لابن عمر ولعطاء بن يسار كما في البخاري تعليقا وأسنده الدارمي.
(٣) عبد الله بن سلام: بفتح السين، أسلم في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لما قدم المدينة، وكان حبرا، عالما بالتوراة والقرآن، وشهد له النبي ﷺ بالجنة، وهو إسرائيلي من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵊ وكان اسمه في الجاهلية حصينا، فسماه النبي عبد الله، ونزل في فضله قوله تعالى «وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ» وقوله تعالى: «قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» . كان من كبار الصحابة وروى له أصحاب الكتب الستة وغيرهم. توفي سنة ٤٣ هـ.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٣» .
(٥) أي طرق الحديث كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير سورة الفتح عن وهب بن منبه
(٦) وفي بعض النسخ «أبي» وهو خطأ.
(٧) ابن اسحق: هو محمد ابن اسحق ابن أبي بكر يقال له أبو عبد الله كان من بحور العلم، وله غرائب ربما تستنكر لسعة حفظه، وهو صاحب المغازي، اختلف في الطعن فيه والصحيح انه ثقة توفي سنة ١٥١.
(٨) وفي بعض النسخ «متدين» قاله الحجازي والتلمساني، ولعله تصحيف وإن تكلف بعضهم له تفسيرا.
(٩) الخنا: القول القبيح.
[ ١ / ٧٣ ]
وَأَهَبُ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، وَأَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ «١» وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ «٢»، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، وَالصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ «٣» وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ.
أَهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وَأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الْجَهَالَةِ وَأَرْفَعُ بِهِ بَعْدَ الْخَمَالَةِ، وَأُسَمِّي بِهِ بَعْدَ النُّكْرَةِ «٤» وَأُكَثِّرُ بِهِ بَعْدَ القلة، وأغني به بعد العيلة وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ قلوب مختلفة، وأهواء متشتة، وَأُمَمٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَاجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٥»: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِفَتِهِ فِي
_________________
(١) شعاره: دأبه وعادته.
(٢) ضميره: في صدره.
(٣) إمامه: أي قدوته وفي نسخة معتمدة بالفتح أي قدامه.
(٤) أي أجعل الناس المجهولين معروفين بسببه أو بما أوحيه اليه. أو أعرفهم ما جهلوه من التوحيد. أو إني أرسله في زمان جهالة وضلالة وفترة فيؤمن به أول مساكين الناس وضعفاؤهم على عادة الرسل عليهم الصلاة والسلام فيصيرون به بعد خمولهم وكونهم مجهولين أعز الناس وأكرمهم فان من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من كان بدويا وأعرابيا وبعد إشراق نور النبوة عليه صار صدرا تقبل الجبابرة يديه ورجليه.
(٥) رواه الدارمي عن كعب موقوفا. والطبراني وأبو نعيم في دلائله عن ابن مسعود.
[ ١ / ٧٤ ]
التَّوْرَاةِ «عَبْدِي أَحْمَدُ الْمُخْتَارُ. مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِالْمَدِينَةِ- أَوْ قَالَ طَيْبَةُ- أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» .
وَقَالَ تَعَالَى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ» «١» الآيتين.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ «٢»» الْآيَةَ.
قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٣»: ذَكَّرَهُمُ «٤» اللَّهُ تَعَالَى مِنَّتَهُ أنه «٥» جعل رسوله ﷺ رحيما بالمؤمنين، رؤوفا لَيِّنَ الْجَانِبِ؛ وَلَوْ كَانَ فَظًّا خَشِنًا فِي الْقَوْلِ لَتَفَرَّقُوا مِنْ حَوْلِهِ. وَلَكِنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَمْحًا سَهْلًا طَلْقًا بَرًّا لَطِيفًا.
هَكَذَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ «٦» .
وَقَالَ تَعَالَى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ
_________________
(١) الأعراف ١٥٧.
(٢) آل عمران ١٥٩.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
(٤) وفي نسخة «ذكر» بتشديد الكاف.
(٥) ويروى «أن» .
(٦) هو ابن مزاحم العلالي الخراساني التابعي روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وابن عباس ﵄ وغيرهما من الصحابة ضعفه بعضهم، لكن أحمد وابن معين وثقاه، وروى عنه أصحاب السنن وغيرهم، وله ترجمة في الميزان توفي سنة ١٠٥ هـ.
[ ١ / ٧٥ ]
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» «١» .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ «٢»: أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَ نَبِيِّنَا ﷺ وَفَضْلَ أُمَّتِهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: «وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ» «٣» .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ «٤»» الآية.
وقوله تعالى: «وسطا» أي عدولا «٥» خِيَارًا وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: «٦» وَكَمَا هَدَيْنَاكُمْ فَكَذَلِكَ خَصَصْنَاكُمْ وَفَضَّلْنَاكُمْ بِأَنْ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً خِيَارًا عُدُولًا، لتشهدوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أممهم، ويشهد لكم الرسول بالصدق.
_________________
(١) البقرة ١٤٣.
(٢) أبو الحسن القابسي: هو أبو الحسن بن محمد بن خلف المغافري، ولد سنة ٣٢٤ هـ، وكان ضريرا. وكتبه في نهاية الصحة، ضبطها له ثقات أصحابه، والقابسي نسبة لقابس، وهي بلدة بالمغرب بين سفاقس وطرابلس، ولم يكن منها ولكنه عرف بعمه، وكان عمه يشد عمامته شد أهل قابس، توفي في ربيع الآخر سنة ٤٠٣ هـ بمدينة القيروان.
(٣) الحج ٧٨.
(٤) النساء ٤١.
(٥) وفي نسخة «عدلا» .
(٦) وهي قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا» .
[ ١ / ٧٦ ]
قيل: «١» إِنَّ اللَّهَ ﷻ إِذَا سَأَلَ الْأَنْبِيَاءَ هَلْ بَلَّغْتُمْ؟! فَيَقُولُونَ نَعَمْ. فَتَقُولُ أُمَمُهُمْ: «مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ» «٢» فَتَشْهَدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَيُزَكِّيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ:
إِنَّكُمْ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَكُمْ والرسول ﷺ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ..
حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ» .
وَقَالَ تَعَالَى: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ» «٤» .
قَالَ قَتَادَةُ «٥» وَالْحَسَنُ «٦» وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ «٧»: «قَدَمَ صِدْقٍ» هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ يشفع لهم «٨» .
_________________
(١) قد ثبت بطرق متكاثرة كادت أن تكون متواترة، فكان حقه أن يقول صح ونحوه ولا يعبر «بقيل» المشعر بضعفه، إذ رواه البخاري وغيره.
(٢) المائدة ١٩.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
(٤) يونس ٢.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٣» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٧) زيد بن أسلم: هو الفقيه، مولى عمر رضي الله تعالى عنه، وهو ثقة، وحديثه صحيح، توفي سنة ١٣٦ هـ، وله ترجمة في الكامل والميزان.
(٨) أخرج ذلك ابن جرير عنهم.
[ ١ / ٧٧ ]
وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا «١» هِيَ مُصِيبَتُهُمْ بِنَبِيِّهِمْ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ «٢» الْخُدْرِيِّ ﵁: هِيَ شَفَاعَةُ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ «٣» . هُوَ شَفِيعُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «٤» التُّسْتَرِيُّ: هِيَ سَابِقَةُ رَحْمَةٍ أودعها فِي مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ «٥» بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ إِمَامُ الصَّادِقِينَ وَالصِّدِّيقِينَ الشَّفِيعُ الْمُطَاعُ وَالسَّائِلُ الْمُجَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ.. حكاه عنه السّلمي «٦» .
_________________
(١) أي في رواية أخرى، أخرجها ابن أبي الدنيا في كتاب العزة.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .
(٣) أخرجه ابن مردويه في تفسيرة.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٦» .
(٥) محمد بن علي الترمذي: هو أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر، الإمام الحافظ الزاهد المؤذن الحكيم، وليس هو صاحب السنن. وهذا يروي عن أبيه، وروى عنه خلق كثير لما قدم نيسابور سنة ٢٨٥ هـ. وعاش نحوا من ٨٠ سنة. وقد طعن الناس في اعتقاده لكلام صدر عنه في بعض تصانيفه والله أعلم بالسرائر.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٤» .
[ ١ / ٧٨ ]
الفصل الثالث في ما وَرَدَ مِنْ خِطَابِهِ إِيَّاهُ مَوْرِدَ الْمُلَاطَفَةِ وَالْمَبَرَّةِ
فمن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ «١»» .
قَالَ أَبُو «٢» مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ «٣»: قِيلَ: هَذَا افْتِتَاحُ كَلَامٍ بِمَنْزِلَةِ:
أَصْلَحَكَ اللَّهُ، وَأَعَزَّكَ اللَّهُ.
وَقَالَ عَوْنُ «٤» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَخْبَرَهُ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالذَّنْبِ.
حَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ «٥» عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ: عَافَاكَ اللَّهُ يَا سَلِيمَ الْقَلْبِ، لم أذنت لهم.
_________________
(١) التوبة ٤٣.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٣) وفي نسخة «المكي» .
(٤) عون بن عبد الله: هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، الزاهد الفقيه، وقيل روايته عن الصحابة مرسلة، وليس بتابعي، وهو ثقة، توفي حدود الستين بعد المائة.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
[ ١ / ٧٩ ]
قَالَ «١»: وَلَوْ بَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ بقوله «لم أذنت لهم» لَخِيفَ عَلَيْهِ أَنَّ يَنْشَقَّ قَلْبُهُ مِنْ هَيْبَةِ هَذَا الْكَلَامِ. لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ أَخْبَرَهُ بالعفو حتى سكن «٢» قلبه.
ثم قال: «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» بِالتَّخَلُّفِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الصَّادِقُ فِي عُذْرِهِ مِنَ الْكَاذِبِ.
وَفِي هَذَا مِنْ عَظِيمِ مُنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ. وَمِنْ إِكْرَامِهِ إِيَّاهُ، وَبِرِّهِ بِهِ مَا يَنْقَطِعُ دُونَ مَعْرِفَةِ غَايَتِهِ نِيَاطُ «٣» الْقَلْبِ.
قَالَ نِفْطَوَيْهِ «٤»: ذَهَبَ نَاسٌ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُعَاتَبٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ بَلْ كَانَ مُخَيَّرًا، فَلَمَّا أَذِنَ «٥» لَهُمْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ «٦» لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ لَقَعَدُوا لِنِفَاقِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْإِذْنِ لَهُمْ.
_________________
(١) أي السمرقندي أو بعضهم المنقول عنه ما تقدم.
(٢) وفي بعض النسخ (سكن) بتشديد الكاف.
(٣) عرق من الوتين يناط القلب به من جانب الصلب.
(٤) نفطويه: هو لقب لأبي عبد الله ابراهيم بن محمد بن عرفه بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي النحوي الواسطي ولد سنة ٢٤٤ هـ وتوفي في صفر سنة ٣٢٣ هـ.
(٥) وفي نسخة «فلما أن أذن» .
(٦) وفي نسخة. «أن» .
[ ١ / ٨٠ ]
قال الفقيه القاضي «١»: يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُجَاهِدِ نَفْسَهُ، الرَّائِضِ «٢» بِزِمَامِ الشريعة خلقه، أن يتأدب بآداب الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَمُعَاطَاتِهِ وَمُحَاوَرَاتِهِ، فَهُوَ عُنْصُرُ «٣» الْمَعَارِفِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَرَوْضَةُ الْآدَابِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَلِيَتَأَمَّلَ هَذِهِ الْمُلَاطَفَةَ الْعَجِيبَةَ فِي السُّؤَالِ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ الْمُنْعِمِ عَلَى الْكُلِّ، الْمُسْتَغْنِي عَنِ الجميع، ويستثير «٤» مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ، وَكَيْفَ ابْتَدَأَ بِالْإِكْرَامِ قَبْلَ الْعَتْبِ، وَآنَسَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ الذَّنْبِ- إِنْ كَانَ ثَمَّ ذَنْبٌ-
وَقَالَ تَعَالَى: «وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا «٥»» .
قال بعض المتكلمين «٦»: عاتب الله الأنبياء صلوات الله عليهم بَعْدَ الزَّلَّاتِ وَعَاتَبَ نَبِيَّنَا ﷺ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِيَكُونَ بِذَلِكَ أَشَدَّ انْتِهَاءً ومحافظة لشرائط «٧» المحبة. وهذه غاية العناية.
_________________
(١) وفي نسخة بزيارة «وفقه الله تعالى» .
(٢) الرائض: المذلى.
(٣) عنصر: أساس.
(٤) يستثير: يظهر.
(٥) الإسراء ٧٤.
(٦) أي من جملة المفسرين.
(٧) شرائط: أمارات.
[ ١ / ٨١ ]
ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ بَدَأَ بِثَبَاتِهِ وَسَلَامَتِهِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا عَتَبَهُ عَلَيْهِ، وَخِيفَ أَنْ يَرْكَنَ إِلَيْهِ. فَفِي أَثْنَاءِ عَتْبِهِ بَرَاءَتُهُ، وَفِي طَيِّ تَخْوِيفِهِ تَأْمِينُهُ وَكَرَامَتُهُ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ «١»» الْآيَةَ
قَالَ عَلِيٌّ «٢» ﵁»
: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ فَأَنْزَلَ «٤» اللَّهُ تَعَالَى «فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ» الْآيَةَ.
وَرُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَذَّبَهُ «٥» قَوْمُهُ حَزِنَ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: مَا يُحْزِنُكَ؟! قَالَ: كَذَّبَنِي قَوْمِي. فَقَالَ: إِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ صَادِقٌ. فَأَنْزَلَ الله تعالى الآية» «٦»
_________________
(١) الأنعام ٣٣ بالتشديد للجمهور. وبالتخفيف لنافع والكسائي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٣) كما رواه الترمذي وصححه الحاكم.
(٤) وفي نسخة «فنزلت» .
(٥) وفي نسخة «أكذبه» .
(٦) قال الدلجيّ: وحديث جبريل هذا أورده بصيغة (روي) ولم أعرف من رواه.
[ ١ / ٨٢ ]
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْزَعٌ «١» لَطِيفُ الْمَأْخَذِ مِنْ تَسْلِيَتِهِ تَعَالَى لَهُ ﷺ، وَإِلْطَافِهِ فِي الْقَوْلِ بِأَنْ قَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ صَادِقٌ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَذِّبِينَ لَهُ، مُعْتَرِفُونَ بِصِدْقِهِ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا. وَقَدْ كَانُوا يُسَمُّونَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ «الْأَمِينَ» .
فَدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ «٢» ارْتِمَاضَ «٣» نَفْسِهِ بِسِمَةِ الْكَذِبِ ثُمَّ جَعَلَ الذَّمَّ لَهُمْ بِتَسْمِيَتِهِمْ «جَاحِدِينَ» «ظَالِمِينَ» .
فَقَالَ تَعَالَى: «وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» «٤» وحاشاه «٥» من الوصم. وطوقهم بِالْمُعَانَدَةِ بِتَكْذِيبِ الْآيَاتِ حَقِيقَةُ الظُّلْمِ.
إِذِ الْجَحْدُ إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ عَلِمَ الشَّيْءَ ثُمَّ أَنْكَرَهُ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا» «٦» ثُمَّ عَزَّاهُ وَآنَسَهُ بِمَا ذَكَرَهُ عَمَّنْ قَبْلَهُ ووعده بالنصر.
_________________
(١) من نزع إلى الشيء ذهب إليه.
(٢) وفي نسخه «التقدير» .
(٣) أرتماض: إقلاق.
(٤) الأنعام ٣٣.
(٥) حاشاه: نزهه.
(٦) النمل ١٤.
[ ١ / ٨٣ ]
بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» «١» الْآيَةَ فَمَنْ قَرَأَ «٢» «لَا يُكَذِّبُونَكَ» بِالتَّخْفِيفِ. فَمَعْنَاهُ لَا يَجِدُونَكَ كَاذِبًا..
وَقَالَ الْفَرَّاءُ «٣» وَالْكِسَائِيُّ «٤»: لَا يَقُولُونَ إِنَّكَ كَاذِبٌ.
وَقِيلَ: لَا يَحْتَجُّونَ عَلَى كَذِبِكَ وَلَا يُثْبِتُونَهُ.
وَمَنْ قَرَأَ «٥» بِالتَّشْدِيدِ. فَمَعْنَاهُ لَا يَنْسِبُونَكَ إِلَى الْكَذِبِ.
وَقِيلَ: لَا يَعْتَقِدُونَ كَذِبَكَ.
وَمِمَّا ذُكِرَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَبِرِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ. أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ جَمِيعَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم.
_________________
(١) الأنعام ٣٤.
(٢) وهو نافع والكسائي.
(٣) الفراء: هو الامام أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي الدؤلي الكوفي، النحوي اللغوي البارع كان أبرع الكوفيين وأعلمهم بفنون الأدب، وتفسيره من أجل التفاسير، وعليه اعتماد الزمخشري توفي سنة ٢٠٧ هـ بطريق مكة وعمره ٦٣ سنة، لقب بالفراء لأنه كان فصيحا يقرر الكلام ويفصله.
(٤) الكسائي: هو أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي الكوفي، أحد القراء السبعة، إمام النحو واللغة والقراءات، عاش سبعين عاما، وقد لقبه بالكسائي شيخه حمزة لأنه كان يجيئه ملتفا بكساء، وقيل لأنه أحرم في كساء، توفي سنة ١٨٣ هـ بالري.
(٥) وهم الباقون.
[ ١ / ٨٤ ]
فقال: يَا آدَمُ «١» - يَا نُوحُ «٢» - يَا إِبْرَاهِيمُ «٣» - يَا موسى «٤» - يا داوود «٥» - يَا عِيسَى «٦» - يَا زَكَرِيَّا «٧» - يَا يَحْيَى «٨» .
وَلَمْ يُخَاطِبْ هُوَ إِلَّا: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ «٩» يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ «١٠» يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ «١١» يَا أَيُّهَا المدثر «١٢» .
_________________
(١) يا آدم أنبئهم باسمائهم. البقرة «٢٣» .
(٢) يا نوح اهبط بسلام منا. هود «٤٨» .
(٣) يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. الصافات «١٠٤- ١٠٥» .
(٤) يا موسى إنني أنا الله. طه «١٤» .
(٥) يا داوود إنا جعلناك خليفة. ص «٢٦» .
(٦) يا عيسى إني متوفيك. آل عمران «٥٥» .
(٧) يا زكريا إنا نبشرك. مريم «٧» .
(٨) يا يحيى خذ الكتاب بقوة. مريم «١٢» .
(٩) المائدة آية «٦٧» .
(١٠) الأحزاب «٤٥» .
(١١) المزمل «١٠» .
(١٢) المدثر «١» .
[ ١ / ٨٥ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي قَسَمِهِ تَعَالَى بِعَظِيمِ قَدْرِهِ
قال تعالى: «لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ «١»»
اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي هَذَا أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ ﷻ بِمُدَّةِ حَيَاةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَأَصْلُهُ، ضَمُّ الْعَيْنِ مِنَ الْعُمْرِ وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَمَعْنَاهُ «٢»: وَبَقَائِكَ يَا مُحَمَّدُ
وَقِيلَ «٣»: وَعَيْشِكَ
وَقِيلَ: وَحَيَاتِكَ
وهذه نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف.
_________________
(١) الحجر «٧٢» . يعمهون: يتحيرون ويترددون.
(٢) كما رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس.
(٣) كما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس أيضا. وعزي إلى الأخفش.
[ ١ / ٨٦ ]
قال «١» ابن عباس «٢»: مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا ذَرَأَ»
وَمَا بَرَأَ «٤» نَفْسًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَا سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ «٥»: مَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ الْبَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» «٦» الآيات.
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ: فِي مَعْنَى «يس» عَلَى أَقْوَالٍ.
فَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ «٧»: أَنَّهُ رُوِيَ «٨» عَنِ النبي ﷺ:
_________________
(١) فيما رواه البيهقي في دلائله، وأبو نعيم وأبو يعلى.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) ذرأ: خلق وكأنه مختص بالذرية.
(٤) برأ: خلق بمعنى صور.
(٥) أبو الجوزاء: هو أوس بن عبد الله ابن الربعي البصري، راوي حديث الفتوحات، وهو يروي عن عائشة ﵂ وصفوان بن عسال وغيرهما، وهو ثقة كما قاله الحاكم، وأخرج له الستة، وتوفي سنة ٨٣ هـ مقتولا في الجماجم.
(٦) يس، (١ و٢) .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٨) في دلائل أبي نعيم، وتفسير ابن أبي مردويه من طريق أبي يحيى التميمي، وهو وضاع، عن سيف بن وهب وهو ضعيف، عن أبي الطفيل.
[ ١ / ٨٧ ]
أَنَّهُ قَالَ: «لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةُ أَسْمَاءَ «١»» ذكر «٢» منها أن «طه» وَ«يس» اسْمَانِ لَهُ «٣» .
وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ «٤» عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ «٥»: أَنَّهُ أَرَادَ يَا سَيِّدُ مُخَاطَبَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٦»: «يس» يَا إِنْسَانُ.. أَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَقَالَ «٧»: هُوَ قَسَمٌ.. وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ «٨»: قِيلَ: مَعْنَاهُ: يَا مُحَمَّدُ.
وقيل: يا رجل «٩»
_________________
(١) لا ينافي الكثرة والزيادة لأنها قاربت الخمسمائة.
(٢) أي أبو محمد مكي..
(٣) كون «طه، يسن» اسمين له ﷺ قول لسعيد بن جبير كما ذكر ذلك المنجاني.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
(٦) على ما رواه ابن أبي حاتم. وابن عباس تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٧) أي ابن عباس كما رواه ابن جرير.
(٨) الزجاج: هو أبو اسحق ابراهيم بن محمد، شيخ العربية، الإمام في الأدب صاحب التصانيف الجليلة، وتفسيره مشهور وكان متينا في الدين توفي ببغداد سنة ٣٠٦ هـ وقد بلغ الثمانين، وإليه ينسب الزجاجي صاحب الجمل.
(٩) أي بالحبشية كما روي عن الحسن وسعيد بن جبير ومقاتل إنها لغة حبشية.
[ ١ / ٨٨ ]
وَقِيلَ: يَا إِنْسَانُ «١»
وَعَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ «٢»: «يس» يَا مُحَمَّدُ «٣»
وَعَنْ كَعْبٍ «٤»: «يس» قَسَمٌ أَقَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ «٥» يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين
ثم قال تعالى: «وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» «٦»
- فَإِنْ قُدِّرَ «٧» أَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ وَصَحَّ فِيهِ أَنَّهُ قَسَمٌ كَانَ فيه من
_________________
(١) بلغة طي كما رواه الكشاف وعن ابن عباس أن أصله يا أنيسين بالتصغير فاقتصر على شطره لكثرة النداء به.
(٢) ابن الحنفية: هو أبو عبد الله محمد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، والحنفية أمه، واشتهر بنسبته إليها تمييزا عن السبطين، ﵄، وهو إمام عظيم، أخرج له الشيخان وغيرهما، وهو من كبار التابعين توفي بالمدينة سنة ٨٠ هـ.
(٣) كما رواه البيهقي في دلائله.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٣» .
(٥) قال المنجاني: هذا القول في غاية الإشكال لأن القرآن كلام الله القديم وهو صفة من صفاته القديمة فلا يصح أن يذكر في تقدمه عن خلق الأرض مقدار معين لأن خلقها محدث، فالأولى أن تضعف الروايات الواردة عن كعب بهذا ما أمكن وإن صح هذا عنه فليترك علمه لله لأن كعبا لا يقول ذلك إلا بتوقيف وليس ذلك مما يدرك بالاجتهاد وفيه: أن كعبا ممن ينقل عن الكتب السالفة والعلماء الغابرين فلا يقال في حقه إنه لا يقول إلا بتوقيف فإن هذا الحكم مختص بالأقوال الموقوفة المروية عن الصحابة ﵃ ممن ليس لهم رواية عن غيره ﷺ فموقوفهم حينئذ حكم مرفوعهم، كما هو مقرر في علم أصول الحديث.
(٦) سورة يس، (٢ و٣)
(٧) وفي نسخة «قرر» .
[ ١ / ٨٩ ]
التَّعْظِيمِ مَا تَقَدَّمَ وَيُؤَكِّدُ فِيهِ الْقَسَمَ عَطْفُ الْقَسَمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ.
- وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى النِّدَاءِ فَقَدْ جَاءَ قَسَمٌ آخَرُ بَعْدَهُ لِتَحْقِيقِ رِسَالَتِهِ وَالشَّهَادَةِ بِهِدَايَتِهِ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمِهِ وَكِتَابِهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ بِوَحْيِهِ إِلَى عِبَادِهِ، وَعَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ مِنْ إِيمَانِهِ، أَيْ طَرِيقٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَلَا عُدُولَ عَنِ الْحَقِّ.
قَالَ النَّقَّاشُ «١»: لَمْ يُقْسِمِ اللَّهُ تَعَالَى لِأَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِالرِّسَالَةِ فِي كِتَابِهِ إِلَّا لَهُ.
وَفِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَمْجِيدِهِ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَا سَيِّدُ، مَا فِيهِ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدم ولا فخر» «٢» .
_________________
(١) النقاش: أبو بكر محمد بن الحسن بن أحمد الموصلي البغدادي المقرىء المفسر، روى عن أبي مسلم الكجى وطبقته، وقرأ بالروايات حتى صار شيخ المقرئين في عصره على ضعف فيه، قال أبو شامة في الشاطبية: إنه ضعيف عند أهل النقل. وقال الجعبري: المضعف له غالط
(٢) قال المنجاني: وأكثر الروايات في هذا الحديث «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» وهكذا رواه مسلم والترمذي وفي الجامع الصغير (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مشفع) رواه مسلم وأبو داوود عن أبي هريرة، ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد ولفظه «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر» اه. ولا شك أن زيادة الثقة مقبولة.
[ ١ / ٩٠ ]
وقال تَعَالَى: «لَا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ» . «١»
«لَا أُقْسِمُ» بِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَعْدَ خُرُوجِكَ مِنْهُ. حَكَاهُ مَكِّيٌّ «٢» .
وَقِيلَ: «لَا» زَائِدَةٌ. أَيْ أُقْسِمُ بِهِ وَأَنْتَ بِهِ يَا محمد «حلال» أَوْ «حِلٌّ» لَكَ مَا فَعَلْتَ فِيهِ. عَلَى التفسيرين.
والمراد ب «البلد» عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَكَّةَ «٣» .
وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ «٤»: أَيْ نَحْلِفُ لَكَ بِهَذَا الْبَلَدِ الَّذِي شَرَّفْتَهُ بِمَكَانِكَ فِيهِ حَيًّا وَبِبَرَكَتِكَ مَيِّتًا، يَعْنِي الْمَدِينَةَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَمَا بَعْدَهُ يُصَحِّحُهُ قَوْلُهُ تعالى «حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ» .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَطَاءٍ «٥» فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: «وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» «٦» .
_________________
(١) سورة البلد «١ و٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٣) وهذا هو المشهور عند الجمهور.
(٤) الواسطي: هو أبو بكر بن موسى الإمام العارف بالله تعالى، ممن صحب الجنيد وهو من أجل العلماء والصوفية، والواسطي نسبة لواسطة مدينة مشهورة، توفي سنة ٣٢ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «٦» .
(٦) سورة التين «٣»
[ ١ / ٩١ ]
قَالَ: أَمَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَقَامِهِ فِيهَا وَكَوْنِهِ بِهَا. فَإِنَّ كَوْنَهُ أَمَانٌ حَيْثُ كَانَ.
ثُمَّ قال تعالى: «وَوالِدٍ وَما وَلَدَ» «١» .
من قَالَ «٢»: أَرَادَ آدَمَ، فَهُوَ عَامٌّ.
وَمَنْ قَالَ: هو إبراهيم. «وَما وَلَدَ» فهي- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- إِشَارَةً إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَتَضَمَّنُ السُّورَةُ الْقَسَمَ بِهِ ﷺ فِي مَوْضِعَيْنِ.
وَقَالَ تَعَالَى: «الم ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ» .»
قَالَ «٤» ابْنُ عَبَّاسٍ «٥»: هَذِهِ الْحُرُوفُ أَقْسَامٌ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا «٦» وَعَنْهُ «٧» وَعَنْ غَيْرِهِ: فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ سَهْلُ «٨» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التستري: «الألف» هو الله تعالى «٩»
_________________
(١) سورة البلد «٣» .
(٢) أي كمجاهد.
(٣) البقرة «٥» .
(٤) أي فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٦) وفي نسخه «بهذا» .
(٧) أي ابن عباس.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٦»
(٩) وروي عن ابن عباس أيضا.
[ ١ / ٩٢ ]
«وَاللَّامُ» جِبْرِيلُ.
«وَالْمِيمُ» مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ السَّمَرْقَنْدِيُّ «١»: وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى سَهْلٍ، وَجَعَلَ «٢» مَعْنَاهُ: اللَّهُ أَنْزَلَ جِبْرِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْقُرْآنِ لَا رَيْبَ فِيهِ.
- وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ «٣» يَحْتَمِلُ الْقَسَمُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ فِيهِ مِنْ فَضِيلَةِ قِرَانِ اسْمِهِ بِاسْمِهِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٤»: فِي قوله تعالى «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ «٥»» .
أَقْسَمَ بِقُوَّةِ قَلْبِ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ حَمَلَ الْخِطَابَ وَالْمُشَاهَدَةَ وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ لِعُلُوِّ حَالِهِ.
وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ.
وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وقيل «٦»: جبل محيط بالأرض.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
(٢) أي السمرقندي.
(٣) أي من قول ابن عباس.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «٦» .
(٥) سورة «ق» ١ و٢»
(٦) وهذا قول مجاهد وهو أن «ق» اسم جبل محيط بالدنيا وأنه من زمرة خضراء، منها خضرة السماء والبحر، ولكنه ضعيف جدا. «عن ملا علي القاري» .
[ ١ / ٩٣ ]
وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «١» في تفسير «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى»: إنه محمد ﷺ.
وقال: «النَّجْمُ» قَلْبُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
«هَوَى» انْشَرَحَ مِنَ الْأَنْوَارِ.
وَقَالَ: انْقَطَعَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٢» فِي قَوْلِهِ تعالى: «وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ»: الْفَجْرُ: مُحَمَّدٌ ﷺ لِأَنَّ منه تفجّر الإيمان.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «٦» .
[ ١ / ٩٤ ]
الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي قَسْمِهِ- تَعَالَى جَدَّهُ- لَهُ لتحقق مكانته عنده
قال تعالى: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» «١» - السُّورَةُ- اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.
فَقِيلَ: كَانَ تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ قِيَامَ اللَّيْلِ لِعُذْرٍ نَزَلَ بِهِ، فَتَكَلَّمَتِ امْرَأَةٌ فِي ذَلِكَ بِكَلَامٍ «٢» .
وَقِيلَ «٣»: بَلْ تَكَلَّمَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ عِنْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ. فَنَزَلَتِ السُّورَةُ «٤» .
قال الفقيه القاضي «٥»: تضمنت هذه السورة من كرامة الله
_________________
(١) سورة الضحى «١ و٢» .
(٢) أخرجه الشيخان عن جندب، وأخرج الحاكم من حديث أرقم أن المرأة المذكورة امرأة أبي لهب.
(٣) وعليه جمهور المفسرين على ما قيل.
(٤) ويدل عليه حديث مسلم والترمذي.
(٥) ترجمته في أول الكتاب. وفي نسخة بزيادة «وفقه الله تعالى» .
[ ١ / ٩٥ ]
تَعَالَى لَهُ، وَتَنْوِيهِهِ «١» بِهِ، وَتَعْظِيمِهِ إِيَّاهُ سِتَّةَ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: الْقَسَمُ لَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ حَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» أَيْ وَرَبِّ الضُّحَى. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ دَرَجَاتِ الْمَبَرَّةِ.
الثَّانِي: بَيَانُ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ وَحُظْوَتِهِ لَدَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» «٢» أَيْ مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ.
وَقِيلَ: مَا أَهْمَلَكَ بَعْدَ أَنِ اصْطَفَاكَ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى» «٣»
قال ابن اسحق «٤»: أَيْ مَآلُكَ «٥» فِي مَرْجِعِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِمَّا أَعْطَاكَ مِنْ كَرَامَةِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ سَهْلٌ «٦»: أي ما ادَّخَرْتُ لَكَ مِنَ الشَّفَاعَةِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ خَيْرٌ لك مما أعطيتك في الدنيا.
_________________
(١) تنويهه: رفعه، ونوهت باسمه أي رفعت ذكره.
(٢) سورة الضحى «٣»
(٣) سورة الضحى «٤» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٧» .
(٥) وفي بعض النسخ «مالك» على أن ما موصولية والعائد محذوف.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٦» .
[ ١ / ٩٦ ]
الرَّابِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» «١» وَهَذِهِ آيَةٌ جَامِعَةٌ لِوُجُوهِ الْكَرَامَةِ، وَأَنْوَاعِ السَّعَادَةِ، وَشَتَاتِ الْإِنْعَامِ فِي الدَّارَيْنِ وَالزِّيَادَةِ.
قَالَ ابْنُ اسحق «٢»: يُرْضِيهِ بِالْفَلَجِ «٣» فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ «٤»: يُعْطِيهِ الْحَوْضَ وَالشَّفَاعَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ آلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: ليس فِي الْقُرْآنِ أَرْجَى مِنْهَا، وَلَا يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدْخُلَ أحد من أمته النار «٥» .
الخامس: ما عدّ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِهِ، وَقَرَّرَهُ مِنْ آلَائِهِ، «٦» قَبْلَهُ فِي بَقِيَّةِ السُّورَةِ مِنْ هِدَايَتِهِ إِلَى مَا هَدَاهُ لَهُ، أَوْ هِدَايَةِ النَّاسِ بِهِ عَلَى اخْتِلَافِ التَّفَاسِيرِ، وَلَا مَالَ لَهُ، فَأَغْنَاهُ بِمَا آتَاهُ، أَوْ بِمَا جَعَلَهُ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْقَنَاعَةِ وَالْغِنَى، وَيَتِيمًا فَحَدَبَ»
عَلَيْهِ عَمُّهُ وآواه إليه.
_________________
(١) سورة الضحى، «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص. «٧٣» رقم «٧» .
(٣) الفلج: بفتح الفاء وتسكين اللام أي الظفر والفوز.
(٤) وهو قول علي بن أبي طالب على ما ذكره الثعلبي في تفسيره.
(٥) ورواه عنه أيضا أبو نعيم في الحلية موقوفا، والديلمي في مسند الفردوس مرفوعا.
(٦) الآلاء: النعم مفردها «إلى» مقصور وتفتح الهمزة وتكسر.
(٧) حدب: رق وعطف.
[ ١ / ٩٧ ]
وَقِيلَ: آوَاهُ إِلَى اللَّهِ «١» .
وَقِيلَ: «يَتِيمًا» لَا مِثَالَ لَكَ فَآوَاكَ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَلَمْ يَجِدْكَ فَهَدَى بِكَ ضَالًّا، وَأَغْنَى بِكَ عَائِلًا، وَآوَى بِكَ يَتِيمًا، ذَكَّرَهُ بِهَذِهِ الْمِنَنِ، وَأَنَّهُ على المعلوم من التفاسير لَمْ يُهْمِلْهُ فِي حَالِ صِغَرِهِ، وَعَيْلَتِهِ، وَيُتْمِهِ، وَقَبْلَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَلَا وَدَّعَهُ وَلَا قَلَاهُ، فَكَيْفَ بَعْدَ اخْتِصَاصِهِ وَاصْطِفَائِهِ.
السَّادِسُ: أَمَرَهُ بِإِظْهَارِ نعمته عليه، وشكر ما شرفه به بِنَشْرِهِ، وَإِشَادَةِ ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» «٢»،
فَإِنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ التَّحَدُّثَ بِهَا «٣» .
وَهَذَا خَاصٌّ لَهُ، عَامٌّ لِأُمَّتِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى» «٤» إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
«لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» «٥» .
_________________
(١) وفي نسخة آواه الله.
(٢) سورة الضحى «١١» .
(٣) وفي نسخة «التحديث» وفي أخرى «الحديث» .
(٤) سورة النجم «١» .
(٥) سورة النجم «١٨» .
[ ١ / ٩٨ ]
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَالنَّجْمِ» بِأَقَاوِيلَ مَعْرُوفَةٍ.
مِنْهَا: النَّجْمُ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَمِنْهَا: الْقُرْآنُ.
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ «١»: أَنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَقَالَ: هُوَ قَلْبُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ» «٢» .
إِنَّ «النَّجْمَ» هُنَا أَيْضًا مُحَمَّدٌ ﷺ حَكَاهُ السُّلَمِيُّ «٣» .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ فَضْلِهِ، وَشَرَفِهِ، الْعِدِّ مَا يَقِفُ دُونَهُ الْعَدُّ «٤» .
وَأَقْسَمَ جَلَّ اسْمُهُ عَلَى هِدَايَةِ الْمُصْطَفَى، وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الْهَوَى، وَصِدْقِهِ فِيمَا تَلَا، وَأَنَّهُ وحي يوحى، أو صله إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ جِبْرِيلُ، وَهُوَ الشَّدِيدُ الْقُوَى، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ فَضِيلَتِهِ بِقِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، وَانْتِهَائِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَتَصْدِيقِ بَصَرِهِ فِيمَا رَأَى، وَأَنَّهُ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
(٢) سورة الطارق «١ و٢ و٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٤» .
(٤) كما نقله في تفسير الحقائق.
[ ١ / ٩٩ ]
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي أَوَّلِ سورة الإسراء، ولما كان ما كاشفه ﷺ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَرُوتِ «١»، وشاهد مِنْ عَجَائِبِ الْمَلَكُوتِ «٢»، لَا تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَاتُ، وَلَا تَسْتَقِلُّ «٣» بِحَمْلِ سَمَاعِ أَدْنَاهُ الْعُقُولُ، رَمَزَ عَنْهُ تَعَالَى بِالْإِيمَاءِ، وَالْكِنَايَةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْظِيمِ.
فَقَالَ تَعَالَى: «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى»
«٤» .
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ يُسَمِّيهِ أَهْلُ النَّقْدِ وَالْبَلَاغَةِ «بِالْوَحْيِ وَالْإِشَارَةِ»، وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَبْلَغُ أَبْوَابِ الْإِيجَازِ.
وَقَالَ: «لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» «٥» .
انحسرات الْأَفْهَامُ عَنْ تَفْصِيلِ مَا أَوْحَى، وَتَاهَتِ الْأَحْلَامُ فِي تَعْيِينِ تِلْكَ الْآيَاتِ الْكُبْرَى.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: «٦» اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَزْكِيَةِ جُمْلَتِهِ ﷺ، وَعِصْمَتِهَا مِنَ الْآفَاتِ فِي هَذَا الْمَسْرَى.
_________________
(١) جبروت: فعلوت من الجبر وهو القوة والعظمة.
(٢) الملكوت: فعلوت من الملك، مبالغة، والملك ظاهر السلطنة، والملكوت باطنها.
(٣) تستقل: تستبد.
(٤) سورة النجم «١٠» .
(٥) سورة النجم «١٨» .
(٦) ترجمته في أول الكتاب.
[ ١ / ١٠٠ ]
فَزَكَّى فُؤَادَهُ، وَلِسَانَهُ، وَجَوَارِحَهُ.
- فَقَلْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى» «١» .
- وَلِسَانَهُ بِقَوْلِهِ: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» «٢» .
- وَبَصَرَهُ بِقَوْلِهِ: «مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى» «٣» .
وقال تعالى: فلا أقسم بالخنّس، الجوار الكنّس» «٤» إِلَى قَوْلِهِ: «وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ» «٥» .
«لَا أُقْسِمُ» أَيْ أُقْسِمُ.
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» «٦» أَيْ كِرِيمٍ عِنْدَ مُرْسِلِهِ.
«ذِي قُوَّةٍ» عَلَى تَبْلِيغِ مَا حَمَلَهُ مِنَ الْوَحْيِ.
«مَكِينٍ» أي متمكن المنزلة عند ربه «٧»، رفيع المحل عنده.
_________________
(١) سورة النجم «١١» .
(٢) سورة النجم «٣» .
(٣) سورة النجم «١٧» .
(٤) سورة التكوير ١٥ و١٦ والخنس- من خنس إذا تأخر والمراد الكواكب لأنها تخنس في المغيب أو لأنها تخفى نهارا. الكنس: الداخلة كناسها وهو بيتها، وتكنس أي تستر.
(٥) سورة التكوير، «٢٥» .
(٦) سورة التكوير، «١٩» .
(٧) وفي نسخة «من ربه» .
[ ١ / ١٠١ ]
«مُطاعٍ ثَمَّ» «١» أَيْ فِي السَّمَاءِ.
«أَمِينٌ» عَلَى الْوَحْيِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَغَيْرُهُ «٢»: الرَّسُولُ هنا محمد ﷺ فجمع الْأَوْصَافِ بَعْدُ- عَلَى هَذَا- لَهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ «٣»: هُوَ جِبْرِيلُ، فَتَرْجِعُ الْأَوْصَافُ إِلَيْهِ.
«وَلَقَدْ رَآهُ» يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ.
قِيلَ «٤»: رَأَى رَبَّهُ.
وَقِيلَ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ.
«وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ» «٥» أَيْ بِمُتَّهَمٍ.
وَمَنْ قَرَأَهَا «٦» بِالضَّادِ فَمَعْنَاهُ: مَا هو ببخيل بالدعاء به والتذكير
_________________
(١) سورة التكوير، ٢١ ثم: بمعنى هناك.
(٢) علي بن عيسى: هو أبو الحسين، علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني، الإمام في النحو، واللغة، والتفسير، والكلام، له تفسير عظيم لم نقف عليه، وهو تلميذ ابن دريد، ويروي عن جماعة، والرماني نسبته إلى نبع الرمان، أو إلى قصر الرمان، وهو قصر معروف بواسط، ولد ببغداد سنة ٢٩٦ هـ، وأصله من سرمرا، وتوفي سنة ٣٨٤ هـ.
(٣) وهم الأكثرون من العلماء.
(٤) نقل عن ابن مسعود وغيره.
(٥) سورة التكوير، «٢٤» وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي.
(٦) أي الآية وفي نسخة «قرأه» أي اللفظ.
[ ١ / ١٠٢ ]
بِحُكْمِهِ وَبِعِلْمِهِ، وَهَذِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ باتفاق.
وقال تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ» «١» الْآيَاتِ
أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا أَقْسَمَ بِهِ من عظيم قسمه، من تَنْزِيهِ الْمُصْطَفَى مِمَّا غَمَصَتْهُ «٢» الْكَفَرَةُ، بِهِ وَتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وَأُنْسِهِ وَبَسْطِ أَمَلِهِ بِقَوْلِهِ مُحْسِنًا خِطَابَهُ: «ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» «٣» .
وَهَذِهِ نِهَايَةُ الْمَبَرَّةِ فِي الْمُخَاطَبَةِ، وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الآداب في المحاورة.
ثم أعلمه بماله عِنْدَهُ مِنْ نَعِيمٍ دَائِمٍ، وَثَوَابٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ، لَا يَأْخُذُهُ عَدٌّ، وَلَا يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِ.
فقال: «وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ»» .
ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا مَنَحَهُ مِنْ هِبَاتِهِ، وَهَدَاهُ إِلَيْهِ وأكّد ذلك تتميما للتمجيد بحرفي التأكيد.
فقال تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» «٥» .
_________________
(١) سورة القلم «١» .
(٢) غمصته: احتقرته وعاتبه.
(٣) القلم «٢» .
(٤) القلم «٣» .
(٥) القلم «٤» .
[ ١ / ١٠٣ ]
قِيلَ: الْقُرْآنُ «١» .
وَقِيلَ: الْإِسْلَامُ «٢» .
وَقِيلَ: الطَّبْعُ الْكَرِيمُ «٣» .
وَقِيلَ: لَيْسَ لَكَ هِمَّةٌ إِلَّا اللَّهُ «٤» .
قَالَ الْوَاسِطِيُّ «٥»: أَثْنَى عَلَيْهِ بِحُسْنِ قَبُولِهِ، لِمَا أَسْدَاهُ إِلَيْهِ مِنْ نِعَمِهِ وَفَضَّلَهُ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ جَبَلَهُ عَلَى ذَلِكَ «٦» الْخُلُقِ.
فَسُبْحَانَ اللَّطِيفِ الْمُحْسِنِ، الْجَوَادِ الْحَمِيدِ، الَّذِي يَسَّرَ لِلْخَيْرِ وَهَدَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَى فَاعِلِهِ، وَجَازَاهُ عَلَيْهِ.
سُبْحَانَهُ مَا أَغْمَرَ «٧» نَوَالَهُ، وَأَوْسَعَ إِفْضَالَهُ.
- ثُمَّ سَلَاهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بَعْدَ هَذَا بِمَا وَعَدَهُ به من عقابهم وتوعدهم.
_________________
(١) وهو المروي عن عائشة أنها لما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ قالت: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ يَرْضَى بِرِضَاهُ، وَيَسْخَطُ بِسُخْطِهِ.
(٢) وهو المنقول عن ابن عباس ﵄.
(٣) وهو المنقول عن الماوردي.
(٤) وهذا منسوب إلى الجنيد.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٩١» رقم «٤» .
(٦) وفي نسخة «تلك» الخلق أي تلك الصفات.
(٧) ما أغمر: ما أعم.
[ ١ / ١٠٤ ]
بقوله: «فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ» «١» الآيات الثلاث.
- ثُمَّ عَطَفَ بَعْدَ مَدْحِهِ عَلَى ذَمِّ عَدُوِّهِ «٢»، وذكر سُوءَ خُلُقِهِ، وَعَدِّ مَعَايِبِهِ، مُتَوَلِّيًا ذَلِكَ بِفَضْلِهِ، ومنتصرا لنبيه ﷺ، فَذَكَرَ بِضْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الذَّمِّ فيه.
بقوله تعالى: «فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ» «٣» إلى قوله: «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» «٤» ..
- ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه، وخاتمة بواره «٥» .
بقوله تعالى: «سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ» «٦» .
فَكَانَتْ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ أَتَمَّ مِنْ نُصْرَتِهِ لِنَفْسِهِ، وَرَدُّهُ تَعَالَى عَلَى عَدُوِّهِ أَبْلَغُ من رده، وأثبت في ديوان مجده.
_________________
(١) سورة القلم «٥» .
(٢) قيل هو الأخنس بن شريق، والأظهر أنه الوليد بن المغيرة، ونقل الثعلبي في في تفسيره أنه أبو جهل، ونسب هذا إلى ابن عباس ﵄: وقيل هو عتبة ابن ربيعة.
(٣) القلم «٨» .
(٤) القلم «١٥» .
(٥) بواره: دماره.
(٦) القلم «١٦» .
[ ١ / ١٠٥ ]
الفصل السّادس في ما وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي جِهَتِهِ ﷺ مَوْرِدَ الشَّفَقَةِ وَالْإِكْرَامِ
قَالَ تَعَالَى: «طه مَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» «١» .
قِيلَ: «طه» اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ «٢» .
وقيل: هو اسم لله «٣» .
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَا رَجُلُ «٤» .
وَقِيلَ: يَا إِنْسَانُ.
وقيل: هى حروف مقطعة لمعان.
قال الواسطي «٥»: أراد يا طاهر يا هادي.
_________________
(١) «طه» ١ و٢.
(٢) لحديث تقدم.
(٣) قاله ابن عباس ﵄.
(٤) في لغة عك.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٩١» رقم «٤» .
[ ١ / ١٠٦ ]
وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ مِنَ الْوَطْءِ، وَالْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَرْضِ أَيِ اعْتَمِدْ عَلَى الْأَرْضِ بِقَدَمَيْكَ، ولا تتعب نفسك بالاعتماد على قدم واحدة.
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «مَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» «١»
نَزَلَتِ الْآيَةُ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَكَلَّفُهُ مِنَ السَّهَرِ وَالتَّعَبِ وَقِيَامِ الليل.
عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ «٢» قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الْأُخْرَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى طه، يَعْنِي طَأِ الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ: «مَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» الآية «٣» وَلَا خَفَاءَ بِمَا فِي هَذَا كُلِّهِ مِنَ الْإِكْرَامِ، وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ.
- وَإِنْ جَعَلْنَا «طه» مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ كَمَا قِيلَ أَوْ جُعِلَتْ قَسَمًا لِحَقِّ الْفَصْلِ بِمَا قَبْلَهُ، ومثل هذا من نمط «٤» الشفقة والمبرة.
_________________
(١) الحديث مسند في الأصل، وحذف سنده اختصارا.
(٢) الربيع بن أنس: هو أبو حاتم البكري، البصري، التابعي، صدوق لكن له أوهام كما قاله ابن حجر، توفي سنة ١٣٩ هـ.
(٣) هذا الحديث أسنده المصنف هنا من تفسير عبد بن حميد عن الربيع بن أنس مرسلا، ورواه ابن مردويه عن علي كرم الله وجهه موصولا بلفظ: لما نزل «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا»، فقامه كله حتى تورمت قدماه، فجعل يرفع رجلا ويضع أخرى، فهبط جبريل ﵊ فقال: طأ الأرض بقدميك ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
(٤) النمط: النوع وأصله الجماعة من الناس أمرهم واحد.
[ ١ / ١٠٧ ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا» «١» .
أَيْ قَاتِلٌ نَفْسَكَ لِذَلِكَ غَضَبًا، أَوْ غَيْظًا، أو جزعا.
ومثله قوله تعالى: «لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ «٢»»
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ» «٣» .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «٤»» إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ «٥»» إلى آخر السورة.
وقوله: «وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ «٦»» الآية.
قال مكي «٧»: سلّاه تعالى بما ذكر، وهوّن عليه ما يلقاه «٨»
_________________
(١) الكهف «٦» .
(٢) الشعراء «٣» .
(٣) الشعراء «٤» .
(٤) الحجر «٩٤» .
(٥) الحجر «٩٧» .
(٦) الرعد «٣٢» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٨) وفي نسخة «ما يلقى» .
[ ١ / ١٠٨ ]
مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ»
مَنْ تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ يَحِلُّ بِهِ مَا حَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُ، وَمِثْلُ هَذِهِ التَّسْلِيَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» «٢» وَمِنْ هَذَا، قَوْلُهُ تَعَالَى:
«كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ» «٣» .
- عَزَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَمَقَالَتِهَا «٤» لِأَنْبِيَائِهِمْ قَبْلَهُ، وَمِحْنَتِهِمْ بِهِمْ.
- وسلّاه بذلك عن مِحْنَتِهِ بِمِثْلِهِ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيَ ذَلِكَ.
- ثُمَّ طَيَّبَ نَفْسَهُ، وأبان عذره، بقوله تعالى: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ» «٥» أي أعرض عنهم «فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» «٦» أي في أداء ما بلّغت،
_________________
(١) وفي نسخة «أنه» .
(٢) فاطر «٤» .
(٣) الذاريات «٥٢» .
(٤) وفي نسخة «ومقالها» .
(٥) الذاريات «٥٤» .
(٦) الذاريات «٥٤» .
[ ١ / ١٠٩ ]
وَإِبْلَاغِ مَا حَمَلْتَ:
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» «١» أَيِ: اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ، فَإِنَّكَ بِحَيْثُ نَرَاكَ وَنَحْفَظُكَ، سَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا فِي آيٍ كثيرة من هذا المعنى..
_________________
(١) الطور، ٤٨.
[ ١ / ١١٠ ]
الفصل السّابع في ما أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ وَشَرِيفِ مَنْزِلَتِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَحُظْوَةِ رُتْبَتِهِ عَلَيْهِمْ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «١»: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ» إلى قوله «مِنَ الشَّاهِدِينَ» «٢» .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ «٣»: اسْتَخَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِفَضْلٍ لَمْ يُؤْتِهِ غَيْرَهُ، أَبَانَهُ «٤» بِهِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَخَذَ اللَّهُ الميثاق بالوحي، فلم يبعث، نبيا إلا
_________________
(١) وفي بعض النسخ «قوله تعالى» .
(٢) ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين» من سورة آل عمران، رقم (١٨) .
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٧٦) رقم (٢) .
(٤) أي أظهر ذلك الفضل له أو فضله وميزه به عن غيره.
[ ١ / ١١١ ]
ذَكَرَ لَهُ مُحَمَّدًا وَنَعَتَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُ إِنْ أَدْرَكَهُ لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ.
وَقِيلَ: أَنْ يُبَيِّنَهُ لِقَوْمِهِ، وَيَأْخُذَ مِيثَاقَهُمْ أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ جاءَكُمْ»، الْخِطَابُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الْمُعَاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ.
قَالَ «١» عَلِيُّ بْنُ «٢» أَبِي طَالِبٍ ﵁: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ، إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ، لَئِنْ بُعِثَ وَهُوَ حَيٌّ لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ، وَلِيَنْصُرَنَّهُ، وَيَأْخُذَ الْعَهْدَ بِذَلِكَ عَلَى قومه.
وعن السدّيّ «٣» وقتادة «٤»: نحوه فِي آيٍ تَضَمَّنَتْ فَضْلَهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ واحد.
قال تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ» «٥» الآية.
_________________
(١) كما رواه ابن جرير وابن كثير بإسناد صحيح والبغوي بعبارات مختلفة محتملة للنقل بالمعنى أو تعدد القول المروي عن علي رضي الله تعالى عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥٤) رقم (٤) .
(٣) السدي: بضم السين وتشديد الدال، وهو اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، المحدث المشهور واختلف فيه، فقيل: ثقة وقيل: كذاب لا يحتج به، وقال الشمني: إنه كوفي تابع مفسر صدوق إلا أنه متهم بالتشيع، وثقه ابن حبان، وضعفه أبو حاتم، مات سنة سبع وعشرين ومائة، ونسبته إلى السد موضع بالمدينة.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٦٢) رقم (٣) .
(٥) الأحزاب (٧) .
[ ١ / ١١٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى: «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ » «١»
إلى قوله «شهيدا» «٢» .
روي «٣» عن عمر بن الخطاب «٤» أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامٍ بَكَى «٥» بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ. أَنْ بَعَثَكَ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ، وذكرك في أو لهم، فَقَالَ:
«وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ» «٦» الآية.
_________________
(١) النساء (١٦٢) .
(٢) وفي نسخة (وكيلا) والأول هو الصحيح.
(٣) وهو بعض خبر ذكره الرشاطي كله في اقتباس الأنوار.
(٤) عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين، كناه المصطفى ﵊ (بأبي حفص)، وسماه رسول الله ﷺ (بالفاروق) يوم أسلم في دار الأرقم، ولد رضي الله تعالى عنه في السنة الثالثة عشرة من ميلاد رسول الله ﷺ بمكة، وكان يرعى الغنم لأبيه، ولما كبر اشتغل بالتجارة، كان مسموع الكلمة في قومه، مشهورا بالشدة وعزة الجانب، وأسلم بدعاء النبي ﵊ في ذي الحجة لمضي ست سنين من البعثة، وكان له من العمر ست وعشرون سنة، فكان أشد الناس دفاعا عن الاسلام، بعد أن كان من أكبر المعارضين له، لما مات أبو بكر ولي الخلافة بعده بعهد منه، وكان ذلك سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فقام بأمورها ووطد دعائم الاسلام، توفي شهيدا بيد (أبي لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبه) . أواخر ذي الحجة سنة ٢٣ من الهجرة وعمره ٦٣ سنة، ومدة خلافته ١٠ سنين وسته أشهر
(٥) أي رثى.
(٦) النساء (١٦٢)
[ ١ / ١١٣ ]
- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَهُ، أَنَّ أَهْلَ النَّارِ يَوَدُّونَ أَنْ يَكُونُوا أَطَاعُوكَ، وَهُمْ بَيْنَ أَطْبَاقِهَا يعذبون، يقولون: «يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا» «١» .
قَالَ «٢» قَتَادَةُ «٣»: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ»، فَلِذَلِكَ وَقَعَ ذِكْرُهُ مُقَدَّمًا هُنَا قَبْلَ نُوحٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٤»: فِي هَذَا تَفْضِيلُ نَبِيِّنَا ﷺ لتخصيصه بالذكر قبلهم، وهو آخرهم بعثا «٥» .
الْمَعْنَى: أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ إِذْ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَالذَّرِّ «٦» .
وَقَالَ تَعَالَى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» .. الآية.
_________________
(١) الأحزاب (٦٦) .
(٢) كما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن لال في مكارم الاخلاق، وأبو نعيم في دلائله عنه مرسلا.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٥١) رقم (٢) .
(٥) وفي نسخة بحذف كلمة (بعثا) .
(٦) الذر- صغار النمل.
[ ١ / ١١٤ ]
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ «وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ «١»»
مُحَمَّدًا ﷺ، لِأَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْأَحْمَرِ «٢» وَالْأَسْوَدِ «٣»، وَأُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ، وَظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ الْمُعْجِزَاتُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أُعْطِيَ فَضِيلَةً، أَوْ كَرَامَةً إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِثْلَهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ فَضْلِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الْأَنْبِيَاءَ بِأَسْمَائِهِمْ وَخَاطَبَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فِي كتابه، فقال: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ» «٤» و«يا أَيُّهَا الرَّسُولُ»» .
وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ «٦» عَنِ الْكَلْبِيِّ «٧» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ» «٨»، إِنَّ الْهَاءَ عَائِدَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ أَيْ:
إِنَّ مِنْ شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لإبراهيم، أي على دينه ومنهاجه.
_________________
(١) البقرة (٢٥٢) .
(٢) الأحمر- العجم لغلبة البياض والحمرة عليهم.
(٣) الأسود- لغلبة الأدمة والسمرة عليهم. وقيل: الأحمر والأسود الإنس والجن.
(٤) التوبة «٧٢» .
(٥) المائدة «٦٧» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٧» .
(٨) الصافات (٨٣) .
[ ١ / ١١٥ ]
وَأَجَازَهُ «١» الْفَرَّاءُ «٢»، وَحَكَاهُ عَنْهُ مَكِّيٌّ «٣» .
وَقِيلَ «٤»: الْمُرَادُ نوح ﵇.
_________________
(١) ويروى (اختاره) .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٨٤» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٤) وهو قول أكثر المفسرين كما هو الظاهر المتبادر حيث تقدم مرجعه.
[ ١ / ١١٦ ]
الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقَهُ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وَوِلَايَتِهِ لَهُ وَرَفْعِهِ الْعَذَابَ بِسَبَبِهِ
قال الله تَعَالَى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» «١»:
أَيْ مَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ وَبَقِيَ فيها من بقي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَزَلَ:
«وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» «٢» وهذا مثل قوله: «لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا» «٣» الآية.
وقوله تعالى: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ» «٤» الآية.
_________________
(١) الأنفال (٣٣) .
(٢) الأنفال (٣٣) .
(٣) الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا» من سورة الفتح (٢٥) .
(٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا» من سورة الفتح (٢٥) .
[ ١ / ١١٧ ]
فَلَمَّا هَاجَرَ الْمُؤْمِنُونَ نَزَلَتْ: «وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ» «١» .
وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ مَا يُظْهِرُ مَكَانَتَهُ ﷺ، وَدَرْأَتِهِ «٢» الْعَذَابَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ ثُمَّ كَوْنِ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَلَمَّا خَلَتْ مَكَّةُ مِنْهُمْ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ «٣» بِتَسْلِيطِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وَغَلَبَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَحَكَّمَ فيهم سيوفهم، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم. وفي الآية أيضا تأويل آخر:
عن أبي موسى «٤» قَالَ «٥»: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لِأُمَّتِي: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» .. فاذا مضيت تركت فيكم الاستغفار» .
_________________
(١) وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . من سورة الانفال (٣٤) .
(٢) درأته- دفعه وفي نسخة (درأبه) وهو تصحيف.
(٣) وفي نسخة لفظ الجلالة محذوف.
(٤) أبو موسى الأشعري: الصحابي المشهور، واسمه عامر بن قيس، وقيل الحارث أحد الحكمين، توفي بمكة أو بالكوفة سنة أربع وأربعين، أو اثنين وخمسين ومائة، ونسبته إلى أشعر لقب لأبي القبيلة المعروفة باليمن، لقب به لأنه ولد وعليه شعر.
(٥) انفرد الترمذي بإخراجه من بين الستة ذكره في التفسير، وقال غريب وإسماعيل بن ابراهيم يضعف في الحديث. اهـ. ويقويه أنه رواه ابن أبي حاتم. عن ابن عباس، ﵄ موقوفا، وأبو الشيخ نحوه عن أبي هريرة، ﵁ موقوفا أيضا.
[ ١ / ١١٨ ]
وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «١» .
قال ﷺ: «أَنَا أَمَانٌ لِأَصْحَابِي» «٢» ..
قِيلَ: مِنَ الْبِدَعِ.
وَقِيلَ: مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالْفِتَنِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّسُولُ ﷺ هُوَ الْأَمَانُ الْأَعْظَمُ مَا عَاشَ. وَمَا دَامَتْ سُنَّتُهُ بَاقِيَةً فَهُوَ بَاقٍ، فَإِذَا أُمِيتَتْ سُنَّتُهُ فانتظروا الْبَلَاءَ وَالْفِتَنَ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» «٣» الْآيَةَ.
أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَ نَبِيِّهِ ﷺ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِصَلَاةِ ملائكته. وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه.
وحكى أَبُو بَكْرِ «٤» بْنُ فُورَكٍ: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ تأول قوله
_________________
(١) من سورة الأنبياء رقم (١٠٦) .
(٢) وفي لفظ، أنا أمنة لأصحابي، وهو حديث صحيح رواه مسلم عن سعيد بن بردة عن أبيه عن أبي موسى ﵁.
(٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» الأحزاب «٥٦» .
(٤) هو محمد بن الحسن الأصبهاني. الإمام الجليل، والبحر الذي لا يجارى فقها، ونحوا، وأصولا، وكلاما، مع جلالة وورع زائد، وقد امتحن في الدين، وجرت له مناظرات أدت الى عزله، ومات مسموما، شهيدا في الطريق لما عاد من غزنة، سنة ست وأربعمائة، ونقل إلى نيسابور، ودفن فيها. وقبره يزار، ويستجاب عنده الدعاء وهو شافعي المذهب. قال التلمساني: انتهى إلى أن يكلمه الملك في اليقظة.
[ ١ / ١١٩ ]
قَوْلَهُ ﷺ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» عَلَى هَذَا، أَيْ: فِي صَلَاةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَأَمْرِهِ الْأُمَّةَ بِذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. «١» «وَالصَّلَاةُ» مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِنَّا لَهُ دُعَاءٌ، وَمِنَ اللَّهِ ﷿ رَحْمَةٌ.
وَقِيلَ: «يُصَلُّونَ» يُبَارِكُونَ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ عَلِمَ الصَّلَاةَ عليه بين لفظ «الصلاة» و«البركة» . وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَذِكْرَ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ «٢» في تفسير حروف «كهيعص» «٣» أَنَّ «الْكَافَ» مِنْ كَافٍ، أَيْ كِفَايَةِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ قَالَ تَعَالَى:
«أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ» «٤» ..
«وَالْهَاءَ» هِدَايَتُهُ لَهُ، قَالَ: «وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا» «٥» .
_________________
(١) واعلم أن قوله: (وقد حكى) الى قوله (إلى يوم القيامة) لم يثبت في الأصل الذي هو بخط المؤلف وإنما ثبت في الأصل المروي عن أبي العباس الغرفي.
(٢) أي من المفسرين.
(٣) مريم رقم (١) .
(٤) وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» من سورة الزمر رقم (٣٦) .
(٥) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا» الفتح رقم (٢) .
[ ١ / ١٢٠ ]
«والياء» تأييده، قال: «أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ» «١» .
«وَالْعَيْنَ» عِصْمَتُهُ لَهُ، قَالَ: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» «٢» .
«وَالصَّادَ» صَلَاتُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» «٣» .
وَقَالَ تَعَالَى: «وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ» «٤» أَيْ وَلِيُّهُ.
«وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» .
قِيلَ: الْأَنْبِيَاءُ.
وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ.
وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
وَقِيلَ: علي، ﵃ أجمعين.
وقيل: المؤمنون على ظاهره.
_________________
(١) «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» الأنفال (٢٦) .
(٢) «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » من سورة المائدة (٦٧)
(٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» الاحزاب (٥٦) .
(٤) (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا ) التحريم رقم (٤) .
[ ١ / ١٢١ ]
الفصل التاسع في ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الْفَتْحِ مِنْ كَرَامَاتِهِ ﷺ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا» «١» إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» «٢» .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ فَضْلِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَرِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنِعْمَتِهِ لَدَيْهِ، ما يقصد الْوَصْفُ عَنْ الِانْتِهَاءِ إِلَيْهِ.
- فَابْتَدَأَ ﷻ بِإِعْلَامِهِ بِمَا قَضَاهُ لَهُ مِنَ الْقَضَاءِ الْبَيِّنِ، بِظُهُورِهِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِمَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ غُفْرَانَ مَا وَقَعَ، وَمَا لَمْ يَقَعْ.. أَيْ أَنَّكَ مَغْفُورٌ لك..
_________________
(١) سورة الفتح رقم (١- ١٠) .
(٢) سورة الفتح رقم (١- ١٠) .
[ ١ / ١٢٢ ]
وَقَالَ مَكِّيٌّ»
: جَعَلَ اللَّهُ الْمِنَّةَ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، وَكُلٌّ مِنْ عِنْدِهِ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مِنَّةً بَعْدَ مِنَّةٍ، وَفَضْلًا بَعْدَ فَضْلٍ..
ثُمَّ قَالَ تعالى: «وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ» «٢» .
قِيلَ: بِخُضُوعِ مَنْ تَكَبَّرَ لك «٣» .
وَقِيلَ: بِفَتْحِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.
وَقِيلَ: يَرْفَعُ ذِكْرَكَ فِي الدُّنْيَا، وَيَنْصُرُكَ، وَيَغْفِرُ لَكَ، فَأَعْلَمَهُ بِتَمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، بِخُضُوعِ مُتَكَبِّرِي عَدُوِّهِ لَهُ، وَفَتْحِ أَهَمِّ «٤» الْبِلَادِ عَلَيْهِ، وَأَحَبِّهَا لَهُ. وَرَفْعِ ذِكْرِهِ، وَهِدَايَتِهِ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، الْمُبَلِّغَ الْجَنَّةَ وَالسَّعَادَةَ، وَنَصْرِهِ النَّصْرَ الْعَزِيزَ، وَمِنَّتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالسَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، الَّتِي جَعَلَهَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَبِشَارَتِهِمْ بِمَا لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ «٥» بَعْدُ، وَفَوْزِهِمُ الْعَظِيمِ، وَالْعَفْوِ عنهم، والستر
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٦٧) رقم (٧) .
(٢) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا» الفتح (٢) .
(٣) وفي نسخة (عليك) .
(٤) وفي نسخة (أسنى) البلاد.
(٥) وفي نسخة بحذف كلمتي (عند ربهم) .
[ ١ / ١٢٣ ]
لِذُنُوبِهِمْ، وَهَلَاكِ عَدُوِّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَعْنِهِمْ وَبُعْدِهِمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» الآية. فعدّ محاسنه وخصائصه، من شهادته على أمته لنفسه بتبليغه الرسالة لهم.
وقيل: شَاهِدًا لَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ.
«وَمُبَشِّرًا» لِأُمَّتِهِ بِالثَّوَابِ.
وَقِيلَ: بالمغفرة.
«ونذيرا» منذرا عدوه بالعذاب.
وقيل: محذرا من الضلالات، ليؤمن بالله، ثم به، مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى.
«وَيُعَزِّرُوهُ» «١» أي يجلّونه.
وَقِيلَ: يَنْصُرُونَهُ.
وَقِيلَ: يُبَالِغُونَ فِي تَعْظِيمِهِ.
«وَيُوَقِّرُوهُ» «٢» أي يعظمونه.
_________________
(١) من قوله تعالى: «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» الفتح رقم (٩) .
(٢) من قوله تعالى: «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» الفتح رقم (٩) .
[ ١ / ١٢٤ ]
وقرأه بعضهم «١» «ويعززوه» «٢» بزائين مِنَ الْعِزِّ.
وَالْأَكْثَرُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ.
ثُمَّ قال «وتسبّحوه» فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٣»: جُمِعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ السُّورَةِ نِعَمٌ مُخْتَلِفَةٌ:
- مِنَ الْفَتْحِ الْمُبِينِ: وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ «٤» الْإِجَابَةِ.
- وَالْمَغْفِرَةِ: وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الْمَحَبَّةِ.
- وَتَمَامِ النِّعْمَةِ: وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الِاخْتِصَاصِ.
- وَالْهِدَايَةِ: وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الْوِلَايَةِ.
فَالْمَغْفِرَةُ تَبْرِئَةٌ «٥» مِنَ الْعُيُوبِ.
وَتَمَامُ النِّعْمَةِ إِبْلَاغُ الدَّرَجَةِ الْكَامِلَةِ.
وَالْهِدَايَةُ وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «٦»: مِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ عليه أن جعله حبيبه،
_________________
(١) أي من قراء الشواذ. وقد نسب الى ابن عباس ﵄ وقراءة الجمهور (يعزروه) .
(٢) الفتح (٩) .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «٦» .
(٤) أعلام: علامات.
(٥) وفي نسخة (تنزيه) .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
[ ١ / ١٢٥ ]
وَأَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ، وَنَسَخَ بِهِ شَرَائِعَ غَيْرِهِ، وَعَرَّجَ بِهِ إِلَى الْمَحَلِّ الْأَعْلَى، وَحَفِظَهُ فِي الْمِعْرَاجِ حَتَّى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، وَبَعَثَهُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَأَحَلَّ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْغَنَائِمَ، وَجَعَلَهُ شَفِيعًا مُشَفَّعًا وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَقَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِهِ وَرِضَاهُ بِرِضَاهُ، وَجَعَلَهُ أَحَدَ رُكْنَيِ التوحيد.
ثم قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ» «١» يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ «٢» .
أَيْ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ببيعتهم إياك.
«يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» يريد عند البيعة.
قيل: قوة الله.
_________________
(١) « يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» الفتح رقم (١٠) .
(٢) بيعة الرضوان كانت بالحديبية، وسميت بها لقوله تَعَالَى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»، وهي شجرة سمرة وعضاه، وقعت تحتها البيعة وبقيت إلى زمن عمر رضي الله تعالى، وكانوا ألفا وأربعمائة أو خمسمائة، والمبايعة كانت على أن لا يفروا، أو على الموت، ولا مخالفة بينهما، ولم يتخلف منهم عن البيعة غير الجد بن قيس وعثمان رضي الله تعالى عنه لأن النبي ﷺ كان بعثه لقريش ليخبرهم أنهم لم يقدموا لحرب، وإنما جاؤوا زوارا للبيت، فبايع النبي ﷺ عنه وقال: «هذه يد عثمان» وكان وقع الإرجاف بقتله» .
[ ١ / ١٢٦ ]
وَقِيلَ: ثَوَابُهُ.
وَقِيلَ: مِنَّتُهُ.
وَقِيلَ: عَقْدُهُ «١» .
وَهَذِهِ استعارات وَتَجْنِيسٌ «٢» فِي الْكَلَامِ. وَتَأْكِيدٌ لِعَقْدِ بَيْعَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَعِظَمِ شَأْنِ الْمُبَايِعِ ﷺ.
وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» «٣» .
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ «٤» فِي بَابِ الْمَجَازِ، وَهَذَا «٥» فِي بَابِ الْحَقِيقَةِ.
لِأَنَّ الْقَاتِلَ وَالرَّامِيَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ خَالِقُ فِعْلِهِ، وَرَمْيِهِ، وَقُدْرَتِهِ عليه، ومشيئته «٦»، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ تَوْصِيلُ تِلْكَ الرَّمْيَةِ حَيْثُ وَصَلَتْ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ من لم تملأ عينه، وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة.
_________________
(١) وفي نسخة (عفوه) وهو تصحيف.
(٢) تجنيس: المقصود هنا: تفنن في الكلام ولم يرد به الجناس الصناعى وهو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى.
(٣) « وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» الأنفال «١٧» .
(٤) يعني «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ» .
(٥) أي «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ»
(٦) وفي نسخة «ومسببه» وهو الأحسن لأن الأولى ليس لها سبب ظاهر.
[ ١ / ١٢٧ ]
وقد قيل في هذه الآية الْأُخْرَى «١»: إِنَّهَا عَلَى الْمَجَازِ الْعَرَبِيِّ «٢»، وَمُقَابَلَةِ اللَّفْظِ وَمُنَاسَبَتِهِ.
أَيْ مَا قَتَلْتُمُوهُمْ، وَمَا رَمَيْتَهُمْ أَنْتَ إِذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهُمْ بِالْحَصْبَاءِ، وَالتُّرَابِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى قُلُوبَهُمْ بِالْجَزَعِ، أَيْ: أَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّمْيِ كَانَتْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ، فَهُوَ الْقَاتِلُ، وَالرَّامِي، بالمعنى، وأنت بالاسم.
_________________
(١) أي الاخيرة. وهي قوله تعالى «فلم تقتلوهم» .
(٢) أي اللغوي.
[ ١ / ١٢٨ ]
الفصل العاشر في ما أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ كرامته عليه ومكانته عنده وما خصّه به من ذلك سوى ما تقدّم
- من ذلك ما قصه «١» تعالى، من قصة الإسراء، في سورة «سبحان» «٢» و«النجم» «٣»، وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ، مِنْ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، وقربه، ومشاهدته ما شاهد من العبائب..
- ومن ذلك، عصمته من الناس» .
«وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» «٤» .
_________________
(١) وفي نسخة «ما نصه» .
(٢) «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»: الاسراء رقم «١» .
(٣) والمراد هنا قوله تعالى: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى، ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» سورة النجم «١٣- ١٨» .
(٤) «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» المائدة رقم «٦٧» .
[ ١ / ١٢٩ ]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا» «١» الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ» «٢» .
- وما دفع اللَّهُ بِهِ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، مِنْ أَذَاهُمْ بَعْدَ تَحَرِّيِهِمْ «٣» لَهُلْكِهِ، وَخُلُوصِهِمْ نَجِيًّا «٤» فِي أَمْرِهِ، وَالْأَخْذِ عَلَى أَبْصَارِهِمْ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ، وذهو لهم عَنْ طَلَبِهِ فِي الْغَارِ، وَمَا ظَهَرَ فِي ذلك من الآيات، وَنُزُولِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ، وَقِصَّةِ «سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ» «٥»، حسبما ذَكَرَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ»
، فِي قِصَّةِ الْغَارِ، وحديث الهجرة «٧» .
_________________
(١) «لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» الأنفال رقم «٣٠» .
(٢) «إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» التوبة «٤٠»
(٣) وفي نسخة «تحزبهم» .
(٤) مصدر أو وصف أريد به معنى الجمع ومعناه: متناجين متشاورين.
(٥) سراقة بن مالك هو: الصحابي الحجازي رضي الله تعالى عنه، كانت هذه القصة قيل إسلامه، وأسلم في غزوة الطائف، بعد فتح مكة، ومات في سنة أربع وعشرين هـ، وكان شاعرا.
(٦) السير: جمع سيرة بمعنى الطريقة والخصلة، ثم خص بغزوات النبي ﷺ، وأسفاره المفردة بالتدوين.
(٧) الهجرة: الانتقال من دار لأخرى، وهي هنا للعهد، أي هجرته ﷺ إلى المدينة المنورة.
[ ١ / ١٣٠ ]
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» «١» .
أعلمه الله تعالى بما أعطاه.
و«الكوثر» حَوْضُهُ
وَقِيلَ: نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ
وَقِيلَ: الْخَيْرُ الْكَثِيرُ «٢»
وَقِيلَ: الشَّفَاعَةُ
وَقِيلَ: الْمُعْجِزَاتُ الْكَثِيرَةُ
وَقِيلَ: النُّبُوَّةُ
وَقِيلَ: الْمَعْرِفَةُ.
ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ عَدُوَّهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
فَقَالَ تَعَالَى: «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» «٣» .
أي عدوّك، ومبغضك.
_________________
(١) سورة الكوثر «١- ٣» .
(٢) وهو الأظهر لا أنه الحق.. وهو قول سعيد بن جبير.
(٣) سورة الكوثر رقم «٣» .
[ ١ / ١٣١ ]
و«الْأَبْتَرُ»: الْحَقِيرُ الذَّلِيلُ، أَوِ الْمُفْرَدُ الْوَحِيدُ أَوِ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: «وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» «١» .
قيل «٢»: «السَّبْعُ الْمَثَانِي» السُّوَرُ الطِّوَالُ الْأُوَلُ.
«وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» أُمُّ الْقُرْآنِ.
وَقِيلَ «٣»: «السَّبْعُ الْمَثَانِي» أُمُّ الْقُرْآنِ.
«وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» سَائِرُهُ.
وَقِيلَ: «السَّبْعُ الْمَثَانِي» مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَبُشْرَى وَإِنْذَارٍ، وضرب، وَإِعْدَادِ نِعَمٍ.
وَآتَيْنَاكَ نَبَأَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ أُمُّ الْقُرْآنِ «مَثَانِيَ» لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ «٤» .
وَقِيلَ: بَلِ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَذَخَرَهَا لَهُ، دون الأنبياء.
_________________
(١) الحجر رقم «٨٧» .
(٢) وهو المحكي عن ابن عمر وابن مسعود والمنقول عن ابن عباس.
(٣) وهو المحكي عن عمر وعلي والحسن البصري.
(٤) ركعة: أي صلاة تسمية للشيء باسم جزئه.
[ ١ / ١٣٢ ]
وَسُمِّيَ الْقُرْآنُ «مَثَانِيَ» لِأَنَّ الْقَصَصَ تُثْنَى فِيهِ.
وَقِيلَ «١»: «السَّبْعُ الْمَثَانِي» أَكْرَمْنَاكَ بِسَبْعِ كَرَامَاتٍ، الْهَدْيُ، وَالنُّبُوَّةُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالشَّفَاعَةُ، وَالْوِلَايَةُ، وَالتَّعْظِيمُ، وَالسَّكِينَةُ.
وَقَالَ تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ» «٢» الآية.
وقال تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا» «٣» .
وقال تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا» «٤» الآية.
قال القاضي «٥»: فَهَذِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» «٦» .
_________________
(١) أي عن الإمام جعفر الصادق.
(٢) « لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» النحل رقم «٤٤» .
(٣) «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» سبأ رقم «٢٨» .
(٤) «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» الأعراف رقم «١٥٨» .
(٥) تقدمت ترجمته في أول الكتاب.
(٦) « فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» إبراهيم رقم «٤» .
[ ١ / ١٣٣ ]
فَخَصَّهُمْ بِقَوْمِهِمْ، وَبَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى الخلق.
كَمَا قَالَ ﷺ: «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» «١» .
وَقَالَ تَعَالَى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» «٢» .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: «أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أَيْ:
مَا أَنْفَذَهُ فِيهِمْ مِنْ أَمْرٍ، فَهُوَ مَاضٍ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَمْضِي حُكْمُ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ.
وَقِيلَ: اتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَوْلَى مِنَ اتِّبَاعِ رَأْيِ النَّفْسِ. «وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» أَيْ: هُنَّ فِي الْحُرْمَةِ كَالْأُمَّهَاتِ، حُرِّمَ نِكَاحُهُنَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ تَكْرِمَةً له وخصوصية، ولأنهن له أزواج في الجنة «٣»
وقد قرىء «٤»: «وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ» وَلَا يُقْرَأُ بِهِ الْآنَ «٥»،
_________________
(١) كما تقدم.
(٢) « وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا» الأحزاب رقم «٦» .
(٣) وفي نسخة «في الآخرة» .
(٤) أي في الشواذ، قيل: وهي قراءة مجاهد ونسبت أيضا إلى أبي بن كعب أيضا.
(٥) إذ أركان القراءة هي المطابقة الرسمية، والموافقة للعربية، والنقل المتواتر الاجماعية، والأخيرة عمدة.
[ ١ / ١٣٤ ]
لِمُخَالَفَتِهِ الْمُصْحَفَ «١» ..
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ»
الآية «٢» . «وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا»
«٣» .
قِيلَ: «فَضْلُهُ الْعَظِيمُ» بِالنُّبُوَّةِ.
وَقِيلَ: بِمَا سَبَقَ لَهُ فِي الْأَزَلِ.
وَأَشَارَ الْوَاسِطِيُّ «٤» إِلَى أَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى احْتِمَالِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي لَمْ يَحْتَمِلْهَا موسى ﵇.
_________________
(١) المراد بالمصحف الإمام الذي نسخه عثمان ﵁ وهو ما عليه بقية المصاحف إلى يوم الدين.
(٢) «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا» النساء رقم «١١٣» .
(٣) النساء رقم «١١٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٩١» رقم «٤» .
[ ١ / ١٣٥ ]
الْبَابُ الثَّانِي فِي تَكْمِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ الْمَحَاسِنَ خَلْقًا وَخُلُقًا وَقِرَانِهِ جَمِيعَ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فِيهِ نَسَقًا
وَفِيهِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَصْلًا
_________________
(١) وقد ورد بيان العدد الصحيح لهذه الفصول في مقدمة المؤلف في العدد الأول.
[ ١ / ١٣٧ ]
مُقَدِّمَةُ الْبَابِ الثَّانِي
اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُحِبُّ لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، الْبَاحِثُ عَنْ تَفَاصِيلِ جُمَلِ قَدْرِهِ العظيم، أنّ خصال الجمال «١» وَالْكَمَالِ فِي الْبَشَرِ نَوْعَانِ:
- ضَرُورِيٌّ دُنْيَوِيٌّ اقْتَضَتْهُ الجبلّة «٢» وضرورة الحياة الدنيا- مكتسب دِينِيٌّ وَهُوَ مَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى الله زلفى «٣»
ثم هي على فنين أيضا:
أ- منها ما يتخلص «٤» لأحد الوصفين:
ب- وَمِنْهَا مَا يَتَمَازَجُ وَيَتَدَاخَلُ.
فَأَمَّا الضَّرُورِيُّ الْمَحْضُ: فَمَا لَيْسَ لِلْمَرْءِ فِيهِ اخْتِيَارٌ، وَلَا اكْتِسَابٌ، مِثْلُ مَا كَانَ فِي جِبِلَّتِهِ مِنْ كَمَالِ خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله،
_________________
(١) وفي نسخة «الجلال» .
(٢) الجبلة: الخلقة التي خلق عليها.
(٣) زلفى: قربة.
(٤) يتخلص: يتمحض.
[ ١ / ١٣٩ ]
وَصِحَّةِ فَهْمِهِ، وَفَصَاحَةِ لِسَانِهِ، وَقُوَّةِ حَوَاسِّهِ وَأَعْضَائِهِ، وَاعْتِدَالِ حَرَكَاتِهِ، وَشَرَفِ نَسَبِهِ، وَعِزَّةِ قَوْمِهِ، وَكَرَمِ أَرْضِهِ.
وَيَلْحَقُ بِهِ: مَا تَدْعُوهُ ضَرُورَةُ حَيَاتِهِ إِلَيْهِ مِنْ غِذَائِهِ، وَنَوْمِهِ، وَمَلْبَسِهِ، وَمَسْكَنِهِ، وَمَنْكَحِهِ، وَمَالِهِ وَجَاهِهِ.
وَقَدْ تَلْحَقُ هَذِهِ الْخِصَالُ الْآخِرَةُ «١» بِالْأُخْرَوِيَّةِ، إِذَا قَصَدَ بِهَا التَّقْوَى، وَمَعُونَةِ الْبَدَنِ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِهَا، وَكَانَتْ عَلَى حُدُودِ الضَّرُورَةِ، وَقَوَاعِدِ «٢» الشَّرِيعَةِ.
وَأَمَّا الْمُكْتَسَبَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ: فَسَائِرُ الْأَخْلَاقِ الْعَلِيَّةِ، وَالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ: الدِّينِ- وَالْعِلْمِ- وَالْحِلْمِ- والصبر- والشكر- والعدل- وَالزُّهْدِ- وَالتَّوَاضُعِ- وَالْعَفْوِ- وَالْعِفَّةِ- وَالْجُودِ- وَالشَّجَاعَةِ- وَالْحَيَاءِ- وَالْمُرُوءَةِ- وَالصَّمْتِ- وَالتُّؤَدَةِ- وَالْوَقَارِ- وَالرَّحْمَةِ- وَحُسْنِ الْأَدَبِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَأَخَوَاتِهَا «٣»، وَهِيَ الَّتِي جِمَاعُهَا (حُسْنُ الْخُلُقِ) .
_________________
(١) أي الأخيرة المتعلقة بالأمور العادية الواقعة في الأحوال الدنيوية.
(٢) وفي نسخة (وقوانين) .
(٣) من الأخلاق المفصله في كتب الإحياء والعوارف والرسالة.
[ ١ / ١٤٠ ]
- وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ، مَا هُوَ فِي الْغَرِيزَةِ «١»، وَأَصْلِ الْجِبِلَّةِ لِبَعْضِ النَّاسِ؛ وَبَعْضُهُمْ لَا تَكُونُ فِيهِ فَيَكْتَسِبُهَا، وَلَكِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ أُصُولِهَا فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ شُعْبَةٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى-
- وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ دُنْيَوِيَّةٌ، إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. وَلَكِنَّهَا كُلُّهَا مَحَاسِنُ، وَفَضَائِلُ، بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، وَإِنِ اختلفوا في موجب حسنها، وتفضيلها
_________________
(١) السجية والطبع.
[ ١ / ١٤١ ]
الفصل الأوّل
قال القاضي»
: إذا كانت خصال الكمال، والجلال.
مَا ذَكَرْنَاهُ- وَرَأَيْنَا «٢» الْوَاحِدَ مِنَّا يَتَشَرَّفُ «٣» بِوَاحِدَةٍ منها، أو اثنتين- إِنِ اتَّفَقَتْ «٤» لَهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ-، إِمَّا مِنْ نَسَبٍ، أَوْ جَمَالٍ، أَوْ قُوَّةٍ، أَوْ حِلْمٍ، أَوْ شَجَاعَةٍ، أَوْ سَمَاحَةٍ، حَتَّى يَعْظُمَ قَدْرُهُ، وَيُضْرَبَ بِاسْمِهِ الْأَمْثَالُ، وَيَتَقَرَّرَ لَهُ بِالْوَصْفِ بذلك في القلوب أثرة «٥» عظيمة، وَهُوَ مُنْذُ عُصُورٍ خَوَالٍ «٦»، رِمَمٌ «٧» بَوَالٍ «٨» .
- فَمَا ظَنُّكَ بِعَظِيمِ قَدْرِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ كُلُّ هذه الخصال، إلى مالا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في مقدمة التحقيق.
(٢) وفي نسخة «ووجدنا» .
(٣) وفي نسخة «يشرف» .
(٤) وفي نسخة «اتفقتا» .
(٥) أثرة: مكرمة.
(٦) خوال «خال» وهو الخالي أي: السالف.
(٧) رمم: بكسر الراء وقد يضم، ج رمة أو رميم وهي العظام وأجزاء البدن البالية.
(٨) بوال: ج بالية، وبال، وهي تأكيد لكلمة رمم.
[ ١ / ١٤٢ ]
يأخذه عدّ، وَلَا يُعَبِّرُ عَنْهُ مَقَالٌ، وَلَا يُنَالُ بِكَسْبٍ، وَلَا حِيلَةٍ، إِلَّا بِتَخْصِيصِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، مِنْ فضيلة النبوة، والخلة، والمحبة، والاصطفاء، وَالرُّؤْيَةِ، وَالْقُرْبِ، وَالدُّنُوِّ، وَالْوَحْيِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَالْوَسِيلَةِ، وَالْفَضِيلَةِ، وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَالْبُرَاقِ، وَالْمِعْرَاجِ، وَالْبَعْثِ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَالصَّلَاةِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَالشَّهَادَةِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأُمَمِ، وَسِيَادَةِ وَلَدِ آدَمَ، وَلِوَاءِ الْحَمْدِ، وَالْبِشَارَةِ، وَالنِّذَارَةِ، وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ، وَالطَّاعَةِ ثمّ «١»، والأمانة، والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضى وَالسُّؤْلِ، وَالْكَوْثَرِ، وَسَمَاعِ الْقَوْلِ، وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ، وَالْعَفْوِ عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، وَرَفْعِ الذِّكْرِ، وَعِزَّةِ النَّصْرِ، وَنُزُولِ السَّكِينَةِ، وَالتَّأْيِيدِ بِالْمَلَائِكَةِ، وَإِيتَاءِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَالسَّبْعِ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَتَزْكِيَةِ الْأُمَّةِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَصَلَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ، وَوَضْعِ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ عَنْهُمْ، وَالْقَسَمِ بِاسْمِهِ، وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، وَتَكْلِيمِ الْجَمَادَاتِ وَالْعُجْمِ، وَإِحْيَاءِ
_________________
(١) ثم: بمعنى هناك.
[ ١ / ١٤٣ ]
الْمَوْتَى، وَإِسْمَاعِ الصُّمِّ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَتَكْثِيرِ الْقَلِيلِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَرَدِّ الشَّمْسِ، وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ، وَالنَّصْرِ بِالرُّعْبِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ، وَظِلِّ الْغَمَامِ، وَتَسْبِيحِ الْحَصَا، وَإِبْرَاءِ الْآلَامِ، وَالْعِصْمَةِ مِنَ النَّاسِ
- إِلَى مَا لَا يَحْوِيهِ مُحْتَفِلٌ «١»، ولا يحيط بعلمه إلّا ما نحه ذَلِكَ، وَمُفَضِّلُهُ بِهِ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
- إِلَى مَا أَعَدَّ لَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، مِنْ مَنَازِلِ الْكَرَامَةِ، وَدَرَجَاتِ الْقُدْسِ، وَمَرَاتِبِ السَّعَادَةِ، وَالْحُسْنَى، وَالزِّيَادَةِ الَّتِي تَقِفُ دُونَهَا الْعُقُولُ، وَيَحَارُ دُونَ إدراكها الوهم «٢»
_________________
(١) محتفل: أي مهتم، بمعنى أن من اهتم بجميع هذه الصفات وأمثالها لا يمكنه الإحاطة بها.
(٢) الوهم: قوة يدرك بها الجزئيات المحققة وغيرها.
[ ١ / ١٤٤ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي صِفَاتُهُ الْخِلْقِيَّةُ ﷺ
إِنْ قُلْتَ- أَكْرَمَكَ اللَّهُ-: لَا خَفَاءَ عَلَى الْقَطْعِ بِالْجُمْلَةِ، أَنَّهُ ﷺ أَعْلَى النَّاسِ قَدْرًا، وَأَعْظَمُهُمْ مَحِلًّا، وَأَكْمَلُهُمْ محاسن وفضلا، وقد ذهبت فِي تَفَاصِيلِ خِصَالِ الْكَمَالِ مَذْهَبًا جَمِيلًا، شَوَّقَنِي إِلَى أَنْ أَقِفَ عَلَيْهَا مِنْ أَوْصَافِهِ ﷺ تَفْصِيلًا.
فَاعْلَمْ- نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبِي وَقَلَبَكَ، وَضَاعَفَ فِي هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ حُبِّي وَحُبَّكَ-، أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى خِصَالِ الكمال، التي هي غير مكتسبة-، وفي جبلّة الخلقه، وجدته ﷺ حَائِزًا لِجَمِيعِهَا، مُحِيطًا بِشَتَاتِ مَحَاسِنِهَا، دُونَ خِلَافٍ بَيْنِ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ «١» لِذَلِكَ؛ بَلْ قَدْ بَلَغَ بعضها مبلغ القطع.
_________________
(١) الأحاديث والآثار.
[ ١ / ١٤٥ ]
أَمَّا الصُّورَةُ وَجَمَالُهَا، وَتَنَاسُبُ أَعْضَائِهِ فِي حُسْنِهَا، فَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ، وَالْمَشْهُورَةُ الْكَثِيرَةُ، بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ «١»، وَأَنَسِ «٢» بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ «٣»، وَالْبَرَاءِ «٤» بْنِ عَازِبٍ، وَعَائِشَةَ «٥» أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ أَبِي «٦» هَالَةَ، وَأَبِي «٧» جُحَيْفَةَ، وَجَابِرِ «٨» بْنِ سَمُرَةَ، وَأُمِّ مَعْبَدٍ «٩»، وَابْنِ عَبَّاسٍ «١٠»، وَمُعَرِّضِ بْنِ
_________________
(١) علي بن أبي طالب: تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «١» .
(٢) أنس بن مالك: تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) أبو هريرة: تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) البراء بن عازب. الأنصاري الأوسي، له ولأبيه صحبة، شهد أحدا، وغزا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خمس عشرة غزوة، وسافر معه ثمانية عشر سفرا، توفي في الكوفة سنة ٧٢.
(٥) عائشة أم المؤمنين: الصديقة بنت الصديق، تزوجها رسول الله ﷺ، وهي بنت تسع، ولم يتزوج بكرا غيرها، روت عن النبي ﷺ عشرة ومائتين وألفين من الأحاديث، توفيت في المدينة ودفنت بالبقيع سنة ٥٨ هـ.
(٦) ابن أبي هالة: هو هند بن أبي هالة. وهو ابن خديجة أم المؤمنين من زوجها الأول أبي هالة، وهو ربيب النبي ﷺ، وكان لصغره يتشبع من النظر اليه، ولذا أكثر من وصفه، فاشتهر بهند الوصاف، وسبق بذلك كبار الصحابة، لأنهم كانوا يهابون إطالة النظر اليه ﷺ، قتل يوم الجمل مع علي ﵁.
(٧) أبو جحيفة: مصغرا واسمه وهب بن عبد الله، توفي رسول الله ﷺ، وهو مراهق، روى له أحمد وغيره توفي سنة ٧٢ هـ..
(٨) جابر بن سمرة: بفتح السين وضم الميم، ابن جنادة بن جندب، أبو عبد الله، ابن اخت سعد بن أبي وقاص، توفي بالكوفة سنة ٧٢ هـ.
(٩) أم معبد: عاتكة بنت خالد بن منقذ، نزل عليها النبي ﷺ في هجرته، وهي خزاعية كعبية صحابية ولم ينقل لها تاريخ.
(١٠) ابن عباس: تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ١ / ١٤٦ ]
مُعَيْقِيبٍ «١»، وَأَبِي الطُّفَيْلِ «٢»، وَالْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ «٣»، وَخُرَيْمِ بْنِ فَاتَكٍ «٤» وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «٥»، وَغَيْرِهِمْ ﵃.
مِنْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ:
أَزْهَرَ «٦» اللَّوْنِ، أَدْعَجَ «٧»، أَنْجَلَ «٨»، أَشْكَلَ «٩»، أهدب الأشفار «١٠»، أبلج ١»
، أزجّ «١٢»،
_________________
(١) معوض بن معيقيب، بضم الميم وفتح العين وكسر الراء المشددة اليمامي، أي المنسوب إلى اليمامة، روي عنه حديث الطفل الذي نطق بتصديق النبي ﷺ معجزة له، توفي في زمن علي ﵁.
(٢) أبو الطفيل: هو عامر بن وائلة الكناني، صحابي له رؤية ورواية، وكان شاعرا مغلقا، ولد في أوائل الهجرة ومات سنة ١١٠ هو هو آخر من مات من الصحابة.
(٣) العداء بن خالد: ابن هودة، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وكان حسن السبلة، أي اللحية. وهو الذي اشترى من النبي ﷺ غلاما أو أمة كما روى الترمذي وتأخر الى ما بعد المائة.
(٤) خريم بن فاتك: وخريم بالتصغير، شهد بدرا. ومات بالرقة زمن معاوية وروى عنه ابن عساكر.
(٥) حكيم بن حزام: ابن أخي خديجة أم المؤمنين، عاش مائة وعشرين سنة. نصفها في الاسلام، وهو الوحيد الذي ولد داخل الكعبة مات سنة ٦٠ هـ بالمدينة.
(٦) أزهر اللون- حسنه أو أبيض.
(٧) أدعج- شديد سواد الحدقة.
(٨) أنجل- واسع شق العين مع حسنها.
(٩) أشكل- في بياض عينه قليل حمرة.
(١٠) أهدب الأشفار- كثير شعر حروف أجفان عينيه.
(١١) أبلج- مشرق الوجه.
(١٢) أزج- دقيق شعر الحاجبين طويلهما إلى مؤخر العين مع تقوس.
[ ١ / ١٤٧ ]
أَقْنَى «١»، أَفْلَجَ «٢»، مُدَوَّرَ الْوَجْهِ «٣»، وَاسِعَ الْجَبِينِ «٤»، كَثَّ اللِّحْيَةِ تَمْلَأُ صَدْرَهُ، سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، وَاسِعَ الصَّدْرِ «٥»، عَظِيمَ الْمَنْكِبَيْنِ «٦»، ضَخْمَ الْعِظَامِ، عَبْلَ «٧» الْعَضُدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالْأَسَافِلِ، رَحْبَ «٨» الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، سَائِلَ «٩» الْأَطْرَافِ، أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ «١٠»، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ «١١»، رَبْعَةَ «١٢» الْقَدِّ، لَيْسَ بالطويل البائن «١٣»، ولا القصير المتردد، ومع ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ يُمَاشِيهِ أَحَدٌ، يُنْسَبُ إِلَى الطول إلّا طاله ﷺ، رَجْلَ «١٤» الشَّعْرِ، إِذَا افترّ
_________________
(١) أقنى- مرتفع قصبة الأنف مع احديد اب يسير فيها، والمشهور أنه ﷺ كان أشم، والأشم ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاه وقد يجمع بينهما بأن ارتفاعها كان يسيرا جدا، من رآه متأملا عرفه أشم، ومن لم يتأمله ظنه أقنى.
(٢) أفلج- متباعد ما بين الثنايا، وقلته محمودة.
(٣) ولكن إلى الطول أقرب.
(٤) الجبين- هو ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال.
(٥) حسا ومعنى.
(٦) المنكب- مجموع عظم العضد والكتف،
(٧) العبل- الضخم.
(٨) الرحب: الواسع، وهنا حسا ومعنى.
(٩) سائل: تام.
(١٠) ما تجرد من بدنه أشرق من غيره.
(١١) المسربة: خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة.
(١٢) الربعة: المربوع.
(١٣) البائن: المفرط.
(١٤) رجل: ما بين الجعودة والسبوطة.
[ ١ / ١٤٨ ]
ضَاحِكًا افْتَرَّ «١» عَنْ مِثْلِ سَنَا الْبَرْقِ، وَعَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ ثَنَايَاهُ، أَحَسَنَ النَّاسِ عُنُقًا، لَيْسَ بِمُطَهَّمٍ «٢» وَلَا مُكَلْثَمٍ «٣»، مُتَمَاسِكَ الْبَدَنِ «٤»، ضَرْبَ اللَّحْمِ «٥» .
قَالَ الْبَرَاءُ «٦»: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ «٧»، في حلة حمراء، أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «٨» .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «٩» ﵁: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا ضَحِكَ يَتَلَأْلَأُ فِي الْجُدُرِ «١٠»
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «١١»: وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَانَ وَجْهُهُ ﷺ مِثْلَ
_________________
(١) : أبدى اسنانه.
(٢) المطهم: المدور الوجه، وقيل: هو السمين الفاحش، وقيل المنتفخ الوجه، وقيل النحيف الجسم.
(٣) المكلثم: المجتمع لحم وجهه.
(٤) متماسك البدن: ليس برهل مسترخ لحمه.
(٥) ضرب اللحم: خفيفة ولطيفة لا يابسة وكثيفة.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٤» .
(٧) اللمة: بكسر اللام وتشديد الميم وهي ما طال من شعر الرأس في أحد جانبيه وقيل: ما جاوز من شعره شحمة الاذن وسميت بها لا لمامها بالمتكبين.
(٨) كما رواه الشيخان وغيرهما.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(١٠) رواه أحمد والترمذي وابن حبان. ومعنى يتلألأ في الجدر: أي أن نور وجهه الشريف يشرق إشراقا يصل الى الجدران المقابلة كما يكون ذلك من الشمس.
(١١) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٨» .
[ ١ / ١٤٩ ]
السَّيْفِ. فَقَالَ: لَا بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا «١» .
وَقَالَتْ «٢» أُمُّ مَعْبَدٍ «٣» فِي بَعْضِ مَا وَصَفَتْهُ بِهِ:
أَجْمَلُ النَّاسِ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ.
وَفِي حَدِيثِ «٤» ابْنِ أَبِي هَالَةَ «٥»:
يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ، ليلة البدر.
وقال»
علي «٧» فِي آخِرِ وَصْفِهِ لَهُ:
مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً «٨» هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ.
يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ.
- وَالْأَحَادِيثُ فِي بَسْطِ صِفَتِهِ مشهورة كثيرة فلا نطول بسردها.
_________________
(١) كما رواه الشيخان وغيرهما.
(٢) أي من رواية البيهقي في دلائله عن أخيها جيشن ابن خالد عنها.
(٣) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٩» .
(٤) سيأتي الحديث.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٦» .
(٦) على ما في جامع الترمذي وشمائله.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٤» رقم «٤» .
(٨) بديهة: مفاجأة من غير روية أي أول وهلة.
[ ١ / ١٥٠ ]
- وَقَدِ اخْتَصَرْنَا فِي وَصْفِهِ نُكَتَ «١» مَا جَاءَ فِيهَا، وَجُمْلَةً مِمَّا فِيهِ، كِفَايَةٌ فِي الْقَصْدِ إِلَى الْمَطْلُوبِ.
- وَخَتَمْنَا هَذِهِ الْفُصُولَ بِحَدِيثٍ جَامِعٍ لذلك تقف عليه هناك- إن شاء الله تعالى-.
***
_________________
(١) النكت. اللطائف والدقائق.
[ ١ / ١٥١ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ نَظَافَتُهُ ﷺ
أما نَظَافَةُ جِسْمِهِ، وَطِيبُ رِيحِهِ وَعَرَقِهِ، وَنَزَاهَتُهُ عَنِ الْأَقْذَارِ، وَعَوْرَاتِ الْجَسَدِ «١»؛ فَكَانَ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ بِخَصَائِصَ لَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ تَمَّمَهَا بِنَظَافَةِ الشَّرْعِ، وَخِصَالِ الْفِطْرَةِ العشر «٢» .
وقال: «بني الدّين على النظافة» «٣» .
_________________
(١) عورات: عيوب.
(٢) لحديث مسلم عن عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عشر من الفطرة.. قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الابط، وخلق العانة، وانتقاص الماء قال مصعب ابن شيبة راويه: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة ) وانتقاص الماء يعني الاستنجاء. وقال المؤلف في شرح مسلم: ولعل العاشرة الختان لأنه مذكور في قوله ﵊: «الفطرة خمس » .
(٣) هنا الحديث وان قال العراقي في تخريج أحاديث الاحياء لم أجده هكذا بل في الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة ﵂ (تنظفوا فإن الاسلام نظيف) . وللطبراني في الأوسط بسند ضعيف من حديث ابن مسعود ﵁ (النظافة تدعو الى الاسلام) هـ فقد روى الرافعي في تاريخه بسنده عن أبي هريرة ﵁ بعض حديث مرفوعا (تنظفوا بكل ما استطعتم فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنة الا كل نظيف) وينصره حديث الترمذي (إن الله نظيف يحب النظافة فنظفوا أفنيتكم) .
[ ١ / ١٥٢ ]
عَنْ أَنَسٍ «١» قَالَ: «مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا، وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رسول الله ﷺ» «٢» .
وعن جَابِرِ «٣» بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ خَدَّهُ، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا وريحا، كأنما أخرجها من جونة عَطَّارٍ» «٤» .
قَالَ غَيْرُهُ: مَسَّهَا بِطِيبٍ أَوْ لَمْ يَمَسَّهَا، يُصَافِحُ الْمُصَافِحَ فَيَظَلُّ يَوْمَهُ يَجِدُ رِيحَهَا. وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ فَيُعْرَفُ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِرِيحِهَا
- «وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في دار أنس «٥» على نطع «٦» . فَعَرِقَ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ بِقَارُورَةٍ تَجْمَعُ فِيهَا عَرَقَهُ، فَسَأَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ من أطيب الطيب.» «٧» .
_________________
(١) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٢) الحديث في مسلم وفي الشمائل.
(٣) جابر بن سمرة تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٨» .
(٤) روى الحديث مسلم وهذا جزء من الحديث.
(٥) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) النطع: البساط.
(٧) أخرج الحديث مسلم. وزاد البخاري عليه (نرجو بركته لصبياننا) .
[ ١ / ١٥٣ ]
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَنْ جَابِرٍ «١»:
«لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ فِي طَرِيقٍ فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أنّه سلكه، من طيبه» .
وذكر إسحق «٢» بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ رَائِحَتُهُ بِلَا طيب ﷺ.
روى المزني «٣»، والحربي «٤» .
عن جابر «٥» ﵁ قال: «أَرْدَفَنِي النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ، فَالْتَقَمْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بِفَمِي، فَكَانَ يَنِمُّ «٦» عَلَيَّ مِسْكًا» .
وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْمُعْتَنِينَ بِأَخْبَارِهِ وَشَمَائِلِهِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَوَّطَ، انْشَقَّتِ الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت
_________________
(١) جابر: هو جابر بن عبد الله الصحابي رضي الله تعالى عنهما، شهد المشاهد كلها إلا بدرا، واستغفر له النبي ﷺ خمسا وعشرين مرة لما قضى دين أبيه، روى ألفا وخمسمائة حديث، وهو آخر صحابي مات بالمدينة سنة سبعين وشيء.
(٢) وهو إسحق بن إبراهيم بن مخلد التميمي، ويكنى بأبي يعقوب المروزي، الإمام الزاهد الثقة المجتهد، أمير المؤمنين في الحديث، وهو الذي أحيا السنة بالمشرق ما سمع شيئا إلا حفظه، وما حفظ شيئا فنسيه.
(٣) المزني: بضم ففتح: أبو إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني الزاهد، كان مجاب الدعوة، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه: لو ناظر الشيطان لغلبه توفي سنة ٢٦٤ هـ.
(٤) الحربي: هو إبراهيم بن إسحق الحربي الحنبلي نسبة إلى الحربية محلة من بغداد توفي سنة ١٠٧ هـ.
(٥) جابر بن عبد الله: مرت ترجمته آنفا وهذا الحديث رواه ابن عساكر في تاريخه.
(٦) ينم: يفوح.
[ ١ / ١٥٤ ]
لِذَلِكَ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ﷺ «١» . وَأَسْنَدَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ «٢»، كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ «٣» فِي هَذَا «٤» خَبَرًا، عَنْ عَائِشَةَ «٥» ﵂:
«أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ تَأْتِي الْخَلَاءَ فَلَا نَرَى مِنْكَ شَيْئًا من الأذى، فقال: يا عائشة، أو ما عَلِمْتِ أَنَّ الْأَرْضَ تَبْتَلِعُ «٦»
مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ «٧»؟!» .
وَهَذَا الْخَبَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ من أهل العلم بطهارة هذين الْحَدَثَيْنِ مِنْهُ ﷺ.
وَهُوَ قول بعض أصحاب الشافعي «٨» .
_________________
(١) ذكره البيهقي عن عائشة ﵂ وقال: إنه موضوع كما سيأتي.
(٢) محمد بن سعد: الإمام الكبير الحافظ الثقة، وهو أبو عبد الله، محمد مولى بني هاشم، صاحب الطبقات توفي سنة ٢٠٤ هـ.
(٣) الواقدي: ولي القضاء ببغداد للمأمون، وروى عن مالك أحاديث كثيرة، وروى عنه الشافعي وغيره، واستقر الإجماع على ضعفه كما في الميزان توفي سنة ٢١١ هـ.
(٤) أي في أن الأرض تبتلع ما يخرج منه وتفوح له رائحة طيبة.
(٥) السيدة عائشة: تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٦) وفي نسخة (تبلع) .
(٧) وهذا الحديث وإن لم يكن مشهورا فقد قال ابن دحية بعد أن أورده: هذا سند ثابت. قيل: وهذا أقوى ما في الباب، وقد أخرجه الدارقطني في الافراد بسند ثابت.
(٨) وعليه كثير من الخراسانيين، لكن المعتمد في المذهب خلافه كما ذكره الدلجي. الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس القرشي، عالم مكة، يصدق بحقه حديث الرسول ﷺ: عالم مكة يملأ طباق الأرض علما. ولد في غزه سنة ١٥٠ هـ ونشأ وترعرع في مكة، حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأولع بالعربية من النحو والشعر واللغة، وحفظ موطا مالك بليلة، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، رحل إلى اليمن ثم بغداد ثم أقام في مصر وبها توفي سنة ٢٠٤ هـ.
[ ١ / ١٥٥ ]
حكاه الإمام أبو نصر بن الصَّبَّاغِ «١» فِي شَامِلِهِ.
وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَابِقٍ الْمَالِكِيُّ «٢» فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعُ» فِي فُرُوعِ الْمَالِكِيَّةِ، وَتَخْرِيجُ مَا لَمْ يَقَعْ لَهُمْ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ تَفَارِيعِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَشَاهِدُ هَذَا: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ يُكْرَهُ وَلَا غَيْرُ طَيِّبٍ
وَمِنْهُ حَدِيثُ «٣» عَلِيٍّ «٤» ﵁: «غَسَّلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا فَقُلْتُ: طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا. قَالَ: وَسَطَعَتْ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، لَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا قَطُّ» .
وَمِثْلُهُ قَالَ»
أَبُو بَكْرٍ «٦» ﵁ حِينَ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ، بعد موته.
_________________
(١) أبو نصر بن الصباغ: الإمام البحر عبد السيد بن محمد، انتهت إليه رئاسة الشافعية في عصره، وكان ورعا نقيا زاهدا، توفي سنة ٤٧٧ هـ مكفوف البصر.
(٢) أبو بكر بن سابق: العالم الفاضل المقلد لمذهب الإمام مالك.
(٣) رواه ابن ماجه وأبو داود في مراسيله والحكيم والبيهقي.
(٤) علي بن أبي طالب تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٥) رواه البزار عن عمر بسند صحيح، وهو بعض خبر في البخاري.
(٦) أبو بكر الصديق: هو عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، خليفة رسول الله ﷺ ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، وهو أفضل الصحابة على الاطلاق، حارب المرتدين حروبا لا هوادة فيها، وانتصر عليهم، وثبت دعائم الاسلام بعد وفاة النبي ﷺ، توفي سنة ١٣ هـ وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن بجانب رسول الله ﷺ.
[ ١ / ١٥٦ ]
- وَمِنْهُ شُرْبُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ «١» دَمَهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَصُّهُ إِيَّاهُ، وَتَسْوِيغُهُ ﷺ ذَلِكَ لَهُ وَقَوْلُهُ لَهُ: «لَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ» «٢»،
- وَمِثْلُهُ «٣» شُرْبُ عَبْدِ اللَّهِ «٤» بْنِ الزُّبَيْرِ دم حجامته، فقال له ﵇: «وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكَ» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ؛ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوٌ مَنْ هَذَا عَنْهُ فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ بَوْلَهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَنْ تَشْتَكِي وَجَعَ بَطْنِكِ أَبَدًا.» «٥»
- وَلَمْ يَأْمُرْ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِغَسْلِ فَمٍ، ولا نهاه عن عود.
وَحَدِيثُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، الَّتِي شَرِبَتْ بَوْلَهُ صَحِيحٌ، ألزم
_________________
(١) مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو أبو سعيد الخدري، وهو من كبار الصحابة، شرب دم النبي ﷺ يوم أحد فقال النبي ﷺ: من مس دمه دمي لم يخالطه ذنب، وقتل ﵁ شهيدا في هذه الغزوة.
(٢) رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن أبي سعيد الخدري، ورواه البيهقي عن عمر بن السائب.
(٣) كما رواه الحاكم والبزار، والدارقطني والبيهقي والبغوي، والطبراني وسنده جيد، والعجب من ابن الصلاح أنه قال: هذا حديث لم أجد له أصلا بالكلية وهو في هذه الأصول.
(٤) عبد الله بن الزبير: هو عبد الله بن الزبير بن العوام، بضم الزاي والتصغير، وكان أول مولود للمسلمين بعد الهجرة، وكانت ولادته هزيمة لليهود حين أعلنوا أنهم سحروا المسلمين فلن يولد لهم مولود. استخلف بعد وفاة سيدنا معاوية سنة ٦٤ هـ، وحاصره الحجاج عند الكعبة حتى قتل شهيدا سنة ٧٣.
(٥) والحديث رواه الحاكم وأقره الذهبي والدارقطني.
[ ١ / ١٥٧ ]
الدَّارَقُطْنِيُّ «١» مُسْلِمًا «٢»، وَالْبُخَارِيَّ «٣»، إِخْرَاجَهُ فِي الصَّحِيحِ.
وَاسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ «بَرَكَةُ» «٤»، وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهَا، وَقِيلَ:
هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ «٥»، وَكَانَتْ تَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ.
قالت: وكان للنبي ﷺ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ «٦»، يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ، يَبُولُ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَبَالَ فِيهِ لَيْلَةً، ثُمَّ افْتَقَدَهُ، فَلَمْ يَجِدْ
_________________
(١) الدارقطني: هو علي بن عمر بن أحمد الدارقطني، منسوب إلى دار القطن محلة ببغداد، وهو الإمام الحافظ الذي لم ير مثله في عصره، انتهى إليه علم الأثر ومعرفة العلل وأسماء الرجال وأحوالهم مع الصدق والعدالة والمعرفة بمذاهب الفقهاء، فلذا قيل إنه أمير المؤمنين في الحديث ولد سنة ٣٠٦ هـ وتوفي سنة ٣٨٥ هـ.
(٢) مسلم: هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ، قدم بغداد غير مرة وحدث بها، صنف صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وقال أبو علي النيسابوري ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث. ولد سنة ٢٠٦ هـ وتوفي سنة ٢٦١ هـ.
(٣) البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، رحل في طلب العلم إلى جميع محدثي الأمصار، رد على المشايخ وله إحدى عشرة سنة وطلب العلم وله عشر سنين. قال: خرجت كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث وما وضعت فيه حديثا إلا صليت ركعتين ولد سنة ١٩٤ هـ وتوفي سنة ٢٥٦ هـ.
(٤) بركة بنت يسار: مولاة أبي سفيان بن حرب المهاجرة السابقة، قدمت مع أم حبيبة من الحبشة، فتزوجها النبي ﷺ، وكانت بركة تخدمها، وهي القائلة: إنه كان له ﷺ قدح تحت سريره يبول فيه فشربته ليلا.
(٥) بركة: هي أم أيمن بركة بنت محصن بن ثعلبة، مولاة رسول الله ﷺ وحاضنته الحبشية معتقة أبيه، أسلمت هي وابنها أيمن بن عبيد الحبشي، ثم تزوجها زيد بن حارثة توفيت بعد النبي ﷺ بخمسة أشهر.
(٦) عيدان: جمع عيدانة وهي النخلة الطويلة.
[ ١ / ١٥٨ ]
فِيهِ شَيْئًا. فَسَأَلَ بَرَكَةَ عَنْهُ، فَقَالَتْ: قُمْتُ، وَأَنَا عَطْشَانَةٌ، فَشَرِبْتُهُ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ» رَوَى حديثها ابن جريج «١» وغيره «٢» .
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ وُلِدَ مَخْتُونًا، مَقْطُوعَ السُّرَّةِ «٣»؛
وَرُوِيَ عَنْ أُمِّهِ آمنة «٤» أنها قالت: وَلَدْتُهُ نَظِيفًا، مَا بِهِ قَذَرٌ «٥» .
وَعَنْ «٦» عَائِشَةَ «٧» ﵂: مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطُّ، وَعَنْ عَلِيٍّ «٨» ﵁: أَوْصَانِي النَّبِيُّ ﷺ لَا يُغَسِّلُهُ غَيْرِي «فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ» «٩» وفي حديث
_________________
(١) ابن جريج بالجيمين مصغرا، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ويكنى بأبي الوليد، وهو إمام مجمع على ثقته، وهو أول من صنف في الاسلام توفي سنة ١٥٠ هـ.
(٢) مثل أبي داود وابن حبان، والحاكم عن أميمة عن أمها، وروى الحاكم، والدارقطني مثله عن أم أيمن.
(٣) رواه أبو نعيم والطبراني في الأوسط، وأخرج ابن سعد والبيهقي بسند ضعيف عن ابن عباس ﵄ عن أبيه أنه ولد معذورا مسرورا أي: مقطوع السرة مختونا، وأخرجه الخطيب من طرق عن أنس ﵁ مرفوعا «من كرامتي على ربي أن ولدت مختونا » وأخرجه ابن جميع في معجمه بسند واه عن ابن عباس ﵄.
(٤) آمنة بنت وهب بن عبد مناف، ولم تلد غيره ﷺ، ولم يتزوج غيرها عبد الله على الأصح، ذكر السهيلي أن الله ﷿ أحيى للنبي ﷺ أبويه فآمنا به ثم ماتا، توفيت وعمره ست سنين.
(٥) كذا رواه ابن سعد في طبقاته.
(٦) الحديث رواه البزار والبيهقي.
(٧) عائشة: تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٨) علي تقدمت ترجمته في صفحة «٥٤» رقم «٤» .
(٩) هذا الحديث رواه البزار والبيهقي.
[ ١ / ١٥٩ ]
عِكْرِمَةَ «١» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» ﵄ «أنه ﷺ، نَامَ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ «٣»، فَقَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» «٤» .
قَالَ عِكْرِمَةُ: لِأَنَّهُ ﷺ كان محفوظا.
_________________
(١) هو عكرمة بن عبد الله البربري، مولى ابن عباس، أحد فقهاء المدينة وتابعيها ومن الأئمة المقتدى بهم في التفسير والحديث توفي سنة ١٠٧ هـ.
(٢) ابن عباس: تقدمت ترجمته في صفحة «٥٢» رقم «٦» .
(٣) الغطيط: هو صوت يخرج من الأنف مخنوقا.
(٤) كما رواه الشيخان عنه.
[ ١ / ١٦٠ ]
الفصل الرابع وفور عقله وفصاحة لسانه وقوة حواسه ﷺ
أما وُفُورُ عَقْلِهِ، وَذَكَاءُ لُبِّهِ، وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِ، وَفَصَاحَةُ لِسَانِهِ، وَاعْتِدَالُ حَرَكَاتِهِ، وَحُسْنُ شَمَائِلِهِ، فَلَا مِرْيَةَ «١» أَنَّهُ كَانَ أَعْقَلَ النَّاسِ وَأَذْكَاهُمْ.
- وَمَنْ تَأَمَّلَ تَدْبِيرَهُ أَمْرَ بَوَاطِنِ الْخَلْقِ، وَظَوَاهِرِهِمْ، وَسِيَاسَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، مَعَ عَجِيبِ شَمَائِلِهِ وَبَدِيعِ سِيَرِهِ، فَضْلًا عَمَّا أَفَاضَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَقَرَّرَهُ مِنَ الشَّرْعِ، دُونَ تَعَلُّمٍ سَبَقَ، وَلَا مُمَارَسَةٍ تَقَدَّمَتْ، وَلَا مُطَالَعَةٍ لِلْكُتُبِ مِنْهُ، لَمْ يَمْتَرِ فِي رُجْحَانِ عقله، وثقوب «٢» فهمه، لأول بديهة.
_________________
(١) مرية: شك.
(٢) ثقوب الفهم: يقال رجل ثاقب الرأي: أي نافذ الرأي ينظر فيه بدقة.
[ ١ / ١٦١ ]
- وهذا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ لِتَحَقُّقِهِ.
وَقَدْ قَالَ وَهْبُ «١» بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ فِي أَحَدٍ وَسَبْعِينَ كِتَابًا، فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلًا، وَأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَائِهَا، مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبِ عَقْلِهِ ﷺ، إِلَّا كَحَبَّةِ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ «٢» مُجَاهِدٌ «٣»: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِذَا قَامَ فِي «٤» الصَّلَاةِ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.
وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ»» .
وفي الموطّأ «٦» عنه ﵊: «إنّي لأراكم من وراء ظهري» «٧» .
_________________
(١) وهب بن منبة، سيج، بفتح السين وسكون الياء، الأنباري اليماني وهو أبو عبد الله، تابعي مشهور بالمعرفة بالكتب القديمة. سمع عن بعض الصحابة، وروى عنهم واتفق على توثيقه وعبادته أخرج له أصحاب الكتب الستة توفي سنة ١١٤ هـ.
(٢) أي كما رواه عنه ابن المنذر والبيهقي مرسلا.
(٣) مجاهد: تقدمت ترجمته في ص «٧٠» رقم «١» .
(٤) وفي نسخة (إلى) .
(٥) الشعراء (٢١٩) .
(٦) عن أبي هريرة ﵁.
(٧) وصدر الحديث (أترون قبلتكم هذه فو الله لا يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم)
[ ١ / ١٦٢ ]
وَنَحْوُهُ عَنْ أَنَسٍ «١» فِي الصَّحِيحَيْنِ «٢» .
وَعَنْ عَائِشَةَ «٣» مِثْلُهُ «٤» قَالَتْ: «زِيَادَةٌ زَادَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا فِي حَجَّتِهِ»
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «٥»: «إِنِّي لَأَنْظُرُ مِنْ «٦» وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ مِنْ «٧» بَيْنِ يَدَيَّ» .
وَفِي أُخْرَى «٨»: «إِنِّي لَأُبْصِرُ مِنْ قَفَايَ كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» .
وَحَكَى بَقِيُّ «٩» بْنُ مَخْلَدٍ عن عائشة «١٠»: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ» «١١» .
- وَالْأَخْبَارُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ ﷺ الملائكة «١٢»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٢) وهو ما روياه عن أنس مرفوعا (أقيموا الركوع والسجود فو الله إني لأراكم من بعدي- وربما قال (من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم) .
(٣) مرت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٤) مثله لفظا ومعنى.
(٥) لعبد الرزاق والحاكم.
(٦) وفي نسخة (ما) والاحتمالان في (من) جائزان.
(٧) وفي نسخة (ما) والاحتمالان في (من) جائزان.
(٨) في رواية أخرى لمسلم.
(٩) بقي بن مخلد: هو الإمام أبو عبد الرّحمن القرطبي الجياني، الحافظ الزاهد العابد الثقة، وكان مجتهدا لا يقلد أحدا وكان مجاب الدعوة، يقال إنه كان يختم القرآن كل ليلة في ثلاث عشرة ركعة، حضر سبعين غزاة ولد سنة ٢٠١ هـ وتوفي سنة ٢٧٦ هـ.
(١٠) رواه ابن عدي والبيهقي وقال: إسناده ضعيف.
(١١) لعبد الرزاق والحاكم.
(١٢) كما في رواية البخاري وغيره «أنه رأى جبريل في صورته له ستمئة جناح على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق..» وقد رأى كثيرا منهم ليلة الاسراء.
[ ١ / ١٦٣ ]
والشياطين «١» .
- ورفع له النجاشي «٢» حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ «٣» .
- وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ «٤» حِينَ وَصَفَهُ لِقُرَيْشٍ.
- وَالْكَعْبَةِ حِينَ «٥» بَنَى مَسْجِدَهُ «٦»، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ «٧» ﷺ أَنَّهُ: «كَانَ يَرَى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ نَجْمًا.»
- وَهَذِهِ كلها محمولة على رؤية العين.
_________________
(١) حديث البخاري: «إن عفريتا تفلت علي البارحة في صلاة المغرب وبيده شعلة من نار ليحرق بها وجهي، فأمكنني الله منه فدفعته، ثم أردت أن أربطة بسارية من سواري المسجد، فذكرت دعوة أخي سليمان- وفي رواية- لولا دعوة أخي سليمان لأصبح يلعب به ولدان المدينة» .
(٢) النجاشي: واسمه أصحمة كتب الى الرسول ﷺ: أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا قد بايعتك وأسلمت لله رب العالمين توفي سنة ٩ هـ.
(٣) رواه الشيخان وغيرهما، وبه استدل الشافعي على جواز الصلاة على الغائب. وروى ابن حبان في صحيحه من حديث عمران بن حصين: «أنه ﷺ قال: «إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا وصلوا عليه، فقام ﵊ وصفوا خلفه فكبر أربعا وهم لا يظنون أن جنازته بين يديه» .
(٤) كما في الصحيحين.
(٥) وفي نسخة (حتى) .
(٦) على ما رواه الزبير بن بكار في تاريخ المدينة، عن ابن شهاب ونافع بن جبير بن مطعم مرسلا، قال الدلجي: وهو غريب، والمعروف أن جبريل هو الذي أعلمه بها وأراه سمتها، لا أنها رفعت له حتى رآها، بشهادة ما في جامع العتيبة من سماع مالك قال: سمعت أن جبريل هو الذي أقام له قبلة مسجده. اه ولا يخفى أنه يمكن الجمع بينهما.
(٧) جاء ذلك في حديث ثابت من طريق العباس عمه ﵊ ذكره ابن خيثمة.
[ ١ / ١٦٤ ]
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ «١» حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ «٢» إِلَى رَدِّهَا إِلَى الْعِلْمِ.
- وَالظَّوَاهِرُ تُخَالِفُهُ، وَلَا إِحَالَةَ «٣» فِي ذَلِكَ، وَهِيَ مِنْ خَوَاصِّ الأنبياء وخصالهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٤» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لما تجلّى الله ﷿ لِمُوسَى ﵇، كَانَ يُبْصِرُ النَّمْلَةَ عَلَى الصَّفَا، فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، مَسِيرَةَ عَشَرَةِ فَرَاسِخَ» «٥» .
وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا، أَنْ يَخْتَصَّ نَبِيُّنَا ﷺ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَعْدَ الْإِسْرَاءِ وَالْحُظْوَةِ، بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى.
وَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ «٦» بِأَنَّهُ صَرَعَ رُكَانَةَ «٧»، أَشَدَّ أهل وقته
_________________
(١) أحمد بن حنبل: أبو عبد الله بن هلال بن أسعد الذهلي الشيباني، ولد في بغداد سنة ١٦٤ هـ ونشأفيها، وشغف بالسنة حتى صار إمامها في عصره، وتفقه بالشافعي وتوفي ٢٤١ هـ
(٢) كالنووي في شرح مسلم.
(٣) إحالته: استحالته.
(٤) مرت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) رواه الطبراني في الصغير بنحو هذا الاسناد وقال: لم يروه عن قتادة إلا الحسن. تفرد به هانىء.
(٦) كخبر أبي داود والترمذي.
(٧) «هو ركانة بن عبد يزيد بن هاشم القرشي، أسلم يوم الفتح، توفي بالمدينة سنة ٤٢ هـ.» .
[ ١ / ١٦٥ ]
وَكَانَ دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ «١» .
وَصَارَعَ أَبَا رُكَانَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ «٢»، وَكَانَ شَدِيدًا، وَعَاوَدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَصْرَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وقال «٣» أبو هريره»
: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْيِهِ، كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ؛ إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا، وَهُوَ غير مكترث؛ وفي صفته ﵊ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا، إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، وَإِذَا مَشَى مَشَى تَقَلُّعًا، «٥» كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ من صبب «٦» .
_________________
(١) قال الترمذي: إسناده ليس بالقائم، وقال البيهقي مرسل جيد. وروي باسناد موصولا، إلا أنه ضعيف.
(٢) قال الدلجي: هذا الخبر وخبر أنه صارع أبا جهل وصرعه لم يصحا بل لا أصل لهما. وفيه أنه في مراسيل أبي داود ويزيد بن ركانة أو ركانة بن يزيد على الشك. لكن الظاهر أن الصحيح ركانة كما قاله الحلبي وغيره لا كما قاله النووي إنه الصواب والله أعلم، نعم مصارعة أبي جهل لا تصح اتفاقا.
(٣) كما رواه الترمذي في شمائله والبيهقي في دلائله.
(٤) مرت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) رواه الترمذي في الشمائل، والتقلع: رفع الرجلين رفعا بائنا بدون اختيال.
(٦) الصبب: بتشديد الصاد وفتح الباء: ما انحدر من الارض.
[ ١ / ١٦٦ ]
الفصل الخامس فصاحة لسانه وبلاغته ﷺ
وَأَمَّا فَصَاحَةُ اللِّسَانِ، وَبَلَاغَةُ الْقَوْلِ، فَقَدْ كَانَ ﷺ مِنْ ذَلِكَ بِالْمَحَلِّ الْأَفْضَلِ، وَالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، سَلَاسَةَ طَبْعٍ، وَبَرَاعَةَ مَنْزَعٍ، وَإِيجَازَ مَقْطَعٍ، وَنَصَاعَةَ لَفْظٍ، وَجَزَالَةَ قَوْلٍ، وَصِحَّةَ مَعَانٍ، وَقِلَّةَ تَكَلُّفٍ.
- أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَخُصَّ بِبَدَائِعِ الْحِكَمِ، وَعِلْمِ أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ، فكان يُخَاطِبُ كُلَّ أُمَّةٍ مِنْهَا بِلِسَانِهَا، وَيُحَاوِرُهَا بِلُغَتِهَا، وَيُبَارِيهَا فِي مَنْزَعِ بَلَاغَتِهَا، حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَسْأَلُونَهُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ عَنْ شرح كلامه، وتفسير قوله.
- من تَأَمَّلَ حَدِيثَهُ، وَسِيَرَهُ، عَلِمَ ذَلِكَ وَتَحَقَّقَهُ.
- وَلَيْسَ كَلَامُهُ مَعَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَنَجْدٍ،
[ ١ / ١٦٧ ]
كَكَلَامِهِ مَعَ «ذِي الْمِشْعَارِ «١» الْهَمَدَانِيِّ» «وَطِهْفَةَ «٢» النَّهْدِيِّ» و«قطن بن «٣» حارثة العليمي» و«الأشعث «٤» بن قيس» و«وائل بْنِ حُجْرٍ «٥» الْكِنْدِيِّ» وَغَيْرِهِمْ، مِنْ أَقْيَالِ «٦» حَضْرَمَوْتَ، وَمُلُوكِ الْيَمَنِ.
- وَانْظُرْ كِتَابَهُ إِلَى هَمَدَانَ: (إِنَّ لكم فراعها «٧»، ووهاطها «٨»
_________________
(١) هو أبو ثور مالك بن نمط الهمداني، نسبة إلى همدان قبيلة من اليمن، قدم على النبي ﷺ مرجعه من تبوك، مع كثير من قومه مسلمين فقال: هذا وفد همدان ما أسرعها الى النصر وأصبرها على الجهد.. هاجر ذو المشعار في زمن عمر ﵁ إلى الشام ومعه أربعة آلاف عبد فأعتقهم كلهم وانتسبوا إلى همدان.
(٢) طهفة النهدي نسبة إلى نهد قبيلة باليمن، وهو خطيبها ووافدها للنبي ﷺ سنة تسع..
(٣) العليمي بالتصغير: صحابي قدم على النبي ﷺ فسأله الدعاء له ولقومه في غيث السماء في حديث فصيح كثير الغريب.
(٤) الأشعث بن قيس: قدم على النبي ﷺ مع قومه وارتد بعد وفاته ﵊ فجيء به الى أبي بكر فقال: استبقني لحربك وزوجني أختك ففعل. ورجع إلى إلاسلام، ثم خرج مع سعد إلى العراق، وشهدمعه مشاهد كثيرة، وسكن الكوفة الى أن توفي بها سنة ٤٠ هـ.
(٥) وائل بن حجر الكندي: بشر النبي ﷺ به قبل قدومه عليه ثم قدم فأسلم فرحب به، وأدناه من نفسه، وبسط له رداءه وأجلسه عليه، ودعاله بالبركة، وولاه على أقيال حضرموت، وكان من ملوك حمير، توفي سنة ٤٩ هـ.
(٦) الأقيال: الأمراء..
(٧) فراعها: ما ارتفع من الأرض.
(٨) وهاطها: الارض المطمئنة.
[ ١ / ١٦٨ ]
وَعَزَازَهَا «١» تَأْكُلُونَ عِلَافَهَا «٢»، وَتَرْعَوْنَ عَفَاءَهَا «٣»، لَنَا مِنْ دِفْئِهِمْ «٤»، وَصِرَامِهِمْ «٥» مَا سَلَّمُوا «٦» بِالْمِيثَاقِ «٧» وَالْأَمَانَةِ، وَلَهُمْ من الصدقة الثلب «٨» والناب «٩»، والفصيل «١٠»، والفارض «١١» الداجن «١٢»، وَالْكَبْشُ الْحَوَارِيُّ «١٣»، وَعَلَيْهِمْ فِيهَا الصَّالِغُ «١٤» وَالْقَارِحُ «١٥»
وَقَوْلُهُ لنهد «١٦»: «اللهم بارك لهم في محضها» «١٧»،
_________________
(١) غزازها: ما خشن وصلب منها.
(٢) علافها: ما تأكله الماشية.
(٣) عفاءها: ما ليس لأحد فيه ملك.
(٤) الدفء: نتاج الإبل وألبانها. والأظهر أنه كناية عن الأنعام
(٥) صرامهم: تخيلهم أو ثمرهم.
(٦) سلموا: استسلموا.
(٧) الميثاق: الإسلام، أو العهد.
(٨) الثلب: بكسر المثلثة: الهرم من الإبل الذي سقطت أسنانه وتناثر هلب ذنبه.
(٩) الناب: أنثى الإبل التي طال نابها.
(١٠) الفصيل: ولد الإبل الذي فصل عن امه وفطم.
(١١) الفارض: المسن من الابل أو البقر.
(١٢) الداجن: ما يألف البيوت ولا يذهب إلى المرعى.
(١٣) الكبش الحواري: الذي يتخذ من جلده نطع، وروي الذي جلده أحمر وقيل: أبيض.
(١٤) الصالغ: ما دخل في السنة السادسة من البقر والغنم.
(١٥) القارح: ما دخل من الخيل في السنة الخامسة.
(١٦) نهد: قبيلة باليمن أرسلت وفدها الى رسول الله ﷺ برئاسة طهفة النهدي الذي سبق ذكره.
(١٧) محضها: لبنها الذي لم يخالطه ماء.
[ ١ / ١٦٩ ]
وَمَخْضِهَا «١»، وَمَذْقِهَا «٢»، وَابْعَثْ رَاعِيَهَا فِي الدَّثْرِ «٣»، وَافْجُرْ لَهُ الثَّمَدَ «٤» وَبَارِكْ لَهُمْ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ.
مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ كَانَ مُسْلِمًا، وَمَنْ آتَى الزَّكَاةَ كَانَ مُحْسِنًا، وَمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَانَ مُخْلِصًا،
لَكُمْ يَا بني نهد ودائع»
الشريك، وَوَضَائِعُ «٦» الْمُلْكِ، لَا تُلْطِطْ «٧» فِي الزَّكَاةِ، وَلَا تُلْحِدْ «٨» فِي الْحَيَاةِ، وَلَا تَتَثَاقَلْ عَنِ الصَّلَاةِ.
وَكَتَبَ لَهُمْ: فِي الْوَظِيفَةِ الْفَرِيضَةِ «٩»، وَلَكُمُ الْفَارِضُ وَالْفَرِيشُ «١٠»، وَذُو الْعِنَانِ «١١» الرَّكُوبُ، وَالْفَلُوُّ «١٢» الضَّبِيسُ «١٣»، لَا يمنع
_________________
(١) مخضها: ما مخض من لبنها وأخذ زبده.
(٢) مذقها: ما خلط من لبنها بالماء.
(٣) الدثر: المال الكثير.
(٤) الثمد: الماء القليل.
(٥) ودائع: جمع وديع أي العهد والميثاق.
(٦) وضائع: الوظائف.
(٧) تلطط: تمنع.
(٨) تلحد: تميل.
(٩) الفريضة: هي الفارض المسنة. أي عليكم في الوظيفة- وهي كل نصاب-
(١٠) الفريش: الحديثة العهد بالنتاج..
(١١) ذو العنان: أي الفرس.
(١٢) الفلو: ولد الفرس.
(١٣) الضبيس: الصعب والعسر الأخلاق.
[ ١ / ١٧٠ ]
سَرْحُكُمْ «١»، وَلَا يُعْضَدُ «٢» طَلْحُكُمْ «٣»، وَلَا يُحْبَسُ دَرُّكُمْ «٤»، مَا لَمْ تُضْمِرُوا الرِّمَاقَ «٥»، وَتَأْكُلُوا الرِّبَاقَ «٦» .
مَنْ أَقَرَّ فَلَهُ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ، وَالذِّمَّةِ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الرَّبْوَةُ «٧» .
وَمِنْ كِتَابِهِ لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «٨»: «إلى الأقيال العباهلة «٩»، والأرواع «١٠» الْمَشَابِيبِ «١١» .
وَفِيهِ: فِي التِّيعَةِ «١٢» شَاةٌ، لَا مُقَوَّرَةُ «١٣» الألياط «١٤»،
_________________
(١) سرحكم: ماشيتكم التي تسرح..
(٢) نعضد: يقطع.
(٣) الطلح: شجر كبير من أشجار الشوك حسن اللون والريح..
(٤) دركم: الماشية التي تذهب للرعي وتدر لبنا أي لا تمنع من الرعي.
(٥) الرماق: النفاق.
(٦) الرباق: في الأصل عروة الحبل، يربط بها ما خيف ضياعه، وهنا استعارها لنقض العهد.
(٧) الربوة: الزياده في الفريضة عقوبة له. وهذا الحديث رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة، والديلمي في مسند الفردوس.
(٨) مرت ترجمته في ص «١٦٨» رقم «٥» .
(٩) العباهلة: ملوك اليمن الذين أقروا على ملكهم فلم يزالوا عنه.
(١٠) الأرواع: حسان الوجوه.
(١١) المشابيب: جمع مشبوب أي الرؤوس السادة.
(١٢) انتيعة: الأربعين من الغنم.
(١٣) مقورة: الإقوار الاسترخاء في الجلد.
(١٤) الألياط: الجلود من لاط أي لضق والأصل هو قشر الشجرة.
[ ١ / ١٧١ ]
ولا ضناك «١»، وأنطوا «٢» الثبجة «٣» .
وَفِي السُّيُوبُ «٤» الْخُمُسُ. وَمَنْ زَنَى مِمْ «٥» بِكْرٍ فَاصْقَعُوهُ «٦» مِائَةً، وَاسْتَوْفِضُوهُ «٧» عَامًا، وَمَنْ زَنَى مِمْ ثيب فضرّجوه «٨» بِالْأَضَامِيمِ «٩» وَلَا تَوْصِيمَ ١»
فِي الدِّينِ، وَلَا عَمَةَ «١١» فِي فَرَائِضِ اللَّهِ. وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَوَائِلُ بْنُ «١٢» حُجْرٍ يَتَرَفَّلُ «١٣» عَلَى الْأَقْيَالِ
أَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِهِ لِأَنَسٍ «١٤» فِي الصَّدَقَةِ الْمَشْهُورِ، لَمَّا كَانَ كَلَامُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِّ، وَبَلَاغَتُهُمْ عَلَى هَذَا النَّمَطِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ، استعملها معهم، ليبين للناس ما نزّل
_________________
(١) ضناك: ممتلئة اللحم مكثرة الشحم.
(٢) أنطوا: لغة يمانية وهي: أعطوا.
(٣) الثبجة: الشاة الوسطى.
(٤) السيوب: جمع سيب وهو الركاز.
(٥) مم: من بإبدال النون ميما.
(٦) اصقعوه: اضربوه.
(٧) استوفضوه: انفوه.
(٨) ضرجوه: لطخوه بدمائه أي بواسطة الرجم.
(٩) الأضاميم: جمع إضمامة أي الحجارة.
(١٠) توصيم: محاباة.
(١١) عمه: لا تردد ولا حيرة. وفي رواية (غمة) أي ستر وغطاء
(١٢) تقدمت ترجمته في ص «١٦٨» رقم «٥» .
(١٣) يترفل: يترأس. وكتابه هذا أخرجه الطبراني في الصغير والخطابي في الغريب.
(١٤) مرت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
[ ١ / ١٧٢ ]
إليهم، وليحدث الناس بما يعلمون
وَكَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ «١» عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ «٢»: «فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْطِيَةُ، وَالْيَدَ السُّفْلَى هِيَ الْمُنْطَاةُ» .
قَالَ: فَكَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلُغَتِنَا.
وَقَوْلُهُ «٣» فِي حَدِيثِ الْعَامِرِيِّ «٤»: حِينَ سَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:
«سل عَنْكَ» أَيْ سَلْ عَمَّا شِئْتَ. وَهِيَ لُغَةُ بَنِي عَامِرٍ
- وَأَمَّا كَلَامُهُ الْمُعْتَادُ، وَفَصَاحَتُهُ الْمَعْلُومَةُ، وَجَوَامِعُ كَلِمِهِ، وَحِكَمُهُ الْمَأْثُورَةُ، فَقَدْ أَلَّفَ النَّاسُ فِيهَا الدَّوَاوِينَ، وَجُمِعَتْ فِي أَلْفَاظِهَا، وَمَعَانِيهَا الْكُتُبُ.
وَمِنْهَا مَا لَا يُوَازَى فَصَاحَةً، وَلَا يُبَارَى بلاغة.
كقوله «٥»: «المسلمون تتكافؤ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى من سواهم» .
_________________
(١) رواه الحاكم وصححه البيهقي.
(٢) عطية السعدي، منسوب إلى قبيلة بني سعد، وهو الذي قال: قدمنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال لي: ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئا فإن اليد المعطية. الخ..
(٣) على ما ذكره أبو نعيم في دلائله.
(٤) نسبة لقبيلة بني عامر، وفدوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والعامري ههنا اسمه عطية، وقيل لقيط بن عامر بن المنتفق، توفي في حدود الثمانين.
(٥) على ما رواه أبو داوود والنسائي.
[ ١ / ١٧٣ ]
وقوله «١»: «الناس كأسنان المشط»،
- «المرء مع من أحبّ» «٢»،
- «لا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ ما ترى له» «٣»،
- «والناس معادن» «٤»،
- «ما هلك امرؤ عرف قدره» «٥»،
- «المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم» «٦»،
- «رحم اللَّهُ عَبْدًا قَالَ خَيْرًا فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فسلم» «٧»،
وقوله: «أسلم تسلم.. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين..» «٨»
_________________
(١) فيما رواه ابن لال في مكارم الأخلاق.
(٢) رواه الشيخان.
(٣) فيما رواه ابن عدي في كامله بسند ضعيف.. وأوله: «المرء على دين خليله ولا خير » .
(٤) فيما رواه الشيخان وبقيته «.. كمعادن الذهب والفضه، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا..» .
(٥) رواه السمعاني في تاريخه بسند فيه مجهول.
(٦) الحديث رواه الأربعة والحاكم والترمذي أيضا في الشمائل في قضية أبي الهيثم، وفي بعض الروايات زيد فيه «وهو بالخيار إن شاء تكلم وإن شاء سكت، فإن تكلم فليجتهد رأيه» وأخرج الزياده أحمد.
(٧) رواه أبو الشيخ في الثواب.. والديلمي.
(٨) قوله: «أسلم تسلم» متفق عليه بين الشيخين، وبقية الحديث عند مسلم. وللبخاري في الجهاد.. «.. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين» .
[ ١ / ١٧٤ ]
- «إنّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجَالِسَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ.» «١»
وَقَوْلُهُ: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَبْخَلُ بِمَا لَا يُغْنِيهِ» «٢»
وَقَوْلُهُ: «ذُو الْوَجْهَيْنِ لَا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا» «٣»
وَنَهْيُهُ «٤» عَنْ «قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتٍ، وَعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ ووأد البنات.»
وقوله: «إتق الله حيث كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بخلق حسن.» «٥»
- «خير الأمور أوساطها.» «٦»
وَقَوْلُهُ «٧»: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يكون بغيضك يوما ما» .
_________________
(١) رواه الترمذي
(٢) رواه البيهقي في شعبه، وأخرج نحوا من هذا الترمذي.
(٣) رواه الشيخان، وأخرج أبو داوود: «ذو الوجهين في الدنيا ذو لسانين في النار» .
(٤) فيما رواه الشيخان.
(٥) رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر ﵁.
(٦) رواه ابن السمعاني في تاريخه.
(٧) فيما رواه الترمذي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والبخاري في الأدب المفرد.
[ ١ / ١٧٥ ]
وَقَوْلِهِ «١»: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَقَوْلُهُ «٢» فِي بَعْضِ دُعَائِهِ «٣»: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عندك، تهدي بها قلبي، تجمع بِهَا أَمْرِي، وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي «٤»، وَتُصْلِحُ بِهَا غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي، وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ؛
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ عِنْدَ الْقَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ »
إِلَى مَا رَوَتْهُ الْكَافَّةُ «٥» عَنِ الْكَافَّةِ، مِنْ مَقَامَاتِهِ، وَمُحَاضَرَاتِهِ، وَخُطَبِهِ، وَأَدْعِيَتِهِ، وَمُخَاطَبَاتِهِ وَعُهُودِهِ، مِمَّا لَا خِلَافَ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ ذَلِكَ مَرْتَبَةً «٦» لَا يُقَاسُ بِهَا غَيْرُهُ، وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره؛
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) فيما رواه الترمذي وغيره عن ابن عباس ﵄.
(٣) لما فرغ من صلاة الجمعة.
(٤) أي تلم برحمتك وتجمع ما تشعث وتفرق من أمري. قال الجوهري: الشعث: انتشار الأمر يقال: لم الله شعثك أي جمع أمرك.
(٥) أي فيما رواه كثير من الناس لا يحصون، فكافة بمعنى جميعا، وأريد بهما الكثره إذ لم يروه جميع الناس، ولا جميع المحدثين، لكنه لما شاع وذاع، فكأنه كذلك.
(٦) وفي نسخة (مرقبة) وهي بمعنى واحد.
[ ١ / ١٧٦ ]
- وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْ كَلِمَاتِهِ، الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا، وَلَا قَدَرَ أَحَدٌ أَنْ يُفْرِغَ فِي قالبه عليها.
كقوله «١»: «حمي الوطيس»،
«مات حتف أنفه»»
،
«لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» «٣»،
«السعيد من وعظ بغيره» «٤»،
وفي أخواتها ما يُدْرِكُ النَّاظِرُ الْعَجَبَ فِي مُضَمَّنِهَا، وَيَذْهَبُ بِهِ الفكر في أواني حِكَمِهَا.
وَقَدْ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ «٥»: مَا رَأَيْنَا الذي هو أفصح منك..
_________________
(١) أي: يوم حنين على ما رواه مسلم والبيهقي: وقد فسر الوطيس بضراب الحرب، وأراد المعنى المجازي.
(٢) رواه البيهقي في شعب الايمان. ولفظه: «من مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله»، والمعنى أن من مات من غير ضرب ولا قتل ولا حرق ولا غرق، والحتف هو الهلاك، وقيل كانت العرب تتوهم أن روح المريض تخرج من أنفه، وروح المجروح من جراحته، فكلمهم النبي ﷺ على قدر عقولهم، وقال عبد الله بن عتيك فو الله ما سمعت قوله: «حتف أنفه» من أحد من العرب قبل رسول الله ﷺ وعلى هذا عدها المصنف﵀- من كلامه الذي ابتدعه، وهو المشهور.
(٣) كما رواه البخاري وغيره.
(٤) رواه الديلمي.
(٥) كما رواه البيهقي في شعب الايمان.
[ ١ / ١٧٧ ]
فَقَالَ: «وَمَا يَمْنَعُنِي؟!! وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِي، لسان عربي مبين» .
وقال مرة أخرى «١»: «أنا أفصح العرب، بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ» .
فَجُمِعَ لَهُ بِذَلِكَ، ﷺ قُوَّةُ عَارِضَةِ «٢» الْبَادِيَةِ وَجَزَالَتُهَا «٣»، وَنَصَاعَةُ «٤» أَلْفَاظِ الْحَاضِرَةِ وَرَوْنَقُ «٥» كَلَامِهَا، إِلَى التَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي مَدَدُهُ الْوَحْيُ الَّذِي لَا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرِيٌّ «٦» .
وَقَالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ «٧» فِي وَصْفِهَا لَهُ:
«حُلْوُ المنطق، فصل «٨»، لا نزر «٩»، ولا هذر «١٠»
_________________
(١) كما رواه أصحاب الغرائب ولا يعرف له سند، وروى الطبراني «أنا أعرب العرب، ولدت في قريش، ونشأت في بني سعد، فأنى يأتيني اللحن؟!» .
(٢) عارضة: حلاوة.
(٣) الجزالة: ضد الركاكة.
(٤) نصاعة: خلوص ألفاظها من الخلط.
(٥) الرونق: الحسن
(٦) بشري: أي منسوب للبشر.
(٧) سبقت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٩» .
(٨) فصل: مفصول مبين.
(٩) نزر: يسير.
(١٠) هذر: كثير.
[ ١ / ١٧٨ ]
كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتٌ «١» نُظِمْنَ. وَكَانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ «٢»، حسن النغمة.
ﷺ.
_________________
(١) الخرز: ما ينظم من الجواهر، وليس كما تفهمه العامة من تخصيصه بنوع من الخرز وهو المثقب.
(٢) وكانت العرب تمتدح بعلو الصوت وتذم بضده، ولذا تمدحوا بسعة الفم وذموا بصغره والجهير: العالي الصوت فليس فيه خفاء ولا يكسر ككلام النساء.
[ ١ / ١٧٩ ]
الْفَصْلُ السَّادِسُ شَرَفُ نَسَبِهِ وَكَرَمُ بَلَدِهِ وَمَنْشَئِهِ ﷺ
وأما شرف نسبه، وكرم بلده، ومنشئه فمها لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَلَا بَيَانِ مُشْكِلٍ، وَلَا خَفِيٍّ مِنْهُ.
فَإِنَّهُ نُخْبَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وَسُلَالَةُ قُرَيْشٍ وَصَمِيمُهَا، وَأَشْرَفُ الْعَرَبِ وَأَعَزُّهُمْ نَفَرًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، مِنْ أَكْرَمِ بِلَادِ اللَّهِ عَلَى الله، وعلى عباده.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «١» ﵁: أَنَّ رسول الله ﷺ قال:
«بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فقرنا، حتى كنت في القرن الذي كنت منه» «٢» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٢) حديث صحيح انفرد البخاري بإخراجه.
[ ١ / ١٨٠ ]
وَعَنِ الْعَبَّاسِ «١» ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ: «٢»
«إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ومن خَيْرِ قَرْنِهِمْ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْبُيُوتَ، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ بُيُوتِهِمْ. فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا، وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا» .
وعن وائلة «٣» بن الأصقع ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ «٤»: وَهَذَا حَدِيثٌ صحيح «٥» .
_________________
(١) العباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي ﷺ، وولد قبله بسنتين وكان اليه في الجاهلية السقاية والعمارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدرا مع المشركين مكرها فافتدى نفسه وعاد الى مكة، هاجر قبل الفتح وشهده، وثبت في حنين توفي في المدينة سنة ٣٢ هـ.
(٢) كما رواه البيهقي في دلائل النبوة، والترمذي وحسنه.
(٣) وهو أبو الأصقع الليثي، أسلم قبل تبوك وشهدها، وكان من أهل الصفة، خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، ومات سنة ٨٣ هـ وعمره مائة وخمس سنين.
(٤) هو أبو عيسى بن محمد بن عيسى الترمذي، ولد سنة ٢٠٩ هـ، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة. له تصانيف كثيرة في علم الحديث، وكتابه الصحيح من أحسن الكتب وأكثرها فائدة، عرضه على علماء الأقطار فرضوا به.. قال: ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم توفي ب «ترمذ» سنة ٢٧٩ هـ..
(٥) وقد أخرجه مسلم في صحيحه.
[ ١ / ١٨١ ]
وَفِي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ «١» عُمَرَ ﵄: رواه الطبراني «٢» أَنَّهُ ﷺ قَالَ «٣»: «إِنَّ الله ﷿ اخْتَارَ خَلْقَهُ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ اخْتَارَ بَنِي آدَمَ، فَاخْتَارَ مِنْهُمُ الْعَرَبَ، ثُمَّ اختار العرب، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ اخْتَارَ بَنِي هَاشِمٍ فَاخْتَارَنِي مِنْهُمْ.
فَلَمْ أَزَلْ خِيَارًا مِنْ خِيَارٍ.
أَلَا مَنْ أَحَبَّ الْعَرَبِ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ.»
وَعَنِ ابْنِ «٤» عَبَّاسٍ «٥»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَتْ رُوحُهُ نُورًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، يُسَبِّحُ ذَلِكَ النُّورُ وَتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِهِ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ.
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب، بن نفيل القرشي العدوي، ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي، وهاجر وهو ابن عشر سنين، رده النبي ﷺ في بدر وأحد ثم أجازه بالخندق.. وعن السدي قال رأيت نفرا من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي ﷺ ألا ابن عمر، ومات وهو مثل أبيه في الفضل. توفي سنة ٧٣ هـ..
(٢) هو محمد بن جرير أبو جعفر الطبري، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف المشهورة، من أهل طبرستان كان كثير الطواف والعبادة، ولد سنة ٢٢٤ هـ وتوفي سنة ٣١٠ هـ..
(٣) في معجميه الكبير والأوسط.
(٤) أعلام تقدمت ترجمتة في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) على ما رواه ابن أبي عمر والعدني في مسنده.
[ ١ / ١٨٢ ]
فقال رسول ﷺ: «فَأَهْبَطَنِي اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُلْبِ آدَمَ، وَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ نُوحٍ، وَقَذَفَ بِي فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَنْقُلُنِي مِنَ الْأَصْلَابِ الكريمة، والأرحام الطاهرة، حتى أخرجني من أَبَوَيَّ لَمْ يَلْتَقِيَا عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ» .
وَيَشْهَدُ بصحة هَذَا الْخَبَرِ شِعْرُ الْعَبَّاسِ «١»، الْمَشْهُورُ فِي مَدْحِ النبي ﷺ
***
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .
[ ١ / ١٨٣ ]
الفصل السّابع حالته ﷺ في الضروريات
وَأَمَّا مَا تَدْعُو ضَرُورَةُ الْحَيَاةِ إِلَيْهِ، مِمَّا فصلناه فعلى ثلاثة أضرب:
- ضَرْبُ الْفَضْلِ فِي قِلَّتِهِ.
- وَضَرْبُ الْفَضْلِ فِي كثرته.
- وضرب تختلف الأحوال فيه
أ- فَأَمَّا مَا التَّمَدُّحُ وَالْكَمَالُ بِقِلَّتِهِ، اتِّفَاقًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، عَادَةً وَشَرِيعَةً، كَالْغِذَاءِ، وَالنَّوْمِ
وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ وَالْحُكَمَاءُ تَتَمَادَحُ بِقِلَّتِهِمَا، وَتَذُمُّ بِكَثْرَتِهِمَا لِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دَلِيلٌ عَلَى النَّهَمِ وَالْحِرْصِ. وَالشَّرَهِ وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ مُسَبِّبٌ لِمَضَارِّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، جَالِبٌ لِأَدْوَاءِ الْجَسَدِ،
[ ١ / ١٨٤ ]
وَخَثَارَةِ «١» النَّفْسِ، وَامْتِلَاءِ الدِّمَاغِ. وَقِلَّتُهُ، دَلِيلٌ عَلَى الْقَنَاعَةِ وَمِلْكُ النَّفْسِ.
وَقَمْعُ الشَّهْوَةِ مُسَبِّبٌ لِلصِّحَّةِ، وَصَفَاءِ الْخَاطِرِ، وَحِدَّةِ الذِّهْنِ.
كَمَا أَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ دَلِيلٌ عَلَى الْفُسُولَةِ «٢» وَالضَّعْفِ، وَعَدَمِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ مُسَبِّبٌ لِلْكَسَلِ، وَعَادَةِ الْعَجْزِ، وَتَضْيِيعِ الْعُمْرِ فِي غَيْرِ نَفْعٍ، وَقَسَاوَةِ الْقَلْبِ، وَغَفْلَتِهِ وَمَوْتِهِ.
وَالشَّاهِدُ عَلَى هَذَا: مَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً، وَيُوجَدُ مُشَاهَدَةً، وَيُنْقَلُ مُتَوَاتِرًا، مِنْ كَلَامِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، والحكماء السالفين، وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ وَأَخْبَارِهَا وَصَحِيحِ الْحَدِيثِ، وَآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَخَلَفَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِشْهَادِ عليه، وإنما تركنا ذكره هنا. اخْتِصَارًا، وَاقْتِصَارًا عَلَى اشْتِهَارِ الْعِلْمِ بِهِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخَذَ مِنْ هَذَيْنِ الْفَنَّيْنِ بِالْأَقَلِّ هَذَا مَا لَا يُدْفَعُ مِنْ سِيرَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَحَضَّ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا بِارْتِبَاطِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
_________________
(١) خثارة النفس: ثقلها وعدم نشاطها.
(٢) الفسولة: كل مسترذل رديء وكسل النفس.
[ ١ / ١٨٥ ]
عن المقدام بن «١» معدي كرب ﵁: أَنَّ»
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ. حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» .
وَلِأَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ «٣»: بِقِلَّةِ الطَّعَامِ يُمْلَكُ سَهَرُ اللَّيْلِ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تَأْكُلُوا كَثِيرًا، فَتَشْرَبُوا كَثِيرًا، فَتَرْقُدُوا كَثِيرًا، فَتَخْسَرُوا كَثِيرًا.
وَقَدْ رُوِيَ «٤» عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ: «كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى ضفف» أي كثرة الأيدي.
_________________
(١) المقدام بن معدي كرب الكندي، صحابي، نزل حمص، وأخرج له أصحاب السنن، وأحمد توفي سنة ٨٧ هـ.
(٢) رواه الترمذي والنسائي وابن حبان، وأخرجه المصنف- رحمه الله تعالى- عن الطبراني، ولم يروه عن الترمذي لأن سنده لمعجم الطبراني أعلى من غيره. والحديث صحيح.
(٣) سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله. الكوفي عالم عصره الزاهد المحدث أخرج له الأئمة الستة توفي سنة ١٦١ هـ.
(٤) ورواه جمع كأبي يعلى وغيره عن أنس وجابر ﵄ بسند جيد.
[ ١ / ١٨٦ ]
وعن عائشة «١» ﵂: لم «٢» يمتليء جَوْفُ النَّبِيِّ ﷺ شِبَعًا قَطُّ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ لَا يَسْأَلُهُمْ طَعَامًا وَلَا يَتَشَهَّاهُ، إِنْ أَطْعَمُوهُ أَكَلَ، وَمَا أَطْعَمُوهُ قَبِلَ، وَمَا سَقَوْهُ شَرِبَ
- وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ «٣» وَقَوْلِهِ «٤»:
«أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ «٥» فِيهَا لَحْمٌ» .
- إِذْ لَعَلَّ سَبَبَ سُؤَالِهِ ظَنُّهُ ﷺ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ، فَأَرَادَ بَيَانَ سُنَّتِهِ، إِذْ رَآهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوهُ إِلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَأْثِرُونَ عَلَيْهِ بِهِ، فَصَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّهُ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا جَهِلُوهُ مِنْ أَمْرِهِ بِقَوْلِهِ:
«هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» .
وَفِي حِكْمَةِ لقمان «٦» ﵇: يا بني إذا امتلأت المعدة
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٢) قال الدلجي: لم أعرف من رواه. ويوجد شبهه في الجملة في حديث مسلم.
(٣) بريرة بنت صفوان، مولاة عائشة واختلف في أنها قبطية أو حبشية، وهي التي كان يجلس إليها عبد الملك بن مروان فتقول: يا عبد الملك إني أرى فيك خصالا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر فإن وليته فاحذر الدماء الخ
(٤) فيما رواه الشيخان.
(٥) البرمة: القدر.
(٦) لقمان بن عنقاء، قيل: إنه ابن أخت داود وعنه أخذ الحكمة، اختلف في أنه نبي أو ولي. والأكثرون على أنه ولي لحديث روي عن ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكير، حسن اليقين أحب الله تعالى فأحبه، فمن عليه بالحكمة.. الحديث.. قيل: إنه عاش ألف سنة..
[ ١ / ١٨٧ ]
نَامَتِ الْفِكْرَةُ، وَخَرِسَتِ الْحِكْمَةُ، وَقَعَدَتِ الْأَعْضَاءُ عَنِ الْعِبَادَةِ.
وَقَالَ سَحْنُونُ «١»: لَا يَصْلُحُ الْعِلْمُ لِمَنْ يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ.
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ «٢» قَوْلُهُ ﷺ: «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا»
«وَالِاتِّكَاءُ»: هُوَ التَّمَكُّنُ لِلْأَكْلِ، وَالتَّقَعْدُدُ «٣» فِي الْجُلُوسِ لَهُ كَالْمُتَرَبِّعِ، وَشِبْهِهِ مِنْ تَمَكُّنِ الْجَلْسَاتِ، الَّتِي يَعْتَمِدُ فِيهَا الْجَالِسُ عَلَى مَا تَحْتَهُ وَالْجَالِسُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ يَسْتَدْعِي الْأَكْلَ وَيَسْتَكْثِرُ مِنْهُ.
- وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ جُلُوسُهُ لِلْأَكْلِ جُلُوسَ الْمُسْتَوْفِزِ مُقْعِيًا «٤» وَيَقُولُ «٥»: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» .
وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي الِاتِّكَاءِ الْمَيْلُ عَلَى شِقٍّ عِنْدَ المحققين.
_________________
(١) هو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي، الفقيه المالكي، قاضي إفريقية، أدرك مالكا ولم يأخذ عنه، وألف المدونة في فقه مالك، وحصل له ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك توفي سنة ٢٤٠.
(٢) كما رواه البخاري.
(٣) والتقعدد تفعلل من القعود ومعناه التثبت والتمكن من القعود.
(٤) حديث «إنه كان يأكل مقعيا» أخرجه مسلم.
(٥) كما رواه البزار عن ابن عمر بسند ضعيف. وأبو بكر الشافعي في فوائده من حديث البزار إلى قوله كما يأكل العبد. وبقية الحديث من رواية ابن سعد وأبو يعلى بسند حسن عن عائشة ﵂ مرفوعا. وزاد الديلمي وابن أبي شيبة وابن عدي، «وأشرب كما يشرب العبد» .
[ ١ / ١٨٨ ]
- وَكَذَلِكَ نَوْمُهُ ﷺ كَانَ قَلِيلًا. شَهِدَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ.
وَمَعَ ذَلِكَ فقد قَالَ ﷺ:
«إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» «١» .
- وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ اسْتِظْهَارًا عَلَى قِلَّةِ النَّوْمِ، لِأَنَّهُ على الجانب الأيسر أهنأ لهدوء القلب، وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة حِينَئِذٍ لِمَيْلِهَا إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَيَسْتَدْعِي ذَلِكَ الِاسْتِثْقَالَ فِيهِ وَالطُّولَ. وَإِذَا نَامَ النَّائِمُ عَلَى الْأَيْمَنِ تَعَلَّقَ الْقَلْبُ وَقَلِقَ، فَأَسْرَعَ الْإِفَاقَةَ، وَلَمْ يغمره الاستغراق.
_________________
(١) كما رواه الشيخان.
[ ١ / ١٨٩ ]
الفصل الثامن زواجه ﷺ وما يتعلّق به
أَمَّا النِّكَاحُ. فَمُتَّفَقٌ فِيهِ شَرْعًا وَعَادَةً. فَإِنَّهُ دَلِيلُ الْكَمَالِ وَصِحَّةِ الذُّكُورِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلِ التَّفَاخُرُ بِكَثْرَتِهِ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالتَّمَادُحُ بِهِ سِيرَةٌ مَاضِيَةٌ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَسُنَّةٌ مَأْثُورَةٌ.
وَقَدْ قَالَ ابن «١» عباس «٢» ﵄: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء
مشيرا إِلَيْهِ ﷺ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ «٣»: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا، فَإِنِّي مباه بكم
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٢) كما رواه البخاري.
(٣) كما ذكر ابن مردويه في تفسيره عن ابن عمر مرفوعا بسند ضعيف وذكر مثله الطبراني في الأوسط.
[ ١ / ١٩٠ ]
الأمم «١»، وَنَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ «٢» . مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قَمْعِ الشَّهْوَةِ، وَغَضِّ الْبَصَرِ، اللَّذَيْنِ نَبَّهَ عَلَيْهِمَا ﷺ.
بِقَوْلِهِ «٣»: «مَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» .
- حَتَّى لَمْ يَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِمَّا يَقْدَحُ فِي الزُّهْدِ.
قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «٤»: قَدْ حُبِّبْنَ إِلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَكَيْفَ يُزْهَدُ فيهن؟!!
ولابن عيينه «٥» نحوه
وَقَدْ كَانَ زُهَّادُ الصَّحَابَةِ «٦» - ﵃- كثيري الزوجات والسراري، كثيري النكاح.
_________________
(١) وفي نسخة زيادة (يوم القيامة) .
(٢) كما رواه الشيخان.
(٣) كما رواه الطبراني، وأخرجه الشيخان بلفظ: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج » .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٦» .
(٥) هو سفيان بن عينية بن عمران الكوفي، أحد الأئمة الأعلام الامام الحافظ الذي أخرج أصحاب الكتب الستة، وهو من تابعي التابعين، أدرك منهم ستة وثمانين وكان يسكن مكة.. ولد سنة ١٠٧ وتوفي سنة ١٩٨ هـ.
(٦) كعلي وابنه الحسن وابن عمر ﵃ أجمعين.
[ ١ / ١٩١ ]
وَحُكِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ «١»، وَالْحَسَنِ «٢»، وَابْنِ عُمَرَ «٣»، وَغَيْرِهِمْ غَيْرُ شَيْءٍ
وَقَدْ كَرِهَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ عَزَبًا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ النِّكَاحُ، وَكَثْرَتُهُ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَهَذَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا «٤» - ﵇- قَدْ أَثْنَى الله تعالى عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَمَّا تَعُدُّهُ فَضِيلَةً!!!.
- وَهَذَا عِيسَى «٥» بن مَرْيَمَ﵇- تَبَتَّلَ مِنَ النِّسَاءِ وَلَوْ كان كما قررته لنكح
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٢) هو أبو محمد، الحسن بن علي بن أبي طالب، سط رسول الله ﷺ وريحانته، أمير المؤمنين ولد سنة ٣ من الهجرة.. وفي الحديث: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» وفي الحديث أيضا: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» توفي في المدينة سنة ٥٠ هـ ودفن بالبقيع.
(٣) ابن عمر: تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٤) يحيى بن زكريا: نبي الله ﵊، وهو ابن خالة عيسى وأكبر منه وكان عمره مائة وعشرون سنة. أما سيدنا زكريا ﵊ فنبي أيضا وهو من ذرية سيدنا سليمان ﵊، وكان آخر من بعث من بني إسرائيل قبل عيسى ﵊ وقد قتله بنو إسرائيل كما قتلوا ولده سيدنا يحيى عليهما أفضل الصلاة والسلام.
(٥) عيسى بن مريم: آخر الأنبياء قبل سيدنا محمد ﷺ، أرسل إلى بني إسرائيل. فجحدوا ومكروا، وكان من معجزاته إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله.. ولما أراد بنو إسرائيل قتله رفعه الله ﵎ إليه «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» .
[ ١ / ١٩٢ ]
فَاعْلَمْ: أَنَّ ثَنَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يَحْيَى، بِأَنَّهُ حَصُورٌ، لَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ هَيُوبًا «١»، أَوْ لَا ذَكَرَ لَهُ بَلْ قَدْ أَنْكَرَ هَذَا حُذَّاقُ «٢» الْمُفَسِّرِينَ وَنُقَّادُ الْعُلَمَاءِ، وقالوا:
هذه نقيصة وعيب، ولا يليق بالأنبياء ﵈.
- وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الذُّنُوبِ، أَيْ لَا يَأْتِيهَا. كَأَنَّهُ حُصِرَ عَنْهَا.
وَقِيلَ: مَانِعًا نفسه من الشهوات.
وقيل: ليست له شهوة في النساء.
- فقد بان لك مِنْ هَذَا، أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى النِّكَاحِ نَقْصُ.
- وَإِنَّمَا الْفَضْلُ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةٌ ثُمَّ قَمْعُهَا، إِمَّا بِمُجَاهَدَةٍ كَعِيسَى «٣»
﵇، أَوْ بِكِفَايَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَيَحْيَى»
﵇، فضيلة زائدة لكونها مشغلة فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، حَاطَّةٌ إِلَى الدُّنْيَا.
_________________
(١) هيوبا: المراد هنا جبانا عن النكاح.
(٢) حذاق: ج حاذق وهو الماهر.
(٣) تقدمت ترجمته قبل قليل.
(٤) تقدمت ترجمته أيضا قبل قليل.
[ ١ / ١٩٣ ]
- ثُمَّ هِيَ فِي حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْهَا وَمَلَكَهَا، وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِيهَا وَلَمْ تَشْغَلْهُ عَنْ رَبِّهِ دَرَجَةً عَلْيَاءَ، وَهِيَ دَرَجَةُ نَبِيِّنَا ﷺ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ كَثْرَتُهُنَّ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، بَلْ زَادَهُ ذَلِكَ عِبَادَةً لِتَحْصِينِهِنَّ، وَقِيَامِهِ بِحُقُوقِهِنَّ، وَاكْتِسَابِهِ لَهُنَّ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُنَّ.
- بَلْ صَرَّحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حُظُوظِ دُنْيَاهُ هُوَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُظُوظِ دُنْيَا غَيْرِهِ.
فقال ﵊: «حبّب إليّ من دنياكم «١»» .
فدلّ أَنَّ حُبَّهُ لِمَا ذَكَرَ مِنَ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ، اللذين هما من أمر دُنْيَا غَيْرِهِ، وَاسْتِعْمَالِهِ لِذَلِكَ لَيْسَ لِدُنْيَاهُ، بَلْ لِآخِرَتِهِ، لِلْفَوَائِدِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي التَّزْوِيجِ، وَلِلِقَاءِ الْمَلَائِكَةِ فِي الطِّيبِ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا مِمَّا يَحُضُّ عَلَى الْجِمَاعِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَيُحَرِّكُ أَسْبَابَهُ.
- وَكَانَ حُبُّهُ لِهَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ لِأَجْلِ غَيْرِهِ، وَقِمْعِ شَهْوَتِهِ. وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدة جَبَرُوتَ مَوْلَاهُ، وَمُنَاجَاتِهِ.
وَلِذَلِكَ مَيَّزَ بَيْنَ الْحُبَّيْنِ، وفصل بين الحالين.
_________________
(١) كما رواه الحاكم والنسائي وبقيته: «النساء والطيب وقرة عيني في الصلاة» . وليس زيادة «ثلاث» في صحيح الروايات.
[ ١ / ١٩٤ ]
فَقَالَ: وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» .
- فَقَدْ سَاوَى يَحْيَى «١» وَعِيسَى «٢» فِي كِفَايَةِ فِتْنَتِهِنَّ، وَزَادَ فَضِيلَةً بِالْقِيَامِ بِهِنَّ.
- وَكَانَ ﷺ مِمَّنْ أُقْدِرَ عَلَى الْقُوَّةِ فِي هَذَا، وَأُعْطِيَ الْكَثِيرَ مِنْهُ، وَلِهَذَا أُبِيحُ لَهُ مِنْ عَدَدِ الْحَرَائِرِ مَا لَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِ.
وَقَدْ روينا «٣» عن أنس «٤» ﵁ أَنَّهُ ﷺ: «كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ «٥» .
قَالَ أَنَسٌ «٦»: وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ رجلا.
أخرجه النسائي «٧»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٣) كما في البخاري والنسائي.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٥) وهن إحدى عشرة.. كذا في البخاري من حديث أنس ﵁. وقال ابن خزيمة: لم يقل أحد من أصحاب قتادة بأنهن إحدى عشرة إلا معاذ بن هشام عن أبيه. وعن أنس رواية أخرى في البخاري أنهن تسع ويجمع بينهما..
(٦) أخرجه النسائي، وهو هكذا في صحيح البخاري.
(٧) هو أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب النسائي، ولد سنة ٢٢٥. أخذ من الأئمة الحفاظ العلماء، مقدما على كل من يذكر بهذا العلم في زمانة وكان شافعي المذهب، له مناسك ألفها على مذهب الشافعي وكان ورعا متحريا توفي في مكة سنة ٣٠٣ ودفن بها.
[ ١ / ١٩٥ ]
وروي «١» نحوه، عن أبي رافع «٢» .
وعن طاووس «٣»: «أعطي ﵊ قوة أربعين رجلا في الجماع» «٤» .
وعن صفوان «٥» بن سليم مثله.
وَقَالَتْ سَلْمَى «٦» مَوْلَاتُهُ: طَافَ «٧» النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةً عَلَى نِسَائِهِ التِّسْعِ، وَتَطَهَّرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْأُخْرَى وَقَالَ:
«هَذَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» .
وَقَدْ قَالَ سُلَيْمَانُ «٨» ﵇: «لأطوفن «٩» الليلة على مئة إمرأة،
_________________
(١) في سنن أبي داوود والبيهقي والنسائي ولفظه: «طاف رسول الله ﷺ على نسائه في يوم أو ليلة واحدة وكان يغتسل عند هذه وهذه..»
(٢) أبو رافع مولى النبي ﷺ، واسمه ابراهيم وقيل أسلم وقيل ثابت.
(٣) هو الإمام عبد الرّحمن بن كيسان اليماني لقب بطاووس لأنه كان طاووس القراء، وهو من أبناء الفرس، أخرج له أصحاب السنن وغيرهم توفي بمكة ١٠٦ هـ.
(٤) تقدم من رواه
(٥) صفوان بن سليم: بالتصغير: إمام عابد تابعي، روى عنه أصحاب السنن توفي ١٣٢ هـ.
(٦) سلمى: بفتح السين. خادمة النبي ﷺ، وقيل مولاة صفية عمته ﷺ، وهي زوج أبي رافع مولدة فاطمة الزهراء ﵂.. وهي التي أخبرت سيدنا حمزة بأن أبا جهل سب النبي ﷺ، فغضب وذهب اليه فشجه وكان ذلك سبب إسلامه.
(٧) هذا حديث صحيح رواه أبو داوود كما قاله السيوطي
(٨) هو سليمان بن داوود، نبي من أنبياء الله تعالى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومن معجزاته بساط الريح وتسخير الجن وكثير من الخلق له، ﵊.
(٩) على ما رواه الشيخان.
[ ١ / ١٩٦ ]
أو تسع وتسعين «١»» وإنه فعل ذلك.
وقال ابْنُ عَبَّاسٍ «٢»: كَانَ «٣» فِي ظَهْرِ سُلَيْمَانَ مَاءُ مئة رجل، وكان له ثلثمائة امرأة، وثلثمائة سرية.
وحكى النقاش «٤» وغيره: سبع «٥» مئة إمرأة، وثلاث مئة سرية.
- وقد كان لداوود «٦» ﵇ عَلَى زُهْدِهِ وَأَكْلِهِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَتَمَّتْ بِزَوْجِ أُورِيَّاءَ مئة «٧» .
- وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
«إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتسعون نعجة» «٨» .
_________________
(١) على الشك من الراوي. وفي رواية على ستين وفي أخرى على تسعين ولمسلم على سبعين امرأة
(٢) مرت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) كما رواه ابن جرير في تفسيره عنه موقوفا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٩٠» رقم «١» .
(٥) كذا رواه الحاكم عن محمد بن كعب.
(٦) داوود ﵊ نبي من الأنبياء، وهو قاتل جالوت كما ورد في سورة البقرة «وقتل داوود جالوت» ومن معجزاته أن ألان الله له الحديد.
(٧) في المستدرك للحاكم في ترجمة عيسى ابن مريم.
(٨) سورة ص رقم «٢٣» .
[ ١ / ١٩٧ ]
وفي حديث أنس «١»: عنه ﵊ «٢»: «فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعٍ: بِالسَّخَاءِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَكَثْرَةِ الْجِمَاعِ، وَقُوَّةِ الْبَطْشِ» .
- وَأَمَّا الْجَاهُ فَمَحْمُودٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ عَادَةً، وَبِقَدْرِ جَاهِهِ عِظَمُهُ فِي الْقُلُوبِ.
وقد قال تَعَالَى فِي صِفَةِ عِيسَى «٣» ﵇: «وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ «٤»» .
لَكِنَّ آفَاتِهِ كَثِيرَةٌ، فَهُوَ مُضِرٌّ لِبَعْضِ النَّاسِ لِعُقْبَى الْآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ ذَمَّهُ مَنْ ذَمَّهُ، وَمَدَحَ ضِدَّهُ.
- وَوَرَدَ فِي الشَّرْعِ «٥» مَدْحُ الْخُمُولِ «٦»، وَذَمُّ العلو»
في الأرض.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٢) بسند جيد للطبراني في الأوسط.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٤) سورة آل عمران رقم «٤٥» .
(٥) كحديث: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» . وحديث: «إن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا» .
(٦) المقصود بالخمول كراهية الظهور.
(٧) كما ورد في الحديث: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، بأفسد لها من حب المال والجاه لدين المؤمن» . وفي رواية: «من حب الشرف والمال» .
[ ١ / ١٩٨ ]
- وَكَانَ ﷺ قَدْ رُزِقَ مِنَ الْحِشْمَةِ، وَالْمَكَانَةِ فِي الْقُلُوبِ، وَالْعَظْمَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَعْدَهَا، وَهُمْ يُكَذِّبُونَهُ، وَيُؤْذُونَ أَصْحَابَهُ، وَيَقْصِدُونَ أَذَاهُ فِي نَفْسِهِ خِفْيَةً، حَتَّى إِذَا وَاجَهَهُمْ أَعَظَمُوا أَمْرَهُ، وَقَضَوْا حَاجَتَهُ. وَأَخْبَارُهُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ سَيَأْتِي بَعْضُهَا. وَقَدْ كَانَ يَبْهَتُ وَيَفْرَقُ لِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَمْ يَرَهُ.
كَمَا روي عن قبيلة «١»: أَنَّهَا لَمَّا رَأَتْهُ أَرْعَدَتْ مِنَ الْفَرَقِ «٢»، فَقَالَ: «يَا مِسْكِينَةُ عَلَيْكِ السَّكِينَةُ» «٣» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مسعود «٤» ﵁: «أَنَّ رَجُلًا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَرْعَدَ. فَقَالَ له: هوّن عليك فإنّي لست بملك » «٥»
الحديث «٦» .
_________________
(١) وهي فيلة بنت محزمة العنبرية.
(٢) وحديثها مذكور في شمائل الترمذي وفي سنن أبي داوود، وأخرجه ابن سعد بتمامه كما قاله السيوطي.
(٣) وهذه زيادة ابن سعد.
(٤) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجي الصحابي البدري كما في البخاري، خلافا لابنه عبد البر وغيره إذ قالوا إنه ليس ببدري، وإنما شهد العقبة الثانية، وسكن بدرا مات سنة ٤٠ هـ.
(٥) كما رواه البيهقي عن قيس مرسلا، وقال: هو المحفوظ. ورواه الحاكم وصححه.
(٦) ولم يذكره كله لطوله.
[ ١ / ١٩٩ ]
- فأما عظيم قَدْرِهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَشَرِيفُ مَنْزِلَتِهِ بِالرِّسَالَةِ، وَإِنَافَةُ «١» رُتْبَتِهِ بِالِاصْطِفَاءِ وَالْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا، فَأَمْرٌ هُوَ مَبْلَغُ النِّهَايَةِ. ثُمَّ هُوَ فِي الْآخِرَةِ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ «٢» . وَعَلَى مَعْنَى هَذَا الْفَصْلِ نَظَمْنَا هَذَا القسم بأسره.
_________________
(١) أي رفعة رتبته وزبادتها أو ظهورها.
(٢) كما في حديث البخاري.
[ ١ / ٢٠٠ ]
الْفَصْلُ التَّاسِعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ وَالْمَتَاعِ
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ، فَهُوَ مَا تَخْتَلِفُ الْحَالَاتُ فِي التَّمَدُّحِ بِهِ، وَالتَّفَاخُرِ بِسَبَبِهِ، وَالتَّفْضِيلِ لِأَجْلِهِ، كَكَثْرَةِ الْمَالِ.
- فَصَاحِبُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ مُعَظَّمٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ لِاعْتِقَادِهَا تَوَصُّلَهُ بِهِ إِلَى حَاجَاتِهِ، وَتَمَكُّنِ أَغْرَاضِهِ بِسَبَبِهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فَضِيلَةٌ فِي نَفْسِهِ.
- فَمَتَى كَانَ الْمَالُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَصَاحِبُهُ مُنْفِقًا لَهُ في مهماته، ومهمات مَنِ اعْتَرَاهُ وَأَمَّلَهُ، وَتَصْرِيفِهِ فِي مَوَاضِعِهِ، مُشْتَرِيًا به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة من الْقُلُوبِ، كَانَ فَضِيلَةً فِي صَاحِبِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا.
- وَإِذَا صَرَفَهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَأَنْفَقَهُ في سبل الْخَيْرِ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ كَانَ فَضِيلَةً عِنْدَ الْكُلِّ بِكُلِّ حَالٍ.
