في بابين وخمسة عشر فصلا وباب ثالث يبحث فيما يتعلّق بالله والرّسل والملائكة والال
[ ٢ / ٤٦٥ ]
مُقَدِّمَةُ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَا يَجِبُ مِنَ الْحُقُوقِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَمَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مِنْ بِرٍّ وَتَوْقِيرٍ، وَتَعْظِيمٍ وَإِكْرَامٍ، وَبِحَسَبِ هَذَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَذَاهُ فِي كِتَابِهِ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى قتل متنقّصه مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَسَابِّهِ..
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا «١»» .
وقال: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٢»» .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا «٣»» .
وقال تعالى في تحريم التعريض له: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا «٤»» الاية.
_________________
(١) سورة الاحزاب آية ٥٧.
(٢) سورة التوبة آية ٦١.
(٣) سورة الاحزاب آية ٥٣.
(٤) «وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ» سورة البقرة آية ١٠٤.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ «رَاعِنَا» يَا مُحَمَّدُ. أَيْ أَرْعِنَا سَمْعَكَ وَاسْمَعْ مِنَّا، وَيُعَرِّضُونَ بِالْكَلِمَةِ يُرِيدُونَ الرُّعُونَةَ «١»، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَقَطَعَ الذَّرِيعَةَ بِنَهْيِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْهَا لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ بِهَا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ إِلَى سَبِّهِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِ..
وَقِيلَ: «بَلْ لِمَا فِيهَا مِنْ مُشَارَكَةِ اللَّفْظِ، لِأَنَّهَا عِنْدَ الْيَهُودِ بِمَعْنَى اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ» .
وَقِيلَ: (بَلْ لِمَا فِيهَا مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ، وَعَدَمِ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَعْظِيمِهِ، لِأَنَّهَا فِي لُغَةِ الْأَنْصَارِ بِمَعْنَى «ارْعُنَا نَرْعَكَ» فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.. إِذْ مُضَمَّنُهُ أَنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إِلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ.. وَهُوَ ﷺ وَاجِبُ الرِّعَايَةِ بكل حال «٢» .
وهذا هو النبي ﷺ قَدْ نَهَى عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ فَقَالَ:
«تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنُّوا بِكُنْيَتِي» . صِيَانَةً لِنَفْسِهِ وَحِمَايَةً عَنْ أَذَاهُ. إِذْ كَانَ ﷺ «٣» اسْتَجَابَ لِرَجُلٍ نَادَى: «يَا أَبَا الْقَاسِمِ» فَقَالَ: «لَمْ أَعْنِكَ.. إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا» .. فَنَهَى حِينَئِذٍ عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِإِجَابَةِ دَعْوَةِ غَيْرِهِ لِمَنْ لم يدعه..
_________________
(١) الرعونة: خفة العقل.
(٢) وهذا القول فيه نسبة ما لا يليق بالصحابة وهم اعرف الناس بمقام النبوة واجل عن وقوع تقصير منهم في التأدب معه.
(٣) كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
ويجد بذلك المنافقون والمستهزؤون ذَرِيعَةً إِلَى أَذَاهُ وَالْإِزْرَاءِ بِهِ فَيُنَادُونَهُ، فَإِذَا الْتَفَتَ قَالُوا: إِنَّمَا أَرَدْنَا هَذَا- لِسِوَاهُ- تَعْنِيتًا لَهُ وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِ عَلَى عَادَةِ الْمُجَّانِ «١» وَالْمُسْتَهْزِئِينَ. فَحَمَى ﷺ حِمَى أَذَاهُ بِكُلِّ وَجْهٍ «فَحَمَلَ مُحَقِّقُو الْعُلَمَاءِ نَهْيَهُ عَنْ هَذَا عَلَى مُدَّةِ حَيَّاتِهِ، وَأَجَازُوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِارْتِفَاعِ الْعِلَّةِ» .
وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَذَاهِبُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَذْهَبُ الجمهور والصواب- إن شاء الله- وأن ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ تَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَعَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْهَ عَنِ اسْمِهِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ اللَّهُ مَنَعَ مِنْ نِدَائِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ:
«لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا «٢»» وإنما كان المسلمون يدعونه يا رسول الله يا نبي الله، وقد يدعونه «٣» بكنيته أبا القاسم بعضهم فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
وَقَدْ رَوَى «٤» أَنَسٌ «٥» ﵁ ﷺ. مَا يَدُلُّ على كراهة
_________________
(١) المجان جمع ماجن من المجون وهو الهزل والسخرية.
(٢) الاية: ٦٣ سورة النور.
(٣) وروي (يدعوه) بالافراد قيل ووجهه يدعوه الداعي.
(٤) في حديث رواه الحاكم والبزار وأبو يعلى وحسنوه.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
[ ٢ / ٤٦٩ ]
التَّسَمِّي بِاسْمِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُوَقَّرْ فَقَالَ: «تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ «١» ﵁ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ..
«لَا يُسَمَّى أَحَدٌ بِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ» حَكَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ «٢» الطَّبَرِيُّ «٣» وَحَكَى مُحَمَّدُ «٤» بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ «٥» نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَرَجُلٌ يَسُبُّهُ وَيَقُولُ لَهُ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ يَا مُحَمَّدُ وَصَنَعَ» فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ. «لَا أَرَى مُحَمَّدًا ﷺ يُسَبُّ بِكَ وَاللَّهِ لَا تُدْعَى مُحَمَّدًا مَا دُمْتَ حَيًّا» وَسَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ «٦» وَأَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ لِهَذَا أَنْ يُسَمَّى أَحَدٌ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ إِكْرَامًا لَهُمْ بِذَلِكَ وَغَيَّرَ أَسْمَاءَهُمْ وَقَالَ: «لَا تُسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ أَمْسَكَ» ..
- وَالصَّوَابُ جَوَازُ هَذَا كُلِّهِ «٧» بَعْدَهُ ﷺ بِدَلِيلِ إِطْبَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ سَمَّى جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا وكناه بأبي القاسم.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٣) الا ان عمر رجع عنه لما روى له انه ﷺ سمى ابن أبي طلحة محمدا وغيره فقال: «لا سبيل اليكم» .. يعني في المنع.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٣» .
(٥) أي عمر.
(٦) فهو عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي، وأمه بنت أبي لبانه، ولد في عهد النبي ﷺ وسمي محمدا فغير عمر اسمه. روى عن أبيه وعمه عمر ورجال من الصحابة وعنه ابنه عبد الحميد وأبو القاسم حسين بن حريث وغيرهما، مات في زمن ابن الزبير.
(٧) أي التسمية باسمه مع الكنية وبدونها. وكذا التسمية بأسماء الانبياء والملائكة
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وَرُوِيَ «١» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لِعَلِيٍّ «٢» ﵁ وَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ «٣» أَنَّ ذَلِكَ اسْمُ الْمَهْدِيِّ وَكُنْيَتُهُ.
وَقَدْ سَمَّى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُحَمَّدَ «٤» بْنَ طَلْحَةَ، وَمُحَمَّدَ «٥» بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَمُحَمَّدَ «٦» بْنَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَغَيْرَ وَاحِدٍ وَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ مُحَمَّدٌ، وَمُحَمَّدَانِ وَثَلَاثَةٌ» !!
وَقَدْ فَصَّلْتُ الْكَلَامَ فِي هذا القسم في بابين كما قدمناه.
***
_________________
(١) في حديث رواه ابو داود والترمذي عن علي ﵁.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٣) والحديث رواه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يصيب هذه الامة بلاء حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ اليه من الظلم فيبعث الله رجلا من عترتي- وفي رواية من أهل بيتي- يوافق اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي وكنيته كنيتي فيملأ الارض عدلا وقسطا. ويكثر المطر والنبات. ويعيش؟؟؟ سبع سنين، او ثمان، او تسع» . وفيه أحاديث كثيرة أفردت بالتأليف.
(٤) محمد بن طلحة التميمي جيء به له ﷺ فمسح رأسه وسماه باسمه وكناه بكنيته.. وهو المعروف بالسجاد.. قتل في وقعة الجمل.
(٥) محمد بن عمرو بن حزم ابن زيد بن لوذان الانصاري، ولد سنة عشر وقتل في وقعة الحرة سنة ثلاث وستين.. وهو من الفقهاء. وروي عنه أحاديث في السنن
(٦) محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، أنى به أبوه النبي ﷺ فحنكه وسماه محمدا، وهو ممن قتل بالحرة أيضا، وروي عنه أحاديث في السنن.
[ ٢ / ٤٧١ ]
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حَقِّهِ ﷺ سَبٌّ أَوْ نقص مِنْ تَعْرِيضٍ أَوْ نَصٍّ
وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ تَنَقَّصَهُ
اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ نَسَبِهِ، أَوْ دِينِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ أَوِ الْإِزْرَاءِ عَلَيْهِ، أَوِ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ، أَوِ الْغَضِّ مِنْهُ وَالْعَيْبِ لَهُ فَهُوَ سَابٌّ لَهُ.
وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ السَّابِّ يُقْتَلُ كَمَا نُبَيِّنُهُ. وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا مِنْ فُصُولِ هَذَا الْبَابِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ، وَلَا نَمْتَرِي «١» فِيهِ تَصْرِيحًا كَانَ أَوْ تَلْوِيحًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ لَعَنَهُ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، أَوْ تَمَنَّى مَضَرَّةً لَهُ، أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ، أَوْ عَبَثَ فِي جِهَتِهِ الْعَزِيزَةِ بِسُخْفٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهَجْرٍ «٢» ومنكر من القول وزور. أو
_________________
(١) نمتري: نشك ونتردد
(٢) هجر: بضم الهاء وفتحها وهو الفحش والقبح.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
عَيَّرَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ عَلَيْهِ، أَوْ غَمَصَهُ «١» بِبَعْضِ الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ الْجَائِزَةِ وَالْمَعْهُودَةِ لَدَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم إلى هلم «٢» جرا
قال أَبُو بَكْرِ «٣» بْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَوَامُّ «٤» أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ يُقْتُلُ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: «مَالِكُ «٥» بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ «٦» وَأَحْمَدُ «٧» وَإِسْحَاقُ «٨» وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ» «٩» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «١٠»: «وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ «١١» الصِّدِّيقِ ﵁ ولا تقبل توبته عند هؤلاء» .
_________________
(١) غمصه: بغين معجمة وميم وصاد مهملة أي نقص من قدره ﷺ
(٢) وفي نسخة (وهلم جرا) وهو من الجر بمعنى السحب والمعنى استمر الاجماع واتصل من عصرهم الى الان وكذا الى ما بعده من الزمان وانتصب حرا على المصدر او الحال او التمييز.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٣» رقم «٣» .
(٤) عوام: وهو جمع عامة بمعنى جماعة كثيرة.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٠٢» رقم «٥» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١» .
(٨) اسحق بن راهوية بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي أبو يعقوب عالم خراسان في عصره من سكان (مرو) قاعدة خراسان أحد كبار الحفاظ طاف في البلاد لجمع الحديث وأخذ عنه الامام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم استوطن بنيسابور ومات بها (٢٣٨) هـ.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(١٠) المصنف وترجمته في المقدمة.
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ «١» وَأَصْحَابُهُ «٢» وَالثَّوْرِيُّ «٣» وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ «٤» فِي الْمُسْلِمِينَ «٥» لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ ردة «٦» .
وروى مِثْلَهُ الْوَلِيدُ «٧» بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ «٨»
وَحَكَى الطَّبَرِيُّ «٩» مِثْلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ تنقصه ﷺ أو برىء مِنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ.
وَقَالَ سُحْنُونٌ «١٠» فِيمَنْ سَبَّهُ: «ذَلِكَ رِدَّةٌ كَالزَّنْدَقَةِ وَعَلَى هَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِتَابَتِهِ وَتَكْفِيرِهِ، وَهَلْ قَتْلُهُ حَدٌّ أَوْ كُفْرٌ. كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِبَاحَةِ دَمِهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى قَتْلِهِ وتكفيره.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٩» رقم «٦» .
(٢) أي محمد، وأبو يوسف، وزفر.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٦» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١١١» رقم «٦» .
(٥) وفي نسخة (في المسلم) .
(٦) ونقل هذا عن عمر.
(٧) الوليد بن مسلم: أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية عالم أهل الشام. ولد سنة عشر ومائة وتوفي سنة خمس او أربع وتسعين ومائه.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وَأَشَارَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ «١» وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ «٢» عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ إِلَى الْخِلَافِ فِي تَكْفِيرِ الْمُسْتَخِفِّ بِهِ وَالْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ «٣» بْنُ سُحْنُونٍ: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ شَاتِمَ النَّبِيِّ ﷺ الْمُتَنَقِّصَ «٤» لَهُ كَافِرٌ، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وَحُكْمُهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ الْقَتْلُ.. وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَعَذَابِهِ كَفَرَ «٥»» .
وَاحْتَجَّ إِبْرَاهِيمُ «٦» بْنُ حُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ الْفَقِيهُ فِي مِثْلِ «٧» هَذَا بِقَتْلِ خالد «٨» بن الوليد مالك «٩» بن نويرة بقوله عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «صَاحِبُكُمْ «١٠»»
_________________
(١) أي من كان على مذهب داود الظاهري الذي يرى وجوب الاخذ بظاهر النص والحديث من غير تأويل.
(٢) ابو محمد علي بن أحمد الفارسي: هو الامام العالم العلامة المتبحر الحافظ المعروف بابن حزم بن غالب ويتصل نسبه بأبي سفيان بن حرب ﵁، فهو فارسي أموي الاصل، قرطبي ظاهري، كتابه في مذهب داود المسمى (المحلى) كبير. ولد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.. وقيل: لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان.. لانه كان كثير الطعن في الفقهاء وغيرهم.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٤) لو عطف بالواو كان أحسن.
(٥) وهذا فيه خلاف.
(٦) ابراهيم بن خالد الفقيه البغدادي روى عن ابن عينية وأبي معاوية ووكيع والشافعي وصحبه ووى عنه أبو داود وابن ماجة ومسلم خارج الصحيح قال النسائي ثقة مأمون مات سنة (٢٤٠) .
(٧) وفي نسخة (على مثل هذا) .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣٧» رقم «٩» .
(٩) مالك بن نويرة: وهو التميمي اليربوعي كان فارسا شاعرا مطاعا في قومه. قدم على النبي ﷺ وأسلم واستعمله ﵊ على صدقات قومه بني يربوع. ونويرة تصغير نار أو نورة وقتله خالد بن الوليد في حروب الردة لانكاره الزكاة.
(١٠) ولكن عمل خالد هذا لا دليل فيه لمثل هذا الامر.. لان عمله أثار بعض الصحابة ويحتاج الى تأويل.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ «١» الْخَطَّابِيُّ: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا» .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ «٢» عَنْ مَالِكٍ «٣» فِي كِتَابِ ابْنِ سُحْنُونٍ «٤» وَالْمَبْسُوطِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَحَكَاهُ ابن مُطَرِّفٌ «٥» عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ «٦»: «مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ» .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ «٧»: «مَنْ سَبَّهُ أَوْ شَتَمَهُ، أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَحُكْمُهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ الْقَتْلُ كَالزِّنْدِيقِ وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تعالى توقيره وبره» .
وفي المبسوطة «٨» عَنْ عُثْمَانَ «٩» بْنِ كِنَانَةَ: «مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ من
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٤» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم (٧) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٥) عبد الله بن مطرف: وهو ابن أخت الامام مالك كما قدمناه. أبو حزه البصري روى عن أبي برزة الاسلمي وعنه حميد بن هلال مات قبل مطرف ومات مطرف سنة ٧٨ هـ.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «١» .
(٧) العتبية: اسم كتاب منسوب لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة الاموي القرطبي الفقيه أحد أعلام أئمة الاندلس.
(٨) وفي نسخة: (المبسوط) .
(٩) عثمان بن كنانة: هو ابو عمر اسم رجل من أئمة المالكية له كتاب اسمه المبسوطة لم يشتهر توفي سنة ست وثمانين ومائة بعد مالك بسنتين.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
الْمُسْلِمِينَ، قُتِلَ أَوْ صُلِبَ حَيًّا وَلَمْ يُسْتَتَبْ، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي صَلْبِهِ حَيًّا أَوْ قَتْلِهِ» .
وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمُصْعَبِ «١» وَابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ «٢» سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ: «مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ قُتِلَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَلَا يُسْتَتَابُ» «٣» .
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ «٤»: (أَخْبَرَنَا أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ») .
وَقَالَ أَصْبَغ «٥»: «يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَسَرَّ ذَلِكَ أَوْ أَظْهَرَهُ وَلَا يُسْتَتَابُ لِأَنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُعْرَفُ» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ «٦» بْنُ الْحَكَمِ: «مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ» . وَحَكَى الطَّبَرِيُّ «٧» مِثْلَهُ عَنْ أَشْهَبَ «٨» عَنْ مالك «٩» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٩٩» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٠٠» رقم «٣» .
(٣) لا يستتاب بالنسبة للمسلم أما الكافر اذا تاب وتوبته اسلام فتقبل لان الاسلام يجب ما قبله.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٢» رقم «٢» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(٦) عبد الله بن عبد الحكم: بن أعين الفقيه المصري ثقة يروي عن مالك والليث وغيرهما. توفي سنة اربع عشر ومائتين.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٤) رقم (٢) .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ «١» عَنْ مَالِكٍ: «مَنْ قَالَ إِنَّ رِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ وَيُرْوَى زِرَّ النَّبِيِّ ﷺ وسخ أراد به عَيْبَهُ قُتِلَ» .
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَا عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِالْوَيْلِ «٢» أَوْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَكْرُوهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ» .
وَأَفْتَى أَبُو الْحَسَنِ «٣» الْقَابِسِيُّ: (فِيمَنْ قَالَ فِي النَّبِيِّ ﷺ: «الْحَمَّالُ «٤» يَتِيمُ أَبِي طَالِبٍ» بِالْقَتْلِ) .
وَأَفْتَى أَبُو مُحَمَّدِ «٥» بْنُ أَبِي زَيْدٍ: (بِقَتْلِ رَجُلٍ سَمِعَ قَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ وَاللِّحْيَةِ فَقَالَ لَهُمْ:
«تُرِيدُونَ تَعْرِفُونَ صِفَتَهُ؟. هِيَ فِي صِفَةِ هَذَا الْمَارِّ فِي خَلْقِهِ وَلِحْيَتِهِ» .
قَالَ: «وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَقَدْ كَذَبَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ مِنْ قَلْبٍ سَلِيمِ الإيمان») .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٣٢) رقم (١) .
(٢) اي قال له ويلا له. والويل الهلاك والبلاء والمصيبة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٧٦) رقم (٢) .
(٤) لانه كان من سنته ﷺ انه اذا اشترى شيئا من السوق حمله بنفسه واذا اراد احدهم حمله عنه قال: (رب المتاع اولى بحمله) .
(٥) ابو محمد بن أبي زيد: عبد الله القيرواني المالكي الذي انتهت اليه رياسة مذهب مالك بالمغرب، ورحل اليه من الاقطار، وكثر الاخذون عنه، وقال المصنف ﵀ في حقه انه حاز رياسة الدين والدنيا حتى سمي مالك الاصغر توفي في نصف شعبان سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وَقَالَ أَحْمَدُ «١» بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ «٢» مَنْ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَسْوَدَ، يُقْتَلُ» .
وَقَالَ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ: «لَا وَحَقِّ رَسُولِ «٣» اللَّهِ» ..
فَقَالَ: «فعل الله برسول الله كذا» - وَذَكَرَ كَلَامًا قَبِيحًا- فَقِيلَ لَهُ:
«مَا تَقُولُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ»؟. فَقَالَ أَشَدَّ مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ «: إِنَّمَا أَرَدْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ الْعَقْرَبَ» «٤» فَقَالَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ لِلَّذِي سَأَلَهُ «٥»:
«اشْهَدْ عَلَيْهِ وَأَنَا شَرِيكُكَ» - يُرِيدُ فِي قَتْلِهِ وَثَوَابِ ذَلِكَ-
قَالَ حَبِيبُ «٦» بْنُ الرَّبِيعِ لِأَنَّ ادِّعَاءَ التَّأْوِيلِ فِي لَفْظٍ صُرَاحٍ لَا يُقْبَلُ «٧» لِأَنَّهُ امْتِهَانٌ وَهُوَ غَيْرُ مُعَزِّرٍ «٨» لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مُوَقِّرٍ لَهُ. فَوَجَبَ إِبَاحَةُ دَمِهِ.
وَأَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «٩» بن عتّاب في عشّار «١٠» قال لرجل:
_________________
(١) أحمد بن أبي سليمان: من علماء المالكية المعروفين عندهم.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٣) رقم (٣) .
(٣) وهو ليس يمينا شرعيا وانما جاء على عرف التخاطب.
(٤) وفي نسخة (الصعق) وهي الصاعقة.. وهما مرسلان من الله ومسلطان على الخلق حسب المفهوم اللغوي.
(٥) سأله مستفتيا.
(٦) حبيب بن الربيع: ابن يحيى بن حبيب الفروي.
(٧) كما لو قال: أنت طالق ثم ادعى انه يقصد انها محلولة غير مربوطة فلا يلتفت لمثله.
(٨) معزر: موقر ومعظم.
(٩) ابو عبد الله بن عتاب: من فقهاء المالكية.
(١٠) العشار: هو الذي يأخذ المكس وهي الضريبة.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
أَدِّ وَاشْكُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ «١»، وَقَالَ إِنْ سَأَلْتُ أَوْ جَهِلْتُ فَقَدْ جَهِلَ وَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ.. بِالْقَتْلِ.
وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْأَنْدَلُسِ بِقَتْلِ ابْنِ حَاتِمٍ «٢» الْمُتَفَقِّهِ الطُّلَيْطِلِيِّ وَصَلْبِهِ بِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ مِنَ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَتَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ أَثْنَاءَ مُنَاظَرَتِهِ بِالْيَتِيمِ «٣» وَخَتَنِ حيذرة «٤»، وَزَعْمِهِ أَنَّ زُهْدَهُ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الطَّيِّبَاتِ أَكَلَهَا.. إِلَى أَشْبَاهٍ لِهَذَا.
وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْقَيْرَوَانِ «٥» وَأَصْحَابُ سُحْنُونٍ «٦» بِقَتْلِ إِبْرَاهِيمَ «٧»
_________________
(١) لان المتضرر قال له: اشكوك الى النبي ﷺ.
(٢) ابن حاتم: لم يوقف على ترجمته كما قال الخفاجي.
(٣) قالها على وجه الاستخفاف، اما اذا لم تكن على هذا الوجه جاز كقول البوصيرى ﵀: كفاك بالعلم فى الامي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم واليتيم من الادمي ولد صغير لا أب له، ومن الحيوان ما لا أله، ومن الطير ما لا أله ولا أب.. وقيل لبعضهم: لم كان ﷺ يتيما؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه منة.. وحكمة أخرى وهي ان من شأن اليتيم الذل وقلة الادب. بينما رسول الله ﷺ نشأ يتيما ومع ذلك كان مكملا بالادب وعزيزا وكما قال أدبني ربي فأحسن تأديبي. ولذا كانت تربيته ربانية لا بشرية.
(٤) ختن حيدرة.. قال الطليطلي انه ختن حيدرة اي أبو زوجته يعني عليا زوج فاطمة، فصير بهذا استخفافا به، والختن كل قريب لامرأة رجل كأب وأخ. والعامة تطلقه على زوج البنت وحيدرة معناه الاسد، وهو هنا اسم رجل أندلسي. وهو لقب علي ﵁، وكانت أمه سمته أسدا في غيبة ابيه لما ولد. باسم أبيها لانها فاطمة بنت أسد، فلما قدم أبوه من السفر سماه عليا. ولذا كان يقول ﵁ أنا الذي سمتني أمي حيدرة.
(٥) القيروان: مدينة في تونس وهي معرب كاربان بمعنى القافلة العظيمة.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٨» رقم «١»
(٧) ابراهيم الغزاري: نسبة لغزارة قبيلة مشهورة.
[ ٢ / ٤٨١ ]
الغزاري، وَكَانَ شَاعِرًا مُتَفَنِّنًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاسِ «١» بْنِ طَالِبٍ لِلْمُنَاظَرَةِ، فَرُفِعَتْ عَلَيْهِ أُمُورٌ مُنْكَرَةٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِاللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَنَبِيِّنَا ﷺ، فَأَحْضَرَ لَهُ الْقَاضِي يَحْيَى «٢» بْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ وَصَلْبِهِ فَطُعِنَ بِالسِّكِّينِ وَصُلِبَ مُنَكَّسًا، ثُمَّ أُنْزِلَ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ «٣»
وَحَكَى بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّهُ لَمَّا رُفِعَتْ خَشَبَتُهُ وَزَالَتْ عَنْهَا الْأَيْدِي اسْتَدَارَتْ وَحَوَّلَتْهُ عَنِ الْقِبْلَةِ، فَكَانَ آيَةً لِلْجَمِيعِ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَجَاءَ كَلْبٌ فَوَلَغَ «٤» فِي دَمِهِ.
فَقَالَ يَحْيَى «٢» بْنُ عُمَرَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يلغ الكلب في دم مسلم «٥» .
قال الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «٦» بْنُ الْمُرَابِطِ: مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ
_________________
(١) عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي أبو العباس قاض مالكي ولي قضاء القيروان مرتين وأنكر على ابراهيم بن الاغلب بعض سيرته فعزل وسجن ومات في السجن سنة ٢٧٦ هجرية وله تاليف كثيرة.
(٢) يحيى بن عمر: قاضي القيروان وعالمها.
(٣) وهذا مما أجازه السبكي في كتابه (السيف المسلول على من سب الرسول)
(٤) ولغ: الكلب أي لعق بلسانه.
(٥) الحديث لا يعرفه الحفاظ فالظاهر أنه لا أصل له لانه لم ينقله الثقات، ونقل عن ابن حجر أيضا انه قال: لا أصل له.. ونقل المصنف له عن القاضي المذكور لعدم وقوفه عليه في كلام غيره.
(٦) أبو عبد الله بن المرابط: هو ابو مصعب، ويقال المصعب بن محمد بن خلف ابن سعيد بن وهب، توفي بعد ثمانين وأربع مائة، وهو من أجل أئمة المالكية بالمغرب.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
هُزِمَ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ «١» وَإِلَّا قُتِلَ لِأَنَّهُ تَنَقُّصٌ، إِذْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي خَاصَّتِهِ إِذْ هُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَقِينٍ مِنْ عِصْمَتِهِ.
وَقَالَ حَبِيبُ «٢» بْنُ رَبِيعٍ الْقَرَوِيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ «٣» وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ ﷺ مَا فِيهِ نَقْصٌ قُتِلَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ «٤» .
وَقَالَ ابْنُ «٥» عَتَّابٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُوجِبَانِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ النَّبِيَّ ﷺ بِأَذًى أَوْ نَقْصٍ مُعَرِّضًا أَوْ مُصَرِّحًا وَإِنْ قَلَّ فَقَتْلُهُ وَاجِبٌ «٦»
- فَهَذَا الْبَابُ كُلُّهُ مِمَّا عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ سَبًّا أَوْ تَنَقُّصًا يَجِبُ قَتْلُ قَائِلِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ مُتَقَدِّمُهُمْ وَلَا مُتَأَخِّرُهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَتْلِهِ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ وَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ.
وَكَذَلِكَ أَقُولُ حُكْمُ مَنْ غَمَصَهُ أَوْ عَيَّرَهُ بِرِعَايَةِ الْغَنَمِ أَوِ السَّهْوِ أَوِ النِّسْيَانِ أَوِ السِّحْرِ أَوْ مَا أَصَابَهُ مِنْ جرح «٧» أو هزيمة لبعض
_________________
(١) وهذا مخالف لمذهبه لانه عندهم يقتل ولا يستتاب، فاما يكون ابن المرابط خالف مذهبه في هذا أو يقول ان مما ظنه كثير من الناس فان تاب اندرأ عنه الحد لما فيه من الشبهة، وانه لا تنقيص فيه مع كثرة العدو وقوته.
(٢) حبيب بن ربيع القروي: من أئمة مذهب مالك كما تقدم.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٤) هذا تعقيب على ابن المرابط
(٥) ابن عتاب: من المالكية أيضا.
(٦) على كل حاكم رفع أمره اليه.
(٧) وفي بعض النسخ (حرج) .
[ ٢ / ٤٨٣ ]
جُيُوشِهِ، أَوْ أَذًى مِنْ عَدُوِّهِ، أَوْ شِدَّةٍ مِنْ زَمَنِهِ، أَوْ بِالْمَيْلِ إِلَى نِسَائِهِ، فَحُكْمُ هَذَا كُلِّهِ لِمَنْ قَصَدَ بِهِ نَقْصَهُ الْقَتْلُ، وَقَدْ مَضَى مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ويأتي ما يدل عليه.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الفصل الثّاني الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أَوْ عابه ﵊
فَمِنَ الْقُرْآنِ لَعْنُهُ تَعَالَى لِمُؤْذِيهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقِرَانُهُ تَعَالَى أَذَاهُ بِأَذَاهُ.
وَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ، وَأَنَّ اللَّعْنَ إِنَّمَا يَسْتَوْجِبُهُ مَنْ هُوَ كَافِرٌ، وَحُكْمُ الْكَافِرِ الْقَتْلُ
فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..» «١» الْآيَةَ وَقَالَ فِي قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَمِنْ لَعْنَتِهِ فِي الدُّنْيَا الْقَتْلُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا» «٢»
وَقَالَ فِي الْمُحَارِبِينَ وَذَكَرَ عُقُوبَتَهُمْ: «ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا» «٣» وقد يقع القتل بمعنى اللعن.
_________________
(١) «لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا» اية: ٥٧ سورة الاحزاب.
(٢) الاية: ٦١ سورة الاحزاب.
(٣) الاية: ٤٥ سورة المائدة.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
قال: «قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ» «١» و«قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» «٢» أَيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
وَلِأَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَذَاهُمَا وَأَذَى الْمُؤْمِنِينَ. وَفِي أَذَى الْمُؤْمِنِينَ مَا دُونُ الْقَتْلِ مِنَ الضَّرْبِ وَالنَّكَالِ «٣» فَكَانَ حُكْمُ مُؤْذِي اللَّهِ وَنَبِيِّهِ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْقَتْلُ.
وقال الله تَعَالَى: «فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ» «٤» الْآيَةَ فَسَلَبَ اسْمَ الْإِيمَانِ عَمَّنْ وُجِدَ فِي صَدْرِهِ حَرَجًا مِنْ قَضَائِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ، وَمَنْ تَنَقَّصَهُ فَقَدْ نَاقَضَ هَذَا.
وَقَالَ اللَّهُ تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» إلى قوله «أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ «٥»» وَلَا يُحْبِطُ الْعَمَلَ إِلَّا الْكُفْرُ «٦»، وَالْكَافِرُ يُقْتَلُ.
وقال تعالى: «وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ.» «٧»
_________________
(١) الاية: ١١ سورة الذاريات.
(٢) الاية: ٣٢ سورة التوبة.
(٣) النكال: العقوبة بغير قتل.
(٤) «ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» سورة النساء اية: ٦٥.
(٥) سورة الحجرات آية ٣.
(٦) وهذا عند أهل السنة اما المعتزلة فيقولون: ان الكبيرة تحبط العمل.
(٧) سورة المجادلة آية ٩ يعني اليهود والمنافقين الذين كانوا يقولون: السام عليك يعنون الدعاء بالموت.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
ثُمَّ قَالَ: «حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ» «١»
وَقَالَ تَعَالَى: «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ» «٢»
ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» «٣»
وَقَالَ تَعَالَى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» «٤»
إلى قوله: «قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» «٥»
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: «كَفَرْتُمْ» بِقَوْلِكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فقد ذكرناه وأما الاثار فعن الحسين «٦» عَلِيٍّ
عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «٧»: «مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فاقتلوه. ومن أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ» وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «٨» أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ كَعْبِ «٩» بْنِ الْأَشْرَفِ وَقَوْلِهِ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟!. وَوَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً دُونَ دَعْوَةٍ «١٠»، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.. وَعَلَّلَ قَتْلَهُ بِأَذَاهُ لَهُ، فَدَلَّ أَنَّ قَتْلَهُ إياه لغير
_________________
(١) سورة المجادلة آية ٩
(٢) سورة التوبة آية ٦٣.
(٣) سورة التوبة آية ٦٣.
(٤) سورة التوبة الايات ٦٧- ٦٨
(٥) سورة التوبة الايات ٦٧- ٦٨
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٠٩» رقم «٢» .
(٧) رواه الطبراني والدارقطني عن علي ﵁.. ولكنهم قالوا: «إن سنده ضعيف ولم يروه أصحاب الكتب لكنه اعتضد بالاجماع.
(٨) الذي رواه البخاري وغيره مسندا.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢١» رقم «٧» .
(١٠) دون دعوة للاسلام والرجوع عن الكفر.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
الْإِشْرَاكِ، بَلْ لِلْأَذَى.. وَكَذَلِكَ قَتَلَ أَبَا رَافِعٍ «١» .
قَالَ الْبَرَاءُ «٢» وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ «٣» وَجَارِيَتَيْهِ «٤» اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِسَبِّهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٥»: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسُبُّهُ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟. فَقَالَ خَالِدٌ «٦»:
أَنَا، فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَتَلَهُ.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَسُبُّهُ، كَالنَّضْرِ بْنِ «٧» الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي «٨» مُعَيْطٍ وَعَهِدَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَبَعْدَهُ فَقُتِلُوا إِلَّا مَنْ بَادَرَ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عليه.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣١٢» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٤» .
(٣) ابن خطل: وكانت له قنيتان تغنيان بهجاء المسلمين وذمهم، واسمه عبد الله وقبل هلال، وقيل عبد العزيز.
(٤) واسمهما فرتنا وقريبة.
(٥) لا يعرف من رواه.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣٧» رقم «٩» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٧٠» رقم «٨» .
(٨) عقبة بن أبي معيط: وكان شديد العداوة للنبي ﷺ وأسر ببدر فأمر رسول الله ﷺ عاصما أن يضرب عنقه بمكان يقال له عرق الظببة فقال: لم تقتلني با محمد؟. قال: بعداوتك لله ورسوله. فقال: من للصبية؟ قال: النار، فلما ضربت عنقه قال ﷺ: الحمد لله الذي قتلك وأقر عيني منك. وهو من بني أمية بن عبد شمس، وهو الذي القى سلام الجزور عليه ﷺ
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ «١» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢»: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ نَادَى «٣»: يَا مَعَاشِرَ قريش.. مالي أقتل من بينكم صيرا «٤» ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِكُفْرِكَ وَافْتِرَائِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَذَكَرَ عَبْدُ «٥» الرَّزَّاقِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ «٦»: أَنَا فَبَارَزَهُ فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ.
وَرَوَى «٧» أَيْضًا: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسُبُّهُ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يكفيني عدوي؟ فَخَرَجَ إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلَهَا.
وَرُوِيَ «٨»: أَنَّ رَجُلًا كَذَبَ «٩» عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ عَلِيًّا «١٠» وَالزُّبَيْرَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَاهُ.
وَرَوَى ابْنُ قَانِعٍ «١١»: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ.. سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِيكَ قَوْلًا قَبِيحًا فَقَتَلْتُهُ.. فَلَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٥٥» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) الحديث سنده ضعيف.
(٤) صيرا: أي من دون حرب. حبسا.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٧٩» رقم «٥» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٩١» رقم «؟؟؟» .
(٧) عبد الرزاق في جامعه عن عكرمة.
(٨) رواه عبد الرزاق أيضا في جامعه عن سعيد بن جبير.
(٩) كذب هنا معناها افترى كلاما كاذبا فيه تنقيص.
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٤) رقم (٤) .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤٠) رقم (١) .
[ ٢ / ٤٨٩ ]
وَبَلَغَ «١» الْمُهَاجِرَ «٢» بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ أَمِيرَ الْيَمَنِ لِأَبِي بَكْرٍ «٣» ﵁ أَنَّ امْرَأَةً هُنَاكَ فِي الرِّدَّةِ غَنَّتْ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ فَقَطَعَ يَدَهَا، وَنَزَعَ ثَنِيَّتَهَا «٤»، فَبَلَغَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: لَوْلَا مَا فَعَلْتَ لَأَمَرْتُكَ بِقَتْلِهَا، لِأَنَّ حَدَّ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ يُشْبِهُ الْحُدُودَ.
وَعَنِ ابْنِ «٥» عَبَّاسٍ: هَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَطْمَةَ «٦» النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ لِي بِهَا؟ .. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عنزان «٧» .
_________________
(١) في اثر رواه ابن سعد وابن عساكر.
(٢) المهاجر بن أبي أمية: كان اسمه الوليد فكرهه النبي ﷺ وسماه المهاجر، لان الوليد اسم فرعون مصر.. والمهاجر أخو ام المؤمنين ام سلمة ﵂، أرسله رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اليمن الى الحارث بن عبد كلال الحميري، واستعمله على الصدقات، ثم بعثه ابو بكر ﵁ في خلافته لقتال المرتدين باليمن ففتح الفتوح وله آثار عظيمة في اليمن.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٦) رقم (١) .
(٤) ثنيتها: السن المتقدمة
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٢) رقم (٦) .
(٦) خطمة: اسم قبيلة، أبناء سعد بن ثعلبة، وخطمة من الانصار بنو عبد الله بن مالك بن أوس وهذه المرأة هي عصماء بنت مروان من بني أمية، والذي قتلها عمير بن عدي ابن فراشة بن أبيه الخطمي وكان أعمى، وهو امام قومه وقارئهم دخل عليها وهي ترضع ولدها فنحاه عنها ثم أغمد سيفه في بطنها حتى أخرجه من ظهرها.
(٧) مثل ضربة رسول الله ﷺ للامر الذي يقع من غير خلف فيه.. والعنزان لا ينتطحان وانما يتشامان ثم يفترقان.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وَعَنِ «١» ابْنِ عَبَّاسٍ «٢»: «أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وتشتمه فقتلها، وعلم النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَأَهْدَرَ دَمَهَا» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ «٣» الْأَسْلَمِيِّ: «كُنْتُ «٤» يَوْمًا جَالِسًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَحَكَى الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ «٥» وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ «٦»: أَتَيْتُ أبا بكر وقد أغلظ رجل فَرَدَّ عَلَيْهِ قَالَ- فَقُلْتُ «٧» يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ.. فَقَالَ:
اجْلِسْ.. فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ «٨» بْنُ نصر: «ولم يخالف عليه أحد،
_________________
(١) رواه ابو داود والحاكم والبيهقي وصححه.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٢) رقم (٦) .
(٣) ابو برزة الاسلمي: وهو نفلة بن عبيد بن الحارث أسلم قديما، وشهد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المشاهد وتوفي بالبصرة سنة أربع وستين.
(٤) رواه ابو داود والحاكم والبيهقي وصححوه.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٢١٠) رقم (٩) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٩٥) رقم (٧) .
(٧) والقائل هو أبو برزة.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤١) رقم (٦) .
[ ٢ / ٤٩١ ]
فَاسْتَدَلَّ الْأَئِمَّةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَتْلِ مَنْ أَغْضَبَ النَّبِيَّ ﷺ بِكُلِّ مَا أَغْضَبَهُ، أَوْ أَذَاهُ، أَوْ سَبَّهُ» .
وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ «١» الْعَزِيزِ إِلَى عَامِلِهِ «٢» بِالْكُوفَةِ:
«وَقَدِ اسْتَشَارَهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ سَبَّ عُمَرَ ﵁. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عمر.. إنه لا يحل قتل امريء مُسْلِمٍ بِسَبِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رَجُلًا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَمَنْ سَبَّهُ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ» .
