لِي بَعْضُهَا وأنا أرْجُو من سِعَة فَضْلِه أَنْ يَسْتَجِيب لِي بَقِيَّتَهَا، قَال الْقَاضِي أَبُو الفضل ذَكَرْنَا نُبَذًا من هذه النّكَت فِي هَذَا الْفَصْل وَإِنْ لَم تَكُن مِن الْبَاب لتملقها بالْفَصْل الَّذِي قَبْلَه حرْصًا عَلَى تَمَام الفَائِدة والله المُوَفَّق لِلصّوَاب بِرَحْمَتِه
الْقَسَم الثالث فِيمَا يَجب للنَّبِيّ ﷺ وَمَا يَسْتَحِيل فِي حَقّه أَو يَجُوز عَلَيْه وَمَا يَمْتَنِع أَو يَصِحّ مِن الأحْوَال البَشَرِيّة أن يضاف إليه:
قال اللَّه تَعَالَى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ حلت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفائن مات أو قتل) الآية، وقال تعالى (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطعام) وَقَال (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسواق) وَقَال تَعَالَى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) الآيَةَ فَمُحَمَّد ﷺ وَسَائِر الْأَنْبِيَاء مِن البشر أرسلوا إلى البَشَر وَلَوْلَا ذَلِك لَما أطَاق النَّاس مُقَاوَمَتَهُم وَالقَبُول عَنْهُم وَمُخَاطَبَتَهُم قَال اللَّه تَعَالَى) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا) أَي لَما كَان إلا في صُورَة البَشَر الذين يُمْكِنُكُم مُخَالَطَتُهُم إذ لَا تُطِيقُون مُقَاوَمَة الملك ومحاطبته وَرُؤْيَتِه إذَا كَان عَلَى صُورَتِه، وَقَال تَعَالَى (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا) أَيْ لَا يُمْكِن فِي سُنَّة اللَّه إرْسَال المَلَك إلَّا لِمَن هُو من جِنْسِه أَو من خصه الله تعالى واصطفاه وفواه عَلَى مُقَاوَمَتِه كَالْأَنْبِيَاء والرسل فالأنبياء وَالرُّسُل ﵈ وَسَائِط بَيْن اللَّه تَعَالَى وبين
[ ٢ / ٩٥ ]
خنقه يُبَلّغُونَهُم أوَامِرَه وَنَواهِيه وَوَعْدَه وَوَعِيدَه وَيُعَرِّفُونَهُم بِمَا لَم يَعْلَمُوه من أمره وحلقه وَجَلالِه وَسُلْطَانِه وَجَبَرُوتِه وَمَلَكُوتِه فَظَوَاهِرُهُم وَأَجْسَادُهُم وَبِنْيَتُهُم مُتَّصفَة بِأَوْصَاف الْبَشَر طَارِئ عَلَيْهَا مَا يَطْرَأ عَلَى البشر من الأعراض وَالْأسْقَام وَالْمَوْت وَالفَنَاء وَنُعُوت الإنْسَانِيّة وَأرْوَاحُهُم وَبَواطِنُهُم مُتّصِفَة بِأَعْلَى من أَوْصَاف الْبَشَر مُتَعَلّقَة بِالْمَلإ الْأَعْلَى مُتَشَبِّهَة بِصِفَات الْمَلَائِكَة سَلِيمَة مِن التَّغَيُّر والآفات لا يلحفها غَالِبًا عَجْز الْبَشَريَّة وَلَا ضَعْف الإنْسَانِيَّة إِذ لَو كَانَت بواطنهم خالصة للبشيرة كَظَوَاهِرِهِم لَما أطَاقُوا الْأخْذ عَن الْمَلَائِكَة وَرُؤْيَتَهُم ومخاطبتهم ومخالتهم كَمَا لَا يُطِيقُه غَيْرهم مِن الْبَشَر وَلَو كَانَت أجْسَادُهُم وَظَوَاهِرُهُم مُتّسمة بِنُعُوت الْمَلَائِكَة وَبِخِلَاف صِفَات الْبَشَر لَما أطَاق الْبَشَر وَمن أُرْسِلُوا إليْه مُخَالطَتَهُم كَمَا تَقَدَّم من قول اللَّه تَعَالَى.
فَجُعِلُوا من جهة الْأجْسَام وَالظَّوَاهِر مَع الْبَشَر وَمِن جِهَة الْأَرْوَاح وَالْبَوَاطِن مَع الْمَلَائِكَة، كَمَا قَال ﷺ (لَو كُنْت مُتَّخِذًا من أُمَّتِي خَلِيلًا لاتَّخَذْت أَبَا بكر خليلا ولكن أحوة الْإسْلام لَكِن صَاحِبُكُم خَلِيل الرَّحْمن) وكما قَال (تام عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) إنّي لَسْت كَهَيْئَتِكُم إنّي أظَلّ يُطْعِمُني رَبّي وَيُسْقِيني فَبَوَاطنُهُم مُنزَّهَة عَن الآفات مُطَهَّرَة عَن القائص والاعتلالات، وهذا جُمْلَة لَن يَكْتَفَي بِمَضْمُونهَا كُلّ ذي هِمَّة بَل الْأَكْثَر يَحْتاج إِلَى بَسْط وتفضيل عَلَى مَا نَأْتِي بِه بَعْد هَذَا فِي الْبَابَيْن بَعَوْن اللَّه تَعَالَى وَهُو حَسبي وَنِعْم الوكيل
_________________
(١) (قوله إنى أظل) بفتح الظاء المعجمة (قوله يطعمنى) قيل على ظاهره وإطعام أهل الجنة لا يفطر وقيل معناه يجعله في قوة الطاعم والشارب (*)
[ ٢ / ٩٦ ]
فصل في حكم عقد قلب النبي صلى الله عليبه وسلم من وقت نبوته
الْبَاب الأَوَّل فِيمَا يَخْتَصّ بِالْأُمُور الدَّينِيَّة والْكَلَام فِي عِصْمَة نَبِيّنَا ﵊ وسائِر الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِم:
قَال الْقَاضِي أبو الفضل وَفَّقَه اللَّه: اعْلَم أن الطّوَارِئ مِن التَّغَيُّرَات وَالآفَات عَلَى آحَاد الْبَشَر لَا يَخْلُو أَن تَطْرَأ عَلَى جِسْمِه أو عَلَى حَوَاسّه بِغَيْر قَصْد وَاخْتِيار كَالْأَمْرَاض وَالْأسْقَام أَو تَطْرَأ بقصد واحتيار وَكُلُّه فِي الْحَقِيقَة عَمَل وَفِعْل وَلكِن جَرَى رَسْم الْمَشَايخ بَتَفْصِيلِه إِلَى ثَلَاثَة أنْوَاع: عَقْد بِالْقَلْب وَقَوْل باللّسَان وَعمَل بِالْجَوَارِح وَجَميع الْبَشَر تَطْرَأ عَلَيْهِم الآفَات والتغيرات بالاحتيار وَبِغَيْر الاخْتِيَار فِي هَذِه الوُجُوه كُلّهَا وَالنَّبِيّ ﷺ وإن كَان مِن الْبَشَر ويجوز على جبله يَجُوز عَلَى جِبِلَّة الْبَشَر فَقَد قَامَت الْبَرَاهِين القاطعة ونمت كَلْمَة الْإجْماع عَلَى خُرُوجِه عَنْهُم وَتَنَزْيِهه عَن كَثِير مِن الآفَات التي تَقَع عَلَى الاخْتِيار وَعَلَى غَيْر الاخْتيار كَمَا سَنبّيَّنُه إن شَاء اللَّه تَعَالَى فِيمَا نَأتِي بِه مِن التّفَاصِيل
فصل فِي حكم عقد قلب النَّبِيّ صَلَّى الله عليبه وَسَلَّم من وقت نبوته اعْلَم مَنَحَنَا اللَّه إياك تَوْفِيقَه أنّ مَا تَعَلَّق مِنْه بِطَرِيق التَّوْحِيد وَالْعِلْم بِالله وَصِفَاتِه وَالْإِيمَان بِه وَبِمَا أُوحِي إليْه فَعَلَى غَايَة الْمَعْرِفَة وَوُضُوح الْعِلْم وَاليِقِين وَالانْتِفَاء عَن الْجَهْل شئ من ذَلِك وَالشَّكّ أَو الرّيْب فِيه.
العصمة من كُلّ مَا يُضَاد الْمَعْرِفَة بِذَلِك وَالْيَقين، هذا ومع إجْمَاع المسلمين عَلَيْه، وَلَا يَصِحّ بِالْبَرَاهِين الْوَاضِحَة أن يَكُون فِي عُقُود الْأَنْبِيَاء سواه وَلَا يعترص عَلَى هَذَا بِقَول إِبْرَاهِيم عَلَيْه [٧ - ٢]
[ ٢ / ٩٧ ]
السَّلَام قَال بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي، إِذ لَم يَشُكّ إبْرَاهِيم فِي إخْبَار اللَّه تَعَالَى لَه بِإحْيَاء الْمَوْتَى وَلكِن أرَاد طُمَأْنِينَة الْقَلْب وَتَرْك الْمُنَازَعَة لِمُشَاهَدَة الْإحْيَاء فَحَصَل لَه الْعِلْم الأَوَّل بِوُقُوعِه وَأرَاد الْعِلْم الثَّانِي بِكَيْفِيَّتِه وَمُشَاهَدَتِه * الْوَجْه الثَّانِي أَنّ إبْرَاهِيم ﵇ إِنَّمَا أراد احتبار مَنْزِلَتِه عِنْد رَبّه وَعِلْم إِجَابَتِه دَعْوَتَه بِسُؤَال ذَلِك من رَبّه ويَكُون قَوْله تعالى (أو لم تؤمن) أي تُصَدّق بِمَنْزِلَتِك مِنّي وَخُلَّتِك وَاصْطِفَائِك * الْوَجْه الثالث أنَّه سَأل زِيَادَة يَقِين وَقُوَّة طُمَأْنِينَة وَإِنّ لَم يَكُن فِي الأَوَّل شَكّ إِذ الْعُلُوم الضَّرُورِيَّة والنَّظَرِيّة قَد تَتَفَاضَل فِي قُوَّتِهَا، وَطَرَيَان الشُّكُوك عَلَى الضَّرُورِيَّات مُمْتَنِع ومُجَوَّز فِي النَّظَرِيَّات، فَأرَاد الانْتِقَال مِن النظر أو الخير إلى مشاهدة وَالتَّرَقّي من عِلْم الْيَقِين إِلَى عَيْن اليقين فليس الْخَبَر كَالْمُعَاينة، ولهذا قَال سَهْل بن عَبْد اللَّه سَأل كَشْف غِطَاء الْعِيَان لِيَزْدَاد بِنُور الْيَقِين تَمَكُّنًا فِي حَالِه * الْوَجْه الرابع أنَّه لَمّا احْتَجّ عَلَى المُشْرِكِين بأنّ رَبَّه يُحْيِي وَيُمِيت طَلَب ذَلِك من رَبّه لِيَصِحّ احْتِجَاجُه عِيَانًا * الوجه الخامس قول بَعْضهم هُو سُؤال عَلَى طَرِيق الْأَدَب، المراد أقْدِرْني عَلَى إحْيَاء الْمَوْتَى، وَقَوْلُه لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي عن هَذِه الْأُمْنِية * الْوَجْه السادس أنَّه أرَى من نَفْسِه الشَّكّ وَمَا شَكّ لكِن لِيُجَاوَب فَيزْدَاد قُرْبُه وقول نبِينا ﷺ نَحْن أحَقّ بالشَّكّ من إبْرَاهِيم نَفْي لِأَن يَكون إبْرَاهِيم شَكّ وإبْعَاد للخواطر الضعفية أن تَظُنّ هَذَا بِإبْرَاهِيم أَي نَحْن مُوقِنُون بِالْبَعث وَإحْيَاء الله موتى، فلو شَكّ إبْرَاهِيم لكنَّا أوْلى بالشَّكّ مِنْه إِمَّا عَلَى طريق الأدب
_________________
(١) (قوله فليس الْخَبَر كَالْمُعَاينة) روى أحمد في مسنده عن ابن عباس مرفوعا: ليس الخبر كالمعاينة. (*)
[ ٢ / ٩٨ ]
أَو أن يُرِيد أمَّتَه الذين يَجُوز عَلَيْهِم الشك أَو عَلَى طَرِيق التَّوَاضُع وَالإشْفَاق أن حُمِلَت قِصَّة إبْرَاهِيم عَلَى اختيار حَالِه أو زِيادَة يَقِينه * فَإِنّ قُلْت فَمَا معني قوله (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يقرؤن الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) الآيَتَيْنِ - فَاحْذَرْ ثَبَّتَ اللَّه قَلْبَك أن يَخْطُر بِبَالِك مَا ذَكَرَه فِيه بَعْض الْمُفَسّرِين عَن ابن عَبَّاس أَو غَيْرِه من إثْبَات شَكّ لِلنَّبِيّ ﷺ فِيمَا أُوحِي إليْه وَأنَّه مِن البَشَر، فَمِثْل هَذَا لَا يَجُوز عَلَيْه جُمْلَة بَل قَد قَال ابن عَبَّاس لَم يَشُكّ النَّبِيّ ﷺ وَلَم يَسْأل، وَنَحْوَه عَن ابن جُبَيْر والحسن، وَحَكَى قَتَادَة أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال مَا أشُكّ وَلَا أَسْأل، وَعَامَّة الْمُفَسّرِين عَلَى هذا، واخْتَلَفُوا فِي مَعْنَي الآيَة فَقِيل المُرَاد قُل يَا مُحَمَّد لِلشاكّ (فَإِنْ كُنْتَ فِي شك) الآيَة، قَالُوا وَفِي السُّورَة نَفْسِهَا مَا دَلّ عَلَى هذا التَّأْويل: قَوْله (قُلْ يا أيها الانس إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) الآيَة، وَقِيل المُرَاد بالخطاب العرب وغير النبي ﷺ كَمَا قال (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عملك) الآية، الخطاب لَه وَالمُرَاد غَيْره ومِثْلُه (فَلا تَكُ فِي مربة مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) وَنَظِيرُهُ كَثِير، قَال بَكْر بن الْعَلَاء أَلَا تراه يقوله (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) الآية وهو ﷺ كَان المُكَذَّب فِيمَا يَدْعُو إليْه فَكَيْف يَكُون مِمَّن كَذَّب بِه؟ فَهَذَا كُلُّه يَدُلّ عَلَى أَنّ المُرَاد بِالْخِطَاب غَيْره وَمِثْل هَذِه الآيَة قَوْله (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خبيرا) المَأْمُور هَهُنَا غَيْر النَّبِيّ ﷺ لِيَسْأل النَّبِيّ وَالنَّبِيّ ﷺ هُو الخبير المَسْئول لَا المُسْتَخْبر السَّائِل وَقَال إن هَذَا الشَّكّ الَّذِي أُمِر بِه غَيْر النَّبِيّ ﷺ بِسُؤال الذين يقرؤن الْكِتَاب إنَّمَا هُو فِيمَا قَصَّه اللَّه من أخْبَار الْأُمَم
[ ٢ / ٩٩ ]
لَا فِيمَا دَعَا إليْه مِن التَّوْحِيد وَالشَّرِيعَة وَمِثْل هَذَا قَوْله تَعَالَى (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) الآيَة المُرَاد بِه المُشْرِكُون وَالخِطَاب مُوَاجهَة لِلنَّبِيّ صلى الله وسلم قاله العتبى، وَقِيل مَعْنَاه سلْنَا عَمَّن أَرْسَلْنَا من قَبْلِك فَحُذِف الخَافِض وَتَمّ الكَلَام ثُمّ ابدأ (أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرحمن) إِلَى آخر الآيَة عَلَى طَرِيق الإنْكَار أَي مَا جَعَلنا، حَكاه مَكّيّ، وَقِيل أُمِر النَّبِيّ ﷺ أن يَسْأل الْأَنْبِيَاء ليلة الْإِسْرَاء عَن ذَلِك فَكَان أشَدّ يَقِينًا من أَنّ يَحْتَاج إِلَى السُّؤَال فَرُوِي أَنَّه قَال (لَا أسْأل قَد اكفيت) قاله ابن زَيْد، وَقِيل سَل أُمَم من أرْسَلْنَا هَل جاؤهم بِغَيْر التَّوْحِيد؟ وَهُو مَعْنَي قَوْل مُجَاهِد وَالسُّدّيّ وَالضّحَّاك وَقَتَادَة وَالمُرَاد بِهَذَا وَالَّذِي قَبْلَه إعْلامُه ﷺ بِمَا بُعثِت بِه الرسل وَأنَّه تَعَالَى لَم يَأْذَن فِي عِبَادَة غَيْرِه لأحَد رَدًّا عَلَى مُشْرِكِي العَرَب وَغَيْرِهِم فِي قَوْلِهِم: إنَّمَا نَعْبُدُهُم ليقربو إلى الله زلفى، وكذلك قَوْله تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الممترين) أَي فِي عِلْمِهِم بِأنَّك رَسُول اللَّه وَإن لَم يُقرّوا بِذَلِك وَلَيْس المُرَاد بِه شَكَّه فِيمَا ذُكر فِي أوَّل الآيَة وَقَد يَكُون أيْضًا عَلَى مِثْل مَا تَقَدَّم أَي قُل يَا مُحَمَّد لِمَن امْتَرَى فِي ذَلِك لَا تَكُونَنّ مِن المُمْتَرِين بِدَلِيل قَوْله أَوَّل الآيَة: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حكما) الآيَة: وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ يُخَاطِب بِذَلِك غيره وقيل
_________________
(١) (قوله قال القتيبى) وفى بعض النسخ القتبى وكلاهما أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة صاحب المصنفات (قوله إنَّمَا نَعْبُدُهُم لِيُقَرّبُونا إلى الله زلفى) هكذا وقع في كثير من الأصول والتلاوة إنما هي * (ما نعبدهم إلا لِيُقَرّبُونا إِلَى اللَّه زلفى) * وحكي عن أبي عبيد هو معمر بن المثنى (*)
[ ٢ / ١٠٠ ]
هُو تَقْرِير كَقَوْلِه (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟) وَقَد عَلِم أنَّه لَم يَقُل، وَقِيل مَعْنَاه مَا كُنْت فِي شَكّ فَاسْأل تَزْدَد طُمَأْنِينَة وَعِلْمًا إِلَى عِلْمِك وَيَقِينِك، وَقِيل إن كُنْت تَشُكّ فِيمَا شَرَّفْنَاك وَفَضَّلْنَاك بِه فَاسْأَلْهُم عَن صِفَتِك فِي الْكُتُب وَنَشْر فَضَائِلِك، وَحُكِي عَن أَبِي عُبَيْدة أَنّ المُرَاد إنّ كُنْت فِي شَكّ من غَيْرِك فيما أنزلنا.
فَمَا مَعْنَي قَوْله (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قد كذبوا) عَلَى قِرَاءَة التَّخَفِيف؟ قُلْنَا الْمَعْنَى فِي ذَلِك مَا قَالَتْه عَائِشَة ﵂ (مَعَاذَ اللَّه أَن تَظُنّ ذَلِك الرُّسُل بِرَبّهَا وَإِنَّمَا مَعْنَي ذَلِك أَنّ الرُّسُل لَمّا اسْتَيْأَسُوا ظَنُّوا أَنّ من وَعَدَهُم النَّصْر من أتْبَاعِهِم كَذَبُوهُم وَعَلَى هَذَا أكْثَر الْمُفَسّرِين) وَقِيل إنّ ضَمِير (ظنوا) عائد على الأتباع والأمم لا عَلَى الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل، وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس وَالنَّخْعِي وَابْن جُبَيْر وَجَمَاعَة مِن الْعُلمَاء وَبَهَذَا الْمَعْنَى قَرَأ مُجَاهِد كَذَبُوا بِالْفَتْح فَلَا تَشْغَل بَالَك من شَاذّ التَّفْسِير بِسِوَاه مِمَّا لَا يلق بِمَنْصِب الْعُلمَاء فَكَيْف بالْأَنْبِيَاء؟ وَكَذَلِك مَا وَرَد فِي حَدِيث السّيرة وَمَبْدَإ الْوَحْي من قَوْله ﷺ لِخديجَة (لَقَد خَشِيت عَلَى نَفْسِي) لَيْس مَعْنَاه الشَّك فِيمَا آتاه اللَّه بَعْد رُؤْيَة المَلك وَلكِن لَعَلَّه خَشِي أن لَا تَحْتَمِل قُوَّتُه مُقَاوَمَة الْمَلَك وَأَعْبَاء الْوَحْي فَيَنْخَلِع قَلْبُه أَو تَزْهَق نَفْسُه، هَذَا عَلَى مَا وَرَد فِي الصَّحِيح أنَّه قَالَه بَعْد لِقَائِه المَلَك أَو يَكُون ذَلِك قَبْل لِقَائِه وَإعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه بالنُّبُوَّة لَأوّل مَا عُرضَت عَلَيْه مِن الْعَجَائِب وَسَلَّم عَلَيْه الْحَجَر وَالشَّجَر وَبَدَأتْه المَنَامَات وَالتَّبَاشِير كَمَا رُوِي فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث أَنّ ذَلِك كَان أوَّلًا فِي المَنَام ثُمّ أُري فِي الْيَقَظَة مِثْل ذَلِك تَأْنِيسًا له ﵇ لِئَلَّا يَفْجَأه الأمْر مُشَاهَدَة وَمُشَافَهَة فَلَا يحتمل لَأوّل حَالَة بِنْيَة الْبَشَرِيَّة وَفِي الصَّحِيح
[ ٢ / ١٠١ ]
عَن عَائِشَة ﵂: أَوَّل مَا بُدَئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، قَالَتْ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَقَالَتْ إِلَى أَنْ جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ (الْحَدِيث) وَعَن ابن عَبَّاس: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ وَلَا يَرَى شَيْئًا وَثَمَانِ سِنينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَذَكَرَ جِوَارَهُ بِغَارِ حِرَاءٍ، قَالَ (فَجَاءَنِي وَأَنَا نَائِمٌ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟) وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي غَطِّهِ لَهُ وَإقْرَائِهِ لَهُ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) السُّورَة قَال: (فَانْصَرَف عَنّي وَهَبَبْت من نَوْمِي كَأَنَّمَا صُوّرَت فِي قَلْبي وَلَم يَكُن أبْغَض إِلَيّ من شَاعِر أو مَجْنُون، قُلْت لَا تَحَدّث عني قُرَيْش بهذا أبَدًا لأعْمِدَنّ إِلَى حَالِق مِن الجَبَل فَلأطْرَحَنّ نفسي سنة فَلأَقْتُلَنَّهَا: فَبَيْنَا أَنَا عَامِد لِذَلِك إِذ سَمِعْت مُنَاديًا يُنَادي مِن السَّمَاء يَا مُحَمَّد أنْت رَسُول اللَّه وَأَنَا جِبْرِيل فَرَفَعْت رَأْسِي فإذا جِبْرِيل عَلَى صُورَة رَجُل - وَذَكَر الْحَدِيث) فَقَد بَيَّن فِي هَذَا أَنّ قَوْلَه لَمّا قَال وَقَصْدَه لَمّا قَصَد إنَّمَا كَان قَبْل لِقَاء جِبْرِيل ﵉ وقيل إعلام الله تعالى له
_________________
(١) (قوله بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سنة) هذا يتأنى على القول المرجوح وهو أنه ﵇ عاش خمسا وستين سنة والصحيح أنه عاش ثلاثا وستين سنة، أقام منها بعد النبوة بمكة ثلاثة عشر سنة على الصحيح وفى المدينة عشرا بلا خلاف (قوله جواره) بكسر الجيم وضمها أي ملازمته واعتكافه (قوله وَهَبَبْت من نَوْمِي) انتهيت (قوله لا تحدث) بفتح المثناة الفوقية وأصله تتحدث فحذف منه إحدى التاءين (قوله لأعمدن) بكسر الميم أي لأقصدن (قوله إلى حالق) بالحاء المهملة واللام المكسورة والقاف، قال الهروي: أي جعل عال (*)
[ ٢ / ١٠٢ ]
بالنُّبُوَّة وَإظْهَارِه وَاصْطِفَائِه لَه بالرّسَالَة وَمِثْلُه حَدِيث عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيل أنَّه ﷺ قَال لِخَدِيجَة (إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً وَقَدْ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يكون هذا لِأَمْرٌ) وَمِنْ رِوَايَة حَمَّاد بن سَلَمَة أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال لخدِيجة: إني لأَسْمَع صَوْتًا وَأَرَى ضَوْءًا وَأخْشَى أَنّ يَكُون بي جُنُون وعلى هذا يتأول لو صح قوله فِي بَعْضِ هَذِهِ الأحاديث إن الأبعد شَاعِر أو مَجْنُون وَألْفَاظًا يُفْهَم مِنْهَا مَعَانِي الشك فِي تَصْحِيح مَا رَآه وَأنَّه كَان كُلُّه فِي ابْتِدَاء أمْرِه وَقَبْل لِقَاء الْمَلَك لَه وَإعْلام اللَّه لَه أنَّه رسولُه فَكَيْف وَبَعْض هَذِه الألْفَاظ لَا تَصِحّ طُرُقُهَا، وَأَمَّا بَعْد إعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه وَلِقَائِه الْمَلَك فَلَا يَصِحّ فِيه رَيْب وَلَا يَجُوز عَلَيْه شَكّ فيمَا أُلْقِي إليْه وَقَد رَوَى ابن إِسْحَاق عَن شُيُوخِه أَنّ رسول الله ﷺ كَان يُرْقَى بِمَكَّة مِن الْعَيْن قَبْل أن يُنْزَل عَلَيْه فَلَمّا نَزَل عَلَيْه الْقُرْآن أصَابَه نَحْو مَا كَان يُصِيبُه فَقالت لَه خدِيجة أُوَجّه إِلَيْك من يَرْقيك قَال أَمَّا الآن فَلَا، وَحَدِيث خديجة وَاخْتِبَارُها أمْر جِبْرِيل بِكَشْف رَأْسهَا (الْحَدِيث) إنَّمَا ذَلِك فِي حَقّ خَدِيجَة لتحقق صحَّة نُبُوَّة رَسُول اللَّه ﷺ وَأَنّ الَّذِي يَأْتِيه مَلَك وَيَزُول الشَّكّ عَنْهَا لِأَنّهَا فَعَلَت ذَلِك لِلنَّبِيّ ﷺ وَلِيَخْتَبِر هُو حَاله بِذَلِك بَل قَد وَرَد فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن عُرْوَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أَنّ وَرَقَة أمَر خَديجة أن تُخْبِر الأمْر بِذَلِك، وَفِي حَدِيث إِسْمَاعِيل ابن أَبِي حكيم أنَّهَا قَالَت لرسول اللَّه ﷺ يَا ابن عمّ هَل
_________________
(١) (قوله عمرو بن شرحبيل) هو أبو ميسرة الهمداني (*)
[ ٢ / ١٠٣ ]
تَسْتَطِيع أن تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِك إذَا جَاءَك؟ قَال نَعَم فَلَمّا جَاء جِبْرِيل
أخْبَرَهَا فَقَالَت لَه اجْلِس إِلَى شقّي، وَذَكَر الْحَدِيث إِلَى آخرِه وَفِيه فَقَالَت مَا هَذَا بِشَيْطَان هَذَا الْمَلَك يَا ابن عمّ فَاثْبُت وَأبْشِر، وَآمَنَت بِه، فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أنَّهَا مُسْتَثْبِتَة بِمَا فَعَلَتْه لِنَفْسِهَا وَمُسْتَظهِرَة لإيمَانِهَا لَا لِلنَّبِيّ ﷺ وقول مَعْمَر فِي فَتْرَة الْوَحْي فَحَزِن النَّبِيّ ﷺ فِيمَا بلغناه حُزْنًا غَدَا مِنْه مِرَارًا كَي يَتَرَدَّى من شَوَاهِق الْجِبَال: لَا يَقْدَح فِي هَذَا الأصْل، لِقول مَعْمَر عَنْه فِيمَا بلغنا ولم يسده وَلَا ذَكَر رُوَاتَه ولا من حَدَّث بِه وَلَا أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَالَه وَلَا يُعْرَف مِثْل هَذَا إلَّا من جِهة النَّبِيّ ﷺ مَع أنَّه قَد يُحْمَل عَلَى أنه كَان أَوَّل الأمْر كَمَا ذَكَرْنَاه أَو أنَّه فَعَل ذَلِك لَمّا أخَْرَجَه من تَكْذِيب من بَلَّغَه كَمَا قال تَعَالَى.
(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحديث أسفا) وَيُصَحّح مَعْنَي هَذَا التّأوِيل حَدِيث رواه شَرِيك عَن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَقِيل عَن جَابِر بن عَبْد اللَّه أنّ الْمُشْرِكِين لَمّا اجْتَمَعُوا بِدَار النَّدْوَة لِلتَّشاوُر فِي شَأن النَّبِيّ ﷺ وَاتَّفَق رَأْيُهُم عَلَى أن يَقُولُوا إنَّه سَاحِر اشْتَدّ ذَلِك عَلَيْه وَتَزَمَّل فِي ثِيَابه وَتَدَثَّر فِيهَا فَأتَاه جِبْرِيل فَقَال: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر) أو خاف
_________________
(١) (قوله مُحَمَّد بن عَقِيل) بفتح العين المهملة ابن علي بن أبي طالب (قوله بدار الندوة) بفتح النون وإسكان الدال المهملة وهى دار بناها قصى بن كلاب وجعل بابها إلى الكعبة ليجتمع فيها العرب للمشاورة وللختان وللنكاح وإذا قدمت غير نزلت وإذا ارتحلت منا وسميت بدار الندوة من الندى - بتشديد الياء - وهو المجتمع، وهى الآن من الحرم (*)
[ ٢ / ١٠٤ ]
أَنّ الفَتْرَة لِأَمْر أَو سَبَب مِنْه فَخَشِي أن تَكُون عُقُوبَة من رَبّه فَفَعَل ذَلِك بِنَفْسِه وَلَم يَرِد بَعْد شَرْع بِالنَّهْي عَن ذَلِك فَيُعْتَرَض بِه، ونحو
هذا فِرَار يُونُس ﵇ خَشيَة تَكْذِيب قَوْمِه لَه لَمّا وَعَدَهُم بِه مِن العَذَاب وقول اللَّه فِي يُونُس (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عليه) مَعْنَاهُ أن لَن نُضَيّق عَلَيْه، قَال مَكّيّ طَمِع فِي رَحِمَة اللَّه وَأَن لَا يُضَيّق عَلَيْه ملكه فِي خُرُوجِه وَقِيل حَسَّن ظَنَّه بِمَوْلاه أنَّه لا يقصى عَلَيْه العُقُوبَة وَقِيل نُقَدّر عَلَيْه مَا أصَابَه، وَقَد قُرِئ نُقَدّر عَلَيْه بِالتّشْدِيد وقيل نواحذه بِغَضَبِه وَذَهَابِه، وَقَال ابن زَيْد مَعْنَاه أفظن أن لَن نَقْدِر عَلَيْه؟ عَلَى الاسْتِفْهَام وَلَا يَلِيق أَن يُظَنّ بِنَبِيّ أَنّ يَجْهَل صفَة من صِفَات رَبّه، وَكَذَلِك قَوْله (إِذْ ذَهَبَ مغاضبا الصَّحِيح مُغَاضِبًا لِقَوْمِه لِكُفْرِهِم وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس والضَّحَّاك وَغَيْرِهِمَا لَا لِرَبّه ﷿ إِذ مُغَاضَبَة اللَّه مُعَادَاة لَه وَمَعادَاة اللَّه كفر لا لميق بِالْمُؤْمِنين فَكَيْف بِالْأَنْبِيَاء؟ وقيل مستحيبا من قومه أن يَسِمُوه بِالْكَذِب أَو يَقْتُلُوه كَمَا وَرَد فِي الْخَبَر وَقِيل مُغَاضِبًا لِبَعْض الْمُلُوك فِيمَا أَمَرَه بِه مِن التَّوَجُّه إِلَى أمر أمره اللَّه بِه عَلَى لِسان نَبِيّ آخر فَقَال لَه يُونُس غَيْرِي أقْوَى عَلَيْه مِنّي فَعَزَم عَلَيْه فَخَرَج لِذلِك مُغَاضِبًا، وَقَد رُوِي عَن ابن عَبَّاس أَنّ إرْسَال يُونُس وَنُبُوَّتَه إنَّمَا كَان بَعْد أَنْ نَبَذَه الْحُوت وَاسْتُدِلّ مِن الآيَة بِقَوْلِه (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ.