[ ١ / ٢٠١ ]
- وَمَتَى كَانَ صَاحِبُهُ مُمْسِكًا لَهُ، غَيْرَ مُوَجِّهِهِ وجوهه، حريصا على جمعه، عادت كثرته كَالْعَدَمِ وَكَانَ مَنْقَصَةً فِي صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَقِفْ بِهِ عَلَى جُدَدِ «١» السَّلَامَةِ، بَلْ أَوْقَعَهُ فِي هُوَّةِ «٢» رَذِيلَةِ الْبُخْلِ، وَمَذَمَّةِ النَّذَالَةِ.
- فَإِذَا التَّمَدُّحُ بِالْمَالِ وَفَضِيلَتُهُ عِنْدَ مُفَضِّلِهِ لَيْسَتْ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هو للتوصل به إلى غيره، وتعريفه فِي مُتَصَرَّفَاتِهِ
- فَجَامِعُهُ إِذَا لَمْ يَضَعْهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَا وَجَّهَهُ وُجُوهَهُ غَيْرَ مَلِيءٍ «٣» بِالْحَقِيقَةِ، وَلَا غَنِيٍّ بِالْمَعْنَى وَلَا مُمْتَدَحٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ العقلاء، بل هو فقير أبدا، وغير وَاصِلٍ إِلَى غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ، إِذْ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ الْمُوصِلِ لَهَا لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ خَازِنَ مَالِ غَيْرِهِ، وَلَا مَالَ له، فكأنه لَيْسَ فِي يَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
- وَالْمُنْفِقُ مَلِيءٌ غَنِيٌّ بِتَحْصِيلِهِ فَوَائِدَ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ شَيْءٌ.
- فَانْظُرْ سِيرَةَ نَبِيِّنَا ﷺ وَخُلُقَهُ فِي المال، تجده قد أوتي خزائن
_________________
(١) جدد السلامة: طرائق السلامة.
(٢) هوة: أي هاوية وهي ما بين الجبلين.
(٣) مليء: ثقة مضطلع.
[ ١ / ٢٠٢ ]
الْأَرْضِ، وَمَفَاتِيحَ الْبِلَادِ، وَأُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ، وَفُتِحَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ ﷺ بِلَادُ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَجَمِيعُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَمَا دَانَى ذَلِكَ مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَجُلِبَتْ إِلَيْهِ مِنْ أَخْمَاسِهَا، وَجِزْيَتِهَا، وَصَدَقَاتِهَا مَا لَا يُجْبَى لِلْمُلُوكِ إِلَّا بَعْضُهُ، وَهَادَتْهُ «١» جَمَاعَةٌ مِنْ مُلُوكِ الْأَقَالِيمِ، فَمَا اسْتَأْثَرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا أَمْسَكَ مِنْهُ دِرْهَمًا، بَلْ صَرَفَهُ مَصَارِفَهُ وَأَغْنَى بِهِ غَيْرَهُ، وَقَوَّى بِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ «٢»: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلا دينار أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ «٣»» وَأَتَتْهُ دَنَانِيرُ مَرَّةً فَقَسَّمَهَا، وَبَقِيَتْ منها سِتَّةٌ، فَدَفَعَهَا لِبَعْضِ نِسَائِهِ فَلَمْ يَأْخُذْهُ نَوْمٌ حَتَّى قَامَ وَقَسَّمَهَا، وَقَالَ: «الْآنَ اسْتَرَحْتُ «٤»» وَمَاتَ، ودرعه مرهونة في نفقة عياله «٥» .
_________________
(١) هادته: أرسلت له الهدايا.
(٢) كما رواه الشيخان عنه.
(٣) وفي نسخة (لديني) .
(٤) رواه ابن سعد عن عائشة ﵂.
(٥) أي عند يهودي هو أبو الشحم في نفقة عياله، أي إلى سنة في ثلاثين صاعا من شعير على ما في البخاري والترمذي والنسائي.. وفي البزار أربعين. وفي مصنف عبد الرزاق وسق شعير وهو ستون صاعا
[ ١ / ٢٠٣ ]
واقتصر من ملبسه ومسكنه، على ما تدعوه ضَرُورَتُهُ إِلَيْهِ، وَزَهِدَ فِيمَا سِوَاهُ، فَكَانَ يَلْبَسُ مَا وَجَدَهُ. فَيَلْبَسُ فِي الْغَالِبِ الشَّمْلَةَ «١» وَالْكِسَاءَ الْخَشِنَ، وَالْبُرْدَ الْغَلِيظَ، وَيَقْسِمُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَقْبِيَةَ الدِّيبَاجِ «٢» الْمُخَوَّصَةِ «٣» بِالذَّهَبِ، وَيَرْفَعُ لِمَنْ لَمْ يحضر.
- إِذِ الْمُبَاهَاةُ فِي الْمَلَابِسِ وَالتَّزَيُّنُ بِهَا، لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الشَّرَفِ وَالْجَلَالَةِ، وَهِيَ مِنْ سِمَاتِ النِّسَاءِ.
- وَالْمَحْمُودُ مِنْهَا نَقَاوَةُ الثَّوْبِ، وَالتَّوَسُّطُ فِي جِنْسِهِ، وَكَوْنُهُ لُبْسَ مِثْلِهِ، غَيْرَ مُسْقِطٍ لِمُرُوءَةِ جِنْسِهِ، مِمَّا لَا يُؤَدِّي إِلَى الشُّهْرَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ.
- وَقَدْ ذَمَّ الشَّرْعُ ذَلِكَ، وَغَايَةُ الْفَخْرِ فِيهِ فِي الْعَادَةِ عِنْدَ النَّاسِ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى الْفَخْرِ بِكَثْرَةِ الْمَوْجُودِ، وَوُفُورِ الْحَالِ.
- وَكَذَلِكَ التَّبَاهِي بِجَوْدَةِ الْمَسْكَنِ، وَسِعَةِ الْمَنْزِلِ، وَتَكْثِيرِ آلَاتِهِ، وخدمه، ومركوباته، ومن ملك الأرض، وجي إليه ما فيها، وترك ذلك زهدا وتنزها، فهو حائز لفضيلة المالية،
_________________
(١) الشملة: كساء يشتمل به بأن يديره على جسده كله لا يخرج منه يده.
(٢) بكسر الدال فارسي معرب جمعه ديابيج وهو الثوب المزين.
(٣) المخوصة: المنسوجة.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وَمَالِكٌ لِلْفَخْرِ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ- إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةً- زائد عليها في الفخر ومعرق فِي الْمَدْحِ بِإِضْرَابِهِ عَنْهَا، وَزُهْدِهِ فِي فَانِيهَا وَبَذْلِهَا فِي مَظَانِّهَا
[ ١ / ٢٠٥ ]
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ الْأَخْلَاقُ الْحَمِيدَةُ
وَأَمَّا الْخِصَالُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَالْآدَابِ الشَّرِيفَةِ، الَّتِي اتَّفَقَ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ عَلَى تَفْضِيلِ صَاحِبِهَا، وَتَعْظِيمِ الْمُتَّصِفِ بِالْخُلُقِ الْوَاحِدِ مِنْهَا فَضْلًا عَمَّا فَوْقَهُ، وَأَثْنَى الشَّرْعُ عَلَى جَمِيعِهَا وَأَمَرَ بِهَا، وَوَعَدَ السَّعَادَةَ الدَّائِمَةَ لِلْمُتَخَلِّقِ بِهَا، وَوَصَفَ بَعْضَهَا بِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ. وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ.
- وَهُوَ الِاعْتِدَالُ فِي قُوَى النَّفْسِ، وَأَوْصَافِهَا وَالتَّوَسُّطُ فِيهَا، دُونَ الْمَيْلِ إِلَى مُنْحَرِفِ أَطْرَافِهَا.
- فَجَمِيعُهَا قَدْ كَانَتْ خُلُقَ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى الِانْتِهَاءِ فِي كَمَالِهَا، وَالِاعْتِدَالِ إِلَى غَايَتِهَا، حتى أثنى الله عليه بذلك.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فقال تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» «١» .
قالت عائشة «٢» ﵂: «كان «٣» خلقه الْقُرْآنَ، يَرْضَى بِرِضَاهُ، وَيَسْخَطُ بِسُخْطِهِ.
وَقَالَ ﷺ «٤»: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» .
قَالَ «٥» أَنَسٌ «٦»: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنُ النَّاسِ خُلُقًا» .
وَعَنْ عَلِيِّ «٧» بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِثْلُهُ «٨» .
وَكَانَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مَجْبُولًا عَلَيْهَا فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ، وَأَوَّلِ فِطْرَتِهِ، لَمْ تَحْصُلْ لَهُ بِاكْتِسَابٍ وَلَا رِيَاضَةٍ، إِلَّا بِجُودٍ إِلَهِيٍّ، وَخُصُوصِيَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ، وَهَكَذَا لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ مُنْذُ صِبَاهُمْ إِلَى مَبْعَثِهِمْ حَقَّقَ ذَلِكَ كَمَا عرف من
_________________
(١) سورة القلم رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٣) وقد سألها سعيد بن هشام. وهذا الحديث رواه بتمامه البيهقي في دلائل النبوة.
(٤) على ما رواه أحمد والبزار. ورواه مالك في الموطأ بلفظ يختلف قليلا وكذلك البغوي في شرح السنة.
(٥) على ما رواه الشيخان.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٨) كما رواه أبو عبيد في الغر؟؟؟.
[ ١ / ٢٠٧ ]
حَالِ عِيسَى «١»، وَمُوسَى «٢»، وَيَحْيَى «٣»، وَسُلَيْمَانَ «٤»، وَغَيْرِهِمْ ﵈، بَلْ غُرِزَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ فِي الْجِبِلَّةِ، وَأُودِعُوا الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ فِي الْفِطْرَةِ.
قَالَ الله تعالى: «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»» .
قال المفسرون: أعطى الله يحيى «٦» ﵇ الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ صِبَاهُ.
وقال معمر «٧»: كان ابْنَ سَنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ «٨»، فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَانُ لم لا تلعب؟! فقال: أللعب خلقت؟!
وقيل في قوله تعالى: «مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» «٩» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٢) رسول الله إلى بني اسرائيل ذكر في كتاب الله تعالى في مواضع عديدة وخاصة ما جرى له مع فرعون.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٩٦» رقم «٨» .
(٥) سورة مريم رقم «١٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٧) معمر بن راشد أبو عروة لأزوي المهلبي مولاهم، عالم اليمن، روى عن الزهري وغيره عنه وروى عنه كثير وأخرج له الأئمة الستة، له ترجمة في الميزان وتوفي سنة ١٥٣ هـ باليمن.
(٨) على ما رواه عنه أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم في تفسيره، والديلمي عن معاذ ولم يسنده، والحاكم في تاريخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بسندواه.
(٩) سورة آل عمران «٣» .
[ ١ / ٢٠٨ ]
صدّق يحيى «١» بعيسى «٢»، ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ، فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَرُوحُهُ.
وَقِيلَ «٣»: صَدَّقَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى «٤» تَقُولُ لِمَرْيَمَ «٥»: إِنِّي أَجِدُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ تَحِيَّةً لَهُ.
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كَلَامِ عِيسَى «٦» لِأُمِّهِ، عِنْدَ وِلَادَتِهَا.
إِيَّاهُ، بقوله لها: «لا تحزني» «٧» عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ «٨» «مِنْ تَحْتِهَا» «٩»، وَعَلَى قول من قال «١٠»: إنّ المنادي عيسى «١١» ﵇.
وَنَصَّ عَلَى كَلَامِهِ فِي مَهْدِهِ، فَقَالَ: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» «١٢» .
وقال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا «١٣»» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٣) كما في تفسير محمد بن جرير الطبري.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٥) مريم: امرأة صالحة من بني اسرائيل، أم سيدنا عيسى ﵊ عبدها النصارى وولدها من دون الله لغرابة ولادته من دون أب، وما دروا أن آدم ﵇ أشد غرابة في ذلك ولفتا للنظر ومع ذلك فإنه لم يعبد من دون الله.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٧) سورة مريم «٢٤» .
(٨) كما قرأ به ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر.
(٩) سورة مريم «٢٤» .
(١٠) كأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد.
(١١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(١٢) سورة مريم «٣٠» .
(١٣) سورة الأنبياء «٧٩» .
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ صَبِيٌّ يَلْعَبُ فِي قَضِيَّةِ الْمَرْجُومَةِ «١»، وَفِي قِصَّةِ الصَّبِيِّ «٢» ما اقتدى به داوود «٣» أبوه.
وقال الطبري «٤»: إن عمره حين أوتي الملك إثني عشر عاما.
_________________
(١) التي كان يراد رجمها. وهي ما رواه ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى ابن عباس ﵄. والقصة كما حكاها التلمساني هي أن امرأة كانت بارعة الجمال وهي من أهل الدين رفعت قضية إلى أحد قضاة بني اسرائيل، فلما رآها افتتن بها. وراودها عن نفسها، فامتنعت ثم ذهبت لثان وثالث ورابع فكل راودها عن نفسها، فأتت لنبي الله داوود ﵊ فحجبت عنه فأجمع الأربعة أن يقولوا لداوود: إن لها كلبا تمكنه من نفسها، ويزني بها، ففعلوا فأمر برجمها فرجمت فبينما داوود ﵊ يوما في علية له مشرفا على صبيان يلعبون مع سليمان وفيهم صبي جميل فجعلوا سليمان قاضيا والصبي كامرأة زانية وأربعة منهم قضاة وفعلوا مثل تلك القصة بعينها، المراودة والتهمة كما في قصة المرجومة فعرفهم سليمان وقال لأحدهم ما لونه، فذكر لونا ودعا كلا بانفراده فذكر كل لونا مخالفا للآخر، فأمر الصبيان فضربوهم، فقال داوود لعل القضية هكذا فبعث للقضاة وسألهم عن لون الكلب على انفراد فأمر بهم فقتلوا» . والمراد بالمرجومة التي أريد رجمها لأن داوود هم برجمها ثم درأ عنها الحد وقال التيجاني: الله أعلم بصحته وقد ورد في الاسرائيليات على غير رواية ابن عساكر.
(٢) وهذه القضية رواها الشيخان عن أبي هريرة والقصة هي أنه «بينما امرأتان معهما ابنان لهما وأخذ ذئب أحدهما فتحا كما إلى داوود ﵊ فقضى به للكبرى فدعاهما سليمان ﵊ فقال: هاتوا سكينا أشقه بينهما فقالت الصغرى: رحمك الله هو ابنها لا تشقه فقضى به لها لشفقتها عليه وأرضى الأخرى ليتشار كافي المصيبة» وقال التيجاني: وهذا مما لا شبهة في صحته.
(٣) مرت ترجمته في ص «١٩٧» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
[ ١ / ٢١٠ ]
- وَكَذَلِكَ قِصَّةُ مُوسَى «١» مَعَ فِرْعَوْنَ «٢»، وَأَخْذِهِ بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ طِفْلٌ.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ» «٣»: أي هديناه صغيرا.
قال مُجَاهِدٌ «٤»، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٥»: اصْطَفَاهُ قَبْلَ خَلْقِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ «٦»: لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ «٧» ﵊ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكًا، يَأْمُرُهُ عَنِ اللَّهِ أَنْ يَعْرِفَهُ بِقَلْبِهِ، وَيَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ. فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَلَمْ يَقُلْ: أَفْعَلُ، فَذَلِكَ رُشْدُهُ.
_________________
(١) موسى: نبي من أنبياء الله تعالى من بني اسرائيل أرسله الى فرعون وقومه بآيات بينات ومعجزات ذكرها القرآن الكريم مفصلة في مواطن عديدة.
(٢) فرعون: لقب لكل ملك من ملوك القبط فإن أطلق فهو فرعون موسى لشهرته ولكثرة وروده في القرآن الكريم بهذا الاسم. واسمه كما يذكر المؤرخون وصعب بن الوليد بن ريان وكان من القبط العمالقة عمر أكثر من أربعمائة سنة والله تعالى أعلم.
(٣) سورة الأنبياء (٥١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٧٠» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «٦» .
(٦) كالكواشي وغيره.
(٧) هو أبو الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وذلك لكثرة الأنبياء من نسله ومنهم سيدنا محمد ﷺ وذلك من قوله «أنا دعوة أبي إبراهيم» .
[ ١ / ٢١١ ]
- وَقِيلَ: إِنَّ إِلْقَاءَ إِبْرَاهِيمَ «١» ﵇، فِي النَّارِ وَمِحْنَتَهُ كَانَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سنة.
- وإن ابتلاء إسحق «٢» بِالذَّبْحِ كَانَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ «٣» .
- وَإِنَّ استدلال إبراهيم»
، بالكواكب وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، كَانَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةَ عَشَرَ شهرا.
وقيل: أوحى الله تعالى إِلَى يُوسُفَ «٥»، وَهُوَ صَبِيٌّ، عِنْدَمَا هَمَّ إِخْوَتُهُ بِإِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» «٦» .
إلى غير ذلك مما ذكر مِنْ أَخْبَارِهِمْ.
وَقَدْ حَكَى أَهْلُ السِّيَرِ: أَنَّ آمنة بنت وهب، أخبرت أن
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢١١» رقم «٧» .
(٢) وهو ابن سيدنا ابراهيم عليهما الصلاة والسلام من زوجته السيدة سارة أما سيدنا اسماعيل فمن السيدة هاجر.
(٣) على خلاف في الذبيح وتوقف فيه الشيخ السيوطي في رسالة مستقلة بعد ذكره من الطرفين بعض الأدلة. لكن المشهور بل الصحيح أنه اسماعيل.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢١١» رقم «٧» .
(٥) ابن سيدنا يعقوب عليهما الصلاة والسلام صبر على السجن ثلاث عشرة سنة وصبر قبلها على كيد إخونة ثم أكرمه الله تعالى بالحكم والملك، توفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
(٦) سورة يوسف (١٥) .
[ ١ / ٢١٢ ]
نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ وُلِدَ حِينَ وُلِدَ بَاسِطًا يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ «١» .
وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ ﷺ «٢»: «لَمَّا نَشَأْتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ، وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْرُ، وَلَمْ أَهُمَّ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ، فَعَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ لَمْ أَعُدْ» .
- ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الأمر لهم، وتترادف نفحات الله تعالى عَلَيْهِمْ، وَتُشْرِقُ أَنْوَارُ الْمَعَارِفِ فِي قُلُوبِهِمْ، حَتَّى يصلوا إلى الْغَايَةَ، وَيَبْلُغُوا بِاصْطِفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْخِصَالِ الشَّرِيفَةِ النِّهَايَةَ، دُونَ مُمَارَسَةٍ، وَلَا رِيَاضَةٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا» «٣» .
- وَقَدْ نَجِدُ غَيْرَهُمْ يُطْبَعُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ دُونَ جَمِيعِهَا، وَيُولَدُ عَلَيْهَا، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ اكْتِسَابُ تَمَامِهَا، عِنَايَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
- كَمَا نُشَاهِدُ مِنْ خَلْقِهِ بَعْضَ الصِّبْيَانِ عَلَى حُسْنِ السمت،
_________________
(١) رواه ابن الجوزي في الوفاء عن أبي الحسين بن أسيد مرسلا.
(٢) رواه أبو نعيم في الدلائل عن شداد بن أوس ﵁.
(٣) القصص «١٤» .
[ ١ / ٢١٣ ]
أَوِ الشَّهَامَةِ، أَوْ صِدْقِ اللِّسَانِ أَوِ السَّمَاحَةِ، وَكَمَا نَجِدُ بَعْضَهُمْ عَلَى ضِدِّهَا.
فَبِالِاكْتِسَابِ يَكْمُلُ نَاقِصُهَا، وَبِالرِّيَاضَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ يُسْتَجْلَبُ مَعْدُومُهَا، وَيَعْتَدِلُ مُنْحَرِفُهَا، وباختلاف هذين الحالين يتفادى النَّاسُ فِيهَا، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
- ولهذا قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهَا، هَلْ هَذَا الْخُلُقُ جِبِلَّةٌ أَوْ مُكْتَسَبَةٌ؟
وَحَكَى الطَّبَرِيُّ «١» عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ جِبِلَّةٌ وَغَرِيزَةٌ فِي الْعَبْدِ.
وَحَكَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «٢» بْنِ مَسْعُودٍ والحسن «٣»، وبه قال هو.
- والصحيح ما أصّلناه.
_________________
(١) ابن جرير تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٢) عبد الله بن مسعود بن غافل أسلم قديما وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، ولازم النبي ﷺ، وكان صاحب نعليه وهو من الصحابة العبادلة. وهو أول من جهر بالقرآن بمكة. وقال النبي ﷺ فيه: من سره أن يقرأ القرآن غضا كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» . توفي سنة ٣٢ هـ.
(٣) الحسن البصري تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
[ ١ / ٢١٤ ]
وَقَدْ رَوَى سَعْدٌ «١» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ «٢»: «كُلُّ الْخِلَالِ يُطْبَعُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُ إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «٣» ﵁: فِي حَدِيثِهِ «٤»: وَالْجُرْأَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهُمَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ.
- وَهَذِهِ الأخلاق المحموده والخصال الجميلة الشريفة كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّنَا نَذْكُرُ أُصُولَهَا، وَنُشِيرُ إِلَى جَمِيعِهَا، وَنُحَقِّقُ وَصْفَهُ ﷺ بِهَا- إن شاء الله-.
_________________
(١) سعد بن أبي وقاص: وهو سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف، أحد العشرة وآخرهم موتا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد الستة أهل الشورى مات بالعقيق وحمل إلى المدينة وصلي عليه في المسجد وذلك سنة ٥٥ هـ.
(٢) كما في مقدمة كامل بن عدي، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي امامة. وهو حديث صحيح رواه أحمد في مسنده، والبيهقي في شعب الايمان، ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت عن سعد مرفوعا وموقوفا. وقال الدارقطني: في العلل الموقوف أشبه.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٤) الذي رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وسعيد بن منصور عنه موقوفا.
[ ١ / ٢١٥ ]
الفصل الحادي عشر العقل
أَمَّا أَصْلُ فُرُوعِهَا، وَعُنْصُرُ يَنَابِيعِهَا، وَنُقْطَةُ دَائِرَتِهَا فَالْعَقْلُ الَّذِي مِنْهُ يَنْبَعِثُ الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ.
وَيَتَفَرَّعُ من هَذَا ثُقُوبُ الرَّأْيِ، وَجَوْدَةُ الْفِطْنَةِ، وَالْإِصَابَةُ، وَصِدْقُ الظَّنِّ، وَالنَّظَرُ لِلْعَوَاقِبِ، وَمَصَالِحُ النَّفْسِ، وَمُجَاهَدَةُ الشَّهْوَةِ، وَحُسْنُ السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَاقْتِنَاءُ الْفَضَائِلِ، وَتَجَنُّبُ الرَّذَائِلِ.
- وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى مَكَانِهِ مِنْهُ ﷺ، وَبُلُوغِهِ مِنْهُ، وَمِنَ الْعِلْمِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهَا بَشَرٌ سِوَاهُ.
- وَإِذْ جَلَالَةُ مَحَلِّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَمِمَّا تَفَرَّعَ مِنْهُ مُتَحَقِّقَةٌ عِنْدَ مَنْ تَتَبَّعَ مَجَارِيَ أَحْوَالِهِ، وَاطِّرَادَ سِيَرِهِ، وَحُكْمَ حَدِيثِهِ، وَعِلْمِهِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَحِكَمِ الْحُكَمَاءِ وَسِيَرِ الْأُمَمِ
[ ١ / ٢١٦ ]
الْخَالِيَةِ وَأَيَّامِهَا، وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ، وَسِيَاسَاتِ الْأَنَامِ، وَتَقْرِيرِ الشَّرَائِعِ، وَتَأْصِيلِ الْآدَابِ النَّفْسِيَّةِ «١»، وَالشِّيَمِ الْحَمِيدَةِ، إِلَى فُنُونِ الْعُلُومِ الَّتِي اتَّخَذَ أَهْلُهَا كَلَامَهُ ﷺ فِيهَا قَدْوَةً، وَإِشَارَاتِهِ حُجَّةً.
كَالْعِبَارَةِ «٢» - وَالطِّبِّ- وَالْحِسَابِ- وَالْفَرَائِضِ- وَالنَّسَبِ- وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَنُبَيِّنُهُ فِي مُعْجِزَاتِهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-، دُونَ تَعْلِيمٍ وَلَا مُدَارَسَةٍ، وَلَا مُطَالَعَةِ كُتُبِ مَنْ تَقَدَّمَ، وَلَا الْجُلُوسِ إِلَى عُلَمَائِهِمْ، بل بني أُمِّيٌّ لَمْ يُعْرَفْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَأَبَانَ أَمْرَهُ، وَعَلَّمَهُ، وَأَقْرَأَهُ.
- يَعْلَمُ ذَلِكَ بِالْمُطَالَعَةِ، وَالْبَحْثِ عَنْ حَالِهِ، ضَرُورَةً، بالبرهان الْقَاطِعِ عَلَى نُبُوَّتِهِ نَظَرًا فَلَا نَطُولُ بِسَرْدِ الْأَقَاصِيصِ وَآحَادِ الْقَضَايَا، إِذْ مَجْمُوعُهَا مَا لَا يَأْخُذُهُ حَصْرٌ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ حِفْظٌ جَامِعٌ.
- وَبِحَسَبِ عَقْلِهِ كَانَتْ مَعَارِفُهُ ﷺ إِلَى سَائِرِ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهِ، مِنْ عِلْمِ مَا يَكُونُ، وَمَا كان، وعجائب قدرته وعظيم ملكوته.
_________________
(١) وفي نسخة «النفيسة» وربما كانت الأولى تصحيفا.
(٢) العبارة: تعبير الرؤيا.
[ ١ / ٢١٧ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا»
«١» .
حارت العقول في تقدير فضله، وَخَرِسَتِ الْأَلْسُنُ دُونَ وَصْفٍ يُحِيطُ بِذَلِكَ، أَوْ ينتهي إليه.
_________________
(١) سورة النساء «١٣» .
[ ١ / ٢١٨ ]
الفصل الثاني عشر الحلم والاحتمال وَالْعَفْوُ
وَأَمَّا الْحِلْمُ وَالِاحْتِمَالُ وَالْعَفْوُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يَكْرَهُ.
- وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَلْقَابِ فَرْقٌ.
- فَإِنَّ الْحِلْمَ: حَالَةُ تَوَقُّرٍ وَثَبَاتٍ عِنْدَ الْأَسْبَابِ الْمُحَرِّكَاتِ.
- وَالِاحْتِمَالَ: حَبْسُ النَّفْسِ عِنْدَ الْآلَامِ والمؤذيات.
- والصبر: مثلها.
وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ.
- وَأَمَّا الْعَفْوُ: فَهُوَ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نبيه ﷺ:
فقال تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» «١» الآية.
_________________
(١) « وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» سورة الأعراف «١٩٩» .
[ ١ / ٢١٩ ]
رُوِيَ «١»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ، سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇ عَنْ تَأْوِيلِهَا. فَقَالَ لَهُ: حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ، ثُمَّ ذَهَبَ فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ
وقال له: «وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ» الآية. «٢»
وقال تعالى: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» «٣» .
وقال: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا» «٤» الآية.
وقال تعالى: «وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» «٥» .
وَلَا خَفَاءَ بِمَا يُؤْثَرُ مِنْ حِلْمِهِ وَاحْتِمَالِهِ، وَأَنَّ كُلَّ حَلِيمٍ قَدْ عُرِفَتْ مِنْهُ زَلَّةٌ، وَحُفِظَتْ عَنْهُ هَفْوَةٌ، وَهُوَﷺ- لَا يَزِيدُ مَعَ كَثْرَةِ الْأَذَى إِلَّا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما.
_________________
(١) كما في تفسير ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، في مكارم الاخلاق وابن أبي الدنيا مرسلا ووصله ابن مردويه.
(٢) « إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» سورة لقمان «١٧» .
(٣) سورة الأحقاف «٣٥» .
(٤) « أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» سورة النور «٢٢» .
(٥) سورة الشورى «٤٣» .
[ ١ / ٢٢٠ ]
عَنْ عَائِشَةَ «١» ﵂ قَالَتْ «٢» مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ، إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ؛ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا.
وَرُوِيَ «٣»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ شَقًّا شَدِيدًا، وَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ:
فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِيًا وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون» .
وري «٤» عَنْ عُمَرَ «٥» ﵁: أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ:
«بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. لَقَدْ دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ فقال:
_________________
(١) مرت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٢) كما رواه الشيخان وأبو داوود أيضا عنها كما أسنده المصنف من طريق مالك في الموطا.
(٣) الحديث رواه البيهقي في شعب الايمان مرسلا، وروى آخره موصولا وهو قوله «اللهم اهد قومي..» في الصحيح حكاية عن نبي ضربه قومه.
(٤) قال الدلجي: لم يعرف. وكذلك قال السيوطي: إن هذا لا يعرف عن عمر في شيء من كتب الحديث.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٣» رقم «٤» .
[ ١ / ٢٢١ ]
«رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا» «١» وَلَوْ دَعَوْتَ عَلَيْنَا مِثْلَهَا لَهَلَكْنَا مِنْ عِنْدِ آخرنا، فلقد وطيء ظَهْرُكَ، وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُكَ، فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إِلَّا خَيْرًا، فَقُلْتَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: انْظُرْ مَا فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ جِمَاعِ الْفَضْلِ وَدَرَجَاتِ الْإِحْسَانِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَكَرَمِ النَّفْسِ، وَغَايَةِ الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ.
- إِذْ لَمْ يَقْتَصِرْ ﷺ عَلَى السُّكُوتِ عَنْهُمْ، حَتَّى عَفَا عَنْهُمْ، ثُمَّ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ، وَدَعَا، وسفع لَهُمْ، فَقَالَ: «اغْفِرْ» أَوِ «اهْدِ» . ثُمَّ أَظْهَرَ سَبَبَ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ بِقَوْلِهِ «لِقَوْمِي» ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْهُمْ بِجَهْلِهِمْ، فَقَالَ «فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» .
وَلَمَّا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ «٢»: «اعْدِلْ فَإِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ» لَمْ يَزِدْهُ في جوابه أن بين لَهُ مَا جَهِلَهُ، وَوَعَظَ نَفْسَهُ، وَذَكَّرَهَا بِمَا قال له.
_________________
(١) سورة نوح «٢٦» .
(٢) المنافق وهو ذو الحويصرة حرقوص بن زهير التميمي قتل في الخوارج يوم النهروان على يد علي كرم الله وجهه.
[ ١ / ٢٢٢ ]
فَقَالَ «١»: «وَيْحَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ «٢» . خِبْتُ «٣» وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ» .
وَنَهَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أَصْحَابِهِ قَتْلَهُ» .
- وَلَمَّا تَصَدَّى لَهُ غورث «٥» بن الحارث ليفتك «٦» به ﷺ، وهو مُنْتَبِذٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَحْدَهُ قَائِلًا «٧»، وَالنَّاسُ قَائِلُونَ في غزاة «٨» فلم ينته رسول الله ﷺ إلا وَهُوَ قَائِمٌ، وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ.
فَقَالَ: من يمنعك مني.
فقال: «الله»
_________________
(١) رواه مسلم عن جابر ﵄. ونحوه في صحيح البخاري. وأخرجه البيهقي وهو حديث صحيح. وفي ألفاظه اختلاف، والمآل واحد.
(٢) وفي مسلم: أو لست أحق أهل الأرض أن أطيع الله ﷿؟! وغضب ﷺ حتى أحمرت وجنتاء..
(٣) خبت.. نقلها النووي في شرح مسلم على وجهي الضم والفتح.
(٤) وهو عمر بن الخطاب ﵁ كما في صحيح البخاري. أو خالد بن الوليد. أو كلاهما كما في مسلم.
(٥) وردت القصة في سيرة ابن هشام برواية تختلف عن المذكورة هنا بعض الشيء انظر السيرة ج ٣ س ٢١٦ تحقيق السقا ورفاقه ووردت في بعض السير بشكل قريب من الوارد هنا ولكن باسم دعثور بدلا من غورث.
(٦) على ما رواه البيهقي.
(٧) وهي ذات الرقاع رابع سنة للهجرة.
(٨) وقائلون: من القيلولة أي نائمون في النهار.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ.
وَقَالَ: «مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي» .
قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ.
فَتَرَكَهُ وَعَفَا عَنْهُ،
فَجَاءَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ «١» .
- وَمِنْ عَظِيمِ خَبَرِهِ فِي الْعَفْوِ عَفْوُهُ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ «٢» الَّتِي سَمَّتْهُ فِي الشَّاةِ بَعْدَ اعْتِرَافِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الرِّوَايَةِ «٣» .
- وَأَنَّهُ لم يؤاخذ لبيد «٤» بن الأعظم إِذْ سَحَرَهُ وَقَدْ أُعْلِمَ بِهِ وَأُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْحِ أَمْرِهِ «٥»، وَلَا عَتَبَ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ مُعَاقَبَتِهِ.
- وَكَذَلِكَ لَمْ يُؤَاخِذْ «٦» عَبْدَ اللَّهِ «٧» بْنَ أبي وأشباهه من
_________________
(١) ورواه الشيخان بدون سقوط السيف، وقوله ﷺ، من يمنعك مني، وجواب غورث.
(٢) هي زينب بنت الحارث بن سلام.
(٣) على ما رواه الشيخان وكان يجب أن تقدم جملة (على الصحيح من الرواية) بعد كلمة عفوه لأن صحة الرواية لعفوه، لا لاعترافها.
(٤) هو رجل من بني زريق وهم بطن من الانصار.. وفي الصحيحين أن لبيدا يهودي وقيل إنه منافق وسيأتي عن المصنف أنه حكم بإسلامه
(٥) رواه أحمد والنسائي والبيهقي في دلائله.
(٦) على ما رواه الشيخان.
(٧) عبد الله بن أبي خزرجي كان يرتجي أن يكون حاكم الأنصار قبل هجرة النبي-
[ ١ / ٢٢٤ ]
الْمُنَافِقِينَ «١»، بِعَظِيمِ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي جِهَتِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، بَلْ قَالَ «٢» لِمَنْ أَشَارَ بِقَتْلِ بعضهم: «لا. لِئَلَّا يُتَحَدَّثُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» «٣»
وَعَنْ أنس «٤» ﵁ قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَجَبَذَهُ أَعْرَابِيٌّ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَثَّرَتْ حَاشِيَةُ الْبُرْدِ فِي صَفْحَةِ عَاتِقِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرِيَّ هَذَيْنِ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ «٥» . فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مالك ولا من مال أَبِيكَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «الْمَالُ مَالُ اللَّهِ. وَأَنَا عَبْدُهُ» ثُمَّ قَالَ: «وَيُقَادُ مِنْكَ يَا أَعْرَابِيُّ مَا فَعَلْتَ بِي»، قَالَ: لَا، قَالَ: «لِمَ» قَالَ: لأنك لا تكافىء بالسيئة السيئة.
_________________
(١) - ﷺ ولكن إسلام الأنصار فوت عليه مغانم كثيرة فأسلم ظاهرا وفيه عنجهية الجاهلية وحب الرياسة فكان رأس المنافقين وله في نفاقه حوادث منشورة في صفحات السيرة مات في حياة النبي ﷺ.
(٢) قال ابن عباس: كان المنافقون من الرجال ثلثمائة، ومن النساء مئة وسبعين.
(٣) على المريسيع ماء لبني المصطلق.
(٤) وهذا الحديث رواه الشيخان. وروى الطبراني: عرض ولد عبد الله على الرسول ﷺ بقتل أبيه، ومنعه الرسول ﷺ عن ذلك.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) الى هنا رواه الشيخان. واخرجه بلفظ المصنف البيهقي في الأدب من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٢٥ ]
فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ أمر أن يحمل له على بعير شَعِيرٌ، وَعَلَى الْآخَرِ تَمْرٌ.
قَالَتْ عَائِشَةُ «١» ﵂: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ، مَا لَمْ تَكُنْ حُرْمَةً مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا ضَرَبَ خادما وَلَا امْرَأَةً «٢»
- وَجِيءَ إِلَيْهِ بِرَجُلٍ «٣»، فَقِيلَ: هَذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَنْ تُرَاعَ، لَنْ تُرَاعَ وَلَوْ أَرَدْتَ ذَلِكَ لَمْ تُسَلَّطْ عَلَيَّ» .
- وَجَاءَهُ «٤» زَيْدُ «٥» بْنُ سَعْنَةَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا عَلَيْهِ فَجَبَذَ ثَوْبَهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثيابه، وأغلظ له، ثم قال:
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٢) رواه الشيخان.
(٣) هذا الحديث أخرجه أحمد والطبراني بسند صحيح، ولم يسميا الرجل.
(٤) وهو حديث طويل رواه البيهقي مفصلا عن ابن سلام، ووصله ابن حبان، والطبراني، وأبو نعيم عن عبد الله بن سلام أيضا، وسنده صحيح كما قاله السيوطي.
(٥) وهو حبر من أحبار اليهود وفي التهذيب: هو صحابي من أحبار اليهود الذين أسلموا وهو من أكثرهم مالا وعلما، حسن إسلامه وشهد المشاهد وتوفي مرجعه ﷺ من تبوك.
[ ١ / ٢٢٦ ]
إِنَّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمَطْلَبِ مُطْلٌ، فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ «١»، وَشَدَّدَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يتبسم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنا، وهو، كنا إلى غير هذا منك أحوج يَا عُمَرُ. تَأْمُرُنِي بِحُسْنِ الْقَضَاءِ. وَتَأْمُرُهُ بِحُسْنِ التَّقَاضِي» .
ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَجْلِهِ ثَلَاثٌ» .
وَأَمَرَ عُمَرَ «٢» يَقْضِيهِ مَالَهُ، وَيَزِيدَهُ عِشْرِينَ صاعا لما روّعه.
- فكان سبب إسلامه وذلك أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَا بَقِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النبوة شيء إلا وقد عرفتهما في وجه مُحَمَّدٍ إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبَرْهُمَا:
- يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلُهُ،
- وَلَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ إِلَّا حِلْمًا فَاخْتَبَرْتُهُ بِهَذَا فَوَجَدْتُهُ كَمَا وُصِفَ وَالْحَدِيثُ عَنْ حِلْمِهِ ﷺ وَصَبْرِهِ، وَعَفْوِهِ عند المقدرة أكثر من أن نأتي عَلَيْهِ، وَحَسْبُكَ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِمَّا فِي الصَّحِيحِ وَالْمُصَنَّفَاتِ الثَّابِتَةِ، إِلَى مَا بَلَغَ مُتَوَاتِرًا مَبْلَغَ الْيَقِينِ، مِنْ صَبْرِهِ عَلَى مُقَاسَاةِ قُرَيْشٍ، وَأَذَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُصَابَرَةِ الشَّدَائِدِ الصَّعْبَةِ مَعَهُمْ، إِلَى أَنْ أَظْفَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَحَكَّمَهُ فِيهِمْ وَهُمْ لَا يشكّون في استئصال
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٦» .
[ ١ / ٢٢٧ ]
شَأْفَتِهِمْ، وَإِبَادَةِ خَضْرَائِهِمْ «١»، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ عَفَا وَصَفَحَ:
وَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ إِنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ»؟
قَالُوا: خَيْرًا.. أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ.
فَقَالَ: «٢» [أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ»] «٣» الآية «إذهبوا فأنتم الطلقاء» .
وقال «٤» أنس «٥» ﵁: هَبَطَ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ التَّنْعِيمِ «٦» صَلَاةَ الصُّبْحِ لِيَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأُخِذُوا، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ» «٧» الآية.
_________________
(١) خضرائهم: جمعهم وسوادهم.
(٢) قال ذلك يوم فتح مكة آخذا بعضادتي باب الكعبة على ما رواه ابن سعد والنسائي وابن زنجويه.
(٣) « الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» سورة يوسف «٩٢» .
(٤) كما رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) أقرب أطراف مكة إليها، على بعد ثلاثة أو أربعة أميال منها على طريق المدينة والشام، سميت بذلك لأنه بقربها جبل يسمى «نعيم» على يمينها وعلى شمالها آخر يسمى «ناعم» والوادي «نعمان» .
(٧) « وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ» سورة الفتح «٢٤»
[ ١ / ٢٢٨ ]
وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ «١» وَقَدْ سِيقَ إِلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ جَلَبَ إِلَيْهِ الْأَحْزَابَ وَقَتَلَ عَمَّهُ، وَأَصْحَابَهُ، ومثل بهم فعفا عنه ولا طفه فِي الْقَوْلِ:
«وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ!! أَلَمْ يئن لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؟! فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَحْلَمَكَ وَأَوْصَلَكَ وَأَكْرَمَكَ. «٢»
- وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضى، ﷺ.
_________________
(١) أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، اسلم يوم فتح مكة وشهد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حنينا وأعطاه من غنائمها مائة وأربعين أوقية وزنها له بلال، كان شيخ مكة ورئيسها ورئيس قريش بعد أبي جهل، عاش ﵁ إلى سنة ٣١ هـ حيث مات ودفن بالبقيع.
(٢) والحديث بكامله مذكور في السير، وقد اخرجه الطبراني والبيهقي عن ابن عباس بسند صحيح.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
وَأَمَّا الْجُودُ والكرم والسخاء والسماحة، ومعانيها مُتَقَارِبَةٌ، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهَا بِفُرُوقٍ، فَجَعَلُوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فِيمَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ وَنَفْعُهُ، وَسَمَّوْهُ أَيْضًا جُرْأَةً، وَهُوَ ضِدُّ النَّذَالَةِ.
- وَالسَّمَاحَةُ: التَّجَافِي عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْمَرْءُ عِنْدَ غَيْرِهِ بِطِيبِ نَفْسٍ، وَهُوَ ضِدُّ الشَّكَاسَةِ «١» .
- وَالسَّخَاءُ: سُهُولَةُ الْإِنْفَاقِ، وَتَجَنُّبُ اكْتِسَابِ مَا لا يحمد، وهو ضد التقتير.
فكان ﷺ لَا يُوَازَى فِي هذه الأخلاق الكريمة. ولا يبارى «٢» .
_________________
(١) الشكاسه: سوء الخلق.
(٢) فاق النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم.
[ ١ / ٢٣٠ ]
بهذا وصفه كل من عرفه.
عن ابن المنكدر «١» قال: سَمِعْتُ جَابِرَ «٢» بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «٣»:
«مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَا» .
وَعَنْ أَنَسٍ «٤» وَسَهْلِ «٥» بن سعد ﵄ مثله.
وقال «٦» ابن عباس «٧» ﵄: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ مَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الريح المرسلة.
_________________
(١) انفرد بابن المنكدر مسلم، ورواه البخاري عن جابر وابي المنكدر: محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي الحافظ عن أبيه وعن عائشة وابي هريرة رضي الله تعالى عنهما وأخرج له أصحاب الكتب الستة.
(٢) مرت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٣) رواه البخاري في الأدب ومسلم في فضائله ﷺ. والترمذي في شمائله.
(٤) مرت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» وأخرج حديث أنس مسلم.
(٥) هو سهيل بن سعد الساعدي من مشاهير الصحابة يقال: كان اسمه «حزنا» فغيره النبي ﷺ. قال الزهري: مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة وذلك سنة ٩١ هـ.. وأخرج حديث سهل الدارمي والطيالسي.
(٦) كما روى عنه الشيخان.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ١ / ٢٣١ ]
وعن «١» أنس «٢» ﵁: أَنَّ رَجُلًا «٣» سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فرجع إلى قومه، وَقَالَ: أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لا يخشى فاقة.
- وأعطى غير واحد «٤» مئة من الإبل.
- وأعطى «٥» صفوان مئة ثم مئة.
وَهَذِهِ كَانَتْ خُلُقُهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ «٦» بْنُ نَوْفَلٍ: إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ «٧»، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ.
_________________
(١) كما رواه مسلم.
(٢) تقدمت ترجمته ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) هو صفوان بن أمية الجمحي القرشي.
(٤) كأبي سفيان، وابنه معاوية، ويزيد، ومع مئة كل واحد أوقية.. وكحكيم بن حزام، والحارث بن هشام.
(٥) كما رواه مسلم. وصفوان بن أمية الجمحي القرشي، كنيته أبو وهب اسلم يوم الفتح شهد حنينا والطائف وهو مشرك فلما أعطاه النبي ﷺ ما أعطاه قال: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي فأسلم، روى له أصحاب الكتب الستة توفي في خلافة سيدنا معاوية بمكة سنة ٤٢ هـ.
(٦) هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى من أعقل أهل زمانه وأعلمهم، شاعر بليغ، تهود ثم تنصر وكان مترهبا، وآمن بنبوته ﷺ ولكنه لم يدرك زمن الرسالة ولذا فإن الاكثر على أنه صحابي. رآه النبي ﷺ في منامه في الجنة.
(٧) هذا بعض حديث صحيح رواه الشيخان. لكن قال السيوطي ﵀ في تخريجه: القائل له ﷺ هذا، إنما هو خديجة ﵂، والذي في صحيح البخاري وغيره أنه من قول خديجة.
[ ١ / ٢٣٢ ]
- ورد على هوازن «١» سباياها، وكانت سِتَّةَ آلَافٍ.
- وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ «٢» مِنَ الذَّهَبِ مَا لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ «٣» .
- وَحُمِلَ «٤» إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فقسمها، فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا.
- وَجَاءَهُ «٥» رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ، فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ قَضَيْنَاهُ» .
فَقَالَ له عمر «٦» ﵁: مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ «٧» مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا،
فتبسم ﷺ، وَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وجهه «٨»، وقال: «بهذا أمرت»
_________________
(١) قبيلة تسكن منطقة حنين
(٢) مرت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .
(٣) كما رواه البخاري عن أنس تعليقا.
(٤) على ما رواه أبو الحسن ابن الضحاك في شمائله عن الحسن مرسلا.
(٥) كما رواه الترمذي في شمائله، وقال الحلبي: هذا الرجل لا أعرفه.
(٦) مرت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٧) هو بلال، ولكنه من المهاجرين، وقد يجمع بأنهما قالا له
(٨) تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
[ ١ / ٢٣٣ ]
ذَكَرَهُ «١» التِّرْمِذِيُّ «٢» وَذُكِرَ «٣» عَنْ مُعَوِّذِ «٤» بْنِ عَفْرَاءَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ- يُرِيدُ طَبَقًا-، وَأُجْرِ زُغْبٍ «٥» - يُرِيدُ قِثَّاءً- فَأَعْطَانِي مِلْءَ كَفِّهِ حُلِيًّا وَذَهَبًا.
قال «٦» أنس «٧» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ.
- والخبر بجوده ﷺ وكرمه كثير.
وعن «٨» أبي هريرة ﵁: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ، فَاسْتَلَفَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نصف وسق، فجاء يَتَقَاضَاهُ فَأَعْطَاهُ وَسْقًا، وَقَالَ: «نِصْفُهُ قَضَاءٌ وَنِصْفُهُ نائل» .
_________________
(١) في كتاب الشمائل.
(٢) مرت ترجمته في ص «١٨١» رقم «٤» .
(٣) ذكره الترمذي في شمائله أيضا، وأخرجه الطبراني وأحمد عن الربيع بنت معوذ، وسنده حسن.
(٤) هو معوذ بن الحرث الأنصاري، تعاون مع أخيه في قتل عدو الله أبي جهل واستشهد في غزوة بدر نفسها.
(٥) زغب: صغار الريش.
(٦) فيما رواه الترمذي.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٨) هذا الحديث لا يعرف من رواه. وأبو هريرة تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
[ ١ / ٢٣٤ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ
وَأَمَّا الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ.
- فَالشَّجَاعَةُ: فَضِيلَةُ قُوَّةِ الْغَضَبِ وَانْقِيَادِهَا لِلْعَقْلِ.
- وَالنَّجْدَةُ: ثِقَةُ النَّفْسِ عِنْدَ اسْتِرْسَالِهَا إِلَى الْمَوْتِ، حَيْثُ يُحْمَدُ فِعْلُهَا دُونَ خَوْفٍ.
وَكَانَ ﷺ بالمكان الذي لا يجهل، وقد حَضَرَ الْمَوَاقِفَ الصَّعْبَةَ، وَفَرَّ الْكُمَاةُ «١» وَالْأَبْطَالُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ لَا يَبْرَحُ، وَمُقْبِلٌ لَا يُدْبِرُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ، وَمَا شُجَاعٌ إِلَّا وَقَدْ أُحْصِيَتْ لَهُ فَرَّةٌ، وَحُفِظَتْ عَنْهُ جَوْلَةُ، سواه.
_________________
(١) الكماة: جمع كمي، وهو الشجاع المكمى في سلاحه والساتر لنفسه بدرعه.
[ ١ / ٢٣٥ ]
عن أبي إسحق «١»: سَمِعَ الْبَرَاءَ «٢» وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟!
قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ «٣» .
ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو «٤» سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا النبي لا كذب» .
وزاد غَيْرُهُ «٥» «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ» .
قِيلَ: فَمَا رؤي يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بغلته.
وذكر مسلم «٦» عن العباس «٧» ﵄ قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) أبو اسحق عمرو بن عبد الله السبعي الهمداني الكوفي تابعي جليل أحد أعلام الحديث أخذه عن عدة من الصحابة والتابعين، كان صواما قواما غازيا. أخرج له أصحاب الكتب الستة وله ترجمة في الميزان توفي سنة ١٢٧ هـ.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٤» .
(٣) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد ومسلم في المغازي والنسائي في السير.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٢٩» رقم «١» .
(٥) غير البراء.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٥٨» رقم «٢» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .
[ ١ / ٢٣٦ ]
يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الْكُفَّارِ وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِهَا، أكفها إرادة أن لا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ، ثُمَّ نَادَى «يا للمسلمين» الحديث.
وَقِيلَ «١»: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَضِبَ- وَلَا يَغْضَبُ إِلَّا لِلَّهِ- لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ «٢» ابْنُ عُمَرَ «٣» ﵄: مَا رَأَيْتُ أَشْجَعَ وَلَا أَنْجَدَ وَلَا أَجْوَدَ ولا أرضى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ «٤» عَلِيٌّ «٥» ﵁: إِنَّا كُنَّا إِذَا حَمِيَ الْبَأْسُ- وَيُرْوَى اشْتَدَّ الْبَأْسُ- وَاحْمَرَّتِ الحدق، اتقينا برسول الله ﷺ فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا.
وقيل: كان الشجاع هو الذي يقرب مِنْهُ ﷺ إِذَا دَنَا العدو لقربه منه.
_________________
(١) كما في حديث ابن ابي هالة.
(٢) كما رواه الدارمي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٤) كما رواه أحمد والنسائي والطبراني والبيهقي، وأخرج مسلم بعضه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
[ ١ / ٢٣٧ ]
وعن «١» أنس «٢» ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ.
لَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راجعا، قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الْخَبَرَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي «٣» طَلْحَةَ عُرْيٍ، وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
«لَنْ تُرَاعُوا» .
وَقَالَ «٤» عِمْرَانُ «٥» بْنُ حُصَيْنٍ: مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتِيبَةً إِلَّا كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَضْرِبُ.
- وَلَمَّا رَآهُ «٦» أُبَيُّ بْنُ «٧» خلف يوم أحد، وهو يقول: أين
_________________
(١) كما في حديث الشيخين.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي، كان من فضلاء الصحابة وهو زوج أم سليم، وكان يرمي بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ في أحد توفي سنة ٥٠ هـ.
(٤) كما رواه أبو الشيخ في الأخلاق.
(٥) عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ويكنى أبا عبيد وكان اسلامه عام خيبر وغزا عدة غزوات وكان صاحب راية خزاعة. وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم توفي سنة ٥٢ هـ..
(٦) على ما رواه ابن سعد والبيهقي وعبد الرزاق مرسلا، والواقدي موصولا.
(٧) أبي بن خلف: من المؤذين للنبي ﷺ في مكة وهو الذي استثار عقبة بن أبي معيط حتى تفل في وجه النبي ﷺ فنزلت: «يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى -
[ ١ / ٢٣٨ ]
مُحَمَّدٌ؟ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا وَقَدْ كَانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ افْتَدَى يَوْمَ بَدْرٍ: عِنْدِي فَرَسٌ أَعْلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرَقًا «١» مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهَا.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: ﷺ «أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَلَمَّا رَآهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَدَّ أُبَيٌّ عَلَى فَرَسِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاعْتَرَضَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَكَذَا» أَيْ خَلُّوا طَرِيقَهُ، وَتَنَاوَلَ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ «٢» بْنِ الصِّمَّةِ، فَانْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً تَطَايَرُوا عَنْهُ تَطَايُرَ الشُّعَرَاءِ «٣» عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ «٤» مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا وَقِيلَ: بَلْ كَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ.
فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ يَقُولُ: قتلني محمد.
_________________
(١) - يديه» الآية كما نزل فيه قوله تعالى: «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ» الآية.. وهو الذي قتله النبي ﷺ كما ورد هنا فصدق فيه: «أشقى الناس من قتل نبيا أو قتله نبي» .
(٢) مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا.
(٣) الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك، يذكره ابن اسحاق في البدريين من بني عامر بن مالك بن النجار. وقد قتل ﵁ شهيدا مع من بعثهم الرسول ﷺ مع عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة يوم بئر معونة وغدر بهم عامر على رأس أربعة من أحد.
(٤) الشعراء: ذباب أحمر او أزرق يقع على الحيوان فيؤذيه.
(٥) تدأدأ: تدحرج.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وهم يقولون: لا بأس عليك.
فقال: لو كان مابي بِجَمِيعِ النَّاسِ لَقَتَلَهُمْ. أَلَيْسَ قَدْ قَالَ «أَنَا أَقْتُلُكَ» !! وَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي.
فَمَاتَ بسرف «١»، في قفولهم إلى مكة.
_________________
(١) سرف: مكان على بعد ستة أميال من مكة كان فيه زواج ميمونة زوج النبي ﷺ في عمرة القضاء.
[ ١ / ٢٤٠ ]
الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ الْحَيَاءُ وَالْإِغْضَاءُ
وَأَمَّا الْحَيَاءُ وَالْإِغْضَاءُ
- فَالْحَيَاءُ: رِقَّةٌ تَعْتَرِي وَجْهَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ فِعْلِ مَا يَتَوَقَّعُ كَرَاهِيَتَهُ، أَوْ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ خَيْرًا مِنْ فِعْلِهِ.
- وَالْإِغْضَاءُ: التَّغَافُلُ عَمَّا يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ بِطَبِيعَتِهِ.
- وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً، وَأَكْثَرَهُمْ عَنِ العورات إغضاء.
قال الله تعالى: «إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ» «١» الآية..
عَنْ «٢» أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «٣» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) «وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ» الأحزاب «٥٣» .
(٢) كما رواه أبو داوود
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .
[ ١ / ٢٤١ ]
أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا. وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ.
وَكَانَ ﷺ لَطِيفَ الْبَشَرَةِ، رَقِيقَ الظَّاهِرِ، لَا يُشَافِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُهُ، حَيَاءً، وَكَرَمَ نَفْسٍ.
وَعَنْ «١» عَائِشَةَ «٢» ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ أَحَدٍ مَا يَكْرَهُهُ لَمْ يَقُلْ: مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ كَذَا وَلَكِنْ يَقُولُ:
«مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَصْنَعُونَ أَوْ يَقُولُونَ كَذَا» يَنْهَى عَنْهُ، وَلَا يُسَمِّي فَاعِلَهُ.
وَرَوَى «٣» أَنَسٌ «٤» ﵁: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا- وَكَانَ لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُ- فَلَمَّا خَرَجَ، قَالَ: «لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَغْسِلُ هَذَا» وَيُرْوَى يَنْزِعُهَا.
قَالَتْ «٥» عائشة ﵂ فِي الصَّحِيحِ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ
_________________
(١) كما في الصحيحين وأخرجه الترمذي في الشمائل وابن ماجه في الزهد.
(٢) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٣) كما رواه ابو داوود.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٥) كما رواه الترمذي.
[ ١ / ٢٤٢ ]
فحّاشا، ولا متفحشا، ولا صخابا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.
وَقَدْ حُكِيَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ عن التوراة، من رِوَايَةِ ابْنِ سَلَامٍ «١» وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ «٢» عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ «٣»: أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَيَائِهِ لَا يُثَبِّتُ بَصَرَهُ فِي وَجْهِ أَحَدٍ وَأَنَّهُ كَانَ يُكَنِّي عَمَّا اضْطَرَّهُ الْكَلَامُ إِلَيْهِ مما يكره «٤» .
وَعَنْ «٥» عَائِشَةَ «٦» ﵂: مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قط
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٧٢» رقم «٣» .
(٣) أي عن النبي ﷺ في الاحياء وقال العراقي لم أعرف وروده في الأنباء.
(٤) قال السيوطي: حديث أنه كان يكني عما اضطره الكلام إليه معلوم من أحواله وأقواله في الأحاديث المشهورة.
(٥) رواه الترمذي في الشمائل.
(٦) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ١ / ٢٤٣ ]
الفصل السّادس عشر حسن العشرة والأدب وبسط الخلق
وَأَمَّا حُسْنُ عِشْرَتِهِ. وَأَدَبُهُ، وَبَسْطُ خُلُقِهِ ﷺ مَعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ فَبِحَيْثُ انْتَشَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ.
قَالَ «١» عَلِيٌّ «٢» ﵁ فِي وَصْفِهِ ﵊:
«كَانَ أَوْسَعَ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً، وألينهم عريكة «٣»، وأكرمهم عشرة.
عن قيس «٤» بن سعد ﵁ قال: «زارنا رسول الله
_________________
(١) في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي في شمائله.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٣) عريكة: طبيعة.
(٤) قيس بن سعد بن عبادة أبو عبد الله الخزرجي، كان صاحب الشرطة للنبي ﷺ، كان ضخما مفرط الطول نبيلا جميلا جوادا سيدا من ذوي الرأي والدهاء توفي في المدينة آخر خلافة معاوية.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ﷺ وَذَكَرَ قِصَّةً فِي آخِرِهَا- فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا، وَطِأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ:
يَا قَيْسُ، اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
قال قيس: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْكَبْ» فَأَبَيْتُ.
فَقَالَ: «إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ» فَانْصَرَفْتُ «١» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «ارْكَبْ أَمَامِي فَصَاحِبُ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدِّمِهَا» .
- وَكَانَ «٢» رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَلِّفُهُمْ، وَلَا يُنَفِّرُهُمْ، وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشْرَهُ، وَلَا خُلُقَهُ. يَتَعَهَّدُ أَصْحَابَهُ، وَيُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ، ولا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ.
- مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَارَبَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يكون هو المنصرف عنه.
_________________
(١) الحديث رواه أبو داوود في الادب والنسائي في اليوم والليلة.
(٢) كما في شمائل الترمذي من حديث هند بن أبي هالة.
[ ١ / ٢٤٥ ]
- وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أو بميسور من القول. وقد وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَبًا، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، بِهَذَا وَصَفَهُ ابْنُ أَبِي «١» هَالَةَ قَالَ: وَكَانَ دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ، ولا صخّاب وَلَا فَحَّاشٍ، وَلَا عَيَّابٍ، وَلَا مَدَّاحٍ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي، وَلَا يُؤَيِّسُ مِنْهُ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» «٢» وقال تعالى:
«ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» «٣» الْآيَةَ.
- وَكَانَ «٤» يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ، وَيَقْبَلُ «٥» الْهَدِيَّةَ، ولو كانت كراعا «٦»، ويكافيء عليها.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٤» .
(٢) سورة آل عمران «١٥٩» .
(٣) « فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» سورة فصلت «٣٤» .
(٤) على ما رواه ابن سعد مرسلا.
(٥) على ما رواه البخاري.
(٦) الكراع: بالضم في البقر والغنم وهو مستدق الساق.
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال «١» أنس «٢» ﵁: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ «٣» فَمَا قَالَ لِي: «أُفٍّ» قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ:؟!، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟!.
وَعَنْ «٤» عَائِشَةَ «٥» ﵂: مَا كَانَ أَحَدٌ أَحْسَنُ خُلُقًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا قَالَ: «لَبَّيْكَ» .
وَقَالَ «٦» جَرِيرُ «٧» بن عبد الله ﵁: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ.
- وَكَانَ يُمَازِحُ «٨» أَصْحَابَهُ، وَيُخَالِطُهُمْ، وَيُحَادِثُهُمْ، وَيُدَاعِبُ
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) وفي رواية لمسلم تسع سنين.
(٤) كما رواه أبو نعيم في دلائل النبوة بسند واه.
(٥) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٦) رواه الشيخان.
(٧) جرير بن عبد الله البجلي سيد قومه قدم على النبي ﷺ سنة ١٠ من الهجرة فقال عنه: يطلع عليكم خير ذي يمن، كان جميلا حتى قال عنه سيدنا عمر إنه يوسف هذه الأمة كان له اثر عظيم في فتح القادسية ثم سكن جزيرة الكوفة مات سنة ٥١ هـ.
(٨) كما رواه الترمذي في باب مزاحه ﷺ.
[ ١ / ٢٤٧ ]
صِبْيَانَهُمْ، وَيُجْلِسُهُمْ فِي حِجْرِهِ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ «١» وَالْأَمَةِ وَالْمِسْكِينِ، وَيَعُودُ الْمَرْضَى فِي أَقْصَى المدينة، ويقبل عذر المعتذر «٢» .
قال «٣» أنس «٤» ﵁: مَا الْتَقَمَ أَحَدٌ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرجل هو الذي يحني رَأْسَهُ، وَمَا أَخَذَ أَحَدٌ بِيَدِهِ، فَيُرْسِلُ يَدَهُ حتى يرسلها الآخذ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ.
وَكَانَ «٥» يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَيَبْدَأُ أصحابه بالمصافحة، لم يُرَ «٦» قَطُّ مَادًّا رِجْلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ حَتَّى يُضَيِّقَ بِهِمَا عَلَى أَحَدٍ، يُكْرِمُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا بَسَطَ لَهُ ثَوْبَهُ، وَيُؤْثِرُهُ بِالْوِسَادَةِ الَّتِي تَحْتَهُ، وَيَعْزِمُ عَلَيْهِ فِي الْجُلُوسِ عَلَيْهَا إن أبى، ويكني أصحابه، ويدعوهم
_________________
(١) كان يجيب دعوة العبد. أخرجه البزار عن جابر والترمذي وابن ماجه عن أنس ﵄.
(٢) هذا من المعلوم والصحيح في قصة المتخلفين عن غزوة تبوك.
(٣) رواه أبو داوود والترمذي والبيهقي عنه. والبزار عنه أبي هريرة وابن عمر ﵄.
(٤) تقدمت ترجمتة في ص «٤٧» رقم «١» .
(٥) على ما في حديث ابن أبي هالة، وأخرج أبو داوود عن أبي ذر مثله.
(٦) كما رواه الدارقطني في غريب مالك وضعفه.
[ ١ / ٢٤٨ ]
بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِمْ، تَكْرِمَةً لَهُمْ، وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ، حَتَّى يَتَجَوَّزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ- وَيُرْوَى بِانْتِهَاءٍ أَوْ قِيَامٍ- وَرُوِيَ «١»:
أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، إِلَّا خَفَّفَ صَلَاتَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَاجَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى صَلَاتِهِ.
- وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا، وَأَطْيَبَهُمْ نَفْسًا، مَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أَوْ يَعِظْ، أَوْ يَخْطُبْ.
وَقَالَ «٢» عَبْدُ اللَّهِ «٣» بْنُ الْحَارِثِ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وعن «٤» أنس «٥» ﵁: كان خدم المدينة يأتون رسول
_________________
(١) لم يجد له العراقي أصلا وفي الصحيح: إني لأقوم إلى الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهة أن أشق عليه فلو أورده المصنف لكان أظهر.
(٢) على ما رواه أحمد والترمذي بسند حسن في المناقب من الجامع، وهو في الشمائل أيضا.
(٣) عبد الله بن الحارث الزبيري سكن مصر وكان آخر من مات من الصحابة فيها في بلدة تسمى سفط وذلك سنة ٨٥ هـ.
(٤) رواه مسلم.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «٦» .
[ ١ / ٢٤٩ ]
اللَّهِ ﷺ، إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ، بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِآنِيَةٍ أَلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ في الغداة الباردة، يريدون «١» به التبرك.
_________________
(١) لعل زيادة «يريدون به التبرك» من زيادة المصنف فإن البغوي رحمه الله تعالى رواه في مصابيحه بدون هذه الزيادة.
[ ١ / ٢٥٠ ]
الفصل السّابع عشر الشفقة والرّحمة
وَأَمَّا الشَّفَقَةُ وَالرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ:
«عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» «١» .
وَقَالَ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٢» .
قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ فَضْلِهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ اسْمَيْنِ مِنْ أسمائه، فقال: «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» .
وحكى الإمام «٣» أبو بكر بن فورك نحوه.
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ «٤» قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غزوة، وذكر
_________________
(١) سورة يونس «١٢٨» .
(٢) سورة الانبياء «١٥٧» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١١٩» رقم «٤» .
(٤) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري فقيه محدث من الاعلام التابعين رأى عشرة من الصحابة، كتب عمر بن عبد العزيز الى الآفاق عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه توفي سنة ١٢٤ هـ.
[ ١ / ٢٥١ ]
حُنَيْنًا، قَالَ: فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفوان «١» بن أمية مئة من النعم، ثم مئة، ثم مئه،
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ «٢»: حَدَّثَنَا سَعِيدُ «٣» بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ صَفْوَانَ «٤» قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ.
وَرَوِيَ «٥»: أَنَّ أَعْرَابِيًا جَاءَهُ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ قَالَ:
«أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ»؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا، وَلَا أَجْمَلْتَ فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ وَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كُفُّوا، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فأرسل إليه ﷺ وَزَادَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ «أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ» قَالَ: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «إنك قلت ما قلت، وفي نفس أَصْحَابِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا قُلْتَ بَيْنَ يَدَيَّ، حَتَّى يذهب
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٢» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٣) سعيد بن المسيب بكسر الياء المشددة امام التابعين وسيدهم جمع بين الفقه والحديث والعبادة والورع. روي عنه أنه صلّى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة، وقال ما فاتتني التكبيرة الاولى وما نظرت إلى قفاء رجل في الصلاة منذ خمسين سنة، ولد لسنتين مضتامن خلافة عمر وتوفي بالمدينة سنة ٩١ هـ.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٢» رقم «٥» .
(٥) رواه البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بسند ضعيف. وكذا ابن حيان وغيره.
[ ١ / ٢٥٢ ]
مَا فِي صُدُورِهِمْ عَلَيْكَ» قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، أَوِ الْعَشِيُّ، جَاءَ، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قَالَ فَزِدْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ. أَكَذَلِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خيرا.
فقال النبي ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُ هَذَا رَجُلٍ لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَأَتْبَعَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَزِيدُوهَا إِلَّا نُفُورًا، فَنَادَاهُمْ صَاحِبُهَا: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ نَاقَتِي فَإِنِّي أَرْفَقُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْلَمُ، فَتَوَجَّهَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا، فَأَخَذَ لَهَا مَنْ قُمَامِ الْأَرْضِ، فَرَدَّهَا، حَتَّى جَاءَتْ وَاسْتَنَاخَتْ، وَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا وَاسْتَوَى عَلَيْهَا.
وَإِنِّي لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ فَقَتَلْتُمُوهُ دخل النار» .
وروي «١» عنه ﷺ: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» .
- وَمِنْ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ ﷺ تخفيفه وتسهله عَلَيْهِمْ، وَكَرَاهَتُهُ أَشْيَاءَ مَخَافَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
_________________
(١) هو مروي من طريق أبي داوود والترمذي عن ابن مسعود ﵁.
[ ١ / ٢٥٣ ]
كَقَوْلِهِ «١» ﵊: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» «٢» .
- وَخَبَرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ «٣»، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْوِصَالِ «٤»، وَكَرَاهَتُهُ دُخُولَ الْكَعْبَةِ «٥» لِئَلَّا تَتَعَنَّتَ أُمَّتُهُ، وَرَغْبَتُهُ لِرَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَ سَبَّهُ وَلَعْنَهُ لَهُمْ رَحْمَةً بِهِمْ، وَأَنَّهُ «٦» كَانَ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِهِ.
- وَمِنْ شَفَقَتِهِ ﷺ أَنْ دَعَا رَبَّهُ وَعَاهَدَهُ.
فَقَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ سَبَبْتُهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً ورحمة، وصلاة وطهورا، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» «٧»
_________________
(١) كما رواه الشيخان.
(٢) وفي مسلم عند كل صلاة وهذا الحديث رواه أصحاب الكتب الستة.
(٣) لعله أراد خبر الشيخين في قيام الليل: خذوا من العمل ما تطيقون. اذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فان احدكم اذا صلّى وهو ناعس لا يدري لعله يريد يستغفر الله فيسب نفسه أو ما روياه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حيث قال: وأما انا فارقد وأقوم واصلي ومنعه من قيام الليل.
(٤) كما رواه الشيخان.
(٥) رواه أبو داوود والترمذي، وصححه.
(٦) رواه الشيخان عن أنس ﵁.
(٧) رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وروي هذا الحديث من طرق أخرى.
[ ١ / ٢٥٤ ]
- وَلَمَّا كَذَّبَهُ «١» قَوْمُهُ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَمَرَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَاهُ مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ:
مُرْنِي بما شئت، إن شئت أن أطلق عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .
وَرَوَى «٢» ابْنُ الْمُنْكَدِرِ «٣»: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ أَنْ تُطِيعَكَ فَقَالَ: «أُؤَخِّرُ عَنْ أُمَّتِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» .
قَالَتْ «٤» عَائِشَةُ «٥» ﵂: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اختار أيسرهما.
_________________
(١) رواه الشيخان وأصحاب الكتب الستة.
(٢) الحديث مرسل، إلا انه مما لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الموصول، ولا سيما يعضده الحديث السابق في الصحيحين.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٣١» رقم «١» .
(٤) الحديث مر الكلام عليه.
(٥) تقدمت ترجمتها في ص (١٤٦) رقم (٥) .
[ ١ / ٢٥٥ ]
قال «١» ابْنُ مَسْعُودٍ «٢» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
وَعَنْ «٣» عَائِشَةَ «٤»: أَنَّهَا رَكِبَتْ بَعِيرًا وَفِيهِ صُعُوبَةٌ فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ» .
_________________
(١) فيما رواه الشيخان.
(٢) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب حليف بني زهرة، اسلم قديما، وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها، ولازم النبي ﷺ، وكان صاحب نعليه قال بحقه النبي ﷺ «تمسكو بعهد ابن ام عبد» توفي سنة ٣٢ هـ بالمدينة المنورة.
(٣) هذا الحديث أخرجه البيهقي في سننه عن المقدام عن أبيه عن عائشة ﵂ وبعضه في مسلم.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ١ / ٢٥٦ ]
الفصل الثامن عشر الوفاء وحسن العهد وصلة الرّحم
وَأَمَّا خُلُقُهُ ﷺ فِي الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم:
فعن «١» عبد الله بن الْحَمْسَاءِ قَالَ «٢»: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْعٍ، قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ فَنَسِيتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَجِئْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: «يَا فَتَى لَقَدْ شققت عليّ، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» .
وعن «٣» أنس «٤» ﵁ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أتي بهدية،
_________________
(١) هذا الحديث رواه أبو داوود وهو من افراده، وأخرجه أيضا ابن منده في المعرفة، والخرائطي في مكارم الاخلاق.
(٢) العامري الصحابي وقد قيل إنه عبد الله بن أبي الجدعاء التميمي ويقال الكناني الذي ذكره البخاري في الصحابة.
(٣) كما رواه البخاري في الادب المفرد.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
[ ١ / ٢٥٧ ]
قَالَ: اذْهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِ فُلَانَةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ صَدِيقَةً لِخَدِيجَةَ، إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ خَدِيجَةَ.
وعن «١» عائشة «٢» ﵂: قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَإِنْ كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها.
- وَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا «٣»، فَارْتَاحَ إِلَيْهَا «٤» .
- وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَهَشَّ لَهَا، وَأَحْسَنَ السُّؤَالَ عَنْهَا فَلَمَّا خَرَجَتْ، قَالَ: «إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ «٥»» .
وَوَصَفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: كَانَ يَصِلُ ذَوِي رَحِمِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْثِرَهُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ آلَ بني فلان ليسوا لي
_________________
(١) كما في الصحيحين.
(٢) تقدمت ترجمتها في ص (١٤٦) رقم (٥) .
(٣) وهي هالة بنت خويلد بن اسد ام ابي العاص بن الربيع، زوج زينب بنته ﷺ.
(٤) وهذا الحديث في البخاري.
(٥) رواه الحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا.
[ ١ / ٢٥٨ ]
بِأَوْلِيَاءَ، غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» «١» .
- وقد «٢» صلى ﵊ بأمامة «٣» ابنة ابنته زينب «٤» يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قام حملها.
وعن «٥» أبي قتادة «٦»: جاء وَفْدٌ لِلنَّجَاشِيِّ «٧» فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْدِمُهُمْ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: نَكْفِيكَ.
فَقَالَ: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أُكَافِئَهُمْ» .
- وَلَمَّا جِيءَ بِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ الشَّيْمَاءِ «٨» فِي سَبَايَا هَوَازِنَ، وَتَعَرَّفَتْ لَهُ، بَسَطَ لَهَا رداءه، وقال لها: «إن احببت أقمت
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) رواه الشيخان.
(٣) وهي بنت أبي العاص بن الربيع وكان ﷺ يحبها وتزوجها علي كرم الله وجهه بعد فاطمة ﵂ ثم تزوجها بعده المغيرة بن نوفل فماتت عنده.
(٤) هي أكبر بناته ﷺ تزوجها أبو العاص بن الربيع ابن خالتها أسر في بدر مع من أسر من المشركين وأطلقه رسول الله ﷺ، أسلم سنة سبع من الهجرة فرد النبي ﷺ عليه زينب بالنكاح الأول توفيت في حياة النبي ﷺ سنة ٨ هـ.
(٥) كما رواه البيهقي.
(٦) الحارث بن ربعي الصحابي الأنصاري فارس رسول الله ﷺ روى له أحمد وأصحاب السنن توفي سنة ٥٤ هـ.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٦٤» رقم «٢» .
(٨) واسمها جدامة وهي بنت حليمة السعدية وقيل أختها، أسلمت وأسلم أبوها الحارث حين قدم الى مكة المكرمة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
عندي مكرمة محبة، أَوْ مَتَّعْتُكِ وَرَجَعْتِ إِلَى قَوْمِكِ» . فَاخْتَارَتْ قَوْمَهَا فَمَتَّعَهَا «١» .
وَقَالَ «٢» أَبُو الطُّفَيْلِ «٣»: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ «٤»، وَأَنَا غُلَامٌ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ مِنْهُ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: أُمُّهُ التي أرضعته.
وعن «٥» عمرو بْنِ السَّائِبِ «٦»: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا، فَأَقْبَلَ أَبُوهُ «٧» مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أقبل أخوه «٨» من الرضاعة، فقام ﷺ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
_________________
(١) الحديث رواه ابن اسحق والبيهقي.
(٢) رواه ابو داوود بسند حسن.
(٣) هو عامر بن واثلة وقد تقدمت ترجمته في ص «١٤٧» رقم «٢» .
(٤) وكان بالجعرانة يقسم لحما.
(٥) رواه أبو داوود مرسلا عنه.
(٦) من أجلة التابعين والثقات روى عن أسامة بن زيد وروى عنه جماعة وأخرج له أبو داوود.
(٧) هو الحارث بن عبد العزى، واختلف في اسلامه.
(٨) هو عبد الله بن الحارث.
[ ١ / ٢٦٠ ]
- وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَى ثُوَيْبَةَ «١»، مَوْلَاةِ أَبِي لَهَبٍ «٢» مُرْضِعَتِهِ بِصِلَةٍ وَكِسْوَةٍ، فَلَمَّا مَاتَتْ سَأَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْ قَرَابَتِهَا، فَقِيلَ: لَا أَحَدَ «٣»
وَفِي حَدِيثِ «٤» خَدِيجَةَ «٥» ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ له ﷺ: أبشر، فو الله لا يخزيك اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ «٦»، وتكسب المعدوم وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق.
_________________
(١) وهي جارية معتقة لأبي لهب أسلمت، وماتت بمكة بعد هجرته ﵊
(٢) ابو لهب عم النبي ﷺ واسمه عبد العزى وكنى بذلك لتوقد لونه وذكر القرآن بهذه الكنية للاشارة إلى انه جهنمي. مات بعد غزوة بدر.
(٣) الحديث رواه ابن سعد عن الواقدي عن غير واحد من أهل العلم.
(٤) كما رواه الشيخان.
(٥) الزوجة الاولى للنبي ﷺ وهي التي حملت معه الكثير من اعباء الدعوة الى الله تعالى في اول رسالته افضل نسائه ﵊ لما قاسته من الآلام وكابدته من العناء حتى ماتت ﵂ بعد حصار المسلمين في شعب بني هاشم وقبل الهجرة الى المدينة.
(٦) الكل: ثقيل الحمل، العاجز عن تحمله.
[ ١ / ٢٦١ ]
الفصل التّاسع عشر التواضع
وَأَمَّا تَوَاضُعُهُ ﷺ، عَلَى عُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَرِفْعَةِ رُتْبَتِهِ، فَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا وَأَعْدَمَهُمْ كِبْرًا.
- وَحَسْبُكَ أَنَّهُ «١» خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا، أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا، فَقَالَ لَهُ إِسْرَافِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ:
فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ بِمَا تَوَاضَعْتَ لَهُ أَنَّكَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «٢»، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ، وأول شافع.
وعن «٣» أبي أمامة «٤» قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) رواه أحمد والبيهقي.
(٢) رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(٣) هذا الحديث رواه أبو داوود وابن ماجه مسندا.
(٤) الباهلي والسهمي وهو صدي بن عجلان بن وهب أخرج له الستة وهو من بقايا الصحابة بحمص توفي سنة ٨١ هـ.
[ ١ / ٢٦٢ ]
مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَا، فَقُمْنَا لَهُ، فَقَالَ: «لَا تقوموا كما يقوم الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» .
وَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» .
- وَكَانَ ﷺ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَعُودُ الْمَسَاكِينَ، وَيُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ، وَيَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مُخْتَلِطًا بِهِمْ، حَيْثُمَا انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ «١» جَلَسَ.
وفي «٢» حديث عمر «٣» ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
«لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ. إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا:
عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» .
وَعَنْ «٤» أَنَسٍ «٥» ﵁: أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ جَاءَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً، قَالَ اجْلِسِي يا أم فلان، في
_________________
(١) كما في حديث هند بن أبي هالة.
(٢) على ما روى البخاري.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٤) رواه مسلم.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
[ ١ / ٢٦٣ ]
أَيِّ طُرُقِ الْمَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسُ إِلَيْكِ حَتَّى أَقْضِيَ حَاجَتَكِ» قَالَ:
فَجَلَسَتْ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهَا حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حاجتها.
قال «١» أنس «٢» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ.
- وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حِمَارٍ مخطوم «٣» بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ «٤»، قَالَ: وَكَانَ يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ وَالْإِهَالَةِ «٥» السَّنِخَةِ فَيُجِيبُ.
قَالَ «٦»: وَحَجَّ ﷺ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ مَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دراهم، فقال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةً»
- هَذَا، وَقَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَأَهْدَى «٧» فِي حَجِّهِ ذَلِكَ مئة بدنة
_________________
(١) رواه أبو داوود والبيهقي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) محظوم: أي في رأسه خطام وهو الزمام.
(٤) اكاف: بردعة.
(٥) الاهالة: كل ما يؤتدم به من إدام. وقيل الشحم والالية المذابه.
(٦) اي أنس.
(٧) كما روى مسلم عنه.
[ ١ / ٢٦٤ ]
- وَلَمَّا «١» فُتِحَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ، وَدَخَلَهَا بِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ طأطأ على رحله رأسه حتى كاديمس قَادِمَتَهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى.
- وَمِنْ تَوَاضُعِهِ ﷺ.
قَوْلُهُ «٢»: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يونس «٣» بن مَتَّى، وَلَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا تُخَيِّرُونِي «٤» عَلَى مُوسَى «٥» وَنَحْنُ «٦» أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَلَوْ لَبِثْتُ مَا لَبِثَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ «٧»» .
وَقَالَ «٨»: لِلَّذِي قَالَ لَهُ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ» وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَعْدَ هَذَا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى-.
_________________
(١) رواه ابن اسحق والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها. والحاكم والبيهقي وأبو يعلى عن أنس ﵁.
(٢) قال الشيخ الجليل جلال الدين السيوطي ﵀: لم أقف عليه بهذا اللفظ، والذي في البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بن متى. وفي سنن أبي داوود: ما ينبغي لنبي أن يقول: أنا أفضل من يونس بن متى. وفي الصحيحين (لعبد) بدل (لنبي) .
(٣) وهو نبي من أنبياء الله ورسله وهو صاحب الحوت الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في مواطن عدة.
(٤) رواه الشيخان مع سببه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٢» .
(٦) رواه الشيخان.
(٧) الداعي: هو رسول الملك.
(٨) رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وعن «١» عائشة «٢» والحسن «٣» وأبي سعيد «٤» وغيرهم ﵃: في صفته.. وبعضهم يزيد على بعض: كان في بيته في مهنة أهله، يغلي ثَوْبَهُ، وَيَحْلِبُ شَاتَهُ، وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ، وَيَقُمُّ الْبَيْتَ، وَيَعْقِلُ الْبَعِيرَ وَيَعْلِفُ نَاضِحَهُ، وَيَأْكُلُ مَعَ الْخَادِمِ، وَيَعْجِنُ مَعَهَا وَيَحْمِلُ بِضَاعَتَهُ مِنَ السُّوقِ.
وَعَنْ «٥» أَنَسٍ «٦» ﵁: إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا.
- وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَصَابَتْهُ مِنْ هَيْبَتِهِ رِعْدَةٌ.
فَقَالَ لَهُ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قريش تأكل القديد» «٧» .
_________________
(١) رواه البخاري وغيره.
(٢) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٣) اي البصري تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» وكان حقه أن يقدم أبا سعيد على الحسن البصري الا أن يكون الحسن بن علي. ولكن قاعدة المحدثين اذا أطلق الحسن اريد به البصري.
(٥) رواه البخاري في الأدب تعليقا ووصله ابن ماجه.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٧) الحديث تقدم.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وَعَنْ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» ﵁: دَخَلْتُ السُّوقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ «٣»، وَقَالَ لِلْوَزَّانِ: زِنْ وَأَرْجِحْ
وَذَكَرَ الْقِصَّةَ. قَالَ «٤»: فَوَثَبَ إِلَى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَبِّلُهَا، فَجَذَبَ يَدَهُ، وَقَالَ: «هَذَا تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ بِمُلُوكِهَا، وَلَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ،» .
ثُمَّ أَخَذَ السَّرَاوِيلَ فَذَهَبْتُ لِأَحْمِلَهُ فَقَالَ: «صَاحِبُ الشَّيْءِ أَحَقُّ بِشَيْئِهِ أَنْ يحمله» .
_________________
(١) رواه الطبراني في الاوسط بسند ضعيف.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) فارسي معرب.
(٤) أبو هريرة.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الفصل العشرون العدل والأمانة والعفّة وصدق اللهجة
وَأَمَّا عَدْلُهُ ﷺ، وَأَمَانَتُهُ، وَعِفَّتُهُ وَصِدْقُ لَهْجَتِهِ، فَكَانَ ﷺ آمَنَ النَّاسِ، وَأَعْدَلَ النَّاسِ، وَأَعَفَّ النَّاسِ، وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً مُنْذُ كَانَ، اعْتَرَفْ لَهُ بِذَلِكَ مُحَادُّوهُ «١» وَعِدَاهُ.
- وَكَانَ يُسَمَّى قَبْلَ نَبُّوتِهِ «الْأَمِينَ» .
قال «٢» ابن اسحق «٣»: كَانَ يُسَمَّى الْأَمِينَ، بِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الصَّالِحَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: «مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» «٤» .
أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: عَلَى أَنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
- وَلَمَّا «٥» اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ وَتَحَازَبَتْ عِنْدَ بناء الكعبة فيمن
_________________
(١) محادوه: مخالفوه.
(٢) رواه أحمد في مسنده والحاكم والطبراني عن علي كرم الله وجهه.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٧٢» رقم «٧» .
(٤) سورة التكوير (٢١) .
(٥) رواه أحمد والحاكم وصححه الطبراني وابن ماجة وابن راهويه وابن أبي أمامة
[ ١ / ٢٦٨ ]
يَضَعُ الْحَجْرَ، حَكَّمُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا بالنبي ﷺ دَاخِلٌ وَذَلِكَ قَبْلَ نبوته، فقالوا: هذا محمد. هذا الأمين، قد رضيناه بِهِ.
وَعَنِ الرَّبِيعِ «١» بْنِ خُثَيْمٍ: كَانَ يَتَحَاكَمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ «٢» .
وَقَالَ ﷺ «٣»: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَمِينٌ فِي السَّمَاءِ، أمين في الأرض» .
وعن «٤» عَلِيٍّ «٥» ﵁: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فأنزل الله تعالى:
«فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ «٦»» الْآيَةَ.
وَرَوَى غَيْرُهُ «٧»: لَا نُكَذِّبُكَ، وَمَا أَنْتَ فينا بمكذب.
_________________
(١) الربيع بن خثيم بن عابد روى عن ابن مسعود وأبي أيوب وروى عنه خلق كثير، كان ثقة عابدا، قال له ابن مسعود: لو رآك النبي ﷺ لأحبك، أخرج له أصحاب الكتب الستة توفي سنة ٦٧ هـ.
(٢) رواه ابن ابي شيبة في مسنده عن أبي رافع.
(٣) رواه الترمذي.
(٤) أي غير الترمذي زيادة عليه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٦) « وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» الأنعام (٣٣) .
(٧) رواه ابن سعد.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَقِيلَ «١»: إِنَّ الْأَخْنَسَ «٢» بْنَ شُرَيْقٍ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ «٣» يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الحكم: ليس هناك غَيْرِي وَغَيْرُكَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا، تُخْبِرُنِي عَنْ مُحَمَّدٍ، صادق هو أم كَاذِبٌ؟
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ. وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ.
وَسَأَلَ هِرَقْلُ «٤» عَنْهُ أَبَا سُفْيَانَ «٥»، فَقَالَ «٦»: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟. قَالَ لَا
وَقَالَ «٧» النَّضْرُ بْنُ «٨» الْحَارِثِ لِقُرَيْشٍ: قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلَامًا حَدَثًا، أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى
_________________
(١) أخرجه ابن اسحاق والبيهقي عن الزهري، وكذا ابن جرير عن السدي، والطبراني في الأوسط.
(٢) الأخنس بن شريق: هو أبي بن شريق بن عمرو الثقفي، سمي بالأخنس لأنه رجع ببني زهرة يوم بدر ثم أسلم، فكان من المؤلفة وشهد حنينا ومات في أول خلافة عمر.
(٣) عدو الله من أكبر المؤذين لرسول الله ﷺ. قتل يوم بدر، على يد معوذ ومعاذ ابني عفراء الأنصاريين.
(٤) ملك الروم آنئذ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٢٢٩» رقم «١» .
(٦) رواه الشيخان، والقصة مفصلة في أول البخاري.
(٧) رواه ابن اسحاق والبيهقي عن ابن عباس.
(٨) كان شديد العداوة للنبي ﷺ، أخذ أسيرا ببدر فأمر النبي ﷺ عليا فقتله بالصفراء بعد الواقعة.
[ ١ / ٢٧٠ ]
إِذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغَيْهِ الشَّيْبَ، وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ قُلْتُمْ: سَاحِرٌ!! لَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ..
وَفِي الْحَدِيثِ «١» عَنْهُ: مَا لَمَسَتْ يده يد امْرَأَةً قَطُّ لَا يَمْلِكُ رِقَّهَا وَفِي حَدِيثِ «٢» علي ﵁ فِي وَصْفِهِ ﷺ: أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً..
وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ «٣»: «وَيْحَكَ «٤» فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ.
خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ» .
قَالَتْ «٥» عَائِشَةُ «٦» ﵂: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أبعد الناس منه.
وقال أبو العباس «٧» المبرد:
_________________
(١) رواه الشيخان عن عائشة ﵂.
(٢) رواه الترمذي في شمائله.
(٣) في الحديث الصحيح وقد تقدم.
(٤) والذي في البخاري في باب الادب (ويلك) بدل (ويحك) . و(ويل) كلمة زجر وتوبيخ، و(ويح) كلمة ترحم، و(ويس) كلمة ترحم دونها وهو معنى قول الاحمصي أنها تصغيرهما.
(٥) على ما سبق من رواية الترمذي وغيره عنها.
(٦) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٧) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي شيخ أهل النحو والعربية في البصرة أخذ عن أبي عمرو الجرمي وأبي عثمان المازني صنف كتبا كثيرة أشهرها الكامل ومن أكبرها المقتضب ولد سنة ٢١٠ هـ وتوفي سنة ٢٨٥ هـ.
[ ١ / ٢٧١ ]
قَسَّمَ كِسْرَى «١» أَيَّامَهُ. فَقَالَ: يَصْلُحُ يَوْمُ الرِّيحِ لِلنَّوْمِ، وَيَوْمُ الْغَيْمِ لِلصَّيْدِ، وَيَوْمُ الْمَطَرِ لِلشُّرْبِ وَاللَّهْوِ، وَيَوْمُ الشَّمْسِ لِلْحَوَائِجِ.
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ «٢»: مَا كَانَ أَعْرَفَهُمْ بِسِيَاسَةِ دُنْيَاهُمْ، «يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ «٣»» .
- وَلَكِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ جَزَّأَ «٤» نهاره ثلاثة أجزاء، جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَكَانَ يَسْتَعِينُ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ وَيَقُولُ «٥»: «أَبْلِغُوا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغِي، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا أَمَّنَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ»
وَعَنِ «٦» الْحَسَنِ «٧»: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يأخذ أحدا
_________________
(١) ملك الفرس و«كسرى» لقب لكل من ملكهم.
(٢) محمد بن خالويه النحوي اللغوي الأديب الهمداني دخل بغداد ثم انتقل الى الشام أخذ عن ابن الأنباري والسيرافي وتصدر للافادة وله تآليف جليلة وشعر حسن مات بحلب سنة ٣٧٠ هـ.
(٣) سورة الروم «٧» .
(٤) حديث أنه جزأ نهاره هو بعض حديث هند بن أبي هالة ﵁.
(٥) رواه الطبراني في الكبير بسند حسن عن أبي الدرداء، ولفظه: ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة.. وكذا لفظ الترمذي في الشمائل برواية الحسن عن أخيه الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم.
(٦) رواه أبو داوود في مراسيله.
(٧) أي البصري تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
[ ١ / ٢٧٢ ]
بِقَرْفِ «١» أَحَدٍ، وَلَا يُصَدِّقُ أَحَدًا عَلَى أَحَدٍ.
وذكر «٢» أبو جعفر «٣» الطبري: عن علي «٤» ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٥»: «مَا هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ يَحُولُ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَا أُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بِسُوءٍ حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ.
قُلْتُ لَيْلَةً لِغُلَامٍ كَانَ يَرْعَى مَعِي: لَوْ أَبْصَرْتَ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ فَأَسْمُرَ «٦» بِهَا كَمَا يَسْمُرُ الشَّبَابُ، فخرجت لذلك حَتَّى جِئْتُ أَوَّلَ دَارٍ مِنْ مَكَّةَ سَمِعْتُ عَزْفًا بِالدُّفُوفِ وَالْمَزَامِيرِ لِعُرْسِ بَعْضِهِمْ، فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ فَضُرِبَ عَلَى أُذُنَيَّ فَنِمْتُ فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا. ثُمَّ عَرَانِي مَرَّةً أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ أهمّ بعد ذلك بسوء» .
_________________
(١) بقرف: بذنب.
(٢) رواه ابن راهويه في مسنده، والبيهقي في دلائله عن علي كرم الله وجهه.
(٣) وهو محمد بن جرير تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٥) اعاد المؤلف ذكر هذا الحديث هنا مع تقدمه لافادة زيادة قوله.
(٦) السمر: أصله ضوء القمر ثم أطلق على الحديث فيه.
[ ١ / ٢٧٣ ]
الفصل الحادي والعشرون الوقار والصّمت والتؤدة والمروءة وحسن الهدي
وَأَمَّا وَقَارُهُ ﷺ وَصَمْتُهُ وتؤدته ومروءته وحسن هديه.
فعن «١» عُمَرَ «٢» بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ وُهَيْبٍ: سَمِعْتُ خَارِجَةَ «٣» بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أو قر النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِ، لَا يَكَادُ يُخْرِجُ شَيْئًا من أطرافه.
وروى «٤» أبو سَعِيدٍ «٥» الْخُدْرِيِّ ﵁: كَانَ رَسُولُ ﷺ
_________________
(١) رواه أبو داوود مرسلا.
(٢) عمر بن عبد العزيز بن وهيب وهو أنصاري مولى لزيد بن ثابت أخرج له أبو داوود في المراسيل قال الذهبي في الميزان: لا يعرف..
(٣) خارجة بن زيد بن ثابت الانصاري المدني التابعي أحد فقهاء المدينة السبعة توفي سنة ٩٩ هـ.
(٤) رواه أبو داوود والترمذي في شمائله.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .
[ ١ / ٢٧٤ ]
إذا جلس في المجلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه ﷺ محتبيا.
وعن «١» جابر «٢» بن سمره وهو «٣» في حديث قيلة «٤»: أنه تربع، وربما جلس القرفصاء، وَكَانَ كَثِيرَ السُّكُوتِ، لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَّةٍ. يُعْرِضُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ جَمِيلٍ.
وَكَانَ «٥» ضحكه تبسما، وكلامه فصلا، لَا فُضُولَ وَلَا تَقْصِيرَ.
وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ التَّبَسُّمُ تَوْقِيرًا لَهُ وَاقْتِدَاءً بِهِ.
مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَخَيْرٍ وَأَمَانَةٍ، لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ وَلَا تُؤْبَنُ «٦» فِيهِ الْحُرَمُ إِذَا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ.
وَفِي صِفَتِهِ «٧»: يَخْطُو تَكَفُّؤًا «٨»، وَيَمْشِي هَوْنًا، كأنما ينحط من صبب «٩» .
_________________
(١) رواه مسلم وأبو داوود.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٨» .
(٣) رواه الترمذي.
(٤) قيلة بنت مخرمة العنبرية وقيل الغنوية، روت عنها حنفية ودحيبية ابنتا عليبة.
(٥) شمائل الترمذي.
(٦) تؤبن: لا ترمى بصريح ولا تذكر بقبيح.
(٧) كما في الشمائل.
(٨) تكفؤا: أي مائلا للامام.
(٩) صبب: منحدر.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وفي الحديث الآخر: إذا مَشَى مُجْتَمِعًا، يُعْرَفُ فِي مِشْيَتِهِ أَنَّهُ غَيْرُ غَرَضٍ «١» وَلَا وَكِلٍ «٢» . أَيْ غَيْرِ ضَجِرٍ وَلَا كَسْلَانَ.
وَقَالَ «٣» عَبْدُ اللَّهِ «٤» بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وعن «٥» جابر «٦» بن عبد الله: كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ترتيل وترسيل «٧» .
قَالَ ابْنُ أَبِي هَالَةَ «٨»: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ.
عَلَى الْحِلْمِ، وَالْحَذَرِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَالتَّفَكُّرِ.
قَالَتْ «٩» عائشة «١٠» ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يحدّث حديثا لو عدّه العادّ أحصاه.
_________________
(١) الغرض: الضجر والملال.
(٢) وكل: عاجز.
(٣) رواه البخاري موقوفا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٥) رواه أبو داوود، والامام أحمد في الزهد.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٧) ترسيل؛ عطف تفسير لترتيل. وفي نسخة صحيحة ب (أو) على شك من الراوي.
(٨) هو هند بن ابي هالة تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٦» .
(٩) رواه الشيخان.
(١٠) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ والرائحة الحسنة، ويستعملها كَثِيرًا وَيَحُضُّ عَلَيْهِمَا وَيَقُولُ «١»: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» .
- وَمِنْ مُرُوءَتِهِ ﷺ نَهْيُهُ «٢» عَنِ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْأَمْرِ «٣» بِالْأَكْلِ مِمَّا يَلِي، وَالْأَمْرِ بِالسِّوَاكِ، وَإِنْقَاءِ الْبَرَاجِمِ «٤» والرواجب «٥»، واستعمال خصال الفطرة «٦» ..
***
_________________
(١) كما رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث أنس باسناد جيد. وضعفه العقيلي وليس فيه لفظ (ثلاث) وهي خطأ فاحش يبطله سياق الحديث «وجعلت قرة عيني في الصلاة» ايماء انها ليست من الدنيا.
(٢) رواه احمد ولأبي داوود وابن ماجه والترمذي وصححه؛ نهيه عن النفخ في الإناء وللترمذي في الشراب.
(٣) لحديث الشيخين: قل باسم الله، وكل بيمينك مما يليك.
(٤) البراجم: جمع برجمة، مفصل الأصابع من ظاهر الكف.
(٥) رواجب: جمع راجبة مفصل الأصابع من باطن الكف.
(٦) وهي فيما رواه الشيخان خمس: الختان- والاستحداد- وقص الشارب- وتقليم الأظافر- ونتف الأبط- (زاد مسلم) .. المضمصه- وإعفاء اللحية- والاستنجاء. (وابو داوود) من حديث عمار، الانتضاح. ومن حديث ابن عباس ﵄ فرق الرأس. - هذا والاستنشاق في معنى المضمضة.
[ ١ / ٢٧٧ ]
الْفَصْلُ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا
وَأَمَّا زُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَخْبَارِ أَثْنَاءَ هَذِهِ السِّيرَةِ مَا يَكْفِي.
وَحَسْبُكَ مِنْ تَقَلُّلِهِ مِنْهَا، وَإِعْرَاضِهِ عَنْ زَهْرَتِهَا، وَقَدْ سِيقَتْ إِلَيْهِ بِحَذَافِيرِهَا، وَتَرَادَفَتْ عَلَيْهِ فُتُوحُهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ ﷺ وَدِرْعُهُ «١» مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ، وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ «٢»: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» .
عَنْ «٣» عَائِشَةَ «٤» ﵂ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزٍ حَتَّى مَضَى لسبيله.
_________________
(١) سبق تفصيله. وهو حديث صحيح رواه الشيخان عن عائشة ﵂.
(٢) كما رواه الشيخان. وفي رواية مسلم والترمذي وابن ماجة: اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا قوتا.
(٣) اخرجه البخاري، وهو في أواخر مسلم، ورواه غيرهما أيضا.
(٤) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ١ / ٢٧٨ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ متواليين، ولو شاء لأعطاه الله مَا لَا يَخْطُرُ بِبَالٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «١»: مَا شَبِعَ آلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ، حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ﷿.
وَقَالَتْ «٢» عَائِشَةُ ﵂: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا. وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا.
وَفِي حَدِيثِ «٣» عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ «٤»: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلا سلاحه وبغلته «٥»، وأرضا جعلها صدقة.
وقالت «٦» عَائِشَةُ «٧» ﵂: وَلَقَدْ مَاتَ وَمَا فِي بَيْتِي شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شطر شعير في رف لِي.
وَقَالَ لِي «٨»: «إِنِّي عُرِضَ عَلَيَّ أَنْ يجعل لي بطحاء مكة ذهبا
_________________
(١) للشيخين.
(٢) رواه مسلم.
(٣) رواه البخاري عنه.
(٤) ابن أبي ضرار بن عائذ المصطلقي أخو جويرية زوج النبي ﷺ ولأبيه صحبه كما روى البخاري.
(٥) وهذا مما علقه الحلبي على البخاري.
(٦) رواه الشيخان.
(٧) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٨) حديث «عرض علي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا..» أخرجه الترمذي عن أبي أمامة بلفظ: فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك.
[ ١ / ٢٧٩ ]
فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، أَجُوعُ يَوْمًا، وَأَشْبَعُ يَوْمًا. فَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي أَجُوعُ فِيهِ، فَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ وَأَدْعُوكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي أَشْبَعَ فِيهِ فَأَحْمَدُكَ وَأُثْنِي عَلَيْكَ» .
وَفِي حَدِيثٍ «١» آخَرَ: أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ هَذِهِ الْجِبَالَ ذَهَبًا، وَتَكُونَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ. فَأَطْرَقَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ:
«يَا جِبْرِيلُ. إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ. وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، قَدْ يَجْمَعُهَا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» .
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ثَبَّتَكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ.
وَعَنْ «٢» عائشة «٣» ﵂ قالت: إن كنا آل محمد لنمكث
_________________
(١) قال الدلجي: لا أدري من رواه بهذا اللفظ. وقال السيوطي ﵀ لم أجده هكذا، ولكن البيهقي رحمه الله تعالى أخرجه في الزهد من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عَنْهُمَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال يوما: ما أمسى لآل محمد كف سويق ولا سفة دقيق، فأتاه إسرافيل ﵊ فقال؛ ان الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح الارض وأمرني أن أعرض عليك إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة فعلت» ونحوه أخرجه ابن سعد وابن عساكر في تاريخه والطبراني وأخرج أحمد حديث: الدنيا دار من لا دار له.
(٢) رواه الشيخان.
(٣) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ١ / ٢٨٠ ]
شَهْرًا مَا نَسْتَوْقِدُ نَارًا إِنْ هُوَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْمَاءُ «١» .
وَعَنْ «٢» عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٣» بْنِ عَوْفٍ ﵁: هَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ «٤» وَابْنِ عَبَّاسٍ «٥» ﵃: نحوه.
قال «٦» ابن عباس ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبِيتُ هُوَ وَأَهْلُهُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا، لَا يَجِدُونَ عَشَاءً.
وَعَنْ «٧» أَنَسٍ «٨» ﵁ قال: مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خِوَانٍ «٩»، وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ «١٠»، وَلَا خبز له مرقق ولا رأى
_________________
(١) وفي رواية الاسودان.
(٢) رواه الترمذي والبزار بسند حسن.
(٣) عبد الرّحمن بن عوف بن عبد عوف القرشي الزهري أبو محمد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى أسلم قديما قبل دخول دار الأرقم وهاجر الهجرتين وشهد بدرا وسائر المشاهد كان طويلا أبيض مشربا بالحمرة حسن الوجه توفي سنة ٣١ هـ ودفن بالبقيع.
(٤) أبو أمامة بن ثعلبة الانصاري روى أحاديث منها عند مسلم وأصحاب السنن.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٦) رواه ابن ماجه، والترمذي وصححه.
(٧) رواه البخاري.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٩) المائدة المرتفعة.
(١٠) سكرجة: فارسية.. الاناء الصغير يؤكل فيه الأدم. وأكثر ما يوضع فيه المخللات والمرغبات.
[ ١ / ٢٨١ ]
شَاةً سَمِيطًا «١» قَطُّ.
وَعَنْ «٢» عَائِشَةَ ﵂: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُهُ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا، حَشْوُهُ لِيفٌ.
وَعَنْ «٣» حَفْصَةَ «٤» ﵂ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ مِسْحًا «٥» نَثْنِيهِ ثَنْيَتَيْنِ، فَيَنَامُ عَلَيْهِ فَثَنَيْنَاهُ لَهُ لَيْلَةً بِأَرْبَعٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ «مَا فَرَشْتُمُوا لِيَ اللَّيْلَةَ»؟ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «رُدُّوهُ بِحَالِهِ. فَإِنَّ وَطْأَتَهُ مَنَعَتْنِي اللَّيْلَةَ صلاتي» .
- وكان «٦» ينام أحيانا على سرير مرمول «٧» بِشَرِيطٍ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِي جَنْبِهِ.
وَعَنْ «٨» عَائِشَةَ ﵂ قالت: لم يمتليء جوف النبي
_________________
(١) السميط: المشوي بجلده.
(٢) برواية الصحيحين.
(٣) رواه الترمذي في الشمائل.
(٤) حفصة بنت عمر أم المؤمنين كانت قبل ان يتزوجها النبي ﷺ عند حصن بن حذافة وكان ممن شهد بدرا ثم مات بالمدينة وتوفيت هي بالمدينة سنة ٤١ هـ.
(٥) مسحا: بلاسا من شعر أبيض، وقيل أسود.
(٦) رواه الشيخان، والترمذي وابن ماجه.
(٧) مرمول: منسوج بحبل مفتول بسعف.
(٨) قال الدلجي: لم ادر من روى هذا الحديث لكن روى ابن أبي حاتم في تفسيره عنها قريبا من هذا المعنى.
[ ١ / ٢٨٢ ]
ﷺ سبعا قَطُّ. وَلَمْ يَبُثَّ شَكْوَى إِلَى أَحَدٍ، وَكَانَتِ الْفَاقَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى، وَإِنْ كَانَ لَيَظَلُّ جَائِعًا يَلْتَوِي طُولَ لَيْلَتِهِ مِنَ الْجُوعِ فَلَا يَمْنَعُهُ صِيَامُ يَوْمِهِ. وَلَوْ شَاءَ سَأَلَ رَبَّهُ جَمِيعَ كُنُوزِ الْأَرْضِ وَثِمَارِهَا، وَرَغَدَ عَيْشِهَا ولقد أَبْكِي لَهُ رَحْمَةً مِمَّا أَرَى بِهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِي عَلَى بَطْنِهِ مِمَّا بِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَأَقُولُ: نَفْسِي لَكَ الْفِدَاءُ، لَوْ تَبَلَّغْتَ مِنَ الدنيا بما يقوتك.
فيقول: «يا عائشة. مالي وَلِلدُّنْيَا، إِخْوَانِي مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا عَلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، فَمَضَوْا عَلَى حَالِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلَى رَبِّهِمْ، فَأَكْرَمَ مَآبَهُمْ وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُمْ، فَأَجِدُنِي أَسْتَحْيِي إِنْ تَرَفَّهْتُ فِي مَعِيشَتِي أَنْ يُقَصِّرَ بِي غَدًا دُونَهُمْ. وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللُّحُوقِ بِإِخْوَانِي وَأَخِلَّائِي»
قَالَتْ: فَمَا أَقَامَ بَعْدُ إِلَّا شَهْرًا حَتَّى تُوُفِّيَ ﷺ.
[ ١ / ٢٨٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الخوف من الله والطّاعة له وشدّة العبادة
وَأَمَّا خَوْفُهُ مِنْ رَبِّهِ، وَطَاعَتُهُ لَهُ، وَشِدَّةُ عبادته، فعلى قدر علمه بربه.
عن «١» أبي هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» .
زَادَ «٢» فِي رِوَايَتِنَا عَنْ أَبِي عِيسَى «٣» التِّرْمِذِيِّ. رفعه إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري في الدقائق. وروى احمد والبخاري ايضا ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس، وزاد الحاكم عن أبي ذر (ولما ساغ لكم الطعام ولا الشراب) . ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن أبي الدرداء بزيادة «ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون الى الله تعالى.. لا تدرون تنجون أو لا تنجون» وأبو هريرة تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٢) زاد شيخنا أو بعض مشايخنا.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «٤» .
[ ١ / ٢٨٤ ]
أَبِي «١» ذَرٍّ ﵁ «٢» .
«إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أطّت «٣» السماوات، وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ. مَا فِيهَا مَوْضِعُ أربع أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ. وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعْدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ. لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعَضَدُ» .
رُوِيَ هَذَا الْكَلَامُ «وَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ» مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ نَفْسِهِ «٤»، وَهُوَ أَصَحُّ.
وَفِي حَدِيثِ «٥» الْمُغِيرَةِ «٦»: صَلَّى رسول الله ﷺ حتى انتفخت قدماه.
_________________
(١) هو جندب بن جنادة ابن سكن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبتدئه اذا حضر ويفتقده اذا غاب. وكان يقول في حقه «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر» وقال أيضا في حقه ﵁ «يرحم الله ابا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده، توفي بالربدة سنة ٣١ هـ.
(٢) مرفوعا كما صرح به الترمذي في الزهد وقال: حسن غريب. ويروى عن أبي ذر موقوفا. واخرج ابن ماجه فيه نحوه، ورواه محمد بن حميد الرازي ورفعه أيضا.
(٣) اطت: أحدثت صوتا لقوة ما فوقها من ثقل.
(٤) فهو كلام مدرج.
(٥) رواه الشيخان وغيرهما.
(٦) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي اسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان وهو من دهاة العرب ويقال له مغيرة الرأي توفي سنة ٥ هـ. .
[ ١ / ٢٨٥ ]
وَفِي رِوَايَةٍ «١»: كَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟!
قَالَ: «أفلا أكون عبدا شكورا» !!
وعن «٢» أبي سلمة «٣» وأبي هريرة «٤» ﵄ نحوه.
وَقَالَتْ «٥» عَائِشَةُ «٦» ﵂: كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِيمَةً. وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ يُطِيقُ؟
وَقَالَتْ «٧»: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نقول: لا يصوم.
وعن «٨» ابن عباس «٩» وأم سلمة «١٠» وأنس «١١» ﵃ نحوه.
_________________
(١) أي لهما عنه.
(٢) الذي في الشمائل للترمذي: عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
(٣) أبو سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف الزهري التابعي أحد الفقهاء السبعة في المدينة.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) رواه الشيخان.
(٦) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٧) فيما روياه عنها أيضا.
(٨) حديث ابن عباس أخرجه الشيخان، وحديث أم سلمة أخرجه الترمذي والنسائي، وحديث أنس أخرجه البخاري والترمذي.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(١٠) أعقل نساء النبي ﷺ كانت تحت أبي سلمة بن عبد الاسد المخزومي وتزوجها بعده الرسول ﷺ وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة وذلك في إمارة يزيد..
(١١) تقدمت ترجمته ص «٤٧» رقم «١» .
[ ١ / ٢٨٦ ]
وقال: كنت لا تشاء أن تراه في اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ نَائِمًا.
وَقَالَ «١» عَوْفُ بْنُ «٢» مَالِكٍ ﵁: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، فَاسْتَاكَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ مَعَهُ.
فَبَدَأَ فَاسْتَفْتَحَ الْبَقَرَةَ، فَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَمَكَثَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ:
«سُبْحَانَ ذِي الجبروت والملكوت والكبرباء والعظمة»، ثم سجد، وقال قبل ذَلِكَ. ثُمَّ قَرَأَ آلَ عِمْرَانَ، ثُمَّ سُورَةً سورة يفعل مثل ذلك.
وعن حذيفة «٣» ﵁: مِثْلُهُ «٤» وَقَالَ: سَجَدَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، وَجَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْهُ، وَقَالَ: حَتَّى قَرَأَ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة.
_________________
(١) رواه أبو داوود والنسائي.
(٢) هو عبد الرّحمن الاشجعي الصحابي الجليل القدر ﵁ سكن الشام وتوفي أيام عبد الملك سنة ٧٣ هـ..
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٤» .
(٤) مثل حديث عوف كما في مسلم.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وعن «١» عائشة ﵂ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَيْلَةً.
وَعَنْ «٢» عَبْدِ الله بن «٣» الشّخير ﵁: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ.
قَالَ «٤» ابن أبي هالة «٥» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ، لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ.
وَقَالَ ﷺ «٦» «إني لأستغفر الله في اليوم مئة مَرَّةٍ» وَرُوِيَ «٧» «سَبْعِينَ مَرَّةً» . وَعَنْ «٨» عَلِيٍّ «٩» ﵁ قال: سألت
_________________
(١) برواية الترمذي عن عائشة وأخرجه أحمد والنسائي بسند صحيح عن أبي ذر ﵁ وفسر الآية: إن تعذبهم فإنهم عبادك.
(٢) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي.
(٣) ابن عوف بن كعب العامري الصحابي البصري المخضرم الذي أدرك الجاهلية والاسلام روى له أصحاب الكتب الستة.
(٤) رواه الطبراني والقضاعي. وقال ابن القيم كما سيأتي إنه لم يثبت. وفي سنده من لا يعرف، ولا أعلم صحته
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٦» .
(٦) رواه مسلم وغيره.
(٧) كما في البخاري والترمذي.
(٨) هذا الحديث ذكره في الإحياء، وقال العراقي، إنه لا أصل له، وقال السيوطي رحمه الله تعالى إنه موضوع، واثار الوضع لائحة عليه وهو يشبه كلام الصوفية. والمؤلف ثقة حجة فحسن الظن به انه ما رواها الا عن بينة وان لم تكن عندنا بينة.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
[ ١ / ٢٨٨ ]
رسول الله ﷺ عن سنّته.
فقال: «المعرفة رأس مالي، وَالْعَقْلُ أَصْلُ دِينِي، وَالْحُبُّ أَسَاسِي، وَالشَّوْقُ مَرْكَبِي، وَذِكْرُ اللَّهِ أَنِيسِي، وَالثِّقَةُ كَنْزِي، وَالْحُزْنُ رَفِيقِي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضاء غَنِيمَتِي، وَالْعَجْزُ فَخْرِي، وَالزُّهْدُ حِرْفَتِي، وَالْيَقِينُ قُوَّتِي، وَالصِّدْقُ شَفِيعِي، وَالطَّاعَةُ حَسْبِي، وَالْجِهَادُ خُلُقِي، وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «وَثَمَرَةُ فُؤَادِي فِي ذِكْرِهِ، وَغَمِّي لِأَجْلِ أُمَّتِي وَشَوْقِي إِلَى رَبِّي ﷿.
[ ١ / ٢٨٩ ]
الفصل الرابع والعشرون صفات الأنبياء
اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ صِفَاتَ جَمِيعِ الأنبياء والرسل، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، مِنْ كَمَالِ الْخَلْقِ، وَحُسْنِ الصُّورَةِ، وَشَرَفِ النَّسَبِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَجَمِيعِ الْمَحَاسِنِ هِيَ هَذِهِ الصِّفَةُ، لِأَنَّهَا صِفَاتُ الْكَمَالِ.
وَالْكَمَالُ وَالتَّمَامُ الْبَشَرِيُّ، وَالْفَضْلُ، الْجَمِيعُ لَهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إِذْ رُتْبَتُهُمْ أَشْرَفُ الرُّتَبِ وَدَرَجَاتُهُمْ أَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ.
- وَلَكِنْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» «١»
وَقَالَ «وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ» «٢»
_________________
(١) البقرة «٢٥٢» .
(٢) الدخان «٣٢» .
[ ١ / ٢٩٠ ]
وقال ﷺ «١» «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» .
ثُمَّ قَالَ آخِرَ الْحَدِيثِ «٢» «عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» .
وَفِي حَدِيثِ «٣» أبي هريرة «٤» ﵁: رَأَيْتُ مُوسَى، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ «٥»، رَجُلٌ «٦»، أَقْنَى «٧»، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ «٨» .
وَرَأَيْتُ عِيسَى، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ «٩»، كَثِيرُ خِيلَانِ «١٠» الْوَجْهِ، أحمر كأنما خرج من ديماس «١١» .
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) واختصره المصنف لطوله.
(٣) رواه الشيخان.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) ضرب: خفيف اللحم.
(٦) رجل: شعره بين الجعودة والسبوطة.
(٧) أقنى: طويل الانف مع ارتفاع وسطه ودقة ارنبته.
(٨) شنوءة: قبيلة من اليمن
(٩) ربعة: بين الطول والقصر.
(١٠) خيلان: جمع خال، وهي نقطة سوداء تسمى شامة.
(١١) ديماس: الستر الذي لا يرى الشمس. أو الحمام.
[ ١ / ٢٩١ ]
وَفِي حَدِيثٍ «١» آخَرَ: مُبَطَّنٌ مِثْلَ السَّيْفِ.
قَالَ: «وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ» .
وَقَالَ فِي حَدِيثٍ «٢» آخَرَ فِي صِفَةِ مُوسَى: «كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ» .
وَفِي حَدِيثِ «٣» أَبِي هُرَيْرَةَ «٤»: عَنْهُ ﷺ «مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ لُوطٍ نَبِيًّا إِلَّا فِي ذُرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ» وَيُرْوَى «فِي ثَرْوَةِ» أَيْ كَثْرَةٍ وَمَنَعَةٍ.
وَحَكَى «٥» التِّرْمِذِيُّ «٦» عَنْ «٧» قَتَادَةَ «٨»، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «٩» مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ «١٠» عن «١١» أنس «١٢»: ما بعث الله نبيا إلا
_________________
(١) قال الدلجي: لا أعرف من رواه.
(٢) رواه البخاري.
(٣) رواه ابو يعلى وابن جرير وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس ﵄ موقوفا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) بل روى في الشمائل.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «٤» .
(٧) أي مرسلا.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٣» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٥٨» رقم «١» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(١١) أي موقوفا.
(١٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
[ ١ / ٢٩٢ ]
حَسَنَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الصَّوْتِ، وَكَانَ نَبِيُّكُمْ أَحْسَنُهُمْ صَوْتًا ﷺ.
وَفِي حَدِيثِ «١» هِرَقْلَ «٢»: وَسَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَنْسَابِ قَوْمِهَا.
وَقَالَ تَعَالَى فِي أَيُّوبَ «٣»: «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا. نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» «٤» .
وقال تعالى: «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ» إلى قوله: «وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»
«٥» .
وقال: «أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى» إلى «الصَّالِحِينَ» «٦» .
وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ «٧»» الآيتين.
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) ملك الروم انئذ.
(٣) نبي من أنبياء الله تعالى ورسله ورد ذكره في القرآن الكريم واشتهر بجلده وصبره على البلاء.
(٤) سورة ص «٥٤» .
(٥) «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا، وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا» . سورة مريم من (١٢ إلى ١٥) .
(٦) «مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» آل عمران (٣٩)
(٧) «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» سورة آل عمران من (٣٣ إلى ٣٤) .
[ ١ / ٢٩٣ ]
وَقَالَ فِي نُوحٍ: «إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا «١»» .
وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ» إلى «الصَّالِحِينَ «٢»» .
وقال: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ» إلى «ما دُمْتُ حَيًّا «٣»»
وقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى «٤»» الْآيَةَ..
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «٥»: «كَانَ مُوسَى رَجُلًا حَيِيًّا سَتِيرًا مَا يُرَى مِنْ جَسَدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً» الْحَدِيثُ.
وَقَالَ تَعَالَى عنه: «فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا «٦»» الْآيَةَ.
وَقَالَ فِي وَصْفِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ «٧»» .
_________________
(١) الاسراء رقم (٣) « ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا»
(٢) «عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» آل عمران (٤٥)
(٣) «وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» سورة مريم من ٣٠ إلى ٣١.
(٤) «فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا» سورة الأحزاب «٦٩» .
(٥) رواه الشيخان.
(٦) «وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ»، سورة الشعراء «٢١» .
(٧) سورة الشعراء «١٠٧» .
[ ١ / ٢٩٤ ]
وَقَالَ: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ «١»» .
وقال: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «٢»» .
وَقَالَ: «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، كُلًّا هَدَيْنا» إلى قوله: «فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «٣»» .
- فَوَصَفَهُمْ بِأَوْصَافٍ جَمَّةٍ مِنَ الصَّلَاحِ، وَالْهُدَى، وَالِاجْتِبَاءِ، والحكم، والنبوة.
وقال: «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ عَلِيمٌ «٤»» و«حَلِيمٌ «٥»» .
وَقَالَ: «وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ» إلى «أَمِينٌ «٦»» .
_________________
(١) سورة القصص «٢٦» .
(٢) سورة الأحقاف «٣٥» .
(٣) سورة الانعام ٨٤- ٩٠ «وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ، وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» .
(٤) ليس في القرآن الكريم «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» بل الذي فيه «وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ» الذاريات «٢٨» .
(٥) الصافات «١٠١» .
(٦) «أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ» الدخان ١٧- ١٨.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وَقَالَ: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «١»» .
وَقَالَ فِي إِسْمَاعِيلَ «٢»: «إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ «٣»» الآيتين.
وفي موسى «٤» «إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا «٥»» .
وفي سليمان «٦»: «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ «٧»» .
وقال تعالى: «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ» الى «الْأَخْيارِ «٨»» .
وفي داوود «٩»: «إِنَّهُ أَوَّابٌ «١٠»» .
ثُمَّ قَالَ: «وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ «١١»»
_________________
(١) الصافات ١٠٢.
(٢) ابن ابراهيم رسولان من رسل الله عليهم الصلاة والسلام وهو أبو العرب لأنه تزوج من قبيلة جرهم.
(٣) «وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا» سورة مريم ٥٤.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٢» .
(٥) سورة مريم ٥١.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٦٩» رقم «٨» .
(٧) سورة ص ٣٠.
(٨) «إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» سورة ص ٤٥- ٤٧.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٩٧» رقم «٦» .
(١٠) سورة ص ١٧.
(١١) سورة ص ٢٠.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وَقَالَ عَنْ يُوسُفَ «١»: «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ «٢»» .
وَفِي مُوسَى «٣»: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا «٤»» .
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ شُعَيْبٍ «٥»: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «٦»»
وقال «ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ «٧»» .
وقال: «وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا «٨»» .
وقال: «إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ «٩»» الآية.
قَالَ سُفْيَانُ «١٠»: هُوَ الْحُزْنُ الدَّائِمُ فِي آيٍ كثيرة ذكر فيها من
_________________
(١) بن يعقوب من رسل الله عليهم الصلاة والسلام ورد ذكره وقصته في سورة سميت باسمه في القرآن الكريم.
(٢) سورة يوسف ٥٥.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٢» .
(٤) سورة الكهف ٦٩.
(٥) رسول من رسل الله تعالى بعثه الله الى أهل مدين وأصحاب الأيكة وورد ذكره في القرآن الكريم وكان كثير الصلاة.. أهلك الله قومه بالزلزلة.
(٦) سورة القصص ٢٧.
(٧) سورة هود ٨٨.
(٨) سورة الأنبياء ٧٤.
(٩) «وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ» سورة الانبياء. ٩.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «١٨٦» رقم «٣» .
[ ١ / ٢٩٧ ]
خِصَالِهِمْ وَمَحَاسِنِ أَخْلَاقِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِمْ. وَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ كَثِيرٌ.
كَقَوْلِهِ «١» ﷺ: «إِنَّمَا الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بن اسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنُ نَبِيٍّ» .
وَفِي حَدِيثِ «٢» أَنَسٍ «٣»: «وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» .
وَرُوِيَ «٤»: أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ مَعَ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْمُلْكِ لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ تَخَشُّعًا وَتَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ «٥» يُطْعِمُ النَّاسَ لَذَائِذَ الْأَطْعِمَةِ، ويأكل خبز الشعير.
وأوحي إِلَيْهِ: يَا رَأْسَ الْعَابِدِينَ، وَابْنَ مَحَجَّةِ الزَّاهِدِينَ.
- وَكَانَتِ الْعَجُوزُ تَعْتَرِضُهُ، وَهُوَ عَلَى الرِّيحِ فِي جنوده،
_________________
(١) رواه البخاري وابن حبان والحاكم ثم الظاهر ان قوله نبي ابن نبي الخ مدرج في كلام الراوي، أو تفسير للقاضي والحديث في البخاري بدون هذه الزيادة وبدون كلمة «أنما» ..
(٢) رواه البخاري، وأوله: تنام عيني ولا ينام قلبي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٤) رواه الطبراني عن أبي هريرة مرفوعا
(٥) رواه احمد في الزهد عن فرقد السنجي
[ ١ / ٢٩٨ ]
فَيَأْمُرُ الرِّيحَ فَتَقِفُ فَيَنْظُرُ فِي حَاجَتِهَا وَيَمْضِي.
وقيل ليوسف: مالك تَجُوعُ وَأَنْتَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ؟!.
قَالَ: أَخَافُ أَنْ أَشْبَعَ، فَأَنْسَى الْجَائِعَ.
وَرَوَى «١» أَبُو هُرَيْرَةَ «٢»، عَنْهُ ﷺ: «خُفِّفَ عَلَى داوود الْقُرْآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ «٣»» .
- وَكَانَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ عَمَلًا بِيَدِهِ يُغْنِيهِ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ ﷺ: «٤» «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ داوود. وأحبّ الصيام إلى الله صيام داوود. وكان يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَكَانَ يَلْبَسُ الصُّوفَ
_________________
(١) رواه البخاري عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) سورة سبأ ١١.
(٤) رواه الشيخان وأحمد وأبو داوود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر ﵄.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وَيَفْتَرِشُ الشَّعَرَ، وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالْمِلْحِ وَالرَّمَادِ «١»، ويمزج شرابه بالدموع، ولم يرضاحكا بَعْدَ الْخَطِيئَةِ، وَلَا شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ حياء من ربه ﷿، وَلَمْ يَزَلْ بَاكِيًا حَيَاتَهُ كُلَّهَا» .
وَقِيلَ «٢»: بَكَى حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِهِ، وَحَتَّى اتَّخَذَتِ الدُّمُوعُ فِي خَدِهِ أُخْدُودًا.
وَقِيلَ «٣»: كَانَ يَخْرُجُ متنكرا يتعرف سيرته، فيسمع الثَّنَاءَ عَلَيْهِ فَيَزْدَادُ تَوَاضُعًا.
وَقِيلَ «٤» لِعِيسَى «٥» ﵇: لَوِ اتَّخَذْتَ حِمَارًا؟
قَالَ: أَنَا أَكْرَمُ على الله تعالى مِنْ أَنْ يَشْغَلَنِي بِحِمَارٍ.
- وَكَانَ «٦» يَلْبَسُ الشَّعَرَ، وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ أَيْنَمَا أَدْرَكَهُ النَّوْمُ نَامَ. وَكَانَ أَحَبُّ الْأَسَامِي إِلَيْهِ، أن يقال له:
يا «مسكين» .
_________________
(١) كما رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه ومجاهد موقوفا: وقوله: ولا شاخصا ببصره الى السماء، رواه أحمد في الزهد.
(٢) بل روى ابن أبي حاتم عن أنس ﵁ مرفوعا وعن مجاهد وغيره مرفوعا.
(٣) كما في الكشاف وغيره.
(٤) كما رواه احمد في الزهد وابن أبي شيبة في مصنفه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٦) رواه احمد في الزهد عن عبيد بن عمير ومجاهد والشعبي وابن عساكر في تاريخه.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وَقِيلَ «١»: إِنَّ مُوسَى «٢» ﵇ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ كَانَتْ تُرَى خُضْرَةُ الْبَقْلِ فِي بطنه، من الهزال
وقال ﷺ «٣»: «لَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلِي يُبْتَلَى أَحَدُهُمْ بِالْفَقْرِ وَالْقَمْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَطَاءِ إِلَيْكُمْ» «٤» .
وَقَالَ عِيسَى ﵇ لِخِنْزِيرٍ لَقِيَهُ: اذْهَبْ بِسَلَامٍ.
فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانَيِ الْمَنْطِقَ بِسُوءٍ.
وَقَالَ «٥» مُجَاهِدٌ «٦»: كَانَ طَعَامُ يَحْيَى «٧» الْعُشْبُ، وَكَانَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى اتَّخَذَ الدَّمْعُ مَجْرًى فِي خَدِّهِ.
وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَ الْوَحْشِ لِئَلَّا يخالط الناس.
_________________
(١) كما رواه أحمد أيضا في الزهد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه موقوفا.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٢» .
(٣) رواه الحاكم وصححه عن أبي سعيد مرفوعا.
(٤) ولفظ الحديث ليس كما رواه المؤلف ﵀. وهو ما قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قلت: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال الانبياء. قلت: ثم من؟ قال العلماء. قلت ثم من؟ قال: الصالحون كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله ويبتلى بالفقر حتى لا يجد الا العباء يلبسها ولأحدهم اشد فرحا بالبلاء من أحدنا بالعطاء وهو صحيح على شرط مسلم.
(٥) رواه ابن أبي حاتم وأحمد في الزهد.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٧٠» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٣» .
[ ١ / ٣٠١ ]
وحكى الطبري «١» عن وهب «٢»: أن موسى ﵇ كان يستظل «٣» بعريش، وكان يأكل فِي نُقْرَةٍ «٤» مِنْ حَجَرٍ، وَيَكْرَعُ «٥» فِيهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ، كَمَا تَكْرَعُ الدَّابَّةُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ بِمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَلَامِهِ.
- وَأَخْبَارُهُمْ فِي هَذَا كُلِّهِ مَسْطُورَةٌ، وَصِفَاتُهُمْ فِي الْكَمَالِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَحُسْنِ الصُّوَرِ وَالشَّمَائِلِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، فَلَا نُطَوِّلُ بِهَا وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى مَا تَجِدُهُ فِي كُتُبِ بَعْضِ جَهَلَةِ الْمُؤَرِّخِينَ والمفسرين مما يخالف هذا..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٦٢» رقم «١» .
(٣) هو بسقوط «لا» في أصل القاضي وثبوته في أصل العراقي.
(٤) النقرة: الحفرة.
(٥) يكرع: يأخذ الماء بقيه من غير كف ولا أناء فيشربه.
[ ١ / ٣٠٢ ]
الفصل الخامس والعشرون حديث الحسن عن ابن أبي هالة في جمع (الشمائل)
قَدْ أَتَيْنَاكَ- أَكْرَمَكَ اللَّهُ- مِنْ ذِكْرِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْفَضَائِلِ الْمَجِيدَةِ، وَخِصَالِ الْكَمَالِ الْعَدِيدَةِ، وَأَرَيْنَاكَ صِحَّتَهَا لَهُ ﷺ، وَجَلَبْنَا مِنَ الْآثَارِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ، وَالْأَمْرُ أَوْسَعُ.
- فَمَجَالُ هَذَا الْبَابِ فِي حَقِّهِ ﷺ ممتد، ينقطع دون نفاده الأدلاء، وبحر علم خصائصه زاخرة لا تكدره الدلاء، ولكنا أتينا فيه بالمعروف مما أكثره فِي الصَّحِيحِ، وَالْمَشْهُورِ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ وَاقْتَصَرْنَا فِي ذَلِكَ بِقِلٍّ مِنْ كُلٍّ، وَغَيْضٍ «١» مِنْ فَيْضٍ «٢» . ورأينا أن نختم
_________________
(١) غيض: قليل.
(٢) فيض: الكثير.
[ ١ / ٣٠٣ ]
هذه الفصول بذكر حديث الحسن «١» عن ابن أَبِي «٢» هَالَةَ «٣»، لِجَمْعِهِ مِنْ شَمَائِلِهِ وَأَوْصَافِهِ كَثِيرًا، وَإِدْمَاجِهِ جُمْلَةً كَافِيَةً مِنْ سِيَرِهِ وَفَضَائِلِهِ. وَنَصِلُهُ بتنبيه لطيف على غريبه «٤» ومشكله «٥» .
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: - وَاللَّفْظُ لِهَذَا السَّنَدِ «٦» - سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ «٧» بْنَ أَبِي هَالَةَ عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ وَصَّافًا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخْمًا «٨»، مُفَخَّمًا «٩»، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ، وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ «١٠»، عَظِيمَ الْهَامَةِ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص ١٤٦ رقم.
(٣) رواه الترمذي في شمائله واخرجه ابن سعيد. والبيهقي، والطبراني. ورواه المصنف رحمه الله تعالى عن شيخه ابن شاذان.
(٤) غريبه: من جهة المبنى.
(٥) مشكله: من جهة المعنى.
(٦) لأن للحديث أسنادين وهذا الاسناد الأخير قال عنه التلمساني: هذا اسناد شريف لأنه مروي عن أهل البيت ومثله أسناد المروي في صفة الصلاة على النبي ﷺ حتى قال فيه الأئمة: إسناد لو ذكر على ذي علة أو حمى لبرىء، أو على مصاب لأفاق، ولو رقي به ملسوع لبرىء.
(٧) رواه الترمذي في شمائله واخرجه ابن سعيد. والبيهقي، والطبراني. ورواه المصنف رحمه الله تعالى عن شيخه ابن شاذان.
(٨) فخما: مهيبا.
(٩) مفخما: معظما.
(١٠) المشذب: الطويل البائن.
[ ١ / ٣٠٤ ]
رَجِلَ الشَّعْرِ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ «١» فَرَقَ، وَإِلَّا فَلَا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ.
أَزْهَرَ اللَّوْنِ «٢» .
وَاسِعَ الْجَبِينِ.
أَزَجَّ «٣» الْحَوَاجِبِ، سَوَابِغَ مِنْ غَيْرِ قَرْنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ «٤» الْغَضَبُ.
أَقْنَى «٥» الْعِرْنِينِ «٦»، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ. وَيَحْسِبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ «٧» كَثَّ اللِّحْيَةِ.
أَدْعَجَ «٨» .
سهل الخدين.
_________________
(١) عقيقته: شعر رأسه.
(٢) ازهر اللون: أبيض نيرا.
(٣) ازج: دقيقها مع غزارة.
(٤) يدره: يحركه.
(٥) اقنى: طويل الانف مع دقة نهايته، وارتفاع وسطه.
(٦) العرنين: تحت مجتمع الحواجب. وهو أوله.
(٧) الأشم: هو مرتفع قصبة الأنف مع ارتفاع الارنبة قليلا واستواء الاعلى.
(٨) أدعج: شديد سواد الحدقة، من شدة بياض ما حولها.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ضَلِيعَ «١» الْفَمِ، أَشْنَبَ «٢»، مُفَلَّجَ «٣» الْأَسْنَانِ.
دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ. «٤»
كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ.
مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ.
بَادِنًا، مُتَمَاسِكًا.
سَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، مُشِيحُ «٥» الصَّدْرِ.
بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ.
ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ «٦» .
أَنْوَرَ الْمُتَجَرِّدِ «٧» .
مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ مَا سِوَى ذَلِكَ.
أَشَعَرَ الذِّرَاعَيْنِ، وَالْمَنْكِبَيْنِ، وَأَعَالِيَ الصَّدْرِ طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ.
رَحْبَ الرَّاحَةِ، شَثْنَ «٨» الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ.
_________________
(١) ضليع: واسع.
(٢) شديد بياض الاسنان والشنب بهاؤها.
(٣) مفلج: تباعد قليل في الثنايا فقط.
(٤) الْمَسْرُبَةِ: خَيْطُ الشَّعْرِ الَّذِي بَيْنَ الصَّدْرِ وَالسُّرَّةِ.
(٥) مشيح: باديه وظاهره.
(٦) الكراديس: رؤوس العظام.
(٧) المتجرد: ما تجرد من بدنه أشرق من غيره.
(٨) شثن: الذي يميل إلى شيء من الغلظة لأنه أقوى.
[ ١ / ٣٠٦ ]
سَائِلَ الْأَطْرَافِ- أَوْ قَالَ سَائِنَ الْأَطْرَافِ وَسَائِرَ الْأَطْرَافِ.
سَبْطَ «١» الْعَصَبِ.
خَمْصَانَ «٢» الْأَخْمَصَيْنِ.
مَسِيحَ «٣» الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ.
إِذَا زَالَ زَالَ تَقَلُّعًا، وَيَخْطُو تَكَفُّؤًا، وَيَمْشِي هَوْنًا، ذَرِيعَ «٤» الْمِشْيَةَ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ.
وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا.
خَافِضَ الطَّرْفِ. نَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلَاحَظَةُ.
يَسُوقُ أَصْحَابَهُ. وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ.
قُلْتُ: صِفْ لِي مَنْطِقَهُ..
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ، دَائِمَ الْفِكْرَةِ، لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ، وَلَا يَتَكَلَّمُ في غير حاجة، طويل السكوت،
_________________
(١) سبط العصب: أي ان اطراف مفاصله ممتلئة من غير نتوء.
(٢) خمصان الاخمصين: شديد تجافي اخمص القدمين عن الارض، وهو الموضع الذي لا يطأ الارض من القدمين..
(٣) المسيح: الاملس الذي لا نتوء فيه.
(٤) ذريع: سريع.
[ ١ / ٣٠٧ ]
يَفْتَتِحُ الْكَلَامَ، وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فصلا «١»، لَا فُضُولَ فِيهِ، وَلَا تَقْصِيرَ.
دَمِثًا «٢»، لَيْسَ بِالْجَافِي، وَلَا الْمَهِينِ يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ وَإِنْ دَقَّتْ.
لَا يَذُمُّ شَيْئًا.
لَمْ يَكُنْ يَذُمُّ ذَوَاقًا «٣» وَلَا يَمْدَحُهُ.
وَلَا يُقَامُ لِغَضَبِهِ إِذَا تَعَرَّضَ لِلْحَقِّ بِشَيْءٍ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَلَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْتَصِرُ لَهَا.
إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا.
وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا.
وَإِذَا تَحَدَّثَ اتصل بها، فضرب بابهامه اليمنى راحه الْيُسْرَى.
وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ.
جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، وَيَفْتَرُّ عَنْ مثل حب الغمام.
_________________
(١) فصلا: قاطعا جامعا مانعا.
(٢) دمثا: لين الخلق سهله.
(٣) ذواقا: طعاما أو شرابا.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال الحسن «١»: فَكَتَمْتُهَا عَنِ الْحُسَيْنِ «٢» بْنِ عَلِيٍّ زَمَانًا، ثُمَّ حدثته فوجدته سَبَقَنِي إِلَيْهِ، فَسَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِ رَسُولِ ﷺ، وَمَخْرَجِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَشَكْلِهِ، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا.
قَالَ الْحُسَيْنُ «٣»: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَقَالَ: كَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ، مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ- جُزْءًا لِلَّهِ، وَجُزْءًا لِأَهْلِهِ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ، وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا فَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ، وَقِسْمَتُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ. مِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ وَمِنْهُمْ ذو الحوائج. فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلهم وَالْأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ.
وَيَقُولُ «٤» «لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حاجة من
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٢» .
(٢) الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي أبو عبد الله سبط رسول الله ﷺ وريحانته ولد في شعبان سنة ٤ هـ وكان هو وأخوه الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ (وافاه خصومه بكربلاء وقتل فيها يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ.
(٣) رواه الاصبهاني وفي بعض الفاظه اختلاف.
(٤) رواه الاصبهاني وفي بعض الفاظه اختلاف.
[ ١ / ٣٠٩ ]
لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغِي حَاجَتَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّا ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ.
قال «١» فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ «٢» بْنِ وَكِيعٍ: يَدْخُلُونَ رُوَادًا ولا يتفرقون إلا عن ذواق، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً- يَعْنِي فُقَهَاءَ.
قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ؟ ..
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّا مِمَّا يَعْنِيهِمْ. وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلَا يُفَرِّقُهُمْ.
يُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ، وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ.
وَيَحْذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ بِشْرَهُ وَخُلُقَهُ.
وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ.
وَيَسْأَلُ الناس عما في الناس.
ويحسّن الحسن ويصوّ به.
_________________
(١) قال أي علي بن أبي طالب.
(٢) سفيان بن وكيع بن الجراح أبو محمد الكوفي وهو إمام حافظ روى عنه الترمذي والدارقطني وغيرهما وفي سنة ٢٤٧ هـ.
[ ١ / ٣١٠ ]
وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوهِنُهُ.
مُعْتَدِلَ الْأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
لَا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمَلُّوا.
لكل حال عنده عتاد «١» .
لا يقصر عَنِ الْحَقِّ وَلَا يُجَاوِزُهُ إِلَى غَيْرِهِ.
الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ.
وَأَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً.
وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُوَازَرَةً.
فسألته عن مجلسه، عما يَصْنَعُ فِيهِ؟!
فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى ذِكْرٍ.
وَلَا يُوَطِّنُ «٢» الْأَمَاكِنَ، وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ وَيُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ، حَتَّى لَا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ.
مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ عَنْهُ.
مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا، أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ، قَدْ وسع
_________________
(١) عتاد: عدة
(٢) لا يوطن: ي لا يجعل لنفسه موطنا ومكانا معينا في المجالس.
[ ١ / ٣١١ ]
النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَبًا، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً.
مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ، وَحَيَاءٍ، وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ، لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ، وَلَا تُؤْبَنُ «١» فِيهِ الْحُرَمُ، وَلَا تُثْنَى «٢» فَلَتَاتُهُ- وهذه الكلمة من غير الروايتين-
يتعاطفون بِالتَّقْوَى مُتَوَاضِعِينَ، يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ، وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ، وَيَرْفِدُونَ «٣» ذَا الْحَاجَةِ، وَيَرْحَمُونَ الْغَرِيبَ.
فَسَأَلْتُهُ: عَنْ سِيرَتِهِ ﷺ فِي جُلَسَائِهِ.
فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ «٤»، وَلَا فَحَّاشٍ، وَلَا عَيَّابٍ، وَلَا مَدَّاحٍ.
يَتَغَافَلُ عَمَّا لا يشتهي.
ولا يؤيس مِنْهُ.
قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، الرِّيَاءِ، وَالْإِكْثَارِ وَمَا لَا يَعْنِيهِ.
وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثلاث:
_________________
(١) لا تؤبن فيه الحرم: أي لا تذكر بسوء.
(٢) لا تثنى: لا تذكر ولا تشاع.
(٣) يرفدون: يعينون ويغيثون.
(٤) وهي بمعنى صخاب.
[ ١ / ٣١٢ ]
كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا- وَلَا يُعَيِّرُهُ- وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثوابه.
إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأن على رؤوسهم الطير.
وإذا سَكَتَ تَكَلَّمُوا.
لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ.
مَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرَغَ.
حَدِيثُهُمْ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ.
يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ.
وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي الْمَنْطِقِ.
وَيَقُولُ ««إِذَا رَأَيْتُمْ صَاحِبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ «١»» .
وَلَا يَطْلُبُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مكافيء.
وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَتَجَوَّزَهُ فيقطعه بانتهاء أوقيام.
هنا انتهى سفيان «٢» بن وكيع.
وزاد الآخر «٣»:
_________________
(١) فأرفدوه: أي أعطوه بعض كفايته أو أعينوه.
(٢) تقدمت ترجمته أنفا.
(٣) لسند المصنف من طريق ابي علي الحافظ ابن سكرة منتهيا إلى الحسن بن علي راويا عن أخيه الحسين ﵄.
[ ١ / ٣١٣ ]
قلت: كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ ﷺ؟!
قال: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ:
عَلَى الْحِلْمِ- وَالْحَذَرِ- والتقدير- والتفكير
- فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَةِ النَّظَرِ وَالِاسْتِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ.
- وَأَمَّا تَفَكُّرُهُ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى.
وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ ﷺ فِي الصَّبْرِ فَكَّانِ لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ يَسْتَفِزُّهُ وَجُمِعَ لَهُ فِي الْحَذَرِ أَرْبَعٌ:
- أَخْذُهُ بِالْحَسَنِ لِيُقْتَدَى بِهِ.
- وَتَرْكُهُ الْقَبِيحَ لِيُنْتَهَى عَنْهُ.
- وَاجْتِهَادُ الرَّأْيِ بِمَا أَصْلَحَ أُمَّتَهُ.
- وَالْقِيَامُ لَهُمْ بِمَا جَمَعَ لهم من أَمْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
انْتَهَى الْوَصْفُ بِحَمْدِ اللَّهِ وعونه.
[ ١ / ٣١٤ ]
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي تَفْسِيرِ غَرِيبِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمُشْكِلِهِ «١»
قَوْلُهُ: الْمُشَذَّبُ أَيِ الْبَائِنُ الطُّولِ فِي نَحَافَةٍ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ.
وَالشَّعَرُ الرَّجِلُ: الَّذِي كأنه مشط فتكسّر قليلا ليس بسبط وَلَا جَعْدٍ.
وَالْعَقِيقَةُ: شَعْرُ الرَّأْسِ أَرَادَ إِنِ انْفَرَقَتْ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهَا فَرَقَهَا وَإِلَّا تَرَكَهَا مَعْقُوصَةً وَيُرْوَى عَقِيصَتُهُ.
وَأَزْهَرُ اللَّوْنِ: نَيِّرُهُ وَقِيلَ أَزْهَرٌ حَسَنٌ وَمِنْهُ زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَيْ زِينَتُهَا وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ليس بالأبيض الأمهق
_________________
(١) هذا الفصل قد وضعه المؤلف- رحمه الله تعالى- شارحا فيه كلمات الحديث السابق المروي عن ابن أبي هالة وعلى أن كافة كلمات الحديث قد شرحت في مواطنها الا أننا أحببنا أن نبقي هذا الفصل زيادة في العلم وحرصا على الامانة وطمعا في بركة واخلاص المؤلف رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٣١٥ ]
وَلَا بِالْآدَمِ، وَالْأَمْهَقِ: هُوَ النَّاصِعُ الْبَيَاضِ، وَالْآدَمُ: الْأَسْمَرُ اللَّوْنِ، وَمِثْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَبْيَضُ مُشْرَبٌ أَيْ فِيهِ حُمْرَةٌ.
وَالْحَاجِبُ الْأَزَجُّ: الْمُقَوَّسُ الطَّوِيلُ الْوَافِرُ الشَّعْرِ.
وَالْأَقْنَى: السَّائِلُ الْأَنْفِ الْمُرْتَفِعُ وَسَطُهُ.
وَالْأَشَمُّ: الطَّوِيلُ قَصَبَةِ الْأَنْفِ.
وَالْقَرْنُ: اتِّصَالُ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ، وَضِدُّهُ الْبَلْجُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَصْفُهُ بِالْقَرْنِ.
وَالْأَدْعَجُ: الشَّدِيدُ سَوَادِ الحدقة، وفي الحديث الآخر: أشكل العين، وأسحر الْعَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي فِي بَيَاضِهَا حُمْرَةٌ.
وَالضَّلِيعُ: الْوَاسِعُ.
وَالشَّنَبُ: رَوْنَقُ الْأَسْنَانِ وَمَاؤُهَا، وَقِيلَ رِقَّتُهَا، وتحزيز فِيهَا كَمَا يُوجَدُ فِي أَسْنَانِ الشَّبَابِ.
وَالْفَلَجُ: فرق الثَّنَايَا.
وَدَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ: خَيْطُ الشَّعْرِ الَّذِي بَيْنَ الصدر والسرة.
بادن: ذو لحم.
ومتماسك: مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ، يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضًا، مِثْلَ قَوْلِهِ في الحديث
[ ١ / ٣١٦ ]
الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ، أَيْ لَيْسَ بِمُسْتَرْخِي اللَّحْمِ، وَالْمُكَلْثَمُ الْقَصِيرُ الذَّقَنِ.
وَسَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ: أَيْ مُسْتَوِيهِمَا.
مُشِيحُ الصَّدْرِ: إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فَتَكُونُ مِنَ الْإِقْبَالِ، وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي أَشَاحَ، أَيْ أَنَّهُ كَانَ بَادِيَ الصَّدْرِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي صَدْرِهِ قَعَسٌ وَهُوَ تَطَامُنٌ فِيهِ وَبِهِ يَتَّضِحُ قَوْلُهُ قَبْلُ سَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، أَيْ لَيْسَ بِمُتَقَاعِسِ الصَّدْرِ وَلَا مُفَاضِ الْبَطْنِ، وَلَعَلَّ اللَّفْظَ مَسِيحٌ بِالسِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بِمَعْنَى عَرِيضٍ كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الأخرى وحكاه ابن دريد.
الكراديس: رؤوس الْعِظَامِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ جليل المشاش، والكتد والمشاش: رؤوس الْمَنَاكِبِ وَالْكَتَدُ:
مُجْتَمَعُ الْكَتِفَيْنِ.
وَشَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ: لَحِيمُهُمَا وَالزَّنْدَانِ عَظْمَا الذِّرَاعَيْنِ.
وَسَائِلُ الْأَطْرَافِ: أَيْ طَوِيلُ الْأَصَابِعِ وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ سائل الأطراف، أو قال سَائِنٌ بِالنُّونِ قَالَ: وَهُمَا بِمَعْنًى تُبْدَلُ اللَّامُ مِنَ النُّونِ إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهَا وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَسَائِرُ الْأَطْرَافِ فَإِشَارَةٌ إِلَى فَخَامَةِ جَوَارِحِهِ كَمَا وَقَعَتْ مُفَصَّلَةً فِي الْحَدِيثِ.
[ ١ / ٣١٧ ]
وَرَحْبُ الرَّاحَةِ: أَيْ وَاسِعُهَا وَقِيلَ كَنَّى بِهِ عَنْ سِعَةِ الْعَطَاءِ وَالْجُودِ.
وَخَمْصَانُ الْأَخْمَصَيْنِ: أَيْ مُتَجَافِي أَخْمَصَ الْقَدَمِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تناله الأرض من وسط القدم.
ومسيح الْقَدَمَيْنِ: أَيْ أَمْلَسُهُمَا وَلِهَذَا قَالَ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلَافُ هَذَا قال فيه: إذا وطىء بقدمه وطىء بِكُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَخْمَصٌ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَعْنَى قَوْلِهِ مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ، وَبِهِ قَالُوا سُمِّيَ الْمَسِيحُ بن مَرْيَمَ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْمَصٌ وَقِيلَ: مَسِيحٌ لَا لَحْمَ عَلَيْهِمَا وَهَذَا أَيْضًا يُخَالِفُ قوله شثن القدمين.
والتقلع: رَفْعُ الرِّجْلِ بِقُوَّةٍ.
وَالتَّكَفُّؤُ: الْمَيْلُ إِلَى سَنَنِ الْمَمْشَى وَقَصْدِهِ.
وَالْهَوْنُ: الرِّفْقُ وَالْوَقَارُ.
وَالذَّرِيعُ: الْوَاسِعُ الْخَطْوِ أَيْ: إِنَّ مَشْيَهُ كَانَ يَرْفَعُ فِيهِ رِجْلَيْهِ بِسُرْعَةٍ وَيَمُدُّ خَطْوَهُ خِلَافَ مِشْيَةِ الْمُخْتَالِ وَيَقْصِدُ سِمَتَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِرِفْقٍ وَتَثَبُّتٍ دُونَ عَجَلَةٍ كَمَا قَالَ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ.
[ ١ / ٣١٨ ]
وَقَوْلُهُ يَفْتَتِحُ الْكَلَامَ وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ: أَيْ لِسَعَةِ فَمِهِ، وَالْعَرَبُ تَتَمَادَحُ بِهَذَا وَتَذُمُّ بِصِغَرِ الْفَمِ.
وَأَشَاحَ: مَالَ وَانْقَبَضَ.
وَحَبُّ الْغَمَامِ: الْبَرَدُ.
وَقَوْلُهُ فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ: أَيْ جَعَلَ مِنْ جُزْءِ نَفْسِهِ مَا يُوصِلُ الْخَاصَّةَ إِلَيْهِ فَتُوصِلُ عَنْهُ لِلْعَامَّةِ، وَقِيلَ يُجْعَلُ مِنْهُ لِلْخَاصَّةِ ثُمَّ يُبَدِّلُهَا فِي جُزْءٍ آخَرَ بِالْعَامَّةِ.
وَيَدْخُلُونَ رُوَادًا: أَيْ مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِ وَطَالِبِينَ لِمَا عِنْدَهُ.
ولا ينصرفون إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ: قِيلَ عَنْ عِلْمٍ يَتَعَلَّمُونَهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَيْ فِي الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِ.
وَالْعَتَادُ: الْعِدَّةُ وَالشَّيْءُ الْحَاضِرُ الْمُعَدُّ.
وَالْمُوَازَرَةُ: الْمُعَاوَنَةُ وَقَوْلُهُ.
لَا يُوَطِّنُ الْأَمَاكِنَ: أَيْ لَا يَتَّخِذُ لِمُصَلَّاهُ مَوْضِعًا مَعْلُومًا وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُهُ عَنْ هَذَا مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَصَابَرَهُ: أَيْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ صَاحِبُهُ.
وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ: أَيْ لَا يُذْكَرْنَ فِيهِ بِسُوءٍ.
[ ١ / ٣١٩ ]
وَلَا تُثْنَى فَلَتَاتُهُ: أَيْ لَا يُتَحَدَّثُ بِهَا أَيْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلْتَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَحَدٍ سُتِرَتْ، وَيَرْفِدُونَ: يُعِينُونَ.
وَالسَّخَّابُ: الْكَثِيرُ الصِّيَاحِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مكافيء: قِيلَ مُقْتَصِدٍ فِي ثَنَائِهِ وَمَدْحِهِ وَقِيلَ إِلَّا من مسلم وقيل إلا من مكافىء عَلَى يَدٍ سَبَقَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ له.
ويستفزه: يستخفه وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي وَصْفِهِ ﷺ.
مَنْهُوسُ الْعَقِبِ: أَيْ قَلِيلُ لَحْمِهَا.
وأهداب الْأَشْفَارِ: أَيْ طَوِيلُ شَعْرِهَا.
[ ١ / ٣٢٠ ]
الباب الثالث فيما ورد منه صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَمَشْهُورِهَا بِعَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ رَبِّهِ ومنزلته وما خصّه به في الدّارين منه كرامته ﷺ
وفيه اثنا عشر فصلا
[ ١ / ٣٢١ ]
لَا خِلَافَ أَنَّهُ أَكْرَمُ الْبَشَرِ «١»، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ «٢»، وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً، وَأَقْرَبُهُمْ زُلْفَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدِ اقْتَصَرْنَا مِنْهَا عَلَى صَحِيحِهَا، وَمُنْتَشِرِهَا، وَحَصَرْنَا مَعَانِيَ مَا وَرَدَ منها في هذه الفصول.
_________________
(١) لما في الترمذي والدارمي.
(٢) لحديث الترمذي.
[ ١ / ٣٢٣ ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مَكَانَتُهُ ﷺ
فِيمَا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِ مَكَانَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ ﷿، وَالِاصْطِفَاءِ وَرِفْعَةِ الذِّكْرِ، وَالتَّفْضِيلِ، وَسِيَادَةِ وَلَدِ آدَمَ وَمَا خَصَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَزَايَا الرتب، وبركة اسمه الطيب.
عن «١» ابن عباس «٢» ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أن الله تعالى قَسَّمَ الْخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ قِسْمًا، فذلك قوله تعالى: أصحاب اليمين، وأصحاب الشِّمَالِ، فَأَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَنَا خَيْرُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ.
ثُمَّ جَعَلَ الْقِسْمَيْنِ أَثْلَاثًا، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا ثُلُثًا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَصْحَابُ الميمنة وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون،
_________________
(١) رواه الطبراني والبيهقي في الدلائل.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ١ / ٣٢٥ ]
فَأَنَا مِنَ السَّابِقِينَ، وَأَنَا خَيْرُ السَّابِقِينَ، ثُمَّ جَعَلَ الْأَثْلَاثَ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهَا قَبِيلَةً، وذلك قوله تعالى: «وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ «١»» الْآيَةَ.. فَأَنَا أَتْقَى وَلَدِ آدَمَ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ.. ثُمَّ جَعَلَ الْقَبَائِلَ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهَا بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ «٢»» الْآيَةَ..
وَعَنْ «٣» أَبِي سَلَمَةَ «٤»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» قَالَ: «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟
قَالَ: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» .
وَعَنْ «٦» وَاثِلَةَ «٧» بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصطفاني من بني هاشم.»
_________________
(١) «لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» سورة الحجرات (١٣)
(٢) «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» سورة الأحزاب (٣٣) .
(٣) رواه الترمذي وصححه.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٦» رقم «٣» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٦) رواه مسلم وقد تقدم.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «٣» .
[ ١ / ٣٢٦ ]
وَمِنْ حَدِيثِ «١» أَنَسٍ «٢» ﵁: «أَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ» .
وَفِي حَدِيثِ «٣» ابْنِ عَبَّاسٍ «٤»: أَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ والآخرين ولا فخر» .
وعن «٥» عائشة «٦» عَنْهُ ﷺ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ:
قَلَّبْتُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَلَمْ أَرَ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَرَ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» .
وَعَنْ «٧» أَنَسٍ «٨» ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: بِمُحَمَّدٍ «٩» تَفْعَلُ هَذَا!! فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ منه فارفضّ عرقا» .
_________________
(١) الذي رواه الترمذي وأوله: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا. وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا. وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أيسوا.. الكرامة والمفاتيح بيدي. ولواء الحمد يومئذ بيدي. وأنا أكرم الخ.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) رواه الترمذي والدارمي.. وله أول.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) رواه البيهقي وأبو نعيم والطبراني.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٧) رواه الشيخان.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٩) وفي نسخة: أبمحمد.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وعن «١» ابن عباس ﵁: عَنْهُ ﷺ «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَهْبَطَنِي فِي صُلْبِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، وَقَذَفَ بِي فِي النَّارِ فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنِي فِي الْأَصْلَابِ الْكَرِيمَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى أَخْرَجَنِي بين أبوي.. لم يلتقيا على سفاح قط» .
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْعَبَّاسُ «٢» بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ بِقَوْلِهِ:
مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظِّلَالِ وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ
ثُمَّ هَبَطْتَ الْبِلَادَ لَا بَشَرٌ أَنْتَ وَلَا مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقُ
بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ أَلْجَمَ نَسْرًا «٣» وَأَهْلَهُ الْغَرَقُ
تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إِلَى رَحِمٍ إِذَا مَضَى عَالِمٌ بَدَا طَبَقُ «٤»
ثُمَّ احْتَوَى بَيْتُكَ الْمُهَيْمَنُ مِنْ خِنْدَفٍ «٥» علياء تحتها النّطق «٦»
_________________
(١) رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١»، وهذه الأبيات أخرجها أبو بكر الشافعي في القيلانيات والطبراني عن خريمه بن أوس بن حارثة.
(٣) نسرا: اسم للصنم التي اتخذه قوم نوح آلهة من دون الله.
(٤) طبق: قرن من الزمان.
(٥) خندف: اصلها مشية كالهرولة. والمراد به امرأة الياس بن مضر أم عرب الحجاز.
(٦) النطق: جمع نطاق وهو الحزام وهي هنا الجبال.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وَأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْأَرْ ضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الْأُفُقُ
فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّيَاءِ وَفِي النو ر وَسُبُلِ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ
يَا بَرْدَ نَارِ الْخَلِيلِ يَا سَبَبًا لِعِصْمَةِ النَّارِ وَهْيَ تَحْتَرِقُ
وَرَوَى عَنْهُ ﷺ أَبُو ذَرٍّ «١» . وَابْنُ عُمَرَ «٢» . وَابْنُ عَبَّاسٍ «٣» .
وَأَبُو هُرَيْرَةَ «٤» . وَجَابِرُ «٥» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا- وَفِي بَعْضِهَا سِتًّا «٦» - لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي «٧» .
- نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.
- وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ.
- وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلِي.
- وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً.
- وَأُعْطِيتُ الشفاعة.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٦) رواه مسلم عن ابي هريرة.
(٧) وفي رواية جابر: لم يعطهن احد من الانبياء قبلي.
[ ١ / ٣٢٩ ]
وَفِي رِوَايَةٍ «١»: بَدَلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ «وَقِيلَ لِي سَلْ تُعْطَهُ»
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «٢» «وَعُرِضَ عَلَيَّ أُمَّتِي. فَلَمْ يَخْفَ عَلَيَّ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «٣» «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» .
قِيلَ: «السُّودُ» الْعَرَبُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَلْوَانِهِمُ الْأُدْمَةُ فَهُمْ مِنَ السُّودِ.
«وَالْحُمْرُ» الْعَجَمُ.
وَقِيلَ: الْبِيضُ وَالسُّودُ مِنَ الْأُمَمِ.
وَقِيلَ: «الْحُمْرُ» الْإِنْسُ.
«وَالسُّودُ» الْجِنُّ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «٤»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» ﵁ «نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ جِيءَ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فوضعت في يدي» .
_________________
(١) عن ابي ذر.
(٢) للبزار والبيهقي رحمهما الله تعالى.
(٣) عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه.
(٤) رواه الشيخان.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
[ ١ / ٣٣٠ ]
وَفِي رِوَايَةٍ «١» عَنْهُ «٢» «وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ» .
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ «٣» عَامِرٍ: أَنَّهُ قَالَ:
قَالَ ﷺ «٤» «إِنِّي فَرَطٌ «٥» لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بعدي، ولكني أخاف أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا» .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ «٦» بْنِ عمرو ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «٧» «أَنَا مُحَمَّدٌ، النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ؛ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؛ أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ، وَعُلِّمْتُ خَزَنَةَ النَّارِ، وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ» .
وَعَنِ «٨» ابن عمر «٩» ﵁ «بعثت بين يدي الساعة»
_________________
(١) رواها مسلم.
(٢) عنه: أي عن أبي هريرة:
(٣) عقبة بن عامر بن عيسى الجهني الصحابي المشهور، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كثيرا، كان قارئا عالما بالفرائض والفقه فصيح اللسان شاعرا كاتبا، وهو أحد من جمع القرآن سنة ٥٨ هـ.
(٤) رواه الشيخان.
(٥) الفرط: الذي يتقدم القوم للماء.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٧٢» رقم «٢» .
(٧) رواه أحمد بسند حسن.
(٨) رواه أحمد بسند حسن. وللشيخين والترمذي عن أنس: بعثت أنا والساعة كهاتين.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
[ ١ / ٣٣١ ]
وفي رِوَايَةِ ابْنِ «١» وَهْبٍ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ «٢»: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
سَلْ يَا مُحَمَّدُ.. فَقُلْتُ: مَا أَسْأَلُ يَا رَبِّ. اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَاصْطَفَيْتَ نُوحًا، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ.
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا أَعْطَيْتُكَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ.
- أَعْطَيْتُكَ الْكَوْثَرَ، وَجَعَلْتُ اسْمَكَ مَعَ اسْمِي يُنَادَى بِهِ فِي جَوْفِ السَّمَاءِ، وَجَعَلْتُ الْأَرْضَ طَهُورًا لَكَ وَلِأُمَّتِكَ، وَغَفَرْتُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَأَنْتَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَغْفُورًا لَكَ، وَلَمْ أَصْنَعْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ، وَجَعَلْتُ قُلُوبَ أُمَّتِكَ مَصَاحِفَهَا.
وَخَبَّأْتُ لك شفاعتك ولم أخبأها لِنَبِيٍّ غَيْرِكَ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٣» رَوَاهُ حُذَيْفَةُ «٤»
«بَشَّرَنِي- يَعْنِي «٥» رَبَّهُ﷿، أَوَّلُ مَنْ يدخل الجنة
_________________
(١) هو أبو عبد الله أبو محمد بن وهب بن مسلم الفهري المصري أحد الاعلام في الحديث طلب للقضاء فجنب نفسه وانقطع الى ان مات سنة ١٩٧ هـ.
(٢) رواه البيهقي من حديث اسماء في الاسراء حيث أتى سدرة المنتهى.
(٣) كما في تاريخ ابن عساكر مرفوعا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٤» .
(٥) كلام المصنف او من قبله.
[ ١ / ٣٣٢ ]
مَعِي مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ وَأَعْطَانِي، أَلَّا تَجُوعَ أُمَّتِي، وَلَا تُغْلَبَ، وَأَعْطَانِي، النَّصْرَ وَالْعِزَّةَ، وَالرُّعْبَ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ أُمَّتِي شَهْرًا.
- وَطَيَّبَ لِي وَلِأُمَّتِي الْمَغَانِمَ «١» .
- وَأَحَلَّ لَنَا كَثِيرًا مِمَّا شَدَّدَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» عَنْهُ ﷺ «٣» «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
مَعْنَى هَذَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: بَقَاءُ مُعْجِزَتِهِ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. وَسَائِرُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ذَهَبَتْ لِلْحِينِ، وَلَمْ يُشَاهِدْهَا إِلَّا الْحَاضِرُ لَهَا.
وَمُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ يَقِفُ عَلَيْهَا قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ عَيَانًا لا خبرا الى يوم القيامة.
_________________
(١) وفي نسخة «الغنائم» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) رواه الشيخان.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وَفِيهِ كَلَامٌ يَطُولُ، هَذَا نُخْبَتُهُ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ. وَفِيمَا ذُكِرَ فِيهِ سِوَى هَذَا آخِرَ بَابِ الْمُعْجِزَاتِ.
وَعَنْ «١» عَلِيٍّ «٢» ﵁: كُلُّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُجَبَاءَ، وُزَرَاءَ، رُفَقَاءَ، مِنْ أُمَتِّهِ، وَأُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَجِيبًا، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارٌ.
وَقَالَ ﷺ «٣» «إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي. وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» .
وَعَنِ «٤» الْعِرْبَاضِ «٥» بْنِ سارية ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَعِدَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وبشارة عيسى بن مريم» .
_________________
(١) رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٣) كما في الصحيحين.
(٤) رواه أحمد والبيهقي والحاكم وقال انه صحيح الاسناد.
(٥) عرباض بن سارية السلمي: أبو نجيح صحابي مشهور من أهل الصفة وهو ممن نزل فيه قوله تعالى: «ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت: لا اجد ما أحملكم عليه تولوا واعينهم تفيض من الدمع. كان قديم الاسلام ومات سنة ٧٥.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وَعَنِ «١» ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَهْلِ السماء وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عَلَيْهِمْ.
قَالُوا: فَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ ..
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: «وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ» «٣» الْآيَةَ.
وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا «٤»» الآية.
قالوا: وما فَضْلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟ ..
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ «٥»» الْآيَةَ.
وَقَالَ: لِمُحَمَّدٍ «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ «٦»» .
_________________
(١) رواه البيهقي، والدارمي وابن أبي حاتم.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) «فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» سورة الأنبياء ٢٩.
(٤) « لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا» سورة الفتح ٢. ومن هذا الخطاب يتبين مغفرة الله لنبيه ﷺ سابقا ولا حقا بينما وجه انذاره لملائكة السماء في الاية المتقدمة.
(٥) « لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» سورة ابراهيم رقم «٤» .
(٦) سورة سبأ «٢٨» .
[ ١ / ٣٣٥ ]
وَعَنْ «١» خَالِدِ «٢» بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ- وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «٣»، وَشَدَّادِ «٤» بْنِ أَوْسٍ، وَأَنَسِ «٥» بْنِ مَالِكٍ ﵃- فَقَالَ: «نَعَمْ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ- يَعْنِي قَوْلَهُ: «رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ «٦»» .
وَبَشَّرَ بِي عِيسَى. وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ. وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بُهْمًا لَنَا، إِذْ جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ- وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ- بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مملوّة ثلجا، فأخذاني فشقا بطني- قال في غير هذا
_________________
(١) هذا الحديث روي من طرق. ورواه ابن اسحق مرسلا، والدارمي واحمد موصولا عن خالد عن عبد الرّحمن السلمي عن عتبة بن عبد السلمي.
(٢) تابعي شامي روى عن ابن عمر وثوبان ومعاوية، من كبار التابعين وزهادهم ادرك سبعين من الصحابة أخرج له الأئمة الستة، كان يسبح في اليوم والليلة أربعين الف تسبيحة مات سنة ١٠٤ هـ.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٤) شداد بن أوس بن ثابت بن منذر ابن أخي حسان بن ثابت صحابي نزل بيت المقدس وتوفي بالشام سنة ٥٨ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) سورة البقرة «١٢٩» .
[ ١ / ٣٣٦ ]
الحديث، من نحري إلى مراقّ بَطْنِي- ثُمَّ اسْتَخْرَجَا مِنْهُ قَلْبِي، فَشَقَّاهُ، فَاسْتَخْرَجَا منه علقة سوداء فطر حاها، ثُمَّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أَنْقَيَاهُ- قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ- ثُمَّ تَنَاوَلْ أَحَدُهُمَا شَيْئًا، فَإِذَا بِخَاتَمٍ فِي يَدِهِ مِنْ نُورٍ، يَحَارُ النَّاظِرُ دُونَهُ، فَخَتَمَ بِهِ قَلْبِي فَامْتَلَأَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ، وَأَمَرَّ الْآخَرُ يَدَهُ عَلَى مَفْرَقِ صَدْرِي فَالْتَأَمَ.»
وَفِي رِوَايَةٍ «١»: إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: «قَلْبٌ وَكِيعٌ- أَيْ شديد- فِيهِ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنَانِ سَمِيعَتَانَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ،
زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ. ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ ثُمَّ قَالَ: دَعْهُ عَنْكَ، فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَوَزَنَهَا» .
قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:
«ثُمَّ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ، وَقَبَّلُوا رَأْسِي، وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ ثم قالوا: يا حبيب الله لم تُرَعْ، إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ من الخير لقرّت عيناك.
_________________
(١) للدارمي وابو نعيم في الدلائل.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وَفِي بَقِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِمْ:
«مَا أَكْرَمَكَ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ مَعَكَ وَمَلَائِكَتَهُ» .
قَالَ «١» فِي حَدِيثِ «٢» أَبِي ذَرٍّ «٣» .
«فَمَا هُوَ إِلَّا أَنَّ وَلَّيَا عَنِّي، فَكَأَنَّمَا أَرَى الْأَمْرَ معاينة» .
وحكى أبو محمد «٤» المكّي، وأبو اللَّيْثِ «٥» السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ آدَمَ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ قَالَ «٦» «اللَّهُمَّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي- ويروى- وتقبل تَوْبَتِي» .
فَقَالَ لَهُ اللَّهُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ محمدا؟ ..
قال: رَأَيْتُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. - وَيُرْوَى: مُحَمَّدٌ عَبْدِي وَرَسُولِي- فَعَلِمْتُ أَنَّهُ أَكْرَمُ خَلْقِكَ عَلَيْكَ» .
فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَغَفَرَ لَهُ.
_________________
(١) النبي ﷺ.
(٢) رواه الدارمي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
(٦) كما رواه البيهقي والطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وَهَذَا عِنْدَ قَائِلِهِ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى:
«فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ «١»» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَقَالَ آدَمُ: لَمَّا خَلَقْتَنِي رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى عَرْشِكَ فَإِذَا فِيهِ مَكْتُوبٌ.. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْظَمُ قَدْرًا عِنْدَكَ مِمَّنْ جَعَلْتَ اسْمَهُ مَعَ اسْمِكَ» .
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنَّهُ لَآخِرُ النَّبِيِّينَ مِنْ ذريتك، ولو لاه مَا خَلَقْتُكَ.
قَالَ: وَكَانَ آدَمُ يُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدٍ «٢» .
وَقِيلَ: بِأَبِي الْبَشَرِ «٣» .
وَرُوِيَ عَنْ سُرَيْجِ «٤» بْنِ يُونُسَ أَنَّهُ قَالَ:
إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سيّاحين، عبادتها على كُلُّ دَارٍ فِيهَا أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ، إِكْرَامًا منهم لمحمد ﷺ.
_________________
(١) سورة البقرة «٢٧» .
(٢) كما رواه البيهقي عن علي مرفوعا ووجه تخصيصه لأنه أشرف أولاده، أو للتشرف بإسناده.
(٣) رواه ابن قانع في معجم الصحابة له ورواه الطبراني.
(٤) سريج بن يونس بن ابراهيم الحارث البغدادي العابد القدوة أحد أئمة الحديث روى عنه مسلم والبغوي وأبو حاتم توفي سنة ٢٣٥ هـ.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وَرَوَى ابْنُ قَانِعٍ الْقَاضِي «١» عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ «٢» قَالَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ إِذَا عَلَى الْعَرْشِ مَكْتُوبٌ.. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. أَيَّدْتُهُ بِعَلِيٍّ..»
وَفِي التَّفْسِيرِ عَنِ «٣» ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما «٥»» .
قال «٦»: لوح من ذهب مَكْتُوبٌ: عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ. عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، عَجَبًا لمن رأى الدنيا وتقلّبها بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا. أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا.. مُحَمَّدٌ عَبْدِي وَرَسُولِي.»
وَعَنِ «٧» ابْنِ عَبَّاسٍ «٨» ﵄ «عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبٌ:
إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، لَا أُعَذِّبُ من قالها» .
_________________
(١) هو عبد اليافي بن فانع بن مرزوق الأموي البغدادي صاحب معجم الصحابة توفي سنة ٣٥١ هـ. وروى الحديث ابن قانع في معجم الصحابة له ورواه الطبراني.
(٢) ويعرف باسم أبي الحمراء وهما صحابيان أحدهما مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسمه هلال بن الحارث أو ابن ظفر وكان بحمص، ومن الصحابة أبو الحمراء مولى آل عفراء البدري ولا يعرف له رواية.
(٣) كما رواه الخطيب فيما رواه مالك عنه.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) سورة الكهف ٨٢.
(٦) رواه البزار مرفوعا من حديث أبي ذر وموقوفا على عمر وعلي.
(٧) قال الدلجي: لا أعلم من رواه عنه.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ١ / ٣٤٠ ]
وَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ عَلَى الْحِجَارَةِ الْقَدِيمَةِ مَكْتُوبٌ «مُحَمَّدٌ تَقِيٌّ مُصْلِحٌ، وَسَيِّدٌ أَمِينٌ» .
وَذَكَرَ السِّمِنْطَارِيُّ «١»: أَنَّهُ شَاهَدَ فِي بَعْضِ بِلَادِ خُرَاسَانَ مَوْلُودًا وُلِدَ، عَلَى أَحَدِ جَنْبَيْهِ مَكْتُوبٌ.. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..
وَعَلَى الْآخَرِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.»
وَذَكَرَ الْأَخْبَارِيُّونَ: أَنَّ بِبِلَادِ الْهِنْدِ وَرْدًا أَحْمَرَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ بِالْأَبْيَضِ.. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ «٢» بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَلَا لِيَقُمْ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ لِكَرَامَةِ اسْمِهِ ﷺ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ «٣» فِي «سَمَاعِهِ «٤»» وَابْنُ وهب «٥» في «جامعه «٦»» عن مالك «٧»:
_________________
(١) نسبة لسمنطار قرية من جزائر الغرب وهو أبكر بن عتيق بن علي أحد عباد الجزيرة وزهادها وهو من الأجلة وله تأليف في فنون وعلوم
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
(٣) أبي العتيقي عبد الرّحمن جمع بين الزهد والعلم صحب مالكا عشرين سنة أخرج له البخاري وأبو داوود والنسائي وهو من الثقات مات بمصر سنة ١٩١ هـ.
(٤) في سماعه عن شيوخه.
(٥) عبد الله بن وهب أبو محمد تفقه بمالك وروى عنه وعن غيره وصنف الموطا الكبير والصغير توفي سنة ١٩٦ هـ.
(٦) جامعه: في كتاب له ألفه.
(٧) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر ولد سنة ٩٥ هـ الإمام المشهور في الفقه والحديث وكفاه فخرا أن الشافعي من أصحابه وكان مبالغا في تعظيم العلم والدين توفي سنة ١٧٩.
[ ١ / ٣٤١ ]
سَمِعْتُ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: «مَا مِنْ بَيْتٍ فيه اسم محمد إلا نمى، وَرُزِقُوا، وَرُزِقَ جِيرَانُهُمْ.»
وَعَنْهُ ﷺ «١» «مَا ضَرَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ مُحَمَّدٌ وَمُحَمَّدَانِ وَثَلَاثَةٌ» .
وَعَنْ «٢» عَبْدِ اللَّهِ بْنِ «٣» مَسْعُودٍ ﵁: إِنَّ اللَّهَ تعالى نظر إلى قلوب العباد فاختار مِنْهَا قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ.
وَحَكَى النَّقَّاشُ «٤» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ «وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا «٥»» الآية. قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: يَا «مَعْشَرَ أَهْلِ الْإِيمَانِ.. إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَنِي عَلَيْكُمْ تَفْضِيلًا، وَفَضَّلَ نسائي على نسائكم تفضيلا.»
الحديث..
_________________
(١) رواه ابن سعد من حديث عثمان العمري مرفوعا.
(٢) رواه احمد والبزار والطبراني.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٥٦» رقم «٢٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٩٠» رقم «١» .
(٥) «إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا» سورة الاحزاب ٥٣.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي كَرَامَةُ الْإِسْرَاءِ
فِي تَفْضِيلِهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ كَرَامَةُ الْإِسْرَاءِ مِنَ الْمُنَاجَاةِ وَالرُّؤْيَةِ، وَإِمَامَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْعُرُوجِ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى.
وَمِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ قِصَّةُ الْإِسْرَاءِ، وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ دَرَجَاتِ الرِّفْعَةِ مِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ، وَشَرَحَتْهُ صِحَاحُ الْأَخْبَارِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «١»» الآية.
وقال تعالى «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «٢»» إلى قوله «لَقَدْ رَأى
_________________
(١) «إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» سورة الاسراء ١.
(٢) سورة النجم ١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «١»» .
فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي صِحَّةِ الْإِسْرَاءِ بِهِ ﷺ، إِذْ هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ، وَجَاءَتْ بِتَفْصِيلِهِ وَشَرْحِ عَجَائِبِهِ وَخَوَاصِّ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ رَأَيْنَا أَنْ نُقَدِّمَ أَكْمَلَهَا ونشير زيادة من غيره يجب ذكرها.
عَنْ أَنَسِ «٢» بْنِ مَالِكٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ «٣» «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرَفِهِ، قَالَ: «فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبُطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ.» .
فَقَالَ جِبْرِيلُ: «اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه..
_________________
(١) سورة النجم ١٧.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) رواه مسلم.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ ﷺ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إليه: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بابني الخالة عيسى بن مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا. فَرَحَّبَا بِي وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ. - وَذَكَرَ مِثْلَهُ- فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
قال الله تعالى «وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا «١»» ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ- فَذَكَرَ مِثْلَهُ- فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ- فَذَكَرَ مِثْلَهُ- فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ- فَذَكَرَ مِثْلَهُ- فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ. ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ «٢»، وَإِذَا ثمرها كالقلال «٣» ..
_________________
(١) سورة مريم ٥٦.
(٢) الفيلة: بكسر الفاء وفتح المثناة التحتية جمع فيل.
(٣) القلال: جمع قيلة وهي الجرة وشبهها بها لمد ظلها ولطف ورقها وطيب ثمرها.
[ ١ / ٣٤٥ ]
قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ:
مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خمسين صلاة قال: إرجع إلى ربك فاسأل التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ.. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ.. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ يَا مُحَمَّدُ إنّهن خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عشرة، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.. قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فقال رسول ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إلى ربي حتى استحيت منه.
[ ١ / ٣٤٦ ]
قال القاضي: جَوَّدَ ثَابِتٌ «١» ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ «٢» مَا شَاءَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ عَنْهُ بِأَصْوَبَ مِنْ هَذَا. وَقَدْ خَلَطَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ تَخْلِيطًا كَثِيرًا لَا سِيَّمَا مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكِ «٣» بْنِ أَبِي نَمِرٍ.
فَقَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ مَجِيءَ الْمَلَكِ لَهُ، وَشَقَّ بَطْنِهِ وَغَسْلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ وَهُوَ صَبِيٌّ وَقَبْلَ الْوَحْيِ، وَقَدْ قَالَ شَرِيكٌ فِي حَدِيثِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَذِكْرُ قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْوَحْيِ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ إِنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ.
وَقِيلَ: قَبْلَ هَذَا.
وَقَدْ رَوَى ثَابِتٌ «٤» عَنْ أَنَسٍ «٥» مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ «٦» بْنِ سَلَمَةَ أَيْضًا «٧» مَجِيءَ جِبْرِيلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغلمان عند ظئره «٨»
_________________
(١) وهو أحد رجال سند هذا الحديث وهو ثابت البناني نسبة لحي من العرب يقال لهم بنانة وهو ثقة ثابت كاسمه أخرج له أصحاب الكتب الستة، رأس العلماء العابدين في عصره توفي سنة ١٢٧ هـ.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) تابعي صدوق ثقة وهو القاضي المدني توفي سنة ١٤٠ هـ.
(٤) وهو أحد رجال سند هذا الحديث وهو ثابت البناني نسبة لحي من العرب يقال لهم بنانة وهو ثقة ثابت كاسمه أخرج له أصحاب الكتب الستة، رأس العلماء العابدين في عصره توفي سنة ١٢٧ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٢» .
(٧) رواه البخاري.
(٨) ظئرة: مرضعته حليمة.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وَشَقَّهُ قَلْبَهُ تِلْكَ الْقِصَّةَ مُفْرَدَةً مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ كَمَا رَوَاهُ النَّاسُ، فَجَوَّدَ فِي الْقِصَّتَيْنِ، وَفِي أَنَّ الْإِسْرَاءَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى كَانَ قِصَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَّهُ وَصَلَ إلى بيت المقدس، ثم عرج من هناك فأزاح كل إشكال أو همه غَيْرُهُ.
وَقَدْ رَوَى يُونُسُ «١» عَنِ ابْنِ شِهَابٍ «٢» عن أنس قال: كان أبوذر «٣» يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال «٤» «فرج سقف بيتي فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتليء حكمة وإيمانا فأفرغها في صَدْرِي ثُمَّ أُطَبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ» فَذَكَرَ الْقِصَّةَ.
وَرَوَى قَتَادَةُ «٥» الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ عَنْ أَنَسٍ «٦» عَنْ مَالِكِ «٧» بْنِ صعصعة
_________________
(١) وهو يونس بن يزيد الأيلي القرشي يروي عن الزهري ونافع قال ابن معين صدوق وقال أبو داوود ليس بحجة توفي سنة ١٥٩ هـ.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٤) رواه الشيخان.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٣» !