وَسَأَلَ الرَّشِيدُ «٣» مَالِكًا «٤» فِي رَجُلٍ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ فُقَهَاءَ الْعِرَاقِ أَفْتَوْهُ بِجِلْدِهِ، فَغَضِبَ مَالِكٌ وَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. مَا بَقَاءُ الْأُمَّةِ بَعْدَ شَتْمِ نَبِيِّهَا؟! مَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ قُتِلَ وَمَنْ شَتَمَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ جُلِدَ «٥»» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو «٦» الْفَضْلِ: كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ- رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَنَاقِبِ مَالِكٍ، وَمُؤَلِّفِي أَخْبَارِهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَا أَدْرِي مَنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ بِالْعِرَاقِ الَّذِينَ أَفْتَوُا الرَّشِيدَ بِمَا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٠» رقم «١» .
(٢) هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب.
(٣) الرشيد: هارون الخليفة العباسي المشهور. وكان قد أخذ الحديث عن الامام مالك.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٥) وهذا هو مذهبه من غير تفريق بين مسلم وكافر وبين التائب وغيره.
(٦) ابو الفضل: المصنف.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ذُكِرَ.. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَ الْعِرَاقِيِّينَ بِقَتْلِهِ.. وَلَعَلَّهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُشْهَرْ بِعِلْمٍ.. أَوْ مَنْ لَا يُوثَقُ بِفَتْوَاهُ.. أَوْ يَمِيلُ بِهِ هَوَاهُ.. أَوْ يَكُونُ مَا قَالَهُ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ السَّبِّ.. فَيَكُونُ الْخِلَافُ هَلْ هُوَ سَبٌّ أَوْ غَيْرُ سب.. أو يكون رجع وتاب عن سَبِّهِ فَلَمْ يَقُلْهُ لِمَالِكٍ «١» عَلَى أَصْلِهِ وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى قَتْلِهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ «٢» وَالِاعْتِبَارِ «٣» .. أن من سبّه وتنقّصه ﷺ فَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَامَةُ مرض قلبه، وبرهان سرطويته وكفره، ولهذا حَكَمَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالرِّدَّةِ.
وَهِيَ رِوَايَةُ الشَّامِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ «٤» . وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ «٥» وَأَبِي «٦» حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: «أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْكُفْرِ فَيُقْتَلُ حَدًّا، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْكُفْرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَادِيًا عَلَى قَوْلِهِ غَيْرَ مُنْكِرٍ لَهُ، وَلَا مُقْلِعٍ عَنْهُ. فَهَذَا كَافِرٌ» . وَقَوْلُهُ إِمَّا صَرِيحُ كُفْرٍ كَالتَّكْذِيبِ ونحوه، أو من كلمات الاستهزاء والذم.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) النظر: أي التفكر فيما يدل عليه عقلا.
(٣) الاعتبار: أي التأمل في موجبات القتل شرعا. والقياس يسمى اعتبارا أيضا من قوله تعالى: «فاعتبروا يا أولى الابصار» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١١١» رقم «٦» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٦» رقم «٣» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٦٦» رقم «٦» .
[ ٢ / ٤٩٣ ]
فَاعْتِرَافُهُ بِهَا، وَتَرْكُ تَوْبَتِهِ عَنْهَا، دَلِيلُ اسْتِحْلَالِهِ لِذَلِكَ، وَهُوَ كُفْرٌ أَيْضًا.. فَهَذَا كَافِرٌ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِهِ: «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا، وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ «١»» .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هِيَ قَوْلُهُمْ: «إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا «٢» لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ» .
وَقِيلَ بَلْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ «٣»: «مَا مِثْلُنَا وَمِثْلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا قَوْلُ الْقَائِلِ سَمِّنْ كَلْبَكَ يأكلك.. ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعن منها الأذل» .
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَائِلَ مِثْلِ هَذَا إِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا «٤» بِهِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ يقتل.. ولأنه قد غيّر دينه.
_________________
(١) سورة التوبة آية ٧٦.
(٢) من فتح حصون الشام، وكان القائل لذلك الجلاس بن سويد، أو وديعة بن ثابت، فقال له عامر بن قيس الانصاري: أجل والله ان محمدا لصادق مصدق، وأنت شر من الحمير، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وجاء الجلاس فحلف بالله عند منبر النبي ﷺ أنه ما قال وان عامرا لكاذب وحلف عامر لقد قال. وقال: اللهم انزل على نبيك الصادق شيئا يصدقني. فنزلت الاية فتاب الجلاس وحسنت توبته.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٢٤» رقم «٧» .
(٤) وفي رواية (مستسرا) .
[ ٢ / ٤٩٤ ]
وَقَدْ قَالَ «١» ﷺ: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ.» وَلِأَنَّ لِحُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحُرْمَةِ مَزِيَّةً عَلَى أُمَّتِهِ، وَسَابُّ الْحُرِّ مِنْ أُمَّتِهِ يُحَدُّ، فَكَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِمَنْ سَبَّهُ ﷺ الْقَتْلَ لِعَظِيمِ قَدْرِهِ وَشُفُوفِ «٢» مَنْزِلَتِهِ عَلَى غيره.
_________________
(١) رواه أحمد والبخاري والاربعة بلفظ: «من بدل دينه فاقتلوه» . فلعل الحديث نقله القاضي بالمعنى أو أن هناك رواية له بالمعنى المذكور.
(٢) شفوف: زيادة، يقال شف عليه اذا زاد وهو، بمعنى النقص أيضا فهو من الاضداد
[ ٢ / ٤٩٥ ]
الفصل الثالث أسباب عفو النبيّ ﷺ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَذَاهُ
فَإِنْ قُلْتَ:
فَلِمَ لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ اليهودي الذي لَهُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ «١» وَهَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ؟، وَلَا قَتَلَ الْآخَرَ «٢» الَّذِي قَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ «٣» مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ «٤»»، وَقَدْ تَأَذَّى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: «قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ؟ وَلَا قَتَلَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْذُونَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْيَانِ؟
فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ يَسْتَأْلِفُ عَلَيْهِ النَّاسَ وَيُمِيلُ قلوبهم إليه، ويحبب إليهم الإيمان ويزينه في
_________________
(١) وهذا رواه البخاري وغيره، وقالوا ان عائشة ﵂ تفطنت له فكانوا اذا قالوا: «السام عليكم يا أبا القاسم. قالت: «عليكم السام والذام واللعنة. ولذا قال ﷺ: «اذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم. ردا لمقلتهم عليهم»
(٢) هو ذو الخويصرة.
(٣) وفي نسخة (القسمة) .
(٤) وهذا في حديث رواه البخاري أيضا. فلم يقتله رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٤٩٦ ]
قلوبهم، ويداريهم ويقول لأصحابه: إنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا منفرين ويقول «١» «بشروا «٢» وتعسروا وسكّتوا «٣» وَلَا تُنَفِّرُوا» .
وَيَقُولُ: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ «٤» .»
وَكَانَ ﷺ يُدَارِي الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَيُجْمِلُ صُحْبَتَهُمْ، وَيُغْضِي عَنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ مِنْ أَذَاهُمْ، وَيَصْبِرُ عَلَى جَفَائِهِمْ، مَا لَا يَجُوزُ لَنَا الْيَوْمَ الصَّبْرُ لَهُمْ عَلَيْهِ. وَكَانَ يُرْفِقُهُمْ «٥» بِالْعَطَاءِ وَالْإِحْسَانِ «٦»، وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
فَقَالَ تَعَالَى: «وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» «٧» .
_________________
(١) رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أنس ﵁ بلفظ: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» .
(٢) وفي نسخة (يسروا) .
(٣) سكنوا: أي اقروا الناس على ما هم عليه، وهذا فيما لم يجب عليهم، والا فمثله لا يتسامح فيه.
(٤) وهذا قاله لعمر بن الخطاب ﵁ لما قال في قصة أبي بن سلول: «دعني أضرب عنقه» .
(٥) يرفقهم: يصلهم وينفعهم.
(٦) وقد ورد «رأس العقل بعد الايمان بالله التحبب الى الناس رواه الطبراني فى الاوسط عن علي كرم الله وجهه ورواه البزار والبيهقي عن أبي هريرة بلفظ؟
(٧) سورة المائدة آية ١٥ وهذه الاية منسوخة نزلت في اليهود الذين كانوا في زمن نبينا ﷺ بيانا لانهم من شأنهم الخيانة وأنه موروث آبائهم وأمره بالعفو عنهم بشرط المعاهدة أو نحوها.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» «١» .
وَذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ لِلتَّأَلُّفِ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، وَجَمْعِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِ.
- فَلَمَّا اسْتَقَرَّ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ كَفِعْلِهِ بِابْنِ خَطَلٍ «٢» وَمَنْ عَهِدَ بِقَتْلِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَمَنْ أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ غِيلَةً مِنْ يَهُودَ وَغَيْرِهِمْ، أَوْ غَلَبَةً مِمَّنْ لَمْ يُنْظِمْهُ قَبْلُ سِلْكَ صُحْبَتَهِ، وَالِانْخِرَاطَ «٣» فِي جُمْلَةِ مُظْهِرِي الْإِيمَانِ بِهِ مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ، كَابْنِ الْأَشْرَفِ «٤» وأبي «٥» رافع والنضر «٦» وعقبة «٧» .
- وكذلك هدر «٨» دم جماعة سواهم ككعب «٩» بن زهير.
_________________
(١) سورة فصلت آية ٣٥ وقيل نسخت باية السيف.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٨٨» رقم «٧» .
(٣) الانخراط: فسر بالدخول، وقد وقع ذلك في كلام الفصحاء الثقات كالسكاكي والزمخشري ولكنه في كتب اللغة لا يوجد بمثل هذا المعنى بل عكسه كخرط القتاد واخترط السيف اذا سله.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢١» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣١٢» رقم «٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٧٠» رقم «٨» .
(٧) عقبة بن أبي معيط: من أشد الذين أذوا محمدا ﵊ وكان الجار الثاني لرسول الله ﷺ وفيه أنزل الله قوله «يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا.» انظر كتاب نور اليقين بحث الايذاء.
(٨) وفي نسخة (نذر)
(٩) كعب بن زهير: بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، وهو وأخوه شاعران مجيدان غير مكثرين، وأخوه أسلم قبله، وكان كعب قال بعد اسلام أخيه شعرا يعرض فيه بالنبي ﷺ فكتب اليه أخوه كتابا يذكر له فيه أن رسول الله ﷺ أهدر دماء أعدائه. فضافت به الارض فأتى رسول الله ﷺ تائبا فقبله فأنشده قصيدته المشهورة: بانت سعاد فألبسه ﷺ بردته.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وَابْنِ الزَّبَعْرِيِّ «١»، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ آذَاهُ حَتَّى أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ وَلَقُوهُ مُسْلِمِينَ.
- وَبَوَاطِنُ الْمُنَافِقِينَ مُسْتَتِرَةٌ وَحُكْمُهُ ﷺ عَلَى الظَّاهِرِ..
وَأَكْثَرُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُهَا الْقَائِلُ مِنْهُمْ خُفْيَةً، وَمَعَ أَمْثَالِهِ وَيَحْلِفُونَ عَلَيْهَا إِذَا نُمِيَتْ «٢» وَيُنْكِرُونَهَا، وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ.
- وَكَانَ مَعَ هَذَا يَطْمَعُ فِي فَيْأَتِهِمْ «٣»، وَرُجُوعِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَوْبَتِهِمْ، فَيَصْبِرُ ﷺ عَلَى هَنَاتِهِمْ وَجَفْوَتِهِمْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «٤»، حَتَّى فَاءَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بَاطِنًا كَمَا فَاءَ ظَاهِرًا وَأَخْلَصَ سِرًّا كَمَا أَظْهَرَ جَهْرًا، وَنَفَعَ اللَّهُ بَعْدُ بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَقَامَ مِنْهُمْ لِلدِّينِ وُزَرَاءُ وَأَعْوَانٌ وحماة وأنصار كما جاءت به الأخبار.
_________________
(١) ابن الزبعرى: هو عبد الله بن الزبعرى بن سعيد بن سهم القرشي كان شاعرا مجيدا شجاعا، من أشد الناس عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بطول لسانه وسفهه، ولا عقب له أسلم بعد الفتح وحسن اسلامه.
(٢) نميت: نقلت وبلغت.
(٣) وفي نسخت (فئتهم) أي جماعتهم.
(٤) واختلف في اولي العزم منهم فقيل هم خمسة: نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقيل هم المذكورون في (الشعراء) و(الاعراف) وهم نوح وهود وصالح وسليمان ولوط وموسى، لصبرهم على أذى قومهم، وقيل ثمانية عشر ذكروا في الانعام وعقبهم الله بقوله (اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) . وقيل كل الرسل ما عدا أيوب.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وَبِهَذَا أَجَابَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا ﵏ عَنْ هذا السؤال «١» . قال:
ولعله لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ﷺ مِنْ أَقْوَالِهِمْ مَا رُفِعَ وَإِنَّمَا نَقَلَهُ الْوَاحِدُ «٢» ومن لم يصل رتبة الشهادة في هَذَا الْبَابِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوِ امرأة.
والدماء لا تستباح إلا بعد لين، وعلى هذا يحمل أمر اليهودي «٣» في السلام «٤»، وأنهم لووا به أَلْسِنَتَهُمْ وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ. أَلَا تَرَى كَيْفَ نَبَّهَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ وَلَوْ كَانَ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ تَنْفَرِدْ بِعِلْمِهِ.. وَلِهَذَا نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى فِعْلِهِمْ وَقِلَّةِ صِدْقِهِمْ فِي سَلَامِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ فِي ذَلِكَ لَيًّا «٥» بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ.. فَقَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمْ فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: عَلَيْكُمْ «٦» .
وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ «٧» .. إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلِ الْمُنَافِقِينَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ.. وَلَمْ يَأْتِ أَنَّهُ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى نِفَاقِهِمْ فَلِذَلِكَ تَرَكَهُمْ.. وَأَيْضًا.. فَإِنَّ الْأَمْرَ كَانَ سِرًّا وَبَاطِنًا، وَظَاهِرُهُمُ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ. وإن كان من أهل الذمة «٨» والعهد والجوار. والناس
_________________
(١) السابق عن قول اليهود السام عليكم.
(٢) والشهادة لا تتم الا باثنين.
(٣) وفي نسخة (اليهود) .
(٤) وفي نسخة (في السام) .
(٥) ليا بألسنتهم: أي تحريفا بها.
(٦) وقد قال الفقهاء: لا تبدؤوا بالسلام الكفرة، وانما يرد سلامهم بقول: وعليكم وفي رواية عن الشافعي جوازه.
(٧) كالقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي.
(٨) أهل الذمة: هم أهل العهد والامان.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
قريب عهدهم بالإسلام لم يَتَمَيَّزْ بَعْدُ الْخَبِيثُ مِنَ الطِّيبِ، وَقَدْ شَاعَ عَنِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْعَرَبِ كَوْنُ مَنْ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَصَحَابَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَأَنْصَارِ الدِّينِ بِحُكْمِ ظَاهِرِهِمْ.. فَلَوْ قَتَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِنِفَاقِهِمْ وَمَا يَبْدُرُ مِنْهُمْ، وَعِلْمِهِ بِمَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ لَوَجَدَ المنفّر ما يقول، ولارتاب الشَّارِدُ، وَأَرْجَفَ «١» الْمُعَانِدُ، وَارْتَاعَ مِنْ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَزَعَمَ الزَّاعِمُ وَظَنَّ الْعَدُوُّ الظَّالِمُ أَنَّ الْقَتْلَ إِنَّمَا كَانَ لِلْعَدَاوَةِ وَطَلَبِ أَخْذِ التِّرَةِ «٢» .
وَقَدْ رَأَيْتُ مَعْنَى مَا حَرَّرْتُهُ مَنْسُوبًا إِلَى مَالِكِ «٣» بْنِ أَنَسٍ ﵀ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ «٤» «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مْحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»
وَقَالَ «٥» أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ. وَهَذَا بِخِلَافِ إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ حُدُودِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ وَشِبْهِهِ «٦» لِظُهُورِهَا «٧» وَاسْتِوَاءِ النَّاسِ فِي عِلْمِهَا.
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ «٨» بْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ أَظْهَرَ الْمُنَافِقُونَ نِفَاقَهُمْ لَقَتَلَهَمُ النَّبِيُّ ﷺ.
_________________
(١) أرجف: أتى بالاقوال الكاذبة.
(٢) الترة: الثار.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٤) قال ﷺ لعمر والحديث تقدم في الصحيحين.
(٥) لم يخرج هذا الحديث.
(٦) شبهه: أي كحد الفذف وشرب الخمر والسرقة.
(٧) بالشهادة الشرعية.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم «٢» .
[ ٢ / ٥٠١ ]
وقال الْقَاضِي أَبُو «١» الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَ قَتَادَةُ «٢» فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا، مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا. سُنَّةَ اللَّهِ» «٣» الْآيَةَ قَالَ: مَعْنَاهُ إِذَا أَظْهَرُوا النِّفَاقَ.
وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ «٤» مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ «٥» عَنْ زَيْدِ «٦» بن أسلم أن قوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» «٧» نسخت «٨» مَا كَانَ قَبْلَهَا «٩» .
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: «لَعَلَّ الْقَائِلَ «١٠» «هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ» وَقَوْلَهُ «اعْدِلْ» لَمْ يَفْهَمِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ الطَّعْنَ عَلَيْهِ وَالتُّهْمَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا رَآهَا مِنْ وَجْهِ الْغَلَطِ فِي الرأي وأمور الدنيا،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤١» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٣) سورة الاحزاب الايات ٦٢- ٦٣.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٨» رقم «٥» .
(٥) المبسوط: اسم كتاب له
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٧» رقم «٧» .
(٧) سورة التوبة آية ٧٥.
(٨) وفي كثير من النسخ (نسخها) .
(٩) من العفو والصفح.
(١٠) هو واحد من الانصار كما في صحيح البخاري، او مغيث بن قشير كما قاله بعضهم لاذو الخويصره كما توهم الدلجي. وقال الحلبي الذي قال اعدل وذو الخويصرة.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وَالِاجْتِهَادِ فِي مَصَالِحِ أَهْلِهَا فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ سببا «١»، وَرَأَى أَنَّهُ مِنَ الْأَذَى الَّذِي لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ» فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَاقِبْهِ.
- وَكَذَلِكَ يقال في اليهود إذ قَالُوا «السَّامُ عَلَيْكُمْ» لَيْسَ فِيهِ صَرِيحُ «٢» سَبٍّ، ولا دعاء الا بما لابد مِنْهُ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ لَحَاقِهِ جَمِيعَ الْبَشَرِ.
وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ «تَسْأَمُونَ دِينَكُمْ» وَالسَّأْمُ وَالسَّآمَةُ «الْمَلَالُ» وَهَذَا دُعَاءٌ عَلَى سَآمَةِ الدِّينِ لَيْسَ بِصَرِيحِ سَبٍّ.
وَلِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ «٣» عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: بَابٌ إِذَا «عَرَّضَ» الذي أَوْ غَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ.
قال بعض علمائنا: «ليس هَذَا بِتَعْرِيضٍ بِالسَّبِّ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْرِيضٌ بِالْأَذَى»
قَالَ الْقَاضِي أَبُو «٤» الْفَضْلِ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَذَى وَالسَّبَّ فِي حَقِّهِ، ﷺ سَوَاءٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو «٥» مُحَمَّدِ بْنُ نصر مجيبا عن هذا الحديث ببعض
_________________
(١) وفي نسخة (شيئا) .
(٢) وفي نسخة (تصريح) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٨» رقم «٣» .
(٤) أبو الفضل: المصنف.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤١» رقم «٦» .
[ ٢ / ٥٠٣ ]
مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ هَلْ كَانَ هَذَا الْيَهُودِيُّ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ أَوِ الْحَرْبِ؟!، وَلَا يُتْرَكُ مُوجِبُ الأدلة للأمر الْمُحْتَمَلِ، وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ «١» كُلِّهِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ هذه الوجوه مقصد الإستئلاف والمداراة عَلَى الدِّينِ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ.
وَلِذَلِكَ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ «٢» عَلَى حَدِيثِ الْقِسْمَةِ وَالْخَوَارِجِ: بَابٌ مِنْ تَرْكِ قِتَالِ الْخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ وَلِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ، وَلِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ «٣» وَقَرَّرْنَاهُ قَبْلُ.
وَقَدْ صَبَرَ لَهُمْ ﷺ عَلَى سِحْرِهِ وَسَمِّهِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ سَبِّهِ إِلَى أَنْ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَذِنَ لَهُ في قتل من عيّنه مِنْهُمْ، وَإِنْزَالِهِمْ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَكَتَبَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمُ الْجَلَاءَ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَخَرَّبَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَكَاشَفَهُمْ بِالسَّبِّ فَقَالَ: «يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ» .. وَحَكَّمَ فِيهِمْ «٤» سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْ جِوَارِهِمْ، وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ «٥» .. لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى.
_________________
(١) وفي نسخة (هذا) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٨» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٤) في بني قريظة.
(٥) كما حدث لبني النضير.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «١» عَنْ عَائِشَةَ «٢» ﵂: «أَنَّهُ ﷺ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ» .
فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِمْ مِمَّنْ سَبَّهُ أَوْ آذَاهُ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ الَّتِي انْتَقَمَ لَهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ما لا ينتقم منه لَهُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِسُوءِ أَدَبٍ، أَوْ مُعَامَلَةٍ من القول والفعل بِالنَّفْسِ «٣» وَالْمَالِ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْ فَاعِلُهُ بِهِ أَذَاهُ لَكِنْ مِمَّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْأَعْرَابُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَهْلِ «٤»، أَوْ جُبِلَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ مِنَ السفه «٥» كجبذ «٦» الأعرابي رداءه حَتَّى أَثَّرَ فِي عُنُقِهِ «٧»، وَكَرَفْعِ صَوْتِ الْآخَرِ «٨» عِنْدَهُ، وَكَجَحْدِ الْأَعْرَابِيِّ «٩» شِرَاءَهُ مِنْهُ فَرَسَهُ «١٠» الَّتِي شهد فيها
_________________
(١) من رواية البخاري وغيره.
(٢) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٣) وفي نسخة (في النفس) .
(٤) كما قال تعالى: (الاعراب أشد كفرا ونفاقا واجدر الا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) .
(٥) وروي (الغفلة) .
(٦) جبذ: أي جذب.
(٧) وقال: «- كما في البخاري- مرلي من مال الله الذي عندك» .
(٨) قال الحلبي: «يحتمل ان يكون ثابت بن قيس بن شماس» .
(٩) وهو سواد بن قيس المحاربى، وقيل: «سواد بن الحارث» .
(١٠) المسمى بالمرتجز وكان ابيض، وقيل النجيب.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
خُزَيْمَةُ «١» .. وَكَمَا كَانَ مِنْ تَظَاهُرِ زَوْجَيْهِ «٢» عَلَيْهِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يَحْسُنُ الصَّفْحُ عَنْهُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: «إِنَّ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ» .
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَجُوزُ بِفِعْلٍ مباح مما يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ وَإِنْ تَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» «٣» .
وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ «٤» فَاطِمَةَ «٥»: «إِنَّهَا بِضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا.. أَلَا وَإِنِّي لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ. وَلَكِنْ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ «٦» اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا»
أَوْ يَكُونُ هذا مما آذاه به كافر رجا «٧» بَعْدَ ذَلِكَ إِسْلَامُهُ كَعَفْوِهِ عَنِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سحره وعن الأعرابي «٨» الذي أراد قتله
_________________
(١) خزيمة: بن ثابت الانصاري بن عمارة. وقد جَعَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شهادته بشهادتين.
(٢) وهما عائشة وحفصة ﵄.
(٣) سورة الاحزاب آية ٥٨.
(٤) رواه البخاري
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «١٢» .
(٦) وهي بنت أبي جهل واسمها جويرية.
(٧) وفي نسخة (وجاء) بالواو.
(٨) وهو غورث بن الحارث.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وَعَنِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ. وَقَدْ قِيلَ: «قَتَلَهَا» «١»
وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ فَصَفَحَ «٢» عَنْهُمْ رَجَاءَ اسْتِئْلَافِهِمْ وَاسْتِئْلَافِ غيرهم كما قررناه قبل وبالله التوفيق
_________________
(١) أي آخرا ببشر بن البراء بعد ما عفا عنها أولا لاسلامها او لاعتذارها في كلامها
(٢) وفي جمله (وصفح) .
[ ٢ / ٥٠٧ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ حُكْمُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ دُونَ قصد أو اعتقاد
قَالَ الْقَاضِي:
تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لِسَبِّهِ وَالْإِزْرَاءِ بِهِ وَغَمْصِهِ «١» بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ مُمْكِنٍ أَوْ مُحَالٍ. فَهَذَا وَجْهٌ بَيِّنٌ لا إشكال فيه.
الوجه الثاني:
لا حق بِهِ فِي الْبَيَانِ وَالْجَلَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ لِمَا قَالَ فِي جِهَتِهِ ﷺ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلسَّبِّ وَالْإِزْرَاءِ وَلَا مُعْتَقَدٍ لَهُ، وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي جِهَتِهِ ﷺ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْ لَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ أَوْ إِضَافَةِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، أَوْ نَفْيِ مَا يَجِبُ لَهُ مِمَّا هُوَ فِي حَقِّهِ ﷺ نَقِيصَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَنْسُبَ إِلَيْهِ إِتْيَانَ كَبِيرَةٍ، أَوْ مُدَاهَنَةً فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، أَوْ فِي حُكْمٍ بَيْنَ النَّاسِ.. أَوْ يَغُضَّ من مرتبته، أو شرف
_________________
(١) غمصه: بغين معجمة مفتوحة وسكون الميم وصاد مهملة أي ازدرائه.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
نَسَبِهِ، أَوْ وُفُوِرِ عِلْمِهِ، أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ يُكَذِّبَ بِمَا اشْتَهَرَ مِنْ أُمُورٍ أَخْبَرَ بِهَا ﷺ وَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِهَا عَنْ قَصْدٍ لِرَدِّ خَبَرِهِ، أَوْ يَأْتِي بِسَفَهٍ من القول، أو قبيح من الكلام، ونوع من السب في جهة، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ذَمَّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ سَبَّهُ، إِمَّا لِجَهَالَةٍ حَمَلَتْهُ عَلَى مَا قَالَهُ، أَوْ لِضَجَرٍ، أَوْ سُكْرٍ اضْطَرَّهُ إِلَيْهِ أَوْ قِلَّةِ مُرَاقَبَةٍ وَضَبْطٍ لِلِسَانِهِ، وَعَجْرَفَةٍ وَتَهَوُّرٍ فِي كَلَامِهِ، فَحُكْمُ هَذَا الْوَجْهِ حُكْمُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْقَتْلُ دُونَ تَلَعْثُمٍ، إِذْ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْكُفْرِ بِالْجَهَالَةِ وَلَا بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، إذا كَانَ عَقْلُهُ فِي فِطْرَتِهِ سَلِيمًا، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَبِهَذَا أَفْتَى الْأَنْدَلُسِيُّونَ عَلَى ابْنِ «١» حَاتِمٍ فِي نَفْيِهِ الزُّهْدَ عَنْ رسول الله ﷺ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ «٢» بْنُ سُحْنُونٍ فِي الْمَأْسُورِ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ يُقْتَلُ، إِلَّا أَنْ يعلم تنصره أَوْ إِكْرَاهُهُ.
وَعَنْ أَبِي «٣» مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ لَا يُعْذُرُ بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ فِي مثل هذا.
_________________
(١) وهو ابن حاتم الطليطلي قال الخفاجي: (لم أقف على ترجمته)
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم «١» .
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وَأَفْتَى أَبُو الْحَسَنِ «١» الْقَابِسِيُّ فِيمَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي سُكْرِهِ يُقْتَلُ.. لأنه يظنّ به أنه يعتقد هذا ويفعله فِي صَحْوِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حَدٌّ لَا يُسْقِطُهُ السُّكْرُ كَالْقَذْفِ وَالْقَتْلِ وَسَائِرِ الْحُدُودِ. لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
لِأَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ زَوَالِ عَقْلِهِ بِهَا، وَإِتْيَانِ مَا يُنْكَرُ مِنْهُ فَهُوَ كَالْعَامِدِ لِمَا يَكُونُ بِسَبَبِهِ، وَعَلَى هَذَا أَلْزَمْنَاهُ الطَّلَاقَ وَالْعِتَاقَ، وَالْقِصَاصَ، وَالْحُدُودَ.
وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ «٢» حَمْزَةَ «٣» وَقَوْلِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي» قَالَ.. فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ ثَمِلٌ فَانْصَرَفَ. لِأَنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ حِينَئِذٍ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ فَلَمْ يَكُنْ فِي جِنَايَاتِهَا إِثْمٌ. وَكَانَ حُكْمُ مَا يَحْدُثُ عَنْهَا مَعْفُوًّا عَنْهُ كَمَا يَحْدُثُ مِنَ النَّوْمِ وشرب الدواء المأمون..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٦» رقم «٢» .
(٢) رواه الشيخان عن علي ﵁.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٦٩١» رقم «٥» .
[ ٢ / ٥١٠ ]
الفصل الخامس حقيقة قائل ذلك هل هو كافر أو مرتدّ
الْوَجْهُ الثَّالِثُ:
أَنْ يَقْصِدَ إِلَى تَكْذِيبِهِ فِيمَا قاله أو أتى به، أو ينفي نبوته، أو رسالته، أو وجوده، أو يكفر بِهِ.. انْتَقَلَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى دِينٍ آخَرَ غَيْرِ مِلَّتِهِ أَمْ لَا؟.
فَهَذَا كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ، يَجِبُ قَتْلُهُ. ثُمَّ يُنْظَرُ- فَإِنْ كَانَ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ أَشْبَهَ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ «١» . وَقَوِيَ الْخِلَافُ فِي اسْتِتَابَتِهِ
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا تُسْقِطُ الْقَتْلَ عَنْهُ تَوْبَتُهُ لِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ إِنْ كَانَ ذَكَرَهُ بِنَقِيصَةٍ فيما قاله من كذب أو غيره.
_________________
(١) خلافا لاصحاب مالك.
[ ٢ / ٥١١ ]
- وَإِنْ كَانَ مُتَسَتِّرًا بِذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ لَا تُسْقِطُ قَتْلَهُ التَّوْبَةُ عِنْدَنَا «١» كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
قال أبو «٢» حنيفه وأصحابه: «من برىء مِنْ مُحَمَّدٍ أَوْ كَذَّبَ «٣» بِهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ حَلَالُ الدَّمِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ» .
وَقَالَ ابْنُ «٤» الْقَاسِمِ فِي الْمُسْلِمِ إِذَا قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَقَوَّلَهُ «٥» يُقْتَلُ.
قَالَ: «وَمَنْ كَفَرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنْكَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ» .
وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِهِ أَنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ تَنَبَّأَ وَزَعَمَ أنه يوحى إليه.
وقال سحنون «٦» وقال ابْنُ «٧» الْقَاسِمِ: «دَعَا إِلَى ذَلِكَ سِرًّا أَوْ جَهْرًا» وَقَالَ أَصْبَغُ «٨»: «وَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ قَدْ كَفَرَ بِكِتَابِ اللَّهِ مَعَ الْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ» .
_________________
(١) أي عند المالكية.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٩» رقم «٦» .
(٣) وفي نسخة (كذبه)
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٦» .
(٥) فقوله: افتراه واختلقه
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٨» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٦» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
[ ٢ / ٥١٢ ]
وَقَالَ أَشْهَبُ «١» فِي يَهُودِيٍّ تَنَبَّأَ- أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى النَّاسِ- أَوْ قَالَ: بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيٌّ، أَنَّهُ يُسْتَتَابُ إِنْ كَانَ مُعْلِنًا بِذَلِكَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ «٢» سُحْنُونٍ: «مَنْ شَكَّ فِي حَرْفٍ مِمَّا جاء به محمد ﷺ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ جَاحِدٌ» .
وَقَالَ: «مَنْ كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ حُكْمُهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ الْقَتْلَ» .
وَقَالَ أَحْمَدُ «٣» بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ «٤»: «مَنْ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْوَدُ قُتِلَ. لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَسْوَدَ.
وَقَالَ نَحْوَهُ أَبُو عُثْمَانَ «٥» الْحَدَّادُ قَالَ: «لَوْ قَالَ إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِيَ «٦» أَوْ إِنَّهُ كَانَ بِتَاهَرْتَ «٧» وَلَمْ يَكُنْ بِتِهَامَةَ «٨» قُتِلَ لِأَنَّ هَذَا نفي.
_________________
(١) أشهب: بن عبد العزيز المصري.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٣) احمد بن أبي سليمان من أصحاب سحنون كان فقيها عالما ورعا
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٨» رقم «١» .
(٥) ابو عثمان الحداد: اسمه سعيد، وكان أولا مالكيا ثم صار شافعيا.
(٦) أي قبل أن تنبت لحيته.
(٧) تاهرت: مكان في أقصى المغرب.
(٨) تهامة: هي هنا مكة أو أرض الحجاز.. وقد اطلقها الجغرافيون الان على الاراضي المحصورة بين جبال الحجاز وبين البحر الاحمر.
[ ٢ / ٥١٣ ]
قال حبيب «١» بن الربيع: تَبْدِيلُ صِفَتِهِ وَمَوَاضِعِهِ كُفْرٌ، وَالْمُظْهِرُ لَهُ كَافِرٌ وَفِيهِ الِاسْتِتَابَةُ، وَالْمُسِرُّ لَهُ زِنْدِيقٌ يُقْتَلُ دُونَ استتابة
_________________
(١) حبيب بن الربيع: من أئمة المالكية. في الفقه وكان ورعا تقيا
[ ٢ / ٥١٤ ]
الفصل السّادس الحكم فيما لو كان الكلام يحتمل السّبّ وغيره
الْوَجْهُ الرَّابِعُ:
أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ وَيَلْفِظُ مِنَ الْقَوْلِ بِمُشْكِلٍ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى النبي ﷺ أو غيره أَوْ يَتَرَدَّدُ فِي الْمُرَادِ بِهِ مِنْ سَلَامَتِهِ من المكروه، أو شرّه فههنا مُتَرَدِّدُ النَّظَرِ، وَحَيْرَةُ الْعِبَرِ، وَمَظِنَّةُ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَوَقْفَةِ اسْتِبْرَاءِ الْمُقَلِّدِينَ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ غَلَّبَ حُرْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَحَمَى حِمَى عِرْضِهِ فَجَسَرَ عَلَى الْقَتْلِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ عَظَّمَ حُرْمَةَ الدَّمِ وَدَرَأَ الْحَدَّ بِالشُّبْهَةِ لِاحْتِمَالِ الْقَوْلِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي رَجُلٍ أَغْضَبَهُ غَرِيمُهُ فَقَالَ لَهُ: صَلِّ عَلَى محمد ﷺ فَقَالَ لَهُ الطَّالِبُ لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٥١٥ ]
فَقِيلَ لِسُحْنُونٍ «١»: هَلْ هُوَ كَمَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ؟ أو شتم الملائكة الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا إِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنَ الْغَضَبِ.. لِأَنَّهُ لَمْ يكن مضمرا الشتم.
وقال أبو اسحق «٢» الْبَرْقِيُّ وَأَصْبَغُ «٣» بْنُ الْفَرَجِ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَتَمَ النَّاسَ. وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ سُحْنُونٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْذُرْهُ بِالْغَضَبِ فِي شَتْمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الْكَلَامَ عِنْدَهُ وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ شَتْمِ الْمَلَائِكَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا مُقَدِّمَةٌ يُحْمَلُ عَلَيْهَا كَلَامُهُ، بَلِ الْقَرِينَةُ تَدُلُّ على أن مراده الناس غير هؤلا. لِأَجْلِ قَوْلِ الْآخَرِ لَهُ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، فَحُمِلَ قَوْلُهُ وَسَبُّهُ لِمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْآنَ لِأَجْلِ أَمْرِ الْآخَرِ لَهُ بِهَذَا عِنْدَ غَضَبِهِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ سُحْنُونٍ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِعِلَّةِ صاحبه.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٨» رقم «١» .
(٢) أبو اسحق البرقي: ابراهيم بن عبد الرحمن بن عمرة بن أبي الفياض، توفي سنة خمس واربعين ومائة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
[ ٢ / ٥١٦ ]
وَذَهَبَ الْحَارِثُ بْنُ «١» مِسْكِينٍ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: فِي مِثْلِ هَذَا إِلَى الْقَتْلِ.
وَتَوَقَّفَ أَبُو الْحَسَنِ «٢» الْقَابِسِيُّ فِي قَتْلِ رَجُلٍ قَالَ: كُلُّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانُ «٣» وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَأَمَرَ بِشَدِّهِ بِالْقُيُودِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ حَتَّى يُسْتَفْهَمَ الْبَيِّنَةُ عَنْ جُمْلَةِ أَلْفَاظِهِ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصِدِهِ، هَلْ أَرَادَ أَصْحَابَ الْفَنَادِقِ الْآنَ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَيَكُونُ أَمْرُهُ أَخَفَّ.
قَالَ: وَلَكِنْ ظَاهِرُ لَفْظِهِ الْعُمُومُ لِكُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مَنِ اكْتَسَبَ الْمَالَ.
قَالَ: «وَدَمُ الْمُسْلِمِ لَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ إِلَّا بأمر بيّن، وما تردّ إليه التأويلات لابد مِنْ إِمْعَانِ «٤» النَّظَرِ فِيهِ.» هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
_________________
(١) الحارث بن مسكين: قال الحلبي: هذا فقيه مشهور أموي، مولى مروان، مصري، أخذ عن ابن عينية وابن وهب وابن القاسم وسأل الليث. وعنه أبو داود والنسائي وجماعة.. ثعة حجة.. عاش نيفا وتسعين سنة قال الخطيب: كان ثبتا في الحديث فقيها على مذهب مالك. حمله المأمون الى بغداد أيام المحنة لانه لم يجب الى القول بخلق القرآن، فلم يزل محبوسا الى ان ولى الخلافة المتوكل فأطلقه فحدث ببغداد ورجع الى مصر وكتب اليه المتوكل بعهده على قضاء مصر.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٦» رقم (٢) .
(٣) قرنان: نعت سوء للرجل الذي يتغافل عن فجور امرأته وابنته واخته وقرابته وهو المسمى بالديوث.
(٤) وفي نسخة (انعام) .
[ ٢ / ٥١٧ ]
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي «١» مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ ﵀ فِيمَنْ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْعَرَبَ. وَلَعَنَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَعَنَ اللَّهُ بَنِي آدَمَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْأَنْبِيَاءَ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ، أَنَّ عَلَيْهِ الْأَدَبَ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ السُّلْطَانِ.
وَكَذَلِكَ أَفْتَى فِيمَنْ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَرَّمَ الْمُسْكِرَ، وَقَالَ:
لَمْ أَعْلَمْ مَنْ حَرَّمَهُ.
وَفِيمَنْ لَعَنَ حَدِيثَ «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» وَلَعَنَ مَا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ فَعَلَيْهِ الْأَدَبُ الْوَجِيعُ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقْصِدْ بِظَاهِرِ حَالِهِ سَبَّ اللَّهِ وَلَا سَبَّ رَسُولِهِ وَإِنَّمَا لَعَنَ مَنْ حَرَّمَهُ مِنَ النَّاسِ عَلَى نَحْوِ فَتْوَى سُحْنُونٍ «٢» وَأَصْحَابِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ المتقدمة.
ومثل هذا يجري في كلام سفهاء الناس من قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ يَا ابْنَ أَلْفِ خِنْزِيرٍ ويا ابن مئة كَلْبٍ وَشِبْهِهِ مِنْ هُجْرِ «٣» الْقَوْلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ مِنْ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَعَلَّ بَعْضَ هَذَا الْعَدَدِ مُنْقَطِعٌ إِلَى آدَمَ ﵇ فينبغي الزجر
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤٤) رقم (١) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٨) رقم (١) .
(٣) هجر: فحش.