هو سَقِيمٌ، وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ ألف) وَيُسْتَدَل أيْضًا بِقَوْلِه (وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) وَذَكَر الْقِصَّة ثُمّ قَال (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) فَتَكُون هَذِه الْقِصَّة إذا
_________________
(١) (قوله وَقَال ابن زَيْد) كذا في أكثر النسخ وفى تفسير البغوي، والظاهر أنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وفى بعض النسخ أبو يزيد (*)
[ ٢ / ١٠٥ ]
قَبْل نُبُوَّتِه فإن قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْله ﷺ (أنه ليغان على قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) وَفِي طَرِيقٍ (فِي الْيَوْمِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ
مَرَّةٍ) فَاحْذَرْ أَنْ يَقَعَ بِبَالِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغَيْن وَسْوَسَة أو رَيْبًا وَقَع فِي قَلْبِه ﵇ بَل أصْل الغَيْن فِي هَذَا مَا يَتَغَشَّى القَلْب وَيُغَطّيه، قَالَه أَبُو عُبَيْد وَأَصْلُه من غَيْن السَّمَاء وَهُو إِطْبَاق الْغَيْم عَلَيْهَا، وَقَال غيره والغين شئ يُغَشّي القَلْب وَلَا يُغَطّيه كُلّ التّغْطِيَة كالغَيْم الرَّقِيق الَّذِي يُعْرِض فِي الْهَوَاء فَلَا يَمْنَع ضَوْء الشَّمْس وَكَذَلِك لَا يُفْهَم مِن الْحَدِيث أنَّه يُغَان عَلَى قَلْبِه مِائَة مَرَّة أو أَكْثَر من سَبْعِين فِي الْيَوْم إِذ لَيْس يَقْتَضِيه لَفْظُه الَّذِي ذَكَرْنَاه وَهُو أَكْثَر الرَّوَايَات وَإِنَّمَا هذا عَدَد للاسْتِغْفَار لَا لِلْغَيْن فَيَكُون المُرَاد بَهَذَا الْغَيْن إشَارَة إِلَى غَفَلات قَلْبِه وَفَتَرات نَفْسِه وَسَهْوِهَا عَن مُدَاوَمَة الذَّكْر وَمُشَاهَدَة الحَقّ بِمَا كَان ﷺ دُفِع إليه من مُقَاسَاة البَشَر وَسِيَاسَة الْأُمَّة ومعناة الأهْل وَمُقَاوَمَة الوَلِيّ وَالعَدُوّ وَمَصْلَحَة النَّفْس وَكَلَّفَه مِن أعْبَاء أداء الرِّسَالَة وَحَمْل الأمَانَة وَهُو فِي كُلّ هَذَا فِي طَاعَة رَبَّه وَعِبَادَة خَالقِه وَلَكِن لَمّا كَان ﷺ أَرْفَع الخَلْق عِنْد اللَّه مَكَانَة وَأعْلَاهُم دَرَجَة وَأتَمَّهُم بِه مَعْرِفَة وَكَانَت حَالُه عِنْد خُلُوص قَلْبِه وَخُلُو هَمّه وَتَفَرّدِه بِرَبَّه وَإقْبَالِه بِكُلَّيَّتِه عَلَيْه ومقامه هنا لك أرْفَع حَالَيْه رَأى ﷺ حَال فَتْرَتِه عَنْهَا وَشُغْلِه بِسِواها غَضًّا من عَلِيّ حَالِه وَخَفْضًا من رَفِيع مَقَامِه فَاستَغْفَر اللَّه من ذَلِك، هَذَا أوْلَى وُجُوه الْحَدِيث وَأشْهَرُهَا وَإلى مَعْنَي مَا أشَرْنا بِه مَال كَثِير مِن النَّاس وَحَام حَوْلَه فَقَارَب وَلَم يَرد وَقَد قَرَّبْنَا غَامِض مَعْنَاه وَكَشَفْنَا لِلْمُسْتَفِيد مُحَيَّاه وَهُو مَبْنِيّ عَلَى جَوَاز الفَتَرَات وَالغَفَلات وَالسَّهْو فِي غَيْر طَرِيق البَلاغ عَلَى مَا سَيَأتِي
[ ٢ / ١٠٦ ]
وذَهَبَت طَائِفَة مِن أرْبَاب القُلُوب وَمَشْيَخَة المُتَصَوَّفة مِمَّن قَال بِتَنْزِيه النَّبِيّ ﷺ عَن هَذَا جُمْلَة وَأَجَلَّه أَنّ يَجُوز عَلَيْه فِي حَال سَهْو
أَو فَتْرَة إلى أَنّ مَعْنَي الْحَدِيث مَا يُهِمّ خَاطِرَه وَيَغُمّ فِكْرَه من أمْر أمَّتَه ﷺ لاهْتَمَامِه بِهِم وَكَثْرَة شَفَقَتِه عَلَيْهِم فَيسْتَغْفَر لَهُم، قَالُوا وَقَد يَكُون الْغَيْن هنا عَلَى قَلْبِه السَّكِينَة تَتَغَشّاه لِقَوْلِه تَعَالَى (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سكينته عليه) وَيَكُون اسْتِغْفَارُه ﷺ عِنْدَهَا إظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّة والافْتِقَار، قَال ابن عَطَاء اسْتِغْفَارُه وَفِعْلُه هَذَا تَعْرِيف لِلْأُمَّة يَحْمِلُهُم عَلَى الاستِغْفَار، قَال غَيْرِه وَيَسْتَشِعرون الْحَذَر وَلَا يَرْكَنُون إِلَى الْأَمْن، وَقَد يَحْتَمِل أن تَكُون هَذِه الإعَانَة حَالَة حشية وَإعْظَام تَغْشى قَلْبَه فَيْسَتْغِفر حِينَئِذ شُكْرًا لله وَمُلازَمَة لِعُبُودِيَّتِه كَمَا قَال فِي مُلازَمَة الْعِبَادة (أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟) وَعَلَى هَذِه الْوُجُوه الْأَخِيرَة يُحْمَل مَا رُوِي فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث عَنْه ﷺ إِنَّهُ لَيُغَانِ عَلَى قَلْبِي فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةٍ فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَإن قلت فَمَا مَعْنَي قَوْله تَعَالَى لمحمد ﵌ (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) وقوله لنوح ﵇ (فلا تسألني مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الجاهلين)؟ فَاعْلَم أنَّه لَا يُلْتفَت فِي ذَلِك إِلَى قَوْل من قال في آيَة نَبِيّنَا ﷺ لَا تَكُونَنّ مِن يَجْهَل أَن اللَّه لَو شَاء لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى وفي آية نوح لَا تَكُونَنّ مِمَّن يَجْهَل أَنّ وَعْد اللَّه حَقّ لِقوله وَإِنّ وَعْدَك الْحَقّ إِذ فِيه إثْبَات الْجَهْل بصفَة من صِفَات اللَّه وَذَلِك لَا يَجُوز عَلَى الْأَنْبِيَاء وَالْمَقْصُود وَعْظُهُم أن لَا يَتَشَبَّهُوا فِي أمورهم
_________________
(١) (قوله بهم) بمثناة تحتية وكسر الهاء، يقال أهمنى الأمر: أفلقني (*)
[ ٢ / ١٠٧ ]
بِسِمَات الجَاهِلِين كَمَا قَال إنّي أعِظُك وَلَيْس فِي آية مِنْهَا دَلِيل عَلَى كَوْنِهِم عَلَى تِلْك الصّفَة التي نَهَاهُم عَن الْكَوْن عَلَيْهَا فَكَيْف وَآية نُوح قبلها (فلا
تسألني مَا لَيْسَ لَكَ به علم) فَحَمْل مَا بَعْدَهَا عَلَى ما قَبْلَهَا أوْلَى لِأَنّ مِثْل هَذَا قَد يَحْتَاج إِلَى إذْن وَقَد تَجُوز إباحَة السُّؤال فِيه ابْتِدَاء فَنَهَاه اللَّه أن يَسْالَه عَمَّا طَوَى عَنْه عِلْمَه وَأَكَنَّه من غَيْبِه مِن السَّبَب الْمُوجِب لِهَلَاك ابْنه ثم أكل اللَّه تَعَالَى نِعْمَتَه عَلَيْه بإعْلامِه ذَلِك بِقَوْلِه (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) حَكى مَعْنَاه مَكّيّ كَذَلِك أُمِر نَبِيُّنَا فِي الآيَة الْأُخْرَى بالتِزَام الصَّبْر عَلَى إعْرَاض قَوْمِه وَلَا يحرج عِنْد ذَلِك فَيُقَارب حال الجاهل بِشِدَّة التَّحسُّر، حَكاه أَبُو بكر بن فورك وقيل معنى الخطاب لأمة محمد أي فلا تكونوا من الجالين، حكاه أبو مُحَمَّد مَكّيّ، وَقَال مِثْلُه فِي القرآن كثير، فَبِهذا الْفَضْل وَجَب الْقَوْل بعِصْمة الْأَنْبِيَاء مِنْه بَعْد النُّبُوَّة قَطْعًا فَإن قُلْت فإذ قَرَّرْت عِصْمَتَهُم من هَذَا وَأنَّه لَا يَجُوز عليهم شئ من ذَلِك فَمَا مَعْنَي إذَا وعِيد اللَّه لِنبيَّنا ﷺ عَلَى ذَلِك إن فَعَلَه وَتَحْذِيرِه مِنْه كَقَوْلِه (لَئِنْ أَشْرَكْتَ ليحبطن عملك) الآيَة وَقَوْلُه تَعَالَى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ الله مالا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) الآيَة وَقَوْلُه تَعَالَى (إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ) الآيَة وَقَوْلُه (لأَخَذْنَا منه باليمين) وَقَوْلُه (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سبيل الله) وقوله (وأن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ على قلبك) وقوله (فإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بلغت رسالته) وَقَوْلُه (اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) فَاعْلَم وَفقنا اللَّه وَإيَّاك أنَّه ﷺ لَا يَصِحّ وَلَا يَجُوز عَلَيْه أَنّ لا يُبَلّغ وَلَا يُخَالِف أمْر رَبَّه وَلَا أَنّ يُشْرِك بِه وَلَا يَتَقَوَّل عَلَى اللَّه مَا لَا يُحِبّ أَو يَفْتَرِي عَلَيْه أَو يَضِلّ أَو يُخْتَم
[ ٢ / ١٠٨ ]
فصل وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة
على؟؟؟ أَو يُطيع الكافرِين لِكن يَسَّر أمْرَه بِالمُكَاشَفَة وَالْبَيَان فِي البَلاغ لِلْمُخَالِفِين وَأَنّ إبْلاغَه إن لَم يَكُن بِهَذِه السّبِيل فَكأنَّه مَا بَلَّغ وَطيَّب
نَفْسَه وَقَوَّي قلبه بقوله (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناس) كَمَا قَال لِمُوسَى وهارون (لا تَخَافَا) لتشد بصَائِرُهُم فِي الْإِبْلاغ وَإظْهَار دين اللَّه وَيُذْهِب عَنْهُم خَوْف الْعَدُوّ الْمَضعِف لِلنَّفْس * وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى (ولو نقول عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ) الآية وقوله (إذا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ) فَمَعْنَاه أَنّ هَذَا جَزَاء من فَعَل هَذَا وَجَزاؤُك لَو كُنْت مِمَّن يَفْعَلُه وهو لَا يَفْعَلُه وَكَذَلِك قَوْله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فالمراد غَيْرِه كَمَا قَال (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كفروا) الآيَة وَقَوْلُه (فَإِنْ يشإ الله يخسم على قلبك): (ولئن أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وَمَا أشْبَهَه فالمراد غَيْرِه وأنّ هَذِه حَال من أشْرَك وَالنَّبِيّ ﷺ لَا يَجُوز عَلَيْه هَذَا وَقَوْلُه (اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ) فَلَيْس فِيه أنَّه أطاعهم والله ينهاء عَمَّا يَشَاء وَيَأمُرُه بِمَا يَشَاء كَمَا قَال (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآيَة: وَمَا كَان طَرَدَهُم ﷺ وَلَا كَان مِن الظَّالمِين
فصل وَأَمَّا عِصْمَتَهُم من هَذَا الْفَنّ قَبْل النُّبُوَّة فَلِلنَّاس فِيه خِلَاف * وَالصَّوَاب أَنَّهُم مَعْصُومُون قَبْل النُّبُوَّة مِن الْجَهْل بِالله وَصِفَاتِه وَالتَّشَكُك في شئ من ذَلِك وَقَد تَعَاضَدَت الْأَخْبَار وَالآثَار عَن الْأَنْبِيَاء بِتَنْزِيهِهِم عن هذه النقيصة مُنْذ وُلِدُوا وَنَشْأتِهِم عَلَى التَّوحْيد وَالْإِيمَان بَل عَلَى إشْرَاق أنوار المعارف نفحات أَلْطَاف السَّعَادَة كَمَا نبهنا عليه في الباب الثَّانِي مِن القِسِم الأَوَّل من كِتَابِنَا هَذَا وَلَم يَنْقُل أحَد من أهل الأخبار أن أحد النبي
[ ٢ / ١٠٩ ]
وَاصْطُفِي مِمَّن عُرِف بِكُفْر وَإشْرَاك قَبْل ذَلِك وَمُسْتَنَد هَذَا الْبَاب النَّقْل وَقَد اسْتَدَلّ بَعْضُهُم بأن الْقُلُوب تَنْفِر عَمَّن كَانَت هَذِه سَبِيلُه وَأَنَا أقُول إن قُرَيْشًا قَد رَمَت نَبِيَّنًا بِكُلّ مَا افترته، وغير كُفّار الْأُمَم أنْبِيَاءَهَا بِكُلّ مَا أمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْه مِمَّا نَصّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْه أَو نَقَلَتْه إلَيْنَا الرُّوَاة وَلَم نَجِد في شئ من ذلك تعييرا لِوَاحِد مِنْهُم بِرَفْضِه آلِهَتَه وَتَقْرِيعِه بِذَمَّة بِتَرْك مَا كَان قَد جَامَعُهُم عَلَيْه وَلَو كَان هَذَا لَكَانُوا بِذَلِك مُبَادِرِين وبتَلَوَّنُّه في معبوده محتجين ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من تَوْبِيخِه بِنَهيهم عَن تَرْكِهِم آلِهَتَهُم وَمَا كَان يَعْبُد آبَاؤُهُم من قَبْل فَفِي إطْبَاقِهِم عَلَى الْإعْرَاض عَنْه دَليل عَلَى أَنَّهُم لَم يَجِدُوا سَبيلًا إليْه إذ لَو كَان لنُقِل وَمَا سَكَتُوا عَنْه كَمَا لَم يَسْكُتُوا عِنْد تَحْويل القِبْلة وقالوا مَا وَلَّاهُم عَن قِبْلَتِهِم التي كَانُوا عَلَيْهَا كَمَا حَكَاه اللَّه عَنْهُم وَقَد اسْتَدَلّ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيّ عَلَى تَنْزِيهِهِم عَن هَذَا بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ) الآيَة وبِقَوْلِه تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) إِلَى قَوْله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولتنصرنه) قَال وطَهَّرَه اللَّه فِي الْمِيثَاق وَبعِيد أن يَأخُذ مِنْه الْمِيثَاق قَبْل خَلْقِه ثُمّ يَأْخُذ مِيثَاق النَّبِيّين بالإيمَان بِه ونَصْرِه قَبْل مَولِدِه بِدُهُور وَيَجُوز عَلَيْه الشّرْك أَو غَيْرِه مِن الذنوب، بهذا مَا لَا يُجَوّزُه إلا مُلْحِد، هَذَا مَعْنَي كَلَامِه، وكيف يَكُون ذَلِك وَقَد أتاه جِبْرِيل ﵇ وَشَقّ قَلْبَه صَغِيرًا وَاسْتَخْرَج مِنْه عَلَقَة وَقَال هَذَا حظ
_________________
(١) (قوله وَقَد اسْتَدَلّ الْقَاضِي القشيرى) هو الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ عبد الرحيم ابن الأستاذ أبى القاسم عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هوازن القشيرى النيسابوري انتفع على والده وعلى إمام الحرمين وتوفى سنة أربع وخمسمائة بنيسابور نقل الرافعى عنه في البدل (*)
[ ٢ / ١١٠ ]
الشيطان مِنْك ثُمّ غَسَلَه وَمَلأه حِكْمَة وَإيمانًا كَمَا تَظَاهَرَت بِه أَخْبَار المَبْدإ وَلَا يُشَبَّه عَلَيْك بِقَوْل إِبْرَاهِيم فِي الْكَوْكَب وَالقَمَر وَالشَّمْس هَذَا
رَبّي فَإنَّه قَد قِيل كَان هَذَا فِي سِنّ الطُّفُولِيَّة وَابْتِدَاء النَّظَر وَالاسْتِدْلال وَقَبْل لُزُوم التَّكْلِيف وَذَهَب مُعْظَم الحُذَاق مِن الْعُلمَاء وَالْمُفَسّرِين إِلَى أنَّه إنَّمَا قَال ذَلِك مُبَكّتًا لِقَوْمِه وَمُسْتَدِلًا عَلَيْهِم وَقِيل مَعْنَاه الاسْتِفْهَام الْوَارِد مَوْرِد الإنْكَار، وَالمُرَاد فَهَذَا رَبّي، قَال الزَّجّاج قَوْله (هَذَا رَبِّي) أَي عَلَى قولِكُم كَمَا قَال أَيْنَ شُرَكَائِيَ؟ أَي عِنْدَكُم، وَيَدُلّ عَلَى أنَّه لَم يَعْبُد شَيْئًا من ذَلِك وَلَا أشْرَك قَطّ بالله طَرْفَة عَيْن: قَوْل اللَّه ﷿ عَنْه (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) ثم قَالَ: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ؟ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ) وَقَال: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أَي مِنَ الشِّرْكِ، وَقَوْلُه: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) فَإِن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضالين) قِيل إنَّه إنّ لَم يُؤَيّدْنِي بِمَعُونَتِه أكُن مِثْلَكُم فِي ضَلَالَتِكُم وَعِبَادَتِكُم عَلَى مَعْنَي الإشْفَاق وَالحَذَر وَإلَّا فَهُو مَعْصُوم في الأزل من الضَّلَال فِإن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في ملتنا) ثُمّ قَال بَعْد عَن الرُّسُل (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ منها) فَلَا يُشْكل عَلَيْك لَفْظَة العَوْد وَأنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّهُم إنَّمَا يعودون إِلَى مَا كَانُوا فِيه من مِلَّتِهِم فَقَد تَأْتِي هَذِه اللّفْظَة فِي كَلَام الْعَرَب لَغَيْر مَا ليس
_________________
(١) (قوله مبكتا) أي معتفا (*)
[ ٢ / ١١١ ]
لَه ابْتِدَاء بِمَعْنَي الصَّيْرُورَة كَمَا جاء فِي حَدِيث الجَهنميين عَادُوا حُمَمًا وَلَم يَكُونُوا قَبْل كَذَلِك، ومثل قَوْل الشَّاعِر: - تِلْك المَكارِم لَا قَعْبَان من لَبَن * شِيبا بماء فعادا بَعْد أبْوَالا
وما كان قَبْل كَذَلِك، فَإِنّ قلت فما معنى قوله: (وجدك ضالا فهدى) فَلَيْس هُو مِن الضَّلال الَّذِي هُو الكُفْر؟ قِيل ضَالًا عَن النُّبُوَّة فَهَدَاك إِلَيْهَا، قاله الطَّبَرِيّ، وَقِيل وَجَدَك بَيْن أَهْل الضَلَال فَعَصَمَك من ذَلِك وَهَدَاك بالإيمان وَإلَى إرْشَادِهِم وَنَحْوَه عَن السُّدّيّ وَغَيْر وَاحِد، وَقِيل ضالًا عَن شَرِيعَتِك أَي لَا تَعْرِفُهَا فَهَدَاك إِلَيْهَا، وَالضَّلَال ههُنَا التَّحَيُّر وَلِهَذَا كان ﷺ يخلو بِغَار حِرَاء فِي طَلَب مَا يَتَوَجَّه بِه إِلَى رَبَّه وَيَتَشَرَّع بِه حَتَّى هَدَاه اللَّه إِلَى الْإِسْلَام قَال مَعْنَاه المشيرى وَقِيل لَا تَعْرِف الْحَقّ فَهَدَاك إليْه، وَهَذَا مِثْل قَوْلِه تَعَالَى:) وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) قَالَه عَلِيّ بن عِيسَى، قَال ابن عَبَّاس لَم تَكُن لَه ضَلَالَة مَعَصِيَة وَقِيل هَدَى: أَي بَيْن أمْرَك بِالْبَرَاهِين وقيل: (وجدك ضالا) بين مكة والمدينة فهدك إِلَى الْمَدِينَة وَقِيل الْمَعْنَى وَجَدَك فَهَدَى بك ضَالًا * وَعَن جعفر ابن مُحَمَّد (وَوَجَدَكَ ضَالا) عَن مَحَبَّتِي لَك فِي الْأَزَل أي لَا تَعْرِفُهَا فَمَنَنْت عَلَيْك بِمَعْرفَتِي، وَقَرأ الحسن بن علي (ووجدك ضال فَهَدَى) أَي اهْتَدَى بك، وَقَال ابن عَطَاء: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) أَي: مُحِبًا لِمَعْرفَتِي والضَّالّ الْمُحِبّ كما قَال: (إِنَّكَ لَفِي ضلالك القديم) أَي مَحَبَّتِك الْقَدِيمَة
_________________
(١) (قوله حمما) بضم الحاء المهملة أي فحما جمع حممة (قوله ومثله قَوْل الشَّاعِر) هو أمية بن أبى الصلت، قاله من جملة أبيات، وأوله. تِلْك المَكارِم لَا قَعْبَان من لَبَن * شِيبا بماء فعادا بعد أبوالا (*)
[ ٢ / ١١٢ ]
وَلَم يُرِيدُوا ههُنا فِي الدّين إذ لو قَالُوا ذَلِك فِي نَبِيّ اللَّه لَكَفرُوا وَمِثْلُه عِنْد هَذَا قَوْله إنا لَنَرَاهَا فِي ضَلال مُبِين أَي مَحَبَّة بَيَّنَة، وَقَال الجُنَيْد وَوَجَدَك مُتَحَيرًا فِي بَيَان مَا أنزل إِلَيْك فَهَدَاك لِبَيَانِه لقوله (وأنزلناه
إليك الذكر) الآيَة، وَقِيل وَوَجَدَك لَم يَعْرِفْك أحَد بالنُّبُوَّة حَتَّى أظْهَرَك فَهَدَى بك السُّعَدَاء وَلَا أعْلَم أحَدًا قَال مِن الْمُفَسّرِين فِيهَا ضالًا عَن الْإِيمَان، وَكَذَلِك فِي قِصَّة مُوسَى ﵇ قَوْله: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضالين) أي مِن المُخْطِئِين الْفَاعِلِين شَيْئًا بِغَيْر قَصْد.
قالَه ابن عَرَفَة، وَقَال الْأَزْهَريّ: مَعْنَاه مِن النَّاسِين وَقَد قِيل ذَلِك فِي قَوْلِه (وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى) أَي ناسيًا كَمَا قَال تَعَالَى: (أَنْ تَضِلَّ إحداهما) فإن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) فالجَواب: أَنّ السَّمْرَقَنْدِيّ قَال: مَعْنَاه مَا كُنْت تَدْرِي قَبْل الْوَحْي أن تَقْرَأ الْقُرْآن وَلَا كَيْف تَدْعُو الخَلْق إِلَى الْإِيمَان، وَقَال بَكْر الْقَاضِي نَحْوَه، قَال وَلَا الْإِيمَان الَّذِي هُو الْفَرَائض وَالأحْكَام، قال: فكان قيل مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِه ثُمّ نَزَلَت الْفَرَائض التي لَم يَكُن يَدْريهَا قبل
_________________
(١) (قوله وقال الجنيد) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الحراز القواريرى الزاهد أصله من نهاوند ومنشؤه ومولده بالعراق، شيخ الطريقة وسيد الطائفة تفقه على أبى ثور وكان يفتى بحلقته وله من العمر عشرون سنة، كذا في الطبقات للسبكي، واختص بصحبة السرى السقطى والحارث بن أسد المحاسبى وأبى حمزة البغدادي كَانَ يَقُولُ مَا أخذنا التصوف عن القيل والقال ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات وكان يقول طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به، توفى سنة سبع وتسعين ومائتين بالشونيزية عند خاله السرى (قوله قالَه ابن عَرَفَة) هو العبدى المؤدب، يروى عن ابن المبارك (٨ - ٢) (*)
[ ٢ / ١١٣ ]
فَزَاد بالتَّكْلِيف إيمَانًا وَهُو أحْسَن وَجُوهِه قُلْت فما معني قوله:
(وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) فاعْلَم أنَّه لَيْس بمعنى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتنا غافلون) بَل حَكى أَبُو عَبْد اللَّه الهَرَويّ أَنّ مَعْنَاه لَمِن الْغَافِلين عَن قِصَّة يسف إذ لَم تَعْلَمهَا إلَّا بِوَحْينَا وَكَذَلِك الْحَدِيث الَّذِي يَرْويِه عُثْمَان بن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدِه عَن جَابِر ﵁ أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَدْ كَانَ يَشْهَدُ من الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ فَسَمِعَ ملكين حلفه أحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ اذْهَب حَتَّى تَقُوم خَلْفَه فَقَال الآخَر كَيْف أقُوم خَلْفَه وعهده بالستلاء الْأَصْنَام؟ فَلَم يشْهَدْهُم بَعْد، فَهَذَا حَدِيث أنْكَرَه أَحْمَد بن حَنْبَل جِدًا وَقَال هُو مَوْضُوع أَو شَبِيه بالمَوْضُوع، وَقَال الدَّارَقُطْنِي يُقَال إنّ عُثْمَان وهم فِي إسناده، وَالْحَدِيث بالجُمْلَة مُنْكَر غَيْر مُتَّفَق عَلَى إسْنَادِه فَلَا يُلْتَفَت إليْه، وَالْمَعْرُوف عن النبي ﵌ خِلافُه عِنْد أَهْل الْعِلْم من قَوْلِه (بُغِّضَتْ إِلَيَّ الأَصْنَامُ) وَقَوْلُه فِي الْحَدِيث الآخَر الَّذِي رَوَتْه أُمّ أيْمَن حِين كَلَّمَه عَمُّه وآلُه فِي حُضُور بَعْض أعْيَادِهِم وَعَزَمُوا عَلَيْه بَعْد كراهتِه لِذَلِك فَخَرَج مَعَهُم وَرَجَع مرعوبا فقال (كلما دَنَوْت مِنْهَا من صَنَم تَمَثَّل لِي شَخْص أبْيَض طَويل يَصِيح بي وَرَاءَكَ لَا تَمَسَّهُ) فَمَا شَهِد بَعْد لَهُم عِيدًا، وَقَوْلُه فِي قِصَّة بَحِيرَا حين استحلف النبي ﷺ باللات وَالعُزّى إِذ لقِيَه بالشَّام فِي سَفْرِتِه مَع عَمَّه أَبِي طَالِب وَهُو صَبيّ وَرَأى فِيه سلامات النُّبُوَّة فاختبره بِذَلِك فَقَال لَه النَّبِيّ ﷺ (لَا تَسْأَلْنِي بهما فو الله مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا) فَقَالَ لَهُ بحيرا فبالله إِلَّا مَا أَخْبرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَال (سل عَمَّا بدا لَك) وَكَذَلِك المعروف من سيرته ﷺ وتوفيق اللَّه لَه أنَّه كَان
[ ٢ / ١١٤ ]
فصل
قَبْل نبوته يُخَالف المشركين فِي وُقُوفِهِم بمزدلفة فِي الحج فَكَان يقف
هُو بعرفة لِأَنَّه كَان موقف إبْرَاهِيم ﵇.
فصل قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه قَد بَان بِمَا قدمناه عُقُود الْأَنْبِيَاء فِي التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَالَوَحَي وَعِصْمَتُهُم فِي ذَلِك عَلِيّ مَا بيناه، فأما مَا عَدَا هَذَا الْبَاب من عُقُود قُلُوبهِم فجماعها أنَّهَا مملوءة علما ويقينا عَلَى الجملة، وأنها قَد احتوت مِن المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا ما لا شئ فوقه وَمِن طالع الأحبار واعتني بالحديث وَتأمل مَا قلناه وجده وَقَد قدمنا مِنْه في حَقّ نبينا ﷺ فِي الْبَاب الرابع أَوَّل قسم من هَذَا الْكِتَاب مَا ينبه عَلَى مَا وراءه الا أَنّ أحوالهم فِي هَذِه المعارف تختلف، فأما مَا تعلق مِنْهَا بأمر الدُّنْيَا فلا يشترط فِي حَقّ الْأَنْبِيَاء العصمة من عدم معرفة الْأَنْبِيَاء ببعضها أَو اعتقادها عَلَى خِلَاف مَا هِي عَلَيْه وَلَا وصم عَلَيْهِم فِيه إِذ هممهم متعلقة بالآخرة وأنبائها وأمر الشريعة وقوانينها، وأمور الدُّنْيَا تضادها بخلاف غَيْرِهِم من أَهْل الدُّنْيَا الذين يعلمون ظاهرا مِن الحياة الدُّنْيَا وهم عَن الآخرة هُم غافلون كَمَا سنبين هَذَا فِي الْبَاب الثاني أَنّ شَاء اللَّه ولكنه لَا يقال انهم لَا يعلمون شَيْئًا من أمر الدُّنْيَا فان ذَلِك يؤدي إلى الغفلة والبله وهم المنزهون عَنْه بَل قَد أرسلوا إلى أهل الدُّنْيَا وقلدوا سياستهم وهدايتهم والنظر فِي مصالح دينهم ودنياهم، وَهَذَا لَا يَكُون مَع عدم الْعِلْم بأمور الدُّنْيَا بِالكلية، وأحوال الْأَنْبِيَاء وسيرهم فِي هَذَا الْبَاب معلومة ومعرفتهم بِذَلِك كله مشهورة وَأَمَّا إنّ كَان هَذَا
[ ٢ / ١١٥ ]
العقد مِمَّا يتعلق بالدين فَلَا يصح مِن النَّبِيّ ﷺ إلا الْعِلْم بِه وَلَا يجوز عَلَيْه جهله جملة لِأَنَّه لَا يخلو أن يَكُون حصل عِنْدَه ذَلِك
عَن وحي مِن اللَّه فَهُو مَا لَا يصح الشك مِنْه فِيه عَلَى مَا قدمناه فكيف الجهل؟ بَل حصل لَه الْعِلْم اليقين أَو يَكُون فعل ذَلِك باجتهاده فِيمَا لَم ينزل عليه فيه شئ عَلَى القول بتجويز وقوع الاجتهاد مِنْه فِي ذَلِك عَلَى قول المحققين وَعَلَى مقتضى حَدِيث أم سَلَمَة إنّي إنما أقضى بينكم برأى فيما لم ينزل على فيه شئ خَرجه الثقات، وكَقِصَّة أَسْرَى بَدْر وَالإذْن للْمُتخّلِفين عَلَى رأي بَعْضُهُم فَلَا يَكُون أيْضًا مَا يعتقده مِمَّا يثمره اجتهاده إلَّا حقا وصحيحا، هَذَا هُو الْحَقّ الَّذِي لَا يلتفت إلى خِلَاف من خالف فِيه مِمَّن أجاز عَلَيْه الخَطَإ فِي الاجْتِهَاد لَا عَلَى القول بتصويب المجتدين الَّذِي هُو الْحَقّ والصواب عندنا وَلَا عَلَى القول الآخر بأن الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد لِعصْمَة نَبِيّ ﷺ مِن الخَطَإ فِي الاجْتِهَاد فِي الشَّرْعِيَّات وَلِأَنّ الْقَوْل فِي تَخْطِئَة المُجْتَهِدِين إنَّمَا هُو بَعْد اسْتِقْرَار الشَّرْع وَنَظَر النَّبِيّ ﷺ وَاجْتِهادُه إنَّمَا هُو فِيمَا لَم يُنْزَل عَلَيْه فيه شئ وَلَم يُشْرَع لَه قَبْل، هَذَا فِيمَا عَقد عَلَيْه النَّبِيّ ﷺ قَلْبَه فأمَّا مَا لَم يَعْقِد عَلَيْه قَلْبَه من أمْر النَّوَازِل الشَّرْعِيَّة فَقَد كَان لَا يَعْلَم مِنْهَا أوَّلًا إلَّا مَا عَلَّمَه اللَّه شَيْئًا شَيْئًا حَتَّى اسْتَقَرّ عِلْم جُمْلَتِهَا عِنْدَه إِمَّا بِوَحْي مِن اللَّه أَو إذْن أن يَشْرَع فِي ذَلِك وَيَحْكُم بِمَا أرَاه اللَّه وَقَد كَان يَنْتَظِر الْوَحْي فِي كَثِير مِنْهَا وَلكِنَّه لَم يَمُت حَتَّى اسْتَفْرَغ عِلْم جَمِيعِهَا عِنْدَه ﷺ وَتَقَرَّرَت مَعَارِفُهَا لَدَيْه عَلَى التَّحْقِيق وَرَفْع الشَّكّ وَالرَّيْب وَانْتِفَاء الجَهْل وَبِالجُمْلَة فَلَا يَصِحّ منه الجهل بشئ من تَفَاصِيل الشَّرْع الَّذِي أمر بالدَّعْوَة إليْه إذ
[ ٢ / ١١٦ ]
فصل واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان
لَا تَصِحّ دَعْوَتُه إلى مَا لا يَعْلَمُه وَأَمَّا مَا تَعَلَّق بَعَقْدِه من مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخَلق اللَّه وَتَعْيين أسْمَائِه الْحُسْنى وَآيَاتِه الْكُبْرَى وَأُمُور الآخِرَة وَأشْرَاط الساعة وأحْوَال السُّعَدَاء وَالأشْقِيَاء وَعِلْم مَا كَان وَمَا يَكُون مِمَّا لَم يعلمه إلا بِوَحْي فَعَلى مَا تَقَدَّم من أنَّه مَعْصُوم فِيه لَا يَأْخُذُه فِيمَا أُعْلِم مِنْه شَكّ وَلَا رَيْب بَل هُو فِيه عَلَى غَايَة اليَقِين لكنَّه لَا يُشْتَرَط لَه الْعِلْم بِجَمِيع تَفَاصِيل ذَلِك وَإن كَان عِنْدَه من عِلْم ذَلِك مَا لَيْس عِنْد جَمِيع الْبَشَر لِقَوْلِه ﷺ (إِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي) وَلِقَوْلِه وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قرة أعين) وَقَوْل مُوسَى لِلخضر (هل أتبعك لى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا علمت رشدا) وَقَوْلُه ﷺ (أَسْألُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتَ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ) وَقَوْلُه (أَسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوِ لتأثرت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ) وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) قَال زيد بن أسلم وَغَيْرُه حَتَّى يَنْتَهِي الْعِلْم إِلَى اللَّه وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِه إذ مَعْلُومَاتُه تَعَالَى لَا يُحَاط بِهَا وَلَا مُنْتَهى لَهَا، هَذَا حُكْم عَقْد النَّبِيّ ﷺ فِي التَّوْحِيد وَالشَّرْع وَالْمَعَارِف وَالْأُمور الدَّينِية
فصل وَاعَلم أَنّ الْأُمَّة مُجْمعة عَلَى عِصْمة النَّبِيّ ﷺ مِن الشَّيْطَان وَكِفَايَتِه مِنْه لَا فِي جِسمِه بِأنْوَاع الأَذَى وَلَا عَلَى خَاطِرِه بِالوْسَاوِس وَقَد أَخْبَرَنَا الْقَاضِي الْحَافِظ أَبُو عَلِيّ ﵀ قَال حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ الْعَدْلُ حدثنا أبو بكر البرقاني وغيره حدثنا أَبُو الْحَسَنِ
[ ٢ / ١١٧ ]
الدَّارَقُطْنِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ التَّرْقُفِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قال رسول الله ﷺ) مَا مِنْكُمْ
مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (وَإِيَّايَ وَلِكِنَّ اللَّهَ تعالى أعاني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ) * زَاد غَيْرِه عَن منصور (فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) وَعَن عَائِشَة بمعناه رُوِي فَأسْلَم بِضَم المِيم أَي فَأسْلَم أَنَا مِنْه وَصَحَّح بَعْضُهُم هَذِه الرَّوَايَة وَرَجَّحَهَا، وَرُوي فَأسْلَم يعني القَرِين أنَّه انْتَقَل عَن حَال كُفْرِه إِلَى الْإِسْلَام فَصَار لَا يَأْمُر إلَّا بِخَيْر كَالمَلك، وَهُو ظَاهِر الْحَدِيث، وَرَوَاه بَعْضُهُم فَاسْتَسْلَم قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه فَإِذَا كَان هَذَا حُكْم شَيْطَانِه وقرينه المسلط عَلَى بَنِي آدَم فَكَيْف بِمَن بَعْد مِنْه وَلَم يَلْزَم صُحْبَتَه وَلَا أُقْدِر عَلَى الدُّنُوّ مِنْه؟ وَقَد جَاءَت الآثار بِتَصَدّي الشَّيَاطِين لَه في غير موطن رغبة في إطماء نُوره وَإماتَة نَفْسِه وَإدْخَال شُغْل عَلَيْه إِذ يئِسُوا من إغْوَائِه فانْقَلبُوا خَاسِرين كَتَعَرُّضِه لَه فِي صَلَاتِه فَأخَذَه النَّبِيّ ﷺ وَأسَرَه * فَفِي الصَّحَاح قَال أَبُو هُرَيْرَة عَنْه ﷺ (إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي - قَال عبد الرَّزَّاق فِي صُورَةِ؟؟؟ - فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكنِنِي اللَّهُ
_________________
(١) (قوله عباس الترقفى) عباس بالموحدة والسين المهملة، الترقفى بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وضم القاف وكسر الفاء وياء النسبة (قوله فشد على فدعته) شد جمل ودعته بالعين المهملة قال ابن الأثير: الدعت بالدال والذال الدفع العنيف، والذعت أيضا المعك في التراب قال النووي وأنكر الخطابى المهملة وقال لا يصح، وصححها غيره وصوبها وإن كانت المعجمة أوضح وأشهر، وقال ابن قرقول وعند ابن الحذاء في حديث ابن أبى شيبة فذغته بذال وغين معجمتين (*)
[ ٢ / ١١٨ ]
مِنْهُ فَذَعَتُّهُ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصِبحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي ملكا) الآيَةَ، فَرَدَّهُ
اللَّهُ خَاسِئًا) * وَفِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء عَنْه ﷺ (إن عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ جَاءَنِي بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَذَكَرَ تَعَوذَهُ بِاللَّهِ مِنْهُ ولعنه لَهُ ثُمَّ أَرَدْتُ آخُذُهُ)، وَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَال (لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَتَلاعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ فِي الْإِسْرَاء (وَطَلَب عفريت له بشعلة نار فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه) ذكره في الموطإ، ولما لم يقدر على أداه بِمُبَاشَرَتِه تَسَبَّب بالتَّوَسُط إلى عِدَاه كَقَضيته مَع قُرَيْش فِي الائْتِمَار بِقَتْل النَّبِيّ ﷺ وَتَصوُّرِه فِي صُورَة الشَّيْخ النَّجْدِيّ وَمَرَّة أخْرَى فِي غَزْوَة يَوْم بَدْر فِي صُورَة سُرَاقَة بن مالك وَهُو قَوْله (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) الآيَة، وَمَرَّة يُنْذر بِشَأنِه عِنْد بَيْعَة العفية، وَكُلّ هَذَا فَقَد كَفَاه الله أمْرَه وَعَصَمَه ضُرَّه وَشَرَّه وَقَد قَال ﷺ (إِنَّ عِيسَى ﵇ كُفِيَ مِنْ لَمْسِهِ فَجَاءَ لِيَطْعَنَ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِهِ حِينَ وُلِدَ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ) وَقَالَ ﷺ حِينَ لُدَّ فِي مَرَضِهِ وَقِيل لَه خَشينا أن يكون بك
_________________
(١) (قوله فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سليمان) قال المصنف في شرح مسلم معناه أنه مختص بهذا فامتنع ﷺ من ربطه إلا لأنه لم يقدر عليه لذلك وما لأنه لما تذكر ذلك لما يتعاط ذلك لظنه أنه يقدر عليه أو تواضعا أو تأديا انتهى (قوله أبى الدرداء) اسمه عويمر بن عامر (قوله لشهاب) أي شعلة (قوله الشيخ النجدي) إنما انتسب اللعين إلى نجد لأنهم قالوا عند تعاقدهم لا تدخلوا منكم أحدا من أهل تهامة إن هواهم مع محمد (قوله في الحجاب) أي الغشاة الذى يكون الجنين في داخله وهو للشيمة، وقيل حجاب بين الشيطان وبين مريم (*)
[ ٢ / ١١٩ ]
ذَات الجَنْب فَقَال (إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهُ عَلَيَّ) فَإِن قِيل
فَمَا مَعْنَي قَوْلِه تَعَالَى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) الآيَة؟ فَقَد قَال بَعْض الْمُفَسّرِين إنها رَاجِعَة إِلَى قَوْلِه (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ثُمَّ قَال وإما يَنْزَغَنَّكَ أَي يَسْتَخِفَّنَّكَ غَضَبٌ يَحْمِلُكَ عَلَى تَرْكِ الإِعْرَاضِ عَنْهُمْ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَقِيلَ النزع هُنَا الْفَسَاد كَمَا قَال (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) وقيل ينرغنك يغرينك ويخركنك، والنزع أدْنى الْوَسْوَسَة فأمَرَه اللَّه تَعَالَى أنَّه مَتَى تَحَرَّك عَلَيْه غَضَبٌ عَلَى عَدُوِّهِ أَو رَام الشَّيْطَان من إغْرَائِه بِه وَخَوَاطِر أدْنى وَسَاوِسِه مَا لم يُجعَل لَه سَبِيل إليْه أن يَسْتَعِيذ مِنْه فَيُكْفى أمْرُه وَيَكُون سبب نمام عِصْمِته إذ لَم يُسَلَّط عَلَيْه بِأكْثَر مِن التَّعَرُّض لَه وَلَم يُجْعَل لَه قُدْرَة عَلَيْه وَقَد قِيل فِي هَذِه الآيَة غَيْر هَذَا وَكَذَلِك لَا يَصِحّ أن يُتَصَور لَه الشَّيْطَان فِي صُورَة المَلَك وَيُلَبَّس عَلَيْه لَا فِي أَوَّل الرّسَالة وَلَا بَعْدَهَا وَالاعْتِمَاد فِي ذَلِك دَلِيل المُعْجِزة بَل لَا يَشُكّ النَّبِيّ أَنّ مَا يَأتِيه مِن اللَّه المَلَك وَرَسُولُه حَقِيقَة إِمَّا بِعِلْم ضَرُورِي يَخْلُقُه اللَّه لَه أَو بِبُرْهَان يُظْهِرُه لديه لِتَتمّ كلمة رَبّك صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدّل لِكَلِمَاتِه.
فَإِن قِيل فَمَا مَعْنَي قوله تعالى: (وما أرسلنا منى قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الآيَة؟ فاعلم أَنّ لِلنَّاس فِي مَعْنَي هَذِه الآيَة أقاوِيل مِنْهَا السَّهْل وَالْوَعْث *
_________________
(١) (قوله ذات الجنب) هي قرحة تصيب الإنسان في داخل جنبه (قوله ويلبس) بكسر الموحدة أي يخلط (قوله والوعث) بفتح الواو وسكون العين المهملة بعدها مثلثة: في الصحاح الوعث المكان السهل الكبير الدهش تغيب فيه الأقدام ويسبق على من يمشى فيه والدهش المكان السهل لا يبلغ أن يكون رملا وليس ترابا ولا طينا (*)
[ ٢ / ١٢٠ ]
وَالسَّمِين والغَثّ، وَأوْلى مَا يُقَال فِيهَا مَا عَلَيْه الجمهور من المفسرين أن
التمنى ههُنَا التَّلاوَة وَإلْقَاء الشَّيْطَان فِيهَا إشْغَاله بِخَوَاطِر وَأذَكَار من أمور الدنيا لليالي حَتَّى يُدْخِل عَلَيْه الْوَهْم وَالنّسْيَان فِيمَا تَلاه أَو يُدْخِل غَيْر ذَلِك عَلَى أفهَام السَّامِعِين مِن التحريف وَسُوء التَّأوِيل مَا يُزِيلُه اللَّه وَيَنْسَخُه وَيَكْشِف لَبْسَه وَيُحْكم آياتِه وَسَيَأتَي الْكَلَام عَلَى هَذِه الآيَة بعد بِأشْبَع من هَذَا إن شَاء اللَّه، وَقَد حكى السَّمْرَقَنْدِيّ إنْكَار قَوْل من قال بتسلط الشَّيْطَان عَلَى مُلْك سليمان وغلبته عليه وَأَنّ مِثْل هَذَا لَا يَصحّ وَقَد ذَكَرْنا قِصَّة سُلَيْمَان مُبَيَنَة بَعْد هَذَا وَمِن قَال إنّ الجَسَد هُو الوَلَد الَّذِي وُلِد لَه، وَقَال أَبُو مُحَمَّد مَكّيّ فِي قِصَّة أيُّوب وَقَوْلُه: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وعذاب) أنه لا يجوز لأحد أن ينازل أَنّ الشَّيْطَان هُو الَّذِي أمْرَضه وَألْقَى الضُّرّ فِي بَدَنِه ولا يَكُون ذَلِك إلَّا بِفِعْل اللَّه وَأمْرِه لِيَبْتَلِيَهُم وَيُثِيبهُم.