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٧) مالك بن صعصعة الخزرجي المازني أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد في مسنده وليس له في الكتب غير حديث الإسراء. قال النووي روى له عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خمسة أحاديث اتفق البخاري ومسلم على أحدها وهو حديث الإسراء وهو أحسن احاديث الإسراء.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وفيها تقديم وتأخير، وزيادة وَنَقْصٌ، وَخِلَافٌ فِي تَرْتِيبِ الْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَاوَاتِ «١» .
وَحَدِيثُ ثَابِتٍ «٢» عَنْ أَنَسٍ «٣» أَتْقَنُ وَأَجْوَدُ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ زِيَادَاتٌ نَذْكُرُ مِنْهَا نكتا «٤» مفيدة في غرضنا.
مِنْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ «٥» وَفِيهِ «قَوْلُ كُلِّ نَبِيٍّ لَهُ «مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ» إِلَّا آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ فَقَالَا لَهُ «وَالِابْنِ الصَّالِحِ» .
وَفِيهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٦» «ثُمَّ عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صَرِيفَ «٧» الْأَقْلَامِ «٨» .
وَعَنْ أَنَسٍ «٩» «ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حتى أتيت سدرة المنتهى
_________________
(١) رواه الشيخان
(٢) تقدمت ترجمته آنفا.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٤) النكت: المعاني اللطيفة.
(٥) ابن شهاب الزهري تقدمت ترجمته في ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٧) صريف: بصاد وراء مهملتين وفاء كالصرير وهو صوت حركة الأجرام والمراد صوت القلم على الورق.
(٨) كما رواه البخاري وأحمد وغيرهما.
(٩) مرفوعا.
[ ١ / ٣٤٩ ]
فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ. قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ.»
وَفِي حَدِيثِ «١» مَالِكِ «٢» بْنِ صَعْصَعَةَ «فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ- يَعْنِي مُوسَى- بَكَى فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ هَذَا غُلَامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي» .
وَفِي حَدِيثِ «٣» أَبِي هُرَيْرَةَ «٤» «وَقَدْ رَأَيْتُنِي «٥» فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ.»
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَ فَرَبَطَ فَرَسَهُ إِلَى صَخْرَةٍ فَصَلَّى مَعَ الْمَلَائِكَةِ فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ قَالُوا:
يَا جِبْرِيلُ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، قَالُوا: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالُوا: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَخَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ.
ثُمَّ لَقُوا أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ فَأَثْنَوْا على ربهم- وذكر كلام كل واحد
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣٤٨» رقم «٧» .
(٣) رواه البيهقي وغيره.
(٤) تقدمت ترجمته في «٣١» رقم «٥» .
(٥) رأيتني: بضم التاء ضمير المتكلم والرؤية هنا بصرية لأن الإسراء كان في اليقظة
[ ١ / ٣٥٠ ]
منهم وهم ابراهيم- وموسى- وعيسى- وداوود- وَسُلَيْمَانُ- ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ.
فَقَالَ: وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ﷿ فَقَالَ «كُلُّكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ وَأَنَا أَثْنَى عَلَيَّ رَبِّي:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.
وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْفُرْقَانَ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَجَعَلَ أُمَّتِي خَيْرَ أُمَّةٍ.
وَجَعَلَ أُمَّتِي أُمَّةً وَسَطًا.
وَجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الْأَوَّلُونَ وَهُمُ الْآخِرُونَ.
وَشَرَحَ لِي صَدْرِي، وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي، وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا.
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: بِهَذَا فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
وَفِي حَدِيثِ «١» ابْنِ مَسْعُودٍ «وَانْتَهَى بي إلى سدرة المنتهى،
_________________
(١) رواه أبو نعيم في دلائله وابن عرفة في جزئه.
[ ١ / ٣٥١ ]
وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا.
قال تعالى: «إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى «١»» .
قال «٢» فراش من ذهب.
ومن رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ «٣» مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ «٤» بْنِ أنس:
«فقيل لي: هذه سدرة الْمُنْتَهَى، يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِكَ خَلَا «٥» عَلَى سَبِيلِكِ، وَهِيَ السِّدْرَةُ الْمُنْتَهَى، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى، وَهِيَ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا، وَأَنَّ وَرَقَةً مِنْهَا مِظَلَّةُ الْخَلْقِ فَغَشِيَهَا نُورٌ، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ.
قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ «إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى»
فقال ﵎ له: «سل»
_________________
(١) سورة النجم ١٥.
(٢) أي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) البكري البصري التابعي نزيل خراسان ثقة يروي عن أنس توفي سنة ١٣٩ هـ.
(٥) خلا: مضى.
[ ١ / ٣٥٢ ]
فَقَالَ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا عظيما.
وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داوود مُلْكًا عَظِيمًا، وَأَلَنْتَ لَهُ الْحَدِيدَ، وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِبَالَ، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ وَالرِّيَاحَ، وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَّمْتَ عِيسَى التَّوْرَاةَ والإنجيل، وجعلته يبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَأَعَذْتَهُ وَأُمَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمَا سَبِيلٌ.
فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا وَحَبِيبًا، فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدٌ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ: وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلُونَ وَهُمُ الْآخِرُونَ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي، وَجَعَلْتُكَ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا، وَآخِرَهُمْ بَعْثًا وَأَعْطَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي، وَلِمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَأَعْطَيْتُكَ خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرش، ولم أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتَمًا.
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «١» قَالَ «فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثلاثا:
_________________
(١) التي رواها مسلم.
[ ١ / ٣٥٣ ]
- أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.
- وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
- وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ أُمَّتِهِ الْمُقْحِمَاتُ «١» .
وَقَالَ «٢» «مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى «٣»» الآيتين.
رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ.
وَفِي حَدِيثِ شَرِيكٍ «٤» «أَنَّهُ رَأَى مُوسَى فِي السَّابِعَةِ- قَالَ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ- قَالَ: ثُمَّ علي بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
فَقَالَ مُوسَى: لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عليّ أحد.
وقد «٥» روي عَنْ أَنَسٍ «٦» أَنَّهُ ﷺ «صَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ» .
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قال: قال رسول ﷺ:
«بينا أَنَا قَاعِدٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فوكز بين
_________________
(١) المقحمات السيئات المهلكات.
(٢) ابن مسعود.
(٣) سورة النجم ١٠.
(٤) شريك بن أبي نمر، التابعي الصدوق الثقة القاضي المدني توفي سنة ١٤٠ هـ
(٥) رواه البزار والبيهقي عنه.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
[ ١ / ٣٥٤ ]
كَتِفَيَّ فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّائِرِ، فَقَعَدَ فِي وَاحِدَةٍ وَقَعَدْتُ فِي الْأُخْرَى، فنمت حتى سدّت الخافقين، ولو شئت لمسست السَّمَاءَ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي، وَنَظَرْتُ جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ حلس «١» لاطىء «٢» فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ عَلَيَّ وَفَتَحَ لِي بَابَ السَّمَاءِ، وَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ وَلَطَّ «٣» دُونِي الْحِجَابُ وَفَرَجَهُ الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا شَاءَ أَنْ يُوحِيَ.
وَذَكَرَ الْبَزَّارُ «٤» عَنْ عَلِيِّ بْنِ «٥» أَبِي طَالِبٍ ﵁:
لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَ رسوله ﷺ الْأَذَانَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا الْبُرَاقُ فَذَهَبَ يَرْكَبُهَا فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهَا جِبْرِيلُ: اسكني، فو الله مَا رَكِبَكِ عَبْدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَرَكِبَهَا حَتَّى أتى بها إلى الحجاب الذي يلي الرّحمن تعالى، فبينا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ مَلَكٌ مِنَ الْحِجَابِ.
_________________
(١) حلس: كساء رقيق يلي ظهر البعير.
(٢) لاطىء: لاصق.
(٣) لط: أرخى.
(٤) هو احمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل ثقة حافظ توفي سنة ٢٩٢ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
[ ١ / ٣٥٥ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا!!»
قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَأَقْرَبُ الْخَلْقِ مَكَانًا وَإِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا رَأَيْتُهُ مُنْذُ خُلِقْتُ قَبْلَ سَاعَتِي هَذِهِ.
فَقَالَ الْمَلَكُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ
فَقِيلَ لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ
صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ أَنَا أَكْبَرُ
ثُمَّ قَالَ الْمَلَكُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
فَقِيلَ لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ:
صَدَقَ عَبْدِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا..
وَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا فِي بَقِيَّةِ الْأَذَانِ. إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يذكر جوابا على قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ.
وقال: ثم أخذ الملك بيد محمد ﷺ فَقَدَّمَهُ فَأَمَّ أَهْلَ السَّمَاءِ.
فِيهِمْ آدَمُ وَنُوحٌ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ «١» مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحسين راويه «٢»:
_________________
(١) هو محمد بن علي زين العابدين بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أبو جعفر الباقر كان ناسكا عابدا ولد بالمدينة وتوفي بالحميمة ودفن بالمدينة سنة ١١٤ هـ.
(٢) أي راوي هذا الحديث الذي ذكره البزار في مسنده.
[ ١ / ٣٥٦ ]
أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ الشَّرَفَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
قَالَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ: مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ الْحِجَابِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ لَا فِي حَقِّ الْخَالِقِ، فَهُمُ الْمَحْجُوبُونَ، وَالْبَارِي جَلَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَمَّا يَحْجُبُهُ. إِذِ الْحُجُبُ إِنَّمَا تُحِيطُ بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوسٍ. وَلَكِنْ حُجُبُهُ عَلَى أَبْصَارِ خَلْقِهِ وَبَصَائِرِهِمْ وَإِدْرَاكَاتِهِمْ بِمَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ «١»» .
فقوله في هذا الحديث «الحجاب» «وإذا خرج ملك من مِنَ الْحِجَابِ» يَجِبُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ حِجَابٌ حَجَبَ بِهِ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا دُونَهُ مِنْ سُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَعَجَائِبِ مَلَكُوتِهِ وَجَبَرُوتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُ جِبْرِيلَ عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ وَرَائِهِ: إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا رَأَيْتُهُ مُنْذُ خُلِقْتُ قَبْلَ سَاعَتِي هَذِهِ» فَدَلَّ: عَلَى أَنَّ هَذَا الْحِجَابَ لَمْ يَخْتَصَّ بِالذَّاتِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ كَعْبٍ «٢» فِي تَفْسِيرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ: إِلَيْهَا يَنْتَهِي عِلْمُ الْمَلَائِكَةِ، وَعِنْدَهَا يَجِدُونَ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُجَاوِزُهَا عِلْمُهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ «الَّذِي يلي الرّحمن» فيحمل على حذف مضاف أي:
_________________
(١) سورة المطففين ١٤.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٣» .
[ ١ / ٣٥٧ ]
يَلِي عَرْشَ الرَّحْمَنِ: أَوْ أَمْرًا مَا مِنْ عظيم آياته، أو مبادي حَقَائِقِ مَعَارِفِهِ مِمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ.
كَمَا قال تعالى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١»» أَيْ «أَهْلَهَا» .
وَقَوْلُهُ: فَقِيلَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ
فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ سَمِعَ في هذا الموطن كلام الله تعالى ولكن من وراء حجاب.
كما قال تَعَالَى: «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «٢»» أَيْ وَهُوَ لَا يَرَاهُ، حَجَبَ بَصَرَهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ.
فَإِنْ صَحَّ الْقَوْلُ: بِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ ﷿. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْطِنِ. بَعْدَ هَذَا. أَوْ قَبْلَهُ رَفَعَ الْحِجَابَ عَنْ بَصَرِهِ حتى رآه.
والله أعلم.
_________________
(١) سورة يوسف ٨٢ «الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ» .
(٢) سورة الشورى ٥١ «أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ.
[ ١ / ٣٥٨ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ حَقِيقَةُ الْإِسْرَاءِ
ثُمَّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْعُلَمَاءُ
هَلْ كَانَ إِسْرَاؤُهُ بِرُوحِهِ أَوْ جَسَدِهِ!؟ ..
على ثلاث مقالات:
فذهب طَائِفَةٌ: إِلَى أَنَّهُ إِسْرَاءٌ بِالرُّوحِ، وَأَنَّهُ رُؤْيَا مَنَامٍ.
مَعَ اتِّفَاقِهِمْ: أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ وَوَحْيٌ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ «١» مُعَاوِيَةُ «٢» وَحُكِيَ «٣» عَنِ الْحَسَنِ «٤»، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ خِلَافُهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدُ بن اسحق «٥» .
_________________
(١) كما رواه ابن اسحق وابن جرير عنه.
(٢) معاوية بن أبي سفيان صحابي ابن صحابي وهو أمير المؤمنين ﵁ توفي بالشام سنة ٦٠ هـ وكان عنده إزار رسول الله ﷺ ورداءه وشيء من شعره وظفره فكفن برداءه وإزاره وحشي شعره وظفره بفيه ومنخره بوصية منه رضي الله تعالى عنه.
(٣) والمشهور عند خلافه أي يقظة.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٧» .
[ ١ / ٣٥٩ ]
وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى «وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ «١»» .
وَمَا «٢» حَكَوْا عَنْ عَائِشَةَ «٣» ﵂:
مَا فَقَدْتُ «٤» جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
وَقَوْلُهُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ» .
وَقَوْلُ أَنَسٍ «٥»: وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: فَاسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..
وَذَهَبَ مُعْظَمُ السَّلَفِ وَالْمُسْلِمِينَ: إِلَى أَنَّهُ إِسْرَاءٌ بِالْجَسَدِ وَفِي الْيَقَظَةِ.
وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ «٦» - وَجَابِرٍ «٧» - وَأَنَسٍ «٨» - وَحُذَيْفَةَ «٩» - وَعُمَرَ «١٠» - وَأَبِي هريرة «١١» - ومالك
_________________
(١) سورة الاسراء ٦٠ «والشجرة الملعونة في القران ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا» .
(٢) من رواية ابن اسحق وابن جرير.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٤) ويبطله أنه ما بنى إلا بعد الهجرة.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «٦» .
(٨) ويبطله أنه ما بنى إلا بعد الهجرة.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٦» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(١١) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
[ ١ / ٣٦٠ ]
بْنِ صَعْصَعَةَ «١» - وَأَبِي حَبَّةَ «٢» الْبَدْرِيِّ- وَابْنِ مَسْعُودٍ «٣» - وَالضَّحَّاكِ «٤» - وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «٥» - وَقَتَادَةَ «٦» - وَابْنِ الْمُسَيَّبِ «٧» - وَابْنِ شِهَابٍ «٨» - وَابْنِ زَيْدٍ «٩» - وَالْحَسَنِ «١٠» - وَإِبْرَاهِيمَ «١١» - وَمَسْرُوقٍ «١٢» ومجاهد «١٣» - وعكرمة «١٤» - وبن جُرَيْجٍ «١٥» .
وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِ عَائِشَةَ «١٦» . وَهُوَ قَوْلُ الطبرى «١٧» - وابن
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٣٤٨» رقم «٧» .
(٢) هو عامر بن عبد عمرو بن عمير بن ثابت وذكر الوافدي أنه شهد صفين مع علي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٧٥» رقم «٦» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٤» .
(٦) قتادة بن دعامة تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٣» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٢٥٢) رقم (٣) .
(٨) تقدمت ترجمته في ص (٢٥١) رقم (٤) .
(٩) تقدمت ترجمته في ص (٦٨) رقم (٥) .
(١٠) تقدمت ترجمته في ص (٦٠) رقم (٨) .
(١١) ابراهيم بن يزيد بن قيس النخعي المكنى بأبي عمران من أكابر التابعين صلاحا وصدق رواية وحفظا للحديث، فقيه العراق، كان إماما مجتهدا له مذهب توفي سنة ٩٦ هـ.
(١٢) مسروق بن أجدع الهمداني أحد الأعلام، كان أعلم بالفتيا من شريح أخرج له أصحاب الكتب الستة سمي مسروق لأنه سرق وهو صغير ثم وجد توفي سنة ٦٣ هـ.
(١٣) تقدمت ترجمته في ص (٧٠) رقم (١) .
(١٤) تقدمت ترجمته في ص (١٦) رقم (١) .
(١٥) تقدمت ترجمته في ص (١٥٩) رقم (١) .
(١٦) تقدمت ترجمته في ص (١٤٦) رقم (٥) .
(١٧) تقدمت ترجمته في ص (١٨٢) رقم (٢) .
[ ١ / ٣٦١ ]
حنبل «١» - وجماعة عظيمة من المسلمين.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ الْإِسْرَاءُ بِالْجَسَدِ يَقَظَةً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِلَى السَّمَاءِ بِالرُّوحِ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى «٢»» .
فَجَعَلَ «إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» غَايَةَ الْإِسْرَاءِ الَّذِي وَقَعَ التَّعَجُّبُ فِيهِ بِعَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَالتَّمَدُّحِ بِتَشْرِيفِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهِ وَإِظْهَارِ الْكَرَامَةِ لَهُ بِالْإِسْرَاءِ إِلَيْهِ.
قَالَ هَؤُلَاءِ: ولو كان الإسراء بجسده الى زائد الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَذَكَرَهُ، فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي الْمَدْحِ.
ثم اختلفت هذه الفرقة: هَلْ صَلَّى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ؟! أَمْ لَا فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «٣» وَغَيْرِهِ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ فيه.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (١٦٥) رقم (١) .
(٢) سورة الاسراء ١ «الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
[ ١ / ٣٦٢ ]
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ «١» حُذَيْفَةُ «٢» بْنُ الْيَمَانِ وَقَالَ:
«وَاللَّهِ مَا زَالَا عَنْ ظَهْرِ الْبُرَاقِ حَتَّى رَجَعَا»
قَالَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ: وَالْحَقُّ مِنْ هَذَا وَالصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ إِسْرَاءٌ بِالْجَسَدِ وَالرُّوحِ فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآيَةُ وَصَحِيحُ الْأَخْبَارِ وَالِاعْتِبَارُ.
- وَلَا يَعْدِلُ عَنِ الظَّاهِرِ وَالْحَقِيقَةِ إِلَى التَّأْوِيلِ إِلَّا عِنْدَ الِاسْتِحَالَةِ، وَلَيْسَ فِي الْإِسْرَاءِ بِجَسَدِهِ وَحَالِ يَقَظَتِهِ اسْتِحَالَةٌ.
- إِذْ لَوْ كَانَ مَنَامًا لَقَالَ: بِرُوحِ عَبْدِهِ. وَلَمْ يَقُلْ بِعَبْدِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى «مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٣»» وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمَا كَانَتْ فِيهِ آيَةٌ ولا معجزة ولما استبعده الكفار ولا كذّبوا فِيهِ وَلَا ارْتَدَّ بِهِ ضُعَفَاءُ مَنْ أَسْلَمَ وَافْتُتِنُوا بِهِ إِذْ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْمَنَامَاتِ لا ينكر.
بل لم يكن ذلك منهم إِلَّا وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ خَبَرَهُ إِنَّمَا كَانَ عَنْ جِسْمِهِ وَحَالِ يَقَظَتِهِ.
إِلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ صَلَاتِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ بِبَيْتِ المقدس
_________________
(١) رواه أحمد عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٦٤) رقم (٤) .
(٣) سورة النجم ١٦.
[ ١ / ٣٦٣ ]
فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ، أَوْ فِي السَّمَاءِ عَلَى مَا رَوَى غَيْرُهُ، وَذِكْرِ مَجِيءِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالْبُرَاقِ وَخَبَرِ الْمِعْرَاجِ، وَاسْتِفْتَاحِ السَّمَاءِ، فَيُقَالُ: مَنْ مَعَكَ؟ ..
فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَلِقَائِهِ الْأَنْبِيَاءَ فِيهَا، وَخَبَرِهِمْ مَعَهُ، وَتَرْحِيبِهِمْ بِهِ، وَشَأْنِهِ فِي فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَمُرَاجَعَتِهِ مَعَ مُوسَى فِي ذَلِكَ وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ «فَأَخَذَ- يَعْنِي جِبْرِيلُ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ» إِلَى قَوْلِهِ «ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ بِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ» وَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَأَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَرَأَى فِيهَا مَا ذَكَرَهُ.
قَالَ «١» ابن عباس «٢»: «هي رؤيا عين رآها ﷺ لَا رُؤْيَا مَنَامٍ» .
وَعَنِ «٣» الْحَسَنِ «٤» فِيهِ «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الحجر جاءني جبريل فهمزني «٥» بعقبه فقمث فَجَلَسَتْ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَعُدْتُ لِمَضْجَعِي- ذَكَرَ ذلك ثلاثا-
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦)
(٣) رواه ابن اسحاق وابن جرير عنه مرسلا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٦٠) رقم (٨) .
(٥) همزني: همزه كضربه وما وقع في بعض النسخ نهرني من تحريف النساخ أي مسني بشدة لينبهني.
[ ١ / ٣٦٤ ]
فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «فَأَخَذَ بِعَضُدَيَّ فَجَرَّنِي إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا بِدَابَّةٍ.. وَذَكَرَ خَبَرَ الْبُرَاقِ..
وعن «١» أمّ هانيء «٢»: مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ. صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَنَامَ بَيْنَنَا، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبْنَا «٣» رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ وَصَلَّيْنَا.
قَالَ «يا أمّ هانيء.. لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي. ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ. ثُمَّ صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ مَعَكُمُ الْآنَ كَمَا ترون..»
وهذا بيّن في أنّه بجسده..
وَعَنْ «٤» أَبِي بَكْرٍ «٥» مِنْ رِوَايَةِ شَدَّادِ «٦» بْنِ أوس عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ:
«طَلَبْتُكَ يَا رَسُولَ الله البارحة في مكانك فلم أجدك» ..
_________________
(١) روى ذلك عنها ابن اسحق والطبراني وابن جرير.
(٢) بنت أبي طالب أخت علي صحابية عظيمة المقدار أسلمت يوم الفتح وخطبها النبي ص فاعتذرت بانها امرأة ذات أولاد فعذرها النبي ﵊ روى عنها أصحاب الكتب الستة وقد عاشت بعد علي بن أبي طالب.
(٣) أهبنا: بالهمزة في اوله وتشديد الموحدة أي أيقظنا.
(٤) رواه البيهقي وابن مردويه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (١٥٦) رقم (٦) .
(٦) تقدمت ترجمته في ص (٣٣٦) رقم (٤) .
[ ١ / ٣٦٥ ]
فَأَجَابَهُ «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ حَمَلَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
وَعَنْ «١» عُمَرَ «٢» ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلَّيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلْتُ الصَّخْرَةَ فَإِذَا بِمَلَكٍ قَائِمٍ مَعَهُ آنِيَةٌ ثَلَاثٌ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَهَذِهِ التَّصْرِيحَاتُ ظَاهِرَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ فَتُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا.
وَعَنْ «٣» أَبِي ذَرٍّ «٤» عَنْهُ ﷺ: «فُرِجَ «٥» سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَشَرَحَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ.. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي..
وعن أنس «٦» «أتيت فانطلقوا بِي إِلَى زَمْزَمَ، فَشَرَحَ عَنْ صَدْرِي» .
وَعَنْ «٧» أبي هريرة «٨» عَنْهُ «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي
_________________
(١) رواه ابن مردويه عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (١١٣) رقم (٤) .
(٣) في الصحيحين مرفوعا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٢٨٥) رقم (١) .
(٥) فرج: مبني المجهول مخفف الراء.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
(٧) رواه مسلم.
(٨) تقدمت ترجمته في ص (٣١) رقم (٥) .
[ ١ / ٣٦٦ ]
عَنْ مَسْرَايَ.. فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ.. فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ» .
وَنَحْوُهُ «١» عَنْ جَابِرٍ «٢» ..
وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ «٣» الْخَطَّابِ ﵁ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
«ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى خديجة وما تحوّلت عن جانبها» .
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (١٥٤) رقم (١) .
(٣) تقدمت ترجمته في ص (١١٣) رقم (٤) .
[ ١ / ٣٦٧ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ إِبْطَالُ الْحُجَجِ فِي إِبْطَالِ حُجَجِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَوْمٌ
احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ «١»» فسمّاها رؤيا..
قلنا: قوله: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ «٢»» يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي النَّوْمِ «أَسْرَى» .
وَقَوْلُهُ: فِتْنَةً لِلنَّاسِ» يُؤَيِّدُ أَنَّهَا رُؤْيَا عَيْنٍ وَإِسْرَاءٌ بِشَخْصٍ إِذْ لَيْسَ فِي الْحُلْمِ «٣» فِتْنَةٌ، وَلَا يُكَذِّبُ بِهِ أَحَدٌ، لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ مِنَ الْكَوْنِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَقْطَارٍ مُتَبَايِنَةٍ.
عَلَى أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ «إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ مِنْ ذلك.
_________________
(١) «إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ سورة الاسراء ٥٩.
(٢) سورة الاسراء ١
(٣) الحلمّ: بضمتين أو ضم فسكون وهو ما يراه النائم.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ سَمَّاهَا فِي الْحَدِيثِ مَنَامًا
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ» وَقَوْلُهُ أَيْضًا: «وَهُوَ نَائِمٌ»
وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ» فَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِذْ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَوَّلَ وُصُولِ الْمَلَكِ إِلَيْهِ كَانَ وَهُوَ نَائِمٌ. أَوْ: أَوَّلَ حَمْلِهِ وَالْإِسْرَاءِ بِهِ وَهُوَ نَائِمٌ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا إِلَّا ما يدلّ عليه قوله: «ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» .
فَلَعَلَّ قَوْلَهُ: «اسْتَيْقَظْتُ» بِمَعْنَى أَصْبَحْتُ، أَوِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمٍ آخَرَ بَعْدَ وُصُولِهِ بَيْتَهُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَسْرَاهُ لَمْ يَكُنْ طُولَ لَيْلِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ: «اسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» لِمَا كَانَ غَمَرَهُ مِنْ عَجَائِبِ مَا طَالَعَ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَخَامَرَ بَاطِنَهُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَمَا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، فَلَمْ يَسْتَفِقْ، وَيَرْجِعْ إِلَى حَالِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَّا وَهُوَ بالمسجد الحرام.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنْ يَكُونَ نَوْمُهُ وَاسْتِيقَاظُهُ حَقِيقَةً عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ، وَلَكِنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وَقَلْبُهُ حَاضِرٌ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ، تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ.
وَقَدْ مَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْإِشَارَاتِ إِلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا قَالَ: تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَصِحُّ هَذَا أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ صَلَاتِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَلَعَلَّهُ كَانَتْ لَهُ فِي هَذَا الْإِسْرَاءِ حَالَاتٌ.
وَوَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ يعبّر بالنوم ههنا عَنْ هَيْئَةِ النَّائِمِ مِنَ الِاضْطِجَاعِ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ «١» بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ هَمَّامٍ «٢»:
«بينا أنا نائم» - وربما قال- مُضْطَجِعٌ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ» فَيَكُونُ سَمَّى هَيْئَتَهُ بِالنَّوْمِ لَمَّا كَانَتْ هَيْئَةُ النَّائِمِ غَالِبًا.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنَّ هذه الزيادات من النوم، وذكر شق
_________________
(١) عبد الله بن حميد بن نصر بن الكشي وهو الامام الحافظ توفى سنة ٢٤٩ هـ
(٢) همام بن يحيى العوذي نسبة للعوذ بطن من الازد، امام ثقة أخرج له الستة توفي سنة ١٦٣.
[ ١ / ٣٧٠ ]
الْبَطْنِ وَدُنُوِّ الرَّبِّ ﷿ الْوَاقِعَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ «١» عَنْ أَنَسٍ «٢» فَهِيَ مُنْكَرَةٌ «٣» مِنْ رِوَايَتِهِ.
إِذْ شَقُّ الْبَطْنِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إِنَّمَا كَانَ في صغره ﷺ.
وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: «قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ» والإسراء بالإجماع كَانَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ. فَهَذَا كُلُّهُ يُوَهِّنُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ «٤» مَعَ أَنَّ أَنَسًا قَدْ بَيَّنَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ أَنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
فَقَالَ مَرَّةً: «عَنْ مَالِكِ «٥» بْنِ صَعْصَعَةَ»
وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: «لَعَلَّهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ» عَلَى الشَّكِّ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٣٥٤) رقم (٤) .
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
(٣) منكرة: أي شاذة مخالفة لروايات سائر الثقات لان شريك طعن فيه ابن حبان وغيره وقالوا ليس بثبت.
(٤) قال العسقلاني في باب المعراج في كتاب المبعث: استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الاسراء وقال: انما وقع وهو صغير في بني سعد. ولا انكار في ذلك فقد تواردت الاخبار وثبت شق الصدر عند البعثة أيضا كما اخرجه أبو نعيم في الدلائل ولكل منها حكمة: وقد ثبت أيضا من غير رواية شريك في الصحيحين من حديث أبي ذر. وان شق الصدر وقع ايضا عند البعثة كما أخرجه أبو داوود والطيالسي في مسنده. وأبو نعيم والبيهقي في دلائل النبوة وكذلك قال العراقي والقرطبي.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٣٤٨) رقم (٧) .
[ ١ / ٣٧١ ]
وَقَالَ مَرَّةً: «كَانَ أَبُو ذَرٍّ «١» يُحَدِّثُ» «٢»
وَأَمَّا قَوْلُ «٣» عَائِشَةَ «٤»: «مَا فَقَدْتُ جَسَدَهُ» فَعَائِشَةُ لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ زَوْجَهُ، وَلَا فِي سِنِّ مَنْ يَضْبُطُ وَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ وُلِدَتْ بَعْدُ. عَلَى الْخِلَافِ فِي الْإِسْرَاءِ مَتَى كَانَ.
- فَإِنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ «٥» وَمَنْ وَافَقَهُ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِعَامٍ وَنِصْفٍ وَكَانَتْ عَائِشَةُ «٦» فِي الْهِجْرَةِ بِنْتُ نَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ.
وَقَدْ قِيلَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ لِخَمْسٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَقِيلَ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامٍ.
وَالْأَشْبَهُ: أَنَّهُ لِخَمْسٍ.
وَالْحُجَّةُ لذلك: تطول.. ليست مِنْ غَرَضِنَا فَإِذَا لَمْ تُشَاهِدْ ذَلِكَ عَائِشَةُ دلّ على أَنَّهَا حَدَّثَتْ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهَا، فَلَمْ يَرْجَحْ خبرها على خبر غيرها.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٢٨٥) رقم (١) .
(٢) وهذا لا يضر لان مراسيل الصحابة كلها مقبولة بالاتفاق.. أو أن يكون سمع من هنا وههنا.
(٣) كما رواه ابن اسحق وابن جرير.
(٤) تقدمت ترجمتها في ص (١٤٦) رقم (٥)
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٢٥١) رقم (٤) .
(٦) تقدمت ترجمتها في ص (١٤٦) رقم (٥) .
[ ١ / ٣٧٢ ]
وَغَيْرُهَا يَقُولُ خِلَافَهُ مِمَّا وَقَعَ نَصًّا فِي حديث أمّ هانيء «١» وَغَيْرِهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ بالثابت والأحاديث الأخر أثبت، لسنا نعني حديث أمّ هانيء، وَمَا ذُكِرَتْ فِيهِ خَدِيجَةُ «٢» وَأَيْضًا فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «مَا فَقَدْتُ» وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَكُلُّ هَذَا يُوَهِّنُهُ.
بَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ صَحِيحُ قَوْلِهَا إِنَّهُ بِجَسَدِهِ لِإِنْكَارِهَا أَنْ تَكُونَ رُؤْيَاهُ لِرَبِّهِ رُؤْيَا عَيْنٍ، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهَا مَنَامًا لَمْ تُنْكِرْهُ..
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: «مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى «٣»» فقد جعل «ما رآه» للقلب، وهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُؤْيَا نَوْمٍ وَوَحْيٌ، لَا مُشَاهَدَةُ عَيْنٍ وَحِسٌّ.
قُلْنَا: يُقَابِلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٤»» فقد أضاف الأمر للبصر.
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في ص (٣٦٥) رقم (٢) .
(٢) تقدمت ترجمتها في ص (٢٦١) رقم (٥) .
(٣) سورة النجم ١٠.
(٤) سورة النجم ١٦.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» أَيْ لَمْ يُوهِمِ الْقَلْبُ الْعَيْنَ غَيْرَ الْحَقِيقَةِ، بَلْ صَدَّقَ رُؤْيَتَهَا.
وَقِيلَ: مَا أَنْكَرَ قَلْبُهُ ما رأته عيناه..
[ ١ / ٣٧٤ ]
الفصل الخامس رؤيته لربّه
وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ ﷺ لِرَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ «١» فِيهَا، فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ «٢» ﵂..
عَنْ مَسْرُوقٍ «٣» أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ..
هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ ..
فَقَالَتْ «٤»: «لَقَدْ قَفَّ «٥» شَعْرِي مِمَّا قُلْتَ.. ثَلَاثٌ مِنْ حَدَّثَكَ بِهِنَّ فَقَدْ كَذَبَ.
مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثم قرأت: «لا تُدْرِكُهُ
_________________
(١) وفي نسخة الناس.
(٢) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٣٦١» رقم «١٢» .
(٤) الحديث في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. وهو في البخاري عن يحيى عن وكيع بسند المصنف.
(٥) قف شعري: القفيف في الشعر معناه نيامه وانتصابه وإنما يكون هذا غالبا عند الفزع والخوف القوي.
[ ١ / ٣٧٥ ]
الْأَبْصارِ «١» ..» الآية وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ وَهُوَ الْمَشْهُورُ «٢» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «٣» وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي «٤» هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا رَأَى جِبْرِيلَ.»
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ «٥» وَقَالَ بِإِنْكَارِ هَذَا وَامْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ فِي الدُّنْيَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٦» ﵄: «أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ «٧»» .
وَرَوَى عَطَاءٌ «٨» عَنْهُ: «أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ» .
وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ «٩» عَنْهُ: رآه بفؤاده مرتين «١٠»» .
وذكر «١١» ابن إسحق «١٢»: أن ابن «١٣» عمر أرسل إلى ابن
_________________
(١) «وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» سورة الانعام ١٠٣.
(٢) كما رواه البخاري.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) أي عن ابي هريرة. فقد روي عنه انه قال رآه بعينه. كابن مسعود وأبي ذر والحسن وابن حنبلي.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦»
(٧) وبه قال أنس وعكرمة والربيع.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٤» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٣»
(١٠) أخرجها مسلم في الايمان.
(١١) في المغازي عن عبد الله بن ابي سلمة.
(١٢) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٧» .
(١٣) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
[ ١ / ٣٧٦ ]
عَبَّاسٍ ﵄ يَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ.
فَقَالَ: نَعَمْ..
وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ: أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْ طُرُقٍ.
وَقَالَ «١»: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَصَّ مُوسَى بِالْكَلَامِ، وَإِبْرَاهِيمَ بِالْخِلَّةِ «٢»، وَمُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ.
وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى، أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى «٣»» .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ «٤»: قِيلَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ كَلَامَهُ وَرُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ، فَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ وَكَلَّمَهُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ «٥»» .
وَحَكَى أَبُو الْفَتْحِ الرَّازِيُّ «٦»، وَأَبُو اللَّيْثِ «٧» السمرقندي
_________________
(١) أي في بعض طرقه وهو ما رواه الحاكم والنسائي والطبراني.
(٢) الخلة: بضم الخاء المعجمة لقوله تعالى: «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» .
(٣) سورة النجم ١٣.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٣» .
(٥) نقله عنه ابن سيد الناس في سيرته.
(٦) ليس هو الفخر الرازي كما توهم بعضهم بل هو سليمان بن ايوب مات غريقا سنة ٤٤٧ هـ.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
[ ١ / ٣٧٧ ]
الْحِكَايَةَ عَنْ كَعْبٍ «١» وَرَوَى «٢» عَبْدُ اللَّهِ «٣» بْنُ الْحَارِثِ قَالَ:
«اجْتَمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَعْبٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا نَحْنُ بَنُو هَاشِمٍ فَنَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ» ..
فَكَبَّرَ كَعْبٌ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى فَكَلَّمَهُ مُوسَى وَرَآهُ مُحَمَّدٌ بِقَلْبِهِ» .
وَرَوَى شَرِيكٌ «٤» عَنْ أَبِي ذَرٍّ «٥» ﵁ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ قَالَ:
«رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ» .
وَحَكَى «٦» السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ «٧» بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَرَبِيعِ «٨» بْنِ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ.. هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي وَلَمْ أَرَهُ بِعَيْنِي» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٣» .
(٢) ذكره الترمذي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٤٩» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣٥٤» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٦) كرواية ابن ابي حاتم وأخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب عن بعض اصحاب النبي ﷺ قال قلنا يا رسول الله فذكره موصولا
(٧) هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي ابو حمزة من حلفاء الاوس سكن الكوفة ثم المدينة تابعي روى عن كثير من الصحابة؛ من أفاضل أهل المدينة علما وفقها توفي سنة ١٠٨ هـ.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «١٠٧» رقم «٢» .
[ ١ / ٣٧٨ ]
وَرَوَى «١» مَالِكُ «٢» بْنُ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ «٣» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«رَأَيْتُ رَبِّي. وَذَكَرَ كَلِمَةً.. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ .. الْحَدِيثَ «٤» .
وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ «٥»: أَنَّ الْحَسَنَ «٦» كَانَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ، لَقَدْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ وَحَكَاهُ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ «٧» عَنْ عِكْرِمَةَ «٨» .
وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنِ ابن مسعود «٩» .
_________________
(١) رواه احمد والترمذي وصححه.
(٢) مالك بن يخامر سكسكي حمصي يقال ان له صحبة والاصح انه تابعي روى عن معاذ بن جبل وعن عبد الرّحمن بن عوف وغيرهما ومات سنة ٧٠ هـ.
(٣) معاذ بن جبل الخزرجي الانصاري المقدم في علم الحلال والحرام كان ابيض وضيء الوجه براق الثنايا اكحل العينين شهد بدرا وهو ابن احدى وعشرين سنة وأمره النبي ﷺ على اليمن وكان من افضل شباب الانصار حلما وحياء وسخاء وكان جميلا وسيما. توفي بالطاعون في سنة ١٧ هـ.
(٤) الحديث: بالنصب بتقدير اقرأ او اذكر.
(٥) عبد الرزاق بن همام بن رافع الحافظ الكبير الصنعائي احد الاعلاء صاحب التصانيف وقد وثقه غير واحد وأخرج له الائمة الستة توفي سنة ٢١١ هـ.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٧) هو الامام الحافظ المقرىء احمد بن عبد الله المغافري عالم قرطبة ولد سنة ٣٤٠ هـ روى عنه ابن حزم وابن عبد البر وغيرهما من الاعلام وكان رأسا في علم القراءات ذا عناية تامة بالحديث اماما في السنة توفي سنة ٤٢٩ هـ.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «١٦٠» رقم «١» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» .
[ ١ / ٣٧٩ ]
وحكى ابن إسحق «١»: أَنَّ مَرْوَانَ «٢» سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ «٣» .
«هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ»؟ فَقَالَ: نَعَمْ..
وَحَكَى النَّقَّاشُ «٤» عَنْ أَحْمَدَ بْنِ «٥» حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا أَقُولُ بحديث ابن عباس بعينيه رَآهُ رَآهُ..» حَتَّى انْقَطَعَ نَفَسُهُ- يَعْنِي نَفَسُ أحمد..
وقال أبو عمرو «٦»: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «رَآهُ بِقَلْبِهِ» وَجَبُنَ عَنِ الْقَوْلِ بِرُؤْيَتِهِ فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ.
وَقَالَ سَعِيدُ «٧» بْنُ جُبَيْرٍ: «لَا أَقُولُ رَآهُ وَلَا لَمْ يَرَهُ» .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٨» وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ «٩» وَابْنِ مَسْعُودٍ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٧» .
(٢) مروان بن الحكم بن ابي العاص بن أمية القرشي الاموي ولد سنة ٢ هـ ولم يصح له سماع ولا رواية وكانت دولته تسعة اشهر وأياما توفي سنة ٦٥ هـ في رمضان.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٩٠» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٦٥» رقم «١» .
(٦) الطلمنكي المتقدم ذكره آنفا.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٤» .
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
[ ١ / ٣٨٠ ]
فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ: «رَآهُ بِقَلْبِهِ» .
وَعَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ مَسْعُودٍ: «رَأَى جِبْرِيلَ» .
وَحَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: رَآهُ وَعَنِ ابْنِ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «١»» قَالَ: «شَرَحَ صَدْرَهُ لِلرُّؤْيَةِ، وَشَرَحَ صَدْرَ مُوسَى لِلْكَلَامِ» .
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ «٢» عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ ﵁ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ:
أَنَّهُ رَأَى اللَّهَ تَعَالَى بِبَصَرِهِ وَعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَقَالَ: كُلُّ آيَةٍ أُوتِيَهَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَهَا نَبِيُّنَا ﷺ وَخُصَّ مِنْ بَيْنِهِمْ بِتَفْضِيلِ الرُّؤْيَةِ.
وَوَقَفَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي هَذَا وَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: «والحق الذي لا امتراء
_________________
(١) سورة الانشراح ١.
(٢) علي بن اسماعيل بن أبي بشير ينتسب الى أبي موسى الاشعري الصحابي ﵁ كان معتزليا ثم ترك وكان حبرا عظيما لا يبارى. قال القاضي الباقلاني: أفضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن، وهو امام اهل السنة وصاحب التصانيف المشهورة توفي سنة ٣٢٤ هـ.
[ ١ / ٣٨١ ]
فِيهِ أَنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَةٌ عَقْلًا. وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُحِيلُهَا» .
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا فِي الدُّنْيَا سُؤَالُ مُوسَى ﵇ لَهَا.
وَمُحَالٌ أَنْ يَجْهَلَ نَبِيٌّ مَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ.. بَلْ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا جَائِزًا غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.
وَلَكِنَّ وُقُوعَهُ وَمُشَاهَدَتَهُ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ.
فَقَالَ لَهُ تعالى: «لن تراني «١»» أَيْ لَنْ تُطِيقَ وَلَا تَحْتَمِلَ رُؤْيَتِي، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُ مَثَلًا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْ نبيه مُوسَى، وَأَثْبَتُ وَهُوَ الْجَبَلُ.. وَكُلُّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ مَا يُحِيلُ رُؤْيَتَهُ فِي الدُّنْيَا بَلْ فيه جوازها على الجملة.
وليس في الشرع دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى اسْتِحَالَتِهَا وَلَا امْتِنَاعِهَا..
إِذْ كَلُّ مَوْجُودٍ فَرُؤْيَتُهُ جَائِزَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ..
وَلَا حُجَّةَ لِمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى مَنْعِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «٢»» لِاخْتِلَافِ التَّأْوِيلَاتِ فِي الْآيَةِ.. وَإِذْ لَيْسَ يَقْتَضِي
_________________
(١) «وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي » سورة الاعراف ١٤٣.
(٢) «وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» سورة الانعام ١٠٣.
[ ١ / ٣٨٢ ]
قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الدُّنْيَا الِاسْتِحَالَةَ..
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ نَفْسِهَا عَلَى جَوَازِ الرُّؤْيَةِ وَعَدَمِ اسْتِحَالَتِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُ الْكُفَّارِ.
وَقِيلَ: لَا تُدْرِكُهُ الأبصار. لَا تُحِيطُ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ قِيلَ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَإِنَّمَا يُدْرِكُهُ الْمُبْصِرُونَ.
وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ لَا تَقْتَضِي مَنْعَ الرُّؤْيَةِ وَلَا اسْتِحَالَتَهَا.
وَكَذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ بقوله تعالى: «لن تراني «١»» .
وقوله: «تبت إليك «٢»» لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْعُمُومِ، وَلِأَنَّ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهَا لَنْ تَرَانِي فِي الدُّنْيَا، إِنَّمَا هُوَ تَأْوِيلٌ.
وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهِ نَصُّ الِامْتِنَاعِ.
وَإِنَّمَا جَاءَتْ فِي حَقِّ مُوسَى.
وَحَيْثُ تتطرق التأويلات، وتتسلط الاحتمالات، فليس للقطع
_________________
(١) «وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» سورة الاعراف ١٤٣.
(٢) «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» سورة الاعراف ١٤٣.
[ ١ / ٣٨٣ ]
إِلَيْهِ سَبِيلٌ وَقَوْلُهُ «تُبْتُ إِلَيْكَ» أَيْ مِنْ سُؤَالِي مَا لَمْ تُقَدِّرْهُ لِي..
وَقَدْ قَالَ أَبُو «١» بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ فِي قَوْلِهِ: «لَنْ تَرَانِي» أَيْ لَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يُطِيقَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ مَنْ نَظَرَ إِلَيَّ مَاتَ
وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ السَّلَفِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا مُمْتَنِعَةٌ، لِضَعْفِ تَرْكِيبِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَقُوَاهُمْ، وَكَوْنِهَا مُتَغَيِّرَةً عرضا لِلْآفَاتِ وَالْفَنَاءِ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ.
فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ، وَرُكِّبُوا تَرْكِيبًا آخَرَ وَرُزِقُوا قُوًى ثَابِتَةً بَاقِيَةً، وَأَتَمَّ أَنْوَارَ أَبْصَارِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ قَوُوا بِهَا عَلَى الرُّؤْيَةِ..
وَقَدْ رَأَيْتُ نَحْوَ هَذَا لِمَالِكِ «٢» بْنِ أَنَسٍ ﵀ قال: لم يرفي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ، وَلَا يُرَى الْبَاقِي بِالْفَانِي، فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ وَرُزِقُوا أَبْصَارًا بَاقِيَةً رؤي الْبَاقِي بِالْبَاقِي.
وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ مَلِيحٌ.. وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ ضَعْفُ الْقُدْرَةِ.
فَإِذَا قَوَّى اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَقْدَرَهُ عَلَى حَمْلِ أَعْبَاءِ
_________________
(١) كان من الادباء الظرفاء وله شعر بديع حسن تتلمذ على محمد بن عمر المعروف بابن القوطية صاحب كتاب الافعال الثلاثية والرباعية.
(٢) مالك بن أنس بن مالك الاصبحي الحميري امام دار الهجرة وأحد الائمة الاربعة واليه تنسب المالكية، كان صلبا في دينه بعيدا عن الامراء والحكام ولد بالمدينة وتوفي فيها سنة ١٧٩ هـ.
[ ١ / ٣٨٤ ]
الرُّؤْيَةِ لَمْ تَمْتَنِعْ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذُكِرَ فِي قُوَّةِ بَصَرِ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ. ونفوذ إدراكهما بقوة إلهية منحاها لِإِدْرَاكِ مَا أَدْرَكَاهُ وَرُؤْيَةِ مَا رَأَيَاهُ.. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي «١» أَبُو بَكْرٍ فِي أَثْنَاءِ أَجْوِبَتِهِ عَنِ الْآيَتَيْنِ «٢» مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ مُوسَى ﵇ رَأَى اللَّهَ فَلِذَلِكَ خَرَّ صَعِقًا.
وَأَنَّ الْجَبَلَ رَأَى رَبَّهُ فَصَارَ دَكًّا بِإِدْرَاكِ خَلْقِهِ اللَّهَ لَهُ.
وَاسْتَنْبَطَ ذَلِكَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مِنْ قَوْلِهِ «وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي «٣»» ثُمَّ قَالَ «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا «٤»» «٥» وَتَجَلِّيهِ لِلْجَبَلِ هُوَ ظُهُورُهُ لَهُ حَتَّى رَآهُ- عَلَى هَذَا الْقَوْلِ..
وَقَالَ جَعْفَرُ «٦» بْنُ مُحَمَّدٍ: شَغَلَهُ بِالْجَبَلِ حَتَّى تَجَلَّى- وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَاتَ صعقا بلا إفاقة.
_________________
(١) محمد بن الطيب الباقلاني امام اهل السنة توفي سنة ٤٠٣ هـ وهو غير ابي بكر ابن العربي شيخ المصنف رحمهم الله تعالى.
(٢) الايتان هما (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) و«لن تراني» .
(٣) سورة الاعراف ١٤٣.
(٤) صعقا: اي سقط صائحا مغشيا عليه من هول ما رآه من هذا الجبل.
(٥) سورة الاعراف ١٤٣.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦»
[ ١ / ٣٨٥ ]
وَقَوْلُهُ هَذَا: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى رَآهُ.
وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فِي «الْجَبَلِ» أَنَّهُ رَآهُ
وَبِرُؤْيَةِ الْجَبَلِ لَهُ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِرُؤْيَةِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّنَا لَهُ إِذْ جَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى الْجَوَازِ.
- وَلَا مِرْيَةَ فِي الْجَوَازِ.. إِذْ ليس في الآيات نص في المنع.
وَأَمَّا وُجُوبُهُ لِنَبِيِّنَا ﷺ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ.. فَلَيْسَ فِيهِ قَاطِعٌ أَيْضًا وَلَا نَصٌّ..
- إِذِ الْمُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى آيَتَيِ النَّجْمِ. وَالتَّنَازُعُ فِيهِمَا مَأْثُورٌ.
وَالِاحْتِمَالُ لَهُمَا مُمْكِنٌ وَلَا أَثَرَ قَاطِعٌ مُتَوَاتِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «١»: خَبَرٌ عَنِ اعْتِقَادِهِ لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِاعْتِقَادِ مُضَمَّنِهِ «٢» .
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ.
وَحَدِيثُ مُعَاذٍ «٣» مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ «٤» . وَهُوَ مضطرب الإسناد
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦»
(٢) مضمنه: بضم الميم الاولى وفتح الضاد المعجمة والميم المفتوحة المشددة أي ما تضمنه ودل عليه لفظه من رؤيته صلّى الله تعالى عليه لربه بعينه.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٣٧٩» رقم «٣» .
(٤) أي رأيت ربي في أحسن صورة.
[ ١ / ٣٨٦ ]
والمتن وحديث أبي ذر «١» الآخر مُخْتَلِفٌ، مُحْتَمَلٌ، مُشْكِلٌ، فَرُوِيَ «٢» «نُورٌ أَنَّى «٣» أَرَاهُ»
وَحَكَى بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ رُوِيَ «نُورَانِيٌّ أَرَاهُ» .
وَفِي حَدِيثِهِ «٤» الْآخَرِ.. سَأَلْتُهُ فَقَالَ: رَأَيْتُ نُورًا.
وَلَيْسَ يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى صِحَّةِ الرُّؤْيَةِ..
فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحَ «رَأَيْتُ نُورًا» فَهُوَ قد أخبر أنّه لم ير الله تعالى.. وَإِنَّمَا رَأَى نُورًا مَنَعَهُ وَحَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الله تعالى.
وإلى هذا يرجع قوله: «نور أنّى أَرَاهُ» أَيْ كَيْفَ أَرَاهُ مَعَ حِجَابِ النُّورِ المغشّي للبصر..
وهذا مثل ما في الْحَدِيثِ «٥» الْآخَرِ «حِجَابُهُ النُّورُ» .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «٦»: «لم أره بعيني.. ولكن رأيته
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٢) رواه مسلم.
(٣) أني: بفتح الهمزة وتشديد النون وألف بعدها مقصورة بمعنى كيف.
(٤) رواه مسلم.
(٥) رواه الطيالسي عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه في حديث أصله في مسلم أوله: «ان الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» .
(٦) رواه ابن جرير عن محمد بن كعب عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
[ ١ / ٣٨٧ ]
بقلبي مرتين» وتلا: «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى «١»» ..
والله تعالى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْإِدْرَاكِ الَّذِي فِي الْبَصَرِ فِي الْقَلْبِ..
أَوْ كَيْفَ شَاءَ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ..
فَإِنْ وَرَدَ حَدِيثٌ نَصٌّ بَيِّنٌ فِي الْبَابِ اعْتُقِدَ وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ إِذْ لَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ وَلَا مَانِعَ قَطْعِيٌّ يَرُدُّهُ وَاللَّهُ الموفق للصواب.
_________________
(١) سورة النجم ٨.
[ ١ / ٣٨٨ ]
الفصل السّادس مناجاته لله تعالى
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ مُنَاجَاتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِهِ مَعَهُ بِقَوْلِهِ «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
«١» إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ الْأَحَادِيثُ.
فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُوحِيَ هُوَ اللَّهُ ﷿ إِلَى جِبْرِيلَ وَجِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.. إِلَّا شُذُوذًا «٢» مِنْهُمْ..
فَذُكِرَ عَنْ جَعْفَرِ «٣» بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ قَالَ: «أَوْحَى إِلَيْهِ بِلَا واسطة» .
ونحوه عن الواسطي «٤» ..
_________________
(١) سورة النجم ١٠.
(٢) شذوذا: أي الجماعة من المفسرين قليلة شاذة خالفوهم فيه فشذوذا إما جمع شاذ كقعود جمع قاعد أو مصدر أطلق على الفاعل مبالغته في اتصافهم به حتى كأنهم عينه.
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٥٥) رقم (٦) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٩١) رقم (٤) .
[ ١ / ٣٨٩ ]
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: «أَنَّ مُحَمَّدًا كَلَّمَ رَبَّهُ فِي الْإِسْرَاءِ» .
وَحُكِيَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ «١» وَحَكَوْهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «٢» وَابْنِ عَبَّاسٍ «٣» وَأَنْكَرَهُ آخَرُونَ.
وَذَكَرَ النَّقَّاشُ «٤» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٥» فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ عَنْهُ ﷺ فِي قَوْلِهِ «دَنا فَتَدَلَّى «٦»» .
قَالَ «فَارَقَنِي جِبْرِيلُ.. فانقطعت الْأَصْوَاتُ عَنِّي فَسَمِعْتُ كَلَامَ رَبِّي وَهُوَ يَقُولُ: لِيَهْدَأْ رَوْعُكَ يَا مُحَمَّدُ. ادْنُ ادْنُ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «٧» فِي الْإِسْرَاءِ «٨» .. نَحْوٌ مِنْهُ..
وَقَدِ احْتَجُّوا فِي هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٣٨١) رقم (٢) .
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٢٥٦) رقم (٢) .
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٩٠) رقم (١) .
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٦) سورة النجم ٨.
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
(٨) موقوفا عليه أو مرفوعا عنه. فان صح رفعه وكذا وقفه فلا كلام فيه لأنه يعطى حكمه.
[ ١ / ٣٩٠ ]
فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ «١»» !
فَقَالُوا: هِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
- مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَتَكْلِيمِ مُوسَى.
- وَبِإِرْسَالِ الْمَلَائِكَةِ، كَحَالِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَكْثَرُ أَحْوَالِ نَبِيِّنَا ﷺ.
- الثالث قوله «إِلَّا وَحْيًا» ولم يبق من تقسيم صور الْكَلَامِ إِلَّا الْمُشَافَهَةُ مَعَ الْمُشَاهَدَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: «الْوَحْيُ» هُنَا هُوَ مَا يُلْقِيهِ فِي قَلْبِ النَّبِيِّ دُونَ وَاسِطَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ «٢» الْبَزَّارُ عَنْ عَلِيٍّ «٣» فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مَا هُوَ أَوْضَحُ فِي سَمَاعِ النَّبِيِّ ﷺ لِكَلَامِ اللَّهِ مِنَ الْآيَةِ فَذَكَرَ فِيهِ:
فَقَالَ الْمَلَكُ «٤» .. اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ.. فَقِيلَ لِي مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ أَنَا أَكْبَرُ.. وَقَالَ فِي سَائِرِ كلمات الأذان مثل ذلك.
_________________
(١) «إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ» سورة الشورى ٥١.
(٢) احمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار حافظ من العلماء بالحديث، من أهل البصرة، له مسندان أحدهما كبير سماه البحر الزاخر والآخر صغير، توفي بالرملة سنة ٢٩٢.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٤) فيه دلالة على أن الحديث مرفوع.
[ ١ / ٣٩١ ]
وَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِي مُشْكِلِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي الْفَصْلِ بَعْدَ هَذَا مَعَ مَا يُشْبِهُهُ، وَفِي أَوَّلِ فَصْلٍ مِنَ الْبَابِ مِنْهُ
- وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَنِ اخْتَصَّهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ جَائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، وَلَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ قَاطِعٌ يَمْنَعُهُ.
فَإِنْ صَحَّ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ اعْتُمِدَ عَلَيْهِ.
وَكَلَامُهُ تَعَالَى لِمُوسَى كَائِنٌ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ، نَصَّ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَأَكَّدَهُ بِالْمَصْدَرِ دَلَالَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَرَفْعِ مَكَانِهِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ «١» بِسَبَبِ كَلَامِهِ.. وَرَفَعَ مُحَمَّدًا فَوْقَ هَذَا كُلِّهِ، حَتَّى بَلَغَ مُسْتَوًى وَسَمِعَ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ..
فَكَيْفَ يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ هَذَا، أَوْ يَبْعُدُ سَمَاعُ الْكَلَامِ فَسُبْحَانَ مَنْ خَصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ فوق بعض درجات..
_________________
(١) على ما رواه البخاري أن موسى في السماء السابعة.
[ ١ / ٣٩٢ ]
الْفَصْلُ السَّابِعُ الدُّنُوُّ وَالْقُرْبُ
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ مِنَ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ مِنْ قَوْلِهِ: «دَنا فَتَدَلَّى «١» فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٢»»
فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ الدُّنُوَّ وَالتَّدَلِّيَ مُنْقَسِمٌ مَا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَجِبْرِيلَ ﵉..
أَوْ مُخْتَصٌّ بأحدهما من الآخر..
أو من سدرة الْمُنْتَهَى.
قَالَ «٣» الرَّازِيُّ «٤» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٥» هُوَ محمد دنا فتدلى من ربه
_________________
(١) أي حيث الضمائر تعود إليه ﷺ لا إلى جبريل كما قيل.
(٢) سورة النجم (٩) .
(٣) كما رواه ابن أبي حاتم.
(٤) محمد بن عمر بن الحسن التميمي البكري ابو عبد الله فخر الدين الرازي، الامام المفسر أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الاوائل، قرشي النسب أصله من طبرستان، مولده في الري واليها نسبته توفي سنة ٦٠٦ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقيل: معنى «دنا» قرب و«تدلّى» زَادَ فِي الْقُرْبِ.
وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَيْ قَرُبَ.
وَحَكَى مَكِّيٌّ «١» وَالْمَاوَرْدِيُّ «٢» عَنِ «٣» ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» هُوَ الرَّبُّ دَنَا مِنْ مُحَمَّدٍ فَتَدَلَّى إِلَيْهِ.. أَيْ أَمَرَهُ وَحَكَمَهُ..
وَحَكَى النَّقَّاشُ «٥» عَنِ الْحَسَنِ «٦» قَالَ: «دَنَا» مِنْ عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ «فَتَدَلَّى» فَقَرُبَ مِنْهُ، فَأَرَاهُ مَا شَاءَ أَنْ يُرِيَهُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ..
قَالَ «٧» .. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٨»: هُوَ مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ.. تَدَلَّى الرَّفْرَفُ «٩» لِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ فَدَنَا مِنْ رَبِّهِ..
قَالَ: «فَارَقَنِي جِبْرِيلُ، وَانْقَطَعَتْ عَنِّي الأصوات وسمعت كلام ربي ﷿» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٣» .
(٣) كما رواه ابن جرير.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٩٠» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٧) الحسن او النقاش وهو الأقرب والأنسب.
(٨) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٩) الرفوف: وهو الباط مطلقا أو البساط الأخضر وقيل ما كان من الديباج.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وَعَنْ «١» أَنَسٍ «٢» فِي الصَّحِيح: «عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَيْهِ بِمَا شَاءَ.. وَأَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً «٣» ..
وَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ..
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ «٤»: هُوَ مُحَمَّدٌ دَنَا مِنْ رَبِّهِ فكان قاب قَوْسَيْنِ.
وَقَالَ جَعْفَرُ «٥» بْنُ مُحَمَّدٍ: أَدْنَاهُ رَبُّهُ مِنْهُ حَتَّى كَانَ مِنْهُ كَقَابَ قَوْسَيْنِ وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَالدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ لَا حَدَّ لَهُ، وَمِنَ الْعِبَادِ بِالْحُدُودِ..
وَقَالَ أَيْضًا: انْقَطَعَتِ الْكَيْفِيَّةُ عَنِ الدُّنُوِّ.. أَلَا تَرَى كَيْفَ حَجَبَ جِبْرِيلُ عَنْ دُنُوِّهِ، وَدَنَا مُحَمَّدٌ إِلَى مَا أَوْدَعَ قَلْبَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ، فَتَدَلَّى بِسُكُونِ قَلْبِهِ إِلَى مَا أَدْنَاهُ، وَزَالَ عَنْ قلبه الشكّ والارتياب.
_________________
(١) أي مروي في صحيح البخاري على ما رواه شريك بن أبي غير.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) وهذا الحديث الصحيح من رواية شريك عن أنس. وقد استغرب الذهبي في الميزان هذا اللفظ. فقال بعد أن ذكر حديث الاسراء.. الى أن قال: ثم علا به فوق ذلك مما لا يعلمه الا الله. حتى جاء سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. وهذا من غرائب الصحيح.. كذا ذكره الحلبي.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٣» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
[ ١ / ٣٩٥ ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: اعْلَمْ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ إِضَافَةِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ هُنَا مِنَ اللَّهِ، أَوْ إِلَى اللَّهِ، فَلَيْسَ بِدُنُوِّ مَكَانٍ، وَلَا قُرْبِ مَدًى.. بَلْ كَمَا ذكرنا عن جعفر بن محمد الصَّادِقِ لَيْسَ بِدُنُوِّ حَدٍّ.. وَإِنَّمَا دُنُوُّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رَبِّهِ، وَقُرْبُهُ منه، إبانة «١» عظيم منزلته، وشريف رُتْبَتِهِ، وَإِشْرَاقُ أَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ، وَمُشَاهَدَةُ أَسْرَارِ غَيْبِهِ وَقُدْرَتِهِ.. وَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ مَبَرَّةٌ وَتَأْنِيسٌ وبسط وإكرام.
«يتأول فِيهِ مَا يُتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ «٢» . «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلى سماء الدُّنْيَا» عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ نُزُولَ إِفْضَالٍ «٣» وَإِجْمَالٍ «٤»، وَقَبُولٍ وَإِحْسَانٍ.
قَالَ الْوَاسِطِيُّ «٥»: مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ بنفسه دنا، جعل ثمّ مسافة بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا، يعني عَنْ دَرْكِ حَقِيقَتِهِ.
إِذْ لَا دُنُوَّ لِلْحَقِّ وَلَا بُعْدَ.
وَقَوْلُهُ «قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٦»» .
_________________
(١) الإبانة: بكسر الهمزة بمعنى الإظهار.
(٢) ما ورد في الكتب الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
(٣) إفضال: أي بتفضيله وإنعامه.
(٤) إجمال أي فعل جميل بهم على عادته.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٩١» رقم «٤» .
(٦) سورة النجم ٩.
[ ١ / ٣٩٦ ]
فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لَا إِلَى جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا كَانَ عِبَارَةً عَنْ نِهَايَةِ الْقُرْبِ، وَلُطْفِ الْمَحَلِّ، وَإِيضَاحِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَعِبَارَةً عَنْ إِجَابَةِ الرَّغْبَةِ، وَقَضَاءِ المطالب وإظهار التحفّي..
وإنافة «١» المنزلة والرتبة مِنَ اللَّهِ لَهُ.
وَيُتَأَوَّلُ فِيهِ مَا يُتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ «٢» «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» ..
قُرْبٌ بِالْإِجَابَةِ وَالْقَبُولِ..
وَإِتْيَانٌ بِالْإِحْسَانِ وَتَعْجِيلِ الْمَأْمُولِ.
_________________
(١) إنافة: بمعنى اعلاء ورفع.
(٢) المروي في صحيح البخاري.
[ ١ / ٣٩٧ ]
الفصل الثامن تفضيله يوم القيامة في ذكر تفضيله في القيامة بخصوص الكرامة
عن «١» أنس «٢» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدَوْا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا.. لِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي.. وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ.
وَفِي رِوَايَةِ ابن زحر «٣» عَنِ الرَّبِيعِ «٤» بْنِ أَنَسٍ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ «٥»: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا.. وأنا قائدهم
_________________
(١) انفرد به الترمذي وقال: انه حسن غريب.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) عبد الله بن زحر الافريقي العابد روى عنه أصحاب السنن، أخرج له البخاري في الادب المفرد وله ترجمة في الميزان.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٠٧» رقم «٢» .
(٥) لعله من طريق اخرى للمصنف غير طريق الترمذي فاندفع به قول الحلبي: هذه الرواية ليست في الكتب الستة فضلا عن قول الترمذي. وتوجه قول الدلجي أن هذه رواية أبي نعيم في الدلائل عن ابن زحر. ثم رأيت التلمساني ذكر أن ثبت بخط القاضي وفي رواية ابن زحر والربيع بن أنس. يعني بالعطف. وعند العرفي عن الربيع عن انس يعني كما في الاصل. وعلى كلا الوجهين المروي عنه هو أنس بن مالك.
[ ١ / ٣٩٨ ]
إِذَا وَفَدُوا.. وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا.. وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا.. وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أُبْلِسُوا.. لِوَاءُ الْكَرَمِ بِيَدِي..
وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ.. وَيَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ.
وَعَنْ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» ﵁: وَأُكْسَى حُلَّةً مَنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ.. ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ.. لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمُقَامَ غَيْرِي.
وعن أبي «٣» سعيد «٤» الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ..
وَمَا نَبِيٌّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي.. وأول مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ..
وَعَنْ «٥» أَبِي هُرَيْرَةَ «٦» عَنْهُ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مشفّع.
_________________
(١) كما روى الترمذي وصححه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) رواه احمد والترمذي وحسنه. وابن ماجه عنه مرفوعا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم (١) .
(٥) رواه مسلم وأبو داوود.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
[ ١ / ٣٩٩ ]
وَعَنِ «١» ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» ﵄: «أَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَلَا فَخْرَ.. وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح لي فأدخلها فيدخل معي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا فَخْرَ. وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَلَا فَخْرَ» .
وَعَنْ أَنَسٍ «٣» «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يُشَفَّعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ النَّاسِ تَبَعًا» ..
وَعَنْ «٤» أَنَسٍ «٥» ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ الناس يوم القيامة.. وتدرون لم ذَلِكَ؟ .. يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» .. وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ..
وَعَنْ «٦» أَبِي هُرَيْرَةَ «٧» ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَطْمَعُ أَنْ أَكُونَ أَعْظَمَ الْأَنْبِيَاءِ أَجْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
_________________
(١) رواه الترمذي والدارمي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٣) رواه مسلم.
(٤) كما في الصحيحين.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
(٦) رواه مسلم.
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٣١) رقم (٥) .
[ ١ / ٤٠٠ ]
وَفِي حَدِيثٍ «١» آخَرَ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ وَعِيسَى فِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمَا فِي أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَيَقُولُ: أَنْتَ دَعْوَتِي وَذُرِّيَّتِي فَاجْعَلْنِي مِنْ أُمَّتِكَ.. وَأَمَّا عِيسَى فَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ بَنُو عِلَّاتٍ «٢» أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى.. وَإِنَّ عِيسَى أَخِي لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ» .
قَوْلُهُ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» هُوَ سَيِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَكِنْ أَشَارَ ﷺ لِانْفِرَادِهِ فِيهِ بِالسُّؤْدُدِ وَالشَّفَاعَةِ دُونَ غَيْرِهِ، إِذْ لَجَأَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدُوا سِوَاهُ، «وَالسَّيِّدُ» هُوَ الَّذِي يَلْجَأُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ.. فَكَانَ حِينَئِذٍ سَيِّدًا مُنْفَرِدًا مِنْ بَيْنِ الْبَشَرِ، لَمْ يُزَاحِمْهُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ وَلَا ادَّعَاهُ..
كَمَا قَالَ تَعَالَى: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟. لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ «٣»» وَالْمُلْكُ لَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.. لَكِنْ فِي الْآخِرَةِ، انْقَطَعَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِينَ لِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا. وَكَذَلِكَ لَجَأَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ جميع
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) العلات: المراد بالعلات الزوجات الضرائر، وهم من العلل، وهو الشرب مرة بعد مرة، والشرب الاول يسمى نهلا، فكان الزوجات موارد للزوج، او كان أولاد مشاربهم مختلفة في الرضاع، وهذا أقرب.
(٣) (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك..) سورة المؤمن ١٦
[ ١ / ٤٠١ ]
النَّاسِ فِي الشَّفَاعَةِ فَكَانَ سَيِّدَهُمْ فِي الْأُخْرَى دُونَ دَعْوَى.
وَعَنْ «١» أَنَسٍ «٢» ﵁ قال: قال رسول ﷺ، «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ:
مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ: بِكَ أمرت أن لا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ.
وَعَنْ «٣» عَبْدِ اللَّهِ بْنِ «٤» عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ «٥» سَوَاءٌ وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ «٦» مِنَ الْوَرِقِ «٧»، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، كِيزَانُهُ «٨»، كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لم يظمأ أبدا» ..
_________________
(١) كما في مسلم.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١)
(٣) في الصحيحين.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٧٢) رقم (٢)
(٥) يدل على انه مربع.
(٦) أبيض: أفعل تفضيل من البياض ضد السواد وقد سمع من العرب وورد في الحديث، إلا ان صاحب القاموس، قال: انه شاذ وهذا القول لا معول عليه، لصحة ورود ذلك في الحديث. والحديث من اول ما يحتج به بعد القرآن الكريم، لذلك فلا وجه لا طلاق بعض النحاة أنه لا يبني أفعل من الالوان، ومن العيوب، وإنما يقال أشد بياضا وأبلغ ونحوه..
(٧) الورق: بفتح الواو وفتح الراء المهملة وكسرها وسكونها الفضة مطلقا أو ما ضرب منها وفي نسخة (من اللبن) .
(٨) كيزانه: جمع كوز: وهو إناء صغير نتناول به الماء للشرب، والاصل أنه إناء ضيق الفم له عروة، فان لم يكن له عروة فهو كوب وجمعه أكواب، فان كان فيه شراب فهو كأس.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وَعَنْ «١» أَبِي ذَرٍّ «٢» نَحْوَهُ وَقَالَ: «طُولُهُ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ «٣» يَشْخَبُ «٤» فِيهِ مِيزَابَانِ «٥» مِنَ الْجَنَّةِ.
وَعَنْ «٦» ثَوْبَانَ «٧» مِثْلُهُ، وَقَالَ: «أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ» .
وَفِي رِوَايَةِ «٨» حَارِثَةَ «٩» بْنِ وَهْبٍ: «كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ» .
وقال أنس «١٠» «أيلة وصنعاء» .
_________________
(١) رواه مسلم
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٢٨٥) رقم (١) .
(٣) قرية في آخر طرف الشام الى البحر متوسطة بين المدينة ودمشق وثمان مراحل بينها وبين مصر وقيل: هي القرية التي قال تعالى عنها: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ) .
(٤) يشخب: بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الشين وضم الخاء المعجتين وفتحها. واصل الشخب: ما يخرج من الصدع عند الحلب، والمقصود هنا أنه ينقب مع الصوت.
(٥) ميزابان: الميزاب: بكسر الميم وهمزة ساكنة وتبدل ياء سيل الماء.
(٦) رواه مسلم.
(٧) ثوبان: مولى رسول الله ﷺ صحابي مشهور. اشتراه ثم أعتقه رسول الله ﷺ فخدمه الى ان مات ثم تحول الى الرملة ثم حمص ومات بها سنة ٥٤ هـ.
(٨) رواه الشيخان.
(٩) حارثة بن وهب الخزاعي وهو أخو عبيد الله بن عمر لأمه وله رواية عن النبي ﷺ وعن حفصة بنت عمر وغيرها وله في الصحيحين أربعة أحاديث.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
[ ١ / ٤٠٣ ]
وَقَالَ «١» ابْنُ عُمَرَ «٢» «كَمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ»
وَرَوَى حَدِيثَ الْحَوْضِ أَيْضًا أَنَسٌ «٣»، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «٤»، وَابْنُ عُمَرَ «٥»، وَعُقْبَةُ «٦» بْنُ عَامِرٍ، وحارثة «٧» بن وهب الخزاعي، والمستورد «٨»، وأبو بزرة «٩» الْأَسْلَمِيُّ، وَحُذَيْفَةُ «١٠» بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو أُمَامَةَ «١١»، وَزَيْدُ «١٢» بن أرقم، وابن مسعود «١٣»، وعبد الله «١٤»
_________________
(١) رواه الشيخان عنه.
(٢) تقدمت ترجته في ص (١٨٢) رقم (١) .
(٣) في الصحيحين.
(٤) رواه مسلم.
(٥) رواه الشيخان وأبو داوود.
(٦) رواه مسلم وغيره والراوي هو عقبة بن عامر بن عبس الجهني الصحابي المشهور وكان قارئا عالما بالفرائض والفقه فصيح اللسان شاعرا كاتبا وهو أحد من جمع القرآن مات سنة ٥٨ هـ.
(٧) رواه البخاري والترمذي والراوي تقدمت ترجمته في ص (٦٤) رقم (٦)
(٨) رواه الشيخان والراوي هو استورد بن شداد بن عمرو بن فهر القرشي نزيل الكوفة وله ولأبيه صحبة شهد فتح مصر وتوفي بالاسكندرية سنة ٤٥ هـ.
(٩) رواه أبو داوود وابن حبان والبيهقي والراوي هو ابو برزة نضله ابن عبيد الله الاسلمي الصحابي الامام الجليل توفي سنة ٦٠.
(١٠) رواه مسلم وغيره والراوي تقدمت ترجمته في ص (٦٤) رقم (٤) .
(١١) رواه ابن حبان والبيهقي والراوي تقدمت ترجمته في ص (٢٦٢) رقم (٤)
(١٢) رواه أحمد بن حنبل والبيهقي والراوي هو زيد بن أرقم بن قيس الخزرجي استصغر يوم أحد وأول مشاهده الخندق، غزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة توفي بالكوفة سنة ٦٦ هـ.
(١٣) رواه الشيخان وابن مسعود تقدمت ترجمته في ص (٢١٤) رقم (٢) .
(١٤) رواه الشيخان والراوي هو عبد الله بن زيد بن ثعلبة الخزرجي الانصاري رائي الاذان مات سنة ٣٢ هـ. وهو عن اربع وستين وصلّى عليه سيدنا عثمان.
[ ١ / ٤٠٤ ]
بْنُ زَيْدٍ، وَسَهْلُ «١» بْنُ سَعْدٍ، وَسُوَيْدُ «٢» بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ «٣»، وَعُمَرُ «٤» بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ بُرَيْدَةَ «٥»، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «٦»، وَعَبْدُ اللَّهِ «٧» الصُّنَابِحِيُّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ «٨»، وَالْبَرَاءُ «٩»، وَجُنْدُبُ «١٠» وَعَائِشَةُ «١١» وَأَسْمَاءُ «١٢» بِنْتَا أبي بكر، وأبو بكره «١٣»،
_________________
(١) رواه الشيخان والراوي تقدمت ترجمته في ص «٢٣١» رقم «٥» .
(٢) رواه البيهقي وأبو زرعة الدمشقي في مسند أهل الشام وراوي الحديث سويد بن جبلة الفزاري قيل لم تصح صحبته فحديثه مرسل وقيل إنه صحابي لم يرو عنه إلا حديث واحد.
(٣) رواه في صحيح أبي عوانه والبيهقي وأبو بكر تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦»
(٤) رواه البيهقي في البعث وعمر تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤»
(٥) وقع هذا الاسم زيادة على ما في النسخ المصححة والراوي عبد الله بن بريدة قاضي مرو وعالمها وهو وأخوه سليمان تابعان فلا ينبغي ذكرهما مع الصحابة.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .
(٧) رواه أحمد وابن ماجه عنه والراوي هو عبد الله الصنابحي نسبة الى جده صنابح وقيل اسم بطن من العرب صحابي اسمه عبد الله وقيل أبو عبد الله وقيل ابو عمرو
(٨) رواه الشيخان والراوي تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٩) رواه أحمد والطبراني والراوي تقدمت ترجمته في ص «٤٦» رقم «٤» .
(١٠) رواه الشيخان والراوي تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(١١) رواه مسلم والراوي تقدمت ترجمته في ص «٥٦» رقم «٥» .
(١٢) رواه الشيخان والراوية أسماء بنت أبي بكر الصديق صحابية من الفضليات اخت عائشة لابيها وأم عبد الله بن الزبير وكانت فصيحة حاضرة القلب واللب وخبرها مع الحجاج بعد مقتل ابنها عبد الله خبر مشهور عاشت مائة سنة وتوفيت سنة ٧٣ هـ.
(١٣) رواه الطبراني والراوي هو منيع بن الحارث الثقفي اعتزل يوم الجمل وكان يقول أنا مولى رسول الله ﷺ سمي أبا بكرة لأنه تدلى من سور الطائف على بكره لما منع الخروج.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وَخَوْلَةُ «١» بِنْتُ قَيْسٍ وَغَيْرُهُمْ [٢] ﵃ أجمعين.
_________________
(١) وهم كثير حتى زعم المصنف تواتر حديث الحوض والظاهر أن تواتره معنوي لا لفظي لقول ابن الصلاح وغيره: لا يكاد يوجد شرط هذا، وروى حديث الحوض خمسة وخمسون صحابيا خرجت أحاديثهم في الاحاديث المتواترة أما الباقون فهم: أبو بكر الصديق في صحيح ابن حبان وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وحمزة بن عبد المطلب والحسن بن علي وسليمان وسمرة وأبو الدرداء وابن مسعود وأحاديثهم في الطبراني وأسيد بن حضير في الصحيحين وابن عباس في البخاري وأم سلمة في مسلم وجابر بن عبد الله وعائذ بن عمرو وثابت بن أرقم وخولة بنت حكيم في المسند ولقيط بن عامر في زيادات المسند وخباب بن الارت في المستدرك وكعب بن عجرة في الترمذي والنسائي وبريدة في مسند البزار وعتبة بن عبد والعرباض ابن سارية في صحيح ابن حبان وعمر بن الخطاب في البعث للبيهقي والنواس بن سمعان في «٣» لابن أبي الدنيا وعثمان بن مظعون ذكره ابن كثير في تاريخه وعبد الرّحمن بن عوف ذكره ابن منده في مستخرجه ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهم ذكره ابن القيم في لحاوي.
(٢) رواه أحمد وغيره عنها. وخولة بنت قيس بن فهد الانصارية النجارية الصحابية زوج سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ.
(٣) هكذا ورد في الأصل.
[ ١ / ٤٠٦ ]
الفصل التاسع فِي تَفْضِيلِهِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْخِلَّةِ
جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ.. وَاخْتُصَّ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَبِيبِ اللَّهِ..
عَنْ «١» أَبِي سَعِيدٍ «٢» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خليلا «٣» لا تخذت أَبَا بَكْرٍ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ «٤»» .
وَمِنْ «٥» طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ «٦» بْنِ مسعود: «وقد اتّخذ الله صاحبكم خليلا» .
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري وغيره من طرق متعددة.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٦٣) رقم (١) .
(٣) الأحاديث تفيد أن المخاللة من الجانبين إذا كانت بمعنى المحبة لا من الخلة بمعنى، الحاجة فان الله غني عن العالمين.
(٤) كما سيأتي مصرحا من حديث ابن مسعود.
(٥) رواه مسلم والترمذي والنسائي.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (٢١٤) رقم (٢) .
[ ١ / ٤٠٧ ]
وَعَنِ «١» ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ.. قَالَ:
فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ..
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَبًا.. إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا..
وَقَالَ آخَرُ: «مَاذَا «٣» بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى.. كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا» .
وَقَالَ آخَرُ: «فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وروحه» .
وقال آخر: «آدم اصْطَفَاهُ اللَّهُ» .
فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، وَقَالَ: «قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ، وهو كذلك، وعيسى روح الله، وهو كذلك، وآدم اصطفاه اللَّهِ.. وَهُوَ كَذَلِكَ.. أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ.. وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ.. وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حلق الجنة فيفتح الله
_________________
(١) رواه الدارمي والترمذي عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٣) ماذا: يعني: ليس اتخاذ الله ابراهيم خليلا بأعجب من كلام موسى.
[ ١ / ٤٠٨ ]
لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا فَخْرَ» ..
وَفِي حَدِيثِ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» ﵁ «مِنْ «٣» قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: إِنِّي اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا.. فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التوراة.
أسب «٤» حَبِيبُ الرَّحْمَنِ» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ «الْخِلَّةِ» وَأَصْلِ اشْتِقَاقِهَا.
فَقِيلَ: «الْخَلِيلُ» الْمُنْقَطِعُ إِلَى اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ فِي انْقِطَاعِهِ إِلَيْهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ اخْتِلَالٌ.
وَقِيلَ: «الْخَلِيلُ» الْمُخْتَصُّ «٥» .. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ وَاحِدٍ
وقال بعضهم: أصل «الخلّة «٦»» الاستصفاء «٧» .. وسمي
_________________
(١) من احاديث الاسراء وهو الذي رواه البيهقي وصححه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) وفي نسخة في قول الله والاصح روايته بلفظ من.
(٤) قال الشيخين: «أنه وقع هكذا في النسخ المعتمدة من الشفاء بهمزة مفتوحه وسين مهملة ساكنه وباء موحدة، وهي هكذا وفي نسخة المصنف المبيضة المروية عنه وصحفها بعضهم فكتب انت وهي لفظة عبرانية بمعنى أنت وقال الدلجي إن بعد السين تاء مثناة فوقية وفسره بأنت» .
(٥) المختص: هو الذي اختص بخدمة الله واختيار ما كلفه من فعل وترك.
(٦) الخلة: بضم الخاء.
(٧) الاستصفاء: أي كون محبته ومودته صافية أي خالصة من الكدورات.
[ ١ / ٤٠٩ ]
إِبْرَاهِيمُ «خَلِيلَ اللَّهِ» لِأَنَّهُ يُوَالِي فِيهِ وَيُعَادِي فِيهِ.. وَخَلَّةُ اللَّهِ لَهُ.
نَصْرُهُ وَجَعْلُهُ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ.
وَقِيلَ: «الْخَلِيلُ» أَصْلُهُ الْفَقِيرُ، الْمُحْتَاجُ، الْمُنْقَطِعُ..
مَأْخُوذٌ مِنَ «الْخُلَّةِ «١»» وَهِيَ الْحَاجَةُ.. فَسُمِّيَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ قَصَرَ حَاجَتَهُ عَلَى رَبِّهِ، وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ بِهَمِّهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَبْلَ غَيْرِهِ، إِذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ فِي الْمَنْجَنِيقِ، لِيُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟.
قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا..
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ «٢» بْنُ فُورَكٍ «الْخِلَّةُ» صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ بِتَخَلُّلِ الْأَسْرَارِ..
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُ «الْخِلَّةِ» الْمَحَبَّةُ.. وَمَعْنَاهَا الْإِسْعَافُ وَالْإِلْطَافُ، وَالتَّرْفِيعُ، وَالتَّشْفِيعُ..
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: «وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.. قُلْ: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟!. «٣»»
فأوجب للمحبوب.. أن لا يؤاخذ بذنوبه..
_________________
(١) الخلة: بفتح الخاء.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٩» رقم «٤»
(٣) سورة المائدة ١٨
[ ١ / ٤١٠ ]
قال: هذا والخلّة أقوى من البنوّة.. لأن البنوّة قد تكون فيها العداوة.
كا قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ «١»» الْآيَةَ..
وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ عَدَاوَةٌ مَعَ خِلَّةٍ.. فَإِذَا.. تَسْمِيَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدٌ ﵉- «بِالْخِلَّةِ» إِمَّا بِانْقِطَاعِهِمَا إِلَى اللَّهِ، وَوَقْفِ حَوَائِجِهِمَا عَلَيْهِ، وَالِانْقِطَاعِ عَمَّنْ دُونَهُ، وَالْإِضْرَابِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالْأَسْبَابِ.
- أَوْ لِزِيَادَةِ الِاخْتِصَاصِ مِنْهُ تَعَالَى لَهُمَا وَخُفْيِ أَلْطَافِهِ عِنْدَهُمَا، وَمَا خَالَلَ بَوَاطِنَهُمَا مِنْ أَسْرَارٍ إِلَهِيَّتِهِ، وَمَكْنُونِ غُيُوبِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.
- أَوْ لِاسْتِصْفَائِهِ لَهُمَا، وَاسْتِصْفَاءِ قُلُوبِهِمَا عَمَّنْ سِوَاهُ، حَتَّى لَمْ يُخَالِلْهُمَا حُبٌّ لِغَيْرِهِ..
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: «الْخَلِيلُ» مَنْ لَا يَتَّسِعُ قَلْبُهُ لِسِوَاهُ..
وَهُوَ عِنْدَهُمْ معنى قوله ﷺ «٢»: «لو كنت متخذا خليلا
_________________
(١) «وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» سورة التغابن (١٤)
(٢) كما رواه البخاري: أن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر و
[ ١ / ٤١١ ]
لا تخذت أَبَا بَكْرٍ «١» خَلِيلًا لَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ» .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ «أَيُّهُمَا أَرْفَعُ دَرَجَةً.. الْخِلَّةُ أو درجة المحبه» ..
فجعلها بَعْضُهُمْ: «سَوَاءً فَلَا يَكُونُ الْحَبِيبُ إِلَّا خَلِيلًا وَلَا الْخَلِيلُ إِلَّا حَبِيبًا.. لَكِنَّهُ خَصَّ إِبْرَاهِيمَ بِالْخِلَّةِ وَمُحَمَّدًا بِالْمَحَبَّةِ» .
وَبَعْضُهُمْ قَالَ: «دَرَجَةُ الْخِلَّةِ أَرْفَعُ.. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ:
«لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي ﷿» فَلَمْ يَتَّخِذْهُ.. وَقَدْ أَطْلَقَ الْمَحَبَّةَ لِفَاطِمَةَ «٢» وَابْنَيْهَا وَأُسَامَةَ «٣» وَغَيْرِهِمْ..
وَأَكْثَرُهُمْ: جَعَلَ الْمَحَبَّةَ أَرْفَعَ مِنَ الْخِلَّةِ لِأَنَّ دَرَجَةَ الْحَبِيبِ نَبِيِّنَا أَرْفَعُ مِنْ دَرَجَةِ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ.
وَأَصْلُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إلى ما يوافق المحبّ «٤» .. ولكن هذا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٢) فاطمة بنت سيد الخلق محمد ﷺ وهي ومريم بنت عمران أفضل نساء العالمين زوجها النبي ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب وهي الوحيدة التي عاشت بعد أبيها ﵊ من أبنائه توفيت سنة ١١ هـ بعد وفاة رسول الله ﷺ بستة أشهر وقيل أقل من ذلك وكان عمرها ثلاثين سنة أو ما دون.
(٣) أسامة بن زيد بن حارثة الحب ابن الحب يكنى أبا محمد وأمه أم أيمن حاضنة النبي ﷺ ولد في الاسلام ومات النبي ﷺ وله عشرون سنة وكان قد أمره على جيش عظيم فمات قبل ان يتوجه فأنفذه أبو بكر وكان عمر يجله ويكرمه اعتزل الفتن بعد مقتل سيدنا عثمان الى ان مات في أواخر خلافة معاوية حيث نزل الى المدينة وبها توفي سنة ٥٤ هـ.
(٤) المحب: بضم الميم وفتح الحاء بمعنى المحبوب.
[ ١ / ٤١٢ ]
فِي حَقِّ مَنْ يَصِحُّ الْمَيْلُ مِنْهُ، وَالِانْتِفَاعُ بالوفق «١» وهي درجة المخلوق.. فأمّا الخالق فَمُنَزَّهٌ عَنِ الْأَغْرَاضِ.
- فَمَحَبَّتُهُ لِعَبْدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ سَعَادَتِهِ، وَعِصْمَتُهُ وَتَوْفِيقُهُ، وَتَهْيِئَةُ أَسْبَابِ الْقُرْبِ، وَإِفَاضَةُ رَحْمَتِهِ عَلَيْهِ.. وَقُصْوَاهَا كَشْفُ الْحُجُبِ عَنْ قَلْبِهِ، حَتَّى يَرَاهُ بِقَلْبِهِ، وَيَنْظُرَ إِلَيْهِ بِبَصِيرَتِهِ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ «٢» .
«فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ» وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ هَذَا سِوَى التَّجَرُّدِ لِلَّهِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ. وَصَفَاءِ الْقَلْبِ لِلَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْحَرَكَاتِ لِلَّهِ.
كَمَا قالت عائشة «٣» ﵂: «كان خلقه الْقُرْآنُ..
بِرِضَاهُ يَرْضَى. وَبِسُخْطِهِ يَسْخَطُ» .
وَمِنْ هَذَا عبّر بعضهم عن الخلة بقوله:
_________________
(١) الوفق: بفتح الواو وسكون الفاء قبل القاف أي الموافق فسمي الفاعل بالمصدر او هو على أصله بمعنى الموافقة بين الشيئين وهذا الاخير خير
(٢) الحديث القدسي رواه البخاري.
(٣) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ١ / ٤١٣ ]
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلَا
فَإِذَا مَا نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي وَإِذَا مَا سَكَتُّ كُنْتَ الْغَلِيلَا «١»
فَإِذَا مَزِيَّةُ الخلّة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا محمد ﷺ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ الْمُنْتَشِرَةُ، الْمُتَلَقَّاةُ بِالْقَبُولِ مِنَ الْأُمَّةِ.
وَكَفَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ «٢»» الْآيَةَ
حَكَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الْكُفَّارُ:
إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نَتَّخِذَهُ حَنَانًا «٣» كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَمَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ غَيْظًا لَهُمْ، وَرَغْمًا عَلَى مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ:
«قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ «٤»» .
فَزَادَهُ شَرَفًا بِأَمْرِهِمْ بِطَاعَتِهِ، وَقَرْنِهَا بِطَاعَتِهِ ثُمَّ توعّدهم على التولّي عنه.
_________________
(١) وفي رواية الدخيلا والمراد بالغليل: بالغين المعجمة ما كان داخل القلب من قولهم تغلغل الماء وتغلل النبات إذا جرى تحته مستترا وكذا المراد بالدخيل ما هو داخل القلب والبدن لا الأجنبي.
(٢) «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» سورة آل عمران ٣٠.
(٣) حنانا: بفتحتين مخفف النون معناه الرحمة والاشفاق مأخوذ من الحنين وهو يكون مع صوت والمراد أن نعطف عليه ونجعله موضع الحنان والرحمة أي نتبرك ونتضرع به.
(٤) «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ» سورة آل عمران ٣٢.
[ ١ / ٤١٤ ]
بِقَوْلِهِ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ «١»» .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ «٢» بْنُ فُورَكٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ كَلَامًا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ المحبة والخلّة.. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهُ طَرَفًا يَهْدِي إِلَى مَا بَعْدَهُ.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: «الْخَلِيلُ» يَصِلُ بِالْوَاسِطَةِ.. من قوله:
«وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٣»»:
«وَالْحَبِيبُ» يَصِلُ إِلَيْهِ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٤»» .
وَقِيلَ: «الْخَلِيلُ» الَّذِي تَكُونُ مَغْفِرَتُهُ فِي حَدِّ الطَّمَعِ مِنْ قَوْلِهِ:
«وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي «٥»» .
«وَالْحَبِيبُ» الَّذِي مَغْفِرَتُهُ فِي حَدِّ الْيَقِينِ مِنْ قَوْلِهِ:
«لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٦»» الآية
_________________
(١) سورة آل عمران ٣٢.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٩» رقم «٤» .
(٣) سورة الانعام ٧٥ «وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ»
(٤) سورة النجم ٩
(٥) سورة الشعراء ٨٢ «يَوْمِ الدِّينِ»
(٦) سورة الفتح ٢ «وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا»
[ ١ / ٤١٥ ]
«الخليل» قال: «وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ «١»»
«وَالْحَبِيبُ» قِيلَ لَهُ: «يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ «٢»»
فابتديء بالبشارة قبل السؤال.
«والخليل» قال يوم المحنة حسبي الله.
«والحبيب» قيل له «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ «٣»» .
«وَالْخَلِيلُ» قَالَ: «وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ «٤»»
«والحبيب» قيل له «وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «٥»»
أُعْطِي بِلَا سُؤَالٍ
«وَالْخَلِيلُ» قَالَ «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ «٦»»
«وَالْحَبِيبُ» قِيلَ لَهُ «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ «٧»» .
_________________
(١) سورة الشعراء ٨٧
(٢) «وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» التحريم (٨) .
(٣) سورة الانفال ٦٤ «وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
(٤) سورة الشعراء ٨٤
(٥) سورة الانشراح ٤
(٦) سورة ابراهيم ٣٥ «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ»
(٧) سورة الاحزاب ٣٣ «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»
[ ١ / ٤١٦ ]
وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب المقال من تفضيل المقامات والأحوال، و«كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا «١»» .
_________________
(١) سورة الإسراء ٨٤ «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ
[ ١ / ٤١٧ ]
الفصل العاشر في تفضيله بالشّفاعة والمقام المحمود
قال تَعَالَى: «عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا «١»» .
عَنْ آدَمَ «٢» بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ «٣» يَقُولُ «٤»: «إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جثى «٥» . كل أمّة تتبع نبيّها يقولون:
_________________
(١) سورة الاسراء ٧٩.
(٢) آدم بن علي العجلي روى عن سيدنا عبد الله بن عمر وهو ثقة ليس به بأس توفي في ولاية هشام بن عبد الملك.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١»
(٤) رواه البخاري موقوفا على ابن عمر ومثله لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع واحتمال أنه سمعه من أهل الكتاب بعيد لا يعول عليه وكونه سمعه من صحابي آخر لا يضر لأن مرسل الصحابى مقبول وهذا مما قاله أهل الاصول وقبله الأئمة في مصطلح الحديث وفيه بحث، لانه يجوز أن يكون الصحابي ممن قرأ الكتب القديمة او يكون استنبطه من كتاب او سنة فينبغي تقييده بما ذكر وأخرجه النسائي أيضا.
(٥) جثى: بضم الجيم مقصور منون وجوز كسر جيم أيضا، ج جثوة: مثلث الاول وأصله الكوم المجتمع من تراب ونحوه فاستعير لمعنى الجماعة أن يجتمعون جماعات كل أمة جماعة تابعة لبنيها.
[ ١ / ٤١٨ ]
يَا فُلَانُ اشْفَعْ لَنَا.. يَا فُلَانُ اشْفَعْ لَنَا.. حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.. فَذَلِكَ يَوْمُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ.»
وَعَنْ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ «٢»: سُئِلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- يَعْنِي قَوْلَهُ «عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا» .
فقال «هي الشَّفَاعَةُ» .
وَرَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ «٣» عَنْهُ ﷺ «٤» «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ، وَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ.. فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ» .
وعن ابن عمر «٥» ﵄- وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ- قَالَ: «فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدَهُ» .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «٦» عَنْهُ ﷺ «٧» «أَنَّهُ قِيَامُهُ عَنْ يَمِينِ العرش
_________________
(١) رواه أحمد والبيهقي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥»
(٣) كعب بن مالك بن القين وهو شاعر مشهور شهد العقبة وبايع بها وتخلف بدر وشهد أحدا وما بعدها وتخلف في تبوك وهو احد الثلاثة الذين تيب عليهم مات بالشام في خلافة معاوية.
(٤) رواه أحمد بن حنبل مسندا.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٢٥٦» رقم «٢» .
(٧) رواه أحمد وغيره.
[ ١ / ٤١٩ ]
مَقَامًا لَا يَقُومُهُ غَيْرُهُ يَغْبِطُهُ «١» فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ»
وَنَحْوُهُ عَنْ كَعْبٍ «٢» وَالْحَسَنِ «٣» .
وَفِي رِوَايَةٍ «هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ لِأُمَّتِي فِيهِ» .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «٤» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٥»: «إِنِّي لَقَائِمٌ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ.. قِيلَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَنْزِلُ اللَّهُ ﵎ عَلَى «٦» كُرْسِيِّهِ.. الْحَدِيثَ» .
وَعَنْ أَبِي مُوسَى «٧» ﵁: عَنْهُ ﷺ «٨» «خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ لِأَنَّهَا أَعَمُّ أَتَرَوْنَهَا لِلْمُتَّقِينَ؟ وَلَكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ الْخَطَّائِينَ.
_________________
(١) يغبطه: من الغبطة بالغين المعجمة والموحدة والطاء المهملة: هي تمنى المرء أن ينال مثل ما رآه عند غيره من النعم، وكل أمر محمود من غير أن يحب زوالها، فإن أحب زوالها فهو الحسد المذموم ويغبط بزنة يضرب.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٣»
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨»
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢»
(٥) رواه أحمد في مسنده.
(٦) وفي نسخة عن كرسيه.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١١٨» رقم «٤»
(٨) رواه ابن ماجة في الشعب
[ ١ / ٤٢٠ ]
وَعَنْ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» ﵁ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ..
مَاذَا وَرَدَ عَلَيْكَ فِي الشَّفَاعَةِ فَقَالَ: شَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا، يُصَدِّقُ لِسَانُهُ قَلْبَهُ» .
وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ «٣» قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٤»: «أُرِيتُ مَا تَلْقَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي.. وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دِمَاءَ بَعْضٍ.. وَسَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا سَبَقَ للأمم قَبْلَهُمْ.. فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيهِمْ.. فَفَعَلَ» .
وَقَالَ «٥» حُذَيْفَةُ «٦»: يَجْمَعُ اللَّهُ الناس في صعيد «٧» واحد حيث
_________________
(١) رواه البيهقي عنه. وكذا في نسخة أبي عبد الله الحاكم وصححه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) وهي ام المؤمنين بنت أبي سفيان بن حرب رضي الله تعالى عنهم واسمها رملة على الصحيح وقيل هند وهي من السابقات الى الاسلام توفيت سنة ٤٤ هـ.
(٤) رواه الحاكم والبيهقي في الشعب.
(٥) كما رواه البيهقي والنسائي. وهو وان كان موقوفا فهو مرفوع حكما، والموقوف ما وقف لفظه على الصحب فان أسند متنه النبي فهو المرفوع وان أسند للتابعي فهو المقطوع فان سقط من سنده راو فهو المنقطع ما لم يكن الصحابي وإلا فهو مرسل ولذا قال الامام البيقوني «ومرسل منه الصحابي سقط» ولما كان معنى الحديث وارد عن النبي حكم عليه بالرفع.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٤» .
(٧) صعيد: الاصل في الصعيد التراب فأريد به هنا أرض المحشر وقيل هو تربة ليس فيها رمل ولا شجر يوم تبدل الارض غير الارض.
[ ١ / ٤٢١ ]
يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ «١» الْبَصَرُ.. حُفَاةً «٢» عُرَاةً «٣» كَمَا خُلِقُوا، سُكُوتًا لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَيُنَادَى مُحَمَّدٌ.. فَيَقُولُ:
لَبَّيْكَ «٤» وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالْمُهْتَدِي مَنْ هَدَيْتَ، وعبدك بين يديك ولك وإليك، ولا ملجأ ولا منجا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ.. تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ.. سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ» .
قَالَ: فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي ذَكَرَ الله.
وقال ابن عباس «٥» ﵄ «٦» .
إِذَا دَخَلَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ الجنة فيبقى آخِرُ زُمْرَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَآخِرُ زُمْرَةٍ مِنَ النار.. فتقول زمرة النار لزمرة الجنة:
_________________
(١) ينفذهم البصر: بفتح الياء المثناة التحتية وضم الفاء وروي بضم الياء المثناة التحتية وكسر الفاء والمراد بصر الرائي أي يراهم دفعة واحده وليس المراد بصر الله.
(٢) حفاة: منصوبة على الحالية وهي جمع حافي وهو الذي لا نعل له وقيل جمع حفي وهو الذي رق جلد قدميه.
(٣) عراة منصوبة على الحالية وهي جمع عاري وقيل جمع عريان وهو قليل في الاستعمال وهو الذي لا ثوب له ولا لباس يستره.
(٤) لبيك وسعديك: منصوبان على المصدرية بفعل لا يظهر في الاستعمال من التلبية وهي اجابة المنادي من ألب بالمكان أي أقام ولا يستعملان إلا بصيغة التثنية والمراد بها مجرد التكرير ولو مرارا عديدة أي أجبتك إجابة بعد إجابة.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٦) لفظه موقوف وحكمه مرفوع.
[ ١ / ٤٢٢ ]
مَا نَفَعَكُمْ إِيمَانُكُمْ!! فَيَدْعُونَ رَبَّهُمْ وَيَضِجُّونَ فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ.
فَيَسْأَلُونَ آدَمَ، وَغَيْرَهُ بَعْدَهُ فِي الشَّفَاعَةِ لَهُمْ.. فَكُلٌّ يَعْتَذِرُ حَتَّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَشْفَعُ لَهُمْ. فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ..
وَنَحْوُهُ «١» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «٢» أَيْضًا، وَمُجَاهِدٍ «٣»، وَذَكَرَهُ عَلِيُّ «٤» بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٥» ..
وَقَالَ «٦» جَابِرُ «٧» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِيَزِيدَ «٨» الْفَقِيرِ: «سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ؟ - يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ-
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ.. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ- يَعْنِي مِنَ النَّارِ- وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي إِخْرَاجِ الْجَهَنَّمِيِّينَ-
_________________
(١) رواه أحمد والطبالسي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٤» رقم «٢»
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٧٠» رقم «١»
(٤) عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب «زين العابدين» واحد ممن كان يضرب بهم المثل في الحلم والورع كان ينفق على مائة بيت من بيوت المدينة سرا توفي سنة ٩٤ هـ
(٥) أي مرسلا. ورواه الحاكم عن أهل العلم عنه موصولا.
(٦) رواه مسلم.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٨) امام ثقة وهو يزيد بن صهيب لقب بالفقير لانه أصيب في فقار ظهره فكان يشكوها روى عنه ابو حنيفة ومسعر وأصحاب الكتب الستة وجماعة ثقة.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وَعَنْ أَنَسٍ «١» نَحْوُهُ «٢» وَقَالَ: فَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهُ.
وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ «٣» وَأَبِي هُرَيْرَةَ «٤» وَغَيْرِهِمَا- دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ «٥» - قَالَ ﷺ «٦»: «يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ- أَوْ قَالَ فَيُلْهَمُونَ- فَيَقُولُونَ لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا» .
وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ: «مَاجَ «٧» النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ» .
وَعَنْ «٨» أَبِي هُرَيْرَةَ «٩»: «وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُونَ: أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ!! .. فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ- زَادَ بَعْضُهُمْ أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ- اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا.. أَلَا تَرَى ما نحن فيه!!! ..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤٢» رقم «١»
(٢) رواه الشيخان وفي حديث رواه أحمد في مسنده.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٤٢» رقم «١»
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥»
(٥) أي اتفق الحديثان لفظا ومعنى
(٦) رواه الشيخان.
(٧) ماج: أي دخل بعضهم في بعض واختلطوا لاضطرابهم.
(٨) رواه الشيخان.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥»
[ ١ / ٤٢٤ ]
فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ.. نَفْسِي..
نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي.. اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ.. فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ!!! أَلَا تَرَى مَا بَلَغَنَا أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟! فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ.. نَفْسِي.. نَفْسِي..
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ «١»: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» ﵁: وَقَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي.. اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي.. اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ.
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ.. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ.. أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟!.
فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي قد غضب اليوم غضبا فذكر مثله..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
[ ١ / ٤٢٥ ]
وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ «١» - نَفْسِي.. نَفْسِي.. لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّهُ عَبْدٌ آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ، وكلّمه، وقرّبه نجيّا.
فَيَأْتُونَ مُوسَى. فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا- وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ «٢» الَّتِي أَصَابَ، وَقَتْلَهُ «٣» النَّفْسَ.. نَفْسِي نَفْسِي. وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ.. فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ. عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا.. فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي..
فَإِذَا رأيته وقعت ساجدا.
_________________
(١) هذه الكلمات هي: ١- قوله إني سقيم لما دعي الى الاصنام. ٢- قوله لزوجته لما طلبها الملك منه انها أختي. ٣- قوله في حق الاصنام «فعله كبيرهم هذا» . وهذا كله مخالف للواقع ولاعتقاده إلا ان ابراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لم يقصد به حقيقته، وإنما قاله لضرب من التأويل فصده فليس يكذب، وإنما سماه كذبا نظرا لما يظهر منه للمخاطب، وخاف أن يؤاخذ به لعلو مرتبته وعظمة الربوبية عنده، وأن مقامه يقتضي أن لا يداري مخلوقا أو يخافه، وإلا فهو ﷺ كسائر الانبياء معصوم من الكذب وغيره.
(٢) الخطيئة التي وقعت منه وعاتبه الله عليها بقوله «ما أعجلك عن قومك يا موسى» كما هو مبين في التفسير.
(٣) وهو القبطي الذي استغاثه الاسرائيلي عليه فوكزه موسى فمات ولم يكن عامدا لقتله وإنما هو لدفع الصائل ومثله جائز لكنه ﵊ خشي المؤاخذة به ولذا استغفر منه وعده من فعل الشيطان فلا ينافي هذا عصمته ﵊.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا.
وفي رواية: فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الّا أنّه يُلْهِمَنِيهَا اللَّهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي.
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ. ارْفَعْ رَأْسَكَ.
سَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ.. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ.. أُمَّتِي..
يَا رَبِّ.. أُمَّتِي.. فَيَقُولُ: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ.. وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ» .
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ هَذَا الْفَصْلَ وَقَالَ مَكَانَهُ:
ثُمَّ أَخِرُّ سَاجِدًا.. فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ.. ارْفَعْ رَأْسَكَ.. وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ «١» .. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي.. أُمَّتِي.. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ. فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إلى
_________________
(١) تعطه: الضمير لما سأل أو هو هاء سكت للوقف.
[ ١ / ٤٢٧ ]
رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ- وَذَكَرَ مِثْلَ الْأَوَّلِ وَقَالَ فِيهِ «١» - مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ «٢» - قَالَ:
فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ- وَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ فِيهِ- مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ- فَأَفْعَلُ وَذَكَرَ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ «٣» - فَيُقَالُ لِي: ارفع رأسك، وقل يسمع وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهُ.. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ:
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي «٤» لَأُخْرِجَنَّ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَمِنْ رِوَايَةِ قتادة «٥» عنه «٦» قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة، فَأَقُولُ يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ الّا من حبسه القرآن «٧»
_________________
(١) في الحديث من رواية مسلم كما ذكرها النووي.
(٢) الخردل: وهو حب معروف في غاية الصغر.
(٣) من رواية البخاري.
(٤) جبريائي: بالمد مضاف لياء المتكلم وجيمه مكسورة وجوز فتحها وياؤه ساكنة وقيل إنه مقصور ومد لمشاكله الكبرياء ورد بانه سمع كذلك من غير ازدواج وهو والجبروت بفتح الباء وسكونها بمعنى وتاؤه للمبالغة كالملكوت.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٣»
(٦) عنه أي عن أنس.
(٧) أي لم يبق بعد هؤلاء الخارجين إلا من حكم الله في القرآن بخلوده في العذاب ولم يؤذن في الشفاعة لهم وهم المنافقون والكفار لقوله تعالى في سورة النساء ١٤٦ «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا» أي شفيعا وقوله في سورة النساء ١١٦ «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ»
[ ١ / ٤٢٨ ]
- أي من وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ- وَعَنْ «١» أَبِي بَكْرٍ، وَعُقْبَةَ «٢» بْنِ عَامِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ «٣»، وَحُذَيْفَةَ «٤» مِثْلُهُ قَالَ: «فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتَأْتِي الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ» .
وَذَكَرَ فِي رِوَايَةِ «٥» أَبِي مَالِكٍ عَنْ حُذَيْفَةَ «٦»: فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَشْفَعُ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ فَيَمُرُّونَ أَوَّلُهُمْ كَالْبَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ وَالطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ «٧»، وَنَبِيُّكُمْ ﷺ عَلَى الصِّرَاطِ.. يَقُولُ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى يَجْتَازَ النَّاسُ- وَذَكَرَ آخِرَهُمْ جَوَازًا.. الْحَدِيثَ
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ «٨»: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ «٩» .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «١٠» عَنْهُ ﷺ «١١»: يُوضَعُ لِلْأَنْبِيَاءِ مَنَابِرُ يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا، وَيَبْقَى مِنْبَرِي لَا أَجْلِسُ عَلَيْهِ.. قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْ ربي منتصبا.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦» والحديث رواه أحمد وابن حبان.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣٣١» رقم «٣» والحديث رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» والحديث رواه الترمذي.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٤» والحديث رواه ابن أبي داود في البعث.
(٥) كما أخرجه ابن أبي داود في البعث.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٤» والحديث رواه ابن أبي داود في البعث.
(٧) شد الرجال: الشد: سرعة الجري والرجال جمع رجل بالجيم ضد المرأة.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥»
(٩) هذا مما رواه الشيخان.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦»
(١١) كما رواه الحاكم والبيهقي في البعث.
[ ١ / ٤٢٩ ]
فيقول الله ﵎.. ما تريد أن أصنع بِأُمَّتِكَ؟. فَأَقُولُ:
يَا رَبِّ عَجِّلْ حِسَابَهُمْ.. فَيُدْعَى بهم فيحاسبون.. فمنهم من يدخل الجنة بِرَحْمَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِي، وَلَا أَزَالُ أَشْفَعُ حَتَّى أُعْطَى صِكَاكًا «١» بِرِجَالٍ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ.. حَتَّى إِنَّ خَازِنَ النَّارِ لَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ.. مَا تَرَكْتَ لِغَضَبِ رَبِّكَ فِي أُمَّتِكَ مِنْ نِقْمَةٍ..
وَمِنْ طَرِيقِ زِيَادٍ «٢» النُّمَيْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ «٣» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «٤» قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْفَلِقُ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِهِ «٥» وَلَا فَخْرَ وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تُفْتَحُ لَهُ الْجَنَّةُ وَلَا فَخْرَ، فَآتِي فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ:
مَنْ هَذَا؟. فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ.. فَيُفْتَحُ لِي.. فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ تَعَالَى فَأَخِرُّ له ساجدا» - وذكر نحو ما تقدم-
_________________
(١) صكاكا: بالصاد المهملة وكاف جمع صك كصكوك، وهو الورقة التي تكتب للمصالح وهو معرب صك بالجيم المعجمة.
(٢) زياد بن عبد الله البصري النميري نسبة الى نمير قبيلة سميت باسم أبيها وقد اختلف فيه فقيل انه ثقة وقيل انه ضعيف لا يحتج به.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٤) رواه البيهقي وأبو نعيم في الدلائل.
(٥) جمجمته: بضم الجيم الاولى والثانية وهي الرأس أو قحف الرأس وعظمه الذي فيه الدماغ وخصها لانها أول ما يظهر منه.
[ ١ / ٤٣٠ ]
وَمِنْ رِوَايَةِ أُنَيْسٍ «١» .. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «٢»:
لَأَشْفَعَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَكْثَرَ مِمَّا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ وَشَجَرٍ..
فَقَدِ اجْتَمَعَ مِنَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ شَفَاعَتَهُ ﷺ وَمَقَامَهُ الْمَحْمُودَ مِنْ أَوَّلِ الشَّفَاعَاتِ إِلَى آخِرِهَا، مِنْ حِينِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ لِلْحَشْرِ، وَتَضِيقُ بِهِمُ الْحَنَاجِرُ، وَيَبْلُغُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ وَالشَّمْسُ وَالْوُقُوفُ مَبْلَغَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْحِسَابِ، فَيَشْفَعُ حِينَئِذٍ لِإِرَاحَةِ النَّاسِ مِنَ الْمَوْقِفِ، ثُمَّ يُوضَعُ الصِّرَاطُ وَيُحَاسَبُ النَّاسُ- كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٣» وَحُذَيْفَةَ «٤»، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَتْقَنُ «٥» - فَيُشَفَّعُ فِي تَعْجِيلِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَى الْجَنَّةِ- تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ-
ثُمَّ يَشْفَعُ فِيمَنْ وَجَبَ عليه العذاب ودخل النار منهم- حسبما تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ- ثُمَّ فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- وَلَيْسَ هَذَا لِسِوَاهُ ﷺ.
_________________
(١) الاشهلي رجل من الأنصار، صحب رسول الله ﷺ، وروي عنه شهر بن حوشب. ذكره ابن عبد البرقي الاستيعاب.
(٢) روى حديثه الطبراني في الاوسط وقال: اسناده ليس بالقوي وقد أخرجه أحمد عن بريدة بلفظ أني لأشفع.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٤»
(٥) أي أكثر إتقانا من غيره.
[ ١ / ٤٣١ ]
وَفِي الْحَدِيثِ الْمُنْتَشِرِ الصَّحِيحِ «١»: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: مَعْنَاهُ دَعْوَةٌ أَعْلَمُ «٢» أَنَّهَا تُسْتَجَابُ لَهُمْ وَيَبْلُغُ فِيهَا مَرْغُوبُهُمْ، وَإِلَّا فَكَمْ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْهُمْ مِنْ دَعْوَةٍ مُسْتَجَابَةٍ، وَلِنَبِيِّنَا ﷺ مِنْهَا مَا لَا يُعَدُّ، لَكِنَّ حَالَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ بِهَا بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ. وَضُمِنَتْ لَهُمْ إِجَابَةُ دَعْوَةٍ فيما شاؤوه يَدْعُونَ بِهَا عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْإِجَابَةِ..
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ «٣» وَأَبُو صَالِحٍ «٤» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وأنا أريد أن أؤخر دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي رِوَايَةِ «٦» أبي صالح: عن أبي هريرة، «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دعوته» .
_________________
(١) الوارد في الصحيحين.
(٢) أعلم: بضم الهمزة وكسر اللام مبني للمجهول أي أعلمه الله.
(٣) محمد بن زياد والحجمي البصري أبو الحارث المدني تابعي أخرج له أصحاب الكتب الستة وثقة أحمد وابن معين والترمذي والنسائي وابن الجنيد وابن حبان.
(٤) ذكوان السمان الزيات المدني مولى جويرية بنت الاحمس الغطفاني من أجل الناس وأوثقهم كثير الحديث وهو الثبت في أبي هريرة توفي سنة ١٠١ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٣١) رقم (٥)
(٦) كما في الصحيحين.
[ ١ / ٤٣٢ ]
وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ «١» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَعَنْ أَنَسٍ «٢» مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ «٣» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَتَكُونُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمَذْكُورَةُ مخصوصة بالأمة، مصمونة الْإِجَابَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَ لِأُمَّتِهِ أَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِ الدين والدنيا، أعطي بَعْضَهَا وَمُنِعَ بَعْضَهَا، وَادَّخَرَ لَهُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ لِيَوْمِ الْفَاقَةِ «٤»، وَخَاتِمَةِ الْمِحَنِ «٥» وَعَظِيمِ السُّؤَالِ وَالرَّغْبَةِ. جَزَاهُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أمته، ﷺ كثيرا.
_________________
(١) هو هارم وقيل عمرو وجرير وقيل غير ذلك بن عمرو بن جرير بن عبد الله اليجلي الامام الثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٤٣١) رقم (٣) .
(٤) الفاقة: الفقر وشدة الحاجة والمراد يوم القيامة لاحتياج الناس فيه الى رحمة الله تعالى وشفاعة نبيه ﷺ حيث لا ينفع غيره.
(٥) المحن: جمع محنة بكسر الميم وهي البلية المحيرة يعني هول الموقف إذ لا بلية بعده إلا النار.
[ ١ / ٤٣٣ ]
الفصل الحادي عشر الوسيلة والدّرجة الرفيعة والكوثر والفضيلة فِي تَفْضِيلِهِ ﷺ فِي الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «١» بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «٢»:
«إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا.. ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله.. وأرجو أن أكون أنا هو
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٧٢» رقم «٢» .
(٢) قال الحلبي: هذا الحديث أخرجه القاضي من سنن أبي داود. وقد أخرجه أبو داود في الصلاة. وأخرجه مسلم أيضا فيها بالسند الذي أخرجه أبو داود سواء إلا أنه قال عن ابن وهب عن حيوة بن شريح وسعيد بن أيوب وغيرهم كلهم عن كعب بن علقمة به. وأخرجه الترمذي في المناقب وقال صحيح. والنسائي في الصلاة وفي اليوم والليلة. وإنما أخرجه المصنف من عند أبي داود ولم يخرجه من عند مسلم للتنوع في الروايات ولان بينه وبين أبي داود في هذا الحديث خمسة اشخاص بالسماع. وليس كذلك مسلم.
[ ١ / ٤٣٤ ]
فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ.
وَفِي حَدِيثٍ «١» آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٢»: «الْوَسِيلَةُ «٣»» أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ.
وَعَنْ أَنَسٍ «٤» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٥»: «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذْ عَرَضَ لِي نَهْرٌ حَافَّتَاهُ «٦» قِبَابُ «٧» اللُّؤْلُؤِ.. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ:
مَا هَذَا؟؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ.. قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ «٨» بِيَدِهِ إِلَى طينته فاستخرج مسكا» .
وَعَنْ عَائِشَةَ «٩» وَعَبْدِ اللَّهِ «١٠» بْنِ عَمْرٍو مِثْلُهُ قَالَ: «وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَمَاؤُهُ أَحْلَى من العسل، وأبيض من الثلج» .
_________________
(١) رواه الترمذي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥»
(٣) الوسيلة: أصل الوسيلة أمر يكون موصولا لأمر تبتغيه كالهدية والتودد ونحوه يقول تعالى: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» سورة (المائدة آية (٢٥) وحقيقة الوسيلة الى الله تعالى مراعاة سبيلها بالعلم والعباد وتحري مكارم الشريعة وهي كالقربة. والمراد بها منزلة عالية في الجنة فهو مجاز من باب اطلاق السبب على المسبب، وقال ابن كثير: «الوسيلة أقرب منازل الجنة الى العرش وأعلاها وأشرفها» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١)
(٥) رواه الشيخان.
(٦) حافتاه: بتخفيف الفاء المفتوحة أي جانباه وشطاه.
(٧) القباب: جمع قبة وهي القبة المعروفة او هي بيت صغير تبنيه العرب لتنزل فيه.
(٨) ضرب يده: مجاز عن إدخالها فيه
(٩) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥»
(١٠) تقدمت ترجمته آنفا.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ «فَإِذَا هُوَ يَجْرِي وَلَمْ يُشَقَّ «١» شَقًّا، عَلَيْهِ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي» - وَذِكْرُ حَدِيثِ الْحَوْضِ-
وَنَحْوِهِ «٢» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٣» ..
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» أَيْضًا قَالَ «٥»: الْكَوْثَرُ «٦»» الْخَيْرُ الكثير الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ «٧» بْنُ جُبَيْرٍ: «وَالنَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الذي أعطاه الله» .
_________________
(١) أي لا يشق الارض بشدة جريه وكذا سائر أنهار الجنة تجري من غير أن تتخذ أخدودا، ويشق مبنيا للفاعل لما ورد في الحديث أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا تظنوا أن أنهار الجنة أخدودا لا والله إنها سابحة على وجه الارض» .
(٢) رواه البخاري.
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦)
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦)
(٥) كما في البخاري.
(٦) وهذا بناء على أنه فوعل من الكثرة مطلقا ثم خص الكثير من الخير وبالنهر الذي في الجنة فان أراد ابن عباس بهذا بيان ما وضع له لغة أو بيان معنى عام خاص في الحديث والآية فلا كلام فيه وإن أراد تفسير ما في الآية الواردة في سورة الكوثر هو (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) . فالاحاديث الصحيحة وردت بخلافه أو في الآية ستة عشر قولا منها، فقيل إنه النهر السابق ذكره، وقيل النبوة وقيل القرآن وقيل الاسلام وقيل تحقيقات الشريعة وقيل كثرة الامة وقيل رفعة الذكر وقيل نور النبوة المحمدية وقيل كثرة المعجزات وقيل الدعوات المجابة له ﷺ، وقيل كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وقيل الفقه في الدين، وقيل الخمس صلوات التي خصت بها أمته ﷺ وقيل الحوض والاصح انه نهر في الجنة مخصوص.
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٥٨) رقم (٤) .
[ ١ / ٤٣٦ ]
وَعَنْ حُذَيْفَةَ «١» فِيمَا ذَكَرَ ﷺ عن ربّه: فأعطاني الكوثر نهرا من الْجَنَّةِ يَسِيلُ فِي حَوْضِي» .
وَعَنِ «٢» ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى «٣»» قَالَ: «أَلْفُ قَصْرٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ، تُرَابُهُنَّ الْمِسْكُ، وَفِيهِ مَا يُصْلِحُهُنَّ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «وَفِيهِ ما ينبغي له من الأزواج والخدم» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٦٤) رقم (٤) .
(٢) كما روى ابن جرير وابن أبي حاتم بسند صحيح.
(٣) سورة الضحى ٥.
[ ١ / ٤٣٧ ]
الفصل الثاني عشر الأحاديث الواردة في النهي عهد تَفْضِيلِهِ
فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا تَقَرَّرَ مِنْ دَلِيلِ الْقُرْآنِ، وَصَحِيحِ الْأَثَرِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كَوْنُهُ أَكْرَمَ الْبَشَرِ وَأَفْضَلَ الْأَنْبِيَاءِ، فَمَا مَعْنَى الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بنهيه عن التفضيل، كقوله:
عن ابن عباس «١» عن النبي ﷺ قَالَ «٢»: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ «٣» بْنِ مَتَّى» ..
وَفِي غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٤» قَالَ- يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- «ما ينبغي لعبد» - الحديث.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٢٦٥) رقم (٣) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٣١) رقم (٥) .
[ ١ / ٤٣٨ ]
وَفِي حَدِيثِ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» فِي الْيَهُودِيِّ «٣» الَّذِي قَالَ: «وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ» - فَلَطَمَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَالَ:
«تَقُولُ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا»؟!!.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «٤» «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ: وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
وَعَنْ «٥» أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «٦»: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
وَفِي حديثه الآخر «٧»: فجاءه رجل فقال: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ..
فَقَالَ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ.
فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَأْوِيلَاتٌ أَحَدُهَا: أَنَّ نَهْيَهُ عَنِ التَّفْضِيلِ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ.. فَنَهَى عَنِ التفضيل
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٣١) رقم (٥)
(٣) اسم اليهودي (فنحاص) على ما رواه ابن اسحاق في سيرته بينما لم يذكر اليلقون اسمه.
(٤) رواه الشيخان وأبو داود والنسائي.
(٥) رواه البخاري.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣١٤» رقم «٢» .
(٧) الذي رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
[ ١ / ٤٣٩ ]
إِذْ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ «١» .. وَأَنَّ مَنْ فَضَّلَ بِلَا عِلْمٍ فَقَدْ كَذَبَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْهُ»، لَا يَقْتَضِي تَفْضِيلُهُ هُوَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ كَفٌّ عَنِ التَّفْضِيلِ
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ قَالَهُ ﷺ عن طَرِيقِ التَّوَاضُعِ وَنَفْيِ التَّكَبُّرِ وَالْعُجْبِ، وَهَذَا لَا يَسْلَمُ مِنَ الِاعْتِرَاضِ «٢» .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَلَّا يُفَضِّلَ بَيْنَهُمْ تَفْضِيلًا يُؤَدِّي إِلَى تَنَقُّصِ بَعْضِهِمْ، أَوِ الْغَضِّ مِنْهُ، لَا سِيَّمَا فِي جِهَةِ يُونُسَ ﵇ إِذْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا أَخْبَرَ، لِئَلَّا يَقَعُ فِي نَفْسِ مَنْ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ بِذَلِكَ غَضَاضَةً وَانْحِطَاطٌ مِنْ رُتْبَتِهِ الرَّفِيعَةِ.
إِذْ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: «إِذْ أَبَقَ «٣» إلى الفلك المشحون «٤»» «إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عليه «٥»» .
فَرُبَّمَا يُخَيَّلُ لِمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ حَطِيطَتُهُ «٦» بذلك.
_________________
(١) أي إعلام به وإذن فيه.
(٢) ان الاعتراض إنما يرد لو ثبت نفيه تواضعا بعد علمه بكونه أفضل الانبياء وأما قبل العلم فلا يخفى أنه اعتراض ساقط.
(٣) أبق: أي خرج الى سفينة مملوءة بما فيها من الناس والمناع. والاباق أصلا، هروب العبد من سيده: حسن اطلاقه عليه اذ خرج بغير اذن ربه.
(٤) الصافات ١٤٠
(٥) الأنبياء ٨٧ «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» .
(٦) أي نقصه.
[ ١ / ٤٤٠ ]
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مَنْعُ التَّفْضِيلِ فِي حَقِّ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِيهَا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، إِذْ هِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَفَاضَلُ، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ فِي زِيَادَةِ الْأَحْوَالِ وَالْخُصُوصِ وَالْكَرَامَاتِ، وَالرُّتَبِ، وَالْأَلْطَافِ «١» وَأَمَّا النُّبُوَّةُ فِي نَفْسِهَا فَلَا تَتَفَاضَلُ، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ بِأُمُورٍ أُخَرَ زَائِدَةً عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ مِنْهُمْ رُسُلٌ «٢» وَمِنْهُمْ أُولُو عَزْمٍ «٣» مِنَ الرُّسُلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رُفِعَ مَكَانًا عَلِيًّا «٤»، وَمِنْهُمْ مَنْ أُوتِيَ الْحُكْمَ صَبِيًّا «٥» وَأُوتِيَ بَعْضُهُمُ الزَّبُورَ «٦»، وَبَعْضُهُمُ البينات «٧»، ومنهم من كلم الله «٨»
_________________
(١) الألطاف: أي العطايا التي اعطاها الله بعضهم جمع لطف بفتحتين وهو الهدية وهذا من باب الاستعارة.
(٢) رسل: جمع رسول: وهو صاحب الرسالة من الله المأمور بتبليغ الشريعة فهو أخص من النبي على المشهود.
(٣) العزم: القوة والشدة والتصميم على تنفيذ ما يراه أولى به وبغيره وأولو العزم من الرسل خمسة هم: «نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد» وقيل في عددهم غير ذلك
(٤) وهو إدريس سبط شيث وجد نوح واسمه قديما أخنوخ رفع الى السماء او إلى الجنة كما قاله المفسرون.
(٥) وهو يحيى إذ أحكم الله عقله وتنباه وآتاه الحكمة وفهم التوراة وأكثر الانبياء نبيء بعد الاربعين وقد ذكر مثل هذا في عيسى أيضا.
(٦) وهو داود ﵇.
(٧) أي المعجزات الظاهرة الباهرة التي لم يؤتها أحد قبله من إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ونحوه مما فضله الله تعالى به وهو عيسى ﵊.
(٨) وهو موسى إذ كلمه بالطور لما رأى نارا.
[ ١ / ٤٤١ ]
ورفع بعضهم دَرَجَاتٍ «١»، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ «٢»» الْآيَةَ.
وَقَالَ «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ «٣» الآية.
وقال: بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَالتَّفْضِيلُ الْمُرَادُ لَهُمْ هُنَا فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
- أَنْ تَكُونَ آيَاتُهُ وَمُعْجِزَاتُهُ أَبْهَرُ وَأَشْهَرُ.
- أَوْ تَكُونُ أُمَّتُهُ أزكى وأكبر.
- أو يكون في ذاته أفضل وأظهر.
وَفَضْلُهُ فِي ذَاتِهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَاخْتِصَاصِهِ مِنْ كَلَامٍ أَوْ خِلَّةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَلْطَافِهِ، وَتُحَفِ وِلَايَتِهِ وَاخْتِصَاصِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال «٤»: إن للنبوة أثقالا «٥»، وإنّ
_________________
(١) وهو محمد ﷺ إذ فضله على من سواه بوجوه متعددة ومراتب متباعدة كدعوته العامة للعرب والعجم والجن والانس والملائكة ومعجزاته الباقية الى يوم القيامة ومن أجلها القرآن وغيره مما يفوت الحصر عن عده.
(٢) الاسراء ٥٥ «وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا» .
(٣) البقرة ٢٥٣ «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ »
(٤) كما في تفسير ابن أبي حاتم ومستدرك الحاكم عن وهب بن منبه.
(٥) أثقالا: أي أحمالا ثقيلة والمراد هنا المشاق وهذا على سبيل الاستعارة التصريحية
[ ١ / ٤٤٢ ]
يُونُسَ تَفَسَّخَ «١» مِنْهَا تَفَسُّخَ الرُّبَعِ «٢» ..
فَحَفِظَ ﷺ مَوْضِعَ الْفِتْنَةِ مِنْ أَوْهَامِ مَنْ يَسْبِقُ إِلَيْهِ بِسَبَبِهَا جَرْحٌ فِي نَبُوَّتِهِ، أو قدح في اصطفائه، وحط من رُتْبَتِهِ، وَوَهْنٌ فِي عِصْمَتِهِ، شَفَقَةً مِنْهُ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ.
وَقَدْ يَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَجْهٌ خَامِسٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ:
«أَنَا» رَاجِعًا إِلَى الْقَائِلِ نَفْسِهِ، أَيْ لَا يَظُنُّ أَحَدٌ وَإِنْ بَلَغَ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْعِصْمَةِ وَالطَّهَارَةِ مَا بَلَغَ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يونس لأجل ما حكي عَنْهُ، فَإِنَّ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ أَفْضَلُ، وَأَعْلَى وَإِنَّ تِلْكَ الْأَقْدَارَ لَمْ تَحُطَّهُ عَنْهَا حَبَّةَ خَرْدَلٍ وَلَا أَدْنَى.
وَسَنَزِيدُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ فِي هَذَا بَيَانًا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-.
فَقَدْ بَانَ لَكَ الْغَرَضُ، وَسَقَطَ بِمَا حَرَّرْنَاهُ شُبْهَةُ الْمُعْتَرِضِ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ لَا إِلَهَ إلّا هو..
_________________
(١) تفسخ: بالفاء والسين المهملة المشددة والخاء المعجمة أي تقطعت أعضاؤه وتفككت لعدم طلقته ﵊ بحملها يقال تفسخ البعير تحت الحملى الثقيل وفسخ ثيابه اذا أزالها ومنه فسخ العقود عند الفقهاء.
(٢) الربيع: بضم الراء النملة وفتح الباء الموحدة وللعين المهملة وهو التفصيل أي ولد الناقة الصغير الذي يولد في الربيع والمقصود هنا أي تفسخ كنفسيخة الربع أي لم يطق مشاق للرسالة ولم يصبر عليها وفي تشبهه بالربع اشارة الى أنه كان في مبدأ أمره. وفي تفسخ استعارة تصريحية ويجوز أن تكون استطرة تمثيلية وهو أحسن.
[ ١ / ٤٤٣ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي أَسْمَائِهِ ﷺ وما تضمنته من فضيلته ﷺ
عن جُبَيْرِ «١» بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رسول ﷺ «٢»: «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءَ، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ «٣» .
وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ.
فَمِنْ خَصَائِصِهِ تَعَالَى لَهُ: أَنْ ضَمَّنَ أَسْمَاءَهُ ثناءه فطوى أَثْنَاءَ ذِكْرِهِ عَظِيمَ شُكْرِهِ..
فَأَمَّا اسْمُهُ «أَحْمَدُ» فأفعل مبالغة من صفة الحمد
و«محمد» مفعّل» مبالغة من كثرة الحمد
_________________
(١) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل صحابي أسلم بعد الحديبية، روى عنه ابناه محمد ورافع وروى عنه ابن المسيب، وكان سيدا وقورا، أخرج له الأئمة الستة وأحمد في مسنده توفي سنة ٥٩.
(٢) أخرجه القاضي من الموطأ.. وهو في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي ولم يخرجه من عند البخاري طلبا لعلو الاسناد.
(٣) العاقب: أي الآتي عقب الانبياء عليهم الصلاة والسلام فلا نبي بعده وعيسى ﵊ تقدم انه يأتي على شريعته.
[ ١ / ٤٤٤ ]
فَهُوَ ﷺ أَجَلُّ مَنْ حَمِدَ وَأَفْضَلُ مَنْ حَمِدَ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ حَمْدًا فَهُوَ أَحْمَدُ الْمَحْمُودِينَ وَأَحْمَدُ الْحَامِدِينَ، وَمَعَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِيَتِمَّ لَهُ كَمَالُ الْحَمْدِ، ويشتهر فِي تِلْكَ الْعَرَصَاتِ «١» بِصِفَةِ الْحَمْدِ، وَيَبْعَثَهُ رَبُّهُ هُنَاكَ مَقَامًا مَحْمُودًا كَمَا وَعَدَهُ.
يَحْمَدُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ بِشَفَاعَتِهِ لَهُمْ، وَيَفْتَحُ عَلَيْهِ فِيهِ مِنَ الْمَحَامِدِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «ما لم يعط غيره»، وسمّى الله أُمَّتَهُ فِي كُتُبِ أَنْبِيَائِهِ بِالْحَمَّادِينَ، فَحَقِيقٌ أَنْ يُسَمَّى مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ.
ثُمَّ فِي هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مِنْ عَجَائِبِ خَصَائِصِهِ، وَبَدَائِعِ آيَاتِهِ فَنٌّ آخَرُ، هو أَنَّ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ حَمَى «٢» أَنْ يُسَمَّى بِهِمَا أَحَدٌ قَبْلَ زَمَانِهِ..
أَمَّا «أَحْمَدُ» الَّذِي أَتَى فِي الْكُتُبِ وَبَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ أَنْ يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَلَا يُدْعَى بِهِ مَدْعُوٌّ قَبْلَهُ حَتَّى لَا يَدْخُلَ لَبْسٌ عَلَى ضَعِيفِ الْقَلْبِ، أَوْ شَكٌّ.
وَكَذَلِكَ: «مُحَمَّدٌ» أَيْضًا لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ وَلَا غَيْرُهُمْ، إِلَى أَنْ شَاعَ قُبَيْلَ وُجُودِهِ ﷺ وَمِيلَادُهُ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ.. فَسَمَّى قوم
_________________
(١) العرصات: بسكون الراء ويجوز فتحها جمع عرصة بسكون الراء وهي كل موضع واسع وعرصة الدار ساحتها وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها نبات وتجمع على عراص والمراد هنا أرض الموقف والمحشر.
(٢) حمى: أي منع وصان.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قَلِيلٌ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءَهُمْ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يكون أحدهم هو و«اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «١»» ..
وَهُمْ: مُحَمَّدُ «٢» بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ الْأَوْسِيُّ، وَمُحَمَّدُ «٣» بْنُ مَسْلَمَةَ الأنصارى، ومحمد «٤» بَرَاءٍ الْبَكْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ «٥» بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ، وَمُحَمَّدُ «٦» بْنُ حُمْرَانَ الْجُعْفِيُّ، وَمُحَمَّدُ «٧» بْنُ خُزَاعِيٍّ السُّلَمِيُّ لَا سَابِعَ لَهُمْ.
وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ مُحَمَّدًا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ «٨» .
وَالْيَمَنُ تَقُولُ: بَلْ مُحَمَّدُ بْنُ الْيَحْمَدِ «٩» مِنَ الْأَزْدِ ثُمَّ حمى الله
_________________
(١) «وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ» سورة الانعام ١٢٤.
(٢) محمد بن احيحة بن الجلاح الاوسي، عده ابن عبد البر من الصحابة وتردد فيه ابن حجر في الاصابة والاوسي نسبة الى الاوس قبيلة من الانصار.
(٣) أبو عبد الرّحمن المدني حليف بني عبد الاشهل ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة، وهو صحابي شهد بدرا، وكان سيدنا عمر يعده لكشف المعضلات في خلافته، توفي بالمدينة سنة ٤٣.
(٤) نسبة لبكر قبيلة مشهورة، وقد خطأ البرهان الحلي من زعم أن هذا منى الصحابة. اذ قال: انه ممن هلك في الجاهلية.
(٥) محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي لم يدرك الاسلام وقد خطىء (بالبتاء للمجهول) ابو نعيم في عده من الصحابة.
(٦) محمد بن حمران الجعفي نسبة للجعفة قرية معروفة وهذا لم يدرك الاسلام كما قاله البرهان الحلبي.
(٧) محمد بن خزاعي السلمي نسبة لخزاعة وهو من بني ذكوان واسم أبيه علقمة وقال البرهان انه لم يدرك الاسلام.
(٨) محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي لم يدرك الاسلام وقد خطىء (بالبتاء للمجهول) ابو نعيم في عده من الصحابة.
(٩) محمد بن اليحمد الازدي نسبة للازد قبيلة من اليمن أبوهم أزدي الغوث ويقال أسد. وهو ليس من الستة فيكون سابعا.
[ ١ / ٤٤٦ ]
كُلَّ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أَنْ يَدَّعِيَ النُّبُوَّةَ أَوْ يَدَّعِيَهَا أَحَدٌ لَهُ، أَوْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ سَبَبٌ يُشَكِّكُ أَحَدًا فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَحَقَّقَتِ السِّمَتَانِ «١» لَهُ ﷺ، وَلَمْ يُنَازَعْ فِيهِمَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ» فَفُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ..
وَيَكُونُ مَحْوُ الْكُفْرِ إِمَّا مِنْ مَكَّةَ وَبِلَادِ الْعَرَبِ وَمَا زُوِيَ «٢» لَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَوُعِدَ أَنَّهُ يَبْلُغُهُ مُلْكُ أُمَّتِهِ، أَوْ يَكُونُ الْمَحْوُ عَامًّا بِمَعْنَى الظُّهُورِ وَالْغَلَبَةِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «٣»» .
وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ «٤»: أَنَّهُ الَّذِي مُحِيَتْ بِهِ سَيِّئَاتُ مَنِ اتَّبَعَهُ» وَقَوْلُهُ: «وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي» أَيْ عَلَى زَمَانِي وَعَهْدِي.. أَيْ لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ كما قال: «وخاتم النبيين «٥»» وَسُمِّيَ: «عَاقِبًا» لِأَنَّهُ عَقَبَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وفي
_________________
(١) السمتان: الصفتان وفي بعض النسخ السيمتان بياء بعد السين وهو خطأ وطغيان من القلم. هاتان الصفتان اللتان هما المحمدية والاحمدية علتان لموافقة اسمه على مسماه
(٢) زوي: بضم الزين المعجمة وكسر الواو من الزوي الجمع.
(٣) التوبة: ٣٣ «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» .
(٤) على ما رواه البيهقي وأبو نعيم في الدلائل عن ابن حيدر.
(٥) الاحزاب ٤٠ «مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» الآية.
[ ١ / ٤٤٧ ]
الصَّحِيحِ «أَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ» وَقِيلَ: مَعْنَى «عَلَى قَدَمِي» أَيْ يُحْشَرُ النَّاسُ بِمُشَاهَدَتِي..
كَمَا قَالَ تَعَالَى: «لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا «١»» .
وَقِيلَ: «عَلَى قَدَمِي» عَلَى سَابِقَتِي.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ «٢»» .
وَقِيلَ: «عَلَى قَدَمِي» أَيْ قُدَّامِي وَحَوْلِي.. أَيْ يجتمعون إليّ يوم القيامة وقيل «قَدَمِي» عَلَى سُنَّتِي.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءَ» قِيلَ إِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وعند أولى العلم من الأمم السالفة.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «٣»: لِي عَشْرَةُ أَسْمَاءَ.. وَذَكَرَ مِنْهَا «طه» وَ«يسن» حكاه مكي «٤» .
وقد قيل في بعض تفاسير «طه»: أنه يا طاهر يا هادي.
_________________
(١) البقرة ١٤٣ «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا الآية
(٢) يونس ٢ «أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ الآية.
(٣) على ما رواه البيهقي وأبو نعيم في الدلائل عن ابن جبير.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
[ ١ / ٤٤٨ ]
وفي «يسن» يَا سَيِّدُ. حَكَاهُ السُّلَمِيُّ «١» عَنِ الْوَاسِطِيُّ «٢»، وَجَعْفَرُ «٣» بْنُ مُحَمَّدٍ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ: لِي عِشْرَةُ أَسْمَاءٍ، فذكر الخمسة التي في الحديث.
قَالَ: وَأَنَا رَسُولُ الرَّحْمَةِ «٤»، وَرَسُولُ الرَّاحَةِ «٥» وَرَسُولُ الملاحم «٦»، وأنا المقفّي «٧» قفّيت النبين، وأنا قيّم «٨» و«القيّم» الْجَامِعُ الْكَامِلُ- كَذَا وَجَدْتُهُ- وَلَمْ أَرْوِهِ «٩» وَأَرَى أنّ صوابه
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٩١» رقم «٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
(٤) وتسميته ﷺ بنبي الرحمة رواه ابن ماجه والحاكم مسندا عن أبي هريرة وصححوه وورد في بعض طرقه نبي الراحة.
(٥) لأنه ﷺ راحة للمؤمنين في الدنيا لما رفع عنهم مما كان في الامم السالفة من الاصر والمشاق بما في شريعته من الرخص والتخفيفات وفي الآخرة بشفاعته لهم
(٦) الملاحم: جمع ملحمة وهي الحرب والقتال سميت بذلك لالتحام الابطال فيها أي ازدحامهم فيها لانه ﷺ أرسل بالسيف وأمر بالجهاد ولم يقع لنبي ولا أمته من الجهاد والقتال ما وقع له صلّى الله تعالى عليه وسلم ولأمته ولا يزالون كذلك حتى يقاتلوا الدجال وينزل عيسى بن مريم ﵊ وهذا لا ينافي كونه ﷺ رحمة لأنه رحمة حقيقة إذ في قتاله غنيمة للمسلمين وهداية بعض الكافرين الى الاسلام وأمن دار الاسلام والنتيجة أنه ﷺ رحمة لأولياء الله حرب لأعداء الله.
(٧) المقفى: إما بمعنى التابع الذي جاء على أثر الأنبياء لأن معنى قفى تبع أو المراد أنه خاتمهم وآخرهم.
(٨) قيم: بالقاف ومثناة تحتية بزنة سيد.
(٩) أي ولم أروه بطريق من طرق المحدثين المعتبرة عند المحدثين، إلا اني وجدته فيما رواه غيره وهذا عند المحدثين يسمى الوجادة وهي اخذ العلم من صحيفة من غير سماع-
[ ١ / ٤٤٩ ]
«قَثْمٌ» «١» بِالثَّاءِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ بَعْدُ عَنِ الْحَرْبِيِّ «٢» وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّفْسِيرِ «٣» .
وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي كتب الأنبياء، قال داوود ﵇:
اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا مُحَمَّدًا مُقِيمَ السُّنَّةِ بَعْدَ الْفَتْرَةِ.. فَقَدْ يَكُونُ «الْقَيِّمُ» «٤» بِمَعْنَاهُ.
وَرَوَى النَّقَّاشُ «٥» عَنْهُ ﷺ «٦»: «لِي فِي الْقُرْآنِ سَبْعَةُ أَسْمَاءٍ مُحَمَّدٌ- وَأَحْمَدُ- ويس- وطه- والمدثر- والمزمل- وعبد الله-» .
وفي حديث آخر عَنْ جُبَيْرِ «٧» بْنِ مُطْعِمٍ ﵁: هِيَ سِتٌّ، مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَخَاتَمٌ، وَعَاقِبٌ، وَحَاشِرٌ، وماح.
_________________
(١) - ولا اجازة ولا مناولة. وله شروط عندهم وهو مما يستأنس به وهذا رواه الديلمي في سند الفردوس وفي النهاية الاثيرية.
(٢) قثم: بالثاء المثلثة المفتوحة المخففة وضم القاف. قال ابن دحية في اشتقاقه معنيان أحدهما من القثم وهو الاعطاء يقال قثم له من العطاء اذا اعطاه فسمي ﷺ بذلك لجوده وعطائه والثاني من القثم وهو الجمع يقال للرجل الجامع للخير قثوم وقثم وقد كان ﷺ جامعا للفضائل وجميع الخير والمناقب.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «٤» .
(٤) يعني أنه أقرب شبها بتفسيره المأثور بالجامع وفيه نظر لان قثم بالمثلثة بمعنى مجمع أيضا.
(٥) أي بمعنى المقيم للسنة المأخوذ مما ذكر لدلالته بمادته عليه.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٩٠» رقم «١» .
(٧) يقول السيوطي: «لي في القرآن سبعة لم أجده ولكن قال الذهبي عن بعضهم قال: لرسول الله ﷺ في القرآن خمسة أسماء محمد وأحمد وعبد الله ويسين وطه»
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٤٤٠» رقم «١» .
[ ١ / ٤٥٠ ]
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «١» الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ كَانَ ﷺ «٢» يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءَ فَيَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، ونبي التوبة «٣»، ونبي الملحمة، ونبي الرحمة، وَيُرْوَى: الْمَرْحَمَةِ وَالرَّاحَةِ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ- إِنْ شَاءَ- اللَّهُ وَمَعْنَى «الْمُقَفِّي» مَعْنَى «الْعَاقِبِ» .
وَأَمَّا نَبِيُّ «الرحمة» «والتوبة» «والمرحمة» «والراحة» .
فقد قال تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٤»» .
وَكَمَا وَصَفَهُ بِأَنَّهُ «يُزَكِّيهِمْ. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ «٥»» «وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٦»» و«بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٧»» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١١٨» رقم «٤» .
(٢) كما رواه مسلم.
(٣) أي ان توبة أمته مقبولة من غير حرج عليهم حتى تطلع الشمس من مغربها أو يغرغر العبد وكانت الامم السالفة منهم من لا تقبل توبة أصلا ومنهم من تقبل توبته بشرط أمور شاقة كما لم تقبل توبة بني اسرائيل من عبادة العجل الا بقتل أنفسهم أما هذه الأمة فتقبل منهم مطلقا وان تكررت مع تكرر الذنوب بشرط الندم والعزم على عدم العود ورد حقوق العباد واستحلالهم.
(٤) الأنبياء ١٠٧.
(٥) الجمعة ٢ «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .
(٦) المائدة ١٦ «يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
(٧) التوبة ١٢٨ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» .
[ ١ / ٤٥١ ]
وقد قال فِي صِفَةِ أُمَّتِهِ إِنَّهَا «١»: «أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ» .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: «وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ «٢» أَيْ يَرْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
فَبَعَثَهُ ﷺ «٣» ربّه تعالى رحمة لِلْعَالَمِينَ، وَرَحِيمًا بِهِمْ، وَمُتَرَحِّمًا، وَمُسْتَغْفِرًا لَهُمْ، وَجَعَلَ أمته أمة مَرْحُومَةً، وَوَصَفَهَا بِالرَّحْمَةِ وَأَمَرَهَا ﷺ بالتراحم وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ «٤» . «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» وَقَالَ «٥»: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» .
وَأَمَّا رِوَايَةُ «نَبِيِّ الْمَلْحَمَةِ «٦»» فَإِشَارَةٌ إِلَى مَا بُعِثَ بِهِ مِنَ الْقِتَالِ وَالسَّيْفِ ﷺ.. وَهِيَ صَحِيحَةٌ..
وَرَوَى حُذَيْفَةُ «٧» مِثْلَ حديث أبي موسى «٨» وفيه «٩»:
_________________
(١) كما رواه الحاكم في الكنى عن ابن عباس ﵄ بسند ضعيف. ورواه أبو داوود والطبراني والحاكم في المستدرك. والبيهقي في شعب الايمان بسند صحيح.
(٢) البلد ١٧
(٣) وفي نسخة فبعثه الله رحمة لأمته.
(٤) رواه الشيخان عن أسامة بن زيد الا أنه بلفظ (يرحم) بدل يحب.
(٥) في حديث آخر رواه أبو داوود والترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
(٦) على ما أخرجه ابن سعد عن مجاهد.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٤» .
(٨) تقدمت ترجمته في ص «١١٨» رقم «٤» .
(٩) رواه احمد، والترمذي في الشمائل.
[ ١ / ٤٥٢ ]
ونبي الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلَاحِمِ، وَرَوَى الْحَرْبِيُّ «١» فِي حَدِيثِهِ ﷺ «٢» أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانِي مَلَكٌ فَقَالَ لِي أَنْتَ قُثَمُ أي مجتمع قال و«القثوم» الْجَامِعُ لِلْخَيْرِ وَهَذَا اسْمٌ هُوَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ ﷺ مَعْلُومٌ.
وَقَدْ جَاءَتْ مِنْ أَلْقَابِهِ ﷺ وَسِمَاتِهِ فِي الْقُرْآنِ عِدَّةٌ كَثِيرَةٌ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ كَالنُّورِ «٣»، وَالسِّرَاجِ «٤» الْمُنِيرِ، وَالْمُنْذِرِ «٥»، وَالنَّذِيرِ «٦»، وَالْمُبَشِّرِ «٧»، وَالْبَشِيرِ «٨»، وَالشَّاهِدِ «٩»، وَالشَّهِيدِ «١٠» وَالْحَقِّ الْمُبِينِ «١١»، وَخَاتَمِ «١٢» النَّبِيِّينَ، والرؤوف الرّحيم «١٣»،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «٤» .
(٢) رواه ابو نعيم في الدلائل عن يونس بن ميسرة بن حابس.
(٣) قوله تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ
(٤) قوله تَعَالَى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» .
(٥) قوله تعالى: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ » .
(٦) قوله تَعَالَى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» .
(٧) قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» .
(٨) قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» .
(٩) قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» .
(١٠) قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» .
(١١) قوله تعالى: «حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ » وقوله: «قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ» .
(١٢) خاتم: بكسر التاء اسم فاعل وبفتحها اسم آلة كطابع كأنه ختمهم بنفسه فهو استعارة في الاصل شاع وصار حقيقة قال الله تعالى: «وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ»
(١٣) قوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» .
[ ١ / ٤٥٣ ]
وَالْأَمِينِ «١»، وَقَدَمِ الصِّدْقِ «٢» وَرَحْمَةٍ لِلْعَالِمِينَ «٣»، وَنِعْمَةِ اللَّهِ «٤»، وَالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى «٥»، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ «٦»، وَالنَّجْمِ الثَّاقِبِ «٧»، وَالْكَرِيمِ «٨» وَالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ «٩»، وَدَاعِي اللَّهِ «١٠»
- فِي أَوْصَافٍ كَثِيرَةٍ، وَسِمَاتٍ جَلِيلَةٍ، وَجَرَى مِنْهَا فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَكُتُبِ أَنْبِيَائِهِ وَأَحَادِيثِ رَسُولِهِ وَإِطْلَاقِ الْأُمَّةِ جُمْلَةً شَافِيَةً كَتَسْمِيَتِهِ: بِالْمُصْطَفَى، وَالْمُجْتَبَى «١١»، وَأَبِي الْقَاسِمِ، والحبيب
_________________
(١) قوله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» .
(٢) قوله تَعَالَى: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ» ورد في البخاري عن زيد بن أسلم في الآية السابقة قال هو محمد ﷺ.
(٣) قوله تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ»
(٤) عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: «بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا» قال هم كفار قريش ونعمة الله محمد ﷺ.
(٥) قوله تعالى، «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى» قال ابن دحية وأبو عبد الرّحمن السلمي في الآية السابقة هو محمد ﷺ. والعروة ما يتمسك به من الحبل والوثقى الوثيقة المتينة فيه استعارة تمثيلية تصريحية لان من اتبعه لا يقع في هوة الضلال كما ان من امسك حبلا متينا صعد من حضيض المهالك.
(٦) قوله تعالى: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» .
(٧) قوله تعالى «النَّجْمُ الثَّاقِبُ» الثاقب: المضيء المتوهج.
(٨) قوله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ»
(٩) قوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ»
(١٠) قوله تعالى: «وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ» .
(١١) المجتبى: في الصحاح اجتباه بمعنى اصطفاه واختاره، وأصله كما قاله الراغب من جبيت الماء في الحوض اذا جمعته لجمعه ﷺ المكارم والصفات الحميدة بفيض إلهي من غير سعي كما قال تعالى: «يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ»
[ ١ / ٤٥٤ ]
وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالشَّفِيعِ الْمُشَفَّعِ، وَالْمُتَّقِي، وَالْمُصْلِحِ، والظاهر، وَالْمُهَيْمِنِ، وَالصَّادِقِ، وَالْمَصْدُوقِ، وَالْهَادِي، وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ «١» الْمُحَجَّلِينَ «٢»، وَحَبِيبِ اللَّهِ، وَخَلِيلِ الرَّحْمَنِ، وَصَاحِبِ الْحَوْضِ الْمَوْرُودِ، وَالشَّفَاعَةِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَصَاحِبِ الْوَسِيلَةِ، وَالْفَضِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَصَاحِبِ التَّاجِ، وَالْمِعْرَاجِ وَاللِّوَاءِ، وَالْقَضِيبِ، وَرَاكِبِ الْبُرَاقِ، وَالنَّاقَةِ وَالنَّجِيبِ «٣»، وَصَاحِبِ الْحُجَّةِ وَالسُّلْطَانِ، وَالْخَاتَمِ «٤» وَالْعَلَامَةِ، وَالْبُرْهَانِ، وَصَاحِبِ الْهِرَاوَةِ وَالنَّعْلَيْنِ «٥» ..
وَمِنْ أَسْمَائِهِ فِي الْكُتُبِ: الْمُتَوَكِّلُ، وَالْمُخْتَارُ، وَمُقِيمُ السُّنَّةِ،
وَالْمُقَدَّسُ «٦» وروح القدس «٧»، وروح الحق، وهو معنى «البار قليط «٨»» في الإنجيل.
_________________
(١) الغر: جمع أغر وأصل الغرة بياض في جبهة الفرس فالمراد به مطلق بياض الوجه هنا
(٢) المحجلين: من التحجيل وهو بياض في القوائم، وفي الصحيحين: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من اثار الوضوء» .
(٣) النجيب: الجمل.
(٤) الخاتم: أي خاتم النبوة بين كتفيه.
(٥) النعلين: أي صاحب النعلين وسبب تسميته لما فيه من مخالفة لأهل الجاهلية من تنعلهم في رجل واحدة.
(٦) المقدس: بالتشديد اسم مفعول أي المفضل على غيره.
(٧) روح القدس: بضمتين أو ضم وسكون أي الروح المقدسة من النقائص.
(٨) البار قليط: بموحدة في اوله وألف وراء مكسورة وقاف ساكنة ثم لام تليها ياء مثناة تحتيه ساكنة، وطاء مهملة.
[ ١ / ٤٥٥ ]
وقال ثعلب «١»: «البار قليط» الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَمِنْ أَسْمَائِهِ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ: مَاذٌ مَاذٌ «٢» وَمَعْنَاهُ طَيِّبٌ طيب «وحمطايا «٣»» والخاتم والحاتم حكاه كعب الأحبار.
وقال ثعلب: «فالخاتم» الذي ختم الأنبياء و«الحاتم» أحسن الأنبياء خلقا وخلقا ويسمى بالسّريانية «مشفّح «٤»» و«المنحمنّا «٥»» واسمه أيضا فِي التَّوْرَاةِ: «أُحَيْدٌ «٦»» رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ «٧» وَمَعْنَى «صَاحِبِ الْقَضِيبِ» أَيِ السَّيْفِ وَقَعَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي الْإِنْجِيلِ قَالَ: «مَعَهُ قَضِيبٌ من حديد يقاتل به،
_________________
(١) احمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء، أبو العباس، إمام الكوفيين في في النحو واللغة كان راوية للشعر محدثا، مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة، ثقة، حجة ولد في بغداد ومات فيها سنة ٢٩١ هـ.
(٢) هذا وما بعده رواه أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس.
(٣) حمطايا: وفي بعض الكتب حمياطا ومعناه يمنع من الحرام ويحمي الحرم.
(٤) مشفح: بضم الميم وفتح الشين ففاء مفتوحة أو مكسورة مشددة فيهما وروي بالقاف وحاؤه مهملة.
(٥) المنحمنا: بضم الميم فنون ساكنة فمهملة مفتوحة فميم مكسورة فنون مشدده مفتوحة وألف مقصورة. ومعناه روح القدس.
(٦) أحيد: بفتح همزة وسكون مهملة وفتح تحتية وكسرها وسمي بذلك لأنه يحيد أمته من نار جهنم يوم القيامة.
(٧) محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، إمام وقته في علوم الدين بالبصرة تابعي ثقة تفقه وروى الحديث وروى له الأئمة الستة واشتهر بالورع وتعبير الرؤيا توفي سنة ١١٠ هـ.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وَأُمَّتُهُ كَذَلِكَ» وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ الْقَضِيبُ الْمَمْشُوقُ «١» الَّذِي كَانَ يُمْسِكُهُ ﷺ، وَهُوَ الْآنَ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ.
وَأَمَّا: «الْهِرَاوَةُ» الَّتِي وُصِفَ بِهَا فَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَصَا.
وَأَرَاهَا «٢» - وَاللَّهُ أَعْلَمُ- الْعَصَا الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ الْحَوْضِ «أَذُودُ «٣» النَّاسَ عَنْهُ بِعَصَايَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ «٤»» .
وَأَمَّا: «التَّاجُ» فَالْمُرَادُ بِهِ الْعِمَامَةُ، وَلَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ إِلَّا لِلْعَرَبِ، وَالْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ.
وَأَوْصَافُهُ وَأَلْقَابُهُ وَسِمَاتُهُ فِي الْكُتُبِ كَثِيرَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْهَا مَقْنَعٌ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَكَانَتْ كُنْيَتُهُ الْمَشْهُورَةُ أَبَا الْقَاسِمِ وَرُوِيَ «٥» عَنْ أَنَسٍ «٦» أَنَّهُ لما ولد له إِبْرَاهِيمُ «٧» جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يا أبا إبراهيم»
_________________
(١) القضيب الممشوق: الطويل الدقيق من المشق وهذا الجذب للشيء ليطول وكان له ﷺ قضيب يسمى الممشوق ومحجن يستلم به الركن.
(٢) بفتح الهمزة أو ضمها بمعنى أظنها.
(٣) أذود: بذال معجمة في أوله ومهملة في اخره بمعنى أطرد وأمنع أي يوردهم الحوض قبل غيرهم ليريحهم كما أراحوه باستجابتهم للاسلام.
(٤) رواه مسلم في المناقب.
(٥) كما في مسند أحمد والبيهقي.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٧) ابن نبينا محمد ﷺ من مارية القبطية ﵂ توفي وهو طفل صغير وذلك في حياته ﷺ.
[ ١ / ٤٥٧ ]
الفصل الرابع عشر في تشريف الله له بأسماء خاصّة به تعالى تشريف الله تعالى له ﷺ بِمَا سَمَّاهُ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَوَصَفَهُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ الْعُلَى
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا أَحْرَى هَذَا الْفَصْلَ بِفُصُولِ الْبَابِ الْأَوَّلِ لِانْخِرَاطِهِ «١» فِي سِلْكِ «٢» مَضْمُونِهَا، وَامْتِزَاجِهِ بِعَذْبِ مَعِينِهَا «٣»، لَكِنْ لَمْ يَشْرَحِ اللَّهُ الصَّدْرَ لِلْهِدَايَةِ إِلَى اسْتِنْبَاطِهِ، وَلَا أَنَارَ الْفِكْرَ لِاسْتِخْرَاجِ جَوْهَرِهِ وَالْتِقَاطِهِ إِلَّا عِنْدَ الْخَوْضِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. فَرَأَيْنَا أَنْ نُضِيفَهُ إِلَيْهِ، وَنَجْمَعَ بِهِ شَمْلَهُ.
فَاعْلَمْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِكَرَامَةٍ خَلَعَهَا «٤» عَلَيْهِمْ من أسمائه.
_________________
(١) فال ابن عباد في جامع اللغة: خرطت الجواهر جمعتها في الخريطة وهي الكيس والانخراط هنا بمعنى الانتظام..
(٢) في السلك استعارة تخييلية ومكنية.
(٣) معينها: بفتح الميم وكسر العين المهملة بمعنى الجاري مطلقا أو على وجه الأرض.
(٤) خلعها: أي أعطاها لهم وألبسها إياهم والأصل في الخلعة أنها ثوب يلقيه الملك على من يكرمه أو يوليه ولايه.
[ ١ / ٤٥٨ ]
كتسمية: إسحق واسماعيل «بعليم «١»» «وحليم «٢»» وإبراهيم ب «حليم «٣»» ونوح ب «شكور «٤»» وعيسى ويحيى ب «برّ «٥»» وموسى ب «كريم «٦»» و«قوي» ويوسف ب «حفيظ» «عليم «٧»» وايوب ب «صابر «٨»» واسماعيل ب «صادق الْوَعْدِ «٩»» كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ مِنْ مواضع ذكرهم. وفضّل نبينا مُحَمَّدًا ﷺ بِأَنْ حَلَّاهُ «١٠» مِنْهَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ بِعِدَّةٍ «١١» كَثِيرَةٍ اجْتَمَعَ لَنَا مِنْهَا جُمْلَةٌ بَعْدَ إِعْمَالِ الْفِكْرِ وَإِحْضَارِ الذِّكْرِ، إِذْ لَمْ نَجِدُ مَنْ جَمَعَ مِنْهَا فَوْقَ اسْمَيْنِ، وَلَا مَنْ تَفَرَّغَ فِيهَا لِتَأْلِيفِ فَصْلَيْنِ، وَحَرَّرْنَا مِنْهَا فِي هذا الفصل نحو
_________________
(١) في قوله تعالى: «وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ» يعني اسحق.
(٢) في قوله تعالى: «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» يعني اسماعيل.
(٣) في قوله تعالى: «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» .
(٤) في قوله تعالى: «ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا»
(٥) في قوله تعالى: «وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ.
(٦) في قوله تعالى: «وَبَرًّا بِوالِدَتِي
(٧) في قوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ كريم» . في قوله تعالى: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ» .
(٨) في قوله تعالى: «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» .
(٩) في قوله تعالى: «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ »
(١٠) في قوله تعالى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ »
(١١) حلاه: بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام من الحلية وهي الصفة الظاهرة أو التي التي يتزين بها أي بأن وصفه أو زينه وكرمه بما وصفه وسماه في القرآن.
[ ١ / ٤٥٩ ]
ثَلَاثِينَ اسْمًا، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا أَلْهَمَ إِلَى مَا عُلِمَ مِنْهَا وَحَقَّقَهُ يُتِمُّ النِّعْمَةَ بِإِبَانَةِ مَا لَمْ يُظْهِرْهُ لَنَا الْآنَ وَيَفْتَحُ غَلْقَهُ «١» .
فَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْحَمِيدُ» وَمَعْنَاهُ الْمَحْمُودُ، لِأَنَّهُ حَمِدَ نَفْسَهُ وَحَمَدَهُ عِبَادُهُ. وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْحَامِدِ لِنَفْسِهِ وَلِأَعْمَالِ الطَّاعَاتِ وَسَمَّى النَّبِيَّ ﷺ «محمدا» و«أحمد» «فَمُحَمَّدٌ» بِمَعْنَى مَحْمُودٍ، وَكَذَا وَقَعَ اسْمُهُ فِي زبر داوود.. «وَأَحْمَدُ» بِمَعْنَى أَكْبَرُ مَنْ حَمِدَ، وَأَجَلُّ مَنْ حمد..
وقد أشار إِلَى نَحْوِ هَذَا حَسَّانٌ «٢» بِقَوْلِهِ:
وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا محمّد
ومن أسمائه تعالى: «الرؤف الرّحيم» وهما بمعنى متقارب، وسماه في كتابه بذلك فقال: «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٣»»
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْحَقُّ الْمُبِينُ» وَمَعْنَى «الْحَقِّ» الْمَوْجُودُ وَالْمُتَحَقِّقُ أَمْرُهُ، وَكَذَلِكَ «الْمُبِينُ» أَيِ البيّن أمره وإلهيته «بان»
_________________
(١) غلقه: بفتح الغين المعجمة وفتح اللام والقاف وهو ما يغلق الى يقفل به.
(٢) حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد، الصمادي، شاعر النبي ﷺ مخضرم عاش ستين سنه في الجاهلية وستين في الاسلام يندب فيها عن حمى النبوة ويدافع عن بيضة الاسلام باللسان والبيان توفي في المدينة سنة ٥٤ هـ
(٣) «.. لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» سورة التوبة ١٢٨.
[ ١ / ٤٦٠ ]
«وَأَبَانَ» بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْمُبَيِّنِ لِعِبَادِهِ أَمْرَ دِينِهِمْ وَمَعَادِهِمْ وَسَمَّى النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: «حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ «١»» وقال: «وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
«٢»» وقال: «قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ «٣»» وقال: «فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ «٤» .
قِيلَ: مُحَمَّدٌ وَقِيلَ: الْقُرْآنُ.. وَمَعْنَاهُ هُنَا ضِدَّ الْبَاطِلِ، وَالْمُتَحَقِّقُ صِدْقُهُ وَأَمْرُهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ. «وَالْمُبِينُ» الْبَيِّنُ أَمْرُهُ وَرِسَالَتُهُ أَوِ الْمُبِينُ عَنِ الله تعالى مَا بَعَثَهُ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
«لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «٥» ..»
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى «النُّورُ» وَمَعْنَاهُ ذُو النُّورِ أَيْ خَالِقُهُ أَوْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْأَنْوَارِ، وَمُنَوِّرُ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْهِدَايَةِ وَسَمَّاهُ: «نُورًا» فَقَالَ: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ «٦»» . قيل: محمد وقيل: القرآن وقال فيه:
_________________
(١) «بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ» الزخرف ٢٩.
(٢) الحجر ٨٩.
(٣) «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ» النساء ١٧٠
(٤) «فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» الأنعام ٥
(٥) «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» النحل ٤٤
(٦) «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ» المائدة ١٥.
[ ١ / ٤٦١ ]
«وَسِراجًا مُنِيرًا «١»» سمّي بذلك لوضوح أمره وبيان نبوّته، تنوير قلوب المؤمنين والعارفين بِمَا جَاءَ بِهِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الشَّهِيدُ» وَمَعْنَاهُ الْعَالِمُ وَقِيلَ: الشَّاهِدُ عَلَى عِبَادِهِ يَوْمَ القيامة وسماه: «شهيدا» و«شاهدا»
فقال: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا «٢»» وقال: «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا «٣»» وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْكَرِيمُ» وَمَعْنَاهُ الْكَثِيرُ الْخَيْرِ، وَقِيلَ الْمُفَضَّلُ وَقِيلَ: الْعَفُوُّ. وَقِيلَ: الْعَلِيُّ.
وَفِي الْحَدِيثِ «٤» الْمَرْوِيِّ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى «الْأَكْرَمُ» وَسَمَّاهُ تَعَالَى «كَرِيمًا» بِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ «٥»» قِيلَ: مُحَمَّدٌ وَقِيلَ: جِبْرِيلُ وَقَالَ ﷺ «٦»: «أَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ» وَمَعَانِي الِاسْمِ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّهِ ﷺ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْعَظِيمُ» .. وَمَعْنَاهُ الْجَلِيلُ الشَّأْنِ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ.. وَقَالَ فِي النَّبِيِّ ﷺ: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ
_________________
(١) «وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» الْأَحْزَابِ ٤٦.
(٢) «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» الأحزاب ٤٦.
(٣) «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» البقرة ١٤٣.
(٤) رواه ابن ماجة في سننه.
(٥) التكوير ١٩.
(٦) تقدم سنده.
[ ١ / ٤٦٢ ]
عَظِيمٌ «١»» وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ سِفْرٍ «٢» مِنَ التَّوْرَاةِ عَنْ اسماعيل «وسيلد عَظِيمًا لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَهُوَ عَظِيمٌ وَعَلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ» .
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْجَبَّارُ» وَمَعْنَاهُ الْمُصْلِحُ، وَقِيلَ الْقَاهِرُ، وَقِيلَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ، وَقِيلَ الْمُتَكَبِّرُ، وَسُمِّيَ النَّبِيُّ ﷺ في كتاب داوود. «بِجَبَّارٍ» فَقَالَ: تَقَلَّدْ أَيُّهَا الْجَبَّارُ سَيْفَكَ فَإِنَّ نَامُوسَكَ «٣» وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ.
وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ إِمَّا لِإِصْلَاحِهِ الْأُمَّةَ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّعْلِيمِ أَوْ لِقَهْرِهِ أَعْدَاءَهُ، أَوْ لِعُلُوِّ مُنْزِلَتِهِ عَلَى الْبَشَرِ، وَعَظِيمِ خَطَرِهِ..
وَنَفَى عَنْهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ جَبْرِيَّةَ التَّكَبُّرِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ فَقَالَ:
«وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ «٤»» .
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْخَبِيرُ» وَمَعْنَاهُ الْمُطَّلِعُ بِكُنْهِ «٥» الشَّيْءِ، الْعَالِمُ بِحَقِيقَتِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُخْبِرُ وَقَالَ الله تعالى: «الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا «٦»» .
_________________
(١) القلم ٤.
(٢) سفر: بكسر السين وسكون الفاء وراء مهملة وهو الكتاب.
(٣) ناموسك: الناموس أي الوحي النازل عليك أو عظمتك في قلوب الناس وأصل معناه في القاموس أن صاحب سر الخير ناموس وصاحب سر الشر جاسوس.
(٤) «نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ» ق ٤٥
(٥) كنه: بضم فسكون الحقيقة.
(٦) «الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا» الفرقان، (٥٩)
[ ١ / ٤٦٣ ]
قال الْقَاضِي بَكْرُ «١» بْنُ الْعَلَاءِ الْمَأْمُورُ بِالسُّؤَالِ غَيْرُ النبي ﷺ والمسؤول الْخَبِيرُ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ السَّائِلُ النَّبِيُّ ﷺ.
والمسؤول هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. فَالنَّبِيُّ «خَبِيرٌ» بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
قِيلَ: لِأَنَّهُ عَالِمٌ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ مِنْ مَكْنُونِ عِلْمِهِ، وَعَظِيمِ مَعْرِفَتِهِ، مُخْبِرٌ لِأُمَّتِهِ بِمَا أَذِنَ لَهُ فِي إِعْلَامِهِمْ بِهِ..
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْفَتَّاحُ» وَمَعْنَاهُ الْحَاكِمُ بَيْنَ عِبَادِهِ، أَوْ فَاتِحُ أَبْوَابِ الرِّزْقِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمُنْغَلِقِ مِنْ أُمُورِهِمْ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَفْتَحُ قلوبهم وبصائرهم بمعرفة الْحَقِّ.. وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى النَّاصِرِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ «٢»» أَيْ: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ. وَقِيلَ: معناه مبتدىء الفتح والنصر
وسمى الله تعالى نبيه محمدا ﷺ ب «الفاتح» فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الطَّوِيلِ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ «٣» بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ «٤» وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» ﵁ وَفِيهِ مِنْ قول الله تعالى: «وجعلتك
_________________
(١) بكر بن محمد بن العلاء القشيدي من أولاد عمران بن الحصين ﵁ توفي سنة ٣٣٤.
(٢) «إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ، وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ» الأنفال ١٩.
(٣) تقدمت ترجمته في ص (١٠٧) رقم (٢) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٦٧) رقم (٣) .
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٣١) رقم (٥) .
[ ١ / ٤٦٤ ]
فَاتِحًا وَخَاتَمًا» . وَفِيهِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ثَنَائِهِ عَلَى رَبِّهِ وَتَعْدِيدِ مَرَاتِبِهِ: وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا.
فَيَكُونُ الْفَاتِحُ هُنَا: بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، أَوِ الفاتح لأبواب الرحمة على أمته، والفاتح لبصائرهم بمعرفة الحق، الإيمان بالله، أو الناصر للحق، أو المبتدىء بهداية الأمة، أو المبدّأ «١» الْمُقَدَّمُ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَالْخَاتِمُ لَهُمْ كَمَا قَالَ ﷺ «٢»: كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ: «الشَّكُورُ» وَمَعْنَاهُ الْمُثِيبُ عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَقِيلَ: الْمُثْنِي عَلَى الْمُطِيعِينَ..
وَوَصَفَ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ نُوحًا ﵇ فَقَالَ: «إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا «٣»» وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ «٤»:
«أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» أي معترفا بنعم رَبِّي، عَارِفًا بِقَدْرِ ذَلِكَ، مُثْنِيًا عَلَيْهِ، مُجْهِدًا نفسي في الزيادة من ذلك.
لقوله «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٥»» .
_________________
(١) بضم الميم وتشديد الدال المهملة.
(٢) رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة مرفوعا
(٣) «ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا» الاسراء ٣.
(٤) رواه الترمذي وغيره.
(٥) «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ» إبراهيم ٧
[ ١ / ٤٦٥ ]
ومن أسمائه تعالى: «العليم» و«العلّام» و«عالم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ»، وَوَصَفَ نَبِيَّهُ ﷺ بالعلم، وخصه بمزية منه فقال:
«وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
«١»
وقال «وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ «٢»» .
ومن أسمائه: «الأوّل» و«الآخر» وَمَعْنَاهُمَا السَّابِقُ لِلْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُجُودِهَا وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَائِهَا وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ، وَقَالَ ﷺ «٣»: «كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ» وَفُسِّرَ بِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ «٤»» فَقَدَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوٍ مِنْهُ عُمَرُ «٥» بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ «٦»
_________________
(١) «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ » النساء ١١٣.
(٢) «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» البقرة ١٥١
(٣) تقدم بيانه.
(٤) «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا» الاحزاب ٧.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (١١٣) رقم (٤) .
(٦) في قوله الذي تقدم ويكى فيه رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٤٦٦ ]
وَمِنْهُ قَوْلُهُ «١»: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ» .
وَقَوْلُهُ «٢»: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَآخِرُ الرُّسُلِ ﷺ» .
ومن أسمائه تعالى: «القويّ» و«ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» وَمَعْنَاهُ الْقَادِرُ وَقَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ:
«ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «٣» قِيلَ: مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ: جِبْرِيلُ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الصَّادِقُ» فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ «٤»، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «٥» أَيْضًا اسْمُهُ ﷺ «بِالصَّادِقِ المصدوق» .
ومن أسمائه تعالى: «الولي» و«المولى» ومعناهما الناصر.
وقد قال تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ «٦»» .
وَقَالَ ﷺ «٧»: «أَنَا وَلِيُّ كلّ مؤمن» .
_________________
(١) كما صرح به حديث مسلم.
(٢) تقدم بيانه.
(٣) التكوير ٢.
(٤) المروي عن ابي هريرة مرفوعا. وقد يؤخذ من قوله تعالى «ومن أصدق من الله قيلا» .
(٥) الصحيح عن ابن مسعود.
(٦) «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ» المائدة ٥٥.
(٧) رواه البخاري عن أبي هريرة، ورواه احمد وابو داوود عن جابر بلفظ «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه» .
[ ١ / ٤٦٧ ]
وقال الله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ «١»» .
وَقَالَ ﷺ «٢»: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» .
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْعَفُوُّ» وَمَعْنَاهُ الصَّفُوحُ..
وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا نَبِيَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ، وَأَمَرَهُ بِالْعَفْوِ فَقَالَ: «خُذِ الْعَفْوَ» «٣» وقال: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ «٤»» .
وَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ: «خُذِ الْعَفْوَ» قَالَ: «أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» وَقَالَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي صِفَتِهِ «٥»: «لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ» .
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْهَادِي» وَهُوَ بِمَعْنَى تَوْفِيقِ اللَّهِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ وَبِمَعْنَى الدَّلَالَةِ والدعاء.
قال الله تعالى: «وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٦»» .
_________________
(١) «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» الأحزاب (٦) .
(٢) رواه الترمذي وحسنه.
(٣) «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» الاعراف ١٩٩.
(٤) «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» المائدة (١٣) .
(٥) هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه من رواية عبد الله بن عمر، وليس فيه ذكر الانجيل.
(٦) يونس ٢٥.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وأصل الجميع من الميل، وقيل من التقديم، وقيل في تَفْسِيرِ طه:
إِنَّهُ يَا طَاهِرُ، يَا هَادِي يعني النبي ﷺ..
وقال تعالى له: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «١»» وقال فيه: «وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ «٢»» فالله تعالى مختص بالمعنى الأول، قال الله تَعَالَى: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ «٣»» وَبِمَعْنَى الدَّلَالَةِ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى..
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْمُؤْمِنُ» «الْمُهَيْمِنُ» قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَمَعْنَى «الْمُؤْمِنِ» فِي حَقِّهِ تَعَالَى الْمُصَدِّقُ وَعْدَهُ عِبَادَهُ، وَالْمُصَدِّقُ قَوْلَهُ الْحَقَّ، وَالْمُصَدِّقُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَرُسُلِهِ. وَقِيلَ: الْمُوَحِّدُ نَفْسَهُ وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ عِبَادَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ ظُلْمِهِ، وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ عَذَابِهِ، وَقِيلَ: «الْمُهَيْمِنُ» بِمَعْنَى الْأَمِينِ مُصَغَّرٌ مِنْهُ «٤» فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً.. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُمْ فِي الدُّعَاءِ «آمِينَ» إِنَّهُ اسْمٌ
_________________
(١) «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» الشورى ٥٢
(٢) «وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» الْأَحْزَابِ ٤٦.
(٣) «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» القصص ٥٦
(٤) عود الضمير على المؤمن وقلبت الهمزة هاء في المهيمن المصغر لأنها أخف، وأما أسماؤه تعالى وأسماء أنبيائه عليهم الصلاة والسلام فالصحيح أنها لا تصغر ومهيمن هنا إنما هو اسم فاعل من هيمن فهو مهيمن والياء فيه كياء ضيغم وحيدر وليست للتصغير وقد جاء في كلامهم ألفاظ على وزنه كمسيطر.
[ ١ / ٤٦٩ ]
مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «١»، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْمُؤْمِنِ وَقِيلَ: «الْمُهَيْمِنُ» بِمَعْنَى الشَّاهِدِ وَالْحَافِظِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمِينٌ وَمُهَيْمِنٌ وَمُؤْمِنٌ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَمِينًا فَقَالَ: «مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ «٢»»
وَكَانَ ﷺ يُعْرَفُ «بِالْأَمِينِ»، وَشُهِرَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا.
وَسَمَّاهُ الْعَبَّاسُ «٣» فى شعره مهيمنا في قوله:
ثم اغتدى بيتك المهيمن من خندف علياء تحتها النطق
قِيلَ الْمُرَادُ: يَا أَيُّهَا الْمُهَيْمِنُ.. قَالَهُ الْقُتَيْبِيُّ «٤»، وَالْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ «٥» الْقُشَيْرِيُّ..
وَقَالَ تَعَالَى: «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ «٦»» أي
_________________
(١) القول بأن آمين اسم من أسماء الله تعالى قاله مجاهد وهذا القول يرده النووي في التهذيب بقوله: (إنه مبني وليس اسم في اسماء الله تعالى مبني، وأيضا أسماء الله تعالى لا تثبت إلا بالقرآن والسنة المتواترة وقد عدم الطريقان) أما آمين بالمد وقد يقصر؟؟؟ فعل أمر معناه احج.
(٢) التكوير ٢١.
(٣) العباس: تقدمت ترجمته في ص (١٨١) رقم (١) .
(٤) القتيبي عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري البغدادي، الامام المشهور نسبة لقتيبة جده توفي سنة ٢٧٦ وتآليفه كثيرة.
(٥) أبو قاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك، شيخ خراسان في عصره زهدا وعلما في الدين، وأقام بنيسابور وبها توفي سنة ٤٦٥ هـ وله مصنفات أشهرها الرسالة القشيرية في علم التصوف وتراجم رجاله، ولطائف الاشارات في التفسير.
(٦) «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» التوبة ٦١.
[ ١ / ٤٧٠ ]
يُصَدِّقُ وَقَالَ ﷺ «١» «أَنَا آمِنَةٌ «٢» لِأَصْحَابِي» فَهَذَا بِمَعْنَى الْمُؤْمِنِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْقُدُّوسُ» وَمَعْنَاهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ الْمُطَهَّرُ عن سِمَاتِ الْحَدَثِ، وَسُمِّيَ «بَيْتُ الْمَقْدِسِ» لِأَنَّهُ يُتَطَهَّرُ فيه من الذنوب، ومنه «الوادي المقدس» و«روح القدس»
وقع فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ فِي أَسْمَائِهِ ﷺ «الْمُقَدَّسُ» أَيِ الْمُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٣»» أَوِ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيُتَنَزَّهُ باتباعه عنها.. كما قال تعالى: «وَيُزَكِّيهِمْ «٤» .. وقال «وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ «٥»» أَوْ يَكُونُ مُقَدَّسًا بِمَعْنَى مُطَهَّرًا مِنَ الْأَخْلَاقِ الذميمة والأوصاف الدنيّة..
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى «الْعَزِيزُ» وَمَعْنَاهُ الْمُمْتَنِعُ الْغَالِبُ.. أو الذي
_________________
(١) حديث مسلم على ما مر،
(٢) أمنة: بفتح الهمزة وضمها مصدر بمعنى الأمان أو بزنة المبالغة كرجل عدل فيقع على الواحد وغيره.
(٣) «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا» الفتح ٢.
(٤) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» الجمعة ٢.
(٥) «يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» المائدة ١٦.
[ ١ / ٤٧١ ]
لَا نَظِيرَ لَهُ، أَوِ الْمُعِزُّ لِغَيْرِهِ. وَقَالَ تعالى: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ «١»»
أَيْ الِامْتِنَاعُ وَجَلَالَةُ الْقَدْرِ.
وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ فَقَالَ:
«يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ «٢»» وقال: «أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى «٣»» و«بِكَلِمَةٍ مِنْهُ «٤»» وسماه الله تعالى مبشرا ونذيرا وبشيرا..- أَيْ مُبَشِّرًا لِأَهْلِ طَاعَتِهِ «وَنَذِيرًا» لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: «طه» «ويسن»
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ محمد ﷺ وشرّف وكرّم.
_________________
(١) «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» المنافقون ٨.
(٢) «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ» التوبة ٢١.
(٣) «فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» ال عمران ٣٩.
(٤) «إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» ال عمران ٤٥،
[ ١ / ٤٧٢ ]
الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ اسْتِدْرَاكٌ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَهَا أَنَا أَذْكُرُ نُكْتَةً «١» أُذَيِّلُ بِهَا هَذَا الْفَصْلَ، وَأَخْتِمُ بِهَا هَذَا الْقِسْمَ، وَأُزِيحُ الْإِشْكَالَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ كُلِّ ضَعِيفِ الوهم، سقيم الفهم، يخلّصه مِنْ مَهَاوِي «٢» التَّشْبِيهِ، وَتُزَحْزِحُهُ عَنْ شُبَهِ التَّمْوِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ اسْمُهُ فِي عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَمَلَكُوتِهِ، وَحُسْنَى أَسْمَائِهِ، وَعُلِيِّ صِفَاتِهِ، لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا يُشَبَّهُ بِهِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ مِمَّا أَطْلَقَهُ الشَّرْعُ عَلَى الْخَالِقِ وَعَلَى الْمَخْلُوقِ فَلَا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي
_________________
(١) نكتة: بضم أولها وفتح المثناة الفوقية هي الفكر الدقيق المحتاج إلى تأمل وفكر. سميت بها لأن صاحبها كثيرا ما يبحث في الأرض بقضيب ونحوه.
(٢) مهاوي: بكسر الواو وجمع مهواة وهي كالهاوية الحفرة العميقة التي من يقع الصعب طلوعه.
[ ١ / ٤٧٣ ]
إِذْ صِفَاتُ الْقَدِيمِ بِخِلَافِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ..
فَكَمَا أنّ ذاته تعالى لا تشبه الدّوات، كَذَلِكَ صِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ صِفَاتَ الْمَخْلُوقِينَ، إِذْ صِفَاتُهُمْ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْأَعْرَاضِ «١» وَالْأَغْرَاضِ «٢» وَهُوَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ.
وَكَفَى فِي هَذَا قَوْلُهُ: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٣» ..
وَلِلَّهِ دَرُّ «٤» مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ الْمُحَقِّقِينَ: «التَّوْحِيدُ إِثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُشْبِهَةٍ لِلذَّوَاتِ وَلَا مُعَطَّلَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ» .
وَزَادَ هَذِهِ النُّكْتَةَ الْوَاسِطِيُّ «٥» ﵀ بَيَانًا وَهِيَ مَقْصُودُنَا فَقَالَ: لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَاتٌ، وَلَا كَاسْمِهِ اسْمٌ وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْلٌ، وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَةٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ اللَّفْظِ اللَّفْظَ.
وَجَلَّتِ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَدِيثَةٌ، كَمَا اسْتَحَالَ
_________________
(١) الأعراض: جمع عرض بمهملتين مفتوحتين وهو كل ما لا يقوم بذاته بل يقوم بغيره كاللون والحركة.
(٢) الأغراض: جمع غرض بمعجمة مفتوحة وراء مهملة مفتوحة وهو الأمر الباعث على وجود الشيء وإيجاده.
(٣) «فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» الشورى ١١.
(٤) در: بفتح الدال وتشديد الراء المهملتين أصل معناه اللبن ويتجوز به عن الخير والعمل الصالح واللام في لله للتعجب وكذا يستعمل فيقال لله دره للثناء عليه والتعجب من محاسنه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٩١) رقم (٤) .
[ ١ / ٤٧٤ ]
أَنْ تَكُونَ لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ﵃..
وَقَدْ فَسَّرَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ «١» الْقُشَيْرِيُّ ﵀ قَوْلَهُ هَذَا لِيَزِيدَهُ بَيَانًا فَقَالَ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى جَوَامِعِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَكَيْفَ تُشْبِهُ ذَاتُهُ ذَاتَ الْمُحْدَثَاتِ وَهِيَ بِوُجُودِهَا مُسْتَغْنِيَةٌ!! ..
وَكَيْفَ يُشْبِهُ فِعْلُهُ فِعْلَ الْخَلْقِ، وَهُوَ لِغَيْرِ جَلْبِ أُنْسٍ أَوْ دَفْعِ نَقْصٍ حصل، ولا يخواطر وَأَغْرَاضٍ وُجِدَ وَلَا بِمُبَاشَرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ ظَهَرَ، وَفِعْلُ الْخَلْقِ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
وَقَالَ آخَرُ «٢» مِنْ مَشَايِخِنَا: مَا تَوَهَّمْتُمُوهُ بِأَوْهَامِكُمْ، أَوْ أَدْرَكْتُمُوهُ بِعُقُولِكُمْ فَهُوَ مُحْدَثٌ مِثْلُكُمْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي «٣» الْجُوَيْنِيُّ: مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ انْتَهَى إِلَيْهِ فِكْرُهُ فَهُوَ مُشَبِّهٌ «٤» وَمَنِ اطْمَأَنَّ إلى النفي المحض فهو
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٤٧٠) رقم (٥) .
(٢) غير معروف.. كما ذكره الحلبي
(٣) إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني النيسابوري إمام الأئمة عربا وعجما فريد دهره صاحب الفضائل والتآليف الجليلة وهو شيخ الغزالي توفي سنة ٤٧٨ هـ
(٤) أي تيقن أمرا موجودا على وجه معين ارتسم في ذهنه أنه الله فهو معتقد لتشبيه الله تعالى بغيره وهذا خطأ فاحش لأنه ليس كمثله شيء.
[ ١ / ٤٧٥ ]
مُعَطِّلٌ «١» وَإِنْ قَطَعَ بِمَوْجُودٍ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ حَقِيقَتِهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ذِي «٢» النُّونِ الْمِصْرِيِّ «حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَشْيَاءِ بِلَا عِلَاجٍ «٣»، وَصُنْعَهُ لَهَا بِلَا مِزَاجٍ «٤» وَعِلَّةُ كُلِّ شَيْءٍ صُنْعُهُ وَلَا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ «٥» . وَمَا تُصُوِّرَ فِي وَهْمِكَ فَاللَّهُ بِخِلَافِهِ»
وَهَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ نَفِيسٌ مُحَقَّقٌ وَالْفَصْلُ الْآخَرُ «٦» تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ:
«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٧» .
والثاني «٨» تفسير لقوله: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «٩»»
وَالثَّالِثُ «١٠» تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ
_________________
(١) أي نفي ذات الباري حقيقة أو حكما كالفلاسفة القائلين لا يصدر عن الواحد بالذات إلا واحد فهو معطل ناف للصانع.
(٢) الزاهد العارف بالله تعالى أبو الفيض ثوبان بن ابراهيم الاخميمي كان عالما فاضلا توفي سنة ٢٤٥ هـ.
(٣) أي بلا معالجة ومكابدة واستعمال آلة.
(٤) أي ان إيجاده لها لا يحتاج إلى مادة ومعاونة تركبه منها بل قدرته تعالى العلية أوجدته ابتداء من العدم بعد أن لم تكن بمجرد قوله كن فيكون.
(٥) أي لا علة لمصنعه تعينه في إيجاده إذ أفعاله تعالى لا تعلل بالاغراض.
(٦) أي قوله: «ما تصور في وهمك فالله بخلافه» .
(٧) «فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا» الشوري ١١.
(٨) أي قوله: «وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه» .
(٩) الأنبياء ٢٣.
(١٠) أي قوله: «حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا علاج» .
[ ١ / ٤٧٦ ]
نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١»» .
ثبّتنا الله وإياك من التَّوْحِيدِ وَالْإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ وَجَنَّبَنَا طَرَفَيِ الضَّلَالَةِ وَالْغَوَايَةِ من التعطيل والتشبيه بمنّه ورحمته.
_________________
(١) النمل ٤٠.
[ ١ / ٤٧٧ ]
الباب الرابع فيما أظهره الله على يديه منه الْمُعْجِزَاتِ وَشَرَّفَهُ بِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالْكَرَامَاتِ وَفِيهِ ثلاثون فصلا
[ ١ / ٤٧٩ ]
الفصل الأوّل مقدّمة
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: حَسْبُ الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ يُحَقِّقَ أَنَّ كِتَابَنَا هَذَا لَمْ نَجْمَعْهُ لِمُنْكِرِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ، وَلَا لِطَاعِنٍ فِي مُعْجِزَاتِهِ، فَنَحْتَاجُ إِلَى نَصْبِ الْبَرَاهِينِ عَلَيْهَا، وَتَحْصِينِ حَوْزَتِهَا «١» حَتَّى لَا يَتَوَصَّلَ الْمُطَاعِنُ إِلَيْهَا، وَنَذْكُرُ شُرُوطَ الْمُعْجِزِ، وَالتَّحَدِّي وَحْدَهُ، وَفَسَادُ قَوْلِ مَنْ أَبْطَلَ نَسْخَ الشَّرَائِعِ وَرَدُّهُ.
بَلْ أَلَّفْنَاهُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ الْمُلَبِّينَ لِدَعْوَتِهِ، الْمُصَدِّقِينَ لِنُبُوَّتِهِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا فِي مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وَمَنْمَاةً لِأَعْمَالِهِمْ، و«لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ «٢»» .
_________________
(١) حوزتها: بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الزاي المعجمة وهي الناحية والجانب، وتحصينها جعلها حصينه محفوظة كأن عليها حصنا يحميها، وفيه استعارة تمثيلية تخييلية بجعل المنكر كالعدو القاصد لخراب المملكة.
(٢) سورة الفتح رقم ٥.
[ ١ / ٤٨١ ]
وَنِيَّتُنَا أَنْ نُثْبِتَ فِي هَذَا الْبَابِ أُمَّهَاتِ مُعْجِزَاتِهِ، وَمَشَاهِيرَ آيَاتِهِ، لِتَدُلَّ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ رَبِّهِ. وَأَتَيْنَا مِنْهَا بِالْمُحَقَّقِ وَالصَّحِيحِ الْإِسْنَادِ، وَأَكْثَرُهُ مِمَّا بَلَغَ الْقَطْعَ أَوْ كَادَ، وَأَضَفْنَا إِلَيْهَا بَعْضَ مَا وَقَعَ فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِ الْأَئِمَّةِ.
وَإِذَا تَأَمَّلَ الْمُتَأَمِّلُ الْمُنْصِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَمِيلِ أَثَرِهِ، وَحَمِيدِ سِيَرِهِ، وَبَرَاعَةِ عِلْمِهِ، وَرَجَاحَةِ عَقْلِهِ وَحِلْمِهِ، وَجُمْلَةِ كَمَالِهِ، وَجَمِيعِ خِصَالِهِ، وَشَاهِدِ حَالِهِ، وَصَوَابِ مَقَالِهِ، لَمْ يَمْتَرِ «١» فِي صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَصِدْقِ دَعْوَتِهِ.
وَقَدْ كَفَى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ فِي إِسْلَامِهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، فَرَوَيْنَا عَنِ التِّرْمِذِيِّ «٢» وَابْنِ قَانِعٍ «٣» وَغَيْرِهِمَا بِأَسَانِيدِهِمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ «٤» قَالَ «٥»: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ جِئْتُهُ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب» .
_________________
(١) أي لم يشك
(٢) تقدمت ترجمته في ص (١٨١) رقم (٤) .
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٣٤٠) رقم (١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٧٣) رقم (٣) .
(٥) رواه عن الترمذي في جامعه في باب الزهد وقال صحيح. وهو في سنن ابن ماجه أيضا في الصلاة عن محمد بن بشار بسنده وفي مسند أحمد ومستدرك الحاكم.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وَعَنْ «١» أَبِي رِمْثَةَ «٢» التَّيْمِيِّ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنٌ لِي فَأُرِيتُهُ «٣» فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قُلْتُ: هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ.. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ:
أَنَّ ضِمَادًا «٤» لَمَّا وَفَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» . قَالَ لَهُ: «أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هؤلاء فلقد بلغن قَامُوسَ «٥» الْبَحْرِ.. هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ» .
وَقَالَ «٦» جَامِعُ «٧» بْنُ شَدَّادٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ: طارق «٨»
_________________
(١) رواه ابن سعد.
(٢) أبو رمثة التيمي اسمه رفاعة بن يثري رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وروى عنه إياد بن لقيط وثابت بن منقذ وروى له أصحاب السنن الثلاثة وصحح حديثه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(٣) أريته: بالبناء للمجهول أي أراني إياه وعرفني به غيره.
(٤) ضماد بن ثعلبة الأزدي نسبة لأزد شنوءة قبيلة مشهورة وكان صديقا للنبي ﷺ قبل البعثة- قدم مكة وأسلم في أول الاسلام. وكان عاقلا يتطبب ويرقى.
(٥) أي اشتهرت مقالتك هذه في جميع أقطار الأرض شرقا وغربا وقاموس البحر وسطه أو لجته أو قعره كما في كتب اللغة من قمسه إذا غمسه ووزنه فاعول وهذه أشهر الروايات وأصحها وفيه روايات أخرى فروي تاعوس بمثناة فوقية وعين وسين مهملتين بينهما واو ساكنة وروي فاعوس بفاء بدل القاف.
(٦) رواه البيهقي عنه.
(٧) وهو ابو ضمرة الأسدي المحاربي الكوفي أخرج له أبو داوود والنسائي ثقة توفي سنة ١١٨.
(٨) طارق بن عبد الله المحاربي من محارب خصفة نزل الكوفة، روى له النسائي: «قدمت على النبي ﷺ واذا هو قائم على المنبر يخطب ويقول: يد المعطي العليا» .
[ ١ / ٤٨٣ ]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ «١»: هَلْ مَعَكُمْ شَيْءٌ تَبِيعُونَهُ؟
قُلْنَا: هَذَا الْبَعِيرُ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْنَا: بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا «٢» مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ «٣» وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ.. فَقُلْنَا: بِعْنَا مِنْ رَجُلٍ لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ «٤» فَقَالَتْ: أَنَا ضَامِنَةٌ لِثَمَنِ الْبَعِيرِ..
رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ مِثْلَ القمر ليلة البدر.. لا يخيس «٥» بكم.
فَأَصْبَحْنَا فَجَاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رسول الله ﷺ إليكم يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ هَذَا التَّمْرِ وَتَكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا فَفَعَلْنَا.
وَفِي خَبَرِ الْجُلَنْدِيِّ «٦» مَلِكِ عَمَّانَ لَمَّا بَلَغَهُ «٧» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ قَالَ الْجُلَنْدِيُّ: «وَاللَّهِ لَقَدْ دَلَّنِي عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إِلَّا كَانَ أَوَّلَ آخِذٍ بِهِ، وَلَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ إِلَّا كَانَ أَوَّلَ تَارِكٍ لَهُ.. وَأَنَّهُ يَغْلِبُ فلا يبطر، ويغلب فلا
_________________
(١) أي النبي ﷺ.
(٢) وسقا: بكسر الواو وفتحها وهو ستون صاعا.
(٣) بخطامه: بخاء معجمه وطاء مهملة وميم وهو كالزمام وزنا ومعنى، أي رسنه الذي يقاد به.
(٤) ظعينة: بظاء معجمة وعين مهملة وهي المرأة التي تظعن مع زوجها أي ترتحل.
(٥) لا يخيس: أي لا يغدر ولا يكذب وهو بخاء معجمة وسين مهملة.
(٦) الجلندي بضم أوله وثانيه مع القصر اختلف في اسلامه وجزم به النويري وكتب النبي ﷺ اليه والى اخيه لولايتهما على عمان فأجابا.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٨٠» رقم «٤» .
[ ١ / ٤٨٤ ]
يَضْجَرُ، وَيَفِي بِالْعَهْدِ وَيُنْجِزُ الْمَوْعُودَ.. وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ» .
وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ «١»» هَذَا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ يَقُولُ: يَكَادُ مَنْظَرُهُ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا كَمَا قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ «٢»:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ «٣» بِالْخَبَرِ
وَقَدْ آنَ أَنْ نَأْخُذَ فِي ذِكْرِ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَبَعْدَهُ فِي مُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ، وَمَا فِيهِ من برهان ودلالة.
_________________
(١) سورة النور رقم (٣٥)
(٢) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري شاعر النبي ﷺ وقائده الثالث بعد زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب في سرية مؤته وبها قتل بعد صاحبيه في حياته ﷺ شهد المشاهد كلها الا الفتح لموته قبلها سنة ٨ هـ.
(٣) ينبيك: أصلها ينبؤك بالهمزة فأبدلت ياء وسكنت-
[ ١ / ٤٨٥ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَالْعِلْمِ بِذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَجَمِيعِ تَكْلِيفَاتِهِ ابْتِدَاءً دُونَ وَاسِطَةٍ لَوْ شَاءَ كَمَا حُكِيَ عَنْ سُنَّتِهِ فِي بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ. وذكره بعض أهل التفسير في قوله: «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا «١»» .
وَجَائِزٌ أَنْ يُوصِلَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ تُبَلِّغُهُمْ كَلَامَهُ، وَتَكُونُ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ إِمَّا مِنْ غَيْرِ الْبَشَرِ. كَالْمَلَائِكَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِمْ كَالْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْأُمَمِ. وَلَا مَانِعَ لِهَذَا مِنْ دَلِيلِ الْعَقْلِ.
- وَإِذَا جَازَ هَذَا وَلَمْ يَسْتَحِلْ، وَجَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا دَلَّ عَلَى صِدْقِهِمْ من معجزاتهم وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ فِي جَمِيعِ مَا أَتَوْا بِهِ.
- لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ مَعَ التَّحَدِّي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَائِمٌ مَقَامَ قَوْلِ اللَّهِ:
_________________
(١) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رسولا فيوحي باذنه ما يشاء إنه علي حكيم: الشورى «٥١٧» .
[ ١ / ٤٨٦ ]
«صَدَقَ عَبْدِي فَأَطِيعُوهُ وَاتَّبِعُوهُ» وَشَاهِدٌ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَقُولُهُ، وَهَذَا كَافٍ.. وَالتَّطْوِيلُ فِيهِ خَارِجٌ عَنِ الْغَرَضِ. فَمَنْ أَرَادَ تَتَبُّعَهُ وَجَدَهُ مُسْتَوْفًى فِي مُصَنَّفَاتِ أَئِمَّتِنَا ﵏.
فَالنُّبُوَّةُ: فِي لُغَةِ مَنْ هَمَزَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّبَأِ، وَهُوَ الخبر وقد لا يهمز عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَسْهِيلًا. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَعَهُ عَلَى غَيْبِهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ نَبِيُّهُ فَيَكُونُ نَبِيٌّ (مُنَبَّأً) فَعِيلٌ بِمَعْنَى (مَفْعُولٍ) أَوْ يَكُونُ مُخْبِرًا عَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَمُنَبِّئًا بِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَيَكُونُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَهْمِزْهُ مِنَ النُّبُوَّةِ. وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ رُتْبَةً شَرِيفَةً وَمَكَانَةً نَبِيهَةً عِنْدَ مَوْلَاهُ مَنِيفَةً «٢» .. فَالْوَصْفَانِ فِي حَقِّهِ مُؤْتَلِفَانِ.
وَأَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ الْمُرْسَلُ، وَلَمْ يَأْتِ فَعُولٌ بِمَعْنَى مُفْعَلٍ فِي اللُّغَةِ إِلَّا نَادِرًا.. وَإِرْسَالُهُ أَمْرُ اللَّهِ لَهُ بِالْإِبْلَاغِ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ التَّتَابُعِ.. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: جَاءَ النَّاسُ أرسالا.. إذا تبع بَعْضُهُمْ بَعْضًا.. فَكَأَنَّهُ أُلْزِمَ تَكْرِيرَ التَّبْلِيغِ.. أَوْ ألزمت
_________________
(١) منيفة: من أناف أي عالية مشرفة.
[ ١ / ٤٨٧ ]
الْأُمَّةُ اتِّبَاعَهُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلِ النَّبِيُّ وَالرَّسُولُ بِمَعْنًى أَوْ بِمَعْنَيَيْنِ فَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ وَأَصْلُهُ مِنَ الْإِنْبَاءِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ «١»» فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمَا مَعًا الْإِرْسَالَ قَالَ: وَلَا يَكُونُ النَّبِيُّ إِلَّا رَسُولًا وَلَا الرَّسُولُ إِلَّا نَبِيًّا. وَقِيلَ: هُمَا مُفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ.. إِذْ قَدِ اجْتَمَعَا فِي النُّبُوَّةِ الَّتِي هِيَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْغَيْبِ، وَالْإِعْلَامُ بِخَوَاصِّ النُّبُوَّةِ أَوِ الرِّفْعَةِ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَحَوْزِ دَرَجَتِهَا..
- وَافْتَرَقَا فِي زِيَادَةِ الرسالة للرسول.. وهو الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ وَالْإِعْلَامِ كَمَا قُلْنَا، وَحُجَّتُهُمْ مِنَ الْآيَةِ نَفْسِهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وَلَوْ كَانَا شيئا واحدا لما حسن تكرار هما فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ.
قَالُوا وَالْمَعْنَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَى أُمَّةٍ، أَوْ نَبِيٍّ وَلَيْسَ بِمُرْسَلٍ إِلَى أَحَدٍ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أنّ الرسول قد جَاءَ بِشَرْعٍ مُبْتَدَأٍ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُ رَسُولٍ. وَإِنْ أُمِرَ بِالْإِبْلَاغِ وَالْإِنْذَارِ.
وَالصَّحِيحُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ «٢»: أَنَّ كُلَّ رسول نبيّ
_________________
(١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ الْحَجِّ. (٥٢)
(٢) الجماء الغفير: جماعة الناس يقال جاؤوا جماء غفيرا والجماء بالمد وبالقصر والغفير صفة لازمة للجماء لا يفرد بدونها من الغفر وهو الستر كأنهم لكثرتهم ستروا وجه الأرض
[ ١ / ٤٨٨ ]
وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولًا وَأَوَّلُ الرُّسُلِ: آدَمُ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَفِي حَدِيثِ «١» أَبِي ذَرٍّ «٢» ﵁: «إِنَّ الأنبياء مئة أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ» وَذَكَرَ أَنَّ الرسل منهم ثلاث مئة وَثَلَاثَةَ عَشَرَ أَوَّلُهُمْ آدَمُ ﵇ فَقَدْ بَانَ لَكَ مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَلَيْسَتَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ذَاتًا لِلنَّبِيِّ «٣» .. وَلَا وَصْفَ ذَاتٍ «٤» .. خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّةِ «٥»، فِي تَطْوِيلٍ لَهُمْ وَتَهْوِيلٍ، لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ..
وَأَمَّا الْوَحْيُ: فَأَصْلُهُ الْإِسْرَاعُ.. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ يَتَلَقَّى مَا يَأْتِيهِ مِنْ رَبِّهِ بِعَجَلٍ سُمِّيَ وَحْيًا.. وَسُمِّيَتْ أَنْوَاعُ الْإِلْهَامَاتِ وَحْيًا تَشْبِيهًا بِالْوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّ وَسُمِّيَ الْخَطُّ «وَحْيًا» لِسُرْعَةِ حركة يد
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده وابن حبان والحاكم في مستدركه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١»
(٣) أي ليستا أمرا ذاتيا في الرسول ولا جبلة طبعه الله عليها كالعقل وغيره من الغرائز، وليست النبوة مكتسبة برياضة وتصفية باطن كما ذهب اليه الحكماء وإنما هي أمر طارىء عليه بارادة الله تعالى وفضله والله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته.
(٤) اي ليست صفة قائمة بذاته موجودة فيه قبل الوحي اليه.
(٥) الكرامية: بتشديد الراء وتخفيفها على القولين وفتح الكاف وكسرها على التخفيف وهي طائفة تنسب الى محمد بن كرام وكان صاحب مذهب في العقائد وغيرها وله رواية في الحديث وكان يجوز الكذب على النبي ﷺ في الترغيب والترهيب لانه له لا عليه ومات في القدس في صفر سنة خمس وخمسين ومائتين.
[ ١ / ٤٨٩ ]
كَاتِبِهِ «وَوَحْيُ الْحَاجِبِ وَاللَّحْظِ «١»» سُرْعَةُ إِشَارَتِهِمَا.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا «٢»» أَيْ أَوْمَأَ وَرَمَزَ وَقِيلَ كَتَبَ.. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ الْوَحَا..
الْوَحَا «٣» .. أَيِ السُّرْعَةَ.. السُّرْعَةَ وَقِيلَ: أَصْلُ الْوَحْيِ السِّرُّ وَالْإِخْفَاءُ.. وَمِنْهُ سُمِّيَ الْإِلْهَامُ وَحْيًا..
ومنه قوله تعالى: «وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ «٤»» أَيْ يُوَسْوِسُونَ فِي صُدُورِهِمْ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: «وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى «٥»» أَيْ أُلْقِيَ فِي قَلْبِهَا وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
«وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا «٦»» أَيْ مَا يُلْقِيهِ فِي قَلْبِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ.
_________________
(١) اللحظ: مؤخر العين، ثم أطلق على النظر فيقال لحظه بعينه وهو هنا مستعار
(٢) سورة مريم آية (١١) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ
(٣) الوحا: بفتح الواو والمد والقصر ويقال الوحاك بكاف الخطاب أيضا كما في الأساس وهو منصوب بفعل مقدر للاعراب.
(٤) سورة الأنعام آية (٢) (لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)
(٥) سورة القصص آية «٧» (أَنْ أَرْضِعِيهِ)
(٦) سورة الشورى آية «٥٢» (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) .
[ ١ / ٤٩٠ ]
الفصل الثالث معنى المعجزات
إعلم أنّ معنى تَسْمِيَتَنَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ «مُعْجِزَةً»
- هُوَ أنّ الخلق عجزوا عن الإثبات بِمِثْلِهَا وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
- ضَرْبٌ هُوَ مِنْ نَوْعِ قُدْرَةِ الْبَشَرِ فَعَجَزُوا عَنْهُ فَتَعْجِيزُهُمْ عَنْهُ فِعْلٌ لِلَّهِ دَلَّ عَلَى صِدْقِ نَبِيِّهِ كَصَرْفِهِمْ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ «١» وَتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ القرآن على رأي بعضهم «٢» ونحوه.
_________________
(١) أي منع الله اليهود عن تمني الموت لما قالوا «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» المائدة (١٨) «وَقالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى» البقرة (١) فكذبهم الله تعالى وألزمهم بقوله: «قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» البقرة (٩٤) أي قل لهم يا محمد: إن كنتم أحباب الله تعالى والجنة مختصة بكم فاطلبوا الموت فإن من أحب الله أحب الله لقاءة ومن كانت داره الجنة يبادر لدخولها فلم يتمنه أحد منهم ولو بلسانه لصرف الله لهم عن ذلك ولذا ورد ولو تمنوه لم يبق على وجه الأرض يهودي.
(٢) أي الذين يقولون ب «الصرفة» أي بصرف العرب الفصحاء عن معارضته مع تحديه لهم وتقريعهم بذلك على رؤوس الأشهاد حتى عدلوا عن مجادلة الحروف إلى مجادلة السيوف كما هو المشهور وهذا هو مذهب النظام وبعض المعتزلة والشيعة فقيل صرفهم يأت لم يكن دواع وبواعث لذلك وقيل سلبهم المعارف المركوزة في طبائعهم، من معرفة فنون-
[ ١ / ٤٩١ ]
- وضرب هو خارج عن قدرتهم، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى «١»، وَقَلْبِ الْعَصَا «٢» حَيَّةً، وَإِخْرَاجِ نَاقَةٍ مِنْ صَخْرَةٍ «٣» وَكَلَامِ شَجَرَةٍ «٤» وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْأَصَابِعِ «٥»، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ «٦»، مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ أَحَدٌ إلّا الله فيكون ذَلِكَ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحَدِّيهِ مَنْ يُكَذِّبُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ تَعْجِيزٌ لَهُ وَاعْلَمْ
_________________
(١) - البلاغة وأساليبها على القولين المشهورين في «الصرفة» والذي عليه الجمهور المحققون أن إعجازه إنما هو بما تضمنه من الفصاحة والبلاغة وغرابة الأساليب وبلاغة التراكيب وجزالتها وأنواع البديع ومطابقة المقامات وبديع الفواتح والمقاطع وروائع الاستعارات إلى غير ذلك، مما خرج عن طوق البشر وبلغ ذروة لا تصل إليها خطى الأفكار مع حلاوة وطلاوة تعين السامع. وإن أيسر رد على القول بالصرفة هي الحقيقة التي تمحق هذا القول وتطيح به ذلك أن بعضا ممن أصابهم الغرور وانتابهم السفه والطيش لجؤوا إلى محاكاة القرآن والإتيان بمثله فصدر عنهم كلام نزق مفكك، يدعو إلى الغثاثة والغثيان.. فهذا الأمر يدل دلالة واضحة على عدم صرفهم من الأصل بل إنهم لم يستطيعوا ولن يستطيع غيرهم محاكاة القرآن ولا تقليده وأنى لهم ذلك والقرآن كلام الله ﷿.
(٢) الذي وقع لإبراهيم وعيسى ﵉.
(٣) معجزة لموسى ﵇.
(٤) بلا واسطة وأسباب معتادة معجزة لصالح ﵇ لما اقترح عليه «جندع بن عمرو» سيد قومه أن يخرج لهم من صخرة أسمها «كاتبه» ناقة عشراء فصلى ودعا ربه فتمخضت تمخض الشرج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء وهم ينظرون ثم نتجت مثلها في العظم فآمن جندع في جمع من قومه وتمادى غيرهم في الكفر حتى عقروا الناقة فأخذتهم الرجفة.
(٥) حنين الجذع للنبي ﷺ.
(٦) وهذا جرى الرسول ﷺ.
(٧) معجزة للرسول ﷺ بأن القمر انفلق فلقتين تشاهده وقد ثبت هذا في الأحاديث الصحيحة وروي من طرق متعددة خرجها السيوطي وبه فسر قوله تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» سورة القمر (١) .
[ ١ / ٤٩٢ ]
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ نَبِيِّنَا ﷺ وَدَلَائِلَ نَبُّوَّتِهِ وَبَرَاهِينَ صِدْقِهِ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مَعًا.
- وَهُوَ أَكْثَرُ الرُّسُلِ مُعْجِزَةً وَأَبْهَرُهُمْ آيَةً وَأَظْهَرُهُمْ بُرْهَانًا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَهِيَ فِي كَثْرَتِهَا لَا يُحِيطُ بِهَا ضَبْطٌ فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْهَا وَهُوَ «الْقُرْآنُ» لَا يُحْصَى عَدَدُ مُعْجِزَاتِهِ بِأَلْفٍ وَلَا أَلْفَيْنِ وَلَا أَكْثَرَ.. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ تَحَدَّى بِسُورَةٍ مِنْهُ فَعُجِزَ عَنْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ.. وَأَقْصَرُ السُّوَرِ «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «١»» فكل آية منه أَوْ آيَاتٍ مِنْهُ بِعَدَدِهَا وَقَدْرِهَا مُعْجِزَةٌ.. ثُمَّ فيها نفسها معجزات على ما سنفعله فِيمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ.
ثُمَّ مُعْجِزَاتُهُ ﷺ عَلَى قِسْمَيْنِ:
- قِسْمٌ مِنْهَا عُلِمَ قَطْعًا وَنُقِلَ إِلَيْنَا مُتَوَاتِرًا كَالْقُرْآنِ فَلَا مِرْيَةَ وَلَا خِلَافَ بِمَجِيءِ النَّبِيِّ بِهِ وظهووه مِنْ قِبَلِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ بِحُجَّتِهِ.. وَإِنْ أَنْكَرَ هَذَا مُعَانِدٌ جَاحِدٌ فَهُوَ كَإِنْكَارِهِ وُجُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الدُّنْيَا..
وَإِنَّمَا جَاءَ اعْتِرَاضُ الْجَاحِدِينَ فِي الْحُجَّةِ بِهِ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ وَجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ مُعْجِزٍ مَعْلُومٌ ضرورة، ووجه إعجازه معلوم ضرورة
_________________
(١) سورة الكوثر (١) .
[ ١ / ٤٩٣ ]
وَنَظَرًا كَمَا سَنَشْرَحُهُ.. قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا «١» وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَى يَدَيْهِ ﷺ آيَاتٌ وَخَوَارِقُ عَادَاتٍ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ وَاحِدٌ مِنْهَا معينا القطع فيبلغها جَمِيعُهَا فَلَا مِرْيَةَ فِي جَرَيَانِ مَعَانِيهَا عَلَى يَدَيْهِ وَلَا يَخْتَلِفُ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ أَنَّهُ جَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ عَجَائِبُ..
وَإِنَّمَا خِلَافُ الْمُعَانِدِ فِي كَوْنِهَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ.. وَقَدْ قَدَّمْنَا كَوْنَهَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ.. وَإِنَّ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ «صَدَقْتَ» فَقَدْ عُلِمَ وُقُوعُ مِثْلِ هَذَا أَيْضًا مِنْ نَبِيِّنَا ضَرُورَةً لِاتِّفَاقِ مَعَانِيهَا، كَمَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً جُودُ حَاتِمٍ «٢» وَشَجَاعَةُ عَنْتَرَةَ «٣»، وَحِلْمُ أَحْنَفَ «٤» .. لِاتِّفَاقِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.. عَلَى كَرَمِ هَذَا وَشَجَاعَةِ هَذَا.. وَحِلْمِ هَذَا.. وَإِنْ كَانَ كُلُّ خَبَرٍ بِنَفْسِهِ لَا يوجب العلم، ولا يقطع بصحته
_________________
(١) أي علماء الحديث والتفسير. لا المالكية إذ لا اختصاص لما ذكر بمذهب.
(٢) وهو حاتم الطائي اشهر من يعرف فأخباره في الجود مشهورة معروفة وكان في الجاهلية قريبا من مبعثه ﷺ فابنه عدي أدرك الاسلام وكان من كبار الصحابة ﵃.
(٣) عنترة ويقال: عنتر وهو ابن معاوية بن شداد القيسي من فرسانها العرب وفصحائها المشهورين وله إحدى المعلقات السبع، مات على كفره في الجاهلية
(٤) الاحنف بن قيس بن معاوية بن حصين المري السعدي المنقري التميمي أبو بحر: سيد تميم، أحد العظماء الدهاة الفصحاء الشجعان الفاتحين يضرب به المثل في الحلم ولد في البصرة وأدرك النبي ﷺ ولم يره وهو الذي إذا غضب غضب له مائه ألف لا يدرون فيم غضب توفي سنة ٧٢ هـ.
[ ١ / ٤٩٤ ]
- وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الضَّرُورَةِ وَالْقَطْعِ.. وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ.
- نَوْعٌ مُشْتَهِرٌ مُنْتَشِرٌ.. رَوَاهُ الْعَدَدُ وَشَاعَ الْخَبَرُ بِهِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالرُّوَاةِ وَنَقَلَةِ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ.. كَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ، وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ.
- وَنَوْعٌ مِنْهُ اخْتُصَّ بِهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ.. وَرَوَاهُ الْعَدَدُ الْيَسِيرُ وَلَمْ يَشْتَهِرِ اشْتِهَارَ غَيْرِهِ.. لَكِنَّهُ إِذَا جُمِعَ إِلَى مِثْلِهِ اتَّفَقَا فِي الْمَعْنَى وَاجْتَمَعَا عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْمُعْجِزِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: وَأَنَا أَقُولُ- صَدْعًا بِالْحَقِّ- إِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ ﷺ مَعْلُومَةٌ بِالْقَطْعِ.
أَمَّا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَالْقُرْآنُ نَصَّ بِوُقُوعِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ وُجُودِهِ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْ ظَاهِرٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ.. وَجَاءَ بِرَفْعِ احْتِمَالِهِ صَحِيحُ الْأَخْبَارِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا يُوهِنُ عَزْمَنَا خِلَافُ أَخْرَقَ «١» مُنْحَلِّ عُرَى الدِّينِ.. وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى سَخَافَةِ مُبْتَدِعٍ يُلْقِي الشَّكَّ عَلَى قلوب ضعفاء المؤمنين.. بل نرغم بهذا أنفه وننبذ بالعراء سخفه
_________________
(١) أخرق: قال الثعالبي في فقه اللغة في أنواع الحمق أولها أحمق ثم أبله فان كان معه عدم الرفق فهو أخرق.
[ ١ / ٤٩٥ ]
وَكَذَلِكَ قِصَّةُ نَبْعِ الْمَاءِ وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ: رَوَاهَا الثِّقَاتُ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ عَنِ الْجَمَّاءِ الْغَفِيرِ عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ..
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْكَافَّةِ مُتَّصِلًا عَمَّنْ حَدَّثَ بِهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَأَخْيَارِهِمْ.. أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَوْطِنِ اجْتِمَاعِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ «١»، وَفِي غَزْوَةِ بُوَاطٍ «٢» .. وَعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ «٣» وَغَزْوَةِ تَبُوكَ «٤» وَأَمْثَالِهَا مِنْ مَحَافِلِ «٥» الْمُسْلِمِينَ وَمَجْمَعِ الْعَسَاكِرِ.. وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَةٌ لِلرَّاوِي فِيمَا حكاه.. ولا إنكار عما
_________________
(١) الخندق بفتح الخاء المعجمة وسكون وفتح الدال المهملة وقاف وهو فارسي معرب «كنده» بمعنى الحفر والمراد غزوة الخندق «تسمى غزوة الأحزاب» لاجتماع أحزاب المشركين واليهود بها حول المدينة فأمر النبي ﷺ بحفر خندق أشار عليه سلمان الفارسي ﵁ به ولم يكن ذلك معروفا عند العرب وإنما هو من مكائد الفرس. وكان ذلك في شوال وقيل في ذي القعدة سنة أربع أو خمس من الهجر النبوية.
(٢) بواط: بضم الباء وفتحها وهو اسم جبل من جبال حهينة بينه وبين المدينة أربعة برد بقرب رضوى وهو جبل أيضا، وهي التي ظفر بها النبي ﷺ بعير قريش، وكانت الغزاة في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة
(٣) الحديبية: مصفر كدويهية اسم مكان أو بئر فيه قريبة من مكة سميت بشجرة حدباء، وهي التي وقع تحتها بيعة المرضوان، وهي بتخفيف الياء الثانية على الصحيح وشددها بعضهم وكانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة.
(٤) غزوة تبوك آخر غزواته ﷺ السنة التاسعة. وتبوك موضع بطرف الشام بينه وبين المدينة أربع عشرة مرحلة.
(٥) محافل: جمع محفل من حفل القوم إذا اجتمعوا وكثروا وقيل المحفل مجمع الرجال والمأثم مجمع النساء والنادي مجمع النساء في الشتاء ودار الندوة والمصطبة مجمع الغرباء وقيل محل اجتماعهم لأمورهم والمجلس مقر الناس في بيوتهم والحان محل المسافرين والحانوت محل البيع والشراء.
[ ١ / ٤٩٦ ]
ذكر عنهم أنهم رأوه كما رواه.. فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق.. إذهم الْمُنَزَّهُونَ عَنِ السُّكُوتِ عَلَى بَاطِلٍ.. وَالْمُدَاهَنَةِ فِي كَذِبٍ.. وَلَيْسَ هُنَاكَ رَغْبَةٌ وَلَا رَهْبَةٌ تَمْنَعُهُمْ.. وَلَوْ كَانَ مَا سَمِعُوهُ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ وَغَيْرَ مَعْرُوفٍ لَدَيْهِمْ لَأَنْكَرُوهُ كَمَا أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَشْيَاءَ رَوَاهَا مِنَ السُّنَنِ وَالسِّيَرِ وَحُرُوفِ «١» الْقُرْآنِ.
وَخَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَوَهَّمَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ.
- فَهَذَا النَّوْعُ كُلُّهُ يَلْحَقُ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، لِمَا بَيَّنَّاهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْثَالَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا وَبُنِيَتْ على باطل لا بدمع مرور الأزمات وَتَدَاوُلِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْبَحْثِ مِنِ انْكِشَافِ ضَعْفِهَا وَخُمُولِ ذِكْرِهَا.. كَمَا يُشَاهَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ وَالْأَرَاجِيفِ «٢» الطَّارِئَةِ.. وَأَعْلَامُ «٣» نَبِيِّنَا ﷺ هَذِهِ الْوَارِدَةُ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ.. لَا تَزْدَادُ مَعَ مُرُورِ الزَّمَانِ إِلَّا ظهورا.. ومع
_________________
(١) حروف القرآن: أي قراءاته المتعددة فإن كل وجه من القراءة يطلق عليه حرف وبه فسر حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» أي لغات.
(٢) الأراجيف: جمع إرجاف بكسر الهمزة وفتحها وقيل إنه جمع رجفة من الرجف وهو الاضطراب والتحرك بحركات متوالية ولذا سمي البحر رجافا لاضطراب أمواجه، وهي هنا بمعنى الأخبار السيئة التي تشيع بين الناس ثم تنسى لظهور كذبها.
(٣) أعلام: بفتح الهمزة جمع علم بمعنى علامة او راية كبيرة والمراد معجزته المعلومة المشهورة.
[ ١ / ٤٩٧ ]
تَدَاوُلِ الْفِرَقِ وَكَثْرَةِ طَعْنِ الْعَدُوِّ وَحِرْصِهِ عَلَى توهينها وتضعيف أصلها وإجهاد الملحد من إطفاء نورها إلا قوة وقبولا ولا للطاعن عَلَيْهَا إِلَّا حَسْرَةً وَغَلِيلًا «١» ..
- وَكَذَلِكَ إِخْبَارُهُ عَنِ الْغُيُوبِ وَإِنْبَاؤُهُ بِمَا يَكُونُ وَكَانَ مَعْلُومٌ مِنْ آياته على الجملة بالضرورة.. وهذا حق لاغطاء عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ بِهِ مِنْ أَئِمَّتِنَا «٢» الْقَاضِي»
وَالْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ «٤» وَغَيْرُهُمَا ﵏ وَمَا عِنْدِي أَوْجَبَ قَوْلَ الْقَائِلِ إِنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ الْمَشْهُورَةَ مِنْ بَابِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِلَّا قِلَّةُ مُطَالَعَتِهِ لِلْأَخْبَارِ وَرِوَايَتِهَا، وَشُغْلُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَارِفِ. وَإِلَّا فَمَنِ اعْتَنَى بِطُرُقِ النَّقْلِ، وَطَالَعَ الْأَحَادِيثَ وَالسِّيَرَ، لَمْ يَرْتَبْ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْقِصَصِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ عِنْدَ وَاحِدٍ، وَلَا يَحْصُلُ عِنْدَ آخَرَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ بِالْخَبَرِ كَوْنَ بَغْدَادَ مَوْجُودَةً وَأَنَّهَا مَدِينَةٌ عظيمة، ودار الإمامة الخلافة،
_________________
(١) غليلا: بالغين المعجمة أو أصله حرارة وتلهف في الجوف من شدة العطش والمراد به هنا مجازا الحقد المضمر والحسد.
(٢) المقتدى بهم من الأشعرية أو المالكية.
(٣) أبو بكر الباقلاني الأصولي المالكي لأنه المراد به إذا أطلق تقدمت ترجمته في ص «٣٨٥» رقم «١» .
(٤) بن فورك تقدمت ترجمته في ص «١١٩» رقم «٤»
[ ١ / ٤٩٨ ]
وَآحَادٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ اسْمَهَا فَضْلًا عَنْ وَصْفِهَا..
وَهَكَذَا يَعْلَمُ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ «١» بِالضَّرُورَةِ وَتَوَاتُرِ النَّقْلِ عَنْهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ إِيجَابُ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ، وَإِجْزَاءُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ عَمَّا سِوَاهُ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ «٢» يَرَى تَجْدِيدَ النِّيَّةِ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَالِاقْتِصَارَ فِي الْمَسْحِ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ.
وَإِنَّ مَذْهَبَهُمَا «٣» الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ «٤» وَغَيْرِهِ «٥» وَإِيجَابُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَاشْتِرَاطُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ.. وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ «٦» يُخَالِفُهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ «٧» .. وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِمَذَاهِبِهِمْ وَلَا رَوَى أَقْوَالَهُمْ لَا يَعْرِفُ هَذَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ فَضْلًا عَمَّنْ سِوَاهُ.
وَعِنْدَ ذِكْرِنَا آحَادَ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ نَزِيدُ الْكَلَامَ فِيهَا بَيَانًا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٣) اي مالك والشافعي.
(٤) المحدد: اسم مصقول مشدد الدال وهو حديد له حد جارح كالسيف ونحوه
(٥) وغيره: مما لا حد له كالعصا والحجر والشجر.
(٦) أعلام: النعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي- أبو حنيفة واليه ينسب المذهب الحنفي، الفقيه المجتهد المحقق. أحد الأئمة الأربعة، ولد ونشأ بالكوفة، طلبه المنصور للقضاء فامتنع فحبسه وضربه حتى مات. كان قوي الحجة ومن أحسن الناس منطقا. جوادا، كريما في أخلاقه، حسن الصورة جهوري الصوت توفي سنة ١٥٠ هـ
(٧) في مذهب أبي حنيفة أن القصاص لا يوجب في غير المحدد بل الدية ولا يوجب النية في الوضوء، وخالف فيه بعض الحنيفة كما في الأسرار للدبوسي، كذلك لا يشترط في النكاح الولي.
[ ١ / ٤٩٩ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ
اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ: أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ الْعَزِيزَ مُنْطَوٍ عَلَى وُجُوهٍ مِنَ الْإِعْجَازِ كَثِيرَةٍ.
وَتَحْصِيلَهَا مِنْ جهة صبط أَنْوَاعِهَا فِي أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا: حُسْنُ تَأْلِيفِهِ، والتئام كلمه، وفصاحته وجوه إِيجَازِهِ، وَبَلَاغَتُهُ الْخَارِقَةُ عَادَةَ الْعَرَبِ.
- وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَابَ هَذَا الشَّأْنِ، وَفُرْسَانَ الْكَلَامِ..
قَدْ خصّوا من البلاغة والحكم ما لَمْ يُخَصَّ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَأُوتُوا مِنْ ذَرَابَةِ «١» اللِّسَانِ مَا لَمْ يُؤْتَ إِنْسَانٌ، وَمِنْ فَصْلِ الْخِطَابِ مَا يُقَيِّدُ الْأَلْبَابَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ طَبْعًا وَخِلْقَةً، وَفِيهِمْ غَرِيزَةً
_________________
(١) ذرابة: بذال معجمة وراء مهملة وموحدة أصل معناها حدة السيف والسنان ونحوه وقد يكون بمعنى كونه سليطا صخابا فيكون ذما كالحدة قال الله تعالى: «سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ الأحزاب ١٩
[ ١ / ٥٠٠ ]
وَقُوَّةً.. يَأْتُونَ مِنْهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ بِالْعَجَبِ، وَيُدْلُونَ بِهِ إِلَى كُلِّ سَبَبٍ فَيَخْطُبُونَ بَدِيهًا فِي الْمَقَامَاتِ، وَشَدِيدِ الْخُطَبِ وَيَرْتَجِزُونَ «١» بِهِ بَيْنَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَيَمْدَحُونَ وَيَقْدَحُونَ، وَيَتَوَسَّلُونَ وَيَتَوَصَّلُونَ، وَيَرْفَعُونَ وَيَضَعُونَ، فَيَأْتُونَ مِنْ ذَلِكَ بِالسِّحْرِ «٢» الْحَلَالِ، وَيُطَوِّقُونَ مِنْ أَوْصَافِهِمْ أَجْمَلَ مِنْ سُمْطِ «٣» اللَّآلِ، فَيَخْدَعُونَ الْأَلْبَابَ وَيُذَلِّلُونَ الصِّعَابَ، وَيُذْهِبُونَ الْإِحَنَ «٤» وَيُهَيِّجُونَ الدِّمَنَ «٥»، وَيُجَرِّئُونَ الْجَبَانَ، وَيَبْسُطُونَ يَدَ الْجَعْدِ «٦» الْبَنَانِ: وَيُصَيِّرُونَ النَّاقِصَ كاملا «٧»
_________________
(١) يرتجزون: أي ينشدون شعرا على بحر الرجز.
(٢) السحر الحلال: السحر في الأصل لفظة ولكل ما دق ثم إنه يشبه به الكلام البليغ الذي تلذ به النفوس وتنجذب له القلوب ومنه «ان من البيان لسحر» فهو تشبيه بليغ والسحر معناه الحقيقي معروف وهو قبيح محرم فوصفه يالحلال بيان للمعنى المراد منه.
(٣) السمط: الخيط الذي من حبات العقد فإذا لم يكن فيه حبات فهو خيط وهو بكسر السين المهملة وسكون الميم.
(٤) الإحن: الأحقاد وهي جمع إحئة بكسر فسكون.
(٥) الدمن: بكسر الدال المهملة وفتح الميم والنون جمع دمنة وهي في الأصل ما في مبارك الابل من بعرها المتلب بما عليه من أبوالها وأستعير للحقد المضمر المجتمع في الباطن وهي استعارة بليغة شائعة في كلام العرب وكون المراد به آثار السكان في الديار والمعنى أنهم يندبون الأطلال وسكانها فيهيجون الأشواق بذكرها.
(٦) الجعد البنان: البنان الاصابع والجعودة ضد الانبساط والجعد اذا اضيف الى اليد والبنان كان الذم بمعنى البخيل اللئيم فان أطلق كان بمعنى الجواد الكريم والمعنى أنهم بفصاحتهم يصيرون البخيل كريما.
(٧) بسبب ذمهم له وتنقيصهم إياه بالهجاء..
[ ١ / ٥٠١ ]
وَيَتْرُكُونَ النَّبِيهَ خَامِلًا مِنْهُمُ الْبَدَوِيُّ ذُو اللَّفْظِ الْجَزْلِ «١»، وَالْقَوْلِ الْفَصْلِ وَالْكَلَامِ الْفَخْمِ، وَالطَّبْعِ الْجَوْهَرِيِّ «٢» وَالْمَنْزَعِ «٣» الْقَوِيِّ.
وَمِنْهُمُ الْحَضَرِيُّ ذُو الْبَلَاغَةِ الْبَارِعَةِ وَالْأَلْفَاظِ النَّاصِعَةِ.. وَالْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةِ، وَالطَّبْعِ السَّهْلِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي الْقَوْلِ الْقَلِيلِ الْكُلْفَةِ الْكَثِيرِ الرَّوْنَقِ، الرَّقِيقِ الحاشية «٤» .. وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدافعه «٥» والقدح الفالج «٦» والمهيع
_________________
(١) اللفظ الجزل: أي صاحب اللفظ المحكم القاطع الفاصل ويكون الجزل بمعنى الكثير أيضا ومنه الثواب الجزيل.
(٢) الطبع الجوهري: نسبة للجوهر وهو الخالص النقي وفي نسخة الجهوري من جهورة الصوت أي علوه.
(٣) والمنزع القوي: بفتح الميم والزاي المعجمة مصدر ميمي أو اسم مكان بمعنى المشرب الصافي.
(٤) الرقيق الحاشية: أصل الحاشية طرف البرد والثوب ورقة حاشيته عبارة عن رقته وحسن نسجه والكلام يشبهه بالحلل والبرود والتكلم بالنسج وفي «أساس البلاغة» من المجاز «عيش رقيق الحواشي، وكلام رقيق الحواشي» وهو عبارة عن سهولته وسلاسته بان يكون لفظه رشيقا عذبا، وفخما سهلا، ومعناه ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا.
(٥) القوة الدامغة: أي الغالبة لغيرها من سائر اللغات، وأصل الدمغ الضرب على الدماغ فاريد به ما ذكر من الغلبة والقهر يقال دمغ الحق الباطل أي أبطله ودمغت فلانا قهرته.
(٦) القدح الفالج: بكسر القاف وسكون الدال والحاء المهملتين واحد قداح الميسر وهو سهم بغير ريش وقداح الميسر التي كانوا يتقامرون بها في الجاهلية ولها أسماء مشهورة ومنها ما له نصيب زائد ومنها ما لا نصيب له والفالج بالفاء واللام والجيم بمعنى الفائز يقال فلج أمره أي فاز وسعد أي لهذه اللغة شرف وفوز عند سامعها.
[ ١ / ٥٠٢ ]
النَّاهِجُ «١» .. لَا يَشُكُّونَ أَنَّ الْكَلَامَ طَوْعُ مُرَادِهِمْ، وَالْبَلَاغَةَ مِلْكُ قِيَادِهِمْ.. قَدْ حَوَوْا فُنُونَهَا وَاسْتَنْبَطُوا عُيُونَهَا.. وَدَخَلُوا مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا.. وَعَلَوْا صَرْحًا «٢» لِبُلُوغِ أَسْبَابِهَا. فَقَالُوا فِي الْخَطِيرِ وَالْمَهِينِ، وَتَفَنَّنُوا فِي الْغَثِّ «٣» وَالسَّمِينِ.. وَتَقَاوَلُوا فِي الْقُلِّ وَالْكُثْرِ «٤» وَتَسَاجَلُوا فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ.. فَمَا رَاعَهُمْ إِلَّا رَسُولٌ كَرِيمٌ.. بِكِتَابٍ «عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «٥»» أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، وَفُصِّلَتْ كَلِمَاتُهُ، وَبَهَرَتْ بَلَاغَتُهُ الْعُقُولَ.. وَظَهَرَتْ فَصَاحَتُهُ عَلَى كُلِّ مَقُولٍ.. وَتَظَافَرَ «٦» إِيجَازُهُ وَإِعْجَازُهُ.. وَتَظَاهَرَتْ حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ.. وَتَبَارَتْ فِي الْحُسْنِ مَطَالِعُهُ وَمَقَاطِعُهُ.. وَحَوَتْ كُلَّ الْبَيَانِ جَوَامِعُهُ وَبَدَائِعُهُ وَاعْتَدَلَ مَعَ إِيجَازِهِ حُسْنُ نَظْمِهِ.. وَانْطَبَقَ عَلَى كَثْرَةِ فَوَائِدِهِ مُخْتَارُ لَفْظِهِ.. وَهُمْ أَفْسَحُ مَا كانوا في هذا الباب مجالا.. وأشهر
_________________
(١) والمهيع الناهج: بفتح الميم وسكون الهاء وفتح المثناة التحتية وهي الطريق الواسع والناهج بمعنى البين الواضح المسلوك.
(٢) صرحا: وهو البيت العالي المزخرف بناؤه.
(٣) الغث: بفتح الغين المعجمة وتشديد المثلثة واصله اللحم المهزول الذي يكره تناوله فاستعير للامر القبيح والفاسد وضده السمين.
(٤) القل والكثر: بضم القاف والكاف أي القليل والكثير.
(٥) سورة فصلت آية «٤٢»
(٦) تظافر: تغلب على غيره.
[ ١ / ٥٠٣ ]
فِي الْخَطَابَةِ رِجَالًا.. وَأَكْثَرُ فِي السَّجْعِ وَالشِّعْرِ سِجَالًا.. وَأَوْسَعُ فِي الْغَرِيبِ وَاللُّغَةِ مَقَالًا بِلُغَتِهِمُ التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صَارِخًا بِهِمْ فِي كُلٍّ حِينٍ وَمُقَرِّعًا لَهُمْ بضعا وعشرين عاما على رؤوس الْمَلَإِ أَجْمَعِينَ..
«أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١»» «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٢»» إلى قوله «وَلَنْ تَفْعَلُوا» . «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ «٣»» الآية «قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ»
» .
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتَرَى أَسْهَلُ.. وَوَضْعَ الْبَاطِلِ وَالْمُخْتَلَقِ عَلَى الِاخْتِيَارِ أَقْرَبُ.. وَاللَّفْظُ إِذَا تَبِعَ الْمَعْنَى الصَّحِيحَ كَانَ أَصْعَبَ.
وَلِهَذَا قِيلَ: فُلَانٌ يَكْتُبُ كما يقال، وَفُلَانٌ يَكْتُبُ كَمَا يُرِيدُ.
وَلِلْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فضل.. وبينهما شأو. بعيد
_________________
(١) سورة يونس «٣١»
(٢) سورة البقرة «٢٣»
(٣) «لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» سورة الاسراء «٨٨»
(٤) سورة هود «١٣»
[ ١ / ٥٠٤ ]
فَلَمْ يَزَلْ يُقَرِّعُهُمْ ﷺ أَشَدَّ التَّقْرِيعِ وَيُوَبِّخُهُمْ غَايَةَ التَّوْبِيخِ، وَيُسَفِّهُ أَحْلَامَهُمْ ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم.. ويذم آلهتهم وإياهم.. وَيَسْتَبِيحُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.. وَهُمْ فِي كُلِّ هَذَا نَاكِصُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ.. مُحْجِمُونَ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ.. يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب. والإغتراء بِالِافْتِرَاءِ وَقَوْلِهِمْ «إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ «١»» وَ«سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «٢»» وَ«إِفْكٌ افْتَراهُ «٣»» وَ«أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «٤»» . والمباهتة والرضى بِالدَّنِيئَةِ.
كَقَوْلِهِمْ: «قُلُوبُنا غُلْفٌ «٥»» وَ«فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ» «وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ «٦»» وَ«لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٧»» والادعاء مع
_________________
(١) سورة المدثر الآيات: ٢٥، ٢٤
(٢) «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» سورة القمر آية (٢)
(٣) «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا» سورة الفرقان آية (٤) .
(٤) «وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» سورة الفرقان آية (٥)
(٥) «وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ» سورة البقرة آية (٨٨)
(٦) سورة فصلت آية (٥)
(٧) «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ» .. سورة فصلت آية «٢٦»
[ ١ / ٥٠٥ ]
الْعَجْزِ بِقَوْلِهِمْ: «لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا «١»» .
وَقَدْ قَالَ لَهُمُ اللَّهُ «وَلَنْ تَفْعَلُوا «٢»» فَمَا فَعَلُوا وَلَا قَدَرُوا وَمَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ مِنْ سفهائهم كَمُسَيْلِمَةَ «٣» . كُشِفَ عَوَارُهُ «٤» لِجَمِيعِهِمْ..
وَسَلَبَهُمُ اللَّهُ مَا ألفوه من فضح كَلَامِهِمْ.. وَإِلَّا فَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَهْلِ الْمَيْزِ «٥» منهم أنّه ليس من نمط فصاحتم، وَلَا جِنْسِ بَلَاغَتِهِمْ.. بَلْ وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ وَأَتَوْا مُذْعِنِينَ مِنْ بَيْنِ مُهْتَدٍ وَبَيْنِ مَفْتُونٍ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ الْوَلِيدُ «٦» بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنَ النبي ﷺ «٧» «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ «٨»» الْآيَةَ. قَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لِحَلَاوَةً.. وَإِنَّ عليه
_________________
(١) «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» سورة الأنفال آية (٣١)
(٢) «فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» سورة البقرة آية «٢٤»
(٣) وهو مسليمة بن تمامة بن كبير الحنفي الوائلي من بني حنيفة ومن المعمرين ولد ونشأ باليمامة ووفد عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولم يسلم وتنبأ في حياته ﷺ وكتب مسيلمة اليه من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله فرد عليه من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب وذلك في أواخر سنة ١٠ هـ قتل على يد خالد بن الوليد في خلافة سيدنا أبي بكر سنة ١٢ هـ
(٤) عواره: عيب نفسه.
(٥) الميز: بفتح الميم وسكون التحتية والزاي المعجمة أي التمييز والعقل.
(٦) هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي زعيم قريش وكبيرها وهو والد خالد بن الوليد ﵁ مات كافرا.
(٧) هذا الحديث رواه البيهقي عن عكرمة مرسلا. وكذا ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب بغير اسناد. ورواه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بسند جيد إلا أنه قال: إن الوليد بن المغيرة بدل خالد بن عقبة. وكذا ذكر ابن اسحق في سيرته.
(٨) سورة النحل آية (٩٠) .
[ ١ / ٥٠٦ ]
لَطَلَاوَةً «١»، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لِمُغْدِقٌ «٢»، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لِمُثْمِرٌ ما يقول هذا بشر» .
وذكر أبو عبيدة «٣»: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «٤»» فسجد وقال: «سجدت لفصاحته» .
وسمع آخر يقرأ: «فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا «٥»» فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مَخْلُوقًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ وَحُكِيَ:
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ «٦» ﵁ كَانَ يَوْمًا نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بِقَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ يَتَشَهَّدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ.. فَاسْتَخْبَرَهُ.. فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مِنْ بَطَارِقَةِ «٧» الرُّومِ مِمَّنْ يُحْسِنُ كَلَامَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِكُمْ فَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا قَدْ جُمِعَ فيها ما أنزل الله على عيسى بن مَرْيَمَ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَهِيَ قَوْلُهُ «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ
_________________
(١) الطلاوة: الرونق والحسن الفائق.
(٢) المغدق: كثير الماء.
(٣) وفي نسخة أبو عبيد وهو القاسم بن سلام الامام في الفقه والحديث واللغة أخذ عن الشافعي وغيره وكان عبدا روميا لرجل من هراة توفي سنة ٢٢٤
(٤) «وأعرض عن المشركين» سورة الحجر آية «٩٤»
(٥) سورة يوسف آية «٨٠»
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤»
(٧) بطارقة: جمع بطريق بكسر الراء معرب بترك ومعناه الرئيس وقائد الجيش.
[ ١ / ٥٠٧ ]
فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ «١»» الْآيَةَ وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ «٢»: أَنَّهُ سَمِعَ كَلَامَ جَارِيَةٍ.. فَقَالَ لَهَا: «قَاتَلَكِ «٣» اللَّهُ مَا أَفْصَحَكِ» !!.
فَقَالَتْ: أو يعدّ هَذَا فَصَاحَةً بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى «وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ «٤»» .. الآية فَجَمَعَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ «٥» وَنَهْيَيْنِ «٦» وَخَبَرَيْنِ «٧» وَبِشَارَتَيْنِ «٨» .
فَهَذَا نَوْعٌ مِنْ إِعْجَازِهِ مُنْفَرِدٌ بِذَاتِهِ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَالصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
- وَكَوْنُ الْقُرْآنِ مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ أَتَى بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَكَوْنُهُ ﷺ مُتَحَدِّيًا بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً. وَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَكَوْنُهُ فِي فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة
_________________
(١) سورة النور آية (٥٢)
(٢) عبد الملك بن قريب بالتصغير بن اصمع إمام البصرة في اللغة والنحو والادب والنوادر ولد بالبصرة سنة ١٢٣ وبها توفي سنة ٢١٠ هـ
(٣) تعجب من فصاحة لسانها وبالغ في تعجبه فانها تقال لمن أتى بامر بديع غريب وهي في الاصل جملة دعائية يراد بها شدة الاستحسان كأنه ممن يستحق أن يحسد ويدعى عليه.
(٤) سورة القصص اية «٧»
(٥) «أَرْضِعِيهِ فَأَلْقِيهِ»
(٦) «لا تَخافِي، وَلا تَحْزَنِي»
(٧) «أوحينا، وخفت عليه»
(٨) «رادوه اليك، وجاعلوه من المرسلين»
[ ١ / ٥٠٨ ]
لِلْعَالِمِينَ بِالْفَصَاحَةِ وَوُجُوهِ الْبَلَاغَةِ.. وَسَبِيلُ مَنْ لَيْسَ من أهلها علم ذلك بعجز المكرين مِنْ أَهْلِهَا عَنْ مُعَارَضَتِهِ، وَاعْتِرَافِ الْمُقِرِّينَ بِإِعْجَازِ بَلَاغَتِهِ.
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «١»» وَقَوْلَهُ «وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ.. وأخذوا من مكان قريب»
» وَقَوْلَهُ «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٣»» وقوله: «وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي «٤»» الْآيَةَ وَقَوْلَهُ: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا «٥»» .. الْآيَةَ وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الْآيِ «٦» .. بَلْ أَكْثَرُ الْقُرْآنِ.. حَقَّقَتْ مَا بَيَّنْتُهُ مِنْ إِيجَازِ أَلْفَاظِهَا وَكَثْرَةِ مَعَانِيهَا، وَدِيبَاجَةِ عِبَارَتِهَا «٧» وَحُسْنِ تَأْلِيفِ حُرُوفِهَا، وَتَلَاؤُمِ كَلِمِهَا، وَأَنَّ تَحْتَ كُلِّ لَفْظَةٍ مِنْهَا جُمَلًا كثيرة،
_________________
(١) «يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» سورة البقرة اية ١٧٩
(٢) سورة سبأ «٥١»
(٣) سورة فصلت آية «٣٤»
(٤) «وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» سورة هود آية «٤٤»
(٥) سورة العنكبوت (٤٠)
(٦) الآي: اسم جنس جمعي لكلم وكلمة أو اسم جمع.
(٧) ديباجة عبارتها: أي حسن عبارته.
[ ١ / ٥٠٩ ]
وَفُصُولًا جَمَّةً، وَعُلُومًا زَوَاخِرَ «١» . مُلِئَتِ الدَّوَاوِينُ مِنْ بَعْضِ مَا اسْتُفِيدَ مِنْهَا، وَكَثُرَتِ الْمَقَالَاتُ فِي المستنبطات عنها.. ثم هو في سرد الْقِصَصَ الطِّوَالَ وَأَخْبَارَ الْقُرُونِ السَّوَالِفِ الَّتِي يَضْعُفُ فِي عَادَةِ الْفُصَحَاءِ عِنْدَهَا الْكَلَامُ، وَيَذْهَبُ مَاءُ الْبَيَانِ آيَةٌ لِمُتَأَمِّلِهِ مِنْ رَبْطِ الْكَلَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَالْتِئَامِ سَرْدِهِ، وَتَنَاصُفِ وُجُوهِهِ.
كَقِصَّةِ يُوسُفَ عَلَى طُولِهَا. ثُمَّ إِذَا تَرَدَّدَتْ قِصَصُهُ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ عَنْهَا عَلَى كَثْرَةِ تَرَدُّدِهَا.. حَتَّى تَكَادَ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُنْسِي فِي الْبَيَانِ صَاحِبَتَهَا، وَتُنَاصِفُ فِي الْحُسْنِ وَجْهَ مُقَابِلَتِهَا.. وَلَا نُفُورَ لِلنُّفُوسِ من ترديدها ولا معاداة لمعادها.
_________________
(١) علوما زواخر: بزاي وخاء معجمتين ثم راء مهملة أي علوما كثيرة كالبحار الزواخر من زخر البحر اذا كثر ماؤه وارتفعت أمواجه.
[ ١ / ٥١٠ ]
الْفَصْلُ الْخَامِسُ إِعْجَازُ النَّظْمِ وَالْأُسْلُوبِ
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ إِعْجَازِهِ.. صُورَةُ نَظْمِهِ الْعَجِيبِ وَالْأُسْلُوبُ الْغَرِيبُ الْمُخَالِفُ لِأَسَالِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَنَاهِجِ نَظْمِهَا وَنَثْرِهَا الَّذِي جَاءَ عَلَيْهِ، وَوَقَفَتْ مَقَاطِعُ آيِهِ وَانْتَهَتْ فَوَاصِلُ كَلِمَاتِهِ إِلَيْهِ.. وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ نَظِيرٌ لَهُ.. وَلَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ مُمَاثَلَةَ شيء فيه مِنْهُ بَلْ حَارَتْ فِيهِ عُقُولُهُمْ.. وَتَدَلَّهَتْ «١» دُونَهُ أَحْلَامُهُمْ..
وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى مِثْلِهِ فِي جِنْسِ كَلَامِهِمْ.. مِنْ نَثْرٍ، أَوْ نَظْمٍ، أَوْ سَجْعٍ، أَوْ رَجَزٍ، أَوْ شِعْرٍ..
وَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُ ﷺ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ «٢» . وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ رَقَّ فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ «٣» مُنْكِرًا عَلَيْهِ قَالَ: «وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ أعلم
_________________
(١) تدلهت: اندهشت بفتح الدال المهملة واللام المشددة أي اندهشت وفي نسخة «تولهت» بواو بدل الدال.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٠٦» رقم «٦»
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٧٠» رقم «٣»
[ ١ / ٥١١ ]
بِالْأَشْعَارِ مِنِّي وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا» .
وَفِي خَبَرِهِ الْآخَرِ «١» حِينَ جمع قريشا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْسِمِ وَقَالَ:
«إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَرِدُ فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا لَا يُكَذِّبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا» فَقَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنٍ.. مَا هُوَ بِزَمْزَمَتِهِ «٢» وَلَا سَجْعِهِ. قَالُوا: مَجْنُونٌ!! قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ.. وَلَا بِخَنْقِهِ «٣» وَلَا وَسْوَسَتِهِ «٤» . قَالُوا: فَنَقُولُ شَاعِرٌ!! قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ.. قَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ رَجَزَهُ «٥» وَهَزَجَهُ «٦»، وَقَرِيضَهُ «٧» وَمَبْسُوطَهُ «٨» وَمَقْبُوضَهُ «٩» مَا هُوَ بِشَاعِرٍ.
قَالُوا: فَنَقُولُ سَاحِرٌ!! قَالَ: مَا هُوَ بساحر، ولا نفثه «١٠»
_________________
(١) الذي رواه البيهقي عن ابن عباس ﵄.
(٢) زمزمته: صوته الخفي الذي لا يكاد يفهم.
(٣) بخنقه: بفتح الخاء وكسر النون وتسكن وفتح القاف أي ليس ممن أصابه الجبن
(٤) وسوسة: بفتح الواو مصدر وهو شيء يلقى في القلب او في السمع بصوت خفي وقد يحدث المرء به نفسه ولذا سمي حديث النفس.
(٥) رجزه: هو بحر من أبحر الشعر المعروفة وزنه مستفعلن مستفعلن مستفعلن
(٦) هزجه: بفتحتين ومعجمتين وهو اسم لبحر من بحور الشعر وزنه مفاعلين مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن.
(٧) قريضة: قرض الشعر لغة جاء من القطع وسمي الشعر بذلك لأن الشاعر يورده قطعا قطعا وعرفا: معرفة محاسن الشعر وقبحه.
(٨) مبسوطة: اي مطولات قصائده.
(٩) مقبوضه: مختصر أوزانه المسمى في العروض بالمجزوء او المنهوك.
(١٠) نقثه: النفث النفخ مع ريق.
[ ١ / ٥١٢ ]
وَلَا عَقْدِهِ «١» . قَالُوا: فَمَا نَقُولُ؟!!. قَالَ: مَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّهُ بَاطِلٌ.. وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ أَنَّهُ سَاحِرٌ فَإِنَّهُ سِحْرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ وَالْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَالْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَالْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا وَجَلَسُوا عَلَى السُّبُلِ يُحَذِّرُونَ النَّاسَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا» «٢»
وَقَالَ عُتْبَةُ «٣» بْنُ رَبِيعَةَ حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ: «يَا قَوْمُ.. قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَتْرُكْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُهُ وَقَرَأْتُهُ وَقُلْتُهُ.. وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا.. وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ.. مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، وَلَا بِالسِّحْرِ، وَلَا بِالْكِهَانَةِ» .
وَقَالَ النَّضْرُ «٤» بْنُ الْحَارِثِ نَحْوَهُ..
وَفِي حَدِيثِ «٥» إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ «٦» وَوَصَفَ أَخَاهُ أُنَيْسًا «٧» فقال:
_________________
(١) عقده: بفتح العين المهملة وسكون القاف أو بضم ففتح جمع عقدة والعقد عقد حبال أو شعر مضفور ونحوه كما يعرفه السحرة مما يؤثر أمورا خارقة للعادة في الخارج عنه وكنى به عن انه ليس عمل مما يعمله السحرة فقد تربى صلّى الله تعالى عليه وسلم بين أظهرهم ولم ير أحد منه ذلك فلذا خطأهم الوليد في وصفهم له ﷺ
(٢) سورة المدثر آية (١١)
(٣) هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف والد هند أم معاوية ﵄ والذي قتل عتبة هو عبيدة بن الحارث في غزوة بدر كافرا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٧٠» رقم «٨» .
(٥) رواه مسلم.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٧) انيس بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار الغفاري أخو أبي ذر وكان أكبر منه كما كان شاعرا.
[ ١ / ٥١٣ ]
وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِأَشْعَرَ مِنْ أَخِي أُنَيْسٍ.. لَقَدْ نَاقَضَ اثْنَيْ عَشَرَ شَاعِرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنَا أَحَدُهُمْ.. وَإِنَّهُ انْطَلَقَ إِلَى مَكَّةَ وَجَاءَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ..
قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟!. قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكهانة فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُهُ عَلَى أَقْرَاءِ «١» الشِّعْرِ فَلَمْ يَلْتَئِمْ، وَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ وَإِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ وَالْإِعْجَازُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّوْعَيْنِ الْإِيجَازُ وَالْبَلَاغَةُ بِذَاتِهَا، والأسلوب الْغَرِيبُ بِذَاتِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعُ إِعْجَازٍ عَلَى التَّحْقِيقِ لَمْ تَقْدِرِ الْعَرَبُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.. إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهَا، مُبَايِنٌ لِفَصَاحَتِهَا وَكَلَامِهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُحَقِّقِينَ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُقْتَدَى بِهِمْ إِلَى أَنَّ الْإِعْجَازَ فِي مَجْمُوعِ الْبَلَاغَةِ وَالْأُسْلُوبِ وَأَتَى عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلٍ تَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ وَتَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ وَالصَّحِيحُ: مَا قَدَّمْنَاهُ والعلم بهذا كله ضرورة وقطعا. ومن تفنّن في علوم البلاغة،
_________________
(١) أقراء: بفتح الهمزة والمد جمع قلة أريد به الكثرة هنا فهو جمع قرء بالضم وقيل انه جمع قرء بالفتح وهو طرقه وأنواعه.
[ ١ / ٥١٤ ]
وَأَرْهَفَ خَاطِرَهُ وَلِسَانَهُ أَدَبُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا قُلْنَاهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي وَجْهِ عَجْزِهِمْ عَنْهُ فَأَكْثَرُهُمْ يقول: إنّه مما جَمَعَ فِي قُوَّةِ جَزَالَتِهِ وَنَصَاعَةِ أَلْفَاظِهِ، وَحُسْنِ نَظْمِهِ، وَإِيجَازِهِ، وَبَدِيعِ تَأْلِيفِهِ، وَأُسْلُوبِهِ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ..
وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَوَارِقِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ أَقْدَارِ الْخَلْقِ عَلَيْهَا كإحياء «١» الموتى، وقلب العصا «٢»، وتسبيح الحصا «٣» وذهب الشيخ أبو الحسن «٤» إلى أنّه مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ مِثْلُهُ تَحْتَ مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَيُقَدِّرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَلَا يَكُونُ..
فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ هَذَا وَعَجَّزَهُمْ عَنْهُ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ»
. وَعَلَى الطريقتين.. فَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنْهُ ثَابِتٌ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بما أَنْ يَكُونَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَتَحَدِّيهِمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ قَاطِعٌ.. وَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّعْجِيزِ، وَأَحْرَى بِالتَّقْرِيعِ وَالِاحْتِجَاجُ بِمَجِيءِ بِشَرٍ مِثْلِهِمْ بِشَيْءٍ لَيْسَ مِنْ قُدْرَةِ الْبَشَرِ لَازِمٌ.. وَهُوَ أَبْهَرُ آية، وأقمع دلالة.
_________________
(١) وهذا مما وقع لعيسى ﵊ وابراهيم الخليل ﷺ.
(٢) أي قلب العصاحية كما وقع لموسى ﵊.
(٣) وذلك في كف النبي ﷺ كما ثبت في معجزاته.
(٤) ابو حسن الاشعري تقدمت ترجمته في ص «٣٨١» رقم «٢»
(٥) لكن هذا هو القول بالصرفة وهو مرجوح عند أكابر الأئمة.
[ ١ / ٥١٥ ]
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَا أَتَوْا فِي ذَلِكَ بِمَقَالٍ بَلْ صَبَرُوا عَلَى الْجَلَاءِ، وَالْقَتْلِ، وَتَجَرَّعُوا كَاسَاتِ الصَّغَارِ «١» وَالذُّلِّ، وَكَانُوا مِنْ شُمُوخِ «٢» الْأَنْفِ «٣» وَإِبَاءَةِ الضَّيْمِ بِحَيْثُ لَا يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا، وَلَا يَرْضَوْنَهُ إِلَّا اضْطِرَارًا.. وَإِلَّا فَالْمُعَارَضَةُ- لَوْ كَانَتْ مِنْ قُدَرِهِمْ «٤» - وَالشُّغْلُ بِهَا أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ، وَأَسْرَعُ بِالنَّجْحِ «٥» وَقَطْعِ الْعُذْرِ، وَإِفْحَامِ الْخَصْمِ لَدَيْهِمْ.. وَهُمْ مِمَّنْ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى الْكَلَامِ، وَقُدْوَةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ بِهِ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ، وَمَا مِنْهُمْ الا من جهد جهده واستنفر «٦» مَا عِنْدَهُ فِي إِخْفَاءِ ظُهُورِهِ، وَإِطْفَاءِ نُورِهِ فَمَا جَلَوْا «٧» فِي ذَلِكَ خَبِيئَةً «٨» مِنْ بَنَاتِ شفاههم «٩»، ولا أتوا بنطفة «١٠» من
_________________
(١) الصغار: بفتح الصاد المهملة وهو المذلة.
(٢) شموخ: بفتح الشين المعجمة مصدر شمخ اذا ارتفع وهو كناية عن غاية التكبر
(٣) الانف: بفتح الهمزة والمد وضم النون جمع أنف او يجوز فتح الهمزة وسكون النون بالافراد.
(٤) قدرهم: بضم القاف وفتح الدال المهملة جمع قدرة.
(٥) النجح: بضم النون وسكون الجيم وحاء مهملة وهو الظفر والفوز بمطلوبهم وهو ابطال الحجة عليهم.
(٦) جهده: بفتح الجيم وضمها الطاقة والمشقة.
(٧) جلوا: أظهروا.
(٨) خبيئة: بفتح الخاء المعجمة وكسر الباء الموحدة وسكون المثناة التحتية والهمزة والهاء فعيلة بمعنى مفعولة أي مختبأة في ضمائرهم ومستوره تحت أستار سرائرهم.
(٩) بنات شفاههم: أي كلمات يتلفظون بها، شبهت الكلمة بالبنت، والشفة بالأم لظهورها منها، وهي استعارة تصريحية أو مكنية.
(١٠) بنطفة: بضم النون وسكون الطاء المهملة والفاء، وهي الماء الصافي من نطف بمعنى صب والناطف السائل والمراد القطرة القليلة. وفي نسخة نقطة بالقاف مقدمة على الطاء.
[ ١ / ٥١٦ ]
معين «١» مياههم مع طول الأمر، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَتَظَاهُرِ الْوَالِدِ وَمَا وَلَدَ بَلْ أبلسوا «٢» فما نبسوا «٣» ومنعوا فانقطعوا فهذان النوعان من إعجازه.
_________________
(١) معين: وهو الماء الجاري ظاهرا.
(٢) أبلسوا: بالبناء للفاعل وفتح الهمزة يقال أبلس اذا أيس قيل ومنه إبليس ليأسه من رحمة الله تعالى.
(٣) نبسوا: بنون وباء موحدة مفتوحة مخففة وورد بتشديدها.
[ ١ / ٥١٧ ]
الفصل السّادس الإخبار عن المغيّبات
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْإِعْجَازِ، مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «١»» وَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ «٢»» .
وقوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «٣»» .
وَقَوْلِهِ: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ «٤»» الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٥»» إلى آخرها.
_________________
(١) سورة الفتح آية «٢٧»
(٢) سورة الروم آية «٣»
(٣) «وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» سورة الصف آية «٩»
(٤) سورة النور آية «٥٥»
(٥) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا» سورة النصر
[ ١ / ٥١٨ ]
فَكَانَ جَمِيعُ هَذَا كَمَا قَالَ.. فَغَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ.
وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ أَفْوَاجًا فَمَا مَاتَ ﷺ وَفِي بِلَادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا مَوْضِعٌ لَمْ يَدْخُلْهُ الْإِسْلَامُ. وَاسْتَخْلَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَرْضِ ومكن دِينَهُمْ.. وَمَلَّكَهُمْ إِيَّاهَا مِنْ أَقْصَى الْمَشَارِقِ إِلَى أَقْصَى الْمَغَارِبِ.. كَمَا قَالَ ﷺ «١» «زويت «٢» لي الْأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» .
وَقَوْلِهِ: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ «٣» وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٤»» فَكَانَ كَذَلِكَ، لَا يَكَادُ يُعَدُّ مَنْ سَعَى فِي تَغْيِيرِهِ وَتَبْدِيلِ مُحْكَمِهِ مِنَ الْمُلْحِدَةِ «٥» وَالْمُعَطِّلَةِ «٦» لا سيما القرامطة «٧»، فأجمعوا كيدهم،
_________________
(١) رواه مسلم عن ثوبان مرفوعا.
(٢) زويت: بزاي معجمة وواو وياء مبني للمجهول أي جمعت وطويت.
(٣) أخبر الله تعالى بانه تولى حفظ القرآن من التبديل والتغيير في سائر الأزمان بدلالة الاسمية المؤكدة..
(٤) سورة الحجر اية «٩»
(٥) الملحدة: أي المائلة عن الحق الى الباطل كالحلولية والاتحادية وأمثالهما.
(٦) المعطلة: أي بتعطيل الكون من المكون كالدهرية ونحوها.
(٧) القرامطة: هم طائفة من الملحدين أيضا، قال السمعاني في الانساب: «القرمطي بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم والطاء المهملة نسبة لطائفة خبيثة من أهل هجر والحسا وأصلهم من سواد الكوفة يقال له قرمط، وقيل حمدان بن قرمط وسبب ظهورهم أن جماعة من اولاد بهرام جوز ذكروا آباءهم وجدودهم وما كانوا فيه من العز والملك وزوال ذلك بدولة الاسلام في أيام أبي مسلم الخراساني ونقله الخلافه المروانية وهو من الموالي وهم من أولاد الملوك فاتفقوا على رفع الاسلام ونقض عراه وراحوا يعيثون في الأرض فسادا.
[ ١ / ٥١٩ ]
وَحَوْلَهُمْ وَقُوَّتَهُمْ الْيَوْمَ «١» نَيِّفًا عَلَى خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَمَا قَدَرُوا عَلَى إِطْفَاءِ شَيْءٍ مِنْ نُورِهِ، ولا تغير كَلِمَةٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَلَا تَشْكِيكِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢»» .
وقوله: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ «٣»» الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى «٤»» الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ «٥»» الْآيَةَ.
فَكَانَ كُلُّ ذَلِكَ، وَمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ أَسْرَارِ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ وَمَقَالِهِمْ وَكَذِبِهِمْ فِي حَلِفِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ بِذَلِكَ.
كَقَوْلِهِ: «وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ «٦»» .
وَقَوْلِهِ: «يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ»
» الآية.
وقوله: «وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ «٨» الآية.
_________________
(١) منصوب بنزع الخافض اي الى هذا اليوم والمراد مطلق الزمان والوقت الحاضر في زمن المصنف.
(٢) سورة القمر آية «٤٥»
(٣) «وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» سورة التوبة «١٤»
(٤) «وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» سورة التوبة «٣٣»
(٥) «يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» سورة ال عمران «١١١»
(٦) «حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ» سورة المجادلة «٨»
(٧) الآية سورة ال عمران «١٥٤»
(٨) سورة المائدة «٤٢»
[ ١ / ٥٢٠ ]
وَقَوْلِهِ: «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» إلى قوله «فِي الدِّينِ «١»» .
وَقَدْ قَالَ مُبْدِيًا مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَاعْتَقَدَهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ بَدْرٍ «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «٢»» ومنه قوله تعالى:
«إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ «٣»» .
وَلَمَّا نَزَلَتْ بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ.. بِأَنَّ اللَّهَ كَفَاهُ إِيَّاهُمْ. وكان المستهزؤون نَفَرًا بِمَكَّةَ يُنَفِّرُونَ النَّاسَ عَنْهُ وَيُؤْذُونَهُ فَهَلَكُوا.. وقوله: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٤»» .
فَكَانَ كَذَلِكَ عَلَى كَثْرَةِ مَنْ رَامَ ضُرَّهُ وقصد قتله.
والأخبار بذلك معروفة وصحيحة.
_________________
(١) سورة النساء «٤٦»
(٢) «وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ» . سورة الانفال «٧»
(٣) سورة الحجر «٦٥»
(٤) «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» سورة المائدة «٦٧» ..
[ ١ / ٥٢١ ]
الفصل السّابع إخباره عن القرون السّالفة والأمم البائدة
الْوَجْهُ الرَّابِعُ مَا أَنْبَأَ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ وَالْأُمَمِ الْبَائِدَةِ وَالشَّرَائِعِ الدَّاثِرَةِ «١»، مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ الْقِصَّةَ الْوَاحِدَةَ إِلَّا الْفَذُّ «٢» مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي قَطَعَ عُمُرَهُ فِي تَعَلُّمٍ ذَلِكَ.
فَيُورِدُهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَأْتِي بِهِ عَلَى نَصِّهِ، فَيَعْتَرِفُ الْعَالِمُ بِذَلِكَ بِصِحَّتِهِ وَصِدْقِهِ وَأَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَنَلْهُ بِتَعْلِيمٍ.
وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ ﷺ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ وَلَا اشْتَغَلَ بِمُدَارَسَةٍ وَلَا مُثَافَنَةٍ «٣»، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ، وَلَا جَهِلَ حَالَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَثِيرًا مَا يَسْأَلُونَهُ ﷺ عَنْ هذا فينزل عليه
_________________
(١) الفذ: الفرد المتوحد المنفرد عن أقرانه.
(٢) الداثرة: بدال مهملة وثاء مثلثة من دثر اذا اندرس ولم يبق له أثر.
(٣) مثافنة: بضم الميم وتليها مثلثة ثم الف وفاء ونون أي مداومة طلب ومجالسة تحتك فيها الركب بالركب حتى يؤثر فيها الاحتكاك وهو عبارة عن كثرة الجلوس مع أهل العلم بالاخبار والشرائع للتعلم منهم وهو مجاز من ثفن البعير اذا برك.
[ ١ / ٥٢٢ ]
مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنْهُ ذِكْرًا. كَقِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ قَوْمِهِمْ وَخَبَرِ مُوسَى وَالْخَضِرِ «١»، وَيُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ «٢»، وَذِي الْقَرْنَيْنِ «٣»، وَلُقْمَانَ «٤» وابنه، وأشباه ذلك من الأنبياء، وَبَدْءِ الْخَلْقِ، وَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى مِمَّا صَدَّقَهُ فِيهِ الْعُلَمَاءُ بِهَا، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَكْذِيبِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا، بَلْ أَذْعَنُوا لِذَلِكَ. فَمِنْ مُوَفَّقٍ آمَنَ بِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ خَيْرٍ، وَمِنْ شَقِيٍّ مُعَانِدٍ حَاسِدٍ..
وَمَعَ هَذَا لَمْ يُحْكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عَلَى شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَحِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَطُولِ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مَصَاحِفُهُمْ، وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لَهُ ﷺ، وتعينتهم «٥» إياه عن أخبار أنبيائهم، وأسرار علومهم،
_________________
(١) يقال انه بليا بن ملكان واختلف في نبوته ورسالته وولايته وحياته والصحيح أنه ولي من أولياء الله تعالى ويذكر أنه ما يزال على قيد الحياة وليس في ذلك دليل قاطع وفي صحيح البخاري إنه انما سمي الخضر لانه جلس على فروة فاذا هي تهتز من خلفه خضراء والفروة هي الارض اليابسه او الحشيش اليابس.
(٢) ذكرت قصتهم في سورة الكهف والخلاف في أسمائهم وزمانهم وغير ذلك لا طائل وراءه.
(٣) وهو اسكندر ذو القرنين ذكرت قصته كذلك في سورة الكهف ولا فائدة من الخلاف فيما هو وراء ذلك.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٨٧» رقم «٦»
(٥) تعنيتهم: تعنيت على وزن تفعيل من العنت وهو المشقة والتعب أي تكليفهم بما هو شاق.
[ ١ / ٥٢٣ ]
وَمُسْتَوْدَعَاتِ سِيَرِهِمْ، وَإِعْلَامِهِ لَهُمْ بِمَكْتُومِ شَرَائِعِهِمْ، وَمُضَمَّنَاتِ كُتُبِهِمْ.. مِثْلَ سُؤَالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ.. وَذِي الْقَرْنَيْنِ.. وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ.. وَعِيسَى.. وَحُكْمِ الرَّجْمِ.. وَمَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ.. وَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأنعام ومن طيبات كانت أُحِلَّتْ لَهُمْ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بِبَغْيِهِمْ.
وَقَوْلِهِ: «ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ. وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ «١»» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمُ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْقُرْآنُ فَأَجَابَهُمْ، وَعَرَّفَهُمْ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ ذلك.. فما عرف عن أحد أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ.. بَلْ أَكْثَرُهُمْ صَرَّحَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.. وَصِدْقِ مَقَالَتِهِ..
وَاعْتَرَفَ بِعِنَادِهِ وحسده إِيَّاهُ. كَأَهْلِ نَجْرَانَ «٢» .. وَابْنِ صُورِيَا «٣» وَابْنَيْ أَخْطَبَ «٤» .. وغيرهم.
_________________
(١) سورة الفتح آية «٢٩» .
(٢) طائفة من النصارى حاجوه في عيسى فدعاهم الى المباهلة كما في ايتها فامتنعوا خوفا.
(٣) عبد الله بن صوريا الأعور حبر من أحبار اليهود الذين كانوا بالمدينة وهو الذي وضع يده على آية الرجم واختلف فيه قيل انه أسلم وقيل بل مات على كفره ولقب بالاعور لان عبد الله بن سلام قال له حين وضع يده يخفي اية الرجم: «ارفع يدك يا أعور» كما ورد في البخاري.
(٤) ابني أخطب هما حيي وأبو ياسر اتا على كفرهما. وحيي هو والد صفية أم المؤمنين ﵂. وكانت تقول: كان عمي أبو ياسر أحسن رأيا من أبي، كان يقول: ألست تجده في كتبنا فيقول: نعم هو هو. فيقول له فما في نفسك منه. فيقول: معاداته
[ ١ / ٥٢٤ ]
وَمَنْ بَاهَتَ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْمُبَاهَتَةِ.. وَادَّعَى أَنَّ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِمَا حَكَاهُ مُخَالَفَةً.. دُعِيَ إِلَى إِقَامَةِ حُجَّتِهِ.. وَكَشْفِ دَعْوَتِهِ.
فَقِيلَ لَهُ: «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» إلى قوله «الظَّالِمُونَ «١»» .. فَقَرَّعَ وَوَبَّخَ.. وَدَعَا إِلَى إِحْضَارِ مُمْكِنٍ غَيْرِ مُمْتَنِعٍ فَمِنْ مُعْتَرِفٍ بِمَا جَحَدَهُ.. وَمُتَوَاقِحٍ يُلْقِي عَلَى فَضِيحَتِهِ مِنْ كِتَابِهِ يَدَهُ «٢» .. وَلَمْ يُؤْثَرْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَظْهَرَ خِلَافَ قَوْلِهِ مِنْ كُتُبِهِ، وَلَا أَبْدَى صَحِيحًا وَلَا سَقِيمًا مِنْ صحفه.
قال الله تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ.. قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ.. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ «٣»» الآيتين.
_________________
(١) سورة آل عمران «٩٣»
(٢) أي يضع يده على كتابه وعلى الآية التي فيها ما يخالف دعواه ويكذبه.
(٣) أي إلى قوله تَعَالَى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» سورة المائدة ١٥- ١٦.
[ ١ / ٥٢٥ ]
الفصل الثامن التّحدي والتعجيز في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها
هَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ إِعْجَازِهِ بَيِّنَةٌ لَا نِزَاعَ فِيهَا وَلَا مِرْيَةَ..
وَمِنَ الْوُجُوهِ الْبَيِّنَةِ فِي إِعْجَازِهِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَيْ وَرَدَتْ بِتَعْجِيزِ قَوْمٍ فِي قَضَايَا.. وَإِعْلَامِهِمْ أَنَّهُمْ لا يغفلونها.. فَمَا فَعَلُوا، وَلَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ لِلْيَهُودِ: «قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً «١»» الآية.
قال أبو إسحق الزَّجَّاجُ «٢»: «فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَعْظَمُ حُجَّةٍ، وَأَظْهَرُ دلالة على صحة الرسالة.. لأنه قال لهم «فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ» وأعلمهم أنّهم لا يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا.. فَلَمْ يَتَمَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
وَعَنِ النبي ﷺ «٣»: والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم
_________________
(١) خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» البقرة «٩٤»
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٨٨» رقم «٨»
(٣) في حديث رواه البيهقي من طريق الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بهذا اللفظ الآني. وأحمد في مسنده عن ابن عباس مرفوعا بسند جيد بلفظ: «لو ان اليهود تمنوا الموت لماتوا»
[ ١ / ٥٢٦ ]
إِلَّا غَصَّ بِرِيقِهِ- يَعْنِي يَمُوتُ مَكَانَهُ- فَصَرَفَهُمُ الله عن تمنيه..
وجرّعهم لِيُظْهِرَ صِدْقَ رَسُولِهِ، وَصِحَّةَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ..
إذ لَمْ يَتَمَنَّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.. وَكَانُوا عَلَى تَكْذِيبِهِ أَحْرَصَ لَوْ قَدَرُوا.. وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.. فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ مُعْجِزَتُهُ.
وَبَانَتْ حُجَّتُهُ..
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ «١»: مِنْ أَعْجَبِ أَمْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا وَاحِدٌ مِنْ يوم أمر الله بذلك بنيّه يُقْدِمُ عَلَيْهِ.. وَلَا يُجِيبُ إِلَيْهِ.. وَهَذَا مَوْجُودٌ مَشَاهَدٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَمْتَحِنَهُ مِنْهُمْ..
وَكَذَلِكَ آيَةُ الْمُبَاهَلَةِ «٢» مِنْ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ: وَفَدَ عليه أساقفة نجران، وأتوا الْإِسْلَامَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ آيَةَ الْمُبَاهَلَةِ بقوله: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ «٣» ..» الْآيَةَ. فَامْتَنَعُوا مِنْهَا..
وَرَضُوا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ.. وَذَلِكَ أنّ العاقب عظيمهم قال لهم:
_________________
(١) عبد الله بن ابراهيم بن عمر الأموي عالم بالحديث والفقه من أهل أصيلة في المغرب رحل في طلب العلم وعاد الى الاندلس في اخر أيام المستنصر فمات بقرطبة سنة ٣٩٢ هـ.
(٢) المباهلة: الملاعنة والدعاء على الظالم.
(٣) «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» سورة آل عمران «٦١» .
[ ١ / ٥٢٧ ]
قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ.. وَأَنَّهُ مَا لَاعَنَ قَوْمًا نَبِيٌّ قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ وَلَا صَغِيرُهُمْ.. «وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا» إِلَى قَوْلِهِ: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «١»» . فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ كَمَا كَانَ وَهَذِهِ الْآيَةُ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ وَلَكِنْ فِيهَا مِنَ التَّعْجِيزِ مَا فِي الَّتِي قبلها..
_________________
(١) «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» سورة البقرة «٢٤٠»،
[ ١ / ٥٢٨ ]
الفصل التاسع روعته في السمع وهيبته فِي الْقُلُوبِ
وَمِنْهَا الرَّوْعَةُ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ سَامِعِيهِ وَأَسْمَاعَهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِ، وَالْهَيْبَةُ الَّتِي تَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ لِقُوَّةِ حَالِهِ وَإِنَافَةِ «١» خَطَرِهِ..
وَهِيَ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِهِ أَعْظَمُ.. حَتَّى كَانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَمَاعَهُ وَيَزِيدُهُمْ نُفُورًا.. كَمَا قَالَ تَعَالَى «٢» .. وَيَوَدُّونَ انْقِطَاعَهُ لِكَرَاهَتِهِمْ لَهُ.. وَلِهَذَا قَالَ ﷺ «إِنَّ الْقُرْآنَ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ وَهُوَ الْحَكَمُ» «٣» .
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ.. فَلَا تَزَالُ رَوْعَتُهُ بِهِ وَهَيْبَتُهُ إِيَّاهُ مَعَ تِلَاوَتِهِ تُولِيهِ انْجِذَابًا.. وَتُكْسِبُهُ هَشَاشَةً «٤» لِمَيْلِ قَلْبِهِ إِلَيْهِ.. وتصديقه به
قال الله تَعَالَى: «تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ،
_________________
(١) أي علو مرتبته.
(٢) «وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا» سورة الاسراء «٤٦»
(٣) رواه الديلمي وغيره عن الحكم بن عمير مرفوعا.
(٤) هشاشة: بفتح الهاء والشين المعجمة أي مسرة وخفة ولينا.
[ ١ / ٥٢٩ ]
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ»
» .
وَقَالَ: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ «٢»، الآية ويدخل عَلَى أَنَّ هَذَا شَيْءٌ خُصَّ بِهِ أَنَّهُ يَعْتَرِي مَنْ لَا يَفْهَمُ مَعَانِيهِ. وَلَا يَعْلَمُ تَفَاسِيرَهُ.. كَمَا رُوِيَ عَنْ نَصْرَانِيٍّ: أَنَّهُ مَرَّ بقارىء فَوَقَفَ يَبْكِي.
فَقِيلَ لَهُ- مِمَّ بَكَيْتَ.. قَالَ: للشجا «٣» والنظم.. وهذه الروعة قد اعترف جَمَاعَةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ.. فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ لَهَا لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ.. وَآمَنَ بِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ..
فَحُكِيَ فِي الصَّحِيحِ «٤» .. عَنْ جُبَيْرِ «٥» بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ!! أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ» إلى قوله «الْمُصَيْطِرُونَ «٦»
_________________
(١) «ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» سورة الزمر «٢٣» .
(٢) «لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» سورة الحشر «٢١» .
(٣) الشجا: بفتح الشين المعجمة والجيم مقصور وفي بعض النسخ (الشجي) بفتح معجمة فسكون جيم. والمعنى الحزن الذي أصابه من استماعه فرق قلبه وخشع بدنه.
(٤) بل روي في الصحيحين وغيرهما.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٤٤» رقم «١»
(٦) «أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ» سورة الطور «٣٥، ٣٦، ٣٧» .
[ ١ / ٥٣٠ ]
كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ لِلْإِسْلَامِ.. وَفِي رِوَايَةٍ: وذلك أول ما وقر الاسلام فِي قَلْبِي.. وَعَنْ «١» عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ «٢»: أَنَّهُ كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ خِلَافِ قَوْمِهِ فَتَلَا عَلَيْهِمْ «حم فُصِّلَتْ إِلَى قَوْلِهِ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ «٣»» فَأَمْسَكَ عُتْبَةُ بِيَدِهِ عَلَى فِي النَّبِيِّ ﷺ وَنَاشَدَهُ الرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ «٤»: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ، وَعُتْبَةُ مُصْغٍ مُلْقٍ يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدٌ عَلَيْهِمَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ عتبة لا يدري بم يراجعه.. ورجع إِلَى قَوْمِهِ حَتَّى أَتَوْهُ فَاعْتَذَرَ لَهُمْ.. وَقَالَ: «وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمَنِي بِكَلَامٍ وَاللَّهِ مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ بِمِثْلِهِ قَطُّ.. فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ لَهُ» .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ رَامَ مُعَارَضَتَهُ. أَنَّهُ اعْتَرَتْهُ رَوْعَةٌ وَهَيْبَةٌ كَفَّ بِهَا عَنْ ذَلِكَ فَحُكِيَ: أَنَّ ابْنَ الْمُقَفَّعِ «٥» طلب
_________________
(١) رواه البغوي في تفسيره عن جابر بلفظ المصنف وأبو يعلى بنحوه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥١٣» رقم «٣» .
(٣) سورة فصلت آية «١٣٧» .
(٤) لابن اسحق في سيرته عن محمد بن كعب القرظي.
(٥) عبد الله بن المقفع من أئمة الكتاب. أول من عني في الاسلام بترجمة كتب المنطق أصله من الفرس ولد في العراق مجوسيا «مشركا» وأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح اتهم بالزندقة فقتله في البصرة أميرها سفيان بن معاوية المهلبي سنة ١٤٢ هـ.
[ ١ / ٥٣١ ]
ذَلِكَ وَرَامَهُ «١» وَشَرَعَ فِيهِ فَمَرَّ بِصَبِيٍّ يَقْرَأُ «وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ «٢»» فرجع فمحى مَا عَمِلَ.. وَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَا يُعَارَضُ.. وَمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ» وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ أَهْلِ وَقْتِهِ
وَكَانَ يَحْيَى بْنُ حَكَمٍ «٣» الْغَزَّالُ بَلِيغَ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَنِهِ فَحُكِيَ:
أَنَّهُ رَامَ شَيْئًا مِنْ هَذَا.. فَنَظَرَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ لِيَحْذُوَ عَلَى مِثَالِهَا.. وَيَنْسِجَ بِزَعْمِهِ على منوالها.. قال: فاعترتني منه خشية ورقة حملتني على التوبة والإنابة..
_________________
(١) هذا بعيد كما ذكر ذلك الرافعي في كنابة إعجاز القران والبلاغة النبوية وذلك أن القران الكريم كان أول ما يتعلمه مريد الأدب ويحفظه ليستعين بفصاحته على صناعة الأدب فيبعد تماما أن لا ينتبه ابن المقفع الى بلاغة القران إلا حينما سمعه من صبي يقرؤه وهو من هو بلاغة وفصاحة.
(٢) «يا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» سور هود «٤٤» .
(٣) يحيى بن الحكم الجياني المعروف بالغزال شاعر مطبوع من أهل الاندلس امتاز بحدة خاطره وبصواب رأيه وحسن جوابه ونجدته وإقدامه ودخوله وخروجه من كل باب توفي سنة ٢٥٠ هـ.
[ ١ / ٥٣٢ ]
الفصل العاشر بقاؤه على الزمن
وَمِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِهِ الْمَعْدُودَةِ كَوْنُهُ آيَةً بَاقِيَةً لَا تُعْدَمُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا.. مَعَ تَكَفُّلِ اللَّهِ تَعَالَى بِحِفْظِهِ.
فَقَالَ: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١»» .
وَقَالَ: «لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٢»» وَسَائِرُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ انْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أَوْقَاتِهَا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا خَبَرُهَا.. وَالْقُرْآنُ الْعَزِيزُ الْبَاهِرَةُ آيَاتُهُ الظَّاهِرَةُ مُعْجِزَاتُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ مدة خمس مئة عَامٍ وَخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً «٣» لِأَوَّلِ نُزُولِهِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا حُجَّتُهُ قَاهِرَةٌ وَمُعَارَضَتُهُ مُمْتَنِعَةٌ، وَالْأَعْصَارُ كلها طافحة
_________________
(١) سورة الحجر «٩» .
(٢) «تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» سورة فصلت «٤٢» .
(٣) وها هي تصبح الفا وثلاث مائة وستين عاما الى زمننا هذا ولا يزال حجة الزمان فسبحان من لا يعتريه نقص في ذاته ولا في صفاته.
[ ١ / ٥٣٣ ]
بِأَهْلِ الْبَيَانِ وَحَمَلَةِ عِلْمِ اللِّسَانِ وَأَئِمَّةِ الْبَلَاغَةِ.. وَفُرْسَانِ الْكَلَامِ، وَجَهَابِذَةِ «١» الْبَرَاعَةِ.. وَالْمُلْحِدُ فِيهِمْ كَثِيرٌ.. وَالْمُعَادِي لِلشَّرْعِ عَتِيدٌ.. فَمَا مِنْهُمْ مَنْ أَتَى بِشَيْءٍ يُؤْثَرُ فِي مُعَارَضَتِهِ.. وَلَا أَلَّفَ كَلِمَتَيْنِ فِي مُنَاقَضَتِهِ.. وَلَا قَدَرَ فِيهِ عَلَى مَطْعَنٍ صَحِيحٍ.. وَلَا قَدَحَ الْمُتَكَلِّفُ مِنْ ذِهْنِهِ فِي ذَلِكَ إِلَّا بِزَنْدٍ «٢» شَحِيحٍ..
بَلِ الْمَأْثُورُ عَنْ كُلِّ مَنْ رَامَ ذَلِكَ إِلْقَاؤُهُ فِي الْعَجْزِ بيديه، والنكوص «٣» على عقبيه..
_________________
(١) الجهابذة: جمع جهبذ: بكسر الجيم والباء وبينهما هاء ساكنة واخره ذال معجمة يقال جهبذ أي عالم نحرير وهو لفظ معرب وأصل معنى الجهبذ النقاد البصير فاستعير لما ذكر.
(٢) يقال زئد شحيح إذا كان لا يوري وهذه استعارة حسنة جميلة ومحل حسنها كون الذهن يوصف بالتوقد والاشتعال. فالاستعارة في (زند) وإجراؤها هو أن المصنف شبه الذهن المعارض للقرآن بالزند الشحيح ووجه الشبه في عدم اتقاد كل من العقل الخامد البليد في معارضة القران وعد اتقاد الزند الشحيج واشتعاله. وهي استعارة تصريحية أصلية.
(٣) يقال: نكص على عقبيه: أي رجع عما كان عليه من خير فهو خاص بالرجوع عن الخير.
[ ١ / ٥٣٤ ]
الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ وُجُوهٌ أُخْرَى لِلْإِعْجَازِ
وَقَدْ عَدَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمُقَلِّدِي الْأُمَّةِ فِي إِعْجَازِهِ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنْهَا: أَنَّ قَارِئَهُ لَا يَمَلُّهُ، وَسَامِعَهُ لَا يَمُجُّهُ «١» .. بَلِ الْإِكْبَابُ عَلَى تِلَاوَتِهِ يَزِيدُهُ حَلَاوَةً.. وَتَرْدِيدُهُ يُوجِبُ لَهُ مَحَبَّةً.. لَا يَزَالُ غَضًّا طَرِيًّا.. وَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ.. وَلَوْ بَلَغَ فِي الْحُسْنِ وَالْبَلَاغَةِ مَبْلَغَهُ يُمَلُّ مَعَ التَّرْدِيدِ، وَيُعَادَى إِذَا أُعِيدَ وَكِتَابُنَا يُسْتَلَذُّ بِهِ فِي الْخَلَوَاتِ.. وَيُؤْنَسُ بِتِلَاوَتِهِ فِي الْأَزَمَاتِ.. وَسِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ لَا يُوجَدُ فِيهَا ذَلِكَ.. حتى أحدث لها أَصْحَابُهَا لُحُونًا وَطُرُقًا يَسْتَجْلِبُونَ بِتِلْكَ اللُّحُونِ تَنْشِيطَهُمْ على قراءتها.
_________________
(١) يمجه: أي لا يكره تكراره على سامعه يقال مج الشراب إذا رماه من فيه فالمج حقيقة طرح المائع من الفم فان كان غير مائع يقال لفظه فاقام الأذن مقام الفم واللفظ مقام الماء لرقته ولطفه وهي استعارة لطيفة.
[ ١ / ٥٣٥ ]
وَلِهَذَا وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ «١»: «لَا يَخْلَقُ «٢» عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عِبَرُهُ وَلَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ.. هُوَ الْفَصْلُ «٣» لَيْسَ بِالْهَزْلِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا تَزِيغُ «٤» بِهِ الْأَهْوَاءُ.. وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ.. هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ حِينَ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا «إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ «٥»» .
وَمِنْهَا: جَمْعُهُ لِعُلُومٍ وَمَعَارِفَ لَمْ تَعْهَدِ الْعَرَبُ عَامَّةً وَلَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ خَاصَّةً بِمَعْرِفَتِهَا وَلَا الْقِيَامِ بِهَا.. وَلَا يُحِيطُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَمِ.. ولا يشتمل عليها كتاب على كُتُبِهِمْ..
فَجَمَعَ فِيهِ مِنْ بَيَانِ عَلْمِ الشَّرَائِعِ والتنبه عَلَى طُرُقِ الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّاتِ.
وَالرَّدِّ عَلَى فِرَقِ الْأُمَمِ بِبَرَاهِينَ قَوِيَّةٍ وَأَدِلَّةٍ بَيِّنَةٍ سَهْلَةِ الْأَلْفَاظِ مُوجَزَةِ الْمَقَاصِدِ.. رَامَ الْمُتَحَذْلِقُونَ «٦» بَعْدَ أَنْ يَنْصِبُوا أدلة مثلها فلم
_________________
(١) رواه الترمذي عن علي مرفوعا بدون قوله: «هو الذي أرشده الجن» ورواه غيره.
(٢) لا يخلق: بفتح الياء وضم اللام ويجوز فتحها أي لا يبلى ولا يتغير حاله بمرور الزمان.
(٣) العقل: أي الجد الفاصل بين الحق والباطل.
(٤) أي لا يضل من اتبعه ويميل الى هوى نفسه الامارة بالسوء.
(٥) فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا سورة الجن ١، ٢.
(٦) المتحذلقون: جمع متحذاق بزنه اسم الفاعل بحاء مهملة وذال معجمه ولام وقاف وهو مدعي الحذق وهو سرعة الفهم (أي قصد مدعي الذكاء في العلم وإقامة البراهين)
[ ١ / ٥٣٦ ]
يَقْدِرُوا عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى «١»» . وَ«قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ «٢»» وَ«لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا «٣»» إِلَى مَا حَوَاهُ مِنْ عُلُومِ السِّيَرِ، وَأَنْبَاءِ الْأُمَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ، وَأَخْبَارِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَالشِّيَمِ «٤»، قَالَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ «مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «٥»» و«وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ»
» و«وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ «٧»» .
وَقَالَ ﷺ «٨» «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ آمِرًا وَزَاجِرًا وَسُنَّةً خَالِيَةً «٩»، وَمَثَلًا مَضْرُوبًا.. فِيهِ نَبَؤُكُمْ وَخَبَرُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ.. وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ.. وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ.. لا يخلقه طول
_________________
(١) «وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» سورة يس اية. ٨١.
(٢) «وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» سورة يس اية ٧١٥.
(٣) «فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ» سورة الانبياء آية ٢٢.
(٤) الشيم: بشين معجمة مثناة تحتية وبهمز أيضا بزنه عنب جمع شيمة وهي الطبيعة
(٥) «ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» سورة الأنعام اية «٣٨» .
(٦) «وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» سورة النمل آية «٨٩» .
(٧) «وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ» سورة الروم آية «٥٨» .
(٨) رواه الترمذي عن علي وتقدم بعضه.
(٩) أي طريقة متبعة مستقيمة لمن كان قبلكم من الأمم من خلا بمعنى ذهب ومضى.
[ ١ / ٥٣٧ ]
الرَّدِّ.. وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ.. هُوَ الْحَقُّ لَيْسَ بِالْهَزْلِ.. مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ.. وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ.. وَمَنْ خَاصَمَ بِهِ فَلَجَ «١» وَمَنْ قَسَمَ «٢» بِهِ أَقْسَطَ «٣» .. وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ.. وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.. من طَلَبَ الْهُدَى مِنْ غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ..
وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ «٤» اللَّهُ.. هُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ.. وَالنُّورُ الْمُبِينُ.. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.. وَحَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ.. وَنَجَاةٌ لمن اتبعه.. لا يعوج فيقوّم..
ولا يزيع فَيُسْتَعْتَبَ «٥» وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ.. وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ.. وَنَحْوُهُ «٦» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «٧» .. وَقَالَ فيه:
ولا يختلف.. ولا يتشانّ «٨» .. فيه فنبأ الأولين والآخرين.
_________________
(١) فلج: بفتح الفاء واللام وبجيم يقال فلج إذا فاز وظفر بالغلبة.
(٢) قسم: بفتح القاف والسين المخففة أي من تولى قسيمة أمر فقسمها بما في كتاب الله كقسمة المواريث والغنائم وغيرها عدل.
(٣) أقسط: يقال قسط إذا جار وأقسط بالهمزة إذا عدل فهو مقسط فالهمزة للسلب كأشكيته إذا زالت شكايته وهو مأخوذ من القسط وهو الميزان كالقسطاس.
(٤) قصمه: أي قتله وأهلكه هلاكا شديدا.
(٥) أي لا يميل عن الحق والصواب لذلك لا يستحق العقاب واللوم.
(٦) نحوه في المعنى مع اختلاف في المبنى. كما رواه الحاكم عنه مرفوعا.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٨) يتشان: بفتح الياء التحتية والتاء الفوقية والشين المعجمة وألف بعدها نون مشددة من الشن وهي القربة البالية فهو مستعار للبلا والفناء أي لا تذهب طلاوته ولا تبلى طراوته.
[ ١ / ٥٣٨ ]
وَفِي الْحَدِيثِ «١»، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: «إِنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيْكَ تَوْرَاةً حَدِيثَةً. تَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا.. وَآذَانًا صُمًّا..
وَقُلُوبًا غُلْفًا.. فِيهَا يَنَابِيعُ الْعِلْمِ.. وَفَهْمُ الْحِكْمَةِ.. وَرَبِيعُ الْقُلُوبِ» وَعَنْ كَعْبٍ «٢» «عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ فَهْمُ الْعُقُولِ.
وَنُورُ الْحِكْمَةِ» .
وَقَالَ تَعَالَى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ «٣»» . وقال: «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً «٤»» الْآيَةَ. فَجُمِعَ فِيهِ مَعَ وَجَازَةِ أَلْفَاظِهِ وَجَوَامِعِ كَلِمِهِ أَضْعَافُ مَا فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ.. الَّتِي أَلْفَاظُهَا عَلَى الضِّعْفِ مِنْهُ مَرَّاتٍ.
وَمِنْهَا: جَمْعُهُ فِيهِ بَيْنَ الدَّلِيلِ «٥» وَمَدْلُولِهِ «٦» .. وَذَلِكَ أَنَّهُ احْتَجَّ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ وَحُسْنِ وَصْفِهِ وَإِيجَازِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَأَثْنَاءَ هَذِهِ الْبَلَاغَةِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَوَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ.. فَالتَّالِي له يفهم موضع الحجة
_________________
(١) رواه ابن الضريس في فضائل القرآن عن كعب ﵁، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن مغيث بن سمي مرفوعا مرسلا بلفظ (أنزلت علي توراة محدثة فيها نور الحكمة وينابيع العلم ليفتح بها أعينا عميا، وقلوبا غلظا، وآذانا صما» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥٨) رقم (٣) .
(٣) سورة النمل اية (٧٦) .
(٤) «وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ» سورة آل عمران آية «١٣٨» .
(٥) الدليل: هو الدال المرشد إلى ما يمكن التوصل بالنظر فيه إلى مطلوب خبري
(٦) المدلول: هو المطلوب بالدليل هنا.
[ ١ / ٥٣٩ ]
وَالتَّكْلِيفِ مَعًا مِنْ كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَسُورَةٍ مُنْفَرِدَةٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ جَعْلَهُ فِي حَيِّزِ الْمَنْظُومِ الَّذِي لم يعهد، ولم يكن في الْمَنْثُورِ.. لِأَنَّ الْمَنْظُومَ أَسْهَلُ عَلَى النُّفُوسِ.. وَأَوْعَى للقلوب، وأسمح فِي الْآذَانِ.. وَأَحْلَى عَلَى الْأَفْهَامِ، فَالنَّاسُ إِلَيْهِ أميل..
والأهواء إليه أسرع.. ومنا: تيسيره تعالى حفظه لمتعلمه..
وَتَقْرِيبُهُ عَلَى مُتَحَفِّظِيهِ..
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ «١»» وَسَائِرُ الْأُمَمِ لَا يَحْفَظُ كُتُبَهَا الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فَكَيْفَ الْجَمَّاءُ عَلَى مُرُورِ السِّنِينَ عَلَيْهِمْ.. وَالْقُرْآنُ مُيَسَّرٌ حِفْظُهُ لِلْغِلْمَانِ فِي أَقْرَبِ مُدَّةٍ.
وَمِنْهَا: مُشَاكَلَةُ «٢» بَعْضِ أَجْزَائِهِ بَعْضًا.. وَحُسْنُ ائْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.. والتتئام أَقْسَامِهَا.. وَحُسْنُ التَّخَلُّصِ مِنْ قِصَّةٍ إِلَى أُخْرَى.. وَالْخُرُوجِ مِنْ بَابٍ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى اخْتِلَافِ مَعَانِيهِ..
وَانْقِسَامُ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى: أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَخَبَرٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ وَإِثْبَاتِ نُبُوَّةٍ وَتَوْحِيدٍ وتقرير «٣» وترغيب
_________________
(١) «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» سورة القمر آية «١٧» .
(٢) أي مشاكلة بعضه لبعض.
(٣) لبعض ما شرع أولا.
[ ١ / ٥٤٠ ]
وَتَرْهِيبٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِهِ.. دُونَ خَلَلٍ يَتَخَلَّلُ فُصُولَهُ.
وَالْكَلَامُ الْفَصِيحُ إِذَا اعْتَوَرَهُ «١» مِثْلُ هَذَا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ.. وَلَانَتْ جَزَالَتُهُ.. وَقَلَّ رونقه.. وتقلقلت ألفاظه..
فتأمل أول «ص «٢»» وَمَا جُمِعَ فِيهَا مِنْ أَخْبَارِ الْكُفَّارِ، وَشِقَاقِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ بِإِهْلَاكِ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِهِمْ.. وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَتَعَجُّبِهِمْ مِمَّا أَتَى بِهِ، وَالْخَبَرِ عَنِ اجْتِمَاعِ مَلَئِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ.. وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْحَسَدِ فِي كَلَامِهِمْ..
وَتَعْجِيزِهِمْ. وَتَوْهِينِهِمْ.. وَوَعِيدِهِمْ بِخِزْيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ..
وَتَكْذِيبِ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ.. وَإِهْلَاكِ اللَّهِ لَهُمْ.. وَوَعِيدِ هَؤُلَاءِ مِثْلَ مُصَابِهِمْ.. وَتَصْبِيرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَذَاهُمْ.. وَتَسْلِيَتِهِ بِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ثُمَّ أَخَذَ فِي ذكر داوود «٣» .. وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ..
كُلُّ هَذَا فِي أَوْجَزِ كَلَامٍ، وأحسن نظام.. ومنها: الْجُمْلَةُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي انْطَوَتْ عَلَيْهَا الْكَلِمَاتُ الْقَلِيلَةُ.
وَهَذَا كُلُّهُ.. وَكَثِيرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ ذُكِرَ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ إِلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. ذَكَرَهَا الأئمة لم نذكرها.. إذ أكثرها داخل
_________________
(١) اعتوره: أو ورد عليه.
(٢) سورة «ص»
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٩٧» رقم «٦»
[ ١ / ٥٤١ ]
في باب بلاغته.. فلا نحب أَنْ يُعَدَّ فَنًّا مُنْفَرِدًا فِي إِعْجَازِهِ..
إِلَّا فِي بَابِ تَفْصِيلِ فُنُونِ الْبَلَاغَةِ.. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمْ.. يُعَدُّ فِي خَوَاصِّهِ وفضائله.. لا في إِعْجَازِهِ. وَحَقِيقَةُ الْإِعْجَازِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَلْيُعْتَمَدْ عَلَيْهَا.
وَمَا بَعْدَهَا.. مِنْ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ وَعَجَائِبِهِ الَّتِي لَا تَنْقَضِي.
وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
[ ١ / ٥٤٢ ]
الفصل الثاني عشر في انْشِقَاقُ الْقَمَرِ وَحَبْسُ الشَّمْسِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «١»» «٢» أَخْبَرَ تَعَالَى بِوُقُوعِ انْشِقَاقِهِ بِلَفْظِ الْمَاضِي. وَإِعْرَاضِ الْكَفَرَةِ عَنْ آيَاتِهِ.
وَأَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ السُّنَّةِ على وقوعه عَنِ «٣» ابْنِ مَسْعُودٍ «٤» ﵁ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ «٥»، وفرقة دونه
_________________
(١) مستمر: أي دائم أو محكم من أمر الجبل إذا أحكم فضله.
(٢) سورة القمر (٢) .
(٣) أخرجه البخاري في تفسيره وأخرجه عنه مسلم والترمذي والنسائي. وقال الترمذي حسن صحيح. وفي مسند أحمد برواية الأسود وفي الدلائل للبيهقي برواية مسروق ورواه علقمة عن ابن مسعود.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٢٥٦) رقم (٢) .
(٥) الجبل حراء أو أبو قيس.
[ ١ / ٥٤٣ ]
فقال رسول ﷺ: اشْهَدُوا وَفِي رِوَايَةِ «١» مُجَاهِدٍ «٢»: وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ..
وفي بعض طرق الأعمش «٣»: بمعنى.. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْأَسْوَدُ»
وَقَالَ «٥»: حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر الْقَمَرِ. وَرَوَاهُ عَنْهُ مَسْرُوقٌ «٦» أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ «٧» .
وزاد: فقال: فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: «سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ «٨»» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: «إِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ كَانَ سَحَرَ الْقَمَرَ فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ مِنْ سِحْرِهِ أَنْ يَسْحَرَ الْأَرْضَ كُلَّهَا.. فَاسْأَلُوا مَنْ يَأْتِيكُمْ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ..
هَلْ رَأَوْا هَذَا؟. فَأَتَوْا فسألوهم.. فأخبر وهم أنّهم رأوا مثل ذلك»
_________________
(١) في الصحيحين عن ابن مسعود زيادة قوله.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٧٠) رقم (١) .
(٣) سليمان بن مهران الأسدي بالولاء أبو محمد الأعمش تابعي مشهور أصله من الري كان عالما بالقرآن والحديث والفرائض، وكان رأسا في العلم النافع والعمل الصالح وقال الشحاوي: قيل: «ولم ير السلاطين والملوك والأغنياء في مجلس أحقر منهم في مجلس الأعمش مع شدة حاجته وفقره» . نشأ في الكوفة وبها توفي سنة ١٤٨ هـ.
(٤) الأسود بن يزيد بن قيس بن قيس بن عبد الله النخعي من كبار التابعين عرف بالرواية عن ابن مسعود واشتهر بفقهه وحفظه وزهده وكثرة عبادته وكان عالم الكوفة في عصره توفي سنة ٧٥ هـ.
(٥) رواه أحمد في المسند.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (٣٦١) رقم (١٢) .
(٧) كما رواه البيهقي في دلائله.
(٨) أبو كبشه رجل فارق دين الجاهلية قديما وعبد الشعرى. فشبهوا الرسول ﷺ به أو أن أباه من الرضاعة كانت له ابنته تسمى كبشه فكان يكنى بها.
[ ١ / ٥٤٤ ]
وحكى السمرقندي «١» عن الضحاك «٢» نحوه فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ «٣»:
هَذَا سِحْرٌ.. فَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْآفَاقِ حَتَّى تَنْظُرُوا.. أَرَأَوْا ذَلِكَ أَمْ لَا!!. فَأَخْبَرَ أَهْلُ الْآفَاقِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مُنْشَقًّا.. فقالوا- يعني الكفار- هذا سحر مستمر رواه أَيْضًا عَنِ ابْنِ «٤» مَسْعُودٍ عَلْقَمَةُ «٥» فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ ابْنِ مَسْعُودٍ..
كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ: أَنَسٌ «٦» - وَابْنُ عَبَّاسٍ «٧» - وَابْنُ عُمَرَ «٨» - وَحُذَيْفَةُ «٩» وَعَلِيٌّ «١٠» - وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ «١١» -
فَقَالَ عَلِيٌّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حذيفة الأرحبي «١٢» «انشق القمر ونحن
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٥١) رقم (٢) .
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٧٥) رقم (٦) .
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٣٧٠) رقم (٣) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٥١٤) رقم (٢) .
(٥) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي أبو شبل تابعي كان فقيه العراق يشبه ابن مسعود في هديه وسمته وفضله ولد في حياة النبي ﷺ وتوفي في الكوفة سنة ٦٢ هـ.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (١٤٧) رقم (١)
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٨٢) رقم (١) كما رواه الشيخان عنهما وهما وإن لم يدركا بأعينهما فقد سمعا ممن حضر وروى، ومرسل الصحابة بالإجماع حجة.
(٨) تقدمت ترجمته في ص (١٨٢) رقم (١) وقد رواه مسلم والترمذي.
(٩) تقدمت ترجمته في ص (٦٤) رقم (١) وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص (٥٤) رقم (٤) لم يعرف مخرجه.
(١١) تقدمت ترجمته في ص (٤٤٤) رقم (١) وقد رواه أحمد والبيهقي عنه.
(١٢) مسلمة بن صهيب أبو حذيفة الكوفي الأرحبي روى عن حذيفة وابن مسعود وعلي وعائشة ﵃ ذكره ابن حبان في الثقات.
[ ١ / ٥٤٥ ]
مَعَ النَّبِيِّ ﷺ» . وَعَنْ أَنَسٍ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القمر مرتين «١» حتى رأوا حراء بينما.. رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ قَتَادَةُ «٢» وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ «٣» وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ «٤»:
أَرَاهُمُ الْقَمَرَ مَرَّتَيْنِ انشقاقه «٥» .. فنزلت «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «٦»» .
وَرَوَاهُ عَنْ جُبَيْرِ «٧» بْنِ مُطْعِمٍ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ «٨»، وَابْنُ ابْنِهِ جُبَيْرُ «٩» بْنُ مُحَمَّدٍ وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «١٠» عُبَيْدُ اللَّهِ «١١» بْنُ عَبْدِ الله بن عتبة.
_________________
(١) لعله أراد بالمرتين الفلقتين، وإلا لم يعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق قاله العسقلاني. هذا وقد ورد في نسخة صحيحة «فرقتين» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٣»
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٨» رقم «٦»
(٤) أي عن ابن عباس.
(٥) بالنصب بدل من القمر بدل اشتمال وفي تقديم مرتين في هذه الرواية دليل على ما قلناه سابقا من أن التعدد في الآراء لا في الانشقاق وأنه مرتين، كما ذهب إليه من نظر لظاهر هذه الرواية.
(٦) سورة القمر آية «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٤٤٤» رقم «١» .
(٨) محمد بن جبير بن مطعم، مدني تابعي ثقة قليل الحديث توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك.
(٩) جبير بن محمد بن جبير بن مطعم روى عن أبيه وعن جده وروى له أبو داوود حديثا واحدا وذكره ابن حبان في الثقات.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(١١) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهدلي أبو عبد الله مفتي المدينة وأحد الفقهاء السبعة فيها، من أعلام التابعين وهو مؤدب عمر بن عبد العزيز كان ثقة شاعرا مجيدا وعالما فقيها كثير الحديث والعلم بالشعر وقد ذهب بصره توفي بالمدينة سنة ٩٨ هـ.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «١» مُجَاهِدٌ «٢» . وَرَوَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ «٣» أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٤» السُّلَمِيُّ، وَمُسْلِمُ»
بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الْأَزْدِيُّ. وَأَكْثَرُ طُرُقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحَةٌ.. وَالْآيَةُ مُصَرِّحَةٌ.. وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى اعْتِرَاضِ مَخْذُولٍ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا لَمْ يَخْفَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ إِذْ هُوَ شَيْءٌ ظَاهِرٌ لِجَمِيعِهِمْ.. إِذْ لَمْ يُنْقَلْ لَنَا عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنَّهُمْ رَصَدُوهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.. فَلَمْ يَرَوْهُ انْشَقَّ.. وَلَوْ نُقِلَ إِلَيْنَا عَمَّنْ لَا يَجُوزُ تَمَالُؤُهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ لَمَا كَانَتْ عَلَيْنَا بِهِ حُجَّةٌ.. إِذْ لَيْسَ الْقَمَرُ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ.. فَقَدْ يَطْلُعُ عَلَى قوم قبل أن يطلع على الآخرين.. وَقَدْ يَكُونُ مِنْ قَوْمٍ بِضِدِّ مَا هُوَ من مقابليهم مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ.. أَوْ يَحُولُ بَيْنَ قَوْمٍ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ أَوْ جِبَالٌ.. وَلِهَذَا نَجِدُ الْكُسُوفَاتِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ دُونَ بَعْضٍ..
وَفِي بَعْضِهَا جُزْئِيَّةً.. وَفِي بَعْضِهَا كُلِّيَّةً.. وَفِي بَعْضِهَا لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْمُدَّعُونَ لِعِلْمِهَا «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «٦»» وآية القمر
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (١٨٢) رقم (١)
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٧٠) رقم (١)
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٦٤) رقم (٤)
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٦١) رقم (٤)
(٥) مسلم بن عمران وقيل ابن أبي عمران البطين أبو عبد الله الكوفي روى عن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم قال أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة.
(٦) سورة يسن آية (٣٨) .
[ ١ / ٥٤٧ ]
كانت ليلا.. والعادة من الناس بالليل الهدوء وَالسُّكُونُ. وَإِيجَافُ «١» الْأَبْوَابِ، وَقَطْعُ التَّصَرُّفِ.. وَلَا يَكَادُ يَعْرِفُ مِنْ أُمُورِ السَّمَاءِ شَيْئًا إِلَّا مَنْ رَصَدَ ذَلِكَ، وَاهْتَبَلَ «٢» بِهِ، وَلِذَلِكَ مَا يَكُونُ الْكُسُوفُ الْقَمَرِيُّ كَثِيرًا فِي الْبِلَادِ.. وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُ بِهِ حَتَّى يُخْبَرَ.. وَكَثِيرًا مَا يُحَدِّثُ الثقات بعجائب يشاهد ونها مِنْ أَنْوَارٍ وَنُجُومٍ طَوَالِعَ عِظَامٍ تَظْهَرُ فِي الْأَحْيَانِ بِاللَّيْلِ فِي السَّمَاءِ وَلَا عِلْمَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهَا..
وَخَرَّجَ الطَّحَاوِيُّ «٣» فِي مُشْكِلِ الْحَدِيثِ عَنْ أَسْمَاءَ «٤» بِنْتِ عُمَيْسٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «٥»: كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ «٦» فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ. حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ.. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
أَصَلَّيْتَ يَا عَلِيُّ؟ .. قَالَ: لَا.. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ.. قَالَتْ أسماء: فرأيتها غربت
_________________
(١) الايجاف: بكسر الهمزة، وسكون المثناة التحتية وجيم وفاء وهو الإغلاق بسرعة.
(٢) اهتبل به: أي بذل جهده والمثنى به غاية الاعتناء.
(٣) الطحاوي هو أحمد بن محمد بن مسلمة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي ثم المصري الحنفي وهو الإمام المحدث الجليل القدر ويكنى أبا جعفر وكان شافعيا من تلامذة خاله المزني ثم صار حنفيا وله تآليف جليلة ولد في سنة ٢٣٩ وتوفي سنة ٣٢١ هـ.
(٤) أسماء بنت عميس بن معد بن تيم الخثعمي صحابية كان لها شأن. اسلمت قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم زوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر ثم علي ﵁ توفيت نحو سنة ٤٠ هـ.
(٥) ورواه الطبراني بأسانيد رجال بعضها ثقاة.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (٥٤) رقم (٤) .
[ ١ / ٥٤٨ ]
ثم رأيتها طَلَعَتْ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ.. وَوَقَفَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ وَذَلِكَ بِالصَّهْبَاءِ فِي خَيْبَرَ..
قَالَ: وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ «١» ثَابِتَانِ، وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ «٢» بْنَ صَالِحٍ كَانَ يَقُولُ: «لَا يَنْبَغِي لِمَنْ سَبِيلُهُ الْعِلْمُ التَّخَلُّفُ عَنْ حِفْظِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ، لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ» .
وَرَوَى يُونُسُ «٣» بن بكير في زيادة المغازي، روايته عن ابن اسحق «٤»: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِالرُّفْقَةِ وَالْعَلَامَةِ الَّتِي فِي الْعِيرِ قَالُوا: مَتَى تَجِيءُ؟ .. قَالَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ.
فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ.. أَشْرَفَتْ قُرَيْشٌ يَنْظُرُونَ وقد ولّى النهار ولم تجيء.. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزِيدَ لَهُ فِي النَّهَارِ سَاعَةٌ وَحُبِسَتْ عَلَيْهِ الشمس» .
_________________
(١) جعلهما حديثين والمذكور حديث واحد تسمحا لأنه روي من طريقين. وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ولكن خاتمة الحفاظ السيوطي قال وكذا السخاوي: أن ابن الجوزي في موضوعاته تحامل تحاملا كثيرا حتى أدرج منه كثيرا من الأحاديث الصحيحة كما أشار إليه ابن الصلاح. وهذا الحديث صححة المصنف رحمه الله تعالى وأشار إلى تعدد طرقه شاهد صدق على صحته، وقد صححه قبله كثير من الأئمة كالطحاوي، وأخرجه ابن شاهين وابن منده وابن مردويه والطبراني في معجمه وقال إنه حسن، وحكاه العراقي في التقريب.
(٢) أحمد بن صالح أبو جعفر الطبري المصري الحافظ الثقة سمع من ابن عيينة وروى عنه البخاري وغيره وكان جامعا يحفظ كما روى عنه أصحاب السنن توفي سنة ٢٤٨
(٣) يونس بن بكير أبو بكر الشيباني الامام الثقة وثقة ابن معين وقال: إنه صدوق توفي سنة ١٩٩ هـ.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٧٣) رقم (٧) .
[ ١ / ٥٤٩ ]
الفصل الثالث عشر نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَتَكْثِيرِهِ بِبَرَكَتِهِ
أَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا فَكَثِيرَةٌ جِدًّا.. رَوَى حَدِيثَ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ أَصَابِعِهِ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ: أَنَسٌ «١» - وجابر «٢» - وابن مسعود «٣» عَنْ «٤» أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁:
«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الْوُضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ.. فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بوضوء فوضع رسول ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يده وأمر الناس أن يتوضؤوا مِنْهُ.. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أصابعه.. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٥٦» رقم «٢» .
(٤) حديث أنس رواه الشيخان إلا أن المصنف ساقه شاهدا بسنده إلى الإمام مالك عنه.
[ ١ / ٥٥٠ ]
آخِرِهِمْ.. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ قَتَادَةُ «١» وَقَالَ «٢»: «بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ أَوْ لَا يكاد يغمر» .. قال: كم كنتم؟ .. قال:
زهاء ثلاث مئة. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: «وَهُمْ بِالزَّوْرَاءِ «٣» عِنْدَ السُّوقِ»
وَرَوَاهُ أَيْضًا- حُمَيْدٌ «٤» - وَثَابِتٌ «٥» - وَالْحَسَنُ «٦» عَنْ أَنَسٍ وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ قُلْتُ. كَمْ كَانُوا؟ .. قَالَ: ثمانين رجلا.
وَنَحْوُهُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ. وَعَنْهُ أَيْضًا وَهُمْ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ «٧» .. فَفِي الصَّحِيحِ «٨» مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ «٩» عَنْهُ: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ.. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اطْلُبُوا مَنْ مَعَهُ فَضْلُ مَاءٍ.. فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَصَبَّهُ فِي إِنَاءٍ.
ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ.. فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «٣» .
(٢) كما في مسلم.
(٣) الزوراء: مكان يعرف بالمدينة قرب السوق.
(٤) حميد وهو تير أو تيرويه أبو عبيدة مولى طلحة الطلحات الخزاعي وهو ثقة أخرج له الأئمة الستة إلا أنه نسب للتدليس مات وهو قائم يصلي سنة ١٤٢ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٣٤٧» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٨) رواه البخاري وغيره.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٤٥٤» رقم «٥» .
[ ١ / ٥٥١ ]
وَفِي الصَّحِيحِ «١» عَنْ سَالِمِ «٢» بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ «٣» ﵁: «عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ «٤» .. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ «٥» . فَتَوَضَّأَ مِنْهَا.. وَأَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ.. وَقَالُوا:
لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ.. فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يفوز مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ.
وَفِيهِ: فَقُلْتُ: كم كنتم؟ .. قال: «لو كنا مئة ألف لكفانا كنا خمس عشرة «٦» مئة..» وري «٧» مِثْلُهُ عَنْ أَنَسٍ»
عَنْ جَابِرٍ وَفِيهِ.
«أَنَّهُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ» ..
وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ «٩» بْنِ عُبَادَةَ بن الصامت عنه في حديث
_________________
(١) للبخاري وغيره.
(٢) سالم بن أبي الجعد الأشجعي الكوفي وهو من كبار التابعين الثقات روى عن ابن عباس وغيره وتوفي سنة مائة وله ترجة مفصلة في الميزان
(٣) تقدمت ترجمته في ص (١٥٤) رقم (١) .
(٤) الحديبية: بئر بين جده ومكة.
(٥) ركوة: بفتج الراء وكسرها وضمها والأفصح الفتح وكاف ساكنة وواو. إناه للماء من جلد كالإبريق وجمعه ركاء بالكسر والمد.
(٦) والأصح أربع عشرة مئة كما في الصحاح، وأكثر الروايات كما قال البيهقي أنه الف وأربعمئة.
(٧) في مسند الدارمي.
(٨) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
(٩) الوليد بن عبادة بن الصامت ولد في حياة النبي ﷺ وتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان وهو تقة ولكنه قليل الحديث وأخرج له الشيخان والترمذي وابن ماجه وهو يروي عن أبيه.
[ ١ / ٥٥٢ ]
مُسْلِمٍ «١» الطَّوِيلِ فِي ذِكْرِ غَزْوَةِ بُوَاطٍ «٢» قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
«يَا جَابِرُ.. نَادِ الْوُضُوءَ- وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَأَنَّهُ: لَمْ يَجِدْ إِلَّا قَطْرَةً فِي عزلاء «٣» شجب فأتي به ﷺ فَغَمَزَهُ «٤» وَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لا أدري ما هو..» وقال: «نادبجفنة «٥» الرَّكْبِ فَأَتَيْتُ بِهَا فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ..» وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَسَطَ يَدَهُ فِي الْجَفْنَةِ، وَفَرَّقَ أَصَابِعَهُ.. وَصَبَّ جَابِرٌ عَلَيْهِ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ قَالَ: «فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ..» ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ وَاسْتَدَارَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالِاسْتِقَاءِ فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوَوْا.. فَقُلْتُ: «هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ» فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يده من الجنفة وَهِيَ مَلْأَى «٦» وَعَنِ «٧» الشِّعْبِيِّ «٨»: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ بِإِدَاوَةِ
_________________
(١) ثاني غزواته ﷺ وهي سنة اثنين في ربيع الاول.
(٢) وبواط جبال لجهينة على أبراد من المدينة بقرب الينبع.
(٣) عزلاء شجب: أي فم قربة بالية وعزلاء بفتح العين المهملة وسكون الزاي المعجمة ولام بعدها مدة وهمزة وهو فم الراوية ومصب الماء منها وجمعة عزالى بفتح اللام وكسرها وشجب: بفتح الشين المعجمة قيل أو كسرها وسكون الجيم وباء موحدة ما قدم من القرب أو أعواد تعلق عليها القرب ونحوها وجمعه شجب وأشجاب وأصل معناه الهلاك.
(٤) غمزه: عصره وكبسه بيده بيده. وفي نسخة (وغمره) .
(٥) الجفنه: أكبر قصاع الركب.
(٦) وحديث جابر هذا ليس في شيء من الكتب السنة إلا في مسلم على ما صرح به الحلبي وغيره.
(٧) حديثه هذا مرسل وهو حجة عند الجمهور خلاما للشافعي..
(٨) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري أبو عمرو راوية تابعي مشهور بذكائه وهو جليس عبد الملك ونديمه ومن رجال الحديث الثقات توفي في الكوفة سنة ١٠٣ هـ
[ ١ / ٥٥٣ ]
مَاءٍ وَقِيلَ: مَا مَعَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاءٌ غَيْرُهَا.. فَسَكَبَهَا فِي رَكْوَةٍ..
وَوَضَعَ إِصْبُعَهُ وَسَطَهَا وَغَمَسَهَا فِي الْمَاءِ.. وَجَعَلَ النَّاسُ يَجِيئُونَ ويتوضؤون ثُمَّ يَقُومُونَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ «١» .. وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «٢»
وَمِثْلُ هَذَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الْحَفِلَةِ وَالْجُمُوعِ الْكَثِيرَةِ لَا تَتَطَرَّقُ التُّهْمَةُ إِلَى الْمُحَدِّثِ بِهِ.. لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَسْرَعَ شَيْءٍ إلى تكذييه لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يَسْكُتُ عَلَى بَاطِلٍ..
فَهَؤُلَاءِ قَدْ رَوَوْا هَذَا وَأَشَاعُوهُ.. وَنَسَبُوا حُضُورَ الْجَمَّاءِ الْغَفِيرِ لَهُ.. وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ مَا حَدَّثُوا بِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ وشاهدوه.. فصار كتصديق جميعهم له.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (٨١) رقم (٤) .
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٣٨) رقم (٥) .
[ ١ / ٥٥٤ ]
الفصل الرابع عشر تفجير الماء ببركته
وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.. تَفْجِيرُ الْمَاءِ بِبَرَكَتِهِ وَابْتِعَاثُهُ بِمَسِّهِ وَدَعْوَتِهِ.
فِيمَا رَوَى مَالِكٌ «١» فِي الْمُوَطَّإِ «٢» عَنْ «٣» مُعَاذِ «٤» بْنِ جَبَلٍ فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَأَنَّهُمْ وَرَدُوا الْعَيْنَ وَهِيَ تبضّ «٥» بشيء من ماء مثل
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤١» رقم «٣» .
(٢) الموطأ: كتاب ألفه الامام مالك جمع فيه أحاديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. مع أقوال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وسمي موطأ من التوطئة وهو التليين والتمهيد. وقد قال أبو جعفر المنصور للامام عند حجه.. أنه لم يبق من العلماء سواي وسواك.. أما أنا فاشتغلت بالسياسة عن التأليف، وأما أنت فاجعل للناس كتابا في الحديث يرجعون إليه. وتجنب فيه رخص ابن عباس وتشديدات ابن عمر ووطئه للناس توطئة.
(٣) ورواه مسلم. ولكن المؤلف أورده من الموطأ دونه لأن روايته له أعلى سندا عنده أو لترجيح روايته.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٣٧٩) رقم (٣) .
(٥) تبض: تقطر. مضارع بض بزنة رد بموحدة وضاد معجمة مشددة بض الماء إذا سال سيلانا قليلا.
[ ١ / ٥٥٥ ]
الشِّرَاكِ «١» .. فَغَرَفُوا مِنَ الْعَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ «٢» ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَأَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتْ بِمَاءٍ كَثِيرٍ.. فَاسْتَقَى النَّاسُ..
قَالَ في حديث «٣» ابن إسحق «٤»: «فانخرق «٥» من الماء ماله حِسٌّ كَحِسِّ الصَّوَاعِقِ ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى ما هاهنا قد مليء جنانا..»
وفي حديث البراء «٦» .. وسلمة «٧» بْنِ الْأَكْوَعِ.. وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ: وهم أربع عشرة مئة.. وَبِئْرُهَا لَا تَرْوِي خَمْسِينَ شَاةً.. فَنَزَحْنَاهَا «٨» فَلَمْ نترك فيها قطرة.. فقعد رسول
_________________
(١) الشراك: بكسر الشين المعجمة وفتح الراء المهملة وألف وكاف وهو سير النعل الذي يكون على وجهه وشبهه به لقلته وضعف جريانه وليس بمعنى أخدود في الأرض.
(٢) أي في شيء من الأواني التي كانت معهم وليس فيه قلب وإن الأصل غرفوا في شيء حتى اجتمع ماء كثير.
(٣) فيما يرويه أهل المغازي عنه.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٧٣) رقم (٧) .
(٥) اتخزق: بنون وخاء معجمة وراء مهملة وقاف أي انفجر انفجارا شديدا.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (١٤٦) رقم (٤) .
(٧) سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي صحابي من الذين بايعوا تحت الشجرة غزا مع النبي ﷺ سبع غزوات منها الحديبية وخيبر وحنين وكان شجاعا بطلا راميا عداء، وهو ممن غزا أفريقية في أيام عثمان له (٧٧) حديثا وتوفي في المدينة.
(٨) نزحناها: أي أخرجنا جميع ما فيها من الماء بطينة.
[ ١ / ٥٥٦ ]
اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَاهَا «١» قال البراء- وأوتي بِدَلْوٍ مِنْهَا فَبَصَقَ..
فَدَعَا وَقَالَ سَلَمَةُ- فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا.. فَجَاشَتْ «٢» ..
فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وركابهم.. وفي غير هاتين الرِّوَايَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ «٣» فِي الْحُدَيْبِيَةِ: فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَوَضَعَهُ فِي قَعْرِ قَلِيبٍ «٤» لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ.. فَرُوِيَ النَّاسُ حَتَّى ضَرَبُوا بِعَطَنٍ «٥» وَعَنْ «٦» أَبِي قَتَادَةَ «٧» وَذَكَرَ: أَنَّ النَّاسَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ.. فَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ»
فَجَعَلَهَا فِي ضَبْنِهِ «٩» ثُمَّ الْتَقَمَ فَمَهَا.. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.. نَفَثَ فِيهَا أم لا..
فشرب الناس حتى رووا وملؤوا كل إناء معهم.. فخيّل إلي أنها
_________________
(١) جباها: بفتح الجيم والباء الموحدة مقصور وهو فم البئر وما حولها وبالكسر ما جمع فيها من الماء.
(٢) جاشت: أي فار ماؤها حتى ارتفع لفمها من جاشت القدر إذا غلت.
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٢٥١) رقم (٤) .
(٤) قليب: بئر محفورة من غير بناء فإن بنيت فهي طوى ويذكر ويؤنث.
(٥) العطن: هو بفتح العين والطاء المهملنين موضع الإبل حول الماء لتبرك فيه إذا شربت لتعاد إلى الشرب مرة أخرى وهو ضرب مثل للاتساع والاستغناء. والمعنى حتى رووا
(٦) رواه البيهقي عنه.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢٥٩» رقم «٦» .
(٨) الميضأة: بكسر الميم وياء منقلبة عن واو لأنها آلة الوضوء وهي مقصورة وزنها مفعلة وقد تمد فوزنها مفعالة ودعا بمعنى طلب مطهرة ماء الوضوء فأتى بها.
(٩) ضبنه: بكسر الصاد المعجمة وسكون الباء الموحدة والنون وهو ما تحت الإبط قريب من الحضن.
[ ١ / ٥٥٧ ]
كَمَا أَخَذَهَا مِنِّي. وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ رَجُلًا.. وَرَوَى مِثْلَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «١» ..
وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ «٢» حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ:
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِهِمْ مُمِدًّا «٣» لِأَهْلِ مُؤْتَةَ «٤» عِنْدَمَا بَلَغَهُ قَتْلُ الْأُمَرَاءِ- وَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ مُعْجِزَاتٌ وَآيَاتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ- وَفِيهِ إِعْلَامُهُمْ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ الْمَاءَ فِي غَدٍ- وذكر حديث الميضأة- قال- والقوم زهاء ثلاث مئة» .
وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ «٥» . أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: «احْفَظْ عَلَيَّ مِيضَأَتَكَ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ- وَذَكَرَ نَحْوَهُ..» وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ «٦» عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَطَشٌ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِمْ فَوَجَّهَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَعْلَمَهُمَا أَنَّهُمَا يَجِدَانِ امْرَأَةً بِمَكَانِ كَذَا مَعَهَا بَعِيرٌ عَلَيْهِ مَزَادَتَانِ «٧» الْحَدِيثَ فَوَجَدَاهَا وَأَتَيَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.. فَجَعَلَ فِي إِنَاءٍ مِنْ مَزَادَتَيْهَا وقال: فيه: ما شاء الله
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٨» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٣) ممدا: مقويا ومعينا.
(٤) مؤتة: بضم الميم وسكون الواو وهي أرض من البلقاء وقرية بين تبوك وحوران من الشام.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٥٨» رقم «٢» .
(٦) كما في الصحيحين.
(٧) مزادتان: المزادة بفتح الميم ظرف من جلد يحمل فيه الماء كالقربة وهو من الزيادة لأنه زيد فيه جلد مع جلد لا من الزاد.
[ ١ / ٥٥٨ ]
أَنْ يَقُولَ.. ثُمَّ أَعَادَ الْمَاءَ فِي الْمَزَادَتَيْنِ.. ثم فتحت عزاليهما «١» .
وأمر الناس فماؤا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلّا ماؤوه.. قال عمران: ويخيل إِلَيَّ أَنَّهُمَا لَمْ تَزْدَادَا إِلَّا امْتِلَاءً.. ثُمَّ أمر فجمع المرأة مِنَ الْأَزْوَادِ حَتَّى مَلَأَ ثَوْبَهَا.. وَقَالَ: اذْهَبِي فَإِنَّا لَمْ نَأْخُذْ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا.. وَلَكِنَّ اللَّهَ سَقَانَا.. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ..
وَعَنْ سَلَمَةَ «٢» بْنِ الْأَكْوَعِ.. قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مِنْ وُضُوءٍ؟. فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ «٣» فِيهَا نُطْفَةٌ «٤» فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ..
فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا ندغفقه «٥» دغفقة أربع عشرة مئة.
وَفِي حَدِيثِ «٦» عُمَرَ «٧» فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ «٨» .. وَذَكَرَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْعَطَشِ: حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ ليخر يعيره فيعصر فرثه «٩» فيشربه..
_________________
(١) العزال: بكسر اللام جمع عزلاء وهو القربه كما تقدم.
(٢) سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة غزا مع النبي ﷺ سبع غزوات، كان شجاعا بطلا راميا عداء توفي في المدينة سنة ٧٤ هـ.
(٣) الاداوة: بكسر الهمزة ودال مهملة أي إناء صغير من جلد يتخذ للماء.
(٤) نطفة: قليل من الماء.
(٥) ندغفقه: بضم النون وفتح الدال المهملة وسكون الغين المعجمة ثم فاء مسكورة وقاف أي بصبه صبا كثيرا.
(٦) رواه ابن خزيمة في صحيحه. والبيهقي والبزار عنه بسند صحيح.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٨) وهي غزوة تبوك سنة ٩ للهجرة.
(٩) فرثه: ما في كرشه.
[ ١ / ٥٥٩ ]
فَرَغِبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الدُّعَاءِ.. فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتِ «١» السَّمَاءُ فانسكبت «٢» .. فملؤوا مَا مَعَهُمْ مِنْ آنِيَةٍ.. وَلَمْ تُجَاوِزِ الْعَسْكَرَ.
وعن عمر «٣» بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ أَبَا طَالِبٍ «٤» قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَدِيفُهُ بِذِي الْمَجَازِ «٥»: عَطِشْتُ وَلَيْسَ عِنْدِي مَاءٌ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَرَبَ بِقَدَمِهِ الْأَرْضَ فَخَرَجَ الْمَاءُ فَقَالَ اشْرَبْ، وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ.. وَمِنْهُ الْإِجَابَةُ بِدُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ وَمَا جاء به..
_________________
(١) قالت السماء: أي غيمت وظهر فيها سحاب.
(٢) انسكبت: أي انسكب ماؤها.
(٣) عمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي الصحابي المشهور في الاحتجاج بعمر وهذا اختلاف وأقوال والأكثر على الاحتجاج وهو يروي عن أبيه وغيره وأخرج له أربعة من اصحاب السنن وهذا الحديث ليس فيها وتوفي سنة ثمان عشرة ومائة ودفن بالطائف.
(٤) وهو عم النبي ﷺ كان النصير والوالد للرسول الأعظم ولكنه كان على غير الايمان توفي سنة ١٠ للهجرة.
(٥) ذو المجاز: سوق عند عرفة وهو من أسواق الجاهلية.
[ ١ / ٥٦٠ ]
الفصل الخامس عشر تكثير الطّعام ومن معجزاته ﷺ تكثير الطعام ببركته ودعائه
عَنْ «١» جَابِرٍ «٢» أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ «٣» وَسْقِ «٤» شَعِيرٍ.. فَمَا زَالَ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُ حَتَّى كَالَهُ.. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ.. وَلَقَامَ بِكُمْ «٥» ..
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ «٦» أَبِي طَلْحَةَ «٧» الْمَشْهُورُ: وَإِطْعَامُهُ ﷺ
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٣) شطر: الشطر هنا بمعنى النصف وهو أصله ويكون بمعنى البعض مطلقا وبمعنى الجهة كقوله تعالى في سورة البقرة آية (١٥٠) «قول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره» المراد جهته.
(٤) الوسق: بفتح الواو وكسرها وسكون السين المهملة وقاف بمعنى الحمل فيقال وسق بعير أي حمله ثم خص وصار حقيقة عرفية في ستين صاعا بصاعه ﷺ وهو ثلاث مائة وعشرون رطلا حجازية وأربع مائة وثمانون رطلا عراقية على الاختلاف في قدر الصاع والمد فشطره ثلاثون صاعا وعلى الأول مائة وستون رطلا وعلى الثاني مائتان وأربعون رطلا والكلام في المقادير الشرعية مفصل في كتب الفروع.
(٥) أي لكفاكم مدة حياتكم.
(٦) رواه الشيخان.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٨» رقم «٣» .
[ ١ / ٥٦١ ]
ثَمَانِينَ «١» أَوْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَقْرَاصٍ مِنْ شَعِيرٍ.. جَاءَ بِهَا أَنَسٌ «٢» تَحْتَ يَدِهِ- أَيْ إبطه- فأمر بها ففتّت وقال فيها: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ.. وَحَدِيثُ جَابِرٍ»
فِي إِطْعَامِهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَلْفَ رَجُلٍ مِنْ صَاعِ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ «٤» وَقَالَ جَابِرٌ: فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا.. وَإِنَّ بُرْمَتَنَا «٥» لَتَغَطُّ «٦» كَمَا هِيَ.. وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ.. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَصَقَ فِي الْعَجِينِ وَالْبُرْمَةِ وَبَارَكَ.. رَوَاهُ عَنْ «٧» جَابِرٍ سَعِيدُ «٨» بْنُ مِينَاءَ وَأَيْمَنُ «٩» .
وَعَنْ ثَابِتٍ «١٠»: مِثْلُهُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وامرأته.. لم يُسَمِّهِمَا «١١» قَالَ: وَجِيءَ بِمِثْلِ الْكَفِّ.. فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ
_________________
(١) وجزم مسلم في روايته بثمانين رجلا.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١»
(٣) كما رواه البخاري.
(٤) عناق: الأنثى من أولاد الماعز ما لم يتم لها سنة!
(٥) البرمة: بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة ثم ميم وهاء القدر مطلقا أو من حجارة.
(٦) تغط: تغلي من حرارة النار حتى يسمع صوت غليانها.
(٧) حديث سعيد هذا عن جابر في الصحيحين.
(٨) سعيد بن ميناء المكي ابو الوليد مولى البختري ابن أبي ذباب وثقة ابن معين وابو حاتم وابن حبان والنسائي.
(٩) أيمن الحبشي المكي وأمه أم أيمن حاضنة النبي ﷺ ومولاته أخو أسامه بن زيد لأمه استشهد يوم حنين.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٣٤٧» رقم «١» .
(١١) أي الراوي عنهما ممكن جهالتهما لا تغر لكونهما صحابيين.
[ ١ / ٥٦٢ ]
يَبْسُطُهَا فِي الْإِنَاءِ وَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ.. فَأَكَلَ مِنْهُ مَنْ فِي الْبَيْتِ وَالْحُجْرَةِ وَالدَّارِ وَكَانَ ذَلِكَ قَدِ امْتَلَأَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَهُ ﷺ لذلك..
وبقي بعدما شَبِعُوا مِثْلُ مَا كَانَ فِي الْإِنَاءِ.
وَحَدِيثُ «١» أبي أيوب «٢»: أنه صنع لرسول ﷺ وَلِأَبِي «٣» بَكْرٍ مِنَ الطَّعَامِ زُهَاءَ مَا يَكْفِيهِمَا.. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ادْعُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَشْرَافِ الْأَنْصَارِ.. فَدَعَاهُمْ.. فَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوا.. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ سِتِّينَ.. فَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ قال: ادع سبعين.. فأكلوا حتى تركوه وَمَا خَرَجَ مِنْهُمْ أَحَدٌ حَتَّى أَسْلَمَ وَبَايَعَ.. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَأَكَلَ مِنْ طَعَامِي مِائَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا..
وَعَنْ «٤» سَمُرَةَ «٥» بْنِ جُنْدُبٍ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَصْعَةٍ فِيهَا لَحْمٌ فَتَعَاقَبُوهَا مِنْ غَدْوَةٍ حَتَّى اللَّيْلِ يَقُومُ قوم، ويقعد آخرون..
_________________
(١) رواه الطبري والبيهقي.
(٢) خالد بن زيد الانصاري من بني النجار شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد. كان شجاعا تقيا صابرا ولما غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في خلافة أبيه صحبه أبو أيوب غازيا فحضر الوقائع ومرض ودفن في أصل حصن القسطنطينية سنة ٥٢ هـ.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٤) رواه الترمذي والبيهقي وصححاه والنسائي عنه.
(٥) سمرة بن جندب الغزاوي صحابي من الشجعان والقادة. نشأ في المدينة ونزل البصرة وكان واليا عليها أيام زياد وبعده مات بالكوفة سنة ٦٠ هـ.
[ ١ / ٥٦٣ ]
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ «١» عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٢» بْنِ أَبِي بَكْرٍ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً- وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ عُجِنَ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ..
وَصُنِعَتْ شَاةٌ فَشُوِيَ سَوَادُ «٣» بَطْنِهَا قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ مَا مِنَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا وَقَدْ حَزَّ «٤» لَهُ حَزَّةً «٥» من سواد بطنها.. ثمّ جعل منها قَصْعَتَيْنِ فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ، وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ «٦» عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٧» بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ «٨»، وَمِثْلُهُ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «٩»، وَأَبِي «١٠» هُرَيْرَةَ وَعُمَرَ بْنِ الخطاب «١١» ﵃ فَذَكَرُوا مَخْمَصَةً «١٢» أَصَابَتِ النَّاسَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بعض
_________________
(١) رواه الشيخان عنه.
(٢) عبد الرّحمن بن عبد الله أبي بكر الصديق القرشي صحابى ابن صحابي بان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فسماه النبي ﷺ عبد الرّحمن وكان من أشجع قريش وأرماهم بسهم. وكان شاعرا مجيدا مات قبل بيعة يزيد في مكة سنة ٥٣ هـ.
(٣) سواد بطنها: المقصود به كبدها او معاليقها مما في جوفها..
(٤) حز: بفتح الحاء المهملة والزاي المعجمة المشددة والحز هو القطع بالسكين.
(٥) حزة: بضم الحاء المهملة قطعة من لحم.
(٦) رواه ابن سعد والبيهقي عنه.
(٧) عبد الرّحمن بن أبي عمرة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الدارقطني وهو ثقة.
(٨) هو أبو عمرة بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري الصحابي البدري قتل مع علي كرم الله وجهه بصفين.
(٩) تقدمت ترجمته آنفا
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» رواه البخاري عنهما.
(١١) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» كما رواه أبو يعلى بسند جيد.
(١٢) محمصة: بفتح الميمين بينهما خاء معجمة ساكنة ثم صاد مهملة وهي الجوع من الخمص وهو خلو البطن من الطعام أي مجاعة.
[ ١ / ٥٦٤ ]
مَغَازِيهِ.. فَدَعَا بِبَقِيَّةِ الْأَزْوَادِ.. فَجَاءَ الرَّجُلُ بِالْحَثْيَةِ «١» مِنَ الطَّعَامِ وَفَوْقَ ذَلِكَ.. وَأَعْلَاهُمُ «٢» الَّذِي أَتَى بِالصَّاعِ مِنَ التَّمْرِ.. فَجَمَعَهُ عَلَى نِطْعٍ «٣» .. قَالَ سلمة: فخزرته «٤» كَرَبْضَةِ «٥» الْعَنْزِ ثُمَّ دَعَا النَّاسَ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَمَا بقي في الجيش وعاء إلا ملؤوه.. وَبَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ مَا جَعَلَ وَأَكْثَرُ.. وَلَوْ وَرَدَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ لَكَفَاهُمْ.
وَعَنْ «٦» أَبِي هُرَيْرَةَ.. أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَدْعُوَ لَهُ أَهْلَ الصُّفَّةِ..
فَتَتَبَّعْتُهُمْ حَتَّى جَمَعْتُهُمْ.. فوضعت بين أيدينا صحفة»
.. فَأَكَلْنَا مَا شِئْنَا وَفَرَغْنَا وَهِيَ مِثْلُهَا حِينَ وُضِعَتْ إِلَّا أَنَّ فِيهَا أَثَرَ الْأَصَابِعِ.
وَعَنْ «٨» علي بن أبي طالب «٩» ﵁: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبَ وَكَانُوا أَرْبَعِينَ.. مِنْهُمْ قَوْمٌ يأكلون الجذعة «١٠»
_________________
(١) الحثية: بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة والمثناة التحتية ويقال حثوة بالواو لأنه يقال حثا يحثي وحثا يحثو وهو ما يملأ اليدين معا.
(٢) أعلاهم: أي أكثرهم زادا.
(٣) النطع: بكسر النون وفتح الطاء المهملة بزنة عنب بساط من أدم.
(٤) فحزرته: بحاء مهملة وزاي معجمة وراء مهملة أي قدرته بطريق الحدس والتخمين.
(٥) ربضة: براء مهملة مفتوحة وقيل انها مكسورة أي مثل جثتها اذا ربضت.
(٦) رواه ابن أبي شيبة والطبراني في الاوسط بسند جيد.
(٧) الصحفة: اناء بين الصغير والكبير يعد للطعام.
(٨) رواه أحمد والبيهقي بسند جيد.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(١٠) الجذعة: الداخلة في السنة الثانية من الماعز او ما دخل ثمانية أشهر من الضأن
[ ١ / ٥٦٥ ]
وَيَشْرَبُونَ الْفَرَقَ «١» .. فَصَنَعَ لَهُمْ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا.
وَبَقِيَ كَمَا هُوَ. ثُمَّ دَعَا بِعُسٍّ «٢» فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا وَبَقِيَ كَأَنَّهُ لَمْ يُشْرَبْ مِنْهُ..
وَقَالَ «٣» أَنَسٌ «٤»: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ ابْتَنَى بِزَيْنَبَ «٥» أَمَرَهُ «٦» أَنْ يَدْعُوَ لَهُ قَوْمًا سَمَّاهُمْ، وَكُلَّ مَنْ لَقِيتُ «٧» حَتَّى امْتَلَأَ الْبَيْتُ وَالْحُجْرَةُ.. وَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ تَوْرًا «٨» فِيهِ قَدْرُ مُدٍّ مِنْ تَمْرٍ جَعَلَ حَيْسًا «٩» .. فَوَضَعَهُ قُدَّامَهُ وَغَمَسَ ثَلَاثَ أَصَابِعِهِ وجعل القوم
_________________
(١) الفرق: مكيال يسع ثلاثة آصع بكيل الحجاز وقيل انه يسع اثنى عشر صاعا بصاع النبي ﷺ. وذلك ستة عشر رطلا.
(٢) عس: بضم المهملة وتشديد السين المهملة وهو قدح كبير من خشب يروي الثلاثة والأربعة من اللبن.
(٣) رواه الشيخان. واللفظ لمسلم.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٥) زينب بنت جحش بن رئاب الاسدية أم المؤمنين كانت زوجة زيد بن حارثة فطلقها وتزوجها النبي ﷺ وكان اسمها برة فسماها زينب توفيت سنة ٢٠ هـ
(٦) المعروف ان هذه القصة اتفقت في بنائه بصفية. وفي شرح مسلم للخفاجي أن الراوي ادخل قصة في قصة. وقال بعضهم في حديث الصحيح يحتمل انه اتفق الشيثان يعني الشاة والحبس.
(٧) أي أمره أيضا أن يدعو كل من لقي.
(٨) تورا: بمثناة فوقية وواو ساكنة وراء مهملة وهو اناء من صفر او حجارة كالاجانة او كالقدح الذي يشرب فيه.
(٩) حيسا: بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية والسين المهملة وهو تمر خلط بسمن وأقط او دقيق.
[ ١ / ٥٦٦ ]
يَتَغَدَّوْنَ وَيَخْرُجُونَ.. وَبَقِيَ التَّوْرُ نَحْوًا مِمَّا كَانَ.. وَكَانَ الْقَوْمُ أَحَدًا أَوِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ..
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَوْ مِثْلِهَا إن القوم كانوا زهاء ثلاث مائة.. وَأَنَّهُمْ أَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا.. وَقَالَ لِي: ارْفَعْ..
فَلَا أَدْرِي حِينَ وُضِعَتْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رُفِعَتْ.
وَفِي حَدِيثِ «١» جَعْفَرِ «٢» بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ «٣» ﵁:
أَنَّ فَاطِمَةَ «٤» طَبَخَتْ قِدْرًا لِغَدَائِهِمَا وَوَجَّهَتْ عَلِيًّا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَتَغَدَّى معهما.. فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صحفة صحفة..
ثُمَّ لَهُ ﷺ وَلِعَلِيٍّ ثُمَّ لَهَا.. ثُمَّ رَفَعَتِ الْقِدْرَ وَإِنَّهَا لَتَفِيضُ..
قالت: فأكلنا منا مَا شَاءَ اللَّهُ.. وَأَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ «٥» أن يزود أربع مائة رَاكِبٍ مِنْ أَحْمَسَ «٦» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما هي
_________________
(١) رواه ابن سعد منقطعا لان محمدا ووالده لم يدركا عليا فقول الحلبي رواية الباقر عن علي مرسلة فيه نوع مسامحة.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤١٢» رقم «٢» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٦) أحس: بزنة أحمر بحاء وسين مهملتين بينهما ميم اسم قوم من العرب وهم بطن من حنيفة يقال لهم بنو حمس وهو من الحماسة وهي الشدة والصلابة ويقال لقريش الحمس لتصلبهم في دينهم في الجاهلية.
[ ١ / ٥٦٧ ]
إِلَّا أَصْوُعٌ قَالَ: اذْهَبْ.. فَذَهَبَ فَزَوَّدَهُمْ مِنْهُ.. وَكَانَ قَدْرَ الْفَصِيلِ «١» الرَّابِضِ مِنَ التَّمْرِ.. وَبَقِيَ بِحَالِهِ «٢» .. مِنْ رِوَايَةِ دُكَيْنٍ الْأَحْمَسِيِّ.. وَمِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ «٣» ..
وَمِثْلُهُ «٤» مِنْ رِوَايَةِ النُّعْمَانِ «٥» بْنِ مُقَرِّنٍ.. الخبر بعينه إلا أنه قال.. أربع مائة رَاكِبٍ مِنْ مُزَيْنَةَ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ «٦» جَابِرٍ «٧» فِي دَيْنِ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَدْ كَانَ بَذَلَ لِغُرَمَاءِ أَبِيهِ أَصْلَ مَالِهِ فَلَمْ يَقْبَلُوهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي ثَمَرِهَا سَنَتَيْنِ كَفَافُ دَيْنِهِمْ.. فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أن أمره بجذّها «٨» وَجَعْلِهَا بَيَادِرَ فِي أُصُولِهَا.. فَمَشَى فِيهَا وَدَعَا، فَأَوْفَى مِنْهُ جَابِرٌ غُرَمَاءَ أَبِيهِ وَفَضَلَ مِثْلُ مَا كَانُوا يَجِدُونَ كُلَّ سَنَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ.. قَالَ: وَكَانَ الْغُرَمَاءُ يَهُودَ فعجبوا من ذلك.
_________________
(١) الفصيا ولد الناقة الصغير.
(٢) رواه أبو داود.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٤٧» رقم «٧» .
(٤) أخرجه احمد والبيهقي بسند صحيح.
(٥) هو النعمان بن مقرن بن عائذ المزني أبو عمرو صحابي فاتح، كان صاحب لواء مزينة يوم فتح مكة، سكن البصرة ثم تحول الى الكوفة، حارب الهمذاني وهزمه ووجهه عمر غازيا الى أصفهان ففتحها ثم الى نهاوند فاستشهد فيها سنة ٢١ هـ ولما بلغ عمر مقتله دخل المسجد ونعاه الى الناس على المنبر ثم وضع يده على رأسه يبكي.
(٦) رواه البخاري.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٨) بجدها: بفتح جيم وذال معجمة ويجوز اهمالها وكلاهما بمعنى قطع الثمار وجمعها
[ ١ / ٥٦٨ ]
وَقَالَ «١» أَبُو هُرَيْرَةَ «٢» ﵁: أَصَابَ النَّاسَ مَخْمَصَةٌ..
فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ قُلْتُ: شَيْءٌ مِنَ التَّمْرِ فِي الْمِزْوَدِ «٣» .. قَالَ: فَأْتِنِي بِهِ.. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ قَبْضَةً فَبَسَطَهَا وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ.. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ عَشَرَةً.. فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا..
ثُمَّ عَشَرَةً كَذَلِكَ.. حَتَّى أَطْعَمَ الْجَيْشَ كُلَّهُمْ.. وَشَبِعُوا.. قَالَ:
خُذْ مَا جِئْتَ بِهِ وَأَدْخِلْ يَدَكَ وَاقْبِضْ مِنْهُ وَلَا تَكُبَّهُ.. فَقَبَضْتُ عَلَى أَكْثَرِ مِمَّا جِئْتُ بِهِ.. فَأَكَلْتُ مِنْهُ وَأَطْعَمْتُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي «٤» بَكْرٍ وَعُمَرَ «٥» إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ»
فَانْتُهِبَ مِنِّي فَذَهَبَ وَفِي «٧» رِوَايَةٍ فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. وَذُكِرَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَإِنَّ التَّمْرَ كَانَ بِضْعَ عَشْرَةَ تَمْرَةً. وَمِنْهُ أَيْضًا حَدِيثُ «٨» أَبِي هريرة حين أصابه الجوع
_________________
(١) رواه البيهقي عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) المزود: بكسر الميم وهو وعاء الزاد.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٥٩» رقم «٦» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٦) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية من قريش أمير المؤمنين ذو النورين. ثالث الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة. ولد بمكة وأسلم قديما. كان كريما جوادا كثير الحياء تم جمع القرآن في عهده واكثر من الفتح قتل ظلما صبيحة عيد الأضحى وهو يقرأ القرآن في بيته بالمدينة سنة ٣٥ هـ.
(٧) حسنه الترمذي.
(٨) رواه البخاري.
[ ١ / ٥٦٩ ]
فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ قَدْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ أَهْلَ الصُّفَّةِ.. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا اللَّبَنُ فِيهِمْ كُنْتُ أَحَقُّ أَنْ أُصِيبَ مِنْهُ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا فَدَعَوْتُهُمْ.. وَذَكَرَ أَمْرَ النبي ﷺ له أَنْ يَسْقِيَهُمْ، فَجَعَلْتُ أُعْطِي الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَأْخُذُهُ الْآخَرُ حَتَّى رُوِيَ جَمِيعُهُمْ قَالَ- فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَدَحَ.. وَقَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ.. اقْعُدْ فَاشْرَبْ.. فَشَرِبْتُ ثُمَّ قَالَ: اشْرَبْ.. وَمَا زَالَ يَقُولُهَا وَأَشْرَبُ حَتَّى قُلْتُ.. لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا.. فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ «١» ..
وَفِي حَدِيثِ «٢» خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى «٣» أَنَّهُ أَجَزَرَ «٤» النَّبِيَّ ﷺ شَاةً.. وَكَانَ عِيَالُ خَالِدٍ كَثِيرًا.. يَذْبَحُ الشَّاةَ فَلَا تُبِدُّ «٥» عِيَالَهُ عَظْمًا عَظْمًا.. وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أكل من هذه الشاة.. وجعل
_________________
(١) رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي قتادة. وغيرهما عن غيره.
(٢) قال الدلجي: حديثه هذا رواه البيهقي عنه.
(٣) هو أبو خناس وهو خزاعي وله صحبة وروى عنه ابن مسعود وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين ﵂ هاجر الى الحبشة في المرة الثانية فمات في الطريق.
(٤) أجزر هنا أعطى.
(٥) تبد: بفتح المثناة الفوقية وضمها وضم الموحدة وكسرها وفاعله ضمير الشاة يقال يده بموحدة ودال مهملة مشددة يبده اذا فرقه. والمقصود هنا أنهم كثرة يعني أن الشاة اذا فرقت عليهم لا تكفيهم.
[ ١ / ٥٧٠ ]
فَضْلَتَهَا فِي دَلْوِ خَالِدٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ.. فَنَثَرَ ذَلِكَ لِعِيَالِهِ.. فَأَكَلُوا وَأَفْضَلُوا.. ذَكَرَ خَبَرَهُ الدُّولَابِيُّ «١» ..
وَفِي حَدِيثِ الْآجُرِّيِّ «٢» فِي إِنْكَاحِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَلِيٍّ «٣» فَاطِمَةَ «٤» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا بِقَصْعَةٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْدَادٍ.. أَوْ خَمْسَةٍ وَيَذْبَحُ جَزُورًا لِوَلِيمَتِهَا.. قَالَ.. فَأَتَيْتُهُ بِذَلِكَ.. فَطَعَنَ فِي رَأْسِهَا.. ثُمَّ أَدْخَلَ النَّاسَ رُفْقَةً «٥» رُفْقَةً يَأْكُلُونَ مِنْهَا حَتَّى فَرَغُوا.. وَبَقِيَتْ مِنْهَا فَضْلَةٌ.. فَبَرَّكَ فيها وأمر بحملها إلى إِلَى أَزْوَاجِهِ.. وَقَالَ: «كُلْنَ وَأَطْعِمْنَ مَنْ غَشِيَكُنَّ» .
وفي «٦» حديث «٧» أنس ﵁ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ..
فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ «٨» حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تور.. فذهبت به إلى
_________________
(١) هو الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد بن سعيد بن مسلم الأنصاري الرازي الوراق المحدث الجليل صاحب التصانيف روى عنه الكبار كالطبراني وأبو حاتم وتوفي بين مكة والمدينة بالعرج في ذي القعدة سنة عشر وثلاث مائة.
(٢) محمد بن الحسين بن عبد الله أبو بكر الآجري فقيه شافعي محدث ولد ببغداد ثم انتقل الى مكة فتنسك وتوفي فيها سنة ٣٦٠ هـ.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤١٢» رقم «٢» .
(٥) رفقة: بضم الراء وكسرها بمعنى الجماعة المترافقين المتصاحبين.
(٦) رواه الشيخان.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٨) ام سليم بنت ملحات بن خالد الأنصارية أم أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ تزوجت مالك بن النضر في الجاهلية فولدت أنسا في الجاهلية واسلمت مع السابقين-
[ ١ / ٥٧١ ]
رسول الله ﷺ.. فقال: ضَعْهُ وَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا.. وَمَنْ لَقِيتَ فَدَعَوْتُهُمْ.. وَلَمْ أَدَعْ أَحَدًا لَقِيتُهُ إِلَّا دَعَوْتُهُ.. وذكر أنهم كانوا زهاء ثلاث مائة.. حتى الصُّفَّةَ وَالْحُجْرَةَ.. فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: تَحَلَّقُوا عَشْرَةً عَشْرَةً. وَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى الطَّعَامِ فَدَعَا فِيهِ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ.. فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا كُلُّهُمْ.. فَقَالَ لِي ارْفَعْ.. فَمَا أَدْرِي حِينَ وُضِعَتْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رُفِعَتْ وَأَكْثَرُ أَحَادِيثِ هَذِهِ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ فِي الصَّحِيحِ.. وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ هَذَا الْفَصْلِ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ.. رَوَاهُ عَنْهُمْ أَضْعَافُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ثُمَّ مِنْ لَا يَنْعَدُّ بَعْدَهُمْ.. وَأَكْثَرُهَا فِي قِصَصٍ مَشْهُورَةٍ ومجامع مشهورة.. وَلَا يُمْكِنُ التَّحَدُّثُ عَنْهَا إِلَّا بِالْحَقِّ.. وَلَا يَسْكُتُ الْحَاضِرُ لَهَا عَلَى مَا أَنْكَرَ مِنْهَا.
_________________
(١) - الى الاسلام من الأنصار فغضب مالك وخرج الى الشام فمات بها فتزوجت بعده ابا طلحة، اتخذت في حنين خنجرا لنبقر به بطن من يقرب النبي ﷺ من المشركين وقدمت ابنها أنسا لخدمة النبي ﷺ وعمره عشر سنين.
[ ١ / ٥٧٢ ]
الفصل السّادس عشر في كلام الشجر وانقيادها في كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته ﷺ
عَنِ «١» ابْنِ عُمَرَ «٢» قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في سفر. فَدَنَا مِنْهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ.. أَيْنَ تُرِيدُ؟ .. قَالَ: إِلَى أَهْلِي..
قَالَ: هَلْ لَكَ إِلَى خَيْرٍ؟ .. قَالَ: وَمَا هُوَ؟؟. قَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.. وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ..
قَالَ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: هذه الشجرة السّمرة «٣» .
وهي بشاطيء الوادي.. فأقبلت تخدّ «٤» الأرض حتى قامت
_________________
(١) رواه الدارمي والبيهقي والبزار.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٣) السمرة: بفتح السين المهملة وضم الميم وراء مهملة مفتوحة وهي شجرة عظيمة ذات شوكة من الطلح.
(٤) تخد: بمثناة فوقيه وخاء معجمة مضمومة ودال مهملة مشددة أي تشقها ومنه الاخدود
[ ١ / ٥٧٣ ]
بين يديه.. فاستشهدها ثلاثا فشهدت أَنَّهُ كَمَا قَالَ.. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا.
وَعَنْ «١» بُرَيْدَةَ «٢» سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً فَقَالَ لَهُ: قُلْ لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكِ قَالَ: فَمَالَتِ الشَّجَرَةُ عَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا وَبَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا فَتَقَطَّعَتْ عُرُوقُهَا ثُمَّ جَاءَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ تَجُرُّ عُرُوقَهَا مُغْبَرَّةً حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ:
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ إِلَى مَنْبَتِهَا.. فَرَجَعَتْ فَدَلَّتْ عُرُوقَهَا فَاسْتَوَتْ.. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ ائْذَنْ لِي أَسْجُدْ لَكَ.. قَالَ: لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا.. قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أُقَبِّلَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ.. فأذن له.
وفي الصحيح «٣» حَدِيثِ جَابِرِ «٤» بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّوِيلِ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حاجة فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ.. فَإِذَا بِشَجَرَتَيْنِ
_________________
(١) رواه البزار عنه.
(٢) أبو عبد الله بن الحقيب وهو صحابي أسلم قبلى بدر وشهد الحديبة ومات. مرو بخراسان غازيا في أيام معاوية أو يزيد سنة ٢٦٣ هـ.
(٣) صحيح مسلم
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
[ ١ / ٥٧٤ ]
بشاطيء الْوَادِي. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إحداها..
فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ.. فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ «١» الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ.. وَذَكَرَ أَنَّهُ فَعَلَ بِالْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ- حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصِفِ «٢» بَيْنَهُمَا قَالَ التئما عليّ بإذن لله فَالْتَأَمَتَا..
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «٣» فَقَالَ: يَا جَابِرُ قُلْ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ يَقُولُ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، الْحَقِي بِصَاحِبَتِكِ حَتَّى أجلس خلفكما فزحفت حَتَّى لَحِقَتْ بِصَاحِبَتِهَا، فَجَلَسَ خَلْفَهُمَا، فَخَرَجْتُ أَحْضِرُ «٤» وجلست أحدث نفسي. فالتفت فإذا رسول اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا وَالشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقْفَةً فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا يَمِينًا وَشِمَالًا. وروي «٥» أسامه «٦» بن زيد
_________________
(١) المخشوش: بخاء وشينين معجمئين الذي جعل في أنفه عود يربط علية حبل ويشد به الزمام لينقاد.
(٢) المنصف: بفتح الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة أي حل وسط المكان.
(٣) لمسلم وغيره.
(٤) أحضر: بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الضاد المعجمة والراء المهملة أي أسرع في العدو من الحضر بالضم والسكون وهو العدو. وانما فعل ذلك حتى لا يتأذى من قربه رسول الله ﷺ.
(٥) رواه البيهقي وأبو يعلى بسند حسن عنه.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٤١٢» رقم «٣» .
[ ١ / ٥٧٥ ]
نحوه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بعض مغازيه هل؟ - يعني مَكَانًا لِحَاجَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ الْوَادِيَ مَا فِيهِ مَوْضِعٌ بِالنَّاسِ. فَقَالَ: هَلْ تَرَى مِنْ نَخْلٍ أَوْ حِجَارَةٍ؟. قُلْتُ: أَرَى نَخَلَاتٍ مُتَقَارِبَاتٍ. قَالَ: انْطَلِقْ.. وَقُلْ لَهُنَّ.. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَأْتِينَ لِمَخْرَجِ رَسُولِ ﷺ.. وقل للجحا مثل ذلك. فقلت ذلك لهن. فو الذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّخَلَاتِ يَتَقَارَبْنَ حَتَّى اجْتَمَعْنَ، وَالْحِجَارَةَ يَتَعَاقَدْنَ حَتَّى صِرْنَ رُكَامًا خَلْفَهُنَّ.. فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ لِي: قُلْ لَهُنَّ يفترقن..
فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَرَأَيْتُهُنَّ وَالْحِجَارَةَ يَفْتَرِقْنَ حَتَّى عُدْنَ إلى مواضعهن وقال «١» يعلى «٢» بن سيّابة كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ وَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ. وَذَكَرَ فَأَمَرَ وَدِيَّتَيْنِ «٣» فَانْضَمَّتَا..
وَفِي رِوَايَةٍ أَشَاءَتَيْنِ «٤» .. وعن غيلان «٥» بن سلمة الثقفي مثله
_________________
(١) رواه أحمد والبيهقي والطبراني بسند صحيح عنه.
(٢) يعلى بن مرة والده اسمه مرة ووالدته اسمها سيابة وهذان المذكوران واحدا لا اثنان
(٣) وديتين: تثنية ودية بفتح الواو وكسر الدال المهملة والمثناة المشددة قبل الهاء وهي صغار النخل التي تخرج من أصول كبارها فتنقل وتغرس وتسمى فسيلا وفراخا.
(٤) أشاءتين: بفتح الهمزة وكسرها في بعض النسخ خطأ وشين معجمة والف ممدودة وهمزة وتاء تأنيث مثنى أشاءة وهي من صغار النخل أيضا ولكنها أكبر من الودية
(٥) غيلان بن سلمة الثقفي أسلم بعد الطائف وكان شاعرا وتوفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب.
[ ١ / ٥٧٦ ]
فِي شَجَرَتَيْنِ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «١» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ فِي غَزَاةِ حُنَيْنٍ
وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ «٢» وَهُوَ ابْنُ سيابة أَيْضًا وَذَكَرَ أَشْيَاءَ رَآهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّ طَلْحَةَ أَوْ سَمُرَةَ جَاءَتْ فَأَطَافَتْ بِهِ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهَا اسْتَأْذَنَتْ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَيَّ. وَفِي حَدِيثِ «٣» عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ آذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا لَهُ شَجَرَةٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ «٤» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «٥» أَنَّ الْجِنَّ قَالُوا: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ .. قَالَ: هَذِهِ الشَّجَرَةُ.. تَعَالِي يَا شَجَرَةُ..
فَجَاءَتْ تَجُرُّ عُرُوقَهَا.. لَهَا قَعَاقِعُ «٦» .. وَذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَوْ نَحْوَهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: فَهَذَا ابن عمر «٧» وبريدة «٨» وجابر «٩»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢»
(٢) تقدمت ترجمته آنفا.
(٣) في الصحيحين.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٧٠» رقم «١» .
(٥) الذي رواه الشيخان وقد نقل الحافظ العلاء عن أبي زرعة أنه مرسل ولا مضرة فانه عند الجمهور حجه.
(٦) قعاقع: أي صوت قوي كصوت الرحا وهو جمع قعقعة وهي حكاية صوت الحركة من الاجرام الصلبة.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٨) بريدة بن الحصيب بن عبد الله أسلم حين مر به النبي ﷺ مهاجرا وفي الصحيحين أنه غزا مع النبي ﷺ ست عشرة غزوة تحول الى مرو فمات فيها سنة ٦٣ هـ.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
[ ١ / ٥٧٧ ]
وَابْنُ مَسْعُودٍ «١» وَيَعْلَى «٢» بْنُ مُرَّةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ «٣» وَأَنَسُ «٤» بْنُ مَالِكٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ «٥» وَابْنُ عَبَّاسٍ «٦» وَغَيْرُهُمْ.. قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى هذه القصة نفسها أو معناها.. ورواها عَنْهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ أَضْعَافُهُمْ، فَصَارَتْ فِي انْتِشَارِهَا مِنَ الْقُوَّةِ حَيْثُ هِيَ.
وَذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ «٧»: أَنَّهُ ﷺ سَارَ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ لَيْلًا وَهُوَ وَسِنٌ «٨»، فَاعْتَرَضَتْهُ سِدْرَةٌ فَانْفَرَجَتْ لَهُ نِصْفَيْنِ حَتَّى جَازَ بَيْنَهُمَا..
وَبَقِيَتْ على ساقين إلى وقتنا.. وَهِيَ هُنَاكَ مَعْرُوفَةٌ مُعَظَّمَةٌ..
وَمِنْ «٩» ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَرَآهُ حَزِينًا أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ نَعَمْ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي فَقَالَ: أدع تلك الشجرة.. فجاءت تمشي حتى
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٧٦» رقم «٢» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٤١٢» رقم «٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٥٤) رقم (٤) .
(٦) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٧) تقدمت ترجمته في ص (١١٩) رقم (٤) .
(٨) وسن: بزنة حذر والوسن قريب من النعاس وفي فقه اللغة في مراتب النوم أوله النعاس ثم الوسن ثم الترنيق ثم الكرى والغمض ثم التعفيف ثم الاغضاء ثم التهريم ثم الضرار ثم التهجاج وهو الهجوج. يعني أنه ﷺ نعس وهو سائر على دابته بحيث لا يرى ما في طريقه.
(٩) رواه ابن ماجه والدارمي والبيهقي عنه.
[ ١ / ٥٧٨ ]
قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ.. فَعَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا.
وَعَنْ «١» عَلِيٍّ نَحْوَ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا جِبْرِيلَ. قَالَ: اللَّهُمَّ أَرِنِي آيَةً لَا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي بَعْدَهَا فَدَعَا شَجَرَةً وَذَكَرَ مِثْلَهُ..
- وَحُزْنُهُ ﷺ لِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ. وَطَلَبُهُ الْآيَةَ لَهُمْ لَا لَهُ.
وذكر «٢» ابن إسحق «٣» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَى رُكَانَةَ «٤» مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي شَجَرَةٍ دَعَاهَا فَأَتَتْ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ارْجِعِي فَرَجَعَتْ.. وَعَنِ «٥» الْحَسَنِ «٦»: أَنَّهُ ﷺ شكى إِلَى رَبِّهِ مِنْ قَوْمِهِ وَأَنَّهُمْ يُخَوِّفُونَهُ، وَسَأَلَهُ آية يعلم بها أن لا مخافة عليه، فأوحي إليه:
أن ائْتِ وَادِيَ كَذَا فِيهِ شَجَرَةٌ، فَادْعُ غُصْنًا مِنْهَا يَأْتِكَ، فَفَعَلَ فَجَاءَ يَخُطُّ الْأَرْضَ خَطًّا حَتَّى انْتَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَبَسَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ كَمَا جِئْتَ فَرَجَعَ.. فَقَالَ: يَا رَبِّ عَلِمْتُ أَنْ لَا مخافة علي.
_________________
(١) قال السيوطي لم أجده عن علي وانما هو عن جابر رضي الله تعالى عنه.
(٢) مما رواه في سيره ورواه أبو نعيم والبيهقي عن أبي أمامة بسند من طريقين مرفوعا ومرسلا.
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٧٣) رقم (٧) .
(٤) ركانه بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المكي الصحابي الذي أسلم عام الفتح وتوفي بالمدينة في خلافة معاوية ﵁ سنة اثنين وأربعين وكان شديد البأس قويا حسيما معروفا بالقوة في المصارعة بحيث إنه لم يصرعه أحد قط ولم يمس جنبه الأرض مقلوبا قط وقد صح انه ﷺ صارعه فصرعه.
(٥) في حديث رواه البيهقي مرسلا.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٢» .
[ ١ / ٥٧٩ ]
وَنَحْوٌ «١» مِنْهُ عَنْ عُمَرَ «٢» وَقَالَ فِيهِ: أَرِنِي آية لا أبالي من كذبتي بَعْدَهَا، وَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَعَنِ «٣» ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» ﵄ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَعْرَابِيٍّ: «أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ «٥» مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قال: نعم.. فدعاه فجعل ينقز «٦» حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: ارْجِعْ.. فَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ.. خرّجه الترمذي وقال:
هذا حديث صحيح «٧» .
_________________
(١) أي من مروي الحسن كما رواه البزار وأبو يعلى والبيهقي بسند حسن.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٣) رواه البخاري في تاريخه والدارمي والبيهقي مسندا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) العذق: بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة والقاف وهو العرجون من النخلة بما فيه من الشماريخ والعرجون عود العذق الذي تركبه الشماريخ وهي العيدان التي عليها البسر والعذق بالفتح النخلة كلها.
(٦) ينقز: بفتح المثناة التحتية وسكون النون وضم القاف وكسرها وآخره زاي معجمة ومعناه يثب صعدا.
(٧) وقع في أصل الدلجي وغيره حسن صحيح فقيا جمع بينهما لروايته من طريقين إحداهما نقتضي صحته والأخرى حسنة او حسن لذاته صحيح لغيره باعتبار تعاضد وآية، أو حسن لغة صحيح حجة.
[ ١ / ٥٨٠ ]
الفصل السّابع عشر حنين الجذع في قصة حنين الجذع له ﷺ
وَيُعَضِّدُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ حَدِيثُ أَنِينِ الْجِذْعِ.. وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَشْهُورٌ مُنْتَشِرٌ.. وَالْخَبَرُ بِهِ مُتَوَاتِرٌ قَدْ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ «١» ..
وَرَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ: أُبَيُّ «٢» بْنُ كَعْبٍ «٣» وَجَابِرُ «٤» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «٥» وَأَنَسُ «٦» بْنُ مَالِكٍ «٧» وَعَبْدُ «٨» الله بن عمر «٩»
_________________
(١) أي رواه مسندا أصحاب الكتب الستة الصحيحة كالبخاري ومسلم وابن حبان وابن خزيمة وما وصل الى مثلهم بطرق متعددة صحيحة يكون متواترا حقيقة لإجماع من بعدهم على صحتها كما قاله ابن حجر ردا على ابن الصلاح في قوله إن التواتر لا يكاد يوجد في شرح النخبة والمراد بأهل الصحيح من التزم أن يورد في كنابه الأحاديث الصحيحة عنده.
(٢) رواه عنه الشافعي في مسنده وابن ماجه والدارمي.
(٣) أبي بن كعب بن قيس الأنصاري البخاري سيد القراء من أصحاب العقبة الثانية شهد بدرا والمشاهد كلها وكان عمر يسميه سيد المسلمين أخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم وهو أول من كتب للنبي ﷺ مات سنة ٣٠ هـ.
(٤) رواه عنه البخاري.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٤٥» رقم «١»
(٦) رواه عنه الترمذي وصححه.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١»
(٨) رواه عنه البخاري.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
[ ١ / ٥٨١ ]
وَعَبْدُ «١» اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ «٢» وَسَهْلُ «٣» بْنُ سَعْدٍ «٤» وَأَبُو «٥» سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «٦» وَبُرَيْدَةُ «٧» وَأُمُّ «٨» سَلَمَةَ «٩»، وَالْمُطَّلِبُ «١٠» بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ «١١» كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ «١٢»: وَحَدِيثُ أَنَسٍ صَحِيحٌ.
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعِ نَخْلٍ..
فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا.. فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِذَلِكَ الجذع صوتا كصوت العشار «١٣»» .
_________________
(١) رواه عنه أحمد في مسنده بإسناد صحيح على شرط مسلم والدارمي والبيهقي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٣) رواه عنه الشيخان.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٢٣١) رقم (٥) .
(٥) رواه عنه الدارمي.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (٦٣) رقم (١) .
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٥٧٧) رقم (٨) .
(٨) رواه عنها البيهقي.
(٩) تقدمت ترجمتها في ص (٢٨٦) رقم (١٠)
(١٠) رواه عنه أحمد والزبير بن بكار.
(١١) المطلب بن أبي وداعة الحرث بن صبيرة بن سعيد القرشي السهمي كان لدة النبي ﷺ وأسر يوم بدر فقال النبي ﷺ إن له ابنا كيسا تاجرا ذا مال كأنكم به قد جاء في فدء أبيه فكان كذلك.
(١٢) تقدمت ترجمته في ص (١٨١) رقم (٤) .
(١٣) العشار: بكسر العين المهملة وشين معجمة والف وراء مهملة جمع عشراء كنفساء وهي الناقة التي أتى عليها الفحل عشرة أهشر وزال عنها اسم المخاض ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعد وضعها أيضا والمراد خوارها عند وضعها أو عقبه.
[ ١ / ٥٨٢ ]
وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ «حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِخُوَارِهِ «١»» .
وَفِي رِوَايَةِ سَهْلٍ «وَكَثُرَ بُكَاءُ النَّاسِ لِمَا رَأَوْا بِهِ» .
وَفِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ وَأُبَيٍّ «حَتَّى تصدّع وانشق حتى جاءه النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَسَكَتَ. زَادَ غَيْرُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فقد من الذكر» . وذكر غَيْرُهُ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ..
لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ لَمْ يَزَلْ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحَزُّنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ..
فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُفِنَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ» . كَذَا فِي حَدِيثِ المطلب وسهل بن سعد واسحق «٢» عَنْ أَنَسٍ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ سَهْلٍ: «فَدُفِنَتْ تَحْتَ مِنْبَرِهِ.. أَوْ جُعِلَتْ فِي السَّقْفِ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ «فَكَانَ إِذَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَّى إِلَيْهِ فَلَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ أَخَذَهُ أُبَيٌّ فَكَانَ عِنْدَهُ إِلَى أن أكلته الأرض «٣»
_________________
(١) خواره: بضم الخاء المعجمة وفتح الواو بعدها الف وراء مهملة بوزن فعال بضم الفاء وهو بناء مطرد في أسماء الاصوات والخوار في الأصل يختص بصياح البقر ثم توسعوا فيه على أصوات جميع البهائم.
(٢) اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، أخرج له الستة روى عن أبيه وغيره وهو تابعي حجة ثقة أخرج له الأئمة الستة توفي سنة ١٣٢ هـ.
(٣) وقع في رواية (الأرضة) بفتحات وهي دويبة صغيرة تأكل الخشب وغيره من الثياب والكتب، وقال الامام المزني: إن هذه الرواية هي المشهورة عند المحدثين وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى صحيح والأرض فيه إما بمعناها المشهور لأنها تبلي ما يدفن فيها فاستعير له الاكل أو هو بتقدير محذوف أي «دابة الأرض» . وهي تلك المتقدمة بعينها أو مصدر أرض يأرض أرضا إذا أكلته الأرضة. فليس في كلام المصنف ما يعترض به عليه كما توهم.
[ ١ / ٥٨٣ ]
وعاد رفاتا «١»» .. وذكر الإسفرائني «٢»: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَاهُ إلى نفسه فجاءة يَخْرِقُ «٣» الْأَرْضَ فَالْتَزَمَهُ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ» .
وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: فَقَالَ: يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ «إِنْ شِئْتَ أَرُدُّكَ إِلَى الْحَائِطِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ تَنْبُتُ لَكَ عُرُوقُكَ وَيُكْمَلُ خَلْقُكَ، وَيُجَدَّدُ لَكَ خُوصٌ «٤» وَثَمَرَةٌ، وَإِنْ شِئْتَ أَغَرِسُكَ فِي الْجَنَّةِ فَيَأْكُلُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ مِنْ ثَمَرِكَ. ثُمَّ أَصْغَى لَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ:
فقال: بل تَغْرِسُنِي فِي الْجَنَّةِ فَيَأْكُلُ مِنِّي أَوْلِيَاءُ اللَّهِ.. وَأَكُونُ فِي مَكَانٍ لَا أَبْلَى فِيهِ.. فَسَمِعَهُ مَنْ يَلِيهِ.. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ فَعَلْتُ..
ثُمَّ قَالَ: «اخْتَارَ دَارَ الْبَقَاءِ عَلَى دَارِ الْفَنَاءِ» .
فَكَانَ الْحَسَنُ «٥» إِذَا حدث بهذا بكى.. وقال: «يا عباد
_________________
(١) عاد رفاقا: عاد هنا بمعنى صار لا بمعنى رجع لأمر كان عليه وهو أحد معنييه كما بين في كتب اللغة والرفات بوزن غراب براء مهملة وفاء مثناة فوقية وهو ما تكسر وتفرق.
(٢) ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن مهران أبو اسحاق عالم بالفقه والأصول كان يلقب بركن الدين نشأ في اسفرايين ثم خرج الى نيسابور بنيت له فيها مدرسة عظيمة فدرس فيها ورحل الى خراسان وبعض أنحاء العراق واشتهر وكان ثقة في رواية الحديث وله مناظرات مع المعتزلة مات في نيسابور وفن في اسفرايين سنة ٤١٨ هـ.
(٣) يخرق: أي يشق بمشية.
(٤) خوص: بضم الخاء المعجمة وواو ساكنة وصاد مهملة واحده خوصة وهي ورق النخل.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦» رقم «٨» .
[ ١ / ٥٨٤ ]
اللَّهِ.. الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى لِقَائِهِ» ..
رَوَاهُ عَنْ جَابِرٍ «١» حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ «٢» اللَّهِ- وَيُقَالُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَفْصٍ- وَأَيْمَنُ «٣» وَأَبُو نَضْرَةَ «٤» - وَابْنُ الْمُسَيَّبِ «٥» - وَسَعِيدُ «٦» بْنُ أَبِي كَرْبٍ- وَكُرَيْبٌ «٧» - وَأَبُو صالح «٨» .
وراه عن أنس بن مالك «٩» الحسن- وثابت «١٠» - واسحق «١١» بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «١٢» نافع «١٣» وأبو حية «١٤» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٢) حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم لا يثبت له السماع الا من جده.
(٣) أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمرة المخزومي وثقه أبو زرعة وأخرج له البخاري
(٤) المنذر بن مالك العبدي النفري له رواية عن ابن عباس وغيره وأخرج له أصحاب السنن وكان فصيحا ثقة توفي سنة تسعة ومائة.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٢٥٢» رقم «٣» .
(٦) سعيد بن أبي كرب وفي تهذيب التهذيب ابن أبي كريب تابعي وثقه أبو زرعة وابن حبان وقال ابن المديني مجهول.
(٧) كريب بن أبي مسلم مولى بني هاشم تابعي وثقه ابن سعد وابن معين والنسائي وابن حبان توفي في المدينة سنة ٩٨ هـ
(٨) ذكوان السمان تقدمت ترجمته في ص «٤٣٢» رقم «٤» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١»
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٣٤٧» رقم «١»
(١١) تقدمت ترجمته في ص «٥٨٣» رقم «٢»
(١٢) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١»
(١٣) نافع هو مولى عبد الله بن عمرو وشيخ الامام مالك وهو الامام الثقة المشهور أخرج له السنن توفي سنة ١١٧ هـ.
(١٤) حبي الكلبي ابو حية والد أبي جنان كوفي قال ابو زرعة محله الصدق تابعي روى عن ابن عمرو وسعد بن ابي وقاص.
[ ١ / ٥٨٥ ]
وَرَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ وَأَبُو الْوَدَّاكِ «١» عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «٢» وَعَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ «٣» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» وَأَبُو حَازِمٍ «٥»، وَعَبَّاسُ «٦» بْنُ سَهْلٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «٧» وَكَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ «٨» عَنِ الْمُطَّلِبِ «٩» وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ «١٠» عَنْ أَبِيهِ «١١» وَالطُّفَيْلُ بْنُ أُبَيٍّ «١٢» عَنْ أَبِيهِ «١٣» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: فَهَذَا حَدِيثٌ كَمَا تراه خرّجه
_________________
(١) أبو الوداك جبر بن توف البسطاني الكوفي التابعي وثقة ابن معين ورواه ابن حبان في الثقات.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٦٣) رقم (١) .
(٣) عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم ابو عمرو المكي تابعي وثقه ابو داود وابو زرعة وابو حاتم وابن حبان مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٥) مسلمة بن وضاء المخزومي ابو حازم عالم المدينة وقاضيها كان زاهدا عابدا توفي سنة ١٤٠ هـ.
(٦) عباس بن سهيل بن سعد الساعدي أخرج له اصحاب السنن زاد عمره على التسعين توفي حوالي سنة ١١٤ هـ.
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٢٣١) رقم (٥) .
(٨) كثير بن زيد الاسلمي مولى بني سهم كثير الحديث وفي حديثه لين وضعف توفي في أواخر خلافه ابي جعفر حوالي سنة ١٥٨ هـ.
(٩) تقدمت ترجمته في ص (٥٨٢) رقم (١١) .
(١٠) تقدمت ترجمته في ص (٤٠٥) رقم (٥) .
(١١) تقدمت ترجمته في ص (٥٧٧) رقم (٨) .
(١٢) الطفيل بن أبي بن كعب الانصاري الخزرجي ولد على عهد النبي ﷺ وثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان.
(١٣) تقدمت ترجمته في ص (٥٨١) رقم (٣) .
[ ١ / ٥٨٦ ]
أهل الصحة.. ورواه من الصحابة من ذكرنا وَغَيْرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ضِعْفُهُمْ إِلَى مَنْ لَمْ نَذَكُرْهُ.. وَبِدُونِ هَذَا الْعَدَدِ يَقَعُ الْعِلْمُ لِمَنِ اعْتَنَى بِهَذَا الْبَابِ..
وَاللَّهُ الْمُثَبِّتُ عَلَى الصَّوَابِ.
[ ١ / ٥٨٧ ]
الفصل الثامن عشر في سائر الجمادات ومثل هذا في سائر الجمادات
عن «١» ابن مسعود «٢» «لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كُنَّا نَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الطَّعَامَ وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَهُ» «٣» .
وَقَالَ أَنَسٌ «٤»: «أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ كَفًّا مِنْ حَصَى فَسَبَّحْنَ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا التَّسْبِيحَ، ثُمَّ صَبَّهُنَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ «٥» ﵁ فَسَبَّحْنَ ثُمَّ فِي أَيْدِينَا فما سبحن.
_________________
(١) رواه البخاري وأخرجه الترمذي في المناقب وقال حسن صحيح.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٣) أي في رواية الترمذي لا في رواية البخاري.
(٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص (١٥٦) رقم (٦) .
[ ١ / ٥٨٨ ]
وَرَوَى «١» مِثْلَهُ أَبُو ذَرٍّ «٢» وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ «سَبَّحْنَ فِي كَفِّ عُمَرَ «٣» وَعُثْمَانَ «٤» ﵄» وَقَالَ «٥» عَلِيٌّ «٦»: «كُنَّا بِمَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ إِلَى بَعْضِ نواحيها فما اسْتَقْبَلَهُ شَجَرَةٌ وَلَا جَبَلٌ إِلَّا قَالَ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» .
وَعَنْ «٧» جَابِرِ «٨» بْنِ سَمُرَةَ عَنْهُ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ» قِيلَ: «إِنَّهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ» .
وَعَنْ «٩» عَائِشَةَ «١٠» ﵂: «لَمَّا اسْتَقْبَلَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِالرِّسَالَةِ جَعَلْتُ لَا أَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» .
وَعَنْ «١١» جَابِرِ «١٢» بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِحَجَرٍ
_________________
(١) رواه الطبراني والبيهقي والبزار.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٢٨٥) رقم (١) .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٦٩» رقم «٦» .
(٥) رواه الدارمي والترمذي بسند حسن.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٧) رواه مسلم.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٨» .
(٩) في حديث صحيح رواه البزار في سنده.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(١١) رواه البيهقي.
(١٢) تقدمت ترجمته في ص (١٥٤) رقم (١) .
[ ١ / ٥٨٩ ]
وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سَجَدَ «١» لَهُ» . وَفِي حَدِيثِ «٢» العباس «٣»: «إذ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَى بَنِيهِ بِمُلَاءَةٍ «٤» وَدَعَا لَهُمْ بِالسَّتْرِ مِنَ النَّارِ كَسَتْرِهِ إِيَّاهُمْ بِمُلَاءَتِهِ فَأَمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ «٥» الْبَابِ، وَحَوَائِطُ الْبَيْتِ آمِينَ آمِينَ» وَعَنْ «٦» جَعْفَرِ «٧» بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «٨»:
«مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِطَبَقٍ فِيهِ رُمَّانٌ وَعِنَبٌ.. فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَبَّحَ» .. وَعَنْ «٩» أَنَسٍ «١٠»: «صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ «١١» وَعُمَرُ «١٢» وَعُثْمَانُ أحدا فرجف بهم.. فقال:
_________________
(١) أي انخفض حتى حس الأرض على هيئة السجود تواضعا له ﷺ وتعظيما له وتكريما.
(٢) رواه البيهقي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص (١٨١) رقم (١) .
(٤) ملاءة: بميم مضمومة ولام وهمزة ممدودة وهاء وهي الإزار والملحفة.
(٥) أسكفة: بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الكاف وفاء مشددة مفتوحة وهاء وهي القلبه وما يعلوه من الداخل من الباب.
(٦) قال السيوطي لم اجد هذا في كتب الحديث يعني المشهورة. وقال الدلجي لم أدر من رواه وقال القسطلاني في المواهب اللدنية ذكره القاضي عياضي في الشفاء ونقله عنه عبد الحافظ أبو الفضل في فتح الباري وقال ملا على القاري يكفي أنه رواه المصنف وهو من أكابر المحدثين ولولا أن الحديث له أصل لما ذكره.
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٥٥) رقم (٦) .
(٨) تقدمت ترجمته في ص (٣٥٦) رقم (١) .
(٩) رواه أحمد البخاري والترمذي وابن ماجه.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
(١١) تقدمت ترجمته في ص (١٥٦) رقم (٦) .
(١٢) تقدمت ترجمته في ص (١١٣) رقم (٤) .
[ ١ / ٥٩٠ ]
«اثْبُتْ أُحُدُ.. فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» .
وَمِثْلُهُ «١» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٢»: «فِي حِرَاءٍ- وَزَادَ- معه وعلي «٣» وَطَلْحَةُ «٤» وَالزُّبَيْرُ «٥» وَقَالَ: «فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ وَالْخَبَرُ «٦» فِي حِرَاءٍ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: «وَمَعَهُ عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَا فِيهِمْ وَزَادَ- عَبْدَ الرَّحْمَنِ «٧» وَسَعْدًا «٨» قَالَ- وَنَسِيتُ الِاثْنَيْنِ..
وَفِي حَدِيثِ «٩» سَعِيدِ «١٠» بْنِ زَيْدٍ أيضا مثله وذكر عشرة وزاد نفسه وقد روي: أنّه حيز طلبته قريش.. قال له ثبير «١١»: اهبط
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٤) طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي أبو محمد صحابي من العشرة المبشرة والثمانية السابقين الى الاسلام والستة أصحاب الشورى.
(٥) الزبير بن العوام بن خويلد الاسدي القرشي ابو عبد الله الصحابي الشجاع أحد العشرة المبشرين بالجنة وأول من سل سيفه في الاسلام وهو ابن عمه النبي ﷺ أسلم وله ١٢ سنة، شهد بدرا وأحدا وغيرها قتل عليه يوم انصرف من موقعة الجمل سنة ٣٦.
(٦) رواه مسلم والترمذي والنسائي.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢٨١» رقم «٣» .
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٢١٥» رقم «١» .
(٩) رواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي وابن ماجة.
(١٠) سعيد بن زيد بن عمرو بن ثقيل العدوي القرشي صحابى وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة شهد المشاهد كلها إلا بدرا وكان من ذوي الرأي والبسالة توفي في المدينة سنة ٥١ هـ
(١١) ثبير: بثاء مثلثة مفتوحة وموحدة مكسورة ومثناة تحتية ساكنة وراء مهملة جبل بالمزدلفة عن يسار الذاهب الى منى وسمي ثبيرا من الثبور باسم رجل كان يسمى ثبيرا دفن به فسمي باسمه.
[ ١ / ٥٩١ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ.. فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوكَ عَلَى ظَهْرِي فَيُعَذِّبُنِي اللَّهُ..
فَقَالَ حِرَاءٌ: إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ..
وَرَوَى «١» ابْنُ عُمَرَ «٢» ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «٣»» ثُمَّ قَالَ: «يُمَجِّدُ الْجَبَّارُ نَفْسَهُ.. يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ.. أَنَا الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ..
فَرَجَفَ الْمِنْبَرُ «٤» حَتَّى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ «٥» عَنْهُ.
وَعَنِ «٦» ابْنِ عَبَّاسٍ «٧»: «كَانَ حَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ صَنَمٍ مُثَبَّتَةُ الْأَرْجُلِ بِالرَّصَاصِ فِي الْحِجَارَةِ.. فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ عَامَ الْفَتْحِ جَعَلَ يُشِيرُ بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ إِلَيْهَا وَلَا يمسها ويقول:
«جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ «٨» . الْآيَةَ فَمَا أَشَارَ إِلَى وَجْهِ صَنَمٍ إِلَّا وَقَعَ لِقَفَاهُ.. وَلَا لِقَفَاهُ إِلَّا وَقَعَ لِوَجْهِهِ.. حتى ما بقي
_________________
(١) رواه مسلم والنسائي وأحمد في مسنده. وما ذكره المصنف هو رواية أحمد بلفظه
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٣) سوره الأنعام رقم ٩٠.
(٤) أي اهتز واضطرب من مهابة مقاله صلّى الله تعالى عليه وسلم.
(٥) ليخرجن: بفتح اللام والياء وكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء المهملة والنون أي ليسقطن.
(٦) أخرجه الشيخان والبزار والطبراني والبيهقي وأبو يعلى عن جابر وابن مسعود
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٨) «إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا» سورة الاسراء رقم ٨١
[ ١ / ٥٩٢ ]
مِنْهَا صَنَمٌ» وَمِثْلُهُ «١» فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «٢» وَقَالَ: «فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا. «٣» وَيَقُولُ: «جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ «٤» الْباطِلُ وَما يُعِيدُ «٥»»
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُهُ «٦» مَعَ الرَّاهِبِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ.. إِذْ خَرَجَ تَاجِرًا مَعَ عَمِّهِ.. وَكَانَ الرَّاهِبُ لَا يَخْرُجُ إلى أحد فخرج وجعل يتخللهم حتى أخذ بيد رسول ﷺ فَقَالَ: «هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» .. فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ:
«مَا عِلْمُكَ؟» . فَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ ساجدا له ولا يسجد إِلَّا لِنَبِيٍّ» وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: «وَأَقْبَلَ ﷺ وعليه غمامة تظله فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ الْفَيْءُ إِلَيْهِ» .
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٦٥» رقم «٢» .
(٣) يطعنها: يطعن بفتح العين ويجوز ضمها والاول أشهر وأفصح خلافا عن عكس إن ما مر في الرواية السابقة أنه أشار إيها من غير أن يمسها بيده وما فيها من عصا ونحوها وهذه الرواية تقتضي أنه مسها بالعصا ودفعها بها كالطاعن لها فبينهما اختلاف ولذا فسر بعضهم طعنها باشار اليها من غير مس وهو خلاف الظاهر وقيل إنها كانت كثيرة فأشار لبعض منها وطعن بعضا منها فلا تعارض في الروايات.
(٤) الإبداء: الإيجاد ابتداء من غير سبق إيجاد آخر والاعادة: الايجاد مرة بعد مرة أخرى و(ما) هنا جوز فيها أن تكون نافية واستفهامية استفهاما إنكاريا وهو بمعنى النفي أيضا فالمعنى واحد وهو أن الحق ظهر ولم يبق للباطل إبداء ولا إعادة أو ما يبدىء الصنم خلقا ولا يعيده أو لا يبدىء ضرا لأهله في الدنيا ولا يعيده في العقبى.
(٥) سورة سبأ رقم (٤٩) .
(٦) رواه الترمذي والبيهقي.
[ ١ / ٥٩٣ ]
الْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي الْآيَاتِ فِي ضُرُوبِ الحيوانات
عَنْ «١» عَائِشَةَ «٢» ﵂ قَالَتْ: كَانَ عِنْدَنَا دَاجِنٌ «٣» .
فَإِذَا كَانَ عِنْدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرَّ وَثَبَتَ مَكَانَهُ فلم يجيء وَلَمْ يَذْهَبْ.. وَإِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ وَذَهَبَ» .
وَرُوِيَ «٤» عَنْ عُمَرَ «٥»: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي مَحْفَلٍ «٦» مِنْ أَصْحَابِهِ.. إِذْ جاء أعرابي قد صاد ضبّا فقال من هذا؟ ..
_________________
(١) رواه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني والبيهقي والدارقطني وهو صحيح
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم (٥) .
(٣) داجن: بكسر الجيم ما يألف البيت من الحيوان كالشاة والطير مأخوذ من المداجة وهي المخالطة والملازمة.
(٤) روي بصيغة المجهول إشعارا بضعفه فقد قال الحافظ المزي لا يصح إسنادا ولا متنا وقال ابن دحية إنه موضوع لكن قال القسطلاني قد رواه الأئمة فنهايته الضعف لا الوضع فممن رواه الطبراني والبيهقي قال وروي أيضا بأسانيد عن عائشة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما وقال السيوطي إنه ضعيف وليس بموضوع كما قيل.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (١١٣) رقم (٤) .
(٦) محفل: بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الفاء واللام محل يجتمع فيه ناس كثيرون من حفل بمعنى جمع.
[ ١ / ٥٩٤ ]
قَالُوا: نَبِيُّ اللَّهِ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا آمنت بك أو يؤمن بك هَذَا الضَّبُّ.. وَطَرَحَهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ.. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ له: «يَا ضَبُّ.. فَأَجَابَهُ بِلِسَانٍ مُبِينٍ يَسْمَعُهُ الْقَوْمُ جَمِيعًا..
لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا زَيْنَ مَنْ وَافَى الْقِيَامَةَ.. قَالَ: مَنْ تَعْبُدُ؟ ..
قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ عَرْشُهُ.. وَفِي الْأَرْضِ سُلْطَانُهُ.. وَفِي الْبَحْرِ سَبِيلُهُ.. وَفِي الْجَنَّةِ رَحْمَتُهُ.. وَفِي النَّارِ عِقَابُهُ.. قال: فمن أنا؟
قال: رسول رَبِّ الْعَالَمِينَ.. وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ.. وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ صَدَّقَكَ.. وَخَابَ مَنْ كَذَّبَكَ» .. فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ.
وَمِنْ ذلك قصة كلام الذئب المشهور عَنْ «١» أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «٢»:
«بَيْنَا «٣» رَاعٍ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ عَرَضَ الذِّئْبُ لِشَاةٍ مِنْهَا فَأَخَذَهَا مِنْهُ..
فَأَقْعَى «٤» الذِّئْبُ وَقَالَ لِلرَّاعِي.. أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ.. حُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ رِزْقِي.. قَالَ الرَّاعِي: الْعَجَبُ مِنْ ذِئْبٍ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ الْإِنْسِ.. فَقَالَ الذئب: «ألا اخبرك بأعجب من ذلك؟؟.
_________________
(١) رواه أحمد البزار والبيهقي وصححه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٦٣) رقم (١) .
(٣) وفي نسخة (بينما) . على أن ما زائدة كافة وأما الف (بينا) فقيل هي إشباع فلا تمنع الجر وقيل مانعة له منه وهو المشهور عند الجمهور.
(٤) أقعى: ألصق أسته بالأرض ونصب ساقيه وفخذيه ووضع يديه على الأرض.
[ ١ / ٥٩٥ ]
رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ «١» يُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ» .
فَأَتَى الرَّاعِي النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ له: قُمْ فَحَدِّثْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ.. وَالْحَدِيثُ فِيهِ قصة وفيه بعض طول..
وري حَدِيثُ الذِّئْبِ عَنْ «٢» أَبِي هُرَيْرَةَ «٣» .. وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ الذِّئْبُ: «أَنْتَ أَعْجَبُ وَاقِفًا عَلَى غَنَمِكَ وَتَرَكَتْ نَبِيًّا لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهُ عِنْدَهُ قَدْرًا..
قَدْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَأَشْرَفَ «٤» أَهْلُهَا عَلَى أَصْحَابِهِ يَنْظُرُونَ فعالهم.. وَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِلَّا هَذَا الشِّعْبُ «٥» .. فَتَصِيرُ في جُنُودِ اللَّهِ.. قَالَ الرَّاعِي: مَنْ لِي بِغَنَمِي؟ .. قَالَ الذِّئْبُ: أَنَا أَرْعَاهَا حَتَّى تَرْجِعَ.. فَأَسْلَمَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ غَنَمَهُ وَمَضَى.. وَذَكَرَ قِصَّتَهُ وَإِسْلَامَهُ وَوُجُودَهُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَاتِلُ.. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:
_________________
(١) الحرتين: بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين وتاء تأنيث مثنى حرة وهي ثنية مرتفعة ذات حجارة سود كأنها اسودت من الحر والحرتان بالمدينة.
(٢) رواه أحمد والبزار والبيهقي وصححه والبغوي وأبو نعيم بسند صحيح.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) أي أطلع أهل الجنة على أصحابه ينظرون اليهم وهم في صفوف واقفون في القتال كصفوف الملائكة.
(٥) الشعب: بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها موحدة وهو منفرج بين جبلين يعني أنه قريب منك.
[ ١ / ٥٩٦ ]
«عُدْ إِلَى غَنَمِكَ تَجِدْهَا «بِوَفْرِهَا «١»» .. فَوَجَدَهَا كَذَلِكَ وَذَبَحَ لِلذِّئْبِ شَاةً مِنْهَا.
وَعَنْ «٢» أُهْبَانَ بْنِ أَوْسٍ «٣» .. وَأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ وَالْمُحَدِّثَ بِهَا وَمُكَلِّمَ الذِّئْبِ. وَعَنْ «٤» سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ «٥» وَأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا وَسَبَبُ إِسْلَامِهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ «٦» أَبِي سَعِيدٍ «٧» . وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ «٨» مِثْلَ هَذَا أَنَّهُ جَرَى لِأَبِي سُفْيَانَ «٩» بْنِ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ «١٠» بْنِ أُمَيَّةَ مَعَ ذِئْبٍ وَجَدَاهُ أَخَذَ ظَبْيًا فَدَخَلَ الظَّبْيُ الْحَرَمَ فَانْصَرَفَ الذِّئْبُ.. فَعَجِبَا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ الذِّئْبُ: «أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ يَدْعُوكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَتَدْعُونَهُ إِلَى النار» .. فقال أبو سفيان: «واللات
_________________
(١) وفرها: بفتح الواو وسكون الفاء أي بتمامها وكمالها لم ينقص منها شيء من قولهم أرض وفرة لم يرع نباتها.
(٢) رواه البيهقي والبخاري في تاريخه عنه.
(٣) إهبان بن أوس الاسلمي الصحابي نزل الكوفة وتوفي ﵀ في خلافة سيدنا معاوية ﵁.
(٤) على ما في الروض الانف.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٥٦» رقم «٧» .
(٦) الحديث كما في الطبراني الكبير بسند لا بأس به قريب مما هنا.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٣٣٢» رقم «١» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٢٢٩» رقم «١» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٢» رقم «٥» .
[ ١ / ٥٩٧ ]
وَالْعُزَّى لَئِنْ ذَكَرْتَ هَذَا بِمَكَّةَ لَتَتْرُكَنَّهَا خُلُوفًا «١» .
وقد روي قبل هَذَا الْخَبَرِ وَأَنَّهُ جَرَى لِأَبِي «٢» جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَعَنْ «٣» عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ «٤» «لَمَّا تَعَجَّبَ مِنْ كَلَامِ (ضِمَارٍ) «٥» صَنَمِهِ وَإِنْشَادِهِ «٦» الشِّعْرَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ.. فَإِذَا طَائِرٌ سَقَطَ.. فَقَالَ يَا عَبَّاسُ.. أَتَعْجَبُ مِنْ كَلَامِ ضِمَارٍ وَلَا تَعْجَبُ مِنْ نَفْسِكَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَنْتَ جَالِسٌ!! فَكَانَ سَبَبَ إِسْلَامِهِ.
_________________
(١) خلوفا: بضم الخاء المعجمة واللام والفاء مصدر او جمع خالف والمراد تركها خالية من أهلها بان يسلموا جميعا ويرتحلوا له ﷺ لان من سمع مثله لا يتردد في صحة رسالته.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٧٠» رقم «٣» .
(٣) قال السيوطي «حديث عباس بن مرداس رضي الله تعالى عنه في كلام الطائر لم أقف عليه كذا في معجم الطبراني الكبير من حديثه قريب من هذا السند» .
(٤) عباس بن مرداس السلمي من مصر كان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية أسلم ثم حسن اسلامه أمه الخنساء الشاعرة توفي في خلافة عمر نحو سنة ١٨ هـ.
(٥) ضمار: بكسر الضاد المعجمة وتفتح وميم مخففة فألف فراء وهو اسم للصنم الذي كان يعبده مرداس ووسطه.
(٦) سبب إنشاد الشعر أن مرداس لما احتضر قال لابنه عباس أي بني أعبد ضمارا فانه سينفعك ولا يضرك فتفكر عباس يوما عند ضمارا وقال انه حجر لا ينفع ولا يضر ثم صاح باعلى صوته: «يا إلهي الاعلى اهدني للتي هي أقوم فصاح صائح من جوف الصنم: أودى ضمار وكان يعبد مرة قبل البيان من النبي محمد وهو الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهند قل للقبائل من سليم كلها أودى ضمارا وعاش أهل المسجد فحرق عباس ضمارا ولحق بالنبي ﷺ.
[ ١ / ٥٩٨ ]
وَعَنْ «١» جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «٢» ﵄ عَنْ رَجُلٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَآمَنَ بِهِ وَهُوَ عَلَى بَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ.. وَكَانَ فِي غَنَمٍ يَرْعَاهَا لَهُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. كَيْفَ بِالْغَنَمِ؟ .. قَالَ:
«أَحْصِبْ «٣» وُجُوهَهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ ويردها إلى أهلها» . ففعل.. فسارعت كُلُّ شَاةٍ حَتَّى دَخَلَتْ إِلَى أَهْلِهَا وَعَنْ «٤» أَنَسٍ «٥» ﵁: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطَ أَنْصَارِيٍّ، وَأَبُو «٦» بَكْرٍ وعمر «٧» ورجل من الأنصا ﵃ وَفِي الْحَائِطِ غَنَمٌ فَسَجَدَتْ لَهُ.. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ «نَحْنُ أَحَقُّ بِالسُّجُودِ لَكَ مِنْهَا» الْحَدِيثَ «٨» ..
وَعَنْ «٩» أَبِي هُرَيْرَةَ «١٠» ﵁: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطًا فَجَاءَ بِعِيرٌ فَسَجَدَ لَهُ» وَذَكَرَ مثله.
_________________
(١) رواه البيهقي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٣) أحصب: بفتح الهمزة وكسر الصاد أي ارمها في وجهها بالحصباء وهي دقاق الحجارة وصغارها.
(٤) رواه أحمد والبزار بسند صحيح.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٨) وتتمته أنه ﷺ قال له: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد» .
(٩) رواه البزار بسند حسن.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
[ ١ / ٥٩٩ ]
وَمِثْلُهُ فِي الْجَمَلِ.. عَنْ «١» ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ «٢» وَجَابِرِ «٣» بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «٤» وَيَعْلَى «٥» بْنِ مُرَّةَ «٦» وَعَبْدِ «٧» اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ «٨» قَالَ: «وَكَانَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْحَائِطَ إِلَّا شَدَّ «٩» عَلَيْهِ الْجَمَلُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ دَعَاهُ فَوَضَعَ مِشْفَرَهُ «١٠» عَلَى الْأَرْضِ وَبَرَكَ «١١» بَيْنَ يَدَيْهِ فَخَطَمَهُ «١٢» وَقَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ شَيْءٌ إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» وَمِثْلُهُ عَنْ «١٣» عَبْدِ الله «١٤» بن أبي أوفى..
_________________
(١) رواه أبو نعيم.
(٢) صحابي جليل هو غير ابن أبي مالك واستشهد في غزوة أحد.
(٣) رواه أحمد والدارمي والبزار والبيهقي بسند صحيح عنه.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٥) رواه أحمد والحاكم والبيهقي رحمهم الله تعالى بسند صحيح.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٧٦» رقم «٢» .
(٧) رواه مسلم وأبو داود.
(٨) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولد بأرض الحبشة حين هاجر أبواه اليها وكان كريما بليغا توفي في المدينة سنة ٨٠ هـ.
(٩) شد: أسرع وحمل حملة عليه يعني انه كان عقورا هاتجا على كل من استقر به
(١٠) شفره: بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الفاء وراء مهملة وهو في الابل كالشفة في الانسان.
(١١) برك: البروك للجمل كالجلوس للانسان
(١٢) خطمه: أي وضع زمامه الذي يقاد به في رأسه على فمه لأنه برك عنده ﷺ وانقاد له متذللا بعد ما كان لا يطاق.
(١٣) هذا الحديث مذكور في دلائل النبوة لأبي نعيم والبيهقي.
(١٤) هو وأبوه صحابيان رضي الله تعالى عنهما شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ وهو الذي دعا له النبي ﷺ حين اتى اليه بصدقته وقال اللهم صلى على آل أبي أوفى.
[ ١ / ٦٠٠ ]
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ فِي حَدِيثِ الْجَمَلِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُمْ عَنْ شَأْنِهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا ذَبْحَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ أن النبي ﷺ قال لهم:
«أنّه شكى كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ «١»» وَفِي رِوَايَةٍ «٢» «أَنَّهُ شكى إِلَيَّ أَنَّكُمْ أَرَدْتُمْ ذَبْحَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْمَلْتُمُوهُ فِي شَاقِّ الْعَمَلِ مِنْ صِغَرِهِ» .. فَقَالُوا: نَعَمْ..
وفي «٣» قِصَّةِ الْعَضْبَاءِ «٤» وَكَلَامِهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتَعْرِيفِهَا لَهُ بِنَفْسِهَا، وَمُبَادَرَةِ الْعُشْبِ إِلَيْهَا فِي الرَّعْيِ. وَتَجَنُّبِ الْوُحُوشِ عَنْهَا، وَنِدَائِهِمْ لَهَا إِنَّكِ لِمُحَمَّدٍ.. وَإِنَّهَا لَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى مَاتَتْ..
ذَكَرَهُ الْإِسْفَرَائِينِيُّ «٥» وَرَوَى «٦» ابن وهب «٧» «أنّ حمام مكة أظلّت
_________________
(١) العلف: بفتح العين المهملة وفتح اللام فعل بمعنى المفعول والمعلوف يطلق على قوت الدواب من الحبوب وغيرها.
(٢) هذا الحديث أخرجه الطبراني وابن ماجة في سننه في غزوة ذات الرقاع عن جابر وتميم الداري.
(٣) ذكر قصتها مفصلة أبو سعيد في كتاب الشرف وكان له ﷺ نوق أخر كما بينه أصحاب السير.
(٤) العضباء: بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة التحتية والمد وهي اسم ناقة للنبي ﷺ ومعناها المشقوقة الاذن.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٨٤» رقم «٢» .
(٦) قال الدلجى: (وأما قصة العضباء فلم أدر من رواها ولا حديث حمام مكة) وقال الخفاجى: (وهذا الحديث لم يخرجوه) .
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٣٣٢) رقم (١) .
[ ١ / ٦٠١ ]
النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِهَا فدعا لها بالبركة» . وروي «١» عن أنس «٢» زيد بْنِ أَرْقَمَ «٣» وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «٤» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ ليلة الغار شجرة فنبتت تُجَاهَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَتَرَتْهُ، وَأَمَرَ حَمَامَتَيْنِ فَوَقَفَتَا بِفَمِ الْغَارِ» وَفِي حَدِيثٍ «٥» آخر «أنّ الْعَنْكَبُوتَ نَسَجَتْ عَلَى بَابِهِ..
فَلَمَّا أَتَى الطَّالِبُونَ لَهُ وَرَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا:.. «لَوْ كَانَ فِيهِ أَحَدٌ لَمْ تَكُنِ الْحَمَامَتَانِ بِبَابِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ.. فَانْصَرَفُوا..
وَعَنْ «٦» عبد الله بن قرط «٧» .. قرّب إلى النبي ﷺ بَدَنَاتٍ «٨» خَمْسٍ أَوْ ست أو سبع لينحرها يوم عيد فاز دلفن «٩» إِلَيْهِ بِأَيِّهِنَّ يَبْدَأُ.
وَعَنْ «١٠» أُمِّ سَلَمَةَ «١١»: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَحْرَاءَ فنادته ظبية
_________________
(١) رواه ابن سعد والبزار والطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن أنس وزيد بن أرقم المغيرة بن شعبة.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٤٧) رقم (١) .
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٤٠٤) رقم (١٢) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٢٨٥) رقم (٦) .
(٥) رواه ابن سعد والبزار والطبراني والبيهقي وأبو نعيم عَنْ أَنَسٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شعبة.
(٦) رواه الحاكم والطبراني وأبو نعيم مسندا.
(٧) صحابي شمالي امير حمص من قبل معاوية أخرج له أصحاب السنن وأحمد وغيرهم قتل بارض الروم سنة ٥٦ هـ.
(٨) بدنات بفتحتين جمع بدنة وهي ما يعد للنحر من الابل او البقر وسميت بدنه لعظمها وسمنها.
(٩) ازدلفن: اقتربن.
(١٠) رواه البيهقي في دلائل النبوة من طرق وصنفه جماعة من الأئمة حتى قال ابن كثير لا أصل له وأن من نسبه الى النبي ﷺ فقد كذب لكن طرقه بقوي بعضها بعضا وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في الدلائل بإسناده فيه مجاهيل عن أم سلمة نحو ما ذكره المصنف وكذا رواه الطبراني بنحوه وساقه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب من باب الزكاة.
(١١) تقدمت ترجمته في ص (٢٨٦) رقم (١) .
[ ١ / ٦٠٢ ]
يا رسول الله.. قال: «ما حاجتك؟.» قال: صَادَنِي هَذَا الْأَعْرَابِيُّ وَلِي خِشْفَانِ «١» فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ فَأَطْلِقْنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُرْضِعَهُمَا وَأَرْجِعَ قَالَ: «أو تفعلين؟ ..» قَالَتْ: «نَعَمْ..» فَأَطْلَقَهَا فَذَهَبَتْ وَرَجَعَتْ، فَأَوْثَقَهَا، فَانْتَبَهَ الْأَعْرَابِيُّ وَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَكَ حَاجَةٌ؟ ..» قَالَ: «تُطْلِقُ هَذِهِ الظَّبْيَةَ» .. فَأَطْلَقَهَا فَخَرَجَتْ تَعْدُو فِي الصَّحْرَاءِ وَتَقُولُ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ..
وَمِنْ هَذَا الباب ما روي «٢» من نسخير الْأَسَدِ لِسَفِينَةَ «٣» مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ وَجَّهَهُ إِلَى مُعَاذٍ «٤» بِالْيَمَنِ فَلَقِيَ الْأَسَدَ فَعَرَفَهُ أَنَّهُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ كِتَابُهُ فَهَمْهَمَ «٥» وتنحى عن الطريق
_________________
(١) خشفان: مثنى خشف بكسر الخاء المعجمة وسكون الشين المعجمة بوزن طفل وهو الظبي الصغير الذي ولدته أمه.
(٢) قال السيوطي: (لم أقف على هذا الحديث هكذا) وقال الدلجى: (لم أدر من رواه كذا) وأخرج البيهقي أنه وقع لسفينه حين ضل عن الجيش بارض الروم إلا أن البخاري ذكره في تاريخه كما قال المصنف فلا اعتراض عليه وقال القاري؛ (يحمل على تعدد المواقعة كما يشير اليه قول المصنف وفي رواية أخرى عنه (أي عن سفينة) .
(٣) أسمه رومان وسماه النبي ﷺ سفينة لأنه رآه في بعض أسفاره حاملا لامتعته فقال: إنما أنت سفينة وهو من خدمته ﷺ روى عنه مسلم وغيره من اصحاب السنن.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣٣٩» رقم «٣» .
(٥) همهم: الهمهمة: صوت لا يفهم وقيل صوت فيه بحة.
[ ١ / ٦٠٣ ]
وَذَكَرَ فِي مُنْصَرَفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ «١» أُخْرَى عَنْهُ: أَنَّ سَفِينَةً تَكَسَّرَتْ بِهِ فَخَرَجَ إلى جزيرة فإذا الأسد.. فقلت: «أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.. فَجَعَلَ يَغْمِزُنِي «٢» بِمَنْكِبِهِ حَتَّى أَقَامَنِي عَلَى الأرض» . وأخذ «٣» ﵊ بِأُذُنِ شَاةٍ لِقَوْمٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بَيْنَ أصبعيه.. ثُمَّ خَلَّاهَا فَصَارَ لَهَا مِيسَمًا «٤» وَبَقِيَ ذَلِكَ الْأَثَرُ فِيهَا وَفِي نَسْلِهَا بَعْدُ..
وَمَا رُوِيَ «٥» عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمَّادٍ «٦» بِسَنَدِهِ مِنْ كَلَامِ الحمار
_________________
(١) رواها البزار والبيهقي وصححها السيوطي في تخريجه.
(٢) يغمزني: لسكون الغين المعجمة وكسر الميم وضمها وزاي معجمة وأصل الغمز الإشارة بالجفن فتجوز به عن الدفع الخفيف بقرينة قوله (بمنكبه) بفتح الميم وكسر الكاف وهو رأس الذراع وما بين الكتف والعنق.
(٣) قال الدلجي (لا أدري من رواه) .
(٤) ميسما: بكسر الميم وفتح السين أصله موسم فقلبت واوه ياء من الوسم وهو الكي فهو اسم آلة الكي من الحديد فأطلقت على العلامة وأثرها مجازا
(٥) هذا الحديث رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي منظور وقال لا أصل له وإسناده ليس بشيء وذكره ابن الجوزي في الموضوعات قال القاري «قلت قصة يعفور ذكرها غير القاضي فقد نقلها السهيلي في روضة عن ابن فورك في كتاب الفصول، قال السهيلي: (وزاد الجويني، أن النبي ﷺ كان إذا أراد أحدا من أصحابه أرسل هذا الحمار إليه فيذهب حتى يضرب برأسه الباب فيخرج الرجل فيعلم ان قد أرسل إليه النبي ﷺ، وفي رواية فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ اليه أن أجب رسول الله ﷺ) هذا وقد أخرجه ابن عساكر عن أبي منظور وله صحبة نحو ما سبق وقال هذا حديث عريب وفي إسناده غير واحد من المجهولين ورواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل
(٦) لعله ابراهيم بن محمد بن عبد الرّحمن الرؤاسي الكوفي أبو اسحاق وثقه ابن معين وابو حاتم والنسائي مات سنة ١٧٨.
[ ١ / ٦٠٤ ]
الذي أصابه بخيبر وقال له: ما اسمك قال: «اسْمِي يَزِيدُ بْنُ شِهَابٍ «١» فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعْفُورًا وَأَنَّهُ كَانَ يُوَجِّهُهُ إِلَى دُورِ أَصْحَابِهِ فَيَضْرِبُ عَلَيْهِمُ الْبَابَ بِرَأْسِهِ وَيَسْتَدْعِيهِمْ..
وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَاتَ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ «٢» جَزَعًا وَحُزْنًا «٣» فَمَاتَ.
وَحَدِيثُ «٤» «النَّاقَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِصَاحِبِهَا أَنَّهُ مَا سرقها وأنّها ملكه» .
وفي حديث «٥» «الْعَنْزِ الَّتِي أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عَسْكَرِهِ وَقَدْ أَصَابَهُمْ عَطَشٌ ونزلوا على غير ماء.. وهم زهاء ثلاثمئة فَحَلَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَرْوَى الْجُنْدَ ثُمَّ قَالَ لِرَافِعٍ «٦» امْلِكْهَا وَمَا أَرَاكَ «٧» فَرَبَطَهَا فَوَجَدَهَا قَدِ انْطَلَقَتْ «٨» رَوَاهُ ابْنُ قانع «٩»
_________________
(١) وقال: إنه من نسل ستين حمارا كلها لم يركبها إلا نبي، وقال له: كنت اتوقع أن تراكبني إذ لم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك وكنت ليهودي وكنت اعثر به عمدا فكان يجيعني ويضربني.
(٢) بئر كانت بالمدينة معروفة لأبي الهيثم بن التيهان فكانت البئر قبره.
(٣) حزنا بفتحتين او بضم فسكون.
(٤) رواه الطبراني عن زيد بن ثابت بسند فيه مجاهيل والحاكم عن ابن عمر وقال الذهبي إنه موضوع وفيه نظر.
(٥) أخرجه ابن سعد والبيهقي وابن عدي عن سعد مولى أبي بكر رضي الله تعالى عنه
(٦) يقول الشراح: مولى النبي ﷺ ومولاه ابو رافع وقد تقدمت ترجمته في ص «١٩٦» رقم «٢» .
(٧) أراك: بضم الهمزة أي ما أظنك تملكها وتحفظها.
(٨) أي ذهبت وغابت عنه بحيث لم يدر أحد عنها.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٣٤٠» رقم «١» .
[ ١ / ٦٠٥ ]
وَغَيْرُهُ وَفِيهِ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الَّذِي جَاءَ بِهَا هُوَ الَّذِي ذَهَبَ بِهَا» .
وَقَالَ لِفَرَسِهِ ﵇ وَقَدْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ: «لَا تَبْرَحْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ حَتَّى نَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِنَا» وَجَعَلَهُ قِبْلَتَهُ.. فَمَا حَرَّكَ عُضْوًا حتى صلّى ﷺ.
ويلحق بِهَذَا.. مَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ «١» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَ رُسُلَهُ إِلَى الْمُلُوكِ فَخَرَجَ سِتَّةُ نَفَرٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.. فَأَصْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الْقَوْمِ الَّذِينَ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ وَقَدْ جِئْنَا مِنْهُ بِالْمَشْهُورِ وَمَا وقع في كتب الأئمة..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٥١» رقم «٣» .
[ ١ / ٦٠٦ ]
الفصل العشرون إحياء الموتى في احياء الموتى وكلامهم وكلام الصِّبْيَانِ وَالْمَرَاضِعِ وَشَهَادَتِهِمْ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ ﷺ
عَنْ «١» أَبِي «٢» هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً «٣» سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ فقال: ارفعوا أيديكم فإنّها أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ.. فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ «٤» .. وَقَالَ لِلْيَهُودِيَّةِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟ ..
قَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صنعت.. وإن كنت ملكا
_________________
(١) وقع هذا الحديث في رواية سعيد عن ابن الاعرابي عن أبي داود مسندا موصولا وعند باقي الرواة عن أبي سلمة وليس فيه أبو هريرة فهو مرسل.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) مصلية: بفتح الميم وكسر اللام وياء تحتية مشددة وأصلها مصلوية فقلبت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها أي مشوية من صلاه بالنار إذا شواه.
(٤) بشر بن البراء صحابي خزرجي شهد العقبة وبدرا سودة النبي ﷺ على بني نضله، قيل انه مات في الحال وقيل بعد أن مرض سنة.
[ ١ / ٦٠٧ ]
أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا فَقُتِلَتْ وَقَدْ رَوَى «١» هَذَا الْحَدِيثَ أَنَسٌ «٢» وَفِيهِ:
قَالَتْ: أَرَدْتُ قَتْلَكَ فَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلِكَ..
فَقَالُوا نَقْتُلُهَا قَالَ: لَا «٣»
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ وَهْبٍ «٤» قَالَ:
«فَمَا عَرَضَ لَهَا» .
وَرَوَاهُ «٥» أَيْضًا جابر بن «٦» عبد الله وفيه «أخبرتني به هَذِهِ الذِّرَاعُ» .. قَالَ: «وَلَمْ يُعَاقِبْهَا» .
وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ «٧» .. «أَنَّ فَخِذَهَا تُكَلِّمُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» ..
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ «٨» بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَالَتْ: «إني مسمومة»
_________________
(١) كما في الصحيحين.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) أي لا تقتلوها: لعل هذا كان قبل موت بشر بن البراء وبهذا يجمع بين هذه الرواية وبين رواية أبي هريرة أنه قتلها وبه يجاب عما قيل انه مشكل لأنه كيف يعفي عنها مع قتلها للبراء إلا أن يقال أن البراء عفا عنها أو على أنه لا يقتل بالسم وإنما يستحق الدية على ما فصل في كتب الفقه.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٦٢» رقم «١» .
(٥) روى مثله أبو داود والبيهقي.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٦» رقم «٨» .
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٦» رقم «٣» .
[ ١ / ٦٠٨ ]
وكذلك ذكر الخبر ابن اسحق «١» وَقَالَ فِيهِ: «فَتَجَاوَزَ عَنْهَا» .
وَفِي الْحَدِيثِ «٢» الْآخَرِ عن أنس «٣» انه قَالَ: «فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ «٤» رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
وَفِي حَدِيثِ «٥» أَبِي هُرَيْرَةَ «٦» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال في مرجعه:
الَّذِي مَاتَ فِيهِ: مَا زَالَتْ أَكْلَةُ «٧» خَيْبَرَ تعادّني «٨» .. فالآن أوان قطعت أبهري «٩» .
وقال ابن إسحق إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَيَرَوْنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ شَهِيدًا مَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ..
وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ «١٠» أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٧» .
(٢) رواه الشيخان.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٤) لهوات: بفتح اللام والهاء جمع لهاة وهي اللحمة المعلقة في سقف أفصى الفم.
(٥) رواه ابن سعد وهو الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٧) أكلة: بصم الهمزة وفتح الكاف واللام.
(٨) تعادني: بضم التاء وتشديد الدال أي يرادوني ويراجعني وياودني ألم سمها في أوقات معينه لها وهو مأخوذ من العداد بكسر العين وهو اهنياج وجع اللديغ لوقت معلوم فانه اذا تمت له سنة من حين اللدغ هاج به الألم.
(٩) أبهري: بفتح الهمزة وسكون التاء الموحدة وفتح الهاء وكسر الراء عرق يكتنف الصلب والقلب اذا قطع لم يبق معه حياة وهو الذي يمند الى الحلق فيسمى الوريد والى الطهر فيسمى الوتين.
(١٠) محمد بن عبد السلام بن سعيد التنوخي فقيه مالكي مناظر كثير التصانيف توفي بالساحل ونقل الى القيروان فدفن فيها سنة ٢٥٦ هـ ورثي بثلاثمائة مرثية.
[ ١ / ٦٠٩ ]
قَتَلَ الْيَهُودِيَّةَ الَّتِي سَمَّتْهُ «١» .
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ وَفِي رِوَايَةِ «٢» ابْنِ عَبَّاسٍ «٣» ﵄» أَنَّهُ دَفَعَهَا لِأَوْلِيَاءِ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ «٤» فقتلوها» وكذلك قد اختلف في قتله الذي سَحَرَهُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ «٥» «وَعَفْوُهُ عَنْهُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا» .. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ قَتَلَهُ» ..
وَرَوَى الْحَدِيثَ الْبَزَّارُ «٦» عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «٧» فَذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ «فَبَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: كلوا بسم الله فأكلنا..
***
_________________
(١) رواه أبو داود عن أبي سلمة مرسلا ووصله البيهقي عن أبي هريرة.
(٢) رواه ابن سعد.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٠٧» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٥٥» رقم «٣» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣٥٥» رقم «٤» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .
[ ١ / ٦١٠ ]
وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ- فَلَمْ تَضُرَّ مِنَّا أَحَدًا «١»» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: وَقَدْ خَرَّجَ حَدِيثَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ أَهْلُ الصَّحِيحِ.. وَخَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ وَهُوَ حديث مشهور واختلف أئمة أهل النَّظَرِ فِي هَذَا الْبَابِ.
- فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: هُوَ كَلَامٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ، أَوِ الْحَجَرِ، أَوِ الشَّجَرِ. وَحُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِيهَا وَيُسْمِعُهَا مِنْهَا دُونَ تَغْيِيرِ اشكالها ونقلها عن هيئتها وهو مذهب أَبِي الْحَسَنِ «٢» وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ «٣» رَحِمَهُمَا اللَّهُ- وَآخَرُونَ ذَهَبُوا إِلَى إِيجَادِ الْحَيَاةِ بِهَا أَوَّلًا ثم الكلام بعده.
_________________
(١) قال ملا علي القارىء في شرح الشفاء «عن الحافظ ابن حجر أنه منكر ذكره الدلجي ولعل وجه الانكار عموم نفي الاضرار مع أنه ثبت في الصحيح موت البراء منه كما سبق به التصريح وكذا تقدم أنه ﷺ تضرر منها الى ان توفي بسببها وحصل له مرتبة الشهادة بها هذا والحديث رواه الجزري أيضا في الحصن الحصين بلفظ وأمر الصحابة في الشاة المسمومة التي أهدتها اليه اليهودية أن أذكروا اسم الله وكلوا فأكلوا ولم يصب أحدا منهم شيء وأسنده الى مستدرك الحاكم قال صاحب السلاح رواه الحاكم في مستدركه عن ابي سعيد الخدري وقال صحيح الاسناد انتهى لكن قال بعض مشايخنا وفيه تأمل لا يخفى إذ المشهور بين أصحاب الحديث وأرباب السير أنه لم يأكل من تلك الشاة المسمومة أحد من الصحابة إلا بشر بن البراء أكل منها لقمة ومات منها وأمر النبي ﷺ باحراق تلك الشاة ودفنها تحت التراب واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولي لبني بياضة من الانصار والله ﷾ أعلم» أهـ.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣٨١» رقم «٢» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٣٨٥» رقم «١» .
[ ١ / ٦١١ ]
وَحُكِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ وَكُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ..
إِذْ لَمْ نَجْعَلِ الْحَيَاةَ شَرْطًا لِوُجُودِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ إِذْ لَا يَسْتَحِيلُ وَجُودُهَا مَعَ عَدَمِ الْحَيَاةِ بِمُجَرَّدِهَا فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عِبَارَةً عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ.. فَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْحَيَاةِ لَهَا إِذْ لَا يُوجَدُ كَلَامُ النَّفْسِ إِلَّا مِنْ حَيٍّ خِلَافًا للجبّائي «١» من بيز سَائِرِ مُتَكَلِّمِي الْفِرَقِ فِي إِحَالَةِ وُجُودِ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ وَالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ إِلَّا مِنْ حَيٍّ مُرَكَّبٍ عَلَى تَرْكِيبِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ النُّطْقُ بِالْحُرُوفِ والأصوات والتزم ذلك في الحصا وَالْجِذْعِ وَالذِّرَاعِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِيهَا حياة وخرو لَهَا فَمًا وَلِسَانًا وَآلَةً أَمْكَنَهَا بِهَا مِنَ الْكَلَامِ.
- وَهَذَا لَوْ كَانَ لَكَانَ نَقْلُهُ وَالتَّهَمُّمُ «٢» بِهِ آكَدُ «٣» مِنَ التَّهَمُّمِ بِنَقْلِ تَسْبِيحِهِ «٤» أَوْ حنينه «٥»
_________________
(١) أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام من متقدمي أئمة المعتزلة كان بارعا في علم الكلام. اخذ عنه الاشعري لمدة أربعين سنة ثم انقلب عليه وصار امام أهل السنة وله معه مناظرات مستحسنة توفي الجبائي سنة ٣٠٣ هـ.
(٢) أي الاهتمام بنقله.
(٣) لكونه أغرب وأعجب فنقله أهم.
(٤) أي تسبيح الحصى في يديه ﷺ.
(٥) أي حنين الجذع.
[ ١ / ٦١٢ ]
- وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالرِّوَايَةِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِ دَعْوَاهُ..
- مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ فِي النَّظَرِ «١» وَالْمُوَفِّقُ اللَّهُ. وَرَوَى «٢» وَكِيعٌ «٣» رَفْعَهُ عَنْ فَهْدِ بْنِ عَطِيَّةَ «٤»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ قَدْ شَبَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ فَقَالَ: مَنْ أَنَا؟ .. فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ.
وَرُوِيَ «٥» عَنْ مُعَرِّضِ بْنِ «٦» مُعَيْقِيبٍ رَأَيْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَجَبًا جِيءَ بصي يوم ولد فذكر مثله. وهو مُبَارَكِ الْيَمَامَةِ «٧» وَيُعْرَفُ بِحَدِيثِ شَاصُونَةَ «٨» اسْمُ رَاوِيهِ وَفِيهِ
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقْتَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ.. ثُمَّ إِنَّ الغلام لم
_________________
(١) أي في نظر العقل وخبر النقل إذ المقام مقام خرق العادة وهو انما يكون على وفق القدرة والارادة وهو ﷾ على كل شيء قدير.
(٢) حديث رواه البيهقي.
(٣) وكيع بن الجراح بن ملح الرواسي ابو شعبان حافظ ثبت، محدث العراق في عصره امتنع ورعا عن قضاء الكوفة حين أراد الرشيد على ذلك توفي سنة ١٩٧ هـ.
(٤) صرح العلماء بعدم معرفته.
(٥) رواه البيهقي وابن عساكر وقال ابن دحبة إنه موضوع وقال الخفاجي في معرض ذكره عن وضع الحديث «هذا لم يسلم» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٤٧» رقم «١» .
(٧) كان ذلك الولد يسمى مبارك اليمامة لقوله ﷺ له بارك الله فيك.
(٨) شاصونه بن عبيد ابو محمد اليمامي.
[ ١ / ٦١٣ ]
يَتَكَلَّمْ بَعْدَهَا حَتَّى شَبَّ فَكَانَ يُسَمَّى مُبَارَكَ «١» اليمامة وكانت هذه الفصة بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَعَنِ «٢» الْحَسَنِ «٣» أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ له أَنَّهُ طَرَحَ بُنَيَّةً لَهُ فِي وَادِي كَذَا.. فَانْطَلَقَ مَعَهُ إِلَى الْوَادِي.. وَنَادَاهَا بِاسْمِهَا يَا فُلَانَةُ.. أَجِيبِي بِإِذْنِ اللَّهِ.. فَخَرَجَتْ وَهِيَ تَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ.. فَقَالَ لَهَا: إِنَّ أَبَوَيْكِ قَدْ أَسْلَمَا.. فَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أَرُدَّكِ عَلَيْهِمَا.. قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِمَا وَجَدْتُ اللَّهَ خَيْرًا لي منهما
_________________
(١) سمي مبارك اليمامة لكونه ﷺ دعا له بالبركة ضيف الى اليمامة لانه كان من أهلها، وفي القاموس أن اليمامة جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام وبلاد الجوف منسوبة اليها سميت باسمها وهي اكثر نخيلا من سائر الحجاز وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة هذا وقد جمع الجلال السيوطي رحمه الله تعالى جميع من تكلم وهو صغير في هذه الابيات: تكلم في الهد النبي محمد ويحي وعيسى والخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مربا لأمه التي يقال لها تزني ولا تتكلم وما شطة في عهد فرعون طفلها وفي زمن الهادي المبارك يختم
(٢) ذكر الدلجي أن الحديث عن الحسن لم يعلم من رواه ويذكر ملا علي القاري في شرح الشفاء «رأيت الحديث في دلائل البيهقي صريحا في إحيائها حيث ذكر أنه ﷺ دعا رجلا الى الاسلام فقال لا أومن بك حتى تحيي لي ابنتي فقال ﷺ: «أرني قبرها» فأراه إياه فقال ﷺ: «فلانة» قالت: «لبيك وسعديك» فقال ﷺ: «أتحبين أن ترجعي الى الدنيا» فقالت: «لا والله يا رسول الله إني وجدت جوار الله خيرا لي من جوار أبوي، ووجدت الآخرة خيرا من الدنيا» .
(٣) الحسن هو البصري تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
[ ١ / ٦١٤ ]
وَعَنْ «١» أَنَسٍ «٢» أَنَّ شَابًّا مِنَ الْأَنْصَارِ تُوُفِّيَ وَلَهُ أُمٌّ عَجُوزٌ عَمْيَاءُ..
فَسَجَّيْنَاهُ «٣» وَعَزَّيْنَاهَا.. فَقَالَتْ: مَاتَ ابْنِي؟ .. قُلْنَا: نَعَمْ..
قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى رسولك رَجَاءَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَى كُلِّ شِدَّةٍ فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَيَّ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ فَمَا بَرِحْنَا أَنْ كَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَطَعِمَ وَطَعِمْنَا «٤» .
وَرُوِيَ «٥» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ «٦» كُنْتُ فِيمَنْ دَفَنَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ «٧» بْنِ شَمَّاسٍ. وَكَانَ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ.. فَسَمِعْنَاهُ حِينَ أَدْخَلْنَاهُ الْقَبْرَ يَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.. أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عُمَرُ الشَّهِيدُ، عُثْمَانُ الْبَرُّ الرَّحِيمُ «٨» .. فَنَظَرْنَا فإذا هو ميت.
_________________
(١) رواه ابن عدي والبيهقي وابن أبي الدنيا وأبو نعيم.
(٢) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) سجيناه: بفتح السين المهملة وتشديد الجيم. غطيناه.
(٤) في هذا إشارة الى ان الكرامات نوع من المعجزات بل هي ابلغ منها حيث حصل للتابع ما حصل للمتبوع من خوارق العادات هذا وليس فيه صريح دلالة على إحيائه بعد إماتته لاحتمال اغمائه مع وجود سكنة لكن زال الغم بدعاء الأم.
(٥) رواه البيهقي.
(٦) لم نعثر على ترجمته.
(٧) ثابت بن قيس بن مالك بن زهير خزرجي أنصاري وكان خطيب الانصار» جهوري الصوت وشهد له رسول الله بأنه من أهل الجنة وكانت وفاته في وقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة في خلافة الصديق.
(٨) هذا الحديث دليل كلام الموتى لا إحيائهم كما لا يخفى.
[ ١ / ٦١٥ ]
وَذَكَرَ عَنِ «١» النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ «٢» أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَارِجَةَ «٣» خَرَّ مَيِّتًا فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ المدينة فرفع وسجّي إذ سمعوه بين العشائين وَالنِّسَاءُ يَصْرُخْنَ حَوْلَهُ.. يَقُولُ: أَنْصِتُوا أَنْصِتُوا.. فَحَسَرَ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.. النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ..
كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ «٤» ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ صَدَقَ وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ عاد ميتا كما كان.
_________________
(١) رواه الطبراني وابو نعيم وابن منده في تقدمة الصحابة وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم.
(٢) النعمان بن بشير هو الصحابي الانصاري الخزرجي البدري، اول من بايع أبا بكر واستشهد مع خالد بن الوليد بعين النهر بعد انصرافه من اليمامة سنة ٦٤ هـ والنعمان اول مولود بعد الهجرة ولد بعد اربعة أشهر منها، وولاه معاوية حمصا والكوفة.
(٣) هذا أصح مما وقع في بعض النسخ من أنه ابن حارثة وهو الذي عليه ابن عبد البر وابن الاثير والذهبي وأبو نعيم الاصبهاني. وزيد بن خارجة أنصاري خزرجي شهد بدرا، قال ابن السكن: تزوج أبو بكر أخته فولدت له أم كلثوم بعد وفاته.
(٤) أي كونه رسولا نبيا أميا وخاتما كليا في الكتاب الاول أي اللوح المحفوظ الذي كل ما فيه لا يبدل.
[ ١ / ٦١٦ ]
الفصل الحادي والعشرون ابراء المرضى وذوي العاهات
في إبرائه المرضى وذوي العاهات حَدَّثَنَا «١» ابْنُ شِهَابٍ «٢» وَعَاصِمُ «٣» بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَجَمَاعَةٌ ذَكَرَهُمْ بِقَضِيَّةِ أُحُدٍ بِطُولِهَا قَالَ:
وَقَالُوا: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ «٤»: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ لَا نَصْلَ «٥» لَهُ فَيَقُولُ: ارْمِ بِهِ.. وَقَدْ رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عَنْ قَوْسِهِ حَتَّى انْدَقَّتْ «٦» .. وَأُصِيبَ يومئذ عين
_________________
(١) رواه ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا ووصله ابن عدي والبيهقي عن عاصم عن جده قتادة ورواه البيهقي من طريق آخر عن أبي سعيد الخدري عن قتادة
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٥١» رقم «٤»
(٣) الظفري، الشقة، إمام رواه المغازي توفي سنة تسع او سبع وعشرين، أو عشرين فقط ومائة أخرج له الستة.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢١٥» رقم «١» .
(٥) نصل: بالصاد المهملة جديدة السهم والرمح.
(٦) اندقت: بتشديد القاف اي انكسرت.
[ ١ / ٦١٧ ]
قَتَادَةَ «١» - يَعْنِي ابْنَ النُّعْمَانِ- حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ «٢» .. فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.. فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ..
وَرَوَى قِصَّةَ قَتَادَةَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَيَزِيدُ «٣» بْنُ عياض ابن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ. وَرَوَاهَا «٤» أَبُو سَعِيدٍ «٥» الْخُدْرِيُّ عَنْ قَتَادَةَ «٦» وَبَصَقَ عَلَى أَثَرِ سَهْمٍ فِي وَجْهِ أَبِي قَتَادَةَ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ «٧» - قَالَ- فَمَا ضَرَبَ عَلَيَّ وَلَا قَاحَ «٨» .
وَرَوَى «٩» النَّسَائِيُّ «١٠» عَنْ عُثْمَانَ «١١» بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ أَعْمَى قال:
_________________
(١) قتادة بن النعمان الاوسي ثم الظفري أخو ابو سعيد الخدري لأمه يكنى أبا عمرو الانصاري شهد بدرا روى عنه اخوه ابو سعيد الخدري وابنه عمر بن قتادة ومحمود بن لبيد وآخرون» عاش خمسا وستين سنة.
(٢) وجنته: بكسر الواو وضمها وفتحها والفتح أفصح وهي الخد.
(٣) كذا وقع في النسخ والصحيح يزيد بن عياض عن ابن عمر بن قتادة، ويزيد ابن عياض الليثي الحجازي حدث عن نافع.
(٤) رواه البيهقي وهي رواية الأكابر عن الأصاغر.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته آنفا.
(٧) ذي قرد: بفتح القاف والراء فدال مهملة وهو منصرف ماء على ليلتين وقيل ليلة من المدينة بينها وبين خيبر، ويقال لها غزوة الغابة كان يومه قبل خيبر بثلاثة وقال ابن سعد كانت في ربيع الاول سنة ست وفي البخاري بعد حنين بثلاثة أيام وقيل الحديبة وفي مسلم نحوه وقال ابن القيم: «وهذه الغزوة كانت بعد الحديبية وقد وهم جماعة من أهل المغازي والسير فذكروا أنها قبل الحديبية.
(٨) قاح: من القيح يقال قاح الجرح يقيح اذا حصل فيه مادة بيضاء.
(٩) واخرجه أيضا الترمذي وقال حسن صحيح غريب والحاكم والبيهقي وصححاه. ورواه ابن ماجة في الصلاة.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «١٩٥» رقم «٧» .
(١١) على التصغير وهو أخو عباد وسهل ابنا وهب وله صحبة ورواية ولي سواد العراق والبصرة وعاش الى زمن معاوية.
[ ١ / ٦١٨ ]
يا رسول.. ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ لِي عَنْ بَصَرِي.. قَالَ: فَانْطَلِقْ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قل: اللهم إني اسألك وأتوجه اليك بنبيي مُحَمَّدٍ «١» نَبِيِّ الرَّحْمَةِ.. يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ بَصَرِي.. اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ قَالَ: فَرَجَعَ وَقَدْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصَرِهِ.
وَرُوِيَ «٢» أَنَّ ابْنَ مُلَاعِبِ «٣» الْأَسِنَّةِ أَصَابَهُ اسْتِسْقَاءٌ «٤» فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.. فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَثْوَةً «٥» مِنَ الْأَرْضِ فَتَفَلَ عَلَيْهَا ثُمَّ أَعْطَاهَا رَسُولَهُ فَأَخَذَهَا متعجبا يرى «٦» أن قد هزىء بِهِ.. فَأَتَاهُ بِهَا وَهُوَ عَلَى شَفَا «٧» فَشَرِبَهَا فشفاه الله..
_________________
(١) وفي رواية بنبيك.
(٢) رواه أبو نعيم والواقدي عن عروة.
(٣) قال البرهان الحلبي: إن ابن ملاعب الاسنة لا يعرف اسمه ولا ترجمته وأما ملاعب الاسنة فهو عامر بن مالك، سمي ملاعب الاسنة جمع سنان وهو حديد في طرف الرمح لان الشاعر قال فيه مخاطبا أخاه: فررت وأسملت ابن مالك عامرا يلاعب اطراف الوشيح المزعزع فسمي ملاعب الرماح، والاسنة وذكره بعضهم في الصحابة وقال الذهبي: الاصح أنه لم يسلم.
(٤) الاستسقاء: مرض معروف بكثرة شرب الماء وسببه اجتماع ماء أصفر في البطن
(٥) حثوة: بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة لغة في حثية بالياء من حثا التراب عليه يحثوه ويحثيه والمعنى أخذ قبضة منها.
(٦) يرى: بضم الياء أو فتحها أي يظن أو يعتقد.
(٧) شفا: بفتح الشين المعجمة مقصورا منونا وهو حرف كل شيء ومنه قوله تعالى «وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» أي حرفها وطرفها.
[ ١ / ٦١٩ ]
وَذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ «١» عَنْ «٢» حَبِيبِ «٣» بْنِ فُدَيْكٍ- وَيُقَالُ- فُرَيْكٍ أَنَّ أَبَاهُ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ.. فَكَانَ لَا يُبْصِرُ بِهِمَا شَيْئًا.. فَنَفَثَ «٤» رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ فَأَبْصَرَ.. فَرَأَيْتُهُ يُدْخِلُ الْخَيْطَ فِي الْإِبْرَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ «٥» ..
وَرُمِيَ «٦» كُلْثُومُ بْنُ «٧» الْحُصَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ فِي نَحْرِهِ.. فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيه فبرأ «٨» .. وتفل «٩» على شجة «١٠» عبد الله «١١»
_________________
(١) بالتصغير هو الامام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى صاحب كتاب الضعفاء الذي ربه الذهبي وهو ثقة جليل توفي سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة.
(٢) رواه البيهقي والطبراني ورواه بلفظ ابن فديك ابن أبي شيبة في مسنده.
(٣) بالحاء المهملة وقيل المعجمة ذكره الذهبي في الصحابة وقيل: هو حبيب بن عمرو ابن فديك السلاماني وقد اضطرب فيه وفي اسمه.
(٤) نفث: نفخ.
(٥) وفي رواية: «إن عينيه لمبيضتان» في المواهب رواها ابن أبي شيبة والبغوي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم ونون مصغر حصن وهو أبو رهم الغفاري الصحابي من أصحاب الشجرة، وشهد أحدا.
(٦) قال الدلجي: «لا ادري من رواه» .
(٧) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين
(٨) برأ: بفتح الراء ويكسر وقيل برأ من المرض بفتح الراء وبرىء من الدين بكسرها.
(٩) رواه الطبراني.
(١٠) شجة: ضربة في الوجه والرأس فقط وقد يسمى بذلك ما يكون في سائر الجسد مجازا.
(١١) بالتصغير وهو ابن أسعد بن حرام من الانصار، شهد أحدا، وكانت شجته حين بعثه رسول الله مع ابن رواحه الى اليسير بن رزام بخيبر.
[ ١ / ٦٢٠ ]
ابن أُنَيْسٍ فَلَمْ تُمِدَّ «١» وَتَفَلَ «٢» فِي عَيْنَيْ عَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ وَكَانَ رَمِدًا «٣» فَأَصْبَحَ بَارِئًا.. وَنَفَثَ «٤» عَلَى ضَرْبَةٍ بِسَاقِ سَلَمَةَ بْنِ «٥» الْأَكْوَعِ يَوْمَ حيبر فَبَرِئَتْ.. وَفِي «٦» رِجْلِ زَيْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ أَصَابَهَا السَّيْفُ إِلَى الْكَعْبِ حِينَ قَتَلَ ابْنَ «٧» الأشرف فبرئت، وعلى «٨» ساق علي «٩» ابن الحكم يوم الخندق اذ انكسرت فبرىء مَكَانَهُ.. وَمَا نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَاشْتَكَى عَلِيُّ «١٠» بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَجَعَلَ يَدْعُو فَقَالَ النَّبِيُّ
_________________
(١) تمد: بضم التاء وكسر الميم وتشديد الدال من أمد الجرح صارت فيه مدة أي قيحا والمعنى لم تحصل مادة من القيح في ذلك الجرح.
(٢) رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي.
(٣) رمدا: بفتح الراء المهملة وكسر الميم أي ذار مد بفتحتين وهو وجع العين
(٤) رواه البخاري عن سلمة.
(٥) هو سلمة بن عمرو بن سنان بن الاكوع الاسلمي صحابي من الذين بايعوا تحت الشجرة غزا مع النبي ﷺ سبع غزوات وكان شجاعا بطلا راميا عداء وهو ممن غزا افريقية أيام عثمان، توفي في المدينة.
(٦) رواه عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة ورواه ابن اسحق والواقدي أيضا لكن قال بدل زيد بن معاذ الحارث بن اوس ورواه البيهقي من حديث جابر ذكر بدلهما عباد بن بشر وهو ممن حضر قتل كعب وأما زيد بن معاذ فقال الحلبي: «لا اعرف انه ذكر في هذه الواقعة بل ولا في الصحابه أحد يقال له زيد بن معاذ إلا ان يكون احد نسب الى جده او جد له أعلى بل الذي جرح في رأسه او رجله على الشك من الراوي في قتل كعب بن الاشرف إنما هو الحارث بن أوس.
(٧) وكعب بن الاشرف احد اليهود الذين ندب الرسول ﷺ الصحابة الى قتلهم، وقد تبرع بقتله محمد بن مسلمة وسلطان بن سلامة وعباد بن بشر وقيس وأبو عبس بن جبير
(٨) رواه ابو القاسم البغوي في معجمه.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٣»
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤»
[ ١ / ٦٢١ ]
ﷺ: اللَّهُمَّ اشْفِهِ أَوْ عَافِهِ.. ثُمَّ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ.. فَمَا اشْتَكَى ذَلِكَ الْوَجَعَ بَعْدُ «١» وَقَطَعَ أَبُو جَهْلٍ «٢» يَوْمَ بَدْرٍ يَدَ مُعَوِّذِ بْنِ «٣» عَفْرَاءَ فَجَاءَ يَحْمِلُ يَدَهُ فَبَصَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَلْصَقَهَا فَلَصِقَتْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ «٤» .
وَمِنْ «٥» روايته أيضا أنّ حبيب بْنَ «٦» يَسَافٍ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضَرْبَةٍ عَلَى عَاتِقِهِ «٧» حَتَّى مَالَ شِقُّهُ «٨» .
فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَفَثَ عَلَيْهِ حَتَّى صَحَّ وَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ «٩» مِنْ خَثْعَمَ «١٠» مَعَهَا صَبِيٌّ بِهِ بَلَاءٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ فَاهُ وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ وَأَمَرَهَا بِسَقْيِهِ وَمَسِّهِ بِهِ فَبَرَأَ الْغُلَامُ وَعَقَلَ عَقْلًا يفضل عقول الناس «١١» ..
_________________
(١) رواه البيهقي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٧٠» رقم «٣»
(٣) وعفراء اسم أمه وهو من شهداء بدر والذي في سيرة ابن سيد الناس ان معادا قتل أبا جهل فضربه ابنه عكرمة وطرح يده وتعلقت بجلده من جنبه وأجهضه القتال فقاتل يومه وهو يسحب يده خلفه فلما أذنه وضع عليها قدمه فقطعها.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣٣٢» رقم «١»
(٥) رواه البيهقي عن ابن اسحق.
(٦) بالتصغير وخاء معجمة وهو من الانصار وهو ابن يساف ويسال: إساف بهمزة مكسورة وتأخر اسلامه الى ان سار رسول الله الى بدر فلحقه وأسلم وشهد بدرا.
(٧) عانقه: أي ما بين منكبه وعنقه.
(٨) شقه: بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف أي احد شقيه بانفصاله عنه بحد سيفه
(٩) رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن أم جندب مرفوعا.
(١٠) خثعم: اسم قبيلة من قبائل العرب.
(١١) رواه البيهقي وابن ابي شيبة وأحمد.
[ ١ / ٦٢٢ ]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «١» جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جُنُونٌ.. فَمَسَحَ صَدْرَهُ فَثَعَّ ثَعَّةً «٢» فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الجرو «٣» الأسود فشفي.
وَانْكَفَأَتِ «٤» الْقِدْرُ عَلَى ذِرَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ «٥» حَاطِبٍ وهو طفل..
فمسح عليها وَدَعَا لَهُ.. وَتَفَلَ فِيهِ فَبَرَأَ لِحِينِهِ «٦» .
وَكَانَتْ فِي كَفِّ شُرَحْبِيلَ «٧» الْجُعْفِيِّ سَلْعَةً «٨» تَمْنَعُهُ الْقَبْضَ عَلَى السَّيْفِ وَعِنَانِ «٩» الدَّابَّةِ فَشَكَاهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ.. فما زال يطحنها «١٠» ***
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٢) ثع ثعة: بمثلثة ومهملة مشددة اي قاء قيئة.
(٣) الجرو: بكسر الجيم وفتحها وضمها ولد الكلب والسبع.
(٤) انكفأت: بهمزه مفتوحة بعد الفاء اي انقلبت وسقطت.
(٥) القرشي الجمحي الصحابي ولد بالحبشة وهو اول من سمي محمدا في الاسلام توفي عام أربع وسبعين بمكة وقيل بالكوفة.
(٦) رواه النسائي والطيالسي والبيهقي.
(٧) شرحبيل بن عبد الرّحمن الجعفي وقيل: ابن أوس الجعفي وقال ابن السكن وابن حبان: قيل: له صحبة.
(٨) سلعة: بكسر السين المهملة وسكون اللام وفتح العين المهملة وهي زيادات تحدث في الجسد بين الجلد واللحم كالغدة تكون من قدر حمصة الى قدر بطيخة اذا غمزت باليد تحركت.
(٩) عنان: بكسر العين المهملة لجامها او زمامها.
(١٠) يطحنها: بفتح الحاء الهملة أي يعالجها ويفحصها بكفه.
[ ١ / ٦٢٣ ]
بِكَفِّهِ حَتَّى رَفَعَهَا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ «١» .. وَسَأَلَتْهُ جَارِيَةٌ طَعَامًا وَهُوَ يَأْكُلُ فَنَاوَلَهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.. وَكَانَتْ قَلِيلَةَ الْحَيَاءِ فَقَالَتْ: إِنَّمَا أُرِيدُ مِنَ الَّذِي فِي فِيكَ.. فَنَاوَلَهَا مَا فِي فِيهِ.. وَلَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعُهُ.. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي جَوْفِهَا أُلْقِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْحَيَاءِ مَا لَمْ تَكُنِ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ أَشَدَّ حياء منها «٢» ..
_________________
(١) رواه الطبراني والبيهقي.
(٢) رواه الطبراني عن أبي أمامة.
[ ١ / ٦٢٤ ]
الفصل الثاني والعشرون إِجَابَةِ دُعَائِهِ ﷺ
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا وَإِجَابَةُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِجَمَاعَةٍ بِمَا دَعَا لَهُمْ وعليهم متواتر على الجملة معلوم بالضرورة وقد جاء في حديث «١» حذيفة «٢»:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَعَا لِرَجُلٍ أَدْرَكَتِ الدَّعْوَةُ وَلَدَهُ وَوَلَدَ ولده.
عَنْ «٣» أَنَسٍ «٤» ﵁ قَالَ: «قَالَتْ أُمِّي «٥»: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَادِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ.. قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا آتَيْتَهُ.
وَمِنْ رِوَايَةِ «٦» عِكْرِمَةَ «٧» قال أنس: فو الله إن مالي لكثير
_________________
(١) رواه احمد في مسنده.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٦» .
(٣) أسنده المصنف عن طريق البخاري وأخرجه مسلم أيضا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٥) هي الصحابية الجليلة أم سليم واسمها رميلة وقيل الرمضاء.
(٦) على ما انفرد بها مسلم.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٦٠» رقم «١» .
[ ١ / ٦٢٥ ]
وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيُعَادُّونُ «١» الْيَوْمَ عَلَى نحو المئة.
وفي رواية «٢» فما أَعْلَمُ أَحَدًا أَصَابَ مِنْ رَخَاءِ الْعَيْشِ مَا أصبت..
ولقد دفنت بيدي هاتين مئة مِنْ وَلَدِي.. لَا أَقُولُ سَقْطًا «٣» وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ.
وَمِنْهُ «٤» دُعَاؤُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ «٥» عَوْفٍ بِالْبَرَكَةِ.. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ تَحْتَهُ ذَهَبًا وَفَتَحَ اللَّهُ عليه ومات فحضر الذهب من تركته بالفؤوس «٦» حَتَّى مَجَلَتْ «٧» فِيهِ الْأَيْدِي.. وَأَخَذَتْ كُلُّ زَوْجَةٍ ثمانين ألفا وكن أربعا وقيل مئة أَلْفٍ.. وَقِيلَ بَلْ صُولِحَتْ إِحْدَاهُنَّ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا في مرضه عن نَيِّفٍ «٨» وَثَمَانِينَ أَلْفًا. وَأَوْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفًا بَعْدَ صدقاته الفاشية «٩» في حياته وعوارفه العظيمة.
_________________
(١) ليعادون: بضم الياء وتشديد الدال المعجمة أي يعد بعضهم بعضا. قال التلمساني: «وفي رواية الصحيحين والمصابيح ليتعادون بزيادة التاء.
(٢) وهي غير معروفة.
(٣) سقطا: بكسر السين المهملة ويجوز ضمها وفتحها وهو الجنين الذي يسقط قبل تمامه.
(٤) رواه البيهقي.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٢٨١» رقم «٣»
(٦) الفؤوس: بضم الفاء والهمزة وسكون الواو جمع فأس بالهمزة ويبدل كرأس ورؤوس وكأس وكؤوس.
(٧) مجلت: بفتح الميم والجيم ويكسر اي: تنفطت من كثرة العمل.
(٨) نيف: بفتح النون وتشديد الياء المثناة التحتة المكسورة او تسكينها.
(٩) الفاشية: أي الكثيرة الشائعة.
[ ١ / ٦٢٦ ]
- أَعْتَقَ يَوْمًا ثَلَاثِينَ عَبْدًا وَتَصَدَّقَ مَرَّةً بِعِيرٍ «١» فيها سبعمئة بَعِيرٍ وَرَدَتْ عَلَيْهِ تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.. فَتَصَدَّقَ بِهَا وَبِمَا عَلَيْهَا وَبِأَقْتَابِهَا «٢» وَأَحْلَاسِهَا «٣» .
وَدَعَا «٤» لِمُعَاوِيَةَ «٥» بِالتَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ فَنَالَ الْخِلَافَةَ وَلِسَعْدِ «٦» ابن أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنْ يُجِيبَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ فَمَا دَعَا عَلَى أَحَدٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ «٧» .
وَدَعَا «٨» بِعِزِّ الْإِسْلَامِ بِعُمَرَ «٩» ﵁، أَوْ بِأَبِي «١٠» جَهْلٍ فَاسْتُجِيبَ لَهُ في عمر.
_________________
(١) بعير: أي بقافلة.
(٢) أقتابها: جمع قتب بالتحريك بالفتح وهو الرحل الصغير على قدر منام البعير
(٣) احلاسها: جمع حلس بكسر الحاء المهملة وتسكين اللام وهو كساء يلي ظهر البعير تحت القتب.
(٤) رواه ابن سعد.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٣٥٩» رقم «٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٢١٥» رقم «١» .
(٧) رواه الترمذي موصولا ورواه البيهقي عن قيس بن أبي حازم مرسلا بلفظ «اللهم استجب له اذا دعا» وحسنه، وقد استجيب لسعد دعوات مخرجة في الصحيح وغيره.
(٨) رواه الامام أحمد والترمذي في جامعة وغيرهما عن ابن عمر به مرفوعا ولفظه «اللهم أيد الاسلام باحد هذين الرجلين اليك بأبي جهل او بعمر بن الخطاب» وصححه ابن حبان والحاكم في مستدركه عن ابن عباس «اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب خاصة» وقال انه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم (٤) .
(١٠) تقدمت ترجمته في ص ٢٧٠ رقم «٣» .
[ ١ / ٦٢٧ ]
وقال «١» ابْنُ مَسْعُودٍ «٢» ﵁ مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ وَأَصَابَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ عَطَشٌ فَسَأَلَهُ عُمَرُ الدُّعَاءَ فَدَعَا فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَسَقَتْهُمْ حَاجَتَهُمْ ثُمَّ أَقْلَعَتْ.
وَدَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ «٣» فَسُقُوا ثُمَّ شَكَوْا إِلَيْهِ الْمَطَرَ فدعا فصحوا وَقَالَ «٤» لِأَبِي قَتَادَةَ «٥» أَفْلَحَ وَجْهُكَ.. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي شَعْرِهِ «٦» وَبَشَرِهِ فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً وَكَأَنَّهُ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ «٧» لِلنَّابِغَةِ «٨» لَا يَفْضِضُ «٩» اللَّهُ فَاكَ «١٠» .. فَمَا سقطت له
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» وفي ص «٢٥٦» رقم «٢»
(٣) رواه الشيخان عن أنس.
(٤) رواه البيهقي عنه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٢٥٩» رقم «٦» .
(٦) شعره: بفتح الشين المعجمة وفتح العين المهملة وتسكينها.
(٧) رواه البيهقي وابن ماجة عن النابغة.
(٨) واسمه قيس: وقيل حبان بن عبد الله بن عمر بن عدس والنابغة لقبه وفي الشعراء من لقب غيره بلقب النابغة كالذبياني، ولكن اذا أطلق فالمقصود منه هذا وهو من المحضرمين المعمرين قيل: عاش مائتين وثمانين سنة وقيل مئاتين وأربعين وقيل: مائة واربعين واجتمع بالنبي ﷺ ومدحه بقصيدته الرائية وهي نحو مائة بيت أنشدها بين يديه فدعا له النبي ﷺ.
(٩) لا يفضض: بضم الضاد المعجمة الاولى وكسر الثانية على ان لا ناهية وضمها على ان لا نافية وهي ابلغ أي لا يسقط وقيل لا يكسر من فض كسر وفرق وروى لا يفض الله فاك من الفضاء وهو الخلا أي لا يجعل الله فاك فضاء لا أسنان فيه،
(١٠) فاك: أي الاسنان الموجودة في فمك وهو مجاز علاقته إطلاق المحل وإرادة الحال كقوله تعالى «أسأل القرية» .
[ ١ / ٦٢٨ ]
سِنٌّ وَفِي رِوَايَةٍ فَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ ثَغْرًا «١» .. إِذَا سَقَطَتْ لَهُ سِنٌّ نَبَتَتْ لَهُ أُخْرَى وعاش عشرين ومئة وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
وَدَعَا «٢» لِابْنِ عَبَّاسٍ «٣» «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ..
فَسُمِّيَ بَعْدُ الْحَبْرَ «٤» وَتَرْجُمَانَ «٥» الْقُرْآنِ.
وَدَعَا «٦» لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ «٧» جَعْفَرٍ بِالْبَرَكَةِ فِي صَفْقَةِ «٨» يَمِينِهِ فَمَا اشْتَرَى شَيْئًا إِلَّا رَبِحَ فِيهِ.
وَدَعَا «٩» لِلْمِقْدَادِ «١٠» بالبركة فكانت عنده غرائر «١١» من الْمَالِ وَدَعَا «١٢» بِمِثْلِهِ لِعُرْوَةَ «١٣» بْنِ أَبِي الْجَعْدِ فقال: فلقد كنت
_________________
(١) ثغرا: بفتح المثلثة وسكون الغين المعجمة أي سنا وقيل هو ما تقدم من الاسنان
(٢) رواه الشيخان.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٦» .
(٤) الحبر: بفتح الحاء المهملة وكسرها وتسكين الباء المعجمة الموحدة العالم وسمي بالحبر وهو المدا لمزاولته له غالبا في أداء المراد.
(٥) ترجمان: بفتح التاء المثناة الفوقية وضم الجيم وضمهما وحكي فتحهما أي مفسره
(٦) رواه البيهقي عن عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٦٠٠» رقم «٨» .
(٨) صفقة يمينه: أي بتابعه وسمي صفقة لوضع كل من البائعين يده في يد الآخر عرفا وعادة
(٩) رواه البيهقي.
(١٠) وهو ابن عمرو بن ثعلبة واشتهر بابن الأسود لأنه تربى في حجره وهو صحابي مشهور توفي في خلافة عثمان ﵁.
(١١) غرائر: بفتح الغين المعجمة جمع غرارة بكسر الغين المعجمة وهي جوالق.
(١٢) رواه البخاري، ورواية أنه كان يقوم بالكناسة أخرجها أحمد.
(١٣) البارقي وقيل: الأزدي واختلف فيه فقيل عروة ابن أبي الجعد وقيل ابن الجعد. وهو صحابي مشهور أخرج له الستة وأحمد وولاه عمر قضاء الكوفة.
[ ١ / ٦٢٩ ]
أَقُومُ بِالْكُنَاسَةِ «١» فَمَا أَرْجِعُ حَتَّى أَرْبَحَ أَرْبَعِينَ ألفا..
وقال البخاري في حديثه فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ رَبِحَ فِيهِ..
وَرُوِيَ «٢» مِثْلُ هَذَا لِغَرْقَدَةَ «٣» أَيْضًا: وَنَدَّتْ «٤» لَهُ نَاقَةٌ فَدَعَا.. فَجَاءَهُ بِهَا إِعْصَارُ «٥» رِيحٍ حَتَّى رَدَّهَا عَلَيْهِ.
وَدَعَا «٦» لِأُمِّ «٧» أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَسْلَمَتْ.
وَدَعَا «٨» لَعَلِيٍّ «٩» أَنْ يُكْفَى الْحَرَّ وَالْقُرَّ «١٠» فَكَانَ يَلْبَسُ فِي الشِّتَاءِ ثِيَابَ الصَّيْفِ وَفِي الصَّيْفِ ثِيَابَ الشِّتَاءِ وَلَا يُصِيبُهُ حَرٌّ وَلَا بَرْدٌ.
وَدَعَا «١١» لفاطمة «١٢» ابنته الله أن لا يجيعها.. قالت: فما جعت بعد
_________________
(١) الكناسة: بضم الكاف موضع او سوء بالكوفة وكانوا يرمون فيه كناسات دورهم
(٢) قال الدلجي: «لا أدري من رواه» .
(٣) صحابي يسمى أبا شبيب روى عنه ابنه.
(٤) ندت بنون وتشديد الدال المهملة أي نفرت وذهبت على وجهها شاردة.
(٥) إعصار: بكسر الهمزة ريح عاصف يستدير في الارض ثم يسطع الى السماء مستديرا كالعمود.
(٦) رواه مسلم فدعاها للاسلام يوما فأسمعته ما يكره فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فجاء الى النبي وشكا اليه ذلك فدعا لها فأسلمت.
(٧) واسمها أميمة بنت صبيح وقيل بنت صفيح وقيل اسمها ميمونة وكان ابنها أبو هريرة ﵁ حريصا على إسلامها.
(٨) رواه ابن ماجه والبيهقي.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤»
(١٠) القر: بضم القاف وفتحها وكسرها، البرد او شديده.
(١١) رواه البيهقي عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه.
(١٢) بنت رسول الله ﷺ ولقبها: الزهراء وأمها خديجة ﵂، تزوجها علي ﵁ في رمتها بالحسن والحسين وأم كلثوم وزينب وعاشت بعد أبيها ستة أشهر.
[ ١ / ٦٣٠ ]
وَسَأَلَهُ «١» الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو «٢» آيَةً «٣» لِقَوْمِهِ فَقَالَ: اللهم نوّر له فسطع له نور بين عينيه فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: مثلة «٤» فتحول إلى سوطه.. فقال يضيء في الليلة المظلمة فسمي ذا النَّوِرَ.
وَدَعَا «٥» عَلَى مُضَرَ «٦» فَأَقْحَطُوا حَتَّى اسْتَعْطَفَتْهُ قُرَيْشٌ فَدَعَا لَهُمْ فَسُقُوا.
وَدَعَا «٧» عَلَى كِسْرَى «٨» حِينَ مَزَّقَ كِتَابَهُ أَنْ يُمَزِّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ..
فلم يبق لَهُ بَاقِيَةٌ، وَلَا بَقِيَتْ لِفَارِسَ رِيَاسَةٌ فِي أقطار الدنيا..
_________________
(١) رواه ابن إسحاق بلا سند والبيهقي عنه وابن جرير من طريق الكلبي.
(٢) الأزدي الدوسي ويقال له: ذو النور وهو من كبار الصحابة وأصحاب النور وهم ستة: أسيد بن حضير وعباد بن بشر وحمزة بن عمرو الأسلمي وقتادة بن النعمان والحسن بن علي والطفيا هذا وقتل في وقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة من الهجرة.
(٣) آية: علامة.
(٤) مثلة: بضم الميم ويفتح ويكسر وسكون التاء المثلثة الفوقية أي تنكيل وعقوبة
(٥) رواه النسائي عن ابن عباس والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم وأصله في الصحيحين.
(٦) تعز: وهي قبيلة من قبائل العرب.
(٧) رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(٨) وهو لقب لكل من ملك الفرس واسم هذا الذي كتب اليه النبي ﷺ كتابا يدعوه فيه الى الاسلام ابرويز بن هرمز وهو من اولاد أنو شروان.
[ ١ / ٦٣١ ]
وَدَعَا «١» عَلَى صَبِيٍّ قَطَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ أَنْ يقطع الله أثره فأقعد.
وقال «٢» لرجل «٣» رآه يأكل شماله: كل بيمينك.. فقال لا أستطيع.. فقال لا اسْتَطَعْتَ.. فَلَمْ يَرْفَعْهَا إِلَى فِيهِ.
وَقَالَ «٤» لِعُتْبَةَ «٥» بْنِ أَبِي لَهَبٍ اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا من كلابك فأكله الاسد.
_________________
(١) رواه أبو داود والبيهقي ورواه ابن حبان عن سعيد بن عبد العزيز عن يزيد ابن مهران يقول: «مررت بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يصلي» فقال: «اللهم اقطع أثره» فما مشيت، وقد ضعف عبد الحق وابن القطان إسناده وكذا ابن القيم وقال الذهبي أظن أنه موضوع ثم على تقدير ثبوته فيه إشكال وهو أنه ﷺ كيف يدعو على الصبي وهو غير مكلف بالاحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة قال الحلبي «وفي كلام السبكي أنها إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد أحد» ثم قال ألحلبي «أن هذا من باب خطاب الوضع لأنه إتلاف لا يشترط فيه التكلف» اهـ وتبعه الانطاكي وقرره التلمساني وفيه «أن الصلاة صحيحة بالاجماع فليس من الاتلاف بلا نزاع لكمال الحال في حصور البال وهو غير مقتض لهذا النكال» ولذا قال الدلجي: «وأجيب عنه بما لا يشفي ثم أقول ولعل الصبي كان من أولاد الكفار وقد أمره أهله بان يقطع الصلاة على سيد الابرار فأراهم ﷺ معجزة اظهارا للمعزة ودفعا للمذلة أو كان الصبي مراهقا فظنه ﷺ بالغا وفي قطعه قاصدا فتبين انه كان صبيا قاصرا او يكون من باب مقنية الخضر مع الصغير مكاشفا.
(٢) رواه مسلم عن سلمة بن الاكوع
(٣) وهو بشر بن راعي العبر الأشجعي وقد علم النبي ﷺ أنه لا عذر له في المخالفة وأنه لم يمتثل أمره تكبيرا ولذا قال المصنف في شرح مسلم: انه كان منافقا إلا أن الذهبي قال: انه صحابي جليل فيحتمل انه كان في اول أمره منافقا ثم لما ظهرت له هذه الآية تاب وأخلص لله.
(٤) رواه ابن اسحاق من طريق عروة بن الزبير عن هبار بن الاسود والحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه والبيهقي من طريق أخرى.
(٥) الجهنمي وكان لأبي لهب اولاد ثلاثة عتبة وعتيبة ومعتب أسلم منهم اثنان يوم الفتح ولم يهاجرا من مكة وبقي منهم على الكفر عتبة هذا اهـ وكانت عنده بنت النبي ﷺ فطلقها ودعا عليه النبي بما يأتي.
[ ١ / ٦٣٢ ]
وَقَالَ «١» لِامْرَأَةٍ «٢» أَكَلَكِ الْأَسَدُ فَأَكَلَهَا..
وَحَدِيثُهُ «٣» الْمَشْهُورُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «٤» ﵁ فِي دُعَائِهِ عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ وَضَعُوا السَّلَا «٥» عَلَى رَقَبَتِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ مَعَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ وَسَمَّاهُمْ وَقَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَدَعَا «٦» عَلَى الْحَكَمِ بْنِ أَبِي «٧» الْعَاصِ وَكَانَ يَخْتَلِجُ بِوَجْهِهِ وَيَغْمِزُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ «٨» أَيْ لَا «٩» فَرَآهُ فَقَالَ: كَذَلِكَ كُنْ.. فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِجُ إِلَى أن مات.
_________________
(١) رواه ابن سعد في الطبقات من طريق الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال: «أقبلت ليلى بنت الحطية إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مول ظهره للشمس وضربت على منكبه فقال من هذا أكله الاسد فقالت أنا بنت مطعم الطير ومبادي الريح أنا ليلى بنت الحطية جئت لأعرض عليك نفسي تزوجني قال قد فعلت فرجعت الى قومها فقالت قد تزوجني النبي ﷺ فقالوا أنت امرأة النبي وللنبي نساء فيدعو عليك فرجعت وقالت له: أقلني فأقالها وتزوجت بغيره فبينما هي في حائط بالمدينة افترسها ذئب فالأسد هنا بمعنى الحيوان المفترس.
(٢) تقدم شيء عنها في رقم «١» .
(٣) رواه الشيخان.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» وص «٢٥٦» رقم «٢» .
(٥) السلا: بفتح السين المهملة مقصورا هو للبهيمة كالمشيمة لبني آدم وهي جلد رقيق يخرج مع الولد من بطن أمه ملفوفا فيه.
(٦) رواه البيهقي من طريق عبد الرّحمن بن أبي بكر وعن ابن عمرو عن هند بن خديجة
(٧) ابن عبد شمس بن عبد مناف وهو ابو مروان وعم عثمان ﵁ وهو ممن أسلم في الفتح وكان قد أخرجه النبي ﷺ في الطائف هو وابنه مروان وردة عثمان في خلافته لما علم من توبته وتوفي في خلافة عثمان ﵁.
(٨) كان يجلس خلفه ﷺ فاذا تكلم يحرك شفته وذقنه حكاية لفعله ويرمز مشيرا بعينه او حاجبه.
(٩) أي اراد به ردا لكلامه استهزاء وسخرية.
[ ١ / ٦٣٣ ]
وَدَعَا «١» عَلَى مُحَلِّمِ بْنِ «٢» جَثَّامَةَ فَمَاتَ لِسَبْعٍ فلفظته «٣» الأرض ثم وروي فَلَفَظَتْهُ مَرَّاتٍ فَأَلْقَوْهُ بَيْنَ صُدَّيْنِ «٤» وَرَضَمُوا «٥» عَلَيْهِ بالحجارة والصدّ جانب الوادي.
وجحده «٦» رجل بيع فَرَسٍ وَهِيَ الَّتِي شَهِدَ «٧» فِيهَا خُزَيْمَةُ «٨» لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ الْفَرَسَ بَعْدَ «٩» النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الرَّجُلِ وقال اللهم
_________________
(١) رواه البيهقي عن تبعية بن ذؤيب وابن جرير موصولا عن ابن عمر وقال الحسن بلغني انه دعا، الحديث وسبب دعائه على محلم أنه كان بعث سرية للغزو فيها محلم فأمر عليهم عامر بن الاضبط فلما بلغوا بطن واد قتل محلم عامرا غدرا فدعا عليه النبي ﷺ.
(٢) بضم الميم وفتح الحاء وكسر اللام المشددة وسبب الدعاء عليه قد مر آنفا وفي هذا نزل قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا» ولهم في سبب نزول الآية وفيمن نزلت أقوال كثيرة وقد اختلف في محلم هذا بعد تحقق اسلامه وصحبته هل كان منافقا أم لا؟
(٣) فلفظته: بفتح اللام وفتح الظاء المعجمة أي قذفته الارض ورمته على ظهرها بعد دفنه في بطنها.
(٤) صدين: بفتح الصاد ويضم جبين أو واديين.
(٥) رضموا: بفتح الراء المهملة والضاد المعجمة أي كوموا عليه.
(٦) والحديث رواه أعرابي اسمه سواد بن قيس وقيل ابن الحارث وهو صحابي وكان كلام الاعرابي قبل إسلامه او قبل خلوص إسلامه والا فمثله لا يليق.
(٧) أي بأنه اشتراه منه مع انه لم يره وجعل ﷺ شهادته وحدها مقبولة عن اثنين. هذا خاص به ولا يقاس عليه.
(٨) يقال: اسمه ابو حزيمة وهو صحابي مشهور قتل بصفين مع علي سنة سبع وثلاثين ولما شهد للنبي ﷺ قبل شهادته وجعل شهادته بشهادتين وقال: من شهد له خزيمة فهو حسبه.
(٩) أي بعد جحده وشادة خزيمة له رد النبي ﵊ الفرس على الرجل
[ ١ / ٦٣٤ ]
إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا تُبَارِكْ لَهُ فِيهَا فَأَصْبَحَتْ شَاصِيَةً «١» بِرِجْلِهَا- أَيْ رَافِعَةً.. وَهَذَا الْبَابُ أكثر من أن يحاط به.
_________________
(١) شاصية: أي رافعة بسبب نفخها من شصا بصره أي شخص.
[ ١ / ٦٣٥ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي كَرَامَاتِهِ وَبَرَكَاتِهِ وَانْقِلَابِ الْأَعْيَانِ لَهُ فِيمَا لَمَسَهُ أَوْ بَاشَرَهُ ﷺ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «١» ﵁ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طلحة «٣» كان يقطف «٤» أو به قطوف «٥» وَقَالَ غَيْرُهُ يُبَطَّأُ. فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: وَجَدْنَا فَرَسَكَ بَحْرًا «٦» فَكَانَ بَعْدُ لَا يُجَارَى.
وَنَخَسَ «٧» جمل جابر «٨» وكان قد أعيى فنشط حتى كان ما يملك «٩» زمامه «١٠» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٨» رقم «٣» .
(٣) يقطف: بضم الطاء ويكسر أي يقارب خطوة في سرعة.
(٤) قطوف: بضم أوله قال الجوهري: «القطوف من الدواب البطيء» . أبو زيد: «هو الضيق المشي» .
(٥) بحرا: أي واسع الجري سريع العدو.
(٦) نخس: بالنون والخاء المعجمتين المفتوحتين أي طعنه عند دبره أو جنبه بمحجن او نحوه.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٨) وفي نسخة لا يملك.
(٩) رواه الشيخان.
[ ١ / ٦٣٦ ]
وَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ بِفَرَسٍ لِجُعَيْلٍ الْأَشْجَعِيِّ «١» خَفَقَهَا بِمِخْفَقَةٍ «٢» مَعَهُ وَبَرَّكَ «٣» عَلَيْهَا فَلَمْ يَمْلِكْ رَأْسَهَا نَشَاطًا وَبَاعَ مِنْ بَطْنِهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا «٤» .
وَرَكِبَ حِمَارًا قَطُوفًا لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ «٥» فَرَدَّهُ هِمْلَاجًا «٦» لَا يُسَايَرُ «٧» .
وَكَانَتْ شَعَرَاتٌ مِنْ شَعْرِهِ فِي قَلَنْسُوَةِ «٨» خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ «٩» فَلَمْ يَشْهَدْ بِهَا قِتَالًا إِلَّا رُزِقَ النَّصْرَ «١٠» .
وَفِي الصَّحِيحِ «١١» عَنْ أَسْمَاءَ «١٢» بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂:
_________________
(١) بالتصغير وهو ابن زياد وقيل إنه سمرة الصحابي الكوفي وقيل: اسمه جعال وأشجع قبيلة معروفة.
(٢) خفقها بمخفقة: أي ضربها بدرة.
(٣) برك عليها: بتشديد الراء دعا لها بالبركة.
(٤) رواه البيهقي.
(٥) سيد الخزرج من الانصار وأحد الأمراء الاشراف جاهلية واسلاما شهد العقبة مع السبعين، وكان احد النقباء الاثني عشر، وشهد أحدا والخندق وغيرهما من المشاهد وتوفي بحوران من أرض الشام.
(٦) هملاجا: بكسر فسكون ثم جيم أي سريع الهرولة فارسي معرب ويسمى الآن رهوانا.
(٧) رواه ابن سعد من حديث اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة.
(٨) قلنسوة: بفتح القاف واللام وضم السين تلبس في الرأس.
(٩) ابن المغيرة المخزومي سيف الله. كان من اشراف قريش في الجاهلية، وشهد مع المشركين حروب الاسلام الى عمرة الحديبية، واسلم قبل فتح مكة، وسيره أبو بكر لقتال المرتدين ثم الى العراق ثم الى الشام وجعله أميرا على من فيها من الامراء، ولما تولى عمر الخلافة عزله وولى أبا عبيدة بن الجراح فلم يثن ذلك من عزمه ومات في حمص، وقيل في المدينة، كان خطيبا فصيحا، يشبه عمر بن الخطاب في خلقه وصفته.
(١٠) رواه البيهقي.
(١١) أي من رواية مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة.
(١٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٠٥» رقم «١٢» .
[ ١ / ٦٣٧ ]
«أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ «١» وَقَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا» .
وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ «٢» عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْمَأْمُونِ «٣»
قال: «كانت عِنْدَنَا قَصْعَةٌ «٤» مِنْ قِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ.. فَكُنَّا نَجْعَلُ فِيهَا الْمَاءَ لِلْمَرْضَى فَيَسْتَشْفُونَ بِهَا وَأَخَذَ جَهْجَاهُ الْغِفَارِيُّ «٥» الْقَضِيبَ «٦» مِنْ يَدِ عُثْمَانَ ﵁ لِيَكْسِرَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ فَأَخَذَتْهُ فِيهَا الْآكِلَةُ «٧» فَقَطَعَهَا وَمَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ «٨»» .
وَسَكَبَ مِنْ فَضْلِ وَضَوْئِهِ «٩» فِي بِئْرِ قُبَاءَ فَمَا نَزَفَتْ «١٠» بَعْدُ «١١»
_________________
(١) الطيلس هو الأسود أي جبة سوداء وهي كلمة أعجمية
(٢) هو حسين بن محمد أبو علي، قاض محدث من أهل سرقسطة رحل الى المشرق رحلة واسعة سنة ٤٨١- ٤٩٠ وقبل القضاء في المريه على كره منه واستشهد في معركة قتندة بثغر الاندلس.
(٣) لم نعثر على ترجمته.
(٤) قصعة: الصحفة
(٥) اختلف في اسم أبيه فقيل: هو ابن مسعود ﵁ وقيل ابن سعد بن حرام وقيل ابن سعيد وقيل ابن قيس وهو صحابي مهاجري مدني شهد المشاهد كلها وتوفي بعد عثمان بسنة.
(٦) القضيب: هو عصا النبي ﷺ التي كان الخلفاء يتداولونها
(٧) الأكلة: بفتح الهمزة وكسر الكاف وتسكن، وفي لغة بكسر الهمزة وتسكين الكاف وفي لغة بفتحتين وهي الحكة، وفي نسخة بمد فكسر.
(٨) رواه أبو نعيم في الدلائل وابن السكن في معرفة الصحابة.
(٩) وضوئه: بفتح الواو وتضم أي ماء وضوئه.
(١٠) ما نزفت: أي ما نقصت.
(١١) رواه البيهقي عن أنس.
[ ١ / ٦٣٨ ]
وَبَزَقَ فِي بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِ أَنَسٍ فَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْذَبُ مِنْهَا «١»
وَمَرَّ عَلَى مَاءٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ اسْمُهُ بَيْسَانُ «٢» وَمَاؤُهُ مِلْحٌ..
فَقَالَ: بَلْ هُوَ نُعْمَانُ وَمَاؤُهُ طَيِّبٌ فَطَابَ.
وَأُتِيَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فمج «٣» فيه فصار أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ «٤»
وَأَعْطَى الْحَسَنَ «٥» وَالْحُسَيْنَ «٦» لِسَانَهُ فمصاه وكانا يَبْكِيَانِ عَطَشًا فَسَكَتَا «٧» .
وَكَانَ لِأُمِّ مَالِكٍ «٨» عُكَّةٌ «٩» تَهْدِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ سَمْنًا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أن لا تَعْصِرَهَا ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَيْهَا. فَإِذَا هِيَ مَمْلُوءَةٌ سَمْنًا فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا يَسْأَلُونَهَا الْأُدْمَ «١٠» وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَتَعْمِدُ إِلَيْهَا فَتَجِدُ فِيهَا سَمْنًا فَكَانَتْ تُقِيمُ أُدْمَهَا حَتَّى عَصَرَتْهَا «١١» .
وَكَانَ يَتْفُلُ فِي أَفْوَاهِ الصِّبْيَانِ الْمَرَاضِعِ فَيُجْزِئُهُمْ رِيقُهُ إِلَى اللَّيْلِ
_________________
(١) رواه أبو نعيم.
(٢) بيسان: بكسر موحدة وتفتح فسكون تحتية.
(٣) مج: بفتح الميم وتشديد الجيم أي ألقى من فيه ماء.
(٤) رواه ابن ماجة وروى البيهقي عن وائل الحضرمي ولم يقل من ماء زمزم.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣٠٩» رقم «٢» .
(٧) رواه الطبراني عن أبي هريرة.
(٨) الأنصارية الصحابية وهي أم سليمان بنت ملحان وفي شرح المصابيح للتور بشتي: أن أم مالك في الصحابة اثنتان أم مالك الانصارية وأم مالك البهزية وهي صاحبة العكة وقد قيل: إنه لا يعرف اسمها.
(٩) عكة: بضم العين المهملة وتشديد الكاف إناء من الجلد يجعل فيه السمن.
(١٠) الأدم: بضم الهمزة وسكون الدال المهملة أو بضمتين وهو كل ما يؤتم به.
(١١) رواه مسلم عن جابر.
[ ١ / ٦٣٩ ]
وَمِنْ ذَلِكَ بَرَكَةُ يَدِهِ فِيمَا لَمَسَهُ وَغَرَسَهُ لسلمان «١» ﵁ حِينَ كَاتَبَهُ مَوَالِيهِ عَلَى ثلاثمئة ودّية «٢» يغرسها لهم كلها تعلق «٣» وتطعم «٤» على أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً «٥» مِنْ ذَهَبٍ. فَقَامَ ﷺ وَغَرَسَهَا لَهُ بِيَدِهِ إِلَّا وَاحِدَةً غرسها غيره «٦» . فأخذت كلها إلّا تلك لواحدة فَقَلَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَرَدَّهَا فَأَخَذَتْ. وَفِي كِتَابِ الْبَزَّارِ «٧» فَأَطْعَمَ النَّخْلُ مِنْ عَامِهِ إِلَّا الْوَاحِدَةَ.. فَقَلَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَغَرَسَهَا فَأَطْعَمَتْ مِنْ عَامِهَا. وَأَعْطَاهُ مِثْلَ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ بَعْدَ أن
_________________
(١) هو أبو عبد الله الفارسي مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو من قرية يقال لها: «جؤجؤ» من أصبهان ولم يتخلف عن رسول الله بعد ما أعتقه وكان من علماء الصحابة وزهادهم المعمرين قال النووي اتفقوا على أنه عاش مائتين وخمسين سنة وتوفي في المدائن ودفن فيها سنة خمس او ست وثلاثين وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيه: إن الجنة لتشتاق له.
(٢) ودية: بفتح الواو وكسر الدال المهملة وتشديد الياء المثناة التحتية. وهي صغير فسيل النخل.
(٣) تعلق: بفتح اللام تمسك او تحبل.
(٤) تطعم: بضم التاء وكسر العين أي تعطي الثمرة او تدرك.
(٥) أوقية: بضم الهمزة وتشديد التحتية على المشهور وبحذف الهمزة وفتح الواو في لغة وهي كانت اربعين درهما من فضة في زمنه ﷺ فالمراد هنا وزنها.
(٦) وهو عمر بن الخطاب على ما ذكره ابن عبد البر بسنده في الاستيعاب وهو مسند أحمد أيضا وفي طريق أخرى ذكرها البخاري في غير صحيحه أن الذي غرسها سلمان فيجمع بينهما بان واحدة غرسها عمر وأخرى غرسها سلمان او أن يكونا غرسا واحدة فلم تطعم ويكون الراوي عزا غرسها لعمر مرة ومرة غراسها لسلمان إن كان الراوي واحدا وهو بريدة كما رواه احمد وان كان غيره فيكون فيه مجاز.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٣٥٥» رقم «٤» .
[ ١ / ٦٤٠ ]
أَدَارَهَا عَلَى لِسَانِهِ فَوَزَنَ مِنْهَا لِمَوَالِيهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَبَقِيَ عِنْدَهُ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ.
وَفِي «١» حَدِيثِ حَنَشِ بْنِ عُقَيْلٍ «٢» سَقَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرْبَةً مِنْ سَوِيقٍ شَرِبَ أَوَّلَهَا وَشَرِبْتُ آخِرَهَا فَمَا بَرِحْتُ أَجِدُ شِبَعَهَا إِذَا جُعْتُ وَرِيَّهَا إِذَا عَطِشْتُ وَبَرْدَهَا إِذَا ظَمِئْتُ.
وَأَعْطَى «٣» قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ «٤» - وَصَلَّى معه العشاء في ليلة
_________________
(١) هذا حديث طويل رواه قاسم بن ثابت في الدلائل من طريق موسى بن عقبة عن المسور بن محزمة عنه.
(٢) بفتحتين وشين معجمة ابن عقيل أحد بني نفيلة بن مليك أخي غفار وروي عن المسور بن محزمة قال: خرجنا مع عمر حجاجا حتى اذا كنا بالعرج اذا هاتف على الطريق: قفوا، فوقفنا فقال: أفيكم رسول الله؟ فقال له عمر: أتعقل ما تقول؟ قال: نعم. قال: مات، فاسترجع فقال: من ولي بعده؟ قال: أبو بكر. قال: أهو فيكم؟ قال: مات، فاسترجع وقال: من ولي بعده؟ قال عمر قال: أهو فيكم؟ قال هو الذي يخاطبك، قال: الغوث الغوث، قال: فمن أنت؟ قال: أنا الحنش بن عقيل لقيني رسول الله فدعاني الى الاسلام فأسلمت فسقاني فضلة سويق (الخ الحديث الوارد في الاصل) ثم يممت رأس الابيض فما زلت فيه أنا وأهلي عشرة أعوام أصلي خمسا في كل يوم وأصوم شهر رمضان وأذبح بعشر ذي الحجة نسكا، كذلك علمني رسول الله ﷺ وقد أصابتني السنة، قال: قد أتاك الغوث، الحقني على الماء، قال: فلما رجعنا سألنا صاحب الماء عنه فقال: ذاك قبره، فأتاه عمر فترحم عليه واستغفر له.
(٣) رواه أحمد عن أبي سعيد بسند صحيح.
(٤) تقدمت ترجمته آنفا.
[ ١ / ٦٤١ ]
مُظْلِمَةٍ مَطِيرَةٍ «١» - عُرْجُونًا «٢»، وَقَالَ: انْطَلِقْ بِهِ فَإِنَّهُ سَيُضِيءُ لَكَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ عَشْرًا «٣» وَمِنْ خَلْفِكَ عَشْرًا.. فَإِذَا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَتَرَى سَوَادًا فَاضْرِبْهُ حَتَّى يَخْرُجَ فَإِنَّهُ الشَّيْطَانُ..
فَانْطَلَقَ فَأَضَاءَ لَهُ الْعُرْجُونُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ وَوَجَدَ السَّوَادَ فَضَرَبَهُ حَتَّى خَرَجَ.
وَمِنْهَا «٤» دَفْعُهُ لِعُكَاشَةَ «٥» جِذْلَ «٦» حَطَبٍ وَقَالَ: اضْرِبْ بِهِ حِينَ انْكَسَرَ سَيْفُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفًا صَارِمًا طَوِيلَ الْقَامَةِ أَبْيَضَ شَدِيدَ الْمَتْنِ فَقَاتَلَ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَوَاقِفَ إِلَى أَنِ اسْتُشْهِدَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وكان هذا السيف يسمى العون «٧»
_________________
(١) مطيرة: كثيرة المطر.
(٢) عرجونا: بضم العين المهملة والجيم وبكسر مع فتح الجيم وهو أصل الغدق الذي يعوج ويقطع منه الشماريخ فبقي على النخل يابسا ولعله هو العذق مطلقا وقيل اذا يبس مطلقا وهو الملائم لقوله تعالى: «حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» سورة يس آية ٣٩
(٣) أي عشرة أذرع.
(٤) رواه البيهقي عن عكاشة ﵁.
(٥) هو عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي من بني غنم، صحابي من أهل السرايا يعد من أهل المدينة، شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ، وهو الذي قال فيه ﷺ «سبقك بها عكاشة» وقتل في حرب الردة بارض نجد.
(٦) جذل: بكسر جيم وبفتح وسكون ذال معجمة أي أصل شجرة وأراد به هنا عودا وقيل هو الحطبة او الخشبة الغلظة.
(٧) العون: بالمصدر للمبالغة او بمعنى المعين او المعان والمستعان.
[ ١ / ٦٤٢ ]
وَدَفْعُهُ «١» لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ «٢» يَوْمَ أُحُدٍ- وَقَدْ ذَهَبَ سَيْفُهُ «٣» - عَسِيبَ «٤» نَخْلٍ فَرَجَعَ فِي يَدِهِ سَيْفًا. وَمِنْهُ بَرَكَتُهُ فِي دُرُورِ الشِّيَاهِ الْحَوَائِلِ «٥» بِاللَّبَنِ الْكَثِيرِ كَقِصَّةِ «٦» شَاةِ أُمِّ مَعْبَدٍ «٧» وَأَعْنُزِ «٨» مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرٍ «٩» وَشَاةِ أَنَسٍ «١٠» وَغَنَمِ «١١» حليمة «١٢» مرضعته
_________________
(١) رواه البيهقي.
(٢) هو ابن عمة النبي ﷺ وأسمها أميمة بنت عبد المطلب وهو من المهاجرين بالهجرتين، ويسمى: المجدع لأنه استشهد بأحد وقيل بقطع أنفه وأذنيه لأنه طلب ذلك من الله تعالى.
(٣) جملة اعتراضية.
(٤) عسيب نخل: أي جريدة منه مما لا خوص عليه وما نبت عليه الخوص فهو سعف والخوص الاوراق.
(٥) الحوائل: جمع حائلة وهي الشاة العديمة اللبن.
(٦) رواه ابن سعد والطبراني عن أبي معبد الخزاعي.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٩» .
(٨) وفد معاوية على النبي ﷺ وهو شيخ كبير ومعه ابنه بشر فدعا له النبي ﷺ ومسح رأسه وأعطاه أعنزا عشرا فقال محمد بن بشر بن معاوية ابن ثور في أبيه: وأبي الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير والبركات كما روى ذلك ابن سعد وابن شاهين عن الجعد بن عبد الله.
(٩) هو معاوية بن ثور بن عبادة بن البكار العامري البكائي وفد على النبي ﷺ فأعطاه ما تقدم تحت رقم (١٢) وقد ورد أن النبي ﷺ علم معاوية وابنه بشرا يسن والفاتحة والمعوذات.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(١١) رواه ابو يعلى والطبراني وغيرهما بسند حسن.
(١٢) حليمة بنت عبد الله بن الحارث العدية وزوجها هو الحارث بن عبد العزى وقد أسلمت هي وزوجها وأولادها وهي مرضعته ﷺ.
[ ١ / ٦٤٣ ]
وَشَارِفِهَا «١» وَشَاةِ «٢» عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «٣» وَكَانَتْ له لَمْ يَنْزُ «٤» عَلَيْهَا فَحْلٌ وَشَاةُ «٥» الْمِقْدَادِ «٦» .
وَمِنْ ذَلِكَ «٧» تَزْوِيدُهُ أَصْحَابَهُ سِقَاءَ «٨» مَاءٍ بَعْدَ أَنْ أَوْكَاهُ «٩» وَدَعَا فِيهِ.. فَلَمَّا حَضَرَتْهُمُ الصَّلَاةُ نَزَلُوا فَحَلُّوهُ فَإِذَا بِهِ لَبَنٌ طَيِّبٌ وَزُبْدَةٌ فِي فَمِهِ.
مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ «١٠» . وَمَسَحَ «١١» عَلَى رَأْسِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ «١٢» وَبَرَّكَ «١٣» فَمَاتَ وهو ابن ثمانين فما شاب.
_________________
(١) شارفها: هي المسنة من النوق وقيل من الابل وقيل من المعز.
(٢) رواه البيهقي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» و«٢٥٦» رقم «٢» .
(٤) لم ينز: لم يثب عليها فحل للضراب.
(٥) رواه مسلم.
(٦) هو المقداد بن عمرو ويعرف بابن الاسود الكندي البهراني الحضرمي، أبو معبد او ابو عمرو، صحابي من الابطال وهو أحد السبعة الذين كانوا أول من أظهر الاسلام، وأول من قاتل على فرس في سبيل الله، شهد بدرا وغيرها وسكن المدينة وتوفي على مقربة منها فحمل اليها ودفن فيها.
(٧) رواه ابن سعد عن سالم بن أبي الجعد مرسلا
(٨) سقاء: بكسر السين المهملة وعاء.
(٩) أوكاه: بألف بعد الكاف أي ربطه بالوكاء وهو خيط يشد به الوعاء.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٢» .
(١١) لم يخوجه السيوطي.
(١٢) عمير بن سعد بن عبيد الأوسي الانصاري، صحابي من الولاة، الزهاد، شهد فتوح الشام، واستعمله عمر على حمص فأقام سنة ودعاه الى المدينة فجاءها فأراد عمر اعادته فأبى ومات في أيامه، وقيل: عاش الى خلافة معاوية، وكان عمر يقول: وددت أن لي رجالا مثل عمير بن سعد أستعين بهم على أعمال المسلمين.
(١٣) برك: دعا له بالبركة.
[ ١ / ٦٤٤ ]
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذِهِ الْقِصَصِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ «١» وَمَدْلُوكٍ «٢» .
وَكَانَ يُوجَدُ لِعُتْبَةَ «٣» بْنِ فَرْقَدٍ طِيبٌ يَغْلِبُ طِيبَ نِسَائِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مسح بيديه عَلَى بَطْنِهِ وَظَهْرِهِ «٤» .
وَسَلَتَ «٥» الدَّمَ عَنْ وَجْهِ عائذ «٦» بن عمرو وكان جرح يَوْمَ حُنَيْنٍ «٧» وَدَعَا لَهُ فَكَانَتْ لَهُ غُرَّةٌ «٨» كغرة الفرس «٩» .
_________________
(١) السائب بن يزيد بن سعد بن تمامة بن الاسود، صحابي، مولده قبيل السنة الاولى من الهجرة، وكان مع أبيه يوم حج النبي ﷺ حجة الوداع واستعمله عمر على سوق المدينة وهو آخر من توفي بها من الصحابة له في الصحيحين ٢٢ حديثا
(٢) هو أبو سفيان القرازي له وفادة على النبي ﷺ مع مواليه كان يسكن الشام وأتى النبي ﷺ فمسح برأسه فكان ما مست يده أسود وسائر رأسه أبيض.
(٣) هو أبو عبد الله عتبة بن فرقد بن يربوع السلمي الصحابي، شهد خيبر وابتنى بالموصل دارا ومسجدا وابنه عمرو عد من الاولياء وسكن عتبة الكوفة ويقال لأولاده الفراقده وولي الموصل.
(٤) رواه الطبراني والبيهقي.
(٥) سلت: من السلت وهو مختص باخراج المائع والرطب المتصق بشيء آخر يقال سلت القصعة اذا أمر أصابعه على جوانبها لتنظف والمقصود هنا مسح ما على وجه عائذ من الدم.
(٦) هو عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد المزني أبو هبيرة- كان ممن بايع تحت الشجرة وسكن البصرة ومات في إمارة ابن زياد.
(٧) أي وقعة حنين التي وقعت مع هوازن سنة ثمان من الهجرة.
(٨) غرة: وهي بياض منتشر طولا وعرضا في الوجه.
(٩) رواه الطبراني.
[ ١ / ٦٤٥ ]
وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِ قَيْسِ «١» بْنِ زَيْدٍ الْجُذَامِيِّ ودعا له فهلك وهو ابن مئة سَنَةٍ وَرَأْسُهُ أَبْيَضُ «٢»، وَمَوْضِعُ كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا مَرَّتْ يَدُهُ عَلَيْهِ من شعره أسود «٣» .. فكان يُدْعَى الْأَغَرَّ «٤» .
وَرُوِيَ «٥» مِثْلُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ لِعَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ الْجُهَنِيِّ «٦» وَمَسَحَ وَجْهَ آخَرَ «٧» فَمَا زَالَ عَلَى وَجْهِهِ نُورٌ.
وَمَسَحَ «٨» وَجْهَ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ «٩» فَكَانَ لِوَجْهِهِ بَرِيقٌ حَتَّى كَانَ يُنْظَرُ فِي وَجْهِهِ كَمَا يُنْظَرُ فِي الْمِرْآةِ «١٠» .
_________________
(١) هو قيس بن زيد بن جبار الجذامي ويقال له: قيس الاغر وروي انه وفد عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فولاه الرياسة على قرية بين يديه ومسح على رأسه ودعا له وقال له: بارك الله فيك يا قيس، وكان ابنه نائل سيد جذام بالشام.
(٢) أي رأسه أبيض من الشيب.
(٣) أي لم يشب بل بقي أسود اللون ببركته ﷺ.
(٤) ذكره ابن الكلبي.
(٥) رواه البيهقي.
(٦) هو وهب بن عدي بن مالك البخاري الزهري، والجهني منسوب بالجهينة وهي قبيلة معروفة.
(٧) قال البرهان: «لا أعرفه» وقيل لعله خزيمة بن سواد بن الحارث لأنه روي أنه مسح على وجهه فصارت له غرة بيضاء وقيل لعله طلحة بن أم سليم فانه روي أنه ﷺ مسح بناصيته فكان كغرة.
(٨) رواه أحمد والبيهقي.
(٩) هو قتادة بن سلمان القيسي يعد في البصريين.
(١٠) المرآة: بكسر الميم اسم آلة من الرواية. والظاهر أن النظر في وجهه مبالغة من صفائه وحسنه وليس المراد حقيقته.
[ ١ / ٦٤٦ ]
ووضع «١» يده على رأس حنظلة بن «٢» حذيم وَبَرَّكَ «٣» عَلَيْهِ فَكَانَ حَنْظَلَةُ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ قَدْ وَرِمَ وَجْهُهُ وَالشَّاةُ قَدْ وَرِمَ ضَرْعُهَا فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعِ كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ فيذهب الورم.
و«٤» نفح «٥» فِي وَجْهِ زَيْنَبَ «٦» بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ نَضْحَةً مِنْ مَاءٍ فَمَا يُعْرَفُ كَانَ فِي وَجْهِ امْرَأَةٍ مِنَ الْجَمَالِ مَا بِهَا.
وَمَسَحَ «٧» عَلَى رَأْسِ صَبِيٍّ بِهِ عَاهَةٌ «٨» فَبَرَأَ «٩» وَاسْتَوَى شَعْرُهُ.
ومثله روي «١٠» في خبر المهلب بن قبالة «١١» وَعَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصِّبْيَانِ وَالْمَرْضَى وَالْمَجَانِينِ فبرؤوا.
_________________
(١) رواه البيهقي في حديث طويل مسندا وغيره.
(٢) هو حنظلة بن خديم بن حنيفة التميمي، له ولأبيه ولجده صحبة.
(٣) برك: بفتح الباء المعجمة الموحدة التحتية وتشديد الراء المهملة وفتح الكاف أي دعا له بالبركة وقال: «بارك الله فيك» .
(٤) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب.
(٥) نفح: بفتح النون وفتح الفاء المعجمة وفتح الحاء المهملة رش.
(٦) هي زينب بنت أم سلمة، وأم سلمة هي أم المؤمنين واسمها هند، وقيل رملة وأبوها حذيفة المعروف بزاد الراكب، فزينب ربيبة رسول الله ﷺ، وأخت ابن الزبير من الرضاعة وكانت عند عبد الله بن زمقة فولدت له، وكانت من أفقه أهل زمانها وأعقلهم، وزينب ولدت في أرض الحبشة فقدمت بها أمها وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ زينب.
(٧) هذا الحديث لم يخرجه السيوطي ولا غيره من الشراح.
(٨) عاهة: أي عاهة من قرع او غيره.
(٩) برأ بزنة ضرب وآخره مهموز أي زالت عاهته وشفي مما به أما برىء بكسر الراء بمعنى خلق فمعتل.
(١٠) لم يخرجه السيوطي.
(١١) قيل هو الذي جاء الى رسول الله ﷺ وبه أدرة وقيل: أنهما قصتان وصاحب القصة الثانية هو المهلب بن يزيد بن عدي بن قنانة. وفد على النبي ﷺ وهو أقرع فمسح على رأسه فنبت شعره.
[ ١ / ٦٤٧ ]
وَأَتَاهُ «١» رَجُلٌ بِهِ أُدْرَةٌ «٢» فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْضَحَهَا بماء من عين مجّ «٣» فيه ففعل فبرأ..
وعن «٤» طاووس «٥» لَمْ يُؤْتَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَحَدٍ بِهِ مَسٌّ فَصَكَّ «٦» فِي صَدْرِهِ إِلَّا ذَهَبَ (الْمَسُّ الْجُنُونُ) وَمَجَّ فِي دَلْوٍ مِنْ بِئْرٍ ثُمَّ صَبَّ فِيهَا فَفَاحَ مِنْهَا رِيحُ الْمِسْكِ.
وَأَخَذَ «٧» قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ وَقَالَ: شَاهَتِ «٨» الوجوه فانصرفوا يمسحون القذى «٩» عن أعينهم.
وشكى «١٠» إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ «١١» ﵁ النِّسْيَانَ فأمره ببسط
_________________
(١) قال الدلجي «لا أعلم من رواه» .
(٢) أدرة: بضم الهمزة وسكون الدال المهملة وفتح الراء المهملة وهاء وهو انتفاخ في الخصيتين.
(٣) مج: أي تفل.
(٤) هذا الحديث موقوف على طاووس ولم يعلم من رواه عنه من المخرجين.
(٥) هو طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرّحمن اليماني المشهور وهو من أبناء الفرس وابنه ذكوان فلقب بطاووس لأنه طاووس القراء وكان رأسا في التابعين حجة في العلم عاملا، زاهدا، توفي سنة ست او خمس ومائة وأخرج له الستة حج أربعين حجة وصلّى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، ودفن بمكة ﵁.
(٦) صك: بصاد مهملة وكاف مشددة أي ضرب صدره بيده المباركة.
(٧) رواه أحمد عن وائل بن حجر مسندا. في حديث مشهور رواه مسلم عن سلمة بن الاكوع.
(٨) شاهت الوجوه: جملة دعائية بمعنى قبحت وقبحها الله وهي من الشوهة والتشويه وهو القبح.
(٩) القذى: بفتح القاف والذال المعجمة وألف مقصورة وهو ما يقع في العين من التراب ويكون أيضا ما يقع في الماء المشروب ونحوه مما يكدره.
(١٠) رواه البخاري.
(١١) تقدمت ترجمته في ص «٣٠» رقم «٥» .
[ ١ / ٦٤٨ ]
ثَوْبِهِ وَغَرَفَ «١» بِيَدِهِ فِيهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِضَمِّهِ فَفَعَلَ فَمَا نَسِيَ شَيْئًا بَعْدُ.
وَمَا يُرْوَى عنه فِي هَذَا كَثِيرٌ..
وَضَرَبَ «٢» صَدْرَ جَرِيرِ «٣» بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَدَعَا لَهُ وَكَانَ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَصَارَ مِنْ أفرس العرب وأثبتهم.
ومسح «٤» رَأْسِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ «٥» زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ صَغِيرٌ وَكَانَ دَمِيمًا «٦» وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فضرع «٧» الرجال طولا وتماما.
_________________
(١) غرف: أي فعل فعلا شبيها بمن يغرف من شيء ما.
(٢) روي في الصحيحين.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٧٠» رقم «٧» .
(٤) رواه الزبير بن بكار عن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزبيري عن أبيه.
(٥) هو عبد الرّحمن بن زيد بن الخطاب القرشي العدوي أمه لبابة بنت أبي لبابة الأنصارية. ولد سنة خمس، وقيل ولد سنة الهجرة وزوجه عمر بنته فاطمة فولدت له: عبد الله وولى يزيد بعد معاوية عبد الرّحمن إمرة مكة.
(٦) دميما: بدال مهملة: أي قبيحا ودميما لكونه هزيلا قصيرا والدمامة بالمهملة المفتوحة في الخلق وبالمعجمة المضمومة في الخلق.
(٧) ضرع: بضاء معجمة وراء مهملة مفتوحتين فعين مهملة أي طال وعلا وغلب.
[ ١ / ٦٤٩ ]
الفصل الرابع والعشرون مَا أَطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْغُيُوبِ وَمَا يَكُونُ
وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْغُيُوبِ وَمَا يَكُونُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ بَحْرٌ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَلَا يَنْزِفُ «١» غَمْرُهُ «٢» .. وَهَذِهِ الْمُعْجِزَةُ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ الْمَعْلُومَةِ عَلَى الْقَطْعِ.. الْوَاصِلِ إِلَيْنَا خَبَرُهَا عَلَى التَّوَاتُرِ لِكَثْرَةِ رُوَاتِهَا واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب.
عَنْ «٣» حُذَيْفَةَ «٤» قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا.. فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَهُ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ.. قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ.. وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ فَأَعْرِفُهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إذا رآه عرفه ثم قال حذيفة:
_________________
(١) ينزف بمعجمة وفاء مبني للمفعول او للفاعل والنزف والنزح بمعنى واحد أي لا يفنى.
(٢) غمره: بفتح الغين المعجمة وسكون الميم قبل راء مهملة وهو الماء الكثير جدا
(٣) رواه أبو داود والشيخان. وفي رواية أبي داود الموجودة هنا زيادة على رواية الشيخين.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٦» .
[ ١ / ٦٥٠ ]
مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْهُ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدنيا يبلغ من معه ثلاثمئة فَصَاعِدًا إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَقَبِيلَتِهِ.
وَقَالَ «١» أَبُو ذَرٍّ «٢» لَقَدْ تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا ذَكَّرَنَا مِنْهُ عِلْمًا.
وَقَدْ خَرَّجَ أَهْلُ الصَّحِيحِ وَالْأَئِمَّةُ مَا أَعْلَمَ بِهِ أَصْحَابَهُ ﷺ مِمَّا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الظُّهُورِ عَلَى أَعْدَائِهِ وَفَتْحِ مَكَّةَ «٣»، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ «٤» وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ «٥» وَظُهُورِ الْأَمْنِ حَتَّى تَظْعَنَ الْمَرْأَةُ مِنَ الْحِيرَةِ «٦» إِلَى مَكَّةَ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ «٧» ..
وأن المدينة ستغزى وتفتح خيبر «٨» على يد عَلِيٍّ فِي غَدِ يَوْمِهِ «٩» ..
وَمَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الدُّنْيَا وَيُؤْتَوْنَ مِنْ زَهْرَتِهَا «١٠» ..
_________________
(١) رواه أحمد والطبراني وغيرهما بسند صحيح.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٣) كما رواه الشيخان وغيرهما.
(٤) كما رواه البخاري وغيره.
(٥) كما في الصحيحين عن سفيان بن أبي زهير.
(٦) الحيرة: بكسر الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الراء المهملة والهاء مدينة بقرب الكوفة واسم بلدة أخرى بقرب نيسابور.
(٧) على ما رواه البخاري عن عدي بن حاتم.
(٨) كما رواه الشيخان.
(٩) كما رواه الشيخان عن سهل بن سعد بلفظ لاعطين الراية غدا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فدعا عليا وكان أرمد فبصق في عينيه فبرأ وفتح الله على يديه» .
(١٠) رواه الشيخان من طرق صحيحة.
[ ١ / ٦٥١ ]
وَقِسْمَتِهِمْ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ «١»، وَمَا يَحْدُثُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفُتُونِ وَالِاخْتِلَافِ وَالْأَهْوَاءِ «٢»، وَسُلُوكِ سَبِيلِ مَنْ قَبْلَهُمْ «٣» ..
وَافْتِرَاقِهِمْ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً.. النَّاجِيَةُ منها فرقة وَاحِدَةٌ «٤» ..
وَأَنَّهَا «٥» سَتَكُونُ لَهُمْ أَنْمَاطٌ «٦» وَيَغْدُو «٧» أَحَدُهُمْ فِي حُلَّةٍ «٨» وَيَرُوحُ «٩» فِي أُخْرَى وَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ «١٠» وَتُرْفَعُ أُخْرَى وَيَسْتُرُونَ بُيُوتَهُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ «١١» ثُمَّ قَالَ آخِرَ الْحَدِيثِ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ.. وَإِنَّهُمْ «١٢» إِذَا مَشَوُا المطيطاء «١٣» وخدمتهم
_________________
(١) كما في الصحيحين عن طرق أبي هريرة وغيره.
(٢) على ما رواه الشيخان من طرق.
(٣) كما رواه الشيخان عن أبي سعد بلفظ «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم» .
(٤) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم.
(٥) رواه الشيخان عن جابر رضي الله تعالى عنه.
(٦) أنماط: جمع نمط كسبب أسباب وهو البساط يعني ان أمته ﷺ يتوسعون في الدنيا حتى يتخذوا الفرش النفيسة لبسط الله لهم الرزق بعد ما كانوا فيه من الفقر وضيق المعيشة.
(٧) الغدو: بغين معجمة ودال مهملة سير اول النهار.
(٨) الحلة: الثوب النفيس.
(٩) الرواح: السير آخر النهار.
(١٠) صحفة: بزنة قصعة وهي إناء الطعام.
(١١) رواه الترمذي عن علي وحسنه
(١٢) رواه الترمذي عن ابن عمر كما قاله الدلجي وأما ما ذكره الحلبي من ان الحديث رواه الذهبي في ميزانه من ترجمة محمد بن خليل الحنفي الكرماني ولفظه وروى عن ابن المبارك عن ابن سوقة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ فذكر الحديث ثم قال لا يصح فلا يعارض ما تقدم فان عدم صحته يحمل على روايته مع أنه لا يلزم من عدم الصحة نفي الثبوت بطريق الحسن وهو كاف في الحجة.
(١٣) المطيطاء: بضم الميم وفتح الطاء المهملة ومثناة تحتية ساكنة وألف ممدودة كما في النهاية وهو مبني على التصغير كالكميت وهي مشية فيها مد اليدين والمراد به التبختر
[ ١ / ٦٥٢ ]
بَنَاتُ فَارِسَ وَالرُّومِ رَدَّ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ.. وسلط شرارهم على خيارهم وقتالهم الترك «١» وَالْخَزَرَ «٢» وَالرُّومَ وَذَهَابِ كِسْرَى وَفَارِسَ..
حَتَّى لَا كِسْرَى وَلَا فَارِسَ بَعْدَهُ.. وَذَهَابِ قَيْصَرَ حَتَّى لَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ «٣» .. وَذَكَرَ أَنَّ الرُّومَ ذَاتُ قُرُونٍ «٤» إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ..
وَبِذَهَابِ الْأَمْثَلِ «٥» فَالْأَمْثَلِ من الناس «٦» .. وتقارب الزمان «٧» ..
_________________
(١) كما في الصحيحين «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك أقواما نعالهم الشعر وحتى تقاتلوا الترك صغار الاعين حمر الوجوه دنف الانوف كأن وجوههم المجان المطرقة
(٢) خزر: بضم الخاء وسكون الزاي جمع أخزر والخزر بفتحتين ضيق العين وصغرها وهم طائفة من الترك.
(٣) رواه الشيخان بدون فارس وذكر الحارث عن ابن مخيرير مرفوعا فارس.
(٤) ذات قرون: القرون: جمع قرن وهم الجماعة في عصر واحد أي كلما مضى قرن خلفه قرن مكانه.
(٥) الأمثل: أي الأشرف.
(٦) ورد في البخاري «يذهب الصالحون الاول فالاول وتبقى حثالة كحثالة الشعير او التمر لا يباليهم الله بالة» أي لا يرفع الله لهم وزنا والحثالة بالحاء المهملة والثاء المثلثة من كل شيء رديئه.
(٧) كما في حديث رواه الترمذي عن أنس ﵁: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالضرمة بالنار» الضرمة بضاد مفتوحة معجمة وراء مهملة مفتوحة وهو حشيش يحترق بسرعة، والتقارب تفاعل من القرب والمراد قصره وقلته لأن القصير يقرب بعضه من بعض وقد اختلف في معنى التقارب: فقيل المراد به آخر الزمان وقتراب الساعة والظاهر أنه زمن عيسى ﵇ فانه لكثرة الخيرات تستقصر الأوقات للاستلذاذ بالمسرات وقيل زمن الدجال فانه لكثرة اهتمام الناس بما يدهمهم من هموهم لا يدرون كيف تنقضي أيامهم أو أريد به تسارع الازمنة فيتقارب زمانهم في النحر أو المحنة، وقيل اريد به قلة البركة في أعمالهم مع كثرة الحركة في أحوالهم
[ ١ / ٦٥٣ ]
وَقَبْضِ الْعِلْمِ «١» .. وَظُهُورِ الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ «٢» .. وَقَالَ «٣»:
«وَيْلٌ «٤» لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ» . وَأَنَّهُ «٥» زُوِيَتْ «٦» لَهُ الْأَرْضُ فَأُرِيَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا. وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أمته ما زوي له منها..
ولذلك كَانَ امْتَدَّتْ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مَا بَيْنَ أَرْضِ الْهِنْدِ أَقْصَى الْمَشْرِقِ إِلَى بَحْرِ طَنْجَةَ «٧» حَيْثُ لَا عِمَارَةَ «٨» وَرَاءَهُ وَذَلِكَ مَا لَمْ تملكه
_________________
(١) الحديث «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من العباد ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» كما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة.
(٢) الهرج بفتح الهاء فسكون الراء فجيم قيل لغة حبشية ومعناها القتل وأصل معناه لغة الكثرة وقد ورد في الحديث روي في الصحيحين عن أبي هريرة «يتقارب الزمان بقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشج ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال القتل»
(٣) كما في حديث الشيخين عن أم المؤمنين زينب والحديث: أوله قالت زينب رضي الله تعالى عنها استيقظ رسول الله ﷺ من النوم محمرا وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح من ردم يأجوج ومأجوج بمقدار هكذا.
(٤) ويل: كلمة تفجع وتعجب فتعجب النبي ﷺ مما ينالهم من المشقة والهلاك بفتن تقع بين المسلمين كقطع الليل المظلم.
(٥) فيما رواه مسلم عن ثوبان.
(٦) زويت: بالبناء للمجهول اي جمعت وضم بعضها لبعض حتى يصير في محل يحيط به الناظر اليه سريعا أي أراه الله جميع ذلك
(٧) طنجة: بفتح طاء مهملة وسكون نون وفتح جيم مدينة مشهورة بساحل بحر المغرب وطنجة لفظ بربري وهي مدينة عظيمة فتحت في الاسلام ثم استولى عليها الصليبيون في سنة (٨٠٧ هـ) بعد قتال عظيم فلما رأى المسلمون أن لا معين لهم ولا مغيث سلموها لهم ولم تزل الصليبية ظاهرة ثمة حتى تملكت أكثر البلاد فعاد الاسلام غريبا كما بدا ودفنت آثار الحضارة الاسلامية التي لا تزال واضحة في بعض معالم المدينة الأثرية.
(٨) عمارة: بكسر العين أي بلاد معمورة.
[ ١ / ٦٥٤ ]
أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ.. وَلَمْ تَمْتَدَّ فِي الْجَنُوبِ وَلَا فِي الشَّمَالِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ «١» «لَا يزال أهل الغرب ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» .
ذَهَبَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ «٢» إِلَى أَنَّهُمُ الْعَرَبُ لِأَنَّهُمُ الْمُخْتَصُّونَ بِالسَّقْيِ بِالْغَرْبِ «٣» وَهِيَ الدَّلْوُ.
وَغَيْرُهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ الْمَغْرِبِ وَقَدْ وَرَدَ «الْمَغْرِبُ» كَذَا فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ.
وَفِي حَدِيثٍ «٤» آخَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ «٥» لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وأجيز «٦»
_________________
(١) رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
(٢) وهو علي بن عبد الله بن جعفر بن خزع أبو الحسن إمام أهل الحديث في عصره قال النسائي: كأن الله لم يخلقه إلا لهذا الشأن وقال البخاري ما استصغرت نفسي الا بين يدي علي بن المديني وينسب الى مدينة رسول الله ﷺ نوفي سنة اربع وثلاثين ومائتين وله ثلاث وسبعون سنة.
(٣) الغرب بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة هي الدلو.
(٤) رواه الطبراني وعبد الله بن أحمد بن حنبل.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٢٦٢» رقم «٤» .
(٦) في حديث رواه الترمذي والحاكم عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما. ورواه البيهقي عن سعيد بن المسيب مرسلا وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وعن أبي هريرة وفي سنده الزنجي وهو غير معروف ذاتا وحالا.
[ ١ / ٦٥٥ ]
بِمُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ وَوِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ «١» وَوَصَّاهُ «٢» . وَاتِّخَاذِ بَنِي أُمَيَّةَ مَالَ اللَّهِ دُوَلًا «٣» وَخُرُوجِ «٤» وَلَدِ الْعَبَّاسِ بِالرَّايَاتِ السُّودِ «٥» وَمُلْكِهِمْ أَضْعَافَ مَا مَلَكُوا «٦» وخروج «٧» المهدي «٨» وما ينال
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٣٥٩» رقم «٢» .
(٢) أي ان النبي ﷺ وصي سيدنا معاوية رضي الله ﵎ عنه وذلك فيما رواه البيهقي عن معاوية بلفظ «ما حملني على الخلافة إلا قول النبي ﷺ «يا معاوية إن ملكت وفي رواية إذا وليت فأحسن» وضعفه البيهقي ثم قال غيره «ان له شواهد منها حديث سعد بن العاص «أن معاوية أخذ الادارة فتبع النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم فقال له يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل» ومنها حديث راشد بن سعد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم» يقول أبو الدرداء: «كلمة سمعها معاوية منه ﷺ فنفعه الله بها» . وهذا من جملة ما أخبر به ﷺ من المغيبات
(٣) كما ورد في حديث رواه الترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «اذا بلغ بنو أبي العاص اربعين او ثلاثين اتخذوا دين الله دغلا وعباد الله خولا ومال الله دولا» . دولا: بضم الدال المهملة وفتح الواو ولام جمع دولة. بضم الدال وتفتح وسكون الواو وهو ما يتداول أي يأخذه واحد بعد واحد، والمراد أنهم استأثروا به ومنعوا حقوقه فأسرفوا وبذروا وضيعوا بيت مال المسلمين او هم اول من فعل ذلك في الاسلام.
(٤) كما ورد في حديث رواه احمد والبيهقي بسند فيه ضعف.
(٥) أي الاعلام الملونة بالسواد تفاؤلا بغلبتهم على العباد.
(٦) رواه العقيلي في الضعفاء عن أبي بكر ﵁.
(٧) كما ورد في حديث رواه أصحاب السنن وغيرهم من طرق كثيرة جدا.
(٨) في آخر الزمان كما ورد في حديث رواه أصحاب السنن وغيرهم من طرق كثيرة لا تخلو من ضعف قيل: ان المهدي عباسي وقيل: علوي وانه يملك سبع سنين وكنيته أبو القاسم واسمه محمد بن عبد الله ويبسط العدل والامن في زمنه وقيل: المراد به عيسى بن مريم ﵇ وذكره النبي ﵊ باسمه وصفته وهو ممن يملك الارض كلها.
[ ١ / ٦٥٦ ]
أَهْلَ بَيْتِهِ «١» وَتَقْتِيلِهِمْ وَتَشْرِيدِهِمْ وَقَتْلِ «٢» عَلِيٍّ «٣» .. وَأَنَّ أَشْقَاهَا «٤» الَّذِي يُخَضِّبُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- أَيْ لِحْيَتِهِ مِنْ رَأْسِهِ- وَأَنَّهُ قَسِيمُ «٥» النَّارِ يَدْخُلُ أَوْلِيَاؤُهُ الْجَنَّةَ وَأَعْدَاؤُهُ النَّارَ.. فَكَانَ فِيمَنْ عَادَاهُ الْخَوَارِجُ «٦» وَالنَّاصِبَةُ «٧» .. وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ
_________________
(١) كما في حديث رواه الحاكم «إن اهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا وتشريدا» وضعفه الذهبي. والتشريد الطرد والتفريق من شرد البعير إذا ند.
(٢) كما رواه احمد عن عمار بن ياسر والطبراني عن علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٤) أي أشقى الخلائق.
(٥) يقول الخفاجي في شرح الشفاء: «ظاهر كلامه أن هذا مما أخبر به النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم إلا أنهم قالوا لم يرده أحد من المحدثين، إلا ان ابن الأثير قال في النهاية إلا ان عليا ﵁ قال: أنا قسيم النار يعني اراد ان الناس فريقان فريق معي فهم على هدى وفريق علي فهم على ضلال فنصف معي في الجنة ونصف على في النار انتهى قلت ابن الاثير ثقة وما ذكره علي لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع إذ لا مجال فيه للاجتهاد ومعناه أنا ومن معي قسيم لاهل النار أي مقابل لهم لأنه من أهل الجنة وقيل القسيم القاسم كالجليس والسمير. وقيل أراد بهم الخوارج ومن قاتله كما في النهاية.
(٦) الخوارج هم الذين خرجوا على سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه. عند التحكيم فكانوا اثني عشر ألفا أصحاب صلاة وصيام وقد أخبر عنهم النبي ﷺ وذكرهم بصفاتهم فقال فيهم «يحضر أحدكم صلاته في جنب صلاتهم وصومه في جنب صومهم لا تجاوز قراءتهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» وكان لعلي ﵁ معهم وقائع مدونه في التواريخ وهم من الفرقة الضالة، ولهم اعتقادات فاسدة وأعمال كاسدة والواحد منهم خارج وخارجي.
(٧) أي الفرقة أو الطائفة الناصبة ويقال لهم النواصب وهم قوم تدينوا ببغض علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه قال ابن السيد: «من نصبت الشرك والحبالة فاستعير ذلك لكل من يكيد ويوقع المكروه واشتق منه هذا الاسم» . وفي الكشاف النصب بغض علي وعداوته وهو بالصاد المهملة وهم من الخوارج أيضا.
[ ١ / ٦٥٧ ]
الروافض «١» كفّروه «٢» ..
وقال «٣» بقتل عُثْمَانُ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ وَأَنَّ «٤» اللَّهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَهُ قَمِيصًا «٥» .. وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ خَلْعَهُ «٦» .. وأنه «٧» سيقطر دمه على قوله تعالى «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «٨»» .
_________________
(١) الروافض: من الرفض وهو الترك سموا بذلك لتركهم السنة والجماعة وخروجهم على الخليفة.
(٢) كفروه لتركه الخلافة وهي حقه وهو زعم فاسد وحماقة وهم المنكرون للتحكيم وقولهم لا حكم إلا لله وهي كلمة حتى أريد بها باطل وقد كفروا غيره من الصحابة أيضا.
(٣) رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه ورواه الترمذي عن ابن عمر ولفظه «ذكر رسول الله ﷺ فتنته فقال يقتل هذا مظلوما- يعني عثمان- رضي الله تعالى عنه وحسنه الترمذي أيضا وهو من جملة ما أخبر به من المغيبات فكان كما قال.
(٤) رواه ابن ماجة والترمذي عن عائشة ﵂ وهو حديث حسن ولفظه: «يا عثمان لعل الله أن يقمصك قميصا فان أرادوك على خلعة فلا تخلعه لهم» . ورواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم.
(٥) استعار القميص هنا للخلافة وهذا على سبيل الاستعاره التصريحية التبعية الترشيحية
(٦) عن ابن عمر ﵄ أنه- أي عثمان- أصبح يحدث الناس فقال: «رأيت النبي ﷺ فقال يا عثمان أفطر عندنا فأصبح صائما وقتل في يومه» .
(٧) رواه الحاكم عن ابن عباس قال الذهبي: «إنه موضوع» وتبعه السيوطي ولكن نقل المحب الطبري في الرياض النضرة إن أكثرهم يروي أن قطرة من دمه أو قطرات سقطت على قوله تعالى «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ» في المصحف، ونقل عن حذيفة قال: «أول الفتن قتل عثمان وآخرها خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت أحد وفي قلبه مثقال حبة من حب قتلة عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه وان لم يدركه آمن به في قبره» أخرجه السقلي الحافظ.
(٨) سورة البقرة آية ١٣٧.
[ ١ / ٦٥٨ ]
وَأَنَّ الْفِتَنَ لَا تَظْهَرُ مَا دَامَ عُمَرُ «١» حَيًّا «٢» وَبِمُحَارَبَةِ «٣» الزُّبَيْرِ «٤» لِعَلِيٍّ «٥» وَبِنُبَاحِ كِلَابِ الْحَوْأَبِ «٦» عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ «٧» وَأَنَّهُ «٨» يُقْتَلُ حَوْلَهَا قَتْلَى كَثِيرٌ وَتَنْجُو بَعْدَ مَا كَادَتْ.. فَنَبَحَتْ عَلَى عَائِشَةَ «٩» عِنْدَ خُرُوجِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ.
وَأَنَّ عَمَّارًا «١٠» تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ «١١» - فَقَتَلَهُ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ «١٢» وَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ «١٣» بْنِ الزُّبَيْرِ: «وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ وويل لك
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤»
(٢) رواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما والشيخان عن حذيفة.
(٣) رواه البيهقي في دلائله من طرق.
(٤) تقدمت ترجمته آنفا.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٦) الحوأب: بحاء مهملة وواو ساكنة وهمزة مفتوحة وموحدة اسم ماء او موضع بين البصرة ومكة نزلته عائشه لما توجهت للصلح بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهم
(٧) رواه أحمد والبزار والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها بسند صحيح
(٨) رواه البزار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بسند صحيح.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(١٠) هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي العشي القطماني، ابو اليقظان صحابي من الولاة الشجعان ذوي الرأي، أحد السابقين الى الاسلام والجهر به، هاجر الى المدينة وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وكان النبي ﷺ يلقبه الطيب المطيب وهو اول من بنى مسجدا في الاسلام (بناه في المدينة وسماه مباء) وولاه عمر الكوفة فأقام زمنا ثم عزله عنها وشهد الجمل وصفين مع علي وقتل في صفين وعمره ثلاث وتسعون سنة.
(١١) رواه الشيخان وغيرهما من طرق.
(١٢) تقدمت ترجمته في ص «٣٥٩» رقم «٢» .
(١٣) تقدمت ترجمته في ص «١٥٧» رقم «٤» .
[ ١ / ٦٥٩ ]
مِنَ النَّاسِ» . وَقَالَ «١» فِي قُزْمَانَ «٢» وَقَدْ أَبْلَى مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ..
وَقَالَ «٣» فِي جَمَاعَةٍ فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ «٤» وَسَمُرَةُ «٥» بْنُ جُنْدُبٍ وَحُذَيْفَةُ «٦» آخِرُكُمْ مَوْتًا فِي النَّارِ «٧» .. فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَسْأَلُ عَنْ بَعْضٍ فَكَانَ سَمُرَةُ آخِرَهُمْ مَوْتًا هَرِمَ وَخَرِفَ فَاصْطَلَى بِالنَّارِ فَاحْتَرَقَ فِيهَا.
وَقَالَ «٨» فِي حَنْظَلَةَ «٩» الْغَسِيلِ «١٠» .. سَلُوا زوجته عنه فإني
_________________
(١) رواه الشيخان عن سهل بن سعد ﵁.
(٢) وهو مولى لبعض الأنصار وكان شجاعا لكنه منافق وكان قاتل قتالا شديدا اعجب الصحابة رضي الله تعالى عنهم الا أن ذلك لم يكن خالصا لله وقد أطلع الله رسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم على حاله.
(٣) رواه البيهقي والطبراني من طرق عن أبي هريرة موصولة ومنقطعة ومرسلة وروي قضية احتراقه بلاغا عن بعض أهل العلم وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن محمد ابن سيرين أن سمرة كان أصابه كراز شديد وكان لا يكاد يدفا فأمر بقدر عظيمة فملئت ماء وأوقد تحتها واتخذ فوقها مجلسا وكان لم يصل اليه بخارها فيدفئه فبينما هو كذلك إذ خسف به فاحترق.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣٠» رقم «٥» .
(٥) تقدم آنفا.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٦» .
(٧) المقصود بالاحتراق أن يحترق في الدنيا احتراقا يموت به فيها لا انه يدخل نار جهنم للرواية التي سيفت لموت سمرة فيما تقدم.
(٨) رواه ابن اسحاق عن عاصم عن عمر بن قتادة.
(٩) هو حنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن مالك المعروف بغسيل الملائكة وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب واسمه عمرو ويقال عبد عمرو وكان يذكر البعث ودين الحنيفية فلما بعث النبي ﷺ عائده وحده وخرج عن المدينة وشهد مع قريش وقعة أحد ثم رجع مع قريش الى مكة ثم خرج الى الروم فمات بها سنة تسع، وأسلم ابنه حنظلة فحسن اسلامه واستشهد بأحد.
(١٠) الغسيل: فعيل بمعنى مفعول من الغسل سمي بذلك لأن الملائكة غسلته لما استشهد بأحد وكان جنبا فقتله ابو سفيان بن حرب.
[ ١ / ٦٦٠ ]
رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ.. فَسَأَلُوهَا فَقَالَتْ: إِنَّهُ خَرَجَ جُنُبًا وَأَعْجَلَهُ الْحَالُ عَنِ الْغُسْلِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ «١» ﵁ وَوَجَدْنَا رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً.
وَقَالَ «٢» الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ.. وَلَنْ «٣» يَزَالَ هذا لأمر فِي قُرَيْشٍ مَا أَقَامُوا الدِّينَ. وَقَالَ «٤» يَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ «٥» فَرَأَوْهُمَا «٦» الْحَجَّاجُ «٧» وَالْمُخْتَارُ «٨» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .
(٢) رواه احمد والترمذي.
(٣) ورد في حديث رواه البخاري عن معاوية رضي الله تعالى عنه.
(٤) رواه مسلم والبيهقي.
(٥) مبير: بضم الميم فكسر الباء الموحدة التحتية فياء مثناة تحتية فراء مهملة أي مهلك من أبار أي اهلك مأخوذ من البوار وهو الهلاك.
(٦) فرأوهما: من الرأي أي رأي العلماء أن المراد بهما الحجاج بن يوسف الثقفي وهو المبير والكذاب المختار بن عبيد الثقفي. وهذا مما أخبر به صلّى الله تعالى عليه وسلم من المغيبات ففي حديث أسماء رضي الله تعالى عنهما من طريق مسلم أنها قالت للحجاج «ان في ثقيف كذابا ومبيرا» أما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فلا اخالك إلا إياه، وقال النووي: «أجمع العلماء على ان المبير هو الحجاج» وقال الترمذي في جامعه: «ويقال الكذاب المختار والمبير الحجاج ثم ذكر بسنده الى هشام بن حسان قال أخصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة وعشرين ألفا.
(٧) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد: قائد، داهية، سفاك، خطيب. ولد ونشأ في الطائف (بالحجاز) وانتقل الى الشام فلحق بروح بن زنباع نائب عبد الملك بن مروان، فكان في عديد شرطته، ثم ما زال يظهر حتى قلده عبد الملك أمر عسكره، وأمره بقتال عبد الله بن الزبير وثبتت له الامارة عشرين سنة وبنى مدينة واسط سفاكا سفاحا باتفاق معظم المؤرخين ومات بواسط وأجرى على قبره الماء فاندرس
(٨) هو المختار بن عبيد الثقفي بن مسعود بن عمر بن عمير وأبوه أسلم في حياة النبي ﵇ ولم يره فلم يعد من الصحابة والمختار هذا كان يزعم أن جبريل عليه الصلاة-
[ ١ / ٦٦١ ]
وَأَنَّ «١» مُسَيْلِمَةَ «٢» يَعْقِرُهُ «٣» اللَّهُ وَأَنَّ «٤» فَاطِمَةَ «٥» أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ وَأَنْذَرَ «٦» بِالرِّدَّةِ وَبِأَنَّ «٧» الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا فَكَانَتْ كذلك بِمُدَّةِ «٨» الْحَسَنِ «٩» بْنِ عَلِيٍّ.
وَقَالَ «١٠» إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَدَأَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً ثُمَّ يَكُونُ رَحْمَةً
_________________
(١) - والسلام يأتيه وكان يظهر مدح ابن الزبير ومحمد بن الحنفية واستحوذ على الكوفة وأظهر التشيع واجتمع عليه ناس كثيرون وطلب الأخذ بثأر الحسين فقتل كثيرا من قتلته وعظم أمره وكان يتكهن ويزعم أنه يوحي اليه وله كرسي يضاهي به تابوت بني اسرائيل فهو ضال مضل واستمر على ذلك مدة حتى قتله مصعب ابن الزبير.
(٢) رواه الشيخان عن ابن عباس ﵄.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٠٦» رقم «٣» .
(٤) يعقره: بكسر القاف أي يهلكه.
(٥) رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنهما.
(٦) تقدم آنفا.
(٧) كما في حديث الشيخين «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعصكم رقاب بعض» وفي حديث مسلم «لا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الاوثان» فوقعت الردة في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
(٨) رواه أصحاب الكتب الستة مسندا.
(٩) أي بمعنى مدة خلافته وهي ستة أشهر تقريبا وفيه دلالة على ان معاوية لم يحصل له ولاية الخلافة ولو بعد فراغ الحسن له بالامارة ويشير اليه ما رواه البخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة بلفظ «الخلافة بالمدينة والملك بالشام» ثم أعلم ان خلافة أبي بكر كانت سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوما وخلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام وخلافة عثمان احدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وثمانية عشر يوما وخلافة علي أربع سنين وعشرة أشهر او تسعة وبتمامها خلافة الحسن.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٢» .
(١١) رواه البزار عن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه.
[ ١ / ٦٦٢ ]
وَخِلَافَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا «١» .. ثُمَّ يَكُونُ عُتُوًّا «٢» وَجَبَرُوتًا «٣» وَفَسَادًا فِي الْأُمَّةِ..
وَأَخْبَرَ «٤» بِشَأْنِ أويس «٥» القربي وبأمراء «٦» يؤخرون الصلاة وفي «٧» حديث آخر: ثلاثون دجالا كذابا.. أحدهم الدَّجَّالُ الْكَذَّابُ «٨» كُلُّهُمْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
_________________
(١) عضوضا: بفتح العين المهملة وضمها صيغة مبالغة جمع عض بكسر العين المهملة وهو الشرير الخبيث والمراد هنا سلطنة خالية عن الرحمة والشفقة على الرعية فكأنهم يعضون بالنواجذ فيه عضا حرصا على الملك. وهذا من باب الاستعارة التصريحية او المكنية بتشبيه ظلمهم وتعديهم على الرعية بعض حيوان مفترس.
(٢) عتوا: بضم العين المهملة وتشديد التاء المثناة الفوقية وضمها أي تكبرا.
(٣) جبروتا: بفتحتين فعلوت من الجبر بمعنى القهر مبالغة أي تجبرا وقهرا.
(٤) رواه مسلم.
(٥) هو أويس بن عامر المرادي نسبة لمراد قبيلة مشهورة و(القرني) بفتحتين نسبة لقرن بن ردمان بن ناجية بن مراد في طبقات الاولياء للشرجي انه خير التابعين مطلقا بشهادة النبي ﷺ له وكان أدرك زمن النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم ولم يره باشتغاله ببر أمه وتوفي بصفين على ما قيل عام سبع وثلاثين شهيدا مع أصحاب علي رضي الله تعالى عنهم.
(٦) رواه مسلم من طرق عن أبي ذر ﵁ ولفظه «كيف انت إذا كنت وعليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها قلت فما تأمرني قال: صل الصلاة لوقتها فان أدركتها فصل فانها لك نافلة» قال النووي «المراد تأخيرها عن وقتها الاختياري لا عن وقتها مطلقا بشهادة أمره صلّى الله تعالى عليه وسلم باعادتها معهم بعد أدائها منفردا إذ لا اعادة بعد خروج وقت الصلاة» .
(٧) رواه الشيخان عن ابي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(٨) أي الدجال الاعور الذي يظهر في آخر الزمان ويقتله عيسى بن مريم ﵊ وفي تذكرة القرطبي «انه ابن صياد يدعي الألوهية ويظهر أمورا خارقة للعادة ولا يدخل مكة والمدينة والقدس معه جنة ونار وجبال من خبز» .
[ ١ / ٦٦٣ ]
وَقَالَ «١» يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ فِيكُمُ الْعَجَمُ يَأْكُلُونَ فَيْئَكُمْ «٢»، وَيَضْرِبُونَ رِقَابَكُمْ. وَلَا «٣» تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُوقَ النَّاسَ بِعَصَاهُ «٤» رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ «٥» وَقَالَ «٦»: خَيْرُكُمْ قَرْنِي.. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا «٧» يُسْتَشْهَدُونَ وَيُخَوَّنُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ «٨»
وَقَالَ «٩»: لَا يَأْتِي زمان إلّا والذي بعده شر منه.
_________________
(١) رواه البزار والطبراني بسند صحيح من حديث طويل.
(٢) فيئكم: بفتح الفاء وسكون الياء مهموز أي أموالكم.
(٣) رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(٤) أي يملك الناس ويسخرهم كما يريد من غير مانع ولاكد وتعب وفيه استعارة تمثيلية لتشبيهه براع لغنم يسوقها بعصاه يهش بها عليها وفيها اشارة الى ضعف الناس وجهلهم فكأنهم غنم سائمة همها أن ترعى والعصا فيه كما هو قولهم فلان تحت عصا فلان أي منقاد لأمره وحكمه وهم عبيد العصا.
(٥) وهذا الرجل يسمى الجهجاه كما ورد في الحديث.
(٦) رواه الشيخان.
(٧) أي يؤدون الشهادة قبل أن تطلب منهم ومثله لا يقبل وهذا لا ينافي ما ورد في الحديث «ان خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل ان تطلب منهم» فان هذا حمل على من كان عنده علم بامر وشهادة فيه وصاحبها لا يدري أنها عنده فيخبره بما عنده ليستشهده عند حاجته ولكل مقام مقال.
(٨) أي عظم البدن بكثرة لحمه وهذا علامة على كثرة أكلهم وشربهم وترفههم وعدم خوفهم من الله وعدم تفكرهم في عواقب الأمور وروي «يأتي في آخر الزمان قوم يتسمنون» وفي التوراة «إن الله يبغض الحبر السمين» وفي الغالب من سمن وكثرت رطوبة بدنه كان بليدا مغفلا غير مكترث بدينه ودنياه فجعل هذا كناية عما ذكر لأنه من لوازمه غالبا فلا ينافيه ما يشاهد من كون بعض العلماء والصلحاء سمين الجثة خلقة أنشأه الله عليها، وقيل المذموم منه ما يكتسب دون الخلقي.
(٩) رواه البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه.
[ ١ / ٦٦٤ ]
وقال «١»: «هلاك أمتي على يد أغيلمة «٢» من قريش» .
وقال أبو هريرة «٣» رواية «٤»: «لَوْ شِئْتُ سَمَّيْتُهُمْ لَكُمْ بَنُو فُلَانٍ وَبَنُو فلان»
وأخبر «٥» بظهور القدرية «٦» و«٧» الرافضة «٨» وسب «٩» آخر
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) أغيلمة: تصغير أغلمة وهو جمع قلة يجوز فيه التصغير على لفظه وهو في حكم المفرد وهو تصغير تحقير.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٣٠» رقم «٢» .
(٤) لكنه لم يسمهم تسمية صريحة خوف الفساد والفتنة.
(٥) رواه الترمذي وأبو داوود والحاكم ولفظه «القدرية مجوس هذه الأمة» .
(٦) يقول القدرية إن الأمور كلها ليست بقضاء الله وقدره وإن الانسان خالق لأفعاله وأنها بقدرته سموا قدرية لاثباتهم للعبد قدرة لا لانكار قدرة الله على أفعاله وشبههم بالمجوس لأنهم أثبتوا خالقين خالق الخير وهو النور الذي سموه (يزدان) وخالق الشر الظلمة سموها (أهرمن) وهؤلاء لما نسبوا أفعال العباد لهم قالوا بتعدد الخالق على ما تقرر في علم الأصول وأما معنى القضاء والقدر فعند السلف القضاء ارادة الله الأزلية المتعلقة بجميع الأشياء خيرها وشرها والقدر إيجاده إياها على ما معناه أولا وعند الفلاسفة القضاء علمه بما عليه الوجود حتى يكون على أحسن نظام ويسمونه العناية والقدر خروجها على دفعة وهؤلاء القدرية هم المعتزلة وأما القدرية الذين أنكروا القدر وأن الأمر أنف أي مستأنف لا يعلمه إلا الله إلا بعد وجوده فليس المراد بالحديث هم لأنهم انقرضوا ولم يبق منهم أحد.