[ ٢ / ٥١٨ ]
عنه، وتبيين ما جهل قَائِلُهُ مِنْهُ، وَشِدَّةُ الْأَدَبِ فِيهِ.
وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ سَبَّ مَنْ فِي آبَائِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى عِلْمٍ لَقُتِلَ.
وَقَدْ يَضِيقُ الْقَوْلُ فِي نَحْوِ هَذَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ هَاشِمِيٍّ: لَعَنَ اللَّهُ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا قَبِيحًا فِي آبَائِهِ أَوْ مِنْ نَسْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ بَعْضِ آبَائِهِ وَإِخْرَاجَ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ سَبَّهُ مِنْهُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ لِأَبِي مُوسَى عِيسَى بْنِ «١» مَنَاسَ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لَعَنَكَ اللَّهُ إِلَى آدَمَ ﵇.
أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قتل.
قال القاضي وفقه الله: وَقَدْ كَانَ اخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِيمَنْ قَالَ لِشَاهِدٍ شَهِدَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: تَتَّهِمُنِي؟ فقال لَهُ الْآخَرُ..
الْأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ فَكَيْفَ أَنْتَ!
فَكَانَ شيخنا أبو إسحق «٢» بْنُ جَعْفَرٍ يَرَى قَتْلَهُ لِبَشَاعَةِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ «٣» بْنُ مَنْصُورٍ يَتَوَقَّفُ عَنِ الْقَتْلِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ خبرا عمّن اتهمهم من الكفار.
_________________
(١) عيسى بن مناس أبو موسى من أصحاب سحنون وهو من أهل قيروان
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٣١٦) رقم (٢) .
(٣) ابو محمد بن منصور: عبد الله بن محمد بن منصور، ولد سنة ثمان وخمسين واربعمائة، وتوفي في شعبان سنة ثلاث عشر وخمسمائة. وهو امام محدث مالكي المذهب
[ ٢ / ٥١٩ ]
وَأَفْتَى فِيهَا قَاضِي قُرْطُبَةَ أَبُو عَبْدِ «١» اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا وَشَدَّدَ الْقَاضِي أبو محمد «٢» تصفيده وأطال سجنه ثم استحلفه بَعْدُ عَلَى تَكْذِيبِ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ إذ دَخَلَ فِي شَهَادَةِ بَعْضِ مِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَهَنٌ ثُمَّ أَطْلَقَهُ.
وَشَاهَدْتُ شَيْخَنَا الْقَاضِي أَبَا عَبْدِ «٣» اللَّهِ بْنَ عِيسَى أَيَّامَ قَضَائِهِ أُتِيَ بِرَجُلٍ هَاتَرَ «٤» رَجُلًا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ قَصَدَ إِلَى كَلْبٍ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ لَهُ قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَأَنْكَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ لَفِيفٌ مِنَ النَّاسِ فَأَمَرَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ، وَتَقَصَّى عَنْ حَالِهِ، وَهَلْ يَصْحَبُ مَنْ يُسْتَرَابُ بِدِينِهِ فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مَا يُقَوِّي الرِّيبَةَ بِاعْتِقَادِهِ ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ وَأَطْلَقَهُ.
_________________
(١) أبو عبد الله بن الحاج محمد بن أحمد بن خلف بن ابراهيم التجيبي المالكي العلامة المحدث الشهيد. ولد سنة ثمان وخمسين واربعمائة، وقتل وهو ساجد بجامع قرطبة، قتله رجل مجنون يقال أنه ضربه بسكين في خاصرته فقتله، ودفنه في الموضع الذي قتله فيه وكان ذلك يوم الجمعة سادس عشر شهر رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وهو غير ابن الحاج صاحب المدخل.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥١٩» رقم «٣» .
(٣) أبو عبد الله بن عيسى: بن حسين التيمي، ولد سنة تسع وعشرين واربعمائة
(٤) هاتر: قال سفها من القول.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الْفَصْلُ السَّابِعُ حُكْمُ مَنْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ من صفات الأنبياء رفعا لشأنه أو استصغارا لشأنهم صلوات الله عليهم
الْوَجْهُ الْخَامِسُ:
أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا وَلَا سَبًّا لَكِنَّهُ يَنْزِعُ «١» بِذِكْرِ بَعْضِ أَوْصَافِهِ، أَوْ يَسْتَشْهِدُ بِبَعْضِ أَحْوَالِهِ ﷺ الْجَائِزَةِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالْحُجَّةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِ، أَوْ عِنْدَ هَضِيمَةٍ «٢» نَالَتْهُ، أَوْ غَضَاضَةٍ لَحِقَتْهُ، لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ التَّأَسِّي وَطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، بَلْ عَلَى مَقْصِدِ التَّرْفِيعِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَعَدَمِ التَّوْقِيرِ لِنَبِيِّهِ ﷺ أو قصد الهزل والتندير «٣» بقوله:
_________________
(١) ينزع: يميل.
(٢) هضيمة: نقيصة عظيمه
(٣) التندير: مصدر ندر معناه قصد الساقط من القول.
[ ٢ / ٥٢١ ]
كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنْ قِيلَ فِي السُّوءِ فَقَدْ قيل في النبي، أو إن كُذِّبْتُ فَقَدْ كُذِّبَ الْأَنْبِيَاءُ، أَوْ إِنْ أَذْنَبْتُ فَقَدْ أَذْنَبُوا. أَوْ أَنَا أَسْلَمُ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ، أَوْ قَدْ صَبَرْتُ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ، أَوْ كَصَبْرِ أَيُّوبَ، أَوْ قَدْ صَبَرَ نَبِيُّ الله على عِدَاهُ وَحَلُمَ عَلَى أَكْثَرِ مِمَّا صَبَرْتُ وَكَقَوْلِ المتنبي «١»
أنا في أمة تداركها الل هـ غَرِيبٌ كَصَالِحٍ فِي ثَمُودِ
وَنَحْوِهِ مِنْ أَشْعَارِ الْمُتَعَجْرِفِينَ فِي الْقَوْلِ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِ الْمَعَرِّيِّ «٢»:
كَنْتُ مُوسَى وَافَتْهُ بِنْتُ شُعَيْبٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ فِيكُمَا مِنْ فَقِيرِ «٣»
عَلَى أَنَّ آخر البيت شديد وداخل في الْإِزْرَاءِ وَالتَّحْقِيرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وتفضيل حال غيره عليه.
وكذلك قوله:
_________________
(١) المتنبي: ابو الطيب الجعفي الكوفي الشاعر، له من بدائع الشعر وحكمه أشياء عجيبة مشتملة على آداب وغيرها. ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة ونشأ بالشام والبادية، اتصل بسيف الدولة ثم سار الى عضد الدولة بفارس بعد اتصاله بكافور أمير مصر وعاد الى بغداد فقتل بالقرب من النعمانية في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
(٢) المعري: أبو العلاء اللغوي الشاعر المشهور، كان متضلعا في فنون الادب، وله من النظم (لزوم ما لا يلزم) وذكر ان له كتابا في الادب اسمه (أيك الغصون) في مئة مجلد، وكان يرى رأي الحكماء في الامتناع عن أكل اللحوم. توفي ليلة الجمعة ثالث شهر ربيع الاول سنة تسع وأربعين واربعمائة بالمعرة.
(٣) أي انه شبه ممدوحه وزوجته بموسى ﵇ وزوجته وهي بنت نبى جهلا منه برفيع شأنهم وبديع مكانهم.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
لَوْلَا انْقِطَاعُ الْوَحْيِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ قُلْنَا مُحَمَّدُ عَنْ أَبِيهِ بَدِيلُ
هُوَ مِثْلُهُ فِي الْفَضْلِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ بِرِسَالَةٍ جِبْرِيلُ
فَصَدْرُ الْبَيْتِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْفَصْلِ شَدِيدٌ لِتَشْبِيهِهِ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضْلِهِ بِالنَّبِيِّ، وَالْعَجْزُ مُحْتَمِلٌ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ نَقَصَتِ الْمَمْدُوحَ
وَالْآخَرُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْهَا، وهو أَشَدُّ.
وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ «١»:
وَإِذَا مَا رُفِعَتْ رَايَاتُهُ صَفَّقَتْ بَيْنَ جَنَاحَيْ جَبْرِينْ
وَقَوْلُ الْآخَرِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ «٢»
فَرَّ مِنَ الْخُلْدِ وَاسْتَجَارَ بِنَا فَصَبَّرَ اللَّهُ قَلْبَ رَضْوَانِ
وَكَقَوْلِ حَسَّانَ «٣» الْمِصِيصِيِّ مِنْ شُعَرَاءِ الْأَنْدَلُسِ فِي مُحَمَّدِ
_________________
(١) قال الحلبي: لا أعرفه. وقال الخفاجي: هو الاديب زيد بن عبد الرحمن بن معانا الاسيوفي المغربي من شعراء الذخيرة. وهو من شعراء المغرب الشهيرين، وهذا البيت من قصيدة له في مدح ابن حموده أولها: البرق لايح من أنذرين ذرفت عيناك بالدمع المعين
(٢) أي من عصر المصنف.. وقال الحلبي: لا أعرفه.
(٣) حسان المصيصي: نسبة لمصيصة بلدة بالاندلس، وقال أبو بسام في الذخيرة: هو الوزير الكاتب ابو الوليد حسان ابن المصيصي رفيق الوزير ابن عمار من عظماء الدولة العبادية. وله اشعار بديعة. اكثر قصائده في مديح المعتمد، وله تصانيف جليلة ومعان رائعة كقوله: اذا المرء لم يزهد وقد صبغت له بعصفر الدنيا فليس بزاهد
[ ٢ / ٥٢٣ ]
بْنِ «١» عَبَّادٍ الْمَعْرُوفِ بِالْمُعْتَمِدِ وَوَزِيرِهِ أَبِي بَكْرِ «٢» بْنِ زَيْدُونٍ:
كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَبُو بَكْرِ الرّضى وَحَسَّانَ حَسَّانٌ وَأَنْتَ مُحَمَّدُ
إِلَى أَمْثَالِ هَذَا.
وَإِنَّمَا أَكْثَرْنَا بِشَاهِدِهَا مَعَ اسْتِثْقَالِنَا حِكَايَتَهَا لِتَعْرِيفِ أَمْثِلَتِهَا، وَلِتَسَاهُلِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي وُلُوجِ هَذَا الْبَابِ الضَّنْكِ «٣»، وَاسْتِخْفَافِهِمْ فَادِحَ هَذَا الْعِبْءِ وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ مَا فِيهِ مِنَ الْوِزْرِ، وَكَلَامِهِمْ مِنْهُ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ. «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ» «٤» لا سيما الشُّعَرَاءُ.. وَأَشَدُّهُمْ فِيهِ تَصْرِيحًا وَلِلِسَانِهِ تَسْرِيحًا ابْنُ هانىء «٥» الْأَنْدَلُسِيُّ، وَابْنُ «٦» سُلَيْمَانَ الْمَعَرِّيُّ.. بَلْ قَدْ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمَا إِلَى حَدِّ الِاسْتِخْفَافِ وَالنَّقْصِ وَصَرِيحِ الْكُفْرِ.
وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ.. وَغَرَضُنَا الْآنَ الكلام في هذا الفصل الذي
_________________
(١) محمد بن عباد: تولى الخلافة بعد ان كان قاضيا، وهو القاسم بن محمد بن ذي الوزارتين الوليد بن اسماعيل، وكان أصلهم من حمص.
(٢) أبو بكر بن زيدون: هو ذو الوزارتين والشاعر البليغ، وكان مع ابن عمار فرسي رهان.
(٣) الضنك: الضيق.
(٤) سورة النور آية ١٦.
(٥) ابن هانيء: الاندلسي ابو القاسم محمد بن هانيء الاندلسي الاشبيلي ولد باشبيلية ونشأ فيها واشتغل بعلوم الادب والعربية ففاق فيها أهل عصره الا أنه كان يميل الى مذهب الفلاسفة. ارتحل الى مصر ثم عاد منها فلما نزل برقة وجد ميتا ولا يعرف من قتله وكان ذلك يوم الاربعاء لسبع بقين من رجب سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة.
(٦) ابن سليمان: أبو العلاء المعري. وقد تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٢٢» رقم «٢»
[ ٢ / ٥٢٤ ]
سُقْنَا أَمْثِلَتَهُ.. فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ سَبًّا وَلَا أَضَافَتْ إِلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ نَقْصًا..- وَلَسْتُ أَعْنِي عَجُزَيْ بَيْتَيِ الْمَعَرِّيِّ «١» - وَلَا قَصَدَ قَائِلُهَا إِزْرَاءً وَغَضًّا، فَمَا وَقَّرَ النُّبُوَّةَ ولا عظّم الرسالة، ولا عزّر حُرْمَةَ الِاصْطِفَاءِ، وَلَا عَزَّزَ حُظْوَةَ الْكَرَامَةِ، حَتَّى شَبَّهَ مَنْ شَبَّهَ فِي كَرَامَةٍ نَالَهَا أَوْ معرّة قصد الانتفاء مِنْهَا، أَوْ ضَرْبِ مَثَلٍ لِتَطْيِيبِ مَجْلِسِهِ، أَوْ إِغْلَاءٍ فِي وَصْفٍ لِتَحْسِينِ كَلَامِهِ بِمَنْ عَظَّمَ اللَّهُ خَطَرَهُ وَشَرَّفَ قَدْرَهُ، وَأَلْزَمَ تَوْقِيرَهُ وَبِرَّهُ، وَنَهَى عَنْ جَهْرِ الْقَوْلِ لَهُ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ عنده، فحقّ هذا إن درىء عَنْهُ الْقَتْلُ الْأَدَبُ، وَالسِّجْنُ وَقُوَّةُ تَعْزِيرِهِ بِحَسَبِ شُنْعَةِ مَقَالِهِ، وَمُقْتَضَى قُبْحِ مَا نَطَقَ بِهِ، وَمَأْلُوفِ عَادَتِهِ لِمِثْلِهِ، أَوْ نُدُورِهِ، وَقَرِينَةِ كَلَامِهِ أَوْ نَدَمِهِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُ.
- وَلَمْ يَزَلِ الْمُتَقَدِّمُونَ يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذَا مِمَّنْ جَاءَ بِهِ وَقَدْ أَنْكَرَ الرَّشِيدُ «٢» عَلَى أَبِي نُوَاسٍ «٣» قَوْلَهُ:
فَإِنُ يَكُ بَاقِي سِحْرِ فِرْعَوْنَ فِيكُمُ فإن عصا موسى بكفّ خصيب
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٢٢» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٢» رقم «٣» .
(٣) أبو نواس: كان والده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان، ولد بالبصرة ونشأ بها ثم خرج الى الكوفة ثم صار الى بغداد، توفي سنة خمس وتسعين ومائة ببغداد.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وقال له: يا ابن اللخناء «١» .. أنت المستهزىء بِعَصَا مُوسَى!! ..
وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ عَسْكَرِهِ مِنْ ليلته وذكر القتيبي «٢»:
أَنَّ مِمَّا أُخِذَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَكُفِّرَ فِيهِ أَوْ قَارَبَ.. قَوْلُهُ فِي مُحَمَّدٍ «٣» الْأَمِينِ، وَتَشْبِيهِهِ إِيَّاهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قَالَ:
تَنَازَعَ الْأَحْمَدَانِ الشَّبَهَ فَاشْتَبَهَا خَلْقًا وَخُلُقًا كما قدّ «٤» الشراكان «٥»
كما أَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلَهُ:
كَيْفَ لَا يُدْنِيكَ مِنْ أَمَلٍ مَنْ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ نَفَرِهِ
لأن حقّ رسول الله وموجب تعظيمه وإنافة مَنْزِلَتِهِ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ وَلَا يُضَافُ.
- فَالْحُكْمُ فِي أَمْثَالِ هَذَا مَا بَسَطْنَاهُ فِي طَرِيقِ الْفُتْيَا عَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ جَاءَتْ فُتْيَا إِمَامِ مَذْهَبِنَا مَالِكِ «٦» بْنِ أَنَسٍ ﵀ وَأَصْحَابِهِ.
فَفِي النَّوَادِرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ «٧» أَبِي مَرْيَمَ فِي رَجُلٍ عَيَّرَ رَجُلًا بِالْفَقْرِ فَقَالَ: «تُعَيِّرُونِي بِالْفَقْرِ وَقَدْ رَعَى النَّبِيُّ ﷺ الغنم» !
_________________
(١) اللخناء: المنتنة، واللحن النتن.
(٢) القتيبي: قال الحلبي: وقد تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٠» رقم «٤»
(٣) محمد الامين: بن هارون الرشيد بن المهدي بويع بالخلافة سنة ثلاث وتسعين ومائة صبيحة وفاة الرشيد وقتل سنة ثمان وتسعين ومائة وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر.
(٤) قد: قطع
(٥) الشراكان: الشراك سير النعل.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٧) ابن أبي مريم: الجمحي البصري أبو محمد الحافظ يروي عن الليث وطائفة، وعنه ابن معين وأبو حاتم وجماعة، ثقة أخرج له الائمة السته.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
فَقَالَ مَالِكٌ «١»: «قَدْ عَرَّضَ بِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
أَرَى أن يؤدب» وقال: (وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الذُّنُوبِ إِذَا عُوتِبُوا أَنْ يقولوا: أَخْطَأَتِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَنَا) .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ «٢» عَبْدِ الْعَزِيزِ لِرَجُلٍ: «انْظُرْ لَنَا كَاتِبًا يَكُونُ أَبُوهُ عربيا» . فقال كاتب له: «كَانَ أَبُو النَّبِيِّ كَافِرًا» . فَقَالَ: «جَعَلْتَ هَذَا مَثَلًا! فَعَزَلَهُ» وَقَالَ: «لَا تَكْتُبْ لِي أَبَدًا»
وَقَدْ كَرِهَ سُحْنُونٌ «٣» أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ التَّعَجُّبِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الثَّوَابِ وَالِاحْتِسَابِ تَوْقِيرًا لَهُ وَتَعْظِيمًا كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ.
وَسُئِلَ الْقَابِسِيُّ «٤» عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِيحٍ: كَأَنَّهُ وَجْهُ نَكِيرٍ «٥» وَلِرَجُلٍ عَبُوسٍ: كَأَنَّهُ وَجْهُ مَالِكٍ «٦» الْغَضْبَانِ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ بِهَذَا؟ ..- وَنَكِيرٌ أَحَدُ فَتَّانَيِ الْقَبْرِ، وَهُمَا مَلَكَانِ- فَمَا الَّذِي أَرَادَ؟ .. أَرَوْعٌ دَخَلَ عَلَيْهِ حِينَ رَآهُ مِنْ وَجْهِهِ أَمْ عَافَ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٢٧٤) رقم «٢» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٦» رقم «٢» .
(٥) نكير: اسم لاحد ملائكه القبر والاخر اسمه منكر.
(٦) مالك: وهو خازن النار (ونادوا يا مالك لبقض علينا ربك.)
[ ٢ / ٥٢٧ ]
النَّظَرَ إِلَيْهِ لِدَمَامَةِ خَلْقِهِ؟. فَإِنْ كَانَ هَذَا فهو شديد. لأنه جرى مجرى التحقير والتهوبن، فهو أشد عقوبة.
وليس فيه تَصْرِيحٌ بِالسَّبِّ لِلْمَلَكِ، وَإِنَّمَا السَّبُّ وَاقِعٌ عَلَى الْمُخَاطَبِ وَفِي الْأَدَبِ بِالسَّوْطِ وَالسِّجْنِ نَكَالٌ «١» لِلسُّفَهَاءِ قَالَ: وَأَمَّا ذَاكِرُ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ فَقَدْ جفا الذي ذكره عند ما أَنْكَرَ «٢» حَالَهُ مِنْ عُبُوسِ الْآخَرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَبَّسُ لَهُ يَدٌ فَيَرْهَبُ بِعُبْسَتِهِ فَيُشَبِّهُهُ الْقَائِلُ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ لِهَذَا فِي فِعْلِهِ، وَلُزُومِهِ فِي ظُلْمِهِ صِفَةَ مَالِكٍ الْمَلَكِ الْمُطِيعِ لِرَبِّهِ فِي فِعْلِهِ فَيَقُولُ: كَأَنَّهُ لِلَّهِ يَغْضَبُ غَضَبَ مَالِكٍ فَيَكُونُ أَخَفَّ.
وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ التَّعَرُّضُ لِمِثْلِ هَذَا، وَلَوْ كَانَ أَثْنَى عَلَى الْعَبُوسِ بِعُبْسَتِهِ وَاحْتَجَّ بِصِفَةِ مَالِكٍ كَانَ أَشَدَّ وَيُعَاقَبُ الْمُعَاقَبَةَ الشَّدِيدَةَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا ذَمٌّ لِلْمَلَكِ، وَلَوْ قَصَدَ ذَمَّهُ لَقُتِلَ.
وَقَالَ أَبُو «٣» الْحَسَنِ أَيْضًا فِي شَابٍّ مَعْرُوفٍ بِالْخَيْرِ قال لرجل شيئا فقال له الرَّجُلُ: اسْكُتْ فَإِنَّكَ أُمِّيٌّ.. فَقَالَ الشَّابُّ أَلَيْسَ
_________________
(١) نكال: عبرة.
(٢) وفي نسخة (رأى) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٦» رقم «٢» .
[ ٢ / ٥٢٨ ]
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أُمِّيًّا! فَشُنِّعَ عَلَيْهِ مَقَالُهُ وَكَفَّرَهُ النَّاسُ، وَأَشْفَقَ الشَّابُّ مِمَّا قَالَ. وَأَظْهَرَ النَّدَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو الحسن: أما إطلاق الكفر عليه فخطأ لكنه مخطىء فِي اسْتِشْهَادِهِ بِصِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَوْنُ النَّبِيِّ أُمِّيًّا آيَةٌ لَهُ، وَكَوْنُ هَذَا أُمِّيًّا نَقِيصَةٌ فِيهِ وَجَهَالَةٌ، وَمِنْ جَهَالَتِهِ احْتِجَاجُهُ بِصِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنَّهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ وَتَابَ وَاعْتَرَفَ وَلَجَأَ إِلَى اللَّهِ فَيُتْرَكُ.. لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ الْقَتْلِ.
وَمَا طَرِيقُهُ الْأَدَبُ فَطَوْعُ فَاعِلِهِ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ يُوجِبُ الْكَفَّ عَنْهُ.
وَنَزَلَتْ أَيْضًا مَسْأَلَةٌ اسْتَفْتَى فِيهَا بَعْضُ قُضَاةِ الْأَنْدَلُسِ شَيْخَنَا الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدِ «١» بْنَ مَنْصُورٍ ﵀ فِي رَجُلٍ تَنَقَّصَهُ آخَرُ بِشَيْءٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا تُرِيدُ نَقْصِي بِقَوْلِكَ، وَأَنَا بَشَرٌ وَجَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمُ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيَّ ﷺ فَأَفْتَاهُ بِإِطَالَةِ سِجْنِهِ وَإِيجَاعِ أَدَبِهِ، إِذْ لَمْ يَقْصِدِ السَّبَّ. وَكَانَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الأندلس أفتى بقتله.
_________________
(١) هو شيخ القضاة في عصره اشتهر عنه البراعة في القضاء والدقة في العلم والزهد في الدنيا.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
الفصل الثامن حكم النّاقل والحاكي لِهَذَا الْكَلَامِ عَنْ غَيْرِهِ
الْوَجْهُ السَّادِسُ:
أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ ذَلِكَ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ، وَآثِرًا «١» لَهُ عَنْ سِوَاهُ فَهَذَا يُنْظَرُ فِي صُورَةِ حِكَايَتِهِ، وَقَرِينَةِ مَقَالَتِهِ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالتَّحْرِيمِ.
- فَإِنْ كَانَ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ وَالتَّعْرِيفِ بِقَائِلِهِ وَالْإِنْكَارِ وَالْإِعْلَامِ بِقَوْلِهِ وَالتَّنْفِيرِ مِنْهُ وَالتَّجْرِيحِ لَهُ فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي امْتِثَالُهُ وَيُحْمَدُ فَاعِلُهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْ حَكَاهُ فِي كِتَابٍ أَوْ في مجلس على طريق الردله والنقض
_________________
(١) آثرا: ناقلا.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
على قائله. والفتيا بِمَا يَلْزَمُهُ.. وَهَذَا مِنْهُ مَا يَجِبُ وَمِنْهُ مَا يُسْتَحَبُّ بِحَسَبِ حَالَاتِ الْحَاكِي لِذَلِكَ وَالْمَحْكِيِّ عَنْهُ.
فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ مِمَّنْ تَصَدَّى لِأَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ الْعِلْمُ أَوْ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ، أَوْ يُقْطَعَ بِحُكْمِهِ أَوْ شَهَادَتِهِ أَوْ فُتْيَاهُ فِي الْحُقُوقِ، وَجَبَ عَلَى سَامِعِهِ الْإِشَادَةُ بِمَا سَمِعَ مِنْهُ، وَالتَّنْفِيرُ لِلنَّاسِ عَنْهُ، وَالشَّهَادَةُ- عَلَيْهِ بِمَا قَالَهُ، وَوَجَبَ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِنْكَارُهُ، وَبَيَانُ كُفْرِهِ، وَفَسَادِ قَوْلِهِ لِقَطْعِ ضَرَرِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيَامًا بِحَقِّ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعِظُ الْعَامَّةَ، أَوْ يُؤَدِّبُ الصِّبْيَانَ فَإِنَّ مَنْ هَذِهِ سَرِيرَتُهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى إِلْقَاءِ ذَلِكَ- فِي قُلُوبِهِمْ.. فَيَتَأَكَّدُ فِي هَؤُلَاءِ الْإِيجَابُ لِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِحَقِّ شَرِيعَتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَائِلَ بِهَذِهِ السَّبِيلِ، فَالْقِيَامُ بِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبٌ وَحِمَايَةُ عرضه متعين، ونصرته على الْأَذَى حَيًّا وَمَيِّتًا مُسْتَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ لَكِنَّهُ إِذَا قَامَ بِهَذَا مَنْ ظَهَرَ بِهِ الْحَقُّ، وَفُصِلَتْ بِهِ الْقَضِيَّةُ، وَبَانَ بِهِ الْأَمْرُ. سَقَطَ عَنِ الْبَاقِي الْفَرْضُ وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ فِي تَكْثِيرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَعَضْدِ التَّحْذِيرِ مِنْهُ.. وَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى بَيَانِ حَالِ الْمُتَّهَمِ فِي الحديث «١» فكيف بمثل هذا.
_________________
(١) حتى رؤي يحيى بن معين على جلالة قدره طائفا بالبيت المكرم يقول: «فلان كذاب فلان وضاع في روايته» .
[ ٢ / ٥٣١ ]
وَقَدْ سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدِ «١» بْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنِ الشَّاهِدِ يَسْمَعُ مِثْلَ هَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَيَسَعُهُ أَلَّا يُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ قَالَ: «إِنْ رَجَا نَفَاذَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ فَلْيَشْهَدْ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَلِمَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَرَى الْقَتْلَ بِمَا شَهِدَ بِهِ وَيَرَى الِاسْتِتَابَةَ وَالْأَدَبَ فَلْيَشْهَدْ وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ» .
- وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ لِحِكَايَةِ قَوْلِهِ لِغَيْرِ هَذَيْنِ الْمَقْصِدَيْنِ فَلَا أَرَى لَهَا مَدْخَلًا فِي هَذَا الْبَابِ، فَلَيْسَ التَّفَكُّهُ بِعِرْضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّمَضْمُضُ بِسُوءِ ذِكْرِهِ لِأَحَدٍ، لَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا «٢» لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ بِمُبَاحٍ، وَأَمَّا لِلْأَغْرَاضِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَمُتَرَدَّدٌ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى مَقَالَاتِ الْمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ وَعَلَى رُسُلِهِ فِي كِتَابِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لِقَوْلِهِمْ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ كُفْرِهِمْ، وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ، وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِمَا تَلَاهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ.
وَكَذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ الصَّحِيحَةِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَأَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى عَلَى حِكَايَاتِ مَقَالَاتِ الْكَفَرَةِ وَالْمُلْحِدِينَ فِي كُتُبِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ لِيُبَيِّنُوهَا لِلنَّاسِ وَيَنْقُضُوا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٩» رقم «٥» .
(٢) آثرا: حاكيا وناقلا.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
شُبَهَهَا عَلَيْهِمْ.. وَإِنْ كَانَ وَرَدَ لِأَحْمَدَ بْنِ «١» حَنْبَلٍ إِنْكَارٌ لِبَعْضِ هَذَا عَلَى الْحَارِثِ «٢» بْنِ أَسَدٍ. فَقَدْ صَنَعَ أَحْمَدُ «١» مِثْلَهُ فِي رَدِّهِ على الجهمية «٣» والقائلين بالمخلوق «٤»
وهذه الْوُجُوهُ السَّائِغَةُ الْحِكَايَةُ عَنْهَا.
- فَأَمَّا ذِكْرُهَا عَلَى غَيْرِ هَذَا مِنْ حِكَايَةِ سَبِّهِ وَالْإِزْرَاءِ بِمَنْصِبِهِ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَاتِ وَالْأَسْمَارِ «٥» وَالطُّرَفِ وَأَحَادِيثِ النَّاسِ وَمَقَالَاتِهِمْ فِي الْغَثِّ وَالسَّمِينِ وَمَضَاحِكِ الْمُجَّانِ «٦» وَنَوَادِرِ السُّخَفَاءِ، وَالْخَوْضِ فِي قِيلَ وَقَالَ وَمَا لَا يَعْنِي فَكُلُّ هَذَا مَمْنُوعٌ، وَبَعْضُهُ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ وَالْعُقُوبَةِ مِنْ بَعْضٍ.
فَمَا كَانَ مِنْ قَائِلِهِ الْحَاكِي لَهُ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ معرفة بمقدار ما
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٩٢» رقم «١» . وذلك بما حكاه في كتاب الرعاية
(٣) الجهمية: طائفة من أصحاب جهم بن صفوان من المبتدعة بل من الكفرة المخترعة، وأصله من سمرقند، ومن مذهبه القول: بان الجنة والنار يفتيان، وان الايمان هو المعرفة فقط دون الاقرار وسائر الطاعات، وأنه لا فعل لاحد غير الله. وان العباد فيما ينسب اليهم من الافعال كالشجرة تحركها الرياح باختلاف الاحوال. والانسان مجبر في كل أفعاله لا ارادة له ولا اختيار.
(٤) المخلوق: اما هو القرآن والقائلين بذلك المعتزلة، أو بالعمل المخلوق للانسان وهو قول المعتزلة والقدرية او بالمخلوق القديم وهو قول الفلاسفة والدهرية.
(٥) الاسمار: جمع سمر وهو حديث الليل وأصله في ظل القمر.
(٦) المجان: جمع ماجن وهو من لا يبالي بكلامه في اللهو والسخرية.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
حَكَاهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مِنَ الْبَشَاعَةِ حَيْثُ هُوَ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى حَاكِيهِ اسْتِحْسَانُهُ وَاسْتِصْوَابُهُ، زُجِرَ عَنْ ذَلِكَ وَنُهِيَ عَنِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ. وَإِنْ قُوِّمَ بِبَعْضِ الْأَدَبِ فَهُوَ مُسْتَوْجِبٌ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مِنَ الْبَشَاعَةِ حَيْثُ هُوَ.. كَانَ الْأَدَبُ أَشَدَّ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مَالِكًا «١» عَمَّنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ.. فَقَالَ مَالِكٌ: كَافِرٌ فَاقْتُلُوهُ.. فَقَالَ: إِنَّمَا حَكَيْتُهُ عَنْ غَيْرِي.. فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا سَمِعْنَاهُ مِنْكَ «٢» .
وَهَذَا مِنْ مَالِكٍ ﵀ عَلَى طَرِيقِ الزَّجْرِ «٣» وَالتَّغْلِيظِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُنَفِّذْ قَتْلَهُ، وَإِنِ اتُّهِمَ هَذَا الْحَاكِي فِيمَا حَكَاهُ أَنَّهُ اخْتَلَقَهُ وَنَسَبَهُ إِلَى غَيْرِهِ، أَوْ كَانَتْ تِلْكَ عَادَةً لَهُ، أَوْ ظَهَرَ اسْتِحْسَانُهُ لِذَلِكَ، أَوْ كَانَ مُولَعًا بِمِثْلِهِ وَالِاسْتِخْفَافِ لَهُ، أَوِ التَّحَفُّظِ لِمِثْلِهِ وَطَلَبِهِ وَرِوَايَةِ أَشْعَارِ هَجْوِهِ ﷺ وَسَبِّهِ، فَحُكْمُ هَذَا حُكْمُ السَّابِّ نَفْسِهِ.. يُؤَاخَذُ بِقَوْلِهِ وَلَا تَنْفَعُهُ نِسْبَتُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَيُبَادَرُ بِقَتْلِهِ وَيُعَجِّلُ إِلَى الهاوية أمه.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «» رقم «» .
(٢) وهذا الامر من مالك بقتل السائل بمجرد اتهامه انه القائل بمخلوقيته بدون اثبات اعتقاد مخلوقيته عجب. مع انه ممن يقول: لا نكفر احدا من أهل القبلة- قاله الدلجي-
(٣) قال الدلجي: وهذا أيضا عجيب بل أعجب لان القتل زجرا من السؤال لم يقل به أحد.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبِيدٍ «١» الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِيمَنْ حَفِظَ شَطْرَ بَيْتٍ مِمَّا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ كُفْرٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي الْإِجْمَاعِ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِ رِوَايَةِ مَا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَكِتَابَتِهِ وَقِرَاءَتِهِ وَتَرْكِهِ مَتَى وُجِدَ دُونَ مَحْوٍ، وَرَحِمَ اللَّهُ أَسْلَافَنَا الْمُتَّقِينَ الْمُتَحَرِّزِينَ لِدِينِهِمْ، فَقَدْ أَسْقَطُوا مِنْ أَحَادِيثِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ مَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ، وَتَرَكُوا رِوَايَتَهُ إِلَّا أَشْيَاءَ ذَكَرُوهَا يَسِيرَةً وَغَيْرَ مُسْتَبْشَعَةٍ عَلَى نَحْوِ الْوُجُوهِ الْأُوَلِ لِيُرُوا نِقْمَةَ اللَّهِ مِنْ قَائِلِهَا وَأَخْذَهُ الْمُفْتَرِيَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ.
وَهَذَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ «١» بْنُ سَلَّامٍ ﵀ قَدْ تَحَرَّى فِيمَا اضْطُرَّ إِلَى الِاسْتِشْهَادِ بِهِ مِنْ أَهَاجِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ فِي كُتُبِهِ، فَكَنَّى عَنِ اسْمِ الْمَهْجُوِّ بِوَزْنِ اسْمِهِ اسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ، وَتَحَفُّظًا مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي ذَمِّ أحد بروايته أَوْ نَشْرِهِ. فَكَيْفَ بِمَا يَتَطَرَّقُ إِلَى عِرْضِ سيد البشر ﷺ!
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٠٧» رقم «٣» .
[ ٢ / ٥٣٥ ]
الفصل التاسع ذكر الْحَالَاتِ الَّتِي تَجُوزُ عَلَيْهِ ﷺ على طريق التّعليم
الْوَجْهُ السَّابِعُ:
أَنْ يَذْكُرَ مَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهِ عَلَيْهِ، وَمَا يَطْرَأُ مِنَ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ بِهِ وَيُمْكِنُ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ أَوْ يَذْكُرَ مَا امْتُحِنَ بِهِ وَصَبَرَ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَلَى شِدَّتِهِ مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْدَائِهِ وَأَذَاهُمْ لَهُ وَمَعْرِفَةِ ابْتِدَاءِ حَالِهِ وَسِيرَتِهِ، وَمَا لَقِيَهُ مِنْ بؤس زمنه ومر عليه من معاناة عيشته.. كُلُّ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الرِّوَايَةِ، وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، وَمَعْرِفَةِ مَا صَحَّتْ مِنْهُ الْعِصْمَةُ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ.
فَهَذَا فَنٌّ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْفُنُونِ السِّتَّةِ.. إِذْ لَيْسَ فِيهِ غَمْصٌ «١»، وَلَا نَقْصٌ، وَلَا إِزْرَاءٌ، وَلَا اسْتِخْفَافٌ لَا فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ. وَلَا فِي مَقْصِدِ اللَّافِظِ.. لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ أَهْلِ العلم
_________________
(١) غمص: عيب.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وَفُهَمَاءِ طَلَبَةِ الدِّينِ مِمَّنْ يَفْهَمُ مَقَاصِدَهُ، وَيُحَقِّقُونَ فَوَائِدَهُ، وَيُجَنِّبُ ذَلِكَ مَنْ عَسَاهُ لَا يَفْقَهُ أَوْ يُخْشَى بِهِ فِتْنَتُهُ.
- فَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السّلف تعليم النساء سورة يُوسُفَ لِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقَصَصِ لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِنَّ وَنَقْصِ عُقُولِهِنَّ وَإِدْرَاكِهِنَّ.
فَقَدْ قَالَ ﷺ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ باستئجاره «١» لِرِعَايَةِ الْغَنَمِ فِي ابْتِدَاءِ حَالِهِ وَقَالَ «٢»: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ»
وَأَخْبَرْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْ مُوسَى ﵇، وَهَذَا لَا غَضَاضَةَ فِيهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لِمَنْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِهِ.
- بِخِلَافِ مَنْ قَصَدَ بِهِ الْغَضَاضَةَ وَالتَّحْقِيرَ، بَلْ كَانَتْ عَادَةُ جَمِيعِ الْعَرَبِ.
نَعَمْ فِي ذَلِكَ لِلْأَنْبِيَاءِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَتَدْرِيجٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَهُمْ إِلَى كَرَامَتِهِ، وَتَدْرِيبٌ بِرِعَايَتِهَا لِسِيَاسَةِ أُمَمِهِمْ مِنْ خَلِيقَتِهِ بِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ فِي الْأَزَلِ وَمُتَقَدِّمِ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ يُتْمَهُ، وَعَيْلَتَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمِنَّةِ عَلَيْهِ وَالتَّعْرِيفِ بِكَرَامَتِهِ لَهُ.
فَذِكْرُ الذَّاكِرِ لَهَا عَلَى وَجْهِ تَعْرِيفِ حَالِهِ، وَالْخَبَرِ عَنْ مبتدئه
_________________
(١) أي بايجاره نفسه لقريش في صغره.
(٢) كما رواه الشيخان عن جابر، والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وَالتَّعَجُّبِ مِنْ مِنَحِ اللَّهِ قِبَلَهُ. وَعَظِيمِ مِنَّتِهِ عِنْدَهُ لَيْسَ فِيهِ غَضَاضَةٌ، بَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِحَّةِ دَعْوَتِهِ، إِذْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا عَلَى صَنَادِيدِ الْعَرَبِ وَمَنْ نَاوَأَهُ «١» مِنْ أَشْرَافِهِمْ شَيْئًا فَشَيْئًا وَنَمَى أَمْرُهُ حَتَّى قَهَرَهُمْ، وَتَمَكَّنَ مِنْ مِلْكِ مَقَالِيدِهِمْ، وَاسْتِبَاحَةِ مَمَالِكِ كَثِيرٍ مِنَ الْأُمَمِ غَيْرِهِمْ بِإِظْهَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَتَأْيِيدِهِ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَإِمْدَادِهِ بِالْمَلَائِكَةِ الْمُسَوِّمِينَ «٢» .
وَلَوْ كَانَ ابْنَ مَلِكٍ أَوْ ذَا أَشْيَاعٍ مُتَقَدِّمِينَ لِحَسِبَ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ ظُهُورِهِ، وَمُقْتَضَى عُلُوِّهِ.
وَلِهَذَا قَالَ هِرَقْلُ «٣» حِينَ سَأَلَ أَبَا سُفْيَانَ «٤» عَنْهُ: «هَلْ فِي آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ»؟! ثُمَّ قَالَ: «وَلَوْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ لقلنا: رجل يطلب ملك أبيه»، وإذا «اليتيم» مِنْ صِفَتِهِ وَإِحْدَى عَلَامَاتِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ. وَكَذَا وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي كتاب
_________________
(١) ناواه: مفاعله من النوء وهو النهوض فأصله الهمز وابدل أي عاداه.