قَال مَكّيّ: وَقِيل إنّ الَّذِي أصَابَه الشَّيْطَان مَا وَسْوَس بِه إِلَى أهله فَإِنّ قُلْت: فَمَا مَعْنَي قَوْلِه تَعَالَى عَن يوشَع: - وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ) وَقَوْلُه عَن يُوسُف: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) وقَوْل نَبِيَّنَا ﷺ حِين نَام عَن الصَّلَاة يَوْم الْوَادِي: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) وَقَوْل مُوسَى ﵇ فِي وَكْزَتِه: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) فاعْلَم أَنّ هَذَا الْكَلَام قَد يَرد فِي جميع خذا عَلَى مَوْرِد مُسْتَمِرّ كَلَام الْعَرَب فِي وَصْفِهِم كُلّ قَبح من شَخْص أَو فَعْل بالشَّيْطَان أَو فِعْلِه كَمَا قَال تَعَالَى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رؤس الشياطين) وَقَال ﷺ: (فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)، وأيضا فَإِنّ قَوْل يُوشَع لَا يَلْزَمُنَا الجواب
_________________
(١) (قوله ويثبتهم) من التثبيت وفى نسخة ويثيبهم من الثواب (*)
[ ٢ / ١٢١ ]
عَنْه، إذ لَم يَثْبُت لَه فِي ذَلِك الوقت نُبُوَّة مَع مُوسَى، قَال اللَّه تَعَالَى: (وإذ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ) وَالمَرْوِيّ أنَّه إنَّمَا نبى بَعْد مَوْت مُوسَى وَقِيل: قُبَيْل مَوْتِه، وقول مُوسَى كَان قَبْل نُبُوَّتِه بِدَلِيل الْقُرْآن وقصة يُوسُف قَد ذُكِر
أنَّهَا كَانَت قَبْل نُبُوَّتِه، وقد قال المفسرون في قوله: (أنساه الشيطان) قَوْلَيْن: أحَدُهُمَا: أَنّ الَّذِي أنْسَاه الشَّيْطَان ذَكَر رَبَّه أحد صَاحِبي السّجْن وَرَبَّه المَلك: أَي أنْسَاه أَنّ يَذْكُر لِلْمَلِك شَأْن يُوسُف ﵇، وأيضا فَإِنّ مِثْل هَذَا من فعل الشَّيْطَان لَيْس فِيه تسلط عَلَى يُوسُف ويوشع بوساوس ونزغ وَإِنَّمَا هُو بشغل خواطر هما بِأُمُور أُخَر وَتَذْكِيرِهِما من أُمُورِهِمَا مَا يُنْسِيهِمَا مَا نَسِيَا، وَأَمَّا قَوْله ﷺ: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) فَلَيْس فِيه ذِكْر تَسَلُّطِه عَلَيْه وَلَا وَسْوَسَتِه لَه بَل إنّ كَان بِمُقْتَضى ظَاهرِه فَقَد بَيْن أمْر ذَلِك الشَّيْطَان بِقَوْلِه: (إن شيطان أَتَى بِلالًا فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ) فَاعْلَم أَنّ تَسَلُّط الشَّيْطَان فِي ذَلِك الْوَادِي إنَّمَا كَان عَلَى بلال الْمُوَكَّل بِكَلاءَة الْفَجْر، هَذَا إنّ جَعَلْنَا قَوْله: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) تَنْبِيهًا عَلَى سَبَب النّوْم عَن الصَّلَاة، وَأَمَّا إنّ جَعَلْنَاه تَنْبِيهًا عَلَى سَبَب الرَّحِيل عَن الْوَادِي وَعِلَّة لِتَرْك الصَّلَاة بِه وَهُو دَلِيل مَسَاق حَدِيث زَيْد بن أسْلَم فَلَا اعْتِرَاض بِه فِي هَذَا الْبَاب لِبَيَانِه وإرتفاع إشكاله.
_________________
(١) (وقوله يهدئه) بسكون الهاء وكسر الدال المخففة بعدها همزة، في الصحاح أهدأت الصبى إذا جعلت تضرب عليه بكفك وتسكنه لينام (قوله بكلاءة) أي بحراسة (*)
[ ٢ / ١٢٢ ]
فصل وأما أقواله ﷺ فقد قامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه
فصل وَأَمَّا أقْوَالُه ﷺ فَقَد قَامَت الدَّلائِل الْوَاضِحَة بصحَّة المُعْجِزَة عَلَى صِدْقِه وَأَجْمَعَت الْأُمَّة فِيمَا كَان طَرِيقُه البَلاغ أنَّه مَعْصُوم فِيه من الأخبار عن شئ مِنْهَا بِخِلَاف مَا هُو بِه لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا أَمَّا تَعَمُّد الخنف فِي ذَلِك فمنْتَف بِدَلِيل المعجزة القائِمَة مَقَام
قول اللَّه صَدَق فِيمَا قَال اتّفَاقًا، وَبإطْبَاق أَهْل المِلَّة إجْماعًا وَأما وُقُوعُه عَلَى جِهَة الغَلَط فِي ذَلِك فَبِهَذَه السَّبِيل عِنْد الأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاق الإسْفَرائِني وَمِن قَال بِقَوْلِه وَمِن جهة الإجْمَاع فَقَط وَوُرُود الشَّرْع بانْتِفَاء ذَلِك وعصمة النبي لَا من مُقْتَضَى المُعْجِزَة نَفْسِهَا عِنْد الْقَاضِي أَبِي بَكْر الْبَاقِلَّانِي وَمِن وافقه لاختلاف بَيْنَهُم فِي مُقْتَضَى دَلِيل الْمُعْجِزَة لَا نُطَوّل بِذِكْرِه فَنَخْرُج عَن غَرَض الْكِتَاب فَلْنَعْتَمد عَلَى مَا وَقَع عَلَيْه إجْمَاع المُسْلِمين أنَّه لَا يَجُوز عَلَيْه خُلْف فِي القَوْل إبْلاغ الشَّرِيعَة وَالإعْلام بِمَا أخْبَر بِه عَن رَبَّه وَمَا أوْحَاه إليْه من وَحْيِه لَا عَلَى وَجْه العَمْد وَلَا عَلَى غَيْر عَمْد وَلَا فِي حَالي الرَّضَى وَالسَّخْط وَالصَّحّة وَالمَرض، وَفِي حَدِيث عَبْد الله ابن عَمْرو قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَكْتُبُ كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَال (نَعَم) قُلْتُ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبَ؟ قَالَ نَعَمْ فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا حَقًّا) وَلْنَزِدْ مَا أَشَرْنَا إليْه من دَلِيل الْمُعْجِزَة عَلَيْه بَيَانًا: فَنَقُول إذَا قامت الْمُعْجِزَة عَلَى صَدْقِه وَأنَّه لَا يَقُول إلَّا حَقًّا وَلَا يُبَلّغ عَن اللَّه إلَّا صِدْقًا وَأَنّ الْمُعْجِزَة قَائِمة مَقَام قَوْل اللَّه لَه صَدَقْت فِيمَا تَذْكُرُه عني وَهُو يَقُول إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ لا بلغكم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم وأبين لَكُمْ مَا نُزِّلَ عَلَيْكُمْ (وَمَا يَنْطِقُ
[ ٢ / ١٢٣ ]
فصل وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات
عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) وَقَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبَّكُمْ، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرٌ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَلَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِ الْغَلَطَ وَالسَّهْوَ لَمَا تَمَيَّزَ لَنَا مِنْ غَيْرِهِ ولا اختلط الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، فَالْمُعْجِزَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَصْدَيقِهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ غير خصوص فتبريه النبي ﷺ عن ذَلِك كُلَّه وَاجِب بُرْهَانًا وَإجْماعًا كَمَا قاله أَبُو إِسْحَاق
فصل وَقَد تَوَجَّهَت ههُنا لِبَعْض الطاعِنِين سُؤَالات مِنْهَا مَا رُوِي من أَنّ النَّبِيّ ﷺ لما قرأ سورة وَالنَّجْم وَقَال (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى) قَال تِلْك الغَرَانِيق العُلى وَإِنّ شَفَاعَتَهَا لِتُرْتَجى وَيُرْوَى تُرْتَضَى، وَفِي رِوَايَة إن شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى، وأنها لَمَع الغَرَانِيق العُلى وَفِي أُخْرَى وَالغَرَانِقَة العُلَى تِلْك الشَّفَاعَة تُرْتَجى، فَلَمّا خَتَم السُّورَة سَجَد وَسَجَد مَعَه الْمُسْلِمُون وَالكُفَّار لَمّا سَمِعُوه أثْنى عَلَى آلِهتِهِم وَمَا وقَع فِي بَعْض الروايات أَنّ الشَّيْطَان ألفاها عَلَى لِسَانِه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان يَتَمَنَّى أَنّ لَو نَزَل عَلَيْه شئ يُقَارِب بَيْنَه وَبَيْن قَوْمِه * وَفِي رِوَايَة أُخْرَى
_________________
(١) (قوله بخلاف مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة (قوله الغرانيق) في الصحاح الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف بها الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون فيهما وغرنوق وغرانق وهو الشاب الناعم والجمع الغرانق بالفتح والغرانيق والغرانقة انتهى (*)
[ ٢ / ١٢٤ ]
أَنّ لَا يَنْزِل عليه شئ يُنَفَّرُهُم عَنْه وَذَكَر هَذِه الْقِصَّة وَأَنّ جِبْرِيل ﵇ جَاءَه فَعَرَض عَلَيْه السُّورَة فَلَمّا بَلَغ الكلمتين قال له مَا جئْتُك بِهَاتَيْن، فَحَزِن لِذَلِك النَّبِيّ ﷺ فأنْزل اللَّه تَعَالَى تَسْلِيَة لَه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نبى) الآيَة وَقَوْلُه (وَإِنْ كادوا ليفتنونك) الآيَة، فاعْلَم أَكْرَمَك اللَّه أَنّ لَنَا فِي الْكَلَام عَلَى مُشْكل هَذَا الْحَدِيث مَأْخَذيْن أحَدُهُمَا فِي تَوْهِين أصْلِه وَالثَّاني عَلَى تَسْلِيمِه، أَمَّا الْمَأْخَذ الأوّل فَيَكْفِيك أَنّ هَذَا حَدِيث لَم يُخَرَّجْه أَحَد من أَهْل الصّحَّة وَلَا رَوَاه
ثِقَة بِسَنَد سَلِيم مُتّصِل وَإِنَّمَا أُولِع بِه وَبمِثْلِه الْمُفَسِّرُون وَالْمُؤَرّخُون الْمُولَعُون بِكُلّ غَريب الْمُتَلَقّفُون من الصحف كُلّ صحيح وَسَقِيم وَصَدَق الْقَاضِي بَكْرُ بن الْعَلَاء الْمَالِكيّ حَيْث قَال لَقَد بُلِي النَّاس بِبَعْض أَهْل الأهْوَاء وَالتَّفْسِير وَتَعَلَّق بِذَلِك الْمُلحِدُون مَع ضَعْف نَقَلَتِه وَاضْطِرَاب رِوَايَاتِه وَانْقِطَاع إسْنَادِه وَاختِلَاف كَلِمَاتِه فَقَائِل يَقُول إنَّه فِي الصَّلَاة، وآخَر يَقُول قالها فِي نَادِي قَوْمِه حِين أُنْزِلَت عَلَيْه السُّورَة، وآخر يقول قالها وقد أصابته سنة، وَآخَر يَقُول بَل حدث نفسه فيها، وآخر يقول إن الشيطان قَالَهَا عَلَى لِسَانِه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ لَمّا عَرَضَهَا عَلَى جِبْرِيل قَال مَا هكذا أقْرَأْتُك، وَآخَر يَقُول بَل أَعْلَمَهُم الشَّيْطَان أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَرَأَهَا، فَلَمّا بَلَغ النَّبِيّ ﷺ ذَلِك قَال والله مَا هكَذَا نَزلَت، إِلَى غَيْر ذَلِك مِن اخْتِلَاف الرُّوَاة، وَمِن حُكِيَت هَذِه الحِكَايَة عَنْه مِن الْمُفَسّرِين وَالتَّابِعِين لَم يُسْندْهَا أحَد مِنْهُم وَلَا رَفَعَهَا إِلَى
_________________
(١) (قوله المولعون) بضم الميم وفتح اللام (قوله لَقَد بُلِي النَّاس) بضم الموحدة وكسر اللام (قوله سنة) بكسر السين وفتح النون أي نعاس. (*)
[ ٢ / ١٢٥ ]
صَاحِب وَأكْثَر الطُّرُق عَنْهُم فِيهَا ضَعِيفَة وَاهِية وَالمَرْفُوع فِيه حَدِيث شُعْبَة عَن أَبِي بِشْر عَن سَعِيد بن جُبَيْر عَن ابن عَبَّاس قَال فِيمَا أحْسِب الشك فِي الْحَدِيث أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان بِمَكَّة وَذَكَر الْقِصَّة قَال أَبُو بَكْر الْبَزَّار هَذَا الْحَدِيث لَا نَعْلَمُه يُرْوَى عَن النَّبِيّ صَلَّى الله علبه وَسَلَّم بِإسْنَاد مُتَّصِل يَجُوز ذِكْرُه إلَّا هَذَا وَلَم يُسْنِدْه عَن شُعْبَة إلَّا أُمَيَّة بن خَالِد وَغَيْرُه يُرْسِلُه عَن سَعِيد بن جُبَيْر وَإِنَّمَا يُعْرَف عَن الكَلْبِيّ عَن أَبِي صالح عَن ابن عَبَّاس فَقَد بَيْن لَك أَبُو بَكْر ﵀ أنَّه لَا يُعْرَف من طَرِيق يَجُوز
ذِكْرُه سِوَى هَذَا وَفِيه مِن الضَّعْف مَا نَبَّه عَلَيْه مَع وُقُوع الشك فِيه كَمَا ذَكَرَنَاه الَّذِي لَا يُوثَق بِه وَلَا حَقِيقَة مَعَه، وَأَمَّا حَدِيث الْكَلْبِي فمِمَّا لَا تَجُوز الرَّواية عَنْه وَلَا ذِكْرُه لِقُوَّة ضَعْفِه وَكَذِبِه كَمَا أشَار إليْه الْبَزَّار ﵀ وَالَّذِي مِنْه فِي الصحيح أن النبي ﷺ قَرَأَ وَالنَّجْمِ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ، هَذَا تَوْهِينُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَأَمَّا من جِهة الْمَعْنَى فَقَد قَامَت الْحُجَّة وَأَجْمَعت الأُمَّة عَلَى عِصْمَتِه ﷺ وَنَزَاهِتِه عَن مثل هذه الرذبلة إِمَّا من تَمَنَّيه أن يُنْزَل عَلَيْه مِثْل هَذَا من مَدْح آلِهة غَيْر اللَّه وَهُو كُفْر أَو أن يَتَسَوَّر عَلَيْه الشَّيْطَان وَيُشَبَّه عَلَيْه الْقُرْآن حَتَّى يَجْعل فِيه مَا لَيْس مِنْه وَيَعْتقَد النَّبِيّ ﷺ أَنّ مِن الْقُرْآن مَا لَيْس مِنْه حَتَّى يُنَبّهَه جِبْرِيل ﵇ وَذَلِك كُلُّه مُمْتَنِع فِي حَقَّه ﷺ أَو يَقُول ذَلِك النَّبِيّ ﷺ من قِبَل نَفْسِه عَمْدًا - وَذَلِك كُفْر - أَو سَهْوًا وهو مَعْصُوم من هَذَا كله وَقَد قَرَّرْنا بِالبَرَاهِين وَالإجْماع عِصْمَتَه ﷺ من جَرَيان
_________________
(١) (قوله عَن أَبِي بِشْر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة. (*)
[ ٢ / ١٢٦ ]
الْكُفْر عَلَى قَلْبِه أَو لِسَانِه لَا عَمْدًا وَلَا سَهُوًا أَو أن يَتَشَبّه عَلَيْه مَا يُلْقِيه الْمُلْك مِمَّا يُلْقي الشَّيْطَان أَو يَكُون لِلشَّيْطَان عَلَيْه سَبِيل أَو أن يَتَقَوَّل عَلَى اللَّه لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا مَا لَم يُنْزَل عَلَيْه وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل) الآية، وقال تَعَالَى (إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) الآيَة، وَوَجْه ثان وَهُو اسْتِحَالة هَذِه الْقِصَّة نَظَرًا وَعُرْفًا وَذَلِك أَنّ هَذَا الْكَلَام لَو كَان كما رُوِي لكان بعيد الالْتِئَام مُتَنَاقِض الْأَقْسَام مُمْتَزِج المدح بالضم مُتَخاذِل التَّأْلِيف وَالنّظْم وَلَمَّا
كَان النَّبِيّ ﷺ وَلَا من بِحَضْرَتِه مِن الْمُسْلِمِين وَصَنَادِيد المُشْرِكِين مِمَّن يَخْفى عَلَيْه ذَلِك وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أدْنى مُتَأمّل فَكَيْف بِمَن رَجَح حِلْمُه وَاتَّسَع فِي باب الْبَيَان؟؟؟؟؟؟ فَصِيح الْكَلَام عِلْمُه، وَوَجْه ثالث أنَّه قَد عُلِم من عَادَة المُنَافِقِين وَمُعَانِدِي المُشْرِكِين وضَعَفَه الْقُلُوب وَالجَهَلَة مِن المُسْلِمِين نُفُورُهُم لأوَّل وَهْلَة وَتَخْلِيط الْعَدُوّ عَلَى النَّبِيّ ﷺ لِأَقَلّ فِتْنَة وَتَعْييرُهُم المُسْلِمِين وَالشَّمَاتَة بِهِم الْفَيْنَة بَعْد الْفَيْنَة وَارْتِدَاد من فِي قَلْبِه مَرَض مِمَّن أظْهَر الإسلام لأدنى شُبْهَة وَلَم يَحْك أحَد فِي هَذِه الْقِصَّة شَيْئًا سوى هَذِه الرّوَايَة الضَّعِيفَة الْأَصْل وَلَو كَان ذَلِك لَوَجَدَت قُرَيْش بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِين الصَّوْلَة وَلأقَامَت بِهَا الْيَهُود عَلَيْهِم الْحُجَّة كَمَا فَعَلُوا مُكَابَرَة فِي قِصَّة الْإِسْرَاء حَتَّى كَانَت فِي ذلك لبعض
_________________
(١) (قوله متخاذل) بالخاء والذال المعجمتين (قوله وصناديد) جمع صنديد بكسر الصاد المهملة وهو السيد الشجاع (قوله والشمات) بضم الشين المعجمة وتشديد الميم: جمع شامت (قوله الْفَيْنَة بَعْد الْفَيْنَة) بفاء مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة ونون؟؟؟؟ بعد الحين (*)
[ ٢ / ١٢٧ ]
الضُّعَفَاء رِدَة وَكَذَلِك مَا رُوِي فِي قِصَّة القضِيَّة وَلَا فِتْنَة أعْظَم من هَذِه البلية لَو وُجِدَت وَلَا تَشْغِيب للمُعَادِي حِينئذ أشَد من هَذِه الحَادِثَة لَو أمْكَنَت فَمَا رُوِي عَن مُعَانِد فِيهَا كَلِمة وَلَا عَن مُسْلِم بسببها بِنْت شَفَة فَدَلّ عَلَى بُطْلِها واجْتثَاث أصْلِها وَلَا شَكّ فِي إدْخَال بَعْض شَيَاطِين الإنس أَو الجِنّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى بَعْض مُغَفَّلي المحدثين ليلبسن بِه عَلَى ضُعَفاء الْمُسْلِمِين.
وَوَجْه رَابع ذَكَر الرُّوَاة لِهَذِه القَضِيَّة أَنّ فِيهَا نَزَلَت (وَإِنْ كَادُوا ليفتنونك) الآيَتَيْن، وَهَاتان الآيتان تَرُدَّان الخَبَر الَّذِي
رَوَوْه لِأَنّ اللَّه تَعَالَى ذَكَر انهم كَادُوا يَفْتِنُونَه حَتَّى يَفْتَرِي وَأنَّه لولا أن ثبته لَكَاد يَرْكَن إِلَيْهِم فَمَضْمُون هَذَا وَمَفْهُومُه أن الله تعالى عصمه من أَنّ يَفْتَرى وَثَبَّتَه حَتَّى لَم يَرْكَن اليهم قلِيلًا فَكَيْف كَثِيرا وهم يرون فِي أخْبَارِهم الْوَاهِيَة أنَّه زَاد عَلَى الرُّكُون وَالافْتِرَاء بِمَدْح آلِهَتِهِم وَأنَّه قَال ﷺ: (افْتَرَيْتَ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتَ مَا لَمْ يَقُلْ) وَهَذَا ضِدّ مَفْهُوم الآية وَهِي تضعف الْحَدِيث لَو صَحّ فَكَيْف وَلَا صِحَّة لَه؟ وَهَذَا مِثْل قَوْلِه تَعَالَى فِي الآيَة الأخرى (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يضرونك من شئ) وَقَد رُوِي عَن ابن عَبَّاس كُلّ مَا فِي الْقُرْآن كاد فَهُو مَا لَا يَكُون قَال اللَّه تَعَالَى (يَكَادُ سنابرقه يذهب بالأبصار) وَلَم يَذْهَب وَأَكَاد أُخْفِيهَا وَلَم يَفْعَل، قَال الْقُشَيْرِيّ الْقَاضِي وَلَقَد طَالَبَه قُرَيْش وَثَقيف إذ مَرّ بآلِهتِهِم أن يُقْبل بوَجْهِه إِلَيْهَا وَوَعَدُوه الْإِيمَان بِه إنّ فعل فما فَعَل وَلَا كَان لِيَفْعَل، قَال ابن الأنْبَارِيّ مَا قَارَب الرَّسُول وَلَا رَكَن وَقَد ذُكرَت فِي مَعْنَي هَذِه الآيَة تَفَاسِير
[ ٢ / ١٢٨ ]
أُخَر مَا ذَكَرَناه من نص اللَّه عَلَى عِصْمَة رسوله تَرُدّ سِفْسافَهَا فَلَم يَبْق فِي الآيَة إلَّا أَنّ اللَّه تَعَالَى امْتَنّ عَلَى رسوله بِعِصْمِتِه وتَثْبِيتِه بِمَا كادَه بِه الكُفَّار وَرَامُوا من فِتْنَتِه وَمُرَادُنَا من ذَلِك تَنْزِيهُه وَعِصْمَتُه ﷺ وَهُو مَفْهُوم الآيَة، وَأَمَّا المَأْخَذ الثاني فَهُو مَبْنِي عَلَى تَسِليم الْحَدِيث لَو صَحّ وَقَد أعاذَنا اللَّه من صِحَّتِه وَلَكِن عَلَى كُلّ حَال فَقَد أجَاب عَن ذَلِك أئمة الْمُسْلِمِين بأجْوبة مِنْهَا الغَثّ وَالسَّمِين فَمِنْهَا مَا رَوَى قَتَادَة وَمُقَاتِل أَنّ النَّبِيّ ﷺ أصَابَتْه سِنَة عِنْد قِرَاءَتِه هَذِه السُّورَة فَجَرَى هَذَا الْكَلَام عَلَى لِسَانِه بِحُكْم النَّوْم وَهَذَا لَا يَصِحّ إِذ لَا يَجُوز عَلَى النَّبِيّ ﷺ مِثْلُه فِي حَالَة من أحْوالِه وَلَا يَخْلُقُه اللَّه عَلَى لِسَانِه وَلَا يَسْتَوْلِي الشَّيْطَان عَلَيْه فِي نَوْم وَلَا يَقَظَة لِعِصْمَتِه فِي هَذَا الْبَاب من جَمِيع الْعَمْد وَالسَّهْو وَفِي قَوْل الْكَلْبِيّ أَنّ النَّبِيّ ﷺ حَدَّث نَفْسَه فَقَال ذَلِك الشَّيْطَان عَلَى لِسَانِه، وَفِي رِوَايَة ابن شِهَاب عَن أَبِي بَكْر بن عَبْد الرَّحْمن قَال وَسَهَا فَلَمّا أُخْبِر بِذَلِك قَال إنَّمَا ذَلِك مِن الشَّيْطَان وَكُلّ هذه لَا يَصِحّ أن يَقُولَه النَّبِيّ ﷺ لَا سَهْوًا وَلَا قَصْدًا وَلَا يَتَقَوَّلِه الشَّيْطَان عَلَى لِسَانِه وَقِيل لَعَلّ النَّبِيّ ﷺ قالَه أثْنَاء تِلاوَتِه عَلَى تَقْدِير التَّقْرِير وَالتَّوْبِيخ لِلْكُفّار كقَوْل إبْرَاهِيم ﵇ هَذَا رَبِّي عَلَى أَحَد التَّأْوِيلات وَكَقَوْلِه بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا بَعْد السَّكُت وَبَيَان الْفَصل بَيْن الْكَلامَيْن ثُمّ رَجَع إِلَى تلاوته وهذا يمكن مَع بَيَان الْفَصل وَقَرِينَة تَدُلّ عَلَى الْمُرَاد وَأنَّه لَيْس مِن الْمَتْلُو وَهُو أَحَد مَا ذَكَرَه الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَلَا يُعْتَرَض عَلَى هَذَا بِمَا رُوِي أنه
_________________
(١) (قوله سفسافها) بسينين مهملتين وفاءين: أي حقيرها ورذلها. (٩ - ٢) (*)
[ ٢ / ١٢٩ ]
كَان فِي الصَّلَاة فَقَد كَان الْكَلَام قَبْل فِيهَا غَيْر مَمْنُوع والذي يَظْهَر وَيَتَرَجَّح فِي تأْوَيله عِنْدَه وعند غَيْرِه مِن الْمُحَقّقين عَلَى تَسْلِيمِه أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان كَمَا أمَرَه ربه يُرَتّل الْقُرْآن تَرْتِيلًا وَيُفَصّل الآي تَفْصِيلًا فِي قِرَاءَتِه كَمَا رَوَاه الثّقَات عَنْه فَيُمْكِن تَرَصُّد الشَّيْطَان لِتِلْك السَّكَتَات وَدَسُّه فيها ما اختلفه من تِلْك الْكَلِمَات مُحَاكِيًا نَغْمَة النَّبِيّ ﷺ بَحَيْث يَسْمَعُه من دَنَا إليْه من الكفا فَظَنُّوها من قول النَّبِيّ ﷺ وَأشَاعُوهَا وَلَم يَقْدَح ذَلِك عِنْد الْمُسْلِمِين بِحْفظ
السُّورَة قَبْل ذَلِك عَلَى مَا أنْزَلَهَا اللَّه وَتَحَقُّقِهم من حَال النَّبِيّ ﷺ فِي ذَمّ الْأَوْثَان وعيبها عُرِف مِنْه وَقَد حَكى مُوسَى بن عُقْبَة فِي مَغَازِيه نَحْو هَذَا، وَقَال إنّ الْمُسْلِمِين لَم يَسْمَعُوهَا وَإِنَّمَا ألْقَى الشَّيْطَان ذَلِك فِي أسْمَاع الْمُشْرِكِين وَقُلُوبِهِم وَيَكُون مَا رُوِي من حُزْن النَّبِيّ ﷺ لهذه الإشَاعَة وَالشُّبْهَة وَسَبَب هَذِه الفِتْنَة وَقَد قَال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلكم مِنْ رَسُولٍ وَلا نبى) الآيَة فَمَعْنَي تَمَنَّى: تلا، قَال اللَّه تَعَالَى: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ) أَي تِلَاوَة وَقَوْلُه (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشيطان) أَي يُذْهِبُه وَيُزِيِل اللَّبْس بِه وَيُحْكِم آياتِه، وَقِيل مَعْنَي الآيَة هُو مَا يَقَع لِلنَّبِيّ ﷺ مِن السَّهْو إذَا قَرَأ فَيَنْتَبِه لِذَلِك وَيَرْجع عَنْه وَهَذَا نَحْو قول الكلْبِيّ فِي الآيَة أنه حَدَّث نَفْسَه وَقَال إذَا تَمَنَّى أَي حَدَّث نَفْسَه، وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بن عَبْد الرَّحْمن نَحْوَه وَهَذَا السَّهْو فِي القِرَاءَة إنَّمَا يَصِحّ فِيمَا لَيْس طَرِيقُه تَغْيير المَعَانِي وتبديل الألفاظ
_________________
(١) (قوله وَقَد حَكى مُوسَى بن عقبة) أي ابن أبى عباس وفى بعض النسخ محمد بن عقبة، وليس بصواب. (*)
[ ٢ / ١٣٠ ]
وَزِيَادَة مَا لَيْس مِن القرآن بَل السَّهْو عن إسقاط آية منه أو كلمة ولكنه لا يقر على هذا السهو بَل يُنَبَّه عَلَيْه وَيُذَكَّر بِه لِلحِين عَلَى مَا سَنَذْكُرُه فِي حُكْم مَا يَجُوز عَلَيْه مِن السهو وَمَا لَا يَجُوز وَمِمَّا يَظْهَر فِي تأْويلِه أيْضًا أَنّ مُجَاهِدًِا رَوَى هَذِه الْقِصَّة وَالغَرَانِقَة العُلَى فإن سَلَّمْنا الْقِصَّة قُلْنَا لَا يَبْعُد أَنّ هَذَا كَان قُرْآنًا وَالمُرَاد بِالْغَرانِقَةِ الْعُلَى وأن شفاعتهن لتربحي الْمَلَائِكَة عَلَى هَذِه الرّوَايَة وبهذا فَسَّر لكلى الغَرَانِقَة أنَّهَا الْمَلَائِكَة وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الْأَوثَان وَالْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه كَمَا حَكى اللَّه عَنْهُم
وَرَد عَلَيْهِم فِي هَذِه السُّورَة بِقَوْلِه (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى) فأنكَر اللَّه كُلّ هَذَا من قَوْلِهم وَرَجَاء الشَّفَاعَة مِن الْمَلَائِكَة صَحِيح فَلَمّا تَأوَّلَه المُشْرِكُون عَلَى أَنّ المُرَاد بَهَذَا الذكر آلهتهم وليس عَلَيْهِم الشَّيْطَان ذَلِك وزَيَّنَه فِي قُلُوبِهِم وَألْقَاه إلَيْهِم نَسَخ اللَّه مَا ألقى الشَّيْطَان وأحْكَم آياتِه وَرَفَع تِلَاوَة تِلْك اللَّفْظَتْين اللَّتَيْن وَجَد الشَّيْطَان بهما سَبيلًا للإلْباس كَمَا نُسِخ كَثِير مِن الْقُرْآن وَرُفِعَت تِلَاوَتُه وَكَان فِي إنْزَال اللَّه تَعَالَى لِذَلِك حِكْمَة وَفِي نَسْخِه حِكْمَة لِيُضِلّ بِه من يَشَاء وَيَهْدي من يَشَاء وَمَا يُضِلّ بِه إلَّا الفاسِقين وَ(لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) الآية - وَقِيل إن النبي ﷺ لَمّا قَرَأ هَذِه السُّورَة وَبَلَغ ذكرت اللات وَالعُزَّى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى خَاف الكُفَّار أن يَأتِي بشئ من ذَمّهَا فَسَبَقُوا إلى مدحها
_________________
(١) (قوله وَرَفَع تِلَاوَة تِلْك اللفظين) الظاهر أن يقال تينك كَمَا وَقَعَ فِي بعض النسخ وكذا قوله بتلك الكلمتين: الظاهر أن يقال بتينك (*)
[ ٢ / ١٣١ ]
بِتِلَك الكلِمَتْين لِيُخَلّطُوا فِي تِلَاوَة النَّبِيّ ﷺ وبشنعوا عَلَيْه عَلَى عَادِتِهِم وقوْلِهِم (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ونُسِب هَذَا الفِعْل إِلَى الشَّيْطَان لِحَمْلِه لَهُم عَلَيْه وَأَشَاعُوا ذَلِك وَأَذَاعُوه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ قالَه فَحَزِن لِذَلِك من كَذبِهِم وَافتِرَائِهِم عَلَيْه فَسَلَّاه اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِه (وَمَا أَرْسَلْنَا من قبلك) الآيَة، وَبَيْن لِلنَّاس الْحَقّ من ذَلِك مِن الْبَاطِل وَحَفِظ الْقُرْآن وَأحْكَم آياتِه وَدَفَع مَا لَبَّس بِه العَدُوّ كَمَا ضَمِنَه تَعَالَى من قَوْلِه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون) وَمِن
ذَلِك مَا رُوِي من قِصَّة يُونُس ﵇ أنَّه وَعَد قَوْمَه العذاب عن رَبَّه فَلَمّا تَابُوا كُشِف عَنْهُم العذاب فَقَال لَا أرْجِع إِلَيْهِم كَذَّابًا أبدًا فَذَهَب مُغَاضِبًا.
فاعْلَم أَكْرَمَك اللَّه أَنّ لَيْس فِي خَبَر مِن الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب أَنّ يُونُس ﵇ قَال لَهُم إنّ اللَّه مُهْلِكَهُم وَإِنَّمَا فِيه أنَّه دَعَا عَلَيْهِم بالْهَلاك، وَالدُّعَاء لَيْس بِخَبَر يُطْلَب صِدْقُه من كَذبِه، لكنه قَال لَهُم إنّ العذاب مُصَبّحُكُم وقت كذا وكذا فكان ذلك كَمَا قَال ثُمّ رَفَع اللَّه تَعَالَى عَنْهُم العذاب وَتَدَارَكَهُم، قَال اللَّه تَعَالَى (إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ) الآيَة وَرُوي فِي الْأَخْبَار أَنَّهُم رَأَوْا دَلَائِل الأعذاب وَمَخَايِلَه، قاله ابن مَسْعُود، وَقَال سَعِيد بن جُبَيْر غَشَّاهُم الْعَذَاب كما يُغَشّى الثَّوْب الْقَبَر.
فإن قُلْت فَمَا مَعْنَي مَا رُوِي أَنّ عَبْد اللَّه بن أَبِي سَرْح كَان يَكْتُب لِرَسُول اللَّه ﵌ ثُمّ ارْتَدّ مُشْرِكًا وَصَار إِلَى قُرَيْش فَقَال لَهُم إنّي كُنْت أُصَرّف مُحَمَّدًا حَيْث أُرِيد كَان يُمْلِي عَلِيّ عَزيز حَكِيم
_________________
(١) (قوله ابن أبى سرح) بسين مهملة وراء ساكنة وحاء مهملة (*)
[ ٢ / ١٣٢ ]
فَأقُول أَو عَلِيم حَكِيم؟ فَيَقُول نَعَم كُلّ صَوَاب، وَفِي حَدِيث آخَر فَيَقُول لَه النَّبِيّ ﷺ (اكْتُبْ كَذَا) فَيَقُولُ أَكْتُبُ كَذَا: فَيَقُولُ: (اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ) وَيَقُولُ اكْتُبْ عَلِيمًا حَكِيمًا فَيَقُولُ اكْتُبْ سَمِيعًا بَصِيرًا؟ فَيَقُولُ لَهُ اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَصْرَانِيًّا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بعد ما أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّد إلَّا مَا كَتَبْت لَه: اعلم ثَبّتَنَا اللَّه وَإيّاك عَلَى الْحَقّ وَلَا جَعَل لِلشَّيْطَان وَتَلْبِيسِه الْحَقّ بِالبَاطِل إِلَيْنَا سَبِيلًا أَنّ مِثْل هذه
الحكاة أوّلًا لَا تُوقِع فِي قَلْب مُؤْمِن رَيْبًا إِذ هِي حِكَاية عَمَّن ارْتَدّ وَكَفَر بالله وَنَحْن لَا نَقْبَل خَبَر المسلم الْمُتَّهَم فَكَيْف بِكَافر افْتَرَى هُو وَمِثْلُه عَلَى اللَّه ورسوله مَا هُو أعْظَم من هَذَا؟ وَالْعَجَب لِسَلِيم العَقْل يَشْغَل بِمِثَل هَذِه الحِكَايَة سِرَّه وَقَد صَدَرَت من عَدُوّ كافر مبغض للدين مفتر على الله وَرَسُولِه وَلَم يَرِد على أحد من السملمين وَلَا ذَكَر أَحَد مِن الصَّحَابَة أنَّه شَاهَد مَا قاله وَافْترَاه عَلَى نَبِيّ اللَّه وَإِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِب الذين لَا يُؤمِنُون بِآيات اللَّه وَأُولئِك هُم الْكَاذِبون، وَمَا وَقَع من ذِكْرِهَا فِي حَدِيث أَنَس ﵁ وَظَاهِر حِكَايَتِهَا فليس فِيه مَا يَدُلّ عَلَى أنَّه شَاهَدَها وَلَعَلَّه حَكى مَا سَمِع وَقَد عَلَّل البزاز حَدِيثه ذَلِك وَقَال: رَوَاه ثَابِت عَنْه وَلَم يُتَابَع عَلَيْه، وَرَوَاه حَمِيد عَن أَنَس قَال وأظن حميدًا إنَّمَا سَمِعَه من ثابت، قَال الْقَاضِي أبو الفضل وَفَّقَه اللَّه ولهذا والله أَعْلَم لَم يُخَرّج أَهْل الصَّحِيح حَدِيث ثابت وَلَا حَمِيد والحصحيح حَدِيث عَبْد اللَّه بن عزيز بن رفيع عَن أَنَس ﵁ الَّذِي خَرَّجَه أَهْل الصّحَّة وَذَكَرْناه وَلَيْس فِيه عَن أَنَس قول شئ من ذلك من قَبْل نَفْسِه إلَّا من حِكَايَتِه عَن المُرْتَد النّصْرَانيّ
[ ٢ / ١٣٣ ]
وَلَو كَانَت صَحِيحَة لَمّا كَان فِيهَا قَدْح وَلَا تَوْهِيم لِلنَّبِيّ ﷺ فِيمَا أُوحِي إليْه وَلَا جَوَاز لِلنّسْيَان وَالغَلَط عَلَيْه وَالتَّحْرِيف فِيمَا بَلَّغَه وَلَا طَعْن فِي نَظْم الْقُرْآن وأن من عِنْد اللَّه إِذ لَيْس فِيه لَو صَحّ أَكَثَر من أَنّ الكاتِب قَال لَه عَلِيم حَكِيم أَو كَتَبَه فَقَال لَه النَّبِيّ ﷺ كَذَلِك هُو فَسَبَقَه لِسَانُه أَو قلمه لِكَلِمَة أَو كَلِمَتَيْن مِمَّا نُزّل عَلَى الرَّسُول قَبْل إظْهَار الرَّسُول لَهَا إِذ كَان مَا تَقَدَّم مِمَّا أمْلَاه الرَّسُول يَدُلّ عَلَيْهَا وَيَقْتَضَي وُقُوعَهَا بِقُوَّة قُدْرَة الكاتِب عَلَى الْكَلَام وَمَعْرِفَته بِه وَجَوْدَة حِسّه
وَفِطْنَتِه كَمَا يَتَّفِق ذَلِك لِلْعَارِف إذَا سَمِع البَيْت أن يَسْبِق إلى قافِيَتِه أَو مُبْتَدإ الْكَلَام الْحَسَن إلى مَا يَتِمّ بِه وَلَا يَتَّفِق ذَلِك فِي جُمْلَة الْكَلَام كَمَا لَا يَتَّفِق ذَلِك فِي آية وَلَا سُورَة، وَكَذَلِك قَوْلُه ﷺ أن صَحّ كُلّ صَوَاب فَقَد يَكُون هَذَا فِيمَا فِيه من مَقَاطِع الآي وَجْهَان وقراءتان أنزلنا جَميعًا عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَأَمْلى إحْدَاهُمَا وَتَوَصَّل الكاتب بِفِطْنَتِه وَمَعْرِفَتِه بِمُقْتَضى الْكَلَام إلى الْأُخْرَى فَذَكَرَهَا لِلنَّبِيّ ﷺ فَصَوَّبَهَا لَه النَّبِيّ ﷺ ثُمّ أَحْكَم اللَّه من ذَلِك مَا أَحْكَم وَنَسَخ مَا نَسَخ كَمَا قَد وجد ذَلِك فِي بَعْض مقاطيع الآى مثله قَوْلِه تَعَالَى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكيم) وَهَذِه قِرَاءَة الجُمْهُور وَقَد قَرَأ جَمَاعَة فإنَّك أنْت الغَفُور الرحيم وَلَيْسَت مِن المُصْحَف وَكَذَلِك كَلِمَات جَاءَت عَلَى وَجْهَيْن فِي غَيْر المَقَاطِع قَرَأ بهما معًا الْجُمْهُور وَثَبَتَتَا فِي المُصْحَف مِثْل (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ ننشرها، وننشزها - - ويقضى اللحق، وَيَقُصّ الْحَقّ) وَكُلّ هَذَا لَا يُوجِب رَيْبًا وَلَا يُسَبّب لِلنَّبِيّ ﷺ غَلَطًا وَلَا وَهْمًا وَقَد قِيل إنّ هَذَا يحتمل
[ ٢ / ١٣٤ ]
فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ
أَنّ يَكُون فِيمَا يَكْتُبُه عَن النَّبِيّ ﷺ إِلَى النَّاس غَيْر الْقُرْآن فَيَصِف اللَّه وَيُسَمّيه فِي ذَلِك كيف شَاء.