(٧) رواه البيهقي من طرق كلها ضعيفة إلا أنها يتقوى بعضها ببعض ويعضدها ما رواه البزار بلفظ «يكون في أمتي قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة يرفضون الاسلام وروي يلفظونه- فاقتلوهم فانهم مشركون» .
(٨) الرفض معناه لغة الترك أي أنهم قوم يرفضون الاسلام بالكلية لأنهم يستحلون سب الصحابة ويكفرون أهل السنة والجماعة.
(٩) رواه أبو القاسم البغوي عن عائشة مرفوعا بلفظ «لا تذهب الأمة حتى يلعن آخرها أولها» وقد وقع هذا كثيرا من الرافضة فأظهروا سب الشيخين وسب عائشة ومعاوية وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عليهم. وكذلك للترمذي من حديث طويل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «ولعن آخر هذه الأمة أولها فارتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام قطع سلكه» .
[ ١ / ٦٦٥ ]
هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا وَقِلَّةِ «١» الْأَنْصَارِ «٢» حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَتَبَدَّدُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ جَمَاعَةٌ.. وَأَنَّهُمْ سَيَلْقَوْنَ بَعْدَهُ أَثَرَةً «٣» .
وَأَخْبَرَ «٤» بِشَأْنِ الْخَوَارِجِ «٥» وَصِفَتِهِمْ وَالْمُخَدَّجِ «٦» الذي
_________________
(١) لما رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مرضه الذي مات فيه فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان الناس يكثرون ويقل الأنصار» أي بعدي.
(٢) وهم الأوس والخزرج وسموا أنصارا لأنهم نصروا الرسول ﷺ وأيدوه وهو جمع ناصر أو نصير غلب على هذه القبيلة ولذا نسب إليهم أنصاري.
(٣) أثرة: بفتح الهمزة والمثلثة والراء المهملة قيل ويجوز كسر الهمزة وسكون المثلثة وهما بمعنى واحد وهو الاستبداد والمراد أنهم يلقون بعده ﷺ من يؤثر عليهم غيرهم ويقدمه عليهم في العطاء من الديوان ويقل نصيبهم من الفيء فتضيق معيشتهم وفي نفسهم شرف وحمية فيتشتتوا ويتبدد أمرهم..
(٤) رواه الشيخان.
(٥) الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه بالنهر وهم نحو أربعة آلاف فقاتلهم حتى قتلهم واستشهد بحربهم لبعض أصحابه وقيل كانوا أكثر من ذلك بكثير
(٦) وهو بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة ويروي بفتح الخاء وتشديد الدال والمعنى واحد وروى المخدوج وهو الناقص خلفه ومنه الخداج وهو إشارة لما في حديث الصحيحين من أن ﷺ قسم في بعض الأيام قسمة فقال له رجل من تميم وهو ذو الخويصرة اعدل يا رسول الله فقال ويحك ومن يعدل إذا لم اعدل خبت وخسرت فقال عمر ﵁ ائذن لي اضرب عنقه فقال له دعه ان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته إلى آخره وآيتهم رجل أسود احدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ولما كانت وقعتهم وقتال علي لهم خطب الناس وذكر الحديث وقال اطلبوا ذا الثدية فطلبوه فوجدوه تحت القتلى فجاؤا به فقال شقوا قميصه فشقوه فلما رأى احدى ثدييه مثل المرأة عليه شعرات سجد شكر الله تعالى اذ صدق نبيه ﷺ وعلم أنه على الحق وهم على الباطل.
[ ١ / ٦٦٦ ]
فيهم وأنّ سيماهم «١» التحليق «٢» ويرى «٣» راء الغنم «٤» رؤوس النَّاسِ وَالْعُرَاةُ الْحُفَاةُ يَتَبَارَوْنَ فِي الْبُنْيَانِ «٥» .. وَأَنْ «٦» تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا «٧» وَأَنَّ «٨» قُرَيْشًا وَالْأَحْزَابَ لَا يَغْزُونَهُ أَبَدًا وَأَنَّهُ هُوَ يَغْزُوهُمْ «٩» .
وَأَخْبَرَ «١٠» بِالْمَوْتَانِ «١١» الذي يكون بعد فتح بيت المقدس
_________________
(١) سيماهم: بكسر السين المهملة وهي العلامة.
(٢) التحليق: أي يحلقون شعور رؤوسهم ولم يكن في الصدر الأول حلق الرؤوس إلا في النسك وقيل جلوسهم حلقا حلقا.
(٣) هذا الحديث في الصحيحين بمعناه وبعض ألفاظه فالمصنف رحمه الله تعالى رواه من طريق آخر ورواه بالمعنى.
(٤) وفي نسخة المشاد.
(٥) أي أن أرباب الجهالة والقلة والذلة يتفاخرون في البنيان وإشادته ويتغلبون على أهل العلم والغنى والعزة.
(٦) وهذا مأخوذ من حديث صحيح مشهور رواه الشيخان وغيرهما.
(٧) ربتها: بتاء التأنيث وربت ورب بمعنى سيد وسيدة والرب لغة لها معان: السيد والمالك والمدبر والمربي والقيم والمنعم ويطلق على الله ﵎. والمراد هنا السيد ذكرا كان او أنثى وفي معنى هذا الحديث اختلاف كثير فقيل معناه أن الإماء يلدن الملوك فتكون أمه أمة من جملة رعيته وقيل وهو عبارة عن فساد أحوال الناس في آخر الزمان وكثرة بيع أمهات الاولاد وقيل هو كناية عن كثرة العقوق وقلة تأدية الحقوق
(٨) رواه البخاري عن سليمان بن صرد.
(٩) أي أن كفار قريش وسائر طوائف الكفار لا يغزونه أبدا بل هو الذي يبدؤهم بالمحاربة كما وقع له ولأصحابه بفتح مكة.
(١٠) رواه البخاري عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(١١) الموتان: بضم الميم وتفتح وسكون الواو وهو مصدر بمعنى الموت الكثير او الوباء الخطير، وكان هذا الوباء في خلافة عمر ﵁ بعمواس وهي قرية من قرى بيت المقدس نزل بها عسكره وهو اول طاعون وقع في الاسلام مات فيه سبعون ألفا في ثلاثة أيام وكان ذلك سنة ست عشرة من الهجرة وقد مات في عمواس سيدنا أبو عبيدة بن الجراح.
[ ١ / ٦٦٧ ]
وَمَا «١» وَعَدَ مِنْ سُكْنَى الْبَصْرَةِ «٢» وَأَنَّهُمْ «٣» يَغْزُونَ فِي الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ «٤» وَأَنَّ «٥» الدِّينَ لو كان منوطا في الثريا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ. وَهَاجَتْ «٦» رِيحٌ في غزاته «٧» فَقَالَ:
هَاجَتْ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ «٨» فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَجَدُوا ذَلِكَ.
وَقَالَ «٩» لِقَوْمٍ مِنْ جُلَسَائِهِ: ضِرْسُ أَحَدِكُمْ فِي النَّارِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ «١٠» قال أبو هريرة فذهت القوم- يعني ماتوا- وبقيت أنا
_________________
(١) لما رواه أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه انه صلّى الله تعالى عليه وسلم قال له: يا أنس إن الناس يمصرون أمصارا وان مصرا فيها يقال له البصرة فان أنت مررت بها او دخلتها فاياك وسباخها وكلاؤها وسوقها وباب أمرائها وعليك بضواحيها فانه يكون بها خسف وقذف ورجف وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير» ولعل هذه الامور وردت معنوية او ترد بعد ذلك صورية.
(٢) ص اعلام.
(٣) رواه الشيخان.
(٤) الأسرة جمع سرير وهو مقعد يعد للملوك مرتفع يجلسون عليه ترفعا وتعظما ومؤخر المراكب المعدة للغزو الذي يقعد عليه رئيسهم يعمل على هيئة سرير الملك بعينه كما يعرفه من شاهد فهو من الاخبار العجيبة لأنه لم يكن ذلك بديار العرب ولم يره أحد منهم فهذا من خوارق العادات والاخبار بالمغيبات.
(٥) رواه الشيخان عن أبي هريرة.
(٦) رواه مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه.
(٧) ذكر الدلجي أنها غزوة تبوك وقرر الحلبي وهو الأولى بالاعتماد أنها غزوة بني المصطلق.
(٨) وهو رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء اليهود وكهناء المنافقين.
(٩) رواه الطبراني عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه.
(١٠) المراد ان احدهم يموت كافرا كما في حديث آخر «ضرس الكافر قبل أحد» .
[ ١ / ٦٦٨ ]
وَرَجُلٌ فَقُتِلَ مُرْتَدًّا «١» يَوْمَ الْيَمَامَةِ «٢» .
وَأَعْلَمَ «٣» بِالَّذِي غَلَّ «٤» خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ فَوُجِدَتْ فِي رَحْلِهِ وَبِالَّذِي «٥» غَلَّ الشَّمْلَةَ «٦» وَحَيْثُ هِيَ «٧» .
وَنَاقَتِهِ «٨» حِينَ ضَلَّتْ وَكَيْفَ تَعَلَّقَتْ بِالشَّجَرَةِ بِخِطَامِهَا «٩» وَبِشَأْنِ «١٠»
_________________
(١) وهو الرجال بن عفوة أسلم فلما ادعى مسيلمة النبوة ارتد وشهد له بذلك.
(٢) وهي الحرب التي كانت باليمامة واليمامة اسم ارض معروفة شرقي الحجاز ومدينتها العظمى الحجر ويسمى حجر اليمامة
(٣) رواه ابو داود والنسائي عن زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه.
(٤) غل: بغين معجمة ولام مشددة من الغلول وهو السرقة خفية.
(٥) رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه أهدى رجل لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم غلاما اسمه مدعم فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ جاءه سهم عائر- أي لا يدرى راميه- فقتله فقالوا هنيئا له الجنة فقال رسول الله ﷺ «كلا والذي نفسي بيده ان الشملة التي اخذها يوم خيبر من الغنائم قبل القسمة لتشتعل عليه نارا» .
(٦) الشملة: وهي المرة من الشمول وكساء صغير يشتمل به الانسان.
(٧) أي وبالمكان الذي هي فيه.
(٨) رواه البيهقي عن عروة مرسلا.
(٩) بخطامها: بكسر الخاء المعجمة وهو زمامها ومقصودها. وكان ﷺ لما ضلت فقال رجل من المنافقين كيف يزعم محمد أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبريل وأخبره بقول المنافق وبمكان ناقته فقال ﷺ «ما أزعم أني اعلم الغيب وما اعلمه ولكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي وهي في الشعب وقد تعلق زمامها بشجرة كذا فخرجوا يسعون قبل الشعب فوجدوها حيث قال وكما وصف فجاؤوا بها وآمن ذلك المنافق وهو زيد بن اللصيب.
(١٠) رواه الشيخان عن علي كرم الله وجهه.
[ ١ / ٦٦٩ ]
كِتَابِ حَاطِبٍ «١» إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ «٢» .
وَبِقَضِيَّةِ «٣» عُمَيْرٍ «٤» مَعَ صَفْوَانَ «٥» حِينَ سَارَّهُ وَشَارَطَهُ عَلَى قَتْلِ
_________________
(١) هو حاطب بن ابي لمتعة اللخمي: صحابي شهد الوقائع كلها مع رسول الله ﷺ وكان من أشد الرماة، في الصحابة، وكانت له تجارة واسعة. بعثه النبي ﷺ بكتابه الى المقوقس صاحب الاسكندرية. ومات في المدينة. وكان أحد فرسان قريش وشعرائها في الجاهلية.
(٢) وذلك أن النبي ﷺ لما تجهز لفتح مكة ولم يعلم أحدا بتوجهه ومقصده فكتب حاطب اليهم كتابا فيه أن رسول الله ﷺ قد توجه اليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو سار اليكم وحده نصره الله عليكم فانه منجز له ما وعده فعليكم الحذر فقال رسول الله ﷺ لعلي وبعض أصحابه رضي الله تعالى عليهم اذهبوا الى روضه خاخ ففيها جارية معها مكتوب فأتوني به وكان ﷺ أخفى مسيره فأتوا المحل فوجدوا الجارية فأنكرت ففتشوها فلم يجدوا معها شيئا فهموا بالرجوع ثم بدا لعلي رضي الله تعالى عنه ان خبره ﷺ صدق فهدد الجارية فأخرجت الكتاب من عقصتها وهذا من جملة المغيبات التي أخبر بها النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه.
(٣) رواه ابن اسحاق والبيهقي والطبراني.
(٤) هو عمير بن وهب بن خلف الجمحي، أبو أمية: صحابي، من الشجعان. أبطا في قبول الاسلام، وشهد وقعة بدر مع المشركين فأسر المسلمون ابنا له، فرجع الى مكة فخلا به صفوان بن أمية بالحجر وقال له: دينك علي، وعيالك علي، أمونهم ما عشت، واجعل لك كذا وكذا إن أنت خرجت إلى محمد فقتلته، فوافقه عمير ورحل الى المدينة فدخل بسيفه على النبي ﷺ وهو في المسجد، فسأله: لم قدمت قال: أريد فداء ابني فقال: مالك والسلاح؟ قال نسيته علي لما دخلت، قال فما جعل لك صفوان بن أمية في الحجر؟ فأنكر، فأخبره النبي ﷺ بما كان، فدهش وأسلم، وعاد إملى كة وأشهر إسلامه ثم هاجر إلى المدينة، وشهد مع المسلمين أحدا وما بعدها.
(٥) هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي القرشي المكي، أبو وهب: صحابي، فصيح جواد، كان من أشراف قريش في الجاهلية والاسلام. قال أبو عبيدة: إن صفوان «قنطر في الجاهلية، وقنطر أبوه» أي صار له قنطار ذهبا، أسلم بعد الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، وشهد اليرموك، ومات بمكة، له في الصحيحين ١٣ حديثا.
[ ١ / ٦٧٠ ]
النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا جَاءَ عمير النبي ﷺ قَاصِدًا لِقَتْلِهِ وَأَطْلَعَهُ رسول الله ﷺ على الْأَمْرِ وَالسِّرِّ أَسْلَمَ وَأَخْبَرَ «١» بِالْمَالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ «٢» ﵁ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ «٣» بَعْدَ أَنْ كَتَمَهُ فَقَالَ: مَا عَلِمَهُ غَيْرِي وَغَيْرُهَا. فَأَسْلَمَ. وَأَعْلَمَ «٤» بِأَنَّهُ سَيَقْتُلُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ «٥» .
وَفِي عُتْبَةَ بْنِ «٦» أَبِي لَهَبٍ أنه يأكله كلب من كلاب «٧» اللَّهِ وَعَنْ «٨» مَصَارِعِ أَهْلِ بَدْرٍ فَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَقَالَ «٩» فِي الْحَسَنِ «١٠»: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سيد وسيصلح لله به
_________________
(١) رواه أحمد عن ابن عباس والحاكم والبيهقي عن عائشة ﵂ بسند صحيح.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .
(٣) هي لبابة بنت الحارث بن حرب الهلالية كنيت باسم ابنها الفضل كما كني العباس أبو الفضل وهي من أشراف الصحابة رضي الله تعالى عنها يقال أنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة.
(٤) رواه البيهقي عن عروة وسعيد بن المسيب مرسلا.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٢٧٨» رقم «٧» .
(٦) تقدمت ترجمته آنفا.
(٧) فأكله الأسد وهو ذاهب إلى الشام والأسد يسمى كلبا وهو يشبهه صورة.
(٨) كما ورد في صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ قام ببدر قبل قتالهم وقال هذا مصرع فلان ووضع يده على الأرض ثم قال هذا مصرع فلان ووضع يده عليها وعدهم واحدا واحدا مشيرا لمصارعهم فلم يتجاوز أحدهم موضعه فصرعوا كذلك ثم جروا بأرجلهم وطرحوا في القليب ثم جاء رسول الله ﷺ حتى وقف عليهم وقال يا فلان بن فلان يناديهم بأسمائهم واحدا بعد واحد هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فقال الصحابة لرسول الله ﷺ أتكلم أجسادا لا أرواح لها فقال والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم لكلامي ولكنهم لا يستطيعون أن يردوا.
(٩) كما ورد في حديث صحيح رواه الشيخان وغيرهما.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٢» .
[ ١ / ٦٧١ ]
بين فئتين» . و«١» لسعد «٢»: «لَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيَسْتَضِرَّ بِكَ آخَرُونَ «٣»» وَأَخْبَرَ «٤» بِقَتْلِ أَهْلِ مُؤْتَةَ «٥» يَوْمَ قُتِلُوا «٦» وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةُ شَهْرٍ أَوْ أَزْيَدُ.
وَبِمَوْتِ «٧» النَّجَاشِيِّ «٨» يَوْمَ مَاتَ «٩» وَهُوَ بِأَرْضِهِ. وَأَخْبَرَ «١٠» فَيْرُوزَ «١١» إِذْ وَرَدَ عَلَيْهِ رَسُولًا مِنْ كِسْرَى «١٢» بِمَوْتِ كسرى ذلك اليوم فلما تحقق فيروز القصة أسلم.
وأخبر «١٣» أباذر «١٤» ﵁ بِتَطْرِيدِهِ «١٥» كَمَا كَانَ وَوَجَدَهُ
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢١٥» رقم «١» .
(٣) في هذا الحديث من المعجزات تحقق ما أخبر به فإنه عاش ونفع الله به المسلمين لما كان على يديه من الفتوح وهدى الله به ناسا أسلموا على يديه وغنموا معه وضر الله به ناسا من الكفار وجاهدهم وقتل منهم وسبى وليس المراد بضرر ضرر المسلمين.
(٤) كما ورد في حديث صحيح رواه البخاري عن أنس.
(٥) مؤنة: بضم الميم وسكون الواو والهمزة فإن فيها لغتين كما في القاموس وهي اسم موضع بالشام كان فيه غزوه مشهورة.
(٦) أي امراء الغزوة فكان النبي ﷺ بين أصحابه فقال لهم: «أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب ثم جعفر بن أبي طالب فأصيب ثم عبد الله بن رواحة فأصيب ثم خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح الله عليه على يديه» .
(٧) كما رواه الشيخان عن أبي هريرة
(٨) تقدمت ترجمته في ص «١٦٤» رقم «٢»
(٩) أي سنة تسع من الهجرة وهو بأرضه وصلّى عليه صلاة الغائب عن أصحابه وقد أحضرت جنازته لديه.
(١٠) كما رواه البيهقي.
(١١) وزير كسرى ملك فارس.
(١٢) كسرى لقب لكل من يملك الفرس واسم هذا أبرويز وهو الذي كتب اليه رسول الله ﷺ كتابا فمزق فمزق الله ملكه استجابة لدعاء رسول الله ﷺ
(١٣) رواه أحمد في مسنده.
(١٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٨٥» رقم «١» .
(١٥) بإخراجه من المدينة إلى الربذة.
[ ١ / ٦٧٢ ]
فِي الْمَسْجِدِ نَائِمًا فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْهُ قَالَ: أَسْكُنُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَالَ: فَإِذَا أُخْرِجْتَ مِنْهُ؟ .. الْحَدِيثَ «١» .
وَبِعَيْشِهِ «٢» وَحْدَهُ وَأَخْبَرَ «٣» أَنَّ أَسْرَعَ أَزْوَاجِهِ بِهِ لُحُوقًا أَطُولُهُنَّ يَدًا فَكَانَتْ زَيْنَبَ «٤» لِطُولِ يَدِهَا بِالصَّدَقَةِ.
وَأَخْبَرَ «٥» بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ «٦» بِالطَّفِّ «٧» وَأَخْرَجَ بِيَدِهِ تُرْبَةً وَقَالَ:
فِيهَا مَضْجَعُهُ «٨» . وَقَالَ «٩» فِي زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ «١٠»: «يسبقه
_________________
(١) تتمة الحديث: «قال: ألحق بالشام أرض الهجرة والمحشر وأرض الأنبياء فأكون رجلا من أهلها قال، فاذا أخرجوك عن الشام قال: أرجع اليه فيكون منزلي قال: فكيف بك اذا أخرجوك منه الثانية قال آخذ سيفي وأقاتل حتى اموت فوكزه ﷺ بيده وقال: خير لك منه أن تنقاد حيث قادوك حتى تلقاني وانت على ذلك» .
(٢) كما روى ذلك أحمد وابن راهويه وابن أبي أسامة والبيهقي.
(٣) رواه البخاري ومسلم ورواه الشعبي مرسلا. ولفظ مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله ﷺ «أسر عكن لحوقا بي أطولكن يدا» فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا فكانت زينب أطولنا يدا لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٥٩» رقم «٤» .
(٥) رواه البيهقي من طرق.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣٠٩» رقم «٢» .
(٧) الطف: بفتح الطاء المهملة وتشديدها وهو مكان بناحية الكوفة على شط نهر الفرات واشتهر الآن بكربلاء. كأنه مركب من الكرب والبلاء وحذفت الباء الاولى تخفيفا.
(٨) مضجعه: بفتح الميم والجيم المعجمة وتكسر والاول أقيس وأفصح أي مصرعه
(٩) كما ورد في حديث رواه ابن عدي والبيهقي مسندا.
(١٠) بضم الصاد المهملة وواو ساكنة وحاء مهملة والف ونون وهو زيد بن صوحان ابن حجر بن الحارث العبدي أخو صعصعة وله وفادة على النبي ﷺ وقيل انه تابعي وقال الذهبي ومن خطه نقلت كان زيد بن صوحان مواخيا لسلمان-
[ ١ / ٦٧٣ ]
عُضْوٌ مِنْهُ إِلَى الْجَنَّةِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ «١» فِي الْجِهَادِ «٢»» .
وَقَالَ «٣» فِي الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ عَلَى حِرَاءٍ: «اثْبُتْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدٌ فَقُتِلَ عَلِيٌّ «٤» وَعُمَرُ «٥» وَعُثْمَانُ «٦» وَطَلْحَةُ «٧» وَالزُّبَيْرُ «٨» وَطُعِنَ سعد ﵃ «٩» وقال «١٠» لسراقة «١١» كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ «١٢» كِسْرَى «١٣» فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمَا عُمَرُ أَلْبَسَهُمَا إياه وقال: الحمد لله الذي سلبها كسرى وألبسهما سراقة «١٤»
_________________
(١) - وكان زاهدا عابدا ذكر له مناقب كثيرة وعده من الصحابة وصوحان معناه اليابس يقال صوح النبت اذا صار هشيما ولفظ الحديث «من سره ان ينظر الى رجل يسبقه بعض أعضائه الى الجنة فلينظر الى زيد بن صوحان» وفي سنده هذيل بن بلال وهو ضعيف.
(٢) قطعت يده اليسرى كما رواه الذهبي.
(٣) قيل كان هذا يرم نهاوند وقيل في قتال المشركين.
(٤) رواه مسلم وغيره
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٦٩» رقم «٦»
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٥٩١» رقم «٤»
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٥٩١» رقم «٥» .
(١٠) لفظ مسلم «ان رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحرك فقال اهدا فما عليك الا نبي وصديق وشهيد» زاد بعضهم سعدا مكان علي.
(١١) كما رواه البيهقي.
(١٢) تقدمت ترجمته في ص «١٣٠» رقم «٥» .
(١٣) سواري: مثنى سوار بضم السين وكسرها ويقال أسوار بضم الهمزة وكسرها أيضا وهذا مما كان يتزين به العجم والملوك.
(١٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٣١» رقم «٨» .
(١٥) وليس في هذا استعمال للذهب وليس الرجال له وهو من المحرمات لأنه لا يفعله إلا تحقيقا وتصديقا لقوله ﷺ من غير ان يقرها ومثله لا يعد استعمالا
[ ١ / ٦٧٤ ]
وَقَالَ «١» تُبْنَى مَدِينَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ «٢» وَدُجَيْلٍ «٣» وَقُطْرُبُلَّ «٤» وَالصَّرَاةِ «٥» تُجْبَى إِلَيْهَا خَزَائِنُ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِهَا. - يَعْنِي بَغْدَادَ-
وَقَالَ «٦»: «سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ «٧» هُوَ شَرٌّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ فِرْعَوْنَ «٨» لِقَوْمِهِ» وَقَالَ «٩»: لَا تَقُومُ الساعة
_________________
(١) كما روا ابو نعيم في الدلائل عن جرير بن عبد الله والخطيب في تاريخه لكن قال احمد بن حنبل: «ولم يحدث به- بحديث بغداد ثقة ومداره على عمار بن سيف وهو مغفل وقال الذهبي في ميزانه حديثه منكر.
(٢) دجلة: بدال مهملة مفتوحة او مكسورة من دجله اذ غطاء ومنه الدجال لخفاء أمره بتخليطه في أموره وهو علم لنهر مشهور بالعراق ولا يجوز دخول الالف واللام عليه لأنه علم مرتجل.
(٣) دجيل: مصغر علم نهر بالاهواز حفره أردشير بن بابك اول ملوك بني ساسان بالمدائن عليه قرى كثيرة ومخرجه من أصبهان وقيل إنه خليج متشعب من دجلة.
(٤) قطربل: بضم القاف وسكون الطاء المهملة وضم الراء المهملة وضم الباء الموحدة المشددة وقد تخفف وتشدد اللام وهو موضع بالعراق تنسب اليه الخمر.
(٥) الصراة: بفتح الصاد المشددة والراء المخففة المهملتين ثم الف وهاء وهو نهر بالعراق أيضا مشهور وهو الاصح المعروف وفي بعض النسخ الهراة بالهاء بدل الصاد وهي بلدة بالعجم وقد ضرب عليه وصحح الصراة وهو المعتمد.
(٦) رواه الامام أحمد والبيهقي عن سعيد بن المسيب مرسلا وحسنه قال الدلجي الحديث في مسند أحمد من حديث سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله تعالى عنه وسعيد اختلف في سماعه من عمر وقد ذهب أحمد إلى أنه سمع منه ذكر هذا الحديث ابن الجرزي في موضوعاته من طريق أحمد ثم نقل عن ابن حبان أنه خبر باطل.
(٧) قال الأوزاعي: «كانوا يرون أنه الوليد بن عبد الملك ثم رأوا أنه ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك الجبار الذي كان مفتاح أبواب الفتن على هذه الأمة وكان ماجنا سفيها مدمنا للخمر» . وكنيته أبو العباس من ملوك الدولة المروانية بالشام كان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم، يعاب بالانهماك في اللهو وسماع الغناء وكان يضرب بالعود والطبل والدف وقال السيد المرتضى: «كان مشهورا بالالحاد متظاهرا بالعناد» ولي الخلافة سنة (١٢٥ هـ) بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك، فمكث سنة وثلاثة أشهر ونقم عليه الناس حبه للهو. فبايعوا سرا ليزيد بن الوليد بن عبد الملك.
(٨) فرعون لقب يطلق على كل من ملك مصر والذي كان عدوا لسيدنا موسى ﵇ كان اسمه الوليد كما ذكر الخفاجي وغيره وقصته في القرآن معروفة.
(٩) كما ورد في الصحيحين.
[ ١ / ٦٧٥ ]
حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ «١»» . وَقَالَ «٢» لِعُمَرَ فِي سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو «٣»: «عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا يَسُرُّكَ يَا عُمَرُ» فَكَانَ كَذَلِكَ.. قَامَ بِمَكَّةَ مَقَامَ أَبِي بَكْرٍ «٤» يَوْمَ بَلَغَهُمْ مَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَخَطَبَ بِنَحْوِ خُطْبَتِهِ وَثَبَّتَهُمْ وَقَوَّى بَصَائِرَهُمْ.
وَقَالَ «٥» لِخَالِدٍ «٦» حِينَ وَجَّهَهُ لِأُكَيْدِرَ «٧»: إِنَّكَ تَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ فَوُجِدَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَ ﷺ.
إِلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ جُلَسَاءَهُ مِنْ أَسْرَارِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَسْرَارِ الْمُنَافِقِينَ وَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ فيه وفي المؤمنين.. حتى إن
_________________
(١) كما وقع في صفين في وقعة علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما.
(٢) كما ورد في حديث رواه البيهقي والحاكم عن الحسن بن محمد مرسلا.
(٣) هو سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود أبو يزيد العامر القرشي أحد خطباء قريش اسلم يوم الفتح واستشهد باليرموك وقيل توفي بالشام سنة ثمان عشرة وقال الواقدي «توفي سنة تسع عشرة في طاعون عمواس» وكان يقوم خطيبا يحرض المشركين على قتال النبي ﷺ فلما أسر يوم بدر قال عمر يا رسول الله انه رجل مفوه فدعني أنتزع ثنيتيه السفليتين فلا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «١» .
(٥) كما رواه ابن اسحق والبيهقي.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٣٧» رقم «٩» .
(٧) أكيدر بضم الهمزة وكاف مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة ودال مكسورة وراء مهملتين، مصغر أكدر وهو ملك كندة اختلف في إسلامه وصحبته قال الخطيب «كان نصرانيا ثم أسلم» وقيل بل مات نصرانيا وجمع بينهما بانه اسلم ثم ارتد قال ابن مندة وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما معرفة الصحابة أن أكيدر أسلم وأهدى للنبي ﷺ حلة سيراء فوهبها العمر قال ابن الأثير: «أما الهدية والمصالحة فصحيحان وأما الاسلام فغلطا فيه فانه لم يسلم بلا خلاف بين علماء السير وكان أكيدر نصرانيا فلما صالحة علمه الصلاة والسلام عاد الى حصنه وبقي فيه ثم إن خالدا حاصره زمن أبي بكر فقتله مشركا نصرانيا لنقض العهد.
[ ١ / ٦٧٦ ]
كان بعضهم ليقول لصاحبه اسكت فو الله لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ لَأَخْبَرَتْهُ حِجَارَةُ الْبَطْحَاءِ «١» .
وَإِعْلَامُهُ «٢» بِصِفَةِ السِّحْرِ الَّذِي سَحَرَهُ بِهِ لَبِيدُ «٣» بْنُ الْأَعْصَمِ.
وَكَوْنِهِ فِي مُشْطٍ «٤» وَمُشَاقَةٍ «٥» فِي جُفِّ «٦» طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ وَأَنَّهُ أُلْقِيَ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ «٧» فَكَانَ كَمَا قَالَ ووجد على تلك الصفة.
وإعلامه «٨» قريشا بأكل الْأَرَضَةُ «٩» مَا فِي صَحِيفَتِهِمُ الَّتِي تَظَاهَرُوا بِهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ «١٠» وَقَطَعُوا بِهَا رَحِمَهُمْ وَأَنَّهَا أَبْقَتْ فِيهَا كُلَّ اسْمٍ لِلَّهِ.
فَوَجَدُوهَا كَمَا قَالَ. وَوَصْفُهُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ بَيْتَ الْمَقْدِسِ حِينَ
_________________
(١) البطحاء: هي أرض مستوية يسيل فيها الماء والمراد بحجارتها ما فيها من الحصباء.
(٢) كما في الصحيحين عن عائشة.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٢٤» رقم «٤» .
(٤) مشط: بضم الميم وكسرها وسكون الشين المعجمة وطاء مهملة اسم آلة معروفة يسرح بها الشعر ويقال له ممشط أيضا.
(٥) مشاقة: وفي نسخة مشاطة بضم الميم وهو ما يسقط من الشعر اذا سرح.
(٦) جف: بضم الجيم وتشديد الفاء وهو وعاء الطلع الذي يكون عليه كالغشاء وفي نسخة جب بباء موحدة بمعنى داخل وجوف منه ومنه جب البئر.
(٧) ذروان: بفتح الذال المعجمة وسكون الراء وهي بئر بالمدينة لبني زريق ويقال له بئر ذي أروان كذا في مسلم وكلاهما صحيح وما في مسلم أصح وأدعى أنه الصحيح ذكره النووي.
(٨) كما رواه البيهقي عن الزهري في الدلائل.
(٩) الأرضة: بفتح الهمزة والراء دويبة تأكل الخشب.
(١٠) هو هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة، من قريش، أحد من انتهت اليهم السيادة في الجاهلية، ومن بنيه النبي ﷺ قال مؤرخوه: «اسمه عمرو، وغلب عليه لقبه «هاشم» لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة في احدى المجاعات. وهو أول من سن الرحلتين لقريش» .
[ ١ / ٦٧٧ ]
كَذَّبُوهُ فِي خَبَرِ الْإِسْرَاءِ وَنَعْتُهُ إِيَّاهُ نَعْتَ من عرفه وإعلامهم بعيرهم التي مر عليها في طريقه وإنذارهم بِوَقْتِ وُصُولِهَا فَكَانَ كُلُّهُ كَمَا قَالَ.
إِلَى مَا أَخْبَرَ «١» بِهِ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَكُونُ وَلَمْ تَأْتِ بَعْدُ مِنْهَا مَا ظَهَرَتْ مُقَدِّمَاتُهَا كَقَوْلِهِ: عُمْرَانُ «٢» بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ «٣» . وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ «٤» .
وَمِنْ «٥» أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَآيَاتِ حُلُولِهَا وَذِكْرِ النَّشْرِ والحشر «٦»
_________________
(١) كما في حديث رواه أبو داود في سنته.
(٢) بمعنى كونه معمورا بتمام بنائه وكثرة سكانه وذلك باستيلاء الكفرة عليه وتعميره هو السبب في خراب المدينة المشرفة.
(٣) الملحمة: بميم مفتوحة ولام ساكنة وحاء مهملة وهي موضع المعركة والقتال ويكون بمعنى الحرب نفسه والمراد هنا الفتن العظيمة والهرج الذي يكون في آخر الزمان
(٤) القسطنطينة: وفي نسخة قسطنطينية» بغير ألف ولام وهي مدينة عظيمة هي قاعدة ديار الكفر وكرسيها وهي منسوبة لقسطنطين اسم أول ملك بناها وهو من أظهر دين النصرانية ودونه وهي مدينة عظيمة الشكل منها جانبان في البحر وجانب في البر ولها سبعة أسوار وسمك سورها الكبير احدى وعشرون ذراعا وفيه مائة باب وبابها الكبير يسمى باب الذهب وهو باب مموه بالذهب وفيها منارة من نحاس قد قلبت قطعة واحدة وليس لها باب وفيها منارة قريبة من مارستانها قد ألبست كلها بالنحاس وعليها قبر قسطنطين وهو راكب على فرس وقوائمه محكمة بالرصاص.
(٥) ما ورد في الصحيحين «أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل والزنا وشرب الخمر وتقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» .
(٦) كما في حديث مسلم.
[ ١ / ٦٧٨ ]
وَأَخْبَارِ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَعَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ.
وَبِحَسْبِ هَذَا الْفَصْلِ أَنْ يَكُونَ دِيوَانًا مُفْرَدًا يَشْتَمِلُ عَلَى أَجْزَاءٍ وَحْدَهُ.
وَفِيمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ نُكَتِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كِفَايَةٌ وَأَكْثَرُهَا في الصحيح وعند الأئمة والله ولي التوفيق..
[ ١ / ٦٧٩ ]
الفصل الخامس والعشرون عصمة الله لَهُ مِنَ النَّاسِ وَكِفَايَتِهِ مِنْ أَذَاهِمْ
قَالَ الله تعالى: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١»» .
وَقَالَ تَعَالَى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا «٢»» .
وقال: «أَلَيْسَ «٣» اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ «٤»» .
قِيلَ: بِكَافٍ «٥» مُحَمَّدًا ﷺ أَعْدَاءَهُ الْمُشْرِكِينَ وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا وَقَالَ: «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ «٦»» .
وقال: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا «٧»» الآية.
_________________
(١) سورة النساء آية رقم ٧٠.
(٢) سورة الطور آية رقم ٤٨.
(٣) فيه إثبات لكفاية الله له على أبلغ وجه لأنه استفهام إنكاري وهي نفي معنى ونفي النفي اثبات يعني إن عبادي يحفظون عبيدهم فكيف لا أحفظ عبدي.
(٤) سورة الزمر آية رقم ٣٦.
(٥) أي قيل إن معناه بكاف محمدا ﷺ لأن العبد في الآية غير معين. وقيل في تفسير الآية غير هذا.
(٦) سورة الحجر آية رقم ٩٥.
(٧) «لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» سورة الأنفال آية رقم ٣٠.
[ ١ / ٦٨٠ ]
عَنْ «١» عَائِشَةَ «٢» ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رأسه من القبّة «٣» . فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ..
انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي رَبِّي ﷿» ..
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا اخْتَارَ لَهُ أَصْحَابُهُ شَجَرَةً يَقِيلُ «٤» تَحْتَهَا.. فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَاخْتَرَطَ «٥» سَيْفَهُ ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فقال: الله ﷿ فأرعدت يَدُ الْأَعْرَابِيِّ وَسَقَطَ سَيْفُهُ وَضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى سَالَ دِمَاغُهُ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ «٦» .
وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحِ وَأَنَّ غَوْرَثَ «٧» بْنَ الْحَارِثِ صَاحِبُ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَفَا عَنْهُ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ:
جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ «٨» .
_________________
(١) أخرجه الترمذي.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٣) القبة: بضم القاف وتشديد الباء الموحدة وهي كل مرتفع من البناء أو الخيمة والخباء من وقب اذا علا والمراد هنا خباء كان فيه ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ.
(٤) يقيل من قال يقيل قيلولة وهي الظهيرة وما قرب منها للاستراحة سواء نام أم لا وإن كثر فيها النوم.
(٥) اخترط: سل سيفه من غمده.
(٦) أي «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» .
(٧) هو غورث بن الحارث اختلف في إسلامه لاختلاف الروايات في القصة فقد ورد أن النبي قال له: «لا أو تسلم» فقال الاعرابي: «لا، ولكن أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك» ويتمسك الذين يقولون بإسلامه بقوله: جئتكم من عند خير الناس
(٨) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه.
[ ١ / ٦٨١ ]
وقد حكيت مثل الحكاية أنها جَرَتْ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدِ انْفَرَدَ مِنْ أصحابه لقضاء حاجة فَتَبِعَهُ رَجُلٌ «١» مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَذَكَرَ مِثْلَهُ «٢» .
وَقَدْ رُوِيَ «٣» أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ مِثْلُهَا فِي غَزْوَةِ غَطَفَانَ «٤» بِذِي أَمْرٍ «٥» مَعَ رَجُلٍ اسْمُهُ دَعْثُورُ «٦» بْنُ الْحَارِثِ.. وَأَنَّ الرَّجُلَ أَسْلَمَ فَلَمَّا رَجَعَ إلى قومه الذين أغروه «٧» به وَكَانَ سَيِّدَهُمْ وَأَشْجَعَهُمْ قَالُوا لَهُ: أَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ وَقَدْ أَمْكَنَكَ فَقَالَ: إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ أَبْيَضَ طَوِيلٍ دَفَعَ فِي صَدْرِي فَوَقَعْتُ لِظَهْرِي وَسَقَطَ السَّيْفُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مَلَكٌ وأسلمت.
قيل: وفيه نزلت «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ «٨»» الآية.
_________________
(١) هذا الرجل لم يعرف كما قاله البرهان.
(٢) الحديث لم يخرج.
(٣) رواه ابن اسحاق في سيرته الكبرى موصولا عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.
(٤) غطفان: بغين معجمة وطاء مهملة مفتوحتين وهي قبيلة مشهورة غزاها النبي ﷺ في سرية نحو أربع مائة وخمسين فارسا في ربيع الاول بعد خمسة أشهر من الهجرة.
(٥) ذي أمر: بهمزة وميم مفتوحتين وراء مهملة وهو اسم مكان ويسمى غزوة غطفان وغزوة أنمار وغزو ذات الرقاع.
(٦) هو رجل من محارب ويبدو أنه هذا الرجل هو غورث بن الحارث المتقدم ذكره وان العصيتين واحدة وقال ابن سيد الناس: أن الخبرين والرجلين واحد.
(٧) أي حرضوه على الفتك برسول الله ﷺ
(٨) «فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ» سورة المائدة آية رقم ١٢.
[ ١ / ٦٨٢ ]
وَفِي رِوَايَةِ الْخَطَّابِيِّ «١» أَنَّ غَوْرَثَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيَّ أَرَادَ أَنْ يَفْتِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ مُنْتَضِيًا «٢» سَيْفَهُ. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اكفينه بِمَا شِئْتَ» فَانْكَبَّ مِنْ وَجْهِهِ مِنْ زُلَّخَةٍ «٣» زُلِّخَهَا «٤» بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَنَدَرَ «٥» سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ..
و«الزُّلَّخَةُ» وَجَعُ الظَّهْرِ.
وَقِيلَ فِي قِصَّتِهِ غَيْرُ هذا.. وذكر أنّ فيه نزلت «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ «٦»» الْآيَةَ.
وَقِيلَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخَافُ قُرَيْشًا فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ اسْتَلْقَى ثُمَّ قَالَ «مَنْ شَاءَ فَلْيَخْذُلْنِي» .
وَذَكَرَ «٧» عَبْدُ «٨» بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: كَانَتْ حَمَّالَةُ الحطب «٩» تضع
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٦» .
(٢) منتضيا: بضاد معجمة ومثناة تحتية أي مجردا وسالا.
(٣) الزلخة: بضم الزاي المعجمة وفتح اللام المشددة وخاء معجمة وتاء.
(٤) زلخها: بضم الزاي المعجمة وتشديد اللام المكسورة وخاء مفتوحة معجمة. وهاء ضمير.
(٥) ندر: بنون ودال مهملة مفتوحتين وراء مهملة أي سقط.
(٦) «إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ» سورة المائدة آية رقم ١٢.
(٧) رواه ابن جرير في تفسيره مرسلا.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٣٧٠» رقم «١»
(٩) هي أم جميل العوراء أخت أبي سفيان بن حرب بن أمية زوج أبي لهب.
[ ١ / ٦٨٣ ]
العضاه «١» - وهي حجر «٢» - عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَأَنَّمَا يَطَؤُهَا كَثِيبًا «٣» أَهْيَلَ «٤» .
وَذَكَرَ «٥» ابْنُ اسحق «٦» عَنْهَا أَنَّهَا لَمَّا بَلَغَهَا نُزُولُ «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «٧» وَتَبَّ «٨»» وَذِكْرُهَا بِمَا ذَكَرَهَا اللَّهُ مَعَ زَوْجِهَا مِنَ الذَّمِّ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ أَبُو بكر «٩» .
وفي يدها فهر مِنْ حِجَارَةٍ.. فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيْهِمَا لَمْ تَرَ إلا أبابكر وأخذ الله تعالى ببصرها على نَبِيِّهِ ﷺ.. فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَيْنَ صَاحِبُكَ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ يهجوني.. والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر «١٠» فاه.
وعن «١١» الحكم بن أبي العاص «١٢» قال: تَوَاعَدْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
_________________
(١) العضاه: بكسر العين وفي آخر الكلمة هاء وقفا ووصلا وهي أشجار عظام ذات شوك.
(٢) المراد تشبيه الشوك بالجمر حال حدتها.
(٣) كثيبا: بالمثلثة ومثناة تحتية وموحدة وهو ما اجتمع من الرمل.
(٤) أهيل: مبني للمجهول يقال أهال الرمل إذا أساله ولم يجمعه كالربوة والمشي عليه حينئذ أسهل وألين أي يجده ﷺ سهلا لا يؤذيه.
(٥) رواه أبو يعلى والبيهقي وابن أبي حاتم عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهما
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٧» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢٦١» رقم «٢» .
(٨) سورة المسد آية رقم «١» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦» .
(١٠) فهر: بكسر الفاء وسكون الهاء وراء مهملة وهو حجر ملء الكف او هو الحجر مطلقا.
(١١) رواه أبو نعيم في الدلائل والطبراني بسند جيد.
(١٢) وهو والد مروان بن الحكم، وهو ممن أسلم عام الفتح وتوفي في خلافة عثمان وفي الصحابة من وافقه في اسمه واسم أبيه ولكن المشهور هو هذا.
[ ١ / ٦٨٤ ]
إذا رأيناه حتى سَمِعَنَا صَوْتًا خَلْفَنَا مَا ظَنَنَّا أَنَّهُ بَقِيَ بِتِهَامَةَ أَحَدٌ فَوَقَعْنَا مَغْشِيًّا عَلَيْنَا.. فَمَا أَفَقْنَا حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ.. ثُمَّ تَوَاعَدْنَا لَيْلَةً أُخْرَى فَجِئْنَا حَتَّى إِذَا رَأَيْنَاهُ جَاءَتِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ فَحَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ.
وَعَنْ «١» عُمَرَ «٢» ﵁ تَوَاعَدْتُ أَنَا وَأَبُو جَهْمِ «٣» بْنِ حُذَيْفَةَ لَيْلَةً قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.. فَجِئْنَا مَنْزِلَهُ فَسَمِعْنَا له فافتتح وقرأ «الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ «٤»» .. إِلَى «فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ «٥»» .
فَضَرَبَ أَبُو جَهْمٍ عَلَى عَضُدِ عُمَرَ وَقَالَ: انْجُ.. وَفَرَّا هَارِبَيْنِ فَكَانَتْ مِنْ مُقَدِّمَاتِ إِسْلَامِ عُمَرَ ﵁.
وَمِنْهُ «٦» الْعِبْرَةُ الْمَشْهُورَةُ وَالْكِفَايَةُ التَّامَّةُ عِنْدَمَا أَخَافَتْهُ قُرَيْشٌ وَأَجْمَعَتْ عَلَى قَتْلِهِ وَبَيَّتُوهُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِهِ فَقَامَ على رؤوسهم وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ وَذَرَّ التراب على رؤوسهم وخلص
_________________
(١) هذا الحديث لم يوجد بهذا اللفظ إلا انه في مسند أحمد بما يقرب منه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٣) هو عامر او عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر العدوي اسلم عام الفتح وصحبه ﷺ وكان معظما في قريش توفي في ايام معاوية رضي الله تعالى عنه وكانت فيه وفي بنيه شدتها وقد ادرك بنيان الكعبة حين بناها ابن الزبير فعمل فيها ثم قال قد عملت في الكعبة مرتين مرة في الجاهلية بقوة غلام يافع وفي الاسلام بقوة شيخ فان وهو صاحب الانبجانية
(٤) سورة الحاقة آية رقم «١، ٢» .
(٥) سورة الحاقة آية رقم «٨» .
(٦) كما رواه ابن اسحق والبيهقي.
[ ١ / ٦٨٥ ]
مِنْهُمْ.. وَحِمَايَتُهُ «١» عَنْ رُؤْيَتِهِمْ فِي الْغَارِ «٢» بِمَا هَيَّأَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْآيَاتِ.
وَمِنَ الْعَنْكَبُوتِ الَّذِي نَسَجَ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ «٣» خَلَفٍ حِينَ قَالُوا: نَدْخُلُ الْغَارَ.. مَا «٤» أَرَبُكُمْ فِيهِ وَعَلَيْهِ مِنْ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ مَا أَرَى «٥» إنه قبل أن يولد محمد.. ووقفت حَمَامَتَانِ عَلَى فَمِ الْغَارِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْ كَانَ فِيهِ أَحَدٌ لَمَا كَانَتْ هُنَاكَ الْحَمَامُ..
وقصته «٦» من سُرَاقَةَ «٧» بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ حِينَ الْهِجْرَةِ.. وَقَدْ جَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ وَفِي أَبِي بَكْرٍ «٨» الجعائل «٩» .. فأنذر به فركب
_________________
(١) رواه البزار مسندا.
(٢) أي غار ثور وثور اسم جبل يمنة مكة والغار كالمغار نقرة في الجبل كالبيت وسمي بثور بن عبد مناف لنزوله به.
(٣) أمية بن خلف بن وهب من بني لؤي: أحد جبابرة قريش في الجاهلية، ومن ساداتهم، أدرك الاسلام، ولم يسلم. وهو الذي عذب بلالا الحبشي في بداءة ظهور الاسلام أسره عبد الرّحمن بن عوف يوم بدر. فرآه بلال فصاح بالناس يحرضهم على قتله، فقتلوه.
(٤) ما أربكم: بفتح الهمزة والراء المهملة والموحدة ويجوز كسر الهمزة وتسكين الراء وهو الحاجة المطلوبة وما استفهامية او نافية أي ليس لكم مطلوب وهو محمد ﷺ ولا حاجة.
(٥) أرى: بضم الهمزة وفتحها أي أظن وأعتقد.
(٦) رواه الشيخان.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٣٠» رقم «٥» .
(٨) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٩) الجعائل: جمع جعيلة أو جعالة بالفتح وهي الاجرة على شيء فعلا او قولا والجعل بالضم الاسم وبالفتح المصدر وقد عينت قريش مائة ناقة لمن يرد عليهم محمدا ﷺ حيا او ميتا.
[ ١ / ٦٨٦ ]
فَرَسَهُ وَاتَّبَعَهُ حَتَّى إِذَا قَرُبَ مِنْهُ دَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَسَاخَتْ «١» قَوَائِمُ فَرَسِهِ فَخَرَّ عَنْهَا وَاسْتَقْسَمَ بِالْأَزْلَامِ «٢» فَخَرَجَ لَهُ مَا يَكْرَهُ..
ثُمَّ رَكِبَ وَدَنَا حَتَّى سَمِعَ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ «٣» ﵁ يَلْتَفِتُ.. وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أُتِينَا.
فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا «٤»» .. فساخت ثانية إلى ركبتها وَخَرَّ عَنْهَا فَزَجَرَهَا فَنَهَضَتْ وَلِقَوَائِمِهَا مِثْلُ الدُّخَانِ فَنَادَاهُمْ بِالْأَمَانِ فَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَمَانًا.. كَتَبَهُ ابْنُ فُهَيْرَةَ «٥» وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ وَأَخْبَرَهُمْ بِالْأَخْبَارِ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أن لا يَتْرُكَ أَحَدًا يَلْحَقُ بِهِمْ فَانْصَرَفَ يَقُولُ لِلنَّاسِ.. كفيتم ما هاهنا.
_________________
(١) فساخت: بسين مهملة وخاء معجمة بمعنى فغاصت في الارض.
(٢) الأزلام: جمع زلم بفتحتين ويضم وفتح بزنة عمر وهي قداح أي سهام لا ريش لها ولا فصل كانوا في الجاهلية يكتبون على بعضها أفعل وعلى بعضها لا أفعل ويضعونها في متاعهم اذا سافر واذا عرض لهم سهم أخرجوا منها زلما يتفاءلون به فيفعلون أو يتركون وهو معنى الاستقسام أي طلب ما قسم وقدر له.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٤) سورة التوبة آية رقم «٤٠» .
(٥) هو عامر بن فهيرة مولى ابي بكر رضي الله تعالى عنه وهو من مولدي الازد مملوك للطفيل فاشتراه أبو بكر رضي الله تعالى عنه منه وأعتقه واسلم وكان يرعى غنما لأبي بكر رضي الله تعالى عنه ويهيء لهما كل ليلة في الغار اللبن يتغذيانه ثم هاجر معهما وشهد بدرا وأحدا وقتل ببئر معونة فلم يوجد جسده مع القتلى فيقال ان الملائكة دفنته وقيل رفعته الى السماء.
[ ١ / ٦٨٧ ]
وَقِيلَ: بَلْ قَالَ لَهُمَا.. أَرَاكُمَا دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي فَنَجَا..
وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ ظُهُورُ النَّبِيِّ ﷺ.
وَفِي خَبَرٍ «١» آخَرَ أَنَّ رَاعِيًا عَرَفَ خَبَرَهُمَا فَخَرَجَ يَشْتَدُّ يُعْلِمُ قُرَيْشًا فَلَمَّا وَرَدَ مَكَّةَ ضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَمَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ وَأُنْسِيَ مَا خَرَجَ لَهُ.. حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ.
وَجَاءَهُ «٢» - فيما ذكره ابن اسحق «٣» وَغَيْرُهُ- أَبُو جَهْلٍ «٤» بِصَخْرَةٍ وَهُوَ سَاجِدٌ.. وَقُرَيْشٌ يَنْظُرُونَ لِيَطْرَحَهَا عَلَيْهِ فَلَزِقَتْ بِيَدِهِ وَيَبِسَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ وَأَقْبَلَ يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى إِلَى خَلْفِهِ.. ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَفَعَلَ فَانْطَلَقَتْ يَدَاهُ.. وَكَانَ قَدْ تَوَاعَدَ مَعَ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ وحلف لئن رآه ليدفعنه «٥» فَسَأَلُوهُ عَنْ شَأْنِهِ.. فَذَكَرَ أَنَّهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ هَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي.. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ذَاكَ جِبْرِيلُ لَوْ دَنَا لَأَخَذَهُ.
وَذَكَرَ «٦» السَّمَرْقَنْدِيُّ «٧» أَنَّ رَجُلًا «٨» مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ «٩»
_________________
(١) لم يعرف من رواه.
(٢) كأبي نعيم في الدلائل عن ابن عباس والبيهقي
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٧» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٧٠» رقم «٣» .
(٥) أي ليصيبن دماغه وليهلكنه
(٦) روى ابو نعيم في الدلائل عن ابن عباس بلفظ «أن ناسا من قريش قاموا ليأخذوه فاذا أيديهم مجموعة على أعناقهم وآذانهم عمي لا يبصرون فقالوا ننشدك الله والرحم فدعا حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت «يسن» الى قوله «لا يؤمنون» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
(٨) قال البرهان: «لا أعرفه» وقال غيره انه الوليد بن المغيرة وقيل انه ابو جهل
(٩) ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم جد أبي جهل.
[ ١ / ٦٨٨ ]
أَتَى النَّبِيَّ ﷺ لِيَقْتُلَهُ فَطَمَسَ اللَّهُ عَلَى بَصَرِهِ فَلَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَسَمِعَ قَوْلَهُ.. فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى نَادَوْهُ وَذُكِرَ أَنَّ فِي هَاتَيْنِ الْقِصَّتَيْنِ نَزَلَتْ «إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا «١»» الآيتين.
ومن ذلك ما ذكره ابن اسحق «٢» فِي قِصَّتِهِ إِذْ خَرَجَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ «٣» فِي أَصْحَابِهِ.. فَجَلَسَ إِلَى جِدَارِ بَعْضِ آطَامِهِمْ «٤» ..
فَانْبَعَثَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ «٥» أَحَدُهُمْ لِيَطْرَحَ عَلَيْهِ رَحًى.. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَعْلَمَهُمْ بِقِصَّتِهِمْ.
وَقَدْ قِيلَ إن قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ» «٦» فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ نَزَلَتْ.
وَحَكَى «٧» السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّهُ خرج إلى بني النضير «٨» يستعين في
_________________
(١) «فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» سورة يسن رقم ٨- ٩.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٧»
(٣) بني قريظة: قبيلة من يهود خيبر.
(٤) آطامهم: بالمد والطاء المهملة جمع أطم بفتحتين وهو الحصن هنا ويكون بمعنى البيت المربع والقصر.
(٥) بفتح الجيم والحاء المهملة المشددة وآخره شين معجمة وهو من بني قريظة، قتل كافرا.
(٦) سورة المائدة آية رقم (١٢) .
(٧) كما رواه ابن سيد الناس وغيره من أصحاب السير.
(٨) بني النضير: بنون مفتوحة وضاد معجمة مكسورة وهم قوم من يهود خيبر.
[ ١ / ٦٨٩ ]
عَقْلِ «١» الْكِلَابِيَّيْنِ «٢» اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو «٣» بْنُ أُمَيَّةَ.. فَقَالَ لَهُ حُيَيُّ «٤» بْنُ أَخْطَبَ اجْلِسْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَتَّى نُطْعِمَكَ وَنُعْطِيَكَ مَا سَأَلْتَنَا فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ «٥» وَعُمَرَ «٦» ﵄ وَتَوَامَرَ «٧» حُيَيٌّ مَعَهُمْ عَلَى قَتْلِهِ.. فَأَعْلَمَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ..
فَقَامَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ حَاجَتَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ.
وذكر أهل التفسير معنى الحديث «٨» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٩» ﵁ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ «١٠» وَعَدَ قُرَيْشًا.. لَئِنْ رَأَى مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَيَطَأَنَّ رَقَبَتَهُ.. فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ أَعْلَمُوهُ فَأَقْبَلَ.. فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ وَلَّى هَارِبًا نَاكِصًا «١١» عَلَى عَقِبَيْهِ «١٢» مُتَّقِيًا بيديه.. فسئل فقال: لما دنوت
_________________
(١) عقل: مصدر عقل البعير يعقله إذا ربطه بالعقال المانع له من الحركة وأصل معنى العقل المنع ومنه العقل المعروف لمنعه عما لا يليق وسميت به دية المقتول لأنها كانت عند العرب إبلأ يسوقها القاتل نحوه.
(٢) الكلابيين: أي في دية الاثنين من قبيلة بني كلاب بكسر أوله.
(٣) هو عمرو بن أميه بن خويلد بن عبد الله بن اياس الصحابي الذي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبعثه في أموره وهو الذي ذهب للنجاشي بكتابه فأجابه وأسلم وزوجه أم حبيبة اسلم بعد أحد وشهد بئر معونة ومات بالمدينة في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنه
(٤) هو حيي بن أخطب من يهود بني النضير ومن رؤسائهم، والد صفية أم المؤمنين من الأشداء العتاة. كان ينعت بسيد الحاضر والبادي أدرك الاسلام وآذى المسلمين فأسروه يوم قريظة، ثم قتلوه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦»
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٣» رقم «٤»
(٧) توامر: بفتح التاء الفوقية والواو ويقال بالهمز تفاعل من الأمر أي نظر كل في أمر الآخر والمراد به هنا المشاورة.
(٨) رواه مسلم والنسائي.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٣٠» رقم «٥» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٢٧» رقم «٣»
(١١) ناكصا: متأخرا راجعا إلى الخلف.
(١٢) عقبيه: مثنى عقب مؤخر القدم.
[ ١ / ٦٩٠ ]
مِنْهُ أَشْرَفْتُ عَلَى خَنْدَقٍ مَمْلُوءٍ نَارًا كِدْتُ أَهْوِي فِيهِ.. وَأَبْصَرْتُ هَوْلًا عَظِيمًا وَخَفْقَ أَجْنِحَةٍ قد ملأت الأرض.. فقال ﷺ: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ.. لَوْ دَنَا لَاخْتَطَفَتْهُ عُضْوًا عُضْوًا» ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى «١» ..» إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَيُرْوَى «٢» أَنَّ شَيْبَةَ «٣» بْنَ عُثْمَانَ الْحَجَبِيَّ أَدْرَكَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ «٤» وَكَانَ حَمْزَةُ «٥» قَدْ قَتَلَ أَبَاهُ وَعَمَّهُ.. فَقَالَ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمَّدٍ.. فَلَمَّا اخْتَلَطَ النَّاسُ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَرَفَعَ سَيْفَهُ لِيَصُبَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ ارْتَفَعَ إِلَيَّ شُوَاظٌ «٦» مِنْ نار أسرع من البرق..
_________________
(١) سورة العلق آية رقم ٧ وما بعدها.
(٢) رواه ابو نعيم في الدلائل.
(٣) هو شيبة بن عثمان الحجبي بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي الصحابي المشهور خادم الكعبة ومن بيده مفتاحها اسلم يوم الفتح وقيل يوم حنين ومات سنة تسع وخمسين واخرج له البخاري واحمد في مسنده وابو داود وترجمته معروفة.
(٤) حنين: أي في غزوة حنين وحنين واد قريب من الطائف.
(٥) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، وأبو عمارة، من قريش: عم النبي ﷺ وأحد صناديد قريش وساداتهم في الجاهلية والاسلام. ولد ونشأ بمكة. وكان أعز قريش وأشدها شكيمة. ولما ظهر الاسلام تردد في اعتناقه، ثم علم أن أبا جهل تعرض للنبي ﷺ وقال منه فقصده حمزة وضربه وأظهر اسلامه، وهاجر حمزة مع النبي ﷺ إلى المدينة، وحضر وقعة بدر وغيرها قال المدائني: أول لواء عقده رسول الله ﷺ كان لحمزة، وكان شعار حمزة في الحرب ريشة نعامة يضعها على صدره، ولما كان يوم بدر قاتل بسيفين وفعل الأفاعيل. وقتل يوم أحد فدفنه المسلمون في المدينة وانقرض عقبه.
(٦) شواظ: بضم الشين المعجمة وتكسر. لهب.
[ ١ / ٦٩١ ]
فَوَلَّيْتُ هَارِبًا.. وَأَحَسَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ.. فَدَعَانِي فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَهُوَ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ.. فَمَا رَفَعَهَا إِلَّا وهو أحبّ الخلق إليّ وقال لي: اذن فَقَاتِلْ.. فَتَقَدَّمْتُ أَمَامَهُ أَضْرِبُ بِسَيْفِي وَأَقِيهِ بِنَفْسِي وَلَوْ لَقِيتُ أَبِي تِلْكَ السَّاعَةَ لَأَوْقَعْتُ بِهِ دونه.
وعن «١» فضالة «٢» بن عمرو قال: أَرَدْتُ قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.. فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ قَالَ: أَفَضَالَةُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: مَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟ .. قُلْتُ. لَا شَيْءَ.. فَضَحِكَ وَاسْتَغْفَرَ لِي.. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي فسكن قلبي.. فو الله مَا رَفَعَهَا حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ.
وَمِنْ «٣» مَشْهُورِ ذَلِكَ خَبَرُ عامر بن «٤» الطفيل وأربد بن «٥» قيس
_________________
(١) رواه ابن اسحق وابن سيد الناس.
(٢) ذكر ابن حجر في الاصابة أنه فضالة بن عمير بن الملوحي الليثي ولم يرد في ترجمته الاقصته يوم الفتح مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(٣) رواه ابن اسحق والبيهقي بلا سند وابو نعيم في الدلائل مسندا إلى عروة.
(٤) هو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري، من بني عامر بن صعصعة: فارس قومه، وأحد فتاك العرب وشعرائهم وساداتهم في الجاهلية. كنيته أبو علي، ولد ونشأ بنجد. وخاض المعارك الكثيرة وأدرك الاسلام شيخا، فوفد عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو في المدينة بعد فتح مكة، يريد الغدر به، فلم يجرؤ عليه. فدعاه إلى الاسلام، فأشترط أن يجعل له نصف ثمار المدينة، وأن يجعله ولي الأمر من بعده؛ فرده؛ فعاد حنقا، فمات بطريقه قبل أن يبلغ قومه. وكان أعور أصيبت عينه في احدى وقائعه. عقيما لا يولد له. وهو ابن عم لبيد الشاعر.
(٥) بفتح الهمزة وسكون الراء وهو أخو لبيد بن ربيعة لأمه ولبيد صحابي وكان أربد شاعرا أيضا بعث الله عليه صاعقة فأحرقته كافرا بالله ﷾ وفيه نزل قوله تعالى «فيرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال» .
[ ١ / ٦٩٢ ]
حِينَ وَفَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ عَامِرٌ قَالَ لَهُ: أَنَا أَشْغَلُ عَنْكَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ فَاضْرِبْهُ أَنْتَ.. فَلَمْ يَرَهُ فَعَلَ شَيْئًا.. فَلَمَّا كَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ لَهُ:
وَاللَّهِ مَا هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَهُ إِلَّا وَجَدْتُكَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفَأَضْرِبُكَ؟ ..
وَمِنْ «١» عِصْمَتِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ وَالْكَهَنَةِ أَنْذَرُوا به لِقُرَيْشٍ وَأَخْبَرُوهُمْ بِسَطْوَتِهِ بِهِمْ وَحَضُّوهُمْ عَلَى قَتْلِهِ فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى بَلَغَ فِيهِ أَمْرَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ نَصْرُهُ بِالرُّعْبِ أَمَامَهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ كما قال ﷺ..
_________________
(١) كما ثبت في الصحيحين وفي مسند أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
[ ١ / ٦٩٣ ]
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مَعَارِفُهُ وَعُلُومُهُ ﷺ
وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ الْبَاهِرَةِ مَا جَمَعَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ وَخَصَّهُ بِهِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِأُمُورِ شَرَائِعِهِ وَقَوَانِينِ دِينِهِ وَسِيَاسَةِ عِبَادِهِ وَمَصَالِحِ أُمَّتِهِ، وَمَا كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَهُ وَقِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْجَبَابِرَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَنِهِ، وَحِفْظِ شَرَائِعِهِمْ وَكُتُبِهِمْ وَوَعْيِ سِيَرِهِمْ وَسَرْدِ أَنْبَائِهِمْ وَأَيَّامِ اللَّهِ فِيهِمْ وَصِفَاتِ أَعْيَانِهِمْ وَاخْتِلَافِ آرَائِهِمْ، وَالْمَعْرِفَةِ بِمُدَدِهِمْ وَأَعْمَارِهِمْ وَحِكَمِ حُكَمَائِهِمْ، وَمُحَاجَّةِ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْكَفَرَةِ، وَمُعَارَضَةِ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الْكِتَابِيِّينَ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ..
وَإِعْلَامِهِمْ بِأَسْرَارِهَا وَمُخَبَّآتِ عُلُومِهَا.. وَإِخْبَارِهِمْ بِمَا كتموه مِنْ ذَلِكَ وَغَيَّرُوهُ.. إِلَى الِاحْتِوَاءِ عَلَى لُغَاتِ الْعَرَبِ.. وَغَرِيبِ أَلْفَاظِ فِرَقِهَا.. وَالْإِحَاطَةِ بِضُرُوبِ فَصَاحَتِهَا.. والحفظ
[ ١ / ٦٩٤ ]
لِأَيَّامِهَا وَأَمْثَالِهَا وَحِكَمِهَا وَمَعَانِي أَشْعَارِهَا وَالتَّخْصِيصِ بِجَوَامِعِ كَلِمِهَا إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ الصَّحِيحَةِ وَالْحِكَمِ الْبَيِّنَةِ لِتَقْرِيبِ التَّفْهِيمِ لِلْغَامِضِ وَالتَّبْيِينِ لِلْمُشْكِلِ.. إِلَى تَمْهِيدِ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الَّذِي لَا تَنَاقُضَ فِيهِ.. وَلَا تَخَاذُلَ.. مَعَ اشْتِمَالِ شَرِيعَتِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ.. وَمَحَامِدِ الْآدَابِ.. وَكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٍ مُفَضَّلٍ «١» ..
لَمْ يُنْكِرْ مِنْهُ مُلْحِدٌ ذُو عَقْلٍ سَلِيمٍ شَيْئًا إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْخِذْلَانِ.. بَلْ كُلُّ جَاحِدٍ لَهُ وَكَافِرٍ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ إِذَا سمع ما يدعو اليه صوّبه واستحسن دُونَ طَلَبِ إِقَامَةِ بُرْهَانٍ عَلَيْهِ.. ثُمَّ مَا أَحَلَّ لَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَبَائِثِ، وَصَانَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مِنَ الْمُعَاقَبَاتِ وَالْحُدُودِ عَاجِلًا وَالتَّخْوِيفِ بِالنَّارِ آجِلًا مِمَّا لا يعلم علمه وَلَا يَقُومُ بِهِ وَلَا بِبَعْضِهِ إِلَّا مَنْ مَارَسَ الدَّرْسَ وَالْعُكُوفَ عَلَى الْكُتُبِ وَمُثَافَنَةِ «٢» بَعْضِ هذا إلى الاحتواء على ضروب العلم وفنون المعارف كالطب والعبارة «٣» والفرائض «٤» والحساب
_________________
(١) وفي نسخة مفصل بالصاد المهملة.
(٢) مثافنة: بميم ونون وقاف مثلثة وهو بمعنى الاستخراج كما في القاموس معطوف على الدروس والمعنى ظاهر وما في بعض النسخ من أنه بالفاء مفاعلة من النفث وهو الريق من الساحر والراقي ويطلق على لازمه وهو السحر والسحر قد شاع في الدقة وكأنه المراد أي والدقيق في بعض هذه الأمور.
(٣) العبارة: بكسر العين المهملة أي تعبير رؤيا المنام.
(٤) الفرائض: علوم المواريث.
[ ١ / ٦٩٥ ]
وَالنَّسَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ مِمَّا اتَّخَذَ أهل الْمَعَارِفِ كَلَامَهُ ﷺ فِيهَا قُدْوَةً وَأُصُولًا فِي عِلْمِهِمْ.
كَقَوْلِهِ ﷺ «١» «الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ «٢» وَهِيَ «٣» عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ» «٤» وَقَوْلِهِ «٥» «الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: رُؤْيَا حَقٍّ وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلَ نَفْسَهُ وَرُؤْيَا تَحْزِينٍ من الشيطان» .
_________________
(١) رواه ابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه.
(٢) أي معبر ذو رأي ثاقب عالم بالعبارة على وجه الاشارة إذ أصاب وكان يحسن تعبيرها فإذا اعتبر شروطها وعبرها وقعت وكان ابن سيرين يقول إني اعتبرت الحديث والمعنى أنه يعبرها به كما يعبرها بالقرآن فيعبر القرآن مثلا بالرجل الفاسق والمرأة بالضلع أخذا من تسميته صلّى الله تعالى عليه وسلم له فاسقا وتسميتها ضلعا.
(٣) كما رواه أبو داود والترمذي وصححه وأول الحديث: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وهي على رجل طائر ما لم تعبر فاذا عبرت وقعت فلا يحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا» .
(٤) رجل طائر: بكسر الراء المهملة وسكون الجيم ولام والمعنى أن الرؤيا قدر جار وقضاء ماض وحكم نافذ من خير أو شر أو نفع أو ضر وقال ابن قتيبة: «أراد أنها غير مستقرة يقال للشيء إذا لم يستقر هو على رجل طائر وعلى قرن ظبي» والحاصل أن هذا تمثيل وتصوير لجعل الرؤيا على قدر قدره الله تعالى لصاحبها بشيء متعلق برجل طائر يسقط بأدنى حركة فاذا عبرها أول عابر فكأنها كانت على رجله فسقطت وكل حركة جرت من شيء فهو طائر ومنه قوله تعالى في سورة يسن «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» أي حركاته في عبادته ومعاملاته في ذمته غير منفكة عنه.
(٥) كما رواه الشيخان وغيرهما عن بضعة عشر من الصحابة إلا أنه قيل إن الذي في مسلم عن ابن سيرين عن أبي هريرة «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة والرؤيا ثلاث: رؤيا صالحة بشرى من الله ورؤيا تخزين من الشيطان ورؤيا يحدث بها المرء نفسه فان رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس» . وقد اختلفوا في ما ذكر من كون الرؤيا ثلاثا إلى آخره فقيل هو مدرج في الحديث من كلام ابن سيرين وقيل هو موقوف على أبي-
[ ١ / ٦٩٦ ]
وَقَوْلِهِ «١»: «إِذَا تَقَارَبَ «٢» الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ» وَقَوْلِهِ: «٣» «أَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبَرَدَةُ «٤» .»
وَمَا رُوِيَ «٥» عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «٦» ﵁: «الْمَعِدَةُ حَوْضُ الْبَدَنِ «٧» وَالْعُرُوقُ إِلَيْهَا وَارِدَةٌ» وَإِنْ كَانَ هَذَا حَدِيثًا لَا نُصَحِّحُهُ لِضَعْفِهِ وَكَوْنِهِ موضوعا «٨» .
_________________
(١) - هريره وقيل فيه إنه مرفوع ويؤيده أن ابن حنبل رفعه مسندا والحافظ السيوطي اعتمده وكذا المصنف رحمه الله تعالى فلا يرد عليه أن ابن الملقن قال في شرح البخاري أن الصحيح أنه ليس من كلامه ﷺ واختلف في قائله والصحيح أنه ابن سيرين وقول ابن حجر في فتح الباري أنها ليست منحصرة في الثلاث فان منها رابعا وهو تهويل الشيطان وخامسا وهو ما يهم به المرء في يقظته وسادسا وهو تلاعب الشيطان وسابعا وهو ما يعتاده الاحسان.
(٢) رواه الشيخان عن أبي هريرة مسندا.
(٣) المراد اقتراب الساعة وقيل المراد قصر الأيام والليالي على الحقيقة وقيل تقارب الليل والنهار ومن الاعتدال. لقول العابرين إن أصدق الأزمان لوقوع العبارة وقت انفتاق الأنوار والأزهار ووقت ادراك الثمار حين يستوي الليل والنهار وفي بعض الأخبار فيما رواه أحمد والترمذي وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد «أصدق الرؤيا بالأسحار
(٤) كما رواه الدارقطني في العلل عن أنس وضعفه ابن السني وابو نعيم في الطب عن علي وعن أبي سعيد وعن الزهري مرسلا فلا وجه لما قيل من أنه لا صحة له.
(٥) البردة: بموحدة وراء ودال مهملتين مفتوحات أي التخمة وثقل الطعام على المعدة وسميت بردة لأنها لبرد المعدة حتى تضعف عن طبخه وتصفيه أخلاطه والمراد بكونه أصلا لذلك أنه منشؤه او مبدؤه في الغالب.
(٦) كما رواه الطبراني في الأوسط.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٣٠» رقم «٥» . . (٧) تشبيه بليغ والحوض مجمع الماء فشبه المعدة به لجمعها الطعام وكجمع الحوض الماء.
(٨) لا يرد على المصنف رحمه الله تعالى أنه كيف ذكر الموضوع وهو كذب عليه ﷺ وهو ممتنع لأن ذلك في ذكره مع بيانه، وقد اختلف فيه فقيل إنه مرفوع قال الطبراني في الأوسط عن الزهري عن أبي هريرة مرفوعا «المعدة حوض-
[ ١ / ٦٩٧ ]
تكلم عليه الدارقطني «١» .
وقوله «٢» خبر مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ «٣» وَاللَّدُودُ «٤» وَالْحِجَامَةُ «٥» وَالْمَشِيُّ «٦» وَخَيْرُ «٧» الْحِجَامَةِ يَوْمَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ «٨» .. وَفِي «٩» الْعُودِ الْهِنْدِيِّ سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ منها ذات الجنب
_________________
(١) البدن والعروق اليها واردة فاذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم» ولم يروه عن الزهري إلا زيد بن أبي أنيسة تفرد به الرهاوي وقوله تكلم الى آخره أي بحث في مسنده وكونه مرفوعا وقال في كتاب العلل «اختلف فيه عن الزهري فرواه أبو قرة الراوي عنه وقال عن عائشة ولم يقل عن أبي هريرة وكلا الروايتين عن أبي هريرة لم يصح ولا يعرف من كلام النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم وإنما هو من كلام عبد الملك بن سعيد بن أبجر وقيل انه من كلام الحارث بن كلدة وعن ابن منبه ما يقرب منه وذكر ابن أبي الدنيا أنه اجمعت الاطباء على أن رأس الطب الحمية والحكماء على أن رأس الحكمة الصمت.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٥٨» رقم «١» .
(٣) كما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(٤) السعوط: بفتح السين وضم العين وواو وطاء مهملات مما يجعل في الانف ويستنشق به لفتح السدد الدماغية ومنع النزلات.
(٥) اللدود: بفتح اللام وضم الدال المهملة وواو ودال مهملة وهو ما يجعل في أحد شقي الفم ويتغرغر به لدفع ورم به يعتري الصيان غالبا.
(٦) الحجامة: بكسر الحاء المهملة وهي مص الدم بآلة معروفة في الرأس وبين الكتفين وهي في مؤخر الدماغ تورث النسيان وهي دواء للشقيقة في الرأس مع انه مرض مزمن وورد فيها أحاديث.
(٧) المشي: بفتح الميم وكسر الشين المعجمة وتشديد المثناة التحتية وهو المسهل.
(٨) رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وصححه وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
(٩) في رواية أبي داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه زيادة (كان شفاء من كل داء) .
(١٠) رواه البخاري عن أم قيس.
[ ١ / ٦٩٨ ]
وَقَوْلِهِ «١»: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ» .. إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ..
وَقَوْلِهِ «٢» وَقَدْ سُئِلَ عَنْ سَبَإٍ «٣» أَرَجُلٌ هُوَ أو امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ فَقَالَ: «رَجُلٌ وَلَدَ عَشْرَةً تيامن «٤» منهم ستة وتشأم «٥» أَرْبَعَةٌ» الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.. وَكَذَلِكَ جَوَابُهُ «٦» فِي نَسَبِ قُضَاعَةَ «٧» . وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اضْطُرَّتِ الْعَرَبُ عَلَى شَغْلِهَا بِالنَّسَبِ إِلَى سُؤَالِهِ عَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلِهِ: «٨» «حِمْيَرُ «٩» رَأْسُ الْعَرَبِ وَنَابُهَا
_________________
(١) كما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والمحاكم عن المقدام بن معد يكرب.
(٢) رواه الترمذي وأحمد عن ابن عباس مسندا.
(٣) هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان: من كبار ملوك اليمن في الجاهلية الاولى. قيل اسمه عبد شمس وقيل عامر. ويظن انه كان في القرن العشرين قبل الميلاد، ملك صنعاء وما جاورها، ووصفه مؤرخوه بالشجاعة وأولع بالعمران، فابتنى مدينة مأرب وفيها السد وأعقب نسلا كثيرا.
(٤) أي سكنوا اليمن.
(٥) أي سكنوا الشام.
(٦) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني عن عمرو بن مرة الجهني أنه ﷺ قال: من كان هنا من معد فليقم فقمت فقال: أقعد فقلت: ممن نحن قال: أنتم من قضاعة ابن مالك بن حمير.
(٧) قضاعة: بضم القاف وضاد معجمة وعين مهملة أبو حي من اليمن لقب به لانفصاله عن الناس لأن القضاعة ما ينفصل عن أصل الحائط وقيل هي من قضع بمعنى قهر لقهره بشجاعته من عاداه وقيل القضاعة من أسماء الفهد او كلب الماء.
(٨) رواه البزار وقال العسقلاني أنه منكر.
(٩) هو حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان: جد جاهلي قديم، كان ملك اليمن واليه نسبة الحميريين وكان شجاعا مظفرا حكم بعد أبيه سبأ، وعاصمة ملكه. صنعاء، وغزا وافتتح حتى بلغ بعض غزاته الصين، ويذكرون من وقائعه قتاله لقبائل ثمود ويرى بعضهم أن اسمه «العرنجج» وأنه لقب بحمير لكثرة لبسه الثياب الحمر. لم يصل التنقيب عن الآثار حتى الآن الى التاريخ الصحيح لقيام الدولة الحميرية والمشتغلون بهذا العلم واقفون عند رأي [إدورد جلازر] بأن قيامها كان سنة «١١٥» قبل الميلاد.
[ ١ / ٦٩٩ ]
وَمَذْحِجٌ «١» هَامَتُهَا «٢» وَغَلْصَمَتُهَا «٣» وَالْأَزدُ «٤» كَاهِلُهَا «٥» وَجُمْجُمَتُهَا «٦» وَهَمْدَانُ غَارِبُهَا «٧» وَذِرْوَتِهَا» «٨» .
وَقَوْلِهِ: «٩» «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كهيئة يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» وَقَوْلِهِ «١٠» فِي الْحَوْضِ «١١»: «زَوَايَاهُ سَوَاءٌ» «١٢» .
وَقَوْلِهِ «١٣» فِي حَدِيثِ الذِّكْرِ: «وإنّ الحسنة بعشر أمثالها فتلك مئة
_________________
(١) هو مذحج (واسمه مالك) بن أدد بن زيد. من كهلان: جد جاهلي يماني قديم. من القحطانية. قال اليعقوبي: (كانت تلبية مذحج في الجاهلية إذا حجوا: «لبيك رب الشعرى، ورب اللات والعزى» . وكان صنمهم «يغوث» قاتلهم عليه بنو غطيف فهربوا به الى نجران.)
(٢) هامتها: أي رأسها.
(٣) غلصمتها: بفتح الغين المعجمة وسكون اللام وفتح الصاد المهملة وميم وهاء وهي لحمة بين الرأس والعنق او رأس الحلقوم وهو اشارة الى تمكنهم في الشرف وعلوهم وأصالتهم وعظمتهم.
(٤) الأزد بهمزة مفتوحة وزاي معجمة ساكنة ودال مهملة وهو الأزد بن الغوث وهو بالسين المهملة أفصح كما في القاموس أبو حي من اليمن منه الأنصار وأطلق هذا الاسم على قبيلة.
(٥) كاهلها: بكسر الهاء وهو ما يلي العنق من أعلى الظهر.
(٦) جمجمتها: بضم الجيمين المعجمتين وميمين الاولى ساكنة والثانية مفتوحة وهي عظام الرأس وتطلق على الرأس نفسها والمراد هنا انهم سادة العرب.
(٧) غاربها: بكسر الراء وهو من البعير كالكاهل من الانسان وهو ما بين السنام والعنق.
(٨) ذروتها: بكسر الذال المعجمة وضمها وسكون الراء المهملة أي أعلاها وسنامها.
(٩) رواه الشيخان عن أبي بكرة في خطبة حجة الوداع.
(١٠) كما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
(١١) أي حوضه صلّى الله تعالى عليه وسلم يوم القيامة.
(١٢) أي مربع تربيعا مستويا لا يزيد طوله على عرضه.
(١٣) رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما
[ ١ / ٧٠٠ ]
وخمسون على اللسان وألف وخمسمئة فِي الْمِيزَانِ» «١» . وَقَوْلِهِ «٢» وَهُوَ بِمَوْضِعٍ: «نِعْمَ مَوْضِعُ الْحَمَّامِ «٣» هَذَا» .. وَقَوْلِهِ: ««٤» مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ «٥»» . وَقَوْلِهِ «٦» لِعُيَيْنَةَ «٧» أَوِ الْأَقْرَعِ: «٨» . «أَنَا أَفْرَسُ «٩» بِالْخَيْلِ مِنْكَ» وَقَوْلِهِ «١٠» لِكَاتِبِهِ: «ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أذنك فإنه أذكر «١١» للمملّ» «١٢» ..
هَذَا مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَا يَكْتُبُ وَلَكِنَّهُ أُوتِيَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ حتى قد
_________________
(١) في هذا استدلال على معرفته صلّى الله تعالى عليه وسلم بالحساب.
(٢) رواه الطبراني عن أبي رافع بسند قالوا ان فيه ضعفا.
(٣) الحمام: بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم بيت يعد للغسل يذكر ويؤنث، ولم يكن في عصره صلّى الله تعالى عليه وسلم حمام ولم يدخله.
(٤) رواه الترمذي عن أبي هريرة وصححه.
(٥) قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «اذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة» الشاهد في هذا الحديث انه يدل على علمه ﷺ بعلم الميقات فان معرفة سمت القبلة باب منه تضمنه هذا الحديث.
(٦) هذا الحديث ذكره ابن الاثير في النهاية ولم يخرجه السيوطي لانه لم يقف عليه
(٧) هو عيينة بن حصن الفزاري ويكنى ابا مالك أسلم يوم الفتح وكان من المؤلفة قلوبهم وكان من جفاة الاعراب، وهو الذي قال عنه ﷺ: «انه الاحمق المطاع» لانه كان سيد قومه وعيينة علم منقول من تصغير العين.
(٨) هو الاقرع بن حابس بن عفان بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي واسمه «فراس» ولقب بالاقرع لقرع في رأسه وهو من المؤلفة قلوبهم وكان شجاعا فارسا شريفا في قومه في الجاهلية والاسلام اسلم وقدم على رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم في وفد بني تميم وهو الذي نزل فيه (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) .
(٩) أفرس: أعرف وأبصر ومصدره الفراسة بفتح الفاء والفراسة بالكسر من التفرس وهو معنى آخر.
(١٠) رواه الترمذي عن زيد بن ثابت.
(١١) أي أكثر تذكرا قال الحلبي: «لأنه يقتضي التؤدة وعدم العجلة» .
(١٢) للممل: بضم الميم الأولى وكسر الثانية وتشديد اللام اسم فاعل أصله المملل ويملي وأملى وأمل بمعنى واحد وهو إلقاء ما يكتب على الكاتب.
[ ١ / ٧٠١ ]
وَرَدَتْ آثَارٌ بِمَعْرِفَتِهِ حُرُوفَ الْخَطِّ وَحُسْنِ تَصْوِيرِهَا.
كَقَوْلِهِ «١»: «لَا تَمُدُّوا «٢» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» رواه ابن شعبان «٣» عن طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» وَقَوْلِهِ «٥» فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي يُرْوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ «٦» أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «أَلْقِ الدَّوَاةَ «٧» وَحَرِّفِ الْقَلَمَ «٨» وَأَقِمِ الْبَاءَ «٩» وَفَرِّقِ السِّينَ «١٠» وَلَا تُعْوِرِ الْمِيمَ «١١» وَحَسِّنِ اللَّهَ «١٢»، ومدّ الرّحمن «١٣» وجوّد الرّحيم «١٤»
_________________
(١) قال السيوطي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لا تمد بسم الله الرّحمن الرّحيم..» لم أجده وللديلمي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه «إذ كتب أحدكم بسم الله الرّحمن الرّحيم فليمد الرّحمن» . وله من حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه «إذا كتبت فبين السين في بسم الله الرّحمن الرّحيم» .
(٢) أي لا تجعلوا السين مدة طويلة في نسخة (لا تمد) .
(٣) ابن شعبان هو محمد بن القاسم بن شعبان بن اسحق المصري المالكي توفي سنة خمس وخمسين ومائة وضعفه ابن حزم وله ترجمة في الميزان.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) كما في مسند الفردوس للديلمي.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣٥٩» رقم «٢» .
(٧) ألق: فعل أمر بفتح الهمزة وكسر اللام والقاف لالتقاء الساكنين يقال لاق الدواة يليقها ليقة وليقا وألاق ولاق يتعدى ولا يتعدى أي أصلح مدادها من قولهم لاق به إذا ألصقه ومنه يليق بك كذا.
(٨) حرف القلم: بتشديد الراء المكسورة أمر من التحريف أي اجعل طرف شقه الأيمن أزيد من الطرف الأخر قليلا لأنه أسرع في الكتابة وأبدع في اللطافة.
(٩) وأقم الباء: أي اجعلها مستقيمة أو طولها قيلا لأنها عوض عن ألف اسم.
(١٠) أي اجعل سننها منفصلا بعضها من بعض.
(١١) أي لا تجعل دائرتها مطموسة كالعين العوراء (لا تعور) هو بضم المثناة الفوقية وفتح العين المهملة وكسر الواو المشددة وراء مهملة.
(١٢) أي كتابته وصورة لفظه تعظيما لمسماه.
(١٣) أي أكثر حروفه من الحاء والميم والنون أو آخرها وهو الأولى
(١٤) أي حسن كتابته والتجويد مطلق التحسين.
[ ١ / ٧٠٢ ]
وَهَذَا وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يرزق علم هذا ويمنع الكتابة والقراءة.
وَأَمَّا عِلْمُهُ ﷺ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ وَحِفْظُهُ مَعَانِيَ أَشْعَارِهَا فَأَمْرٌ مَشْهُورٌ.. قَدْ نَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِهِ أَوَّلَ الْكِتَابِ. وَكَذَلِكَ حِفْظُهُ لِكَثِيرٍ مِنْ لُغَاتِ الْأُمَمِ.
كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «١» سَنَهْ سَنَهْ «٢» وَهِيَ «حَسَنَةٌ» بِالْحَبَشِيَّةِ «٣» وَقَوْلِهِ «٤» وَيَكْثُرُ «الْهَرْجُ» «٥» وَهُوَ «الْقَتْلُ» بِهَا «٦» .
وَقَوْلِهِ «٧» فِي حَدِيثِ أبي هريرة «٨» «أشكنب دردم «٩»» أي
_________________
(١) رواه البخاري عن أم خالد.
(٢) سنه: بفتح السين وتخفيف النون وتشدد فهاء ساكنة وفي رواية (سناه سناه) وفي أخرى (سناسنا) بفتح مهمانها وكسرها رواية القابسي وشده نونها وخففها أبو ذر وغيره قال ابن قرقول: «كلها بفتح السين وتشديد النون إلا عند أبي ذر فإنه خفف النون وإلا القابسي فإنه كسر السين.»
(٣) أي باللغة المنسوبة إلى الحبشة.
(٤) رواه الشيخان وغيرهما من طرق في حديث الفتن.
(٥) الهرج: بفتح الهاء وسكون الراء المهملة وجيم كثرة القتل.
(٦) أي بلغة الحبشة.
(٧) رواه ابن ماجه وفي سنده داود بن عليه والكلام فيه معروف قال الذهبي في في ميزانه روى جماعة عن داود بن علية عن مجاهد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: يا أبا هريرة «اشكنب درد» قلت لا. الحديث أخرجه أحمد في مسند والأصح ما رواه المحاربي عن ليث عن مجاهد مرسلا.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٣٠» رقم «٥» .
(٩) اشكنب دردم: بهمزة مفتوحة وشين معجمة ساكنة وكاف عربية مفتوحة ونون ساكنة وباء موحدة ساكنة وفسره المصنف رحمه الله تعالى بما يأتي وفي الفارسية بهمزة مكسورة وقد تفتح ويزاد فيها هاء فيقال شكنبة بكسر الشين فعربت وغير لفظها-
[ ١ / ٧٠٣ ]
«وَجَعُ الْبَطْنِ» بِالْفَارِسِيَّةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.. مُمَا لَا يَعْلَمُ بَعْضَ هَذَا وَلَا يَقُومُ بِهِ وَلَا بِبَعْضِهِ إِلَّا مَنْ مَارَسَ الدَّرْسَ وَالْعُكُوفَ عَلَى الْكُتُبِ وَمُثَافَنَةِ «١» أَهْلِهَا عُمُرَهُ.. وَهُوَ رَجُلٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
«أُمِّيٌّ» لَمْ يَكْتُبْ وَلَمْ يَقْرَأْ وَلَا عُرِفَ بِصُحْبَةِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ..
وَلَا نَشَأَ بَيْنَ قَوْمٍ لَهُمْ عِلْمٌ وَلَا قِرَاءَةٌ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ.. وَلَا عُرِفَ هُوَ قَبْلُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
قَالَ اللَّهُ تعالى: «وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ «٢»» الْآيَةَ إِنَّمَا كَانَتْ غَايَةُ مَعَارِفِ الْعَرَبِ النَّسَبُ وَأَخْبَارُ أَوَائِلِهَا وَالشِّعْرُ وَالْبَيَانُ.. وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ لهم بعد التفرع لعلم ذلك.. واشتغال بِطَلَبِهِ وَمُبَاحَثَةِ أَهْلِهِ عَنْهُ.. وَهَذَا الْفَنُّ نُقْطَةٌ مِنْ بَحْرِ عِلْمِهِ ﷺ ولا سبيل إلى جحد الملحد بشيء مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.. وَلَا وَجَدَ الْكَفَرَةُ حِيلَةً فِي دفع ما نصصناه إلا قولهم
_________________
(١) ومعناها فإن معناها الكرش عند العجم ودرد بدالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء مهملة ساكنة والميم عندهم ضمير المتكلم والصحيح إهمال الدالين وإسقاط الميم كما رواه ابن ماجة وضبطت به الرواية عنه فإنه قزويني أعلم بلغته وثقة في الرواية فما قيل ان دال درد الأولى معجمة وهم من راويه كرواية الميم.
(٢) مثافنة: بالمثلثة والفاء والنون أي مجالسة أهل العلوم وفي نسخة بالقاف الموحدة بمعنى المباحثة.
(٣) «إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ» سورة العنكبوت آية رقم ٤٨- ٤٩.
[ ١ / ٧٠٤ ]
«أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «١»» «إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ «٢»» فَرَدَّ اللَّهُ قَوْلَهُمْ بِقَوْلِهِ «لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ «٣»» ثُمَّ مَا قَالُوهُ مُكَابَرَةُ الْعِيَانِ.. فَإِنَّ الَّذِي نَسَبُوا تَعْلِيمَهُ إِلَيْهِ إِمَّا سَلْمَانُ «٤» أَوِ الْعَبْدُ «٥» الرُّومِيُّ..
وَسَلْمَانُ إِنَّمَا عَرَفَهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَنُزُولِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقُرْآنِ..
وَظُهُورِ مَا لَا يَنْعَدُّ مِنَ الْآيَاتِ وَأَمَّا الرُّومِيُّ فَكَانَ أَسْلَمَ.. وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَقِيلَ بَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ عِنْدَهُ عِنْدَ المروة
_________________
(١) سورة الفرقان آية رقم (٥) .
(٢) سورة النحل آية رقم (١٠٣) .
(٣) سورة النحل آية رقم (١٠٣) .
(٤) هو سلمان الفارسي: صحابي: جليل كان يسمي نفسه سلمان الاسلام. أصله من مجوس أصبهان. عاش عمرا طويلا، واختلفوا فيما كان يسمى به في بلاده. وقالوا: نشأ في قرية جيان، ورحل الى الشام، فالموصل، فنصيبين، فعمورية؛ وقرأ كتب الفرس والروم واليهود وقصد بلاد العرب، فلقيه ركب من بني كلب فاستخدموه ثم استعبدوه وباعوه؛ فاشتراه رجل من قريظة فجاء به الى المدينة، وعلم سلمان بخبر الإسلام فقصد النبي ﷺ بقباء وسمع كلامه ولازمه أياما وأبى أن «يتحرر» بالاسلام. فأعانه المسلمون على شراء نفسه من صاحبه. فأظهر إسلامه، وكان قوي الجسم، صحيح الرأي، عالما بالشرائع وغيرها. وهو الذي دل المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب، حتى اختلف المهاجرون والأنصار، كلاهما يقول: سلمان منا، فقال رسول الله: «سلمان منا أهل البيت» ! وجعل أميرا على المدائن، فأقام فيها الى أن توفي، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به وكان ينسج الخوص ويأكل خبز الشعير من كسب يده.
(٥) هو يعيش غلام حويطب بن عبد العزى الرومي وكان ممن قرأ الكتب ثم اسلم وقد اختلف في اسمه فقيل هو يعيش وقيل: بلعام، وقيل: جبر، وقيل يسار، وجمع البعض بين اختلاف الاسماء بأنها أسماء لأشخاص معدودين لا لشخص واحد.
[ ١ / ٧٠٥ ]
وَكِلَاهُمَا أَعْجَمِيُّ اللِّسَانِ.. وَهُمُ الْفُصَحَاءُ اللُّدُّ «١»، وَالْخُطَبَاءُ اللُّسْنُ «٢» قَدْ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَةِ مَا أَتَى بِهِ.. وَالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ بَلْ عَنْ فَهْمِ وَصْفِهِ وَصُورَةِ تَأْلِيفِهِ وَنَظْمِهِ فَكَيْفَ بِأَعْجَمِيٍّ أَلْكَنَ «٣» نَعَمْ وَقَدْ كَانَ سَلْمَانُ «٤» أَوْ بَلْعَامُ «٥» الرُّومِيُّ أَوْ يَعِيشُ «٦» أَوْ جَبْرٌ «٧» أَوْ يَسَارٌ «٨» عَلَى اخْتِلَافِهِمْ في اسمه بين أظهرهم يكلمونه مَدَى أَعْمَارِهِمْ فَهَلْ حُكِيَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ مَا كَانَ يَجِيءُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَهَلْ عُرِفَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِمَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ .. وَمَا منع العدو حينئذ على كثرة عدده ودؤوب «٩» طَلَبِهِ وَقُوَّةِ حَسَدِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى هَذَا فيأخذ عنه أَيْضًا مَا يُعَارِضُ بِهِ.. وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى شِيعَتِهِ كَفِعْلِ النَّضْرِ بْنِ «١٠» الْحَارِثِ بِمَا كَانَ يُمَخْرِقُ «١١» بِهِ مِنْ أَخْبَارِ
_________________
(١) اللد: جمع ألد وهو شديد الخصومة.
(٢) اللسن: بضم اللام فسكون السين جمع ألسن وقيل جمع لسن بفتح فكسر وهو المنطلق اللسان في ميدان النطق والبيان.
(٣) ألكن: أفعل للمبالغة من اللكنه بضم اللام وهي عدم افصاح اللسان وبيان النطق.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٧٠٥» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٧٠٥» رقم «٥» وانه مختلف في اسمه.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٧٠٥» رقم «٥» وانه مختلف في اسمه.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٧٠٥» رقم «٥» وانه مختلف في اسمه.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٧٠٥» رقم «٥» وانه مختلف في اسمه.
(٩) دؤوب بضم دال معجمة وهمزه فسكون واو فموحدة أي جده وتعبه في كده.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٢٧» رقم «٨» .
(١١) يمخرق: من المخرقة بالخاء المعجمة وهي لفظة مولدة ومعناها افتعال الكذب وقد أخذت هذه الكلمة من المخراق وهي خرقة يلعب بها من يرقص وهذه لفظة عربية ميمها زائدة تصرف فيها المولدون وتوهموا أصالة ميمها كما في قولهم تمسكن ويمخرق بضم الياء المثناة التحتية وفتح الميم وخاء معجمة ساكنة وراء مكسورة وقاف.
[ ١ / ٧٠٦ ]
كُتُبِهِ.. وَلَا غَابَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَوْمِهِ وَلَا كَثُرَتِ اخْتِلَافَاتُهُ إِلَى بِلَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُقَالُ إِنَّهُ اسْتَمَدَّ مِنْهُمْ.. بَلْ لَمْ يَزَلْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَرْعَى فِي صغره وشبابه على عادة أنبيائهم ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا فِي سَفْرَةٍ أَوْ سَفْرَتَيْنِ «١» لَمْ يَطُلْ فِيهِمَا مُكْثُهُ مُدَّةً يَحْتَمِلُ فِيهَا تَعْلِيمَ الْقَلِيلِ.. فَكَيْفَ الْكَثِيرُ!!. بَلْ كَانَ فِي سَفَرِهِ فِي صُحْبَةِ قَوْمِهِ ورفاقة عشيرته لَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ.. وَلَا خَالَفَ حَالُهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ مِنْ تَعْلِيمٍ وَاخْتِلَافٍ إِلَى حَبْرٍ «٢» أَوْ قَسٍّ «٣» أَوْ مُنَجِّمٍ أَوْ كَاهِنٍ «٤» ..
بَلْ لَوْ كَانَ هَذَا بَعْدُ «٥» كُلُّهُ لَكَانَ مَجِيءُ ما أتى به في مُعْجِزِ الْقُرْآنِ قَاطِعًا لِكُلِّ عُذْرٍ وَمُدْحِضًا لِكُلِّ حجة ومجلّيا «٦» لكل أمر..
_________________
(١) مرة مع أبي طالب عمه الى بلاد الشام حين رده بحير الراهب من منتصف الطريق ومرة في تجارة لأم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها مع غلامها ميسرة.
(٢) حبر بكسر الحاء المهملة وفتحها وهو العالم من علماء اليهود.
(٣) قس: بفتح القاف كما في القاموس وغيره واشتهر ضمه وهو خطأ ويكسر فسين مهملة مشددة أي عالم نصراني وكذا القسيس.
(٤) كاهن: وهو من يخبر عن المغيبات بواسطة جن ونحوه.
(٥) بعد: بضم الدال المهملة وهو ظرف مقطوع عن الاضافة أي مكثه وتصور تعلمه
(٦) مجليا: بضم الميم وسكون الجيم وتخفيف اللام وتحتية مخفضة وفي نسخة بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام المشدة وتحتية مخففة مفتوحة والمعنى كاشفا موضحا.
[ ١ / ٧٠٧ ]
الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ أَنْبَاؤُهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ
وَمِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وَكَرَامَاتِهِ، وَبَاهِرِ آيَاتِهِ أَنْبَاؤُهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، وَإِمْدَادِ اللَّهِ لَهُ بِالْمَلَائِكَةِ، وَطَاعَةِ الْجِنِّ لَهُ، وَرُؤْيَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ..
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَإِنْ تَظاهَرا «١» عَلَيْهِ «٢» فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ «٣» وَجِبْرِيلُ «٤»» الْآيَةَ.
وَقَالَ «٥» «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا» .
_________________
(١) أي وان تتعاونا عليه والخطاب لعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما.
(٢) أي على النبي ﷺ بما يسوؤه لديه من الإفراط في الغيرة لكثرة ميلهما إليه.
(٣) أي ناصره ومعينه.
(٤) أي «وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ» سورة التحريم آية رقم (٤) .
(٥) سورة الأنفال آية رقم (١٢) .
[ ١ / ٧٠٨ ]
وَقَالَ: «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ «١» رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ..» «٢» الْآيَتَيْنِ.
وَقَالَ: «وَإِذْ صَرَفْنا «٣» إِلَيْكَ نَفَرًا «٤» مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ» «٥» الآية.
عَنْ «٦» عَبْدِ اللَّهِ «٧» قَالَ: «لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «٨» قَالَ «٩» رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ له ستمئة جَنَاحٍ.
وَالْخَبَرُ «١٠» فِي مُحَادَثَتِهِ مَعَ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ «١١» وغيرهما من
_________________
(١) أي بمناجاتكم يا غياث المستغيثين أغثنا أعنا على أعدائنا وعن عمران أن رسول الله ﷺ رأى الكفار ألفا واصحابه ثلاثمائة ونيف أي في بدر فرفع يديه مستقبلا بقوله: «اللهم انجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه حتى سقط رداءه فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: «يا نبي الله حسبك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك» .
(٢) «بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» الآيتين رقم ٩، ١٠ من سورة الأنفال.
(٣) أي أملنا ووجهنا اليك.
(٤) نفرا: النفر ما دون العشرة وهؤلاء من نصيبين وهذا كان ببطن نخلة في منصرفه صلّى الله تعالى عليه وسلم من الطائف.
(٥) «فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا الى قومهم منذرين» الآية رقم (٢٩) من سورة الأحقاف.
(٦) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي موقوفا والترمذي وقال حسن وصحيح والمذكور هنا رواية السنن.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» . وص «٢٥٦» رقم «٢» .
(٨) سورة النجم آية رقم (١٨) .
(٩) أي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في تفسيره وهو موقوف له حكم الرفع.
(١٠) أي الحديث الصحيح المسند.
(١١) إسرافيل هو واحد من خواص الملائكة، موكل بالنفخ في الصور.
[ ١ / ٧٠٩ ]
الْمَلَائِكَةِ، وَمَا شَاهَدَهُ مِنْ كَثْرَتِهِمْ وَعِظَمِ صُوَرِ بَعْضِهِمْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ مَشْهُورٌ.. وَقَدْ رَآهُمْ بِحَضْرَتِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ.
فَرَأَى «١» أَصْحَابُهُ جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَةِ رَجُلٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. وَرَأَى «٢» ابْنُ عَبَّاسٍ «٣» وَأُسَامَةُ «٤» بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا عِنْدَهُ جِبْرِيلَ «٥» فِي صُورَةِ دَحْيَةَ «٦» . وَرَأَى «٧» سَعْدٌ «٨» عَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ «٩» فِي صُورَةِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بيض. ومثله عن غَيْرُ وَاحِدٍ وَسَمِعَ «١٠» بَعْضُهُمْ زَجْرَ «١١» الْمَلَائِكَةِ خَيْلَهَا
_________________
(١) كما ورد في حديث رواه الشيخان وغيرهما من طرق متعددة.
(٢) رواية ابن عباس لجبريل رواها الترمذي ورؤية أسامة له رواها الشيخان عنه وأما غيرهما كعائشة فروى روايتها البيهقي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤١٢» رقم «٣» .
(٥) جبريل ﵇ رئيس الملائكة وهو الذي كان ينزل على الانبياء بالوحي وقد وصفه الله تعالى بِقَوْلِهِ «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ- مطاع ثم أمين» وقد تقدمت ترجمته آنفا
(٦) دحية الكلبي هو ابن خليفة الكلبي، الصحابي الجليل المشهور توفي في خلافة معاوية ﵄ وكان من أجمل الناس وأجلهم ولذا كان جبريل ﵊ يأتي على صورته.
(٧) كما في الصحيحين.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٢١٥» رقم «١» .
(٩) من خواص الملائكة، وهو الملك الموكل بالامطار.
(١٠) وهذا رواه أبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس أن رجلا من غفار قال: قدمت أنا وابن عم لي ونحن مشركان وصعدنا على جبل مشرف على بدر ننظر الوقعة وننظر على من تكون الدبرة فبينما نحن كذلك إذ دنت سحابة فيها حمحمة خيل فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم فمات ابن عمي من خوفه وكدت أهلك» وحيزوم منادي اسم فرس الملك وروي حيزون بالنون والصحيح الاول.
(١١) زجر: بفتح الزاي المعجمة وسكون الجيم أي حثهم وحملهم على السرعة.
[ ١ / ٧١٠ ]
يوم بدر وبعضهم «١» رأى تطاير الرؤوس مِنَ الْكُفَّارِ وَلَا يَرَوْنَ الضَّارِبَ وَرَأَى «٢» أَبُو سُفْيَانَ «٣» بْنَ الْحَارِثِ يَوْمَئِذٍ رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ «٤» بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ وَقَدْ كَانَتِ «٥» الْمَلَائِكَةُ تُصَافِحُ عِمْرَانَ «٦» بن حصين وَأَرَى «٧» النَّبِيُّ ﷺ لِحَمْزَةَ «٨» جبريل في الكعبة فخر مغشيا عليه..
_________________
(١) كما رواه البيهقي عن سهل بن حنيف وأبي واقد الليثي وقال أبو داود المازني على ما في رواية ابن اسحق «اني لا تبع رجلا من المشركين يوم بدر لاضربه اذ وقع رأسه قبل ان يصل اليه سيفي فعرفت أنه قتله غيري» .
(٢) قيل ان الرائي لذلك سهيل بن عمرو كما رواه البيهقي وهذا مخالف لما رواه المصنف رحمه الله تعالى هنا وهو هكذا في تخريج السيوطي لاحاديث هذا الكتاب وفي الشرح الجديد أنه رواه ابن اسحق في سيرته ونقله في حديث طويل في مهلك أبي لهب والعهدة فيه عليه.
(٣) هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة- أرضعتهما حليمة السعدية واسمه المغيرة وقيل: اسمه كنيته والمغيرة أخوه، وكان ممن يشبه رسول الله ﵌، ويقال: إن عليا علمه لما جاء ليسلم أن يأتي النبي ﷺ من قبل وجهه فيقول (تالله لقد أثرك الله علينا) ففعل فأجابه (لا تثريب عليكم) .
(٤) بلق: بضم الباء الموحدة وسكون اللام جمع أبلق أي فيها بياض ولون آخر.
(٥) كما رواه ابن سعد عن قتادة وفي مسلم أنها كانت تسلم عليه ولا منافاة بينهما فان المتلاقيين يستحب لهما السلام والمصافحة تحية واكراما وان السلام أمان والمصافحة تسليم يده له فهو أمان لفظا ومعنى وحسا.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٨» رقم «٥» .
(٧) رواه البيهقي مرسلا عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٦٩١» رقم «٥» .
[ ١ / ٧١١ ]
وَرَأَى «١» عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «٢» الْجِنَّ لَيْلَةَ «٣» الْجِنِّ وَسَمِعَ كَلَامَهُمْ وَشَبَّهَهُمْ بِرِجَالِ الزُّطِّ «٤» .
وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ «٥» أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ «٦» لَمَّا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ أَخَذَ الرَّايَةَ مَلَكٌ عَلَى صُورَتِهِ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَهُ: تَقَدَّمْ يَا مُصْعَبُ..
فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: لَسْتُ بِمُصْعَبٍ فَعَلِمَ أَنَّهُ مَلَكٌ «٧» .
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ «٨» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «٩» ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إذ أقبل شيخ بيده
_________________
(١) كما رواه البيهقي عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢١٤» رقم «٢» وص «٢٥٦» رقم «٢» .
(٣) أي ليلة رأى فيها رسول الله ﷺ الجن وقد أمر بانذارهم ودعوتهم للاسلام فدعاهم.
(٤) الزط: بضم الزاي المعجمة وتشديد الطاء المهملة قوم من السودان أو الهنود طوال. وكلمة الزط معرب جت بفتح الجيم.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٥٥» رقم «٢» .
(٦) هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف القرشي من بني عبد الدار صحابي شجاع، من السابقين الى الاسلام. أسلم في مكة وكتم اسلامه، فعلم به أهله، فأوثقوه وحبسوه، فهرب مع من هاجر الى المدينة، فكان أول من جمع الجمعة فيها، وعرف فيها بالمقرىء، وأسلم على يده أسيد بني حضير وسعد بن معاذ وشهد بدرا، وحمل اللواء يوم أحد فاستشهد، وكان في الجاهلية فتى مكة، شبابا وجمالا ونعمة، ولما ظهر الاسلام زهد بالنعيم. وكان يلقب «مصعب الخير» ويقال: فيه وفي أصحابه نزلت الآية «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ» .
(٧) وروى ابن شيبة في مصنفه انه ﷺ قال يوم أحد أقدم مصعب فقال له عبد الرّحمن بن عوف يا رسول الله ألم يقتل مصعب قال بلى لكن قام مكانه وتسمى باسمه.
(٨) كالبيهقي وابن ماكولا.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
[ ١ / ٧١٢ ]
عَصًا.. فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ ﷺ: «نَغَمَةُ الْجِنِّ «١»» .
مَنْ أَنْتَ؟ .. قَالَ: «أَنَا هامة بن الهيم «٢» بن لا قس «٣» بْنِ إِبْلِيسَ «٤»» .. فَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ نُوحًا «٥» وَمَنْ بَعْدَهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ «٦» وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ سُوَرًا مِنَ الْقُرْآنِ.
وذكر «٧» الواقدي «٨» قتل خالد «٩» عند هدمه للعزّى «١٠» لِلسَّوْدَاءِ «١١» الَّتِي خَرَجَتْ لَهُ نَاشِرَةً شَعْرَهَا عُرْيَانَةً فَجَزَلَهَا «١٢» بِسَيْفِهِ وَأَعْلَمَ النَّبِيَّ ﷺ
_________________
(١) نغمة الجن: بفتح النون أي هذه حركته وصوته وفي نسخة (نغمة جني)
(٢) الهيم: بكسر فسكون تحتية وفي نسخة صحيحة بفتح هاء وكسر تحتية مشددة او مخففة.
(٣) لاقس: بكسر القاف او لا قيس بزيادة تحتية.
(٤) هو إبليس اللعين، أبو الجن، كما ان آدم ﵇ أبو البشر. ويسمى عزرائيل، وقيل: الحارث ويكنى: بأبي مرة.
(٥) نوح نبي ورسول من اولي العزم، ارسله الله الى قومه ودعاهم (٩٥٠) سنة كما قال الله تعالى «فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاما» ثم دعا عليهم لما يئس منهم فقال «رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا» .
(٦) اختلف في هذا الحديث فقال ابن الجوزي إنه حديث موضوع لا أصل له وذكر له طرقا ذكر من في رواتها من الكذابين ومن لم تقبل روايته وخالفه فيه غيره وقال ان تعدد طرقه تدل على صحته وابن الجوزي له مجازفة في موضوعاته أكثرها مردودة وقد روى هذا الحديث من يعتمد عليه كالبيهقي وابن عساكر وغيرهما.
(٧) وكذا روى النسائي والبيهقي عن أبي الطفيل.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «١٥٥» رقم «٣» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «٦٣٧» رقم «٩» .
(١٠) العزى: شجرة او ثلاث أشجار كانت في مكان واحد بنوا عليها بناء وكانوا يعبدونها وكانت لغطفان.
(١١) وهو شيطان في صورة امرأة سوداء واضعة يدها على رأسها صائحة يا ويلها وناشرة شعرها.
(١٢) فجز لها: بجيم وزاي معجمة مفتوحتين والزاي مشددة للمبالغة ومخففة أي جعلها جزلين أي قطعتين وروي جدلها بدال مهملة مشددة وروي عن خطه بخاء وذال معجمتين بمعنى قطعها ومعانيها متقاربة وأشهرها أولها.
[ ١ / ٧١٣ ]
فَقَالَ لَهُ: تِلْكَ الْعُزَّى.
وَقَالَ «١» ﷺ: (إِنَّ شَيْطَانًا «٢» تَفَلَّتَ «٣» الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ.. فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ «٤» مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ.. فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ «٥» «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعدي «٦»» فردّه الله خاسئا «٧») وهذا باب واسع.
_________________
(١) رواه الشيخان عن أبي هريرة.
(٢) شيطانا: من شطن اذا بعد لبعده عن الخير أو من شاط اذا هلك لهلاكه في الشر وهو المتمرد من الجن.
(٣) تفلت: بتشديد اللام أي وثب بسرعة بغتة وأصله التخلص بغتة يقال انفلت الدابة اذا تخلصت من مربطها.
(٤) سارية: عمود او اسطوانة من عمد المسجد.
(٥) سليمان ﵊ رسول ونبي وهو ابن الرسول داود عليهما الصلاة والسلام كان ملكا ونبيا، وقصته في القرآن معروفة.
(٦) سورة ص آية رقم «٣٥» .
(٧) امتنع نبينا صلّى الله تعالى عليه وسلم من أخذه إما تواضعا او تأدبا او تسليما لدعوة سليمان ﵇ قال الفاري «التسليم أولى وأسلم» .
[ ١ / ٧١٤ ]
الفصل الثامن والعشرون أخباره وصفاته وعلامات رسالته عند أحبار ورهبان وعلماء ذلك الزّمان
ومن دلائل نبوته وعلامات رسالاته مَا تَرَادَفَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنِ الرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ وعلماء أهل الكتب عن صِفَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ وَاسْمِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَذِكْرِ الْخَاتَمِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَمَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِ الْمُوَحِّدِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ «١» مِنْ شِعْرِ تُبَّعٍ «٢» والأوس «٣»
_________________
(١) أي العرب المتألهين قبل بعثته صلّى الله تعالى عليه وسلم العالمين بما في الكتب السماوية القديمة.
(٢) تبع بضم التاء وتشديد الباء الموحدة اسم لملك اليمن وجمعه تبابعة سمي به لكثرة اتباعه المنقادين له وأصل معناه الظل ولا يسمى تبعا الا اذا ملك حمير وحضرموت واشتهر منهم اثنان تبع الأكبر وهو الاول وتبع الثاني هو الذي أراد تخريب المدينة واستئصال اليهود لما شكر له الانصار منهم لأنهم من اليمن نزلوا عندهم فقال له رجل معمر، الملك أجل من أن يطريه فرق او يستخفه غضب، وأمره أعظم من ان يضيق حلمه او يحزم صفحه وهذه البلدة مهاجر بلدة نبي يبعث بدين ابراهيم ﵊
(٣) هو ابن ثعلبة العنقا بن عمرو بن مزيقيا بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرىء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الازد بن الغوث والاوس في اللغة الذئب او العطية سمي به وله تنسب الانصار وكان أوس من عدة ناس في الفترة هداهم الله تعالى للتوحيد ولم يعبدوا الاصنام وكانوا يعاشرون أهل الكتاب فيخبرونهم بما في كتبهم من ذكر النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم فيذكرونه في خطبهم وأشعارهم ولاوس شعر فيه وهو سيد جواد طائي كان صديقا لحاتم الطائي.
[ ١ / ٧١٥ ]
بْنِ حَارِثَةَ وَكَعْبِ بْنِ «١» لُؤَيٍّ وَسُفْيَانَ «٢» بْنِ مجاشع. وقس «٣» بن ساعدة..
_________________
(١) هو اول من جمع يوم الجمعة وسماها جمعة وكانت تسمى عروبة في الجاهلية فكان يخطب فيه الناس ويبشر بالنبي صلّى الله تعالى عليه وسلم وفيما نقل من كلامه نظما ونثرا انه قال في خطبة له اما بعد فاسمعوا وتعلموا وافهموا واعلموا ليل ساج ونهار ضاج والارض مهاد والسماء بناء والجبال اوتاد والنجوم اعلام، الى قوله الدار امامكم والظن غير ما تقولون حرمكم زينوه وعظموه. فسيأتي له بناء عظيم، وسيخرج منه نبي كريم. وينشد: نهار وليل كل يوم بحادث سواء علينا ليلها ونهارها منونان بالاحداث حتى تناوبا وبالنعم الضافي علينا ستورها على غفلة يأتي النبي محمد فيخبر اخبارا صدوقا خبيرها
(٢) التميمي الدارمي المجاشعي جد الفرزدق دقه والاقرع بن حابس وكان احتمل عن قومه ديات فخرج لحي من تميم فاذا هم مجتمعون عند كاهنة فاتاهم وجلس عندهم فسمع الكاهنة تقول: العزيز من والاه. والذليل من خالاه. والموفور من والاه. والموثور من عالاه. فقال سفيان من تذكرين لله ابوك فقالت: صاحب هدى وعلم، وبطش وحلم، وحرب وسلم. ورأس رؤوس ورابض شموس، وماجن بؤوس وماهد زعوس وناعس ومنعوس فقال سفيان لله أبوك من هو قالت: نبي مؤيد قد أتي حين يوجد. ودنا أوان يولد. يبعث الى الاحمر والاسود، بكتاب لا يفند. اسمه محمد. قال سفيان لله أبوك عربي هو أم عجمي فقالت: أما والسماء ذات العنان، والشجر ذات الافنان إنه لمن معد بن عدنان. فأمسك عن سؤالها ثم ان سفيان ولد له ولد فسماه محمدا لرجاء أن يكون هو النبي المذكور.
(٣) الإيادي نسبة الى إياد حي من معد، وكان من الحكماء الزهاد كعمه وخاله منقطعا للعبادة في برية وآمن بالنبي صلّى الله تعالى عليه وسلم قبل مبعثه ورآه النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم مرتين بسوق عكاظ ولذا عده ابن شاهين وغيره في الصحابة ﵃، وعمر حتى قيل انه عاش ست مائة او سبع مائة سنة وأدرك الحواريين فكان على دين عيسى ﵊ قيل وكانت السباع تدور عنده ولا تؤذيه وربما ضربها بعصاه وهو خطيب مطلق يضرب به المثل وروي له أشعار كثيرة فيها ذكره صلّى الله تعالى عليه وسلم.
[ ١ / ٧١٦ ]
وَمَا ذُكِرَ عَنْ سَيْفِ بْنِ «١» ذِي يَزَنَ وَغَيْرِهِمْ.
وَمَا عَرَّفَ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ زَيْدُ بن «٢» عمرو بن نفيل وورقة «٣» ابن نوفل وعثكلان «٤» الحميري وعلماء يهود «٥» وشامول «٦»
_________________
(١) من ملوك حمير وقصته مشهورة في التواريخ والسير وكان ظهر على اليمن وظفر بالحبشة بعد مولد النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم بسنتين فاتته وفود العرب تهنئه وتمدحه فاتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب وأمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد وغيرهم من وجوه قريش واستأذنوا عليه فاذن لهم وهو معطر بالمسك والعنبر وحوله أبناء الملوك فقال لعبد المطلب إن كنت ممن يتكلم بين الملوك فتكلم، فتكلم عبد المطلب كلاما بليغا ثم قال له الملك يا عبد المطلب إني مفض اليك بسر لو يكون غيرك لم أبح به ولكن وجدتك معدنه فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فان الله بالغ أمره. إني أجد في الكتاب المكنون، والسر المخزون، الذي اخترناه لانفسنا دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس كافة ولرهطك عامة ولك خاصة اذا ولد بتهامة. غلام به علامة بين كتفيه شامة. كانت له الامامة ولكم به الزعامة الى يوم القيامة.
(٢) ابن عبد العزى بن رباح العدوي الذي قال فيه رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم انه يبعث أمة وحده لانه كان يطلب دين ابراهيم ويكره الشرك وأهله ويوحد الله واجتمع بالنبي صلّى الله تعالى عليه وسلم قبل نبوته وتوفي قبل مبعثه وقال شاعت اليهودية والنصرانية فكرهتهما وكنت بالشام فأتيت راهبا فقصصت عليه فقال أراك تريد دين ابراهيم يا أخا أهل مكة انك لتطلب دينا لا يوجد اليوم وهو دين ابيك ابراهيم فالحق ببلدك فان الله يبعث لك من يأتي بدين ابراهيم الحنيفية وهو اكرم الخلق على الله تعالى.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٢» رقم «٦» .
(٤) بفتح العين المهملة وسكون المثلثة وكاف ولام والف ونون والحميري نسبة لحمير قبيلة باليمن وقال الشراح لم نقف على قصة عثكلان وان كان قد ذكر في الخصائص ان ابن عساكر ذكر قصته اجتماع عبد الرّحمن بن عوف بعثكلان في بلاد اليمن قبل أن يؤمن عبد الرّحمن بالله ورسوله فذكر له اقتران ظهور نبي في مكة.
(٥) وفي نسخة وعلماء يهود وكلاهما صحيح كما بينه سيبويه في باب العلم فانه يكون علما لهذه القبيلة فيمنع من الصرف ولا تدخله الالف واللام.
(٦) من علماء اليهود وممن بشر ببعثة النبي ﷺ.
[ ١ / ٧١٧ ]
عَالِمُهُمْ صَاحِبُ تُبَّعٍ مِنْ صِفَتِهِ وَخَبَرِهِ وَمَا أُلْفِيَ «١» مِنْ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِمَّا قد جمعه العلماء وبيّنوه ونقله عنهما ثقات ممن «٢» أَسْلَمَ مِنْهُمْ مِثْلُ: ابْنِ سَلَامٍ «٣» وَبَنِي سَعْيَةَ «٤» وابن «٥» يا مين ومخيريق «٦»
_________________
(١) ألفي: بهمزة مضمومة ولام ساكنة وفاء مكسورة وياء مثناة تحتية مبني للمجهول بمعنى وجد وأما ما وجد في نسخة بالقاف عوضا عن الفاء فهو تصحيف بمعنى ما وجد.
(٢) وفي نسخة ثقات من أسلم بالاضافه.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٣» .
(٤) بني جمع ابن وسعية بسين مفتوحة وعين مهملتين ساكنة ومثناة تحتية وقيل صوابه النون بدل المثناة التحتية بل قيل النون أكثر وأشهر وهم ثعلبة وأسيد بالتصغير والتكبير وفتح الهمزة وزيد وسبب اسلامهم انه قدم عليهم رجل من أهل الشام يقال له ابن الهيبان اقام عندهم وكان عالما يتبركون به ويستسقون فيسقون فلما حضرته الوفاة قال يا معشر يهود انما اقدمني هذه البلدة خروج بني قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجرة وقد كنت أرجو ان ادركه فاتبعه فلما بعث رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم وهاجر وحاصر بني قريظة قال لهم بنو سعية وهم احداث والله انه هو الذي عهد اليكم فيه ابن الهيبان فقالوا ليس به قالوا بل هو بصفتة فنزلوا وأسلموا واحرزوا أهلهم وأموالهم ودماءهم.
(٥) هو ابن عمير بن عمرو بن كعب بن جحاش من بني النضير وقيل انه بنيامين ويقال بنيامين باللام وهو أحد الحبرين اللذين قدما من اليمن مع تبع واسم الآخر سخيت كما مر وكأنه تصغير سخت كما قاله التلمساني.
(٦) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والياء الساكنة وكسر الراء المهملة والياء الساكنة وقاف بصيغة المصغر كان عالما حبرا من أحبار اليهود كثير المال والخيل وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته إلا انه غلبه الف دينه فلما كان أحد يوم السبت قال يا معشر يهود انكم لتعلمون ان نصر محمد لحق عليكم فقالوا اليوم يوم السبت فقال إنكم لا سبت لكم ثم أخذ سلاحه وخرج حتى أتى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه باحد وعهد الى قومه ان قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد يصنع بها ما رآه ثم قاتل حتى قتل فجعل ماله صدقة بالمدينة وكان صلّى الله تعالى عليه وسلم يقول مخيريق خير يهود.
[ ١ / ٧١٨ ]
وَكَعْبٍ «١» وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَاءِ يَهُودَ وبحيراء «٢» ونصطور «٣» الْحَبَشَةِ وَصَاحِبِ «٤» بُصَرَى وَضَغَاطِرَ «٥» وَأُسْقُفِ «٦» الشَّامِ وَالْجَارُودِ «٧»
_________________
(١) ابن مانع وهو كعب الاحبار التابعي المشهور ادرك زمنه ﷺ وأسلم في خلافة ابي بكر ﵁ وقيل في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وتوفي في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه سنة اثنتين وثلاثين ودفن بحمص وروى عنه آثار كثيرة في صفاته صلّى الله تعالى عليه وسلم في التوراة.
(٢) عطفه على علماء اليهود لانه ليس منهم فانه كان نصرانيا وبحيرا بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة ومثناة تحتية وراء مهملة والف مقصورة على المشهور إلا ان البرهان قال ان راءه ممدودة وقصته صحيحة مشهورة في السير وهو راهب كان منقطعا للعبادة بصومعة له عند محل يقال له بصرى في طريق الشام.
(٣) احترز به عن نسطور الشام وغيره ونسطور معرب ويقرأ بالسين والصاد ونسطور الشام قصته مذكورة في السير وهي قريبة من قصة بحيرا.
(٤) بضم الباء كحبلى بلدة بالشام وهي بين المدينة والشام وصاحبها ملكها الذي أرسل اليه النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم دحية بكتابه وهو الحارث بن ابي شمر الغساني كما قاله ابن حجر وقال إنه مات عام الفتح.
(٥) بضاد وغين معجمتين مفتوحتين بعدهما الف وطاء وراء مهملتان ويقال ضغاطن بنون وبغاطر بموحدة تحتية مفتوحة وفاء وهو أسقف من كبار الروم أسلم على يد دحية رضي الله تعالى عنه لما أرسله رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم الى هرقل وغير لباسه وأظهر اسلامه فقتلوه كما ذكره الذهبي وكان ذلك في سنة ست من الهجرة.
(٦) وفي نسخة أساقفة الشام ويعني بهم صاحب إيليا وهرقل وابن الناطور وغيرهم واسقف بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم القاف وتشديد الفاء.
(٧) هو ابن عمرو بن العلاء او ابن العلاء ويكنى أبا غياث او ابا عتاب واسمه بشر وكان سيد عبد القيس على دين النصرانية وقد وفد على رسول الله ﷺ سنة تسع فعرض عليه الاسلام ورغبه فيه فاسلم هو وأصحابه وحسن اسلامه وكان متصلبا في دينه وادرك الردة ولما ارتد قومه دعاهم الى الحق وقال اشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله وكفر من لم يشهد وسكن بالبصرة وقيل بفارس وقيل بنهاوند سنة احدى وعشرين وسمي الجارود لانه غار على بكر بن وائل فجردهم وقيل لانه فر بابله وبها داء الى اخو له بني شيبان ففشا الداء في ابلهم حتى اهلكها نهو فاعول من الجرد بالجيم وهو الاستئصال.
[ ١ / ٧١٩ ]
وسلمان «١» وتميم «٢» وَالنَّجَاشِيِّ «٣» وَنَصَارَى الْحَبَشَةِ «٤» وَأَسَاقِفِ «٥» نَجْرَانَ «٦» وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى.
وَقَدِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ هرقل «٧» وصاحب «٨» رومة «٩» عالما
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٧٠٥» رقم «٤» .
(٢) الداري ينسب للدار وهم بطن باليمن من لخم هم ولد هانىء بن حبيب بن غارة ابن لخم ويكنى بابي رقية واسلم تميم سنة تسع وسكن المدينة ثم انتقل الى الشام بعد قتل عثمان وكان من أهل الكتاب عالما بكتبهم فقرأ فيها بعثة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم والتبشير به فقدم على رسول الله ﷺ وآمن به واقطعه اراضي بالقدس وقصته مشهورة افردها ابن حجر وكذا السيوطي بالتاليف.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٤» رقم «٢» .
(٤) هم قوم من نصارى الحبشة عرفوا صفته صلّى الله تعالى عليه وسلم في الانجيل وأخبروا بها.
(٥) أساقفة: جمع أسقف وهو الرئيس وهم نصارى وفدوا على رسول الله ﷺ ستون راكبا من اشرافهم وكان لهم علم بالكتاب.
(٦) نجران: بفتح النون وسكون الجيم وراء مهملة وألف ونون وهو موضع باليمن سمي بنجران فتح سنة عشر. كذا في القاموس.
(٧) ملك الروم بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف وحكي اسكان الراء وكسر القاف وكان يعرف امره صلّى الله تعالى عليه وسلم في الكتب الآلهيه ولكن احب الملك فحكم بشقائه مالك الملك وقد مات على النصرانية وكان عالما بالكتاب وباحوال رسول الله ﷺ كما اخبر به دحية.
(٨) اختلف فيه فقيل هو ابن الناطور وهو لفظ أعجمي معناه حارس الكروم وقيل هو ضغاطر الذي تقدم واعترض بانه أسلم فلا يناسبه قوله بعده انه ممن حمله الشقاء على البقاء على كفره.
(٩) رومه: بضم الراء وسكون الواو وميم مخففة مفتوحة يليها هاء في أكثر النسخ وفي بعضها رومية بياء مخففة عند اهل اللغة كأنطاكية وغيرها وعدوا التشديد لحنا لأنه ليس بنسبة عربية وبعضهم يشددها.
[ ١ / ٧٢٠ ]
وهم رئيسا النصارى وَمُقَوْقِسُ «١» صَاحِبُ مِصْرَ وَالشَّيْخُ «٢» صَاحِبُهُ وَابْنُ صُورِيَا «٣» وابن أخطب «٤» وأخوه ٥، وكعب «٦» بن
_________________
(١) أي ملكها وهو الذي اهدى الى النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم قدحا من قوارير وجاريته مارية ولم يسلم وغلظ من عده من الصحابة كيف وهو لم يلاق النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم وما زال نصرانيا على الاصح واسمه جريح بن سينا كما قاله الدارقطني ولهم مقوقس آخر عد في الصحابة قال الذهبي ولعله الاول وهو ملك القبط وصاحب الاسكندرية وارسل له النبي ﷺ كتابا يدعوه فيه الى الاسلام فاجابه بما هو معلوم في كتب الحديث والسير.
(٢) أي صاحب المقوقس قال البرهان وغيره وهذا الشيخ لا نعرفه إلا أن المسعودي ذكره وذكر له قصة في كتاب العجائب أحال عليها في مروج الذهب.
(٣) بضم الصاد المهملة وواو ساكنة يليها راء مهملة مكسورة ومثناة تحتية والف مقصورة وقيل انها ممالة وهو عبد الله بن صوريا الاعور اليهودي ولم يكن في زمانه أعلم منه بالتوراة وقال النقاش انه اسلم وقيل اسلم ثم ارتد ولم يذكر ابن اسحاق اسلامه وعده في الاصابة من الصحابة وفي معالم التنزيل انه الذي نزل فيه قوله تعالى «من كان عدوا لجبريل» وكلام المصنف ﵀ مبني على عدم اسلامه.
(٤) - (٥) بزنة أفعل من الخطبة وهو حيي ابو أم المؤمنين صفية رضي الله تعالى عنها. وياسر أخو حيي بن أخطب، قتل وأخوه كافرين، وكانا يهوديين وكانا يعلمان امر النبي ﷺ وما في التوراة من ذكره بصفته ومع ذلك كانا أشد الناس عداوة له كما ذكرت ذلك صفية لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بعد ما أسلمت وقالت لما قدم رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم الى المدينة غدا اليه أبي وعمي ثم جاءا بالعشي فسمعت عمي يقول لأبي أهو هو قال نعم. فقال له عمي ياسر وما في صدرك منه قال: العداوة له ما بقيت.
(٥) من بني قريظة وهو صاحب عقدهم وقال لهم لما حاصرهم رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يا معشر يهود إنكم ترون ما نزل بكم من الامر فقالوا نتابعه ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وانه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على نسائكم واموالكم واهلكم فقالوا لا نفارق حكم التوراة ولا نستبدل به غيره الى آخر القصة وما فيها من نقضهم العهد وقتلهم ويقال إن اسم كعب بفتحتين وكاف ومثناة فوقية ودال مهملة.
[ ١ / ٧٢١ ]
أَسَدٍ وَالزُّبَيْرُ «١» بْنُ بَاطِيَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ مِمَّنْ حَمَلَهُ الْحَسَدُ «٢» وَالنَّفَاسَةُ «٣» عَلَى الْبَقَاءِ عَلَى الشَّقَاءِ.
وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ وَقَدْ قَرَّعَ «٤» أَسْمَاعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ أَصْحَابِهِ.. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ صُحُفُهُمْ «٥» .. وَذَمَّهُمْ بِتَحْرِيفِ ذَلِكَ وَكِتْمَانِهِ وَلَيِّهِمْ «٦» ألسنتهم ببيان أمره.. ودعوتهم إلى
_________________
(١) الزبير هنا بفتح الزاي المعجمة وهو من يهود بني قريظة ايضا قتل كافرا في وقعة بني قريظة وهو جد عبد الرّحمن بن الزبير بضم الزاي وقيل انه بفتحها كاسم جده قيل والصحيح انه بالضم كما في تاريخ البخاري والزبير هذا قتله ثابت بن قيس بن شماس يوم بني قريظة وكان من أعلم اليهود روى عنه ابنه انه كان يقول اني وجدت سطرا كان ابي يختمه فيه ذكر احمد نبي يخرج بارض القرظ صفته كذا وكذا فتحدث به الزبير بعد أبيه والنبي صلّى الله تعالى عليه وسلم لم يبعث، وباطيا بموحدة والف تليها طاء مهملة ومثناة تحتية والف مقصورة.
(٢) الحسد: هو ارادة زوال النعمة عن الناس. وكان من هؤلاء ابن سلول.
(٣) النفاسة: بفتح النون بمعنى المنافسة من نفست عليه الشيء نفاسة إذا لم تره يستأهله أنفة.
(٤) قرع: بالبناء للفاعل والتخفيف والتشديد. والقرع الضرب بما يسمع له صوت فاذا شدد كان مبالغة فيه ويكون بمعنى التوبيخ والتعيير فاذا خفف فهو استعارة للمبالغة في الجهر حتى كأنه يضرب أسماعهم فاذا شدد فالمراد به توبيخهم بما ذكر.
(٥) صحف: بفتحتين وتسكن تخفيفا جمع صحيفة وهي الكتاب والاكثر جمعه على صحائف لان فعيله لا تجمع على فعل الا نادرا.
(٦) ليهم: أصل اللي: قتل الحبل ونحوه فاستعير لصرف السنتهم عن الصدق الى الكذب.
[ ١ / ٧٢٢ ]
المباهلة «١» على الكاذب فما منهم إلا نَفَرَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَإِبْدَاءِ مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ كُتُبِهِمْ إِظْهَارَهُ وَلَوْ وَجَدُوا خِلَافَ قَوْلِهِ.. لَكَانَ إِظْهَارُهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَذْلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ وَنَبْذِ الْقِتَالِ
وَقَدْ قَالَ لَهُمْ «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢»» إِلَى مَا أَنْذَرَ بِهِ الْكُهَّانُ «٣» مِثْلُ شَافِعِ «٤» بْنِ كُلَيْبٍ وَشِقٍّ «٥» وَسَطِيحٍ «٦» وَسَوَادِ «٧» بْنِ قَارِبٍ
_________________
(١) أي قرع أسماعهم بدعوتهم الى المباهلة وكلها منهم كما وقع له ﷺ مع نصارى نجران اذ دعاهم الى المباهلة فاتوا وبذلوا الجزية والمباهلة؛ الملاعنة من البهل وهي اللعنة بأن يقول كل منهما لعنة الله على الظالم الكاذب منا.
(٢) سورة آل عمران آية رقم «٩٤» .
(٣) الكهان: جمع كاهن وهو الذي كان يخبر بالامور قبل وقوعها ويدعي الاطلاع عليها.
(٤) شافع بشين معجمة كاسم الفاعل من الشفاعة وكليب مصغر كلب وهو كاهن من كهان العرب اخبر تبعا يخبر النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم وبمهاجرته الى المدينة.
(٥) كاهن من كهان العرب بكسر الشين المعجمة هو شق بن صعب بن يشكر وجده الاعلى ربيعة بن المسار وكان بيد واحدة وعين واحدة وكانت العرب تأتيه فيخبرهم بما سيأتي.
(٦) كاهن من كهان العرب بفتح السين وكسر الطاء المهملتين ومثناة تحتية ساكنة وحاء مهملة وهو ابن ربيعة بن مسعود بن مازن بن غسان قيل ان جسده لا عظم فيه غير جمجمة رأسه فكان يدرج كالثوب فاذا غضب انتفخ وقيل انه عاش ثلاثمائة سنة.
(٧) هو سواد الدوسي الصحابي وكان كاهنا من كهان العرب له رئي من الجن يأتيه ويخبره بالمغيبات فبينما هو ذات ليلة اذ أتاه فضربه برجله وقال له قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي ان كنت تعقل قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو الى الله تعالى والى عبادته ثم اتاه ليالي يقول له مثل مقالته فركب ناقته واتى المدينة واجتمع مع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وآمن به وأخبره بخبر رؤيته.
[ ١ / ٧٢٣ ]
وَخُنَافِرٍ «١» وَأَفْعَى «٢» نَجْرَانَ وَجَذْلِ «٣» بْنِ جَذْلٍ الْكِنْدِيِّ وَابْنِ خَلَصَةَ «٤» الدَّوْسِيِّ وَسَعْدِ «٥» بْنِ بِنْتِ كُرَيْزٍ وَفَاطِمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ «٦» وَمَنْ لَا يَنْعَدُّ كَثْرَةً.
_________________
(١) بضم الخاء المعجمة ونون والف بعدها فاء مكسورة وراء مهملة وهو كاهن من حمير له رئي من الجن اخبره ببعثة النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم فاسلم على يد معاذ رضي الله تعالى عنه ولم ير النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم فهو تابعي.
(٢) هو ملك من ملوك نجران، كان كاهنا وهو الافعى بن الافعى الجرهمي وهو الذي حكم بين بني أولاد نزار لما تشاحنوا في ميراث ابيهم وهم مضر وربيعة وانمار وإياد وقال يا مضر أنت أبو النبي التهامي فانا نجد في الاثار انه من ولد نزار بن سعد بن عدنان واني لارى للنبوة بين عينيك نورا وأجلسه على سرير ملكه وجلس تحته.
(٣) كاهن من كهان العرب أخبر بمبعثه ﷺ قديما من كندة وهي قبيلة معروفة لما ولدته أمه التمست ذكره فلم تجده من شدة البرد فظنته جارية فطرحته وزوجها في سكرات الموت فاشتغلت بموته ثم ذكرت بعد ثلاث رؤيا بشرت فيها بولد ذكر تسميه باسم أبيه فقامت وهي تظن انه مات فوجدت كلبة ترضعه فحملته وسمته باسم أبيه.
(٤) بخاء معجمة ولام وصاد مهملة مفتوحات هو كاهن من كهان العرب بشر بالنبي صلّى الله تعالى عليه وسلم والشراح لعدم وقوفهم على قصتها ظنوها كاهنا ذكرا وانما هي كاهنة فإن خلصة امرأة والكاهن ابنها.
(٥) بضم الكاف وبالراء وآخره زاي معجمة وفي النسخ هنا اختلاف والصحيح ما ذكرناه وهي خالة عثمان بن عفان اخت أمه كانت في الجاهلية لها علم وكهانة فاخبرت عثمان ببعثة النبي وتزوجه بابنته رقية فصدقها وكان ذلك سبب إسلامه فلما أسلم كانت تنشد هدى الله عثمانا بقولي الى التي بها رشده والله يهدي الى الحق.
(٦) هي فاطمة بنت النعمان النجارية كان لها تابع من الجن وكان إذا جاء اقتحم عليها فلما بعث رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم اتى وقعد على حائط الدار فقالت له لم لا تدخل فقال قد بعث نبي يحرم الزنا فكان ذلك اول ما سمع بذكر النبي ﷺ بالمدينة وكانت في الجاهلية عالمة كاهنة ونعمان بضم النون هو نعمان بن فراد وقيل هو علي بن نعمان بن قراد وروى عن ابن عمرو وغيره فهو تابعي ونعمان اسم موضع.
[ ١ / ٧٢٤ ]
إِلَى مَا ظَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَصْنَامِ «١» مِنْ نُبُوَّتِهِ وَحُلُولِ وَقْتِ رِسَالَتِهِ.. وَسُمِعَ مِنْ هَوَاتِفِ الْجَانِّ «٢» وَمِنْ ذَبَائِحَ «٣» النُّصُبِ «٤» وَأَجْوَافِ الصُّوَرِ «٥» وَمَا وُجِدَ مِنَ اسْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ مَكْتُوبًا فِي الْحِجَارَةِ وَالْقُبُورِ بِالْخَطِّ الْقَدِيمِ مَا أَكْثَرَهُ مَشْهُورٌ «٦»
وَإِسْلَامُ من أسلم بسبب ذلك معلوم مذكور.
_________________
(١) أي من بيان حصول نبوته كقول صنم عمرو بن جبلة: «يا عصام يا عصام، جاء الاسلام، وذهب الأصنام» وقول صنم طارق من بني هند بن حرام «يا طارق، بعث النبي الصادق» .
(٢) كسماع ذباب بن الحارث هاتفا منهم «يا ذياب يا ذياب، اسمع العجب العجاب، بعث محمد بالكتاب يدعو بمكة فلا يجاب» .
(٣) الذبائح: جمع ذبيحة وهي ما يذبح من بقر ونحوه.
(٤) النصب: بضمتين جمع نصب بفتح فسكون وهو ما ينصب من الحجارة والأصنام للعبادة وهو مثل ما سمع عمر رضي الله تعالى عنه من عجل قربه رجل ليذبحه قربانا لصنم فقال «يا آل ذريح أمر نجيح، رجل فصبح، يقول لا إله إلا الله» .
(٥) أي ما سمع من الأصنام التي كانوا يصور ونها فهو جمع صورة بمعنى جثة مصورة وهي التمثال والأجواف جمع جوف وهو داخل كل شيء.
(٦) كما نقله ثقات المؤرخين في قصص لا تحصى وكما فسر ابن عباس قوله تعالى: «وكان تحته كنز لهما» بأنه قد وجد لوح من ذهب مكتوب فيه «عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب وعجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك وعجبا لمن يرى الدنيّا وتقلبها كيف يطمئن اليها أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي» .
[ ١ / ٧٢٥ ]
الفصل التاسع والعشرون ما حدث عند مولده
ﷺ وَمِنْ ذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ عِنْدَ مَوْلِدِهِ، وَمَا حَكَتْهُ أُمُّهُ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ العجائب «١» ..
وكونه «٢» رافعا رأسه عند ما وضعته شاخصا ببصره الى السماء وما «٣»
_________________
(١) اشارة إلى ما رواه أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن أمه صلى الله تعالى عليه وسلم لما حملت به أتاها آت في منامها بعد ستة أشهر وقال لها: «يا آمنة إنك حملت بخير العالمين فإذا ولدتيه فسميه محمدا واكتمي شأنك» فلما أخذني ما يأخذ النساء لم يعلم بي أحد وإني لوحيدة في منزلي في طرفه فسمعت وجبة عظيمه وأمرا عظيما هالني فرأيت كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرعب وكل ما أجد ثم التفت فاذا نور غالب ونسوة طوال حولي فقلت من أين علمن بي وفي رواية «انهن قلن نحن آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران «وهؤلاء من الحور العين» فلبينا أنا كذلك وإذا أنا بديباج أبيض بين السماء والأرض وقائل يقول خذاه من أعين الناس ورجال في الهواء بأيديهم أباريق من فضة وقطعة من الطير مناقيرها من زمرد وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصري فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، فرأيت علما بالمشرق وعلما بالمغرب فوضعته ﷺ وكانت قريش مجدبة قأخصبت الى غير ذلك مما ذكروه
(٢) كما رواه البيهقي عن الزهري مرسلا.
(٣) كما رواه أحمد والبيهقي عن العرباض وأبي أمامة.
[ ١ / ٧٢٦ ]
رَأَتْهُ مِنَ النُّورِ الَّذِي خَرَجَ مَعَهُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ «١» وَمَا «٢» رَأَتْهُ إِذْ ذَاكَ أُمُّ عُثْمَانَ «٣» بْنِ أَبِي الْعَاصِ مِنْ تَدَلِّي النُّجُومِ وَظُهُورِ النُّورِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ حَتَّى مَا تَنْظُرُ إِلَّا النُّورَ وَقَوْلِ «٤» الشِّفَاءِ «٥» أُمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: لَمَّا سَقَطَ ﷺ عَلَى يَدَيَّ وَاسْتَهَلَّ «٦» سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ «٧» وَأَضَاءَ لِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ الرُّومِ وَمَا «٨» تَعَرَّفَتْ به حليمة «٩» وزوجها «١٠»
_________________
(١) وحديث النور الذي خرج معه أضاء له جميع الأرض رواه جماعة صححه ابن حبان والحاكم وعن اسحق بن عبد الله أن امه ﷺ قالت لما ولدته: «خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام» قال ابن رجب رحمه الله تعالى «وهو اشارة إلى نور هدايته الذي محا ظلمة الشرك كما قال تَعَالَى: «قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مبين» .
(٢) رواه البيهقي والطبراني عن ابنها عنها.
(٣) فاطمة بنت عبد الله وعثمان ابنها هو أبو عبد الله بن بشير الثقفي من أكابر الصحابة وله فتوحات وتولى قضاء البصرة وروى عن أمه أنها شهدت مولده ﷺ
(٤) رواه أبو نعيم في الدلائل عن عبد الرّحمن بن عوف عن أمه الشفاء رضي الله تعالى عنها.
(٥) بشين معجمة مفتوحة وفاء مشددة ومد وقيل بكسر الشين وهي بنت عوف بن عبد الزهرية من المهاجرين والدة عبد الرّحمن وبنت عم أبية عوف بن الحارث وفي الاستيعاب أنها اخت عبد الرّحمن بن عوف وحكاه عن الزبير قال وقد قيل انها أمه.
(٦) استهل: بتشديد اللام أي رفع صوته بأن عطس.
(٧) أي إن الملائكة شمتت النبي ﷺ.
(٨) رواه ابن اسحق الطبراني وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال حدثت عن حليمة قال الذهبي جيد الاسناد.
(٩) حليمه بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعته ﷺ كان النبي ﷺ يكرمها وقد دفنت بالبقيع.
(١٠) الحارث بن عبد العزى زوج حليمة السعدية يكنى أبا ذؤيت وأسلم رضي الله تعالى عنه وحسن اسلامه.
[ ١ / ٧٢٧ ]
ظئراه «١» من بركته وورود لبنها له ولبن شارفها «٢» وخصب «٣» غنمها وَسُرْعَةِ شَبَابِهِ وَحُسْنِ نَشْأَتِهِ.
وَمَا «٤» جَرَى مِنَ الْعَجَائِبِ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ مِنَ ارْتِجَاجِ إِيوَانِ «٥» كِسْرَى «٦»، وسقوط شرفاته «٧»، وغيض «٨» بحيرة «٩»
_________________
(١) ظئراه: عطف بيان أو بدل من حليمة وزوجها وهو تثنية ظئر وهو المرضعة في الأصل وتطلق على الأب من الرضاعة كما هنا والظئر مشترك معنوي لأنه من ظأر إذا عطف فلا إشكال في تثنيته فإنه لبس نحو عينين مع أنه مسموع أيضا.
(٢) شارفها: الشارف الناقة المسنة والغالب ان لبنها لا يدر.
(٣) خصب: بكسر الخاء المعجمة أي رعيها في مكان مخصب في سنة مجدبة أو هو مجاز عن سمنها وكثرة لبنها وكل ذلك ببركته ﷺ لكونه عندها. وأصل معنى الخصب بكسر الخاء المعجمة المكان الكثير العشب وأول من أرضعته صلّى الله تعالى عليه وسلم ثويبة جارية أبي لهب ثم حليمة رضي الله تعالى عنهما.
(٤) رواه البيهقي وابن أبي الدنيا وابن السكن في معرفة الصحابة عن مخزوم بن هاني المخزومي عن أبيه والذي في مسلم وصححوه أنه ولد نهارا بعد الفجر وقبل طلوع الشمس وجمع بينهما بأن تلك الحصة قد تعد ليلا لقربها منه وبعضهم يرى أن اليوم من طلوع الشمس والحاصل أنه لا ينافي ما تقرر من ولادته نهارا الحديث المتقدم عن أم عثمان بن أبي العاص على تقرير صححه من دلالته على أنه ولد ليلا فإن زمان النبوة صالح للخوارق ويجوز أن يسقط النجوم نهارا أي فضلا عن أن تكاد تسقط سيما إن قلنا ولد عند الفجر لأن ذلك ملحق بالليل كما تقرر.
(٥) ايوان: بكسر الهمزة وهو العقد.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٣١» رقم «٨» .
(٧) شرفاته: جمع شرفة بضمتين ويجوز سكونها وفتحها كما قاله البرهان وهو جمع قلة وضعت موضع كثرة لأنهن أربع عشرة ولعل الخاتمة في عدد لها عن الكثرة إلى القلة تحقيرا لها لخراب مآلها.
(٨) غيض: بفتح العين المعجمة وسكون الياء التحتية وضاد معجمة مصدر غاض يغيض إذ أقل أو ذهب يقال غاض الماء وغاضه الله وأغاضه يتعدى ولا يتعدى.
(٩) بحيرة: تصغير بحرة وهي البركة الكبيرة التي كثرة ماؤها ويطلق على الأرض الواسعة والمراد الأول.
[ ١ / ٧٢٨ ]
طَبَرِيَّةَ «١» وَخُمُودِ نَارِ فَارِسَ، وَكَانَ لَهَا أَلْفُ عَامٍ لَمْ تَخْمَدْ «٢»، وَأَنَّهُ «٣» كَانَ إِذَا أَكَلَ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ «٤» وَآلِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ شَبِعُوا وَرَوُوا «٥» فَإِذَا «٦» غَابَ فَأَكَلُوا فِي غَيْبَتِهِ لَمْ يَشْبَعُوا «٧» وَكَانَ سَائِرُ «٨» وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ
_________________
(١) طبرية: بلدة بالشام معروفة من الأرض المقدسة بينها وبين المقدس مرحلتين وبحيرتها عظيمة.
(٢) تخمد: بضم الميم وفتحها لأنه ورد من باب نصر وعلم. كسرى وأتباعه يعبدون هذه النار ويرمون فيها المسك والعنبر ونحوه ولهم بها فتنة عظيمة إذ لم تزل في تأجج.
(٣) رواه ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد واسماعيل بن أبي حبيبة في حديث طويل دخل حديث بعضهم في حديث بعض.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٦٠» رقم «١١» .
(٥) بضم الواو.
(٦) وفي نسخة (وإذا) .
(٧) وزيد في نسخة (ولم يرووا) بفتح الواو ولعل النسخة الأولى مبنية على الاكتفاء أو على تغليب شبع الطعام على ري الماء.
(٨) قال الحلبي: «استعمل القاضي عياض رحمه الله تعالى سائر بمعنى جميع، والشيخ عمرو بن الصلاح أنكر كون سائر بمعنى جميع وقال: ان ذلك مردود عند أهل اللغة معدود في غلط العامة وأشاههم من الخاصة» قال: الزهري في تهذيبه: «أهل اللغة اتفقوا على ان سائر بمعنى الباقي» وقال الحريري في درة الغواص في أوهام الخواص: «ومن أوهامهم الفاضحة وأغلاطهم الواضحة أنهم يستعملون سائر بمعنى الجميع وهو في كلام العرب بمعنى الباقي واستدل بقصة غيلان لما أسلم على عشر نسوة وقال له صلى الله تعالى عليه وسلم أمسك أربعا وفارق سائرهن انتهى. وقال ابن الصلاح ولا التفات الى قول صاحب الصحاح سائر الناس جميعهم فانه ممن لا يقبل ما ينفرد به وقد حكم عليه بالغلط وهذا من وجهين أحدهما تفسير ذلك بالجميع وثانيهما أنه ذكره في سر وحقه أن يذكره في سار وقال النووي: «وهي لغة صحيحة ذكرها غير الجوهري ولم ينفرد بها وافقه عليها الجواليقي في اول شرح أدب الكاتب لابن قتيبة الى آخر كلام النووي في تهذيبه انتهى كلام الحلبي. وتبعه الدلجي في تفسيره السائر بالجميع وقال صاحب القاموس «السائر الباقي لا الجميع كما توهم جماعات، او قد يستعمل له فقد ضاف أعرابي قوما فأمروا الجارية بتطييبه فقال: «بطني عطري وسائري ذري انتهى ولا-
[ ١ / ٧٢٩ ]
يُصْبِحُونَ شُعْثًا «١» وَيُصْبِحُ ﷺ صَقِيلًا «٢» دَهِينًا «٣» كَحِيلًا «٤» قَالَتْ «٥» أُمُّ أَيْمَنَ «٦» حَاضِنَتُهُ «٧»: ما رأيته ﷺ شكى جوعا وَلَا عَطَشًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا.
وَمِنْ «٨» ذَلِكَ حِرَاسَةُ السَّمَاءِ بِالشُّهُبِ «٩» وَقَطْعِ رَصْدِ «١٠» الشَّيَاطِينِ وَمَنْعِهِمِ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ.
وَمَا «١١» نَشَأَ عَلَيْهِ مِنْ بُغْضِ الْأَصْنَامِ، وَالْعِفَّةِ عَنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَحَمَاهُ حَتَّى فِي سَتْرِهِ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ «١٢» عِنْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَخَذَ إِزَارَهُ لِيَجْعَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ «١٣» لِيَحْمِلَ عليه الحجارة
_________________
(١) - يخفى أنه يحتمل كلام الاعرابي أن يكون السائر بمعنى الباقي بل هو المتبادر على ما هو الظاهر والتحقيق أن السائر بمعنى الباقي حقيقة وبمعنى الجميع مجازا وأنه مأخوذ من السؤر مهموزا هـ والبقية الملائمة لمعنى الباقي بخلاف السور معتلا وهو سور البلد المناسب لمعنى الجميع وبهذا يرتفع الخلاف لمن ينظر بعين الانصاف.
(٢) شعثا: جمع أشعث وهو المغبر المتغير لونه كما هو عادة الاطفال اذا قاموا من نومهم في مضاجعهم.
(٣) صقيلا: أي رائق اللون غير متغير البشرة فهو استعارة من المرآة الصقيلة
(٤) دهينا: اي كأن وجهه دهن بما كانوا يدهنون به حتى تبرق وجوههم.
(٥) كحيلا: أي مكحل العين وكل ذلك من غير صنع لأحد.
(٦) رواه ابن سعد وأبو نعيم في الدلائل.
(٧) تقدمت ترجمتها في ص «١٥٨» رقم «٥» .
(٨) حاضنته: أي مربيته ومرضعته وسميت حاضنة لأنها تجعل الولد في حضنها.
(٩) كما قال الله تعالى حكاية عنهم: «وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا» سورة الجن آية (٨)
(١٠) الشهب: وهي شعل النار المرئية في نجوم السماء جمع شهاب.
(١١) رصد: أي ترصدهم وانتظارهم ظهور شيء اليهم ونزول خبر عليهم.
(١٢) كما روى البيهقي أن زيد بن حارثة مر بصنم فتمسح به فقال له ﷺ لا تمسه ونهاه عن القرب منه كما نهى ابراهيم ﵊ آزر عنها.
(١٣) رواه الشيخان عن جابر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم.
(١٤) عاتقه: وهو ما بين المنكب والعنق.
[ ١ / ٧٣٠ ]
وَتَعَرَّى فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَدَّ إِزَارَهُ عَلَيْهِ.. فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ:
مَا بَالُكَ فَقَالَ: إني نُهِيتُ عَنِ التَّعَرِّي.
وَمِنْ ذَلِكَ «١» إِظْلَالُ اللَّهِ لَهُ بِالْغَمَامِ فِي سَفَرِهِ وَفِي رِوَايَةٍ «٢» أَنَّ خَدِيجَةَ «٣» وَنِسَاءَهَا رَأَيْنَهُ لَمَّا قَدِمَ وَمَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِمَيْسَرَةَ «٤» فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مُنْذُ خَرَجَ مَعَهُ فِي سَفَرِهِ. وَقَدْ رُوِيَ «٥» أَنَّ حَلِيمَةَ «٦» رَأَتْ غَمَامَةً تُظِلُّهُ وَهُوَ عِنْدَهَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَمِنْ ذَلِكَ «٧» أَنَّهُ نَزَلَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَبْلَ مبعثه تحت شجرة يابسة فاعشو شب مَا حَوْلَهَا وَأَيْنَعَتْ هِيَ فَأَشْرَقَتْ وَتَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَغْصَانُهَا بِمَحْضَرِ مَنْ رَآهُ وَمَيْلُ فَيْءِ «٨» الشَّجَرَةِ إِلَيْهِ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ حَتَّى أَظَلَّتْهُ وَمَا ذكر «٩» من أنه كان لاظل لشخصه فِي شَمْسٍ وَلَا قَمَرٍ لِأَنَّهُ كَانَ نُورًا..
_________________
(١) رواه الترمذي والبيهقي.
(٢) لابن سعد عن نفيسة بنت منبه.
(٣) تقدمت ترجمتها في ص «٢٦٠» رقم «٥» .
(٤) بفتح السين وضمها هو غلام خديجة الذي بعثته مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تجارتها الى الشام قال الحلبي: «لا أعلم له ذكرا في الصحابة وكان توفي قبل النبوة وإلا فلو أدركها لأسلم» .
(٥) رواه الوافدي وابن سعد وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس.
(٦) تقدمت ترجمتها آنفا.
(٧) لم يذكر من رواه من المحدثين ولم يخرجه السيوطي.
(٨) فيء: الفيء هو الظل مطلقا او بعد الظهيرة لأنه من فاء إذا رجع.
(٩) ذكره الترمذي في نوادر الاصول عن عبد الرّحمن بن قيس وهو مطعون عن عبد الملك بن عبد الله بن الوليد وهو مجهول عن ذكوان.
[ ١ / ٧٣١ ]
وَأَنَّ «١» الذُّبَابَ كَانَ لَا يَقَعُ عَلَى جَسَدِهِ وَلَا ثِيَابِهِ وَمِنْ ذَلِكَ «٢» تَحْبِيبُ الْخَلْوَةِ إِلَيْهِ حَتَّى أُوحِيَ إِلَيْهِ ثُمَّ «٣» إِعْلَامُهُ بِمَوْتِهِ وَدُنُوِّ أَجَلِهِ وَأَنَّ قَبْرَهُ «٤» فِي الْمَدِينَةِ وَفِي «٥» بَيْتِهِ وأنّ بين بيته وبين منبره رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
وَتَخْيِيرُ «٦» اللَّهِ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَمَا اشْتَمَلَ «٧» عَلَيْهِ حَدِيثُ الْوَفَاةِ مِنْ كَرَامَاتِهِ وَتَشْرِيفِهِ وَصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى جَسَدِهِ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ فِي بَعْضِهَا.. وَاسْتِئْذَانُ مَلَكِ الموت عليه.. ولم يستأذن على غره قبله وندائهم «٨» الذي سمعوه: «لا تنزعوا القميص عنه عند غسله» وما روي «٩»
_________________
(١) قال الدلجي لا علم لي بمن رواه ولم يخرجه السيوطي وقال الحلبي نقل أيضا بعض مشايخي فيما قرأته عليه بالقاهرة عن ابن سبع أنه لم يقع على ثيابه ذباب قط قلت فعلى جسده بالاولى كما لا يخفى.
(٢) رواه الشيخان عن عائشة.
(٣) رواه الشيخان وغيرهما من طرق.
(٤) رواه أبو نعيم في الدلائل عن معقل بن يسار ولفظه «المدينة مهاجري ومضجعي من الارض.
(٥) روى البيهقي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن قبره يكون في بيته.
(٦) رواه البيهقي في الدلائل عن عائشة.
(٧) رواه الشافعي في حلقه والبيهقي في دلائله والعدني في مسنده.
(٨) رواه أبو داود والبيهقي وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأخرجه البيهقي عن بريدة رضي الله تعالى عنها.
(٩) كما رواه البيهقي في دلائله يشير الى ما روي عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه أنه قال لما توفي رسول الله ﷺ سمعوا صوتا ولم يروا شخصا وهو يقول السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة وان في الله ﷿ لعزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك
[ ١ / ٧٣٢ ]
مِنْ تَعْزِيَةِ الْخَضِرِ «١» وَالْمَلَائِكَةِ أَهْلَ بَيْتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَى مَا ظَهَرَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَبَرَكَتِهِ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ. كَاسْتِسْقَاءِ عُمَرَ «٢» بعمه «٣» وتبرك غير واحد بذريته..
_________________
(١) - ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا واعلموا ان المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته فكانوا يرون أنه الخضر ﵇ كما رواه البيهقي وابن أبي حاتم وقال في مرأة الزمان أن المعزي هو جبريل لا الخضر ورواه العراقي في تخريج أحاديث الاحياء بلفظ آخر. وأنكر النووي وجوده في كتب الحديث وإنما ذكره الاصحاب بل رواه الحاتم في المستدرك من حديث أنس ولم يصححه ولا يصح ورواه الطبراني في الاوسط وإسناده ضعيف جدا وابن أبي الدنيا عن علي بسند واه أيضا وذكره الشافعي في الام من غير ذكر الخضر انتهى وانما قال الحاكم وغيره إنه غير صحيح لحديث «انه لا يبقى على وجه الارض ممن هو عليها أحد على رأس مئة سنة من تلك الليلة» وأراد به انخرام كل أحد فيشمل الخصر وغيره يعني به انكار وجوده وسئل عنه ابن حجر رحمه الله تعالى فقال سنده ضعيف ولو قدر ثبوته لم يخالف الحديث المذكور لانه يخص من عمومه ان صح ما ينقل عن بعض الصالحين من اجتماعه بالخضر إلا أنا لم نجد خبرا صحيحا يقتفى أنه خضر موسى ﵊ والعلم عند الله والحاصل انهم قد اختلفوا في وجوده فالصوفية يثبتون وجوده وان منهم من رآه والمحدثون ينكرونه وبعضهم توقف فيه كابن حجر ومنهم من شدد النكير على من أثبت حياته كصاحب مرآة الزمان حتى صنف في ابطاله كتابا مستقلا سماه «عجالة المنتظر في شرح حال الخضر» ولكنا لا ننكر ما قاله المشايخ واختلفوا فيه هل هو نبي او ملك او عبد صالح من أولياء الله تعالى. والخضر تقدمت ترجمته في ص «٥٢٣» رقم «١» .
(٢) كما رواه البحاري.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٤) أي العباس بن عبد المطلب وتقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .
[ ١ / ٧٣٣ ]
الفصل الثّلاثون خاتمة وتذييل
قال القاضي أبو الفضل رحمه قَدْ أَتَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى نُكَتٍ «١» مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَاضِحَةٍ، وَجُمَلٍ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ مُقْنِعَةٍ، فِي وَاحِدٍ مِنْهَا الْكِفَايَةُ وَالْغُنْيَةُ، وَتَرَكْنَا الْكَثِيرَ سِوَى مَا ذَكَرْنَا وَاقْتَصَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ عَلَى عَيْنِ الْغَرَضِ، وَفَصِّ «٢» الْمَقْصِدِ، وَمِنْ كَثِيرِ الْأَحَادِيثِ وَغَرِيبِهَا عَلَى مَا صَحَّ وَاشْتَهَرَ إِلَّا يَسِيرًا مِنْ غَرِيبِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ مَشَاهِيرُ الْأَئِمَّةِ.
وَحَذَفْنَا الْإِسْنَادَ فِي جُمْهُورِهَا طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ وَبِحَسْبِ هَذَا الْبَابِ لَوْ تُقُصِّيَ «٣» أَنْ يَكُونَ ديوانا «٤» جامعا يشتمل على مجلّدات
_________________
(١) نكت: بضم ففتح أي لطائف وشرائف.
(٢) فص: مثلث الفاء يقال أتى بالامر من فصه أي من أصله قال الشاعر: ورب امرىء تزدريه العيون يأتيك بالامر من فصه وفص الخاتم ما يزين به من الجواهر ويقال نقل الحديث بفصه اذا استوفاه والمراد هنا أي زبدة المقصود.
(٣) تقصي: مبني للمجهول بقاف وصاد مهملة أي استوفي وبلغ أقصاه ونهايته.
(٤) ديوانا: أي كتابا مستقلا مدونا.
[ ١ / ٧٣٤ ]
عِدَّةٍ. وَمُعْجِزَاتُ نَبِيِّنَا ﷺ أَظْهَرُ مِنْ سَائِرِ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا كَثْرَتُهَا وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ نَبِيٌّ مُعْجِزَةً إِلَّا وَعِنْدَ نَبِيِّنَا مِثْلُهَا أَوْ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهَا..
وَقَدْ نَبَّهَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ.. فَإِنْ أَرَدْتَهُ فَتَأَمَّلْ فُصُولَ هَذَا الْبَابِ وَمُعْجِزَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَقِفْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شاء الله.
وَأَمَّا كَوْنُهَا كَثِيرَةً فَهَذَا الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ مُعْجِزٌ وَأَقَلُّ مَا يَقَعُ الْإِعْجَازُ فِيهِ عِنْدَ بَعْضِ أئمة المحققين سورة «١» «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «٢»» أَوْ آيَةٌ فِي قَدْرِهَا.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهُ- كَيْفَ كَانَتْ- مُعْجِزَةً.
وَزَادَ آخَرُونَ أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مُنْتَظِمَةٍ مِنْهُ مُعْجِزَةٌ- وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ. وَالْحَقُّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٣»» فَهُوَ أَقَلُّ مَا تَحَدَّاهُمْ بِهِ مَعَ مَا يَنْصُرُ هَذَا مِنْ نَظَرٍ وَتَحْقِيقٍ يَطُولُ بَسْطُهُ.. وَإِذَا كَانَ هَذَا فَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْكَلِمَاتِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ وَنَيِّفٍ على عدد بعضهم «٤» وعدد
_________________
(١) وهي أقصر سورة في القرآن.
(٢) سورة الكوثر آية رقم «١» .
(٣) سورة يونس آية رقم «٢٨» .
(٤) قال الداني ﵀ عدد حروف القرآن سبعة وتسعون ألفا وأربعمئة وتسع وثمانون كلمة وحروفه ثلاثمائة الف وثلاثة وعشرون الفا وقيل ثلاثمائة الف وأحد وعشرون الفا أو خمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفا وقيل انه الصواب لا ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى والسبب في الاختلاف أن الكلمة والحرف لهما اطلاقات.
[ ١ / ٧٣٥ ]
كلمات «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» عشر كلمات فتجزيء القرآن على نسبة عدد «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» أَزِيدُ مِنْ سَبْعَةِ آلَافِ جُزْءٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُعْجِزٌ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ إِعْجَازُهُ كَمَا تَقَدَّمَ بِوَجْهَيْنِ:
طَرِيقُ بَلَاغَتِهِ وَطَرِيقُ نَظْمِهِ فَصَارَ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ مُعْجِزَتَانِ فَتَضَاعَفَ الْعَدَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ثُمَّ فِيهِ وُجُوهُ إِعْجَازٍ أُخَرُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِعُلُومِ الْغَيْبِ.. فَقَدْ يَكُونُ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ هَذِهِ التَّجْزِئَةِ الْخَبَرُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْغَيْبِ.. كُلُّ خَبَرٍ مِنْهَا بِنَفْسِهِ مُعْجِزٌ.. فَتَضَاعَفَ الْعَدَدُ كَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ وُجُوهُ الْإِعْجَازِ الْأُخَرُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تُوجِبُ التَّضْعِيفَ..
هَذَا فِي حَقِّ الْقُرْآنِ.. فَلَا يَكَادُ يَأْخُذُ الْعَدُّ مُعْجِزَاتِهِ.. وَلَا يَحْوِي الْحَصْرُ بَرَاهِينَهُ..
ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ وَالْأَخْبَارُ الصَّادِرَةُ عَنْهُ ﷺ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ.. وَعَمَّا دَلَّ عَلَى أَمْرِهِ مِمَّا أَشَرْنَا إِلَى جُمَلِهِ يَبْلُغُ نَحْوًا مِنْ هَذَا- الْوَجْهُ الثَّانِي وُضُوحُ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ.. فَإِنَّ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ كَانَتْ بِقَدْرِ هِمَمِ أَهْلِ زَمَانِهِمْ وَبِحَسْبِ الْفَنِّ الَّذِي سَمَا فيه قرنه.. فلما كان زمن مُوسَى غَايَةُ عِلْمِ أَهْلِهِ السِّحْرُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مُوسَى بِمُعْجِزَةٍ تُشْبِهُ
[ ١ / ٧٣٦ ]
مَا يَدَّعُونَ قُدْرَتَهُمْ عَلَيْهِ. فَجَاءَهُمْ مِنْهَا مَا خَرَقَ عَادَتَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِمْ وَأَبْطَلَ سِحْرَهُمْ.
وَكَذَلِكَ زَمَنُ عِيسَى أَغْنَى مَا كَانَ الطِّبُّ وَأَوْفَرُ مَا كَانَ أَهْلُهُ فَجَاءَهُمْ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَأَتَاهُمْ مَا لَمْ يَحْتَسِبُوهُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ «١» وَالْأَبْرَصِ دُونَ مُعَالَجَةٍ وَلَا طِبٍّ وَهَكَذَا سَائِرُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ وَجُمْلَةُ مَعَارِفِ الْعَرَبِ وَعُلُومِهَا أربعة.. البلاغة والشعر والخبر «٢» والكهانة «٣» .
فأنزل الله عَلَيْهِ الْقُرْآنَ الْخَارِقَ لِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فُصُولٌ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالْإِيجَازِ وَالْبَلَاغَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ نَمَطِ كَلَامِهِمْ.. وَمِنَ النَّظْمِ الْغَرِيبِ وَالْأُسْلُوبِ الْعَجِيبِ.. الَّذِي لَمْ يهتدوا في المنظوم الى طريفه وَلَا عَلِمُوا فِي أَسَالِيبِ الْأَوْزَانِ مَنْهَجَهُ وَمِنَ الأخبار عن الكوائن «٤» والحوادث والاسرار والمخبئآت وَالضَّمَائِرِ فَتُوجَدُ عَلَى مَا كَانَتْ وَيَعْتَرِفُ الْمُخْبَرُ عَنْهَا بِصِحَّةِ ذَلِكَ وَصِدْقِهِ، وَإِنْ كَانَ أَعْدَى العدو.
_________________
(١) الاكمه: الذي ولد أعمى مطموس العين.
(٢) الخبر عمن سلف وما لهم من الوقائع والايام والانساب والمنازل.
(٣) الكهانة: بفتح الكاف مصدر وبكسرها صناعته وحرفته وهي معاناة علم المغيبات بتلقيها عن الجن.
(٤) الكوائن: عما سيكون في المستقبل من المغيبات جمع كائن.
[ ١ / ٧٣٧ ]
فَأَبْطَلَ الْكِهَانَةَ الَّتِي تَصْدُقُ مَرَّةً وَتَكْذِبُ عَشْرًا. ثُمَّ اجْتَثَّهَا «١» مِنْ أَصْلِهَا بِرَجْمِ الشُّهُبِ «٢»، وَرَصْدِ «٣» النُّجُومِ..
وَجَاءَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ وَأَنْبَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ الْبَائِدَةِ، وَالْحَوَادِثِ الْمَاضِيَةِ مَا يَعْجِزُ مَنْ تَفَرَّغَ لِهَذَا الْعِلْمِ عَنْ بَعْضِهِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي بَسَطْنَاهَا وَبَيَّنَّا الْمُعْجِزَ فِيهَا ثُمَّ بَقِيَتْ هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ الْجَامِعَةُ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ إلى الفصول الأخرى الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ ثَابِتَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بَيِّنَةَ الْحُجَّةِ لِكُلِّ أُمَّةٍ تَأْتِي لَا يَخْفَى وُجُوهُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ نَظَرَ فِيهِ وَتَأَمَّلَ وُجُوهَ إِعْجَازِهِ إِلَى مَا أَخْبَرَ به من العيوب عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ.. فَلَا يَمُرُّ عَصْرٌ وَلَا زمن إلا ويظهر فِيهِ صِدْقُهُ بِظُهُورِ مُخْبَرِهِ عَلَى مَا أَخْبَرَ فَيَتَجَدَّدُ الْإِيمَانُ وَيَتَظَاهَرُ الْبُرْهَانُ، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ، للمشاهدة زِيَادَةٌ فِي الْيَقِينِ، وَالنَّفْسُ أَشُدُّ طُمَأْنِينَةً إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ مِنْهَا إِلَى عِلْمِ الْيَقِينِ..
وَإِنْ كَانَ كُلٌّ عِنْدَهَا حَقًّا وَسَائِرُ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ انْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِهِمْ وَعُدِمَتْ بِعَدَمِ ذَوَاتِهَا وَمُعْجِزَةُ نَبِيِّنَا ﷺ لَا تَبِيدُ وَلَا تنقطع
_________________
(١) اجتثها: بجيم ومثناة فوقية ومثلثة أي قطعها بعد إبطالها.
(٢) الشهب: بضم الهاء وسكونها جمع شهاب أي رمي الشياطين بشهب تمنعهم من استراق السمع.
(٣) رصد بسكون الصاد المهملة مصدر رصده يرصده اذا ترغبه وأعد له ما يمنعه.
[ ١ / ٧٣٨ ]
وَآيَاتُهُ تَتَجَدَّدُ وَلَا تَضْمَحِلُّ، وَلِهَذَا أَشَارَ ﷺ بقوله:
عن أبي هريرة ﵁ عن «١» النبي ﷺ قال: ما من نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ.. وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحيا أوحاه اللَّهُ إِلَيَّ.. فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يوم القيامة. هذا معنى الحديث عند بَعْضِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَظُهُورِ مُعْجِزَةِ نَبِيِّنَا ﷺ إِلَى مَعْنَى آخَرَ مِنْ ظُهُورِهَا بكونها وحيا وكلاما لا يمكن التخيل فيه ولا التحيل عَلَيْهِ وَلَا التَّشْبِيهُ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنْ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ قَدْ رَامَ الْمُعَانِدُونَ لَهَا بِأَشْيَاءَ طَمِعُوا فِي التَّخْيِيلِ بِهَا عَلَى الضُّعَفَاءِ كَإِلْقَاءِ السَّحَرَةِ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَشِبْهُ هَذَا مِمَّا يُخَيِّلُهُ السَّاحِرُ أَوْ يَتَحَيَّلُ فِيهِ.
وَالْقُرْآنُ كَلَامٌ لَيْسَ لِلْحِيلَةِ ولا للسحر ولا للتخييل فِيهِ عَمَلٌ..
فَكَانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عِنْدَهُمْ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ.. كَمَا لَا يتم لشاعر ولا خطيب أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا أَوْ خَطِيبًا بِضَرْبٍ مِنَ الْحِيَلِ وَالتَّمْوِيهِ وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَخْلَصُ وَأَرْضَى.. وَفِي هذا التأويل
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم والنسائي.
[ ١ / ٧٣٩ ]
الثاني ما يغمّض عليه الجفن ويغضى. وجه ثالث على مَنْ قَالَ بِالصِّرْفَةِ «١» . وَأَنَّ الْمُعَارَضَةَ كَانَتْ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ فَصُرِفُوا عَنْهَا أَوْ عَلَى أَحَدِ مَذْهَبَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ..
وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْلُ وَلَا يَكُونُ بَعْدُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يقدرهم ولا يُقَدِّرْهُمْ عَلَيْهِ.. وَبَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ فَرْقٌ بَيِّنٌ وَعَلَيْهِمَا جميعا فترك الْعَرَبُ الْإِتْيَانَ بِمَا فِي مَقْدُورِهِمْ أَوْ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ.
وَرِضَاهُمْ بِالْبَلَاءِ وَالْجَلَاءِ وَالسِّبَاءِ وَالْإِذْلَالِ وَتَغْيِيرِ الْحَالِ..
وَسَلْبِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ.. وَالتَّقْرِيعِ.. وَالتَّوْبِيخِ.. وَالتَّعْجِيزِ..
وَالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ.. أَبْيَنُ آيَةً لِلْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَالنُّكُولِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ.. وَأَنَّهُمْ مُنِعُوا عَنْ شَيْءٍ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ..
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ «٢» وَغَيْرُهُ قَالَ:
وَهَذَا عِنْدَنَا أَبْلَغُ فِي خَرْقِ الْعَادَةِ بِالْأَفْعَالِ الْبَدِيعَةِ فِي أَنْفُسِهَا كَقَلْبِ العصاحيّة وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ إِلَى بَالِ النَّاظِرِ بدارا «٣» أنّ ذلك
_________________
(١) الصرفة: بفتح الصاد المعجمة وكسرها وهو مذهب بعض المعتزلة والشيعة حيث قالوا صرف الله همهم عن الاتيان بأقصر سورة منه مع تمكنهم منه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧٥» رقم «٣» .
(٣) بدارا: بكسر الباء أي مبادرة ومسار عنه من اول وهلة قبل التأمل في حقيقة أمره وخفية سره.
[ ١ / ٧٤٠ ]
من اختصاص صاحب ذلك بمزيد مَعْرِفَةٍ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ وَفَضْلِ عِلْمٍ..
إِلَى أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ صَحِيحُ النَّظَرِ.. وَأَمَّا التَّحَدِّي للخلائق المئين مِنَ السِّنِينَ بِكَلَامٍ مِنْ جِنْسِ كَلَامِهِمْ لِيَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَلَمْ يَأْتُوا.. فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ عَدِمِهَا إِلَّا أَنْ مَنَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَنْهَا بِمَثَابَةِ مَا لَوْ قَالَ نَبِيٌّ: آيَتِي أَنْ يَمْنَعَ اللَّهُ الْقِيَامَ عَنِ النَّاسِ مَعَ مَقْدِرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَارْتِفَاعِ الزَّمَانَةِ عنهم.. فلو كان ذلك وعجّزهم الله تعالى عن القيام لكان من أبهر آيَةٍ وَأَظْهَرِ دَلَالَةٍ.. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ غَابَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَجْهُ ظُهُورِ آيَتِهِ عَلَى سَائِرِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى احْتَاجَ لِلْعُذْرِ عَنْ ذَلِكَ بِدِقَّةِ أَفْهَامِ الْعَرَبِ وَذَكَاءِ أَلْبَابِهَا وَوُفُورِ عُقُولِهَا وَأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا الْمُعْجِزَةَ فِيهِ بِفِطْنَتِهِمْ.. وَجَاءَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ إِدْرَاكِهِمْ.. وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْقِبْطِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ السَّبِيلِ. بَلْ كَانُوا مِنَ الْغَبَاوَةِ وَقِلَّةِ الْفِطْنَةِ بِحَيْثُ جوّر عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ أَنَّهُ رَبُّهُمْ وَجَوَّزَ عَلَيْهِمُ السَّامِرِيُّ «١» ذلك
_________________
(١) هو موسى بن ظفر وهو رجل من بني اسرائيل منسوب لرجل اسمه ماهر. والسامري هذا من أهل كرمان من قوم تسمى السامرة يعبدون البقر وكان منافقا يظهر الاسلام قد صاغ لقومه عجلا من الحلي وزينه بالجواهر. وقذف فيه ترابا من أثر فرس ركبه جبريل ﵊ فكان يتحرك فقال لهم هذا الهكم وإله موسى وان موسى أخطأ الطريق اليه فجاءكم يكلمكم كما كلمه فاتبعوه لسخافة عقولهم كما فصله المفسرون وغيرهم.
[ ١ / ٧٤١ ]
فِي الْعِجْلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَعَبَدُوا الْمَسِيحَ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى صَلْبِهِ «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ»»
فَجَاءَتْهُمْ مِنَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْأَبْصَارِ بِقَدْرِ غِلَظِ أَفْهَامِهِمْ مَا لَا يَشُكُّونَ فِيهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَالُوا «٢»: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً «٣»» وَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَى الْمَنِّ «٤» وَالسَّلْوَى «٥»، وَاسْتَبْدَلُوا الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ «٦» .
وَالْعَرَبُ عَلَى جَاهِلِيَّتِهَا أَكْثَرُهَا يَعْتَرِفُ بِالصَّانِعِ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَتَقَرَّبُ بِالْأَصْنَامِ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ مِنْ قَبْلِ الرَّسُولِ ﷺ بِدَلِيلِ عَقْلِهِ وَصَفَاءِ لُبِّهِ. وَلَمَّا جاءهم الرسول ﷺ بِكِتَابِ اللَّهِ فَهِمُوا حِكْمَتَهُ وَتَبَيَّنُوا بِفَضْلِ إِدْرَاكِهِمْ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ مُعْجِزَتَهُ فَآمَنُوا بِهِ وَازْدَادُوا كُلَّ يَوْمٍ إِيمَانًا، وَرَفَضُوا الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي صُحْبَتِهِ وَهَجَرُوا دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلُوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فِي
_________________
(١) سورة النساء آية رقم «١٥٧» .
(٢) وفي نسخة: «قالوا» .
(٣) سورة البقرة آية رقم «٥٥» .
(٤) المن: وهو طل كالعسل ينزل على الاشجار فيجمع ويؤكل.
(٥) السلوى: وهو طائر كالسماني واحده سلواه وكانوا لما خرجوا من التيه قالوا لموسى ﵊ أخرجتنا من العمران للقفر فادع الله أن يرزقنا فرزقهم المن ثم سألوه ان يطعمهم من اللحوم فأتاهم بالسلوى فكانوا يأخذونها بأيديهم ثم قالوا: «لن نصبر على طعام واحد» .