(٢) مسومين: بكسر الواو أي معلمين بسيما خاصة.
(٣) هرقل: عظيم الروم وكان في حمص من بلاد الشام عند ما كانت تحت الروم. وقيل كان بابليا.
(٤) أبو سفيان: ويكنى بأبي حنظلة، واسمه صخر بن حرب بن أمية. ولد قبل الفيل بعشر سنين وأسلم ليلة الفتح وشهد الطائف وحنينا، وفقئت احدى عينيه يوم اليرموك وتوفي بالمدينة سنة احدى او اربع وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة وصلّى عليه عثمان ﵄.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
أَرْمِيَاءَ «١»، وَبِهَذَا وَصَفَهُ ابْنُ «٢» ذِي يَزَنٍ لِعَبْدِ «٣» الْمُطَّلِبِ..
وَبَحِيرَا «٤» لِأَبِي «٥» طَالِبٍ.
وَكَذَلِكَ إِذَا وُصِفَ بأنه أمي كما وصفه الله فَهِيَ مِدْحَةٌ لَهُ وَفَضِيلَةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ، وَقَاعِدَةُ معجزته.. إذ معجزته العظمى من الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِطَرِيقِ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ مَعَ مَا مُنِحَ ﷺ وَفُضِّلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَوُجُودُ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَكْتُبْ وَلَمْ يُدَارِسْ وَلَا لُقِّنَ.. مُقْتَضَى الْعَجَبِ وَمُنْتَهَى الْعِبَرِ، وَمُعْجِزَةُ الْبَشَرِ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَقِيصَةٌ، إِذِ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةِ الْمَعْرِفَةُ، وَإِنَّمَا هِيَ آلَةٌ لَهَا، وَوَاسِطَةٌ مُوَصِّلَةٌ إِلَيْهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ فِي نَفْسِهَا،.. فَإِذَا حَصَلَتِ الثَّمَرَةُ وَالْمَطْلُوبُ اسْتُغْنِيَ عَنِ الْوَاسِطَةِ وَالسَّبَبِ.
وَالْأُمِّيَّةُ فِي غَيْرِهِ نَقِيصَةٌ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْجَهَالَةِ، وَعُنْوَانُ الْغَبَاوَةِ.
فَسُبْحَانَ مَنْ بَايَنَ «٦» أَمْرَهُ مِنْ أَمْرِ غَيْرِهِ، وَجَعَلَ شَرَفَهُ فِيمَا فيه
_________________
(١) ارميا: هو ابن حلقيا وهو من انبياء بني اسرائيل.
(٢) ابن ذي يزن: واسمه سيف وهو ملك اليمن استولت الحبشة على بلاده فاستعان بالروم في اخراجهم.
(٣) عبد المطلب: جد النبي ﷺ.
(٤) بحيرا: هو الراهب الذي أبصر النبي ﷺ في بلاد الشام عند بصرى، وقد عد من الصحابه عند بعض الاعلام.
(٥) أبو طالب: عم النبي ﷺ. وقد آزره ونصره على قومه وتحمل معه الايذاء عند ما عزل المسلمون في الشعب وقوطعوا.
(٦) باين: غاير.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
محطة سواه، وحياته فِيمَا فِيهِ هَلَاكُ مَنْ عَدَاهُ.. هَذَا شَقُّ قَلْبِهِ، وَإِخْرَاجُ حُشْوَتِهِ «١» كَانَ تَمَامَ حَيَاتِهِ، وَغَايَةَ قُوَّةِ نَفْسِهِ، وَثَبَاتَ رَوْعِهِ، وَهُوَ فِيمَنْ سِوَاهُ مُنْتَهَى هَلَاكِهِ، وَحَتْمُ مَوْتِهِ وَفَنَائِهِ، وَهَلُمَّ جَرَّا إِلَى سَائِرِ مَا رُوِيَ مِنْ أَخْبَارِهِ وَسِيَرِهِ، وَتَقَلُّلِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ وَالْمَرْكَبِ.. وَتَوَاضُعِهِ وَمِهْنَتِهِ نَفْسَهُ فِي أُمُورِهِ وَخِدْمَةِ بَيْتِهِ زُهْدًا وَرَغْبَةً عَنِ الدُّنْيَا، وَتَسْوِيَةً بَيْنَ حَقِيرِهَا وَخَطِيرِهَا لِسُرْعَةِ فَنَاءِ أُمُورِهَا، وَتَقَلُّبِ أَحْوَالِهَا.. كُلُّ هَذَا مِنْ فَضَائِلِهِ وَمَآثِرِهِ وَشَرَفِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.. فَمَنْ أَوْرَدَ شَيْئًا مِنْهَا مَوْرِدَهُ، وَقَصَدَ بِهَا مَقْصِدَهُ كَانَ حَسَنًا، وَمَنْ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ بِذَلِكَ سُوءُ قَصْدِهِ، لَحِقَ بِالْفُصُولِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا،..
وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ أَخْبَارِهِ وَأَخْبَارِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فِي الْأَحَادِيثِ مِمَّا فِي ظَاهِرِهِ إِشْكَالٌ يَقْتَضِي أُمُورًا لَا تَلِيقُ بِهِمْ بِحَالٍ وَتَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَتَرَدُّدِ احْتِمَالٍ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يَتَحَدَّثَ مِنْهَا إِلَّا بِالصَّحِيحِ وَلَا يُرْوَى مِنْهَا إِلَّا الْمَعْلُومُ الثَّابِتُ.. وَرَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا «٢» فَلَقَدْ كَرِهَ التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة
_________________
(١) حشوته: ما حشي به صدره، والمراد هنا العلقة السوداء كما فى البخاري وهي حظ الشيطان.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
[ ٢ / ٥٤٠ ]
للتشبيه «١» والمشكلة المعنى «٢» وقال: ما يدعو الناس إِلَى التَّحَدُّثِ بِمِثْلِ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ «٣» عَجْلَانَ يُحَدِّثُ بِهَا.. فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ من الفقهاء، وليست النَّاسَ وَافَقُوهُ عَلَى تَرْكِ الْحَدِيثِ بِهَا وَسَاعَدُوهُ عَلَى طَيِّهَا فَأَكْثَرُهَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.. بَلْ عَنْهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ أَوْرَدَهَا عَلَى قَوْمٍ عَرَبٍ يَفْهَمُونَ كَلَامَ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهِهِ. وَتَصَرُّفَاتِهِمْ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، واستعارته وبليغه وإيجازه
_________________
(١) المحتاجة الى التأويل المقتضية للتنزيه.
(٢) المبنية على استعارة في المبنى كحديث البخاري وغيره «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخير فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فاغفر له..» فان نزوله ﷾ كناية عن تنزلات رحمته وموجبات اجابة دعوته وأسباب مغفرته. أو يقال: انه ﷾ له نزول يليق بشأنه مع اعتقاد التنزيه له عن انتقال وتغير ووجود مكان وزمان في ذته. وكذا الحكم في الايات المتشابهات وسائر الاحاديث المشكلات فللسلف والخلف مذهبان.. فالمتقدمون على التسليم والتوكيل. ومنهم أبو حنيفة ومالك وأحمد ابن حنبل. والمتأخرون على التاويل. والكل قائلون بالتنزيه ومانعون عن التشبيه.. وبالغ الامام مالك حتى منع السؤال عن ذلك كما صرح بقوله: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة» .
(٣) ابن عجلان: كان شيخ مالك، ومن أعلام التابعين بالمدينة وروى عن أبيه وأنس بن مالك وغيرهما.. وعنه شعبه ويحيى بن سعيد القطان ونحوهما.. وثقة احمد وابن معين. وقال غيرهما. سيء الحفظ روى انه حملت به أمه ثلاثة أعوام فشق بطنها لما ماتت فاخرج وقد نبتت أسنانه.
[ ٢ / ٥٤١ ]
فَلَمْ تَكُنْ فِي حَقِّهِمْ مُشْكِلَةً.. ثُمَّ جَاءَ مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْعُجْمَةُ وَدَاخَلَتْهُ الْأُمِّيَّةُ، فَلَا يَكَادُ يَفْهَمُ مِنْ مَقَاصِدِ الْعَرَبِ إِلَّا نَصَّهَا وصريحها. ولا يتحقق إشارتها إِلَى غَرَضِ الْإِيجَازِ وَوَحْيِهَا وَتَبْلِيغِهَا وَتَلْوِيحِهَا..
فَتَفَرَّقُوا في تأويلها أو حملها عَلَى ظَاهِرِهَا شَذَرَ «١» مَذَرَ.. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ.
فَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَوَاجِبٌ أَلَّا يُذْكَرَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَلَا فِي حَقِّ أَنْبِيَائِهِ، وَلَا يُتَحَدَّثُ بِهَا، وَلَا يُتَكَلَّفُ الْكَلَامُ عَلَى مَعَانِيهَا، وَالصَّوَابُ طَرْحُهَا، وَتَرْكُ الشُّغْلِ بِهَا، إِلَّا أَنْ تُذْكَرَ عَلَى وَجْهِ التَّعْرِيفِ بِأَنَّهَا ضَعِيفَةُ الْمَقَادِ، وَاهِيَةُ الْإِسْنَادِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْأَشْيَاخُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ «٢» فُورَكٍ تَكَلُّفَهُ فِي مُشْكِلِهِ الْكَلَامَ عَلَى أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ مَوْضُوعَةٍ «٣» لَا أَصْلَ لَهَا، أَوْ مَنْقُولَةٍ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُلَبِّسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ.. كَانَ يَكْفِيهِ طرحها ويغنيه عن الكلام عليها التنبيه على ضعفها.. إذ المقصود
_________________
(١) شذر مذر: اسمان جعلا اسما واحدا فبنيا على الفتح كخمسة عشر. ومحلهما النصب على الحال أي تفرقوا متشتتين.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٩» رقم «٤» .
(٣) كان الاولى به أن يقول: أو موضوعة.. لان الضعيف خلاف الموضوع يعمل به في فضائل الاعمال.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
بِالْكَلَامِ عَلَى مُشْكِلِ مَا فِيهَا إِزَالَةُ اللَّبْسِ بها، وَاجْتِثَاثُهَا «١» مِنْ أَصْلِهَا وَطَرْحُهَا أَكْشَفُ لِلَّبْسِ وَأَشْفَى للنفس.
_________________
(١) اجتثاثها: اقتلاعها.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ الْأَدَبُ اللَّازِمُ عِنْدَ ذِكْرِ أَخْبَارِهِ ﷺ
وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَالذَّاكِرُ مِنْ حَالَاتِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفَصْلِ قَبْلَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمُذَاكَرَةِ وَالتَّعْلِيمِ أَنْ يَلْتَزِمَ فِي كَلَامِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ وَذِكْرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الْوَاجِبِ مِنْ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَيُرَاقِبُ حَالَ لِسَانِهِ وَلَا يُهْمِلُهُ وَتَظْهَرُ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الْأَدَبِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فَإِذَا ذَكَرَ مَا قَاسَاهُ مِنَ الشَّدَائِدِ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْإِشْفَاقُ وَالِارْتِمَاضُ «١» وَالْغَيْظُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَمَوَدَّةُ الْفِدَاءِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَالنُّصْرَةُ لَهُ لَوْ أَمْكَنَتْهُ.. وَإِذَا أَخَذَ فِي أَبْوَابِ الْعِصْمَةِ، وَتَكَلَّمَ عَلَى مَجَارِي أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ﷺ تَحَرَّى أَحْسَنَ اللَّفْظِ، وَأَدَبَ الْعِبَارَةِ مَا أَمْكَنَهُ.. وَاجْتَنَبَ بَشِيعَ ذَلِكَ..
وَهَجَرَ مِنَ الْعِبَارَةِ مَا يَقْبُحُ، كَلَفْظَةِ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ والمعصية..
_________________
(١) الارتماض: القلق والشدة. وأصله من الاحتراق ومنه الرمضاء.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
فَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الْأَقْوَالِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ عليه الخلف في القول، والإحبار بِخِلَافِ مَا وَقَعَ سَهْوًا أَوْ غَلَطًا؟ .. وَنَحْوَهُ مِنَ الْعِبَارَةِ.. وَيَتَجَنَّبُ لَفْظَةَ الْكَذِبِ جُمْلَةً وَاحِدَةً.. وَإِذَا تَكَلَّمَ عَلَى الْعِلْمِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ ألا يعلم إلا ما علّم؟ وهل يمكن ألا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يُوحَى إِلَيْهِ..؟ وَلَا يَقُولَ: بِجْهَلٍ لِقُبْحِ اللَّفْظِ وَبَشَاعَتِهِ.. وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الْأَفْعَالِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ مِنْهُ الْمُخَالِفَةُ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَمُوَاقَعَةُ الصَّغَائِرِ؟ .. فَهُوَ أَوْلَى وَآدَبُ مِنْ قَوْلِهِ:
هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْصِيَ، أَوْ يُذْنِبَ، أَوْ يَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي.
فَهَذَا مِنْ حَقِّ تَوْقِيرِهِ ﷺ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ تَعْزِيزٍ وَإِعْظَامٍ وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنْ هَذَا فَقُبِّحَ مِنْهُ، وَلَمْ أَسْتَصْوِبْ عِبَارَتَهُ فِيهِ، وَوَجَدْتُ بَعْضَ الْجَائِرِينَ قَوَّلَهُ- لِأَجْلِ تَرْكِ تَحَفُّظِهِ فِي الْعِبَارَةِ- مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَشَنَّعَ عَلَيْهِ بِمَا يَأْبَاهُ وَيَكْفُرُ قَائِلُهُ.
وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا بَيْنَ النَّاسِ مُسْتَعْمَلًا فِي آدَابِهِمْ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِمْ وَخِطَابِهِمْ. فَاسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّهِ ﷺ أَوْجَبُ.. وَالْتِزَامُهُ آكَدُ..
فَجَوْدَةُ الْعِبَارَةِ تُقَبِّحُ الشيء أو تحسّنه.. وتحريرها وتهذيبها يعظّم الأمر أو يهوّنه.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
وَلِهَذَا قَالَ ﷺ «١»: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا «٢»» فَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى جِهَةِ النَّفْيِ عَنْهُ وَالتَّنْزِيهِ. فَلَا حَرَجَ فِي تَسْرِيحِ «٣» الْعِبَارَةِ، وَتَصْرِيحِهَا فِيهِ كَقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ جُمْلَةً.. وَلَا إِتْيَانُ الْكَبَائِرِ بِوَجْهٍ وَلَا الْجَوْرُ فِي الْحُكْمِ عَلَى حَالٍ.. وَلَكِنْ مع هذا يجب ظهور توقيره وتعظيمه، وتعزيزه عِنْدَ ذِكْرِهِ مُجَرَّدًا فَكَيْفَ عِنْدَ ذِكْرِ مِثْلِ هَذَا
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ حَالَاتٌ شَدِيدَةٌ عِنْدَ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي القسم الثاني.
وكان بَعْضُهُمْ يَلْتَزِمُ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ تِلَاوَةِ آيٍ مِنَ الْقُرْآنِ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مَقَالَ عِدَاهُ، وَمَنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ وَافْتَرَى عَلَيْهِ الْكَذِبَ.
فَكَانَ يَخْفِضُ بِهَا صَوْتَهُ إِعْظَامًا لِرَبِّهِ وَإِجْلَالًا لَهُ، وَإِشْفَاقًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِمَنْ كَفَرَ «٤» بِهِ.
***
_________________
(١) رواه مالك، وأحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، عن ابن عمر.
(٢) والحديث يحتمل معنيين الذم أو المدح. وقد أورده الامام مالك تحت باب ما يكره من الكلام، ولعله اختار المعنى الاول والله أعلم.
(٣) تسريح: ارسال.
(٤) فعن ابراهيم النخعي انه كان اذا قرأ قوله تعالى «وقالت اليهود يد الله مغلولة» يخفض بها صوته أي بمقولهم وأمثال ذلك من كفرياتهم.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ سَابِّهِ وَشَانِئِهِ وَمُتَنَقِّصِهِ ومؤذيه وعقوبته وذكر استتابته ووراثته
وفيه خمسة فصول
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الفصل الأوّل الأقوال والاراء في حكم مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أو تنقصه
قَدْ قَدَّمْنَا مَا هُوَ سَبٌّ وَأَذًى فِي حَقِّهِ ﷺ، وَذَكَرْنَا إِجْمَاعَ العلماء على قتل فاعل ذلك وقائله وتخيير الْإِمَامِ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَرَّرْنَا الْحُجَجَ عَلَيْهِ.
وَبَعْدُ فَاعْلَمْ:
أَنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مَالِكٍ «١» وَأَصْحَابِهِ وَقَوْلِ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ «٢» قَتْلُهُ حَدًّا لَا كُفْرًا إِنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْهُ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ عِنْدَهُمْ تَوْبَتُهُ، وَلَا تَنْفَعُهُ اسْتِقَالَتُهُ وَلَا فَيْأَتُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ وَمُسِرِّ الْكُفْرِ فِي هَذَا الْقَوْلِ «٣» .
وَسَوَاءٌ كَانَتْ تَوْبَتُهُ عَلَى هَذَا بعد القدرة عليه والشهادة على قوله.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) أي المالكية.. لان الجمهور على خلاف رأي مالك المشهور.
(٣) المشهور من مذهب مالك. وقال غيره تقبل توبته ولا يقتل.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.. لِأَنَّهُ حد وجب لَا تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ
قَالَ الشَّيْخُ الْقَابِسِيُّ «١» ﵀ إِذَا أَقَرَّ بِالسَّبِّ وَتَابَ مِنْهُ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ قُتِلَ بِالسَّبِّ لِأَنَّهُ هُوَ حَدُّهُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ «٢» بْنُ أَبِي زَيْدٍ مِثْلِهِ وَأَمَّا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَتَوْبَتُهُ تَنْفَعُهُ «٣»
وَقَالَ ابْنُ «٤» سُحْنُونٍ: «مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ ثُمَّ تَابَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ تُزِلْ تَوْبَتُهُ عَنْهُ الْقَتْلَ. وَكَذَلِكَ قَدِ اخْتُلِفَ «٥» فِي الزِّنْدِيقِ إِذَا جَاءَ تَائِبًا» .
فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ «٦» بْنُ الْقَصَّارِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ:
قَالَ ١- مِنْ شُيُوخِنَا مَنْ قَالَ: اقْتُلْهُ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى سَتْرِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا اعْتَرَفَ خِفْنَا أَنَّهُ خَشِيَ الظُّهُورَ عَلَيْهِ فَبَادَرَ لِذَلِكَ.
٢- وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، لِأَنِّي أَسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّتِهَا بمجيئه
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٦» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٩» رقم «٥» .
(٣) اجماعا
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٥) اي اختلف المالكية.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤١» رقم «١» .
[ ٢ / ٥٤٩ ]
فَكَأَنَّنَا وَقَفْنَا عَلَى بَاطِنِهِ بِخِلَافِ مَنْ أَسَرَّتْهُ الْبَيِّنَةُ..
قَالَ الْقَاضِي أَبُو «١» الْفَضْلِ: وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ «٢» وَمَسْأَلَةُ سَابِّ النَّبِيِّ ﷺ أَقْوَى لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا الْخِلَافُ عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ.
لِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولأمته بسببه لَا تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالزِّنْدِيقُ «٣» إِذَا تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَعِنْدَ مَالِكٍ «٤» والليث «٥» واسحق «٦» وَأَحْمَدَ «٧» لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ «٨» تُقْبَلُ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ «٩» وَأَبِي يُوسُفَ «١٠» وحكى ابن
_________________
(١) ابو الفضل: المصنف
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(٣) الزنديق: هو الثنوي، أو القائل ببقاء الدهر او المسر للكفر وهذا المعروف عند الفقهاء. وأصل كلمة الزندنق (زندافستا) وهو اسم كتاب دين المجوس اهل فارس
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤٠» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٠٢» رقم «٥» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٤» رقم «٨» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٩» رقم «٦» .
(١٠) أبو يوسف: أحد اتباع الامام أبي حنيفة. يعقوب بن ابراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حتبه، وقد روى عن عطاه بن السائب وهشام بن عروة وغيرهما، وكان من أهل الكوفة. وروى عنه محمد بن الحسن الشيباني وبشر بن الوليد الكندي، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وابن معين، ولد سنة ثلاث عشرة ومائه وتوفي يوم الخميس سنة اثنين وثمانين ومائة ببغداد.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
الْمُنْذِرِ «١» عَنْ عَلِيِّ بْنِ «٢» أَبِي طَالِبٍ ﵁ يُسْتَتَابُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ «٣» سُحْنُونٍ: «وَلَمْ يَزُلِ الْقَتْلُ عَنِ الْمُسْلِمِ بِالتَّوْبَةِ مِنْ سَبِّهِ ﷺ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ شَيْئًا حَدُّهُ عِنْدَنَا الْقَتْلُ لَا عَفْوَ فِيهِ لِأَحَدٍ كَالزِّنْدِيقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ ظَاهِرٍ إِلَى ظَاهِرٍ.»
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ «٤» بْنُ نَصْرٍ مُحْتَجًّا لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ تَوْبَتِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَشْهُورِ القول باستتابة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَرٌ، وَالْبَشَرُ جِنْسٌ تَلْحَقُهُ الْمَعَرَّةُ إِلَّا مَنْ أَكْرَمَهُ الله بنبوته
والباري تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ الْمَعَايِبِ قَطْعًا وَلَيْسَ مِنْ جِنْسٍ تَلْحَقُ الْمَعَرَّةُ بِجِنْسِهِ، وَلَيْسَ سَبُّهُ ﷺ كَالِارْتِدَادِ الْمَقْبُولِ فِيهِ التَّوْبَةُ لِأَنَّ الِارْتِدَادَ مَعْنًى يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُرْتَدُّ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.. وَمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَلَّقَ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَكَانَ كَالْمُرْتَدِّ يُقْتَلُ حِينَ ارْتِدَادِهِ أَوْ يُقْذَفُ.. فَإِنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْقَتْلِ وَالْقَذْفِ وَأَيْضًا فَإِنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ إِذَا قُبِلَتْ لَا تُسْقِطُ ذنوبه
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٣» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤١) رقم (١) .
[ ٢ / ٥٥١ ]
من زنى وَسَرِقَةٍ وَغَيْرهَا.. وَلَمْ يُقْتَلْ سَابُّ النَّبِيِّ ﷺ لِكُفْرِهِ، لَكِنْ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ وَزَوَالِ الْمَعَرَّةِ بِهِ وَذَلِكَ لَا تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ.
قَالَ الْقَاضِي «١» أَبُو الْفَضْلِ: - يُرِيدُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لِأَنَّ سَبَّهُ لَمْ يَكُنْ بِكَلِمَةٍ تَقْتَضِي الْكُفْرَ، وَلَكِنْ بِمَعْنَى الْإِزْرَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ، أَوْ لِأَنَّ بِتَوْبَتِهِ وَإِظْهَارِ إِنَابَتِهِ ارْتَفَعَ عَنْهُ اسْمُ الْكُفْرِ ظَاهِرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ، وَبَقِيَ حُكْمُ السَّبِّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو «٢» عِمْرَانَ الْقَابِسِيُّ: مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ، لِأَنَّ السَّبَّ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي لَا تَسْقُطُ عَنِ الْمُرْتَدِّ.
وَكَلَامُ شُيُوخِنَا هَؤُلَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِقَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ.
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ «٣» مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ «٤» وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ بِهِ مِنْ أَهْلِ العلم فقد صرخوا بأنه ردة قالوا:
_________________
(١) ابو الفضل: المصنف
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٨٨) رقم (١) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٤٧٥) رقم (٧) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وَيُسْتَتَابُ مِنْهَا فَإِنْ تَابَ نُكِّلَ، وَإِنْ أَبَى قُتِلَ.. فَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ مُطْلَقًا فِي هَذَا الْوَجْهِ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ. وَنَحْنُ نَبْسُطُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: مَنْ لَمْ يَرَهُ رِدَّةً فَهُوَ يُوجِبُ الْقَتْلَ فِيهِ حَدًّا، وَإِنَّمَا نَقُولُ ذَلِكَ مَعَ فَصْلَيْنِ: إِمَّا مَعَ إِنْكَارِهِ مَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، أَوْ إظهاره الاقلاع والتوبة عند فَنَقْتُلُهُ حَدًّا لِثَبَاتِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَتَحْقِيرِهِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ.. وَأَجْرَيْنَا حُكْمَهُ فِي مِيرَاثِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ، إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ أَوْ تَابَ.
فَإِنْ قِيلَ: فكيف ثثبتون عَلَيْهِ الْكُفْرَ وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَلَا تَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ مِنَ الِاسْتِتَابَةِ وَتَوَابِعِهَا.؟!
قُلْنَا: نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل، فَلَا نَقْطَعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِإِقْرَارِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، وَإِنْكَارِهِ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ زَعَمَهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ وَهَلًا «١» وَمَعْصِيَةً، وَأَنَّهُ مُقْلِعٌ عَنْ ذَلِكَ نَادِمٌ عَلَيْهِ.. وَلَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ بَعْضِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ عَلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ خَصَائِصُهُ، كَقَتْلِ تَارِكِ الصلاة «٢» .. وأما من علم
_________________
(١) وهلا: خطأ وذهولا.
(٢) كسلا وتهاونا وهذا عند الشافعي، أما تاركها جحدا لها فكافر بالاجماع.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
أنه سبه معتقدا لاستحلاله.. فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ بِذَلِكَ.. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ سَبَّهُ فِي نَفْسِهِ كَفَرَ كَتَكْذِيبِهِ، أَوْ تَكْفِيرِهِ وَنَحْوِهُ، فَهَذَا مِمَّا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَيُقْتَلُ- وَإِنْ تَابَ مِنْهُ- لِأَنَّا لَا نَقْبَلُ تَوْبَتَهُ وَنَقْتُلُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ حَدًّا لِقَوْلِهِ وَمُتَقَدِّمِ كُفْرِهِ. وَأَمْرُهُ بَعْدُ إِلَى اللَّهِ الْمُطَّلِعِ عَلَى صِحَّةِ إِقْلَاعِهِ الْعَالِمِ بِسِرِّهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُظْهِرِ التَّوْبَةَ وَاعْتَرَفَ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَصَمَّمَ عَلَيْهِ فَهَذَا كَافِرٌ بِقَوْلِهِ وَبِاسْتِحْلَالِهِ هَتْكَ حُرْمَةِ اللَّهِ، وَحُرْمَةِ نَبِيِّهِ ﷺ يُقْتَلُ كَافِرًا بِلَا خِلَافٍ.
فَعَلَى هَذِهِ التَّفْصِيلَاتِ خُذْ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ، وَنَزِّلْ مُخْتَلَفَ عِبَارَاتِهِمْ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهَا، وَأَجْرِ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْمُوَارَثَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا تَتَّضِحُ لَكَ مَقَاصِدُهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي حُكْمُ الْمُرْتَدِّ إِذَا تَابَ
إِذَا قلنا بالاستتابة حيث تصح فالاختلاف عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ.. إِذْ لَا فرق بينهما وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وُجُوبِهَا وَصُورَتِهَا وَمُدَّتِهَا.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ. وَحَكَى ابْنُ «١» الْقَصَّارِ: أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى تَصْوِيبِ قَوْلِ عُمَرَ «٢» فِي الِاسْتِتَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ «٣»، وَعَلِيٍّ «٤»، وَابْنِ مَسْعُودٍ «٥» . وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ «٦» أبي رياح، والنخعي «٧»،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤١» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٦٩» رقم «٩» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٤» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٦١» رقم «١١» .
[ ٢ / ٥٥٥ ]
والثوري «١»، ومالك «٢» وأصحابه، والأوزاعي «٣»، والشافعي «٤» وأحمد «٥»، وإسحق «٦»، وأصحاب الرأي «٧» .
وذهب طاووس «٨»، وَعُبَيْدُ «٩» بْنُ «١٠» عُمَيْرٍ، وَالْحَسَنُ «١١»، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ.
وَقَالَهُ: عَبْدُ الْعَزِيزِ «١٢» بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَذَكَرَهُ عَنْ مُعَاذٍ «١٣» وَأَنْكَرَهُ سحنون «١٤» عن معاذ «١٥» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٦» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١١١» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٤» رقم «٨» .
(٧) أصحاب الرأي: قال النووي: المراد بأصحاب الرأي في عرف أهل خراسان من الشافعية ابو حنيفة وأصحابه وهي عبارة غير لائقة ان قصدوا بها انهم يتبعون آراءهم ولا يتقيدون بنصوص الاحاديث. فان أريد بها شدة ذكائهم في استنباط الاحكام كما قال المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٤٨» رقم «٥» .
(٩) وزيد في نسخة (ومحمد بن الحسن) وهو من أصحاب أبي حنيفة.
(١٠) عبيد بن عمير: ابو قتادة الليثي يروي عن ابن عمر وعائشة، وعنه ابنه وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وآخرون وثقة ابو زرعة وجماعة، توفي سنة أربع وسبعين وأخرج له الستة.
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(١٢) عبد العزيز بن أبى سلمة: الماجشون كان اماما معظما توفي سنة أربع وستين ومائة، أخرج له الائمة الستة روى عن الزهري وابن المنكدر ولم يدرك نافعا وليس بالمكثر
(١٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٧٩» رقم «٣» .
(١٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم (٣) .
(١٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤٢) رقم (٤) .
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ «١» عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ «٢» قَالُوا: وَتَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ، ولكن لا تدرأ الْقَتْلَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «٣»: «من بدل دينه فاقتلوه» .
وحكي عن عطاء: أنه إِنْ كَانَ مِمَّنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُسْتَتَبْ وَيُسْتَتَابُ الْإِسْلَامِيُّ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ وَالْمُرْتَدَّةَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ «٤» ﵁ لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ. وتسترقّ. قاله عَطَاءٌ «٥» وَقَتَادَةُ «٦» .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ «٧» عَبَّاسٍ: لَا تُقْتَلُ النِّسَاءُ فِي الرِّدَّةِ «٨» وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ «٩» قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالذَّكُرُ وَالْأُنْثَى في ذلك سواء وأما مدتها
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤٢) رقم (٤) .
(٢) أهل الظاهر أ؟؟؟ مذهب داود وابن حزم.
(٣) رواه الشيخان عن ابن عباس.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤»
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٠» رقم «٤» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٨) لما روى في الحديث عن النهي من قتل النساء.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٩» رقم «٦» .
[ ٢ / ٥٥٧ ]
فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ «١» أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُحْبَسُ فِيهَا وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ «٢» وَقَوْلِ أَحْمَدَ «٣»، وَإِسْحَاقَ «٤» وَاسْتَحْسَنَهُ مَالِكٌ «٥» وَقَالَ: لَا يَأْتِي الِاسْتِظْهَارُ «٦» إِلَّا بِخَيْرٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ «٧» بْنُ أَبِي زَيْدٍ: يريد من الِاسْتِينَاءِ «٨» ثَلَاثًا
وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا: الَّذِي آخُذُ بِهِ فِي الْمُرْتَدِّ قَوْلُ عُمَرَ: يُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ «٩» بْنُ الْقَصَّارِ: فِي تَأْخِيرِهِ ثَلَاثًا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ.. هَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ.
وَاسْتَحْسَنَ الِاسْتِتَابَةَ وَالِاسْتِينَاءَ ثَلَاثًا أَصْحَابُ الرَّأْيِ «١٠» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ «١١» الصِّدِّيقِ: أَنَّهُ اسْتَتَابَ امْرَأَةً «١٢» فَلَمْ تَتُبْ فَقَتَلَهَا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٢) والقول الاخر انه يستتاب في الحال فان تاب والا قتل.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٤» رقم «٨» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٦) الاستظهار هو الاحتياط بالتأخير والتثبت حتى يظهر الاولى.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٩» رقم «٥» .
(٨) الاستيناء: التأخير
(٩) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤١» رقم «١»
(١٠) أهل القياس
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٦) رقم (٦) .
(١٢) واسمها أم قرفة وهي من بني فزاره.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
وقال الشافعي «١»: مرة «٢» فقال: إن لم يتب مكانه قتل وَاسْتَحْسَنَهُ الْمُزَنِيُّ «٣» وَقَالَ الزُّهْرِيُّ «٤»: يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ «٥» ﵁: يُسْتَتَابُ شَهْرَيْنِ وَقَالَ النَّخَعِيُّ «٦» يُسْتَتَابُ أَبَدًا- وَبِهِ أَخَذَ الثَّوْرِيُّ «٧» - مَا رُجِيَتْ تَوْبَتُهُ.
وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ «٨» عَنْ أَبِي «٩» حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ ثَلَاثِ جُمَعٍ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ جمعة مرة.
وفي كتاب محمد «١٠» عن ابن «١١» الْقَاسِمِ يُدْعَى الْمُرْتَدُّ إِلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.. فإن أبى ضربت عنقه.
واختلف في هَذَا هَلْ يُهَدَّدُ، أَوْ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ أَيَّامَ الاستتابة ليتوب أم لا.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٥) رقم (٨) .
(٢) أي يستتاب مرة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٤) رقم (١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٤) رقم (٤) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٦١) رقم (١١) .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٦) رقم (٣) .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤١» رقم «١» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٩» رقم «٦» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٤٤) رقم «٢» .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٣» رقم «٦»
[ ٢ / ٥٥٩ ]
فَقَالَ مَالِكٌ «١»: «مَا عَلِمْتُ فِي الِاسْتِتَابَةِ تَجْوِيعًا وَلَا تَعْطِيشًا..
وَيُؤْتَى مِنَ الطَّعَامِ بِمَا لَا يَضُرُّهُ» .
وَقَالَ أَصْبَغُ «٢»: «يُخَوَّفُ أَيَّامَ الِاسْتِتَابَةِ بِالْقَتْلِ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ» . وَفِي كِتَابِ أَبِي الْحَسَنِ «٣» الطَّابِثِيِّ: «يُوعَظُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَيُذَكَّرُ بِالْجَنَّةِ ويخوّف بالنار» .
وقال أَصْبَغُ: «وَأَيُّ الْمَوَاضِعِ حُبِسَ فِيهَا مِنَ السُّجُونِ مَعَ النَّاسِ أَوْ وَحْدَهُ إِذَا اسْتُوثِقَ مِنْهُ سَوَاءٌ، وَيُوقَفُ مَالُهُ إِذَا خِيفَ أَنْ يُتْلِفَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُطْعَمُ مِنْهُ وَيُسْقَى. وَكَذَلِكَ يُسْتَتَابُ أبدا كلما رجع وارتد» .
وَقَدِ اسْتَتَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٤» نَبْهَانَ «٥» الَّذِي ارْتَدَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَوْ خمسا.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(٣) ابو الحسن الطابثي: نسبة لطابث وهي قربة قريبة من البصرة وهو من جملة العلماء المشهورين
(٤) وقد رواه البيهقي بسند مرسل وقال: «استتاب رجلا ارتد اربع مرات اسمه نبهان» .
(٥) نبهان: قال الحلبي: في الصحابة نبهان التمار أبو مقبل، ونبهان أبو سعد. ونبهان الانصاري. وجزم التلمساني أنه نبهان التمار روي أنه أتنه امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها ان هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها الى البيت فضمها الى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وانصرف فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل قوله تعالى: «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ
[ ٢ / ٥٦٠ ]
قال ابْنُ «١» وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يُسْتَتَابُ أَبَدًا كُلَّمَا رَجَعَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ «٢»، وَأَحْمَدَ «٣»، وَقَالَهُ ابْنُ القاسم، وقال إسحق «٤»:
«يُقْتَلُ فِي الرَّابِعَةِ» .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: «إِنْ لَمْ يَتُبْ فِي الرَّابِعَةِ قُتِلَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ وَإِنْ تَابَ ضُرِبَ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَيْهِ خُشُوعُ التَّوْبَةِ» .
قَالَ ابْنُ «٥» الْمُنْذِرِ: «وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ عَلَى الْمُرْتَدِّ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَدَبًا إِذَا رَجَعَ» . وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ «٦»، وَالشَّافِعِيِّ «٧»، وَالْكُوفِيِّ «٨» .
هَذَا حُكْمُ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمَا يَجِبُ ثُبُوتُهُ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ عُدُولٍ لَمْ يدفع فيهم.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٣٢) رقم (١) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٥) رقم (٨) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٦٥) رقم (١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٤٧٤) رقم (٨) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤٣) رقم (٣) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٥) رقم (٨) .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٤٩٩) رقم (٦) .
[ ٢ / ٥٦١ ]
الفصل الثالث حكم المرتد إذا اشتبه ارتداده
قال القاضي أبو الفضل: هَذَا حُكْمُ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمَا يَجِبُ ثُبُوتُهُ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ عُدُولٍ لَمْ يُدْفَعْ فِيهِمْ فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمَا شَهِدَ عَلَيْهِ الْوَاحِدُ أَوِ اللَّفِيفُ مِنَ النَّاسِ، أَوْ ثَبَتَ قَوْلُهُ لَكِنِ احْتُمِلَ وَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا وَكَذَلِكَ إِنْ تَابَ..- عَلَى الْقَوْلِ «١» بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ-
فَهَذَا يُدْرَأُ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ اجْتِهَادُ الْإِمَامِ بِقَدْرِ شُهْرَةِ حَالِهِ، وَقُوَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَضَعْفِهَا، وَكَثْرَةِ السَّمَاعِ عَنْهُ، وصورة حاله من التهمة في الدين، والنّبز «٢» بِالسَّفَهِ وَالْمُجُونِ.
فَمَنْ قَوِيَ أَمْرُهُ أَذَاقَهُ مِنْ شديد النكال من التضييق في السجن
_________________
(١) المنقول عن مالك برواية الوليد بن مسلم.
(٢) النبز: من الدعاء والنداء بلقب السوء.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وَالشَّدِّ فِي الْقُيُودِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي هِيَ منتهى طاقته مما لَا يَمْنَعُهُ الْقِيَامُ لِضَرُورَتِهِ، وَلَا يُقْعِدُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ حُكْمُ كُلِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ لَكِنْ وُقِفَ عَنْ قَتْلِهِ لِمَعْنًى أَوْجَبَهُ، وَتُرُبِّصَ بِهِ لِإِشْكَالٍ وَعَائِقٍ اقْتَضَاهُ أَمْرُهُ، وَحَالَاتُ الشِّدَّةِ فِي نَكَالِهِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِهِ
وَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ «١» عَنْ مَالِكٍ «٢» وَالْأَوْزَاعِيِّ «٣» أَنَّهَا رِدَّةٌ.
فَإِذَا تَابَ نُكِّلَ.
وَلِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ «٤» مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ «٥» إِذَا تَابَ الْمُرْتَدُّ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَهُ سُحْنُونٌ «٦» .
وَأَفْتَى أَبُو «٧» عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ- عُدِّلَ أَحَدُهُمَا- بِالْأَدَبِ الْمُوجِعِ وَالتَّنْكِيلِ وَالسَّجْنِ الطَّوِيلِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ «٨» فِي مِثْلِ هَذَا: وَمَنْ كَانَ أَقْصَى أَمْرِهِ الْقَتْلَ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٥» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١١١» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم (٢) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٤) رقم (٢) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٣) .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٤٨٣) رقم (٥) .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٨٨) رقم (١) .
[ ٢ / ٥٦٣ ]
فَعَاقَ عَائِقٌ أَشْكَلَ فِي الْقَتْلِ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يُطْلَقَ مِنَ السِّجْنِ، وَيُسْتَطَالُ سِجْنُهُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مِنَ الْمُدَّةِ مَا عَسَى أَنْ يُقِيمَ، وَيُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَيْدِ مَا يُطِيقُ.