فصل هَذَا القول فِيمَا طَرِيقُه الْبَلَاغ وَأَمَّا مَا لَيْس سبيله سبيل الْبَلَاغ مِن الْأَخْبَار التي لَا مُسْتَند لَهَا إِلَى الأحْكام وَلَا أَخْبَار الْمعَاد وَلَا تُضَاف إِلَى وَحْي بَل فِي أُمُور الدُّنْيَا وَأحْوَال نَفْسِه فالَّذِي يَجِب تَنْزِيه النَّبِيّ ﷺ عَن أن يَقَع خَبَرُه فِي شئ من ذَلِك بِخِلَاف مُخْبَرِه لَا عَمْدًا
وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا وَأنَّه مَعْصُوم من ذَلِك فِي حَال رِضَاه وَفِي حَال سَخَطِه وَجدّه وَمَزْحِه وَصِحَّتِه وَمَرَضِه وَدَلِيل ذَلِك اتَّفَاق السَّلَف وَإجْماعُهُم عَلَيْه وَذَلِك أَنَا نَعْلَم من دِين الصَّحَابَة وَعَادَتهِم مُبَادَرتَهُم إِلَى تَصْديق جَميع أحْوالِه وللثقة بِجميع أخْبَارِه فِي أَي بَاب كَانَت وَعَن أي شئ وَقَعَت وَأنَّه لَم يَكُن لَهُم تَوَقُّف وَلَا تَرَدُّد فِي شئ مِنْهَا وَلَا اسْتِثْبَات عَن حاله عِنْد ذَلِك هَل وَقَع فِيهَا سَهْو أم لَا، ولما احْتَجّ ابن أَبِي الْحُقَيْق الْيَهُودِيّ عَلَى عُمَر حِين أجْلاهُم من خَيْبَر بإقْرَار رَسُول اللَّه ﷺ لَهُم واحْتَجّ عَلَيْه عُمَر ﵁ بِقَوْلِه ﷺ: (كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ؟) فَقَالَ الْيَهُودِيُّ كَانَتْ هُزَيْلَةُ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وأيضًا فَإِنّ أخْبَارَه وَآثَاره وَسِيرَه وَشَمَائِلَه مُعْتَنَى بِهَا مُسْتَقْصّى تَفَاصِيلُهَا وَلَم يَرِد فِي شئ مِنْهَا اسْتِدْرَاكُه ﷺ لِغَلَط فِي قَوْل قاله أَو اعْتِرَافُه بوَهْم فِي شئ أخْبَر بِه وَلَو كان
_________________
(١) (قوله وجده) بكسر الجيم: ضد الهزل. (*)
[ ٢ / ١٣٥ ]
ذَلِك لَنُقِل كَمَا نُقِل من قِصَّتِه ﵇ رُجُوعُه ﷺ عَمَّا أشَار بِه عَلَى الْأَنْصَار في تلقيح النحل وَكَان ذَلِك رَأيًا لَا خَبَرًا وَغَيْر ذَلِك مِن الْأُمُور التي لَيْسَت من هَذَا الْبَاب كَقَوْلِه وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأُرَى غَيْرُهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلْتُ الَّذِي حَلَفْتُ عَلَيْهِ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَقَوْلُهُ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ - الْحَدِيث - وَقَوْلُه اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يبلغ الماء الجدر كَمَا سَنُبَيِّنُ كُلَّ مَا فِي هَذَا مِنْ مُشْكِلِ مَا فِي هَذَا الْبَاب وَالَّذي بَعْدَه إن شَاء اللَّه مَع أشْبَاهِهِمَا وَأيْضًا فإن الْكَذِب مَتَى عُرف من أحَد فِي شئ مِن الْأَخْبَار بِخِلَاف مَا هُو عَلَى أَي وَجْه كَان اسْتُرِيب بِخَبَره واتُّهم فِي حَديثه وَلَم
يَقَع قَوْله فِي النُّفُوس مَوْقعًا ولهذا تَرَك المُحَدّثُون وَالْعُلمَاء الْحَدِيث عَمَّن عُرِف بِالْوَهْم وَالْغَفْلَة وَسُوء الْحِفْظ وَكَثْرَة الْغَلَط مَع ثِقَتِه وَأيْضًا فَإنّ تَعَمُّد الْكَذِب في أُمُور الدُّنْيَا مَعْصِيَة وَالإكْثَار مِنْه كَبِيرَة بِإجْمَاع مُسْقِط لِلْمُرُوءَة وَكُلّ هَذَا مِمَّا يُنَزَّه عَنْه مَنْصِب النُّبُوَّة وَالمَرَّة الْوَاحِدَة مِنْه فِيمَا يستبشع ويستشنع مِمَّا يُخِلّ بِصَاحِبهَا ويزري بقائلها لا حقة بِذَلِك وَأَمَّا فِيمَا لَا يَقَع هَذَا الموْقِع فإن عَدَدْناهَا مِن الصَّغَائِر فهل تَجْرِي عَلَى حُكْمهَا فِي الخِلَاف فِيهَا مُخْتَلف فِيه وَالصَّوَاب تَنْزِيه النُّبُوَّة عَن قَلِيلِه وَكَثِيرِه وَسَهْوِه وَعَمْدِه إِذ عُمْدَة النُّبُوَّة الْبَلَاغ وَالإعْلَام وَالتَّبْيين وَتَصْدِيق مَا جاء بِه النَّبِيّ ﷺ وتجويز شئ من هَذَا قَادِح فِي ذَلِك وَمُشَكّك فِيه مُنَاقِض لِلْمُعْجِزَة فَلْنَقْطَع عَن يَقِين بَأنَّه لَا يَجُوز
_________________
(١) (قوله فِي تَلْقِيح النَّخْل) أي تبيرها وهو جعل شئ من النخل (الذكر في الأنثى) (قوله الجدر) بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة قيل المراد هنا أهل الحائط وقيل أصول الشجر وقيل جدر المشارب التى يجتمع فيها الماء في أصول الشجر (*)
[ ٢ / ١٣٦ ]
فصل فإن قلت فما معنى قوله ﷺ في حديث السهو
عَلَى الْأَنْبِيَاء خُلْف فِي القَوْل فِي وَجْه مِن الْوُجُوه لَا بِقَصْد وَلَا بِغَيْر قَصْد وَلَا نَتَسَامَح مَع من تسامح في تجوز ذَلِك عَلَيْهِم حَال السَّهْو فِيمَا لَيْس طَرِيقُه الْبَلَاغ، نَعَم وَبِأَنَّه لَا يَجُوز عَلَيْهِم الكَذِب قَبْل النُّبُوَّة وَلَا الاتّسَام بِه فِي أُمُورِهِم وَأحْوَال دُنْيَاهُم لِأَنّ ذَلِك كَان يُزْرِي وَيُرِيب بهم وَيُنَفّر القُلُوب عَن تَصْدِيقهِم بَعْد وَانْظُر أحْوَال عَصْر النَّبِيّ ﷺ من قُرَيْش وَغَيْرِهَا مِن الْأُمَم وسُؤَالهِم عن حالِه فِي صِدْق لِسانِه وَمَا عُرِفُوا بِه من ذَلِك وَاعْتَرَفُوا بِه مِمَّا عُرِف وَاتَّفَق النَّقْل عَلَى عِصْمَة نَبيَّنَا ﷺ مِنْه قَبْل وبعد وَقَد ذَكَرْنا مِن الآثار فِيه فِي الْبَاب الثاني أَوَّل الْكِتَاب ما يُبَيّن لَك صِحَّة مَا أشَرْنا إليْه
فصل فَإِنّ قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه ﷺ فِي حَدِيث السَّهْو الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا القاضي أبو الأصبغ ابن سَهْلٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الفَخَّارِ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ نَا يحيى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُولُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ
_________________
(١) (قوله ابن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (قوله فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) اسمه الحرباق السلمى كان ينزل بذى خشب من ناحية المدينة له صحبة، قال الحسينى في رجال المسند وكان يقال له ذو الشمالين وليس هو بذى الشمالين إنما ذو الشمالين عمير ابن عبد عمرو بن حبلة الخزاعى استشهد ببدر، وقال الذهبي وهو ذو الزوائد. (*)
[ ٢ / ١٣٧ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَفِي الرّوَايَة الأخْرَى ما قَصَرْتُ الصَّلَاةَ وَمَا نَسِيتُ - الْحَدِيث بِقِصَّتِه - فأخْبَر بِنَفْي الحَالَتَيْن وَأنَّهَا لَم تَكُن وَقَد كَان أَحَد ذَلِك كَمَا قَال ذُو اليَدَيْن قَد كَان بَعْض ذَلِك يَا رَسُول اللَّه، فاعْلَم وَفَّقَنَا الله ذَلِك كَمَا قَال ذُو اليَدَيْن قَد كَان بَعْض ذَلِك يَا رَسُول اللَّه، فاعْلَم وَفَّقَنَا الله وإياك أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِك أجْوبَة بَعْضُهَا بِصَدَد الإنْصَاف وَمِنْهَا مَا هُو بِنِيَّة التَّعَسُّف والاعْتِسَاف وها أَنَا أقُول أَمَّا عَلَى القَوْل بِتَجْوِيز الْوَهْم وَالغَلَط مِمَّا لَيْس طَرِيقُه مِن القَوْل الْبَلَاغ وَهُو الَّذِي زَيَّفْنَاه مِن القَوْلَيْن فَلَا اعْتِرَاض بَهَذَا الْحَدِيث وَشِبْهِه وَأَمَّا عَلَى مَذْهَب من يَمْنَع السَّهْو وَالنّسْيَان فِي أفْعَالِه جُمْلَة وَيَرَى أنَّه فِي مِثْل هَذَا عَامِد لِصُورَة النّسْيَان لِيَسُنّ فَهُو
صَادِق فِي خَبَره لِأَنَّه لَم يَنْس وَلَا قَصُرَت وَلكِنه عَلَى هَذَا القول تَعَمَّد هذا الفعل في هذه الصورة ليسنه لِمَن اعْتَرَاه مِثْلُه وَهُو قَوْل مَرْغُوب عَنْه نَذْكُرُه فِي مَوْضِعِه وَأَمَّا عَلَى إحَالَة السَّهْو عَلَيْه فِي الْأَقْوَال وَتَجْويز السهو عليه فِيمَا لَيْس طَرِيقُه القَوْل كَمَا سَنَذْكُرُه فَفيه أجْوِبَة مِنْهَا أَنّ النَّبِيّ ﷺ أخْبَر عَن اعْتِقَادِه وَضَمِيره أَمَّا إنْكار القَصْر فَحَقّ وصِدْق بَاطنًا وَظَاهِرًا وَأَمَّا النّسْيَان فأخْبَر ﷺ عَن اعْتِقَادِه وَأنَّه لَم يَنْس فِي ظَنّه فَكأنه قَصَد الخبر بَهَذَا عَن ظَنّه وإن لَم يَنْطِق بِه وَهَذَا صدق أيضا
_________________
(١) (قوله أقصرت الصلاة) قال ابن الأثير يروى على ما لم يسم فاعله وعلى تسمية الفاعل بمعنى النقص، وقال المزى: الصحيح بناء أقصرت لما لم يسم فاعله من قبل الرواية ومن قبل المعنى لأن غيرها قصرها ولموافقة لفظ القرآن هو أن تقصروا من الصلاة (قوله بنية التعسف) أي بقصد الأخذ على غير الطريق، والتعسف والمعسف والاعتساف بمعنى واحد. (*)
[ ٢ / ١٣٨ ]
وَوَجْه ثَان أَنّ قَوْلَهُ وَلَم أنْس رَاجِع إِلَى السَّلَام أَي أَنّي سَلَّمْت قَصْدًا وَسَهَوْت عَن العدد أَي لَم أسْه فِي نَفْس السَّلَام وَهَذَا مُحْتَمل وَفِيه بَعْد وَوَجْه ثَالِث وَهُو أبْعَدُهَا مَا ذَهَب إليْه بَعْضُهُم وَإِنِ احْتَمَله اللَّفْظ من قوله كل ذلك لم يكن أي لم يجتمع القصر والنسيان بل كان احدهما ومفهوم اللفظ خِلافُه مَع الرّوَايَة الْأُخْرَى الصحيحة وَهُو قَوْله مَا قَصُرَت الصَّلَاة وَمَا نَسِيت، هَذَا مَا رَأَيْت فِيه لأئمَّتَنَا وَكُلّ من هَذِه الْوُجُوه مُحْتَمِل لِلَّفْظ عَلَى بَعْد بَعْضَهَا وَتَعَسُّف الآخَر مِنْهَا، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه والذي أقُول وَيَظْهَر لِي أنَّه أقْرَب من هَذِه الْوُجُوه كلها أن قَوْله لَم أنْس إنْكار لِلَّفْظ الذي نَفَاه عَن نَفْسِه وَأنْكَرَه عَلَى غَيْرِه بِقَوْلِه: بِئْسَمَا
لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ، وَبِقَوْلِه فِي بَعْض رِوَايات الْحَدِيث الآخَر لَسْتُ أَنْسَى وَلكِنْ أُنَسَّى فَلَمّا قَال لَه السَّائِل أقَصَرْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ أنْكَر قَصْرَهَا كَمَا كان ونسيانه هو من قبل نفسه وَأنَّه إنّ كَان جرى شئ من ذَلِك فَقَد نُسّي حَتَّى سَأل غير فَتَحَقَّق أنَّه نُسّي وَأُجْري عَلَيْه ذَلِك ليَسُنّ فَقَوْلُه عَلَى هَذَا لَم أنْس وَلَم تُقْصَر وَكُلّ ذَلِك لَم يَكُن صِدْق وَحَق لَم تُقْصَر وَلَم يَنْس حَقِيقَة وَلَكِنَّه نُسّي * وَوَجْه آخَر اسْتَثَرْتُه من كَلَام بَعْض المَشَايخ وَذَلِك أنَّه قَال إنّ النَّبِيّ ﷺ كَان يَسْهُو وَلَا يَنْسى وَلِذَلِك نَفى عَن نَفْسِه النّسْيَان قَال لِأَنّ النّسْيَان غَفْلَة وَآفَة وَالسَّهْو إنَّمَا هُو شُغْل.
قَال فكان النَّبِيّ ﷺ يَسْهُو فِي صَلاتِه وَلَا يَغْفُل عَنْهَا وكان يَشْغَلُه عَن حَرَكات الصَّلَاة مَا فِي الصلاة
_________________
(١) (قوله ولكنه نسى) بضم النون وكسر السين المهملة المشددة. (قوله ولكن أنسى) بضم الهمزة وفتح النون وتشديد السين المفتوحة. (*)
[ ٢ / ١٣٩ ]
شُغْلًا بِهَا لَا غَفْلَة عَنْهَا فَهَذَا إن تَحَقَّق عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَم يَكن فِي قَوْلِه (مَا قَصَرْتُ وَمَا نَسِيتُ) خُلْف فِي قول وعند أَنّ قَوْله: (مَا قَصَرْتُ الصَّلَاةَ وَمَا نَسِيتُ) بِمَعْنَي التَّرْك الَّذِي هُو أَحَد وَجْهَي النّسْيَان أرَاد والله أعْلَم أَنّي لَم أُسَلّم من رَكْعَتَيْن تَارِكًا لإكمَال الصَّلَاة ولكِنّي نَسِيت وَلَم يَكُن ذَلِك من تِلْقَاء نَفْسِي وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِك قَوْله ﷺ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى، لِأَسُنَّ.
وَأَمَّا قِصَّةُ كَلِمَاتِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورَةُ أنها كَذِباتُهُ الثَّلَاث المَنْصُوصَة فِي الْقُرْآن مِنْهَا اثْنَتَان قَوْله: (إِنِّي سقيم - بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) وَقَوْلُه لِلْمَلِك عَن زَوْجَتِه: إنَّهَا أُخْتي: فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أن هذه كلها خَارِجَة عَن الكَذِب لَا فِي القَصْد وَلَا فِي
غَيْرِه وَهِي دَاخِلَة فِي باب المعاريض التي فِيهَا مَنْدُوحَة عَن الكَذِب أَمَّا قَوْلُه: (إِنِّي سَقِيمٌ) فَقَال الْحَسَن وَغَيْرُه مَعْنَاه: سَأسْقَم أَي: أَنّ كُلّ مَخْلُوق مُعَرَّض لِذَلِك فاعْتَذَر لِقَوْمِه مِن الخُرُوج مَعَهُم إِلَى عِيدِهِم بِهَذا وَقِيل بَل سَقِيم بِمَا قُدّر عَلِيّ مِن المَوْت وَقِيل سَقِيم القَلْب بِمَا أُشاهِدُه من كُفْرِكُم وَعِنَادِكُم وَقِيل بَل كانت الحُمّى تَأْخُذُه عِنْد طُلُوع نَجْم مَعْلُوم فَلَمّا رآه
_________________
(١) (قوله للملك) قال السهيلي على بن قتيبة إن اسمه صادوف وقيل سنان بن علوان (قوله إنها أختى) قيل إنما لم يقل إنها زوجتى لأن ذلك الجبار كان على دين المجوس وفى دينهم أن أخا الأخت أحق بها من غيره فأراد إبراهيم ﵇ أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذى عليه ذلك الجبار، واعترض بأن الذى جاء بدين المجوس زرادشت وهو متأخر عن إبراهيم، وأجيب بأن دين المجوس متقدم على زرادشت وإنما زرادشت زاد فيه أمورا، وفى حاشية التفتازانى على الكشاف إنه إنما لم يقل زوجتى لأن ذلك الجبار كان لا يتعرض إلا لذوات الأزواج. (قوله مندوحة) أي سعة: من ندحت الشئ إذا وسعته. (*)
[ ٢ / ١٤٠ ]
اعْتَذَر بِعَادتِه وَكُلّ هَذَا لَيْس فِيه كَذِب بَل خَبَر صحيح صِدْق وَقِيل: بَل عَرَّض بِسَقَم حُجَّتِه عَلَيْهِم وَضَعْف مَا أَرَاد بَيَانَه لَهُم من جِهَة النُّجُوم التي كَانُوا يَشْتَغلُون بِهَا وَأنَّه أثْنَاء نَظَرِه فِي ذَلِك وَقَبْل اسْتِقَامَة حُجَّتِه عَلَيْهِم فِي حال سَقْم وَمَرَض مَع أنَّه لَم يَشُكّ هُو وَلَا ضَعُف إيمَانُه وَلكِنَّه ضَعُف فِي اسْتدْلالِه عليهم وسقم نظره كمال يقا حجة سقيمة ونظر معلول حتى ألهمه الله باستدلاله وَصِحّة حُجَّته عَلَيْهِم بالكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر مَا نَصَّه اللَّه تَعَالَى وَقَدَّمْنَا بَيَانَه وَأَمَّا قَوْله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) الآيَة فَإنَّه عَلَّق خَبَرَه بِشَرْط نُطْقِه كأنه قَال إنّ كَان يَنْطِق فَهُو
فِعْلُه عَلَى طَرِيق التَّبْكِيت لِقَوْمِه وَهَذَا صِدْق أيْضًا وَلَا خُلْف فِيه، وَأَمَّا قَوْله أُخْتِي فَقَد بَيْن فِي الْحَدِيث وَقَال: فإنك أُخْتِي فِي الْإِسْلَام وَهُو صِدْق والله تَعَالَى يَقُول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة) فإن قُلْت: فَهَذَا النَّبِيّ ﷺ قَد سَمّاهَا كَذِبَات وَقَال لَم يَكْذِب إبْرَاهِيم إلَّا ثَلَاث كَذِبَات وَقَال فِي حَدِيث الشَّفَاعَة وَيَذْكُر كَذِباتِه فَمَعناه أنَّه لَم يَتَكَلَّم بِكَلَام صُورَتُه صُورَة الْكَذِب وإن كَان حَقًّا فِي الْبَاطِن إلَّا هَذِه الكلام ولما كَان مَفْهُوم ظَاهِرهَا خِلَاف باطنِهَا أشْفَق إبْرَاهِيم ﵇ بِمُؤَاخَذَتِه بِهَا وَأَمَّا الْحَدِيث كَان النبي ﷺ إذا أراد
_________________
(١) (قوله ونظر معلول) الأجود أن يقال معل، قال ابن الصلاح: قول المحدثين والفقهاء معلول مرذول عند أهل العربية واللغة قال النووي إنه لحن، وقال صاحب المحكم: والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول كثيرا ولست على ثقة ولا ثلج، لأن المعروف إنما هو علة فهو معل، اللهم إلا أن يكون على مَا ذَهَب إليْه سيبويه في قولهم مجنون ومسلول من أنهما جاءا على جننته وسللته ولم يستعملا في الكلام، استغنى عنها: ما فعلت وإذا أرادوا جن وسل فإنما يقول جعل فيه الجنون والسل. (*)
[ ٢ / ١٤١ ]
غَزَوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا فَلَيْس فِيه خُلْف فِي الْقَوْل إنَّمَا هُو سَتْر مَقْصِدِه لِئَلَّا يَأْخُذ عَدُوُّه حذره وكتم وجه ذَهَابِه بِذِكْر السُّؤال عَن موْضِع آخَر والْبَحْث عَن أخْبَارِه وَالتَّعْرِيض بِذِكْرِه لَا أنَّه يَقُول تَجَهَّزُوا إِلَى غزوة كذا أو وِجْهَتُنَا إلى موضع كذا خِلَاف مَقْصَدِه فَهَذَا لَم يَكُن والأول لَيْس فِيه خَبَر يَدْخُلُه الخُلْف.
فإن قُلْت فما معني قوله مُوسَى ﵇، وَقَد سُئِل أَي النَّاس أعْلَم؟ فَقَال أنا أعلم فتعب اللَّه عَلَيْه ذَلِك إِذ لَم يَرُدّ الْعِلْم إليه - الْحَدِيث - وَفِيه قَال بَل عَبْد لَنَا بِمَجْمع الْبَحْرَين أعْلَم مِنْك وهذا
خبر قد أنبأ اللَّه أنه ليس كذلك فاعلم أنه وقع في هذا الحديث من بعض طرقه الصَّحِيحَة عَن ابن عَبَّاس هَل تَعْلَم أحَدًا أعْلَم مِنْك؟ فَإِذَا كَان جُوَابُه عَلَى عِلْمِه فَهُو خَبَر حَق وَصِدْق لَا خُلْف فِيه ولا شبهة، وعلى الطريق الآخر فمحمله على ظنه ومعتقده كما لو صرح به لأن حاله في النبوة والاصطفاء يقتضي ذلك فيكون إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده وحسبانه صدقا لَا خُلْف فِيه وَقَد يُرِيد بِقَوْلِه أَنَا أعْلَم بِمَا يَقْتَضِيه وَظَائِف النُّبُوَّة من عُلُوم التَّوْحِيد وَأمُور الشَّرِيعَة وَسِيَاسَة الْأُمَّة وَيَكُون الخَضر أَعْلَم مِنْه بِأُمُور أخَر مِمَّا لَا يَعْلَمُه أحَد إلَّا بإعْلام اللَّه من عُلُوم غَيْبِه كَالقِصَص المَذْكُورَة فِي خَبَرِهِمَا فكان مُوسَى ﵇ أعْلَم عَلَى الْجُمْلَة بِمَا تَقَدَّم وَهَذَا أَعْلَم عَلَى الْخُصُوص بِمَا أُعْلِم وَيَدُلّ عَلَيْه قَوْله تَعَالَى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لدنا علما) وَعَتْب اللَّه ذَلِك عَلَيْه فِيمَا قَالَه الْعُلمَاء إنْكَار هَذَا القَوْل عَلَيْه لِأَنَّه لَم يَرُدّ الْعِلْم إليه كَمَا قَالَت الْمَلَائِكَة لَا عِلم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا أو لِأَنَّه لَم يَرْض قَوْله شَرْعًا وَذَلِك والله أعْلَم لِئَلَّا يَقْتَدي بِه فِيه من لَم يَبْلُغ كماله فِي تَزْكِيَة نَفْسِه وَعُلُوّ دَرَجته من أمَّتَه فَيَهْلِك لَمّا تَضَمَّنَه من مَدْح الْإِنْسَان نَفْسَه
[ ٢ / ١٤٢ ]
ويروثه ذَلِك مِن الْكِبْر وَالعُجْب والتَّعَاطِي والدَّعْوَى وإن نُزّه عَن هَذِه الرَّذَائِل الْأَنْبِيَاء فَغَيْرُهُم بمَدْرَجَة سَبِيلِهَا وَدَرَك لَيلِها إلَّا من عَصَمَه اللَّه فالتّحَفُّظ مِنْهَا أوْلَى لِنَفْسِه وَلِيُقْتَدَى بِه، ولهذا قَال ﷺ تَحَفُظًا من مِثْل هذا مما قَد عُلِم بِه (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ) وَهَذَا الْحَدِيثُ إحدى حججا لقائلين بِنُبُوَّةِ الْخَضِرِ لِقَوْلِهِ فِيهِ أَنَا أَعْلَمُ مِنْ مُوسَى وَلَا يَكُونُ الْوَلِيُّ أَعْلَمَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وأما الأنبياء فيتفاضلون فِي الْمَعَارِفِ وَبِقَوْلِهِ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، فَدَلَّ أَنَّهُ بِوَحْيٍ،
وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ بِأَمْرِ نَبِيٍّ آخَرَ، وَهَذَا يَضْعُفُ لِأَنَّهُ مَا علما أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَى نَبِيٌّ غَيْرُهُ إِلَّا أَخَاهُ هَارُونَ وَمَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَعَلْنَا أَعْلَمَ مِنْكَ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ وَفِي قَضَايَا مُعَيَّنَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِ النبوة خِضْرٍ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشَّيُوخِ كَان مُوسَى أَعْلَم مِن الخَضر فِيمَا أخَذ عَن اللَّه وَالخَضِر أَعْلَم فِيمَا دُفِع إليْه من مُوسَى، وَقَال آخَر إنَّمَا أُلجِئ مُوسَى إِلَى الخَضِر لِلتَّأْدِيب لَا لِلتَّعْلِيم
فصل وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بالجَوَارِح مِن الْأعْمَال وَلَا يَخْرُج من جُمْلَتِهَا القول باللسان
_________________
(١) (قوله لِقَوْلِهِ فِيهِ أَنَا أَعْلَمُ مِنْ مُوسَى) هكذا وقع في كثير من الأصول وهو غير صواب لأن الضمير المضاف إليه القول عائد حينئذ على الخضر والضمير المجرور بقى عائد على الحديث السابق وليس فيه أن الخضر قال أَنَا أَعْلَمُ مِنْ موسى والصواب ما في بعض النسخ وهو لقوله فيه إنه أَعْلَمُ مِنْ مُوسَى ويكون المضير المضاف إليه القول عائدا على الله تعالى والضمير المنصوب بأن عائد على الخطر وقد سبق أن في الحديث: بَل عَبْد لَنَا بِمَجْمع الْبَحْرَين أعْلَم مِنْك. (*)
[ ٢ / ١٤٣ ]
فِيمَا عَدَا الْخَبَر الَّذِي وَقَع فِيه الْكَلَام وَلَا الاعْتِقَاد بالْقَلْب فِيمَا عدا التَّوْحِيد وَمَا قَدَّمْنَاه من مَعَارِفِه الْمُخْتَصة بِه فأجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاء مِن الْفَوَاحِش وَالْكَبَائِر الْمُوبِقات وَمُسْتَنَد الْجُمْهُور فِي ذَلِك الإجْماع الَّذِي ذَكَرَنَاه وهو مذهب الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَمَنَعَهَا غَيْرِه بِدَلِيل الْعَقْل مَع الإجْماع وَهُو قَوْل الكَافة، واختار الْأَسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق وَكَذَلِك لَا خِلَاف أَنَّهُم مَعْصُومُون من كِتْمَان الرِّسَالَة وَالتَّقْصِير فِي التَّبْلِيغ، لِأَنّ كُلّ ذلك
يَقْتَضِي الْعِصْمَة مِنْه الْمُعْجِزَة مَع الإجْماع عَلَى ذَلِك مِن الْكَافَّة، وَالْجُمْهُور قائل بِأَنَّهُم مَعْصُومُون من ذَلِك من قَبْل الله معتصمون باخْتِيَارِهِم وَكَسبِهِم إلَّا حُسَيْنًا النَّجَار فَإنَّه قَال لَا قدر لهم على المَعَاصِي أصْلًا، وَأَمَّا الصَّغَائِر فَجَوَّزَهَا جَمَاعَة مِن السَّلَف وَغَيْرِهِم عَلَى الْأَنْبِيَاء وَهُو مَذْهب أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَغَيْرُه مِن الْفُقَهَاء وَالْمُحَدّثِين وَالْمُتَكَلّمِين، وَسنُورِد بعد هذا ما احْتجوا بِه، وذَهَبَت طائفة أخرى إلى الْوَقْف وقالوا الْعَقْل لَا يُحِيل وُقُوعَها مِنْهُم ولم يَأْت فِي الشّرْع قاطع بِأحد الْوَجهَين، وذَهَبَت طَائِفَة أُخْرَى مِن المُحَقّقِين مِن الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلَّمِين إِلَى عِصْمَتِهم مِن الصَّغَائِر كعِصْمَتِهِم مِن الْكَبَائِر، قَالُوا: لاخْتِلَاف النَّاس فِي الصَّغَائِر وتعيينها من الْكَبَائِر، وَإشْكال ذَلِك وَقَوْل ابن عَبَّاس وَغَيْرُه إنّ كُلّ مَا عُصِي اللَّه بِه فَهُو كَبِيرَة وَأنَّه إنَّمَا سُمّي مِنْهَا الصَّغِير بالإضَافَة إلى مَا هُو أكْبَر مِنْه وَمَخَالفة الْبَاري فِي أي أمْر كَان يَجِب كَوْنُه كَبيرَة، قَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد
_________________
(١) (قوله والموبقات) بكسر الموحدة أي المهلكات (قوله وتعيينها) هو بالجر عطف على الصغائر (قوله وإشكال ذلك) هو بالجر عطف على اختلاف الناس وذلك إشارة إلى تعيينها. (*)
[ ٢ / ١٤٤ ]
عَبْد الوَهَّاب لَا يُمْكِن أن يُقَال إنّ فِي مَعَاصِي اللَّه صَغِيرَة إلَّا عَلَى مَعْنَي أنَّهَا تُغُتَفَر باجْتِنَاب الكَبَائِر وَلَا يَكُون لَهَا حُكم مَع ذَلِك بِخِلَاف الكَبَائِر إذَا لَم يُتب مِنْهَا فلا يحبطها شئ والمَشِيئَة فِي العَفْو عَنْهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى وَهُو قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر وجماعة أئمة الأشْعَريَّة وَكَثِير من أئمَّة الفُقَهاء، وَقَال بَعْض أئِمَّتنا: وَلَا يَجِب عَلَى القَوْلَيْن أن يَخْتَلِف أَنَّهُم مَعْصُومُون عَن تَكْرار الصَّغَائِر وَكَثْرَتِهِا إذ يُلْحِقُهَا ذَلِك بالكَبَائِر وَلَا فِي صَغِيرة أدَّت
إِلَى إزَالة الحِشْمَة وأسقطت المروؤة وَأوْجَبَت الإزْرَاء وَالخَسَاسَة، فَهَذَا أيْضًا مِمَّا يُعْصَم عَنْه الْأَنْبِيَاء إجْماعًا، لِأَنّ مِثْل هَذَا يَحُطّ مَنْصِب المتسيم بِه وَيُزرِي بِصَاحِبه وَيُنَفّر القُلُوب عَنْه وَالْأَنْبِيَاء مُنَزَّهُون عَن ذَلِك، بَل يَلْحَق بَهَذَا مَا كَان من قَبيل المُبَاح فَأدّى إِلَى مِثْلُه لخُرُوجِه بِمَا أدَّى إليْه عَن اسْم المُبَاح إِلَى الحَظْر، وَقَد ذَهَب بَعْضُهُم إِلَى عِصْمَتِهم من مُوَاقَعَة المَكْرُوه قَصْدًا، وَقَد اسْتَدَلّ بَعْض الْأَئِمَّة عَلَى عصمتهم مِن الصَّغَائِر بالمَصِير إِلَى امتثال أفعالهم واتَّبَاع آثارِهِم وسِيرَهِم مُطْلَقًا، وَجُمْهُور الفُقَهَاء عَلَى ذَلِك من أصْحَاب مَالِك والشافعي وَأَبِي حَنِيفَة من غَيْر الْتِزَام قَرِينَة بَل مُطْلَقًا عِنْد بَعْضُهُم وَإِنّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْم ذَلِك، وَحَكى ابن خويز منداذ وَأَبُو الفَرَج عَن مَالِك التِزام ذَلِك وُجُوبًا وَهُو قَوْل الأبْهَرِيّ وَابْن القَصّار وأكْثَر أصْحَابِنا وَقَوْل أكْثَر أَهْل العِرَاق وَابْن سُرَيْج والإصْطَخْرِيّ
_________________
(١) (قوله إلى الحظر) بالحاء المهملة والظاء المعجمة: أي المنع (قوله وابن سريج) بالسين المهملة والجيم هو أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بن عمر بن سريج البغدادي: أخذ عن الأنماطي، كانت وفاته سنة ست وثلاثمائة (قوله والاصطخري) هو أبو سعيد الحسن بن أحمد بن بريد، توفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة كان هو وابن سريج شيخي الشافعية ببغداد (١٠ - ٢) (*)
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَابْن خَيْران مِن الشَّافِعِيَّة وَأكْثَر الشَّافعِيَّة عَلَى أَنّ ذَلِك نَدْب، وذهبت طائِفَة إِلَى الإبَاحَة.
وَقَيَّد بَعْضُهُم الاتّبَاع فِيمَا كَان مِن الْأُمُور الدينِيَة وعُلِم بِه مَقْصِد الْقُرْبَة وَمِن قَال بالإبَاحَة فِي أفعاله لم يقبد قَال فَلَو جَوَّزْنَا عَلَيْهِم الصَّغَائِر لَم يُمْكِن الاقْتِدَاء بهم فِي أفْعَالِهِم، إِذ لَيْس كُلّ فِعْل مِن أفْعَالِه يَتَمَيَّز مقصد به مِن القُرْبَة أَو الإبَاحَة أَو الحَظَر أَو المَعْصِيَة،
وَلَا يصح أو يُؤْمَر المَرء بِامْتِثال أمْر لَعَلَّه مَعْصِيَة لَا سِيمَّا عَلَى من يَرَى مِن الأُصُولِيّين تَقْدِيم الفِعْل عَلَى القَوْل إذَا تعارضا، ونزيد هَذَا حُجَّة بأن نَقُول من جَوَّز الصَّغَائِر وَمِن نَفَاها عَن نَبِيّنا ﷺ مُجْمِعُون عَلَى أنَّه لَا يُقِرّ عَلَى مُنْكَر من قَوْلُ أَو فِعْل وَأنَّه مَتَى رَأَى شَيْئًا فَسَكَت عَنْه ﷺ دَلّ عَلَى جَوَازِه فَكَيف يَكُون هَذَا حالُه فِي حَقّ غيرهن ثُمّ يُجَوَّز وُقُوعُه مِنْه فِي نَفْسِه وَعَلَى هَذَا المَأْخَذ تَجِب عِصْمَتُه من مُوَاقَعَة المَكْرُوه كَمَا قيل وإذ الحظْر أَو النَّدْب عَلَى الاقْتِدَاء بِفِعْلِه يُنَافي الزَّجْر وَالنَّهْي عَن فِعْل المكْرُوه، وأيضا فَقَد علم من دين الصَّحَابَة قَطْعًا الاقْتِدَاء بِأفْعَال النَّبِيّ ﷺ كَيْف تَوَجَّهَت وَفِي كُلّ؟؟ كالاقْتِدَاء بِأمْوَالِه فَقَد نَبَذُوا خَواتيمَهُم حِين نَبَذ خَاتَمَه، وَخَلَعُوا نِعَالَهُم حِين خَلَع وَاحْتِجَاجُهُم بِرُؤْيَة ابن عُمَر إيّاه جَالسًا لِقَضَاء حَاجَتِه مُسْتَقْبلًا بَيْت الْمَقْدِس وَاحْتَجّ غَيْر وَاحِد مِنْهُم فِي غير شئ مِمَّا بابُه العِبَادة أَو العَادَة بِقَوْلِه رَأَيْت رسول الله ﷺ يَفْعَلُه وَقَال: (هَلا خَبَّرْتِيهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ) وَقَالَت عَائِشَةُ مُحْتَجَّةً: (كُنْتُ أَفْعَلُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وغَضِبَ رسول الله ﷺ عَلَى الَّذِي أَخْبَرَ بِمِثْلِ هَذَا عَنْهُ
_________________
(١) (قوله وابن خيران) هو أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بن صالح بن خيران البغدادي. (*)
[ ٢ / ١٤٦ ]
فصل وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة
فقال يحل الله لِرَسُولِهِ مَا يَشَاءُ وَقَالَ: (إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ) وَالآثَارُ فِي هَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِهَا لَكِنَّهُ يُعْلَم من مَجْمُوعِهَا عَلَى الْقَطْع اتّبَاعُهُم أفْعَالَه واقْتِدَاؤُهُم بِهَا ولو جوزوا عليه المخالفة في شئ منها لما اتسق هذا وليقل عنهم وظهر بحثهم عن ذلك ولما أنْكَر ﷺ عَلَى الآخَر قَوْله وَاعْتِذَارُه بِمَا ذَكَرَنَاه، وَأَمَّا الْمُبَاحَات فَجَائِز وُقُوعُهَا منم إِذ لَيْس فِيهَا قَدْح بَل هِي مَأْذُون فِيهَا وَأيْدِيهم كأيدي غيرهم مسلمة عَلَيْهَا
إلَّا أَنَّهُم بِمَا خُصُّوا بِه من رَفِيع المَنْزلَة وَشُرحَت لَهُم صُدُورُهُم من أَنْوار الْمَعْرِفَة وَاصْطُفُوا بِه من تَعَلُّق بالهمْ بالله وَالدَّار الآخِرَة لَا يَأْخُذُون مِن المْبَاحات إلَّا الضَّرُورَات مِمَّا يتقون بِه عَلَى سُلُوك طَرِيقِهِم وَصَلَاح دِينِهِم وَضَرُورَة دُنْيَاهُم وَمَا أُخِذ عَلَى هذه السبيل التحقق طَاعَة وَصَار قُرْبَة كَمَا بَيَّنَا مِنْه أَوَّل الْكِتَاب طَرَفًا فِي خِصَال نَبِيَّنَا ﷺ، فَبَان لَك عَظِيم فَضْل اللَّه عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَى سائر أنيبائه ﵈ بأن جَعَل أفْعَالَهُم قُرُبات وَطَاعات بَعِيدَة عَن وَجْه المُخَالَفَة وَرَسْم المَعْصِيَة.