(٦) أي طلبوا القوم والعدس والبصل.
[ ١ / ٧٤٢ ]
نُصْرَتِهِ وَأُتِيَ فِي مَعْنَى هَذَا بِمَا يَلُوحُ لَهُ رَوْنَقٌ وَيُعْجِبُ مِنْهُ زِبْرِجٌ «١» لَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ وَحُقِّقَ..
لَكُنَّا قَدَّمْنَا مِنْ بَيَانِ مُعْجِزَةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَظُهُورِهَا مَا يُغْنِي عَنْ رُكُوبِ بُطُونِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ وَظُهُورِهَا.
وبالله أستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) زبرج: بكسر الزاي المعجمة وسكون الباء الموحدة وكسر الراء المهملة وجيم وهي الزينة والوشي.
[ ١ / ٧٤٣ ]
تم بحمد الله ومنته، الجزء الأول من الشفا بتعريف حقوق المصطفى، مع تحقيقاته الهامة، وتعليقاته المفيدة التي تكشف عن سر البيان الساحر والعلم الجم، الذي ينطوي عليه القاضي أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي رحمه الله تعالى..
ومما لا يخفى على القارىء بعد اطلاعه على مكنون الكتاب وفهمه لفحوى معانيه، معرفة عظمة الرسول ﷺ وفضله على الأمة جميعا جزاه الله عن أمة الإسلام خيرا..
ونحن أيها الأخوة القراء ما زلنا مستمرين في إصدار الجزء الثاني إن شاء الله تعالى تباعا على أعداد ونسأل المولى القدير أن يلهمنا الرشد والصواب.
المحققون
[ ١ / ٧٤٤ ]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مسرد الفصول والأبواب والعناوين الجانبيه
الصفحة الموضوعات ٣ الاهداء
٥ تقريظ العلامة الكبير فضيلة الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت ٧ تقريظ العلامة الكبير فضيلة الشيخ عبد الكريم الرفاعي
١١ مقدمة المحققين
٢١ ترجمة المؤلف
٢٥ مقدمة المؤلف- تمجيد وتوحيد- نعمة الرسول ﷺ- سبب التأليف والدافع اليه- الشعور بثقل التبعة- الشعور بالواجب يبدد الخوف من المسؤولية- تقسيمات الكتاب- سر الكتاب- زيادة هذا الباب-
٤٣ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي تَعْظِيمِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى لِقَدْرِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَىﷺ- قَوْلًا وفعلا- ٤٥ مقدمة القسم الاول.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ) فِي ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ واظهاره عظيم قدره لديه ٥١ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِيمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَجِيءَ المدح والثناء وتعداد المحاسن- لقد جاءكم رسول من أنفسكم- بالحكمة في كون الرسول من أنفسهم- بيان ما تجمله كلمة (أنفسكم) - صلة المخلوق بالخالق عن طريق الرسل- وما أرسلناك الا رحمة للعالمين- نسمات رحمته ﷺ أصابت كل مخلوق- جبريل القوي الامين صار برحمته من الامنين- الرسول ﷺ نور من انوار الهداية والخير- شرح الصدر- وضع الوزر- رفع الذكر-
[ ١ / ٧٤٥ ]
الصفحة الموضوعات واطيعوا الله والرسول- حكم العطف بين الخالق والمخلوق- اقوال العلماء في مسألة الجمع بين الخالق والمخلوق بضمير واحد- اختلاف المفسرين في معنى الصراط المستقيم- والعروة الوثقى- نعمة الله- جاء بالصدق
٧١ الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي وَصْفِهِ- تَعَالَى- لَهُ بِالشَّهَادَةِ وما يتعلق بها من الثناء والكرامة شاهدا- ومبشرا- ونذيرا- وداعيا- سراجا منيرا- صفته في التوراة- روايات عن التوراة في صفته ﷺ- رحمته بالمؤمنين- فضل امته من فضله- شهادة الرسول ﷺ لأمته بالصدق- قدم الصدق للمؤمنين-..
٧٩ الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِيمَا وَرَدَ مِنْ خِطَابِهِ إِيَّاهُ مورد الملاطفة والمبرة.
عفا الله عنك- الملاطفة قبل المعاتبة- كان النبي مخيرا ولم يكن معاتبا- التأدب بالقرآن- المعاتبة قبل وقوع الزلة من علامات المحبة- لا يشكون في صدقه ولكن يشكون بما جاء به- تعريف الجحود- تعزية- المخاطبة بصفة محمودة اعلى من المخاطبة بالاسم.
٨٦ الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي قَسَمِهِ تَعَالَى بِعَظِيمِ قَدْرِهِ
بعمره ﷺ- ما أقسم الله بحياة أحد غيره- يسن- طه- القسم بالرسالة خاص به- سيادته ﷺ- تشرف مكة به- أمنها الله بمقامه فيها- معاني الحروف المقطعة- ق- والنجم- الفجر..
٩٥ الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي قَسْمِهِ- تَعَالَى جَدَّهُ- لَهُ لتحقق مكانته عنده
والضحى- سبب نزولها- وجوه تعظيمه في هذه السورة- القسم- بيان مكانته عنده- المآل خير- العطاء محدود بالرضى- رضاه باخراج أمته من النار- تعداد النعم- الايواء- اليتيم- إظهار النعمة- والنجم اذا
[ ١ / ٧٤٦ ]
الصفحة الموضوعات هوى- معاني النجم- فضائله ﷺ فِي هَذِهِ السُّورَةِ- الاشارة تقوم مقام العبارة- تزكية القلب- تزكية اللسان- تزكية البصر- كريم- ذي قوة- مكين- في السماء- أمين- رؤية ربه- ظنين- سورة ن- نهاية المبرة في المخاطبة- نعمة غير ممنونة- اثنى عليه بما منحه- الخلق العظيم- يسر للخير وهدى اليه ثم اثنى به عليه- نصرة الله له أتم من نصرته لنفسه.
الفصل السادس: في ما وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ- تَعَالَى- فِي جِهَتِهِﷺ- مورد الشفقة والاكرام.. طه ومعانيها- سبب النزول- تكليف الرسول ﷺ بالعبادة- تسلية وشفقة سنة الرسل.
١١١ الفصل السابع: في ما أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ وَشَرِيفِ مَنْزِلَتِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وخطوة رتبته عليهم.
اختصاصه بالفضل من دون الانبياء- اخذ العهد من الانبياء- كلام عمر في رثاء الرسول ﷺ- أوليته على الانبياء- أمان أهل النار- الاولين في الخلق- سبب تفضيله- مخاطبته بالنبوة والرسالة.
١١٧ الْفَصْلُ الثَّامِنُ: فِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقَهُ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وَوِلَايَتِهِ لَهُ وَرَفْعِهِ الْعَذَابَ بِسَبَبِهِ.. جواره امان- استغفار بعض الناس سبب في دفع العذاب عن الكل- فضل الاستغفار- الرسول باق ما دامت سنته باقية- صلاة الله- معنى الصلاة- كهيعص- ولاية الله له.
١٢٢ الفصل التاسع: في ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الْفَتْحِ مِنْ كَرَامَاتِهِ ﷺ..
سورة الفتح- ظهوره وغلبته- غفران ذنبه- المنة سبب المغفرة- إتمام النعمة- شهادته على امته لنفسه- يعزروه- تمام النعمة- يد الله- استعارات وتجنيس- الرامي هو الله حقيقة- قتل الملائكة لهم حقيقة-
[ ١ / ٧٤٧ ]
الصفحة الموضوعات ١٢٩ الفصل العاشر: في ما أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ كرامته عليه ومكانته عنده وما خصه به من ذلك سوى ما تقدم.
مشاهدة العجائب- عصمته من الناس- الكوثر- الشانيء هو الابتر- السبع المثاني- الكرامات السبع- عموم الرسالة- بعثه الى الخلق- اتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَوْلَى مِنَ اتِّبَاعِ رَأْيِ النَّفْسِ فضل الله العظيم-.
١٣٧ (الْبَابُ الثَّانِي) فِي تَكْمِيلِ اللَّهِ- تَعَالَى- لَهُ الْمَحَاسِنَ خَلْقًا وَخُلُقًا وَقِرَانِهِ جَمِيعَ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ والدنيوية فيه نسقا.
١٣٩ مقدمة الباب الثاني: - خصال الجمال والكمال في البشر- الضروري ما ليس فيه اختيار- المكتسبة ما تقرب الى الله وللانسان فيها اختيار- لا بد للاخلاق المكتسبة من أصول-.
١٤٢ الفصل الاول: يعظم الانسان بقليل من هذه الخصال- اجتماع خصال الكمال والجلال في محمد ﷺ- لا يحيط بصفاته إلا ما نحها-.
١٤٥ الْفَصْلُ الثَّانِي: صِفَاتُهُ الْخِلْقِيَّةُ ﷺ.
حاز جميع خصال الكمال الضروري- الصورة وجمالها- الرواة- صفاته الخلقية- نور وجهه كالشمس والقمر- وصف علي ﵁ له-.
١٥٢ الْفَصْلُ الثَّالِثُ: نَظَافَتُهُ ﷺ
طيب رائحة يده ﷺ- كانوا يمزجون طيبهم بعرقه ﷺ- تغوطه ﷺ- الارض تبتلع ما يخرج من الانبياء- طهارة الحدثين منه ﷺ- صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله طبت حيا وميتا- ذكر من شرب دمه ﷺ- شرب بوله ﷺ- ولد ﷺ مختونا- ما رأى أحد عورته ﷺ- كان ﷺ محفوظا-.
[ ١ / ٧٤٨ ]
الصفحة الموضوعات ١٦١ الفصل الرابع: وفور عقله وفصاحة لسانه وقوة حواسه ﷺ
كان ﷺ اعقل الناس- عقول الناس كحبة رمل فِي جَنْبِ عَقْلِهِ ﷺ- يرى من خلفه كما يرى من أمامه- رؤيته لغيره في الظلمة- رؤيته الملائكة والشياطين- رفع النجاشي له ورؤيته بيت المقدس والكعبة- الاخبار المتقدمة محمولة على رؤية العين- رؤية موسى عند التجلي- صرع ركانة- صرع ابا ركانة- سرعة مشيه ﷺ- ضحكه كان تبسما- مشيه كان تقلعا.
١٦٧ الفصل الخامس: فصاحة لسانه وبلاغته ﷺ..
فصاحة لسانه ﷺ- يخاطب كل أمة بلسانها- كلامه مع ذي المشعار الهمداني وغيره من أمراء حضر موت- كتابه الى همدان- قوله لنهد- كتابه لوائل بن حجر- حديث عطية السعدي- حديث العامري- كلامه المعتاد- نماذج من بلاغته وفصاحته وجوامع كلمه ﷺ- بعض دعائه ﷺ- أساليب جديدة- سر فصاحته- جمع في كلامه جزالة البادية ورونق الحاضرة- امداد الوحي له- وصف ام معبد لمنطقه.
١٨٠ الْفَصْلُ السَّادِسُ: شَرَفُ نَسَبِهِ وَكَرَمُ بَلَدِهِ وَمَنْشَئِهِ ﷺ
نخبة بني هاشم- مكة وكرمها- خير القرون قرن النبي ﷺ- خيرهم نفسا وخيرهم بيتا- لم يزل خيارا من خيار- إنزال نوره الى الارض- لم يتلق أحد من آبائه على سقاح قط.
١٨٤ الفصل السابع: حالته ﷺ في الضروريات
ما يتمدح بقلته- كثرة الاكل دليل على النهم والحرص- قلته دليل على القناعة- كثرة النوم دليل على الفسولة- الشاهد على هذا- أخذ بالاقل منهما- البطن شر وعاء يملأ- كثرة النوم من كثرة الطعام والشراب-
[ ١ / ٧٤٩ ]
الصفحة الموضوعات من نام كثيرا خسر كثيرا- لم يمتليء جوفه شبعا- لا يسأل الطعام- اعتراض بحديث بريرة- الجواب عنه- الاتكاء هو التمكن للاكل- نومه كان قليلا- النوم على الجانب الايمن وحكمته.
١٩٠ الفصل الثامن: زواجه ﷺ وما يتعلق به..
النكاح دليل الكمال والصحة- عقلا- شرعا- النهي عن التبتل- لا يقدح الزواج في الزهد- كان زهاد الصحابة كثيري الزوجات- اعتراض- يحيى الحصور- تبتل عيسى ﵇- جواب الاعتراض- الحصور هو المعصوم من الذنوب- فضيلة زائدة- لَمْ تَشْغَلْهُ كَثْرَتُهُنَّ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ بَلْ زادته عبادة- حبه للنساء والطيب ليس لدنياه بل لآخرته- أعطي من القوة فابيح له من الحرائر ما لم يبح لغيره- تفضيله على الناس بأربع- الجاه- آفات الجاه- مكانته في القلوب قبل النبوة- هيبته في قلوب الناظرين اليه.
٢٠١ الفصل التاسع: ما يتعلق بالمال والمتاع
العامة تعظم صاحب المال- ليس المال فضيلة بنفسه ولكن بما يشترى به من المحمدة- المال بالحرص والبخل كالعدم- البخيل خازن مال غيره- ما أوتيه ﷺ من اموال الارض- لم يمسك منه درهما- راحته بالنفقة- زهده فيما سوى الضروري من نفقته وملبسه ومسكنه- المباهاة بالملابس ليست من خصال الشرف- المحمود نقاوة الثوب وكونه لبس مثله.
٢٠٦ الفصل العاشر: الاخلاق الحميدة
الخصال التي اتفق العقلاء على مدح صاحبها- ثناء الشرع عليها- تعريف حسن الخلق- كان خلقه ﷺ القرآن- بعثت لأتمم مكارم الاخلاق-
[ ١ / ٧٥٠ ]
الصفحة الموضوعات ليست أخلاقه باكتساب- غرزت الاخلاق الحميدة في جبلتهم ﵈- خلق يحيى ﵇- عيسى ﵇- سليمان ﵇- موسى وفرعون- ابراهيم ﵇- اسحق ﵇- استدلال ابراهيم على الله سبحانه- يوسف ﵇- بغضه للاوثان والشعر واعمال الجاهلية مذكان صغيرا- هل الاخلاق جبلة أم مكتسبة؟ - ٢١٦ الفصل الحادي عشر: العقل
العقل- فروع العقل- من علومه- نبي أمي- بحسب عَقْلِهِ كَانَتْ مَعَارِفُهُ ﷺ ٢١٩ الفصل الثاني عشر: الحلم والاحتمال والعفو..
الفروق بين هذه الالفاظ- الحلم- الاحتمال- الصبر- العفو- لَا يَزِيدُ مَعَ كَثْرَةِ الْأَذَى إِلَّا صَبْرًا- كان أبعد الناس من الاثم- لم يبعث لعانا- دعاء نوح ﵇- نهاية الحنان- صفحه ﷺ- عفوه عنهم ودعاؤه لهم- سبب شفقته عليهم- غورث بن الحارث ومحاولة اغتياله ﷺ- خير الناس- عفوه عن اليهودية التي أرادت قتله- صبره على المنافقين- صبره على جفوة الاعراب وغلظتهم- كان لا ينتصر لنفسه بل لله ﷿- حلمه على من أراد قتله- حلمه على من اغلظ له بالقول- من علامات نبوته ﷺ انه يسبق حلمه غضبه، وانه لا تزيده شدة الجهل إلا حلما- موقفه من قريش بعد أن أمكنه الله منهم- موقفه من أبي سفيان بعد أن تمكن منه.
٢٣٠ الفصل الثالث عشر: الجود والكرم..
التفريق بين معاني الجود والكرم والسماحة- الكرم- السماحة- السخاء- ما سئل عن شيء فقال: لا- كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان- يعطي عطاء من لا يخشى فاقة- الغاية في السخاء- كان لا يدخر شيئا لغد.
[ ١ / ٧٥١ ]
الصفحة الموضوعات ٢٣٥ الفصل الرابع عشر: الشجاعة والنجدة..
تعريف الشجاعة- النجدة- شجاعته يوم حنين- يحتمي الشجعان به عند اشتداد الحرب- كان أول مستبرىء للخبر عند الفزع- كان اول من يضرب عند الهجوم- قتل أبي بن خلف يوم أحد- شر الناس من قتله نبي.
٢٤١ الفصل الخامس عشر: الحياء والاغضاء..
تعريف الحياء- الاغضاء- كان ﷺ يعرض بما يكره- وصفه بذلك في التوراة.
٢٤٤ الفصل السادس عشر: حسن العشرة والادب وبسط الخلق.
وصف علي له- لا يطوي عن أحد بشره- وصف ابن ابي هالة له ﷺ- يقبل الهدية مهما حقرت ويكافيء عليها- وصف الخادم أنس لسيده- اهتمامه بامور الناس- اكرام الناس باخلاق وبشاشة- كان أكثر الناس تبسما- خدم المدينة يأتون بالماء ليتبركوا.
٢٥١ الفصل السابع عشر: الشفقة والرحمة..
اعطاء الله له اسمين من أسمائه- عطاؤه يمحو البغضاء- الاعراب الجفاة كالناقة الشرود تتألف بالحكمة- سلامة صدره على اصحابه- شفقته على أمته- رحمته- شفقته على الكفار وطمعه في إيمان ذرياتهم- ينصح الناس بِالرِّفْقِ.
٢٥٧ الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ: الْوَفَاءُ وَحُسْنُ الْعَهْدِ وصلة الرحم..
حسن وفائه- حسن العهد من الايمان- صلته الرحم- ان لهم رحما- حسن مقابلته للاحسان- بره بمرضعته- بره بأبيه وأمه وأخيه من الرضاعة ٢٦٢ الفصل التاسع عشر: التوضع..
[ ١ / ٧٥٢ ]
الصفحة الموضوعات كان أشد الناس تواضعا- اختار أن يكون نبيا عبدا- لا تقوموا كما يقوم الاعاجم- انما انا عبد- يركب الحمار- حج ﵊ على رحل رث- تواضعه عند الفتح- لا تفضلوا بين الانبياء- قيامه ﷺ باعمال البيت- إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ القديد- نهيه ان تقبل يده- صَاحِبُ الشَّيْءِ أَحَقُّ بِشَيْئِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ.
٢٦٨ الْفَصْلُ العشرون: العدل والامانة والعفة وصدق اللهجة..
أعداؤه يعترفون له بذلك- تحكيمه في الجاهلية لرفع الحجر- لا يكذبونه ولكن يكذبون بما جاء به- هرقل يسأل عن صدقه- أصدقكم حديثا- كان يختار أيسر الامرين ما لم يكن إثما- تجزيء اوقاته- بلغوا حاجة من لا يستطيع ابلاغي- عصمة الله له قبل النبوة.
٢٧٤ الفصل الحادي والعشرون: الوقار والصمت والتؤدة والمروءة وحسن الهدي..
كان أوقر الناس في مجلسه- أكثر جلوسه محتبيا- كان كثير السكوت- ضحكه التبسم- كان سكوته على أربع حالات- كلامه- ما حبب اليه من الدنيا- استعماله خِصَالِ الْفِطْرَةِ.
٢٧٨ الْفَصْلُ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ: الزُّهْدُ فِي الدنيا..
توفي ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عالية- مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثلاثة ايام تباعا- أجوع يوما وأشبع يوما- الدنيا دار من لا دار له- عدد من الروايات في قوته وقوت اهله- فراشه ادم حشوه ليف- وطأته منعتني الليلة صلاتي- مالي وللدنيا.
٢٨٤ الفصل الثالث والعشرون: الخوف من الله والطاعة له وشدة العبادة صلته بربه على قدر علمه به- قام حتى تورمت قدماه- أفلا أكون عبدا
[ ١ / ٧٥٣ ]
الصفحة الموضوعات شكورا صلاته ﷺ في الليل- كان متواصل الاحزان دائم الفكرة.
٢٩٠ الفصل الرابع والعشرون: صفات الانبياء.
فضل الله بعض النبيين على بعض- ما بعث الله نبيا إلا كان في الذروة من قومه- استعراض كامل لأوصاف الانبياء في القرآن الكريم- أخاف أن أشبع فأنسى الجائع- بكاء سيدنا داود ﵇- يسمع الثناء عليه فيزداد تواضعا- أكره أن أعود لساني منطق السوء.
٣٠٣ الفصل الخامس والعشرون: حديث الحسن عن ابن ابي هالة في جمع (الشمائل) ..
وجهه ﷺ- طوله- شعره- لونه- وجهه- حواجبه- أنفه- لحيته- عيناه- خداه- فمه وأسنانه- عنقه- خلقه- مشيه- خشوعه- منطقه- خلقه- غضبه- إشاراته- ضحكه- دخوله- تقسيم وقته- مخرجه- مجلسه- سيرته في جلسائه- احوال صحابته عنده- انواع سكوته ﷺ
٣١٥ الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله ٣٢١ (الْبَابُ الثَّالِثُ) فِيمَا وَرَدَ مِنْ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَمَشْهُورِهَا بِعَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ رَبِّهِ وَمَنْزِلَتِهِ وَمَا خَصَّهُ بِهِ فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كَرَامَتِهِ ﷺ.
٣٢٥ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: مَكَانَتُهُ ﷺ انا خير أصحاب اليمين- انا خير السابقين- أنا اتقى ولد آدم واكرمهم على الله- انا اكرم الاولين والآخرين- أبواه ﷺ لم يلتقيا على سفاح قط- أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي- بعثت الى الاحمر والاسود- اني فرط لكم- لا نبي بعدي- فضيلته على الانبياء- عطاء الله له- وانما كان الذي اوتيته وحيا- بشارة عيسى بن مريم-
[ ١ / ٧٥٤ ]
الصفحة الموضوعات فضله على أهل السماء- فضله على الانبياء- دعوة ابي ابراهيم- غسلت الملائكة قلبه وبطنه- لو وزنته بأمته لوزنها- استشفع آدم ﵇ بمحمد ﷺ- فتلقى آدم من ربه كلمات- عجائب شاهدة- تسمية محمد بركة وسنة.
٣٤٣ الفصل الثاني: كرامة الاسراء..
فرضية الصلاة. لم يكن شق الصدر حين الاسراء- معنى السدرة- سؤال رسول الله ﷺ ربه- عطاء الكريم- ما كذب الفزاد ما رأى- منتهى علوم جبريل- الاذان- معنى الحجاب ولمن يكون- منتهى علم الملائكة التنزيه.
٣٥٩ الفصل الثالث: حقيقة الاسراء..
الاقوال في الاسراء وتم كان- الاسراء بالجسد- الاختلاف بشأن صلاته في المسجد الاقصى هل كانت أم لا- اسراء بالجسد والروح في القصة كلها- دليل ذلك- رؤيا عين لا رؤيا منام.
٣٦٨ الفصل الرابع: ابطال الحجج.
٣٧٥ الفصل الخامس: رؤيته لربه.
انكار عائشة للرؤية- ابن عباس يثبتها- أحمد بن حنبل يثبت الرؤية- توقف سعيد- جواز الرؤية عقلا في الدنيا- الدليل على الجواز- ليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها او امتناعها- نقص دلائل المانعين- دليل آخر للمانعين- الرد- الوجوب ليس فيه نص قاطع أيضا.
٣٨٩ الفصل السادس: مناجاته لله تعالى..
٣٩٣ الفصل السابع: الدنو والقرب..
لا دنو للحق ولا بعد
[ ١ / ٧٥٥ ]
الصفحة الموضوعات ٣٩٨ الفصل الثامن: تفضيله يوم القيامة..
اول الناس خروجا اذا بعثوا- لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمُقَامَ غيري- ما نَبِيٌّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لوائي- اول شافع واول مشفع- دخول فقراء المؤمنين مع رسولهم الجنة- أكثر الناس تبعا- ابراهيم وعيسى من أمته- لا أفتح لاحد قبلك- مسافة الحوض- رواة حديث الحوض من الصحابة.
٤٠٧ الفصل التاسع: في تفضيله بالمحبة والخلة..
صاحبكم خليل الله- وأنا حبيب الله- تفسير الخلة- المنقطع- المختص- الاصطفاء- الفقير- صفاء المودة- المحبة- الخلة- اقوى من النبوة- الخلة المحبة- التسوية- الخلة أرفع- المحبة أرفع من الخلة- حصول مزية الخلة وخصوصية المحبة- كلام جميل للتفرقة بين الحبيب والخليل- الخليل يصل بالواسطة- الحبيب يصل اليه به.
٤١٨ الفصل العاشر: في تفضيله بالشفاعة والمقام المحمود..
المقام المحمود- اخترت الشفاعة لانها أعم- فيأتون آدم- اذهبوا الى نوح- اذهبوا الى ابراهيم- عليكم بموسى- عليكم بعيسى- عليكم بمحمد- انا لها- اشفع تشفع- يضرب الصراط- فأكون اول من يجيز- مَا تَرَكْتَ لِغَضَبِ رَبِّكَ فِي أُمَّتِكَ مِنْ نقمة- اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي
٤٣٤ الفصل الحادي عشر: الوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر والفضيلة..
الوسيلة- الكوثر- صفة الكوثر.
٤٣٨ الفصل الثاني عشر: الاحاديث الواردة في النهي عن تفضيله..
أحاديث في منع التفضيل- تأويلات العلماء- النهي قبل العلم بالتفضيل- كف عن التفضيل- تواضع- عدم تنقصهم- النبوة والرسالة سواء-
[ ١ / ٧٥٦ ]
الصفحة الموضوعات التفاضل في الخصوصيات- التفضيل بالنص- احوال التفضيل- توجيه آخر
٤٤٤ الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي أَسْمَائِهِ ﷺ وما تضمنته من فضيلة..
لي خمسة اسماء- التسمية في الكتاب- احمد- محمد- حماية الله ان يسمى احد قبله بذلك- الذين تسموا بمحمد قبل بعثته من العرب- معنى اسم الماضي- معنى اسم العاقب- الاسماء الخمسة- لي عشرة أسماء- طه- يس- الاسماء الخمسة الاخرى- لي في القرآن سبعة اسماء- هي ست- معنى قثم- القابه وسماته في القرآن- اوصاف وسمات أخرى- من اسمائه في الكتب المتقدمة- معنى البار قليط- السريانية- التوراة- كنيته المشهورة.
٤٥٨ الفصل الرابع عشر: في تشريف الله له باسماء خاصة به تعالى..
سبب تأخر هذا الفصل وفصله عن غيره- الحميد- محمد- احمد- رؤوف رحيم- الحق المبين- نور- سبب تسميته بالنور- شاهدا- شهيدا- كريم- عظيم- في التوراة- في كتاب داود الجبار- معناه في حق النبي الكريم ﷺ- الخبير- الفتح- الفاتح- الخاتم- الشكور- العليم- الاول الآخر- ذو القوة المكين- الصادق المصدوق- الولي- المولى- العفو- الهادي مؤمن- امين- المهيمن- المقدس- العزيز المبشر- النذير- طه، يس.
٤٧٣ الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ: اسْتِدْرَاكٌ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ والمخلوق..
حقيقة التوحيد- ليس كمثله شيء.
٤٧٩ (الباب الرابع) فيما أظهره الله عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَشَرَّفَهُ بِهِ مِنَ الخصائص والكرامات
٤٨١ الفصل الاول: مقدمة..
[ ١ / ٧٥٧ ]
الصفحة الموضوعات الفتاه لاهل ملته- اتينا منها بالمحقق- عرفت ان وجهه ليس بوجه كذاب- بلغن قاموس البحر لا يخيس بكم ما دل على خير إلا كان اول آخذ به.
٤٨٦ الفصل الثاني: بين النبوة والرسالة..
معنى الرسول- الرسول والنبي- الدليل- القول الصحيح- اول الرسل وآخرهم- عدد الانبياء- عدد الرسل- اصل الوحي- معنى آخر للوحي.
٤٩١ الفصل الثالث: معنى المعجزات..
معنى المعجزة- انواعها- اكثر الرسل معجزة- معجزة القرآن- أقسام معجزاته ﷺ- القسم الثاني- انشقاق القمر نص القرآن عليه- أن كان ذلك- هذا يلحق بالقطعي- أثر الزمن في ازالة الباطل وتثبيت الحق.
٥٠٠ الفصل الرابع: في اعجاز القرآن.
اربعة وجوه- فرسان الكلام- الافتراء أسهل- التقريع والتسفية- نكوص عن المعارضة- مباهتة- ادعاء وعجز- مسيلمة- الوليد بن المغيرة- اعرابي يسجد- الاصمعي والجارية- ٥١١ الفصل الخامس: اعجاز النظم والأسلوب..
مخالفة أساليب العرب- الوليد والقرآن- ما هو بكاهن- ما هو بمجنون- ما هو بشاعر- ما هو بساحر- عتبة والقرآن- النضر والقرآن- اسلام أبي ذر- وجه عجزهم عنه..
٥١٨ الفصل السادس: الإخبار عن المغيبات..
لتدخلن المسجد الحرام- غلبت الروم- اظهاره على الدين كله- الاستخلاف- الفتح- حفظ القرآن-
[ ١ / ٧٥٨ ]
الصفحة الموضوعات ٥٢٢ الفصل السابع: اخباره عن القرون السالفة والأمم البائدة..
الاخبار عما مضى- اسئلة اهل الكتاب- ما أنكر أحدهم شيئا- احضار التوراة ممكن-
٥٢٦ الفصل الثامن: التحدي والتعجيز في قضايا واعلامهم انهم لا يفعلونها..
تمني الموت- المباهلة-
٥٢٩ الفصل التاسع: روعته في السمع وهيبته في القلوب.
تأثيره النفسي- اعجاز الجرس-
٥٣٣ الفصل العاشر: بقاؤه على الزمن..
٥٢٥ الفصل الحادي عشر: وجوه أخرى للاعجاز..
قارئه لا يمل- شهادة الجن- علوم غير معهودة- أنباء الأمم- من طلب الهدى من غيره اضله الله- منظوم لم يعهد- تيسير حفظه- ٥٤٣ الفصل الثاني عشر: في انشقاق القمر وحبس الشمس..
اجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه- معارضته- رد وأدلة- رد الشمس- حديث أسماء ثابت-
٥٥٠ الفصل الثالث عشر: نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَتَكْثِيرِهِ بِبَرَكَتِهِ..
لا يمكن الكذب على الكثرة وهم سكوت-
٥٥٥ الفصل الرابع عشر: تفجير الماء ببركته..
ولكن الله سقانا- ٦٥١ الفصل الخامس عشر: تكثير الطعام..
خبر الزاد الذي لو ورده أهل الأرض لكفاهم- مزود أبي هريرة- ابو هريرة واللبن- وليمة علي على فاطمة..
٥٧٣ الفصل السادس عشر: في كلام الشجر وانقيادها.
[ ١ / ٧٥٩ ]
الصفحة الموضوعات السحرة تشهد- تسليم الشجر عليه وتقبيل الاعرابي يديه- فانقادت كالبعير- النخل والحجارة يسرن لِحَاجَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- استأذنت ان تسلم علي.
٥٨١ الفصل السابع عشر: حنين الجذع..
حنين الجذع في نفسه مشهود- الخبر به متواتر- اختيار الجذع لدار البقاء على دار الفناء-
٥٨٨ الفصل الثامن عشر: في سائر الجمادات
تسبيح الطعام- تسبيح الحصا- أمنت اسكفة الباب- ارتجاف أحد- ارتجاف المنبر- انهيار أصام الكعبة- بحيرا الراهب- الفيء يميل إِلَيْهِ.
٥٩٤ الْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ: فِي الْآيَاتِ فِي ضروب الحيوانات..
داجن تقر وتثبت بحضرته- شهادة الضب- حديث الذئب للراعي- صنم وطائر يتكلمان- رجوع الغنم الى اصحابهما- سجود الغنم له- سجود بعير- خضوع الجمل- جمل يشتكي- الناقة العضباء- حَمَامَ مَكَّةَ أَظَلَّتِ النَّبِيَّ ﷺ- حمام الغار- العنكبوت- اقتراب البدنات اليه لينحرها- قصة الغزالة- خضوع الاسد لرسوله- الاسد يدل على الطريق- شهادة ناقة- العنزة تروي القوم- طاعة الفرس- تعلم اللغات ٦٠٧ الفصل العشرون: إحياء الموتى..
الشاة المسمومة- كيفية الكلام- مذهب اهل السنة- مذهب المعتزلة- رد مذهب المعتزلة- صبي ابكم يتكلم- وليد يتكلم- مبارك اليمامة- موؤدة تتكلم- ميت يعود الى الحياة- ميت يتكلم.
٦١٧ الفصل الحادي والعشرون: إبراء المرضى وذوي العاهات..
رد عين بعد قلعها- إبراء جرح- حديث الاعمى- برسول الله ﷺ-
[ ١ / ٧٦٠ ]
الصفحة الموضوعات شفاء الاستسقاء- شفاء أعمى- جروح تشفى- شفاء عين الامام علي- رده يدا بعد ما قطعت- طفل لا يتكلم ابرىء- مجنون يشفى- حروق تبرأ- سلعة تزول- حياء في الجارية من أثر لقمته ﷺ.
٦٢٥ الفصل الثاني والعشرون: اجابة دعائه ﷺ..
دعاؤه لأنس- البركة في الذرية- البركة في مال عبد الرّحمن بن عوف- دعاؤه لمعاوية- استجابة دعوة سعد- دعوة لعمر- دعاؤه بالسقيا-- دعاؤه لأبي قتادة- دعاؤه للنابغة- دعاؤه لابن عباس- دعاؤه لعبد الله بن جعفر- دعاؤه للمقداد- دعاؤه لعروة- دعاؤه لأم ابي هريرة- دعاؤه لعلي- دعاؤه لفاطمة- دعاؤه للطفيل- دعاؤه على مصر ثم لهم- دعاؤه على كسرى- دعاؤه على صبي- دعاؤه على الذي يأكل بشماله- دعاؤه على عتبة- دعاؤه على الذين آذوه- دعاؤه على الحكم- دعاؤه على محلم.
٦٣٦ الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: فِي كَرَامَاتِهِ وَبَرَكَاتِهِ وَانْقِلَابِ الاعيان له فيم لَمَسَهُ أَوْ بَاشَرَهُ ﷺ..
فرس ابي طلحة- نشاط الجمل- نشاط فرس جعيل- حمار يهملج- بركة شعراته في قلنسوة خالد- الاستشفاء بجبته- الاستشفاء بقصعته- قضيب النبي ﷺ- بئر قباء- بئر دار أنس- ماء نعمان- لسانه أروى الحسن والحسين- عكة أم مالك- غرس النخيل لسلمان- شربة السويق- العرجون يضيء ويضرب الشيطان- سيف عكاشة جذل حطب- سيف من عسيب نخل- شاه ام معبد- شاة أنس- ماء يتحول الى لبن وعليه زبدة- بركة عمير بن سعد- طيب عتبة- غرة عائذ بن عمرو- الاغر- بركة رأس حنظلة- جمال زينب- ابراء مجانين
[ ١ / ٧٦١ ]
الصفحة الموضوعات- يوم حنين- ابو هريرة يشكو النسيان- صار افرس العرب- ضرع الرجال طولا وتماما.
الفصل الرابع والعشرون: مَا أَطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْغُيُوبِ وَمَا يَكُونُ إخباره بما يكون حتى قيام الساعة- ويل للعرب من شر قد اقترب!! أهل المغرب ظاهرون على الحق حتى تقوم الساعة.
٦٨٠ الفصل الخامس والعشرون: عصمة الله له من الناس وكفايته من أذاهم انصرفوا فقد عصمني ربي- من شاء فليخذلني- حمالة الحطب- عدم رؤيتها له- عند الهجرة- حادثة سراقة- الراعي ينسى- ابو جهل والصخرة- طمس على بصره- غدر بني قريظة- خيانة حيي وغدره- ابو جهل وخندق النار- شواظ من نار يد النبي ﷺ سكن للقلب- أفأضربك.
٦٩٤ الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: مَعَارِفُهُ وَعُلُومُهُ ﷺ..
أنواع الرؤيا- أنساب- علمه بالرسم- الذين يلحدون اليه- رد الحجج وابطالها.
٧٠٨ الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْبَاؤُهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ..
في صورة رجل- في صورة دحية- رؤية الجن- نغمة الجن- هدم خالد للعزى وقتله السوداء- أسره للشيطان.
٧١٥ الفصل الثامن والعشرون: أخباره وصفاته وعلامات رسالته عند أخيار ورهبان وعلماء ذلك الزمان الذين نقلوا أخباره عن التوراة من أسلم- اعترافهم- هواتف الجن.
٧٢٦ الفصل التاسع والعشرون: ما حدث عند مولده ﷺ..
ولد رافعا رأسه- خروج النور عند ولادته- تدلي النجوم- رؤية قصور
[ ١ / ٧٦٢ ]
الصفحة الموضوعات الروم- البركة عند حليمة- إيوان كسرى- بحيرة طبرية- خمود النار- صقيلا دهينا كحيلا- رصد الشياطين حمايته من امور الجاهلية- نهيت عن التعري- إظلال الغمام- إظلال الشجر- لا ظل لشخصه ﷺ- روضة من رياض الجنة.
٧٣٤ الفصل الثلاثون: خاتمة وتذييل.
معجزات لنبينا ﷺ أظهر من معجزات غيره- كثرة معجزاته ومعجزات القرآن- البلاغة والنظم- الاخبار بعلوم الغيب- وضوح المعجزات والسحر زمن موسى- الطب زمن عيسى- معجزة خالدة لا تبيد- مذهب الصرفة- عبادة بني اسرائيل.
٧٤٥ مسرد الفصول والابواب والعناوين الجانبية.
[ ١ / ٧٦٣ ]
الجزء الثاني
مُقَدِّمَةُ الْقِسْمِ الثَّانِي
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وفّقه الله تعالى:
وَهَذَا قِسْمٌ لَخَّصْنَا فِيهِ الْكَلَامَ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَمَجْمُوعُهَا فِي وُجُوبِ تَصْدِيقِهِ، وَاتِّبَاعِهِ فِي سُنَّتِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَمُنَاصَحَتِهِ، وَتَوْقِيرِهِ، وَبِرِّهِ، وَحُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ، وَزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ.
[ ٢ / ٥ ]
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي فَرْضِ الْإِيمَانِ بِهِ وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ وَفِيهِ خَمْسَةُ فُصُولٍ
[ ٢ / ٧ ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فَرْضُ الْإِيمَانِ بِهِ
إِذَا تَقَرَّرَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ ثُبُوتُ نُبُوَّتِهِ وَصِحَّةُ رِسَالَتِهِ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَتَى بِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا» «١» وَقَالَ: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» «٢» . وقال: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ» «٣» الْآيَةَ.. فَالْإِيمَانُ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَاجِبٌ «٤» مُتَعَيَّنٌ لَا يَتِمُّ إِيمَانٌ «٥» إِلَّا بِهِ.. وَلَا يَصِحُّ إِسْلَامٌ «٦» إِلَّا مَعَهُ..
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا» «٧» .
_________________
(١) «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» التغابن آية «٨»
(٢) «وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» الفتح آية «٨ و٩» .
(٣) «الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» ألاعراف آية «١٥٧» .
(٤) لان الله أمر به مرارا.
(٥) وفي نسخة «الايمان» .
(٦) وفي نسخة «الاسلام» .
(٧) الفتح آية «١٣» .
[ ٢ / ٩ ]
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ..» «١»
قَالَ الْقَاضِي «٢» أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: وَالْإِيمَانُ بِهِ ﷺ هُوَ تَصْدِيقُ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَةِ اللَّهِ لَهُ، وَتَصْدِيقُهُ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَمَا قَالَهُ.. وَمُطَابَقَةُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِذَلِكَ شَهَادَةُ اللِّسَانِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.. فَإِذَا اجْتَمَعَ التَّصْدِيقُ به بالقلب والنطق بالشهادة بذلك باللسان تَمَّ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ لَهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «٣» نَفْسِهِ مِنْ رِوَايَةِ «٤» عَبْدِ اللَّهِ «٥» بْنِ عُمَرَ ﵄: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وأن محمدا رسول الله..
_________________
(١) اخرجه القاضي من عند مسلم وهو في الايمان ورواه البخاري أيضا، وفي رواية اخرجها الستة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ السبوطي: وهو متواتر. ولفظه (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا اله الا الله وأني رسول الله، فاذا قالوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ على الله.) وفي رواية عن انس رضي الله تعالى عنه: قيل وما حقها؟ قال زنا بعد احصان، او كفر بعد اسلام، او قتل نفس فيقتل بها.
(٢) القاضي أبو الفضل عياض المؤلف رضي الله تعالى عنه.
(٣) وقد أخرجه الشيخان.
(٤) وهذه رواية مسلم عن ابن عمرو فيها (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا الخ) .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٣» .
[ ٢ / ١٠ ]
وَقَدْ زَادَهُ وُضُوحًا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِذْ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ.. فَقَالَ (النَّبِيُّ ﷺ) «١»: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.. وَذَكَرَ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ الْحَدِيثَ «٢» .
فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ مُحْتَاجٌ «٣» إِلَى الْعَقْدِ «٤» بِالْجَنَانِ «٥» ..
وَالْإِسْلَامَ بِهِ مُضْطَرٌّ إِلَى النطق باللسان.. وهذه الحالة «٦» الْمَحْمُودَةُ التَّامَّةُ «٧» .. وَأَمَّا الْحَالُ الْمَذْمُومَةُ، فَالشَّهَادَةُ بِاللِّسَانِ دُونَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ.. وَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ «٨» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ..» «٩» أَيْ كَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ
_________________
(١) هذه الجملة غير موجودة في بعض النسخ.
(٢) وتمامه: (واليوم الاخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره.) والحديث موجود في الاربعين النووية وقد رواه الستة وغيرهم.
(٣) وفي نسخة (يحتاج) .
(٤) العقد: الاعتقاد الجازم.
(٥) الجنان: بفتح الجيم وهو القلب سمي به لاستتاره او استنار ما فيه من جنه اذا ستره.
(٦) وفي نسخة (الحال) .
(٧) وفي نسخة (هي المحمودة التامة) .
(٨) النفاق: هو اظهار الايمان وابطان الكفر. مشتق من نافقاء اليربوع وهو ما يخفيه من أبواب جحره ليخرج منه اذا أحس بصائده.
(٩) سورة المنافقين آية «١» .
[ ٢ / ١١ ]
وَتَصْدِيقِهِمْ وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَهُ.. فَلَمَّا لَمْ تُصَدِّقْ ذَلِكَ ضَمَائِرُهُمْ لَمْ يَنْفَعْهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَخَرَجُوا عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ.. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ حُكْمُهُ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ (إِيمَانٌ) «١» .. وَلَحِقُوا بِالْكَافِرِينَ «٢» فِي الدَّرْكِ «٣» الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.. وَبَقِيَ عَلَيْهِمْ حكم الإسلام بإظهار شهادة اللسان فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَئِمَّةِ وَحُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِينَ أَحْكَامُهُمْ عَلَى الظَّوَاهِرِ بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ عَلَامَةِ الْإِسْلَامِ.. إِذْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْبَشَرِ سَبِيلٌ إِلَى السَّرَائِرِ.. وَلَا أُمِرُوا بِالْبَحْثِ عَنْهَا.. بَلْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّحَكُّمِ عَلَيْهَا، وَذَمَّ ذَلِكَ وَقَالَ «٤»: «هَلَّا»
شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» وَالْفَرْقُ «٦» بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَقْدِ مَا جُعِلَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الشَّهَادَةُ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَالتَّصْدِيقُ مِنَ الْإِيمَانِ.. وَبَقِيَتْ حَالَتَانِ أُخْرَيَانِ بَيْنَ
_________________
(١) كلمة (ايمان) غير موجودة في بعض النسخ.
(٢) وفي نسخة (بالكفار) .
(٣) الدرك: بفتح الراء وسكونها وهو ما ينزل به لاسفل ضد الدرج يعني أنهم في تعرجهم وآخر طبقة منها.
(٤) وقاله ﷺ لاسامة بن زيد في حديث صحيح رواه البخاري لما اضطر بعض الكفار فأسلم فقتله أسامة لاعتقاده أن اسلامه بلسانه خوفا من القتل فقال له ﷺ: أقتلته بعد ان أسلم؟!! هلا شققت عن قلبه. وقد رواه مسلم أيضا ورواه البيهقي عن عمران بن الحصين.
(٥) هلا: اذا دخلت على الماضي افادت التوبيخ واذا دخلت على المضارع افادت الامر والحض.
(٦) وفي نسخة (وللفرق) .
[ ٢ / ١٢ ]
هَذَيْنِ.. إِحْدَاهُمَا أَنْ يُصَدِّقَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يُخْتَرَمَ «١» قَبْلَ اتِّسَاعِ وَقْتٍ لِلشَّهَادَةِ بِلِسَانِهِ.. فَاخْتُلِفَ فِيهِ.
فَشَرَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ الْقَوْلَ وَالشَّهَادَةَ «٢» بِهِ.
وَرَآهُ بَعْضُهُمْ مُؤْمِنًا مُسْتَوْجِبًا لِلْجَنَّةِ «٣» لِقَوْلِهِ ﷺ «٤» «يَخْرُجُ «٥» مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» فَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى مَا فِي الْقَلْبِ.. وَهَذَا مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ غَيْرُ عَاصٍ وَلَا مُفَرِّطٍ بِتَرْكِ غَيْرِهِ.. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْوَجْهِ.
- الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَدِّقَ بِقَلْبِهِ وَيُطَوِّلَ «٦» مَهَلَهُ «٧»، وَعَلِمَ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا جُمْلَةً، وَلَا اسْتَشْهَدَ «٨» فِي عُمُرِهِ وَلَا مَرَّةً، فَهَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا «٩» .
- فَقِيلَ هُوَ مُؤْمِنٌ، لِأَنَّهُ مُصَدِّقٌ.. وَالشَّهَادَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ
_________________
(١) يخترم: على صيغة المجهول اي يقتطع ويموت بخاء معجمة وتاء مثناة فوقبة وراء مهملة.
(٢) لان الشهادة جزء من الايمان وركن لا شرط، وتعريفه الايمان عند الاشاعرة هو: اقرار باللسان وتصديق بالجنان.. فلا ايمان الا بهما الا عند العجز عن النطق.
(٣) اذ نزل منزلة العاجز.
(٤) وهو بعض من حديث في الصحيحين.
(٥) وقال (يخرج) لانهم قد دخلوا النار فهم عصاة معذبون اما بذنوب أخرى او بترك الشهادة وعلى ذلك فالقول الاول هو الاظهر.
(٦) يطول: بضم التحتية وفتح الطاء المهملة وتشديد الواو المكسورة
(٧) مهلة: بميم وهاء مفتوحتين مفعول يطول ويجوز تسكين هائه مع فتح ميمه وضمها وهي التؤدة والتأني فأريد به لازمه وهو طول الزمان والمراد زمان سكوته وعدم نطقه بالشهادة.
(٨) وفي رواية (شهد)
(٩) أيضا: من آض يئيض أيضا اذا رجع.
[ ٢ / ١٣ ]
فهو «١» عاص بتركها غير مخلد «٢» . وَقِيلَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ «٣» حَتَّى يُقَارِنَ عَقْدُهُ شَهَادَةَ اللِّسَانِ «٤»، إِذِ الشَّهَادَةُ إِنْشَاءُ عَقْدٍ، وَالْتِزَامُ إِيمَانٍ.
وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ مَعَ الْعَقْدِ، وَلَا يَتِمُّ التَّصْدِيقُ مَعَ الْمُهْلَةِ إِلَّا بِهَا..
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا نَبْذٌ «٥» يُفْضِي «٦» إِلَى مُتَّسَعٍ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَأَبْوَابِهِمَا.. وَفِي الزِّيَادَةِ فِيهِمَا وَالنُّقْصَانِ «٧» ..
وَهَلِ التَّجَزِّي «٨» مُمْتَنِعٌ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ لا يصح فيه جملة، إنما يَرْجِعُ إِلَى مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ؟!! أَوْ قَدْ يُعْرَضُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ وَتَبَايُنِ «٩» حَالَاتِهِ، مِنْ قُوَّةِ يَقِينٍ، وَتَصْمِيمِ اعْتِقَادٍ، وَوُضُوحِ مَعْرِفَةٍ. وَدَوَامِ حَالَةٍ، وَحُضُورِ قَلْبٍ.. وَفِي بَسْطِ هذا
_________________
(١) وفي نسخة (وهو) .
(٢) وفي نسخة (غير مخلد في النار) وعند أهل السنة ان أهل الكبائر لا يخلدون في النار
(٣) لان الشهادة إما شرط لصحة الايمان او شطر.
(٤) وفي نسخة كلمة (اللسان) محذوفة.
(٥) نبذ: بفتح النون وسكون الموحدة وذال معجمة أي شيء قليل.. وأصله الرمي والطرح فكأنه لقلته مما يطرح. وفي نسخة (هذه نبذ) بضم النون ففتح الموحدة جمع نبذة بزنة غرفة وقيل انه بضم فسكون والمعروف ما قدمناه.
(٦) يفضي: بضم المثناة الفوقية وسكون الفاء وكسر الضاد المعجمة قبل ياء ساكنة مضارع أفضى بمعنى اوصل وأصل معناه الايصال الى الفضاء والمتسع.
(٧) أي الكلام في أنهما يقبلان زيادة ونقصا. فيه خلاف مشهور.
(٨) بالزيادة والنقص فيهما.
(٩) تباين: افتراق.
[ ٢ / ١٤ ]
خُرُوجٌ عَنْ غَرَضِ التَّأْلِيفِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا غُنْيَةٌ «١» فيما قصدنا إن شاء الله تعالى «٢» .
_________________
(١) غنية: بضم الغين وسكون النون وفتح الياء أي كفاية مغنية عن غيره.
(٢) مذهب المحققين الاظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الادلة. ولا شك في ان إيمان الصديقين أقوى من ايمان غيرهم.
[ ٢ / ١٥ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي وُجُوبُ طَاعَتِهِ
وَأَمَّا وُجُوبُ طَاعَتِهِ فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَتَى به، قال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» «١» وقال: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» «٢» وقال: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» «٣» وقال: «وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا» «٤» وَقَالَ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» «٥» وَقَالَ: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» «٦» وقال: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ
_________________
(١) «وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ» الانفال آية «٢٠» .
(٢) «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» سورة النور آية «٥٤» .
(٣) سورة آل عمران اية «١٣٢» .
(٤) «وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» سورة النور آية «٥٤» .
(٥) «وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا» النساء «٧٩» .
(٦) «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» سورة الحشر آية «٧» .
[ ٢ / ١٦ ]
وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ «١» الْآيَةَ وَقَالَ: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ» «٢» .
فَجَعَلَ تَعَالَى طَاعَةَ رَسُولِهِ «٣» طَاعَتَهُ، وَقَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ.. وَأَوْعَدَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ بِسُوءِ الْعِقَابِ.
وَأَوْجَبَ امْتِثَالَ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابَ نَهْيِهِ..
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْأَئِمَّةُ: طَاعَةُ الرَّسُولِ فِي الْتِزَامِ سُنَّتِهِ، وَالتَّسْلِيمِ لِمَا جَاءَ بِهِ.. وَقَالُوا: مَا أَرْسَلَ اللَّهُ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا فَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ وَقَالُوا: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فِي سُنَّتِهِ «٤» يُطِعِ اللَّهَ
_________________
(١) الاية النساء «٦٨» وبقيتها. أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ والصالحين.. وحسن اولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) نزلت هذه الاية في ابن عبد ربه الانصاري حين قال للنبي ﷺ اذا مت كنت في عليين فلا نراك. وذكر شدة حزنه لذلك فنزلت الاية.. فلما مات رسول الله ﷺ دعى الله أن يعمي بصره حتى لا يرى غيره فعمي مكانه. وهو الذي رأى واقعة الادان.. وقيل نزلت في ثوبان مولاه ﷺ وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ لا يصبر عن رؤيته فحزن حتى تغير لونه فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ما بي ضر غير اني لا اصبر عنك فذكرت الاخرة وأني لا أراك ثمة لرفعة مقامك وهبوط منزلتي فنزلت الاية.
(٢) الاية «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا» النساء آية «٦٣» .
(٣) ولذا فان الذي لا يقبل طاعة الرسول ﷺ يكون كافرا.. أرأيت الى عمر بن الخطاب لما جاءه اليهودي والمنافق الذي لم يرض بحكم رسول الله كيف ضرب عنقه وعلم رسول الله ﷺ فلم ينكر عليه.
(٤) وفي نسخة (سننه) . وفي الام للشافعي عن رسول الله ﷺ (لا الفين احدكم متكئا على أريكته يأتيه ما أمرت او نهيت فيقول: لا أدري!! .. ما وجدنا في كتاب الله عملنا به) .
[ ٢ / ١٧ ]
فِي فَرَائِضِهِ.. وَسُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»
عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ:
(وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) «٢» .
وَقَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٣»: يُقَالُ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِي فَرَائِضِهِ وَالرَّسُولَ فِي سُنَّتِهِ.. وَقِيلَ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، وَالرَّسُولَ فِيمَا بَلَّغَكُمْ وَيُقَالُ: أَطِيعُوا اللَّهَ بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالنَّبِيَّ بِالشَّهَادَةِ لَهُ بالنبوة «٤» .
قال أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ «٥» الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ «٦» يَقُولُ:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ.. وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ.. وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي.. وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي «٧» .. فَطَاعَةُ الرَّسُولِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، إِذِ اللَّهُ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ.. فَطَاعَتُهُ امْتِثَالٌ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَطَاعَةٌ لَهُ.
وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنِ الْكُفَّارِ فِي دَرَكَاتِ جَهَنَّمَ. «يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا» «٨»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٦» .
(٢) سورة الحشر آية «٧» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٥١» رقم «٢» .
(٤) وفي نسخة (بالرسالة) .
(٥) ابو سلمة بن عبد الرحمن تقدمت ترجمته في ص «٢٨٦» رقم «٣» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٣٠» رقم «٥» .
(٧) الحديث رواه الشيخان.
(٨) سورة الاحزاب اية «٦٦» .
[ ٢ / ١٨ ]
فَتَمَنَّوْا طَاعَتَهُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمُ التَّمَنِّي..
وَقَالَ «١» ﷺ «٢»: «إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ.. وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ..» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْهُ ﷺ «٣»: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى.. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. وَمَنْ يَأْبَى؟
قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى..»
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الصَّحِيحِ «٤» عَنْهُ ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ «٥» كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ.. وَإِنِّي أنا النذير العريان «٦» .. فالنجاء «٧» ..
_________________
(١) وفي نسخة (وقد قال) .
(٢) فيما رواه الشيخان وأول الحديث (دعوني ما تركتكم انما هلك من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فاذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.. الخ) . وسببه انه ﷺ قال في خطبة: «أن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا» .. فقال رجل: «أكل عام يا رسول الله؟!» فسكت حتى قالها ثلاثا فقال: «لو قلت نعم لو جبت ولما استطعتم..» ثم قال: «دعوني» (الحديث) وزاد الدارقطني: فنزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تعبد لكم تسؤكم) .
(٣) رواه الحاكم بلفظ: «كلكم يدخل الجنة الا من ابى..» الحديث. وفي الجامع الصغير برواية البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه (كل أمتي يدخلون الجنة ألا من أبى.. من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد ابى..»
(٤) رواه البخاري في صحيحه
(٥) «به» ليست موجودة في رواية البخاري.
(٦) كان من عادة العربي اذا أخافه عدو خلع ثيابه ولوح بها لقومه حتى يدركوا الخطر قبل وصوله اليهم فالنذير العاري أبلغ في الدلالة على الخطر.
(٧) في رواية البخاري (النجاء) مكررة مرتين وهي منصوبة على المصدر بعامل مخذوف ومعناه الخلاص والفرار.
[ ٢ / ١٩ ]
فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا «١»، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا..
وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ «٢» الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ «٣» .. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ..» .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «٤» فِي مَثَلِهِ «٥» كَمَثَلِ مَنْ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً «٦» .. وَبَعَثَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ.. وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ. فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ.. وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ «٧» بَيْنَ الناس.
_________________
(١) أدلجوا: بالتخفيف الدال سير اول الليل وبالتشديد لها سير آخره.
(٢) صبحهم: جاءهم في الصباح.
(٣) اجتاحهم: استأصلهم. والجاتحة الافة التي تصيب الثمار فتستأصلها.
(٤) الذي رواه الشيخان.
(٥) مثله: بفتحتين أي تمثيله ﷺ.
(٦) مأدبة: بميم مفتوحة وهمزة ساكنة ودال مهمله مثلثة والاشهر الضم ثم الفتح وباء موحدة وهاء وهي الاطعمة الكثيرة النفيسة المعدة لاكرام الضيوف والاصحاب.
(٧) فرق: بفتح فسكون أي فارق بين المؤمنين والكافرين.
[ ٢ / ٢٠ ]
الفصل الثالث وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهديه
وأما وجوب اتباعه ﷺ وامتثال سنته والاقتداء بهديه فقد قَالَ تَعَالَى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» «١» وَقَالَ: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» «٢» وَقَالَ: «فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ» «٣» .. إِلَى قَوْلِهِ تَسْلِيمًا» .
أَيْ ينقادوا لحكمك.. يقال «سلّم» و«استسلم» و«أسلم» إذا انقاد.. وقال تعالى: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ» «٤» الاية.
_________________
(١) «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» سورة آل عمران اية «٣١» .
(٢) سورة الاعراف آية «١٥٧» .
(٣) وتتمتها (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) هذه الاية نزلت في حق بعض الانصار لما اختصم مع الزبير في ماء سقى به أرضه. سورة النساء اية «٦٤» .
(٤) الاية «وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» سورة الاحزاب اية «٢١» .
[ ٢ / ٢١ ]
قَالَ مُحَمَّدُ «١» بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: «الْأُسْوَةُ» فِي الرَّسُولِ..
الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَالِاتِّبَاعُ لِسُنَّتِهِ وَتَرْكُ مُخَالَفَتِهِ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ..
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ بِمَعْنَاهُ
وَقِيلَ: هُوَ عِتَابٌ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عنه وقال سهل «٢» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
«صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» «٣» قَالَ بِمُتَابَعَةِ السُّنَّةِ.. فَأَمَرَهُمْ تَعَالَى بِذَلِكَ وَوَعَدَهُمُ الِاهْتِدَاءَ بِاتِّبَاعِهِ.. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُزَكِّيَهُمْ، وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيَهْدِيَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.. وَوَعَدَهُمْ مَحَبَّتَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى «٤» وَمَغْفِرَتَهُ إِذَا اتَّبَعُوهُ وَآثَرُوهُ عَلَى أَهْوَائِهِمْ، وَمَا تَجْنَحُ «٥» إِلَيْهِ نُفُوسُهُمْ.. وَأَنَّ صِحَّةَ إِيمَانِهِمْ بِانْقِيَادِهِمْ لَهُ، وَرِضَاهُمْ بِحُكْمِهِ، وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَرُوِيَ «٦» عَنِ الْحَسَنِ»
: «أَنَّ أَقْوَامًا قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُحِبُّ اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ..» «٨» الاية.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٧٨» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٦» .
(٣) سورة الفاتحة اية «٧» .
(٤) اي قوله تعالى (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) . سورة ال عمران آية «٣١» .
(٥) تجنح: تميل والجنح أصله الميل على احد الشقين مأخوذ من الجناح.
(٦) كما في تفسير ابن المنذر.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٨) سورة آل عمران اية «٣١» .
[ ٢ / ٢٢ ]
وَرُوِيَ: أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ «١» بْنِ الْأَشْرَفِ وَغَيْرِهِ.
وَأَنَّهُمْ قَالُوا: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» «٢» .. «وَنَحْنُ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ وَقَالَ الزَّجَّاجُ «٣»: مَعْنَاهُ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله- أَنْ تَقْصِدُوا طَاعَتَهُ- فَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ إِذْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ طَاعَتُهُ لَهُمَا وَرِضَاهُ بِمَا أَمَرَا.. وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لَهُمْ عَفْوُهُ عَنْهُمْ وَإِنْعَامُهُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ.. وَيُقَالُ: الْحُبُّ مِنَ اللَّهِ عِصْمَةٌ وَتَوْفِيقٌ، وَمِنَ الْعِبَادِ طَاعَةٌ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ «٤»:
تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
وَيُقَالُ: مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعْظِيمُهُ لَهُ، وهيبته منه.. ومحبة الله له رحمته وَإِرَادَتُهُ الْجَمِيلَ لَهُ.. وَتَكُونُ بِمَعْنَى مَدْحِهِ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ «٥»: فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ والإرادة والمدح كان
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٦٢١» رقم «٧» .
(٢) سورة المائدة آية «٢٠» .
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٨٨» رقم «٨» .
(٤) وهو المحمود بن الحسن الوراق كما في زهر الاداب للحصري، وقيل المنصور الفقيه وهو بليغ مفلق كان في أول الدولة العباسية وكان كثيرا ما يأخذ حكم المتقدمين من الفلاسفة وغيرهم فينظمها في شعره. وقيل ان قائله رابعة العدوية.. وفي الاحياء ان قائله عبد الله بن المبارك.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧٠» رقم «٣» .
[ ٢ / ٢٣ ]
مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ.. وَسَيَأْتِي بَعْدُ فِي ذِكْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ غَيْرُ هَذَا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ «١» فِي حَدِيثِهِ فِي مَوْعِظَةِ «٢» النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ.. عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ «٣» .. وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ..»
زَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «٤» بِمَعْنَاهُ «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النار «٥»» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٣٣٤» رقم «٥» .
(٢) وذلك أن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: اتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه قوله تعالى (ولا على الذين اذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) وقلنا: أتيناك زائرين وعايدين ومقتبسين.. فقال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد الينا؟ فقال: اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان عبدا حبشيا فانه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا.. فعليكم بسنتي.. الحديث) . رواه علي عن الوليد كذا قال الذهبي في تاريخه، ومن خطه نقلت.. وقد أخرجه أبو داود في السنة عن احمد بن حنبل عن الوليد بن مسلم بالسند الذي ساقه القاضي والترمذي في العلم. وقال حسن صحيح وابن ماجة في السنة والمصنف عدل عن السنن الثلاث وأخرجه من سند اخر طلبا للعلو.
(٣) النواجذ: بالذال المعجمة جمع ناجذ وهي: اقصى الاضراس وهي أربعة او الانياب او التي تليها والمراد الاجتهاد في التمسك بها فهو استعارة تمثيلية لما ذكر لا كناية ويجوز ان تكون استعارة تصريحية تبعية.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١»
(٥) رواه مسلم.
[ ٢ / ٢٤ ]
وَفِي حَدِيثِ «١» أَبِي رَافِعٍ «٢» عَنْهُ ﷺ: «لَا أَلْفَيَنَّ «٣» أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا «٤» عَلَى أَرِيكَتِهِ «٥» يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي.. مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» ..
وَفِي حَدِيثِ «٦» عَائِشَةَ «٧» ﵂: «صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ.. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ قَوْمٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ..
فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً..»
وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ «٨» أنه قال: «الْقُرْآنَ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ.. وَهُوَ الْحَكَمُ «٩» فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِحَدِيثِي وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ جَاءَ مَعَ الْقُرْآنِ «١٠»
.. وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالْقُرْآنِ وَحَدِيثِي خَسِرَ
_________________
(١) كما رواه الشافعي في ألام، ورواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وهو حديث صحيح
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٩٦» رقم «٢» .
(٣) لا ألفين: بضم الهمزة وسكون اللام وكسر الفاء وفتح المثناة التحتية وتشديد النون، وهنا نفي بمعنى النهي أي لا اجدن وألفى بمعنى وجد قال تعالى «وألفيا سيدها لدى الباب.»
(٤) متكئا: اي مائلا مستندا معتمدا وهو بالهمزة والياء أيضا.
(٥) أريكته: هي سرير مزين يتخذ في بيت.
(٦) مروي في الصحيحين.. ولفظ هذا الحديث الذي اتى به المؤلف من البخاري
(٧) عائشة: تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٨) كما رواه أبو الشيخ والديلجي وأبو نعيم عن الحكم بن عمير.
(٩) الحكم: بفتحتين أي الذي يحكم على الناس بما تضمنه من الاحكام والحكم من الامثال والموعظة.
(١٠) أي جاء يوم القيامة محشورا مع القرآن وفيه اشارة الى أن الحديث لا يفارق القرآن وأنهما كشيء واحد لان السنة تبين القرآن.
[ ٢ / ٢٥ ]
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.. أُمِرَتْ أُمَّتِي أَنْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِي، وَيُطِيعُوا أَمْرِي، وَيَتَّبِعُوا سُنَّتِي.. فَمَنْ رَضِيَ بِقَوْلِي فَقَدْ رَضِيَ بِالْقُرْآنِ..
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» «١»
الْآيَةَ.
وَقَالَ ﷺ «٢»
: «مَنِ اقْتَدَى بِي فَهُوَ مِنِّي وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَعَنْ «٣»
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
«إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا «٤»
» . وَعَنْ «٥»
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ فَمَا سِوَى «٦»
ذلك فهو فضل «٧»
_________________
(١) سورة الحشر اية «٧» .
(٢) رواه عبد الرزاق عن الحسن مرسلا بلفظ (من استسن بسنتي..) والمؤلف رواه بلفظ (من اقتدى بي) . والقسم الاخير من الحديث موجود في الصحيحين.
(٣) لم يخرجه السيوطي بهذا اللفظ قال الدلجي لا أدري من روى هذا الحديث ولعله أنكره من حيث اسناده الى أبي هريرة وألا فقد ورد من حديث جابر كما رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة ولفظه «أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وان افضل الهدى هدى محمد وشر الامور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وروى البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عقبة بن عامر الجهني وابو نصر السحري في الاباتة عن أبي الدرداء مرفوعا وابن أبى شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفا هذا الحديث بلفظ اخر مطول.
(٤) محدثاتها: جمع محدثة بالفتح وهي البدعة التي تخالف الكتاب والسنة واجماع الأمة
(٥) رواه أبو داود وابن ماجة.
(٦) وفي نسخة (وما سوى) .
(٧) فضل: أي زائد لا يفتقر الى علمه.
[ ٢ / ٢٦ ]
آيَةٌ مُحْكَمَةٌ «١»
. أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ «٢»
.. أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ «٣»
» .
وَعَنِ الْحَسَنِ»
بْنِ أَبِي الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ ﷺ «٥»
:
«عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ، خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ» وَقَالَ «٦»
ﷺ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ بِالسُّنَّةِ تَمَسَّكَ «٧»
بِهَا» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «٨»
: «الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي له أجر مئة شَهِيدٍ» .
وَقَالَ «٩»
ﷺ: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً «١٠»
وَإِنَّ أُمَّتِي تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي «١١»
أَنَا عَلَيْهِ اليوم وأصحابي.»
_________________
(١) محكمة اي غير متشابهة لقوله تعالى (منه ايات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات) . او غير منسوخة.. ويطلق المحكم على جميع القران أيضا كما قال تعالى (أحكمت آياته) .
(٢) أي دائمة مستمرة لم تنسخ لدوام العمل بها.
(٣) أي لا جور فيها. وفي هذا الحديث إشارة جميلة الى أن العلوم اللازمة المفيدة هي علوم الشريعة من تفسير. وحديث. وفقه.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٥) هو حديث رواه عبد الرزاق عن معمر مرسلا، والدارمي متصلا عن ابن مسعود.
(٦) الحديث غير معروف المبنى ولكنه صحيح المعنى ولم يخرجه السيوطي
(٧) وفي نسخة (يتمسك بها) .
(٨) كما رواه الطبراني في الاوسط.
(٩) في حديث رواه الترمذي.
(١٠) وروي (فرقة) بدل ملة. وفي الحديث روايات مختلفة.
(١١) وفي نسخة: قال: (هم الذين على الذي أنا عليه اليوم وأصحابي) .
[ ٢ / ٢٧ ]
وَعَنْ أَنَسٍ «١»
قَالَ ﷺ «٢»
: مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» .
وَعَنْ عَمْرِو «٣»
بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «٤»
لِبِلَالِ «٥»
بْنِ الْحَارِثِ: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا من غير أن ينقص ذلك مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا..
وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ.. كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ من أوزار الناس شيئا.»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٢) رواه الاصبهاني في ترغيبة واللالكائي في السنة.
(٣) عمرو بن عوف المزني: الصحابي، وهو قديم الاسلام، شهد المشاهد وتوفي في زمن معاوية وذكر ابن سعد أن اول غزوة غزاها الابوار وجاءت عنه عدة أحاديث وهو أحد البكائين.
(٤) كما رواه الترمذي، وحسنه ابن ماجة.
(٥) بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة بن مازن ابو عبد الرحمن المزني الصحابي، وفد على النبي ﷺ مع وفد مزينة وسكن وراء المدينة توفي سنة ٦٠ وسنه ثمانون سنة.
[ ٢ / ٢٨ ]
الفصل الرابع مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ سنته والاقتداء بهديه وسيرته
عَنْ رَجُلٍ «١»
مِنْ آلِ خَالِدِ «٢»
بْنِ أَسِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ «٣»
بْنَ عُمَرَ فَقَالَ «٤»
: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٥»
.. إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا نَجِدُ صلاة السفر!!!. فقال ابن عمر «٦»
﵄.. يَا ابْنَ أَخِي.. إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا نَعْلَمُ شيئا وإنما نفعل كما رأيناه يفعل..
_________________
(١) قال الحلبي: لا أعرفه.. وقال التلمساني: هو أمية بن عبد الله بن خالد بن أسد.. وهكذا روى هذا الحديث مالك ولم يدخل في سنده بينه وبين شهاب أحد. ورواه الليث بن سعد فسمى الرجل وأدخل بين ابن شهاب وأميه بن عبد الله بن أبي بكر
(٢) خالد: هو ابن أسيد وهو ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس أخو عتاب أسلم عام الفتح وكان من المؤلفة قلوبهم.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٤) الحديث رواه مالك والنسائي وابن ماجة.
(٥) أبو عبد الرحمن: كنية عبد الله بن عمر.
(٦) مر ذكره
[ ٢ / ٢٩ ]
وَقَالَ عُمَرُ «١»
بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا.. الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ بِكِتَابِ اللَّهِ واستعمال لطاعة اللَّهِ.. وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا، وَلَا تَبْدِيلُهَا، وَلَا النَّظَرُ فِي رَأْيِ مَنْ خَالَفَهَا.. مَنِ اقْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ..
وَمَنِ انْتَصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ.. وَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى.. وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا» «٢» .
وَقَالَ «٣» الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ «٤» «عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ» .
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ «٥»: بَلَغَنَا عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ «٦» قالوا:
«الاعتصام بالسنّة نجاة» «٧» ..
_________________
(١) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الاموي القرشي. وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو تابعي جليل وامام عظيم وقاضى الخلفاء على ما قيل. روى عن عبد الله بن جعفر وأنس وابن المسبب وجماعة.. وعنه ابناه والزهري وعدة.. أخرج له أصحاب الكتب الستة. مات بدير سمعان من أرض حمص سنة احدى ومئة وله من العمر اربعون. ومدة ولايته سنتان وخمسة أشهر وأيام.. ومناقبه ظاهرة متواترة.
(٢) هذا الحديث رواه عنه اللالكائي في السنة.
(٣) قد سبق هذا الحديث مرفوعا.. ولعله جاء عنه أيضا موقوفا ولذا ذكره المصنف مكررا.
(٤) هو الحسن البصري وقد مر ذكره. في ص «٦٠» رقم «٨»
(٥) ابن شهاب الزهري: تقدمت ترجمته في ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٦) من الصحابة والتابعين.
(٧) أخرجه اللالكائي في السنة.
[ ٢ / ٣٠ ]
وكتب عمر «١» بن الخطاب ﵁ إِلَى عُمَّالِهِ «٢» بِتَعَلُّمِ السُّنَّةِ «٣» وَالْفَرَائِضِ «٤» وَاللَّحْنِ «٥» - أَيِ اللُّغَةِ «٦» - وَقَالَ»
:
إِنَّ نَاسًا يُجَادِلُونَكُمْ- يَعْنِي بِالْقُرْآنِ- فَخُذُوهُمْ «٨» بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ.
وَفِي خَبَرِهِ «٩» حِينَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ «١٠» رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ: أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ «١١» حين قرن «١٢» فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ «١٣»: تَرَى أَنِّي أَنْهَى النَّاسَ عَنْهُ وَتَفْعَلُهُ؟ .. قَالَ: لَمْ أَكُنْ أَدَعُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ «١٤» .
وَعَنْهُ «١٥» أَلَا إِنِّي لَسْتُ بنبي ولا يوحى إلي، ولكني أعمل
_________________
(١) عمر بن الخطاب: تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٢) كما رواه سعيد بن منصور في سننه.
(٣) وهي ما روي عنه ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته.
(٤) لانها نصف العلم وفقدها من أشراط الساعة وهي قسمة المواريث.
(٥) وقال الزمخشري: معنى اللحن في كلام عمر ﵁ علم الغريب الواقع في القرآن والحديث، ومن لم يعرفه لم يعرف أكثر كلام اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.. واللحن من الاضداد.
(٦) أي اللغة- تفسير من الراوي أو من المؤلف
(٧) وقال عمر أيضا على ما رواه الدارمي.
(٨) فخذوهم: أي حاجوهم واغلبوهم
(٩) خبر عمر الذي رواه عنه مسلم.
(١٠) ذو الحليفة ميقات أهل المدينة والشام على ستة أميال من المدينة جهة الشام.
(١١) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(١٢) بين الحج والعمرة.
(١٣) عثمان بن عفان وهو خليفة انذاك.
(١٤) رواه البخاري ومسلم والنسائي.
(١٥) أي عن علي ولا يعرف من رواه.
[ ٢ / ٣١ ]
بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا اسْتَطَعْتُ.
وَكَانَ ابْنُ «١» مَسْعُودٍ يَقُولُ «٢»: الْقَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ «٣»: صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ.. مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ «٤» .
وَقَالَ «٥» أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «٦»: عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ.. فَإِنَّهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ حشية رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ أَبَدًا، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ فَاقْشَعَرَّ «٧» جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إلا كان كَمَثَلِ شَجَرَةٍ قَدْ يَبِسَ وَرَقُهَا فَهِيَ كَذَلِكَ إذ أصابتها ريح شديدة فتحاتّ «٨» عنها ورقها الاحطّ عنه خطاياه كما تحاتّ عن
_________________
(١) ابن مسعود
(٢) في اثر رواه الدرامي والطبراني عن أبي الدرداء.
(٣) ابن عمر: تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٤) رواه عبد بن حميد في مسنده بسند صحيح. ومعنى كفر اي قارب الكفر او كفر بالنعمة.
(٥) فيما رواه الاصبهاني في ترغيبه واللالكائي في سننه.
(٦) أبي بن كعب: هو المنذر البخاري الانصاري الصحابي توفي سنة تسع عشرة- على الاصح- وقيل سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان.
(٧) اقشعر أصابته قشعريرة وهي الرعدة.
(٨) تحات: حته فركه وقشره فانحت وانحات، والورق سقطت كانحت.
[ ٢ / ٣٢ ]
الشَّجَرَةِ وَرَقُهَا. فَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وَسُنَّةٍ وَمُوَافَقَةِ بِدْعَةٍ.. وَانْظُرُوا أَنْ يَكُونَ عَمَلُكُمْ- إن كان اجتهادا أو اقتصادا- أَنْ يَكُونَ عَلَى مِنْهَاجِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ.
وَكَتَبَ بَعْضُ عُمَّالِ عُمَرَ بْنِ «١» عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَرَ بِحَالِ بَلَدِهِ «٢» وَكَثْرَةِ لُصُوصِهِ.. هَلْ يَأْخُذُهُمْ «٣» بِالظِّنَّةِ «٤» أَوْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْبَيِّنَةِ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ؟. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ.. خُذْهُمْ بِالْبَيِّنَةِ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فَإِنْ لَمْ يُصْلِحْهُمُ الْحَقُّ فَلَا أَصْلَحَهُمُ اللَّهُ.
وَعَنْ عَطَاءٍ «٥» فِي قَوْلِهِ «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول» «٦» أَيْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ «٧»: «لَيْسَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا
_________________
(١) عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد الراشد سار على نهج الخلفاء الاربعة فعد خامسهم توفي في رجب لسنة (١٠١) هو كان موته يوم الجمعة.
(٢) قيل هي حمص.
(٣) وفي نسخة (وهل نأخذهم) .
(٤) الظنة: بكسر الظاء المعجمة وتشديد النون أي بمجرد الظن أنهم لصوص.
(٥) عطاء: هو عطاء بن أبي رباح المفسر، كان من كبار التابعين توفي سنة خمس عشرة ومئة.
(٦) «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» النساء آية «٥٨» .
(٧) الشافعي: هو الامام المشهور امام الائمة وسلطان الامة روى عن مالك وروى عنه أحمد واخرج له اصحاب السنن الاربعة، وذكره البخاري في موضعين من صحاحه في الركاز والعرية ولد سنه ١٥٠ هـ يوم مات أبو حنيفة ﵀. ومات سنة أربع ومئتين
[ ٢ / ٣٣ ]
اتِّبَاعُهَا «١» وَقَالَ «٢» عُمَرُ «٣» وَنَظَرَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ.. وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقبلك ما قبلتك ثم قبله.
ورؤي عَبْدُ اللَّهِ «٤» بْنُ عُمَرَ يُدِيرُ نَاقَتَهُ فِي مَكَانٍ فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ «٥»:
لَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ فَفَعَلْتُهُ..
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ «٦» الْحِيرِيُّ: «مَنْ أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ» .
وَقَالَ سَهْلٌ «٧» التُّسْتَرِيُّ: «أُصُولُ مَذْهَبِنَا ثَلَاثَةٌ:
- الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ.
- وَالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ.
- وَإِخْلَاصِ النية في جميع الأعمال «٨»» .
_________________
(١) وكان ﵁ يقول: «اذا صح الحديث فهو مذهبي. واذا خالف قولي الحديث فاضربوا به عرض الحائط» وهكذا تبعه أئمتا الشافعية رضي الله تعالى عنهم.
(٢) كما رواه الشيخان.
(٣) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤»
(٤) عبد الله بن عمر: تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٥) رواه احمد بن حنبل والبزار بسند صحيح.
(٦) أبو عثمان الحيري: هو سعيد بن اسماعيل شيخ الصوفية بنيسابور توفي سنة ثمان وتسعين ومئتين وهو من كبار الزهاد والمشايخ الصوفية، وهو صاحب أبي حفص النيسابوري كما قاله ابن ماكولا والذهبي، وذكره القشيري في رسالته ونقل ما ذكره المصنف عنه وقال: انه صاحب شاه الكرماني ويحيى بن معاذ الرازي ثم ورد نيسابور مع شاه الكرماني على أبي حفص الحداد فتخرج عليه وزوجه ابنته.
(٧) سهل التستري: هو سهل بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع. شيخ الصوفية الزهاد. تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٦» .
(٨) وهذه اصول الشريعة.
[ ٢ / ٣٤ ]
وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى «وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»»
إِنَّهُ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَحُكِيَ عَنْ «٢» أَحْمَدَ «٣» بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: «كُنْتُ يَوْمًا مَعَ جَمَاعَةٍ تَجَرَّدُوا وَدَخَلُوا الْمَاءَ.. فَاسْتَعْمَلْتُ الْحَدِيثَ «٤»: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ «٥» .. وَلَمْ أَتَجَرَّدْ.
فَرَأَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَائِلًا لِي يَا أَحْمَدُ.. أَبْشِرْ «٦» فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ بِاسْتِعْمَالِكَ السُّنَّةَ، وَجَعَلَكَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِكَ.. قُلْتُ من أنت؟
قال جبريل» .
_________________
(١) «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ.. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» . سورة فاطر آية «١٠»
(٢) وفي نسخة «أن» .
(٣) احمد بن حنبل: وحنبل اسم جده فانه احمد بن محمد بن حنبل.. بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي لانه تربى فيها ودفن فيها ثاني عشر ربيع الاول سنة إحدى وأربعين ومئتين وهو امام السنة صاحب المذهب روى عن البخاري وغيره وعنه ابناه وجمع.
(٤) رواه مسلم والترمذي
(٥) مئزر: بكسر الميم وهمزة ساكنة وتبدل ياء بمعنى الازار وهو ما يستر به نصف المرء الاسفل.
(٦) وفي نسخة (أبشر يا أحمد) .
[ ٢ / ٣٥ ]
الفصل الخامس حظر مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ
وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَتَبْدِيلُ سُنَّتِهِ ضَلَالٌ وبدعة متوعّد من الله عليه بالخذلان والعذاب.
قال الله تعالى: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ «١» أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» «٢» .
وَقَالَ «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى..» «٣» الاية
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٤» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «٥»: خرج إلى المقبرة
_________________
(١) الضمير في أمره يعود على النبي ﷺ كما أراد المؤلف بذكر الاية
(٢) سورة النور آية «٦٣» .
(٣) النساء آية «١١٤» وتتمتها (ونصله جهنم وساءت مصيرا) . واستدل بهذه الاية في كتب الاصول على حجية الاجماع مأخوذا من قوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥»
(٥) رواه مسلم والامام مالك مسندا وأبو داود والنسائي.
[ ٢ / ٣٦ ]
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي صِفَةِ «١» أُمَّتِهِ وَفِيهِ- «فَلَيُذَادَنَّ «٢» رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فأناديهم: ألا هلمّ، أَلَّا هَلُمَّ، أَلَّا هَلُمَّ «٣»، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بدلوا بعدك «٤» .. فأقول: فَسُحْقًا «٥» فَسُحْقًا» وَرَوَى أَنَسٌ «٦» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال «٧»: «فمن رَغِبَ «٨» عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي..»
وَقَالَ «٩» «مَنْ أَدْخَلَ «١٠» فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ «١١»» .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي «١٢» رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ «١٣» عن «١٤» النبي ﷺ
_________________
(١) يعني قوله: (لكم سيما ليست لاحد من الامم.. تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء.
(٢) يذادن: مبني للمجهول مع نون توكيد بذال معجمة وألف بعدها دال مهملة ونون توكيد مشددة والذود هنا بمعنى الطرد والمنع وهذه رواية ابن القاسم ورواية غيره فلا يذادن ولا نافية او ناهية أي لا يفعل أحدكم فعلا يطرد بسببه عن حوضي على معنى التحذر والاشفاق.
(٣) هلم: اسم فعل أمر بمعنى اقبل وكررت هنا لاظهار شدة العناية والرحمة المحمدية وهلم: بفتح الهاء وضم اللام وقد تفتح.
(٤) وفي نسخة إنهم قد تبدلوا بعدك.
(٥) وفي نسخة بحذف الفاء من (فسحقا) وهو بضم السين والحاء المهملتين وتسكن تخفيفا فنصبه على المصدرية او هو مفعول به واذا كان دعاء فعامله محذوف وجوبا تعقرا وجدعا.
(٦) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١»
(٧) رواه الشيخان.
(٨) اذا تعدى فعل رغب (بعن) يكون للترك واذا تعدي (بفي) يكون للميل الى الشيء.
(٩) ﷺ في حديث رواه الشيخان.
(١٠) وروي (من احدث) . وفي رواية مسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا) وفي رواية (من ادخل في ديننا) .
(١١) وهذا الحديث من قواعد الدين، وقال الطوفي إنه نصف الدين.
(١٢) ابن أبي رافع: واسمه عبيد الله.
(١٣) ابو رافع مولى النبي ﷺ.
(١٤) وفي نسخة: ان النبي ﷺ.
[ ٢ / ٣٧ ]
قال «١» «لا ألقينّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ الله اتبعناه..»
زاد «٢» في الحديث المقدام «٣» أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ «٤» .
وَقَالَ ﷺ «٥» وَجِيءَ بِكِتَابٍ فِي كَتِفٍ «٦» «كَفَى بِقَوْمٍ حُمْقًا أَوْ قَالَ- ضَلَالًا «٧» - أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ أَوْ كِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِهِمْ.. فَنَزَلَتْ «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ»»
الاية.
_________________
(١) أخرجه ابو داود والترمذي وابن ماجه.
(٢) اي الراوي ابو داود والترمذي والحاكم.
(٣) المقدام بن معدي كرب الكندي.. المكنى بابي صالح ممن وفد عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كنده، وتوفي بالشام سنة سبع وثمانين وهو ابن احدى وسبعين سنة
(٤) فيه اشارة الى ان الرسول ﷺ معصوم في أقواله وأفعاله من ناحية التبليغ.
(٥) كما رواه أبو داود في مراسيله والدارمي والفرباني وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحي بن جعده.
(٦) عظم الكتف اذ كان يكتب عليه. والجائي به عمر او ابنته حفصه او عائشة رضي الله تعالى عنهم.
(٧) والشك من الراوي. والحمق الغباوة وعدم الفهم والضلال ضد الهداية.
(٨) سورة العنكبوت آية «٥١» قيل في أسباب نزولها ان بعض المشركين طلبوا معجزات وآيات مثل ايات الانبياء فنزلت الاية.
[ ٢ / ٣٨ ]
وَقَالَ ﷺ «١»: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ «٢» .»
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ «٣» الصِّدِّيقُ ﵁ «٤»: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ.. إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أمره أن أزيغ «٥» .
_________________
(١) رواه مسلم عن ابن مسعود.
(٢) المتنطعون: أصلها من النطع وهو الفك الاعلى من الفم.. والمتنطع من يبالغ ويعالي في الامور ويتشدق بالكلام. وقال الخطابي: «المتنطع» المتعمق المتكلف للبحث عن مذاهب أهل الكلام الخائض فيما لم يبلغه عقله ومناسبته لما نحن فيه أن من تنطع خرج عن ظاهر السنة.
(٣) ابو بكر الصديق تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦»
(٤) كما رواه ابو داود والبخاري وغيرهما.
(٥) الزبغ: الميل عن الاستقامة (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)
[ ٢ / ٣٩ ]
الْبَابُ الثَّانِي فِي لُزُومِ مَحَبَّتِهِ ﷺ وفيه ستّة فصول
[ ٢ / ٤١ ]
الفصل الأوّل لُزُومِ مَحَبَّتِهِ ﷺ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها.» «١» الْآيَةَ فَكَفَى بِهَذَا حَضًّا وَتَنْبِيهًا وَدَلَالَةً وَحُجَّةً على التزام مَحَبَّتِهِ وَوُجُوبِ فَرْضِهَا، وَعِظَمِ خَطَرِهَا، وَاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا ﷺ، إذ قرّع الله تَعَالَى مَنْ كَانَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَوْعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى «فتربصوا حتّى يأتي الله بأمره» ثُمَّ فَسَّقَهُمْ بِتَمَامِ الْآيَةِ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ مِمَّنْ ضل ولم يهده الله.
عَنْ أَنَسٍ «٢» ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال «٣»:
_________________
(١) سورة التوبة آية «٢٥» وتتمتها (وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) .
(٢) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١»
(٣) فيما رواه البخاري ومسلم والنسائي.
[ ٢ / ٤٣ ]
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ «١» حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
وَعَنْ أَبِي هريرة «٢» ﵁: نَحْوَهُ «٣» .
وَعَنْ أَنَسٍ «٤» عَنْهُ ﷺ «٥»: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ:
- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا «٦» سِوَاهُمَا.
- وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ.
- وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ وَعَنْ عُمَرَ «٧» بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ «٨»: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ.. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَنْ يُؤْمِنَ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ..
فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ.. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: الْآنَ يا عمر» .
_________________
(١) وفي رواية مسلم (عبد) وفي رواية غيرهما (أحد) . وفي رواية ابن حبان (لا يكمل إيمان أحد
(٢) أبو هريرة تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥»
(٣) أي روي عن أبي هريرة حديث بمعناه.
(٤) أنس تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١»
(٥) كما في الصحيحين.
(٦) استعمل ﵊ (مما) ولم يستعمل ممن لعموم (ما) أي من كل شيء
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤»
(٨) كما رواه البخاري عن عبد الله بن هشام.
[ ٢ / ٤٤ ]
قَالَ سَهْلٌ «١»: مَنْ لَمْ يَرَ وِلَايَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَيَرَى نَفْسَهُ فِي مِلْكِهِ ﷺ لَا يَذُوقُ حَلَاوَةَ سُنَّتِهِ.. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أحب اليه من نفسه..» الحديث
_________________
(١) سهل بن عبد الله التستري تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٦» .
[ ٢ / ٤٥ ]
الفصل الثّاني ثواب محبّته ﷺ
عَنْ أَنَسٍ «١» ﵁: أَنَّ «٢» رَجُلًا «٣» أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:
مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ .. قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ .. قَالَ:
مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ.. وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.. قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أحببت «٤»» .
_________________
(١) أنس تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١»
(٢) رواه البخاري وهذه الطريق التي اخرجها القاضي عن البخاري هي في الادب واخرجه من طريق اخرى في الاحكام أيضا.. واخرجه مسلم في الادب، وليس لسالم ابن ابي الجعد في الكتب الستة عن أنس رضي الله تعالى عنه غير هذا الحديث.
(٣) قيل هو عمر بن الخطاب وقيل ابو موسى وقيل ابو ذر وقيل غيرهم.. والله تعالى أعلم.
(٤) وقال الصحابة رضوان الله عليهم: ما فرحنا بعد الاسلام بشيء فرحنا بهذا الحديث. وقد نظم الحافظ ابن حجر ﵀ معنى الحديث في بيتين من بحر الرجز هما: وقائل هل عمل صالح أعددته ينفع عند الكرب فقلت حسبي خدمة المصطفى وحبه فالمرء مع من أحب وقال الخفاجي صاحب شرح الشفا بيتين من بحرهما الوافر: وحق المصطفى لي فيه حب إذا مرض الرجاء يكون طبا ولا أرضى سوى الفردوس مأوى إذا كان الفتى مع من أحبا
[ ٢ / ٤٦ ]
وَعَنْ صَفْوَانَ «١» بْنِ قُدَامَةَ: هَاجَرْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ..
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. نَاوِلْنِي يَدَكَ أُبَايِعْكَ.. فَنَاوَلَنِي يَدَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ.. قَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ «٢» .»
وَرَوَى هَذَا اللَّفْظَ «٣» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ «٤» بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى «٥» وَأَنَسٌ «٦» .. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ «٧» بِمَعْنَاهُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ «٨»: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ فَقَالَ «٩» مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة «١٠» ..»
_________________
(١) صفوان بن قدامة: الصحابي التميمي المرادي كما قاله الذهبي.. وله ولابنه عبد الرحمن صحبة وقيل ان الابن تابعي ولابيه صفوان صحبة.
(٢) رواه الترمذي والنسائي.
(٣) في الجامع الصغير (المرء مع من أحب) رواه احمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس ﵁، وفي الصحيحين عن ابن مسعود في رواية الترمذي (المرء مع من أحب وله ما اكتسب) وفي هذه الزيادة اشارة الى ان قرب المعية على قدر كسب الجمعية كما يشير اليه قوله تعالى في سورة النساء آية (٦٨) «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا» فلناقص في الصلاح مع محبة أكمل الصالحين يحشر معهم كما نظم بعضهم بيتين من الشعر من بحر الوافر هما: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من بضاعته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة
(٤) عبد الله بن مسعود تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٥) ابو موسى تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٨» رقم «٤» .
(٦) أنس تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٧) ابو ذر تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٨٥» رقم «١»
(٨) علي بن أبي طالب تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤»
(٩) وفي نسخة (وقال) .
(١٠) رواه عنه الترمذي.
[ ٢ / ٤٧ ]
وَرُوِيَ»
أَنَّ رَجُلًا «٢» «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي.. وَإِنِّي لَأَذْكُرُكَ فَمَا أَصْبِرُ حَتَّى أَجِيءَ فَأَنْظُرَ إِلَيْكَ.. وَإِنِّي ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتَكَ فَعَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَإِنْ دَخَلْتُهَا لَا أَرَاكَ..
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى» وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رفيقا» «٣» .. فَدَعَا بِهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٤» «كَانَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَطْرِفُ فَقَالَ: مَا بالك؟ قال «٥»: بأبي أنت وَأُمِّي أَتَمَتَّعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْكَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَفَعَكَ اللَّهُ بِتَفْضِيلِهِ..» فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ «٦» ..
وَفِي حَدِيثِ «٧» أَنَسٍ «٨» ﵁: «من أحبني كان معي في الجنة..»
_________________
(١) روى الطبراني وابن مردودية عن عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم
(٢) قال البغوي في تفسيره انه ثوبان مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وقيل هو صاحب الاذان أي عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الانصاري الحارثي.
(٣) سورة النساء أية «٦٨» .
(٤) لا يعرف مخرجه.
(٥) وفي نسخة (فقال) .
(٦) أي المذكورة يعني قوله تعالى «من يطع الله والرسول»
(٧) كما رواه الاصفهاني في ترغييه.
(٨) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١»
[ ٢ / ٤٨ ]
الفصل الثالث ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وشوقهم له
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «١» ﵁ أَنَّ رسول الله قَالَ «٢»: «مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي.. يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وماله..»
ومثله عن أبي ذر «٣» . وتقدم حَدِيثُ عُمَرَ «٤» ﵁ وَقَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ «لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي» وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الصَّحَابَةِ «٥» فِي مِثْلِهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «٦» ﵁ «ما كان
_________________
(١) ابو هريرة تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥»
(٢) في حديث صحيح رواه مسلم.
(٣) ابو ذر الغفاري تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٨٥» رقم «١»
(٤) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤»
(٥) كثوبان وصفوان وغيرهما.
(٦) عمرو بن العاص قرشي من دهاة العرب الأربعة معاوية وعمرو والمغيرة وزياد عبقري في القيادة العسكرية توفي ليلة عيد الفطر سنة «٤٣» للهجرة.
[ ٢ / ٤٩ ]
أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «١»»
وَعَنْ عَبْدَةَ «٢» بِنْتِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَتْ: مَا كَانَ خَالِدٌ «٣» يَأْوِي إلى فراش إلا، هو يَذْكُرُ مِنْ شَوْقِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُسَمِّيهِمْ وَيَقُولُ: هُمْ أَصْلِي «٤» وَفَصْلِي وَإِلَيْهِمْ يحن قلبي.. طال شوقي إليهم.. فعجل رب اقبضي إِلَيْكَ.. حَتَّى يَغْلِبَهُ النَّوْمُ..»
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ «٥» ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ «٦»:
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَإِسْلَامُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَقَرَّ «٧» لِعَيْنِي مِنْ إسلامه
_________________
(١) حديث صحيح رواه مسلم. وفيه أنه بكى عند موته وقال بعد ما ذكر مبايعته لرسول الله ﷺ وطلب منه ان يدعو له بمغفرة ما صدر منه، وانه كان أبغض الناس له واحرصهم على قبله وبعد ما بايعه وأسلم قال: مَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ الله. وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ. وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ حق لو قيل لي صفه.. ما استطعت أن أصفه. الخ
(٢) المعروف عبدة بنت خالد بن صفوان روت عن أبيها ذكرها ابن حبان في ثقاته أما بنت خالد بن معدان قال البرهان الحلبي لا أعرفها.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٣٦» رقم «٢»
(٤) الاصل والفصل: قبا، هما النسب واللسان وعن ثعلب قال: الاصل الوالد والفصل الولد.
(٥) ابو بكر تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦»
(٦) لما أسلم والده ابو قحافة كما رواه ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
(٧) أقر: من القر وهو البرد لان دمع السرور بارد ودمع الحزن حار، او من القرار وهو الثبات لان العين إذا رأت ما يسرها سكنت.
[ ٢ / ٥٠ ]
- يَعْنِي أَبَاهُ أَبَا قُحَافَةَ «١» - وَذَلِكَ أَنَّ إِسْلَامَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَقَرَّ لِعَيْنِكَ.. وَنَحْوَهُ «٢» عَنْ عمر «٣» بن الخطاب قال للعباس «٤»:
أن تسلم أحب إلي أَنْ يُسْلِمَ الْخَطَّابُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَى رسول الله ﷺ.
وعن ابن إسحق «٥» أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ «٦» قُتِلَ أَبُوهَا وَأَخُوهَا وَزَوْجُهَا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟. قَالُوا: خَيْرًا هُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا تُحِبِّينَ.. قَالَتْ:
أَرِنِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ.. فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ «٧» جَلَلٌ «٨» .
وَسُئِلَ «٩» عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب «١٠» ﵁.. كيف كان
_________________
(١) ابو قحافة: وهو أبو الصديق، عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تميم.. أسلم يوم الفتح وحسن اسلامه، وبقي بعد وفاة ابنه حتى توفي سنة أربع عشرة. وليس في الصحابة من اسمه ابو قحافة غيره وغير أبي قحافة المزني كما ذكره الذهبي
(٢) كما رواه البيهقي والبزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
(٣) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٥»
(٤) العباس: تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨١» رقم «١»
(٥) ابن اسحق: صاحب السيرة تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٣» رقم «٧»
(٦) هي من بني دينار ولكن لم يسمها كما في رواية ابن اسحق.
(٧) جلل: أي صغير هين. وكلمة جلل من الاضداد إذ تأتي بمعنى عظيم. وجلل بفتح الجيم واللام الاولى.
(٨) رواه ابن اسحق ورواه أيضا البيهقي عن اسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص مرسلا.
(٩) لم يذكر من رواه عنه.
(١٠) علي بن أبى طالب تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤»
[ ٢ / ٥١ ]
حُبُّكُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟. قَالَ: كَانَ وَاللَّهِ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَمْوَالِنَا وَأَوْلَادِنَا وَآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَإِ..
وَعَنْ «١» زَيْدِ»
بْنِ أَسْلَمَ خَرَجَ عُمَرُ «٣» ﵁ لَيْلَةً يَحْرُسُ النَّاسَ «٤» فَرَأَى مصباحا في بيت عَجُوزٌ «٥» تَنْفُشُ صُوفًا وَتَقُولُ «٦»
عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَاةُ الْأَبْرَارْ صَلَّى عَلَيْهِ الطَّيِّبُونَ الْأَخْيَارْ
قَدْ كُنْتَ قَوَّامًا بُكًا «٧» بِالْأَسْحَارْ يَا لَيْتَ شِعْرِي «٨» وَالْمَنَايَا أَطْوَارْ «٩»
هَلْ تَجْمَعُنِي وَحَبِيبِيَ الدَّارْ
!! تَعْنِي- النَّبِيَّ ﷺ- فَجَلَسَ عُمَرُ «١٠» ﵁ يبكي وفي الحكاية طول «١١» ..
_________________
(١) رواه عنه ابن المبارك في الزهد.
(٢) زيد بن أسلم: الفقيه العمري تابعي جليل روى عن ابن عمر وجابر وعنه مالك وغيره.. أخرج له أصحاب الكتب الستة وله ترجمة في الميزان توفي سنة ست وثلاثين ومئة
(٣) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤»
(٤) على عادته..
(٥) لم يذكر اسمها
(٦) أي تنشد شعرا من بحر «السريع» .
(٧) بكا: بضم الموحدة مقصورا منونا لغة في الممدود أي ذو بكاء وأريد به المبالغة كرجل عدل يعني لكثرة بكائه كأنه عين البكاء.
(٨) شعري: أي علمي وهو اسم ليت وخبره محذوف تقديره حاصل.
(٩) أي له أسباب مختلفة.
(١٠) عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤»
(١١) ومنها: فما زال عمر ﵁ يبكي وطرق عليها الباب فقالت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب فقالت: مالي ولعمر في هذه الساعة!! فقال: افتحي يرحمك الله فلا بأس عليك ففتحت له فدخل عليها وقال ردي الكلمات التي قلتيها آنفا فردتها فقال: أدخليني معكما وقولي: (وعمر فاغفر له يا غفار) .
[ ٢ / ٥٢ ]
وَرُوِيَ «١»: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ «٢» بْنَ عُمَرَ خَدِرَتْ «٣» رِجْلُهُ.. فَقِيلَ لَهُ: اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَزُلْ عَنْكَ.. فَصَاحَ يَا مُحَمَّدَاهْ فَانْتَشَرَتْ «٤» .
وَلَمَّا احْتُضِرَ «٥» بِلَالٌ «٦» ﵁ نَادَتِ امْرَأَتُهُ «٧»:
وَاحُزْنَاهْ.. فَقَالَ: وَاطَرَبَاهْ.. غَدًا أَلْقَى الْأَحِبَّهْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ «٨» .
وَيُرْوَى «٩» أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ «١٠» ﵂: اكْشِفِي لِي قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.. فَكَشَفَتْهُ لَهَا فَبَكَتْ حَتَّى مَاتَتْ..
وَلَمَّا أَخْرَجَ «١١» أَهْلُ مَكَّةَ زَيْدَ «١٢» بن الدّثنّة من الحرم ليقتلوه.
_________________
(١) اي في عمل اليوم والليلة لابن السني.
(٢) عبد الله بن عمر تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١»
(٣) خدرت: بفتح معجمة وكسر مهملة أي فترت عن الحركة وضعفت باجتماع عصبها
(٤) فانتشرت: أي امتدت لزوال خدرها وهذا يقتضي صحة ما جربوه.. وقد روي انه وقع مثله لابن عباس ﵄.. وذكره النووي ﵀ في أذكاره.. وفيه يقول أبو العتاهية: وتخدر في بعض الاحايين رجله فان لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر
(٥) احتضر: بالمبني للمجهول أي حضرته الملائكة.
(٦) بلال بن أبي رباح سابق الحبشة الى الاسلام. أسلم وهو في رق أمية فكان يعذبه اشتراه أبو بكر وأعتقه. صار مؤذن النبي ﷺ. مات في الشام.
(٧) وهي صحابية على ما ذكره الذهبي في آخر النساء من التجريد ما لفظه: زوجة بلال أناها رسول الله ﷺ فسأل عن بلال: أئمة بلال؟
(٨) وفي نسخة (وصحبه) وهذا بيت من مجزوء بحر الوافر وفيه زحف.
(٩) وهذا لم يخرجوه.
(١٠) عائشة ﵂ تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٦ رقم «٥»
(١١) كما رواه البيهقي عن عروة.
(١٢) زيد بن الدثنة: ابن معاوية بن عبيد بن معاوية بن عامر بن بياضة الخزرجي الصحابي البدوي الاحدي أسر يوم الرجيع مع خبيب وبيعا في مكة.
[ ٢ / ٥٣ ]
قال له أبو سفيان «١» ابن حَرْبٍ: أَنْشُدُكَ «٢» اللَّهَ يَا زَيْدُ «٣» ..
أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ عِنْدَنَا مَكَانَكَ يُضْرَبُ عُنُقُهُ وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ..
فَقَالَ زَيْدٌ «٣»: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ وَإِنِّي جَالِسٌ فِي أَهْلِي فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا.
وَعَنِ «٤» ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَتِ الْمَرْأَةُ «٥» إِذَا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ حَلَّفَهَا بِاللَّهِ مَا خَرَجَتْ مِنْ بُغْضِ زَوْجٍ وَلَا رَغْبَةً بِأَرْضٍ عَنْ أَرْضٍ، وَمَا خَرَجَتْ إِلَّا حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَوَقَفَ ابْنُ عُمَرَ «٦» عَلَى ابْنِ الزبير «٧» ﵄ بعد قتله
_________________
(١) أبو سفيان بن حرب: ابن أمية، وهو أبو معاوية، اسلم عام الفتح، وهذا الكلام قبل الاسلام تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٢٩» رقم «١»
(٢) انشدك: نشد فلانا عرفه وبالله استحلفه وقال له أنشدتك الله أي سألتك بالله.
(٣) زيد بن الدثنة تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «١٢»
(٤) رواه ابن جرير والبزار.
(٥) أي التي أتت مهاجرة من مكة الى المدينة.
(٦) ابن عمر: تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١»
(٧) ابن الزبير: تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٧» رقم «٤»
[ ٢ / ٥٤ ]
فاستغفر له وقال «١» كنت والله فيما «٢» علمت- صواما قواما تحب الله ورسوله «٣» .
_________________
(١) رواه ابن سعد
(٢) وفي نسخة (ما علمت) أي مدة علمي بك.
(٣) ولقد جذبته هذه المحبة الى عند حبيبه المصطفى ﷺ.. فانه لما حاصره الحجاج وقتله سنة ثلاث وسبعين يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الاولى فانه لما أنزلوه عن جذعه الذي صلب عليه غسلته أمه اسماء بنت ابي بكر الصديق ﵄ بعد أن قطعت مفاصله وحنطته وكفنته وصلت عليه وحملته الى المدينة ودفنته في دار صفية أم المؤمنين ﵂.. وهذه الدار زيدت في المسجد النبوي على ساكنه افضل الصلاة والسلام.
[ ٢ / ٥٥ ]
الفصل الرابع عَلَامَةِ مَحَبَّتِهِ ﷺ
اعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا آثَرَهُ وَآثَرَ مُوَافَقَتَهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي حُبِّهِ، وَكَانَ مُدَّعِيًا»
..
فَالصَّادِقُ فِي حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ تَظْهَرُ عَلَامَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ..
١- وَأَوَّلُهَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَاسْتِعْمَالُ سُنَّتِهِ وَاتِّبَاعُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَامْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ وَالتَّأَدُّبُ «٢» بِآدَابِهِ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَمَنْشَطِهِ «٣» وَمَكْرَهِهِ
وَشَاهِدُ هَذَا قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» «٤» .
_________________
(١) كما قال الشاعر من بحر (الوافر): وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر له بذاكا وقال غيره من بحر (الطويل): ولما ادعيت الحب قالت كذبتني فما لي أرى الاعضاء منك كواسيا فما الحب حتى يلصق القلب الحشا وتذهل حتى لا تجيب المناديا
(٢) الادب هو حسن تناول الامور والتلطف فيها.
(٣) منشطه: أي نشاطه.
(٤) سورة آل عمران آية «٣١» .
[ ٢ / ٥٦ ]
٢- وَإِيثَارُ مَا شَرَعَهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ وَمُوَافَقَةِ شَهْوَتِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ «١» مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» «٢» .
٣- وإسخاط العباد في رضا الله تعالى.
قَالَ أَنَسُ «٣» بْنُ مَالِكٍ ﵁ «٤»: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ» .. ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي.. وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» . فَمَنِ اتَّصَفَ لهذه الصفة فهو كامل المحبة لله وَمَنْ خَالَفَهَا فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَهُوَ نَاقِصُ الْمُحَبَّةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنِ اسْمِهَا.
وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ «٥»: لِلَّذِي «٦» حَدَّهُ في الخمر فلعنه بعضهم «٧»
_________________
(١) جعل الايمان كالدار يتبوأ فيه وذلك لتمكنهم منه واستيطانهم فيه.
(٢) الخصاصة: الحاجة والفاقة سورة الحشر اية «٩» .
(٣) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١»
(٤) رواه الترمذي.
(٥) في حديث رواه البخاري عن عمر ﵁.
(٦) قيل هو عبد الله الملقب (بحمار) . وقيل هو ابن نعيمان او نعيمان نفسه بن عمرو بن رفاعة البدري الذي حد في الخمر مرارا وهو صاحب الدعابة والذي كان ﷺ يضحك منه توفي في زمن معاوية.
(٧) هو عمر بن الخطاب على ما رواه البيهقي.
[ ٢ / ٥٧ ]
وَقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ!! .. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١»» .
٤- وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ كَثْرَةُ ذِكْرِهِ له «٢» .. فمن أحب شيئا أكثر من ذِكْرَهُ..
٥- وَمِنْهَا كَثْرَةُ شَوْقِهِ إِلَى لِقَائِهِ.. فَكُلُّ حَبِيبٍ يُحِبُّ لِقَاءَ حَبِيبِهِ «٣» .
وَفِي حَدِيثِ الْأَشْعَرِيِّينَ «٤» عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْمَدِينَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ (غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةْ مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ) وَتَقَدَّمَ قَوْلُ بِلَالٍ «٥» .
ومثله قال عمار «٦» قبل قتله «٧» ..
_________________
(١) فيه دليل على أن المسلم وان ارتكب الكبائر لا يجوز لعنه. وفيه أن محبة الله ورسوله من أعظم المنجيات.. وفيه رد على المعتزلة في أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار
(٢) ومنه يعلم فضل المحدثين وأهل الحديث لكثرة ذكرهم له ﷺ في علمهم.
(٣) وعلى هذا قول ابن رواحة ان كان يحلو لديك ظلمي فزد من الهجر في عذابي عسى يطيل الوقوف بيني وبينك الله في الحساب
(٤) يعني ابا موسى الاشعري واصحابه المنسوبين الى أشعر أبو قبيلة باليمن وكانوا قدموا على النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة.. وكان ﷺ قال لاصحابه (يقدم عليكم قوم أرق قلوبا منكم) فقدم الاشعريون.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٢» رقم «٦»
(٦) عمار بن ياسر تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٥٩» رقم «١٠»
(٧) قتله أهل الشام اذ كان يقاتل مع علي بصفين. وكان مقتله سنة ست وثلاثين فيما رواه ابن سلمة قال: كأني انظر الى عمار يوم صفين وقد استسقى.. فأتته امرأة بشربة من لبن فشربها ثم قال: اليوم القى الاحبه.. ان رسول الله ﷺ عهد إلي أن آخر شربة اشربها من الدنيا شربة لبن.. ثم قاتل حتى قتل.. ﵁.
[ ٢ / ٥٨ ]
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قِصَّةِ خَالِدِ «١» بْنِ مَعْدَانَ.
٦- وَمِنْ عَلَامَاتِهِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ تَعْظِيمُهُ لَهُ وَتَوْقِيرُهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَإِظْهَارُ الْخُشُوعِ وَالِانْكِسَارِ مَعَ سماع اسمه.
وقال إسحق «٢» التُّجِيبِيُّ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ لَا يَذْكُرُونَهُ إِلَّا خَشَعُوا وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ وَبَكَوْا.. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَحَبَّةً لَهُ وَشَوْقًا إِلَيْهِ.. وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ تَهَيُّبًا وَتَوْقِيرًا.
٧- وَمِنْهَا مَحَبَّتُهُ لِمَنْ أَحَبَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَمَنْ هُوَ بِسَبَبِهِ مِنْ آلِ بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ «٣» مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.. وَعَدَاوَةُ مَنْ عَادَاهُمْ وَبُغْضُ مَنْ أَبْغَضَهُمْ وَسَبَّهُمْ.. فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ من يحب..
وقد قال ﷺ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ «٤»: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا» وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْحَسَنِ «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» .
_________________
(١) خالد بن معدان مر ذكره وذكر قصته حين يأوي الى فراشه في ج ٢ ص «٥٠»
(٢) امام المحدثين أبو ابراهيم اسحق بن ابراهيم النجيبي توفي في ذي القعدة سنه اثنين وخمسين وثلاثمئة. وهو منسوب لقبيلة من كندة تدعى تجيب.
(٣) الصحابي: هو كل من لقي النبي ﷺ مسلما ومات على ذلك.. والصحابة لا يحصون كثرة.. وقيل ان الرسول ﷺ قبض وعدد الصحابة مئة واربعة وعشرين الفا.
(٤) رواه البخاري.
[ ٢ / ٥٩ ]
وَقَالَ: «مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي. وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ.
وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ.»
وَقَالَ «١»: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي.. لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا «٢» بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني.. ومن آذاني فَقَدْ آذَى اللَّهَ.. وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ «٣»» .
وَقَالَ «٤» فِي فَاطِمَةَ «٥» ﵂: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي، يُغْضِبُنِي مَا أَغْضَبَهَا» .
وَقَالَ «٦» لِعَائِشَةَ «٧» فِي أُسَامَةَ «٨» بْنِ زَيْدٍ: «أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ.»
وَقَالَ «٩»: «آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُهُمْ» .
وَفِي حَدِيثِ «١٠» ابْنِ عُمَرَ: ١»
«من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن
_________________
(١) فيما رواه الترمذي.
(٢) الغرض: هو الهدف الذي ترمي اليه السهام.
(٣) ولذا ذهب بعض المالكية كما سيأتي الى قتل من سبهم لانه كسبه ﷺ
(٤) في حديث رواه البحاري وغيره.
(٥) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «٦٣» رقم «١٢»
(٦) في حديث رواه الترمذي عن عائشة وحسنه.
(٧) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٧» رقم «٥»
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤١٢» رقم «٣»
(٩) فيما رواه الشيخان.
(١٠) أخرجه البيهقي في دلائله.
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١»
[ ٢ / ٦٠ ]
أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ «فَبِالْحَقِيقَةِ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ كُلَّ شَيْءٍ يُحِبُّهُ، وَهَذِهِ سِيرَةُ السَّلَفِ حَتَّى فِي الْمُبَاحَاتِ وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ.
وَقَدْ قَالَ أَنَسٌ «١» حِينَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ «٢» مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ «٣» .. «فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ «٤»» .
وَهَذَا الْحَسَنُ بْنُ «٥» عَلِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ «٦» بْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ «٧» جَعْفَرٍ أَتَوْا سَلْمَى «٨» وَسَأَلُوهَا أَنْ تَصْنَعَ لَهُمْ طعاما مما كان يعجب رسول
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١»
(٢) الدباء: بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة والمد والهمزة في اخره للالحاق والواحدة دباء وهو اليقطين او القرع والدباء نوح خاص منه مستدير.
(٣) السنة في الطعام أن يأكل الانسان مما يليه. الا في الفاكهة فله ان يتخير (وفاكهة مما يتخيرون) والا في الدباء. وكان الذي دعا الرسول ﷺ الى طعام الدباء خباط. وقال ابن حجر: ولم اقف على اسمه.
(٤) هذا الحديث اخرجه الشيخان. وروي عن أنس أنه ما صنع له طعاما ويوجد الدباء ألا وقد جعل فيه. وقد روي في مجلس أبي يوسف انه ﵊ كان يحب الدباء.. فقال رجل: أنا لا أحب الدباء. فسل السيف وقال: جدد الاسلام وإلا قتلتك.. نظرا إلى ظاهر معارضته له ﵊.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩٢» رقم «٢»
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦»
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٠» رقم «٨»
(٨) سلمى: خادمته ﷺ ومولاة عمته صفية زوجة أبي رافع قابلة ابنه ابراهيم، وداية ابنته فاطمة وغاسلتها مع أسماء بنت عميس.. قال الحلبي: في الصحابياب وسلمى غير هذه خمس عشرة امرأة. وأنما يدل على انها المراد هنا.. ما اخرجه الترمذي في الشمائل بسنده عنها أنهم أتوها
[ ٢ / ٦١ ]
اللَّهِ ﷺ «١» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ «٢» يَلْبَسُ النِّعَالَ «٣» السَّبْتِيَّةَ «٤» وَيَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ «٥» إِذْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ نَحْوَ ذَلِكَ.
٦- وَمِنْهَا بُغْضُ مَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُ وَمُجَانَبَةُ مَنْ خَالَفَ سُنَّتَهُ وَابْتَدَعَ فِي دِينِهِ، وَاسْتِثْقَالَهُ كُلَّ أَمْرٍ «٦» يخالف شريعته
قال تَعَالَى: «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..» «٧»
وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ ﷺ قَدْ قَتَلُوا «٨» أَحِبَّاءَهُمْ وَقَاتَلُوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ «٩» ..
_________________
(١) وتتمة الحديث (فقالت: يا بني لا تشتهيه اليوم. فقالوا بل اصنعيه لنا، فقامت وطبخت شيئا من شعير وجعلته في قدر وصبت عليه شيئا من زيت وفلفل وتوابل وقربته إليهم) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٨٢» رقم «١»
(٣) الحديث رواه الشيخان.
(٤) السبتية: بكسر السين المهملة وسكون الموحدة وتاء مثناة فوقية وياء نسبة الى السبت وهو جلد البقر دبغ بالقرظ وازيل شعره من سبته اذا قطعه لازالة شعره.
(٥) نقل عن مالك جواز ليس ما صبغ بالزعفران وفيه أحاديث كثيرة صحيحة اما ما ورد من النهي عنه ففي الحج وعممه بعضهم.
(٦) وفي نسخة (واستثقال كل من يخالف شريعته) .
(٧) سورة المجادلة آ «٢٢»
(٨) وروي (قلوا) أي أبغضوا.
(٩) أبو عبيدة بن الجراح قتل والده في بدر وعمر قتل خاله العاص. ومصعب بن عمير قتل أخاه.. وغيرهم.
[ ٢ / ٦٢ ]
وَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ «١» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: «لَوْ شِئْتَ لَأَتَيْتُكَ بِرَأْسِهِ» - يَعْنِي أَبَاهُ «٢» -
٨- وَمِنْهَا أَنْ يُحِبَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أَتَى بِهِ ﷺ وَهَدَى بِهِ وَاهْتَدَى وَتَخَلَّقَ بِهِ..
حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ «٣» ﵂: «كَانَ خَلْقُهُ الْقُرْآنُ «٤»» .
- وَحُبُّهُ لِلْقُرْآنِ تِلَاوَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَتَفَهُّمُهُ وَيُحِبُّ سُنَّتَهُ وَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهَا.
قَالَ سَهْلُ «٥» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ: «حُبُّ الْقُرْآنِ.. وَعَلَامَةُ حُبِّ الْقُرْآنِ حُبُّ النَّبِيِّ ﷺ،.. وَعَلَامَةُ حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ حُبُّ السُّنَّةِ.. وَعَلَامَةُ حُبِّ السُّنَّةِ حُبُّ الْآخِرَةِ.. وَعَلَامَةُ حُبِّ الْآخِرَةِ بُغْضُ الدُّنْيَا.. وَعَلَامَةُ بُغْضِ الدنيا ألا يدّخر منها إلا زادا «٦»
_________________
(١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: الابن من الصحابة المخلصين والوالد كان زعيم المنافقين
(٢) رواه البخاري.. والقصة جرت في أعقاب غزوة بني المصطلق لما تكلم عبد الله بن أبي وقال (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الاذل) .. ونقل زيد بن أرقم الخبر إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعلم عبد الله ولده فقال للرسول ﷺ لو شئت اتيتك برأسه.. والقصة في السير مطولة
(٣) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٦» «٥»
(٤) في تفسير قوله تعالى (وانك لعلى خلق عظيم) سوره القلم آية «٤»
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٦»
(٦) كما قال ابو العتاهية: (يكفيك مما تبتغيه القوت ما أكثر القوت لمن يموت) ..
[ ٢ / ٦٣ ]
وَبُلْغَةً إِلَى الْآخِرَةِ» وَقَالَ «١» ابْنُ مَسْعُودٍ «٢»: «لَا يَسْأَلُ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ إِلَّا الْقُرْآنَ فَإِنْ كَانَ يُحِبُّ الْقُرْآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .
وَمِنْ عَلَامَاتِ حُبِّهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ:
٩- شَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ وَنُصْحُهُ لَهُمْ وَسَعْيُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ وَرَفْعُ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ، كَمَا كَانَ ﷺ عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رَحِيمًا..
وَمِنْ عَلَامَةِ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ:
١٠- زُهْدُ مُدَّعِيهَا في الدنيا وإيثاره الفقر واتصافه به «٣» .
وقد قال ﷺ «٤» لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «٥»: «إِنَّ الْفَقْرَ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ «٦» مِنْ أَعْلَى الْوَادِي «٧» - أَوِ الْجَبَلِ إِلَى أَسْفَلِهِ»
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «٨» . قَالَ رَجُلٌ»
لِلنَّبِيِّ ﷺ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ.. فَقَالَ: انْظُرْ مَا تَقُولُ.. قَالَ:
_________________
(١) وفي نسخه (وعن) .. والحديث رواه البيهقي في الأدب وابن الضريس في فضل القرآن.
(٢) ابن مسعود تقدمت ترحمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢»
(٣) وسئل الزهري عن الزهد فقال: «هو أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره» .
(٤) هذا بعض من الحديث الذي بعده وقد رواه الترمذوي حسنه.
(٥) ابو سعيد الخدري مر ذكره أنفا.
(٦) اذا انحدر ونزل
(٧) الوادي: وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء من ودى بمعنى سال ويسمى لفرجة بين جبلين واديا ويستعار للطريقة والمذهب كما قال تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) لسرعة افتقارهم
(٨) عبد الله بن مغفل: بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة ولام وهو صحابي مزني من اصحاب الشجرة.. روى عنه الحسن البصري وغيره وتوفي بالبصرة سنة ستين.. قال الحسن رحمه الله تعالى: «ما نزل البصرة أشرف منه» .
(٩) لم يذكر اسمه.
[ ٢ / ٦٤ ]
وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا «١» ثُمَّ ذَكَرَ نحو حديث «٢» أبي سعيد «٣» بمعناه.
_________________
(١) تجفافا: بكسر المثناة الفوقية وسكون الجيم وفائين بينهما ألف وتاء مزيدة من جف إذا يبس وهو شيء يوضع على الخيل ليقيها أذى الحرب. أي أعد للفقر وقاية لأن النفوس لا تتحمله وروي (جلبابا) بدل تجفافا.
(٢) يعني قوله في الحديث السابق: «ان الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «١»
[ ٢ / ٦٥ ]
الفصل الخامس مَعْنَى الْمَحَبَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَحَقِيقَتِهَا
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَكَثُرَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَتْ تَرْجِعُ بِالْحَقِيقَةِ «١» إِلَى اخْتِلَافِ مَقَالٍ، وَلَكِنَّهَا اخْتِلَافُ أَحْوَالٍ «٢» .
فَقَالَ سُفْيَانُ «٣»: «الْمَحَبَّةُ اتِّبَاعُ الرَّسُولِ ﷺ» .. كَأَنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي» «٤» الْآيَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «مَحَبَّةُ الرَّسُولِ اعْتِقَادُ نُصْرَتِهِ وَالذَّبُّ «٥» عَنْ سُنَّتِهِ، وَالِانْقِيَادُ لَهَا، وَهَيْبَةُ مُخَالَفَتِهِ» .
_________________
(١) وفي نسخة (في الحقيقة)
(٢) كما قال القائل: عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير
(٣) سفيان: يحتمل ان يكون الثوري او ابن عبينه.. والاول أقرب لطول باعه في علوم القوم والعلوم الظاهرة أيضا فانه كان مجتهدا وصاحب مذهب مستقل.
(٤) «يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» سورة آل عمران آية «٣١» .
(٥) الذب: بالمعجمة: المنع والطرد
[ ٢ / ٦٦ ]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «الْمَحَبَّةُ دَوَامُ الذِّكْرِ لِلْمَحْبُوبِ» .
وَقَالَ آخَرُ: «إِيثَارُ الْمَحْبُوبِ» .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «الْمَحَبَّةُ الشَّوْقُ إِلَى الْمَحْبُوبِ» .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «الْمَحَبَّةُ مُوَاطَأَةُ «١» الْقَلْبِ لِمُرَادِ الرَّبِّ يُحِبُّ مَا أَحَبَّ «٢» وَيَكْرَهُ مَا كَرِهَ «٣»» .
وَقَالَ آخَرُ: «الْمَحَبَّةُ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَى مُوَافِقٍ لَهُ» .
وَأَكْثَرُ الْعِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى ثَمَرَاتِ الْمَحَبَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا وَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إِلَى مَا يُوَافِقُ الْإِنْسَانَ وَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لَهُ إما لا ستلذاذه بِإِدْرَاكِهِ كَحُبِّ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَصْوَاتِ الْحَسَنَةِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ اللَّذِيذَةِ وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ مائل إليها لموافقتها له ولاستلذاذه بِإِدْرَاكِهِ بِحَاسَّةِ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ مَعَانِيَ بَاطِنَةً شَرِيفَةً كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف. والمأثور عَنْهُمُ السِّيَرُ الْجَمِيلَةُ وَالْأَفْعَالُ الْحَسَنَةُ.. فَإِنَّ طَبْعَ الإنسان مائل إلى الشغف «٤» بأمثال
_________________
(١) مواطأة: بضم الميم وطاء مهملة تليها همزة ومعناها الموافقة وأصله أن يطأ الرجل برجله موطىء مصاحبه قال الله تعالى «ليواطؤوا عدة ما حرم الله» سورة التوبة آية «٣٨» أي موافقة القلب.
(٢) وفي نسخة (ما يحب) .
(٣) وفي نسخة ما يكره.
(٤) من شغفه الحب أي وصل الى شغاف قلبه وهو الغلاف المحيط بالقلب.
[ ٢ / ٦٧ ]
هَؤُلَاءِ حَتَّى يَبْلُغَ التَّعَصُّبُ بِقَوْمٍ لِقَوْمٍ. وَالتَّشَيُّعُ مِنْ أُمَّةٍ فِي آخَرِينَ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْجَلَاءِ عَنِ الْأَوْطَانِ، وَهَتْكِ «١» الْحُرَمِ، وَاخْتِرَامِ «٢» النُّفُوسِ.. أَوْ يَكُونُ حُبُّهُ إِيَّاهُ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ مِنْ جِهَةِ إِحْسَانِهِ لَهُ، وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ.. فَقَدْ جُبِلَتِ «٣» النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا «٤» .. فَإِذَا تقرر لك هذا نظرت لهذه الْأَسْبَابَ كُلَّهَا فِي حَقِّهِ ﷺ فَعَلِمْتَ أَنَّهُ ﷺ جَامِعٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَحَبَّةِ.
أَمَّا جَمَالُ الصُّورَةِ وَالظَّاهِرِ، وَكَمَالُ الْأَخْلَاقِ وَالْبَاطِنِ، فَقَدْ قررنا منها قبل فيما مر من الْكِتَابِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ..
وَأَمَّا إِحْسَانُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَى أُمَّتِهِ فَكَذَلِكَ قَدْ مَرَّ مِنْهُ فِي أَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ، وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِنْقَاذِهِمْ بِهِ مِنَ النَّارِ، «وَأَنَّهُ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» «٥» ..
و«رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٦»، «وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَداعِيًا «٧» إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ» «٨»،
_________________
(١) هتك الحرم: الهتك هو كشف الستر وتمزيقه.
(٢) الاخترام: هو استئصال الشيء وقطعه.
(٣) جبلت: طبعت وخلقت.
(٤) رواه ابن عدي وأبو نعيم في الحلية والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وصححه وورد في الدعاء: «اللهم لا تجعل لفاجر علي يدا فيحبه قلبي..» .
(٥) في قوله تعالى: «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» سورة التوبة آية «١٢٨»
(٦) في قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» سورة الأنبياء آية «١٠٧»
(٧) والنصب على تقدير كونه مبشرا ونذيرا وداعيا أو حكاية عن الاية الكريمة.
(٨) في قوله تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» سورة الاحزاب اية «٤٥- ٤٦» .
[ ٢ / ٦٨ ]
«يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» «١»، «وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» «٢» ..
فَأَيُّ إِحْسَانٍ أَجَلُّ قَدْرًا، وَأَعْظَمُ خَطَرًا «٣»، مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ!! وَأَيُّ إِفْضَالٍ أَعَمُّ مَنْفَعَةً وَأَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ إنعامه إلى كَافَّةِ «٤» الْمُسْلِمِينَ!!. إِذْ كَانَ ذَرِيعَتَهُمْ «٥» إِلَى الْهِدَايَةِ، وَمُنْقِذَهُمْ مِنَ الْعَمَايَةِ «٦»، وَدَاعِيَهَمْ إِلَى الْفَلَاحِ وَالْكَرَامَةِ، وَوَسِيلَتَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، وَشَفِيعَهُمْ، وَالْمُتَكَلِّمَ عَنْهُمْ، وَالشَّاهِدَ لَهُمْ، وَالْمُوجِبَ لَهُمُ الْبَقَاءَ الدَّائِمَ وَالنَّعِيمَ السَّرْمَدَ «٧» .
فَقَدِ اسْتَبَانَ لَكَ أَنَّهُ ﷺ مُسْتَوْجِبٌ لِلْمَحَبَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ شَرْعًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ صَحِيحِ الْآثَارِ، وَعَادَةً وَجِبِلَّةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ آنفا «٨» لإفاضة الإحسان وعموم الإجمال «٩» .
_________________
(١) في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» سورة الجمعة اية «٢»
(٢) «يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» سورة المائدة اية «١٦»
(٣) خطرا: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة أي قدرا او شرفا.
(٤) كافة تلزم التنكير والنصب على الحالية واستعمالها على خلاف ذلك خطأ وسمع عن بعضهم خلاف ذلك.
(٥) ذريعتهم: وسيلتهم
(٦) العماية: بفتح العين المهملة وهي الغواية والجهالة.
(٧) السرمد: أي المستمر الذي لا نهاية له.
(٨) آنفا اي قريبا وهو منصوب على الظرفية. وهو من أنف أي تقدم. ومنه الأنف لأنه مقدم في الوجه.
(٩) الاجمال: أي تعميم الجميل منه لكل أحد.
[ ٢ / ٦٩ ]
فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يُحِبُّ مَنْ مَنَحَهُ فِي دُنْيَاهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ مَعْرُوفًا أَوِ اسْتَنْقَذَهُ مِنْ هَلَكَةٍ «١» . أَوْ مَضَرَّةٍ «٢» مُدَّةُ، التَّأَذِّي بِهَا قَلِيلٌ مُنْقَطِعٌ.. فَمَنْ مَنَحَهُ مَا لَا يَبِيدُ مِنَ النَّعِيمِ وَوَقَاهُ مَا لَا يَفْنَى مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ أَوْلَى بِالْحُبِّ، وَإِذَا كَانَ يُحَبُّ بِالطَّبْعِ مَلِكٌ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ، أَوْ حَاكِمٌ لِمَا يُؤْثَرُ مِنْ قِوَامِ طَرِيقَتِهِ، أَوْ قَاصٌّ بَعِيدُ الدار لما يشار مِنْ عِلْمِهِ أَوْ كَرَمِ شِيمَتِهِ، فَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ عَلَى غَايَةِ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ أَحَقُّ بِالْحُبِّ وَأَوْلَى بِالْمَيْلِ.
وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ»
﵁ فِي صِفَتِهِ «٤» ﷺ مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ.. وَمَنْ خَالَطَهُ معرفة أحبه وذكر عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ «٥» أَنَّهُ كَانَ لَا يَصْرِفُ بصره عنه محبّة فيه..
_________________
(١) هلكة: بفتح الهاء واللام: أي أمر مهلك.
(٢) مضرة: بفتح الميم والضاد أمر يضره ويؤذيه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤١» رقم «٤»
(٤) في حديث الحلية وقد مر ذكره.
(٥) وهو ثوبان ﵁ وهو مولى النبي ﷺ وقد مرت ترجمته في ج ١ ص «٤٠٣» رقم «٧»
[ ٢ / ٧٠ ]
الفصل السّادس وُجُوبِ مُنَاصَحَتِهِ ﷺ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «١» .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: «إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» .. إِذَا كَانُوا مُخْلِصِينَ مُسْلِمِينَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ..
عَنْ تَمِيمٍ «٢» الدَّارِيِّ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إن الدين «٣»
_________________
(١) سورة التوبة آية «٩٢» .
(٢) تميم الداري: نسبة الى جده الدار ويقال له الديري أيضا نسبة الى دير كان يتعبد به قبل الاسلام. أسلم سنة تسع من الهجرة وكان نصرانيا قبل ذلك وتوفي سنة أربعين ومن مناقبة الفخام أنه ﵊ روى عنه حديث الجساسة على المنبر كما في آخر صحيح مسلم، وفيها رواية الفاضل عن المفضول والمتبوع عن التابع وقبول خبر الواحد وذكر الدارقطني انه روى عن الشيخين وروى أيضا عن محرز كما في الصحيح وعن امرأة كما في المسند. وروي عنه في السنن ومسند أحمد.
(٣) وفي رواية: «انما الدين النصيحة» .
[ ٢ / ٧١ ]
النصحية، إِنَّ الدِّينَ «١» النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ.. قَالُوا:
لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.»
قَالَ أَئِمَّتُنَا «٢»: «النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَاجِبَةٌ «٣»» .
قَالَ الإمام أبو «٤» سُلَيْمَانُ الْبُسْتِيُّ: «النَّصِيحَةُ» كَلِمَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ إِرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَحْصُرُهَا.. وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ «الْإِخْلَاصُ» مِنْ قَوْلِهِمْ (نَصَحْتُ الْعَسَلَ) إِذَا خَلَّصْتُهُ مِنْ شَمْعِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بن اسحق «٥» الخفّاف: «النصح» فعل الشيء
_________________
(١) قد ساق المصنف هذا الحديث بسند أبي داود. وقد اخرجه ابو داود في الادب ولفظه (الدين النصيحة) من غير تكرار، وأخرجه مسلم في الايمان بنحوه وليس فيه تكرار ولفظه (الدين النصيحة) بغير (ان) وأخرجه النسائي في البيعة ولفظه في الطريق الاول (أن الدين النصيحة) من غير تكرار. وفي نسخة (انما الدين النصيحة) مرة.
(٢) أي من المالكية لان المؤلف مالكي المذهب.
(٣) أي فرض عين على كل مكاف.. ونقل النووي انها فرض كفاية.
(٤) أبو سليمان البستي: نسبة الى بلدة بسجستان. وهو أبو سليمان بن محمد بن ابراهيم ابن خطاب المعروف بالخطابي الامام المشهور.. واختلف في اسمه فقيل: أحمد وقيل حمد توفي ببست في ربيع الاول سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة.
(٥) ابو بكر بن اسحق الخفاف: هو امام من أئمة اللغة ترجمته مذكورة في التاريخ وفي نسخة (ابن اسحق) وهو ابو بكر احمد بن عمر بن يوسف الشافعي. وهو صاحب كتاب الخصال في مذهب الشافعية كما قاله الرافعي.
[ ٢ / ٧٢ ]
الَّذِي بِهِ الصَّلَاحُ وَالْمُلَاءَمَةُ مَأْخُوذٌ مِنَ «النِّصَاحِ» «١»: وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُخَاطُ بِهِ الثَّوْبُ.
وَقَالَ أبو إسحق «٢» الزَّجَّاجُ نَحْوَهُ..
١- فَنَصِيحَةُ اللَّهِ تَعَالَى صِحَّةُ الِاعْتِقَادِ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَوَصْفُهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ.. وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ.. وَالرَّغْبَةُ فِي مَحَابِّهِ «٣»، وَالْبُعْدُ مِنْ مَسَاخِطِهِ، وَالْإِخْلَاصُ فِي عِبَادَتِهِ..
٢- وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ الْإِيمَانُ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهِ وَتَحْسِينُ تلاوته.. والتخشع عنده.. والتعظم لَهُ، وَتَفَهُّمُهُ، وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ..
وَالذَّبُّ عَنْهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْغَالِينَ «٤» .. وَطَعْنِ الْمُلْحِدِينَ.
٣- وَالنَّصِيحَةُ لِرَسُولِهِ، التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ، وَبِذْلُ الطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ ونهى عنه..
قال أبو سليمان «٥» وقال أبو بكر «٦» وموازرته «٧» ونصرته
_________________
(١) النصاح: بكسر النون وتخفيف الصاد.
(٢) أبو اسحق الزجاج: امام العربية والتفسير تلميذ المبرد وشيخ أبي علي الفارسي وهو ابراهيم بن سهل الزجاج منسوب لعمل الزجاج لانه كان حرفته، توفي في جمادى الاخرة من سنة احدى عشرة وثلاثمئة وقد أناف على الثمانين.
(٣) محابه: بفتح الميم جمع محب اسم مفعول أحب بمعنى محبوب أي يرغب في كل ما يحبه ويرضاه.
(٤) الغالين: بالغين المعجمة من الغلو أي المجاوزين عن الحد.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٤» رقم «٦»
(٦) ابو بكر هو ابن أبي اسحق الخفاف الذي مر ذكره. وهو الظاهر الذي ذكره الثقات.
(٧) موازرته: بواو مفتوحة أو همزة من الازر وهو القوة أن من الوزر وهو الملجأ أي معاضدته ومعاونته.
[ ٢ / ٧٣ ]
وَحِمَايَتُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ بِالطَّلَبِ، وَالذَّبِّ عَنْهَا وَنَشْرِهَا، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِ الْكَرِيمَةِ، وَآدَابِهِ الْجَمِيلَةِ.
وقال أبو إبراهيم إسحق «١» النجيبي: «نَصِيحَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التصديق بما جاء به والاعتصام بسنتا وَنَشَرِهَا وَالْحَضُّ عَلَيْهَا، وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى كِتَابِهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، وَإِلَيْهَا. وَإِلَى الْعَمَلِ بِهَا» .
قال أَحْمَدُ «٢» بْنُ مُحَمَّدٍ: «مِنْ مَفْرُوضَاتِ الْقُلُوبِ اعْتِقَادُ النَّصِيحَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ «٣» وَغَيْرُهُ «النُّصْحُ لَهُ يَقْتَضِي نُصْحَيْنِ.
نُصْحًا فِي حَيَاتِهِ. وَنُصْحًا بَعْدَ مماته.
أ- فَفِي حَيَاتِهِ.. نُصْحُ أَصْحَابِهِ لَهُ بِالنَّصْرِ، وَالْمُحَامَاةِ عَنْهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ.. وَبَذْلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ دُونَهُ.. كَمَا قَالَ تَعَالَى «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ» «٤» الاية.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٩» رقم «٢»
(٢) هو الامام المشهور أحمد بن حنبل. تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١»
(٣) أبو بكر الاجري تقدم ذكره.
(٤) سورة الاحزاب آية «٢٣» وهذه الاية كما في الصحيحين نزلت في أنس بن النضر وكان شق عليه انه لم يحضر بدرا وقال: «اول مشهد من مشاهد رسول الله ﷺ غبت عنه لئن أراني الله تعالى مشهدا بعده ليرى الله ما أصنع.» فلما كان من العام المقبل وقعة أحد استقبله سعد بن مالك فقال له: يا أبا محمد الى أين؟ قال: «واها لريح الجنة اجدها دون أحد» فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه. ووجد فيه بضعا وثمانين ما بين طعنة وضربه..
[ ٢ / ٧٤ ]
وقال: «وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» «١» الاية.
ب- وَأَمَّا نَصِيحَةُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَالْتِزَامُ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ، وَشِدَّةُ الْمَحَبَّةِ لَهُ، وَالْمُثَابَرَةُ عَلَى تَعَلُّمِ سُنَّتِهِ، وَالتَّفَقُّهُ فِي شَرِيعَتِهِ، وَمَحَبَّةُ آلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمُجَانَبَةُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ وَانْحَرَفَ عَنْهَا، وَبُغْضُهُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُ وَالشَّفَقَةُ عَلَى أُمَّتِهِ، وَالْبَحْثُ عَنْ تَعَرُّفِ أَخْلَاقِهِ وَسِيَرِهِ وَآدَابِهِ.. وَالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ.
فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ، تَكُونُ النَّصِيحَةُ إِحْدَى ثَمَرَاتِ الْمَحَبَّةِ، وَعَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِهَا كما قدمناه..
وَحَكَى الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ «٢» الْقُشَيْرِيُّ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ «٣» أَحَدَ مُلُوكِ خُرَاسَانَ وَمَشَاهِيرِ الثُّوَّارِ المعروف بالصفّار «٤» رؤي في
_________________
(١) سورة الحشر اية «٨» نزلت في المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم ابتغاء رضوان الله.
(٢) ابو القاسم القشيري: عبد الملك بن هوازن بن عبد الملك النيسابوري صاحب الرسالة وشيخ الطريقة فريد دهره علما وعملا وعمدة اهل السنة وفقهاء الشافعية الجامع بين الشريعة والحقيقة، توفي سنة خمس وستين وأربع مئة وعمره تسع وثمانون سنة.
(٣) عمرو الليث: هو اخو يعقوب الصفار، وكان يعقوب هذا كما قال المسعودي في خلافة المعتضد بالله صفارا فتغلب وصار له جيوش عظيمة فنسلطن ثم توفي سنة خمس وستين ومتين، وخلف اموالا كثيرة خلفه عليها اخوه عمرو المذكور.. والصفار الذي يصنع اوان من النحاس.
(٤) الصفار: تشديد الفاء أي منسوب لعمل الصفر وهو نوع من النحاس تعمل منه الاواني.
[ ٢ / ٧٥ ]
النَّوْمِ «١»، فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟!. فَقَالَ: غَفَرَ لِي فَقِيلَ:
بِمَاذَا؟ .. قَالَ: صَعِدْتُ «٢» ذُرْوَةَ جَبَلٍ يَوْمًا فَأَشْرَفْتُ عَلَى جُنُودِي فَأَعْجَبَتْنِي كَثْرَتُهُمْ فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعَنْتُهُ وَنَصَرْتُهُ.. فَشَكَرَ اللَّهُ لِي ذَلِكَ وَغَفَرَ لِي.
٤- وَأَمَّا النُّصْحُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَطَاعَتُهُمْ فِي الْحَقِّ وَمَعُونَتُهُمْ فِيهِ وَأَمْرُهُمْ بِهِ، وَتَذْكِيرُهُمْ إِيَّاهُ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَتَنْبِيهُهُمْ على ما غفلوا عنه وكتم عنه مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ وَتَضْرِيبِ «٣» النَّاسِ وَإِفْسَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمْ..
٥- وَالنُّصْحُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، إِرْشَادُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ، وَمَعُونَتُهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَتَنْبِيهُ غَافِلِهِمْ، وَتَبْصِيرُ جَاهِلِهِمْ، وَرَفْدُ «٤» مُحْتَاجِهِمْ، وَسَتْرُ عَوْرَاتِهِمْ، وَدَفْعُ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ، وجلب المنافع إليهم..
_________________
(١) وفي نسخة في المنام.
(٢) بكسر العين في الماضي وبفتحها في المضارع أي ارتقيت وعلوت.
(٣) تضريب: بمثناة فوقية مفتوحة وسكون الضاد المعجمة وكسر الراء المهملة ومثناة ساكنة وموحدة تحتيتين مجرد رأي ترك تضريبهم وهو اغراؤهم وتحريكهم عليهم يقال ضربه اذا أغراه.
(٤) رفد: بفتح الراء المهملة أي أعاننه ويجوز كسرها فان الرفد بمعنى العطاء والصلة وكل شيء عروته وجعلت له عونا فقد رفدته ومنه الرفادة التي كانت لقريش في الجاهلية.
[ ٢ / ٧٦ ]
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبرّه وفيه سبعة فصول
[ ٢ / ٧٧ ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ
قَالَ الله تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ» «١» .
وقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» «٢» و«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» الثلاث آيات.
وَقَالَ تَعَالَى: «لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا»»
فأوجب تعالى تعزيره وتوقيره.. وألزم إكرامه وتعظيمه
_________________
(١) الفتح آية ٧ و٨ هكذا الاية في أكثر النسخ وليس موافقا للتلاوة لأن آية الاحزاب المصدرة بيا أيها النبي ليس فيها لتؤمنوا الخ، والتي في الفتح (انا أرسلناك دون يا أيّها النبي.. وكأن المصنف بدا باية الاحزاب وثنى باية الفتح وسقط الفاصل بينهما
(٢) الحجرات آية «١» .
(٣) النور آية «٦٣» .
[ ٢ / ٧٩ ]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «١»: «تُعَزِّرُوهُ» تُجِلُّوهُ.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ «٢»: «تُعَزِّرُوهُ» تُبَالِغُوا فِي تَعْظِيمِهِ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ «٣»: تَنْصُرُونَهُ.
وقال الطبري «٤»: تعينونه. وقرىء «٥»: «تعزّزوه» بزائين مِنَ الْعِزِّ وَنُهِيَ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْقَوْلِ وَسُوءِ الْأَدَبِ بِسَبْقِهِ بِالْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ ابن عباس «١» وغيره وهو اختيار ثعلب «٦» .
_________________
(١) ابن عباس تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٧١» رقم «٧»
(٣) الأخافشة ثلاثة اصغر وهو ابو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف بالاخفش (الصغير) النحوي كان عالما. روى عن المبرد وثعلب وغيرهما، وروى عنه الحريري وغيره، وهو ثقة توفي في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمئة فجاة ببغداد. وأما (الاوسط) فهو ابو الحسن سعيد بن مسعده المجاشعي بالولاء النحوي البلخي المعروف بالاخفش النحوي أحد نحاة البصرة من أئمة العربية واخذ النحو عن سيبويه وكان أكبر منه وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئا الا وعرضه علي- رحمه الله تعالى- وكان يرى انه اعلم به مني وأنا اليوم أعلم به منه. وهذا الذي زاد في العروض بحر الخبب، وله تصانيف كثيرة منها (الاوسط) في النحو. وتفسير معاني القرآن. وغير ذلك، توفي سنة خمس عشرة ومائتين أما الاكبر فهو عبد الحميد بن حميد من أهل هجر من مواليهم وكان نحويا لغويا وله ألفاظ لغوية انفرد بنقلها، وأخذ عن سيبويه وأبي عبيدة. ومعنى الاخفش هو الصغير العين مع سوء بصره.. ومراد القاضي هو الاوسط.
(٤) محمد بن جرير الطبري تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٥) في الشواذ.
(٦) ثعلب: هو العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس أحمد بن يزيد الشيبانى مولاهم البغدادي المقدم في النحو على طريقة الكوفيين مولده سنة مئتين توفي سنة احدى وتسعين ومئتين.
[ ٢ / ٨٠ ]
قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «١»: لَا تَقُولُوا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ.. وَإِذَا قَالَ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأنصتوا.. ونهوا عن التقدم والنعجل بِقَضَاءِ أَمْرٍ قَبْلَ قَضَائِهِ فِيهِ، وَأَنْ يَفْتَاتُوا «٢» بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ من أمر دينهم إلا بأمره، وَلَا يَسْبِقُوهُ بِهِ وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ قَوْلُ الحسن «٣» مجاهد «٤» وَالضَّحَّاكِ «٥» وَالسُّدِّيِّ «٦» وَالثَّوْرِيِّ «٧» ثُمَّ وَعَظَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ مُخَالَفَةَ ذَلِكَ فَقَالَ «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» «٨» قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ «٩» «اتَّقُوهُ» يَعْنِي فِي التَّقَدُّمِ.
وَقَالَ السُّلَمِيُّ «١٠»: «اتَّقُوا اللَّهَ» فِي إِهْمَالِ حَقِّهِ، وَتَضْيِيعِ حُرْمَتِهِ، إِنَّهُ سُمَيْعٌ لِقَوْلِكُمْ عَلِيمٌ بِفِعْلِكُمْ ثُمَّ نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ وَالْجَهْرِ لَهُ بِالْقَوْلِ كَمَا يَجْهَرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ..
وَقِيلَ كَمَا يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِاسْمِهِ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٦» .
(٢) يفتاتوا: أي يستبدوا ويستقلوا.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٠» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٥» رقم «٦» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٢» رقم «٣» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٦» رقم «٣» .
(٨) الحجرات: آية «١» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١» رقم «٣» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١» رقم «٤» .
[ ٢ / ٨١ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ «١»: أَيْ لَا تُسَابِقُوهُ بِالْكَلَامِ وَتُغْلِظُوا لَهُ بِالْخِطَابِ، وَلَا تُنَادُوهُ بِاسْمِهِ نِدَاءَ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، وَلَكِنْ عَظِّمُوهُ وَوَقِّرُوهُ وَنَادُوهُ بِأَشْرَفِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُنَادَى بِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: «لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا» «٢» وعلى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا تُخَاطِبُوهُ إِلَّا مُسْتَفْهِمِينَ «٣»، ثُمَّ خَوَّفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِحَبْطِ أَعْمَالِهِمْ ان هم فعلوا ذلك.. وحذرهم منه.
قيل: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ «٤» .
وَقِيلَ: فِي غَيْرِهِمْ.. أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَنَادَوْهُ.. يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ. اخْرُجْ إِلَيْنَا. فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَهْلِ، وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّ أكثرهم لا يعقلون.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٢) النور «٦٣» .
(٣) وفي نسخة (الا مشفقين) .
(٤) بنو تميم: قبيلة مشهورة وفدت على النبي ﷺ عام الوفود سنة تسع. وكان ﷺ أرسل لهم سرية فهجموا عليهم واخذوا مواشيهم واسارى قدموا بها المدينة فحبسوا في دار رملة بنت الحارث. فأرسلوا عدة من رؤسائهم فجاؤوا بابه ﷺ ونادوا: يا محمد اخرج الينا كما فصل في السير.
[ ٢ / ٨٢ ]
وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى فِي مُحَاوَرَةٍ كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ «١» وَعُمَرَ «٢» بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَاخْتِلَافٍ جَرَى بَيْنَهُمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا «٣» .
وَقِيلَ: نَزَلَتْ «٤» فِي ثَابِتِ «٥» بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُفَاخَرَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِي أُذُنَيْهِ صَمَمٌ.. فَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ.
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ حَبِطَ عَمَلُهُ..
ثُمَّ أَتَى النبي ﷺ فقال: يا نَبِيَّ اللَّهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ هَلَكْتُ.. نَهَانَا اللَّهُ أَنْ نَجْهَرَ بِالْقَوْلِ.. وَأَنَا امْرُؤٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا ثَابِتُ.. أَمَّا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ..» فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ «٦» .
وَرُوِيَ «٧» أَنَّ أَبَا بَكْرٍ «١» لَمَّا نَزَلَتْ هذه الاية قال: والله
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٣) كما في البخاري عن الزبير ﵁.
(٤) كما روي عن ابن عباس.
(٥) ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امره القيس الخزرجي الانصاري وكان خطيبا الانصار.
(٦) أي وقعة اليمامة زمن أبي بكر الصديق سنة ثنتي عشرة في ربيع الاول وهي وقعة مسيلمة المشهورة. واليمامة اسم مدينة على مرحلتين من الطائف.
(٧) رواه طارق بن شهاب.
[ ٢ / ٨٣ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَهَا إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ «١» ..
وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ مَا كَانَ يَسْمَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ:
«إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» «٢»
وَقِيلَ: نَزَلَتْ «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ» «٣» فِي غَيْرِ بَنِي تَمِيمٍ.. نَادَوْهُ بِاسْمِهِ.
وَرَوَى «٤» صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ»
بَيْنَا «٦» النَّبِيُّ ﷺ في سفر اذ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٌّ أَيَا مُحَمَّدُ، أيا محمد، أيا محمد «٧» ..
فقلنا لَهُ: اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فَإِنَّكَ قَدْ نُهِيتَ عن رفع الصوت..
وقال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا
_________________
(١) أي كلاما خفيا كالمسارة وهي الكلام بخفية.
(٢) الحجرات آية «٣» .
(٣) الحجرات آية «٤» .
(٤) رواه الترمذي والنسائي.
(٥) صفوان بن عسال: ابن الربض بن زاهد المرادي الكوفي الصحابى المشهور روى عنه الستة.
(٦) وفي نسخة (بينما) .
(٧) وفي نسخة ناداه مرتين.
[ ٢ / ٨٤ ]
«١» راعِنا «٢»» قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: هِيَ لُغَةٌ كَانَتْ فِي الْأَنْصَارِ نُهُوا عَنْ قَوْلِهَا تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتَبْجِيلًا لَهُ.. لِأَنَّ مَعْنَاهَا ارْعَنَا نَرْعَكَ فَنُهُوا عَنْ قَوْلِهَا إِذْ مُقْتَضَاهَا كَأَنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إِلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ..
بَلْ حَقُّهُ أَنْ يُرْعَى عَلَى كُلِّ حَالٍ..
وَقِيلَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تُعَرِّضُ بِهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالرُّعُونَةِ «٣» فَنُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِهَا قطعا للذريعة «٤»، ومنعا للتشبه بِهِمْ فِي قَوْلِهَا لِمُشَارَكَةِ اللَّفْظَةِ وَقِيلَ: غَيْرُ هذا.
_________________
(١) راعنا: كلمة تقال للمتكلم اذا لم يفهم كلامه وهي بمثابة تأن وراع مقامنا فانا لسنا فهما مثلك.. وهي من لغة الانصار في محاوراتهم واستغلها اليهود لانها كانت شتما في لغتهم
(٢) البقرة اية «١٠٤» .
(٣) الرعونة: وهي الخفة والحمافة.
(٤) الذريعة: في اللغة هي الوسيلة والسبب. وسد الذرائع قاعدة مشهورة في مذهب الامام مالك وهي ليست مختصة بمذهب مالك كما هو المشهور.
[ ٢ / ٨٥ ]
الفصل الثّاني عادة الصّحابة في تعظيمه وتوقيره وإجلاله ﷺ
عن عمرو بن العاص «١» قَالَ «٢»: وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ.. وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي «٣» مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ.. وَلَوْ سُئِلْتُ «٤» أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنِي مِنْهُ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ «٥» عَنْ أَنَسٍ «٦»: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ جُلُوسٌ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ.. فَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ بَصَرَهُ إِلَّا أبو بكر وعمر
_________________
(١) تقدمت ترجمة في ج ٢ ص «٤٩» رقم «٦» .
(٢) كما رواه مسلم.
(٣) وفي نسخة (عيني) بالتثنية.
(٤) وفي نسخة ولو (شئت) .
(٥) صاحب السنن لا الحكيم الترمذي.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
[ ٢ / ٨٦ ]
فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا «١» .
وَرَوَى أُسَامَةُ «٢» بْنُ شَرِيكٍ قَالَ «٣»: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ..
وَفِي حَدِيثِ صِفَتِهِ «٤»: إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ.
وَقَالَ عُرْوَةُ «٥» بْنُ مَسْعُودٍ حِينَ «٦» وَجَّهَتْهُ قُرَيْشٌ عَامَ الْقَضِيَّةِ «٧» إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَأَى مِنْ تَعْظِيمِ أَصْحَابِهِ لَهُ مَا رَأَى، وَأَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ إِلَّا ابْتَدَرُوا «٨» وَضَوْءَهُ وَكَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ.. وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا وَلَا يَتَنَخَّمُ «٩» نُخَامَةً إِلَّا تَلَقَّوْهَا بِأَكُفِّهِمْ فدلكوا «١٠»
_________________
(١) قال الحلبي اخرجه الترمذي في مناقب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقال: غريب لا نعرفه الا من حديث الحاكم، وقد تكلم بعضهم فيه.
(٢) اسامة بن شريك ثعلبي كوفي صحابي، وقد روى عنه أصحاب السنن الأربعة.
(٣) صححه الترمذي، ورواه الأربعة.
(٤) روي عن هند بنت أبي هالة وفد تقدم في حديث الحلية، وأخرجه الترمذي في الشمائل.
(٥) عروة بن مسعود بن معتب الثقفي.
(٦) كما رواه البخاري عن مسور بن مجزمة ومروان بن الحكم بن أبي العاص.
(٧) عام القضية اي عام الحديبية سنة ست: وليست القضية بمعنى القضاء أي قضاء العمرة كما يسميها اصحاب السير لأنها حدثت عام سبع، وعروة جاء في عام الحديبية. والقضية هنا بمعنى الحادث الذي جرى في عام الحديبية.
(٨) ابتدروا: اسرعوا وأخذوا.
(٩) نخامة: بضم النون لأن فعالة وضعها لكل قليل الفضل من شيء والتنخيم: خراجة من الفم والفرق بين البصاق والنخامة أن الأول ما يخرج من الفم والثاني ما يخرج من أقصى الحلق.
(١٠) دلكوا: أي بالغوا في المسح.
[ ٢ / ٨٧ ]
بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ، وَلَا تَسْقُطُ مِنْهُ شَعْرَةٌ إِلَّا ابْتَدَرُوهَا..
وَإِذَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ.. وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ «١» إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي جِئْتُ كِسْرَى فِي مُلْكِهِ، وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ، وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ.. وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ..
وَفِي رِوَايَةٍ «٢» إِنْ «٣» رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ مُحَمَّدًا أَصْحَابُهُ.. وَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ أَبَدًا «٤» .
وَعَنْ «٥» أَنَسٍ «٦»: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والحلاق «٧» يحلقه.. وأطاف بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ.
وَمِنْ هَذَا: لَمَّا أَذِنَتْ قُرَيْشٌ لِعُثْمَانَ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حِينَ
_________________
(١) يحدون: أي لا ينظرون إليه نظرا حديدا أي قويا أو لا يبلغ نظرهم إليه حده ومنتهاه بل ينظرون إليه من طرف خفي.
(٢) اي (اخرى) كما في نسخة.
(٣) إن بكسر وتخفيف نافيه بمعنى ما.
(٤) من حديث طويل رواه البخاري.
(٥) كما رواه مسلم.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٧) واختلف في اسم من حلق رأس رسول الله ﷺ والصحيح المشهور أنه معمر بن عبد العزيز العدوي كما ذكره النووي في شرح مسلم. وفي صحيح البخاري: زعموا انه معمر. وعن ابن عبد البر ان خراشا حلقه يوم الحديبية.. ١ هـ أما في عمرة الجعرانة فقيل حلقه ابو هند. والله اعلم.
[ ٢ / ٨٨ ]
وَجَّهَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي الْقَضِيَّةِ «١» أَبَى وَقَالَ: «مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» «٢» .
وَفِي حَدِيثِ»
طَلْحَةَ «٤»: «أَنَّ أَصْحَابَ رسول الله ﷺ قالوا لِأَعْرَابِيٍّ جَاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ «٥» - وَكَانُوا يَهَابُونَهُ وَيُوَقِّرُونَهُ.
فَسَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. إِذْ طَلَعَ طَلْحَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ» .
وَفِي حَدِيثِ «٦» قَيْلَةَ «٧»: «فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) وهنا تصريح واضح يبين أن المؤلف يقصد (بالقضية) عام الحديبية كما مر.
(٢) رواه الترمذي عن طلحة ﵁ وقال: «انه حسن غريب» .
(٣) رواه الترمذي وحسنه.
(٤) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد التيمي احد العشرة المبشرين بالجنة. وفي الصحابة طلحة تيمي غيره وهو الذي نزل فيه قوله تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله) . وروى ابو نعيم انه ﷺ تلا هذه الاية على المنبر فسأله رجل: من هؤلاء؟ فأقبل طلحة بن عبيد الله فقال: هذا منهم.. وفي تفسير ابن أبي حاتم ان عمارا منهم. وفي تفسير يحيى بن سلام: هم حمزة واصحابه.. وطلحة هذا ملقب بطلحة الخير والفياض وانما قال عنه ﷺ ذلك لأنه غاب عن بدر فقال: لئن حضرت مع رسول الله ﷺ مشهدا آخر ليرين الله ما أصنع: فلما كان يوم احد ابلى بلاء حسنا ووقى رسول الله ﷺ يومئذ بنفسه واتقى النبل عنه بيده حتى شلت اصابعه وحمل رسول الله ﷺ على ظهره حتى استعلى الصخرة.
(٥) أي في قوله تعالى: (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ.. وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) سورة الاحزاب آية (٢٣) .
(٦) رواه ابو داوود والترمذي
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٤»
[ ٢ / ٨٩ ]
جَالِسًا الْقُرْفُصَاءَ «١» أَرْعَدْتُ «٢» مِنَ الْفَرَقِ «٣» وَذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا»
وَفِي حَدِيثِ «٤» الْمُغِيرَةِ «٥»: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَعُونَ بابه بالأظافير «٦» .»
وَقَالَ «٧» الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ «٨»: «لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْأَمْرِ فَأُؤَخِّرُ «٩» سِنِينَ «١٠» مِنْ هَيْبَتِهِ» .
***
_________________
(١) القرفصاء: بضم القاف والواء المهملة هو نوع من الجلوس.. يجلس على إليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه ويضعهما على ساقيه.
(٢) أرعدت: أي حصل لي رعدة واضطراب.
(٣) الفرق: بفتحتين هو الحوف.
(٤) رواه الحاكم في علوم الحديث والبيهقي في المدخل.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٨٥» رقم «٤»
(٦) أظافير: جمع ظفر على غير قياس وفي نسخة «بالاظفار» . واختلفوا في في هذا الحديث هل هو مرفوع ام موقوف وقال الحافظ العراقي في الفتية. ولكن حديث كان باب المصطفى يقرع بالاظفار مما. وقفا حكما لدى الحاكم والخطيب والرفع عند الشيخ ذو تصويب والمراد «بالشيخ» ابن الصلاح ﵀.
(٧) رواه ابو يعلى وصححه.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٤»
(٩) وفي نسخة «فأؤخره»
(١٠) وفي نسخة «سنتين» .
[ ٢ / ٩٠ ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ حُرْمَتُهُ وَتَوْقِيرُهُ ﷺ
وَاعْلَمْ أَنَّ حُرْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَوْقِيرَهُ وَتَعْظِيمَهُ لَازِمٌ كَمَا كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ.. وَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ، وَذِكْرِ حَدِيثِهِ وَسُنَّتِهِ، وَسَمَاعِ اسْمِهِ وَسِيرَتِهِ، وَمُعَامَلَةِ آلِهِ وَعِتْرَتِهِ «١»، وَتَعْظِيمِ أهل بيته وصحابته.
قال أَبُو إِبْرَاهِيمَ «٢» التُّجِيبِيُّ «٣»: «وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَتَّى ذَكَرَهُ أَوْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنْ يَخْضَعَ وَيَخْشَعَ، وَيَتَوَقَّرَ وَيُسَكِّنَ مِنْ حَرَكَتِهِ، وَيَأْخُذَ فِي هَيْبَتِهِ وَإِجْلَالِهِ بِمَا كَانَ يَأْخُذُ بِهِ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ.. وَيَتَأَدَّبُ بِمَا أَدَّبَنَا الله به.
_________________
(١) عترته: بكسر العين وسكون المثناة. وهم نسله ورهطه وعشيرته الأدنون.
(٢) وزيد في نسخة (اسحق) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٩» رقم «٢»
[ ٢ / ٩١ ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «١»: «وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةَ سَلَفِنَا الصَّالِحِ وَأَئِمَّتِنَا الْمَاضِينَ ﵃» .
قال أبو حميد «٢»: نَاظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ «٣» أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكًا «٤» فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ «٤»: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدَّبَ قَوْمًا فَقَالَ: «لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ «٥»» الْآيَةَ. وَمَدَحَ قَوْمًا فَقَالَ:
«إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ «٦»» الْآيَةَ وَذَمَّ قَوْمًا فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ.. «٧»» الْآيَةَ. وَإِنَّ حُرْمَتَهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا.. فَاسْتَكَانَ «٨» لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ «٣» وَقَالَ: «يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ «٩» .. أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» فَقَالَ: «وَلِمَ تَصْرِفُ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ ﵇ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ القيامة!! بل استقبله «١٠» واستشفع
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١»
(٢) ابو حميد: بالتصغير هو ابن ثعلبة احد رواة مالك.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢٠» رقم «١»
(٤) مالك إمام المدينة.
(٥) سورة الحجرات آية «٢»
(٦) سورة الحجرات آية «٣» .
(٧) سورة الحجرات آية «٤»
(٨) استكان: خضع وذل.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧»
(١٠) وفي هذا الحديث رد على من قال بأن استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة أمر منكر لم يقل به أحد ولم يرو إلا في حكاية مفتراة على الامام مالك يعني هذه
[ ٢ / ٩٢ ]
بِهِ فَيُشَفِّعَهُ اللَّهُ» .. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» «١» الْآيَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ «٢» وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَيُّوبَ «٣» السَّخْتِيَانِيِّ: «مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا وَأَيُّوبُ أفضل منه» .. قال: «وَحَجَّ حَجَّتَيْنِ فَكُنْتُ أَرْمُقُهُ وَلَا أَسْمَعُ مِنْهُ.. غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى حَتَّى أَرْحَمُهُ.. فَلَمَّا رَأَيْتُ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ وَإِجْلَالَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَتَبْتُ عَنْهُ «٤»» .
وَقَالَ مُصْعَبُ «٥» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «كَانَ مَالِكٌ إِذَا ذُكِرَ «٦» النَّبِيُّ ﷺ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَيَنْحَنِي حَتَّى يَصْعُبَ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَائِهِ» . فَقِيلَ
_________________
(١) القصه وقد اوردها المؤلف ولله الحمد بسندها الصحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من من ثقات مشايخه. فهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي ﵃ استحباب استقبال القبر الشريف في السلام والدعاء وهو مسطر في كتبهم، وصرح به النووي في اذكاره وايضاحه.. وقال السبكي: (صرح اصحابنا بأنه يستحب أن يأتي القبر ويستقبله ويستدبر القبلة بعيدا من رأس القبر نحو اربع أذرع فيسلم عليه ﷺ ثم يتأخر ويسلم على أبي بكر ﵁ ثم يتأخر ويسلم على عمر ﵁ ثم يرجع لموقفه الاول مستقبلا للقبر ويدعو بما أراد..) وعن أبي حنيفة ﵁ انه يستقبله ﷺ في الزيارة ثم يستقبل القبلة بعده ويدعو كما ذكره السروجي.
(٢) «جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا» النساء آية «٦٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٤) ايوب السختياني: (هو الامام أبو بكر البصري التابعي سيد الفقهاء والمحدثين) روى عنه مالك والثوري وغيره. والسختياني نسبة لعمل السختيان وهو الجلد المدبوغ معرب.. اخرج له الستة، وتوفي سنة احدى وثلاثين ومئة وقيل غير ذلك.
(٥) وهذا يدل على تدقيق مالك ﵀ وورعه في كتابة الحديث.
(٦) مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري يروي عن مالك وغيره وعنه الشيخان وغيرهما.
(٧) وفي نسخة بصيغة المعلوم، وفي نسخة اخرى (فاذا ذكر عنده النبي) .
[ ٢ / ٩٣ ]
لَهُ يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: «لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَمَا أَنْكَرْتُمْ عَلَيَّ مَا تَرَوْنَ» .
وَلَقَدْ كُنْتُ أَرَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ «١» وَكَانَ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ، لَا نَكَادُ نَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ أَبَدًا إِلَّا يَبْكِي حَتَّى نَرْحَمَهُ.. وَلَقَدْ كُنْتُ أرى جعفر بن محمد «٢» .. وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَالتَّبَسُّمِ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ اصْفَرَّ وَمَا رَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا على طهارة.. ولقد اخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ زَمَانًا، فَمَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ.. إِمَّا مُصَلِّيًا وَإِمَّا صَامِتًا، وَإِمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.. وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ.. وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ ﷿..
وَلَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ «٣» يَذْكُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَيُنْظَرُ إِلَى لَوْنِهِ كَأَنَّهُ نَزَفَ مِنْهُ الدَّمُ، وَقَدْ جَفَّ لِسَانُهُ فِي فَمِهِ هَيْبَةً مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ..
وَلَقَدْ كُنْتُ آتِي عَامِرَ «٤» بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن الزبير، فإذا ذكر
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٣١» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٥» رقم «٦» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٣» .
(٤) عامر بن عبد الله بن الزبير: بن العوام الكبير القدر سمع اباه وجماعة. وعنه: مالك وطائفة.. قال ابن عينيه: «اشترى نفسه من الله تعالى ست مرات» . توفي بعد عشرين ومئة.
[ ٢ / ٩٤ ]
عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى حَتَّى لَا يَبْقَى فِي عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ.
وَلَقَدْ رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ «١» وَكَانَ مِنْ أَهْنَإِ النَّاسِ وَأَقَرَبِهِمْ، فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَكَأَنَّهُ مَا عَرَفَكَ وَلَا عَرَفْتَهُ.
وَلَقَدْ كُنْتُ آتِي صَفْوَانَ «٢» بْنَ سُلَيْمٍ، وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ الْمُجْتَهِدِينَ فَإِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى فَلَا يَزَالُ يَبْكِي حَتَّى يَقُومَ النَّاسُ عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ.
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ «٣»: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ أَخَذَهُ الْعَوِيلُ «٤» وَالزَّوِيلُ «٥»» . وَلَمَّا كَثُرَ عَلَى مَالِكٍ النَّاسُ قِيلَ لَهُ: «لَوْ جَعَلْتَ مُسْتَمْلِيًا «٦» يُسْمِعُهُمْ» فَقَالَ: (قَالَ الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» «٧» وَحُرْمَتُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا سَوَاءٌ) .
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ «٨» ربما يضحك.. فإذا ذكر عنده حديث
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص ٢٥١ رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩٦» رقم «٥» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٤) العويل: بكاء مع الصوت.
(٥) الزويل: الانزعاج والقلق. يقال زال زويله في الدعاء أي ذهب ذعره مأخوذ من الزوال وهو التغير.
(٦) مستمليا: أي رجلا يملي عليه الحديث ويقوم بتبليغه.
(٧) سورة الحجرات آية «٢» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٥٦» رقم «٧» .
[ ٢ / ٩٥ ]
النَّبِيِّ ﷺ خَشَعَ. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ «١» بْنُ مَهْدِيٍّ إِذَا قَرَأَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالسُّكُوتِ وَقَالَ: «لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» .. وَيَتَأَوَّلُ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ مِنَ الْإِنْصَاتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ حَدِيثِهِ مَا يَجِبُ لَهُ عِنْدَ سَمَاعِ قوله..
_________________
(١) عبد الرحمن بن مهدي: بن حسان ابو سعيد الحافظ الثقة البصري المعروف باللؤلؤي احد أعلام الحديث. وقال ابن المديني: «اعلم الناس بالحديث ابن مهدي» . وقال الزهري: «ما رأيت في يده كتابا» . يعني كان حافظا. روى عنه احمد. وأخرج له أصحاب الكتب الستة توفي سنة ثمان وتسعين ومئة.
[ ٢ / ٩٦ ]
الفصل الرابع تعظيم السّلف لرواية حديث رسول الله ﷺ وسننه
عَنْ «١» عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ «٢» قَالَ: «اخْتَلَفْتُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ «٣» سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رسول الله ﷺ إلا أَنَّهُ حَدَّثَ يَوْمًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ قَالَ رسول الله ﷺ.. ثم عَلَاهُ كَرْبٌ حَتَّى رَأَيْتُ الْعَرَقَ يَتَحَدَّرُ «٤» عَنْ جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أو فوق ذَا أَوْ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ ذَا» «٥» .
وفي رواية فتربد «٦» وجهه.
_________________
(١) كما في رواية الدارمي..
(٢) عمرو بن ميمون: العابد التابعي الأزدي. أدرك زمنه ﷺ ولم يلقه وهو ثقة.. حج مئة حجة، وتوفي سنة أربع وسبعين ومئة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢»
(٤) وفي نسخة «ينحدر» .
(٥) وهذا فيه اشارة على عدم جواز الرواية بالمعنى، وفيه خلاف مشهور في كتاب ابن الصلاح.
(٦) تربد: تغير لونه لكموده من شدة الكرب.
[ ٢ / ٩٧ ]
وفي رواية تغر غرت «١» عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ «٢» .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ «٣» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْمٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ:
«مَرَّ مَالِكُ «٤» بْنُ أَنَسٍ عَلَى أَبِي حَازِمٍ «٥» وَهُوَ يُحَدِّثُ فَجَازَهُ وَقَالَ:
إِنِّي لَمْ أَجِدْ مَوْضِعًا أَجْلِسُ فِيهِ.. فَكَرِهْتُ أَنْ آخُذَ حَدِيثَ رَسُولِ ﷺ وَأَنَا قَائِمٌ» .
وَقَالَ مَالِكٌ «٦»: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ الْمُسَيَّبِ «٧» فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فَجَلَسَ وَحَدَّثَهُ.. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: «وَدِدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَتَعَنَّ» «٨» .. فَقَالَ: «إني كرهت أن أحدثك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا مضطجع) ..
_________________
(١) تغرغرت: تردد الماء فيهما والاصل للماء في الفم ثم نقل للعين مجازا.
(٢) أوداجه: جمع ودج بفتحتين وهو عرق غليظ في العنق وينتفخان عند احتقان الدم فيهما.
(٣) إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْمٍ الْأَنْصَارِيُّ: ذكر في التهذيب والميزان واخرج له الترمذي فقط في علل جامعة ولم يترجموه. وروى عن مالك..
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٤» رقم «٢» .
(٥) ابو حازم: هو سلمة بن دينار الاعرج أحد الاعلام يروي عن سهل بن سعد وابن المسيب وعنه: مالك وابو حمزة.. قال ابن خزيمة: «ثقة لم يكن في زمانه مثله» . توفي سنة أربعين ومئة أخرج له الستة.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥٢» رقم «٣» .
(٨) تتعن: أي تنعب نفسك.
[ ٢ / ٩٨ ]
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ «١» أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ يَضْحَكُ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ خَشَعَ.
وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ «٢»: كَانَ مَالِكُ «٣» بْنُ أَنَسٍ لَا يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ إِجْلَالًا لَهُ.
وَحَكَى مَالِكٌ «٣» ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ «٤» بْنِ مُحَمَّدٍ وَقَالَ مصعب «٥» بن عبد الله: «وكان مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَتَهَيَّأَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ يُحَدِّثُ» . قَالَ مُصْعَبٌ «٥»: فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» ..
قَالَ مُطَرِّفٌ «٦»: (كَانَ إِذَا أَتَى النَّاسَ مَالِكًا خَرَجَتْ إِلَيْهِمُ الْجَارِيَةُ فَتَقُولُ لَهُمْ: يَقُولُ لَكُمُ الشَّيْخُ: تُرِيدُونَ الْحَدِيثَ أَوِ الْمَسَائِلَ؟
فَإِنْ قَالُوا الْمَسَائِلَ.. خَرَجَ إِلَيْهِمْ وإن قالوا الحديث دخل مغتسله
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٥٦» رقم «٧» .
(٢) ابو مصعب: هو أحمد بن أبي بكر بن القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ابو مصعب الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها. سمع مالكا وطائفة. وعنه: جماعة. وهو ثقة حجة ولا عبرة بقول أبي خيثمة لابنه أحمد: لا تكتب عن أبي مصعب واكتب عمن شئت.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٤» رقم «٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٥» رقم «٦» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٩٣» رقم «٥» .
(٦) مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبو مصعب اليساري المدني مولى ميمونة الهلالية وهو ابن أخت الامام مالك بن أنس. يروي عن خاله ونافع القاري وعنه: البخاري وأبو زرعة.. توفي سنة عشرين ومئتين. وترجمته في الميزان.
[ ٢ / ٩٩ ]
وَاغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ ثِيَابًا جُدُدًا، وَلَبِسَ سَاجَهُ «١»، وتعمم، ووضع على رأسه رداءه «٢»، وَتُلْقَى لَهُ مِنَصَّةٌ فَيَخْرُجُ فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ الخشوع.. ولا يزال يتبخر بِالْعُودِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) .
قَالَ غَيْرُهُ: «وَلَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ عَلَى تِلْكَ الْمِنَصَّةِ إِلَّا إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ «٣»: فَقِيلَ لِمَالِكٍ «٤» في ذلك.. فقال: «إني أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا أُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا على طَهَارَةٍ مُتَمَكِّنًا» .
قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ مُسْتَعْجِلٌ.. وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أَفْهَمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ضِرَارُ «٥» بْنُ مرة: «وكانوا يكرهون أن يحدثوا على غير وضوء» .
_________________
(١) ساجه: الساج هو الطيلسان مطلقا أو الاخضر او الاسود منه وهو شيء كالبرنس
(٢) على عادة أشراف العرب.
(٣) ابن أبي اويس: هو اسماعيل بن عبد الله بن أويس الاصبحي، ابن أخت مالك ابن أنس يروي عن خاله مالك وأبيه وجماعة.. وعنه: الشيخان وعلي البغوي وطائفة. وقال أبو حاتم محله الصدق. وضعفه النسائي لغفلته كما قال أبو حاتم.. وتوفي سنة ست أو سبع وعشرين ومئتين في رجب.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٥) ضرار بن مرة: ابو سنان الشيباني الكوفي يروي عن سعيد بن جبير. وعنه: شعبة ونحوه كان من العباد والثقات. اخرج له أصحاب السنن.
[ ٢ / ١٠٠ ]
وَنَحْوَهُ عَنْ قَتَادَةَ «١» . وَكَانَ الْأَعْمَشُ «٢» إِذَا حَدَّثَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ تَيَمَّمَ..
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ «٣»: (كُنْتُ عِنْدَ مَالِكٍ «٤» وَهُوَ يحدثنا فلدغه عَقْرَبٌ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً وَهُوَ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَيَصْفَرُّ، وَلَا يَقْطَعُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَجْلِسِ وتفرق عنه الناس قلت: «يا أبا عبد الله.. لقد رأيت منك اليوم عجبا» قال:
نعم.. إنما صَبَرْتُ إِجْلَالًا لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) .
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ «٥»: (مَشَيْتُ يَوْمًا مَعَ مَالِكٍ «٤» إِلَى الْعَقِيقِ «٦» ..
فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ لِي: «كُنْتَ فِي عَيْنِي أَجَلَّ مِنْ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَمْشِي» .
وَسَأَلَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ «٧» الْقَاضِي عَنْ حَدِيثٍ وهو قائم
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٩١٨» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٤٤» رقم «٣» .
(٣) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي من أئمة الحديث وقد وصف بأنه جمع من أبواب الخير كثيرا ولد سنة ثماني عشرة ومائة وقال ابن سعيد «مات بهيت منصرفا من الغزو سنة إحدى وثمانين ومائة وله ثلاث وستون سنة» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧)
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٩٦) رقم (١) .
(٦) العقيق: هو اسم لمواضع كثيرة والمراد به هنا واد قرب المدينة. وفي اللغة كل واد شقه السيل فهو عقيق.
(٧) جرير بن عبد الحميد القاضي: الضبي الثقة المحدث.. صاحب المصنفات الجليلة روى عنه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الستة توفي سنة ثمان وثمانين ومئة.
[ ٢ / ١٠١ ]
فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ.. فَقِيلَ لَهُ. إِنَّهُ قَاضٍ!!! قَالَ: الْقَاضِي: أَحَقُّ مَنْ أُدِّبَ.. وَذَكَرَ أَنَّ هِشَامَ بْنِ الْغَازِي «١» سَأَلَ مَالِكًا عَنْ حَدِيثٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فَضَرَبَهُ عِشْرِينَ «٢» سَوْطًا، ثُمَّ أَشْفَقَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ عِشْرِينَ حَدِيثًا فَقَالَ هِشَامٌ «١»: «وَدِدْتُ لَوْ زَادَنِي سِيَاطًا وَيَزِيدُنِي حَدِيثًا» .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ: «٣» «كَانَ مَالِكٌ «٤» وَاللَّيْثُ «٥» لَا يَكْتُبَانِ الْحَدِيثَ إِلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ» ..
وَكَانَ قَتَادَةُ «٦» يَسْتَحِبُّ أن لا يَقْرَأَ أَحَادِيثَ النَّبِيِّ ﷺ إلا على
_________________
(١) هشام بن الغازي: وفي نسخة (الغاز) بلاياء. قال الحلبي: «هذا هشام بن الغاز بن ربيعة الجوشني يروي عن مكحول وعطاء»، وقد توفي سنة ست وخمسين ومئة فهو معاصر لمالك وقد توفي قبل مالك رحمه الله تعالى.. وانما الحكاية عن هشام بن عمار الدمشقي.. ونقل ذلك عن الحافظ الرشيد العطار. اهـ فأخطأ الدلجي بجزمه بقوله: وصوابه هشام بن عمار خطيب جامع دمشق.. ثم قوله: وأما ابن الغاز فتابعي لم يرو عن مالك لموته قبل مالك.. غير صحيح لما ثبت قبل ذلك انه كان معاصرا لمالك وهو لا ينافي موته قبل مالك.. ثم لا يبعد انه سمع مالكا ولم يرو عنه.
(٢) وهذا بناء على أنه يجوز أن يزاد التعزير على عشرة اسواط في غير الحدود كما هو مذهب أبي حنيفة..
(٣) عبد الله بن صالح: الظاهر انه أبو صالح الجهني كاتب الليث. روى عنه ابن معين والبخاري.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٥) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهري المصري الفقيه البارع الذي قيل فيه: «أنه كان أفقه من مالك إلا ان اصحابه اضاعوه» . وهو من تبع التابعين توفي سنة خمس وسبعين ومئة.. وحيث قال مالك: «اخبرني من أرضى به من أهل العلم فهو الليث»
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٢) رقم (٣) .
[ ٢ / ١٠٢ ]
وُضُوءٍ وَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ.
وَكَانَ الْأَعْمَشُ «١» إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ وَهُوَ عَلَى غير وضوء تيمم.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٤٤) رقم (٣) .
[ ٢ / ١٠٣ ]
الْفَصْلُ الْخَامِسُ بِرُّ آلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ
وَمِنْ تَوْقِيرِهِ ﷺ وَبِرِّهِ بِرُّ آلِهِ «١» وَذُرِّيَّتِهِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَزْوَاجِهِ.. كَمَا حَضَّ عَلَيْهِ ﷺ وَسَلَكَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ ﵃..
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ «٢» أَهْلَ الْبَيْتِ.» «٣» الاية.
وقال تعالى: «وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «٤»» .
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «٥» ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٦»:
_________________
(١) في آله خلاف فقيل: أنهم ذوو القربى، ومن تحرم عليهم الصدقة، وهم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب دون غيرهم كما بينه الفقهاء.
(٢) الرجس: أصل معناه القذر الحسي ثم استعير للاثم والذنب.
(٣) (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .. الاحزاب آية (٣٣) .
(٤) الاحزاب آية (٦) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٤٠٤) رقم (١٢) .