وَقَالَ فِي مِثْلِهِ مِمَّنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ: يُشَدُّ فِي الْقُيُودِ شَدًّا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي السِّجْنِ حَتَّى يُنْظَرَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى مِثْلِهَا: وَلَا تُهْرَاقُ الدِّمَاءُ إِلَّا بالأمر الواضح، في الْأَدَبِ بِالسَّوْطِ وَالسِّجْنِ نَكَالٌ لِلسُّفَهَاءِ وَيُعَاقَبُ عُقُوبَةً شَدِيدَةً.
فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ سِوَى شَاهِدَيْنِ فَأُثْبِتَ مِنْ عَدَاوَتِهِمَا، أَوْ جَرْحَتِهِمَا مَا أَسْقَطَهُمَا عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَأَمْرُهُ أَخَفُّ لِسُقُوطِ الْحُكْمِ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يشهد عليه إلا أن يكون ممن يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ التَّبْرِيزِ «١» فَأَسْقَطَهُمَا بِعَدَاوَةٍ.
فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَنْفُذِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا فَلَا يَدْفَعُ الظَّنُّ صِدْقَهُمَا وَلِلْحَاكِمِ هُنَا فِي تَنْكِيلِهِ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ.
وَاللَّهُ ولي الإرشاد «٢» .
_________________
(١) التبريز: الظهور.
(٢) وروي (الرشاد) وهو الصواب والسداد.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
الفصل الرابع حكم الذمّي في ذلك
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ.
فَأَمَّا الذِّمِّيُّ إِذَا صَرَّحَ بِسَبِّهِ أَوْ عَرَّضَ أَوِ اسْتَخَفَّ بِقَدْرِهِ، أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ.
فَلَا خِلَافَ عِنْدِنَا فِي قَتْلِهِ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ، لِأَنَّا لَمْ نُعْطِهِ الذِّمَّةَ أَوِ الْعَهْدَ عَلَى هَذَا.
وَهُوَ قَوْلُ عامة العلماء إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ «١»، وَالثَّوْرِيَّ «٢»، وَأَتْبَاعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الكوفة فإنهم قالوا: لا يقتل.. لأن مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ وَلَكِنْ يؤدّب ويعذّر.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٤٩٩) رقم (٦) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٦) رقم (٣) .
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ «١» ..» الْآيَةَ.
وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ الْأَشْرَفِ «٢» وَأَشْبَاهِهِ وَلِأَنَّا لَمْ نُعَاهِدْهُمْ، وَلَمْ نُعْطِهِمُ الذِّمَّةَ عَلَى هَذَا.. ولا يجوز أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَهُمْ.
فَإِذَا أَتَوْا مَا لَمْ يُعْطَوْا عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَلَا الذِّمَّةَ، فَقَدْ نقضوا ذمتهم، وصاروا كفارا أهل حرب يُقْتَلُونَ لِكُفْرِهِمْ.. وَأَيْضًا..
فَإِنَّ ذِمَّتَهُمْ لَا تُسْقِطُ حُدُودَ الْإِسْلَامِ عَنْهُمْ مِنَ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةِ أَمْوَالِهِمْ وَالْقَتْلِ لِمَنْ قَتَلُوهُ مِنْهُمْ.. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا عِنْدَهُمْ.
فَكَذَلِكَ سَبُّهُمُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يُقْتَلُونَ بِهِ. وَوَرَدَتْ لِأَصْحَابِنَا ظَوَاهِرُ تَقْتَضِي الْخِلَافَ إِذَا ذَكَرَهُ الذِّمِّيُّ بِالْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ سَتَقِفُ عَلَيْهَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ «٣» الْقَاسِمِ وَابْنِ «٤» سُحْنُونٍ بَعْدُ..
وَحَكَى أَبُو «٥» الْمُصْعَبِ الْخِلَافَ فِيهَا عَنْ أَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ وَاخْتَلَفُوا إذا سبه ثم أسلم.
_________________
(١) الاية: ١٤ سورة التوبة.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٢١) رقم (٧) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٦) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٢٩) رقم (١٠) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٩٩) رقم (٢) .
[ ٢ / ٥٦٦ ]
فَقِيلَ: يُسْقِطُ إِسْلَامُهُ قَتْلَهُ. لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ إِذَا سَبَّهُ ثُمَّ تَابَ.. لِأَنَّا نَعْلَمُ بَاطِنَةَ الْكَافِرِ فِي بُغْضِهِ لَهُ، وَتَنَقُّصِهِ بِقَلْبِهِ، لَكِنَّا مَنَعْنَاهُ مِنْ إِظْهَارِهِ.. فَلَمْ يَزِدْنَا مَا أَظْهَرَهُ إِلَّا مُخَالَفَةً لِلْأَمْرِ، وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ.. فَإِذَا رَجَعَ عَنْ دِينِهِ الْأَوَّلِ إِلَى الْإِسْلَامِ سَقَطَ مَا قَبْلَهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ «١»» وَالْمُسْلِمُ بِخِلَافِهِ.. إِذْ كَانَ ظَنُّنَا بِبَاطِنِهِ حُكْمَ ظَاهِرِهِ وَخِلَافَ مَا بَدَا مِنْهُ الْآنَ فَلَمْ نَقْبَلْ بَعْدُ رُجُوعَهُ وَلَا اسْتَنَمْنَا إِلَى بَاطِنِهِ إِذْ قَدْ بَدَتْ سَرَائِرُهُ وَمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ من الأحكام باقية عليه لم يُسْقِطُهَا شَيْءٌ.
وَقِيلَ: لَا يُسْقِطُ إِسْلَامُ الذِّمِّيِّ السَّابِّ قَتْلَهُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَجَبَ عَلَيْهِ لِانْتِهَاكِهِ حُرْمَتَهُ، وَقَصْدِهِ إِلْحَاقَ النَّقِيصَةَ وَالْمَعَرَّةَ بِهِ.. فَلَمْ يَكُنْ رُجُوعُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالَّذِي يُسْقِطُهُ كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلِ إِسْلَامِهِ مِنْ قَتْلٍ وَقَذْفٍ.
وَإِذَا كُنَّا لَا نَقْبَلُ تَوْبَةَ المسلم فأن لا نقبل توبة الكافر أولى.
_________________
(١) الاية: ٤٠ سورة الانفال.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
قال مَالِكٌ «١» فِي كِتَابِ ابْنِ «٢» حَبِيبٍ وَالْمَبْسُوطِ «٣»، وَابْنِ «٤» القاسم، وابن الماجشون «٥» وابن «٦» عبد الحكم، وأصبغ «٧»:
فِيمَنْ شَتَمَ نَبِيَّنَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ أحدا من الأنبياء ﵈ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
وَقَالَهُ ابْنُ «٨» الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ «٩» . وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ «١٠» وَابْنِ سُحْنُونٍ «١١» . وَقَالَ سُحْنُونٌ وَأَصْبَغُ: لَا يُقَالُ لَهُ «أَسْلِمْ» وَلَا «لَا تُسْلِمْ» وَلَكِنْ إِنْ أَسْلَمَ فَذَلِكَ لَهُ تَوْبَةٌ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنَّهُ قال: «من سبّ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (١) .
(٣) المبسوط: اسم كتاب في الفقه.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٦) .
(٥) ابن الماجشون: عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون التميمي الفقيه صاحب مالك- توفي سنة اثنين أر أربع عشرة ومائتين. وأخرج له الستة، واسمه ميمون أو يعقوب ومعنى الماجشون الابيض المشرب بالحمرة معرب ماه كون معناه لون القمر.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم «٥» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٦» .
(٩) العتبية: كتاب مشهور في فقه مالك.
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم «٢» .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
[ ٢ / ٥٦٨ ]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ
وَرُوِيَ لَنَا عَنْ مَالِكٍ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ «١» وَهْبٍ عَنِ ابْنِ «٢» عُمَرَ أَنَّ رَاهِبًا تَنَاوَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:
«فَهَلَّا قَتَلْتُمُوهُ!» .
وَرَوَى عِيسَى «٣» عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِي ذَمِّيٍّ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْنَا إِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ. وَإِنَّمَا نَبِيُّنَا مُوسَى أَوْ عِيسَى. وَنَحْوُ هَذَا.. لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَرَّهُمْ عَلَى مِثْلِهِ.
وَأَمَّا إِنْ سَبَّهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ.. أَوْ لَمْ يُرْسَلْ.. أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ.. وإنما هو شيء تقوّله أو نحو هذا.. فيقتل.
قال ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا قَالَ النَّصْرَانِيُّ: دِينُنَا خَيْرٌ من دينكم، إنما دِينُكُمْ دِينُ الْحَمِيرِ، وَنَحْوُ هَذَا مِنَ الْقَبِيحِ.. أَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: كَذَلِكَ يُعْطِيكُمُ اللَّهُ.. فَفِي هَذَا.. الْأَدَبُ الْمُوجِعُ، وَالسِّجْنُ الطَّوِيلُ.
قَالَ: وَأَمَّا إن شتم النبي ﷺ شتما يعرف فإنه يقتل إلا أن
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٣٢» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٣) عيسى بن ابراهيم الغافقي الامام الفقيه المحدث توفي سنة احدى وستين ومائتين
[ ٢ / ٥٦٩ ]
يُسْلِمَ قَالَهُ مَالِكٌ «١» غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَمْ يَقُلْ يُسْتَتَابُ قَالَ ابْنُ «٢» الْقَاسِمِ:
وَمَحْمَلُ قَوْلِهِ عِنْدِي.. إِنْ أَسْلَمَ طَائِعًا.
وَقَالَ ابْنُ سُحْنُونٍ «٣» فِي سؤالات سليمان «٤» بن سالم الْيَهُودِيِّ يَقُولُ لِلْمُؤَذِّنِ إِذَا تَشَهَّدَ «كَذَبْتَ» يُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ مَعَ السِّجْنِ الطَّوِيلِ.
وَفِي النَّوَادِرِ «٥» مِنْ رِوَايَةِ سُحْنُونٍ «٦» عَنْهُ «٧» مَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ كَفَرُوا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَتَلْتَهُ فِي سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ دِينِهِ سَبُّهُ وَتَكْذِيبُهُ؟! .. قِيلَ: لِأَنَّا لَمْ نُعْطِهِمُ الْعَهْدَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا عَلَى قَتْلِنَا، وَأَخْذِ أَمْوَالِنَا.. فَإِذَا قَتَلَ وَاحِدًا مِنَّا قَتَلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ دِينِهِ اسْتِحْلَالُهُ فَكَذَلِكَ إِظْهَارُهُ لسب نبينا ﷺ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٦» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٤) سليمان بن سالم اليهودي.
(٥) النوادر: اسم كتاب لابن أبي زيد صاحب الرسالة المالكي.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٧) عنه أي عن مالك.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
قَالَ سُحْنُونٌ: «كَمَا لَوْ بَذَلَ لَنَا أَهْلُ الْحَرْبِ الْجِزْيَةَ عَلَى إِقْرَارِهِمْ عَلَى سَبِّهِ لَمْ يَجُزْ لَنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِ قَائِلٍ.
كَذَلِكَ يَنْتَقِضُ عَهْدُ مَنْ سَبَّ مِنْهُمْ وَيَحِلُّ لَنَا دمه.. وكما لَمْ يُحْصِنِ الْإِسْلَامُ مَنْ سَبَّهُ مِنَ الْقَتْلِ كَذَلِكَ لَا تُحْصِنُهُ الذِّمَّةُ.
قَالَ الْقَاضِي «١» أَبُو الْفَضْلِ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سُحْنُونٍ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَبِيهِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا خَفَّفَ عُقُوبَتَهُمْ فِيهِ مِمَّا بِهِ كَفَرُوا فَتَأَمَّلْهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ «٢» خِلَافَ مَا رُوِيَ عَنِ الْمَدَنِيِّينَ «٣» فِي ذَلِكَ فَحَكَى أَبُو الْمُصْعَبِ «٤» الزُّهْرِيُّ قَالَ: أُتِيتُ بِنَصْرَانِيٍّ قَالَ: وَالَّذِي اصْطَفَى عِيسَى عَلَى مُحَمَّدٍ، فَاخْتُلِفَ عَلَيَّ فِيهِ، فَضَرَبْتُهُ حَتَّى قَتَلْتُهُ، - أَوْ عَاشَ يَوْمًا وَلَيْلَةً-.. وَأَمَرْتُ مَنْ جَرَّ بِرِجْلِهِ، وَطُرِحَ عَلَى مَزْبَلَةٍ، فَأَكَلَتْهُ الْكِلَابُ.
وَسُئِلَ أَبُو الْمُصْعَبِ عَنْ نَصْرَانِيٍّ قَالَ: عِيسَى خلق محمدا..
فقال: يقتل..
_________________
(١) أبو الفضل: المصنف
(٢) أي ما قاله سحنون وابنه.
(٣) أي أصحاب مالك.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٩٩» رقم «٢» .
[ ٢ / ٥٧١ ]
وَقَالَ ابْنُ «١» الْقَاسِمِ: سَأَلْنَا مَالِكًا «٢» عَنْ نَصْرَانِيٍّ بِمِصْرَ شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ.. يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ!. مَا لَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ إِذْ كَانَتِ الْكِلَابُ تَأْكُلُ سَاقَيْهِ! لَوْ قَتَلُوهُ اسْتَرَاحَ مِنْهُ النَّاسُ.
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ.. قَالَ: وَلَقَدْ كِدْتُ أن لا أَتَكَلَّمَ فِيهَا بِشَيْءٍ ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَسَعُنِي الصَّمْتُ.
قَالَ ابْنُ «٣» كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطَةِ: مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُحْرِقَهُ بِالنَّارِ «٤» وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ ثُمَّ حَرَقَ جُثَّتَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ حَيًّا «٥» إِذَا تَهَافَتُوا فِي سَبِّهِ.
وَلَقَدْ كُتِبَ إِلَى مَالِكٍ مِنْ مِصْرَ- وَذَكَرَ «٦» مَسْأَلَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمَةَ- قَالَ: فأمرني مالك فكتبت بأن يقتل وتضرب عنقه
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٣) ابن كنانة: بكسر الكاف من فقهاء المالكية.
(٤) وهذا مما لم يجزه علماء الشرع لما ورد في الحديث إنه لا يعذب (بالنار الا الله أو خالقها) .
(٥) وهذا مذهب مالك وغيره من العلماء يأباه ومذهب الشافعي انه لا يجوز الا فصاصا لحديث: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه. واستدل مالك لما قاله بأن عليا كرم الله وجهه فعله، وبقوله ﵇ في حق من ارتد: ان وجدتموه فاحرقوه. وغيره يقول أنه منسوخ كما نسخت المثلة لقوله تعالى (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم) وهو مذهب أبي حنيفة.
(٦) ذكر ابن كنانة.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
فَكَتَبْتُ.. ثُمَّ قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ «١» اللَّهِ، وَأَكْتُبُ.. ثُمَّ يُحْرَقُ بِالنَّارِ.. فَقَالَ: إِنَّهُ لَحَقِيقٌ بِذَلِكَ، وَمَا أَوَّلَاهُ بِهِ فَكَتَبْتُهُ بِيَدِي بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا أَنْكَرَهُ وَلَا عَابَهُ، وَنَفَذَتِ الصَّحِيفَةُ بِذَلِكَ، فَقُتِلَ وَحُرِقَ.
وَأَفْتَى عُبَيْدُ «٢» اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَابْنُ لُبَابَةَ «٣» فِي جَمَاعَةِ سَلَفِ أَصْحَابِنَا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت «٤» بنفي الربوبية وبنوة «٥» عيسى لله.. وتكذيب مُحَمَّدٍ فِي النُّبُوَّةِ، وَبِقَبُولِ إِسْلَامِهَا، وَدَرْءِ الْقَتْلِ عنها به.
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمُ الْقَابِسِيُّ «٦»، وَابْنُ «٧» الْكَاتِبِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ «٨» بْنُ الْجَلَّابِ فِي كِتَابِهِ «٩» مَنْ سَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ مسلم أو كافر، قتل ولا يستتاب.
_________________
(١) أبو عبد الله: كنية مالك.
(٢) عبيد الله بن يحيى: المكنى بأبي مروان الليثي. فقيه، ثقة، عمدة في مذهب مالك، وهذا هو يحيى بن يحيى الذي روى عنه الموطأ كما سبق وقد تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٨٧) رقم (٤)
(٣) ابن لبابة: محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة القرطبي ولد سنة خمس وعشرين ومائتين ومات سنة أربع عشر وثلاثمائة.
(٤) استهلت: رفعت صوتها.
(٥) وفي نسخة (نبوة) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٨٨» رقم «١» .
(٧) ابن الكاتب: أبو القاسم عبد الرحمن بن علي بن محمد الامام المالكي الجليل، عرف بابن الكاتب.
(٨) أبو القاسم بن الجلاب: إمام جليل اشتهر بكنيته، وهو صاحب القاضي أبي بكر الابهري، وله تاليف جليلة، توفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وهو عبد الله أو عبد الرحمن بن الحسين البصري.
(٩) الذي صنفه في فقه مالك.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ «١» فِي الذِّمِّيِّ يَسُبُّ ثُمَّ يُسْلِمُ رِوَايَتَيْنِ فِي دَرْءِ الْقَتْلِ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ.
وَقَالَ ابْنُ «٢» سُحْنُونٍ: وَحَدُّ الْقَذْفِ وَشِبْهُهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يُسْقِطُهُ عَنِ الذِّمِّيِّ إِسْلَامُهُ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ حُدُودُ اللَّهِ.
فَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَحَقٌّ لِلْعِبَادِ، كَانَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
فَأَوْجَبَ عَلَى الذِّمِّيِّ إِذَا قَذَفَ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ أَسْلَمَ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَكِنِ انْظُرْ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ هَلْ حَدُّ الْقَذْفِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الْقَتْلُ لِزِيَادَةِ حُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى غَيْرِهِ؟ .. أَمْ هَلْ يَسْقُطُ الْقَتْلُ بِإِسْلَامِهِ وَيُحَدُّ ثمانين؟ .. فتأمله.
***
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤١» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
[ ٢ / ٥٧٤ ]
الفصل الخامس فِي مِيرَاثِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَغُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِيرَاثِ مَنْ قُتِلَ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ.
فَذَهَبَ سُحْنُونٌ «١» إِلَى أَنَّهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ شَتْمَ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ يُشْبِهُ كُفْرَ الزِّنْدِيقِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ «٢»: مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَ مُسْتَسِرًّا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُظْهِرًا لَهُ مُسْتَهِلًّا بِهِ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، ويقتل على كل حال ولا يستتاب.
قال أَبُو الْحَسَنِ «٣» الْقَابِسِيُّ: إِنْ قُتِلَ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَالْحُكْمُ فِي مِيرَاثِهِ عَلَى مَا أظهر مِنْ إِقْرَارِهِ- يَعْنِي لِوَرَثَتِهِ- وَالْقَتْلُ حَدٌّ ثَبَتَ عليه ليس من الميراث في شيء.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٨٨» رقم «١» .
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِالسَّبِّ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ لَقُتِلَ إِذْ هُوَ حَدُّهُ. وَحُكْمُهُ فِي مِيرَاثِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِالسَّبِّ وَتَمَادَى عَلَيْهِ وَأَبَى التَّوْبَةَ مِنْهُ فَقُتِلَ عَلَى ذَلِكَ، كَانَ كَافِرًا وَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُكَفَّنُ، وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ، وَيُوَارَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْكُفَّارِ.
وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ- فِي الْمُجَاهِرِ الْمُتَمَادِي- بَيِّنٌ لَا يُمْكِنُ الْخِلَافُ فِيهِ. لِأَنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ غَيْرُ تَائِبٍ وَلَا مُقْلِعٍ. - وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ أَصْبَغَ «١» .
وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ سُحْنُونٍ «٢» فِي الزِّنْدِيقِ يَتَمَادَى عَلَى قَوْلِهِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ «٣» الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَلِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ «٤» فِي كِتَابِ ابْنِ «٥» حَبِيبٍ فِيمَنْ أَعْلَنَ كُفْرَهُ- مِثْلُهُ- قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وحكمه حكم المرتد لا ترثه وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي ارْتَدَّ إِلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ وَصَايَاهُ وَلَا عتقه.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «١» .
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وَقَالَهُ أَصْبَغُ «١»: «قُتِلَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ مَاتَ عليه» . وقال أبو محمد «٢» ابن أَبِي زَيْدٍ: «وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ فِي مِيرَاثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي يَسْتَهِلُّ بِالتَّوْبَةِ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ. فَأَمَّا الْمُتَمَادِي، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُورَثُ» .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ «٢»: «فِيمَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ تُعَدَّلْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ..، أَوْ لَمْ تُقْبَلْ. إِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» .
وَرَوَى أَصْبَغُ «١» عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ «٣» فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ «٤»: «فِيمَنْ كَذَّبَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أو أعلن دِينًا مِمَّا يُفَارِقُ بِهِ الْإِسْلَامَ. أَنَّ مِيرَاثَهُ للمسلمين» .
وقال يقول مَالِكٍ «٥»: إِنَّ مِيرَاثَ الْمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ، رَبِيعَةُ «٦»، وَالشَّافِعِيُّ «٧»، وَأَبُو «٨» ثَوْرٍ، وَابْنُ أَبِي «٩» لَيْلَى.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ «١٠» . وَقَالَ عَلِيُّ بن «١١» أبي طالب رضي
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٥) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٤٧٩) رقم (٥) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٦) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (١) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٦) ربيعة: بن أبي عبد الرحمن بن فروخ، فقيه المدينة ومحدثها الذي روى عنه مالك والليث وغيرهما، وأخرج له الستة ووثقه أحمد وغيره، توفي سنة ست وثلاثين ومائة
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٨) أبو ثور: ابراهيم بن خالد الكلبي البغدادي أحد المجتهدين، الثقة المحدث، روى عنه خلق كثير وأخرج له أصحاب السنن توفي سنة أربعين ومائتين.
(٩) ابن أبي ليلى: القاضي أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الانصاري أحد أعلام الدين في الفقه والحديث وأخرج عنه أربعة من أصحاب السنن ووثقوه. وقال بعضهم: انه سيء الحفظ، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة وله ترجمة في الميزان
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١» .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
[ ٢ / ٥٧٧ ]
اللَّهُ عَنْهُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ «١»، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ «٢»، وَالْحَسَنُ «٣» وَالشَّعْبِيُّ «٤»، وَعُمَرُ بْنُ «٥» عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَكَمُ «٦»، وَالْأَوْزَاعِيُّ «٧» والليث «٨»، وإسحق «٩»، وأبو «١٠» حنيفة: يرثه وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَقِيلَ: «ذَلِكَ فِيمَا كَسَبَهُ قَبْلَ ارْتِدَادِهِ، وَمَا كَسَبَهُ فِي الِارْتِدَادِ فَلِلْمُسْلِمِينَ» .
وَتَفْصِيلُ أَبِي الْحَسَنِ «١١» فِي بَاقِي جَوَابِهِ حَسَنٌ بَيِّنٌ، وَهُوَ عَلَى رَأْيِ أَصْبَغَ «١٢» وَخِلَافُ قَوْلِ سُحْنُونٍ «١٣»، وَاخْتِلَافُهُمَا عَلَى قَوْلَيْ مَالِكٍ «١٤» فِي مِيرَاثِ الزِّنْدِيقِ، فَمَرَّةً وَرَّثَهُ وَرَثَتَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَامَتْ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥٢» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٤) الشعبي: معاوية بن حفص الكوفي- نزيل حلب قال أبو حاتم- صدوق ليس به بأس (وذكره ابن الشيبان الثقات) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٤» رقم «٢» .
(٦) الحكم بن عتيبة الكندي فقيه الكوفه، الامام، العابد، الزاهد، توفي سنة خمس عشر ومائة وأخرج له الستة، ويوافقه في اسمه واسم ابيه دون جده الحكم قاضي الكوفة وليس من رواة الحديث.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١١١» رقم «٦» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٠٢» رقم «٥» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٤» رقم «٩» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٩» رقم «٦» .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٨٨» رقم «١» .
(١٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(١٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(١٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
[ ٢ / ٥٧٨ ]
عليه بَيِّنَةٌ فَأَنْكَرَهَا، أَوِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَمُحَمَّدُ بْنُ «١» مَسْلَمَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لِأَنَّهُ مُظْهِرٌ لِلْإِسْلَامِ بِإِنْكَارِهِ أَوْ تَوْبَتِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَرَوَى ابْنُ «٢» نَافِعٍ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ «٣» أَنَّ مِيرَاثَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ لِدَمِهِ.
وَقَالَ بِهِ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ «٤»، وَالْمُغِيرَةُ «٥» وَعَبْدُ «٦» الْمَلِكِ، وَمُحَمَّدٌ، وسحنون وذهب ابن «٧» قاسم في العتبة إِلَى أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ بِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وَتَابَ فَقُتِلَ فَلَا يُورَثُ، وَإِنْ لَمْ يقرّ حتى مات أو قتل وُرِّثَ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَسَرَّ كُفْرًا فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِوِرَاثَةِ الْإِسْلَامِ وَسُئِلَ أَبُو «٨» الْقَاسِمِ بْنُ الْكَاتِبِ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٨» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢١١» رقم «٥» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤٤) رقم (٢) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٤) رقم (٢) .
(٥) المغيرة: بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش توفي سنة ثمان وثمانين ومائة، وولد سنة أربع وعشرين ومائة.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٥٦٨) رقم (٥) .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٣) .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٥٧٣) رقم (٧) .
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فَيُقْتَلُ هَلْ يَرِثُهُ أَهْلُ دِينِهِ أَمِ الْمُسْلِمُونَ؟ فأجاب: إنه لِلْمُسْلِمِينَ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ «١»، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ مِنْ فيئهم لنقضه العهد.. هذا معنى قوله واختصاره.
_________________
(١) كما ورد في الحديث الصحيح.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تعالى وملائكته وأنبياء وَكُتُبَهُ وَآلَ النَّبِيِّ ﷺ وأزواجه وصحبه
وفيه عشرة فصول
[ ٢ / ٥٨١ ]
الفصل الأوّل حكم سابّ الله تعالى وحكم استتابته
قال القاضي أبو الفضل:
لَا خِلَافَ أَنَّ سَابَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ حَلَّالُ الدَّمِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَتِهِ.
فَقَالَ ابْنُ «١» الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ «٢» سُحْنُونٍ وَمُحَمَّدٍ «٣» وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مالك «٤» في كتاب إسحق «٥» بْنِ يَحْيَى مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ بِارْتِدَادِهِ إِلَى دِينٍ دَانَ بِهِ وَأَظْهَرَهُ فَيُسْتَتَابُ.. وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ لَمْ يستتب.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٣) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٠٩) رقم (١٠) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤٤) رقم (٢) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٥) اسحق بن يحيى سرقسطي من فقهائها ومشاوريها ومدرسيها سمع منه وضاح بن محمد الرعيني وغيره وتوفي سنة احدى وعشرين وأربعمائة. ﵀.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطَةِ مُطَرِّفٌ «١» وَعَبْدُ «٢» الْمَلِكِ مِثْلَهُ.. وقال المخزومي «٣» وَمُحَمَّدُ بْنُ «٤» مَسْلَمَةَ وَابْنُ «٥» أَبِي حَازِمٍ: لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالسَّبِّ حَتَّى يُسْتَتَابَ «٦»، وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يتوبوا فتلوا. وَلَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِتَابَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ كَالرِّدَّةِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي ابْنُ نَصْرٍ «٧» عَنِ الْمَذْهَبِ.
وَأَفْتَى أَبُو مُحَمَّدِ «٨» بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ فِي رَجُلٍ لَعَنَ رَجُلًا وَلَعَنَ اللَّهَ فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَلْعَنَ الشَّيْطَانَ فَزَلَّ لِسَانِي فَقَالَ:
يُقْتَلُ بِظَاهِرِ كُفْرِهِ، وَلَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَعْذُورٌ.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ قُرْطُبَةَ فِي مَسْأَلَةِ هَارُونَ «٩» بْنِ حَبِيبٍ أَخِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْفَقِيهِ وَكَانَ ضَيِّقَ الصَّدْرِ كَثِيرَ التَّبَرُّمِ، وَكَانَ قد شهد عليه
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٩٩) رقم (٦) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (١) .
(٣) (المخزومي): المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي فقيه المدينة بعد مالك ولد سنة أربع وعشرين ومائة وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٨) رقم (٧) .
(٥) ابن أبي حازم: عبد العزيز بن سلمة بن دينار بن أبي حازم. توفي سنة أربع أو خمس أو ست وثمانين ومائة وهو ساجد فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(٦) فان تاب والا قتل، واليه ذهب الشافعي وغيره.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤١) رقم (٦) .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٤٧٩) رقم (٥) .
(٩) هارون بن حبيب: ليس من العلماء بل هو من الامراء وهو أخو عبد الملك ابن حبيب.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
بشهادات منها أنه قال عند استقلاله «١» مِنْ مَرَضٍ: لَقِيتُ فِي مَرَضِي هَذَا مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ «٢» وَعُمَرَ «٣» لَمْ أَسْتَوْجِبْ هَذَا كُلَّهُ.
فَأَفْتَى إِبْرَاهِيمُ «٤» بْنُ حُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ بِقَتْلِهِ، وَأَنَّ مُضَمَّنَ قَوْلِهِ تَجْوِيرٌ «٥» لِلَّهِ تَعَالَى وَتَظَلُّمٌ مِنْهُ، وَالتَّعْرِيضُ فِيهِ كَالتَّصْرِيحِ «٦» .
وَأَفْتَى أَخُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ «٧» بْنُ حَبِيبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ «٨» بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ «٩» سُلَيْمَانَ الْقَاضِي يطرح الْقَتْلِ عَنْهُ إِلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ رَأَى عَلَيْهِ التَّثْقِيلَ فِي الْحَبْسِ وَالشِّدَّةَ فِي الْأَدَبِ لِاحْتِمَالِ كَلَامِهِ وَصَرْفِهِ إِلَى التَّشَكِّي.
فَوَجَّهَ مَنْ قَالَ فِي سَابِّ اللَّهِ بِالِاسْتِتَابَةِ أَنَّهُ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ مَحْضَةٌ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَشْبَهَ قَصْدَ الْكُفْرِ بِغَيْرِ سَبِّ اللَّهِ وَإِظْهَارَ الِانْتِقَالِ إِلَى دِينٍ آخَرَ مِنَ الْأَدْيَانِ الْمُخَالِفَةِ للإسلام.
_________________
(١) استقلاله: هنا معناها افاقته وقيامه.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٦) رقم (٦) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١١٣) رقم (٤) .
(٤) ابراهيم بن حسين بن خالد: من أجلاء فقهاء المالكية بقرطبة توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.
(٥) تجوير: نسبة للجور وهو الظلم.
(٦) عند المالكية فقط وليس الشافعية كذلك.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (١) .
(٨) ابراهيم بن حسين بن عاصم: وهو الفقيه الجليل القرطبي، توفي في رمضان سنة سبع ومائتين.
(٩) سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق بن محزمة كان من جلساء مالك وأصحابه وهو أول قاض استقضاه المهدى بالمدينة وأقره الرشيد صدرا من ولايته مات سعيد وهو عند العباس.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وَوَجْهُ تَرْكِ اسْتِتَابَتِهِ: أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ بَعْدَ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلُ اتَّهَمْنَاهُ وَظَنَنَّا أَنَّ لِسَانَهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إِلَّا وَهُوَ مُعْتَقِدٌ لَهُ.. إِذْ لَا يَتَسَاهَلُ فِي هَذَا أَحَدٌ، فَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الزِّنْدِيقِ، وَلَمْ تُقْبَلْ توبته وإذا انتقل من دين إلى دين آخَرَ وَأَظْهَرَ السَّبَّ بِمَعْنَى الِارْتِدَادِ فَهَذَا قَدْ أَعْلَمَ أَنَّهُ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، بخلاف الأول المستمسك بِهِ وَحُكْمُ هَذَا حُكْمُ الْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ عَلَى مشهور مذاهب أكثر العلماء «١» .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ قبل وذكرنا الخلاف في فصوله.
***
_________________
(١) من الحنفية والشافعية والحنبلية.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي حُكْمُ إِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ به تعالى عن طريق الاجتهاد والخطأ
وَأَمَّا مَنْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ. لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ وَلَا الرِّدَّةِ وَقَصَدَ الْكُفْرَ.. وَلَكِنْ عَلَى طَرِيقِ التَّأْوِيلِ وَالِاجْتِهَادِ وَالْخَطَأِ الْمُفْضِي إِلَى الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ.. مِنْ تَشْبِيهٍ، أَوْ نَعْتٍ بِجَارِحَةٍ، أَوْ نَفْيِ صِفَةِ كَمَالٍ.
فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي تَكْفِيرِ «١» قَائِلِهِ وَمُعْتَقِدِهِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ «٢» وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قِتَالِهِمْ إِذَا تَحَيَّزُوا «٣» فِئَةً.. وَأَنَّهُمْ يُسْتَتَابُونَ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُنْفَرِدِ مِنْهُمْ. فأكثر قول مالك وأصحابه ترك
_________________
(١) فذهب الاشعري الى عدم تكفير أهل الاهواء والمذاهب المردودة. وعلى ذلك أكثر الفقهاء من الحنفية والشافعية ولكن ليس على اطلاقه.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٣) أي فارقوا أهل السنة وانفردوا بمكان مختص بهم لاظهارهم المخالفة وخشية إضلال العامة والخروج اذا قويت شوكتهم.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ «١»، وَتَرْكُ قَتْلِهِمْ وَالْمُبَالَغَةُ فِي عُقُوبَتِهِمْ، وَإِطَالَةُ سِجْنِهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ إِقْلَاعُهُمْ، وَتَسْتَبِينَ تَوْبَتُهُمْ.
كَمَا فَعَلَ عُمَرُ «٢» ﵁ بِصَبِيغٍ «٣» وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ «٤» الْمَوَّازِ فِي الْخَوَارِجِ «٥» وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ «٦» الْمَاجِشُونِ وَقَوْلُ سُحْنُونٍ «٧» فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَمَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ «٨» عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَدِّهِ «٩» وَعَمِّهِ «١٠» مِنْ قَوْلِهِمْ فِي القدرية «١١»: يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا.
_________________
(١) للنهي عن تكفير أهل القبلة.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٣) صبيغ: رجل من بني يربوع اسمه صبيغ بن شريك بن عسل. قال ابن ماكولا: كان يتتبع مشكل القرآن ومتشابهه فأمر عمر ﵁ بضربه ومنع الناس من مجالسته.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم «٢» .
(٥) الخوارج: جماعة كانوا مع علي كرم الله وجهه في صفين ثم خالفوه وخرجوا عليه لانكارهم التحكيم وقولهم: لا حكم الا لله.. ولهم عقائد مخالفة للسنة كتكفير مرتكب الكبيرة ووجوب الخروج على الامام اذا خالف السنة ومع ذلك كان لهم من العبادة والشجاعة والتصلب فيما يعتقدونه أمورا عجيبة.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٦٨» رقم «٥» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٠» رقم «١» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨١» رقم (٢) .
(١٠) عبد الملك بن مروان بن الحكم الاموي القرشي من أعاظم خلفاء بني أمية ودهاتهم ولد في سنة ٢١ هـ وتوفي سنة ٨٦ هـ.
(١١) القدرية: هم طائفة قالوا بنفي القدر وان الامر أنف لم يسبق تقديره، فنسبتهم للقدر للملابسة السلبية وقد ورد في الحديث أنهم مجوس هذه الامة.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وَقَالَ عِيسَى «١» عَنِ ابْنِ «٢» الْقَاسِمِ: فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَنِ الْإِبَاضِيَّةِ «٣» وَالْقَدَرِيَّةِ وَشِبْهِهِمْ مِمَّنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالتَّحْرِيفِ لِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ.. يُسْتَتَابُونَ.. أَظْهَرُوا ذَلِكَ أَوْ أَسَرُّوهُ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا، وَمِيرَاثُهُمْ لِوَرَثَتِهِمْ.
وَقَالَ مِثْلَهُ أَيْضًا ابْنُ «٤» الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ «٥» فِي أَهْلِ الْقَدَرِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ: وَاسْتِتَابَتُهُمْ أَنْ يُقَالَ لهم: أتركوا ما أنتم عليه.
ومثله فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْإِبَاضِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ قَالَ:
وَهُمْ مُسْلِمُونَ.. وَإِنَّمَا قُتِلُوا لِرَأْيِهِمُ السُّوءِ.
وَبِهَذَا عَمِلَ عُمَرُ بْنُ «٦» عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا.. اسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَابْنُ «٧» حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يرى تكفيرهم وتكفير
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٥٦٩) رقم (٣) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٦) .
(٣) الاباضية: جماعة من الخوارج أصحاب عبد الله بن اباض ظهروا في خلافة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وزعموا أن من خالفهم كافر غير مشرك يجوز مناكحته
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٦) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٤٤) رقم (٢) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٣٠) رقم (١) .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (١) .
[ ٢ / ٥٨٨ ]
أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ «١» .
وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ سُحْنُونٍ «٢» مِثْلُهُ.. فِيمَنْ قَالَ: لَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ.. أَنَّهُ كَافِرٌ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مَالِكٍ «٣» . فَأَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ الشَّامِيِّينَ أَبِي «٤» مُسْهِرٍ وَمَرْوَانَ بْنِ «٥» مُحَمَّدٍ الطَّاطِرِيِّ الْكُفْرَ عَلَيْهِمْ..
وَقَدْ شُووِرَ «٦» فِي زَوَاجِ الْقَدَرِيِّ.. فَقَالَ: لَا تُزَوِّجْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى.. «وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ «٧»» .
وروي عنه أيضا: «أهل الأهوا كُلُّهُمْ كُفَّارٌ» وَقَالَ: «مَنْ وَصَفَ شَيْئًا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَشَارَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ جده يَدٍ أَوْ سَمْعٍ أَوْ بَصَرٍ قُطِعَ ذَلِكَ منه. لأنه شبّه الله بنفسه» .
_________________
(١) المرجئة: من الارجاء وهو التأخير والامهال وهم فرق خمس ذهبوا الى أنه لا تضر معصية مع الايمان كما لا تنفع طاعة مع الكفر وتكفيرهم لانكارهم النصوص المتواترة وما علم من الدين بالضرورة.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٣) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٤) أبو مسهر: عبد الله بن مسهر الغسائي المالكي. روى عن مالك الموطأ وغيره من المسائل والحديث الكثير قال ابن معين: (فيه ثقة) ولد سنة أربعين ومائة وتوفي سنة ثمان عشرة ومائتين.
(٥) مروان بن محمد الطاطري: الدمشقي، والطاطري نسبة الى ثياب بيض كان يبيعها، وهو امام محدث ثقة أخرج له مسلم وغيره، وله ترجمة في الميزان، وهو من زهاد العلماء توفي سنة ست عشر ومائتين.
(٦) شوور: أي شاور بعض الناس مالكا.
(٧) الاية: ٢٢٢ سورة البقرة
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وَقَالَ: فِيمَنْ قَالَ «الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ» كَافِرٌ فَاقْتُلُوهُ. وَقَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ «١» نَافِعٍ: يُجْلَدُ وَيُوجَعُ ضَرْبًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ.
وَفِي رِوَايَةِ بِشْرِ «٢» بْنِ بَكْرٍ التِّنِّيسِيِّ عَنْهُ: يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «٣» البرتكاني وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ «٤» اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ العراقيين «٥»: جوابه مختلف.. يقتل المستبصر «٦» الدّعية وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي إِعَادَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ «٧» .
وَحَكَى ابْنُ «٨» الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ «٩»: لَا يُسْتَتَابُ الْقَدَرِيُّ وَأَكْثَرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ تَكْفِيرُهُمْ.
وممن قال به الليث «١٠»، وابن عينية «١١»، وابن لهيعة «١٢»، وروي
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٤٦» رقم «٣» .
(٢) بشر بن بكر التنيسي: امام محدث جليل ثقة. أخرج له أصحاب السنن وتوفي سنة خمس ومائتين، وله ترجمة في الميزان.