فصل وَقَد اخْتُلِف فِي عصْمَتِهِم من المعاصي قبل النُّبُوَّة فمَنَعَهَا قَوْم وَجَوَّزَهَا آخَرُون وَالصَّحِيح إن شَاء اللَّه تَنْزِيهُهُم من كُلّ عَيْب وَعِصْمَتَهُم من كُلّ مَا يُوجِب الرَّيْب فَكَيْف وَالْمَسْأَلَة تَصَوُّرُهَا كَالْمُمْتَنِع فَإِنّ الْمَعَاصِي وَالنَّواهِي إنَّمَا تكون بَعْد تَقَرّر الشَّرْع وَقَد اخْتُلِف النَّاس فِي حال نَبِيَّنَا ﷺ قَبْل أن يُوحى إليْه هَل كَان مُتَّبعًا لِشَرْع قَبْلَه أم لَا؟
[ ٢ / ١٤٧ ]
فَقَال جَمَاعَة لم يكن متبعا لشئ وَهَذَا قَوْل الجُمْهُور فالْمَعَاصِي عَلَى هَذَا الْقَوْل غَيْر مَوْجُودَة وَلَا مُعْتَبَرَة فِي حَقَّه حِينَئذ إِذ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إنَّمَا تتعلق بالأوامر وَالنَّوَاهِي وَتَقَرُّر الشَّرِيعَة ثم احتلفت حُجَج الْقَائِلِين بِهَذِه الْمَقَالَة عَلَيْهَا فَذَهَب سَيْف السُّنَّة وَمُقْتَدَى فِرَق الْأُمَّة الْقَاضِي أَبُو بَكْر إِلَى أن طَرِيق الْعِلْم بِذَلِك النَّقْل وَمَوَارِد الخَبَر من طريق السَّمْع وَحُجَّتُه أنَّه لَو كان ذَلِك لَنُقل ولما أمْكَن كَتْمُه وَسَتْرُه فِي الْعَادَة إِذ كَان من مُهِمّ أَمْرِه وَأَوْلى مَا اهْتُبِل بِه من سِيرَتِه وَلَفَخَر بِه أَهْل تِلْك الشَّريعَة وَلَا احْتَجّوا بِه عَلَيْه ولم يؤثر شئ من ذَلِك جُمْلَة، وَذَهبَت طَائِفَة إِلَى امْتنَاع ذَلِك
عَقْلًا قَالُوا: لِأَنَّه يَبْعُد أن يَكُون متْبُوعًا من عرفا تابعًا، وَبَنَوْا هَذَا على التحسين والتقبيح وهى طريفة غَيْر سَدِيدَة وَاسْتِنَاد ذَلِك إِلَى النَّقْل كَمَا تقدم للقاضى أبى بكر أولى وَأظْهَر، وَقَالَت فِرْقَة أُخْرى بالْوَقْف فِي أمْرِه ﷺ وَتَرْك قَطْع الْحُكْم عَلَيْه بشئ فِي ذَلِك إِذ لَم يُحِل الْوَجْهَيْن مِنْهَا الْعَقْل وَلَا اسْتَبَان عندها فِي أحَدِهُمَا طَرِيق النَّقْل وَهُو مَذْهَب أَبِي المَعَالِي، وَقَالَت فِرْقَة ثَالِثَة إنَّه كَان عَامِلًا بِشَرْع من قَبْلَه، ثم اختلوا هَل يَتَعَيَّن ذَلِك انشرع أم لَا فَوَقَف بَعْضُهُم عَن تَعْيينِه وَأَحْجَم وَجَسَر بَعْضُهُم عَلَى التَّعيِين وَصَمَّم، ثُمّ اخْتلَفَت هَذِه الْمُعَيّنة فيمن كَان يَتَّبع فَقِيل نُوح وَقِيل إبْرَاهِيم وَقِيل مُوسَى وَقِيل عِيسَى صَلَوات اللَّه عَلَيْهِم، فهذه جُمْلَة المَذَاهِب فِي هَذِه المَسْألَة وَالْأَظْهَر فِيهَا مَا ذَهَب إليْه الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَأَبْعدُهَا مَذَاهِب الْمُعَيّنين إِذ لَو كان شئ من ذَلِك لَنُقِل كَمَا قَدَّمْناه وَلَم يَخف جُمْلَة وَلَا حُجَّة لَهُم فِي أَنّ عِيسَى آخِر الْأَنْبِيَاء فَلَزمَت شَريعَتُه من جاء بَعْدَهَا إذ لَم يَثْبُت عُمُوم دَعْوة عِيسَى بل الصَّحِيح أنَّه لَم
[ ٢ / ١٤٨ ]
فصل هذا حكم ما تكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد
يَكُن لنبي دَعْوَة عامة إلا لنبيا ﷺ، وَلَا حُجَّة أيضا لِلآخَر فِي قَوْلِه (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وَلَا للآخَرِين فِي قَوْلِه تَعَالَى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نوحا) فَمَحْمل هَذِه الآيَة عَلَى إتباعهم فِي التَّوْحِيد كَقَوْلِه تَعَالَى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) وَقَد سَمَّى اللَّه تَعَالَى فِيهِم من لَم يُبْعَث ولم تَكُن لَه شَريعَة تَخُصَّه كَيُوسُف ابن يَعْقُوب عَلَى قَوْل من يَقُول إنَّه لَيْس بِرَسُول وَقَد سَمَّى اللَّه تَعَالَى جَمَاعَة مِنْهُم فِي هَذِه الآيَة شَرَائِعُهُم مُخْتَلِفَة لَا يُمْكِن الجَمْع بَيْنَهَا، فَدَلّ أَنّ المُرَاد مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْه مِن التَّوْحِيد وَعِبَادَة اللَّه تَعَالَى وبعد هَذَا فَهَل يَلْزَم من قَال
بِمَنْع الاتّبَاع هَذَا القَوْل فِي سَائِر الْأَنْبِيَاء غَيْر نَبِيّنَا ﷺ أَو يُخَالِفُون بَيْنَهُم أَمَّا من مَنَع الاتّبَاع عَقْلًا فَيَطّرِد أصْلُه فِي كُلّ رَسُول بِلَا مِرْيَة وَأَمَّا من مال إِلَى النَّقْل فأيْنَمَا تُصُوّر لَه وتُقُرّر اتَّبَعَه، وَمِن قَال بالوَقْف فَعَلَى اصْلِه، وَمِن قَال بِوُجُوب الاتَّبَاع لِمَن قَبْلَه يَلْتَزِمُه بِمَسَاق حُجّتِه فِي كُلّ نَبِيّ فصل هَذَا حُكْم ما تكون المُخَالَفَة فِيه مِن الأعمال عَن قَصْد وَهُو مَا يُسَمَّى مَعْصيَة وَيَدْخُل تَحْت التكلف، وَأَمَّا مَا يَكُون بِغَيْر قَصْد وَتَعَمُّد كالسَّهْو وَالنّسْيَان فِي الوضائف الشَّرْعِيَّة مِمَّا تَقَرَر الشَّرْع بِعَدَم تَعَلُّق الخِطَاب بِه وَتَرْك المُؤَاخَذَة عَلَيْه فأحْوَال الْأَنْبِيَاء فِي تَرَك المُؤَاخَذَة بِه وَكَونه لَيْس بِمَعْصِيَة لَهُم مَع أُمَمهم سواء ثُمّ ذَلِك عَلَى نَوْعَيْن مَا طَرِيقُه البَلَاغ وَتَقْرِير الشَّرْع وَتَعَلُّق الأحْكام وَتَعْلِيم الْأُمَّة بالفعْل وَأخْذُهُم باتّبَاعِه فِيه وَمَا
[ ٢ / ١٤٩ ]
هُو خَارِج عَن هَذَا مِمَّا يَخْتَصّ بِنَفْسِه، أَمَّا الأوّل فَحُكْمُه عِنْد جَمَاعَة مِن الْعُلمَاء حُكْم السَّهْو فِي القَوْل فِي هَذَا الْبَاب، وَقَد ذَكَرَنا الاتّفَاق عَلَى امْتنَاع ذَلِك فِي حَقّ النَّبِيّ ﷺ وَعِصْمَتِه من جوازه عليه قَصْدًا أو سَهْوًا، فكذلك قَالُوا الأفْعَال فِي هَذَا الْبَاب لَا يَجُوز طُرُوّ المُخَالَفَة فِيهَا لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا لِأَنّهَا بِمَعْنَي القَوْل من جهة التَّبْلِيغ وَالأَداء وَطُرُوّ هَذِه العَوَارِض عَلَيْهَا يُوجِب التَّشكِيك وَيُسَبَّب المَطَاعِن، واعتذوا عَن أحَاديث السَّهْو بِتَوْجِيهَات نَذْكُرُها بَعْد هَذَا وإلى هَذَا مال أبو إسحاق، وذهب الأكَثْر مِن الفُقَهاء وَالمُتَكَلمِين إِلَى أَنّ المُخَالَفَة فِي الأفْعَال البَلاغِيَّة وَالأحْكَام الشَّرْعِيّة سَهْوًا وَعَن غَيْر قَصْد مِنْه جَائز عَلَيْه كَمَا تفرر من أحَاديث السَّهْو في
الصلاة وترقوا بَيْن ذَلِك وَبَيْن الأقْوَال البَلاغِيَّة لِقِيَام الْمُعْجِزَة عَلَى الصّدْق فِي القَوْل وَمُخَالَفَة ذَلِك تُناقِضُهَا وَأَمَّا السَّهْو فِي الأفْعَال فغير مناقص لَهَا وَلَا قادِح فِي النُّبُوَّة بَل غَلَطَات الفعل وعفلات القَلْب من سِمَات البشر كَمَا قَال ﷺ (إنما أنا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) نَعَمْ بَلْ حَالَهُ النِّسْيَانُ وَالسَّهْو هُنَا فِي حَقِّهِ ﷺ سَبَبُ إِفَادَةِ عِلْمٍ وَتَقْرِيرِ شَرْعٍ كما قال ﷺ (إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ) بَلْ قد رُوِيَ (لَسْتُ أَنْسَى وَلَكِنْ أُنسَّى لِأَسُنَّ) وَهَذِه الحالة زيادة لَه فِي التبليغ وتمام عليه فِي النّعْمَة بعيدة عَن سمات النقص وأغراض الطعن فإن القائلين بتجويز ذَلِك يشترطون أَنّ الرُّسُل لَا تُقَر عَلَى السهو والغلط بَل ينبهون عَلَيْه ويعرفون حكمه بالفور عَلَى قَوْل بَعْضُهُم وَهُو الصَّحِيح وَقَبْل انقراضهم عَلَى قَوْل الآخرين وَأَمَّا مَا لَيْس طريقه الْبَلَاغ وَلَا بيان الأحكام من
_________________
(١) (قوله لا يجوز طروه) بهمزة في آخره أو بواو مشددة لغتان فيه. (*)
[ ٢ / ١٥٠ ]
فصل في الكلام على الأحاديث المذكور فيها السهو منه ﷺ
أفعاله ﷺ وَمَا يختص بِه مِن أمور دينه وأذكار قلبه مِمَّا لَم يفعله ليتبع فِيه فالأكثر من طبقات علماء الْأُمَّة عَلَى جواز السهو والغلط عَلَيْه فِيهَا ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وَذَلِك بِمَا كلفه من مقاساة الْخَلْق وسياسات الْأُمَّة ومعاناة الأهلي وملاحظة الاعداء وَلَكِن لَيْس عَلَى سبيل التكرار وَلَا الاتصال بَل عَلَى سبيل الندور كَمَا قَال ﷺ (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) وَلَيْس فِي هَذَا شئ يحط من رتبته ويناقض معجزته وذهبت طائفة إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات فِي حقه ﷺ جملة وهو مذهب جَمَاعَة المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات ولهم فِي هَذِه الأحاديث مذاهب نذكرها بَعْد هَذَا إن شَاء اللَّه.
فصل فِي الْكَلَام عَلَى الْأَحَادِيث المذكور فِيهَا السهو مِنْه ﷺ وَقَد قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول قَبْل هَذَا مَا يَجُوز فِيه عَلَيْه السَّهْو ﷺ وَمَا يَمْتَنِع وَأَحَلْنَاه فِي الْأَخْبَار جُمْلَة، وَفِي الأقْوَال الدينية قَطْعًا، وَأجزْنَا وَقُوعَه فِي الْأَفْعَال الدّينِية عَلَى الْوَجْه الَّذِي رَتَّبْنَاه وَأشَرْنَا إلى مَا وَرَد فِي ذَلِك وَنَحْن نَبْسُط القَوْل فِيه الصحيح مِن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي سَهْوِه ﷺ فِي الصَّلَاة ثَلَاثَة أحاديث: أولها حديث ذي الْيَدَيْن فِي السَّلَام مِن اثْنَتَيْن، الثَّاني حَدِيث ابن بحينة في القام من اثنتين،
_________________
(١) (قوله ابن بحينة) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة بعدها مثناة تحتية ساكنة ونون: هو عبد الله بن مالك بن القشب - بكسر القاف وسكون الشين المعجمة بعدها موحدة - وبحينة أمه
[ ٢ / ١٥١ ]
الثَالِث حَدِيث ابن مَسْعُود ﵁ أن النبي ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّهْوِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَحِكْمَةُ اللَّهِ فِيهِ لِيُسْتَنَّ بِهِ إِذِ الْبَلَاغُ بالْفِعْلِ أَجْلَى مِنْهُ بِالْقَوْلِ وَأَرْفَعُ لِلاحْتِمَالِ وَشَرْطُهُ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى السَّهْوِ بَلْ يُشْعَرُ بِهِ لِيَرْتَفِعَ الالْتِبَاسُ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْحِكْمَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَنَّ النِّسْيَانَ وَالسَّهْوَ فِي الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ ﷺ غَيْرُ مُضَادٍّ لِلْمُعْجِزَةِ وَلَا قَادِحٍ فِي التَّصْدِيقِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) وَقَالَ (رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُسْقِطُهُنَّ - وَيُرْوَى - أُنْسِيتُهُنَّ) وَقَال ﷺ (إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ) قِيل هَذَا اللَّفْظ شَكّ مِن الرَّاوي وَقَد رُوِي (إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِأُسُنَّ) وذهب ابن نافِع وَعِيسَى بن دِينَار أنَّه
لَيْس بِشَكّ وَأَنّ مَعْنَاه التقسيم أَي: أنْسى أَنَا أَو يُنْسِينِي الله، قال القاضي أبو الْوَلِيد الْبَاجِي يَحْتَمِل مَا قالاه أن يُريد إنّي أنْسى فِي الْيَقْظَة وَأُنَسّى فِي النَّوْم أَو أنْسى عَلَى سبيل عَادَة الْبَشَر مِن الذُّهُول عَن الشئ وَالسَّهْو أَو أنَسّى مَع إقْبَالِي عَلَيْه وَتَفرُّغي لَه فأضَاف أحَد النَّسْيَانَيْن إِلَى نَفْسِه إِذ كَان لَه بَعْض السَّبَب فِيه وَنَفى الآخَر عَن نَفْسِه إِذ هُو فِيه كَالمُضْطَرّ، وَذَهَبَت طَائِفَة من أصْحَاب المعاني والكلام عَلَى الْحَدِيث إِلَى أن النبي ﷺ كَانَ يَسْهُو فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَنْسَى لِأَنّ النّسْيَان ذُهُول وَغَفْلَة وَآفة قَال وَالنَّبِيّ ﷺ مُنَزّة عَنْهَا وَالسَّهْو شُغْل فكان ﷺ يَسْهُو فِي صلاته وَيُشْغِلُه عَن حَرَكَات الصَّلَاة مَا فِي الصَّلَاة شغلا
_________________
(١) (قوله رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا) هو عبد الله بن يزيد الخطمى الأنصاري، قاله النووي عن الخطيب البغدادي. (*)
[ ٢ / ١٥٢ ]
بِهَا لَا غَفْلَة عَنْهَا وَاحْتَجّ بِقَوْلِه فِي الرّوَايَة الْأُخْرَى إني لَا أنْسى، وَذَهَبَت طَائِفَة إِلَى مَنْع هَذَا كُلّه عَنْه وقالوا: إنّ سَهْوَة ﵇ كَان عَمْدًا وَقَصْدًا لِيَسُنّ وَهَذَا قَوْل مَرْغُوب عَنْه مُتَنَاقِض المَقَاصِد لَا يُحْلَى مِنْه بِطائِل لِأَنَّه كَيْف يَكُون مُتَعْمّدًا سَاهِيًا فِي حَال وَلَا حُجَّة لَهُم فِي قَوْلِهِم إنَّه أمِر بِتَعَمُّد صُورَة النّسْيَان ليَسُنّ لِقَوْلِه: (إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أنسى) وقد أثبت أَحَد الوصفين وَنَفَى مناقضة التَّعَمُّد وَالقَصْد وَقَال (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) وَقَد مال إِلَى.
هَذَا عَظِيم مِن المُحَقّقِين من أئِمَّتِنَا وَهُو أبو المُظَفَّر الاسْفِرَائنيّ وَلَم يَرْتَضِه غَيْرِه مِنْهُم وَلَا أرْتَضِيه وَلَا حُجَّة لِهَاتَيْن الطّائِفَتَيْن فِي قَوْلِه (إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى) إِذ لَيْس فِيه نَفْي حُكْم النّسْيَان بالْجُمْلَة وَإِنَّمَا فِيه نَفْي لَفْظِه وَكَرَاهَة لقبله كَقَوْلِه
(بَئْسَمَا لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَلكِنَّهُ نُسِّيَ) أَو نَفْي الغَفْلَة وقله الاهْتِمَام بِأمْر الصَّلَاة عَن قَلْبِه لَكِن شغل بِهَا عَنْهَا ونسى بَعْضَهَا ببعضها كَمَا تَرَك الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق حَتَّى خَرَج وَقْتُهَا وَشُغِل بالتَّحَرُّز مِن العَدُوّ عَنْهَا فَشُغِل بِطاعَة عَن طَاعَة وَقِيل إنّ الَّذِي تُرِك يَوْم الخَنْدُق ارْبَع صَلَوات، الظُّهْر، وَالعَصْر، والمَغْرِب، وَالعِشَاء، وَبِه احْتَجّ من ذهب إلى جواز تأخير الصَّلَاة فِي الخوف إذَا لَم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن وَهُو مذهب الشاميين والصحيح أَنّ حكم صَلَاة الخوف كَان بَعْد هَذَا فَهُو ناسِخ لَه.
فَإِنّ قُلْت فَمَا تقول في نَوْمِه ﷺ عَن الصَّلَاة يَوْم الْوادِي وَقَد قَال: (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي): فاعْلَمْ أن للعلماء عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ مِنْهَا أَنّ الْمُرَاد بأن هَذَا حُكْم قَلْبِه عِنْد نَوْمِه وَعَيْنَيْه فِي
_________________
(١) (قَوْلِه لَا يحلى) بضم المثناة التحتية وسكون الحاء المهملة. (*)
[ ٢ / ١٥٣ ]
غافل الْأوْقات وَقَد يَنْدر مِنْه غَيْر ذَلِك كَمَا يَنْدُر من غَيْرِه خِلاف عادته وَيُصَحَّح هَذَا التّأْوِيل قَوْله ﷺ فِي الْحَدِيث نَفْسِه (إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا) وقول بِلَال فِيه: مَا أُلْقِيَت عَلِيّ؟ ومة مثلها قط، وَلَكِن مِثْل هَذَا إنَّمَا يَكُون مِنْه لأمر يُرِيدُه اللَّه من إثْبَات حُكْم وَتَأْسِيس سُنَّة وإظْهَار شَرْع، وكما قَال فِي الْحَدِيث الآخَر لَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَيْقَظَنَا وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ، الثاني أَنّ قَلْبَه لَا يَسْتَغْرِقُه النَّوْم حَتَّى يَكُون مِنْه الحدث فيما لَمّا رُوِي أنَّه كَان مَحْرُوسًا وَأنَّه كَان يَنَام حَتَّى يَنْفُخ وحتى يُسْمَع غطِيطُه ثُمّ يُصَلّي وَلَا يَتَوَضَّأ وَحَدِيث ابن عَبَّاس المَذْكُور فِيه وُضُوءُه عِنْد قِيامه مِن النَّوْم فِيه نَوْمُه مَع أهْله فَلَا يُمْكِن الاحْتِجَاج بِه عَلَى وُضُوئِه بمُجَرَّد النَّوْم إِذ لَعَلّ ذَلِك لملامة الْأَهْل أَو لِحَدَث آخر فَكَيف
وَفِي آخِر الْحَدِيث نفسه ثُمّ نام حَتَّى سَمِعْت غَطِيطَه ثُمّ أقيمت الصَّلَاة فَصَلّى وَلَم يَتَوَضَّأ وَقِيل لَا يَنَام قَلْبُه من أجْل أنَّه يُوحى إليْه فِي النَّوْم وَلَيْس فِي قِصَّة الْوَادي إلَّا نَوْم عَيْنَيْه عَن رؤية الشمس وَلَيْس هَذَا من فِعْل القَلْب وَقَد قَال ﷺ: إن الله قبض أرواحا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِليْنَا فِي حِينِ غَيْرُ هَذَا.
فَإِن قِيل فَلَوْلَا عَادَتُه مِن اسْتِغْرَاق النَّوْم لَمّا قَال لِبِلال أكْلَأ لَنَا الصُّبْح، فَقِيل فِي الجَوَاب إنَّه كَان من شَأْنه ﷺ التَّغْلِيس بالصُّبْح وَمُرَاعاة أَوَّل الفَجْر لَا تَصِحّ مِمَّن نَامَت عَيْنُه إذ هُو ظَاهر يُدْرَك بالجَوَارِح الظّاهِرَة فَوَكَّل بلالًا بمُرَاعاة أوَّلِه لِيُعْلِمَه بِذَلِك كما لَو شُغل بِشُغْل غَيْر النَّوْم عَن مُرَاعاتِه.
فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي نَهِيه ﷺ عَن القَوْل نَسيت وَقَد قَال ﷺ (إِنِّي أَنْسَى
_________________
(١) (قوله اكلأ لنا) أي: احفظ لنا. (*)
[ ٢ / ١٥٤ ]
فصل في الرد على من أجاز عليهم الصغائر
كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) وَقَال (لَقَد أذْكَرَني كَذَا وكَذَا آيَة كُنْت أُنْسِيتُها) فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أنَّه لَا تَعَارُض فِي هَذِه الْأَلْفَاظ، أَمَّا نَهْيُه عَن أَنّ يُقَال نَسِيت آيَة كَذَا فَمَحْمُول عَلَى مَا نُسِخ نَقْلُه مِن الْقُرْآن أَي أَنّ العفلة فِي هذا لَم تَكُن مِنْه وَلَكِن اللَّه تَعَالَى اضْطَرَّه إليها ليمحو مَا يَشَاء وَيُثبت وَمَا كان من سَهْو أَو غَفْلَة من قِبَلِه تَذَكَّرَهَا صَلُح أن يُقَال في أنس يوقد قِيل إنّ هَذَا مِنْه ﷺ عَلَى طريق الاستحباب أَنّ يُضِيف الْفِعْل إِلَى خَالِقِه وَالآخَر عَلَى طريق الجَوَاز لاكْتِسَاب الْعَبْد فِيه وَإسْقَاطُه ﷺ لَمّا أسْقَط من هَذِه الآيات جَائز عَلَيْه بَعْد بَلَاغ مَا أُمِر بِبَلَاغَة وَتَوصِيله إِلَى عِبَادِه ثُمّ يَسْتَذْكِرُهَا من أمَّتَه أَو من قَبْل نَفْسِه إلَّا ما قَضى اللَّه نَسْخَه وَمَحْوَه مِن
الْقُلُوب وَتَرْك اسْتذْكَارِه، وَقَد يجُوز أن يَنْسى النَّبِيّ ﷺ مَا هَذَا سَبيلُه كَرَّة وَيَجُوز أن يُنَسّيَه مِنْه قَبْل الْبَلَاغ مَا لَا يُغَيّر نَظْمًا وَلَا يُخَلّط حُكْمًا مِمَّا لَا يُدْخِل خَلَلًا فِي الخَبَر ثُمّ يُذَكّرُه إيّاه وَيَسْتَحيل دَوَام نِسَيَانِه لَه لِحِفْظ اللَّه كِتَابِه وَتَكْلِيفِه بَلَاغَه.
فصل فِي الرد عَلَى من أجاز عَلَيْهِم الصغائر والكلام عَلَى ما احتجوا بِه فِي ذَلِك اعْلَم أن الْمُجَوّزِين لِلصَّغَائِر عَلَى الْأَنْبِيَاء مِن الْفُقَهَاء وَالْمُحَدّثِين وَمِن شَايَعَهُم عَلَى ذَلِك مِن الْمُتَكَلَّمِين احْتَجُّوا عَلَى ذَلِك بِظوَاهِر كَثِيرَة مِن
_________________
(١) (قوله ومن شايعهم) أي تابعهم: من شيعة الرجل وهم أتباعه. (*)
[ ٢ / ١٥٥ ]
الْقُرْآن وَالْحَدِيث إن التزموا ظَوَاهِرَهَا أفْضَت بهم إِلَى تَجْوِيز الْكَبَائِر وَخَرْق الإجْماع وَمَا لَا يَقُول بِه مُسْلِم فَكيْف وَكُلّ مَا احْتَجُّوا بِه مِمَّا اخْتُلِف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَاه وَتَقَابَلَت الاحْتِمَالات فِي مُقْتَضَاه وَجَاءت أقاويل فِيهَا لِلسَّلَف بِخِلَاف مَا الْتَزَمُوه من ذَلِك فَإِذَا لَم يَكُن مَذْهَبُهُم إجْمَاعا وكان الخِلَاف فِيمَا احْتَجُّوا بِه قَدِيمًا وَقَامَت الدّلَالة عَلَى خَطَإ قَوْلِهِم وَصِحَّة غَيْرِه وَجَب تَرْكُه وَالمصِير إِلَى مَا صَحّ وَهَا نَحْن نَأْخُذ فِي النّظَر فِيهَا إن شَاء اللَّه، فمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى لِنَبِيّنا ﷺ (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)، وقوله (فاستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات) وقوله (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) وقوله (عفا الله عنك لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وقوله (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عظيم) وقوله (عَبَسَ
وَتَوَلَّى أَنْ جاءه الأعمى) الآيَة وَمَا قَصّ من قِصَص غَيْرِه مِن الْأَنْبِيَاء كَقَوْلِه (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى) وقوله (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ) الآيَة وَقَوْلُه عَنْه (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) الآية وَقَوْلُه عَن يُونُس (سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظالمين) وَمَا ذَكَرَه من قِصَّة دَاوُد، وَقَوْلُه (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فتاه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) إِلَى قَوْله (مآب) وقوله (ولقد همت به وهم بها) وَمَا قَصّ من قصته مَع إخوتِه، وَقَوْلُه عَن مُوسَى (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وقول النبي صلى القله عَلَيْه وَسَلَّم فِي دُعَائِه (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ) وَنَحْوَهُ من أدْعِيَتِه ﷺ
[ ٢ / ١٥٦ ]
وَذَكَر الْأَنْبِيَاء فِي المَوْقِف ذُنُوبَهُم فِي حَدِيث الشَّفَاعَة، وَقَوْلُه (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفَرُ اللَّهَ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة (إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ (وَإِلا تَغْفِرْ لى وترحمني) الآيَةَ، وَقَدْ كَانَ قَالَ اللَّه لَه (وَلا تخاطبي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إنهم مغرقون) وَقَال عَن إبْرَاهِيم (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يوم الدين) وَقَوْلُه عَن مُوسَى (تبت إليك) وَقَوْلُه (وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان) إِلَى مَا أشْبَه هَذِه الظَّوَاهِر، فأمَّا احْتِجَاجُهُم يقوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) فَهَذَا قَد اخْتُلِف فِيه الْمُفَسِّرُون، فَقِيل المُرَاد مَا كَان قَبْل النُّبُوَّة وَبَعْدَهَا، وَقِيل المُرَاد مَا وَقَع لَك من ذَنْب وَمَا لَم يَقَع أعْلَمَه أنَّه مغَفُور لَه، وَقِيل المُتَقَدّم مَا كَان قَبْل النُّبُوَّة وَالمُتأخّر عِصْمتُك بَعْدَهَا، حَكَاه أَحْمَد بن نَصْر، وَقِيل المُرَاد بِذَلِك أمَّتَه ﷺ وَقِيل المُرَاد مَا كَان عَن سَهو وَغَفْلَة وَتَأوِيل، حَكاه الطَّبَرِيّ واخْتَارَه
الْقُشَيْرِيّ، وَقِيل مَا تَقَدَّم لِأَبِيك آدَم وَمَا تَأخَّر من ذُنُوب أُمَّتِك، حَكاه السَّمْرَقَنْدِيّ والسُّلَمِيّ عَن ابن عطاء وَبِمِثْلِه وَالَّذِي قَبْلَه يُتَأوّل قَوْله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) قَال مَكّيّ مُخَاطَبَة النَّبِيّ ﷺ ههُنَا هي مخالطبة لُأمَّتَه، وَقِيل إن النبي ﷺ لما أمر أن يَقُول (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بكم) سُرّ بِذَلِك الكُفَّار فَأنْزَل اللَّه تَعَالَى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) الآيَة وَبمآل الْمُؤْمِنين فِي الآية الْأُخْرَى بَعْدَهَا، قاله ابن عَبَّاس، فَمَقْصِد الآيَة أنك مَغْفُور لَك غَيْر مُؤَاخَذ بِذَنْب أَنّ لَو كَان، قال بَعْضُهُم: المَغْفِرَة ههُنَا تَبْرِئَة مِن الْعُيُوب، وَأَمَّا قَوْله (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)
[ ٢ / ١٥٧ ]
فَقِيل مَا سَلَف من ذَنْبَك قَبْل النُّبُوَّة وَهُو قَوْل ابن زَيْد والحسن وَمَعْنَي قَوْل قَتَادَة، وَقِيل مَعْنَاه أنَّه حُفِظ قَبْل نبوته منها وعصم، ولولا ذَلِك لأثقلت ظهره، حكى مَعْنَاه السَّمْرَقَنْدِيّ، وَقِيل المُرَاد بِذَلِك مَا أثقل ظهره من أعباء الرسالة حَتَّى بَلَّغهَا) حكاه الْمَاوَردِيّ والسُّلَمِيّ، وَقِيل حَطَطنْا عنك ثِقَل أيام الْجَاهِلِيَّة، حَكاه مَكّيّ، وَقِيل ثِقَل شُغْل سِرّك وحَيْرتك وطلب شريعتك حَتَّى شرعنا ذَلِك لك، حكى مَعْنَاه الْقُشَيْرِيّ، وَقِيل مَعْنَاه خففنا عَلَيْك مَا حُمَّلْت بِحِفْظنَا لَمّا استحفظت وحفظى عَلَيْك، ومعنى انقض ظهرك أَي كاد ينقصه فيكون الْمَعْنَى عَلَى من جَعَل ذَلِك لم قَبْل النُّبُوَّة اهْتِمَام النَّبِيّ ﷺ بِأُمُور فَعَلَهَا قَبْل النُّبُوَّة وحُرَّمَت عَلَيْه بَعْد النُّبُوَّة فَعَدَّها أوْزَارًا وَثَقُلَت عَلَيْه وأشْفَق مِنْهَا، أَو يَكُون الْوَضْع عِصْمَة اللَّه له وكِفَايَتَه من ذُنُوب لو كانت لأنفضت ظَهْرَه، أَو يَكُون من ثِقَل الرَّسَالَة أَو مَا ثَقُل عَلَيْه وَشَغَل قَلْبه من أُمُور الْجَاهِلِيَّة وإعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه
بِحِفْظ مَا استحفظيه من وَحْيِه، وَأَمَّا قَوْله (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لهم) فَأمْر لَم يَتَقَدَّم للنبي ﷺ فِيه مِن اللَّه تَعَالَى نَهْي فَيُعَدّ معصية وَلَا عَدَّه اللَّه تَعَالَى عَلَيْه مَعْصِيَة بَل لَم يَعُدَّه أَهْل الْعِلْم مُعَاتَبَة، وَغَلَّطُوا من ذَهَب إلى ذَلِك، قَال نِفْطَويْه وَقَد حَاشاه اللَّه تَعَالَى من ذَلِك بَل كَان مُخيَّرًا فِي أَمْرَيْن قَالُوا وَقَد كَان لَه أن يَفْعَل مَا شَاء فِيمَا لَم يُنْزَل عَلَيْه فِيه وَحْي فَكَيْف وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ منهم) فَلَمّا أذِن لَهُم أعْلَمَه اللَّه بِمَا لَم يَطَّلِع عَلَيْه من سِرّهم أنَّه لَو لَم يَأْذَن لَهُم لَقَعَدُوا وَأنَّه لَا حَرَج عَلَيْه فِيمَا فَعَل وَلَيْس (عفا) ههُنَا بِمَعْنَي غَفَر بَل كَمَا قَال النَّبِيّ ﷺ) عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ) وَلَمْ
[ ٢ / ١٥٨ ]
تجِب عَلَيْهِم قَطّ أَي لَم يُلْزمْكُم ذَلِك، وَنَحْوَه لِلْقُشَيْرِيّ، قَال: وَإِنَّمَا يَقُول الْعَفْو لَا يَكُون إلَّا عَن ذَنْب: من لَم يَعْرف كَلَام الْعَرَب، قَال وَمَعْنَي عفا اللَّه عنك أَي لَم يلزمك ذنبا، قَال الدَّاوُديّ: رُوِي أنَّهَا كَانَت تَكْرِمه، قَال مكى هو استفحتاح كَلَام مِثْل أصْلَحَك اللَّه وَأعَزَّك، وَحَكى السَّمْرَقَنْدِيّ أَنّ مَعْنَاه عَافاك اللَّه، وَأَمَّا قَوْلُه فِي أُسَارى بد (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) الآيَتَيْنِ فَلَيْس فِيه إلزام ذنب للنبي ﷺ بَل فِيه بَيَان مَا خُصّ بِه وَفُضّل من بَيْن سائر الْأَنْبِيَاء فَكَأنه قَال مَا كَان هَذَا لِنبيّ غيرك كَما قَال ﷺ (أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لنَّبِيٍّ قَبْلِي) فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْله تَعَالَى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا) الآية، قيل معنى: الْخِطَاب لمن أرَاد ذَلِك مِنْهُم وَتَجَّرد غَرَضُه لِغرَض الدُّنْيَا وَحدَه وَالاسْتِكْثَار مِنْهَا وَلَيْس المراد بَهَذَا النبي صلى الله عليه ولم وَلَا عَلَيْه أصْحَابِه، بَل قَد رُوِي عَن الضحاك أنها نَزَلَت حِين انْهَزَم المُشْرِكُون يَوْم
بَدْر وَاشْتَغَل النَّاس بالسَّلَب وَجَمْع الْغَنَائِم عَن القِتَال حَتَّى خَشِي عُمَر أن يَعْطِف عَلَيْهِم الْعَدُوّ ثُمّ قال تَعَالَى: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) فاخْتَلَف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَي الآيَة فَقِيل: مَعْنَاهَا لولا أنَّه سَبَق مني أَنّ لَا أُعَذّب أحَدًا إلَّا بَعْد النَّهْي لَعَذَّبْتُكُم، فَهَذَا يَنْفِي أن يَكُون أمْر الأسْرى مَعْصِيَة، وَقِيل الْمَعْنَى: لولا إيمَانُكُم بِالْقُرْآن وَهُو الْكِتَاب السابق فاستوجبتم بِه الصَّفْح لَعُوقبْتُم عَلَى الغنائم، وَيُزَاد هَذَا القول تفسيرا
_________________
(١) (قوله ولا علية) بكسر العين المهملة وسكون اللام: في الصحاح وعلى في الشرف بالكسر يعلى علا، ويقال أيضا بالفتح وفلان من علية الناس. وهو جمع رجل على: أي شريف رفيع، مثل صبى وصبية. (*)
[ ٢ / ١٥٩ ]
وَبَيَانًا بأن يُقَال لَوْلَا مَا كُنْتُم مُؤْمِنين بالقرآن وَكُنْتُم مِمَّن أُحِلَّت لَهُم الْغَنَائِم لَعُوقِبْتُم كَمَا عُوقِب من تَعَدَّى، وَقِيل: لَوْلَا أنَّه سَبَق فِي اللّوح المَحْفُوظ أنَّهَا حَلَال لكم لَعُوقِبْتُم، فَهَذَا كله ينفي الذنب والمعصية لِأَنّ من فعل مَا أحل له لَم يعص، قَال اللَّه تَعَالَى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طيبا) وَقِيل: بَل كَان ﷺ قد خير فِي ذَلِك، وَقَد رُوِي عَن عَلِيّ ﵁ قَال جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ خَيْرُ أَصْحَابِكَ فِي الأُسَارَى إن شاؤا القتل وإن شاؤا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يقتل منهم فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِثْلُهُمْ، فَقَالُوا الْفِدَاءُ وَيَقْتَلُ مِنَّا، وَهَذَا دليل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا وَأَنَّهُم لَم يَفْعَلُوا إلَّا مَا أُذَن لَهُم فِيه لكِن بَعْضَهُم مال إلى أضْعَف الْوَجْهيْن مِمَّا كَان الْأَصْلَح غَيْرَه مِن الإثْخَان وَالقَتْل فعونبوا عَلَى ذَلِك وَبَيْن لَهُم ضَعْف اخْتيارِهِم وَتَصَويب اخْتِيَار غَيْرِهِم وَكُلُّهُم غَيْر عُصَاة وَلَا مُذْنِبِين وَإِلَى نَحْو هَذَا أشَار الطَّبَرِيّ، وَقَوْلُه ﷺ فِي هَذِه الْقَضيَّة
(لَو نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ) إِشَارَةً إِلَى هَذَا مِنْ تَصْويِبِ رَأْيِهِ وَرَأْيِ مَنْ أَخَذَ بِمَأْخَذِهِ فِي إِعْزَازِ الدِّينِ وَإظْهَار كَلِمَتِه وَإبادَة عَدُوّه وَأَنّ هَذِه القضية لو استوجبت عذابا نجا مِنْه عُمَر وعين عُمَر لِأَنَّه أَوَّل من أشَار بِقَتْلِهِم وَلَكِن اللَّه لَم يُقَدّر عَلَيْهِم فِي ذَلِك عَذَابًا لِحلّه لَهُم فِيمَا سَبَق، وَقَال الدَّاوُدِيّ والخَبَر بَهَذَا لَا يَثْبُت، وَلَو ثَبَت لَمّا جَاز أن يُظَنّ أَنّ النَّبِيّ ﷺ حَكَم بِمَا لَا نَصّ فِيه وَلَا دَلِيل من نَصّ وَلَا جُعِل الْأَمْر فِيه إليْه وَقَد نَزَّهَه اللَّه تَعَالَى عَن ذَلِك، وَقَال الْقَاضِي بَكْر بن الْعَلَاء أخبر الله تعالى نبه فِي هَذِه الآيَة أَنّ تَأْوِيلَه وَافق مَا كَتَبَه لَه من إحْلَال
[ ٢ / ١٦٠ ]
الغنائم وَالفداء وَقَد كان قبل هَذَا فادَوْا فِي سرية عَبْد اللَّه بن جَحْش التي قُتِل فِيهَا ابن الْحَضْرَمِيّ بِالْحَكَم بن كَيْسَان وَصَاحِبِه فَمَا عَتَب الله عليهم وذلك قبل بَدْر بأزْيَد من عَام، فهذا كله يَدُلّ عَلَى أن فِعْل النَّبِيّ ﷺ فِي شَأْن الأسْرَى كَان عَلَى تأوِيل وَبَصِيرَة وَعَلَى مَا تَقَدّم قَبْل مِثْلُه فَلَم ينكره اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم لَكِن اللَّه تَعَالَى أرَاد لِعِظَم أمْر بَدْر وَكَثْرَة أسْرَاهَا والله اعْلَم إظَهَار نِعْمَتِه وَتَأكِيد منَّتِه بِتَعْرِيفهِم مَا كَتَبَه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ من حِلّ ذَلِك لَهُم لَا عَلَى وَجه عِتَاب وَإنْكَار وَتَذْنِيب، هَذَا مَعْنَي كلامه، وَأَمَّا قَوْله (عَبَسَ وَتَوَلَّى) الآيات فَلَيْس فِيه إثْبَات ذَنْب لَه ﷺ بَل إعْلَام اللَّه أَنّ ذَلِك المُتَصَدّي لَه مِمَّن لَا يَتَزَكَّى وأن الصَّوَاب وَالأوْلَى كَان لَو كُشِف لَك حَال الرَّجُلَيْن الإقْبَال عَلَى الأعْمَى وَفِعْل النَّبِيّ ﷺ لَمّا فَعَل وَتَصَدّيه لِذاك الكافر كان طَاعَة لله وتَبْلِيغًا عَنْه وَاسْتِئْلَافًا لَه كَمَا شَرَعَه اللَّه لَه لَا مَعْصِيَة وَمُخَالَفَة لَه وَمَا قِصَّة اللَّه عَلَيْه من ذَلِك إعْلَام بِحال الرَّجُلَيْن وتَوْهِين أمر الكافِر
عِنْدَه وَالإشَارَة إِلَى الإعْرَاض عَنْه بِقَوْلِه وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَقِيل أرَاد بِعَبَس وَتَوَلَّى الكافِر الَّذِي كَان مَع النَّبِيّ ﷺ قالَه أَبُو تُمَّام * وَأَمَّا قِصَّة آدَم ﵇ وَقَوْلُه تَعَالَى (فَأَكَلا منها) بعد قوله (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) وقوله (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تلكما الشجرة)
_________________
(١) (قوله فِي سرية عَبْد الله بن جحش) هذه السرية كانت في رجب من السنة الثانية وكان مع عبد الله ثمانية رهط من المهاجرين ولم يكن معه من الأنصاري أحد (قوله وذلك قبل بَدْر بأزْيَد من عام) قيل بل كلاهما في سنة واحدة، تلك في رجب وبدر في رمضان. (*)
[ ٢ / ١٦١ ]
وَتَصْريحُه تَعَالَى عَلَيْه بالمَعْصِيَة بِقَوْلِه تَعَالَى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى) أَي جهل وَقِيل أخْطَأ فإنّ اللَّه تَعَالَى قَد أخْبَر بعذره بقوله (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ له عزما) قَال ابن زَيْد نَسِي عَدَاوَة إبْلِيس لَه وَمَا عَهِد اللَّه إليْه من ذَلِك بِقَوْلِه (إن هَذَا عَدُوٌّ لَكَ لزومك) الآيَة، قِيل نَسِي ذَلِك بِمَا أظْهَر لهما، وَقَال ابن عَبَّاس إنَّمَا سُمّي الْإِنْسَان إنْسانًا لِأَنَّه عُهد إليْه فَنَسِي وَقِيل لَم يَقْصِد الْمُخَالَفة اسْتِحْلالًا لَهَا وَلكِنَّهُمَا اغْتَرَّا بِحَلِف إبْلِيس لهما (إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) تَوَهَّمَا أَنّ أحَدًا لَا يَحْلِف بالله حانِثًا وَقَد رُوِي عُذْر آدَم بمثْل هَذَا فِي بَعْض الآثار، وَقَال ابن جُبَيْر حَلَف بالله لهما حَتَّى غَرَّهُمَا وَالْمؤْمِن يُخْدع وَقَد قِيل نسِي وَلَم يَنْو الْمُخَالَفَة فَلِذَلِك قَال (وَلَمْ نَجِدْ له عزما) أَي قَصْدًا لِلْمُخَالفَة وَأكْثَر الْمُفَسّرِين عَلَى أَنّ العَزْم هنا الْحَزْم وَالصّبْر وَقِيل كَان عِنْد أكْلِه سكران وهذا فيه ضعف لِأَنّ اللَّه تَعَالَى وَصَف خَمْر الْجَّنة أنَّهَا لَا تُسْكِر فَإِذَا كَان ناسِيًا لَم تكن مَعْصِيَة وَكَذَلِك إن كَان ملبسًا عَلَيْه غَالِطًا إِذ الاتّفَاق عَلَى خُرُوج النّاسِي والسَّاهي عَن حُكْم
التَّكلِيف، وَقَال الشَّيْخ أَبُو بَكْر بن فورك وغيره إنَّه يُمْكن أن يَكُون ذَلِك قَبْل النُّبُوَّة ودليل ذَلِك قَوْله (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عليه وهدى) فَذَكَر أَنّ الاجْتِبَاء والهِدَاية كَان بَعْد العِصْيَان وَقِيل بَل أكَلَهَا متَأوّلًا وَهُو لَا يعلم أنَّهَا الشجرة التي نهي عَنْهَا لِأَنَّه تأول نهى اللَّه عَن شجرة مخصوصه لَا عَلَى الجنس، ولهذا قِيل إنَّمَا كَانَت التَّوْبَة من ترك التحفظ لَا مِن المخالفة، وَقِيل تأول أَنّ اللَّه لم ينهه عَنْهَا نهي تحريم.