(٦) هذا الحديث صحيح في مسلم أخرجه في الفضائل. وأخرجه النسائي في المناقب ولو اخرجه القاضي من مسلم لوقع له اعلى من الطريق الذي ساقه، وكذا لو
[ ٢ / ١٠٤ ]
«أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَهْلَ بَيْتِي- ثَلَاثًا- قُلْنَا لِزَيْدٍ: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟. قَالَ: آلُ عَلِيٍّ «١» وَآلُ جَعْفَرٍ «٢» وَآلُ عَقِيلٍ «٣» . وَآلُ الْعَبَّاسِ «٤» .
وَقَالَ ﷺ «٥»: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي «٦» أَهْلَ بَيْتِي.. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا.»
وَقَالَ ﷺ «٧» «مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ والولاية لال محمد أمان من العذاب «٨» .»
_________________
(١) اخرجه من النسائي الا انه أراد التنويع في الروايات، لان من شأن الحفاظ ان الحديث اذا كان في الكتب الستة أو احدها يخرجونه من غيرها لكن في العالب إنما يصنعون هذا طلبا للعلو او الزيادة فيه. او تصريح مدلس بالسماع، أو الاخبار أو التحديث أو لكون الطريق أسلم، أو لغير ذلك مما هو معروف عند أربابه.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٣) جعفر بن أبي طالب صحابي هاشمي من شجعانهم يقال له «جعفر الطيار» وهو أخو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكان أسن من علي بعشر سنين وهو من السابقين الى الاسلام حضر وقعة مؤتة ووقع بهما شهيدا وفي جسمه تسعون طعنة ورمية فقيل ان الله عوضه عن يديه جناحين في الجنة: توفي سنة ٨ هـ.
(٤) عقيل: بفتح اوله وهو ابن أبي طالب خو علي وجعفر وكان الاسن يكنى أبا يزيد تأخر إسلامه الى عام الفتح وهاجر في اول سنة ثمان، وكان أسر يوم بدر ففداه عمه العباس وكان عالما بأنساب قريش وماثرها ومثالبها. وكان من ذوي المشورة وفي تاريخ البخاري الاصغر بسند صحيح أنه مات في اول خلافة يزيد قبل الحرة وقيل مات في خلافة معاوية.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨١» رقم «١» .
(٦) في حديث رواه الترمذي عن زيد بن أرقم وجابر وحسنه.
(٧) عترتي: أهل البيت.
(٨) في حديث لم يخرجوه.
(٩) وقد الف السمهودي كتابا خاصا في فضائل أهل البيت.
[ ٢ / ١٠٥ ]
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «مَعْرِفَتُهُمْ.. هِيَ مَعْرِفَةُ مَكَانِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا «١» عَرَفَهُمْ بِذَلِكَ عَرَفَ وُجُوبَ حَقِّهِمْ وَحُرْمَتِهِمْ بِسَبَبِهِ» وَعَنْ «٢» عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ «٣»: (لَمَّا نَزَلَتْ «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ..» «٤» الاية وَذَلِكَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ «٥» دَعَا فَاطِمَةَ «٦» وَحَسَنًا «٧» وَحُسَيْنًا «٨» فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَعَلِيٌّ «٩» خَلَفَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا) ..
وَعَنْ سَعْدِ «١٠» بْنِ أبي وقاص: لما «١١» نزلت آية المباهلة «١٢»
_________________
(١) وفي نسخة (فاذا) .
(٢) كما رواه الترمذي.
(٣) عمر بن أبي سلمة: هو الصحابي المخزومي ربيبه ﷺ وابن أخيه من الرضاع أرضعتهما ثويبة مولاة عمه أبي لهب أمه أم سلمة أم المؤمنين ولد بالحبشة في السنة الثانية وقيل قبل ذلك وقبل الهجرة الى المدينة. ولي البحرين زمن علي وكان قد شهد معه الجمل ووهم من قال إنه قتل فيها قاله أبو عمر بل مات بالمدينة سنة ثلاث وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان.
(٤) سورة الاحزاب آية «٣٣» .
(٥) أم سلمة: أي زوجه ﵊ وهي آخر امهات المؤمنين موتا توفيت في امارة يزيد.. والجملة معترضة من الراوي.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «١٢» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٩٢) رقم (٢) .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٠٩) رقم (٢) .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٤) رقم (٤) .
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٢١٥) رقم (١) .
(١١) الحديث رواه مسلم في صحيحه.
(١٢) المباهلة: مفاعلة من البهلة وهي اللعنة أي الملاعنة وهي أن يقول كل من المتخاصمين في المجادلة لعنة الله على الظالم منا والمراد من اية المباهلة قوله تعالى (فمن حاجك
[ ٢ / ١٠٦ ]
دَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَةَ.. وَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «١» فِي عَلِيٍّ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ «٢» مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ.»
وَقَالَ فِيهِ «٣»: «لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يَبْغَضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ.»
وَقَالَ «٤» لِلْعَبَّاسِ «٥»: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.. وَمَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي وَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ «٦» أَبِيهِ» .
وَقَالَ «٧» لِلْعَبَّاسِ: «اغْدُ عَلَيَّ يَا عَمِّ مَعَ وَلَدِكَ «٨» .. فَجَمَعَهُمْ
_________________
(١) من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) سورة ال عمران اية (٦١) وذلك لما وفد عليه نصارى نجران ودعاهم الى الاسلام فلم يسلموا.
(٢) رواه احمد عن أبي أيوب الانصاري.
(٣) وكان السبب في هذا الحديث أن أسامة بن زيد قال لعلي لست مولاي انما مولاي رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ الحديث.
(٤) كما في مسلم.
(٥) أي وقال ﷺ. والحديث صحيح رواه الترمذي وابن ماجة
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٠) رقم (١) .
(٧) صنو: اي مثل. بكسر الصاد المهملة وضمها وهو هنا بمعنى المثل.
(٨) في حديث رواه البيهقي.
(٩) كان للعباس عشرة ذكور منهم الفضل- وعبد الله- وقثم- وعبيد الله- ومعبد- وعبد الرحمن- واشهرهم عبد الله ترجمان القرآن وحبر الأمة وابو الخلفاء.
[ ٢ / ١٠٧ ]
وجلّلهم بملاءته «١» .. وقال: هذا عمي وصنوا أَبِي.. وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي.. فَاسْتُرْهُمْ مِنَ النَّارِ كَسَتْرِي إِيَّاهُمْ..» فَأَمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ «٢» الْبَابِ وَحَوَائِطُ الْبَيْتِ آمين آمين..»
وكان «٣» يأخذ بيد أُسَامَةَ «٤» بْنَ زَيْدٍ وَالْحَسَنَ «٥» وَيَقُولُ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا» .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ «٦» ﵁: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْلِ بَيْتِهِ» .
وَقَالَ «٧» أَيْضًا: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي» .
وَقَالَ ﷺ «٨»: «أحبّ الله من أحب حسنا «٩» .
_________________
(١) بملاءته: بضم الميم ولام وهمزة ممدودة وهو رداء او ملحفة.
(٢) أسكفة: بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الكاف وتشديد الفاء بزنة طرطبة ويقال أسكوفة فأبدل أحد حرفي التضعيف واوا وتخفف فاؤه أيضا وفسر بالعتبا التي في أسفل الباب وتطلق على ما يقابلها من أعلاه أيضا.
(٣) كما في حديث رواه البخاري.
(٤) أسامة بن زيد بن حارثة الحب بن الحب يكنى أبا محمد ويقال أبو زيد وأمه أم أيمن حاضنة النبي ﷺ ولد في الاسلام ومات النبي وله عشرون سنة وكان أمره على جيش عظيم وأنفذ ابو بكر ذلك ومات في سنة أربع وخمسين.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩٢» رقم «٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٧) كما في الصحيحين.. والقائل ابو بكر ﵁.
(٨) كما روى الترمذي وحسنه وابن ماجه عن يعلى بن مرة.
(٩) وفي رواية (وحسينا) .
[ ٢ / ١٠٨ ]
وَقَالَ «١»: «مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ- وَأَشَارَ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ- وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ..»
وَقَالَ ﷺ «٢»: «مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ» .
وَقَالَ ﷺ «٣»: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا «٤»» .
وَقَالَ ﷺ «٥» لِأُمِّ سَلَمَةَ «٦»: «لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ.»
وَعَنْ «٧» عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ «٨»: «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَجَعَلَ الْحَسَنَ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَقُولُ بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِي لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِي» وَعَلِيٌّ ﵁ يضحك.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه الترمذي وحسنه عن سهل بن أبى وقاص بلفظ (من يرد هوان قريش أهانه الله) .
(٣) كما روى البزار عن علي وابن أبي شيبة عن سهل بن ابي خيثمة.
(٤) لا تقدموها: بفتح المثناة والدال المهملة المشددة واصله تتقدموا بتامين حذفت إحداهما تخفيفا وهو فعل مؤكد للامر قبله.
(٥) كما في البخاري.
(٦) أم سلمة: تقدم ذكرها.. وروي ان الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ نساء النبي ﷺ كن حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة والحزب الاخر ام سلمة وسائر نسائه ﵊، فكلم حزب أم سلمة أم سلمة ان كلمي رسول الله ﷺ يقول للناس من أراد ان يهدي الى النبي ﷺ فليهده حيث كان فكلمته فقال: «لا تؤذوني في عائشة فان الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة الا عائشة» وتمام الحديث في المصابيح.
(٧) كما في البخاري.
(٨) عقبة بن الحارث: مكي قرشي: أسلم يوم الفتح روى عن النبي ﷺ مات في خلافة ابن الزبير.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «١» بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: «أَتَيْتُ عُمَرَ «٢» بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ في حاجة.. فقال لي: «إذا كان لَكَ حَاجَةٌ فَأَرْسِلْ إِلَيَّ أَوِ اكْتُبْ فَإِنِّي أستحيي مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَاكَ «٣» عَلَى بَابِي» ..
وَعَنِ «٤» الشَّعْبِيِّ «٥» قَالَ: صَلَّى زَيْدُ «٦» بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةِ أُمِّهِ «٧» ثُمَّ قُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَتُهُ لِيَرْكَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ «٨» عَبَّاسٍ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ فَقَالَ زَيْدٌ خلّ عنك يا ابن عم رسول الله.. فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ.. فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا «٩» أَنْ نَفْعَلَ بأهل بيت نبينا..
_________________
(١) عبد الله بن الحسن بن حسين: بن علي بن أبي طالب يروي عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسين وعنه: مالك وابن علية، اخرج له أصحاب السنن الاربعة. مات سنة خمس وأربعين ومئة.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٠» رقم «١» .
(٣) وفي نسخة (ان أراك) .
(٤) فيما رواه الحاكم وصححه البيهقي وغيره.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٥٣» رقم «٨» .
(٦) زيد بن ثابت: بن قيس بن شماس الانصاري الصحابي المشهور كان كاتب الوحي ورأس القضاء والفتوى والقراءة والفرائض بالمدينة توفي سنة ٤٥ هـ.
(٧) وأمه هي النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي بن عامر الانصارية. روت عن النبي ﷺ. تزوجها بعد ثابت عمارة بن حزم فولدت له مالكا.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٩) قول الصحابي (أمرنا) له حكم المرفوع في مصطلح الحديث على كلام فيه.
[ ٢ / ١١٠ ]
وَرَأَى ابْنُ «١» عُمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ «٢» أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ «٣»: لَيْتَ هَذَا عَبْدِي «٤» فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ.. فَطَأْطَأَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ وَنَقَرَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ وَقَالَ: لَوْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّهُ..
وَقَالَ «٥» الْأَوْزَاعِيُّ «٦» دَخَلَتْ بِنْتُ «٧» أُسَامَةَ «٨» بْنِ زَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ بْنِ «٩» عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَعَهَا مَوْلًى لَهَا يُمْسِكُ بِيَدِهَا.. فَقَامَ لَهَا عُمَرُ وَمَشَى إليها حتى جعل يديها بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَدَاهُ فِي ثِيَابِهِ، وَمَشَى بِهَا حَتَّى أَجْلَسَهَا عَلَى مَجْلِسِهِ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهَا وما ترك لها حاجة «١٠» إلا قضاها.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٢) محمد بن اسامة بن زيد: بن حارثة مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ روى عن أبيه توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك.
(٣) الحديث في صحيح البخاري.
(٤) وفي نسخة (عندي) وهي الاصح.. أي ليعلمه ويؤدبه، ولان الرسول ﷺ نهى ان يقول الانسان عبدي وأمتي بل يقول فتاي وفتاتي.
(٥) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق.
(٦) الأوزاعي: الامام العابد الزاهد الحافظ، صاحب المذهب الذي كان عليه أهل المغرب قبل اتباع مذهب الامام مالك.. سكن الشام حتى مات مرابطا في ثغر بيروت.. وهو منسوب للاوزاع بطن من حمير او همدان.
(٧) وابنته تسمى فاطمة وكانت تسكن المزه بالشام كما ذكره ابن عبد البر.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤١٢» رقم «٣» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٠» رقم «١» .
(١٠) قال لها: ما حاجتك يا فاطمة؟ قالت: تحملني الى أخي. فجهزها وحملها اليه
[ ٢ / ١١١ ]
وَلَمَّا فَرَضَ «١» عُمَرُ بْنُ «٢» الْخَطَّابِ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ «٣» فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَلِأُسَامَةَ «٤» بْنِ زَيْدٍ في ثلاثة آلاف وخمسمئة. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِيهِ لِمَ فَضَّلْتَهُ؟ .. فَوَاللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلَى مَشْهَدٍ.. فَقَالَ لَهُ: لِأَنَّ زَيْدًا «٥» كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ، وَأُسَامَةَ «٦» أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْكَ، فَآثَرْتُ حُبَّ «٧» رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حُبِّي.
وَبَلَغَ «٨» مُعَاوِيَةَ «٩» أَنَّ كَابِسَ «١٠» بْنَ رَبِيعَةَ يُشَبَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الدَّارِ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَلَقَّاهُ وقبّل بين عينيه وأقطعه المرغاب «١١» لِشَبَهِهِ صُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
_________________
(١) رواه الترمذي وحسنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤١٢» رقم «٣» .
(٥) زيد بن حارثة بن شراحيل (أو شرجيل) الكلبي: صحابي اختطف في الجاهلية صغيرا واشترته خديجة بنت خويلد فوهبته إلى النبي ﷺ حين تزوجها، فتبناه- قبل الاسلام- واعتقه وزوجه بنت عمته، واستمر الناس يسمونه «زيد بن محمد» حتى نزلت آية «دعوهم لابائهم» وهو من أقدم الصحابة: إسلاما، وكان النبي ﷺ لا يبعثه في سرية الا أمره عليها، وكان يحبه ويقدمه، وجعل له الامارة في غزوة مؤتة، فاستشهد فيها.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤١٢» رقم «٣» .
(٧) حب: بكسر الحاء فيها بمعنى المحبوب ويجوز أن تكون مضمومة مصدر حب
(٨) رواه ابن عساكر.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٥٩» رقم «٢» .
(١٠) كابس بن ربيعة: بن مالك بن لؤي السامي البصري.
(١١) أرض بمرو الشاهجان: او قرية بهراة كانت ذات غلة كثيرة يرغب فيها وهو بكسر الميم وغين معجمة وألف وياء موحدة قبلها راء مهملة.
[ ٢ / ١١٢ ]
وَرُوِيَ أَنَّ مَالِكًا «١» ﵀ لَمَّا ضَرَبَهُ جَعْفَرُ بْنُ «٢» سُلَيْمَانَ، وَنَالَ مِنْهُ مَا نَالَ «٣»، وَحُمِلَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَأَفَاقَ فَقَالَ «٤»: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَعَلْتُ ضَارِبِي فِي حِلٍّ.. فَسُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ أَمُوتَ فَأَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ آلِهِ النَّارَ بِسَبَبِي.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَقَادَهُ «٥» مِنْ جَعْفَرٍ فَقَالَ لَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، وَاللَّهِ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا سَوْطٌ عَنْ جِسْمِي إِلَّا وَقَدْ جَعَلْتُهُ فِي حِلٍّ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ «٦» بْنُ عَيَّاشٍ: لو أتاني أبو بكر «٧»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) جعفر بن سليمان. ابن علي بن عبد الله بن عباس. فهو ابن عم أبي جعفر المنصور وكان واليا على المدينة من قبل أبي جعفر المنصور.
(٣) ضرب حتى خلعت يده وذلك لان بعضهم قال له ان مالكا لا يرى الايمان لبيعتكم شيئا لان يمين المكره لا تلزم فغضب جعفر ودعاه وجرده.
(٤) وفي نسخة (وقال) .
(٥) اقاده: أي طلب منه ان يقتص منه.
(٦) ابو بكر بن عياش: ابن سالم الاسدي الحناط المقرىء أحد ألاعلام.. اختلف في اسمه على احد عشر قولا.، وصحح أبو زرعة ان اسمه شعبة ووافقه الشاطبي.. وصحح ابن الصلاح والمزي ان اسمه كنيته.. يروي عن حبيب ابن أبي ثابت وعاصم وأبي اسحق.. وعنه: أحمد وعلي واسحق. وابن معين، والعطاردي، قال أحمد: صدوق ثقة ربما غلط.. وقال أبو حاتم: هو وشريك في الحفظ سواء.. وفي الميزان اثنان غيره يقال لكل منهما ابو بكر بن عياش.. قال الانطاكي: مات في جمادى الاولى سنة ثلاث وتسعين ومئتين وله ست وتسعون سنه، اخرج له البخاري والاربعة.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
[ ٢ / ١١٣ ]
وَعُمَرُ «١» وَعَلِيٌّ «٢» لَبَدَأْتُ بِحَاجَةِ عَلِيٍّ قَبْلَهُمَا لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولئن أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن أقدمهما عليه «٣» .
وَقِيلَ «٤» لِابْنِ عَبَّاسٍ «٥» . مَاتَتْ فُلَانَةُ- لِبَعْضِ «٦» أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ- فَسَجَدَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَسْجُدُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟. فَقَالَ: أَلَيْسَ قَالَ رسول الله ﷺ.. إذا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا.. وَأَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ..
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَزُورَانِ أُمَّ أَيْمَنَ «٧» مَوْلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقُولَانِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يزورها..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٣) هذا الرأي لابن عياش.. والا فالجمهور على ان الافضلية في السبق للاسلام وفي التقوى.. ولذا أذن عمر ﵁ بالدخول لبلال وسلمان قبل العباس وأبي سفيان رضي الله تعالى عنهم حين اجتمعوا على بابه فقال أبو سفيان للعباس: أتريد ان يقدم علينا الموالي؟! فقال العباس: الذنب منا حيث تأخرنا فيما كان يجب التقدم علينا.
(٤) رواه ابو داود والترمذي وحسنه.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٦) قيل هي ميمونة وقيل زينب.
(٧) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٥٨» رقم «٥» .
[ ٢ / ١١٤ ]
وَلَمَّا وَرَدَتْ «١» حَلِيمَةُ «٢» السَّعْدِيَّةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَقَضَى حَاجَتَهَا.. فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَفَدَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وعمر فصنعا بها مثل ذلك.
_________________
(١) كما روى ابن سعد عن عمرو بن سعد بن أبي وقاص مرسلا.
(٢) حليمة السعدية: من بني سعد أمه ﷺ من الرضاعة. وأنكر الدمياطي اسلامها وقال: هذه الفصة بحق الشيماء ابنتها.. فرد عليه مفلطاي بتأليف كتاب سماه (التحفة الجسيمة في اسلام حليمة) . وقد تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «٧٢٧» رقم «٩» .
[ ٢ / ١١٥ ]
الفصل السادس توقير أصحابه وبرّهم وَمَعْرِفَةُ حَقِّهِمْ
وَمِنْ تَوْقِيرِهِ وَبِرِّهِ ﷺ تَوْقِيرُ أَصْحَابِهِ وَبِرُّهُمْ، وَمَعْرِفَةُ حَقِّهِمْ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَحُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ «١» وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُمْ، والإضطراب عَنْ أَخْبَارِ الْمُؤَرِّخِينَ، وَجَهَلَةِ الرُّوَاةِ، وَضُلَّالِ الشِّيعَةِ وَالْمُبْتَدِعِينَ الْقَادِحَةِ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ.. وَأَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ أَحْسَنُ التَّأْوِيلَاتِ «٢» . ويخرّج لهم أصوب المخارج، إذهم أَهْلُ ذَلِكَ. وَلَا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِسُوءٍ، ولا يغمص «٣» عَلَيْهِ أَمْرٌ.. بَلْ تُذْكَرَ حَسَنَاتُهُمْ وَفَضَائِلُهُمْ وَحَمِيدُ سيرهم.. ويسكت عما وراء ذلك.
_________________
(١) ففي الحديث فيما رواه الطبراني وابن اسامة (اذا ذكر أصحابى فأمسكوا) . وفي حديث آخر (اياكم وما شجر أصحابي) تخريج الحديث.
(٢) لان الصحابة كلهم عدول بشهادة الله لهم (وكذلك جعلنا كم أمة وسطا) أي عدولا.
(٣) يغمص: يعاب. وفي نسخة (يغمض) . والظاهرة أنه تصحيف.
[ ٢ / ١١٦ ]
كَمَا قَالَ ﷺ «١»: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ.. «٢»» إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَقَالَ «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ «٣»» وقال تَعَالَى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ «٤»» .
وقال تَعَالَى: رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «٥»» الاية.
عن حذيفة «٦» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٧»: «اقتدوا
_________________
(١) فيما رواه الطبراني وابن أسامة عن ابن مسعود ﵁.
(٢) سورة الفتح آية «٢٩» وتتمتها (تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ.. وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كزرع أخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما.
(٣) سورة التوبة آية «١٠٠» وتتمتها (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَدًا، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
(٤) سورة الفتح آية «١٨» وتسمى بيعة الرضوان.
(٥) الاحزاب آية «٢٣» تتمتها (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) .
(٦) حذيفة: ابن اليمان أبو عبد الله العبسي أسلم هو وأبوه روى عن النبي ﷺ وعن عمر استعمله عمر على المدائن وكان صاحب رسول الله ﷺ. ومناقبه كثيرة وسكن الكوفة ومات بعد سته ٣٦.
(٧) اخرجه المصنف من عند الترمذي واخرجه الترمذي في المناقب به ورواه أيضا من طريق اخرى واخرجه ابن ماجه في السنة من طريقين، وقد أخرجه ابن حبان والحاكم من حديث حذيفة. ورواه الحاكم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم وصحح اسناده.
[ ٢ / ١١٧ ]
بالّذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» .
وَقَالَ «١»: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ.»
وَعَنْ أَنَسٍ «٢» ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٣»:
«مَثَلُ أَصْحَابِي «٤» كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِهِ «٥»»
وَقَالَ «٦»: اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» .
_________________
(١) كما روى عبد بن حميد عن ابن عمر وقال البزار منكر لا يصح. ورواه ابن عدي في الكامل باسناده عن نافع عن ابن عمر بلفظ (فأيهم أخذتم بقوله) بدل اقتديتم واسناده ضعيف.. ورواه البيهقي في المدخل من حديث عمر، ومن حديث ابن عباس بنحوه. ومن وجه آخر مرسلا وقال: متنه مشهور واسانيده ضعيفة.. قال الحلبي: وكان ينبغي للقاضي ان لا يذكره بصيغة الجزم لما عرف عند أهل الصناعة، وقد سبق له مثله مرارا أقول: يحتمل انه ثبت باسناد عنده، أو حمل كثرة الطرق على ترقيه من الضعيف الى الحسن بناء على حسن ظنه مع ان الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الاعمال. ولكن لا وجه هنا لفضائل الاعمال.. بل انه امر بالاتباع في كل شيء.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) في رواية البزار وأبي يعلى.
(٤) زاد البغوي في المصابيح وشرح السنة (في امتي) .
(٥) وهذا الحديث رواه ابن ابي حاتم وغيره من طرق مختلفة.. وقال الحسن البصري: قد ذهب ملحنا فكيف يصلح..
(٦) في حديث تقدم.
[ ٢ / ١١٨ ]
وَقَالَ «١»: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي.. فَلَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ «٢» أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ «٣»» .
وَقَالَ «٤»: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.. لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا «٥» وَلَا «٦» عَدْلًا..»
وَقَالَ «٧»: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» .
وَقَالَ «٨» فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «٩»: «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَاخْتَارَ لِي مِنْهُمْ أَرْبَعَةً: أبا بكر «١٠»، وعمر «١١»، وعثمان «١٢» وعليا «١٣» .. فجعلهم
_________________
(١) في حديث رواه مسلم وغيره.
(٢) المد هو ربع صاع عادة وهو اقل ما يتصدق به وهو عند الشافعي رطل عراقي وثلث عراقي ورطلان عند أبي حنيفة.
(٣) نصيفه: بفتح النون وكسر الصاد المهملة بمعنى النصف بتثليث النون وقيل النصيف مكيال معروف وهو دون المد.
(٤) رواه الديلمي وأبو نعيم في الحلية عن جابر.
(٥) صرفا: بفتح الصاد المهملة وسكون الراء أي توبة أو نافلة.
(٦) عدلا: بفتح العين المهملة وسكون الدال أي فدية أو فريضة.
(٧) رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(٨) رواه البزار والديلمي.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٤» رقم «١» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(١٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٦٩» رقم «٦» .
(١٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
[ ٢ / ١١٩ ]
خَيْرَ أَصْحَابِي. وَفِي أَصْحَابِي كُلِّهِمْ خَيْرٌ» وَقَالَ «١»: «مَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَ عُمَرَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي» .
وَقَالَ مَالِكُ «٢» بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ «٣»: مَنْ أَبْغَضَ الصَّحَابَةَ وَسَبَّهُمْ فَلَيْسَ لَهُ فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَقٌّ.. وَنَزَعَ بِآيَةِ الْحَشْرِ «وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ» «٤» الْآيَةَ.
وَقَالَ مَنْ غَاظَهُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ كَافِرٌ «٥» . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
«لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ «٦»» وقال عبد «٧» الله بن المبارك: خصلتان
_________________
(١) رواه الطبراني في الاوسط بسند حسن.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٣) لم يسبق الى هذا الاستنباط بل سبقه اليه ابن عباس كما نقل ابن تيمية في كتاب رد الروافض.
(٤) الحشر آية «١٠» تتمتها (يقولون: ربنا اغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا الذين آمنوا. ربنا انك رؤوف رحيم) . والمراد أن الله تعالى قد بين له الحد في الفيء في هذه الاية ورتبهم على ثلاث منازل للفقراء المهاجرين، والذين تبوؤا الدار يعني المدينة وهم الانصار والذين جاؤوا من بعدهم يعني التابعين الذين يجيئون بعد المهاجرين والانصار الى يوم يقولون ربنا اغفر لنا الى قوله تعالى ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا أي بغضا قال فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام المؤمنين.
(٥) هذا رواه الخطيب البغدادى عن عروة الزبيري قال: كنا عند مالك بن أنس فذكر عنده رجل انتقص الصحابة فتلا قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار.. الخ) . وقال: من أصبح في قلبه غيظ على اصحاب محمد فقد أصابته هذه الاية لانها صدرت بلام التعليل (ليغيظ بهم الكفار) .
(٦) سورة الفتح آية «٢٩» .
(٧) عبد الله بن المبارك أحد الأئمة الاعلام كانت أمه خوارزمية وأبوه تركيا كان رجلا صاحب حديث وفقه وأدب ونحو ولغة وشعر وفصاحة وزهد وورع وانصات وقيام ليل وعبادة وحج وغزو وفروسية وشجاعة وله تصانيف كثيرة توفي سنة ١٨١
[ ٢ / ١٢٠ ]
مَنْ كَانَتَا فِيهِ نَجَا، الصِّدْقُ وَحُبُّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
قَالَ أَيُّوبُ «١» السَّخْتِيَانِيُّ: مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ.
وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ فَقَدِ اسْتَضَاءَ بِنُورِ اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ أَخَذَ «٢» بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى.. وَمَنْ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فقد برىء مِنَ النِّفَاقِ، وَمَنِ انْتَقَصَ «٣» أَحَدًا مِنْهُمْ فَهُوَ مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح..
وأخاف أن لا يَصْعَدَ لَهُ عَمَلٌ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى يُحِبَّهُمْ جَمِيعًا وَيَكُونَ قَلْبُهُ «٤» سَلِيمًا.
وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ «٥» سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَاضٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ «٦» فَاعْرِفُوا لَهُ ذَلِكَ.. أَيُّهَا النَّاسُ.. إني
_________________
(١) وفي نسخة (أبو أيوب) وهي غير صحيحة.
(٢) وفي نسخة (فقد استمسك) .
(٣) وفي نسخة (ابغض) .
(٤) وفي نسخة (لهم سليما)
(٥) خالد بن سعيد: ابن العاص بن أمية بن عبد شمس الصحابي وهو ثالث او رابع أو خامس من أسلم وسبق غيره.. وليس في الصحابة من أسمه خالد بن سعيد غيره.. ولم يرو عنه حديثا في الكتب الستة. وهذا الحديث رواه الطبراني وابن منده وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب.. وخالد بن سعيد ان كان غير المذكور (لانه لم يشتهر عنه الرواية) فالحديث مرسل والا فمعضل.. وأول هذا الحديث انه ﷺ لما قدم من حجة الوداع المدينة صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أيها الناس. الخ
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
[ ٢ / ١٢١ ]
رَاضٍ عَنْ عُمَرَ «١» وَعَنْ عَلِيٍّ «٢» وَعَنْ عُثْمَانَ «٣» وَطَلْحَةَ «٤» وَالزُّبَيْرِ «٥» وَسَعْدٍ «٦» وَسَعِيدٍ «٧» وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ «٨» بْنِ عَوْفٍ فَاعْرِفُوا «٩» لَهُمْ ذَلِكَ.. أَيُّهَا النَّاسُ.. إِنَّ الله غفر لأهل بدر والحديبة «١٠» .. أَيُّهَا النَّاسُ احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي وَأَصْهَارِي «١١»، وَأَخْتَانِي «١٢» .. لَا يُطَالِبَنَّكُمْ «١٣» أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَظْلَمَةٍ «١٤» فَإِنَّهَا مَظْلَمَةٌ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٦٩» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٩١» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٩» رقم «٥» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٩١» رقم «١٠» .
(٨) عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي صحابي من أكابرهم وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد السابقين الى الاسلام وكان من الاجواد الشجعان العقلاء توفي سنة ٣٢ هـ.
(٩) ولم يذكر أبا عبيدة مع انه عاشرهم ولعله سقط من الراوي.
(١٠) هي قرية سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة.، بينها وبين مكة مرحلة. وقد جاء في الحديث وهي بئر.. قال ابو حنيفة ومالك: وهي من الحرم.. وخالفهما الشافعي رحمهم الله تعالى.. وقال ابن القصار والواحدي: بعضها من الحل.. وفي صحيح البخاري: والحديبية خارج الحرم.. أي باعتبار بعضها فلا ينافي ما تقدم.
(١١) اصهاري: مثل أبي بكر وعمر وأبي سفيان ﵃ والاصهار جمع صهر بكسر الصاد المهملة وهم أهل المرأة.
(١٢) اختاني: هم أزواج بناته عثمان وعلي، وأبو العاص بن ربيعة وأختاني جمع ختن بفتحتين.
(١٣) أي لا يكون لاحد منهم عليكم حق يستحق ان يطالبكم به ويدعيه عليكم.
(١٤) مظلمة: بكسر اللام وفتحها وهي ما يؤخذ ظلما وجورا فيطالب به ويشكي ممن أخذه والكسر فيها أكثر وأشهر.
[ ٢ / ١٢٢ ]
لَا تُوهَبُ «١» فِي الْقِيَامَةِ غَدًا «٢»» .
وَقَالَ رَجُلٌ «٣» لِلْمُعَافَى «٤» بْنِ عِمْرَانَ: أَيْنَ عُمَرُ «٥» بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ «٦» مُعَاوِيَةَ «٧»؟! .. فَغَضِبَ وَقَالَ: لَا يُقَاسُ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ.. مُعَاوِيَةُ صَاحِبُهُ وَصِهْرُهُ «٨» وَكَاتِبُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ..
وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ «٩» بِجِنَازَةِ رَجُلٍ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَقَالَ: كَانَ يُبْغِضُ عُثْمَانَ «١٠» فَأَبْغَضَهُ اللَّهُ.»
وَقَالَ ﷺ «١١» فِي الْأَنْصَارِ: اعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ. وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ. وَقَالَ «١٢»: «احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي وأصهاري فإنه من
_________________
(١) أي لا يهبها الله لانها حق العبد ما لم يرض صاحبها.
(٢) الحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية علي بن محمد بن يوسف بن شيبان بن مسمع.
(٣) الرجل القائل غير معروف.
(٤) المعافي بن عمران: ابو مسعود الأزدي الموصلي أحد الاعلام، يروي عنه بشر الحافي وغيره. قال شيخه الثوري ﵀: هو ياقوتة العلماء. أخرج له البخاري وغيره توفي سنة خمس وثمانين ومئة.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٧٤» رقم «٢» .
(٦) والسائل يطلب معرفة أيهما أفضل.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٣» رقم «٦» .
(٨) صهره لانه اخو زوجته ام حبيبة بنت أبي سفيان ام المؤمنين ﵂
(٩) كما رواه الترمذي عن جابر وضعفه.
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٦٩» رقم «٥» .
(١١) رواه الشيخان. وفي البخاري (اوصى الخليفة من بعدي بالمهاجر والانصار أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم.)
(١٢) حديث رواه ابو تعيم والديلمي عن عياض الانصاري وابن منيع عن أنس.
[ ٢ / ١٢٣ ]
حَفِظَنِي فِيهِمْ حَفِظَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله عنه، ومن تخلى الله عنه يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ..»
وَعَنْهُ ﷺ «١»: «مَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي كُنْتُ لَهُ حَافِظًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.» وَقَالَ «٢»: «مَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي وَرَدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْنِي فِي أَصْحَابِي لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَلَمْ يَرَنِي إِلَّا مِنْ بَعِيدٍ.»
قَالَ مَالِكٌ «٣» ﵀: هَذَا النَّبِيُّ مُؤَدِّبُ الْخَلْقِ الَّذِي هَدَانَا اللَّهُ بِهِ وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، يَخْرُجُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ «٤» فَيَدْعُو لَهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لهم كَالْمُوَدِّعِ لَهُمْ «٥» . وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ بِحُبِّهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ «٦»: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا لَهُ شَفَاعَةٌ يَوْمَ القيامة.
_________________
(١) فيما روى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح مرسلا.
(٢) كما رواه الطبراني بسند ضعيف.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٤) البقيع: في الاصل اسم لكل مكان متسع فيه شجر. وبقيع المدينة يقال له بقيع الفرقد والفرقد نوع من شجر العضاة كان به ثم أزيل.. وفي البقيع أحاديث مشهورة بفضله.. وهو مقبرة أهل المدينة ودفن فيه كثير من الصحابة رضوان الله عليهم
(٥) كما في حديث عائشة ﵂.
(٦) كعب الاحبار كما ذكره الحلبي وهو التابعي المشهور وتقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٣» . وهذا رواه عنه بن سعد.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وَطَلَبَ «١» مِنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ «٢» نَوْفَلٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ «٣» اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: لَمْ يُؤْمِنْ بِالرَّسُولِ مَنْ لَمْ يوقّر أصحابه ولم يعزّ أوامره..
_________________
(١) وطلب كعب الاحبار. وهذا يدل على صحة اعتقادة فيهم.
(٢) لمغيرة بن نوفل: ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الصحابي.. ولد على عهد رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة، وكان من أنصار علي ﵁. وقيل: انه لم يدرك من حياة رسول الله ﷺ الا ست سنين، وكان قاضيا في خلافة عثمان ﵁ وعد من الصحابة ﵁.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٦» .
[ ٢ / ١٢٥ ]
الفصل السّابع إعزاز ماله من صلة بالنبي ﷺ من امكنة ومشاهد
وَمِنْ إِعْظَامِهِ وَإِكْبَارِهِ إِعْظَامُ جَمِيعِ أَسْبَابِهِ، وَإِكْرَامُ مَشَاهِدِهِ وَأَمْكِنَتِهِ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَعَاهِدِهِ «١» . وَمَا لَمَسَهُ ﷺ أَوْ عُرِفَ به.
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ نَجْدَةَ «٢» قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي مَحْذُورَةَ «٣» قُصَّةٌ «٤» فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِذَا قَعَدَ وأرسلها أصابت الأرض.. فقيل له:
_________________
(١) أي الامكنة التي عهد أنه ﷺ كان يألفها كالاساطين التي كان يصلي عندها ويجلس اليها.
(٢) صفية بنت نجدة: في الحواشي التلمسانية ان هذه المرأة زوجة أبي محذورة وقد روى عنها ايوب بن ثابت، وروت هي عن زوجها أبي محذورة، واختلف في اسم أبيها نجدة فقيل نجدة وقيل نجراه وقيل الصواب بجره.
(٣) أبو محذورة بن معير بن لوزان القريشي مؤذن رسول الله ﷺ بمكة ولم يزل الأذان في عقبه وهو جهمي صحابي توفي سنة تسع وخمسين او سبعين اخرج له مسلم واحمد واصحاب السنن
(٤) قصة: هو ما أقبل على الجبهة من شعر الرأس. وهو شعر الناصية. وقصة: بضم القاف وتشديد الصاد المهملة.
[ ٢ / ١٢٦ ]
أَلَا تَحْلِقُهَا؟! فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ بِالَّذِي أَحْلِقُهَا وَقَدْ مَسَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ.
وَكَانَتْ «١» فِي قَلَنْسُوَةِ «٢» خَالِدِ بْنِ «٣» الْوَلِيدِ شَعَرَاتٌ مِنْ شَعَرِهِ ﷺ.. فَسَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ فِي بَعْضِ حُرُوبِهِ «٤» فَشَدَّ عَلَيْهَا شَدَّةً أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ كَثْرَةَ مَنْ قُتِلَ فِيهَا.. فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْهَا بِسَبَبِ الْقَلَنْسُوَةِ، بَلْ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ شَعَرِهِ ﷺ لِئَلَّا أُسْلَبَ «٥» بَرَكَتَهَا وَتَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ.
ورؤي ابْنُ «٦» عُمَرَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ «٧» النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ وضعها على وجهه «٨» .
_________________
(١) في حديث رواه أبو يعلى.
(٢) القلنسوة: ما يوضع على الرأس تحت العمامة وقلنسوة بفتح القاف وضمها وضم السين وكسرها ففيه لغات ويقال قلنسوة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣٧» رقم «٩» .
(٤) قيل هي غزوة اليمامة.
(٥) وفي نسخة لئلا (تسلب) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٧) مقعد: أي مكان قعوده
(٨) هذا رواه ابن سعد وسيأتي الكلام على هذا الحديث الذي يدل على جواز التبرك بالانبياء والصالحين وآثارهم وما يتعلق بهم ما لم يؤد الى فتنة او فساد عقيدة فاذا خشي ذلك لقرب عهد بالجاهلية او لانتشار الجهل بالدين سرت الذرائع كما فعل عمر عند ما قطع الشجرة التي وقعت تحتها البيعة لئلا يفتتن بها الناس لقرب عهدهم بالجاهلية. فلا منافاة بينهما ولا عبرة لمن أنكر ذلك من جهلة عصرنا.. وفي معناه أنشدوا من بحر الوافر: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبى ولكن حب من سكن الديارا
[ ٢ / ١٢٧ ]
وَلِهَذَا «١» كَانَ مَالِكٌ «٢» ﵀ لَا يَرْكَبُ بالمدينة دابة وكان يقول: أستحيي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا رَسُولُ الله ﷺ بِحَافِرِ دَابَّةٍ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ وَهَبَ لِلشَّافِعِيِّ «٣» كُرَاعًا «٤» كَثِيرًا كَانَ عِنْدَهُ.
فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: أَمْسِكْ مِنْهَا دَابَّةً.. فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٥» السُّلَمِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ «٦» فَضْلَوَيْهِ الزَّاهِدِ وَكَانَ مِنَ الْغُزَاةِ الرُّمَاةِ أَنَّهُ قَالَ:
مَا مَسَسْتُ الْقَوْسَ بِيَدِي إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ مُنْذُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ الْقَوْسَ بِيَدِهِ.
وَقَدْ أَفْتَى مَالِكٌ «٧»: فِيمَنْ قَالَ: تُرْبَةُ الْمَدِينَةِ رديئة.. يُضْرَبُ ثَلَاثِينَ دِرَّةً «٨» وَأَمَرَ بِحَبْسِهِ، وَكَانَ لَهُ قَدْرٌ وَقَالَ: مَا أَحْوَجَهُ إِلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ.. تربة دفن فيها رسول الله ﷺ يزعم أنها
_________________
(١) أي للتبرك باثاره ﷺ.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٤) كراعا: بوزن غراب وهو جماعة الخيل. وله معان أخر فيطلق على الخيل والسلاح وما استدق من الساق واسم موضع.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١» رقم «٤» .
(٦) أحمد بن فضلويه: كان مكثرا من المجاهدة في سبيل الله ومتقنا للرماية بالسهام
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٨) الدرة: بكسر الدال وتشديد الراء مع فتحها آية من جلد غليظ يضرب بها.
[ ٢ / ١٢٨ ]
غَيْرُ طَيِّبَةٍ «١» !!!.
وَفِي الصَّحِيحِ «٢» أَنَّهُ قَالَ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ: «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا «٣»، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.. لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» .
وَحُكِيَ «٤» أَنْ جَهْجَاهًا «٥» الْغِفَارِيَّ أَخَذَ قَضِيبَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ «٦» ﵁ وَتَنَاوَلَهُ لِيَكْسِرَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ «٧» ..
فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَأَخَذَتْهُ الْآكِلَةُ فِي رُكْبَتِهِ فَقَطَعَهَا وَمَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَقَالَ ﷺ «٨»: «مَنْ حلف على «٩» منبري كاذبا فليتبوأ مقعده
_________________
(١) وقال البوصيري ﵀: لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه طوبى لمستنشق منه وملتثم
(٢) في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن أنس.
(٣) حدثا: أي من فعل فيها أمرا قبيحا ابتدعه فيها كالمظالم.
(٤) حكاه ابن عبد البر.
(٥) جهجاها: وفي نسخة بلا تنوين هو بن سعد بن حرام. قال الطبري: كذا رواه المحدثون والصواب جهجا بلا هاء.. وقال الذهبي: هو جهجاه بن قيس.. وقيل: ابن سعيد وهو مدني صحابي شهد بيعة الرضوان وبعض الغزوات وتوفي بعد عثمان بسنة.. وقد تقدم.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٦٩» رقم «٦» .
(٧) وذلك في الفتنة لما حصب الناس عثمان وهو على المنبر فلما نزل تقدم جهجاه وأخذ القضيب
(٨) في حديث رواه مالك، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن أبي هريرة
(٩) المراد على المنبر انه عنده ويجوز ابقاؤه على ظاهره بأن يصعد عليه ويحلف وقد نص عليه الشافعية وانه يجوز له أن يؤمر بصعوده ولكن الاصح الاول. وهذا بناء على ان اليمين. تغلظ بالمكان والزمان فيذهب للحلف بالمسجد.. وقد كان في حياته ﷺ يحلف عند المنبر ما بينه وبين القبر.
[ ٢ / ١٢٩ ]
مِنَ النَّارِ. وَحُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ «١» الْجَوْهَرِيَّ لَمَّا وَرَدَ الْمَدِينَةَ زَائِرًا وَقَرُبَ مِنْ بُيُوتِهَا تَرَجَّلَ وَمَشَى بَاكِيًا مُنْشِدًا «٢»:
وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ «٣» مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا فُؤَادًا لِعِرْفَانِ «٤» الرُّسُومِ وَلَا لُبَّا «٥»
نَزَلْنَا عَنِ الْأَكْوَارِ «٦» نَمْشِي كَرَامَةً لِمَنْ بَانَ «٧» عَنْهُ أَنْ نُلِمَّ «٨» بِهِ رَكْبَا «٩»
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُرِيدِينَ «١٠» أَنَّهُ لَمَّا أَشْرَفَ على مدينة الرسول
_________________
(١) ابو الفضل الجوهري: ليس هو عبد الله بن الحسن المصري الواعظ بجامع مصر في حدود السبعين واربعمائة وكان من العلماء الصالحين يتبرك به ويقتدى به في السلوك وانما هو كما في تاريخ الاندلس عبد الله بن الحكيم الرندي الاندلسي ذو الوزارتين، له فضل وحسب وفضل باهر وأدب: عالم بالقرآن والحديث والعربية. وله شعر رائق ونثر فائق، وارتحل للمشرق فأخذ بها عن ابن عساكر واكثر الرواية عنه وله رئاسة في عصره ولكنه خلع ونهبت أمواله وكتبه وقتل شهيدا.
(٢) والأبيات لابي الطيب المتنبي من قصيدة له في مدح سيف الدولة ولقد أجاد في تمثله به ونقله لمحل لائق به.
(٣) الرسم آثار الديار الدارسة والمراد آثاره ﷺ في معاهده ورسالته
(٤) عرفان: المعرفة.
(٥) اللب: العقل الخالص من الشوائب سمي به لانه خالس ما في الانسان في قواه
(٦) الاكوار: جمع كور وهو رحل الناقة بمنزلة السرج.
(٧) بان: ظهر.
(٨) فلم: ننزل أي لا يليق به اذ أتى النبي ﷺ وقد قرب مقامه أن يأتيه راكبا.
(٩) ركبا: أي راكبين من أسماء الجمع كرهط أو جمع راكب كصحب صاحب.
(١٠) المريدين للزيارة.
[ ٢ / ١٣٠ ]
ﷺ أنشأ «١» يَقُولُ مُتَمَثِّلًا «٢»:
رُفِعَ الْحِجَابُ لَنَا فَلَاحَ لِنَاظِرٍ قَمَرٌ تَقَطَّعَ «٣» دُونَهُ «٤» الْأَوْهَامُ
وَإِذَا الْمَطِيُّ «٥» بِنَا بلغن محمدا فظهورهن على الرجال «٦» حرام
قربتنا من خير من وطيء الثَّرَى فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُ «٧»
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ: أَنَّهُ حَجَّ مَاشِيًا.. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ: فَقَالَ: الْعَبْدُ الْآبِقُ «٨» يَأْتِي إِلَى بَيْتِ مَوْلَاهُ رَاكِبًا؟!!.
لَوْ قَدَرْتُ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى رَأْسِي «٩» مَا مَشَيْتُ عَلَى قَدَمَيَّ.
قَالَ القاضي «١٠»: وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتنزيل
_________________
(١) ويروي (أنشد) والشعر من قصيدة لابي نوأس بن هانىء في مدح محمد الامين بن الرشيد وأول القصيد قوله: يا دار ما فعلت بك الايام لم يبق فيك بشاشة فتسام
(٢) التمثل: انشاد شعر الغير في مقام يناسبه.
(٣) تقطع: بحذف إحدى التامين.
(٤) دونه: عنده.
(٥) المطي: جمع مطية وهي ما يمطى ظهرها أي يركب أي كناقة او فرس.
(٦) وفي نسخة (الرحال) بالحاء المهملة جمع رحل وهو للابل كالسراج للخيل وبرواية الجيم جمع رجل ذكر من بني آدم والمعنى متقارب أي اذا أوصلتهم لمقاصدهم كان لها حرمة تقتضي رعايتها وراحتها فلا يركبها بعد ذلك رجل ولا يوضع على ظهرها رحل بل تترك سارحة منعمة في مرعاها.
(٧) الذمام: العهد والامان.
(٨) الابق: الفار من سيده. واراد هنا المذنب المقصر.
(٩) كناية عن غاية التذلل.
(١٠) المصنف ﵀.
[ ٢ / ١٣١ ]
وَتَرَدَّدَ بِهَا «١» جِبْرِيلُ «٢» وَمِيكَائِيلُ، وَعَرَجَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ، وَضَجَّتْ «٣» عَرَصَاتُهَا «٤» بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ وَاشْتَمَلَتْ تُرْبَتُهَا عَلَى جَسَدِ سَيِّدِ الْبَشَرِ، وَانْتَشَرَ عَنْهَا مِنْ دِينِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا انْتَشَرَ، مَدَارِسُ «٥» وآيات، وَمَسَاجِدُ وَصَلَوَاتٌ، وَمَشَاهِدُ الْفَضَائِلِ وَالْخَيْرَاتِ، وَمَعَاهِدُ الْبَرَاهِينِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَمَنَاسِكُ الدِّينِ، وَمَشَاعِرُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَوَاقِفُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَمُتَبَوَّأُ «٦» خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، حَيْثُ انْفَجَرَتِ النُّبُوَّةُ، وَأَيْنَ «٧» فَاضَ عُبَابُهَا «٨»، وَمُوَاطِنُ طُوِيَتْ «٩» فِيهَا الرِّسَالَةُ، وأول أرض مسّ جلد المصطفى تراثها «١٠»، أَنْ تُعَظَّمَ عَرَصَاتُهَا، وَتُتَنَسَّمَ نَفَحَاتُهَا، وَتُقَبَّلَ رُبُوعُهَا وجدرانها..
_________________
(١) وفي نسخة (منها) .
(٢) أما تردد جبريل ﵊ فظاهر وأما ميكائيل ﵊ فكان ينزل عليه أحيانا.
(٣) ضجت: بتشديد الجيم أي صوتت.
(٤) عرصاتها: بفتحتين جمع عرصة وهي الارض والساحة المتسعة من غير بناء والمراد هنا الأرض مطلقا.
(٥) مدارس: جمع مدرس مفعل من الدرس وهو مكانه أي محال يدرس فيها القرآن
(٦) متبوأ: أي مساكن.
(٧) اين: اسم يستفهم به عن المكان فجرد عن الاستفهام لمجرد المكان. قيل انها نافية على اصلها. أي هي جواب من سأل وقال: اين فاض عباب النبوة؟ فيقال: هذه الاماكن.
(٨) العباب: بضم العين المهملة معظم السيل وارتفاعه وكثرة تموجه.
(٩) وفي نسخة (مهبط) بدون أي) مواطن مهبط الرسالة) .
(١٠) أي بعد الوفاة.
[ ٢ / ١٣٢ ]
يَا «١» دَارَ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ وَمَنْ بِهِ هُدِيَ الْأَنَامُ وَخُصَّ بِالْآيَاتِ
عِنْدِي لِأَجْلِكِ لَوْعَةٌ «٢» وَصَبَابَةٌ «٣» وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الْجَمَرَاتِ
وَعَلَيَّ عَهْدٌ إِنْ مَلَأْتُ محاجري «٤» من تلكم الجدران وَالْعَرَصَاتِ
لَأُعَفِّرَنَّ «٥» مَصُونَ شَيْبِيَ بَيْنَهَا مِنْ كَثْرَةِ التَّقْبِيلِ وَالرَّشَفَاتِ «٦»
لَوْلَا الْعَوَادِي «٧» وَالْأَعَادِي زُرْتُهَا أَبَدًا وَلَوْ سَحْبًا عَلَى الْوَجَنَاتِ «٨»
لَكِنْ سَأُهْدِي مِنْ حفيل «٩» تحيتي لقطين «١٠» تلك الدار والحجرات «١١»
_________________
(١) وهذه الابيات من شعر المصنف عياض ﵀.
(٢) اللوعة: شدة الحب.
(٣) الصبابة: رقة الشوق.
(٤) محاجر: جمع محجر وهو جوانب العين.
(٥) لاعفرن: التعفير هو التمريغ بالتراب.
(٦) الرشفات: جمع رشفة وهو مص الريق ونحوه وفسر هنا بالتقبيل أيضا.
(٧) العوادي: جمع عادية وهي الأمور التي تمنع عن زيارتها والعوائق والعوائق والعادية الغائرة الظالمة.
(٨) الوجنات: جمع وجنة وهي أعلى الخد.
(٩) حفيل: بحاء مهملة وفاء وياء تحتية ساكنة ولام بمعنى كثير نفيس يحتفل به.
(١٠) قطين: بمعنى المقيم.. ويطلق على الاتباع والخدم.
(١١) وكان الشيخ احمد بن الرفاعي ﵀ يرسل كل عام مع الحجاج سلامه الى رسول الله ﷺ فلما كتب الله له الزيارة وقف امام القبر الشريف وقال: في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل الارض عني وهي نائبني وهذه نوبة الاشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي فقيل ان اليد الشريفة بدت له فقبلها فهنيئا له ثم هنيئا..
[ ٢ / ١٣٣ ]
أَزْكَى مِنَ الْمِسْكِ الْمُفَتَّقِ «١» نَفْحَةً تَغْشَاهُ بِالْآصَالِ وَالْبَكَرَاتِ
وَتَخُصُّهُ بِزَوَاكِي الصَّلَوَاتِ وَنَوَامِيَ التَّسْلِيمِ وَالْبَرَكَاتِ «٢»
_________________
(١) المفتق: ما خلط بغيره ليزداد طيبه كماء الورد.
(٢) والبيت فاسد الوزن وصوابه ان يقول: وتخصه ازكى صلاة دائما بنوامي التسليم والبركات وروي ان المصنف ﵀ لم يحج ولم يزره ﷺ فقال هذه ألابيات متحسرا.
[ ٢ / ١٣٤ ]
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ وفرض ذلك وفضيلته وفيه عشرة فصول
[ ٢ / ١٣٥ ]
الفصل الأوّل معنى الصّلاة عليه
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «١»» الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٢» مَعْنَاهُ: «إِنَّ اللَّهَ وملائكته يباركون على النبي» فقيل: «إِنَّ اللَّهَ يَتَرَحَّمُ عَلَى النَّبِيِّ، وَمَلَائِكَتَهُ يَدْعُونَ لَهُ» .
قَالَ الْمُبَرِّدُ «٣»: «وَأَصْلُ الصَّلَاةِ.. التَّرَحُّمُ.. فَهِيَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ رِقَّةٌ وَاسْتِدْعَاءٌ لِلرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ» .
وَقَدْ وَرَدَ «٤» فِي الْحَدِيثِ «٥» صِفَةُ صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَنْ جَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» «٦» فَهَذَا دعاء.
_________________
(١) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» الأحزاب آية (٥٦) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٧١» رقم «٧» .
(٤) وفي نسخة وقد (روي) .
(٥) الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁
(٦) ولفظ الحديث في مسلم (لا يزال العبد في صلاة ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة والملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه حتى ينصرف او يحدث.) .
[ ٢ / ١٣٧ ]
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ «١» الْقُشَيْرِيُّ: «الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ رَحْمَةٌ، وَلِلنَّبِيِّ ﷺ تَشْرِيفٌ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ» .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ «٢»: «صَلَاةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «٣»: وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ تعليم الصلاة عليه بَيْنَ لَفْظِ الصَّلَاةِ وَلَفْظِ الْبَرَكَةِ فَدَلَّ أَنَّهُمَا بِمَعْنَيَيْنِ..
وَأَمَّا التَّسْلِيمُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ:
فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ «٤» بْنُ بُكَيْرٍ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ أُمِرُوا أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ حُضُورِهِمْ قَبْرَهُ وَعِنْدَ ذِكْرِهِ.
وَفِي مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ «٥»:
أَحَدُهُمَا: السَّلَامَةُ لَكَ ومعك، ويكون السلام مصدرا
_________________
(١) وفي نسخة (بكر القشيري) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٧» رقم «٣» .
(٣) المصنف القاضي أبو الفضل عياض.
(٤) أبو بكر بن بكير بالتصغير هو أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير التميمي المالكي البغدادي الفقيه الثقة صاحب التأليف الجليلة التي منها احكام القرآن، وهو عراقي من أقران بن الجهم، وقيل اسمه أحمد بن محمد بكير وقيل محمد بن بكير لا غير.
(٥) وفي نسخة (ثلاثة أوجه) .
[ ٢ / ١٣٨ ]
كَاللَّذَاذِ وَاللَّذَاذَةِ «١» ..
الثَّانِي: أَيِ السَّلَامُ عَلَى حِفْظِكَ وَرِعَايَتِكَ مُتَوَلٍّ لَهُ وَكَفِيلٌ بِهِ، وَيَكُونُ هُنَا السَّلَامُ اسْمَ اللَّهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ السَّلَامَ بِمَعْنَى الْمُسَالَمَةِ لَهُ وَالِانْقِيَادِ..
كَمَا قَالَ: «فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا «٢»»
***
_________________
(١) مصدران بمعنى اللذة ومثله كثير كالملام والملامة والمقال والمقالة.
(٢) سورة النساء آية (٦٥) .
[ ٢ / ١٣٩ ]
الفصل الثّاني حكم الصّلاة عليه
اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ عَلَى «١» الْجُمْلَةِ غَيْرُ مُحَدَّدٍ بِوَقْتٍ.. لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.. وَحَمْلِ «٢» الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ لَهُ عَلَى الْوُجُوبِ.. وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ «٣» أَنَّ مَحْمِلَ الْآيَةِ عِنْدَهُ عَلَى النَّدْبِ، وَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ- وَلَعَلَّهُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ.
وَالْوَاجِبُ مِنْهُ الَّذِي يَسْقُطُ بِهِ الْحَرَجُ وَمَأْثَمُ تَرْكِ الْفَرْضِ مَرَّةً، كَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَمَنْدُوبٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ، وَشِعَارِ أَهْلِهِ.
_________________
(١) وفي نسخة (في الجملة) .
(٢) يحتمل ان يكون مصدرا او فعل ماض كما في نسختين صحيحتين.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
[ ٢ / ١٤٠ ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ «١» بْنُ الْقَصَّارِ: «الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا «٢» أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ «٣» على الإنسان وفرض «٤» عليه عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ» .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ «٥» بْنُ بُكَيْرٍ: «افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ..
فَالْوَاجِبُ أَنْ يُكْثِرَ الْمَرْءُ مِنْهَا، وَلَا يَغْفُلَ عَنْهَا» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ «٦» بْنُ نَصْرٍ: «الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ» .
قال القاضي أبو عبد الله محمد «٧» بن سعيد: «ذهب
_________________
(١) أبو الحسن بن القصار هو علي بن عمر بن أحمد الفقيه الثقة له كتاب في الخلاف كثير الفوائد لم نصنف في بابه أحسن منه. وهو من ائمة المالكية منسوب لصنعة قصار الثياب وهو تبييضها.
(٢) اي المالكية.
(٣) أي من دون تعيين وقت له على الانسان.
(٤) اشارة الى ان الفرض والواجب بمعنى واحد عنده كالشافعية خلافا للحنفية.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٣٨) رقم (٤) .
(٦) أبو محمد بن نصر المالكي وهو القاضي عبد الوهاب بن نصر بن أحمد بن حسين وقيل: بن الحسن بن احمد بن هارون بن مالك أدركه الشيرازي وسمع منه في النظر، كان فقيها شاعرا أديبا له شعر كثير وكتب كثيرة في كل فن، وارتحل في آخر عمره لمصر فحصلت له ثروة، وتوفي سنة احدى وعشرين واربعمائة.
(٧) القاضي ابو عبد الله محمد بن سعيد قيل: هو محمد بن سعيد بن شرحبيل الفقيه. كتب في حداثته للقاضي مصعب بن عمران ثم رحل الى المشرق فلقي مالكا رضي الله تعالى عنه، قرأ عليه ثم انصرف للاندلس والتزم ضيعقته ساحة الى ان توفي سنة ثمان وتسعين ومائة كما قاله القاضي في المدارك.
[ ٢ / ١٤١ ]
مَالِكٌ «١» وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الصلاة على النبي ﷺ فرض بالجملة بقصد الْإِيمَانِ، لَا يَتَعَيَّنُ فِي الصَّلَاةِ. وَأَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ عُمُرِهِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ «٢»: «الْفَرْضُ مِنْهَا الذي أمر الله تعالى وَرَسُولُهُ ﷺ هُوَ فِي الصَّلَاةِ» . وَقَالُوا: «وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ» .
وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَحَكَى الْإِمَامَانِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ «٣» وَالطَّحَاوِيُّ «٤» وَغَيْرُهُمَا إِجْمَاعَ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَشَذَّ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَعْدِ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ قَبْلَ السَّلَامِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ «٥»، وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تُجْزِهِ» .
وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا سُنَّةَ يَتَّبِعُهَا، وَقَدْ بَالَغَ فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عليه.. لمخالفته فيها من تقدمته جماعة، وشنّعوا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤٠» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٤) الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة وقد تقدم.
(٥) لأنهار كن من أركان الصلاة فتفسد بتركها في التشهد الأخير فقط.
[ ٢ / ١٤٢ ]
عَلَيْهِ الْخِلَافَ فِيهَا. مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ «١» وَالْقُشَيْرِيُّ «٢»، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ «٣»: «يُسْتَحَبُّ أن لا يُصَلِّيَ أَحَدٌ صَلَاةً إِلَّا صَلَّى فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة مَذْهَبِ مَالِكٍ «٤» وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسُفْيَانَ «٥» الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ «٦» وَغَيْرِهِمْ.. وَهُوَ قَوْلُ جُمَلِ «٧» أَهْلِ الْعِلْمِ» .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: «أَنَّهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَأَنَّ تَارِكَهَا فِي التَّشَهُّدِ مُسِيءٌ» وَشَذَّ الشَّافِعِيُّ فَأَوْجَبَ عَلَى تاركها في في الصلاة الإعادة.
وأوجب إسحق «٨» الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان «٩» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٢) القشيري قيل المراد به أبو ناصر بن صاحب الرسالة، وأبو بكر بن العلاء القشيري المالكي واما الامام القشيري صاحب الرسالة فهو شافعي لم ينقل عليه شيء مما ذكر
(٣) ابو بكر بن المنذر هو الامام الأوحد ابو بكر محمد بن ابراهيم النيسابوري الثقة الحجة إمام عصره، وشيخ الحرم، توفي بمكة سنة تسع او عشرة وثلاثمئة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٦» رقم «٣» وقد صرح به لأنه مجتهد صاحب مذهب
(٦) المراد بالرأي القياس في عرف الفقهاء، والمالكية والشافعية يريدون بهذه العبارة اتباع أبي حنيفة.
(٧) وفي نسخة (جل) .
(٨) اسحق ابن ابراهيم بن مخلد، وهو الامام الجليل ابو يعقوب بن راهويه عالم خراساني ومحدثها توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين وسنه سبع وتسعون سنة، روى عنه الجماعة خلا ابن ماجة.
(٩) ووافقه الحزقي من الحنابلة.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي «١» زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ «٢» أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرِيضَةٌ
قَالَ أَبُو محمد «٣»: «يريد ليست من فرائض الصلاة «٤»» .
وقال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ «٥» الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ وَحَكَى ابْنُ القصار «٦» وعبد الوهاب «٧»: «أن محمد بن الموازيراها فَرِيضَةً فِي الصَّلَاةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ «٨»»
وَحَكَى أَبُو يَعْلَى «٩» الْعَبْدِيُّ الْمَالِكِيُّ عَنِ الْمَذْهَبِ «١٠» فِيهَا ثَلَاثَةَ أقوال:
١- الوجوب ٢- والسنة ٣- والندب.
_________________
(١) أبو محمد بن أبي يزيد هو صاحب الرسالة المشهورة، وهو من أئمة المالكية.
(٢) محمد بن المواز هو الامام محمد بن ابراهيم، ومن أجل الأئمة في مذهب مالك وعليه المعول فيه وهو اسكندراني «توفي ببعض حصون الشام وكان قد اختفى به هربا من فتنة، ووفاته سنة احدى وثمانين ومائتين» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤١) رقم (٦) .
(٤) بل هي فرض في الجملة كما تقدم وسيأتي ما يخالقه.
(٥) محمد بن عبد الحكم هو أبو عبد الله محمد بن عبد الحكم المصري صاحب الشافعي، لم يكن في عصره اجل منه ولا أعرف بأقوال الصحابة والتابعين ولد سنة اثنين وثمانين ومئة، وتوفي لليلة خلت من ذي القعدة سنة ثمان او تسع وستين ومئتين. واخرج له النسائي. يروي عن ابن وهب وظائفه، وعنه النسائي وابن خزيمة والأصم وآخرون.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤١» رقم «١» .
(٧) عبد الوهاب من أئمة المالكية.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٩) أبو يعلى العبدي المالكي.
(١٠) أي مذهب مالك.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وَقَدْ خَالَفَ الْخَطَّابِيُّ «١» مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ «٢» وَغَيْرُهُ الشَّافِعِيَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ «١»: «وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الصَّلَاةِ.. وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا الشَّافِعِيَّ «٢» وَلَا أَعْلَمُ لَهُ فِيهَا قُدْوَةً» .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ عَمَلُ السَّلَفِ الصَّالِحِ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ، وقد شنّع الناس عليه هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جِدًّا.
وَهَذَا تَشَهُّدُ ابْنِ «٣» مَسْعُودٍ «٤» الَّذِي اخْتَارَهُ «٥» الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ فِيهِ الصلاة على النبي ﷺ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رَوَى التَّشَهُّدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كأبي «٦» هريرة،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٤» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٤) وتشهده هو أصح الفاظ التشهد حيث رواه اصحاب الكتب الستة ولهذا اختاره بعض العلماء والمشايخ من الشافعية أيضا، وقد ذكر ابن الملقن التشهدات الواردة عنه ﷺ في تخريج احاديث الرافعي فبلغت ثلاثة عشر تشهدا. ثم اجمعوا على جواز جميع الفاظ التشهد الوارد. وإنما الخلاف في الاختيار، فاختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود لكونه اصح سندا، واختار الشافعي تشهد ابن عباس، واختار مالك تشهد عمر الذي قرأه فوق منبر النبي ﷺ.
(٥) بل اختار تشهد ابن عباس لأن فيه زيادة لفظ المباركات.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَابْنِ عَبَّاسٍ «١»، وَجَابِرٍ «٢»، وَابْنِ «٣» عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ «٤» الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي مُوسَى «٥» الْأَشْعَرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير «٦»، لم لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ «٧» .
وَقَدْ قَالَ «٨» ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» .
ونحوه عن أبي سعيد الخدري.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ «٩» أَبُو بَكْرٍ «١٠» يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا يُعَلِّمُونَ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ» .
وَعَلَّمَهُ أَيْضًا عَلَى الْمِنْبَرِ عُمَرُ بْنُ الخطاب «١١» ﵁.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٢) رقم (٦) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٤) رقم (١) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٢) رقم (١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٣) رقم (١) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١١٨) رقم (٢) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٧) رقم (٤) .
(٧) هذا لأنهم انما تعلموه قبل نزول الاية فلما نزلت (يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) امرهم به كما هو مصرح في الحديث وسيأتي نقله قريبا.
(٨) في حديث رواه مسلم عن ابن عباس، رواه الحاكم والنسائي عن جابر.
(٩) كما رواه ابن شيبة في مصنفه.
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٦) رقم (٦) .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١١٣) رقم (٤) .
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَفِي الْحَدِيثِ «١»: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» .
قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ «٢»: مَعْنَاهُ (كَامِلَةً) . أَوْ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ مَرَّةً فِي عُمُرِهِ وضعّف أهل الحديث كلهم هَذَا الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي «٣» جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٤»:
«مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يُصَلِّ فِيهَا عَلَيَّ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِي لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ» .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ «٥»: الصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ «٦» مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: «لَوْ «٧» صَلَّيْتُ صَلَاةً لَمْ أُصَلِّ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
_________________
(١) رواه ابن ماجه، والحاكم في مستدركه وقال: وليس على شرطهما اذ لم يخرجاه.. والطبراني والدارقطني.. قال: وليس عندهم بقوي.. واليعمري والبيهقي بلفظ (لا صلاة لمن لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على نبيه، ولا صلاة لمن لم يحب الانصار) .
(٢) ابن القصار هو ابو الحسن علي بن أحمد البغدادي قاضيها الفقيه الأصولي النظار صاحب تصانيف وكان ثقة قليل الحديث مات سنة ثمان وتسعين وثلثمائة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٤١٣) رقم (١) .
(٤) وقد روي موقوفا من قبل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٨) رقم (١) .
(٦) تقدم آنفا.
(٧) وعلى ذلك أي على كونه مرفوعا يكون منقطعا أيضا لأن أبا جعفر لم يدرك ابن مسعود وزيد في بعض النسخ (وروايه) أي ناقل هذا الحديث عن أبي جعفر (جابر الجعفي) (وهو ضعيف) . وعلى كل فقد ذكر القاضي ﵀ كل أدلة المانعين فرضية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة ولم يذكر أدلة الشافعي ﵀ كاملة وافية. اذ ان للشافعي ﵀ أدلة قوية جدا اعتمد عليها في ايجاب فرضية الصلاة على رسول الله في الصلاة وهذه الدلالة مبسوطة في كتبه ﵀. ولقد بسط الخفاجي ﵀ كلاما طويلا حول هذه المسألة سنختصر بعضه وهذا يوافق ما قاله الامام الشافعي ففيه تأييد له دون ما قاله المصنف، واعلم أن الامام الخضري
[ ٢ / ١٤٧ ]
وَلَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ لَرَأَيْتُ أَنَّهَا لَا تتم.
***
_________________
(١) صنف في هذه المسألة كتابا سماه (زهر الرياض في رد ما شنعه القاضي عياض) طالعته بتمامة وتلخيصه أن الامام الشافعي رضي الله تعالى عنه قال في الأم: (فرض الله تعالى الصلاة على رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فقال جل شأنه: (إن الله وملائكته يصلون على النبي الاية) فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة ووجدنا الدلالة بما وصفت عنه ﷺ ثم ساق بإسناده إلى أبي هريرة أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك- يعني في الصلاة- قال: تقولون اللهم صلي على محمد الخ.. وساق بسنده أيضا إلى كعب بن عجرة عنه ﷺ أنه كان يقول في الصلاة اللهم صلي على محمد الخ.. فلما روي أنه كان يعلمهم التشهد في الصلاة وأنه علمهم كيف يصلون عليه فيها لم يجز أن يقول التشهد واجب والصلاة غير واجبة والخبر فيها عنه ﷺ فعلى كل مسلم وجبت عليه الفرائض أن يتعلم التشهد والصلاة عليه فمن صلّى عليه ولم يتشهد ولم يصل عليه ﷺ فعليه اعادتها انتهى. ثم ذكر ما قاله المصنف ﵀ وقال: هذا قول لا ينبغي الاعتماد عليه ولا الاستناد اليه وساق أدلة وبراهين تؤيد ما ذهب اليه.
[ ٢ / ١٤٨ ]
الفصل الثالث المواطن التي يستحبّ فيها الصّلاة والسّلام عليه
فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَيُرَغَّبُ مِنْ ذَلِكَ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء.
عن فضالة «١» بن عبيد قال «٢»: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ.. رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ.. عَجِلَ «٣» هَذَا.. ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ «٤» .. إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ يتحميد اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بما شاء.
_________________
(١) فضالة بن عبيد: بن فاقد بن قيس الانصارى الأوسي أبو محمد الصحابي ولي قضاء دمشق لمعاوية. شهد أحدا والحديبية. توفي سنة ثلاث وخمسين ومئة، وأخرج له احمد وغيره.
(٢) الحديث اخرجه الترمذي في الدعوات وقال: صحيح.. واخرجه أبو داود ونحوه في الصلاة وكذا النسائي وابن حبان والحاكم.
(٣) عجل بتخفيف الجيم وكسرها وفي نسخة (عجل) بتشديدها وفتحها.
(٤) وفي نسخة (او لغيره) .
[ ٢ / ١٤٩ ]
وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا السَّنَدِ «١» «بِتَمْجِيدِ اللَّهِ» وَهُوَ أَصَحُّ «٢» ..
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «٣» ﵁ قَالَ «٤»: الدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ «٥» مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يُصَلَّى «٦» عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَعَنْ عَلِيٍّ «٧» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٨»: بِمَعْنَاهُ..
وَعَنْ عَلِيٍّ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ..
وَرُوِيَ أَنَّ الدُّعَاءَ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلِّيَ الدَّاعِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ»
ابْنِ «١٠» مَسْعُودٍ. إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا فَلْيَبْدَأْ بِمَدْحِهِ «١١» وَالثَّنَاءِ عليه بما هو أهله ثم يصلى على النبي ﷺ.. ثم ليسأل فإنه أجدر أن ينجح..
_________________
(١) أي برواية ابن ماجة بسند آخر.
(٢) لقوة سنده لا من حيث المعنى.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٤) كما رواه الترمذي.
(٥) لفظ (الصلاة) غير موجود عند الترمذي.
(٦) وفي نسخة (يصلي) مبني للمعلوم.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٨) رواه ابو الشيخ في الثواب عنه والبيهقي. في الشعب ولفظه «محجوب حتى يصلي على محمد وأهل بيته» وابن عساكر.
(٩) رواه عبد الرزاق والطبراني بسند صحيح عنه.
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(١١) وفي نسخة (بحمده)
[ ٢ / ١٥٠ ]
وَعَنْ جَابِرٍ «١» ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٢»:
لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ.. فَإِنَّ الرَّاكِبَ يَمْلَأُ قَدَحَهُ «٣» ثُمَّ يَضَعُهُ وَيَرْفَعُ مَتَاعَهُ.. فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى شَرَابٍ شَرِبَهُ أَوِ الْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَإِلَّا هَرَاقَهُ «٤» .. وَلَكِنِ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ، وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ..
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٥» لِلدُّعَاءِ أَرْكَانٌ، وَأَجْنِحَةٌ، وَأَسْبَابٌ، وَأَوْقَاتٌ.. فَإِنْ وَافَقَ أَرْكَانَهُ قَوِيَ، وَإِنْ وَافَقَ أَجْنِحَتَهُ طَارَ فِي السَّمَاءِ، وَإِنْ وَافَقَ مَوَاقِيتَهُ فَازَ.. وَإِنْ وَافَقَ أَسْبَابَهُ أَنْجَحَ.
- فَأَرْكَانُهُ: حُضُورُ الْقَلْبِ، وَالرِّقَّةُ، وَالِاسْتِكَانَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِاللَّهِ وَقَطْعُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ.
- وَأَجْنِحَتُهُ: الصِّدْقُ.
- وَمَوَاقِيتُهُ: الْأَسْحَارُ.
- وَأَسْبَابُهُ: الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٤» رقم «١» .
(٢) رواه البزار وأبو يعلى والبيهقي في شعب الايمان.
(٣) قدح الراكب: اناء صغير من خشب يشرب به.
(٤) هراقة: بفتح الهاء صبه، والهاء بدل من الهمزة. وفي نسخة (اهراقه) .
(٥) ابن عطاء: أبو العباس احمد بن محمد بن سهل الادمي. وهو من اجل مشايخ الصوفية توفي سنة تسع وثلاثمئة.
[ ٢ / ١٥١ ]
وَفِي الْحَدِيثِ «١» «الدُّعَاءُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَا يُرَدُّ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٢» «كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ دُونَ السَّمَاءِ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّلَاةُ عَلَيَّ صَعِدَ الدُّعَاءُ» .
وَفِي دُعَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٣» الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ حَنَشٌ «٤» فَقَالَ فِي آخِرِهِ «٥»: وَاسْتَجِبْ دُعَائِي.. ثُمَّ تَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكِ وَنَبِيِّكِ وَرَسُولِكِ أَفْضَلَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ أَجْمَعِينَ آمِينَ.
وَمِنْ مُوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَسَمَاعِ اسْمِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ «٦» أَوْ عِنْدَ الْأَذَانِ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ «٧»: «رَغِمَ «٨» أَنْفُ رجل ذكرت عنده فلم يصلي
_________________
(١) لم يذكر من رواه.
(٢) وهو مضمون حديث الترمذي عن عمر.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٤) حنش: هو ابن عبد الله بن عمرو بن حنظلة بن مهد أبو راشد التابعي الصفاني. أحد الداخلين الى الاندلس في صدر الاسلام، وله رواية عن علي وابن عباس وغيرهم.
(٥) هذا الحديث لم يرو عنه في الكتب والذي لحنش عن ابن عباس حديث (يا غلام اني اعلمك كلمات احفظ الله يحفظك) الحديث اخرجه الترمذي في الزهد.. وحديث آخر عند ابن ماجه انه ﵇ قال لابن مسعود (معك ماء؟ قال لا نبيذ في سطيحه) اخرجه ابن ماجة في الطهارة. وليس له عن ابن عباس شيء في بقية الكتب.. والحاصل ان هذا الحديث ليس له أصل.
(٦) وفي نسخة (او كتابه)
(٧) كما في رواية مسلم عن أبي هريرة. وتتمته (ورغم انف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ فيها قبل ان يغفر له. ورغم أنف رجل ادرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة» ورواه الحاكم وقال: هو صحيح الاسناد.
(٨) رغم من الرغام بمعنى التراب والمقصود رغم انف فلان أي اذله الله.
[ ٢ / ١٥٢ ]
عَلَيَّ» وَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ «١» ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الذَّبْحِ «٢» .
وَكَرِهَ سَحْنُونٌ «٣» الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ «٤» .
وَقَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِسَابِ وَطَلَبِ الثَّوَابِ وقال أَصْبَغُ «٥» عَنِ ابْنِ «٦» الْقَاسِمِ: مَوْطِنَانِ لَا يُذْكَرُ فِيهِمَا إِلَّا اللَّهُ الذَّبِيحَةُ وَالْعُطَاسُ فَلَا تَقُلْ فِيهِمَا بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ.. مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.. وَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ على محمد لم يكن
_________________
(١) ابن حبيب: هو عبد الملك بن حبيب بن سيمان بن هارون السلمي من ولد عباس بن مرداس الصحابي.. وقيل: عبد الملك بن سليمان. وهو فقيه نحوي طبيب مفسر محدث الا انه لم يكن له نقد ونظر تام في الحديث توفي سنة ثمان أو تسع وثمانين ومئتين.
(٢) وهو مذهب مالك. وقال غيره يستحب وانما ذكره لئلا يكون مما اهل به لغير الله والى هذا ذهب الحنفية كما في المحيط.
(٣) سحنون: الفقيه المشهور المالكي واسمه عبد السلام بن عبد السلام بن سعد بن حبيب بن حسان التنوخي وهو بمرتبته من الكمال فضلا. وزهدا وسماحة ولد في رمضان سنة ستين او احدى وستين ومئة وتوفي لتسع خلون من رجب سنة اربعين ومئتين وعمره ثمانون سنة كما في الميزان.
(٤) أي عند رواية أمر عجيب وهو مذهب مالك. واليه ذهب الشافعية كما فى الاذكار للنووي.
(٥) اصبغ: هو ابن فرج بن سعيد بن نافع أبو عبد الله الاموي مولى عمر بن عبد العزيز المصري الفقيه يروي عن ابن وهب والداوردي وطائفة. وعنه البخاري وجماعة.. قال ابن معين: كان اعلم خلق الله برأي مالك.. صدوق عالم ورع توفي سنة خمس وعشرين ومئتين.
(٦) ابن القاسم: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جبارة المصري امام الفقه صاحب الامام مالك وهو ثقة حجة. توفى سنة احدى وتسعين ومئة، وارتحل الى الامام مالك اثنى عشر مرة. أنفق فى كل مرة الف دينار:
[ ٢ / ١٥٣ ]
تسمية له مع الله «١» .
وقال أَشْهَبُ «٢» قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ اسْتِنَانًا «٣» .
وَرَوَى النَّسَائِيُّ «٤» عَنْ أَوْسِ «٥» بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: الْأَمْرَ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَمِنْ مواطن الصلاة والسلام دخول المسجد «٦» .
_________________
(١) ولكنه صلاة عليه بقية التقرب الى الله بالصلاة عليه فلا يكره، وعن أبي سعيد الخدري عنه ﷺ قال: «من عطس فقال الحمد لله على كل حال وصلّى الله على محمد وعلى أهل بيته أخرج الله ﷿ من منخره الايسر طائرا يقول: اللهم اغفر لقائلها أخرجه الديلمى في الفردوس بسند لا بأس به وعطس رجل عند ابن عمر فحمد الله فقال له: لقد خلت هلا حيث حمدت الله صليت على نبيه ولذا رجح البيهقى استحباب الصلاة عليه عند العطاس، واليه ذهب جماعة وقال الاخرون لا يستحب ولكل موطن ذكر يخصه واستدلوا بحديث لا تذكروني فى ثلاث مواطن عند العطاس والذبيحة والتعجب وروي بعد تسمية الطعام بدل التعجب أخرجه لديلمي في مسنده وفيه من اتهم بالوضع.
(٢) اشرب: هو ابن عبد العزيز بن داود ابو عمرو بن القيسي المصري الفقيه ويروي عن الليث ومالك وطائفة، وعنه سحنون وجماعة توفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما وله أربع وستون سنة، اخرج له ابو داود والنسائي.. قال ابن يونس: هو احد فقهاء مصر وذوي رأيها. وقال ابن عبد البر: كان فقيها حسن الرأي والنظر فضله ابن عبد الحكم على ابن القاسم في الرأي.
(٣) استنانا: أي سنة وطريقة لأنه تشريع فيما لم ينقل
(٤) وابو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه.
(٥) اوس بن اوس: الثقفي الصحابي.
(٦) والخروج منه كما في الاذكاء للنووي.
[ ٢ / ١٥٤ ]
قال ابو اسحق «١» بْنُ شَعْبَانَ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يصلى على النبي ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَيَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَيُبَارِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَيُسَلِّمَ تَسْلِيمًا وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغفرلي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ.. وَإِذَا خَرَجَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَجَعَلَ مَوْضِعَ رَحْمَتِكَ فَضْلِكَ.
وَقَالَ عَمْرُو «٢» بْنُ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ «٣»» قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَقُلْ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.. السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
قَالَ «٤» ابْنُ عَبَّاسٍ»
: الْمُرَادُ بِالْبُيُوتِ هُنَا الْمَسَاجِدُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ «٦»: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصالحين.
_________________
(١) ابو اسحق بن شعبان: المصري المالكي وقد تقدم. هو محمد قاسم المصري.
(٢) عمرو بن دينار: هو أبو محمد مولى قيس الامام المكي التابعي توفي في سنة ست وعشرين ومائه وله ترجمة في الميزان.
(٣) سورة النور آية «٦١» .
(٤) فيما رواه عند ابن أبي حاتم.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٦١» رقم «١١» .
[ ٢ / ١٥٥ ]
وَعَنْ عَلْقَمَةَ «١»: إِذَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ أَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
وَنَحْوُهُ عَنْ كَعْبٍ «٢»: إِذَا دَخَلَ وَإِذَا خَرَجَ وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّلَاةَ.
وَاحْتَجَّ ابْنُ شَعْبَانَ «٣» لِمَا ذَكَرَهُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ «٤» بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «٥» أن النبي ﷺ كان يَفْعَلُهُ.. إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ.
وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ «٦» بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَذَكَرَ السَّلَامَ والرحمة وقد ذكر هَذَا الْحَدِيثَ آخِرَ الْقِسْمِ وَالِاخْتِلَافَ فِي أَلْفَاظِهِ.
ومن مواطن الصلاة عليه الصلاة «٧» على الجنائز. وذكر عن «٨»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤٥» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٥» رقم «١» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣٠» رقم «١٢» .
(٥) أخرج حديثها الترمذي في الصلاة وفيه ارسال فاطمة بنت الحسين. ولم يذكر فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وأخرجه ابن ماجة في الصلاة أيضا.
(٦) أبو بكر بن عمرو بن حزم: وهو محمد بن عمرو بن حزم قاضي المدينة وأميرها ولد قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين فسماه ﷺ محمدا. وقيل: انه ولد بنجران وأبوه عامل عليها من قبله ﷺ في سنة عشر من الهجرة فسماه أبو سليمان. وكتب بذلك الى رسول الله ﷺ فأمره ان يسميه محمدا ويكنيه بعبد الملك ففعل. وتوفي سنة عشرين ومئة واخرج له الستة.
(٧) وهو عند الشافعي من أركانها بعد التكبيرة الثانية، ويقرأ بعد الاولى سورة الفاتحة
(٨) رواه النسائي بسند صحيح.
[ ٢ / ١٥٦ ]
أَبِي «١» أُمَامَةَ: أَنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ.
وَمِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ الَّتِي مَضَى عَلَيْهَا عَمَلُ الْأُمَّةِ وَلَمْ تُنْكِرْهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ فِي الرَّسَائِلِ، وَمَا يُكْتَبُ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَأُحْدِثَ عِنْدَ وِلَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ، فَمَضَى بِهِ عَمَلُ النَّاسِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ.. وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتِمُ بِهِ أَيْضًا الْكُتُبَ.
وَقَالَ ﷺ «٢»: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ» .
وَمِنْ مَوَاطِنِ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: تَشَهُّدُ الصلاة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «٣» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٤» قَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عليك أيها النبي
_________________
(١) ابو أمامة: قال الحلبي: أبو أمامة هذا الظاهر انه سعد بن سهل بن حنيف بن واهب بن الحكم بن ثعلبة ابو امامة الانصاري. ولد في زمان رسول الله ﷺ وسماه ﵇ وكناه وبرك عليه، وحديثه مرسل. وروي عن عمر. وعنه: الزهري ويحي بن سعد وخلق. توفى سنة مئة وأخرج له الستة.
(٢) رواه الطبراني في الاوسط بسند حسن والخطيب في شرف اصحاب الحديث وأبو الشيخ في الثواب والمستغفري وصاحب الترغيب بسند ضعيف وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال ابن كثير إنه لم يصح.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٤) وقد رواه اصحاب الكتب الستة عنه.
[ ٢ / ١٥٧ ]
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) هَذَا أَحَدُ مَوَاطِنِ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ وَسُنَّتُهُ أَوَّلُ التَّشَهُّدِ.
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ «١» عَنِ ابْنِ عُمَرَ «٢» أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ: إِذَا فَرَغَ مِنْ تَشَهُّدِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ.
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ «٣» أَنْ يُسَلِّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ «٤» .
قَالَ مُحَمَّدُ «٥» بْنُ مَسْلَمَةَ: أَرَادَ مَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ «٦» وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ عِنْدَ سَلَامِهِمَا.. السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.. السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
وَاسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِنْسَانُ حِينَ سَلَامِهِ «٧» كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ والأرض من الملائكة، وبني آدم، والجن.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٠» رقم «١» .
(٣) اسم كتاب له وفي نسخة (المبسوطة) .
(٤) قال الدلجي: وليس هذا من مشهور مذهبه.
(٥) محمد بن مسلمة: وهو محمد بن مسلمة بن هشام بن الوليد بن المغيرة توفي سنة ست عشرة ومئتين.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٧) وفي نسخة (عند سلامه)
[ ٢ / ١٥٨ ]
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَأُحِبُّ لِلْمَأْمُومِ إِذَا سَلَّمَ إِمَامُهُ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصالحين.. السلام عليكم..
[ ٢ / ١٥٩ ]
الفصل الرابع كيفية الصّلاة عليه والتسليم
عن أبي حُمَيْدٍ «١» السَّاعِدِيُّ: أَنَّهُمْ قَالُوا «٢»: يَا رَسُولَ اللَّهِ..
كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: قُولُوا «٣»: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ.. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ «٤» عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ «٥» الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قُولُوا:
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وبارك
_________________
(١) أبو حميد الساعدي: هو عبد الرحمن بن عمرو بن سعد وقيل: المنذر بن سعد وهو خزرجي مدني له صحبة، أخرج له الستة وأحمد في مسنده. وتوفى في حدود الستين
(٢) الحديث اخرجه القاضي من موطأ لعلو السند لان بينه وبين مالك فيه ستة أشخاص من غير اجازة في الطريق.
(٣) يستدل الشافعية به على فرضية الصلاة عليه في الصلاة.. لان الأصل في الأمر الوجوب. والاجماع قد قام على عدم وجوبها في غير الصلاة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩٩» رقم «٤» .
[ ٢ / ١٦٠ ]
عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.. وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عُلِّمْتُمْ..
وَفِي رِوَايَةِ «١» كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «٢» اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَعَنْ عُقْبَةَ «٣» بْنِ عَمْرٍو فِي حَدِيثِهِ «٤» اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ..
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ «٥» الْخُدْرِيِّ «٦» اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عبدك ورسولك.. وذكر معناه.
عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»
قَالَ: عَدَّهُنَّ «٨» فِي يدي رسول الله ﷺ
_________________
(١) رواية الأئمة الستة.
(٢) كعب بن عجرة: هو ابو محمد. او أبو عبد الله، أو ابو اسحق من بني سالم بن عوف او من غيرهم صحابي شهد بيعة الرضوان وتوفي سنة اثنتين او احدى وخمسين، واخرج له الستة وغيرهم روى عنه الشعبي وابن سيرين وغيرهما. وهذا الحديث رواه عنه الأئمة الستة مرفوعا.
(٣) عقبة بن عمرو: عبد الله الانصاري الصحابي توفي في المدينة سنة احدى وأربعين في ايام علي أو معاوية، وكان علي استخلفه على الكوفة لما خرج لصفين.
(٤) الذي رواه احمد وابن حبان والدارقطني والبيهقي ومسلم بدون لفظ (النبي الامي)
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «١» .
(٦) اخرجه الحاكم بسند في بعض رجاله كلام.. ورواه البخاري ايضا أورده من طريق آخر مسلسل وهو هنا (العد باليد) .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٨) عدهن: أي الكلمات الانية فالضمير مبهم مفسر بما بعده.
[ ٢ / ١٦١ ]
وَقَالَ: عَدَّهُنَّ فِي يَدِي جِبْرِيلُ. وَقَالَ: هَكَذَا نَزَلَتْ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ.. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ محمد كما باركت على إبراهيم وعلى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ وَتَحَنَّنْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا تَحَنَّنْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنك حميد مجيد، وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ «١»
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٣» . مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فليقل: اللهم صلّى على
_________________
(١) قال السبوطي في الجامع الكبير: قال الحاكم هكذا بلغنا هذا الحديث واسناده ضعف واخرجه الديلمي وابن منده والترمذي وقال العراقي: ضعيف جدا.. وعمرو ابن خالد كذاب وضاع، وكذا ابن مساور وحرب بن الحسن اورده الأزدي في الضعفاء وقال: حديثه لبس بذلك!. وقال ابن حجر في اماليه: اعتقادي انه موضوع.. وفي سنده ثلاثة ضعفاء وبعضهم من نسب الى الوضع والكذب. قلت: وجدت له متابعات تجبره وان لم يخل من الضعف. ووجدت له طريقا آخر عن أنس في مسنده، وذكر البرهان أنه رواه مسندا أيضا فتعدد هذه الطرق يقتضي انه غير موضوع غاية ما يقال فيه انه ضعيف فاعرفه، وقد علمت ان الحديث مسلسل وتقدم ان المسلسل ما توارد رواته على حالة واحدة او صفة في اسناده او صيغ أدائه.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) كما رواه ابو داود والطبراني وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ١٦٢ ]
مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بيته كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَفِي رِوَايَةِ «١» زَيْدِ بْنِ «٢» خَارِجَةَ الْأَنْصَارِيِّ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ:
كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: صَلُّوا وَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، ثُمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَعَنْ سَلَامَةَ الْكِنْدِيِّ «٣»: كَانَ عَلِيٌّ «٤» يُعَلِّمُنَا «٥» الصلاة على النبي ﷺ «٦»: اللهم داحي المدحوات «٧» وبارىء «٨» المسموكات «٩»
_________________
(١) رواه الديلمي في الفردوس، وأبو نعيم والنسائي والطحاوي والبغوي.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١٦» رقم «٣» .
(٣) سلامة الكندي: هو سلامة بن قيصر الحضرمي التابعي ذكره ابن حبان في الثقات
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١» رقم «٤» .
(٥) وفي رواية (يعلم الناس) وهي من رواية ابن كثير في تفسيره عن طريق سعيد بن منصور.
(٦) والحديث موقوف وقد صح سنده. قال الدلجي لكن اعل وان صحح سنده بأن روايته عنه مرسلة اذ لم يدرك عليا.. اهـ.. وهو مردود بما ذكره ابن حبان انه روى عن علي وروى عنه نوح بن قيس الطاحي.. اهـ.. ومثل هذا لا يقال في الارسال.. ثم رأيت ان الشيخ ابن كثير في تفسيره يقول: روينا من طريق سعيد ابن منصور وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون ثلاثتهم عن نوح بن قيس. حدثنا سلامة الكندي ان عليا كان يعلم الناس. (الحديث) .
(٧) وروي (المدحيات) ودحى بمعنى بسط قال تعالى «والارض بعد ذلك دحاها سورة النازعات آية «٣٠» .
(٨) بارىء: اسم فاعل من برأ بمعنى خلق على غير مثال. وروي (سامك) بدل بارىء.
(٩) المسموكات: بمعنى المرفوعات، والمراد بها السماوات.
[ ٢ / ١٦٣ ]
اجْعَلْ شَرَائِفَ «١» صَلَوَاتِكَ، وَنَوَامِيَ «٢» بَرَكَاتِكَ، وَرَأْفَةَ تَحَنُّنِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتَمِ لِمَا سَبَقَ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ، وَالدَّامِغِ لِجَيْشَاتِ «٣» الْأَبَاطِيلِ، كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ بِأَمْرِكَ لِطَاعَتِكَ، مُسْتَوْفِزًا «٤» فِي مَرْضَاتِكَ، وَاعِيًا لِوَحْيِكَ، حَافِظًا لِعَهْدِكَ، مَاضِيًا عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ، حَتَّى أَوْرَى «٥» قَبَسًا «٦» لِقَابِسٍ آلَاءُ «٧» اللَّهِ، تَصِلُ بِأَهْلِهِ أَسْبَابَهُ، بِهِ هديت القلوب بعد خوضات «٨» الفتن والإثم، وأنهج «٩» موضحات «١٠» الأعلام «١١»،
_________________
(١) شرائف: جمع شريفة وهي العالية رفيعه المقدار.
(٢) نوامي: زيادات.
(٣) جيشات: جمع جيشة وهي المرة من جاش يجيش اذا فار وارتفع.
(٤) مستوفزا: حال من الضمير في حمل أو اضطلع. والاستيفاز الوثوب والانتصاب من قعود. والمراد هنا أي مسرعا مستعجلا في ما أمرته به.
(٥) أورى: الزند قدحه لخروج النار شررا توقد منه.
(٦) القبس: ما يتناول من الشعلة. (لعلي آتيكم بقبس أو اجد على النار هدى) سورة طه آية (١٠) والمراد أن النبي ﷺ لم يزل مجاهدا قائما على الحق حتى أظهره الله أبلج نيرا فاهتدى بنوره من كان في ظلمات الجهالة وقوله لقابس أي لقابل وطالب للحق.
(٧) آلاء: جمع الى وفيه لغات بكسر الهمزة وبفتحها وبالتنوين فيهما والخامسة إلي بكسر فسكون فتنوين ومعناها النعم الالهية والسعادة الابدية في الدارين بواسطته ﷺ.
(٨) خوضات: جمع خوضة وهي المرة من الخوض وهو الدخول في الماء ويستعار للدخول في كل أمر يذم.
(٩) انهج: أي فتح نهجا وهو الطريق وفي نسخة (ابهج) بمعنى انار واشرق.
(١٠) موضحات: جمع موضحة اسم فاعل من الايضاح وهو الكشف والبيان.
(١١) الاعلام: جمع علم وهو العلامة. أي صارت القلوب بما رزقت من الهداية منشورات الاعلام.
[ ٢ / ١٦٤ ]
وَنَائِرَاتِ «١» الْأَحْكَامِ، وَمُنِيرَاتِ «٢» الْإِسْلَامِ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَخَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ وَشَهِيدُكَ «٣» يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيثُكَ «٤» نعمة، ورسولك بالحق رحمة.. اللهم افسخ لَهُ فِي عَدْنِكَ «٥»، وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ، مُهَنَّئَاتٍ «٦» لَهُ غَيْرَ مُكَدَّرَاتٍ.
مِنْ فَوْزِ ثَوَابِكَ الْمَحْلُولِ «٧»، وَجَزِيلِ عَطَائِكَ الْمَعْلُولِ» .
اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ النَّاسِ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ مَثْوَاهُ لَدَيْكَ ونزله، وأتم له نوره، وأجزه من اتبعائك لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ، وَمَرَضِيَّ الْمَقَالَةِ، ذَا مَنْطِقٍ عدل، وخطة «٩» فصل «١٠»، وبرهان عظيم «١١» .
_________________
(١) نائرات الاحكام: جمع نائرة اسم فاعل من النور والضياء من نار لازم بمعنى ظهر والفتح والاحكام أحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما.
(٢) منيرات الاسلام: أي مظهرات أحكامه.
(٣) شهيد: فعيل بمعنى فاعل: أي شاهد.
(٤) بعيث: فعيل بمعنى مفعول. اي مبعوثك.
(٥) عدنك: عدن بسكون الدال اسم للجنة ومعناها دار الاقامة والخلود. من عدن بمعنى اقام.
(٦) مهنئات: جمع مهنأة بتشديد النون اسم مفعول من الهنىء وهو السائغ. وكل ما أتى من غير تضييق وتعب وهو حال من (مضاعفات) .
(٧) المحلول: اسم مفعول من حل المكان إذا نزل أي الكائن في الجنة.
(٨) المعلول: المضاعف من العلل وهو الشرب مرة بعد اخرى. ويقابله النهل وهو الشرب مرة. قال كعب: كأنه منهل بالراح منهول. فشبه عطاءه بمنهل عذب يرده العطاش. فهو استعارة والمراد أنه كثير لا ينقطع.
(٩) خطة: بضم الخاء وتشديد الطاء وهي الامر والشأن.
(١٠) فصل: الفاصل بين الحق والباطل.
(١١) وزاد أبو بكر في رواية فيها مجهول: (اللهم اجعلنا سامعين مطيعين، وأولياء مخلصين، ورفقاء مصاحبين. اللهم ابلغه منا السلام، واردد عليه منا السلام..) .
[ ٢ / ١٦٥ ]
وَعَنْهُ «١» أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ «٢»: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النبي «٣» ..» الْآيَةَ لَبَّيْكَ «٤» اللَّهُمَّ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ «٥» .. صَلَوَاتُ اللَّهِ الْبَرِّ الرَّحِيمِ، وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَا سَبَّحَ لَكَ مِنْ شَيْءٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الشَّاهِدِ الْبَشِيرِ، الدَّاعِي إِلَيْكَ بِإِذْنِكَ، السِّرَاجِ الْمُنِيرِ، وَعَلَيْهِ السَّلَامُ «٦» .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «٧» .. اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، إِمَامِ الْخَيْرِ وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ.. اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ «٨» فِيهِ الْأَوَّلُونَ والاخرون، اللهم صل على محمد وعلى
_________________
(١) أي عن علي أيضا.
(٢) قال الحافظ السخاوي: انه لم يقف على أصله.
(٣) سورة الاحزاب (٥٦) أي وتلا الاية كلها لتقع الجملة بعدها امتثالا لأمر الله
(٤) لبيك: أي اجابة بعد اجابة.
(٥) سعديك: أي اسعادا بعد اسعاد في طاعتك
(٦) كما رواه ابن ماجة والبيهقي في شعب الايمان.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٠٤» رقم «٢» .
(٨) يغبطه: أي يتمنى. والغبطة هي تمني النعمه دون تمني زوالها عن غيره.
[ ٢ / ١٦٦ ]
آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَكَانَ الْحَسَنُ «١» الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ بِالْكَأْسِ الْأَوْفَى مِنْ حَوْضِ الْمُصْطَفَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ «٢» وَأَصْحَابِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْهَارِهِ وَأَنْصَارِهِ وَأَشْيَاعِهِ وَمُحِبِّيهِ وَأُمَّتِهِ وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ أَجْمَعِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَعَنْ طَاوُسٍ «٣» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «٥»: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ الْكُبْرَى وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ الْعُلْيَا وَآتِهِ سُؤْلَهُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى كَمَا آتَيْتَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى..
وَعَنْ وُهَيْبِ «٦» بْنِ الْوَرْدِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُحَمَّدًا أَفْضَلَ مَا سَأَلَكَ لِنَفْسِهِ، وَأَعْطِ مُحَمَّدًا أَفْضَلَ مَا سَأَلَكَ له أحد من
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٢) ويروي (وعلى آل محمد) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩٦» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) في رواية عبد بن حميد وعبد الرزاق بسند جيد، واسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ عن ابن عباس.
(٦) وهيب بن الورد وفي بعض النسج (وهب)، ويقال: ابن أبي الورد المخزومي المكي الزاهد الثقة مولاهم، واسمه عبد الوهاب. ووهيب لقبه وكنيته أبو عثمان. روى عن عطاء مرسلا. وغيره. ورى عنه كثير. واخرج له مسلم واصحاب السنن، وله احاديث ومواعظ، توفي سنة ثلاث وخمسين ومئة.
[ ٢ / ١٦٧ ]
خلقك، وأعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «١» ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «٢»: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَحْسِنُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، إِمَامِ الْخَيْرِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ. اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ على آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.. إِنَّكَ حميد مجيد.
وما يؤثر من تَطْوِيلِ الصَّلَاةِ وَتَكْثِيرِ الثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ كَثِيرٌ.
وَقَوْلُهُ «٣» وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ.. هو ما علّمهم فِي التَّشَهُّدِ مِنْ قَوْلِهِ «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٢) رواه عنه ابن ماجه والبيهقي، والديلمي، والدارقطني.
(٣) قوله أي قول ابن مسعود.. موقوفا او مرفوعا.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وَفِي تَشَهُّدِ «١» عَلِيٍّ: السَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ السَّلَامُ عَلَى رسول الله، السَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. مَنْ غَابَ مِنْهُمْ ومن شهد.. اللهم اغفر لأهل بيته، واغفرلي وَلِوَالِدَيَّ «٢» وَمَا وَلَدَا وَارْحَمْهُمَا..
السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ: الدُّعَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْغُفْرَانِ وَفِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا قَبْلَ الدُّعَاءِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَلَمْ يَأْتِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ الْمَعْرُوفَةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو عُمَرَ «٣» بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، إِلَى أَنَّهُ لَا يُدْعَى لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالرَّحْمَةِ، وَإِنَّمَا يُدْعَى لَهُ بِالصَّلَاةِ وَالْبَرَكَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ، وَيُدْعَى لِغَيْرِهِ بِالرَّحْمَةِ والمغفرة.
_________________
(١) روى التشهد من روايات كثيرة صحيحة ومعروفة ومسندة وهذا غير معروف سنده.
(٢) أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي اول هاشمية ولدت هاشميا.. أسلمت وتوفيت في المدينة وكفنها رسول الله ﷺ في قميصة، واضطجع في قبرها وقال: جزاك الله من أم خيرا.. لانها ربته واحسنت صنيعها معه.. كما ذكره الطبري (في الرياض النضرة) .. وانما اضطجع في قبرها ليخفف عنها ضغطة القبر كما صرح به في الحديث.. وأبو طالب توفي كافرا على بعض الروايات فكيف يستغفر له وقد نهي عن الاستغفار للمشركين!. وارتضى السهيلي. ان استغفار علي لأبويه بناء على اسلامهما.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٠» رقم «٤» .
[ ٢ / ١٦٩ ]
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدِ «١» بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ، كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَأْتِ هَذَا فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ «٢» وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ فِي السَّلَامِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته.
_________________
(١) ابو محمد بن أبي زيد: الامام في مذهب مالك صاحب الرسالة المشهورة.
(٢) قال الدلجي: اذ ما ورد بزيادتهما كله ضعيف.. وفيه: انه يعمل بالضعيف في فضائل الاعمال وانما يحتاج الى الحديث الصحيح او الحسن في الاحكام من الاقوال.. وقد ذكر النووي في شرح مسلم المختار ان الرحمة لا تذكر- وهذا مسلم لانه خلاف الاولى- وقد جزم في الاذكار بأنها بدعة ويقول القاري بان ما ورد من بعض الطرق ولو ضعيفا لا يعد بدعة لا سيما وهي لا تنافي السنة.
[ ٢ / ١٧٠ ]
الفصل الخامس فضيلة الصّلاة والسّلام عليه والدّعاء له
عن عبد الله «١» بن عمر قال «٢»: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا.. ثُمَّ سَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ.. فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ..
وَرَوَى «٣» أَنَسُ بْنُ «٤» مَالِكٍ.. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ «٥» وكتب له عشر حسنات..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٢) أسنده من طريق النسائي وهو عند مسلم وأبو داود والترمذي.
(٣) كما في شعب الايمان للبيهقي بلفظه والنسائي والحاكم نحوه.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٥) رواه أبو يعلى.
[ ٢ / ١٧١ ]
وَعَنْ «١» أَنَسٍ عَنْهُ ﷺ: أَنَّ جِبْرِيلَ نَادَانِي فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَرَفَعَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ..
وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ»
بْنِ عَوْفٍ عَنْهُ ﷺ «٣»: لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ لِي: إِنِّي أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ «٤» ..
وَنَحْوَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» وَمَالِكِ «٦» بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ،
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في مسنده.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٢٢» رقم «٨» .
(٣) كما رواه الحاكم والبيهقي وصححها.
(٤) الحديث صحيح روي من طرق، وسببه أن عبد الرحمن بن عوف كان يلازم رسول الله ﷺ ويخدمه ليلا ونهارا فاتبعه ليلة وقد خرج من منزله فدخل حائطا وسجد سجودا طويلا حتى ظن انه قبض روحه. فبكى.. فقال له رسول الله ﷺ مالك؟ .. فأخبره بما خطر بباله.. فقال له: جاءني جبريل وأخبرني بان الله يقول لي من سلم عليك سلمت عليه، ومن صلّى عليك صليت عليه فسجدت شكرا له.. وهو حديث صحيح المتن والسند وقال الحاكم: لا أعلم في سجدة الشكر أصح منه
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٦) مالك بن اوس بن الحدثان: وهو هوازني مخضرم، أدرك الجاهلية والاسلام، واخرج له الستة. واختلف فيه هل هو صحابي رأى النبي ﷺ وروى عنه أحاديث مرفوعة، او تابعي روايته مرسلة.. والاصح عند الذهبي وغيره انه تابعي وتوفي سنة اثنين وتسعين. والحديث هذا رواه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه انه ﷺ خرج يتبرز ولم يجد من يتبعه ففزع عمر واتبعه بمظهره فوجده ساجدا في شربة فتنحى عنه حتى رفع رأسه فقال له: أحسنت يا عمر- لتنحيته عنه تادبا- ثم قال لي: ان جبريل أتاني فقال: من صلّى عليك واحدة صلّى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات) اخرجه البخاري في الأدب وغيره.
[ ٢ / ١٧٢ ]
وَعُبَيْدِ «١» اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. وَعَنْ زَيْدِ «٢» بْنِ الْحُبَابِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي..
وَعَنِ «٣» ابْنِ مَسْعُودٍ «٤»: أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» عَنْهُ ﷺ «٦»: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا بَقِيَ «٧» اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ.
وَعَنْ عَامِرِ «٨» بْنِ رَبِيعَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «٩»:
_________________
(١) عبيد الله بن أبي طلحة: الانصاري. وعبيد الله بالتصغير. وفي نسخة (عبد الله) مكبرا. قال البرهان وهو الاصح. بل الصواب.. وهو عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الانصاري اخو أنس لأمه ووالد اسحق واخويه وهو تابعي له رواية توفي في زمن الوليد وحنكه رسول الله ﷺ وسماه. وحديثه رواه احمد والحاكم وابن حبان والنسائي.
(٢) زيد بن الحباب: هو ابو الحسين الحافظ الخراساني توفي سنة ثلاث ومائتين. فزيد هذا ليس من الصحابة ولا من التابعين. فقوله (سمعت) وهم او سقط من الكاتب وهذا الحديث رواه ابن الحباب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم عن ابن شريح الحضرمي عن رويفع بن ثابت الصحابي عنه ﷺ.. ولا يعلم لماذا حذف المصنف السند وأسند السماع الى زيد ابن الحباب.
(٣) حديث صحيح رواه الترمذي وابن حبان.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٠» رقم «٥» .
(٦) رواه الطبراني في الاوسط وابو الشيخ في الثواب بسند ضعيف لكنه يعتبر في هذا الباب.
(٧) ويروى (ما دام) .
(٨) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك حليف الخطاب صحابي مشهور أسلم قديما وهاجر وشهد بدرا ومات ليالي قتل عثمان.
(٩) رواه احمد وابن ماجة والطبراني في الاوسط بسند حسن.
[ ٢ / ١٧٣ ]
مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ.. فَلْيُقْلِلْ مِنْ ذَلِكَ عَبْدٌ أَوْ لِيُكْثِرْ..
وَعَنْ «١» أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «٢»: كَانَ رسول الله ﷺ إذا ذهب ربع «٣» الليل قام فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ.. جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ «٤» تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ «٥» .. جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ.. فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟.
فقال: مَا شِئْتَ.. قَالَ: الرُّبُعَ؟! قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ.. قَالَ: الثُّلُثَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ..
قَالَ: النِّصْفَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ.. قَالَ الثُّلُثَيْنِ؟
قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ.. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَجْعَلُ صَلَاتِي كُلَّهَا لَكَ؟!. قَالَ: إِذًا تُكْفَى «٦» ويغفر ذنبك..
_________________
(١) رواه الترمذي وحسنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨١» رقم «٣» .
(٣) وفي رواية المصابيح (اذا ذهب ثلثا الليل) .
(٤) الراجفة: من الرجفة وهي الحركة بشدة والرعدة معها صوت واضطراب ولذا قيل للبحر رجاف والمراد بالراجفة هنا ما يكون بين يدي الساعة من الفتن والهرج والمرج والزلازل.
(٥) الرادفة: من ردف بمعنى تبع والمراد الساعة أو الصيحة أو النفخة أو زلزلة أخرى والمراد اخبارهم بقرب الساعة وأشراطها.
(٦) وفي رواية (تكفي همك) .
[ ٢ / ١٧٤ ]
وَعَنْ «١» أَبِي طَلْحَةَ «٢»: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَأَيْتُ مِنْ بِشْرِهِ وَطَلَاقَتِهِ ما لم أره قط، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي؟!! وَقَدْ خَرَجَ جِبْرِيلُ آنِفًا فَأَتَانِي بِبِشَارَةٍ مِنْ رَبِّي ﷿، إن الله تعالى بَعَثَنِي إِلَيْكَ أُبَشِّرُكَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أمتك يصلي عليك إلا صلّى الله عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ بِهَا عَشْرًا.
وَعَنْ جَابِرِ «٣» بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «٤»: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا «٥» مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ..
وَعَنْ «٦» سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «٧»: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ:
وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأن محمدا عبده ورسوله رضيب بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ له.
_________________
(١) رواه النسائي وابن حبان والبيهقي في شعب الايمان بسند صحيح.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٣٨» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «١» .
(٤) في حديث رواه البخاري.
(٥) وروي (المقام المحمود) بالتعريف كما قاله النووي.
(٦) في حديث صحيح رواه مسلم.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٠٥» رقم «١» .
[ ٢ / ١٧٥ ]
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ «١» أَنَّ «٢» النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ عَشْرًا فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً.
وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ لَيَرِدَنَّ عليّ أفوام مَا أَعْرِفُهُمْ «٣» إِلَّا بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ عَلَيَّ وَفِي آخَرَ «٤»: إِنَّ أَنْجَاكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَهْوَالِهَا وَمَوَاطِنِهَا أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً.
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ «٥» الصِّدِّيقِ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَمْحَقُ لِلذُّنُوبِ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ لِلنَّارِ، السلام عليه أفضل من عتق الرقاب» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٣» رقم «١» .
(٢) في حديث منقطع.
(٣) ويروى (لا أعرفهم) .
(٤) رواه الاصبهاني في ترغيبه عن أنس..
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٦) رواه الاصبهاني في ترغيبه بلفظ (الصلاة عليه افضل من عتق الرقاب، وحبه ﵊ أفضل من مهج الانفس أو من ضرب السيف في سبيل الله.) وفي الجامع الصغير (الصلاة علي نور على الصراط.. فمن صلّى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفرت له ذنوب ثمانين عاما) على ما رواه الطبراني والدارقطني في الافراد عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ١٧٦ ]
الفصل السّادس ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ واثمه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «١» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٢»: رَغِمَ «٣» أَنْفُ رَجُلٍ ذكرت عنده فلم يصل عليّ.. رغم أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ «٤» قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ. وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ.
قَالَ عبد الرحمن «٥» وأظنه قال «٦» - أو أحدهما-
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٢) الحديث مسند رواه الترمذي.
(٣) رغم: أصله لصق انفه بالرغام وهو التراب كناية عن الذل. والانف اعز عضو عند العرب.
(٤) انسلخ: اصل الانسلاخ نزع جلد الحيوان ثم استعير لمجرد الخروج. أو للخروج مع شيء من الكراهية والالم.. (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) سورة الاعراف آية «١٧٥» .
(٥) عبد الرحمن: بن اسحق، بن عبد الله بن الحارث بن كنانة القرشي العامري المدني ويقال له عباد بن اسحق وثقوه وضعفه بعضهم وله ترجمة في الميزان.
(٦) القائل اما رسول الله ﷺ أو ابو هريرة.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «١» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ الْمِنْبَرَ «٢» فَقَالَ: آمِينَ ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ: آمِينَ، ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ: آمِينَ، فَسَأَلَهُ مُعَاذٌ «٣» عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ.. مَنْ سُمِّيتَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ: آمِينَ فَقُلْتُ: آمِينَ وَقَالَ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فَمَاتَ مِثْلَ ذَلِكَ.. وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبِرَّهُمَا فَمَاتَ مِثْلَهُ.
وَعَنْ عَلِيِّ «٤» بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «٥»: الْبَخِيلُ «٦» الَّذِي ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يصل علي..
_________________
(١) رواه الحاكم وصححه عن كعب بن عجرة بطريق اطول من هذا كما رواه الطبراني عن ابن عباس، وانس، وعبد الله بن الحارث بن جزء وكعب بن عجرة، ومالك بن الحويرث، ورواه البزار عن جابر بن سمرة، وأبي هريرة، وعمار بن ياسر. قال ابن حجر في الزواجر: ولهذا الوعيد بتكرير الدعاء عليه بالبعد والحق، وعده أبخل الناس عدوا ترك الصلاة عند ذكره من الكبائر بناء على وجوبه كلما سمع ذكره كما ذهب اليه طائفة من الحنفية وغيرهم، ويمكن حمله على من ترك الصلاة لاشتغاله بلهو ولعب على وجه يشعر بالاستخفاف بحقه ﷺ فيكون الترك حينئذ كبيرة مفسقة فلا منافاة بين هذا وبين القول المتقدم بالوجوب.
(٢) المنبر: مفعل بكسر الميم اسم آلة من نبر أي ارتفع.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٧٩» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٥) حديث صحيح رواه الترمذي والبيهقي والنسائي ﵏.
(٦) تعريف البخيل ب (ال) ملائكة يفيد حصره أي لا بخيل الا هذا، والبخل هو الامساك عن بذل ما ينبغي شرعا أو مروءة.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وَعَنْ جَعْفَرِ «١» بْنِ مُحَمَّدٍ «٢» عَنْ أَبِيهِ «٣» قَالَ «٤»: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: من ذكرت عنده فلم يصل علي أخطيء بِهِ طَرِيقُ الْجَنَّةِ..
وَعَنْ عَلِيِّ «٥» بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «٦» قَالَ:
إِنَّ الْبَخِيلَ كُلَّ «٧» الْبَخِيلِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٨» قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ «٩»: أيّما «١٠» قوم جلسوا ثُمَّ تَفَرَّقُوا قَبْلَ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ وَيُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ «١١» إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وإن شاء غفر لهم..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٥» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٥» رقم «٦» .
(٣) ابوه: محمد الباقر وهو تابعي.
(٤) فالحديث مرسل كما في شعب الايمان للبيهقي.. ورواه الطبراني في الكبير متصلا عن الحسين بن علي جده.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٦) الحديث اخرجه البخاري في تاريخه، والنسائي والبيهقي.
(٧) و(كل) هنا صفة للبخيل للمبالغة كأنه جمع افراده كلها. ويجب حينئذ اضافته لظاهر مماثل لموصوفه لفظا ومعنى كما قال الشاعر. وان الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد وقد يضاف لما يماثله معنى فقط.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٩) رواه ابو داود والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه.
(١٠) أي هنا للعموم وما مزيدة أي كل قوم.
(١١) ترة: لها معان منها: الظلم، والذنب، والنقص، والتبعة، وقد فسرت بالحيرة وهو اقربها لأنه ورد في رواية كما سيأتي.. وهي هنا اسم كان اما خبرها فتعلق الجار والمجرور عليهم. والهاء الاخيرة عوض عن فاء الفعل المحذوفة مثل عده وزنه.
[ ٢ / ١٧٩ ]
وَعَنْ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «مَنْ نَسِيَ «٢» الصَّلَاةَ عَلَيَّ نَسِيَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ» .
وَعَنْ قَتَادَةَ «٣» عَنْهُ ﷺ «٤»: «مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ أُذْكَرَ عِنْدَ الرَّجُلِ «٥» فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ» .
وَعَنْ جَابِرٍ «٦» عَنْهُ ﷺ «٧»: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَلَى غَيْرِ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا تَفَرَّقُوا عَلَى أَنْتَنَ مِنْ رِيحِ الْجِيفَةِ.»
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ «٨» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ»
: لَا يَجْلِسُ قَوْمٌ «١٠» مَجْلِسًا لَا يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حسرة «١١» وإن
_________________
(١) رواه البيهقي في الشعب.
(٢) نسي: بضم اوله وتشديد السين مبني للمجهول. وفي نسخة (نسي) للمعلوم. ولكن ضبطه الدلجي وتبعه الانطاكي بضم اوله وتشديد ثانيه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٤) من رواية عبد الرزاق عن معمر والحديث مرسل يستدل به في الفضائل دون الاحكام.
(٥) لم يرد به رجلا معينا فهو نكرة في المعنى وان كان معرفة في المبنى. و(أل) هنا للجنس مثل (ولقد أمر على اللئيم يسبني) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٤» رقم «١» .
(٧) في حديث رواه البيهقي والطيالسي والنسائي والضيا في المختار بسند صحيح الا انه فيه ذكر الله مع الصلاة.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «١» .
(٩) رواه البيهقي وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق صحيحة.
(١٠) القوم: الجماعة. وقيل من الرجال فقط لقوله: اقوم آل حصن أم نساء ويطلق على ما يشملهم تغليبا وقيل: انه عام لكل جماعة. وهو المناسب هنا.
(١١) الحسرة: هي في الاصل الانقطاع من حسرة الناقة اذا انقطعت عن البشر ثم اطلق على الندامة الشديدة.
[ ٢ / ١٨٠ ]
دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِمَا يَرَوْنَ مِنَ الثَّوَابِ..
وَحَكَى أَبُو عِيسَى «١» التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً فِي الْمَجْلِسِ أَجْزَأَ عنه ما كان في ذلك المجلس «٢» ..
***
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨١» رقم «٤» .
(٢) فائدة: وقد ورد عنه ﷺ أن من قال اذا قام من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ان لا اله الا انت استغفرك وأتوب اليك غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك، فاذا ضم اليها الصلاة عليه حاز فضلا عظيما وكفر عنه ما صدر عنه وعن أهل مجلسه.. والله اعلم.
[ ٢ / ١٨١ ]
الفصل السّابع تَخْصِيصِهِ ﷺ بِتَبْلِيغِ صَلَاةِ
مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَوْ سَلَّمَ مِنَ الْأَنَامِ عَنْ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال:
مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇ «٣» .
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ «٤» بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أبي هريرة «٢» قال: قال
_________________
(١) الحديث رواه احمد وابو داود والبيهقي بسند حسن.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) قيل انه مخصوص بوقت الزيارة وقيل بل في كل وقت ومكان. وفيه دليل على انه ﷺ حي حياة مستمرة لان الكون لا يخلو من مسلم عليه في كل لحظة هذا وقد ثبت بالاحاديث الصحيحة انه وسائر الانبياء أحياء حياة حقيقية كالشهداء وان كان حال البرزخ لا يقاس على حال الدنيا. والحديث فيه اقوال كثيرة بالنسبة للكيفية ورد الروح وما المقصود منها.. وقد فسر الخفاجي هذا الاشكال بقوله: ان الانبياء والشهداء أحياء وحياة الانبياء اقوى واذا لم يسلط عليهم الارض فهم كالنائمين، والنائم لا يسمع ولا ينطق حتى ينبه كما قال تعالى (والتي لم تمت في منامها) الاية سورة الزمر آية ٤٢ فالمراد (بالرد) الارسال الذي في الاية، فحينئذ فمعناه انه اذا سمع الصلاة والسلام بواسطة أو بدونها تيقظ ورد لا ان روحه تقبض قبض الممات ثم تنفخ وتعاد كموت الدنيا وحياتها لان روحه مجردة نورانية وهذا لمن زاره ومن بعد عنه تبلغه الملائكة سلامه.
(٤) أبو بكر بن أبي شيبة: هو الحافظ الكبير الحجة، صاحب التصانيف، روي عن ابن المبارك وجماعة، وروى عنه الشيخان وطائفة، ووثقه الجماعة. قال الذهبي: ابو بكر ممن قفز القنطرة واليه المنتهى في الثقة. توفي سنة خمس وثلاثين ومئتين.
[ ٢ / ١٨٢ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «١» «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ «٢» .. وَمَنْ صلّى علي نائيا بلّغته..»
وعن ابن مسعود «٣» أن لله ملائكته سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ «٤» .
وَنَحْوُهُ «٥» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٦» ..
وَعَنِ «٧» ابْنِ عُمَرَ «٨» أَكْثِرُوا مِنَ السَّلَامِ عَلَى نَبِيِّكُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ فَإِنَّهُ يُؤْتَى بِهِ مِنْكُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ «٩» .
وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا عُرِضَتْ صَلَاتُهُ عَلَيَّ حِينَ يَفْرُغُ مِنْهَا..
وَعَنِ الْحَسَنِ «١٠» عَنْهُ ﷺ «١١»: حيثما «١٢» كنتم فصلوا عليّ
_________________
(١) رواه البيهقي في الشعب وأبو الشيخ في الثواب.
(٢) وبما ان السماع أفضل من البلاغ ففيه دليل على استحباب زيارة قبره ﷺ والصلاة والسلام عليه عنده.
(٣) وفي نسخة (ابي مسعود) وهو الصواب وهو عقبة بن عمرو الانصاري.
(٤) رواه احمد والنسائي وابن حسان والحاكم والبيهقي في الشعب.
(٥) أي بمعناه كما رواه في الترغيب.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٧) لم يخرجوا هذا الحديث.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١»
(٩) قال السحاوي: هذا الحديث لم أقف عليه. وهناك احاديث كثيرة صحيحة عن فضل الصلاة عليه يوم الجمعة.
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩٢» رقم «٢»
(١١) هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة والطبراني وابو يعلى بسند صحيح.
(١٢) حيثما: حيث اذا اتصلت بما فهي شرطية وهي ظرف مكان. وتأتي للزمان كما في قوله: حيثما تستقم يقدر لك الله نجاحا في غابر الازمان
[ ٢ / ١٨٣ ]
فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي.. وَعَنِ «١» ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» لَيْسَ أحد من أمة محمد ﷺ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ إِلَّا بَلَغَهُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ «٣» أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عُرِضَ عَلَيْهِ اسْمُهُ.
وَعَنِ «٤» الْحَسَنِ «٥» بْنِ عَلِيٍّ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فسلم على النبي ﷺ.. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ..
وَفِي حَدِيثِ أَوْسٍ «٦» أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ «٧» .
وَعَنْ سُلَيْمَانَ «٨» بْنِ سُحَيْمٍ «٩» رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي
_________________
(١) في حديث موقوف رواه البيهقي في الشعب وابن راهويه في مسنده.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) قيل المراد ببعضهم النميري عن حماد.
(٤) أخرجه الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زين العابدين علي بن الحسين وكما رواه ابن أبي شيبة عن الحسن بن علي.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩٢» رقم «٢» .
(٦) اوس: هو اوس بن اوس الثقفي صحابى.. وفي الصحابة خمسة واربعون نفرا يسمون أوسا.
(٧) رواه ابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
(٨) سليمان بن سحيم: هو مولى أبي العباس، وقيل: ابي الحسيم. وهو من علماء الحجاز المشهورين. وحيث اطلق في النقل فهو المراد، ولهم سليمان بن سحيم آخر يشهر النقل عنه. وهو ثقة توفي في خلافة المنصور.
(٩) وهذا الحديث رواه عنه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في حياة الانبياء.
[ ٢ / ١٨٤ ]
النَّوْمِ «١» .. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَكَ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْكَ.. أَتَفْقَهُ سَلَامَهُمْ؟ .. قَالَ: نَعَمْ وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ.
وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ «٢»: بَلَغَنَا أَنَّ رسول الله ﷺ قال»
:
أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ فِي اللَّيْلَةِ الزَّهْرَاءِ وَالْيَوْمِ الْأَزْهَرِ فَإِنَّهُمَا يُؤَدِّيَانِ عَنْكُمْ.. وَإِنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ.. وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا حَمَلَهَا مَلَكٌ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا إِلَيَّ وَيُسَمِّيهِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ إِنَّ فُلَانًا يقول كذا وكذا.
***
_________________
(١) من رآه في النوم فقد رآه حقا فان الشيطان لا يتمثل في صورته.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢١» رقم «٤» .
(٣) رواه عنه النمري مرسلا.
[ ٢ / ١٨٥ ]
الفصل الثامن الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈
قَالَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ: عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ متفقون «١» على جواز الصلاة على النبي ﷺ.
وَرُوِيَ «٢» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٣»: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصلاة على غير النبي ﷺ وَرُوِيَ «٤» عَنْهُ لَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا النَّبِيِّينَ..
وَقَالَ سُفْيَانُ «٥» يُكْرَهُ أَنْ يصلّى إلا على نبي «٦» .
_________________
(١) دعواه بالاتفاق مطلقا غير مسلم به. وقد قال النووي في الاذكار: على سائر الانبياء والملائكة استقلالا وعلى غيرهم ابتداء الجمهور على منعه، فقال بعض أصحابنا أنه حرام والاكثر على انه مكروه كراهة تنزيه، وذهب كثير الى انه خلاف الأولى وليس مكروها. والصحيح الذي عليه الأكثر كراهة تنزيها.
(٢) رواه البيهقي في شعب الايمان، وسعيد بن منصور في سننه، والطبراني وابن أبي شيبة وعبد الرزاق.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٤) رواه القاضي اسماعيل في كتاب فضل الصلاة.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٦» رقم «٢» .
(٦) وهذه الرواية احدى روايتين عن سفيان رواها عبد الرزاق والبيهقي، والآخرى تفرد بها البيهقي (يكره ان يصلّى على غير النبي ﷺ) .
[ ٢ / ١٨٦ ]
وَوَجَدْتُ بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِي: مَذْهَبُ مَالِكٍ «١» أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ مَذْهَبِهِ.
وَقَدْ قَالَ مالك «١» في المبسوط «٢» ليحيى «٣» بن اسحق: أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ. وَمَا يَنْبَغِي لنا أن نتعدى ما أمرنا به.
قال يَحْيَى «٤» بْنُ يَحْيَى: لَسْتُ آخُذُ بِقَوْلِهِ «٥» .. وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ.. واحتج بحديث ابن «٦» عمر «٧» وبما جاء من حَدِيثِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ- وَفِيهِ- وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَعَلَى آلِهِ «٨» . وقد وجدت «٩» معلقا «١٠» عن أبي
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) المبسوط: اسم كتاب له كالمدونة. وفي نسخة صحيحة (المبسوطة) .
(٣) يحيى بن اسحق عالم وراوي المبسوط عن مالك ﵀. وهو يحيى بن اسحق بن عبد الله بن اسحق بن المهلب بن جعفر ويكنى أبا بكر وله نسب شريف بقرطبة.
(٤) يحيى بن يحيى الليثي عالم الاندلس وراوى الموطأ عن مالك ﵀.
(٥) أي بقول الامام مالك
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٧) حديث ابن عمر الاتي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وعلى أبي بكر وعمر تباعا.
(٨) وهذا يدل على ان الصلاة على غير الانبياء جائزة، الا ان هذا بطريق التبعية. والخلاف في الصلاة على غيره استقلالا وحينئذ ما ذكر لا ينافي ما قاله يحيى بن يحيى.
(٩) الضمير في وجدت عائد الى يحيى بن يحيى. وكلمة وجدت في اصطلاح المحدثين في الاجازة أن يجد حديثا بخط من يعرفه سواء عاصره ام لا مسندا فيرويه عنه.
(١٠) معلقا: بمعنى (مكتوبا) أو بمعنى الاصطلاح عند أهل الحديث من ذكر حديث طوي سنده.
[ ٢ / ١٨٧ ]
عِمْرَانَ «١» الْفَاسِيِّ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» ﵄ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: وَبِهِ نَقُولُ «٣» . وَلَمْ يَكُنْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا مَضَى.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ «٤» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٦»: «صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ..
فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي..»
قَالُوا: وَالْأَسَانِيدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٧» لَيِّنَةٌ «٨» .
«وَالصَّلَاةُ» فِي لِسَانِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى التَّرَحُّمِ وَالدُّعَاءِ.. وَذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَمْنَعَ مِنْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ إِجْمَاعٌ..
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ «٩» ..» الاية»
_________________
(١) أبو عمران الفاسي وفي نسخة (القابسي) وهو موسى بن عيسى الغثجوسي نسبة لقبيلة من البربر، والفاسي نسبة لفاس مدينة بالمغرب، وهو فقية المغرب توفي سنة ثلاثين واربعمائة في ثالث عشر شهر رمضان.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) وفي نسخة وبه (أقول) .
(٤) عبد الرزاق هو امام الحديث ابو بكر بن همام بن نافع الحمري وله تصانيف جليلة توفي سنة احد عشر ومائتين.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٦) رواه احمد الطبراني، والقاضي اسماعيل بسند ضعيف والتميمي في الترغيب وعبد الرزاق في جامعه وغيرهم بسند صحيح.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٨) أي التي وردت في منع الصلاة على غيره ﷺ واللين ليس ضعفا في اصطلاح المحدثين بل نوع من الحديث لا يصلج الاحتجاج به.
(٩) الاحزاب آية «٤٣»
[ ٢ / ١٨٨ ]
وقال تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ «١» ..» الْآيَةَ.
وَقَالَ: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ «٢» ..»
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «٣»: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى «٤» .»
وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فُلَانٍ.
وَفِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ «٥»: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محمد وعلى أزواجه وذريته» .
وفي آخَرَ «٦»: «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» .. قِيلَ: أَتْبَاعُهُ وَقِيلَ أمته.
وقيل: آل بيته.. وَقِيلَ الْأَتْبَاعُ وَالرَّهْطُ»
وَالْعَشِيرَةُ..
وَقِيلَ: آلُ الرَّجُلِ وَلَدُهُ، وَقِيلَ: قَوْمُهُ، وَقِيلَ: أَهْلُهُ الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ.
وَفِي رِوَايَةِ «٨» أَنَسٍ «٩» سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ قال:
كل تقي..
_________________
(١) التوبة آية «١٠٣» .
(٢) البقرة آية «١٥٧» .
(٣) في حديث رواه الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى.
(٤) ابو أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الاسلمي الصحابي، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين، وابنه صحابي أيضا شهد مع ابيه بيعة الرضوان. وهذا الحديث من أقوى ما استدل به على جواز الصلاة على غير الأنبياء استقلالا.
(٥) وقد تقدم بيانه.
(٦) روي في صلاة التشهد.
(٧) الرهط: في الاصل ما دون العشرة ثم عم.
(٨) حديث صحيح روي من طرق، رواه الطبراني والديلمي وشيبان وابن مردويه وغيرهم.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
[ ٢ / ١٨٩ ]
وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ «١» أَنَّ الْمُرَادَ بِآلِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدٌ نَفْسُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صلاته عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ- يُرِيدُ نفسه. لأنه كان لا يخل بالفرض الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ هُوَ الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَفْسِهِ.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ «٢»: لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مزامير آل داوود- يُرِيدُ مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ «٣» السَّاعِدِيِّ فِي الصَّلَاةِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ «٤» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «٥» أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ «٦» وَعُمَرَ «٧» ذَكَرَهُ مالك «٨» في الموطأ من رواية يحيى «٩»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٢) لما سمع أبا موسى الاشعري يقرأ القرآن.. والحديث رواه الشيخان.
(٣) أبو حميد الساعدي: ابو عبد الرحمن بن عمرو بن سعد الخزرجي كما تقدم.
(٤) هذا الحديث يدل عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ ولكن بالتبعية.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٠» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٩) يحيى الاندلسي: قيده بالاندلسي احترازا عن يحيى بن يحيى النيسابوري. ولأن الموطأ رواه عن مالك اثنان كل واحد اسمه يحيى بن يحيى. احدهما يحيى بن يحيى بن كثير الاندلسي الليثي مات سنة اربع وثلاثين ومائتين، والاخر ابو بكر يحيى بن يحيى ابن بكر بن عبد الرحمن التميمي النيسابوري توفي سنة ست وعشرين ومائتين وله رواية في الصحيحين كما قاله السيوطي في مناقب مالك.
[ ٢ / ١٩٠ ]
الْأَنْدَلُسِيِّ وَالصَّحِيحُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
وَرَوَى «١» ابْنُ «٢» وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ «٣» بْنِ مَالِكٍ كُنَّا نَدْعُو لِأَصْحَابِنَا بِالْغَيْبِ فَنَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِنْكَ عَلَى فُلَانٍ صَلَوَاتِ قَوْمٍ أَبْرَارٍ، الَّذِينَ يَقُومُونَ بِاللَّيْلِ وَيَصُومُونَ بِالنَّهَارِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَأَمِيلُ إِلَيْهِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ «٤» وَسُفْيَانُ «٥» رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ «٦» عَبَّاسٍ وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ «٧» .. بَلْ هُوَ شَيْءٌ يَخْتَصُّ به الأنبياء توقيرا وَتَعْزِيزًا، كَمَا يُخَصُّ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّعْظِيمِ وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ.
كَذَلِكَ يَجِبُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ ﷺ وسائر الأنبياء بالصلاة والتسليم، ولا يشارك «٨» فِيهِ سِوَاهُمْ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: «صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» «٩» .. وَيُذْكَرُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ بِالْغُفْرَانِ والرضى.
_________________
(١) لم يخرجه السيوطي.
(٢) ابن وهب: المصري العلم.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٦» رقم «٣» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٧) اي افرادا ويجوز اتباعا.
(٨) وفي نسخة (ولا يشاركهم) .
(٩) الاية سورة الاحزاب آية «٥٦» .
[ ٢ / ١٩١ ]
كَمَا قَالَ تَعَالَى: «يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ» «١» .
وَقَالَ: «وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ﵃» «٢» .
وَأَيْضًا فَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ أَبُو عِمْرَانَ، «٣» وَإِنَّمَا أَحْدَثَهُ الرَّافِضَةُ «٤» وَالْمُتَشَيِّعَةُ فِي بَعْضِ الْأَئِمَّةِ فَشَارَكُوهُمْ عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ، وَسَاوَوْهُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التشبه بِأَهْلِ الْبِدَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا التزموه من ذلك، ذَلِكَ، وَذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ مَعَ النبي ﷺ بحكم التبع وَالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ لَا عَلَى التَّخْصِيصِ.
قَالُوا: وَصَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَجْرَاهَا مَجْرَى الدُّعَاءِ وَالْمُوَاجَهَةُ.. لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ.
قَالُوا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: «لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ
_________________
(١) الاية سورة الحشر آية «١٠» .
(٢) الاية سورة التوبة آية «١٠٠» .
(٣) ابو عمران: موسى بن عيسى الفاسي. فقيه القيروان.
(٤) الرافضة: طائفة من اهل البدع والاهواء المخالفين لاهل السنن. وسموا رافضة من الرفض وهو الترك لانهم رفضوا زين العابدين بن علي بن الحسين لما طلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين فأبى. وتقدم الحديث عنهم في ج ١ ص «٦٦٥» رقم «٨» .
[ ٢ / ١٩٢ ]
بَعْضِكُمْ بَعْضًا «١»» .. فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ لَهُ مُخَالِفًا لِدُعَاءِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَبِي الْمُظَفَّرِ «٢» الْإِسْفَرَائِينِيِّ مِنْ شُيُوخِنَا وَبِهِ قَالَ أبو عمر «٣» بن عبد البر «٤» ..
_________________
(١) الاية سورة النور آية «٦٣» .
(٢) أبو المظفر الاسفرائيني: من كبار علماء أهل السنة. واسفرائن بلدة يخراسان معروفة. وابو المظفر كنية طاهر بن احمد، وهو الملقب بشاه.
(٣) ابو عمر بن عبد البر: حافظ المغربي.
(٤) واعلم أن التصليه والتسليم على نبينا ﷺ مطلوبة امرنا بالتعبد بها فهي واجبة على اختلاف محل الوجوب- كما تقدم- والصلاة على غيره من الانبياء عليهم الصلاة والسلام استقلالا مستحبة، وما نقل عن مالك انها منهي عنها مخالف للقول الصحيح. فقال القرطبي انه مجمع عليه. والصلاة على غير الانبياء تبعا لنبينا ﷺ مستحبة أيضا كما في التشهد فلا عبرة لمن خالف فيه ايضا.. فلم يبق محل الخلاف غير الصلاة على غير الانبياء بانفرادهم- فالصحيح- انه مكروه. وأن كرامته كراهة تنزيه لا تحريم لانه اختص به ﷺ كما اختص ﷿ بالله تعالى فلا يقال: محمد ﷿ وان كان عزيزا جليلا.. هذا هو الصحيح وقد قيل ان السلام مثل الصلاة مخصوص بالانبياء أيضا فلا يقال على غيره (﵇) كما صرح به الفقهاء، فهو مكروه تنزيها» اهـ كلام الخفاجي.
[ ٢ / ١٩٣ ]
الفصل التاسع حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَكَيْفَ يُسَلِّمُ عليه
وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ ﷺ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَفَضِيلَةٌ «١» مُرَغَّبٌ فيها.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ «٢» ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «٣» «مَنْ
_________________
(١) زيارة القبور فيها فوائد منها آ- التذكر للموت والاتعاظ وهذا يجري في جميعها ب- الدعاء لاهلها المسلمين كما زار ﷺ اهل البقيع.. وهذا مستحب ج- التبرك بمن فيها من الانبياء والصالحين فينتفع بزيارتهم.. فذهب بعض المالكية الى انه مخصوص بالانبياء وانه في غيرهم بدعة. واما في الانبياء فهي مشروعة. وتوقف فيه السبكي. د- يقصد بالزيارة برهم ورضاهم واكرامهم كزيارة قبر الوالدين ومن عليه حق لا كرامه فان الميت يكرم كالحي. هـ- يقصد بزيارة الميت تأنيسه ورحمته وهو مستحب أيضا لما روي عنه ﷺ ان الميت آنس ما يكون اذا زاره من كان يحبة في دار الدنيا.. وزيارته ﷺ جامعة لهذا كله فلذا كانت سنة وان كان غنيا عن الدنيا.. وما عدا ذلك بدعة كتقبيل القبور وغيره.
(٢) ابن عمر: تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٣) فيما رواه ابن خزيمة في صحيحه متوقفا في ثبوته والبزار والطبراني وله طرق وشواهد حسنه الذهبي لاجلها. وقول البيهقي بانه منكر.. أي انه انفرد به رواته.. والفرد قد يطلق عليه ذلك كما قاله احمد في حديث الاستخارة مع انه في الصحيحين.
[ ٢ / ١٩٤ ]
زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ»
لَهُ شَفَاعَتِي» .
وَعَنْ أَنَسِ «٢» بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ زَارَنِي فِي الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا «٣» كَانَ فِي جِوَارِي، وَكُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ «٤»»
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٥»: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي..» وَكَرِهَ مَالِكٌ «٦» أَنْ يُقَالَ: زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ:
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَقِيلَ: كَرَاهِيَةُ الِاسْمِ لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «٧»: «لَعَنَ اللَّهُ زوارات القبور» .
وهذا يروه قوله «٨»: «نهيتكم عن زيارة القبور فزورها» .
وَقَوْلُهُ «٩»: «مَنْ زَارَ قَبْرِي» .. فَقَدْ أَطْلَقَ اسْمَ الزيادة..
_________________
(١) وجبت وفي رواية (حلت) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) محتسبا: أي ناديا وجه الله تعالى ليس له غرض آخر.
(٤) رواه العيلي وغيره بلفظ (من زارني متعمدا كان في جواري يوم القيامة) ورواه البيهقي ولفظه (من زارني محتسبا الى المدينة كان في جواري يوم القيامة) وروى ابو عوانه (من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة) .
(٥) رواه البيهقي، وسعيد بن منصور في سننهما، والدارقطني والطبراني وأبو يعلى وابن عساكر عن ابن عمر ﵄.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٧) رواه احمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(٨) رواه مسلم عن بريدة.
(٩) ﷺ في الحديث المتقدم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وَقِيلَ لِأَنَّ ذَلِكَ لِمَا قِيلَ: إِنَّ الزَّائِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَزُورِ، وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ إِذْ لَيْسَ كُلُّ زَائِرٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ هَذَا عُمُومًا.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَهْلِ الْجَنَّةِ زِيَارَتُهُمْ لِرَبِّهِمْ وَلَمْ يُمْنَعْ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ «١» ﵀: إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ «٢» أَنْ يُقَالَ:
طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَزُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَكَرِهَ تَسْوِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ النَّاسِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَحَبَّ أَنْ يُخَصَّ بِأَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ..
وَأَيْضًا فَإِنَّ الزِّيَارَةَ مُبَاحَةٌ بَيْنَ النَّاسِ.. وَوَاجِبٌ شَدُّ الْمَطِيِّ «٣» إِلَى قَبْرِهِ ﷺ. يُرِيدُ بِالْوُجُوبِ هُنَا وُجُوبَ نَدْبٍ وَتَرْغِيبٍ وَتَأْكِيدٍ لَا وُجُوبَ فَرْضٍ.
وَالْأَوْلَى والذي عندي أنّ منعه وكراهة مالك لإضافته لقبر «٤»
_________________
(١) ابو عمران: أي القاسي.. وفي كثير من النسخ (ابو عمر) وهو ابن عبد البر.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٣) وفي نسخة شد (الرحال) .
(٤) ولكن هذا يرده حديث ابن عمر (من زار قبري وجبت له شفاعتي) الا ان يقال انه ضعيف، وان الصحيح حديث انس (من زارني) بدون ذكر القبر.. الا انه غير مسلم لان عبد الحق رواه في أحكام القرآن ولم يتعقبه.
[ ٢ / ١٩٦ ]
النَّبِيِّ ﷺ.. وَأَنَّهُ لَوْ قال: زرنا النبي ﷺ لَمْ يَكْرَهْهُ. لِقَوْلِهِ ﷺ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ بَعْدِي اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبياءهم مساجد «١» .
فمحى إِضَافَةَ هَذَا اللَّفْظِ إِلَى الْقَبْرِ، وَالتَّشَبُّهَ بِفِعْلِ أُولَئِكَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ «٢» وَحَسْمًا لِلْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال اسحق «٣» بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ: وَمِمَّا لَمْ يَزَلْ مِنْ شَأْنِ مَنْ حَجَّ الْمُرُورُ بِالْمَدِينَةِ وَالْقَصْدُ، إِلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّبَرُّكُ بِرُؤْيَةِ رَوْضَتِهِ وَمِنْبَرِهِ وَقَبْرِهِ، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطيء قَدَمَيْهِ، وَالْعَمُودِ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَيَنْزِلُ جِبْرِيلُ بِالْوَحْي فِيهِ عَلَيْهِ.. وَبِمَنْ عَمَرَهُ، وَقَصَدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالِاعْتِبَارِ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ «٤»: سَمِعْتُ بَعْضَ مَنْ أَدْرَكْتُ يَقُولُ:
بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَلَا هذه الاية «إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار مرسلا وعبد الرزاق في مصنفه عن معمر بن زيد بن أسلم مرسلا.
(٢) الذريعة: الوسيلة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٠٤» رقم «٢» .
(٤) ابن ابي فديك: محمد ابن اسماعيل بن مسلم بن أبي اوفى فديك، وكان الامام الثقة روى عنه الستة واحمد، وتوفي سنة مائتين. وله ترجمة في الميزان.
[ ٢ / ١٩٧ ]
وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» «١» ثُمَّ قَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ.
مَنْ يَقُولُهَا سَبْعِينَ مَرَّةً نَادَاهُ مَلَكٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ يَا فُلَانُ وَلَمْ تَسْقُطْ لَهُ حَاجَةٌ «٢» .
وَعَنْ يَزِيدَ «٣» بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَهْرِيِّ: قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ «٤» بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا وَدَّعْتُهُ قَالَ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ.. إِذَا أَتَيْتَ الْمَدِينَةَ سَتَرَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فأقره مني السلام.
قال غَيْرُهُ «٥» وَكَانَ يُبْرِدُ إِلَيْهِ الْبَرِيدَ مِنَ الشَّامِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ رَأَيْتُ أَنَسَ «٦» بْنَ مَالِكٍ أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَفَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، فسلم على النبي ﷺ ثم انصرف.
قال مَالِكٌ «٧» فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ «٨» إِذَا سَلَّمَ على النبي ﷺ
_________________
(١) الاية سورة الاحزاب آية «٥٦» .
(٢) رواه البيهقي من طريق ابن أبي الدنيا.
(٣) يزيد بن أبي سعيد المهري: نسبة الى مهرة وهي قبيلة. محدث مشهور، اخرج له مسلم رحمه الله تعالى وغيره.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٠» رقم «١» .
(٥) والقائل هو حاتم بن وردان كما ذكر البيهقي في شعب الايمان.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٣٢» رقم «١» .
[ ٢ / ١٩٨ ]
ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لَا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَيَدْنُو وَيُسَلِّمُ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ بِيَدِهِ.
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَدْعُو، وَلَكِنْ يُسَلِّمُ وَيَمْضِي.
قَالَ ابن أبي ملكية «١» مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُومَ «٢» وِجَاهَ «٣» النَّبِيِّ ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر من رَأْسِهِ.
وَقَالَ «٤» نَافِعٌ «٥»: كَانَ ابْنُ عُمَرَ «٦» يُسَلِّمُ على القبر.. رأيته مئة مَرَّةٍ وَأَكْثَرَ يَجِيءُ إِلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ..
السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَى أَبِي «٧» ثُمَّ ينصرف.
ورؤي»
ابْنُ عُمَرَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ من
_________________
(١) ابن أبي مليكه: هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكه بالتصغير، وهو من اعلام التابعين، وابوه أبو مليكه صحابي جليل وابنه توفي سنة سبع عشرة ومائة، واخرج له اصحاب الكتب الستة.
(٢) وفي نسخة ان (يكون) .
(٣) وجاه: أي في مواجهة.
(٤) رواه البيهقي ومالك.
(٥) نافع: هو ابن هرمز مولى ابن عمر اشتراه سبي خراسان وهو تابعي جليل توفي بالمدينة سنه سبع عشرة، وهو غير نافع بن عبد الرحمن المدني المقري. وهذا رواه البيهقي وغيره.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٧) وفي نسخة على (أبي حفص) وهي كنية عمر.
(٨) رواه ابن سعد عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القاري.
[ ٢ / ١٩٩ ]
الْمِنْبَرِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِهِ.
وَعَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ «١» وَالْعُتْبِيِّ «٢» كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إذا خلا المسجد جسّوا «٣» رُمَّانَةَ الْمِنْبَرِ الَّتِي تَلِي الْقَبْرَ بِمَيَامِنِهِمْ ثُمَّ اسْتَقْبَلُوا الْقِبْلَةَ يَدْعُونَ «٤» .
وَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ يحيى «٥» بن اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وعلى أبي بكر وعمر.
وعند ابْنِ الْقَاسِمِ «٦» وَالْقَعْنَبِيِّ «٧»: وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
قَالَ مَالِكٌ «٨» فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ «٩» يَقُولُ الْمُسْلِمُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته..
_________________
(١) هو يزيد بن عبد الله بن قسيط مات بالمدينة سنة اثنتين وعشرين ومائة وكان ثقة كثير الحديث.
(٢) العتبي نسبة لعتبة بن أبي سفيان وهو فقيه الاندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز ابن عتبة القرطبي وتوفي في منتصف ربيع سنة خمسين أو أربع وخمسين ومائتين وأخذ عن يحيى بن يحيى الليثي. وفي تاريخ الاندلس محمد العتبي هو أحمد بن محمد بن عتبة من أهل قرطبة وقيل هو رسول لال عتبة بن أبي سفيان وهو الاصح وقد جمع كتابا سماه المستخرجة أكثر فيه من الشواذ والمسائل الغريبة وقال ابن وضاح في المستخرجة خطأ كثير.
(٣) جسوا: بفتح الجيم وتشديد السين المهملة أي مسوا رمانة المنبر أي العقدة المشابهة للرمانة التي كان يأخذها النبي ﷺ بيمينه.
(٤) رواه ابن سعد.
(٥) يحيى بن يحيى الليثي: رواه مالك في الموطأ.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٣» .
(٧) القعنبي: هو عبد الله بن سلمة بن قضيب الحارثي أبو عبد الرحمن أحد الاعلام روى عنه البخاري وأبو داود وغيرهما، وهو ثقة حجة توفي سنة عشرين او احدى وعشرين ومائتين، اخرج له الشيخان وغيرهما، وفي روايتهما عن مالك.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٣٢» رقم «١» .
[ ٢ / ٢٠٠ ]
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ «١» وَعُمَرَ «٢» ..
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ «٣» الْبَاجِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَدْعُو لِلنَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ، وَلِأَبِي بَكْرٍ «٤» وَعُمَرَ «٥» كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «٦» مِنَ الْخِلَافِ.
وَقَالَ ابْنُ حبيب «٧» ويقول إذا دخل مسجد الرسول: باسم اللَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ.. السَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا. وَصَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.. اللهم اغفرلي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَجَنَّتِكَ، وَاحْفَظْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
ثُمَّ اقْصِدْ إِلَى الرَّوْضَةِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ فَارْكَعْ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ وُقُوفِكَ بِالْقَبْرِ تَحْمَدُ اللَّهَ فِيهِمَا، وَتَسْأَلُهُ تَمَامَ مَا خَرَجْتَ إِلَيْهِ، وَالْعَوْنَ عَلَيْهِ.. وَإِنْ كَانَتْ رَكْعَتَاكَ فِي غَيْرِ الرَّوْضَةِ أَجْزَأَتَاكَ وَفِي الرَّوْضَةِ أَفْضَلُ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «٨»: «ما بين بيتي ومنبري
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٣) ابو الوليد الباجي: نسبة لباجة بلدة بالمغرب وهو الحافظ من أئمة المالكية.
(٤) أبو بكر: تقدم آنفا.
(٥) عمر: تقدم آنفا.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «١» .
(٨) رواه هكذا بلفظه وتمامه الدارقطني عن عمر ورواه بتمامه لكن بلفظ بيتي بدل قبري احمد عن جابر والبزار عن أبي بكر ورواه بلفظ قبري لكن بدون الجملة الاخيرة البيهقي عن أبي هريرة والطبراني في الاوسط عن ابن عمر وروى الجملة الاخيرة فقط أحمد وابو عوانه عن سهل بن سعد.
[ ٢ / ٢٠١ ]
رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.. وَمِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ «١» من ترع الجنة» .
ثم يقف بالقبر مُتَوَاضِعًا مُتَوَقِّرًا، فَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَتُثْنِي بِمَا يَحْضُرُكَ، وَتُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ «٢» وَعُمَرَ «٣»، وَتَدْعُو لَهُمَا، وَأَكْثِرْ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَا تَدَعْ أَنْ تَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ «٤» وَقُبُورَ الشُّهَدَاءِ.
قَالَ مَالِكٌ «٥» فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ «٦»: وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذَا دَخَلَ وَخَرَجَ- يَعْنِي فِي الْمَدِينَةِ- وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِذَا خَرَجَ جَعَلَ آخِرَ عَهْدِهِ الْوُقُوفَ بالقبر.. وكذلك من خرج مسافرا.
_________________
(١) الترعة: هي الروضة تكون في مكان مرتفع مطمئن، أو مكان تجمع الاشجار والرياحين، وهي أيضا مدخل الماء.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٤) قباء: يمد ويقصر ويذكر ويؤنث فيجوز صرفه ومنع صرفه، وهو اسم موضع قريب من المدينة بنى فيه عمرو بن عوف الانصاري مسجدا اتاه النبي ﷺ وصلّى فيه وهو المراد بقوله تَعَالَى (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ سور التوبة آية (١٠٨) وكان ﷺ يزوره كل سبت راكبا او ماشيا. وقال: صلاة ركعتين فيه وكان ﷺ يزوره كل سبت راكبا او ماشيا. وقال: صلاة وركعتين فيه كعمرة) .. ويقال له مسجد الفتح، وكان عمر يأتيه كل اثنين وخميس وقال: رأيت رسول الله ﷺ واصحابه ينقلون حجارته على بطونهم، فلو كان في طرف الارض لضربنا اليه اكباد الابل.. وقال: صلاة ركعتين فيه احب الي من أن نأتي بيت المقدس مرتين.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٦) محمد: واحد من أصحاب مالك، ولعله محمد بن الحسن من اصحاب أبي حنيفة فانه روى عنه الموطأ.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وروى ابن وهب «١» عن فاطمة «٢» بنت محمد ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «٣»: «إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وقل: اللهم اغفرلي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ.. وَإِذَا خَرَجْتَ فَصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وقل: اللهم اغفرلي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ:
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «٤»: «فَلْيُسَلِّمْ» مَكَانَ فَلْيُصَلِّ فِيهِ، وَيَقُولُ إِذَا خَرَجَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ.
وَفِي أُخْرَى: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ «٥» بْنِ سِيرِينَ: كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ إِذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ:
صَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.. السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.. بِاسْمِ اللَّهِ دَخَلْنَا وَبِاسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا.
وَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا خَرَجُوا: مِثْلَ ذَلِكَ.
وَعَنْ «٦» فَاطِمَةَ «٢» أَيْضًا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ:
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٣٢» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣٠» رقم «١٢» .
(٣) هذا الحديث رواه أصحاب السنن على انه سنة لدخول كل مسجد، وليس مخصوصا بالمسجد النبوي كما ذكره الخيضري في اللواء المعلم.
(٤) لابي داود عن أبي حميد وأسيد.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٥٦» رقم «٧» .
(٦) أخرجه أحمد والبيهقي في الدعوات.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ «١» وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَبْلَ هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ: حَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ- وَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ «٢» باسم الله والسلام»
على رسول الله..
وَعَنْ غَيْرِهَا «٤»: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ:
اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَيَسِّرْ لِي أَبْوَابَ رِزْقِكَ.
وَعَنْ أَبِي «٥» هُرَيْرَةَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي «٦» ..
وَقَالَ مَالِكٌ «٧» فِي الْمَبْسُوطِ: وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْوُقُوفُ بِالْقَبْرِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: لَا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَيَدْعُوَ لَهُ ولأبي بكر «٨» وعمر «٩» .
_________________
(١) وفي نسخة (ﷺ) .
(٢) للترمذي وابن ماجة.
(٣) وفي نسخة (الصلاة) .
(٤) أي روي عن غير فاطمة من الصحابة. ومن طرق متعددة. فلا يضر قول الدلجي لم اقف عليه لان من حفظ حجة على غيره، وكذا لا التفات الى قول الحلبي: لا أعرفه بعينه. لانه يكفي أن المصنف رواه وهو حافظ ثقة حجة.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٦) يعني ما تقدم بتمامه. ورواه ابن حبان وابن خزيمة وابن ماجة والنسائي في اليوم والليلة.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فقيل له: إن نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدِمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الْجُمُعَةِ أو في الأيام المرة أو المرتين أَوْ أَكْثَرَ عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً، فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلَدِنَا وَتَرْكُهُ وَاسِعٌ «١» .. وَلَا يُصْلِحُ آخر هذه الأمة إلا ما صلح أَوَّلَهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ إِلَّا لِمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ «٢»: وَرَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَوْ دَخَلُوهَا أَتَوُا الْقَبْرَ فَسَلَّمُوا- قَالَ- وَذَلِكَ رَأْيٌ.
قَالَ الْبَاجِيُّ «٣»: فَفَرْقٌ بَيْنَ أَهْلِ المدينة والغرباء، لأن الغرباء
_________________
(١) واسع أي جائز. ولو فعله فسائغ شائع، لانه كما قال ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، والقياس بوقت الوفاة على حال الحياة صحيح، ولا شك أن الصحابة كانوا يكثرون السلام عليه في حال حياته ويتشرفون بتكرار ملاقاته ويتبركون بأخذ الفيض من انوار بركاته فأي مانع من التردد على بابه والتوسل الى جنابه على أنه قد ثبت من صلّى علية نائيا بلغه ومن صلّى عليه عند قبره سمعه.. نعم ان كانت الكثرة توجب الملالة فلا شك أن يقال في حقها الكراهة كما يشير اليه حديث: (زر غبا تزدد حبا) وأما عند كثرة الشوق ومزيد الذوق فلا سبيل الى المنع من تلك الحفرة ولو على سبيل المداومه كما يدل عليه حديث أبي بن كعب في تكثير الصلاة والسلام عليه، والحاصل ان تكثيرها مستحب بالاجماع فايقاعها أولى في أفضل البقاع.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٣) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٢٠١) رقم (٣) .
[ ٢ / ٢٠٥ ]
قصدوا ذلك وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ بِهَا لَمْ يَقْصِدُوهَا مِنْ أَجْلِ الْقَبْرِ وَالتَّسْلِيمِ «١» .
وَقَالَ ﷺ «٢»: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ.. اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ «٣» .
وَقَالَ «٤» لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا «٥» .
وَمِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ «٦» بْنِ سَعِيدٍ الْهِنْدِيِّ فِيمَنْ وَقَفَ بِالْقَبْرِ: لَا يَلْصَقُ بِهِ، وَلَا يَمَسُّهُ «٧» ولا يقف عنده طويلا.
_________________
(١) قال السبكي في كتابه شفاء السقام بعد نقل ما هنا: مذهب مالك ان الزيارة قربة لكنه كره الاكثار منها للمقيم بالمدينة على قاعدته في سد الذرائع.. وغيره من أهل المذاهب قالوا باستحباب الاكثار منها مطلقا واتفقوا عليه وهو الحق الذي لا شبهة فيه والذريعة ليست بمسموعة من كل مقام.
(٢) في حديث رواه عبد الرزاق، ومالك في الموطأ عن عطاه بن يسار
(٣) أي سجدوا لها كما يسجدون لله.
(٤) في حديث رواه ابن أبي شيبة واسماعيل القاضي عن علي وسعيد بن منصور في سننه من طريقين مرسلين.
(٥) أي كالعيد باجتماع الناس عنده.. أو لا تقللوا الزيارة مرة في العام كالعيد بل زوروه دائما.. ولا حجة في هذا الحديث لمن ادعى منع الزيارة بل اجمعت الامة على خلافه وهذا يقتضي تفسيره بغير ما فهموه.
(٦) أحمد بن سعيد الهندي: عالم الاندلس توفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وعمره سبع وسبعون سنة وترجمته مبسوطة في التواريخ وفي نسخة (سعد الهندي) والصحيح الاول.
(٧) وهذا امر غير مجمع عليه، ولذا قال أحمد والطبري لا بأس بتقبيله والتزامه، وروي أن ابا أيوب الانصاري كان يلزم القبر الشريف.. وقيل وهذا لغير من لم يغلبه الشوق والمحبة، وهو كلام حسن.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ «١» يَبْدَأُ بِالرُّكُوعِ «٢» قَبْلَ السَّلَامِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحَبُّ مَوَاضِعِ التَّنَفُّلِ فِيهِ مُصَلَّى النَّبِيِّ حَيْثُ الْعَمُودُ الْمُخَلَّقُ «٣» وَأَمَّا فِي الْفَرِيضَةِ فَالتَّقَدُّمُ إِلَى الصُّفُوفِ.. وَالتَّنَفُّلُ فِيهِ لِلْغُرَبَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ التَّنَفُّلِ في البيوت.
_________________
(١) اسم كتاب ويعرف أيضا بالمستخرجة من الاسمعة أي مما سمع من مالك من مسائل المدونة، وصاحبها يسمى العتبي نسبة لعتبة بن أبي سفيان، وهو فقيه الاندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة بن أبي سفيان القرطبي، وتوفي في منتصف ربيع سنة خمسين، أو أربع وخمسين ومائتين وأخذ عن يحيى بن يحيى الليثي وطبقته. ويقال انه من موالي عتبة. وله رحلة الى المشرق.
(٢) والمراد بالركوع الصلاة.
(٣) المخلق: الذي عليه الخلوق وهو نوع من الطيب أصفر فيه زعفران. ومن اراد مزيدا من المعرفة بالمدينة المنورة وأماكنها فليطالع كتاب تاريخ المدينة الكبير للسيد السمهوري.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الفصل العاشر آداب دخول المسجد النّبوي الشريف وفضله وفضل المدينة ومكة
فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَدَبِ سِوَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَفَضْلِهِ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَفِي مَسْجِدِ مَكَّةَ.. وَذِكْرِ قَبْرِهِ وَمِنْبَرِهِ وَفَضْلِ سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ..
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ «١»» ..
رُوِيَ «٢»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ مَسْجِدٍ هُوَ؟ قَالَ: مَسْجِدِي هَذَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ «٣» وَزَيْدِ «٤» بْنِ ثَابِتٍ وابن عمر «٥»
_________________
(١) الاية سورة التوبة آية (١٠٨) .
(٢) حديث رواه مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه وأحمد عن سهل بن سعد وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما وكان ينبغي ان يقول المؤلف صح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا روي.. لانها للتمريض غالبا.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥٢» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٠» رقم «٦» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وَمَالِكِ «١» بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنِ «٢» ابْنِ عَبَّاسٍ «٣» أنه مسجد قباء «٤» ..
عن أبي هريرة «٥» ﵁ عن النبي ﷺ قال «٦»:
«لا تشد الرحال «٧» إلا إلى ثلاث مَسَاجِدَ. الْمَسْجِدِ»
الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى..»
وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآثَارُ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «٩» عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ..
وَعَنْ «١٠» عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو «١١» بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم..»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) رواه ابن أبي حاتم.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٤) وهو الذي ارتضاه المفسرون.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٦) اخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود.
(٧) الرحال جمع راحلة وهي الصالحة لان ترحل أو يشد الرحل عليها، والرحل للبعير كالسرج للفرس.
(٨) وفي نسخة (مسجد الحرام)
(٩) ويروى (للتسليم) .
(١٠) رواه ابو داود.
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٧٢) رقم (٢) .
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وَقَالَ مَالِكٌ «١» ﵀ «٢»: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخطاب «٣» صَوْتًا فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَا بِصَاحِبِهِ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ «٤» .
قَالَ: لَوْ كُنْتَ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَرْيَتَيْنِ «٥» لَأَدَّبْتُكَ «٦» .. إِنَّ مَسْجِدَنَا لا يرفع فيه الصوت.
قال مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ «٧»: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِدَ «٨» الْمَسْجِدَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَذَى، وَأَنْ يُنَزَّهَ عَمَّا يُكْرَهُ.»
قَالَ الْقَاضِي: حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ «٩» فِي مَبْسُوطِهِ فِي بَابِ فَضْلِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ.
والعلماء كلهم متفقون أَنَّ حُكْمَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ هَذَا الْحُكْمُ.
قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ «٩» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: وَيُكْرَهُ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٢) في حديث رواه البخاري والنسائي.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١١٣) رقم (٤) .
(٤) ثقيف قبيلة مشهورة من هوازن.
(٥) أي مكة والمدينة.
(٦) وفي نسخة (لاذيتك) وفي اخرى (لعلوتك بالدرة) .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٤٤٦) رقم (٣) .
(٨) يعتمد: أي يعتمد يقال عمده واعتمده اذا قصده.
(٩) القاضي اسماعيل ابن اسحق بن اسماعيل الازدي البصري العلامة الرحالة في سائر الفنون والادب وكان ممن له معرفة في كتاب سيبويه حتى عد من اقران المبرد وحتى قيل: لولا اشتغاله بالقضاء اندرس ذكر المبرد، ومات سنة اثنين وثمانين ومائتين ببغداد فجأة.
[ ٢ / ٢١٠ ]
فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ الجهر على المصلين فيما يخلّط عليهم صلاتهم.
وَلَيْسَ مِمَّا يُخَصُّ بِهِ الْمَسَاجِدُ رَفْعُ الصَّوْتِ.. قد كُرِهَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَنَا.
وَقَالَ أَبُو «١» هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ «٢» .. «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»
قَالَ الْقَاضِي: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
فَذَهَبَ مَالِكٌ «٣» فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ «٤» عَنْهُ وَقَالَهُ ابْنُ «٥» نَافِعٍ صَاحِبُهُ وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ الْأَلْفِ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عمر بن «٦» الخطاب ﵁.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣) رقم (٥) .
(٢) في حديث رواه الشيخان.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٤) اشهب: بن عبد العزيز أبو عمرو القيسي المصري تلميذ مالك في مرويانه.
(٥) ابن نافع: صاحب الامام مالك الذي يروي عنه.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
[ ٢ / ٢١١ ]
«صلاة في المسجد الحرام خير من مئة صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ «١»» فَتَأْتِي فَضِيلَةُ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بتسعمئة وَعَلَى غَيْرِهِ بِأَلْفٍ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ «٢» بْنِ الْخَطَّابِ، وَمَالِكٍ «٣»، وَأَكْثَرِ الْمَدَنِيِّينَ.
وذهب أهل مكة والكوفة إِلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ..
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ «٤»، وَابْنِ وَهْبٍ «٥»، وَابْنِ حَبِيبٍ «٦» .
مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَحَكَاهُ الساجي «٧» عَنِ الشَّافِعِيِّ «٨» .
وَحَمَلُوا الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أفضل.
_________________
(١) ورد بان هذه الرواية شاذة رواها الحميدي في مسنده والمحفوظ ما رواه سليمان بن عتيق عن ابن الزبير عن عمر بلفظ (صلاة في المسجد الحرام أفضل من الف صلاة فيما سواه الا مسجد الرسول فان فضله عليه بمئة صلاة) وقد روي من طرق.
(٢) تقدمت ترجمته آنفا.
(٣) تقدمت ترجمته آنفا.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٣٢» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «١» .
(٧) الساجي: نسبة الى ساج بلدة. وهو أبو يحيى زكريا بن يحيى العيني البصري توفي بالبصرة سنة سبع وثلاثمائة. وله كتاب جليل في علل الحديث «وكتاب في اختلاف الفقهاء، وهو حجة وان ضعفه بعضهم، وله ترجمة في الميزان.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
[ ٢ / ٢١٢ ]
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ «١» بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٢»:
بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «٣» - وَفِيهِ- وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمئة صَلَاةٍ.
وَرَوَى قَتَادَةُ «٤» مِثْلَهُ «٥» ..
فَيَأْتِي فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى هَذَا عَلَى الصَّلَاةِ في سائر المساجد بمئة أَلْفٍ..
وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ «٧» الْبَاجِيُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ مُخَالَفَةُ حُكْمِ مَسْجِدِ مَكَّةَ لِسَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمُهَا مَعَ المدينة.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٧» رقم «٤» .
(٢) رواه احمد وابن حبان وروى أبو هريرة صدره وعمر آخره.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٥) وفي نسخة (وروي عن قتادة مثله) .
(٦) بل هي افضل من السماوات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمه الله تعالى لشرفه وعلو قدره. وقال القرافي في القواعد: للتفضيل أسباب، فقد يكون للذات كتفضيل العلم، وقد يكون بكثرة العبادة له او لما وقع فيه.. وقد يكون بالمجاورة كتفضيل جلد المصحف، وقد يكون بالحلول كتفضيل قبره ﷺ على البقاع، ووافقه السبكي فقال: الاجماع على ان قبره ﷺ أفضل البقاع وهو مستثنى من تفضيل مكة على المدينة كما قيل: جزم الجميع بأن خير الارض ما قد حاط ذات المصطفى وحواها ونعم لقد صدقوا، بساكنها علت كالنفس حين زكت زكا مأواها
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢٠١» رقم «٣» .
[ ٢ / ٢١٣ ]
وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ «١»: إِلَى أَنَّ هَذَا التَّفْضِيلَ إِنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ.
وَذَهَبَ مُطَرِّفٌ «٢» مِنْ أَصْحَابِنَا: إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ «٣» أَيْضًا.
قَالَ: وَجُمُعَةٌ خَيْرٌ مِنْ جُمُعَةٍ، وَرَمَضَانُ خَيْرٌ مِنْ رَمَضَانَ.
وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ «٤» فِي تفضيل رمضان بالمدينة وغيرها- حديثا «٥» نحوه-.
قَالَ ﷺ «٦»: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ..»
وَمِثْلَهُ «٧» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٨»، وَأَبِي سَعِيدٍ «٩»، وَزَادَ «١٠» - وَمِنْبَرِي على حوضي..
_________________
(١) الطحاوي: الامام أبو جعفر احمد بن محمد الحنفي كما تقدم.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٩٩» رقم «٦» .
(٣) وهو المختار عند الشافعي اذ لا داعي للتخصيص.
(٤) عبد الرزاق: بن همام المحدث الحافظ.
(٥) وهو ما رواه الطبراني وغيره عن بلال انه ﷺ قال (صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف ألف شهر فيما سواها) .
(٦) رواه الشيخان.
(٧) بلفظه ومعناه.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «١» .
(١٠) زاد فيه أبو سعيد كما في الموطأ.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «١»: «مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ..»
قَالَ الطَّبَرِيُّ «٢»: فِيهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْتِ.. بَيْتٌ سُكْنَاهُ عَلَى الظَّاهِرِ، مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ مَا يُبَيِّنُهُ «بَيْنَ حُجْرَتِي وَمِنْبَرِي» .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْتَ هُنَا الْقَبْرُ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «٣» فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
كَمَا رُوِيَ: «بَيْنَ قَبْرِي «٤» وَمِنْبَرِي..»
قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَإِذَا كَانَ قَبْرُهُ فِي بَيْتِهِ اتَّفَقَتْ مَعَانِي الرِّوَايَاتِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا خِلَافٌ.. لِأَنَّ قَبْرَهُ فِي حُجْرَتِهِ، وَهُوَ بَيْتُهُ.
وَقَوْلُهُ: «وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» .
قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْبَرُهُ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا.. وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ هُنَاكَ مِنْبَرٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَصْدَ منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٣) زيد بن أسلم: الفقيه العمري.
(٤) اذا كانت الرواية (بين قبري ومنبري) فهو من معجزاته ﷺ باخباره عن احدى المغيبات الخمس (وما تدري نفس بأي أرض تموت) . سورة لقمان آية (٣٤) .
[ ٢ / ٢١٥ ]
الصَّالِحَةِ يُورِدُ الْحَوْضَ، وَيُوجِبُ الشُّرْبَ مِنْهُ. قَالَهُ الْبَاجِيُّ «١» .
وَقَوْلُهُ: «رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» .. يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُوجِبٌ لِذَلِكَ.. وَأَنَّ الدُّعَاءَ وَالصَّلَاةَ فِيهِ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ- كَمَا قِيلَ «٢» - الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تلك البقعة يَنْقُلُهَا اللَّهُ فَتَكُونُ فِي الْجَنَّةِ بِعَيْنِهَا..
قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ «٣» .
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ «٤»، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، أن النبي ﷺ قال «٥» الْمَدِينَةِ.. «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا «٦» وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا- أَوْ شَفِيعًا «٧» - يَوْمَ القيامة.»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٢٠١) رقم (٣) .
(٢) في حديث صحيح. رواه الشيخان عن عبد الله بن أبي اوفى.
(٣) الداودي: هو احمد بن نصر شارح البخاري، وهو أبو جعفر الاسدي التسكري التلمساني توفي بتلمسان سنة أربعين وأربعمائة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٢) رقم (١) .
(٥) رواه مسلم.
(٦) لأوائها: بفتح اللام وسكون الهمزة وواو بعدها من الشدة والمشقة والضيق.
(٧) قال المصنف ﵀ والنووي (او) هنا ليست للشك من الراوي لانه رواه نحو عشرة من الصحابة كذا، ولا يظهر اتفاقهم على الشك، فهو ﷺ قاله هكذا ف (أو) للتقسيم، أي شهيدا لبعض وشفيعا لبعض.. وتأتي (أو) بمعنى واو العطف احيانا.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وَقَالَ «١» فِيمَنْ تَحَمَّلَ «٢» عَنِ الْمَدِينَةِ.. «وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.»
وَقَالَ «٣»: «إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ «٤» تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ «٥» طِيبُهَا» .
وَقَالَ «٦»: «لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أبد لها اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ.»
وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ «٧»: «مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَلَا عَذَابَ.»
وَفِي طَرِيقٍ آخر «٨»: «بعث من الامنين يوم القيامة..»
_________________
(١) ﷺ في حديث رواه الشيخان وهو حديث طويل وفيه معجزة له ﷺ باخباره بفتح الشام واليمن لانها فتحت في عهد الخلفاء واختاروا سكناها.
(٢) تحمل: بمعنى رحل عنها وفارقها لسكنى غيرها عليها ومعنى تحمل رفع حمله وأمتعته معها فكني به عما ذكر وفي نسخة (يحتمل) وهما بمعنى واحد.
(٣) ﷺ في حديث رواه الشيخان عن جابر.
(٤) الكير: بكسر الكاف وسكون المثناة التحتية وراء مهملة وهو آلة للحداد معروفة ينفخ بها النار لا يقادها على الحديد والكور البناء من طين ونحوه يوضع عليه وقيل هما بمعنى واحد والياء منقلبة عن الواو.
(٥) ينصع: يصبح لونه خالصا ولا يقال الا صفة للابيض.
(٦) وفي نسخة (وروي عنه) ﷺ كما في مسلم رواه عن جابر.
(٧) في حديث رواه البيهقي والدارقطني عن عائشة ﵂ بسند ضعيف.
(٨) لهذا الحديث للبيهقي والطبراني.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وعن «١» ابن عمر»
: «من استصاع أَنْ يَمُوتَ «٣» بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا «٤»» .
وَقَالَ تَعَالَى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا «٥» ..» إِلَى قوله: «آمنا»
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: آمِنًا مِنَ النَّارِ.
وَقِيلَ: كَانَ يَأْمَنُ مِنَ الطَّلَبِ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا خَارِجًا عَنِ الْحَرَمِ وَلَجَأَ إِلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا «٦»» عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ «٧» .
وَحُكِيَ أَنَّ قَوْمًا أَتَوْا سعدون «٨» الخولاني بالمنستير «٩»
_________________
(١) رواه ابن ماجه وابن حبان والترمذي وصححه.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٢) رقم (١) .
(٣) أي يقيم بها حتى يموت.
(٤) لانه في جواره ﷺ وهو قد اوصى بالجار وما زال جبريل يوصيه ﷺ بالجار حتى ظن انه سيورثه.
(٥) الاية سورة آل عمران آية (٩٦) .
(٦) الاية سورة البقرة آية (١٢٥) .
(٧) بعضهم: أي من العلماء الحنفية.
(٨) سعدون الخولاني: نسبة لخولا قبيلة من اليمن مشهورة، واسمه ابكل بن احمد ابن مالك، وهو من أهل القيروان وعظماء علمائها. وسعدون لقب له.
(٩) المنستير: وهو لفظ رومي معناه عندهم خانقاه للرهبان على الطريق لينزل فيه أبناء السبيل وهو كما في القاموس بلدة في افريقية أهله من قريش بينه وبين القيروان ستة مراحل والصحيح أنها بلدة على الساحل التونسي بين القيروان وبين نابل والحمامات الى الشمال من جزيرة جربة ولا تزال تحمل هذا الاسم للان. ولها سور بناه هرثمة بن اعين حين بعثه الرشيد لافريقية سنة تسع وسبعين ومائة.
[ ٢ / ٢١٨ ]
فأعلموه أن كتامة «١» قتلوا رجلا وأضموا عَلَيْهِ النَّارَ طُولَ اللَّيْلِ، فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ شيئا، وبقي أبيض البدن..
فَقَالَ: لَعَلَّهُ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ؟!!
قَالُوا: نَعَمْ
قَالَ: حُدِّثْتُ «٢» أَنَّ مَنْ حَجَّ حَجَّةً أَدَّى فَرْضَهُ وَمَنْ حَجَّ ثَانِيَةً دَايَنَ رَبَّهُ. وَمَنْ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ حَرَّمَ اللَّهُ شَعْرَهُ وَبَشَرَهُ عَلَى النَّارِ.
وَلَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْكَعْبَةِ «٣» قَالَ «٤»: «مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ.. مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ» .
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَكَذَلِكَ عند الميزاب «٥»» .
_________________
(١) كتامة: اسم لقبيلة من البربر وأصلهم كما قيل من حمير.
(٢) وهذا الحديث لا يعرف من رواه.
(٣) لما هاجر، او في حجة الوداع، أو يوم الفتح.
(٤) كما رواه الطبراني في الاوسط عن جابر ﵁.
(٥) لا يعرف مخرجه الا انه قد روى الحسن البصري في رسالة الى أهل مكة ان الدعاء يستجاب في حرمها وعند البيت والركن الاسود، والملتزم. وتحت الميزاب. وقال الحسن البصري: وسمعت ان عثمان بن عفان اقبل ذات يوم فقال لاصحابه: ألا تسألوني من اين جئت؟! .. قالوا: من اين جئت يا أمير المؤمنين؟. قال: ما زلت قائما على باب الجنة. وكان ﵁ قائما تحت الميزاب يدعو الله تعالى.. وذكر الازرقي في تاريخه عن عطاء قال: من قام تحت ميزاب الكعبة فدعا استجيب له وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وَعَنْهُ ﷺ: «مَنْ صَلَّى عند الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَحُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الامنين «١» ..»
وعن ابن عباس «٢» قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«مَا دَعَا أَحَدٌ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ» .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٢»: وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي..
وَقَالَ عَمْرُو «٣» بْنُ دِينَارٍ وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هذا من ابن عباس إلا استجيب.
وقال سفيان «٤»: وأنا ما دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ عَمْرٍو «٣» إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي.
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ «٥» وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ في هذا الملتزم منذ
_________________
(١) رواه الديلمي واين النجار ولفظهما (من طاف بالبيت سبعا وصلّى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله ذنوبه كلها بالغة ما بلغت) لكن قال السخاوي لا يصح. وقد ذكره المنوفي في مختصره وقال فيه: انه باطل لا أصل له. والله تعالى أعلم. ثم على تقدير صحته فهو محمول على تكفير الصغائر لقوله تعالى (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) . سورة هود آية (١١٤)
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) عمرو بن دينار: راوي الحديث عن ابن عباس.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩١» رقم «٥» .
(٥) الحميدي: بالتصغير هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله القرشي الاسدي المكي صاحب الشافعي ورفيقه في رحلته لمصر، وهو شيخ البخاري، وهو لاهل الحجاز كأحمد بن حنبل لاهل العراق، توفي سنة تسع عشرة ومائتين.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سُفْيَانَ «١» إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي.
وَقَالَ مُحَمَّدُ «٢» بْنُ إِدْرِيسَ: وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ الله بشيء في هَذَا مِنَ الْحُمَيْدِيِّ «٣» إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ «٤» مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي.
قَالَ أَبُو أُسَامَةَ «٥»: وَمَا أَذْكُرُ الْحَسَنَ «٦» بْنَ رَشِيقٍ قَالَ فِيهِ شَيْئًا «٧» - وَأَنَا ما دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ الْحَسَنِ «٦» بْنِ رَشِيقٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُسْتَجَابَ لِي مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ.
قَالَ العذري «٨»: فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ أَبِي أُسَامَةَ «٥» إِلَّا استجيب لي.
_________________
(١) تقدم آنفا.
(٢) محمد بن ادريس: أبو بكر غير محمد بن ادريس الشافعي.. وهو محمد بن ادريس بن عمر، وهو من أهل مكة..
(٣) تقدمت ترجمته آنفا.
(٤) ابو الحسن محمد بن الحسن: بن راشد، وفي الميزان محمد بن الحسن بن علي بن راشد الانصاري. وفيه كلام.
(٥) ابو أسامة: محمد بن أحمد الهروي.
(٦) الحسن بن رشيق: عبد الغني بن سعيد العسكري الحافظ العالي السند وترجمته في الميزان.
(٧) انقطع التسلسل عند الحسن بن رشيق.
(٨) العذري: أبو العباس.
[ ٢ / ٢٢١ ]
قال أبو علي «١»: وأنا قد دَعَوْتُ اللَّهَ فِيهِ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ اسْتُجِيبَ لِي بعضها وأنا أرجو مِنْ سَعَةِ فَضْلِهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِي بَقِيَّتَهَا..
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «٢»: ذَكَرْنَا نُبَذًا مِنْ هَذِهِ النُّكَتِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْبَابِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ حِرْصًا عَلَى تَمَامِ الْفَائِدَةِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ برحمته.
_________________
(١) ابو علي: هو القاضي الحافظ ابن سكرة.
(٢) المصنف ﵀.
[ ٢ / ٢٢٢ ]