(٣) أبو عبد الله البرتكاني لم نعثر على ترجمته.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٦» .
(٥) أي من أصحاب مالك في العراق.
(٦) وفي نسخة المستنصر) أي طالب النصر وهذه أولى.
(٧) ومذهب أبي حنيفة والشافعي صحة الاقتداء بأهل البدع والاهواء مطلقا.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٣» رقم «٣» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٠٢» رقم «٥» .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩١» رقم «٥» .
(١٢) ابن لهيعة الفزاري لم نعثر على ترجمته.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
عَنْهُمْ ذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَقَالَهُ ابْنُ «١» الْمُبَارَكِ، وَالْأَوْدِيُّ «٢»، وَوَكِيعٌ «٣»، وَحَفْصُ «٤» بْنُ غِيَاثٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ «٥» الْفَزَارِيُّ، وَهُشَيْمٌ «٦»، وَعَلِيُّ «٧» بْنُ عَاصِمٍ فِي آخَرِينَ
وَهُوَ مِنْ قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ فِيهِمْ، وَفِي الْخَوَارِجِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ، وَأَصْحَابِ الْبِدَعِ الْمُتَأَوِّلِينَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ «٨» بْنِ حَنْبَلٍ. وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْوَاقِفَةِ «٩» والشّاكّة في هذه الأصول.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٠١» رقم «٣» .
(٢) الاودي: عثمان بن الحكم مشهور من أصحاب مالك المصريين توفي سنة ثلاث وستين ومائة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١٣» رقم «٣» .
(٤) حفص بن غياث: أبو عمرو النخعي قاضي الكوفة الامام الحافظ، أخرج له الستة وترجمته في الميزان توفي سنة أربع عشر ومائة.
(٥) أبو اسحق الفزاري: ابراهيم بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري أحد الاعلام أخرج له الستة وتوفي ست أو ثمان وثمانين ومائة.
(٦) هشيم: بن بشر السلمي الواسطي الحافظ الثقة توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، أخرج له الستة وترجمته في الميزان.
(٧) علي بن عاصم: بن صهيب الواسطي أحد الائمة الاعلام الذي أخرج له أصحاب السنن كما في ترجمته في الميزان وتوفي سنة احدى ومائة وعمره سبع وتسعون
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١» .
(٩) الواقفة: قوم توقفوا عن الحكم لعدم معرفتهم أو لتعارض الادلة عليهم. ويجوز أنه يقصد فرقة معينة من الامامية توقفوا في كثير من الاحكام وأخرجوها عن اصولها.
[ ٢ / ٥٩١ ]
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مَعْنَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِتَرْكِ تَكْفِيرِهِمْ عَلِيُّ بْنُ «١» أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ «٢» عُمَرَ، وَالْحَسَنُ «٣» الْبَصْرِيُّ وَهُوَ رَأْيُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ «٤» النظّار «٥» وَالْمُتَكَلِّمِينَ «٦» .
وَاحْتَجُّوا بِتَوْرِيثِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَرَثَةَ أَهْلِ حَرُورَاءَ «٧» وَمَنْ عُرِفَ بِالْقَدَرِ مِمَّنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَجَرْيِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ «٨» الْقَاضِي: وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ «٩» فِي الْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ يُسْتَتَابُونَ. فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا، لِأَنَّهُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. كَمَا قَالَ فِي الْمُحَارِبِ إِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ قَتَلَهُ.. وَفَسَادُ الْمُحَارِبِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَالِ وَمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَدْخُلُ أَيْضًا فِي أَمْرِ الدِّينِ مِنْ سَبِيلِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ.. وَفَسَادُ أَهْلِ الْبِدَعِ مُعْظَمُهُ عَلَى الدِّينِ.. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا بِمَا يَلْقَوْنَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ العداوة.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٤) منهم الشافعي ﵁ لقوله: «لا أكفر أحدا من أهل القبلة الا الخطابية كما حكاه النووي في الروضة» .
(٥) النظار: أصحاب النظر.
(٦) المتكلمين: علماء أصول الدين.
(٧) حروراء: قرية على ميلين من الكوفة اجتمع فيها الخوارج فنسبوا اليها.
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٢١٠) رقم (٩) .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]
الفصل الثالث فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ
قَدْ ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُتَأَوِّلِينَ.. مِمَّنْ قَالَ قَوْلًا يُؤَدِّيهِ مَسَاقُهُ إِلَى كُفْرٍ هُوَ إِذَا وُقِفَ عَلَيْهِ لَا يَقُولُ بِمَا يُؤَدِّيهِ قَوْلُهُ إِلَيْهِ. وَعَلَى اخْتِلَافِهِمُ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ فِي ذَلِكَ.
فَمِنْهُمْ مَنْ صَوَّبَ التَّكْفِيرَ الَّذِي قَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاهُ وَلَمْ يَرَ إِخْرَاجَهُمْ مِنْ سَوَادِ الْمُؤْمِنِينَ «١»، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَقَالُوا هُمْ فُسَّاقٌ عُصَاةٌ ضْلَّالٌ، ونورّثهم من المسلمين وتحكم لهم بأحكامهم.
_________________
(١) وفي نسخة (المسلمين) .
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وَلِهَذَا قَالَ سُحْنُونٌ «١»: «لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُمْ» . قَالَ- وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ «٢»، الْمُغَيَّرَةِ «٣»، وَابْنِ «٤» كِنَانَةَ وَأَشْهَبَ «٥» قَالَ: لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَذَنْبُهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الْإِسْلَامِ.
وَاضْطَرَبَ آخرون في ذلك ووقفوا عن الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ أَوْ ضِدِّهِ. وَاخْتِلَافُ قَوْلَيْ مَالِكٍ «٢» فِي ذَلِكَ وَتَوَقُّفُهُ عَنْ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ مِنْهُ.
وَإِلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ «٦» إِمَامُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالْحَقِّ وَقَالَ إنها من المعوصات «٧»، إذ القوم لم يصرحوا باسم الكفر، وَإِنَّمَا قَالُوا قَوُلًا يُؤَدِّي إِلَيْهِ.
وَاضْطَرَبَ قَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى نَحْوِ اضْطِرَابِ قَوْلِ إِمَامِهِ «٨» مَالِكِ «٢» بْنِ أَنَسٍ.
حَتَّى قَالَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ إِنَّهُمْ عَلَى رَأْيِ مَنْ كَفَّرَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ لا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٣) المعيزة: من أصحاب مالك وقد تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٨٣» رقم «٣» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٧٢» رقم «٣» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٤» رقم «٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٨٥) رقم (١) .
(٧) المعوصات: بضم الميم وكسر الواو المخففة وصاد مهملة والعويص ما لا يفهم من الشعر وغيره وبصعب استخراجه والمقصود هنا المشكلات الصعبة لقوة الاراء المتعارضة فيها.
(٨) وهذا دليل أن أبا بكر الباقلاني مالكي المذهب.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَا الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتِهِمْ، وَيُخْتَلَفُ فِي مُوَارَثَتِهِمْ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ.
وَقَالَ أَيْضًا: «نُوَرِّثُ مَيِّتَهُمْ وَرَثَتَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نُوَرِّثُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» .. وَأَكْثَرُ مَيْلِهِ إِلَى تَرْكِ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ.
وَكَذَلِكَ اضْطَرَبَ فِيهِ قَوْلُ شَيْخِهِ أَبِي «١» الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَكْثَرُ قَوْلِهِ تَرْكُ التَّكْفِيرِ.. وَأَنَّ الْكُفْرَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْجَهْلُ بِوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى.
وَقَالَ مَرَّةً: «مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، أَوِ الْمَسِيحُ أَوْ بَعْضُ مَنْ يَلْقَاهُ فِي الطُّرُقِ فَلَيْسَ بِعَارِفٍ بِهِ وَهُوَ كَافِرٌ» .
وَلِمِثْلِ هَذَا ذَهَبَ أَبُو «٢» الْمَعَالِي ﵀ فِي أَجْوِبَتِهِ لِأَبِي «٣» مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَقِّ وَكَانَ سَأَلَهُ عن المسألة فاعتذر لَهُ بِأَنَّ الْغَلَطَ فِيهَا يَصْعُبُ..
لِأَنَّ إِدْخَالَ كافر في الملة وإخراج مُسْلِمٍ عَنْهَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ.
وَقَالَ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: «الَّذِي «٤» يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنَ التَّكْفِيرِ فِي أَهْلِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ دِمَاءِ الْمُصَلِّينَ «٥» الموحدين خطر..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨١» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٥» رقم «٣» .
(٣) أبو محمد عبد الحق: قال الحلبي: ليس هو عبد الحق الحافظ الاشبيلي صاحب كتاب الاحكام وغيره لانه من أهل المائة الخامسة وامام الحرمين من أهل الرابعة. وقال التلمساني: هو عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي توفي سنة ست وتسعين واربعمائة.
(٤) الذي: اسم موصول مبتدأ خبره الاحتراز، أي القول الذي يجب أن يقال هو الاحتراز من التكفير في أهل التأويل.
(٥) وفي نسخة: (المسلمين) .
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ «١» أَلْفِ كَافِرٍ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَأِ فِي سَفْكِ مِحْجَمَةٍ «٢» مِنْ دَمٍ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ «٣»: «فَإِذَا قَالُوهَا- يَعْنِي الشَّهَادَةَ «٤» - عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ..»
فَالْعِصْمَةُ مَقْطُوعٌ بِهَا مَعَ الشَّهَادَةِ وَلَا تَرْتَفِعُ وَيُسْتَبَاحُ خِلَافُهَا إِلَّا بِقَاطِعٍ وَلَا قَاطِعَ مِنْ شَرْعٍ وَلَا قِيَاسٍ عَلَيْهِ.. وَأَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةُ فِي الْبَابِ مُعَرَّضَةٌ لِلتَّأْوِيلِ.. فَمَا جَاءَ مِنْهَا فِي التَّصْرِيحِ بِكُفْرِ الْقَدَرِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: «لَا سَهْمَ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ» وَتَسْمِيَتُهُ الرَّافِضَةَ بِالشِّرْكِ، وَإِطْلَاقُ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ.. وَكَذَلِكَ فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ يَقُولُ بِالتَّكْفِيرِ.
وقد يجيب الاخر بأنه قد ورد مثل هذه الألفاظ في الحديث في غير الكفرة على طريق التغليظ «٥» .. وَكُفْرٌ «٦» دُونَ كُفْرٍ، وَإِشْرَاكٌ دُونَ إِشْرَاكٍ.
وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ فِي الرِّيَاءِ وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَالزَّوْجِ، والزّور
_________________
(١) ترك: فتل
(٢) محجمة: بكسر الميم اسم الالة التي يؤخذ فيها دم الحجامة.
(٣) في حديث صحيح رواه البخاري وغيره (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) .
(٤) مع متعلقاتها من بقية الاركان
(٥) أي المبالغة والتشديد في الزجر تخويفا لهم كقوله ﵊ فيما رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة «من أنى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» .
(٦) أي كفر خفي دون كفر جلي.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
وَغَيْرِ مَعْصِيَةٍ «١» .. وَإِذَا كَانَ مُحْتَمَلًا لِلْأَمْرَيْنِ فَلَا يُقْطَعُ عَلَى أَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ.
وَقَوْلُهُ «٢» فِي الْخَوَارِجِ: «هُمْ مِنْ شَرِّ الْبَرِيَّةِ..» وَهَذِهِ صِفَةُ الْكُفَّارِ «٣» وَقَالَ: «شَرُّ قَبِيلٍ «٤» تَحْتَ أَدِيمِ «٥» السَّمَاءِ، طُوبَى «٦» لِمَنْ قَتَلَهُمْ «٧» أَوْ قَتَلُوهُ..»
وَقَالَ «٨»: «فَإِذَا وَجَدْتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ قَتْلَ عَادٍ «٩» .» وَظَاهِرُ هَذَا الْكُفْرُ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَشْبِيهِهِمْ بِعَادٍ فَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى تَكْفِيرَهُمْ.
فَيَقُولُ لَهُ الْآخَرُ، إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِمْ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَغْيِهِمْ عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِهِ مِنَ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ «يَقْتُلُونَ أهل الإسلام» .
فقتلهم ههنا حَدٌّ لَا كُفْرٌ.. وَذِكْرُ عَادٍ تَشْبِيهٌ لِلْقَتْلِ وَحِلِّهِ لَا لِلْمَقْتُولِ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حُكِمَ بقتله يحكم بكفره، ويعارضه بقول خالد «١٠»
_________________
(١) أي وفي غير معصية أي متفق عليها أي جاء في حق معاص كثيرة وصفها في الحديث بأنها كفر وشرك مع علم كل أحد بأن فاعلها لا يكفر فدل هذا على أن المراد تغليظ زجره لا أنه كفر حقيقة.
(٢) من حديث في الصحيحين وغيرهما ورواه أحمد عن عائشة بلفظ (الخوارج شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي) وفي مسلم: «هم أبغض الخلق» .
(٣) لقوله تعالى في القرآن سورة البينة (ان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين..) الى قوله (اولئك هم شر البرية) .
(٤) قبيل: الجماعة والقبيلة.
(٥) الأديم: الجلد والنطع منه وهو تشبيه للسماء بجلد ممدود أي تحت السماء وهو يستعار للارض أيضا.
(٦) طوبى: كلمة مدح وقد يراد بها التبشير بالجنة.
(٧) وقد قتلهم سيدنا علي كرم الله وجهه يوم النهروان.
(٨) في حديث رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري
(٩) وفي رواية (ثمود)
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٥٧» رقم «٩» .
[ ٢ / ٥٩٧ ]
فِي الْحَدِيثِ «١»: «دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ «٢» يَا رَسُولَ اللَّهِ» فَقَالَ:
«لَعَلَّهُ يُصَلِّي» ..
فَإِنِ احْتَجُّوا
بِقَوْلِهِ ﷺ «٣»: «يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ «٤» .»
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ «٥» ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ «٦» السَّهْمُ عَلَى «٧» فُوقِهِ «٨»»
وَبِقَوْلِهِ «٩»: «سَبَقَ الْفَرْثَ «١٠» وَالدَّمَ..» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنَ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ.
أَجَابَهُ الْآخَرُونَ: إِنَّ مَعْنَى «لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ» لَا يَفْهَمُونَ مَعَانِيَهُ بِقُلُوبِهِمْ، وَلَا تَنْشَرِحُ لَهُ صُدُورُهُمْ وَلَا تعمل به جوارحهم.
_________________
(١) الذي رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي لله عنه في حق رجل أخبر النبي ﷺ بأنه سيصدر عنه شيء من أمر الخوارج.
(٢) والرجل هو ذو الخويصرة.
(٣) في الحديث الذي رواه البخاري في حق الخوارج.
(٤) يفسره رواية مسلم (لا يجاوز ايمانهم حلا قيمهم) . فهم مؤمنون باللسان دون القلب.
(٥) الرمية: على وزن فعيله بمعنى مفعوله أي ما يرمى من صيد ونحوه. والظاهر أن المراد به القوس أو الوتر وما يرمى به ويفسره ما يعده.
(٦) وفي بعض النسخ: (حتى لا يعود) خطأ فاحش.
(٧) وفي نسخة (الى) .
(٨) فوقه: الفوق هو موضع السهم من الوتر.
(٩) في حديث رواه الشيخان.
(١٠) الفرث: ما في الكرش. يقال فرث كبده أي فتتها وأفرث فلان أصحابه أي أوقعهم في بلية جارية مجرى الفرث يعني أنه لا تعلق لهم بالاسلام ايماء لسرعة خروجهم منه كما أن السم النافذ من حيوان رمي به يخرج قبل ما في باطنه من الفرث والدم فانه يخرج بعده.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
وَعَارَضُوهُمْ بِقَوْلِهِ «وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ «١»» وَهَذَا يَقْتَضِي التشكك في حاله.
وإن احتجوا بِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ «٢» الْخُدْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ..» وَلَمْ يَقُلْ «مِنْ هَذِهِ» وَتَحْرِيرُ أَبِي سَعِيدٍ الرِّوَايَةَ وَإِتْقَانُهُ اللَّفْظَ.
أَجَابَهُمُ الْآخَرُونَ: بِأَنَّ الْعِبَارَةَ «بِفِي» لَا تَقْتَضِي تَصْرِيحًا بِكَوْنِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْأُمَّةِ، بِخِلَافِ لَفْظَةِ «مِنَ» الَّتِي هِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وَكَوْنِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ.. مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «٣» وَعَلِيٍّ «٤»، وَأَبِي «٥» أُمَامَةَ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا الحديث: «يخرج من أمتي» و«سيكون من أمتي» وحروف المعاني مشتركة فلا تقويل عَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ بِ «فِي» وَلَا عَلَى إِدْخَالِهِمْ فِيهَا بِ «مِنْ» .
لَكِنَّ أَبَا سَعِيدٍ «٦» ﵁ أَجَادَ مَا شَاءَ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ.. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ فِقْهِ الصَّحَابَةِ، وَتَحْقِيقِهِمْ لِلْمَعَانِي،
_________________
(١) أي في السهم هل فيه أثر علق به شيء من الفرث والدم أم لا.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «١» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٨٥» رقم «١» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٦٢» رقم (٤) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٣) رقم «١» .
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَتَحْرِيرِهِمْ لَهَا، وَتَوَقِّيهِمْ فِي الرِّوَايَةِ «١» .
- هَذِهِ الْمَذَاهِبُ الْمَعْرُوفَةُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الْفِرَقِ فِيهَا مَقَالَاتٌ كَثِيرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَخِيفَةٌ.
أَقْرَبُهَا قَوْلُ جَهْمٍ «٢»، وَمُحَمَّدِ بْنِ «٣» شَبِيبٍ: «إِنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ الْجَهْلُ بِهِ. لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ» «٤» .
وَقَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ «٥»: «إِنَّ كُلَّ مُتَأَوِّلٍ كَانَ تَأْوِيلُهُ تَشْبِيهًا لِلَّهِ بِخَلْقِهِ وَتَجْوِيرًا «٦» لَهُ فِي فِعْلِهِ، وَتَكْذِيبًا لِخَبَرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.. وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا قَدِيمًا لَا يُقَالُ لَهُ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ» .
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: «إِنْ كَانَ مِمَّنْ عَرَّفَ الْأَصْلَ وَبَنَى عَلَيْهِ، وَكَانَ فِيمَا هُوَ مِنْ أَوْصَافِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَفَاسِقٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفِ الأصل فهو مخطىء غير كافر» .
_________________
(١) ورواية «من» و«في» كلاهما في الصحيحين.
(٢) جهم بن صفوان من المعتزلة.
(٣) محمد بن شبيب: وهو من المعتزلة أيضا. وقيل مرجيء قدري.
(٤) وهو قول غير صحيح ان حمل على ظاهره. لانه يقتضي أن من عرف الله ووحده وأنكر نبوة محمد ﷺ أو أنكر شريعته وكتابه المنزل عليه لا يكفر، فان اراد الجهل بالله وما يستلزمه لم يكن مخالفا لغيره.
(٥) أبو الهذيل: بن أحمد بن العلاف شيخ المعتزلة. أخذ عن عثمان بن خالد الطويل وعن واصل بن عطاء رئيس المعتزلة، وهو القائل بفناء مقدورات الله تعالى، وان الجنة والنار يفنيان لانهما حادثان، وما ليس له آخر قديم عنده، كما أن ما ليس له أول قديم أيضا، توفي سنة ست وعشرين ومائتين، وقد أربى على المئة، وهو بصري.
(٦) تجويرا: تفعيلا من الجور بجيم وراء مهملة ضد العدل وأصله الميل عن الاستقامة وضمير له لله أي تشبه الله الى الجور في تأويله.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
وَذَهَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ «١» بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ إِلَى تَصْوِيبِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِيمَا كَانَ عُرْضَةً لِلتَّأْوِيلِ، وَفَارَقَ فِي ذَلِكَ فِرَقَ الْأُمَّةِ.. إِذْ أَجْمَعُوا- سِوَاهُ- عَلَى أَنَّ الْحَقَّ في أصول الدين في واحد والمخطىء فِيهِ آثِمٌ عَاصٍ فَاسِقٌ.. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَكْفِيرِهِ.
وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ «٢» الْبَاقِلَّانِيُّ مثل قول عبيد «١» الله عن داوود «٣» الأصبهاني.
قال: وَحَكَى قَوْمٌ عَنْهُمَا «٤» أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حَالِهِ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ ملتنا، أو من غيرهم.
_________________
(١) عبيد الله بن الحسن العنبري: منسوب لبني العنبر قوم من تميم، ويقال لهم في غير النسب بلعنبر. وهو عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن مالك بن الخشخاش. ومالك والخشخاش صحابيان، وللخشخاش رواية دون مالك، وعبد الله فقيه بصري تولى القضاء في البصرة بعد سوار بن عبد الله، وكان عالما ثقة، روى عنه غير واحد، واخرج له مسلم، توفي سنة ثمان وستين ومائه، وكان يرى جواز التقليد في العقائد والعقليات وخالف في ذلك العلماء.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» .
(٣) داود الاصبهاني: بن علي بن خلف أبو سليمان الاصفهاني البغدادي وطنا صاحب مذهب الظاهرية ولد سنة مائتين، أو اثنين ومائتين، وتوفي سنة سبعين. وكان اماما جليلا زاهدا ورعا قلد الشافعي ﵁ أولا ثم صار صاحب مذهب مستقل وكان صدرا في عصره حتى رجح على بعض المجتهدين. واختلفوا في أنه هل يعتد بخلافه أم لا على أقوال في الاصول. ومن أجل اتباعه ابن حزم.
(٤) أي عن داود والعنبري.
[ ٢ / ٦٠١ ]
وَقَالَ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ الْجَاحِظُ «١»، وَثُمَامَةُ «٢»، فِي أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعَامَّةِ، وَالنِّسَاءِ، وَالْبُلْهِ. وَمُقَلِّدَةِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ لَا حُجَّةَ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ.. إِذْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طِبَاعٌ يُمْكِنُ مَعَهَا الاستدلال «٣»
وقد نحا «٤» الغزالي «٥» قريبا من هذا المنحى في كتاب التفرقة «٦»
_________________
(١) الجاحظ: عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان الكناني الليثي البصري العالم المشهور، صاحب التصانيف الجليلة وجامع العلوم الغريبة وهو معتزلي صاحب مذهب في أصول الدين من أجل تصانيفه كتاب البيان والتبيين وكتاب الحيوان.. لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه.. وأصابه في آخر عمره داآن الفالج والنقرس. وتوفي سنة خمس وخمسين ومائة بالبصرة.
(٢) ثمامة: بن أشرس بن معن النميري، كان- كما قال الذهبي- من كبار المعتزلة ورؤوس الضلالة وله نوادر وملح، واتصل بالرشيد والمأمون، ومن مذهبه أن المقلدين من أهل الكتاب وعباد الاصنام لا يدخلون النار، وانهم يصيرون ترابا، وان الاطفال كذلك يصيرون، وهو أحد الاقوال العشرة في أطفال المشركين.
(٣) وهو قول باطل، لانهم مكلفون عقلا لا سيما من نشأ بدار الاسلام، وعلى كل حال فهم متمكنون من النظر ومعرفة الادلة والتفكر في خلق السماوات والارض. وقد قرع أسماعهم ما تواتر من ارسال الله رسله، وما ظهر من المعجزات الباهرة الظاهرة ظهور الشمس لمن له عينان فأي عذر لهم يدحض حجة الله عليهم؟.
(٤) نحا: ذهب واتجه.
(٥) الغزالي: الامام العلامة الزاهد العابد أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي صاحب المؤلفات الجليلة الذي كان على كاهله ففه الشافعي. ولد بطوس سنة خمسين واربعمائة واشتغل بها ثم جال في البلاد لاخذ العلم، ودخل بغداد فصار مدرسا بالنظامية، وأقام بدمشق بجامعها بالمنارة الغربية عشر سنين بعد ما أخذ العلم عن امام الحرمين وأخذ عن الشيخ نصر المقدسي بزوايته المعروفة بالغزالية ثم انتقل لمصر والاسكندرية ثم رجع الى بغداد وعقد بها مجلس وعظ، وتوفي يوم الاثين رابع عشر من جمادي الاخرة سنة خمس وخمسمائة عن خمس وخمسين سنة ودفن بطوس.
(٦) التفرقة: كتاب أصول له.. وما ذكره المصنف عن الغزالي مردود- كما قال ابن حجر. «وما نسبه المصنف رحمه الله تعالى للغزالي صرح الغزالي في كتابه الاقتصاد بما؟؟؟» .
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وَقَائِلُ هَذَا كُلِّهِ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَكُلَّ مَنْ فَارَقَ دِينَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ وَقَفَ فِي تَكْفِيرِهِمْ، أَوْ شَكَّ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو «١» بكر.. لأن التوقيف «٢» والإجماع اتفقا عَلَى كُفْرِهِمْ، فَمَنْ وَقَفَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبَ النَّصَّ وَالتَّوْقِيفَ، أَوْ شَكَّ فِيهِ. وَالتَّكْذِيبُ أَوِ الشَّكُّ فِيهِ لَا يَقَعُ إِلَّا مِنْ كافر.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» .
(٢) أي بالسماع من الله ورسوله.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْمَقَالَاتِ كُفْرٌ وَمَا يُتَوَقَّفُ أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ
اعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَ هَذَا الْفَصْلِ وَكَشْفَ اللَّبْسِ فِيهِ مَوْرِدُهُ الشَّرْعُ، وَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ.
وَالْفَصْلُ الْبَيِّنُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ مَقَالَةٍ صَرَّحَتْ بِنَفْيِ الرُّبُوبِيَّةِ، أَوِ الْوَحْدَانِيَّةِ، أَوْ عِبَادَةِ أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ أو مع الله فهي كُفْرٌ.. كَمَقَالَةِ الدَّهْرِيَّةِ «١» وَسَائِرِ فِرَقِ أَصْحَابِ الِاثْنَيْنِ «٢» من الديصانية «٣»
_________________
(١) الدهرية: طائفة من الملحدين المعطلين ينسبون الامور للدهر كأصحاب الطبيعة
(٢) أصحاب الاثنين: هم الذين اتخذوا الهين اثنين كالمانوية القائلين بالنور والظلمة، والمراد هنا مطلق التعدد.
(٣) الديصانية: نسبة لاسم رجل من المجوس نسب له هذا المذهب من القول بالنور والكلمة، وخالق الخير وخالق الشر الا انه يقول: ان الظلمة ميت والنور حي.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وَالْمَانَوِيَّةِ «١» وَأَشْبَاهِهِمْ مِنَ الصَّابِئِينَ «٢» وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ «٣» وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، أَوِ الْمَلَائِكَةِ أَوِ الشَّيَاطِينِ، أَوِ الشَّمْسِ، أَوِ النُّجُومِ، أَوِ النَّارِ أَوْ أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْهِنْدِ وَالصِّينِ، وَالسُّودَانِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يَرْجِعُ إِلَى كِتَابٍ.
وَكَذَلِكَ الْقَرَامِطَةُ «٤» وَأَصْحَابُ الْحُلُولِ «٥»، وَالتَّنَاسُخِ «٦» من الباطنية «٧»، والطيارة «٨» من الروافض، والبيانية «٩» والغرابية «١٠» وكذلك من اعترف بإلاهية اللَّهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَلَكِنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ أَوْ غَيْرُ قَدِيمٍ، وَأَنَّهُ مُحْدَثٌ، أَوْ مُصَوَّرٌ، أو ادعى له ولدا، أو صاحبة
_________________
(١) المانوية: أصحاب ماني الحكيم الذي ظهر في زمن شابور بن اردشير بعد عيسى ﵇ زعم أن موجد العالم اثنان النور خالق الخير والظلمة خالق الشر وانهما أزليان حيان وقد رد المتنبي على هذه الفكرة بقوله: وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر ان المانوية تكذب
(٢) الصابئين: وفي نسخة (الصبائية) والصابيء كل من خرج من دين الى آخر ثم خص بطائفة عبدوا الملائكة أو عبدوا الكواكب وهو المراد هنا.
(٣) المجوس: أهل فارس عبده النار والقائلين بالهين «يزدان واهرمن» أي النور والظلمة
(٤) القرامطة: فرقة من الاسماعيلية المثبتون لامامة اسماعيل بن جعفر الصادق
(٥) أصحاب الحلول من النصارى والباطنية وبعض جهلة المتصوفة.
(٦) وهم القائلون بان الارواح اذا فارقت الابدان تحل في غيرها، وهو مذهب بعض الفلاسفة.
(٧) الباطنية: قوم ادعوا أن للقرآن ظاهر غير مقصود وباطن وهو المقصود يفهمه الخلص من الناس.
(٨) وهم ينتسبون الى جعفر الطيار وهم من غلاة الشيعة.
(٩) البيانية نسبة لبيان بن سمعان اليمني يقولون روح الله حلت في علي كرم الله وجهه ثم في ابنه محمد بن الحنفية ثم في ابنه هاشم ثم في بيان وكذا الطيارة والجناحية يقولون ما سبق.
(١٠) الغرابية: قوم يقولون ان جبريل ﵊ نزل بالرسالة من عند الله لعلي فأعطاها لمحمد غلطا منه لانه يشبهه كما يشبه الغراب الغراب.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
أَوْ وَالِدًا أَوْ أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ شَيْءٍ، أَوْ كَائِنٌ عَنْهُ، أَوْ أَنَّ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ شَيْئًا قَدِيمًا «١» غَيْرَهُ، أَوْ أَنَّ ثَمَّ صَانِعًا لِلْعَالَمِ سِوَاهُ.. أَوْ مُدَبِّرًا غَيْرَهُ.. فَذَلِكَ كُلُّهُ كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
كَقَوْلِ الْإِلَهِيِّينَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ «٢» وَالْمُنَجِّمِينَ «٣» وَالطَّبَائِعِيِّينَ «٤» وَكَذَلِكَ مَنِ ادَّعَى مُجَالَسَةَ اللَّهِ وَالْعُرُوجَ إِلَيْهِ وَمُكَالَمَتَهُ أَوْ حُلُولَهُ فِي أَحَدِ الْأَشْخَاصِ، كَقَوْلِ بَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ «٥» وَالْبَاطِنِيَّةِ، وَالنَّصَارَى، وَالْقَرَامِطَةِ، وَكَذَلِكَ نَقْطَعُ عَلَى كُفْرِ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ، أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ، أَوْ قَالَ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ وَانْتِقَالِهَا أَبَدَ الْآبَادِ فِي الأشخاص وتعذيبها أو
_________________
(١) اشارة الى قول الفلاسفة بقدم العالم.
(٢) والفلاسفة على أنواع ثلاثة الهيين وطبيعيين ورياضيين.. والذين ضلوا منهم هم الالهيون عند ما تعرضوا لمباحث تاهت فيها عقولهم.
(٣) القائلين بتأثير الكواكب في حوادث الحياة.. أما الدارسون لها على أنها خلق من خلق الله وتنظيم يدل على حكمته تعالى فلا شيء عليهم بل هو من العلم الموصل الى معرفة الله.
(٤) الطبايعيين: القائلين بتأثير الطبيعة وانها هي التي تولد الاشياء بنفسها.
(٥) أما ما نسب الى أجلة التصوف منهم من هذا الباب فاما أن يكون مدسوسا عليهم أو هي اصطلاحات يعرفونها هم ولم يخاطبوا بها الا الخاصة فالاولى بالمسلم الابتعاد عن كل تجريح فيهم لانهم ﵃ اما أن يكونوا في غاية الصلاح فتجريحهم ضرر بليغ.. واما أن يكونوا غير ذلك وقد ذهبوا الى بارئهم وقدموا الى ما عملوا فلا حاجة ولا منفعة لنا في الخوض فيهم.. وكل من يحاول التشهير بهم والتعرض لسيرتهم فهو مغرض يحاول اشغال الناس والعامة عن الخطر العظيم الذي حاق بالمسلمين في مختلف بقاع الارض في دينهم ودنياهم.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
تنعهما فِيهَا بِحَسَبِ «١» زَكَائِهَا وَخُبْثِهَا وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَرَفَ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَلَكِنَّهُ جَحَدَ النُّبُوَّةَ مِنْ أَصْلِهَا عُمُومًا. أَوْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ خصوصا، أو أحد مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ بِلَا رَيْبَ.
كَالْبَرَاهِمَةِ «٢»، وَمُعْظَمِ الْيَهُودِ، وَالْأُرُوسِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى وَالْغُرَابِيَّةِ مِنَ الرَّوَافِضِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ الْمَبْعُوثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ، وَكَالْمُعَطِّلَةِ «٣»، وَالْقَرَامِطَةِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ «٤» وَالْعَنْبَرِيَّةِ مِنَ الرَّافِضَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ قَدْ أَشْرَكُوا فِي كُفْرٍ آخَرَ مَعَ مَنْ قَبْلَهُمْ.
وَكَذَلِكَ مَنْ دَانَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وَنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ، وَلَكِنْ جَوَّزَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْكَذِبَ فِيمَا أَتَوْا بِهِ. ادَّعَى فِي ذَلِكَ الْمَصْلَحَةَ- بِزَعْمِهِ- أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ كَالْمُتَفَلْسِفِينَ، وَبَعْضِ الْبَاطِنِيَّةِ. وَالرَّوَافِضِ، وَغُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ، وَأَصْحَابِ الْإِبَاحَةِ «٥» فَإِنَّ هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ ظَوَاهِرَ الشَّرْعِ وَأَكْثَرَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الْأَخْبَارِ عَمَّا كَانَ وَيَكُونُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَالْحَشْرِ، وَالْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها.
_________________
(١) أي طيبها وطهارتها.
(٢) البراهمة: وهم الهنود عبدة النار والعجل.
(٣) الذين جحدوا الالوهية والرسالة والاحكام وما أكثرهم في زماننا وان تغيرت الاسماء.
(٤) وهم من الباطنية أثبتوا امامة اسماعيل بن جعفر الصادق.
(٥) الذين أباحوا المحرمات وادعوا أن من كمل نفسه لا يضره المعصية.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وَإِنَّمَا خَاطَبُوا بِهَا الْخَلْقَ عَلَى جِهَةِ الْمَصْلَحَةِ لَهُمْ.. إِذْ لَمْ يُمْكِنْهُمُ التَّصْرِيحُ لِقُصُورِ أَفْهَامِهِمْ، فَمُضَمَّنُ مَقَالَاتِهِمْ إِبْطَالُ الشَّرَائِعِ، وَتَعْطِيلُ الْأَوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي، وَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ، وَالِارْتِيَابُ فِيمَا أَتَوْا بِهِ..
وَكَذَلِكَ مَنْ أَضَافَ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ تَعَمُّدَ الْكَذِبَ فِيمَا بَلَّغَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ، أَوْ شَكَّ فِي صِدْقِهِ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْ أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِ، أَوْ بِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ أَزْرَى عَلَيْهِمْ.. أَوْ آذَاهُمْ.. أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ حَارَبَهُ.. فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ.
- وَكَذَلِكَ نُكَفِّرُ مَنْ ذَهَبَ مذهب بعض الْقُدَمَاءِ فِي أَنَّ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الحيوان نذيرا ونبيا من القردة والخنازير والدواب والدود وغير ذلك، وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى «وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ «١»» إِذْ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يُوصَفَ أَنْبِيَاءُ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ بِصِفَاتِهِمُ الْمَذْمُومَةِ وَفِيهِ مِنَ الْإِزْرَاءِ عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الْمُنِيفِ مَا فِيهِ.. مَعَ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى خِلَافِهِ. وَتَكْذِيبِ قَائِلِهِ.
- وَكَذَلِكَ نُكَفِّرُ مَنِ اعْتَرَفَ مِنَ الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ بِمَا تقدم وَنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَلَكِنْ قَالَ: كَانَ أَسْوَدَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يلتحي، أو ليس الَّذِي كَانَ بِمَكَّةَ، وَالْحِجَازِ، أَوْ لَيْسَ بِقُرَشِيٍّ.. لأن
_________________
(١) الاية: ٢٥ سورة فاطر.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَاتِهِ الْمَعْلُومَةِ نَفْيٌ لَهُ وَتَكْذِيبٌ بِهِ.. وَكَذَلِكَ مَنِ ادَّعَى نُبُوَّةَ أَحَدٍ مَعَ نَبِيِّنَا ﷺ أَوْ بَعْدَهُ كَالْعِيسَوِيَّةِ «١» مِنَ الْيَهُودِ الْقَائِلِينَ بِتَخْصِيصِ رِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ، وَكَالْخُرَّمِيَّةِ «٢» الْقَائِلِينَ بِتَوَاتُرِ الرُّسُلِ، وَكَأَكْثَرِ الرَّافِضَةِ الْقَائِلِينَ بِمُشَارَكَةِ عَلِيٍّ فِي الرِّسَالَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وبعده.. فكذلك كُلُّ إِمَامٍ عِنْدَ هَؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي النبوة والحجة.. وكالبزيعيّة «٣» وَالْبَيَانِيَّةِ مِنْهُمُ الْقَائِلِينَ بِنُبُوَّةِ بَزِيعٍ وَبَيَانٍ «٤» وَأَشْبَاهِ هَؤُلَاءِ أَوْ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ.. أَوْ جَوَّزَ.
اكْتِسَابَهَا وَالْبُلُوغَ بِصَفَاءِ الْقَلْبِ إِلَى مَرْتَبَتِهَا كَالْفَلَاسِفَةِ وَغُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ
- وَكَذَلِكَ مَنِ ادَّعَى مِنْهُمْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ أو أنه يصعد إلى السماء. ويدخل الْجَنَّةِ، وَيَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَيُعَانِقُ الْحُورَ الْعِينَ.. فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ مُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ.. لأنه
_________________
(١) العيسوية: نسبوا لعيسى بن اسحق بن يعقوب الاصبهاني اليهودي وكان في زمن بني مروان وادعي النبوة في زمن مروان الحمار وتبعه كثير من اليهود وكان من مذهبه تجويز حدوث النبوة بعد نبينا ﷺ.
(٢) الخرمية: بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء المفتوحة. أنهم تبعوا بابك الخرمي فنسبو اليه وهم قوم اباحيون ظهروا زمن بني العباس في نواحي أزربيجان وظلوا نحو عشرين سنة، في جموع وعساكر كثيرة جدا حتى أسر بابك وصلب بسامراء أيام المعتصم
(٣) البزيعية والبيانية: طائفتان من غلاة الرافضة تزعمان أن النبوة بل الالهية تحل في بعض أئمتهم.
(٤) بيان: بن اسماعيل الهندي، وهو يزعم أن الله ﷿ حل في علي وأولاده ويقولون بنبوة بعض أئمتهم.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
أَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.. وَأَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ أُرْسِلَ كَافَّةً لِلنَّاسِ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى حَمْلِ هَذَا الْكَلَامِ على ظاهره، وأن مفهومه المراد به دُونَ تَأْوِيلٍ وَلَا تَخْصِيصٍ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا قَطْعًا إِجْمَاعًا وَسَمْعًا.
- وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ دَافَعَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوْ خَصَّ حَدِيثًا مُجْمَعًا عَلَى نَقْلِهِ مَقْطُوعًا بِهِ، مُجْمَعًا عَلَى حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، كَتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ بِإِبْطَالِ «١» الرَّجْمِ. وَلِهَذَا نكفر من لم يكفر مَنْ دَانَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمِلَلِ.. أَوْ وَقَفَ فِيهِمْ، أَوْ شَكَّ، أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ.. وَإِنْ أَظْهَرَ مَعَ ذَلِكَ الْإِسْلَامَ وَاعْتَقَدَهُ وَاعْتَقَدَ إِبْطَالَ كُلِّ مَذْهَبٍ سِوَاهُ.. فَهُوَ كَافِرٌ بِإِظْهَارِهِ مَا أَظْهَرَ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ.