فَإِنّ قِيل فعَلَى كُلّ حال فَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى، وقال: فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) وَقَوْلُه فِي حَدِيث الشَّفَاعَة ويذكر ذنبه وإني
[ ٢ / ١٦٢ ]
نهيت عَن أكل الشجرة فعصيت: فسيأتي الجواب عَنْه وَعَن أشباهه مجملًا آخر الْفَصْل إن شَاء اللَّه، وَأَمَّا قِصَّة يُونُس فَقَد مَضَى الْكَلَام عَلَى بَعْضَهَا آنفا وليس فِي قِصَّة يونس نص عَلَى ذنب وِإنما فِيهَا أبق وذهب مغاضبًا وَقَد تكلمنا عَلَيْه، وقيل إنما نقم اللَّه عَلَيْه خروجه عَن قومه فارا من نزول العذاب، وَقِيل بَل لَمّا وعدهم العذاب ثُمّ عفا اللَّه عَنْهُم قَال: والله لَا ألقاهم بوجه كذاب ابدًا وَقِيل بَل كَانُوا يقتلون من كذب فخاف ذَلِك، وَقِيل ضعف عَن حمل أعباء الرسالة.
وَقَد تقدم الْكَلَام أنَّه لَم يكذبهم، وَهَذَا كله لَيْس فِيه نص عليه معصية إلَّا عَلَى قوله مرغوب عَنْه وَقَوْلُه (أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) قَال الْمُفَسِّرُون تباعد، وَأَمَّا قَوْله (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فاظلم وضع الشئ فِي غَيْر موضعه فَهَذَا اعتراف مِنْه عِنْد بَعْضُهُم بِذَنْبِه فإمَّا أَنّ يَكُون لِخُرُوجِه عَن قَومِه بِغَيْر إذْن رَبَّه أَو لِضَعْفِه عَمَّا حمَّلَه أَو لِدُعَائِه بالْعَذَاب عَلَى قومه، وَقَد دَعَا نُوح بِهَلَاك قَوْمِه فَلَم يُؤاخَذ، وَقَال الوَاسِطيّ فِي مَعْنَاه نَزَّه رَبَّه عَن الظُّلْم وَأضَاف الظُّلْم إِلَى نَفْسِه اعْتِرَافًا وَاستِحْقَاقًا ومثل هَذَا قَوْل آدَم وَحوَاء (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) إذ كانا السَّبَب فِي وَضْعِهِمَا فِي غَيْر المَوْضِع الَّذِي انْزلا فِيه وَإخْرَاجِهِمَا مِن الْجَّنة وَإِنْزَالِهَمَا إلى الْأَرْض * وَأَمَّا قِصَّة دَاوُد ﵇ فَلَا يَجِب أن يُلْتَفَت إلى مَا سَطَّرَه فِيه الأخْبَارِيُّون عَن أَهْل الكِتَاب الَّذِين بَدّلُوا وغَيَّرُوا وَنَقَلَه بَعْض الْمُفَسّرِين وَلَم يَنُصّ اللَّه عَلَى شئ من ذَلِك وَلَا وَرَد فِي حَدِيث صحيح والذي نَصّ اللَّه عَلَيْه قَوْله: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) إِلَى قَوْله: (وحسن مآب) وقوله في أواب فمعنى
_________________
(١) (قوله إنما نقم) بفتح القاف، وقد تكسر. (*)
[ ٢ / ١٦٣ ]
فتناه اخبرناه وأوَّاب قَال قتادة مُطيع وَهَذَا التَّفْسِير أوْلى، قَال ابن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود: مَا زَاد دَاوُد عَلَى أَنّ قَال لِلرَّجُل أنْزل لِي عَن امْرَأتِك وَأكْفِلْنِيهَا فَعَاتَبَه اللَّه عَلَى ذَلِك وَنَبَّهَه عَلَيْه وَأنْكَر عَلَيْه شُغْلَه بالدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أن يُعَوَّل عَلَيْه من أمْرِه وَقِيل خَطَبَهَا عَلَى خِطْبَتِه، وَقِيل بَل أخب بَقَلْبِه أن يُسْتَشْهَد، وحَكَى السَّمْرَقَنْدِيّ أَنّ ذَنْبَه الَّذِي اسْتَغْفَر مِنْه قَوْله لأحَد الخَصْمَيْن لَقَدْ ظَلَمَكَ فَظَلَّمَه بَقَوْل خَصْمِه، وَقِيل بَل لَمّا خَشِي عَلَى نَفْسِه وظَنّ مِن الْفِتْنَة بِمَا بُسَط لَه مِن الْمُلْك وَالدُّنْيَا، ولى نَفْي مَا أضِيف فِي الْأَخْبَار إِلَى دَاوُد ذَهَب أَحْمَد بن نَصْر وَأَبُو تَمَّام وَغَيْرِهِمَا مِن المُحَقّقِين، قَال الدَّاوُدِيّ: لَيْس فِي قِصَّة دَاوُد وَأُورِيا خَبَر يثْبُت وَلَا يُظَنّ بِنَبِيّ مَحَبَّة قَتْل مُسْلِم وَقِيل إنّ الخَصْمَيْن اللَّذِين اخْتَصَمَا إليْه رَجُلَان فِي نِتَاج غَنَم عَلَى ظَاهِر الآية * وَأَمَّا قِصَّة يُوسُف وَإخْوَتِه فَلَيْس عَلَى يُوسُف مِنْهَا تَعَقَّب وَأَمَّا إخْوَتُه فَلَم تَثْبُت نُبُوَّتُهُم فَيلْزَم الْكَلَام عَلَى أفْعَالِهِم وَذِكْر الْأَسْبَاط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء، قال المفسرون
يريد مِنْ نَبِيٍّ مِنَ أبناء الأسباط وَقَد قِيل إنَّهُم كَانُوا حِين فَعَلُوا بِيُوسُف مَا فَعَلُوه صِغَار الأسْنَان ولهذا لَم يُمَيّزُوا يُوسُف حِين اجْتَمَعُوا بِه ولهذا قَالُوا أَرْسِلْه معنا غَدًا نَرْتَع وَنَلْعَب وإن ثَبَتَت لَهُم نُبُوَّة فَبَعْد هَذَا والله أَعْلَم، وَأَمَّا قَوْل اللَّهُ تَعَالَى فِيه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أن رأى برهان ربه) فَعَلى مَذْهَب كثير من الفقهاء والمحدثين أنهم النَّفْس لَا يُؤَاخُذ به وليس سَيّئة لِقَوْلِه ﷺ عَن ربه (إذ هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً) فَلَا مَعْصِيَة فِي هَمّه إذا
_________________
(١) (قوله أو رياء) بفتح الهمزة وسكون الواو كسر الراء بعدها مثناة تحتية وهمزة ممدودة (*)
[ ٢ / ١٦٤ ]
وَأمَّا عَلَى مَذْهَب المُحَقّقِين مِن الفُقَهَاء وَالْمُتكلّمِين فَإِنّ الْهَمّ إذا وظنت عَلَيْه النَّفْس سَيّئَة وَأَمَّا مَا لَم تُوَطَّن عَلَيْه النَّفْس من هُمُومِهَا وَخَوَاطِرِهَا فَهُو الْمَعْفُوّ عَنه وَهَذَا هُو الْحَقّ فَيَكُون إن شَاء اللَّه همّ يُوسُف من هَذَا وَيَكُون قَوْله (وما أبرى نفسي) الآيَة أَي مَا أُبَرَّئُهَا من هَذَا الهَمّ أَو يَكُون ذَلِك مِنْه عَلَى طرق التّوَاضُع وَالاعْتِرَاف بِمُخَالَفَة النَّفْس لَمّا زُكّي قَبْل وبرى فَكَيْف وَقَد حكى أَبُو حَاتِم عَن أَبِي عَبِيدة أَنّ يُوسُف لَم يَهُم وَأَنّ الْكَلَام فِيه تقديم وتأخير أَي وَلَقَد همت بِه ولولا أَنّ رَأَى برهان رَبَّه لَهُم بِهَا وَقَد قَال اللَّهُ ﵎ عَن المرأة (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) وَقَال تَعَالَى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) وَقَال تَعَالَى (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ الله إنى رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) الآيَة قِيل فِي رَبّي اللَّه وَقِيل الْمُلْك وَقِيل هَمّ بِهَا أَي بزجْرِهَا وَوَعظها وَقِيل همّ بِهَا أَي غَمَّهَا امتناعه عنها وَقِيل هم بِهَا نَظَر إِلَيْهَا وَقِيل هُم بضربها دفعها وَقِيل هَذَا كله كَان قَبْل نبوته، وَقَد ذَكَر
بَعْضُهُم مَا زال النّسَاء يملن إِلَى يُوسُف ميل شهوة حَتَّى نبأه اللَّه فألقى عَلَيْه هيبة النُّبُوَّة فشغلت هيبته كُلّ من رآه عَن حسنه * وَأَمَّا خبر موسى ﷺ مَع قَتِيلِه الَّذِي وَكَزَه وَقَد نص اللَّه تَعَالَى أنَّه من عَدُوّه وَقِيل كَان مِن القِبْط الَّذِين عَلَى دِين فِرْعَوْن وَدَلِيل السُّورَة فِي هَذَا كله أنَّه قَبْل نُبُوَّة مُوسَى، وَقَال قَتَادَة وَكَزَه بالعَصَا وَلَم يَتَعَمَّد قَتْلَه فَعَلَى هَذَا لَا مَعْصيَة فِي ذَلِك، وَقَوْلُه هَذَا مِنْ عَمَلِ الشطان وَقَوْلُه ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لى
_________________
(١) (قوله وقد حكى أبو حاتم) هو الإمام الحافظ الكبير محمد بن إدريس المنذر توفى سنة سبع وسبعين ومائتين. (*)
[ ٢ / ١٦٥ ]
قَال ابن جُرَيج قَال ذَلِك من أجل أنَّه لَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أن يَقْتُل حَتَّى يُؤْمَر، وَقَال النَّقَّاش: لَم يَقْتُلْه عَن عَمْد مُرِيدًا لِلْقَتْل وَإِنَّمَا وَكَزَه وَكزَة يُريد بِهَا دَفْع ظُلْمِه قَال وَقَد قِيل أن هَذَا كان قبل النبوة وهو مقتضى للتلاوة وَقَوْلُه تَعَالَى فِي قصته (وفتناك فتنا) أي ابْتَلَيْناك ابْتِلَاء بَعْد ابْتِلَاء قِيل فِي هَذِه الْقِصَّة وَمَا جَرَى لَه مَع فِرْعَوْن وَقِيل إلماؤه فِي التَّابُوت وَاليَمّ وَغَيْر ذَلِك وَقِيل معناه أخْلَصْنَاك إخْلاصًا قَاله ابن جُبَيْر وَمُجَاهِد من قَوْلِهِم فَتَنْت الفِضَّة فِي النَّار إذَا خَلَّصْتَهَا وَأَصْل الفتنة معنى الاحتبار وإظْهَار مَا بَطَن إلَّا أنَّه اسْتُعْمِل فِي عَرْف الشَّرْع وفى اخْتِبَار أدَّى إلى مَا يُكْرَه وَكَذَلِك مَا رُوِي فِي الْخَبَر الصَّحِيح من أَنّ مَلَك الْمَوْت جاءَه فَلَطَم عَيْنَه فَفَقَأها (الْحَدِيث) لَيْس فِيه مَا يُحْكَم عَلَى مُوسَى ﵇ بالتَّعَدّي وَفِعْل مَا لَا يَجِب إِذ هُو ظَاهِر الأَمْر بَيْن الْوَجْه جائز الفِعْل لَأن مُوسَى دَافَع عَن نَفْسِه من أتاه لإتْلافِهَا وَقَد تُصُوّر لَه فِي صورة آدمِي وَلَا يُمْكِن أنَّه عَلِم حِينَئذ أنَّه مُلْك المَوْت فَدَافَعَه عَن نَفْسِه مُدَافَعَة أدّت إِلَى ذَهَاب عَيْن تِلْك الصُّورَة التي تَصَوَّر لَه فِيهَا المَلك امْتِحَانًا مِن اللَّه فَلَمّا جاءَه بَعْد وَأعْلَمَه اللَّه تَعَالَى أنَّه رَسُولُه إليْه اسْتَسْلَم،
وَلِلْمُتَقَدّمِين وَالمُتأخَرِين عَلَى هَذَا الْحَدِيث أجْوِبَة هَذَا أسَدُّها عِنْدِي وَهُو تَأْوِيل شَيْخِنَا الْإِمَام أَبِي عَبْد اللَّه المازِرِيّ وَقَد تَأوَّلَه قَدِيمًا ابن عَائِشَة وَغَيْرِه عَلَى صَكّه وَلَطْمِه بالحُجَّة وفقء عَيْن حُجَّتِه وَهُو كَلَام مُسْتَعْمَل فِي هذا الْبَاب فِي اللُّغَة وَمَعْرُوف * وَأَمَّا قِصَّة سُلَيْمَان وَمَا حَكى فِيهَا أَهْل التَّفَاسِير من ذَنْبِه وَقَوْلُه وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان فَمَعْنَاه ابْتَلَيْنَاه وابْتِلاؤُه مَا حُكِي عَن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قَال: (لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ
_________________
(١) (قوله أسدهما) بالسين المهملة، من السداد. (*)
[ ٢ / ١٦٦ ]
كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارسَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يقل.
فلم تحمل منهن إلَّا وَاحِدَة جَاءَت بِشقّ رَجُل قَال النبي ﷺ: (والذي نفسي بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَال أَصْحَاب المَعَاني: وَالشَّقّ هُو الجَسَد الَّذِي أُلْقِي عَلَى كُرْسِيّه حِين عُرِض عَلَيْه وَهِي عُقُوبَتُه وَمِحْنَتُه وَقِيل بَل مات فَأُلْقِي عَلَى كُرْسِيّه مَيّتًا، وَقِيل ذَنْبُه حِرْصُه عَلَى ذَلِك وَتَمَنّيه، وَقِيل لِأَنَّه لَم يَسْتَثْن لَمّا اسْتَغْرَقَه مِن الْحِرْص وَغَلَب عَلَيْه مِن التَّمَنّي وَقِيل عُقُوبَتُه أن سُلِب مُلْكه وَذَنْبُه أن أحَبّ بِقَلْبِه أن يَكُون الْحَقّ لأخْتَانِه عَلَى خَصْمِهِم وَقِيل أوخِذ بِذَنْب قارَفَه بَعْض نِسَائِه وَلَا يَصِحّ مَا نَقَلَه الأخْبَارِيُّون من تَشبُّه الشَّيْطَان بِه وَتَسَلُّطِه عَلَى مُلْكِه وَتَصرُّفِه في أمته بالجور فِي حُكْمِه لِأَنّ الشياطين لَا يُسَلَّطُون عَلَى مِثْل هَذَا، وَقَد عُصِم الْأَنْبِيَاء من مِثِلِه، وإن سُئِل لِمَ لَمْ يَقُل سُلَيْمَان فِي الْقِصَّة المَذْكُورَة إن شَاء اللَّه؟ فَعَنْه أجْوبَة أَحَدُهَا مَا رُوِي فِي الْحَدِيث الصَّحِيح أنَّه نَسي أن يَقُولَهَا وَذَلِك ليفذ مُرَاد اللَّه، والثاني أنَّه لَم يَسْمَع صَاحِبَه وَشُغْل عَنْه وَقَوْلُه (وَهَبْ لِي مُلْكًا لا ينبغي لأَحَدٍ
مِنْ بَعْدِي) لَم يَفْعَل هَذَا سُلَيْمَان غَيْرِه عَلَى الدُّنْيَا ولا نقاسة بِهَا وَلَكِن مَقْصِدُه فِي ذَلِك عَلَى مَا ذَكَرَه الْمُفَسِّرُون أن لَا يُسَلَّط عَلَيْه أَحَد كما سُلّط عَلَيْه الشَّيْطَان الَّذِي سَلَبَه إيَّاه مسدة امتحانه على قوله من قَال ذَلِك.
وَقِيل بَل أرَاد أن يَكُون لَه مِن اللَّه فَضِيلَة وَخَاصَّة يَخْتَصّ بِهَا كاخْتِصَاص غَيْرِه من أنْبِيَاء اللَّه ورُسُلِه بِخَوَاصّ مِنْه، وَقِيل لِيَكُون دَليلًا وَحُجَّة عَلَى نبوته كإلابة الحَدِيد لأبِيه وَإحْيَاء المَوْتى لِعِيسَى وَاخْتصَاص مُحَمَّد ﷺ بالشَّفَاعَة ونحو هَذَا * وَأَمَّا قِصَّة نوح ﵇
[ ٢ / ١٦٧ ]
فَظَاهِرَة العُذْر وَأنَّه أخَذ فِيهَا بالتّأْوِيل وَظَاهِر اللّفْظ لِقَوْلِه تَعَالَى وَأَهْلَك، فَطَلَب مُقْتَضى هَذَا اللَّفْظ وَأَرَاد عِلْم مَا طُوِي عَنْه من ذَلِك لَا أنَّه شَكّ فِي وَعْد اللَّه فَبيَّن اللَّه عَلَيْه أنَّه لَيْس من أهله الَّذِين وَعَدَه بِنَجاتِهِم لِكُفْرِه وَعَمَلِه الَّذِي هُو غَيْر صَالِح وَقَد أعْلَمَه أنَّه مُغْرِق الَّذِين ظَلَمُوا وَنَهَاه عَن مُخَاطَبِتِه فِيهِم فووخذ بِهَذا التأويل وَعُتب عَلَيْه وَأشْفَق هُو من إِقْدامِه عَلَى رَبَّه لِسُؤَالِه مَا لَم يُؤْذَن له في السؤال فيه وَكَان نُوح فِيمَا حَكاه النَّقَّاش لَا يَعْلَم بِكُفْر ابْنِه وَقِيل فِي الآيَة غَيْر هَذَا وَكُلّ هَذَا لَا يَقْضِي عَلَى نُوح بِمَعْصِيَة سِوَى مَا ذَكَرْنَاه من تَأْوِيلِه وَإقدامِه بالسُّؤَال فِيمَن لم يُؤْذَن لَه فِيه وَلَا نُهَي عَنْه، وَمَا رُوِي فِي الصَّحِيح من أَنّ نَبِيًّا قَرَصَتْه نَمْلَة فَحَرَّق قَرْيَة النَّمْل فَأَوْحى اللَّه إليْه: (إِنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقَتْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ) فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَتَى مَعْصَيةٌ بَلْ فَعَلَ مَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَصَوَابًا بِقَتْلِ مَنْ يُؤْذِي جِنْسُهُ وَيَمْنَعُ المنْفَعَةَ بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ هذا النبي كَان نازِلًا تحت الشَّجَرَة فَلَمّا آذَتْه النَّمْلَة تَحَوَّل بِرَحْلِه عَنْهَا مَخَافَة تكْرَار الأذَى عَلَيْه وَلَيْس فِيمَا أوْحى اللَّه إليْه مَا يُوجِب عَلَيْه مَعْصِيَة بَل نَدَبَه إِلَى احْتِمَال الصَّبْر وَتَرْك التَّشَفي كَمَا
قَال تَعَالَى: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خير للصابرين) إِذ ظَاهِر فِعْلِه إنَّمَا كَان لأجْل أنَّهَا آذَتْه هُو فِي خَاصَّتِه فكان نتقاما لِنَفْسِه وَقَطْع مَضَرّه يتَوَقَّعُهَا من بَقِيَّة النَّمْل هُنَاك وَلَم يَأْت فِي كُلّ هَذَا أمْرًا نُهِي عَنْه فَيُعَصَّى بِه ولا نص فيها أوْحى اللَّه إليْه بِذَلِك وَلَا بالتَّوْبَة والاسْتِغْفَار مِنْه والله أعلم
_________________
(١) (قوله أَنّ نَبِيًّا قَرَصَتْه نملة) قال الزكي المنذرى إنه موسى وإن قيل جاء مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ إنه عزير، ونقل المحب الطبري عن الحكيم الترمذي أنه موسى. (*)
[ ٢ / ١٦٨ ]
فصل فإن قلت فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب والمعاصي
فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْله ﵇ مَا من أَحَد إلَّا أَلَمّ بِذَنْب أَو كَاد إلا يحيى ابن زَكَرِيَّا أَو كَمَا قَال ﵇؟ فالْجَوَاب عَنْه كَمَا تَقَدَّم من ذُنُوب الْأَنْبِيَاء التي وَقَعَت عن غَيْر قَصْد وَعَن سَهْو وَغَفْلَة
فصل فَإِن قُلْت فَإِذَا نَفيْت عَنْهُم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِم الذُّنُوب والمَعَاصِي بِمَا ذَكَرَتَه مِن اخْتِلَاف الْمُفَسّرِين وَتأوِيل المحققين فَمَا مَعْنَي قَوْله تَعَالَى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى) وَمَا تكرر فِي الْقُرْآن والحديث الصَّحِيح مِن اعْتِرَاف الْأَنْبِيَاء بذنوبهم وتوبتهنم وَاسْتِغْفَارِهِم وَبُكائِهِم عَلَى ما سلف منهم وَإشْفاقِهِم وَهَل يُشْفَق وَيُتَاب وَيُسْتَغْفَر من لَا شئ؟ فاعلم وفقنا اللَّه وَإيَّاك أن دَرَجَة الْأَنْبِيَاء فِي الرّفْعَة وَالعُلُوّ والمعرفة بالله وَسُنَّتِه فِي عبادة وعظم سلطانه وقوة بطشه مِمَّا يحملهم عَلَى الخوف مِنْه ﷻ والإشفاق مِن المؤاخذة بِمَا لَا يؤاخذ بِه غَيْرِهِم وَأَنَّهُم فِي تصرفهم بأمور لَم ينهوا عَنْهَا وَلَا أمروا بِهَا ثُمّ ووخذوا عَلَيْهَا وعوتبوا بسببها وحذروا مِن المؤاخذة بِهَا وأتوها على وجه التأويل أَو السَّهْو أَو تزيد من أمور الدنيا المباحة خائفون وجلون وَهِي ذنوب بالإضافة إِلَى عَلِيّ منصبهم ومعاص بالنسبة إِلَى كمال طاعتهم لَا أنَّهَا كَذُنُوب غَيْرِهِم ومَعَاصِيهِم فَإِنّ الذنب مَأْخُوذ من الشئ الدنى الرَّذْل وَمِنْه ذَنَب كل شئ أَي آخِرُه وَأذْناب الناس
_________________
(١) (قوله فإن قيل فما مَعْنَي قَوْلِه مَا من أحد إلا ألم بذنب) أجاب النووي عن ذلك بأن هذا الحديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده وفى إسناده عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بن جدعان. (*)
[ ٢ / ١٦٩ ]
رُذَّالُهُم فكان هَذِه أدْنى أفْعالِهِم وَأسْوَأ مَا يَجْرِي من أحْوَالِهِم لِتَطْهِيرِهِم وَتنْزِيههِم وَعِمَارة بَوَاطِنِهم وَظَوَاهِرِهم بالعَمَل الصالح والكلم الطيب والذّكْر الظَّاهِر والخَفَيّ والخَشْيَة لله وَإعْظَامِه فِي السّرّ والعَلَانِيَة وَغَيْرِهِم يَتَلوَّث مِن الكَبَائِر وَالقَبَائِح والفَوَاحِش مَا تَكُون بالإضافة إلى هذه الهَنَات فِي حَقَه كالحَسَنَات كَمَا قِيل حَسَنَات الأبْرَار سَيّئَات المُقَربِين أَي يَرَوْنَهَا بالإضَافَة إلى عَلِيّ أحْوَالِهِم كالسَّيّئات وَكَذَلِك العِصْيَان التَّرْك وَالمُخَالَفَة فَعَلَى مُقْتَضى اللَّفْظَة كَيْفَمَا كانت من سَهْو أَو تَأويل فهى مخالفة وترك وَقَوْلُه غوى أَي جهل أَنّ تِلْك الشجرة هِي التي نهي عَنْهَا والغي الجهل وَقِيل أخطأ مَا طلب مِن الخلود إِذ أكَلَهَا وخابَت أُمْنِيَّتُه وَهَذَا يُوسُف ﵇ قد ووخذ بِقَوْلِه لأحد صاحِبَي السّجْن (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سنين) قِيل أُنْسِي يُوسُف ذَكَر اللَّه، وَقِيل أُنْسِي صاحبُه أن يَذْكُرَه لِسَيَّده المَلك، قَال النَّبِيّ ﷺ (لَوْلَا كَلِمَةُ يُوسُفَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ) قَال ابن دِينَار: لَمَّا قَال ذَلِكَ يُوسُفُ قِيلَ لَه اتخذت من دُونِي وَكِيلًا لَأُطِيلَنّ حَبْسَك، فَقَال: يَا رَبّ أنْسَى قَلْبي كَثْرَة البَلْوى، وَقَال بَعْضُهُم: يُؤَاخِذ الْأَنْبِيَاء بمثاقيل الذَّرّ لمكانتهم عنده ويجاوز عَن سائر الْخَلْق لقلة
مبالاته بهم فِي أضْعَاف مَا أتَوْا بِه من سُوء الأدَب وَقَد قَال المُحْتَجّ للفرقة
_________________
(١) (قوله رذالهم) بضم الراء وتخفيف الذال، ذكره الفارابى في ديوان الأدب، يقال هو رذال المال وغيره يعنى خسيسه (قوله الهيئات) بمثناة تحتية ساكنة بعد الهاء فهمزة وفى بعض النسخ: (الهنات) بنون مخففة من غير همزة، جمع هنة، وهى خصلة الشر. (*)
[ ٢ / ١٧٠ ]
الأُولَى عَلَى سِيَاق مَا قُلْنَاه إذَا كَان الْأَنْبِيَاء يُؤاخَذُون بِهَذا مِمَّا لَا يُؤَاخَذ بِه غَيْرِهِم مِن السَّهْو وَالنّسْيَان وَمَا ذَكَرْتَه وَحَالُهُم ارْفَع فَحَالُهُم إذَا فِي هَذَا أسْوَأ حَالًا من غَيْرِهِم، فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أَنَا لَا نُثْبِت لَك المُؤَاخَذَة فِي هَذَا عَلَى حد مُؤَاخَذَة غَيْرِهِم، بَل نَقُول إنَّهُم يُؤَاخَذُون بِذَلِك فِي الدُّنْيَا لِيكون ذَلِك زيادة فِي درجاتهم ويبتلون بِذَلِك ليكون استشعارهم لَه سببًا لمنماة رتبهم كَمَا قَال (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) وَقَال لداود (فَغَفَرْنَا له ذلك) لآية وَقَال بَعْد قَوْل مُوسَى تُبْت إِلَيْك.
(إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى الناس) وَقَال بَعْد ذِكْر فِتْنَة سُلَيْمَان وَإنابَتِه (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ) إِلَى (وَحُسْنَ مَآبٍ) وَقَال بَعْض المُتَكلّمين زَلَّات الْأَنْبِيَاء فِي الظَّاهِر زَلَّات وَفِي الْحَقِيقَة كَرَامَات وَزُلَف وَأشار إِلَى نَحْو مِمَّا قدمناه وأيضًا فلينبه غَيْرِهِم مِن البشر مِنْهُم أَو مِمَّن لَيْس فِي درجتهم بمؤاخذتهم بِذَلِك فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر عَلَى النعم ويعدوا الصبر عَلَى المحن بملاحظة مَا وَقَع بأهل هَذَا النصاب الرفيع المعصوم فكيف بمن سواهم، ولهذا قَال صَالِح المري ذِكْر دَاوُد بَسْطَة للتوابين، قَال ابن عَطَاء لَم يَكُن مَا نص اللَّه تَعَالَى من قِصَّة صَاحِب الحُوت نَقْصًا لَه وَلَكِن اسْتِزادة من نَبِيّنا ﷺ وأيضًا فَيُقَال لَهُم فإنَّكُم وَمِن وَافَقَكُم تَقُولُون
بِغُفْرَان الصَّغَائِر باجتناب الكبائر ولا خلاف فِي عِصْمَة الْأَنْبِيَاء مِن الكبائر فَمَا جَوَّزْتُم من وُقُوع الصغائر علهيم هِي مَغْفُورَة عَلَى هَذَا فَمَا مَعْنَي
_________________
(١) (قوله ويعدوا) بضم أوله وكسر ثانيه مضارع أعد (قوله صالح المرى) بضم الميم وتشديد الراء وياء للنسبة إلى مرة الواعظ الزاهد ابن بشير بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة (*)
[ ٢ / ١٧١ ]
المُؤَاخَذَة بِهَا إذَا عِنْدَكُم وَخَوْف الْأَنْبِيَاء وَتَوْبَتِهُم مِنْهَا وَهِي مغفورة لو كانت فَمَا أجَابُوا بِه فَهُو جَوَابُنا عَن المُؤَاخَذَة بأَفْعَال السَّهْو وَالتَّأْوِيل، وَقَد قِيل إنّ كَثْرَة اسْتِغْفَار النَّبِيّ ﷺ وَتَوبَتِه وَغَيْرُه مِن الْأَنْبِيَاء عَلَى وَجْه مُلازَمَة الخُضُوع وَالْعُبُودِيَّة والاعْتِراف بالتَّقْصِير شُكْرًا لله عَلَى نِعَمْه كَمَا قَال ﷺ وَقَد أمِن مِن المُؤَاخَذَة بِمَا تقدم وَمَا تَأخَّر (أَفَلَا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) وَقَال (إِنِّي أَخْشاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي) قَال الحَارِث بن أسَد: خَوْف الْمَلَائِكَة وَالْأَنْبِيَاء خَوْف إعْظَام وَتَعَبُّد لله لأنهم آمنُون.
وَقِيل فَعَلُوا ذَلِك ليُقْتَدَى بهم وَتَسْتَنَّ بهم أُمَمُهُم كَمَا قَال ﷺ (لو تعلمون ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي التَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ مَعْنَي آخر لطيفا أشار إليْه بَعْض الْعُلمَاء وَهُو استدعاء محبة اللَّه قَال اللَّه تَعَالَى (إن الله يحب التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) فإحْدَاث الرُّسُل والأنبياء الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة والإنابة والأوْبَة فِي كُلّ حِين اسْتِدْعَاء لِمَحَبَّة اللَّه وَالاسْتِغْفَار فِيه مَعْنَي التَّوْبَة، وَقَد قَال اللَّه لِنَبّيه ﷺ بَعْد أن غَفَر له ما تقدم من ذنبه وَمَا تَأخَّر (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ) الآيَة وَقَال تَعَالَى (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ توابا)
فصل قَد استبان لَك أيُّهَا الناظر مما قررناه مَا هُو الْحَقّ من عصمته صَلَّى الله
_________________
(١) (قوله وقد أمن) بضم الهمزة وكسر الميم المشددة (قوله وقال الحارث) هو الحاسبى - بضم الميم - نسبة إلى محاسبة النفس. (*)
[ ٢ / ١٧٢ ]
عَلَيْه وَسَلَّم عَن الجهل بالله وصفاته أَو كونه عَلَى حالة تنافي الْعِلْم شئ من ذَلِك كله جملة بَعْد النُّبُوَّة عقلًا وإجماعًا وقبلها سماعًا ونقلًا وَلَا بشئ مِمَّا قررناه من أمور الشرع وأداه عَن رَبَّه مِن الْوَحْي قَطْعًا وعقْلًا وشَرْعًا وَعِصْمَتِه عَن الكَذِب وَخُلْف القَوْل مُنْذ نَبَّأه اللَّه وأَرْسَلَه قَصْدًا أَو غَيْر قَصْد وَاسْتِحَالَة ذَلِك عَلَيْه شَرْعًا وَإجْمَاعًا وَنَظَرًا وَبُرْهانًا وتَنْزيهِه عَنْه قَبْل النُّبُوَّة قَطْعًا وَتَنْزِيهِه عَن الكبائر إجْمَاعًا وَعَن الصَّغَائِر تَحْقِيقًا وَعَن اسْتِدَامَة السَّهْو وَالغَفْلَة وَاسْتِمْرَار الغَلَط وَالنّسْيَان عَلَيْه فِيمَا شَرَعَه للأمة وَعَصْمَتِه فِي كُلّ حَالاتِه من رضى وَغَضَب وَجَد وَمَزْح فَيَجب عَلَيْك أَنّ تَتَلقَّاه باليَمِين وَتَشُدّ عَلَيْه يد الضَّنين وَتَقْدُر هَذِه الفُصُول حَقّ قَدْرِهَا وَتَعْلَم عَظِيم قائدتها وَخَطَرها فَإِنّ من يَجْهَل مَا يَجِب لِلنَّبِيّ ﷺ أَو يَجُوز أَو يَسْتَحِيل عَلَيْه وَلَا يَعْرِف صُوَر أحْكَامِه لَا يَأْمن أن يَعْتَقِد فِي بَعْضَهَا خِلَاف مَا هِي عَلَيْه وَلَا يُنَزّهُه عَمَّا لَا يَجِب أن يُضَاف إليْه فَيَهْلِك من حَيْث لَا يَدْرِي وَيَسْقُط فِي هُوَّة الدَّرْك الأسْفَل مِن النَّار إِذ ظَنّ البَاطِل بِه اعْتِقَاد مَا لَا يَجوز عَلَيْه يُحلّ بِصَاحِبِه دَار البَوَار ولهذا مَا احْتَاط ﵇ عَلَى الرَّجُلَيْن اللذين رَأياه لَيْلًا وَهُو مُعْتِكف فِي المَسْجِد مَع صَفِيَّة فَقَال لهما: إنه صَفِيَّة، ثُمّ قَال لهما: إِنَّ الشَيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا فَتَهْلِكَا) * هَذِه أكْرَمَك
اللَّه إحْدَى فوائِد مَا تَكَلَّمْنا عَلَيْه فِي هَذِه الفُصُول وَلعَّل جَاهِلًا لَا يَعْلَم
_________________
(١) (قوله وخطرها) بفتح الخاء والطاء المهملة أي قدرها (قوله فِي هُوَّة الدَّرْك) الهوة العميقة في الصحاح ودركات النار منازل أهلها والنار دركات والجنة درجات والقعر الآخر درك ودرك. (*)
[ ٢ / ١٧٣ ]
فصل في القول في عصمة الملائكة
بِجَهْلِه إذَا سَمِع شَيْئًا مِنْهَا يَرَى أَنّ الْكَلَام فِيهَا جُمْلَة من فُضُول الْعِلْم وَأَنّ السُّكُوت أوْلَى وَقَد اسْتَبَان لَك أنَّه مُتَعَيَّن لِلْفَائِدَة التي ذَكَرْنَاهَا وفائدة ثانية يظطر إِلَيْهَا فِي أُصُول الْفَقْه وَيُبْتَنى عَلَيْهَا مَسَائِل لا تتعد مِن الْفِقْه وَيُتَخَلَّص بها من تشعيب مختلفي الفقهاء فِي عِدَّة مِنْهَا وَهِي الحكم فِي أقوال النَّبِيّ ﷺ وأفعاله وَهُو بَاب عظيم وأصل كَبير من أصول الفقه وَلَا بُد مِن بنائه عَلَى صَدَق النَّبِيّ ﷺ فِي أخباره وبلاغه وَأنَّه لَا يجوز عَلَيْه السَّهْو فِيه وعصمته مِن المخالفة فِي أفعاله عَمْدًا وَبِحَسَب اختلافهم فِي وقوع الصَّغَائِر وَقَع خِلَاف فِي امتثال الفعل بَسْط بَيَانِه فِي كُتُب ذَلِك الْعِلْم فَلَا نُطَوّل بِه وَفَائِدَة ثالِثَة يحتاج إليها الحاكم والمفتي فيمن أضاف إِلَى النَّبِيّ ﷺ شَيْئًا من هَذِه الأمور ووصفه بِهَا فعن لَم يعرف مَا يجوز وَمَا يمتنع عَلَيْه وَمَا وَقَع الإجماع فِيه والخلاف كَيْف يصمم فِي الفتيا فِي ذَلِك وَمِن أَيْن يدري هَل مَا قاله في نقص أَو مدح فإما أَن يجترئ عَلَى سفك دم مُسْلِم حرام أَو يسقط حقا ويضيع حرمة للنَّبِيّ ﷺ؟ وبسبيل هَذَا مَا قَد اخْتُلِف أرْباب الأصُول وأئمة الْعُلمَاء والمحققين فِي عصمة الْمَلَائِكَة
فصل فِي القَوْل فِي عصمة الْمَلَائِكَةِ أجمع الْمُسْلِمُون عَلَى أَنّ الْمَلَائِكَة مؤمنون فضلاء وأتفق أئِمَّة الْمُسْلِمِين أَنّ حُكْم المُرْسَلِين مِنْهُم حُكْم النَّبِيّين سواء فِي العِصْمَة مِمَّا ذَكَرْنَا عِصْمتَهُم مِنْه وَأَنَّهُم فِي حُقُوق الْأَنْبِيَاء والتَّبْلِيغ إِلَيْهِم كالْأَنْبِيَاء مَع الْأُمَم واختلفوا فِي غَيْر الْمُرْسَلِين مِنْهُم فذهبت طائفة إِلَى عصمة جميعهم عَن
[ ٢ / ١٧٤ ]
المعاصي واحتجُّوا بِقَوْلِه تَعَالَى (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وبقوله (وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) وبقوله (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يفترون) وبقوله (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عبادته) الآية، وبقوله (كرام بررة) و(لا يَمَسُّهُ إِلا المطهرون) وَنَحْوَه مِن السَّمْعِيَّات، وذهبت طائفة إن أَنّ هَذَا خُصُوص لِلْمُرْسَلِين مِنْهُم وَالمُقَرَّبِين، واحْتَجُّوا بأشْيَاء ذَكَرَهَا أهْل الْأَخْبَار والتَّفَاسِير نَحْن نَذْكُرُهَا إن شَاء اللَّه بَعْد وتبين الْوَجْه فِيهَا أن شَاء اللَّه، والصواب عصمة جميعهم وتنزيه نصابهم الرفيع عَن جميع مَا يحط من رتبتهم ومنزلتهم عَن جليل مقدارهم ورأيت بَعْض شيوخنا أشَار بأن لَا حاجة بالفقيه إِلَى الْكَلَام فِي عصمتهم.