- وَكَذَلِكَ نقطع بتكفير كل قائل قَوْلًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ، وَتَكْفِيرِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ.. كَقَوْلِ الْكُمَيْلِيَّةِ «٢» مِنَ الرَّافِضَةِ بِتَكْفِيرِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ لَمْ تُقَدِّمْ عَلِيًّا «٣» .. وَكَفَّرَتْ عَلِيًّا إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ وَيَطْلُبْ حَقَّهُ فِي التَّقْدِيمِ.
_________________
(١) للزاني والزانية المحصنين فانه مجمع عليه صار معلوما من الدين بالضرورة.
(٢) الكميلية: فرقة من غلاة الرافضة قالوا بالتناسخ والحلول وان النبوة نور ينتقل من رجل لاخر وانه حق علي كرم الله وجهه وان الصحابة كفروا لما بايعوا أبا بكر وعلي كفر لما ترك حقه ولم يقاتل وهم منسوبون لابي كامل فكان الاولى أن يقال الكمالية. وربما كان كميل تصغير كامل للتحقير.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
[ ٢ / ٦١٠ ]
- فَهَؤُلَاءِ قَدْ كَفَرُوا مِنْ وُجُوهٍ، لِأَنَّهُمْ أَبْطَلُوا الشَّرِيعَةَ بِأَسْرِهَا، إِذْ قَدِ انْقَطَعَ نَقْلُهَا وَنَقْلُ الْقُرْآنِ، إِذْ نَاقِلُوهُ كَفَرَةٌ عَلَى زَعْمِهِمْ.
وَإِلَى- هَذَا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَشَارَ مَالِكٌ «١» فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ بِقَتْلِ مَنْ كَفَّرَ الصَّحَابَةَ.
- ثُمَّ كَفَرُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِسَبِّهِمُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُ عَهِدَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بَعْدَهُ- عَلَى قَوْلِهِمْ- لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ-. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ.
- وَكَذَلِكَ نُكَفِّرُ بِكُلِّ فِعْلٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُصَرِّحًا بِالْإِسْلَامِ مَعَ فِعْلِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ..
كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وَلِلشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالصَّلِيبِ، وَالنَّارِ، وَالسَّعْيِ إِلَى الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ مَعَ أَهْلِهَا، وَالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ من شد الزنانير وفحص «٢» الرؤوس.
فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ هَذَا لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ وَأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَلَامَةٌ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِنْ صَرَّحَ فَاعِلُهَا بِالْإِسْلَامِ.
- وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنِ اسْتَحَلَّ القتل،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) فحص الرؤوس: أي حلق أو ساطها وتركها كمفاحص القطا.
[ ٢ / ٦١١ ]
أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ، أَوِ الزِّنَا، مِمَّا حَرَمَ اللَّهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ كَأَصْحَابِ الْإِبَاحَةِ مِنَ الْقَرَامِطَةِ وَبَعْضِ غُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ «١» .
- وَكَذَلِكَ نَقْطَعُ بِتَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ كَذَّبَ وَأَنْكَرَ قَاعِدَةً مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَمَا عُرِفَ يَقِينًا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ فعل الرسول ﷺ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ الْمُتَّصِلُ عَلَيْهِ. كَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصلوات الخمس، وعدد رَكَعَاتِهَا وَسَجَدَاتِهَا وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ الصَّلَاةَ عَلَى الْجُمْلَةِ وَكَوْنَهَا خَمْسًا.. وَعَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالشُّرُوطِ لَا أَعْلَمُهُ إِذْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ نَصٌّ جَلِيٌّ، وَالْخَبَرُ بِهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ خبر واحد..
- وكذلك أجمع عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ مِنَ الْخَوَارِجِ إِنَّ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ.
- وَعَلَى تَكْفِيرِ الْبَاطِنِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ الْفَرَائِضَ أَسْمَاءُ رِجَالٍ أُمِرُوا بِوِلَايَتِهِمْ.. والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم.
_________________
(١) الذين يزعمون أن الواصل الى الله يرفع عنه التكليف. وهؤلاء يقال لهم: أن رسول الله ﷺ وهو أفضل مخلوق على الاطلاق لم يزدد بعد الوصول إلا مواصلة للعبادة والاجتهاد ويقول بَعْدَ أَنْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه وما تأخر (أفلا أكون عبدا شكورا) .
[ ٢ / ٦١٢ ]
وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ.. إِنَّ الْعِبَادَةَ. وَطُولَ الْمُجَاهِدَةِ إِذَا صَفَتْ نُفُوسُهُمْ أَفْضَتْ بِهِمْ إِلَى إِسْقَاطِهَا وَإِبَاحَةِ كُلِّ شَيْءٍ لَهُمْ وَرَفْعِ عَهْدِ الشَّرَائِعِ عَنْهُمْ.
- وَكَذَلِكَ إِنْ أَنْكَرَ مُنْكِرٌ مَكَّةَ، أَوِ الْبَيْتَ، أَوِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ صِفَةَ الْحَجِّ.. أَوْ قَالَ: الْحَجُّ وَاجِبٌ فِي الْقُرْآنِ وَاسْتِقْبَالُ القبلة كذلك، ولكن كونه على هذه الهيأة المتعارفة، وأنّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ هِيَ مَكَّةُ وَالْبَيْتُ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ لا أدري هل هِيَ تِلْكَ أَوْ غَيْرُهَا! وَلَعَلَّ النَّاقِلِينَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَرَّهَا بِهَذِهِ التفاسير غلطوا ووهموا.
فهذا ومثله لامرية فِي تَكْفِيرِهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ علم ذلك، وممن خالط الْمُسْلِمِينَ وَامْتَدَّتْ صُحْبَتُهُ لَهُمْ.. إِلَّا أَنْ يَكُونَ حديث عهد بالإسلام فَيُقَالُ لَهُ: سَبِيلُكَ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ هَذَا الَّذِي لَمْ تَعْلَمْهُ بَعْدَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا تَجِدُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا، كَافَّةً عَنْ كَافَّةٍ إِلَى معاصر الرَّسُولِ ﷺ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كَمَا قِيلَ لَكَ، وَأَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ هِيَ مَكَّةُ..
وَالْبَيْتُ الَّذِي فِيهَا هُوَ الْكَعْبَةُ، وَالْقِبْلَةُ الَّتِي صَلَّى لَهَا الرَّسُولُ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ وَحَجُّوا إِلَيْهَا وَطَافُوا بِهَا، وأنّ تلك الأفعال هي صفات عِبَادَةِ الْحَجِّ وَالْمُرَادُ بِهِ.. وَهِيَ الَّتِي فَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ.
وَأَنَّ صفات الصلوات الْمَذْكُورَةِ.. هِيَ الَّتِي فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ،
[ ٢ / ٦١٣ ]
وَشَرَحَ مُرَادَ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَأَبَانَ حُدُودَهَا.. فَيَقَعُ لَكَ الْعِلْمُ كَمَا وَقَعَ لَهُمْ.. وَلَا تَرْتَابُ بذلك بعد.. والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث وصحبة المسلمين كافر باتفاق ولا يُعْذَرُ بِقَوْلِهِ «لَا أَدْرِي»، وَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ.. بَلْ ظَاهِرُهُ التَّسَتُّرُ عَنِ التَّكْذِيبِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنَّهُ لَا يَدْرِي وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا جَوَّزَ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ الْوَهْمَ وَالْغَلَطَ فِيمَا نَقَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ وَفِعْلُهُ وَتَفْسِيرُ مُرَادِ اللَّهِ بِهِ أَدْخَلَ الِاسْتِرَابَةَ فِي جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ. إِذْ هُمُ النَّاقِلُونَ لَهَا وَلِلْقُرْآنِ، وَانْحَلَّتْ عُرَى الدِّينِ كَرَّةً.. وَمَنْ قَالَ هَذَا كَافِرٌ.
- وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ الْقُرْآنَ أَوْ حَرْفًا مِنْهُ، أَوْ غَيَّرَ شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ زَادَ فِيهِ- كَفِعْلِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ- أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَوْ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ وَلَا مُعْجِزَةٌ.
كَقَوْلِ هِشَامٍ «١» الْفُوطِيِّ، وَمَعْمَرٍ «٢» الصَّيْمَرِيِّ إِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى اللَّهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِرَسُولِهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ وَلَا حُكْمٍ.. وَلَا مَحَالَةَ فِي كُفْرِهِمَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
_________________
(١) هشام الفوطي: قال في التبصرة: هشام ابن عمرو الفوطي من القدرية وزاد في مذهبهم أمورا باطلة وقال لجهله انه لا يسمي الله الوكيل ولم يعرف أنه بمعنى الكافي والحفيظ وأنكر المعجزات.
(٢) معمر الصيمري: في التبصرة: معمر بن عباد تنسب له المعمرية ونسبت له خرافات يملها السمع.
[ ٢ / ٦١٤ ]
- وكذلك نكفر هما بإنكار هما أَنْ يَكُونَ فِي سَائِرِ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ لَهُ، أَوْ فِي خلق السموات وَالْأَرْضِ «١» دَلِيلٌ عَلَى اللَّهِ لِمُخَالَفَتِهِمُ الْإِجْمَاعَ وَالنَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِاحْتِجَاجِهِ بِهَذَا كُلِّهِ، وَتَصْرِيحَ الْقُرْآنِ بِهِ.
- وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا نَصَّ فِيهِ الْقُرْآنُ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَمَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ جَاهِلًا بِهِ، وَلَا قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَاحْتَجَّ لِإِنْكَارِهِ إِمَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ النَّقْلُ عِنْدَهُ، وَلَا بلغه العلم به، أو لتجويز الوهم على ناقله، فَنُكَفِّرُهُ بِالطَّرِيقَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ «٢» لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْقُرْآنِ، مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لَكِنَّهُ تَسَتَّرَ بِدَعْوَاهُ.. وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ الْجَنَّةَ، أَوِ النَّارَ، أَوِ الْبَعْثَ، أَوِ الْحِسَابَ، أَوِ الْقِيَامَةَ، فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى صِحَّةِ نَقْلِهِ مُتَوَاتِرًا.
- وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، مَعْنًى غَيْرُ ظَاهِرِهِ، وَإِنَّهَا لَذَّاتٌ رُوحَانِيَّةٌ، وَمَعَانٍ بَاطِنَةٌ كَقَوْلِ النَّصَارَى، وَالْفَلَاسِفَةِ،
_________________
(١) وقد قال: ان الله- تعالى- لم يخلق شيئا من الاعراض، وأن الاجسام تفعلها بطبائعها..) ما أشبه الامس باليوم!. ولا عجب فملة الكفر واحدة وان غيرت ثيابها
(٢) أي مخالفة الاجماع، والنقل الصحيح عنه ﷺ.
[ ٢ / ٦١٥ ]
والباطنية، وبعض المتصوفة «١»، وزعم أَنَّ مَعْنَى الْقِيَامَةِ الْمَوْتُ أَوْ فَنَاءٌ مَحْضٌ، وَانْتِقَاضُ هَيْئَةِ الْأَفْلَاكِ، وَتَحْلِيلُ الْعَالَمِ.. كَقَوْلِ بَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ.
- وَكَذَلِكَ نَقْطَعُ بِتَكْفِيرِ غُلَاةِ الرَّافِضَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْأَئِمَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. فَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ مَا عُرِفَ بِالتَّوَاتُرِ مِنَ الْأَخْبَارِ والسير والبلاد، لا يرجع إلى إبطال شريعة ولا يفضي إِلَى إِنْكَارِ قَاعِدَةٍ مِنَ الدِّينِ كَإِنْكَارِ غَزْوَةِ تَبُوكَ «٢»، أَوْ مُؤْتَةَ «٣»، أَوْ وُجُودِ أَبِي «٤» بَكْرٍ، وعمر «٥»، أو قتل عثمان «٦»، أو خلافة عَلِيٍّ «٧» مِمَّا عُلِمَ بِالنَّقْلِ ضَرُورَةً وَلَيْسَ فِي إِنْكَارِهِ جَحْدُ شَرِيعَةٍ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَكْفِيرِهِ. بِجَحْدِ ذَلِكَ وَإِنْكَارِ وُقُوعِ الْعِلْمِ لَهُ إِذْ ليس في ذلك أكثر
_________________
(١) المتصوفة: معناها هنا الزنادقة فهم المتسمون بسماتهم فقط أما أكابر الصوفية فحاشاهم من هذه الاضاليل. ولذلك سمى الاوائل (متصوفة) وهم المدعون.
(٢) غزوة تبوك: تبوك اسم ماء من أرض الشام يقرب مدين وقد غزاها رسول الله ﷺ في رجب سنة تسع فصالح أهلها على الجزية من غير قتال.
(٣) مؤتة: قرية من أرض البلقاء بطرف الشام قريبة من الكرك على مرحلتين من القدس كان بها تلك الغزوة لانهم قتلوا رسولا أرسله رسول الله ﷺ فجهز اليهم جيشا في سنة ثمان وقيل سبع فقتل بها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٦٩» رقم «٦» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
[ ٢ / ٦١٦ ]
مِنَ الْمُبَاهَتَةِ.. كَإِنْكَارِ هِشَامٍ «١» وَعِبَادٍ «٢» وَقْعَةَ الْجَمَلِ «٣» وَمُحَارَبَةَ عَلِيٍّ مَنْ خَالَفَهُ.
- فَأَمَّا إِنْ ضَعَّفَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تُهْمَةِ النَّاقِلِينَ وَوَهَّمَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعَ.. فَنُكَفِّرُهُ بِذَلِكَ لِسَرَيَانِهِ «٤» إِلَى إِبْطَالِ الشَّرِيعَةِ.
فَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ «٥» الْمُجَرَّدَ الَّذِي لَيْسَ طَرِيقُهُ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ عَنِ الشَّارِعِ، فَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالنُّظَّارِ فِي هَذَا الْبَابِ قَالُوا بِتَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الصَّحِيحَ الْجَامِعَ لشروط الإجماع المتفق عليه عموما.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٦١٤» رقم «١» .
(٢) وهو عباد الصيمري.
(٣) وقعة الجمل: كانت بين علي ومعاوية وخرجت عائشة ﵂ على جمل لتصلح بينهما فكان ما كان. وكانت الوقعة سنة ست وثلاثين.
(٤) سريانه: إفضائه وتعديه.
(٥) الاجماع: حقيقته العزم كما قال تعالى (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) ثم شاع في (الاتفاق) ومعناه اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد عصر النبي ﷺ وقال البغوي: هو نوعان: عام- كاجماع الأمة على الصلاة وعدد ركعاتها مما يعرفه العامة والخاصة فانكاره كفر إلا أن يكون منكره حديث عهد بالاسلام. وخاص- وهو ما يعرفة الخاصة كبطلان نكاح المتعة. ولا يكفر جاحده وانما يحكم بخطئه وكذا كل إجماع لا يعرفه إلا العلماء كحرمة نكاح المرأة على عمتها.. والاجماع واقع ويمكن الاطلاع عليه على الصحيح وهو حجة.. ولم يخالف في حجيته إلا من لا يعتد به كالنظام وبعض الشيعة.
[ ٢ / ٦١٧ ]
وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى.» «١» الْآيَةَ
وَقَوْلُهُ ﷺ «٢»: «مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ «٣» شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ «٤» الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ.»
وَحَكُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى تَكْفِيرِ من خالف الإجماع وذهب آخرون إلى الوقف عَنِ الْقَطْعِ بِتَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِنَقْلِهِ الْعُلَمَاءُ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى التَّوَقُّفِ فِي تَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الْكَائِنَ عَنْ نَظَرٍ، كَتَكْفِيرِ النَّظَّامِ «٥» بِإِنْكَارِهِ الْإِجْمَاعَ لِأَنَّهُ بِقَوْلِهِ هَذَا مُخَالِفٌ إِجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى احْتِجَاجِهِمْ بِهِ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
قَالَ الْقَاضِي «٦» أَبُو بَكْرٍ: الْقَوْلُ عندي أن الكفر بالله هو
_________________
(١) «وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا» . الاية ١١٥ سورة النساء.
(٢) رواه ابو داود في سننه وصححه.
(٣) القيد: القيد والقاد القدر.
(٤) ربقة: حبل يوضع في عنق البعير إذا تملص منه هرب وشرد.
(٥) النظام: إبراهيم بن سيار أو ابن شيبان، أبو إسحق، مولى بني الحارث ابن قيس بن ثعلبة أحد فرسان المتكلمين من المعتزلة، وله إحاطة بالفنون العقلية وله شعر رقيق وكان في دولة المعتصم. توفي سنة «٢٣١» هـ.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» .
[ ٢ / ٦١٨ ]
الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ. وَأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِقَوْلٍ وَلَا رَأْيٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْجَهْلُ بِاللَّهِ فَإِنْ عَصَى بِقَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ نَصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ.. أَوْ يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ.
لَيْسَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ. لَكِنْ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنَ الْكُفْرِ فَالْكُفْرُ بِاللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَحُدُهَا: الْجَهْلُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَ فِعْلًا، أَوْ يَقُولَ قَوْلًا يُخْبِرُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ يُجْمِعُ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وَالْمَشْيِ إِلَى الْكَنَائِسِ بِالْتِزَامِ الزِّنَّارِ مَعَ أَصْحَابِهَا فِي أَعْيَادِهِمْ. أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ أَوِ الْفِعْلُ لَا يُمْكِنُ معه العلم بالله.. قَالَ: فَهَذَانِ الضَّرْبَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا جَهْلًا بِاللَّهِ، فَهُمَا عِلْمٌ أَنَّ فَاعِلَهُمَا كَافِرٌ مُنْسَلِخٌ مِنَ الْإِيمَانِ.
فَأَمَّا مَنْ نَفَى صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الذَّاتِيَّةِ، أَوْ جَحَدَهَا مُسْتَبْصِرًا فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ بِعَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ وَلَا مُرِيدٍ وَلَا مُتَكَلِّمٍ
[ ٢ / ٦١٩ ]
وَشِبْهِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الْوَاجِبَةِ لَهُ تَعَالَى فَقَدْ نَصَّ أَئِمَّتُنَا عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ نَفَى عَنْهُ تَعَالَى الْوَصْفَ بِهَا وَأَعْرَاهُ عَنْهَا.
وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُ سُحْنُونٍ «١» مَنْ قَالَ: «لَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ فَهُوَ كَافِرٌ» وَهُوَ لَا يُكَفِّرُ الْمُتَأَوِّلِينَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
فَأَمَّا مَنْ جَهِلَ صِفَةً مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَاخْتَلَفَ العلماء ههنا فَكَفَّرَهُ بَعْضُهُمْ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي «٢» جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ «٣» الْأَشْعَرِيُّ مَرَّةً
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا لَا يُخْرِجُهُ عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ.. وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ اعْتِقَادًا يَقْطَعُ بصوابه، ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَقَالَهُ حَقٌّ.
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ السَّوْدَاءِ «٤» وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا طَلَبَ مِنْهَا التَّوْحِيدَ لَا غَيْرَ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨١» رقم «٢» .
(٤) والحديث رواه أبو داود في سننه.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وَبِحَدِيثِ الْقَائِلِ «١»: لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ- وَفِي رِوَايَةٍ فِيهِ- لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ- ثُمَّ قَالَ- فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ
قَالُوا: وَلَوْ بُوحِثَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَنِ الصِّفَاتِ وَكُوشِفُوا عَنْهَا، لَمَا وُجِدَ مَنْ يَعْلَمُهَا إِلَّا الْأَقَلُّ.
وَقَدْ أَجَابَ الْآخَرُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِوُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ «قَدَرَ» بِمَعْنَى «قَدَّرَ» وَلَا يَكُونُ شَكُّهُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى إِحْيَائِهِ بَلْ فِي نَفْسِ الْبَعْثِ الَّذِي لا يعلم إلا بشرع، ولعله لم يكن وَرَدَ عِنْدَهُمْ بِهِ شَرْعٌ يُقْطَعُ عَلَيْهِ فَيَكُونَ الشك فيه حينئذ كفرا فأما ما لم يرد به شَرْعٌ فَهُوَ مِنْ مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ.. أَوْ يَكُونُ «قَدَرَ» بِمَعْنَى «ضَيَّقَ» وَيَكُونُ مَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ إزراء عليها، وغضبا لعصيانها.
_________________
(١) رواه الشيخان عن أبي هريرة. وهذا القائل كان نباشا إلا أنه لم يذكر اسمه: وروي أيضا عن حذيفة بن اليمان قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: إن رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصي أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا وأوقدوا فيه نارا حتى إدا أكلت لحمي وخلصت الى عظمي فامتحشت فخذوها فاطحنوها ثم انظروا يوما رايحا فذروها في اليم.. ففعلوا فجمعه الله ﷿ وقال له: لم فعلت ذلك؟ فقال: من خشيتك. فغفر الله ﷿ له.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وَقِيلَ: «قَالَ مَا قَالَهُ وَهُوَ غَيْرُ عَاقِلٍ لِكَلَامِهِ وَلَا ضَابِطٍ لِلَفْظِهِ مِمَّا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنَ الْجَزَعِ وَالْخَشْيَةِ الَّتِي أَذْهَبَتْ لُبَّهُ فَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ»
وَقِيلَ: «كَانَ هَذَا فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ. وَحَيْثُ يَنْفَعُ مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ» وَقِيلَ: (بَلْ هَذَا مِنْ مَجَازِ «١» كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي صُورَتُهُ الشَّكُّ وَمَعْنَاهُ التَّحْقِيقُ.. وَهُوَ يُسَمَّى تَجَاهُلَ الْعَارِفِ.. وَلَهُ أَمْثِلَةٌ فِي كَلَامِهِمْ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى «٢»»
وَقَوْلِهِ: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٣»») فَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ الْوَصْفَ، وَنَفَى الصِّفَةَ «٤» فَقَالَ: أَقُولُ عَالِمٌ وَلَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَمُتَكَلِّمٌ وَلَكِنْ لَا كَلَامَ لَهُ. وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ. فَمَنْ قَالَ بِالْمَآلِ لِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ قَوْلُهُ وَيَسُوقُهُ إِلَيْهِ مَذْهَبُهُ كَفَّرَهُ.. لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى الْعِلْمَ انْتَفَى وَصْفُ عَالِمٍ.. إِذْ لَا يُوصَفُ بِعَالِمٍ إِلَّا مَنْ لَهُ عِلْمٌ فَكَأَنَّهُمْ صَرَّحُوا عِنْدَهُ بِمَا أَدَّى إليه قولهم.
_________________
(١) المجاز ليس هنا بمعناه الاصطلاحي عند أهل البلاغة بل المراد أنه من طرقهم في الكلام التي يتوسعون فيها.
(٢) الاية: ٤٥ سورة طه.
(٣) الاية: ٢٥ سورة سبأ.
(٤) وهم المعتزلة وبعض الفلاسفة.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وَهَكَذَا عِنْدَ هَذَا سَائِرُ فِرَقِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَمَنْ لَمْ يَرَ أَخْذَهُمْ بِمَآلِ قَوْلِهِمْ وَلَا أَلْزَمَهُمْ مُوجِبَ مَذْهَبِهِمْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَهُمْ.
قَالَ: لِأَنَّهُمْ إِذَا وُقِّفُوا عَلَى هَذَا قَالُوا: لَا نَقُولُ لَيْسَ بِعَالَمٍ، ونحن ننتفي من القول بالمال الذي ألزمتموه لَنَا، وَنَعْتَقِدُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ أَنَّهُ كُفْرٌ. بَلْ نقول: إن قولنا لا يؤول إِلَيْهِ عَلَى مَا أَصَّلْنَاهُ.
فَعَلَى هَذَيْنِ الْمَأْخَذَيْنِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إِكْفَارِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
وَإِذَا فَهِمْتَهُ اتَّضَحَ لَكَ الْمُوجِبُ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذلك.
والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الختم عَلَيْهِمْ بِالْخُسْرَانِ، وَإِجْرَاءِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ فِي قِصَاصِهِمْ، وَوِرَاثَاتِهِمْ، وَمُنَاكَحَاتِهِمْ، وَدِيَاتِهِمْ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَائِرِ مُعَامَلَاتِهِمْ. لَكِنَّهُمْ يُغَلَّظُ عَلَيْهِمْ بِوَجِيعِ الْأَدَبِ. وَشَدِيدِ الزَّجْرِ وَالْهَجْرِ حَتَّى يَرْجِعُوا عَنْ بِدْعَتِهِمْ.
وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةَ الصَّدْرِ الأول فيهم.
فقد كان نشأ على زمن الصَّحَابَةِ وَبَعْدَهُمْ فِي التَّابِعِينَ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الْأَقْوَالِ مِنَ الْقَدَرِ، وَرَأْيِ الْخَوَارِجِ وَالِاعْتِزَالِ «١»، فَمَا أزاحوا لَهُمْ قَبْرًا، وَلَا قَطَعُوا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مِيرَاثًا، لَكِنَّهُمْ هَجَرُوهُمْ. وَأَدَّبُوهُمْ بِالضَّرْبِ. وَالنَّفْيِ، وَالْقَتْلِ، عَلَى قَدْرِ أَحْوَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ فُسَّاقٌ ضُلَّالٌ عُصَاةٌ أَصْحَابُ كَبَائِرَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِكُفْرِهِمْ مِنْهُمْ، خِلَافًا لِمَنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ «٢»: وَأَمَّا مَسَائِلُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ «٣»، وَالرُّؤْيَةِ «٤» وَالْمَخْلُوقِ «٥»، وخلق الأفعال، وبقاء الأعراض «٦»،
_________________
(١) أما القدرية والخوارج فقد ظهروا زمن الصحابة، وأما الاعتزال فلم يظهر إلا زمن التابعين.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» .
(٣) الوعد الوعيد: من آراء المعتزلة وانه لا يجوز عندهم تخلفهما فهو واجب عليه سبحانه إذا وعد أو أوعد أن يمضيهما.
(٤) المعتزلة ينكرون رؤبة الله في الاخرة. بينما أجمع الجمهور عليه.
(٥) أي قول المعتزلة إن العبد يخلق أفعاله.
(٦) الاعراض: جمع عرض وهو ما لا يقوم بنفسه كالألوان وقد قال الأشعري إن الاعراض لا تبقى وذهب الى خلافه كثير من أهل السنة. وزاد الشيخ الاكبر في الفصوص من أن الأجسام لا تبقى زمانين أيضا. وفسر به قوله تعالى (بل هم في لبس من خلق جديد) وبه فسر أهل الكشف قوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) لأنها من ابتداء ظهورها الى ظهور فنائها في تبدل وتغير مستمرين ولكن دون أن يقع ذلك واضحا أمام الحواس.. وها هو العلم الحديث وعلم الذرة خاصة يؤيد ما ذهب إليه الأشعري ﵁ والشيخ الأكبر وأهل الكشف ﵃.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وَالتَّوَلُّدِ «١»، وَشِبْهِهَا مِنَ الدَّقَائِقِ، فَالْمَنْعُ فِي إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ فِيهَا أَوْضَحُ.. إِذْ لَيْسَ فِي الْجَهْلِ بِشَيْءٍ مِنْهَا جَهْلٌ بِاللَّهِ تَعَالَى.. وَلَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِكْفَارِ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْهَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَصُورَةِ الْخِلَافِ فِي هَذَا مَا أَغْنَى عَنْ إعادته بحول الله تعالى.
_________________
(١) التولد: الذي ذهب إليه المعتزلة والحكماء كتولد العلم من الدليل وحصوله عقبه كحركة المفتاح بحركة اليد.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
الْفَصْلُ الْخَامِسُ حُكْمُ الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ اللَّهَ تعالى
هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ السَّابِّ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ
فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ «١» اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ذَمِّيٍّ «٢» تَنَاوَلَ مِنْ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ وَحَاجَّ فِيهِ.. فَخَرَجَ ابْنُ عُمَرَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَطَلَبَهُ فَهَرَبَ.
وَقَالَ مَالِكٌ «٣» فِي كِتَابِ ابْنِ «٤» حَبِيبٍ وَالْمَبْسُوطَةِ وَابْنِ الْقَاسِمِ «٥» فِي الْمَبْسُوطِ، وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ «٦» وابن سحنون «٧»: «من شتم الله من
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٢) لم يذكر من رواه عنه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٦» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم «٢» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
[ ٢ / ٦٢٦ ]
الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ.»
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطَةِ طَوْعًا.
قَالَ أَصْبَغُ «١»: «لِأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي بِهِ كَفَرُوا هُوَ دِينُهُمْ وَعَلَيْهِ عُوهِدُوا مِنْ دَعْوَى الصَّاحِبَةِ وَالشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ وَأَمَّا غَيْرُ هَذَا مِنَ الْفِرْيَةِ وَالشَّتْمِ فَلَمْ يُعَاهِدُوا عَلَيْهِ فَهُوَ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ» .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ «٢»: «وَمَنْ شَتَمَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ اللَّهَ تَعَالَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ فِي كِتَابِهِ قُتِلَ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ «٣» فِي الْمَبْسُوطَةِ.، وَمُحَمَّدُ بْنُ «٤» مَسْلَمَةَ وَابْنُ «٥» أَبِي حَازِمٍ: «لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ» .
وَقَالَ مُطَرِّفٌ «٦» وَعَبْدُ «٧» الْمَلِكِ: مثل قول مالك «٨» وقال
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(٢) أي محمد بن سحنون وقد تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٥٨٣) رقم (٣)
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٨» رقم «٥» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٥٨٣) رقم (٥) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٩٩» رقم «٦» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٥٦» رقم «١٢» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
[ ٢ / ٦٢٧ ]
أَبُو مُحَمَّدِ «١» بْنُ أَبِي زَيْدٍ: «مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ كَفَرَ قُتِلَ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ» .
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ ابْنِ الْجَلَّابِ «٢» قَبْلُ. وَذَكَرْنَا قَوْلَ عُبَيْدِ «٣» اللَّهِ، وَابْنِ «٤» لُبَابَةَ، وَشُيُوخِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَفُتْيَاهُمْ بِقَتْلِهَا لِسَبِّهَا- بِالْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَتْ بِهِ- اللَّهَ وَالنَّبِيَّ وَإِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ نَحْوُ الْقَوْلِ الْآخَرِ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُمْ بِالْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ سَبِّ اللَّهِ وَسَبِّ نبيه لأنّا عاهدناهم على أن لا يظهروا لنا شيئا من كفرهم وأن لا يُسْمِعُونَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَمَتَى فَعَلُوا شَيْئًا مِنْهُ فَهُوَ نَقْضٌ لِعَهْدِهِمْ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا تَزَنْدَقَ فَقَالَ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ، وَابْنُ «٥» عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَصْبَغُ «٦»: «لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ خَرَجَ من كفر إلى كفر» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٧٣» رقم «٨» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٧٣» رقم «٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٧٣» رقم «٣» .
(٥) عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم أبو عثمان كان فقيها جيدا وخيرا فاضلا من أصحاب ابن وهب توفي بمصر في سجن يزيد التركي وعذابه سنة سبع وثلاثين ومائتين.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ «١» بْنُ الْمَاجِشُونِ: «يُقْتَلُ لِأَنَّهُ دين لا يقرّ عليه أحد.. ولا يؤخذ عليه جزية» .
قال ابن «٢» حبيب: «وما أعلم من قاله غيره» .
***
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ص «٥٥٦» رقم «١٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ص «١٥٣» رقم «١» .
[ ٢ / ٦٢٩ ]
الْفَصْلُ السَّادِسُ حُكْمُ ادِّعَاءِ الْإِلَهِيَّةِ أَوِ الْكَذِبِ والبهتان عَلَى اللَّهِ
هَذَا حُكْمُ مَنْ صَرَّحَ بِسَبِّهِ وَإِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ.
فَأَمَّا مُفْتَرِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ ﵎ بِادِّعَاءِ الْإِلَهِيَّةِ أَوِ الرِّسَالَةِ، أَوِ النَّافِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَالِقُهُ، أَوْ رَبُّهُ.. أَوْ قَالَ: «لَيْسَ لِي رَبٌّ»، أَوِ الْمُتَكَلِّمُ بِمَا لَا يُعْقَلُ مِنْ ذَلِكَ فِي سُكْرِهِ، أَوْ غَمْرَةِ جُنُونِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي كُفْرِ قَائِلِ ذَلِكَ وَمُدَّعِيهِ مَعَ سلامة عقله كما قدمناه. لَكِنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتَنْفَعُهُ إِنَابَتُهُ، وتنجيه من القتل فيأته، لَكِنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ عَظِيمِ النَّكَالِ، وَلَا يُرَفَّهُ «١» عَنْ شَدِيدِ الْعِقَابِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِمِثْلِهِ عَنْ قَوْلِهِ، وَلَهُ عَنِ الْعَوْدَةِ لِكُفْرِهِ أو جهله إِلَّا مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَعُرِفَ اسْتِهَانَتُهُ بما أتى به، فهو دليل على
_________________
(١) يرفه: ينفس عنه ويخفف.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
سُوءِ طَوِيَّتِهِ، وَكَذِبِ تَوْبَتِهِ،، وَصَارَ كَالزِّنْدِيقِ الَّذِي لَا نَأْمَنُ بَاطِنَهُ، وَلَا نَقْبَلُ رُجُوعَهُ.. وَحُكْمُ السَّكْرَانِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الصَّاحِي.. وَأَمَّا الْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ غَمْرَتِهِ، وَذَهَابِ مَيْزِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا نَظَرَ فِيهِ، وَمَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ مَيْزِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَقْلُهُ وَسَقَطَ تَكْلِيفُهُ أُدِّبَ عَلَى ذَلِكَ لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ كَمَا يُؤَدَّبُ عَلَى قَبَائِحِ الْأَفْعَالِ وَيُوَالَى أَدَبُهُ على ذلك حتى ينكفّ عَنْهُ، كَمَا تُؤَدَّبُ الْبَهِيمَةُ عَلَى سُوءِ الْخُلُقِ حَتَّى تُرَاضَ.
- وَقَدْ أَحْرَقَ عَلِيُّ «١» بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَنِ ادَّعَى «٢» لَهُ الْإِلَهِيَّةَ.
- وَقَدْ قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ «٣» بْنُ مَرْوَانَ الْحَارِثَ «٤» الْمُتَنَبِّي وَصَلَبَهُ وَفَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ من الخلفاء والملوك بأشباههم وأجمع علماء
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٢) وهو كما في تاريخ الصفدي نصير مولى علي ﵁ لما قال له أنت إله فحرقه بالنار فقال وهو يحترق بالنار: لو لم تكن إلها لم تعذب بالنار. واليه تنسب النصيرية.
(٣) عبد الملك بن مروان: أحد ملوك بني مروان توفي سنة ٨٦ هـ وولد سنة ٢٦ هـ ولكنه في هذه المسائل لا يستدل بأقواله وأفعاله فلعل المصنف استأنس به لأنه في عصر السلف ولم ينكروا عليه ذلك.
(٤) الحارث المتنبي: ادعى النبوة وهو الحارث بن سعيد الكذاب.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وَقْتِهِمْ عَلَى صَوَابِ فِعْلِهِمْ.. وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ مِنْ كُفْرِهِمْ كَافِرٌ.
وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ أَيَّامَ الْمُقْتَدِرِ «١» مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَاضِي قُضَاتِهَا أَبُو عُمَرَ «٢» الْمَالِكِيُّ عَلَى قَتْلِ الْحَلَّاجِ «٣» وَصَلْبِهِ لِدَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةَ «٤»، وَالْقَوْلِ بِالْحُلُولِ «٥» وَقَوْلِهِ «أَنَا الْحَقُّ» مَعَ تَمَسُّكِهِ في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته.
_________________
(١) المقتدر: بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبو العباس احمد بن طلحة الموفق بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد. وقد توفي المقتدر مقتولا سنة عشرين وثلاثمائة.
(٢) أبو عمر المالكي: محمد بن يوسف بن يعقوب بن اسماعيل بن حماد بن زيد. كان من خيار القضاة جلالة وقدرا توفي سنة عشرين وثلاثمائة.
(٣) الحلاج: الحسين بن منصور، ولقب بالحلاح لأنه جلس يوما على حانوت حلاج واستفضاه حاجة فقال الحلاج أنا مشتغل الحلج فقال له: اقض لي حاجتي حتى أحلج لك، فمضى الحلاج في حاجته فلما عاد وجد قطنه كله محلوجا، وكان لا يحلجه عشرة رجال في أيام متعددة. وقد صحب الجنيد والسري والمشايخ ولزوم العبادة ببغداد. ووقع بينه وبين الشبلي وداود الظاهري والوزير علي بن عيسى خلاف فاتهم بالسحر وقتل..
(٤) أي قوله: أنا الله كما هو مشهور عنه.
(٥) الحلول: أي قولهم إن الله يحل في بعض الناس ويظهر بصورته كما ظهر جبريل ﵊ بصورة دحية ﵁.، وليس هذا وحدة الوجود التي ذهب إليها بعض الصوفية كما بينه السيد الشريف في شرح التجديد.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
وَكَذَلِكَ حَكَمُوا فِي ابْنِ أَبِي «١» الْفَرَاقِيدِ، وَكَانَ عَلَى نَحْوِ مَذْهَبِ الْحَلَّاجِ بَعْدَ هَذَا أَيَّامِ الرَّاضِي «٢» بِاللَّهِ.. وَقَاضِي قُضَاةِ بَغْدَادَ يَوْمَئِذٍ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ «٣» أَبِي عُمَرَ الْمَالِكِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ «٤» الْحَكَمِ فِي الْمَبْسُوطِ: «مَنْ تَنَبَّأَ قُتِلَ» .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ «٥» وَأَصْحَابُهُ: «مَنْ جَحَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُهُ أَوْ رَبُّهُ أَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي رَبٌّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ» .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ «٦» فِي كِتَابِ ابْنِ «٧» حَبِيبٍ وَمُحَمَّدٍ «٨» فِي
_________________
(١) ابن أبي الفراقيد: وفي نسخة (الفراقير) . والأول أصوب وهو محمد ابن علي بن أبي الفراقيد شاع أمره في بغداد وادعى الألوهية وأنه يحيي الموتى فطلبه الراضي فهرب سنين ثم عاد فهجم عليه ابن مقلة وامسكه فأثبت كفره وكتب عليه القضاة وأمتوا بقتله فقتل وأحرقت جثته سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة. وتبعه على حاله ابن أبي عون صاحب كتاب التنبيه فقتل معه.
(٢) الراضي بالله بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد أبو العباس، الراضي بالله خليفة عباسي دامت خلافته ست سنين وعشرة أيام توفي سنة (٣٢٩) هـ.
(٣) أبو الحسين بن أبي عمر قاضي القضاة واسمه عمر بن أبي عمر قاضي القضاة كان ذكيا فطنا حاذقا بالمذهب المالكي ولي قضاء بغداد وتوفي لثمان خلون من ذي القعدة سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٦٢٨) رقم (٥) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٩» رقم «٦» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٢» رقم «٦» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «١» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
[ ٢ / ٦٣٣ ]
الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ تَنَبَّأَ يُسْتَتَابُ أَسَرَّ ذَلِكَ أَوْ أعلنه، وهو كالمرتد..
وقاله سُحْنُونٌ «١» وَغَيْرُهُ وَقَالَهُ أَشْهَبُ «٢» فِي يَهُودِيٍّ تَنَبَّأَ وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَيْنَا.. إِنْ كَانَ مُعْلِنًا بِذَلِكَ اسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ «٣» بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ لَعَنَ بَارِئَهُ وَادَّعَى أَنَّ لِسَانَهُ زَلَّ.. وَإِنَّمَا أَرَادَ لَعْنَ الشَّيْطَانِ يُقْتَلُ بِكُفْرِهِ وَلَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ مِنْ أَنَّهُ لَا تقبل توبته.
وقال أبو الحسين «٤» الْقَابِسِيُّ فِي سَكْرَانَ قَالَ: أَنَا اللَّهُ أَنَا اللَّهُ.
إِنْ تَابَ أُدِّبَ فَإِنْ عَادَ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِ طُولِبَ مُطَالَبَةَ الزِّنْدِيقِ لِأَنَّ هَذَا كفر المتلاعبين.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٤» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٤٤» رقم «١» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٦» رقم «٢» .