وَأَنَا أقول إن للكلام فِي ذَلِك مَا للكلام فِي عصمة الْأَنْبِيَاء مِن الْفَوَائِد التي ذَكَرْنَاهَا سوى فائدة الْكَلَام فِي الأقوال والأفعال فهي ساقطة ههنا، فما احْتَجّ بِه من لَم يُوجِب عصمة جميعهم قِصَّة هاروت وماروت وَمَا ذَكَر فيها أهل الْأَخْبَار ونَقَلَة الْمُفَسّرِين وَمَا رُوِي عَن عَلِيّ وَابْن عَبَّاس فِي خبرهِمَا وابْتلائِهِمَا، فاعلم أكْرَمَك اللَّه أَنّ هَذِه الأخْبَار لَم يُرْو منها شئ لَا سَقِيم وَلَا صَحِيح عَن رَسُول اللَّه ﷺ وَلَيْس هُو شَيْئًا يُؤْخَذ بِقِيَاس وَالَّذِي مِنْه فِي الْقُرْآن اخْتَلف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَاه، وَأنْكَر مَا قَال بَعْضُهُم فِيه كَثير مِن السَّلَف كَمَا سنذكره، وهذه الْأَخْبَار من كُتُب اليَهُود وَافْتِرَائِهِم كَمَا نَصَّه اللَّه أَوَّل
الآيات مِن افْتِرَائِهِم بِذَلِك عَلَى سُلَيْمَان وتَكْفِيرِهِم إيَّاه، وَقَد انْطَوَت الْقِصَّة عَلَى شُنَع عَظِيمَة وها نحن نحبر فِي ذَلِك مَا يشكف غِطَاء هَذِه
[ ٢ / ١٧٥ ]
الإشْكَالات إنّ شَاء اللَّه فاخْتُلِف أوَّلًا فِي هَارُوت ومَارُوت هَل هما مَلَكَان أَو إنْسِيَّان، وَهَل هما المُرَاد بَالْمَلَكَيْن أم لَا، وهل القراءة مَلَكَيْن أو ملِكَيْن، وهل مَا فِي قَوْله (وَمَا أنزل) (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد) نافية أو موجية؟ فَأكْثَر الْمُفَسّرِين أَنّ اللَّه تَعَالَى أمْتَحَن النَّاس بِالْمَلَكَيْن لِتَعْلِيم السّحْر وَتَبيينِه وَأن عَمَلَه كُفْر، فَمَن تَعَلَّمَه كَفَر، وَمِن تَرَكَه آمَن، قَال اللَّه تَعَالَى (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) وتعليمهما النَّاس لَه تَعْلِيم إنْذَار أَي يَقُولان لِمَن جَاء يَطْلُب تَعَلُّمَه لَا تَفْعَلُوا كذا فَإنَّه يُفَرَّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجِه وَلَا تَتَخَيَّلُوا بِكَذَا فَإنَّه سِحْر فَلَا تَكْفُرُوا فَعَلَى هَذَا فِعْل الْمَلَكَيْنِ طَاعَة وَتَصَرُّفُهُمَا فِيمَا أمرا بِه لَيْس بِمَعْصِيَة وَهِي لغَيْرِهِمَا فِتَْنَة، وَرَوَى ابن وَهْب عَن خَالِد بن أَبِي عِمْرَان أنَّه ذَكَر عِنْدَه هاروت وماروت وأنهما يُعَلّمَان السّحْر فَقَال نَحْن ننزههما عَن هَذَا فَقَرأ بعضهم (وما أنزل على الملكين) فَقَال خَالِد لَم يُنْزَل عَلَيْهَمَا فَهَذَا خَالِد عَلَى جَلَالَتِه وعلمه نزههما عَن تعليم السحر الَّذِي قَد ذَكَر غَيْرِه انهما مأذون لهما فِي تعليمه بشريطة أن يبيننا أنَّه كفر وَأنَّه امتحان مِن اللَّه وابتلاء، فكيف لَا ينزههما عَن كبائر المعاصي والكفر المذكورة فِي تِلْك الْأَخْبَار، وقوله خَالِد لَم ينزل يريد أَنّ (مَا) نافية وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس، قَال مَكّيّ وتقدير الْكَلَام وَمَا كفر سُلَيْمَان يريد بالسحر الَّذِي افتعلته عَلَيْه الشياطين واتبعهم فِي ذَلِك اليهود وَمَا أنزل عَلَى الملكين، قَال مَكّيّ هما جِبْرِيل وميكائيل ادعى اليهود عليهما المجئ بِه كَمَا ادعوا عَلَى سُلَيْمَان فأكذبهم اللَّه فِي ذَلِك
وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.
ببابل هاروت وماروت:
[ ٢ / ١٧٦ ]
قِيل: هما رَجُلان تعلماه، قَال الْحَسَن: هارُوت ومارُوت علجان من أهل بابل، وقرأ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ بِكَسْر اللَّام وتكون (مَا) إيجَابًا عَلَى هَذَا، وَكَذَلِك قراءة عَبْد الرَّحْمن بن أبزى بكسر اللام، ولكنه قَال الملكان هُنَا دَاوُد وسليمان وتكون (مَا) نفيًا عَلَى مَا تقدم، وَقِيل: كانا ملكين من بَنِي إسرائيل فمسخهما اللَّه، حكاه السَّمْرَقَنْدِيّ والقراءة بكسر اللام شاذة فمحمل الآيَة عَلَى تقدير أَبِي مُحَمَّد مَكّيّ حَسَن ينزه الْمَلَائِكَة ويذهب الرجس عَنْهُم ويطهرهم تطهيرا وَقَد وصفهم اللَّه بأنهم مطهرون و(كِرَامٍ بَرَرَةٍ) و(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) ومما يذكرونه قِصَّة إبليس وَأنَّه كَان مِن الْمَلَائِكَة ورئيسا فبهم ومِن خزان الْجَّنة إِلَى آخر مَا حكوه وَأنَّه استثناه مِن الْمَلَائِكَة بِقَوْلِه (فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ) وَهَذَا أيْضًا لَم يتفق عَلَيْه بَل الأكثر ينفون ذَلِك وَأنَّه أَبُو الجن كَمَا آدَم أو الإنس وهو قوله الْحَسَن وقتادة وَابْن زَيْد، وَقَال شهر بن حوشب كَان مِن الجِنّ الَّذِين طَرَدَتْهُم الْمَلَائِكَة فِي الْأَرْض حِين أفْسَدُوا، وَالاسْتثْنَاء من غَيْر الجنْس شَائع فِي كَلَام الْعَرَب سائغ وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) ومما رووه في الْأَخْبَار أَنّ خلقًا مِن الْمَلَائِكَة عصوا اللَّه فحرقوا وأمروا أَنّ يسجدوا لآدم فأبوا فحرقوا ثُمّ أخرون كَذَلِك حَتَّى سجد لَه من ذَكَر اللَّه إلَّا إبليس فِي أخبار لَا أصل لَهَا تردها صحاح الْأَخْبَار فَلَا يشتغل بِهِا والله أعلم
_________________
(١) (قوله علجان) العلج بكسر العين المهملة وسكون اللام بعدها جيم: الرجل من كفار العجم وغيرهم (قوله أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفى آخره الف مقصورة اختلف في صحبته (قوله ابن حوشب) بفتح الهاء المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة بعدها موحدة (١٢ - ٢) (*)
[ ٢ / ١٧٧ ]
الْبَاب الثاني فيما يخصهم فِي الأمور الدنيوية وَمَا يطرأ عَلَيْهِم مِن العوارض البشرية
قَد قَدَّمْنَا أنَّه ﷺ وَسَائِر الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل مِن البشر وَأَنّ جسمه وظاهره خالص للبشر يجوز عليه من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام وتجزع كأس الحمام مَا يجوز عَلَى البشر وَهَذَا كله لَيْس بنقيصة فِيه لِأَنّ الشئ إنَّمَا يسمى ناقصًا بالإضافة إِلَى مَا هُو أتم مِنْه وأكمل من نوعه وَقَد كَتَب اللَّه تَعَالَى عَلَى أَهْل هَذِه الدار فِيهَا يحيون وفيها يموتون وَمِنْهَا يخرجون وخلق جميع البشر بمدرجة الغير فَقَد مرض ﷺ واشتكى وأصابه الحر والقر وأدركه الجوع والعطش ولحقه الغضب والضجر وناله الإعياء والتعب ومسسه الضعف والكبر وسقط فجحش شقه وشجه الكفار وكسروا رباعيته وسقي السم وسحر وتداوى واحتجم وتنشر وتعوذ ثُمّ قضى نحبه فتوفي ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى وتخلص من دَار الامْتِحَان وَالبَلْوَى وَهَذِه سِمَات البَشَر
_________________
(١) (قوله بمدرجة الغير) المدرجة بفتح الميم وسكون الدال: المذهب والمسلك، والغير بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة التحتية: الاسم من قولك غيرت الشئ فتغير (قوله فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة: أي خدش (قوله السم) بتثليث السين والأفصح فتحها ويليه بضم (قوله وتنشر) من النشرة وهى الرقية والتعويذ (قوله بالرفيق الأعلى) قال ابن الأثير وهو الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون وقيل هو مرتفق الجنة، وقيل الرفيق الأعلى: الله تعالى لأنه رفيق بعباده وقال ابن قرقول: أهل اللغة لا يعرفون هذا، ولعله تصحيف من الرفيع (*)
[ ٢ / ١٧٨ ]
التي لَا مَحِيص عَنْهَا وَأَصَاب غَيْرِه مِن الْأَنْبِيَاء مَا هُو أَعْظَم مِنْه فَقُتّلُوا قَتْلًا وَرُمُوا في النار ونشروا بالْمَنَاشِير وَمِنْهُم من وَقَاه اللَّه ذَلِك فِي بَعْض الأوْقَات وَمِنْهُم من عَصَمَه كَمَا عُصِم بَعْد نَبِيُّنَا مِن النَّاس فَلَئِن لَم يَكْف نَبَيَّنَا رَبَّه يَد ابن قَمِئَة يَوْم أُحُد وَلَا حَجَبَه عَن عُيُون عِدَاه عِنْد دَعْوَتِه أَهْل الطَّائِف فَلَقَد أَخَذ عَلَى عُيون قُرَيْش عِنْد خُرُوجِه إِلَى ثَوْر وَأمْسَك عَنْه سَيْف غَوْرَث وَحَجَر أَبِي جَهْل وَفَرَس سُرَاقَة وَلَئِن لَم يَقِه من سِحْر ابن الأعْصَم فلقد وَقَاه مَا هُو أعْظَم من سَمّ اليَهُودِيَّة وهكذا سَائِر أنْبِيَائِه مُبْتَلى وَمُعَافى وَذَلِك من تَمَام حِكْمَتِه لِيُظْهِر شَرَفَهُم فِي هَذِه المَقَامَات وَيُبَيَّن أمْرَهُم وَيُتِمّ كَلِمَتَه فِيهِم وَلِيُحَقَّق بامْتِحَانِهِم بَشَرِيَّتَهُم وَيَرْتَفِع الالْتِبَاس عَن أَهْل الضعف فِيهِم لئلًا يَضلُّوا بِمَا يَظْهَر مِن العَجَائِب عَلَى أيديهم ضَلَال النصاري بِعِيسَى ابن مَرْيَم وليكون فِي محنهم تسلية لأممهم ووفور لأجورِهِم عِنْد ربهم تَمَامًا عَلَى الَّذِي أحسن إِلَيْهِم، قَال بَعْض المُحَقَّقِين وهذه الطوارى وَالتَّغْييرَات المَذْكُورَة إنَّمَا تَخْتَصّ بِأجْسَامِهِم الْبَشَريَّة المقصود بِهَا مُقَاومَة البشر ومعناة بَنِي آدَم لمُشَاكَلة الجِنْس وَأَمَّا بوَاطِنُهُم فمنزهه غالبًا عَن ذَلِك معصومة منه متعلقة بالملإ الأعْلَى وَالْمَلَائِكَة لأخْذِهَا عَنْهُم وَتَلَقّيهَا الوَحْي مِنْهُم قال وقد قال ﷺ (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) وَقَال (إِنِّي لَسْتُ كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) وَقَالَ (لَسْتُ
أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِيُسْتَنَّ بِي) فَأخْبَر أَنّ سِرَّه وَباطِنَه وروحه خلاف جسمه وظاهره وَأَنّ الآفات التي تحل ظاهرة من ضعف وجوع وسهر
_________________
(١) (قوله ووشروا) يقال أشرت الخشبة إشراء ووشرتها وشرا: إذا شققتها، مثل نشرتها، والمئشار بالهمزة: المنشار بالنون، وقد تترك الهمزة (*)
[ ٢ / ١٧٩ ]
فصل فإن قلت فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه ﷺ سحر
ونوم لَا يحل منها شئ باطنه بخلاف غَيْرِه مِن البشر فِي حكم الباطن لِأَنّ غَيْرِه إذَا نَام اسْتَغْرَق النَّوْم جِسْمَه وَقَلْبَه وَهُو ﷺ فِي نَوْمِه حَاضِر القَلْب كَمَا هُو فِي يَقْظَتِه حَتَّى قَد جاء فِي بَعْض الآثار أنَّه كَان مَحْرُوسًا مِن الحدث فِي نَوْمِه لِكَوْن قَلْبه يَقْظَان كَمَا ذَكَرْنَاه وَكَذَلِك غَيْرِه إذَا جَاع ضَعُف لِذَلِك جِسْمُه وَخَارَت قُوَّتُه فَبَطَلَت بِالْكُلّيَّة جُمْلَتُه وَهُو ﷺ قد أخْبَرَ أنَّهُ لَا يَعْتَرِيه ذَلِك وَأنَّه بِخِلَافِهِم لِقَوْلِه (إِنِّي لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني رَبِّي وَيَسْقِينِي وَكَذَلِك أقُول إنَّه فِي هَذِه الأحوال كُلّهَا من وَصَب وَمَرَض وَسِحْر وَغَضَب لَم يَجْر على بَاطِنِه مَا يُخلّ بِه وَلَا فَاض مِنْه عَلَى لِسَانِه وَجَوَارِحِه مَا لَا يَلِيق بِه كَمَا يَعْتَري غَيْرِه مِن البَشَر مِمَّا نَأْخُذ بَعْد فِي بَيَانِه
فصل فَإِنّ قُلْت فَقَد جَاءَت الْأَخْبَار الصحيحة أنَّه ﷺ سُحِر كَمَا حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو محمد العتابي بقراءتي عَلَيْهِ قَالَ نَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَلَفٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ نا الْبُخَارِيُّ نا عبيد ابن إِسْمَاعِيلَ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فعل الشئ وَمَا فَعَلَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ (الْحَدِيث) وَإذَا كَان هَذَا مِن الْتِبَاس الأمْر عَلَى المَسْحُور
_________________
(١) (قوله وخارت) بالخاء المعجمة: أي ضعفت (قوله من وصب) بفتح الواو والصاد المهملة: أي مرض (*)
[ ٢ / ١٨٠ ]
فَكَيْف حَال النَّبِيّ ﷺ فِي ذَلِك وَكَيْف جَاز عَلَيْه وَهُو مَعْصُوم؟ فاعلم وفقنا اللَّه وَإيَّاك أَنّ هَذَا الْحَدِيث صحيح متفق عَلَيْه وَقَد طَعَنَت فِيه المُلْحِدَة وَتَدَرَّعت بِه لِسُخْف عُقُولِهَا وتَلْبِيسِهَا عَلَى أمْثَالهَا إِلَى التَّشْكيك فِي الشَّرْع وَقَد نَزَّه اللَّه الشَّرْع وَالنَّبِيّ عَمَّا يُدْخِل في أمْره لَبْسًا وَإِنَّمَا السَّحْر مرض مِن الأمْرَاض وعَارِض مِن العِلَل يَجُوز عَلَيْه كأنْواع الأمْرَاض مِمَّا لَا يُنَكَر وَلَا يَقْدَح فِي نُبُوَّتِه * وَأَمَّا مَا وَرَد أنَّه كَان يُخَيَّل إليْه أنَّه فَعَل الشئ وَلَا يَفْعَلُه فَلَيْس فِي هَذَا مَا يُدْخل عَلَيْه دَاخِلَة في شئ من تَبْلِيغِه أَو شَرِيعَتِه أو يَقْدَح فِي صدْقِه لِقِيام الدّلِيل والإجْماع عَلَى عِصْمتَه من هَذَا وإنما هَذَا فِيمَا يَجُوزُ طُرُوُّهُ عَلَيْه فِي أمْر دُنْيَاه التي لَم يُبْعَث بِسَبَبِها وَلَا فُضل من أجْلِهَا وَهُو فِيهَا عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أن يخيل إليْه من أمورها مَا لَا حقيقة لَه ثُمّ ينجلي عَنْه كَمَا كَان وأيضا فَقَد فَسَر هذا الفضل الْحَدِيث الآخَر من قَوْلِه (حَتَّى يُخَيَلَ إِلَيْهِ أنى يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِيهِنَّ) وَقَد قَال سُفْيَان: هَذَا أشَدّ مَا يَكُون مِن السّحْر وَلَم يَأت في خير منها أنه نقبل عَنْه فِي ذَلِك قَوْل بِخِلَاف مَا كَان أخْبَر أنَّه فَعَلَه ولم يَفْعَلْه وَإِنَّمَا كَانَت خَوَاطِر وَتَخْييلات.
وَقَد قِيل إنّ المُرَاد بالحديث أنَّه كَان يَتَخَيّل الشئ أنَّه فَعَلَه وَمَا فَعَلَه لكنه تَخْيِيل لَا يَعْتَقِد صِحَّتَه فَتَكُون اعْتِقَادَاتُه كلها عَلَى السداد وأقْوَالُه عَلَى الصّحَّة، هَذَا مَا وَقَفْت عَلَيْه لأئِمَّتِنَا مِن الأجْوبَة عَن هَذَا الْحَدِيث مَع
مَا أوْضَحْنَا من مَعْنَي كلامهم وَزِدْنَاه بَيَانًا من تَلْوِيحَاتِهِم وَكُلّ وَجْه مِنْهَا مُقْنِع لكنه قَد ظَهَر لِي فِي الْحَدِيث تَأْوِيل أجْلَى وأبْعَد من مطاعن
_________________
(١) (قوله وتدرعت) أي لبست الدرع (*)
[ ٢ / ١٨١ ]
ذَوِي الأضَالِيل يُسْتَفَاد من نَفْس الْحَدِيث وَهُو أَنّ عَبْد الرَّزَّاق قَد رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَن ابن الْمُسَيّب وعروة بن الزُّبَيْر، وَقَال فِيه عَنْهُمَا سَحَرَ يَهُودُ بَنِي زُرَيْقٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلُوهُ فِي بِئْرٍ حَتَّى كَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنْكِرَ بَصَرَهُ ثُمَّ دَلَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا صَنَعُوا فَاسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْبِئْرِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الْوَاقِدِيّ وَعَن عَبْد الرَّحْمن بن كَعْب وعمر بن الحكم وَذَكَر عَن عَطَاء الخُرَاسَانِيّ عَن يَحْيَى بن يَعْمَر حُبِسَ رَسُولُ الله ﷺ عن عَائِشَةَ سَنَةً فَبَيْنَا هُوَ نَائِمٌ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عند رَأْسِهِ وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ (الْحَدِيثَ)، قَال عَبْد الرَّزَّاقِ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ خَاصَّةً سَنَةً حَتَّى أَنْكَرَ بَصَرَهُ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْد عَن ابن عَبَّاس مَرِض رَسُول اللَّه ﷺ فَحُبِس عَن النّسَاء والطَّعام وَالشَّرَاب فَهَبَط عَلَيْه مَلَكَان وَذَكَر الْقِصَّة، فَقَد اسْتَبَان لَك من مَضْمُون هذه الروايات أَنّ السّحْر إنَّمَا تَسَلَّط عَلَى ظَاهِرِه وَجوَارِحه لَا عَلَى قَلْبِه وَاعْتِقَادِه وَعَقْلِه وَأنَّه إنَّمَا أثَّر فِي بَصَرَه وَحَبَسَه عَن وَطء نِسَائِه وطَعَامِه وأضْعَف جِسْمَه وأمْرَضَه وَيَكُون مَعْنَي قَوْلِه: يُخَيَّل إليْه أنَّه يأْتي أهْلَه وَلَا يَأْتِيهِنّ، أَي: يَظْهَر لَه من نَشَاطِه وَمُتَقَدّم عَادَتِه القُدْرَة عَلَى النّسَاء فإذا دَنا مِنْهُنّ أصَابَتْه أُخْذَه السَّحْر فَلَم يَقْدِر عَلَى إتْيَانِهِنّ كَمَا يعتري من أُخِذ واعْتُرض، ولعله لِمثْل هَذَا أشار سُفْيَان بِقَوْلِه: وَهَذَا أشد مَا يكون
_________________
(١) (قوله عطاء الخراساني) هو ابن أبى مسلم مولى المهلب بن أبى صفرة (قوله ابن يعمر) بفتح أوله وضم ثالثه (قوله أتاه ملكان) في سيرة الدماطى أنهما جبريل وميكائيل (قوله أخذة السحر (بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة بعدها ذال معجمة، في الصحاح الأخذة بالضم رقية السحر وخرزة تؤخذ النساء بها الرجال من التأخيذ (*)
[ ٢ / ١٨٢ ]
فصل هذا حاله في جسمه
مِن السحر وَيَكُون قوله عَائِشَة فِي الرّوَايَة الْأُخْرَى إنَّه لِيُخَيَّل إليْه أنه فعل الشئ وَمَا فَعَلَه من باب اما اخْتَلّ من بَصَرَه كَمَا ذُكِر فِي الْحَدِيث فَيَظُنّ أنَّه رَأَى شَخْصًا من بَعْض أزْوَاجِه أَو شَاهَد فِعْلًا من غَيْرِه وَلَم يَكُن على ما يخيل إليْه لَمّا أصَابَه في بصره وضعف نظره لا لشئ طرأ عليه في ميزه وإذا كان هذا لَم يَكُن فِيمَا ذَكَر من إصابة السحر لَه وتأثيره فِيه مَا يُدخل لبسا وَلَا يجد بِه الملحد المعترض أُنْسًا
فصل هَذَا حَالُه فِي جِسْمِه، فأمَّا أحْوَالُه فِي أُمُور الدنيا فنحن نَسْبِرُهَا عَلَى أسلوبها المتقدم بالعقد والقول والفعل، أَمَّا العَقْد مِنْهَا فَقَد يَعْتَقِد فِي أُمُور الدنيا الشئ عَلَى وَجْه وَيْظَهر خِلافُه أَو يَكُون مِنْه عَلَى شَكّ أَو ظَنّ بخلاف أُمُور الشَّرْع كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ سَمَاعًا وَقِرَاءَةً قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، قَال حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَمْرَوَيْهِ حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ وَعَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ وَأَحْمَدُ الْمَعْقِرِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا رَافِعُ
_________________
(١) (قوله في ميزه) بفتح الميم وسكون المثناة التحتية بعدها زاى وهاء للضمير أي تمييزه وإفرازه (قوله نسبرها) بنون في أوله مفتوحة أو مضمومة وسين مهملة ساكنة بعدها موحدة يقال سبرته وأسبرته أي حزبته وجربته (قوله وعباس العنبري) عباس بباء موحدة وسين مهملة هو ابن عبد المنعم ابن اسماعيل بن نوبة (قوله المعقرى) بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف، ويقال أيضا بكسر الميم وفتح القاف ويقال أيضا بضم الميم وفتح العين وكسر القاف المشددة: منسوب إلى معقرة، ناحية باليمن (قوله أبو النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم والشين المعجمة: هو عطاء بن صهيب يروى عن مولاه رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ويروى عنه الأوزاعي وغيره (*)
[ ٢ / ١٨٣ ]
ابن خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُأَبِّرُونَ النَّخْلَ فَقَالَ: (مَا تَصْنَعُونَ؟) قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: (لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا) فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أمرتكم بشئ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بشئ من رأى فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ (إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظنا فلا تؤاخذني بِالظَّنِّ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْخَرْصِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ وَمَا قُلْتُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أخطئ وَأُصِيبُ) وَهَذَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاه فِيمَا قاله من قِبَل نَفْسِه فِي أُمُور الدُّنْيَا وظنه من أحوالها لَا مَا قاله من قَبْل نفسه واجتهاده فِي شرع شرعه وسنة سنها وكما حكى ابن إسحاق إنَّه ﷺ لَمَّا نَزَلَ بأدنى مياه بدر قَال لَه الحباب ابن المنذر: أهذا منزل أنزلكه اللَّه لَيْس لَنَا أَنّ نتقدمه أم هُو الرأي والحرب والمكيدة؟ قَال (لَا بَل هُو الرَّأي والْحَرْب والمكيدة) قَال فَإنَّه لَيْس بِمَنْزِل، أنْهَض حَتَّى نَأْتِي أدْنى ماء من القوم فننزله ثُمّ نَغَوَّر مَا وراءه
_________________
(١) (قوله ابن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وفى آخره جيم (قوله يأبرون) بموحدة مخففة قبل الراء، وفى رواية الطبري يؤبرون بهمزة مفتوحة وموحدة مشددة (قوله فنفضت) بنون وفاء وضاد معجمة أي أسقطت حملها، قال ابن قرقول مَا عَدَا هَذَا الرواية تصحيف (قوله الخرص) بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها صاد مهملة: أي الحزر والتقدير (قوله الحباب) بضم الحاء المهملة وبموحدتين (قوله حتى تعور) بالعين المهملة أو المعجمة وتشديد الواو، قال السهيلي بضم العين المهملة وسكون الواو، قال وقد جاء على لغة من يقول قول القول وبوع للباع انتهى وقال الحافظ المرى تعوير القلب - بالعين المهملة - إفساده وتغويره بالمعجمة - إزالة المأمنة وَلَيْس هَذَا من مقدور البشر بخلاف الأول (*)
[ ٢ / ١٨٤ ]
فصل وأما ما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه
مِن القَلْب فَنَشْرَب وَلَا يَشْرَبُون، فَقَال (أشَرْت بالرَّأْي) وفعل مَا قاله، وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى لَه ﷺ (وَشَاوِرْهُمْ في الأمر) وأراد مصالحة بَعْض عدوه عَلَى ثلث تمر الْمَدِينَة فاستشار الْأَنْصَار فَلَمّا أخبروه برأيهم رجع عَنْه، فمثل هَذَا وأشباهه من أمور الدُّنْيَا التي لَا مدخل فِيهَا لعلم ديانة وَلَا اعتقادها وَلَا تعليمها يجوز عَلَيْه فِيهَا مَا ذكرناه، إِذ لَيْس فِي هَذَا كله نقيصة وَلَا محطة وَإِنَّمَا هِي أُمُور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بِهَا وَالنَّبِيّ ﷺ مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة مقيد البال بمصالح الْأُمَّة الدينية والدنيوية وَلَكِن هَذَا إنَّمَا يَكُون فِي بَعْض الأمور ويجوز في النادر وَفِيمَا سبيله التدقيق فِي حراسة الدُّنْيَا واستثمارها لَا فِي الكثير المؤذن بالبله والغفلة وَقَد تواتر بالنقل عَنْه ﷺ مِن المعرفة بأمور الدُّنْيَا ودقائق مصالحها وسياسة فرق أهلها مَا هُو معجز فِي البَشر مِمَّا قَد نبهنا عَلَيْه فِي باب معجزاته من هَذَا الْكِتَاب.
فصل وَأَمَّا مَا يعتقده فِي أمور أحكام البشر الجارية عَلَى يديه وقضاياهم ومعرفة المحق مِن المبطل وعلم المصلح مِن المفسد فبهذه السبيل لِقَوْلِه ﷺ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أسمع،
_________________
(١) (قوله ألحن بحجته) في الصحاح اللحن - بالتحريك - الفطنة وقد لحن وفى الحديث (ولعل أحدكم ألحن بحجته) أي أفطن بها، ومنه قَوْل عُمَر بن عبد العزيز: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم فاطنهم انتهى (*)
[ ٢ / ١٨٥ ]
فَمَنْ قَضيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بشئ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) * حَدَّثَنَا الْفَقِيه أَبُو الْوَلِيد ﵀ حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو عُمَر حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن كثير أَخْبَرَنَا سُفْيَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أبيه عن زَيْنَبَ بِنْت أُمّ سَلَمَة عَن أم سَلَمَة قَالَت قَال رَسُول اللَّه ﷺ (الْحَدِيث) وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة) فَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِيَ لَهُ) ويُجْري أحْكَامَه ﷺ عَلَى الظَّاهِر وَمُوجَب غَلبَات الظَّنّ بِشِهَادَة الشَّاهِد وَيَمين الحَالف وَمُراعَاة الأشْبَه وَمَعْرِفَة العْفَاص وَالْوِكَاء مَع مُقْتَضَى حِكْمَة اللَّه فِي ذَلِك فَإنَّه تَعَالَى لَو شَاء لأطْلَعَه عَلَى سَرَائِر عِبَادِه وَمُخَبّآت ضَمَائر أُمَّتِه فَتَولَّى الحُكْم بَيْنَهُم بِمُجَرَّد يَقِينِه وَعِلْمِه دون حَاجَة إِلَى اعْتِرَاف أَو بَيَّنَة أَو يَمِين أَو شُبْهَة وَلَكِن لَمّا أمَر اللَّه أمَّتَه باتباعه والاقتداء بِه فِي أفْعَالِه وَأحْوَالِه وَقَضَايَاه وَسِيَرِه وَكَان هَذَا
لَو كَان مِمَّا يَخْتَصّ بِعِلْمِه وَيُؤْثِرُه اللَّه بِه لَم يَكُن للْأُمَّة سَبِيل إلى الاقْتِدَاء بِه فِي شئ من ذَلِك وَلَا قَامَت حُجَّة بِقَضِيَّة من قَضَايَاه لأحد فِي شَرِيعته لأنَّا لَا نَعْلَم مَا أُطْلِع عَلَيْه هُو فِي تِلْك الْقَضِيَّة بحكْمِه هُو إذَا في ذلك
_________________
(١) (قوله ابن كثير) هو بفتح الكاف وكسر المثلثة (قوله العفاص) بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء وفى آخره صاد مهملة: هو الوعاء الذى يكون فيه الشئ وفيه عفاص القارورة للجلد أي بلبسه رأسها (قوله والوكاء) بكسر الواو والمد هو الخيط الذى يشد به الوعاء، ثم استعمل فِي كُلّ مَا يربط به: صرة أو غيرها (*)
[ ٢ / ١٨٦ ]
فصل وأما أقواله الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره
بالمكنون مِن إعلام اللَّه لَه بِمَا أطلعه عَلَيْه من سرائرهم وَهَذَا مَا لَا تَعْلَمُه الأمة فأَجْرَى اللَّه تَعَالَى أحْكامَه عَلَى ظَوَاهِرِهِم التي يَسْتَوي فِي ذَلِك هُو وَغَيْرُه مِن الْبَشَر ليُتِمّ اقْتَداء أمَّتَه بِه فِي تَعْيين قَضَايَاه وَتَنْزِيل أحْكامِه ويأْتُون ما أتَوْا من ذَلِك عَلَى عِلْم وَيَقِين من سُنّتِه، إِذ الْبَيَان بالْفِعْل أوْقَع مِنْه بالقَوْل وأرفع الاحتمال اللَّفْظ وتأويل المُتَأوَّل وَكَان حُكْمُه عَلَى الظَّاهِر أجْلى فِي البَيَان وَأوْضَح فِي وُجُوه الأحْكَام وَأكْثَر فائِدَة لِمُوجِبَات التَّشَاجُر والخِصَام وَلِيقْتَدِي بِذَلِك كله حُكَام أمَّتَه ويُسْتَوْثَق بِمَا يُؤْثَر عَنْه ويَنْضَبِط قَانُون شَرِيعتِه وَطيّ ذَلِك عَنْه من عِلْم الغَيْب الَّذِي اسْتَأْثَر بِه عَالِم الغَيْب فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبِه أحَدًا إلَّا من ارْتَضَى من رَسُول فيعلمه مِنْه بما شاء ويستأثر بِمَا شَاء وَلَا يقدح هَذَا فِي نبوته وَلَا يفصم عُرْوَة من عصمته
فصل وَأَمَّا أقواله الدنيوية من أخباره عَن أحواله وأحوال غَيْرِه وَمَا يَفْعَلُه أَو فعله فَقَد قدمنا أَنّ الخُلْف فِيهَا ممتنع عَلَيْه فِي كُلّ حال وَعَلَى أي وجه من عمد أَو سهو أَو صحة أَو مرض أَو رَضِي أَو غضب وَأنَّه معصوم مِنْه ﷺ.