[ ٢ / ٦٣٤ ]
الفصل السّابع حكم من تعرّض بساقط قوله وسخيف لفظه لجلال ربّه دُونَ قَصْدٍ
وَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ مِنْ سَقْطِ الْقَوْلِ وَسُخْفِ اللَّفْظِ مِمَّنْ لَمْ يَضْبِطْ كَلَامَهُ وَأَهْمَلَ لِسَانَهُ بِمَا يَقْتَضِي الِاسْتِخْفَافَ بِعَظَمَةِ رَبِّهِ، وَجَلَالَةِ مَوْلَاهُ..
أَوْ تَمَثَّلَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِبَعْضِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ مَلَكُوتِهِ.. أَوْ نَزَعَ مِنَ الْكَلَامِ لِمَخْلُوقٍ بِمَا لَا يَلِيقُ إِلَّا فِي حَقِّ خَالِقِهِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْكُفْرِ وَالِاسْتِخْفَافِ وَلَا عَامِدٍ لِلْإِلْحَادِ.
فَإِنْ تَكَرَّرَ هَذَا مِنْهُ، وَعُرِفَ بِهِ دَلَّ عَلَى تَلَاعُبِهِ بِدِينِهِ، وَاسْتِخْفَافِهِ بِحُرْمَةِ رَبِّهِ، وَجَهْلِهِ بِعَظِيمِ عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ.
- وهذا كفر لامرية فِيهِ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مَا أَوْرَدَهُ يُوجِبُ الِاسْتِخْفَافَ وَالتَّنَقُّصَ لِرَبِّهِ.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ حَبِيبٍ «١» وَأَصْبَغُ «٢» بْنُ خَلِيلٍ مِنْ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ بِقَتْلِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَخِي عَجَبٍ «٣»، وَكَانَ خَرَجَ يَوْمًا فَأَخَذَهُ الْمَطَرُ فَقَالَ: «بَدَأَ الْخَرَّازُ «٤» يَرُشُّ جُلُودَهُ» .
وَكَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِهَا.. أَبُو زَيْدٍ «٥» صَاحِبُ الثَّمَانِيَةِ «٦»، وَعَبْدُ الْأَعْلَى «٧» بن وهب، وأبان «٨» بن عيسى. وقد تَوَقَّفُوا عَنْ سَفْكِ دَمِهِ، وَأَشَارُوا إِلَى أَنَّهُ عَبَثٌ مِنَ الْقَوْلِ. يَكْفِي فِيهِ الْأَدَبُ.
وَأَفْتَى بِمِثْلِهِ الْقَاضِي حِينَئِذٍ مُوسَى «٩» بْنُ زِيَادٍ. فَقَالَ ابن حبيب:
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٢» رقم «١» .
(٢) اصبغ بن خليل يكنى أبا القاسم قرطبي هو من أهل العلم والفقه والورع والرياسة. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين وعمره ثمان وثمانون سنة..
(٣) عجب: اسم زوجة عبد الرحمن الأموي أمير قرطبة.
(٤) الخراز: من يثقب الجلود للخياطة والجلود تبل ويرش عليها الماء عند خرزها لتلين.
(٥) أبو زيد: وهو محمد بن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن خارجة صاحب الثمانية ولم يفسروه
(٦) الثمانية: بوزن العدد المعروف وقيل بمثلثة مضمومة وياء مشدد ولعلها بلدة أو قرية وكان أميرا عليها.
(٧) عبد الأعلى بن وهب مولى قريش قرطبي سمع من مطرف بن عبد الله بالمدينة ومن اصبغ وعلي بن معبد بمصر ومن سحنون بافريقيه توفي سنة إحدى وستين في صفر.
(٨) إبان بن عيسى سكن قرطبة يكنى أبا القاسم كان فاضلا زاهدا ورعا وهو قاض من قضاة المدينة توفي سنة اثنين وستين ومائة نصف ربيع الأول.
(٩) موسى بن زياد: قاض من قضاة المدينة كان معاصرا لابان بن عيسى وعبد الأعلى بن وهب وغيرهما.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
دمه في غيض.. أَيُشْتَمُ رَبٌّ عَبَدْنَاهُ ثُمَّ لَا نَنْتَصِرُ لَهُ.. إنا إذا لعبيد سوء ما نَحْنُ لَهُ بِعَابِدِينَ وَبَكَى. وَرُفِعَ الْمَجْلِسُ إِلَى الْأَمِيرِ بِهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ «١» بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيِّ وَكَانَتْ عَجَبُ «٢» عَمَّةَ هَذَا الْمَطْلُوبِ مِنْ حَظَايَاهُ «٣»، وَأُعْلِمَ بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فَخَرَجَ الْإِذْنُ مِنْ عِنْدِهِ بِالْأَخْذِ بِقَوْلِ ابْنِ «٤» حَبِيبٍ وَصَاحِبِهِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ وَصُلِبَ بِحَضْرَةِ الْفَقِيهَيْنِ.. وَعُزِلَ الْقَاضِي لِتُهْمَتِهِ بِالْمُدَاهَنَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَوَبَّخَ بَقِيَّةَ الْفُقَهَاءِ وَسَبَّهُمْ.
- وَأَمَّا مَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ الهنة الواحدة، والفلتة الشاردة ما لم يكن تَنَقُّصًا وَإِزْرَاءً فَيُعَاقَبُ عَلَيْهَا، وَيُؤَدَّبُ بِقَدْرِ مُقْتَضَاهَا، وَشُنْعَةِ مَعْنَاهَا، وَصُورَةِ حَالِ قَائِلِهَا، وَشَرْحِ سَبَبِهَا وَمُقَارِنِهَا.
وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ «٥» الْقَاسِمِ ﵀ عن رجل نادى رجلا باسمه
_________________
(١) عبد الرحمن بن الحكم: بن هشام صاحب الاندل وكان عادلا منقيا مجاهدا توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
(٢) تقدمت ترجمتها في ج ٢ ص «٦٣٦» رقم «٣» .
(٣) حظايا: جمع حظية كهيئة وهي المرأة المقربة عند زوجها وعجب هذه من زوجات عبد الرحمن أمير الاندلس.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٣) رقم «٦» .
[ ٢ / ٦٣٧ ]
فأجابه لبيك اللهم لبيك. قال: فإن كَانَ جَاهِلًا، أَوْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ سَفَهٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو «١» الْفَضْلِ: وَشَرْحُ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ. وَالْجَاهِلُ يُزْجَرُ وَيُعَلَّمُ. وَالسَّفِيهُ يُؤَدَّبُ. وَلَوْ قَالَهَا عَلَى اعْتِقَادِ إِنْزَالِهِ مَنْزِلَةَ رَبِّهِ لَكَفَرَ. هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِ.
وَقَدْ أَسْرَفَ كَثِيرٌ مِنْ سُخَفَاءِ الشُّعَرَاءِ وَمُتَّهِمِيهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ وَاسْتَخَفُّوا عَظِيمَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فَأَتَوْا مِنْ ذَلِكَ بِمَا نُنَزِّهُ كِتَابَنَا وَلِسَانَنَا وَأَقْلَامَنَا عَنْ ذِكْرِهِ، وَلَوْلَا أَنَّا قَصَدْنَا نص مسائل حكيناها لما ذَكَرْنَا شَيْئًا مِمَّا يَثْقُلُ ذِكْرُهُ عَلَيْنَا مِمَّا حكيناه في هذه الفصول. وأما مَا وَرَدَ فِي هَذَا مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ وَأَغَالِيطِ اللِّسَانِ كَقَوْلِ بَعْضِ الْأَعْرَابِ
رَبَّ الْعِبَادِ ما لنا ومالكا قَدْ كُنْتَ تَسْقِينَا فَمَا بَدَا لَكَا
أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ لَا أَبَا لَكَا.
فِي أَشْبَاهٍ لِهَذَا مِنْ كَلَامِ الْجُهَّالِ، وَمَنْ لَمْ يُقَوِّمْهُ ثِقَافُ «٢» تَأْدِيبِ الشَّرِيعَةِ وَالْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ. فَقَلَّمَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ جَاهِلٍ يَجِبُ تَعْلِيمُهُ وَزَجْرُهُ وَالْإِغْلَاظُ لَهُ عَنِ الْعَوْدَةِ إِلَى مِثْلِهِ.
_________________
(١) أبو الفضل المصنف
(٢) ثقاف: في الأصل معناها تقويم الرماح والخشب المعوج بالنار فاستعير لما يقوم الانسان.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ «١» الْخَطَابِيُّ: وَهَذَا تَهَوُّرٌ مِنَ الْقَوْلِ. وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَوْنِ «٢» بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: «لِيُعَظِّمْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ في كل شيء. حتى لا يَقُولَ. أَخْزَى اللَّهُ الْكَلْبَ.
وَفَعَلَ بِهِ كَذَا وكذا» .
وَكَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ مَشَايِخِنَا قَلَّمَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا فِيمَا يَتَّصِلُ بِطَاعَتِهِ.
وَكَانَ يَقُولُ لِلْإِنْسَانِ: جُزِيتَ خَيْرًا. وَقَلَّمَا يَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. إِعْظَامًا لِاسْمِهِ تَعَالَى أَنْ يُمْتَهَنَ فِي غَيْرِ قُرْبَةٍ.
وَحَدَّثَنَا الثِّقَةُ «٣» أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ «٤» الشَّاشِيَّ كَانَ يَعِيبُ على
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٤» رقم «٦» .
(٢) عون بن عبد الله: بن عتبة الهزلي الكوفي الزاهد الفقيه المحدث النابعي توفي في حدود العشرين ومائة.
(٣) توثيق المجهول لا فائدة فيه إلا إذا علم بالقرينة كقول أبي بكر بن العربي وسيبويه حدثنا الثقة يعني أبا زيد.
(٤) أبو بكر الشاشي: وحيد دهره الامام أبو بكر محمد بن علي بن اسماعيل القفال الشاشي نسبة لشاش مدينة فيما وراء النهر، وهو إمام عظيم له تأليفات جليلة، وهو عمدة في مذهبه واختلف في وفاته فقيل سنة ست وستين وثلاثمائة وقيل سنة ست وثلاثين، وقيل إنه كان أول أمره معتزليا ثم رجع عنه.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
أَهْلِ الْكَلَامِ كَثْرَةَ خَوْضِهِمْ فِيهِ تَعَالَى وَفِي ذِكْرِ صِفَاتِهِ إِجْلَالًا لِاسْمِهِ تَعَالَى.
وَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ يَتَمَنْدَلُونَ «١» بِاللَّهِ ﷿.. وَيُنَزِّلُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ تَنْزِيلَهُ فِي بَابِ سَابِّ النَّبِيِّ ﷺ. عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي فصلناها.. والله الموفق.
_________________
(١) يتمندلون: فعل من المنديل وهو الخرقة التي يمسح بها الأيدي، واشتق الفعل منه وأنكرها بعضهم وقال هذا مولد غير فصيح.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
الْفَصْلُ الثَّامِنُ حُكْمُ سَبِّ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ
وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ وَاسْتَخَفَّ بِهِمْ، أَوْ كَذَّبَهُمْ فِيمَا أَتَوْا بِهِ، أَوْ أَنْكَرَهُمْ وَجَحَدَهُمْ.. حُكْمُ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى مَسَاقِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ. «١»» الْآيَةَ
وَقَالَ تَعَالَى: «قُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا، وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ. «٢»» الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ «لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ «٣»»
وَقَالَ: «كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «٤»»
_________________
(١) «وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا» . الاية: ١٥٠ سورة النساء
(٢) الايات ١٣٧ سورة البقرة.
(٣) الايات ١٣٧ سورة البقرة.
(٤) الاية: ٢٨٦ سورة البقرة.
[ ٢ / ٦٤١ ]
قَالَ مَالِكٌ «١» فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ «٢» وَمُحَمَّدٍ «٣»، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ «٤» وَابْنُ الْمَاجِشُونِ «٥»، وَابْنُ «٦» عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَصْبَغُ «٧» وَسُحْنُونٌ «٨» فِيمَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَوْ تَنَقَّصَهُ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ. وَمَنْ سَبَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قُتِلَ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
وَرَوَى سُحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: «من سب الْأَنْبِيَاءَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ كَفَرَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ» .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي هَذَا الْأَصْلِ.. وَقَالَ الْقَاضِي بِقُرْطُبَةَ سَعِيدُ بْنُ «٩» سُلَيْمَانَ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ: «مَنْ سَبَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ قُتِلَ» .
وَقَالَ سُحْنُونٌ «١٠»: «مَنْ شَتَمَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَعَلَيْهِ القتل» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (١) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠٩» رقم «١٠» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٦» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٥٦» رقم «١٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢٨» رقم «٥» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٥» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨٤» رقم «٩» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٦» .
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وَفِي النَّوَادِرِ «١» عَنْ مَالِكٍ «٢»: «فِيمَنْ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْطَأَ بِالْوَحْيِ وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ عَلِيَّ بْنَ «٣» أَبِي طَالِبٍ. اسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ» .
وَنَحْوُهُ عَنْ سُحْنُونٍ. وَهَذَا قَوْلُ الْغُرَابِيَّةِ «٤» مِنَ الرَّوَافِضِ..
سُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشْبَهَ بِعَلِيٍّ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ»
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ «٥» وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَصْلِهِمْ: «مَنْ كَذَّبَ بِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ تنقّص أحدا منهم أو برىء مِنْهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ» .
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ «٦» الْقَابِسِيُّ: فِي الَّذِي قَالَ لِآخَرَ: كَأَنَّهُ وَجْهُ مَالِكٍ «٧» الْغَضْبَانِ.. لَوْ عُرِفَ أَنَّهُ قَصَدَ ذَمَّ الْمَلَكِ قُتِلَ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو «٨» الْفَضْلِ: وَهَذَا كُلُّهُ فيمن تكلم فيهم بما قلناه
_________________
(١) النوادر: كتاب لابن أبي زيد.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤٠» رقم (٧) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٤) الغرابية: فرقة من الرافضة قالوا علي أشبه بمحمد من الغراب بالغراب. والذباب بالذباب.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٤٩٩) رقم (٦) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٧٦) رقم (٢) .
(٧) مالك خازن النار.
(٨) أبو الفضل القاضي عياض مؤلف الكتاب
[ ٢ / ٦٤٣ ]
عَلَى جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ مِمَّنْ حَقَّقْنَا كَوْنَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ مِمَّنْ نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، أَوْ حَقَّقْنَا عِلْمَهُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمُشْتَهِرِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ، كَجِبْرِيلَ «١» وَمِيكَائِيلَ وَمَالِكٍ، وَخَزَنَةِ الْجَنَّةِ، وَجَهَنَّمَ وَالزَّبَانِيَةِ وَحَمَلَةِ الْعَرْشِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ سُمِّيَ فِيهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَعِزْرَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ وَرِضْوَانَ، وَالْحَفَظَةِ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ «٢» مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِ الْخَبَرِ بِهِمَا.. فَأَمَّا مَنْ لم تثبت الأخبار بتعيينه كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ فِي الْمَلَائِكَةِ، وَالْخَضِرِ «٣» وَلُقْمَانَ «٤» وَذِي الْقَرْنَيْنِ «٥» وَمَرْيَمَ «٦» وَآسِيَةَ «٧» وَخَالِدِ بْنِ «٨» سِنَانَ (الْمَذْكُورِ أنه نبي أهل
_________________
(١) جبريل: إيل بالعبرانية اسم من أسماء الله ومعنى جبرائيل عبد الله.
(٢) ورد ذكرهما في الصحيحين، وقال السيوطي إن حديث ملكي السؤال متواتر.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٩٢٣) رقم (١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٧) رقم (٦) .
(٥) ذو القرنين: كان في زمن الخليل عليه الصلاة السلام.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٢٠٩) رقم (٤) .
(٧) آسية: إمرأة فرعون وكانت مؤمنة صالحة.
(٨) خالد بن سنان: روي تصته الحاكم في مستدركه وله طرق أخرى تقتضي أنه غير موضوع وكان هو وقومه يسكنون عدن فخرجت نار عظيمة فالتجأ إليه قومه فطردها بعصاه ثم أوصى قومه بوصايا فيها خير فلم ينفذوها.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
الرس) وزرادشت «١» الذي تدعي المجوس والمؤرخون نُبُوَّتَهُ، فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِي سَابِّهِمْ وَالْكَافِرِ بِهِمْ كَالْحُكْمِ فِيمَنْ قَدَّمْنَاهُ.. إِذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ.. وَلَكِنْ يُزْجَرُ مَنْ تَنَقَّصَهُمْ وَآذَاهُمْ، ويؤدب بقدر حال المقول فيه، لَا سِيَّمَا مَنْ عُرِفَتْ صِدِّيقِيَّتُهُ وَفَضْلُهُ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُ.
وَأَمَّا إِنْكَارُ نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ كَوْنِ الْآخَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ، لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنِ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا. فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا.
وَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ تحته عمل لأهل العلم، فكيف للعامة!
_________________
(١) زرادشت: تدعي المجوس نبوته، وقيل إنه كان نبيا ولكن قومه حرفوا شريعته بعده.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
الفصل التاسع الحكم بالنسبة للقرآن
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ، أَوِ الْمُصْحَفِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ سَبَّهُمَا، أَوْ جَحَدَهُ، أَوْ حَرْفًا مِنْهُ، أَوْ آيَةً أَوْ كَذَّبَ به، أو بشيء منه.. أو بِشَيْءٍ مِمَّا صُرِّحَ بِهِ فِيهِ مِنْ حُكْمٍ، أَوْ خَبَرٍ، أَوْ أَثْبَتَ مَا نَفَاهُ، أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ.. عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِجْمَاعٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. «١»»
عَنْ أَبِي «٢» هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «٣»: «الْمِرَاءُ «٤» فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» تؤوّل بمعنى «الشك» وبمعنى «الجدال»
_________________
(١) الاية: ٤٢-- ٤٣ سورة فصلت
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣١) رقم (٥) .
(٣) في حديث رواه أبو دأود واحمد بن حنبل في مسنده.
(٤) المراء: بكسر الميم وراء مهملة قبل مد التردد والمماراة المحاجة.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «١» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٢»: «مَنْ جَحَدَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ حَلَّ ضَرْبُ عُنُقِهِ..»
وَكَذَلِكَ إِنْ جَحَدَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَكُتُبَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةَ أَوْ كَفَرَ بِهَا، أَوْ لَعَنَهَا، أَوْ سَبَّهَا، أَوِ اسْتَخَفَّ بِهَا فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ الْمَكْتُوبَ فِي الْمُصْحَفِ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِمَّا جَمَعَهُ الدَّفَّتَانِ مِنْ أَوَّلِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٣») إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَوَحْيُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ.. وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ حَقٌّ. وَأَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ حَرْفًا قَاصِدًا لِذَلِكَ، أَوْ بَدَّلَهُ بِحَرْفٍ آخَرَ مَكَانَهُ، أَوْ زَادَ فِيهِ حَرْفًا مِمَّا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ الْمُصْحَفُ الَّذِي وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَأَجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ عَامِدًا لِكُلِّ هَذَا. أَنَّهُ كَافِرٌ
وَلِهَذَا رَأَى مَالِكٌ «٤» قَتْلَ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ «٥» ﵂ بِالْفِرْيَةِ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ خَالَفَ القرآن قتل.. أي لأنه كذّب بما فيه.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٢) رقم (١) .
(٢) في حديث رواجه ابن ماجه
(٣) الحمد لله رب العالمين: كأنها أصبحت علما على سورة الفاتحة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٤٦) رقم (٥) .
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وَقَالَ ابْنُ «١» الْقَاسِمِ: «مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا يُقْتَلُ» .
وَقَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ «٢» بْنُ مَهْدِيٍّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ «٣» سُحْنُونٍ:
فِيمَنْ قَالَ: «الْمُعَوِّذَتَانِ لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يُضْرَبُ عُنُقُهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَذَّبَ بِحَرْفٍ مِنْهُ» .
قَالَ: «وَكَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَشَهِدَ آخَرُ عليه أنه قال: إن الله لم يتخذ إِبْرَاهِيمَ خَلَيِلًا لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّهُ كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ» .
وَقَالَ أَبُو عثمان «٤» الْحَدَّادِ: «جَمِيعُ مَنْ يَنْتَحِلُ التَّوْحِيدَ مُتَّفِقُونَ أَنَّ الْجَحْدَ لِحَرْفٍ مِنَ التَّنْزِيلِ كُفْرٌ» .
وَكَانَ أَبُو «٥» الْعَالِيَةِ إِذَا قَرَأَ عِنْدَهُ رَجُلٌ لَمْ يَقُلْ لَهُ: لَيْسَ كَمَا قَرَأْتَ وَيَقُولُ: أَمَّا أَنَا فأقرأ كذا. فبلغ ذلك إبراهيم «٦» فقال:
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٦) .
(٢) عبد الرحمن بن مهدي: بن حسان أبو سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ أحد الأعلام في الحديث. قال ابن المديني: كان أعلم الناس بالحديث ولد في سنة خمس وثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة وأخرج له الستة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٠٩) رقم (١٠) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٥٠٣) رقم (٥) .
(٥) أبو العالية متعدد ولا يعرف المراد هنا.
(٦) إبراهيم: الظاهر أنه النخعي لشهرته ويحتمل أنه التميمي وقد تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٦١) رقم (١١) .
[ ٢ / ٦٤٨ ]
أَرَاهُ سَمِعَ أَنَّهُ مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْهُ فقد كفر به كلية.
وقال عبد الله بن «١» مسعود «٢»: من كفر باية من القرآن فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ «٣» الْفَرَجِ: مَنْ كَذَّبَ بِبَعْضِ الْقُرْآنِ فَقَدْ كَذَّبَ بِهِ كُلِّهِ وَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ.
وَقَدْ سُئِلَ الْقَابِسِيُّ «٤» عَمَّنْ خَاصَمَ يَهُودِيًّا فَحَلَفَ لَهُ بِالتَّوْرَاةِ..
فَقَالَ الْآخَرُ: لَعَنَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَاهِدٌ ثُمَّ شَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْقَضِيَّةِ فَقَالَ إِنَّمَا لَعَنْتُ تَوْرَاةَ الْيَهُودِ.. فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ لَا يُوجِبُ الْقَتْلَ، وَالثَّانِي عَلَّقَ الْأَمْرَ بِصِفَةٍ تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.. إِذْ لَعَلَّهُ لَا يَرَى الْيَهُودَ مُتَمَسِّكِينَ بِشَيْءٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِتَبْدِيلِهِمْ، وَتَحْرِيفِهِمْ، وَلَوِ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى لَعْنِ التَّوْرَاةِ مُجَرَّدًا لَضَاقَ التَّأْوِيلُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ عَلَى استتابة ابن شنبوذ «٥» المقرىء أحد
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٢١٤) رقم (٢) .
(٢) رواه عبد الرزاق عنه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (١٥٣) رقم (٥) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٧٦) رقم (٢) .
(٥) ابن شنبوذ: هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن صلت بن شنبوذ وهو من أعلام القراء من أقران ابن مجاهد، وكان بينهما منافة. وكان من أعيان العلماء الرؤساء مع غفلته. أنكرت عليه بعض القراآت.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
أَئِمَّةِ الْمُقْرِئِينَ الْمُتَصَدِّرِينَ بِهَا مَعَ ابْنِ مُجَاهِدٍ «١» لقراءته وإقراءه بِشَوَاذَّ مِنَ الْحُرُوفِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ.. وعقدوا عليه- بالرجوع عنه، والتوبة منه- سِجِلًّا أَشْهَدَ فِيهِ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَجْلِسِ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ «٢» مُقْلَةَ سَنَةَ ثلاث وعشرين وثلاثمئة.
وَكَانَ فِيمَنْ أَفْتَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ «٣» الْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَفْتَى أَبُو مُحَمَّدِ «٤» بْنُ أَبِي زَيْدٍ بِالْأَدَبِ فِيمَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ: لَعَنَ اللَّهُ معلمك وما علمك.. وقال: أَرَدْتُ سُوءَ الْأَدَبِ وَلَمْ أُرِدِ الْقُرْآنَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ الْمُصْحَفَ فَإِنَّهُ يقتل.
_________________
(١) ابن مجاهد: أحمد بن موسى بن العباس بين مجاهد التميمي الأستاذ أبو بكر البغدادي رئيس القراء وهو أول من جمع القراآت ولد سنة خمس وأربعين ومائتين.
(٢) أبو علي بن مقلة: الوزير الكاتب المشهور استوزره الخليفة المقتدر بالله واتهمه فأمره فاستعفاه من الوزراة. فلما تولى الراضي بالله استؤزره ثم غضب عليه وقطع يده وسجنه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٣٣١) رقم (٤) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٤٧٩) رقم (٥) .
[ ٢ / ٦٥٠ ]
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ الْحُكْمُ فِي سَبِّ آلِ الْبَيْتِ والأزواج والأصحاب
وسبّ آل بيته وأزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه ﷺ وثنقصها حرام ملعون فاعله.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ «١» مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٢»: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فَقَدْ آذَى اللَّهَ.. وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ..»
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٦٤) رقم (٨) .
(٢) في حديث صحيح رواه الترمذي.
[ ٢ / ٦٥١ ]
وَقَالَ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّهُ يَجِيءُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ، وَلَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ، وَلَا تُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا تُجَالِسُوهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ.»
وَعَنْهُ ﷺ: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ.» وَقَدْ أَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ سَبَّهُمْ وَأَذَاهُمْ يُؤْذِيهِ وَأَذَى النَّبِيِّ ﷺ حرام»
فقال: «لا تؤذوا أَصْحَابِي، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي..
وَقَالَ: «لَا تُؤْذُونِي فِي عَائِشَةَ «١» .» وَقَالَ فِي فَاطِمَةَ «٢»: «بِضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا «٣» ..»
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ «٤» فِي ذَلِكَ:
الِاجْتِهَادُ وَالْأَدَبُ الْمُوجِعُ قَالَ مَالِكٌ ﵀: مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ وَمَنْ شَتَمَ أَصْحَابَهُ أُدِّبَ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ شَتَمَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أبا بكر «٥»
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص (١٤٦) رقم (٥) .
(٢) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص (٤١٢) رقم (٢) .
(٣) والحديث في الصحيحين.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
[ ٢ / ٦٥٢ ]
أَوْ عُمَرَ «١»، أَوْ عُثْمَانَ «٢»، أَوْ مُعَاوِيَةَ «٣»، أَوْ عَمْرَو «٤» بْنَ الْعَاصِ فَإِنْ قَالَ: كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ وَكُفْرٍ قُتِلَ، وَإِنْ شَتَمَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا مِنْ مُشَاتَمَةِ النَّاسِ نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا.
وَقَالَ ابْنُ «٥» حَبِيبٍ: مَنْ غَلَا مِنَ الشِّيعَةِ إِلَى بُغْضِ عُثْمَانَ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ أُدِّبَ أَدَبًا شَدِيدًا، وَمَنْ زَادَ إِلَى بُغْضِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه، ويطال جنه حَتَّى يَمُوتَ، وَلَا يُبْلَغُ بِهِ الْقَتْلُ إِلَّا فِي سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ سُحْنُونٌ «٦»: مَنْ كَفَّرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَلِيًّا «٧» أَوْ عُثْمَانَ، أَوْ غَيْرَهُمَا يُوجَعُ ضَرْبًا.
وَحَكَى أَبُو محمد «٨» بن أبي زيد عن سحنون فيمن قَالَ فِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إنهم كانوا على ضلال وَكُفْرٍ قُتِلَ، وَمَنْ شَتَمَ غَيْرَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ بمثل هذا نكّل النكال الشديد.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٦٩» رقم «٦» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٥٩» رقم «٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٩» رقم «٦» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٥٣» رقم «٣» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤٧٩» رقم «٥» .
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ جُلِدَ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ «١» قُتِلَ.. قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: مَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ.
وَقَالَ ابْنُ «٢» شَعْبَانَ عَنْهُ: لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ «يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٣»» فَمَنْ عَادَ لِمِثْلِهِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ «٤» الصَّقَلِّيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ «٥» الطَّيِّبَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ سَبَّحَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: «وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا «٦»» فِي آيٍ كَثِيرَةٍ، وَذَكَرَ تَعَالَى مَا نَسَبَهُ الْمُنَافِقُونَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: «وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ: مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ «٧»» سَبَّحَ نَفْسَهُ فِي تَبْرِئَتِهَا مِنَ السُّوءِ كَمَا سَبَّحَ نَفْسَهُ فِي تَبْرِئَتِهِ مِنَ السُّوءِ، وَهَذَا يَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي قَتْلِ مَنْ سَبَّ عائشة.
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٠٢» رقم «٣» .
(٣) الاية: ١٨ سورة النور.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ص «» رقم «»
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» .
(٦) الاية: ١١٨ سورة البقرة.
(٧) الاية: ١٧ سورة البقرة.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وَمَعْنَى هَذَا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ اللَّهَ لَمَّا عَظَّمَ سَبَّهَا كَمَا عَظَّمَ سَبَّهُ وَكَانَ سَبُّهَا سَبًّا لِنَبِيِّهِ، وَقَرَنَ سَبَّ نَبِيِّهِ وَأَذَاهُ بِأَذَاهُ تَعَالَى، وَكَانَ حُكْمُ مُؤْذِيهِ تَعَالَى الْقَتْلَ كَانَ مُؤْذِي نَبِيِّهِ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
- وَشَتَمَ رَجُلٌ عَائِشَةَ بِالْكُوفَةِ، فَقُدِّمَ إِلَى مُوسَى «١» بْنِ عِيسَى الْعَبَّاسِيِّ فَقَالَ: مَنْ حَضَرَ هَذَا؟ فَقَالَ ابْنُ أبي «٢» ليلى: أنا..
فجلد ثمانين، وحلق رأسه وأسلمه للحجامين.
وَرُوِيَ «٣» عَنْ عُمَرَ بْنِ «٤» الْخَطَّابِ أَنَّهُ نَذَرَ قَطْعَ لِسَانِ عُبَيْدِ «٥» اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ شَتَمَ الْمِقْدَادَ «٦» بْنَ الْأَسْوَدِ. فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ..
فَقَالَ: دَعُونِي أَقْطَعْ لِسَانَهُ حَتَّى لَا يَشْتُمَ أَحَدٌ بَعْدُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ «٧» الْهَرَوِيُّ أَنَّ عُمَرَ بن الخطاب أتي بأعرابي
_________________
(١) موسى بن عيسى: الذي في التواريخ انه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وأول من ولي الخلافة من بني العباس السفاح وجعل ولي العهد بعده أخاه المنصور وبعده عيسى بن موسى فمات قبل المهدي سنة ثمان وستين ومائة وكان قد خلع نفسه كرها ولان المنصور أراد لابنه المهدي الخلافة بعده.
(٢) ابن أبي ليلى: محمد بن عبد الرحمن الانصاري الفقيه المشهور كان صاحب قراءة وعنه أخذ حمزة أحد القراء السبعة وكان أفقه أهل عصره وأعلمهم بالسنة حتى وصل لمرتبة الاجتهاد.
(٣) رواه الخطيب وابن عساكر في التاريخ عن أبي ذر الغفاري.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ص «» رقم «» .
(٦) المقداد بن الاسود: بن عمرو بن ثعلبة النهرواني والحضرمي شهد المقداد بدرا وما بعدها ومات ببلده فحمل للمدينة ودفن بها وصلّى عليه عثمان سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين وكان ﵁ من كبار الصحابة ولذلك غضب عمر على عبيد الله.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢٦٧» رقم «١» .
[ ٢ / ٦٥٥ ]
يَهْجُو الْأَنْصَارَ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ لَهُ صُحْبَةً لَكَفَيْتُكُمُوهُ قَالَ مَالِكٌ «١»:
مَنِ انْتَقَصَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَيْسَ لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ حَقٌّ.. قَدْ قَسَمَ اللَّهُ الْفَيْءَ فِي ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ فَقَالَ: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ «٢»» الاية ثم قال: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ «٣»» الْآيَةَ وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَنْصَارُ.. ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ.. «٤»» الْآيَةَ فَمَنْ تَنَقَّصَهُمْ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ «٥» شَعْبَانَ: مَنْ قَالَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِنَّهُ ابْنُ زَانِيَةٍ وَأُمُّهُ مَسْلَمَةٌ حُدَّ عِنْدِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا حَدَّيْنِ.. حَدًّا لَهُ وَحَدًّا لِأُمِّهِ وَلَا أَجْعَلُهُ كَقَاذِفِ الْجَمَاعَةِ فِي كَلِمَةٍ لِفَضْلِ هَذَا عَلَى غَيْرِهِ.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاجْلِدُوهُ» .
قَالَ: وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ أَحَدِهِمْ وَهِيَ كَافِرَةٌ حُدَّ حَدَّ الْفِرْيَةِ لِأَنَّهُ سَبٌّ لَهُ.. فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ هَذَا الصحابي حيّا قام بما يجب
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٢) الاية: ٩ سورة الحشر.
(٣) الاية: ١٠ سورة الحشر.
(٤) الاية: ١١ سورة الحشر.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٠٢» رقم «٣» .
[ ٢ / ٦٥٦ ]
له، وإلا فمن قام مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ قَبُولُ قِيَامِهِ.
قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا كَحُقُوقِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ لِحُرْمَةِ هَؤُلَاءِ بِنَبِيِّهِمْ ﷺ وَلَوْ سَمِعَهُ الْإِمَامُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ كَانَ وَلِيَّ الْقِيَامِ بِهِ قَالَ: وَمَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ «١» مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُقْتَلُ لِأَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ يسب حَلِيلَتِهِ «٢»
وَالْآخَرُ: أَنَّهَا كَسَائِرِ الصَّحَابَةِ يُجْلَدُ حَدَّ الْمُفْتَرِي
قَالَ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ.
وَرَوَى أَبُو «٣» مُصْعَبٍ عن مالك «٤» .: فيمن سب من انْتَسَبَ إِلَى بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ يُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَيُشْهَرُ وَيُحْبَسُ طَوِيلًا حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الرَّسُولِ ﷺ
وَأَفْتَى أَبُو الْمُطَرِّفِ «٥» الشَّعْبِيُّ فَقِيهُ مَالِقَةَ فِي رَجُلٍ أَنْكَرَ تَحْلِيفَ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٢) حليلته: زوجته من الحلال.
(٣) أبو مصعب: أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن الزهري المدني قاضي المدينة كما تقدم.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٤١) رقم (٧) .
(٥) ابو المطرف الشعبي محمد بن عبد السلام قرشي ﵀ سمع من الاعناقي بوان لبابة وكان حافظا للفقه والوثائق مفتيا.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
امْرَأَةٍ بِاللَّيْلِ وَقَالَ: لَوْ كَانَتْ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ «١» الصِّدِّيقِ مَا حُلِّفَتْ إِلَّا بِالنَّهَارِ.
وَصَوَّبَ قَوْلَهُ بَعْضُ الْمُتَّسِمِينَ بِالْفِقْهِ فَقَالَ أَبُو الْمُطَرِّفِ: ذِكْرُ هَذَا لِابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي مِثْلِ هَذَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ وَالسِّجْنَ الطَّوِيلَ.
والفقيه الذي صوّب قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه فيتقدّم إليه فِي ذَلِكَ وَيُزْجَرُ وَلَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ، وَلَا شَهَادَتُهُ، وَهِيَ جُرْحَةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ، وَيُبْغَضُ فِي اللَّهِ.
وَقَالَ أَبُو «٢» عِمْرَانَ فِي رَجُلٍ قَالَ: لَوْ شَهِدَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ شَهَادَتَهُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ أَرَادَ غَيْرَ هَذَا فَيُضْرَبُ ضَرْبًا يَبْلُغُ بِهِ حَدَّ الْمَوْتِ وَذَكَرُوهَا رِوَايَةً.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو «٣» الْفَضْلِ: هُنَا انْتَهَى الْقَوْلُ بِنَا فِيمَا حَرَّرْنَاهُ وَانْتَجَزَ الْغَرَضُ الَّذِي انتحيناه، واستوفي الشرط الذي شرطناه مما
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٥٦) رقم (٦) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص () رقم () .
(٣) أبو الفضل: المصنف
[ ٢ / ٦٥٨ ]
أرجو أنّ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهُ لِلْمُرِيدِ مَقْنَعٌ وَفِي كُلِّ بَابٍ مَنْهَجٌ إِلَى بُغْيَتِهِ وَمَنْزَعٌ.
وَقَدْ سَفَرْتُ فِيهِ عَنْ نُكَتٍ تُسْتَغْرَبُ وَتُسْتَبْدَعُ، وَكَرَعْتُ فِي مَشَارِبَ مِنَ التَّحْقِيقِ لَمْ يُورَدْ لَهَا قَبْلُ فِي أَكْثَرِ التَّصَانِيفِ مَشْرَعٌ وَأَوْدَعْتُهُ غَيْرَ مَا فَصْلٍ وَدِدْتُ لَوْ وَجَدْتُ مَنْ بَسَطَ قبلي الكلام فيه، أو مقتدى يفيد فيه عَنْ كِتَابِهِ أَوْ فِيهِ «١»، لِأَكْتَفِيَ بِمَا أَرْوِيهِ
وإلى الله تعالى جزيل الضراعة والمنة بِقَبُولِ مَا مِنْهُ لِوَجْهِهِ، وَالْعَفْوِ عَمَّا تَخَلَّلَهُ مِنْ تَزَيُّنٍ وَتَصَنُّعٍ لِغَيْرِهِ، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا ذَلِكَ بِجَمِيلِ كَرَمِهِ وَعَفْوِهِ، لِمَا أَوْدَعْنَاهُ مِنْ شَرَفِ مُصْطَفَاهْ وَأَمِينِ وَحْيِهِ وَأَسْهَرْنَا بِهِ جُفُونَنَا لِتَتَبُّعِ فَضَائِلِهِ، وَأَعْمَلْنَا فِيهِ خَوَاطِرَنَا مِنْ إِبْرَازِ خَصَائِصِهِ وَوَسَائِلِهِ، وَيَحْمِيَ أَعْرَاضَنَا عَنْ نَارِهِ الْمُوقَدَةِ لِحِمَايَتِنَا كَرِيمَ عِرْضِهِ، وَيَجْعَلَنَا مِمَّنْ لَا يُذَادُ إِذَا ذِيدَ الْمُبَدِّلُ عَنْ حَوْضِهِ، وَيَجْعَلَهُ لَنَا وَلِمَنْ تَهَمَّمَ بِاكْتِتَابِهِ، وَاكْتِسَابِهِ سَبَبًا يَصِلُنَا بِأَسْبَابِهِ، وَذَخِيرَةً نَجِدُهَا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا نَحُوزُ بِهَا رِضَاهُ وجزيل ثوابه، ويخصّنا بخصّيص زُمْرَةِ نَبِيِّنَا وَجَمَاعَتِهِ، وَيَحْشُرَنَا فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وأهل الباب الأيمن ومن أهل شفاعته.
_________________
(١) فيه: هنا معناها فمه
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وَنَحْمَدُهُ تَعَالَى عَلَى مَا هَدَى إِلَيْهِ مِنْ جَمْعِهِ، وَأَلْهَمَ وَفَتَحَ الْبَصِيرَةَ لِدَرْكِ حَقَائِقِ مَا أَوْدَعْنَاهُ وَفَهَّمَ، وَنَسْتَعِيذُهُ جَلَّ اسْمُهُ مِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَعِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَعَمَلٍ لَا يُرْفَعُ، فَهُوَ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يُخَيِّبُ مَنْ أَمَّلَهُ وَلَا يُنْتَصَرُ مَنْ خَذَلَهُ.. وَلَا يَرُدُّ دَعْوَةَ الْقَاصِدِينَ، وَلَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ.
وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَصَلَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ..
[ ٢ / ٦٦٠ ]
بسم الله الرّحمن الرّحيم