هَذَا فِيمَا طريقه الخبر المحض مِمَّا يدخله الصدق والكذب فأما المعاريض الموهم ظاهرها خِلَاف باطنها فجائز ورودها مِنْه فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة لَا سِيَّمَا لِقَصْد المَصْلَحَة كَتَوْريَته عَن وَجْه
_________________
(١) (قوله بما أتوا) بقصر الهمزة أي بما جاؤا (قوله ولا يفصم) بالفاء والصاد المهملة: من فصم الشئ كسره من غير أن بين (*)
[ ٢ / ١٨٧ ]
مَغَازيِه لِئَلًا يأْخُذ العَدُوّ حذّرَه وكما رُوِي من ممازَحِتِه وَدُعَابَتِه لِبَسْط أمَّتَه وتطبيب قُلُوب الْمُؤْمِنين من صَحَابِتِه وتأْكِيدًا فِي تَحَبُّبِهم وَمَسَرَّة نُفُوسِهِم كَقَوْلِه لأَحْمِلَنَّكَ عَلَى ابْنِ النَّاقَةِ وَقَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا: (أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ؟) وَهَذَا كُلُّه صِدْق لِأَنّ كُلّ جمَل ابن ناقة وَكُلّ إنْسَان بِعَيْنِه بَيَاض؟) وَقَد قَال ﷺ (إِنِّي لأَمْزَحُ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًا، هَذَا كُلُّه فِيمَا بابُه الخَبَر * فَأَمَّا مَا بابُه غَيْر الخَبَر مِمَّا صُورَتُه صُورَة الأمْر وَالنَّهْي فِي الْأُمُور الدُّنْيَويَّة فَلَا يَصِحّ مِنْه أيْضًا وَلَا يَجُوز عليه أن يأمرا أحدا بشئ أَو يَنْهي أحدًا عن شئ وَهُو يُبْطِن خلافه وَقَد قَال ﷺ (مَا كان لنبي أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ) فَكَيْفَ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ قَلْبٍ؟ فَإِنْ قلت فما معني قوله تعالى في قِصَّةِ زَيْدٍ (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زوجك) الآية؟ فاعْلَم أَكْرَمَك اللَّه وَلَا تَسْتَرِب فِي تَنْزِيه النَّبِيّ ﷺ عَن هَذَا الظَّاهِر وأن يَأْمُر زَيْدًا بإمْسَاكِهَا وَهُو يُحبّ تَطْليقَه إيَّاهَا كما ذُكِر عَن جَمَاعَة مِن الْمُفَسّرِين وَأصَحّ مَا فِي هَذَا مَا حَكَاه أَهْل التَّفْسير عَن عَلِيّ بن حسين أَنّ اللَّه تَعَالَى كَان أَعْلَم نَبِيَّه أن زَيْنَب سَتَكُون من أزَوَاجِه فَلَمّا
_________________
(١) (قوله ودعابته) بضم الدال المهملة أي مزاحه (قوله لأَحْمِلَنَّكَ عَلَى ابْنِ الناقة) هو بكسر الكاف خطاب لحاضنته أم أيمن لما روى سعد بإسناده أن أم أيمن جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت احملني قال (احملك على ولد الناقة) فقالت إليه إنه لا يطيقني. فقال (لا أحملك إلا على ولد الناقة والإبل كلها ولد النوق) (قوله خائنة الأعين) قال ابن الصلاح في مشكله قيل هي الإيماء بالعين وقيل مفارقة النظر (قوله في قصة زيد) هو ابن حارثة مَوْلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وجهه في غزوة مؤنة (قوله أن زينب) هي بنت جحش وفى أزواجه ﵇ زينب أخرى بنت (*)
[ ٢ / ١٨٨ ]
شَكَاهَا إليْه زيد قَال لَه (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) وأخْفَى مِنْه فِي نَفْسِه ما أعلمه الله به من أنه يتزوجها بما اللَّه مُبْديِه وَمُظْهِرُه بِتَمَام التَّزْوِيج وَطَلَاق زَيْد لَهَا، وَرَوَى نحو عَمْرو بن فائِد عَن الزُّهْرِيّ قَال نَزَل جِبْرِيل عَلَى النَّبِيّ ﷺ يُعْلِمُه أَنّ اللَّه يُزَوَّجُه زَيْنَب بِنت جَحْش فَذَلِك الَّذِي أخْفَى فِي نَفْسِه، ويُصَحَّح هَذَا قَوْل الْمُفَسّرِين فِي قَوْلِه تَعَالَى بَعْد هَذَا (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) أي لَا بُدّ لَك أن تَتَزَوَّجَهَا، وَيُوضِح هَذَا أَنّ الله لَم يُبْد من أمْرِه معها غَيْر زَوَاجِه لَهَا، فَدَلّ أنَّه الَّذِي أخْفَاه ﷺ مِمَّا كَان أعْلَمَه بِه تَعَالَى وَقَوْلُه تَعَالَى فِي الْقِصَّة: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ الله) الآيَة، فَدَلّ أنَّه لَم يَكُن عَلَيْه حرج فِي الأمر، قَال الطَّبَرِيّ مَا كَان اللَّه ليؤثم نبيه فِيمَا أحل لَه مثال فعله لمن قبله مِن الرُّسُل، قَال اللَّه تَعَالَى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) أي مِن النَّبِيّين فِيمَا أحل لَهُم وَلَو كَان عَلَى مَا رُوِي فِي حَدِيث قَتَادَة من وُقُوعهَا من قَلْب النَّبِيّ ﷺ عِنْد مَا أعْجَبَتْه ومحبته طلاق زيد لَهَا لكان فِيه أعظم الحرج وَمَا لَا يليق بِه من مد عَيْنَيْه لَمّا
نُهِي عَنْه من زهرة الحياة الدُّنْيَا ولكان هَذَا نفس الحسد المذموم الَّذِي لَا يرضاه وَلَا يتسم بِه الأتقياء، فكيف سَيّد الْأَنْبِيَاء؟ قَال الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النَّبِيّ ﷺ وبفضله وكيف يقال رآها فأعجبته وَهِي بِنْت عمته وَلَم يزل يراها
_________________
(١) خريمة تزوجها فِي شَهْرِ رَمَضَانَ على رأس أخذ وثلاثين شهرا من الهجرة ومكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت ودفنت بالبقيع (قوله ابن فائد) بالفاء وكذا ذكره ابن ماكولا (قوله وَهِي بِنْت عمته) لأن أمها أمية بنت عبد المطلب (*)
[ ٢ / ١٨٩ ]
مُنْذ ولدت وَلَا كَان النّسَاء يحتجبن مِنْه ﷺ وَهُو زوجها لزيد؟ وَإِنَّمَا جَعَل اللَّه طلاق زيد لَهَا وتزويج النَّبِيّ ﷺ إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كَمَا قَال: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) * وقال (لكيلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ)، وَنَحْوَه لابن فورك، وَقَال أَبُو اللَّيْث السَّمْرَقَنْدِيّ فَإِنّ قِيل فَمَا الفائدة فِي أمر النَّبِيّ ﷺ لِزَيْد بإمْسَاكِهَا فَهُو أَنّ اللَّه أَعْلَم نبيه أنَّهَا زوجته فنهاه النَّبِيّ ﷺ عَن طلاقها إِذ لَم تكن بَيْنَهُمَا ألفة وأخفى فِي نفسه مَا أعلمه اللَّه بِه فَلَمّا طلقها زيد خشي قَوْل النَّاس يتزوج امْرَأَة ابنه فأمره اللَّه بزواجها ليُبَاح مِثْل ذَلِك لأمته كما قال تعالى (لكيلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) وَقَد قِيل كَان أمره لزيد بإمساكها قمعًا للشهوة وردًا للنفس عَن هواها وهذا إذا جوزنا عَلَيْه أنَّه رآها فجأة واستحسنها ومثل هَذَا لَا نكرة فِيه لَمّا طبع عَلَيْه ابن آدَم مِن استحسانه الْحَسَن ونظرة الفجأة معفو عنها ثُمّ قمع نفسه عَنْهَا وأمر زيدًا بإمساكها وَإِنَّمَا تنكر
تِلْك الزيادات الَّتِي فِي الْقِصَّة والتعويل والأولى مَا ذكرناه عَن عَلِيّ بن حسين وحكاه السَّمْرَقَنْدِيّ وهو قول ابن عَطَاء واستحسنه الْقَاضِي الْقُشَيْرِيّ وعليه عول أَبُو بَكْر بن فورك وَقَال إنَّه مَعْنَي ذَلِك عِنْد المحققين من أَهْل التَّفْسِير، قَال وَالنَّبِيّ ﷺ منزه عَن استعمال النفاق فِي ذَلِك وإظهار خِلَاف مَا فِي نفسه وَقَد نزهه اللَّه عَن ذَلِك بِقَوْلِه تَعَالَى (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهَ لَهُ) قَالَ ومن ظن ذَلِك
_________________
(١) (قوله فجأة) بفتح الفاء وسكون الجيم بعدها همزة. وبضم الفاء وفتح الجيم والمد (*)
[ ٢ / ١٩٠ ]
فصل فإن قلت قد تقررت عصمته ﷺ
بالنبي ﷺ فَقَد أخطأ قَال وَلَيْس مَعْنَي الخشية هُنَا الخوف وَإِنَّمَا مَعْنَاه الاستحياء أَي يستحيي مِنْهُم أَنّ يقولوا تزوج زَوْجَة ابنه وَأَنّ خشيته ﷺ مِن النَّاس كَانَت من إرجاف المنافقين واليهود تشغيبهم عَلَى الْمُسْلِمِين بقولهم تزوج زَوْجَة ابنه بَعْد نهيه عَن نكاح حلائل الأبناء كَمَا كَان فَعتَبَه اللَّه عَلَى هَذَا ونَزَّهَه عَن الالْتِفَات إِلَيْهِم فِيمَا أحَلّه لَه كَمَا عَتَبَه عَلَى مُرَاعَاة رَضِي أزواجه في سورة التحريم بقوله: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) الآيَة، كَذَلِك قَوْله: لَه ههُنَا (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أن تخشاه) وَقَد رُوِي عَن الْحَسَن وعائشة: لَو كَتَم رَسُول اللَّه ﷺ شَيْئًا لَكَتم هذا الآيَة لَمّا فِيهَا من عَتْبِه وَإبْدَاء مَا أخْفَاه
فصل فَإِنّ قُلْت قَد تَقَرّرَت عِصْمَتُه ﷺ فِي أقْوَاله فِي جَمِيع أَحْوَالِه وَأنَّه لَا يَصِحّ مِنْه فِيهَا خُلْف وَلَا اضْطِرَاب فِي عَمْد وَلَا سَهْو وَلَا صِحَّة وَلَا مَرَض وَلَا جَدّ وَلَا مَزْح وَلَا رِضّى وَلَا غَضَب وَلَكِن مَا مَعْنَي الْحَدِيث فِي وَصِيَّتِه ﷺ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ﵀ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو الهيثم وَأَبُو إِسْحَاقَ قَالُوا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ
_________________
(١) (قوله عَبْد الرَّزَّاق) عَن همام عن معمر) هذا يقع في كثير من النسخ والصواب ما في بعضها وهو عبد الراق بن همام أو عَبْد الرَّزَّاق عَن معمر لأن عبد الرزاق لا يروى = (*)
[ ٢ / ١٩١ ]
ابن عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال لَمَّا احْتُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (هَلُمُّوا أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ (الْحَدِيثَ) وَفِي رِوَايَة (آتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا) فَتَنَازَعُوا فقالوا ماله أَهَجَرَ: اسْتَفْهِمُوهُ، فَقَالَ (دَعُونِي فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ) وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَهْجُرُ.
وَفِي رِوَايَة هَجَر ويُرْوى أهُجْر، ويروى أهجرًا، وَفِيه فَقَال عُمَر إنّ النَّبِيّ ﷺ قَد اشتد بِه الوجع وعندنا كِتَاب اللَّه حسبنا وكثر اللعط فمال قُومُوا عَنَّي وَفِي رِوَايَة وَاخْتَلَف أَهْل البَيْت وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُم من يَقُول قَرِّبوا يَكْتُب لَكُم رَسُول اللَّه ﷺ كِتَابًا وَمِنْهُم من يَقُول ما قَال عُمَر، قَال أئِمَّتُنَا فِي هَذَا الْحَدِيث أن النَّبِيّ ﷺ غَيْر معصوم مِن الأمْرَاض وَمَا يَكُون من عَوَارِضِهَا من شِدة وَجَع غشى وَنَحْوَه مِمَّا يَطْرَأ عَلَى جِسْمِه مَعْصُوم أن يَكُون مِنْه مِن القَوْل أثْنَاء ذَلِك مَا يَطْعَن فِي مُعْجِزَتِه وَيُؤَدِي إلى فَسَاد فِي شَرِيعَتِه من هَذَيَان أَو اخْتِلال فِي الكلام.
وَعَلَى هَذَا لَا يَصِحّ ظَاهِر رِوَايَة من روى فِي الحديث هجر
_________________
(١) = عن همام واسم أبيه همام. ويروى عن معمر. ومعمر بفتح الميمين وسكون العين المهملة (قوله أهجر) بفتح الهمزة والهاء والجيم وَفِي رِوَايَة هَجَر بفتح الهاء والجيم من غير همزة. وفى رواية أهجر بفتح الهمزة وضم الهاء قال ابن الأثير أي هل تغير كلامه واختلط لما به من المرض. وهذا أحسن ما يقال فيه ولا يجعل إخبارا فيكون من الفحش والهذيان والقائل كان عمر لا يظن به ذلك انتهى، وقد أفرد ابن دحية هذه اللفظة بتأليف (*)
[ ٢ / ١٩٢ ]
إِذ مَعْنَاه هذى يُقَال هَجر هُجْرًا إذ هذى، وأهجر هجرا إذَا أفْحَش، وَأَهَجَر تَعْدية هَجَر، وَإِنَّمَا الأصَحّ وَالأوْلى أَهَجَر؟ عَلَى طَرِيق الإنْكار عَلَى من قَال لا يكتب، هكذا رِوايَتُنَا فِيه في صحيح الْبُخَارِيّ من رِوَايَة جميع الرُّوَاة فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ المُتَقَدّم، وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بن سَلَام عَن ابن عُيَيْنَة وَكَذَا ضبَطَه الأصِيلِيّ بِخَطَّه فِي كِتابه وَغَيْرُه من هذه الطُّرُق وكذا رَوَيْنَاه عَن مُسْلِم فِي حَدِيث سُفْيَان وَعَن غَيْرِه وَقَد تحمل عَلَيْه رِوَايَة من رَوَاه هجر عَلَى حذف أَلْف الاستفهام والتقدير أهجر؟ أَو أن يُحْمَل قَوْل القائل هجر أَو أهجر دَهْشَة من قَائل ذَلِك وحيرة لعظيم مَا شاهد من حال الرَّسُول ﷺ وشدة وجعه والمقام الَّذِي اخْتُلِف فِيه عَلَيْه والأمْر الَّذِي هَمّ بالكتاب فِيه حَتَّى لَم يَضبط هَذَا القائل لفظه وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع لَا أنَّه اعتقد أنَّه يجوز عَلَيْه الهجر كَمَا حملهم الإشفاق عَلَى حراسته والله يَقُول (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ونحو هَذَا * وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة أهُجْرا - وَهِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق المُسْتَمْلِي فِي الصَّحِيح فِي حديث ابن جُبَيْر عَن ابن عَبَّاس من رِوَايَة قُتَيْبَة - فَقَد يَكُون هَذَا رَاجعًا إِلَى المُخْتَلِفِين عِنْدَه ﷺ ومُخَاطَبَة لَهُم من بَعْضُهُم أَي
جِئْتُم باختلافكم عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَبَيْن يَدَيْه هُجْرًا ومنكرا
_________________
(١) (قوله في حَدِيث مُحَمَّد بن سلام) هو السكندرى، قال الذهبي ما ذكر فيه الخطيب ولا ابن ماكولا سوى التخفيف، وقال ابن قرقول والمصنف في المشارق نقله الأكثر (قوله وأجرى الهجر) بفتح الهاء وإسكان الجيم وهو الهذيان (قوله مجرى) بضم الميم لأنه من أجرى (قوله أهجرا) بفتح الهاء (قوله المستملى) بمثناة فوقية بعد السين المهملة (قوله هجرا) بضم الهاء وسكون الجيم: اسم من الإهجار (١٣ - ٢) بمعنى الإفحاش في النطق (*)
[ ٢ / ١٩٣ ]
مِن القَوْل، والهُجْر بِضَمّ الْهَاء: الفُحْش فِي المَنْطِق وَقَد اخْتُلِف الْعُلمَاء فِي مَعْنَي هَذَا الْحَدِيث وَكَيْف اخْتَلَفُوا بَعْد أمْرِه ﷺ أن يَأْتُوه بالكتَاب، فَقَال بَعْضُهُم أوَامِر النَّبِيّ ﷺ يُفْهَم إيجَابُهَا من نَدْبِهَا من إباحَتِهَا بِقَرَائِن، فَلَعَلّ قَد ظَهَر من قَرَائِن قَوْلِه ﷺ لِبَعْضُهُم ما فهموا أنه لم تكن منه عزمة بل أمر رده إلى اختيارهم وبعضهم لَم يَفْهَم ذَلِك فَقَال: اسْتَفْهِمُوه، فَلَمّا اخْتَلَفُوا كَفّ عَنْه إِذ لَم يَكُن عَزْمَة ولما رَأَوْه من صَوَاب رَأْي عُمَر: ثُمّ هَؤْلَاء قَالُوا وَيَكُون امْتِنَاع عُمَر إِمَّا إشْفَاقًا عَلَى النَّبِيّ ﷺ من تَكْلِيفه فِي تِلْك الحَال إمْلَاء الْكِتَاب وأن تَدْخُل عَلَيْه مَشَقَّة من ذَلِك كَمَا قَال إن النَّبِيّ ﷺ اشْتَدّ بِه الْوَجَع، وَقِيل خَشِي عُمَر أَنّ يكْتُب أُمُورًا يَعْجَزُون عَنْهَا فَيَحْصَلُون فِي الحَرَج بالْمُخَالفَة وَرَأى أن الأرفق بِالْأُمَّة فِي تِلْك الأمور سِعَة الاجْتِهَاد وَحكْم النَّظَر وَطَلب الصَّوَاب فَيَكُون المُصِيب والْمُخِطِئ مَأْجُورًا، وَقَد علم عُمَر تقَرّر الشّرْع وَتَأْسِيس المِلّة وَأَنّ اللَّه تَعَالَى قَال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دينكم) وَقَوْلُه ﷺ (أُوِصيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَعِتْرَتِي) وقوله عُمَرَ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ رَدَّ عَلَى ما نَازَعَهُ لَا عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ خَشِيَ تَطَرُّقَ المُنَافِقِين وَمِن فِي قَلْبه مَرَض لَمّا كُتِب فِي ذَلِك الْكِتَاب فِي الخَلْوَة وأن يَتَقَوَّلُوا فِي ذَلِك الأقاويل كادّعاء الرّافِضَة الوَصِيّة وَغَيْر ذَلِك، وَقِيل إنَّه كَان مِن النَّبِيّ ﷺ لَهُم عَلَى طَرِيق المَشْورَة وَالاخْتِبَار وهل يَتّفقُون عَلَى ذَلِك أم يختلفوا)
_________________
(١) (قوله المشورة) في الصحاح: المشورة الشورى وكذلك المشورة بضم الشين، تقول منه شاورته واستشرته (*)
[ ٢ / ١٩٤ ]
فصل فإن قيل فما وجه حديثه أيضا
فَلَمّا اخْتَلَفُوا تَرَكَه، وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى: أن مَعْنَي الْحَدِيث أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان مُجيبًا فِي هَذَا الْكِتَاب لَمّا طُلِب مِنْه لَا أنَّه ابتَدَا بالأمْر بِه بَل اقْتَضَاه مِنْه بَعْض أصْحَابِه فَأجَاب رَغْبَتَهم وَكَرَه ذَلِك غيرهم لِلْعِلَل الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَاسْتُدِلّ فِي مِثْل هَذِه الْقِصَّة بقول الْعَبَّاس لِعَلِيّ: انْطَلِق بنا إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَإِنّ كَان الأمْر فينا عَلِمْنَاه، وَكَرَاهَة عَلِيّ هَذَا وقولِه: والله لَا أفْعَل - الْحَدِيث - وَاسْتُدِلّ بِقَوْلِه دَعُونِي فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فيه خير: أَي الَّذِي أَنَا فِيه خَيْر من إرْسَال الأمْر وَتَرْكِكُم وَكِتَاب اللَّه وأن تَدَعُوني مِمَّا طَلَبْتُم، وَذَكَر أَنّ الَّذِي طُلِب كِتَابَه أمْر الخِلَافَة بَعْدَه وَتَعْيِين ذَلِك
فصل فَإِنّ قِيل فما وجه حَدِيثَه أيْضًا الذى حدثنا الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُشَنِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ وَإِنَّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) * وفي رواية (فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عليه
_________________
(١) (قوله مولى النصريين) بنون وصاد مهملة هو سالم بن عبد الله النصرى بالنون والصاد المهملة (*)
[ ٢ / ١٩٥ ]
دَعْوَةً، وَفِي رِوَايَة (لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ)، وَفِي رِوَايَة (فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلَاةً وَرَحْمَةً) وكيف يَصحّ أن يَلْعَن النَّبِيّ ﷺ من لَا يَسْتَحِقّ اللَّعْن وَيَسُبّ من لَا يَسْتَحِقّ السب وَيَجْلِد من لَا يَسْتَحِقّ الْجَلْد أَو يَفْعَل مِثْل ذَلِك عِنْد الْغَضَب وَهُو مَعْصُوم من هَذَا كُلِّه، فَاعْلَم شَرَح اللَّه صَدْرَك أَنّ قَوْله ﷺ أولًا (لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ) أَي عِنْدَك يَا رَبّ فِي بَاطِن أمره فإن أمْره فَإِنّ حُكْمَه ﷺ عَلَى الظَّاهِر كَمَا قَال ولِلْحِكْمَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَحَكَم ﷺ بِجَلْدِه أَو أدّبَه بِسَبّه أَو لَعْنِه بِمَا اقْتَضَاه عِنْدَه حال ظاهره ثُمّ دعا لَه ﷺ لِشَفَقَتِه عَلَى أمَّتَه وَرَأْفَتِه وَرَحْمتِه للْمُؤْمِنين الَّتِي وَصَفَه اللَّه بِهَا وَحَذَرِه أن يَتَقَبَّل اللَّه فيمن دَعَا عَلَيْه دَعْوَتَه أن يَجْعَل دُعَاءَه وَفِعْلَه لَه رحمة وَهُو مَعْنَى قَوْلِه (لَيْس لَهَا بأهل)، لَا أنَّه ﷺ يَحْمِلُه الغَضَب وَيَسْتَفِزُّه الضَّجَر لِأَن يَفْعَل مِثْل هَذَا بِمَن لَا يَسْتَحِقُّه من مُسْلِم، وَهَذَا مَعْنًى صحيح، وَلَا يُفْهَم من قَوْلِه (أغَضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر أن الغَضَب حَمَلَه عَلَى مَا لَا يجب بَل يَجُوز أن يَكُون المُرَاد بَهَذَا أَنّ الغضب لله حمَلَه عَلَى مُعَاقَبَتِه بِلَعْنِه أَو سَبَّه وَأنَّه مِمَّا كَان يَحْتمِل وَيَجُوز عَفوُه عَنْه
أَو كَان مِمَّا خُيَّر بَيْن المُعَاقَبَة فِيه والعفو عَنْه، وَقَد يحمل عَلَى أنه خَرَج مَخْرَج الإشْفَاق وَتَعْلِيم أمَّتَه الخَوْف وَالْحَذَر من تَعَدّي حُدُود اللَّه وَقَد يُحْمَل مَا وَرَد من دُعائِه هنا ومن دَعَوَاتِه عَلَى غَيْر وَاحِد فِي غَيْر مَوْطِن عَلَى غَيْر الْعَقْد وَالْقَصْد بَل بما جَرَت بِه عَادَة الْعَرَب وَلَيْس الْمُرَاد بِهَا الإجَابَة
[ ٢ / ١٩٦ ]
كَقَوْلِه، تَرِبَتْ يَمِينُكَ، ولا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَكَ، وعقرى حَلْقَى) وَغَيْرِهَا من دَعَوَاته، وَقَد وَرَد فِي صِفَتِه فِي غَيْر حَدِيث أنَّه ﷺ لَم يَكُن فَحَاشًا، وَقَال أَنَس لَم يَكُن سَبَّابًا وَلَا فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَكَان يَقُول لأحَدِنَا عِنْد المَعْتَبَة (مَا لَه؟ تَرب جَبِينُه) فَيَكُون حَمْل الْحَدِيث عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، ثُمّ أشفَق ﷺ من مُوَافَقَة أمْثَالهَا إجَابَة فَعَاهَد رَبَّه كَمَا قَال فِي الْحَدِيث أَنّ يَجْعَل ذَلِك لِلْمَقُول لَه زَكاة وَرَحْمَة وَقُرْبَة، وَقَد يَكُون ذلك إشفاقًا عَلَى المدعو عَلَيْه وتأنيسًا لَه لئلًا يَلْحَقَه مِن استِشْعَار الْخَوْف والحَذَر من لَعْن النبي ﷺ وَتَقبُّل دعائه ما يَحْمِلُه عَلَى اليَأْس والقُنُوط، وَقَد يَكُون ذَلِك سُؤَالًا مِنْه لِرَبَّه لمن جَلَدَه أَو سَبَّه عَلَى حَقّ وبوَجْه صحيح أن يَجْعَل ذَلِك لَه كَفَّارَة لَمّا أصَابَه وَتَمْحِيَة لَمّا اجْتَرَم وأن تَكُون عُقُوبَتُه لَه فِي الدُّنْيَا سَبَب العَفْو وَالغُفْرَان كَمَا جاء فِي الْحَدِيث الآخَر (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَي حَدِيثِ الزُّبَيْر وقول النَّبِيّ ﷺ لَه حِينَ تَخَاصُمِهِ مَع الْأَنْصَارِيّ فِي شِرَاج الحَرَّة (اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ) فَقَالَ له
_________________
(١) (قوله تربت يمينك) قاله لأم سلمة وفى رواية لعائشة (قوله ولا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَكَ) الذى في صحيح مسلم في كتاب الأدب عن ابن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب فجاء فخطاني خطاه وقال اذهب ادع لى معاوية، قال فجئت فقلت هو يأكل، قال: ثُمَّ قَالَ لِي اذهب فادع لى معاوية، قال فجئت فقلت هو يأكل، فقال لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بطنه (قوله عقرى حلقى) قاله لصفية بنت حبى بن أخطب فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (قوله عند المعتبة) بفتح المثناة الفوقية وكسرها (قوله فِي شِرَاج الحَرَّة) الشراج بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء وفى آخره جيم جمع شرجة وهى مسيل الماء والحرة بفتح الحاء المهملة: أرض ذات حجارة سود (*)
[ ٢ / ١٩٧ ]
الْأَنْصَارِيُّ أَنْ كَانَ يا رسول الله ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمّ قَال: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يبلغ الجدر) الْحَدِيث فالجواب أَنّ النَّبِيّ ﷺ مُنَزّه أن يَقَع بِنَفْس مُسْلِم مِنْه فِي هَذِه الْقِصَّة أمْر يُريب ولكنه ﷺ نَدَب الزُّبَيْر أوَّلًا إلى الاقْتِصَار عَلَى بَعْض حَقَّه عَلَى طريق التَّوَسُّط وَالصُّلْح فَلَمّا لَم يَرْض بِذَلِك الآخَر وَلَجّ وَقَال مَا لَا يَجِب اسْتَوْفَى النَّبِيّ ﷺ لِلزُّبَيْر حَقَّه ولهذا تَرْجَم الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث: (باب إذَا أشَار الْإِمَام بالصُّلْح فأبى) حَكَم عَلَيْه بالحُكْم: وَذَكَر فِي آخِر الْحَدِيث: فاسْتَوْعى رَسُول اللَّه ﷺ حِينَئِذ للزُّبَيْر حَقّه.
وَقَد جَعَل الْمُسْلِمُون هَذَا الْحَدِيث أصْلًا فِي قَضِيَّتِه، وَفِيه الاقْتِدَاء بِه ﷺ فِي كُلّ مَا فَعَلَه فِي حال غَضَبه وَرِضَاه وَأنَّه وإن نَهى أن يَقْضِي الْقَاضِي وَهُو غَضْبَان فَإنَّه فِي حُكْمِه فِي حال الغضَب وَالرّضى سَوَاء لِكَوْنِه فِيهَا مَعْصُومًا، وَغَضَب النَّبِيّ ﷺ فِي هَذَا إنَّمَا كَان لله تَعَالَى لَا لِنَفْسِه كَمَا جاء فِي الْحَدِيث الصَّحِيح، وَكَذَلِك الْحَدِيث فِي إقَادَتِه عُكَاشَة من نَفْسِه لَم يَكُن لِتَعَمُّد حَمَلَه الغَضَب عَلَيْه بَل وَقَع فِي الْحَدِيث نَفْسِه أَنّ عُكَاشَة قَال لَه: وَضَرَبْتَني بالقَضَيب، فَلَا أدْرِي أعْمدًا أم أرَدْت ضَرْب النَّاقَة؟ فَقَال النَّبِيّ ﷺ (أُعيذُك
بالله يَا عُكَاشَة أن يَتَعَمّدَك رَسُول اللَّه ﷺ) وَكَذَلِك فِي حَدِيثَه الآخَر مَع الْأَعْرَابِيّ حِين طَلب ﵇ الاقْتصَاص مِنْه، فَقَال الْأَعْرَابِيّ
_________________
(١) (قوله أن كان ابن عمتك) أي من أجل ذلك حكمت له، وعمته هي صفية أم الزبير (قوله ولج) بفتح اللام وتشديد الجيم (*)
[ ٢ / ١٩٨ ]
فصل وأما أفعاله ﷺ الدنيوية
قد عَفَوْت عَنْك، وَكَان النَّبِيّ ﷺ قَد ضَرَبَه بالسَّوْط لتَعلُّقِه بِزِمَام نَاقَته مَرَّة بعد أُخْرَى وَالنَّبِيّ ﷺ يَنْهَاه وَيَقُول لَه (تُدْرَكُ حَاجَتُكَ) وَهُوَ يأتي فَضَرَبَهُ بَعْدُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهَذَا مِنْهُ ﷺ لِمَنْ لَمْ يقف منذ نَهْيِهِ صَوَابٌ وَمَوْضعُ أَدَبٍ، لَكِنَّهُ ﵇ أَشْفَق إِذ كَان حَقّ نَفْسِه مِن الأمْر حَتَّى عَفَا عَنْه: وَأَمَّا حَدِيث سَوَاد بن عَمْرو: أتَيْت النَّبِيّ ﷺ وَأَنَا مُتَخَلِّقٌ فَقَالَ (وَرْسَ وَرْسَ حُطَّ حُطَّ) وَغَشِيَنِي بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ فِي بَطْنِي فَأَوْجَعَنِي، قُلْتُ الْقِصَاصُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَشَفَ لِي عَنْ بَطْنِهِ: إِنَّمَا ضَرَبَهُ ﷺ لِمُنْكَر رَآه بِه وَلَعَلَّه لَم يُرِد بِضَرْبِه بالْقَضِيب إلَّا تَنْبِيهَه، فَلَمّا كَان مِنْه إيجَاع لَم يَقْصِدْه طلب التَّحَلُّل منه عن مَا قَدَّمْنَاه
فصل وأما أفعاله ﷺ الدُّنْيَوِيَّةُ فَحُكْمُهُ فِيهَا مَنْ تَرَقّي المَعَاصِي وَالْمَكْرُوهَات مَا قَدّمْنَاه وَمِن جواز السَّهْو والغلط فِي بَعْضَهَا مَا ذَكَرْنَاه وَكُلُّه غَيْر قَادح فِي النُّبُوَّة بَل إنّ هَذَا فِيهَا عَلَى الندور إذ عامة أفعله عَلَى السَّداد وَالصَّوَاب بَل أكْثَرُهَا أَو كُلُّهَا جَارَية مَجْرَى الْعِبَادات والْقُرَب عَلَى مَا بَيّنَا إِذ كَان ﷺ لَا يَأخُذ مِنْهَا لِنَفْسِه إلَّا ضَرُورَتَه وَمَا يُقِيم رَمق جِسْمِه وَفِيه مَصْلحَة ذَاتِه الَّتِي بِهَا يَعْبُد رَبَّه وَيُقِيم شَرِيعَتَه ويسوس أمته
_________________
(١) (قوله سَوَاد بن عَمْرو) سواد بتخفيف الواو، قال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ سَوَاد بن عَمْرو القارى الأنصاري رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه نهى عن الحلوق مرة أو ثلاثة وأنه رآه متحلقا فطعنه في بطنه بجريدة وليست هذه القصة لسواد بن عمر انتهى (*)
[ ٢ / ١٩٩ ]
وَمَا كَان فِيمَا بَيْنَه وَبَيْن النَّاس من ذَلِك فَبَيْن مَعْرُوف يَصْنَعُه أَو بِرّ يُوَسعُه أَو كلام حسن يقوله أَو يسمعه أَو تألف شارد أَو قَهْر معاند، أَو مداراة حَاسِد وَكُلّ هَذَا لاحِق بصَالِح أعْمَالِه مُنْتَظِم فِي زَاكِي وَظَائف عِبَادَاته وَقَد كَان يُخَالف فِي أفْعَاله الدُّنْيَويَّة بِحسَب اخْتِلَاف الأحْوَال ويُعِدّ للأمُور أشْبَاهَهَا فَيَرْكَب فِي تَصَرُّفِه لَمّا قَرُب الْحِمَار وَفِي أسْفَارِه الرّاحلَة وَيَرْكَب الْبَغْلَة فِي مَعَارِك الْحَرْب دَلِيلًا عَلَى الثّبَات وَيَرْكَب الْخَيْل وَيُعِدّها لِيَوْم الْفَزَع وَإجَابَة الصّارخ وَكَذَلِك فِي لِبَاسِه وَسَائِر أحْوَاله بِحَسَب اعْتِبَار مَصَالحِه وَمَصَالح أمَّتَه وكذلك يَفْعَل الْفعْل من أُمُور الدُّنْيَا مُسَاعَدَة لأمَّتَه وَسِيَاسَة وَكَرَاهِيَة لِخَلافِهَا وإن كان قد يرى غَيْرِه خيرًا مِنْه كَمَا يَتْرُك الْفَعْل لهذا وَقَد يَرَى فَعْلَه خَيْرًا مِنْه وَقَد يَفْعَل هَذَا فِي الأمور الدّينيّة مِمَّا لَه الْخِيرَة فِي أَحَد وَجْهَيْه كَخُروجِه مِن الْمَدِينَة لأُحُد وَكَان مَذْهَبُه التَّحَصُن بِهَا وَتَرْكِه قَتْل المُنَافِقِين وَهُو عَلَى يَقِين من أمْرِهِم مُؤَالَفَة لِغَيْرِهِم ورِعَايَة للْمُؤْمِنين من قَرَابَتِهِم وَكَرَاهَة لِأَنّ يَقُول النَّاس إنّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أصْحَابَه كَمَا جاء فِي الْحَدِيث وتَرْكِه بِنَاء الكَعْبَة عَلَى قَوَاعِد إبْرَاهِيم مُراعَاة لِقُلُوب قُرَيْش وَتَعْظِيمهم لتَغَيُّرِهَا وَحَذَرًا من نَفَار قُلُوبهم لذلك وَتَحْرِيك متقدم عداوتهم للدِين وأهله فَقَال لعائشة فِي الْحَدِيث الصَّحِيح: (لَوْلَا حِدْثَانٌ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لأَتْمَمْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ) ويفعل الفعل ثم يتركه لكون
_________________
(١) (قوله وبعدها بضم أوله (قوله الخيرة) بكسر الخاء المعجمة وفتح المثناة التحتية (*)
[ ٢ / ٢٠٠ ]
غَيْرِه خيرًا مِنْه كانتقاله من أدنى مياه بدر إِلَى أقربها للعدو من قريش وكقوله: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهدى) ويبسط وجهه للكاف والعدو رجاء استئلافه ويصبر للجاهل وَيَقُول: (إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ الناس لشر) وَيَبْذُل لَه الرّغائِب لِيُحَبَّب إليْه شَرِيعَتَه ودين رَبَّه وَيَتَوَلّى فِي مَنْزِلِه مَا يتولى الخادم من مِهْنَتِه، وَيَتَسَمّت فِي مُلاءَتِه حَتَّى لَا يبدو منه شئ من أطرافه وحتى كأن على رؤس جُلسَائِه الطّيْر وَيَتَحَدَّث مَع جُلِسَائِه بِحَدِيث أوّلِهِم وَيَتَعَجّب مِمَّا يَتَعَجّبُون مِنْه وَيَضْحَك مِمَّا يَضْحكُون مِنْه وَقَد وسع النَّاس بِشْرُه وَعَدْلُه لَا يَسْتَفِزُّه الغَضَب وَلَا يُقَصّر عَن الْحَقّ وَلَا يُبْطن عَلَى جُلسَائِه يَقُول: (مَا كَانَ لنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ) فَإِن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه لِعَائِشَة ﵂ فِي الداخل عَلَيْه (بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ) فَلَمَّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ القَوْل وَضَحِك مَعَه، فَلَمّا خَرَج سَالته عَن ذَلِك قَال: (إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ، وكيف جاز أن يُظْهِر لَه خِلَاف مَا يُبْطِن وَيَقُول فِي ظَهْرِه مَا قَال؟ فالجَوَاب أَنّ فِعْلَه ﷺ كَان اسْتئْلَافًا لِمثْلِه وتطييبا لِنَفْسِه لِيتَمَكّن إيمانُه وَيَدْخُل فِي الْإِسْلَام بِسَبَبِه أتْبَاعُه وَيَرَاه مِثْلُه فَيَنْجذِب بِذَلِك إلى الْإِسْلَام، ومثل هَذَا عَلَى هَذَا الوَجْه قَد خَرَج من حَد مُدَارَاة الدُّنْيَا إلى السّيَاسَة الدّينيّة وَقَد كَان يَسْتَأْلِفُهُم بأمْوَال اللَّه العَرِيضَة فَكَيْف بالكلِمَة اللّيّنة؟ قَال صَفْوَان لَقَد أعْطَانِي وَهُو أبغض الْخَلْق إِلَيّ فَمَا زال يعطيني حَتَّى صار أحب
_________________
(١) (قوله في مهنته) بفتح الميم وكسرها: أي خدمته (قوله ويتسمت) أي يقصد سمته (قوله في ملاءته بضم الميم والمد (*)
[ ٢ / ٢٠١ ]
الخلق إلى، قوله فِيه بئس ابن العشيرة هُو غَيْر غيبة بَل هُو تعريف مَا علمه مِنْه لمن لَم يعلم ليحذر حاله ويحترز مِنْه وَلَا يوثق بجانبه كُلّ الثقة لا سيما وَكَان مطاعًا متبوعًا، ومثل هَذَا إذَا كَان لضرورة ودفع مضرة لَم يَكُن بغيبة بَل كَان جائزًا بَل واجبًا فِي بَعْض الأحيان كَعَادَة المحدثين فِي تجريح الرواة والمزكين فِي الشهود، فإن قِيل فَمَا مَعْنَي المُعْضِل الوَارِد فِي حَدِيث بَرِيرَة من قَوْلِه ﷺ لِعَائِشَة وَقَد أخْبَرَتْه أَنّ موَالِي بَرِيرَة أَبَوْا بَيْعَهَا إلَّا أَنْ يكون لَهُم الْوَلَاء فَقَال لَهَا ﷺ (اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) فَفَعَلَتْ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَهَا بِالشَّرْطِ لَهُمْ وَعَلَيْهِ بَاعُوا ولولاه والله أَعْلَم لَمّا باعوها من عائشة كَمَا لَم يبيعوها قَبْل حَتَّى شرطوا ذَلِك عليها ثُمّ أبطله ﷺ وَهُو قَد حرم الغش والخديعة؟ فأعلم أكرمك اللَّه أن النبي ﷺ منزة عَمَّا يقع فِي بال الجاهل من هَذَا ولتنزيه النَّبِيّ ﷺ عَن ذلك مَا قَد أنكر قوم هذا الزيادة قَوْلِه (اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) إِذ لَيْس فِي أَكْثَر طُرُق الْحَدِيث ومع ثَبَاتِها فَلَا اعْتِرَاض بِهَا إِذ يقع لَهُم بِمَعْنَي عَلَيْهِم قال الله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) وقال (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) فعلى هَذَا اشترطي عَلَيْهِم الولاء لَك وَيَكُون قيام النَّبِيّ ﷺ ووعظه
_________________
(١) (قوله المعضل) بكسر الضاد المعجمة، اسم فاعل. وهو الذى لا يهتدى وجهه (قوله بريرة) هي بنت صفوان، قيل كانت قبطية وقيل حبشية (*)
[ ٢ / ٢٠٢ ]
لَمّا سلف لَهُم من شرط الولاء لأنفسهم قَبْل ذَلِك * وَوَجْه ثان أَنّ قَوْله ﷺ (اشترط لَهُمُ الْوَلَاءَ) لَيْس عَلَى مَعْنَي الأمْر لَكِن عَلَى مَعْنَي التَّسْوِيَة والإعْلام بأنّ شَرْطَه لَهُم لَا يَنْفَعُهُم بَعْد بَيَان النَّبِيّ ﷺ لَهُم قَبْل أَنّ الْوَلَاء لمن أعْتَق فَكَأنه قال: (اشترطي أولا تَشْتِرِطِي فَإِنَّهُ شَرْطٌ غَيْرُ نَافِعٍ، وَإِلَى هَذَا ذهب الداوودى وَغَيْرُهُ وَتَوْبِيخُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ وَتَقْرِيعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِمْ بِهِ قَبْلَ هَذَا * الْوَجْه الثّالِث أَنّ مَعْنَي قَوْلِه (اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) أي: أظْهِرِي لَهُم حُكْمَه وَبَيّنِي عِنْدَهُم سَنّتَه أَنّ الْوَلَاء إنَّمَا هُو لِمَن أعْتَق، ثُمّ بَعْد هَذَا قَام هُو ﷺ مُبَيّنًا ذَلِك وَمُوَبّخًا عَلَى مُخَالَفَة مَا تَقَدّم مِنْه فِيه، فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي فعل يُوسُف ﵇ بأخِيه إِذ جَعَل السّقَايَة فِي رَحْلِه وَأخَذِه باسْم سَرِقَتِهَا وَمَا جَرَى عَلَى إخْوتِه فِي ذلك وقوله إنكم لسارقون وَلَم يَسْرِقُوا؟ فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أَنّ الآيَة تَدُلّ عَلَى أَنّ فِعْل يُوسُف كَان من أمْر الله لقومه تعالى (كذلك؟؟؟؟ لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الآيَة فَإِذَا كَان كَذَلِك فَلَا اعْتِرَاض بِه كَان فِيه مَا فِيه، وأَيْضًا فَإِنّ يُوسُف كَان أعْلَم أخاه بأنّي أَنَا أخُوك فَلَا تَبْتَئِس فكان مَا جرى عَلَيْه بَعْد هَذَا من وَفَّقَه ورغبته وَعَلَى يقين من عقى الخَيْر لَه بِه وَإزَاحَة السُّوء وَالمَضَرَة عَنْه بِذَلِك، وَأَمَّا قَوْله (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) فَلَيْس من قَوْل يُوسُف فَيَلْزَم عَلَيْه جَوَاب يَحِلّ شُبَهَه ولعل قائله
_________________
(١) (قوله كَان فِيه مَا فيه) هو بدل من قوله فَلَا اعْتِرَاض بِه جواب لإذا، والذى فيه هو أنه كيف يجوز أن يأمر الله بمثل هذا؟ (*)
[ ٢ / ٢٠٣ ]
فصل فإن قيل فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه
إن حُسّن لَه التّأوِيل كائِنًا من كَان ظنّ عَلَى صُورَة الحَال ذَلِك وَقَد قِيل قَال
ذَلِك لِفِعْلِهِم قَبْل بِيُوسُف وَبَيْعِهِم لَه وَقِيل غَيْر هَذَا وَلَا يَلْزَم أن نُقَوّل الْأَنْبِيَاء مَا لَم يَأْت أَنَّهُم قالُوه حَتَّى يُطْلَب الخَلَاص مِنْه وَلَا يَلْزَم الاعْتِذَار عَن زَلَّات غَيْرِهِم.
فصل فَإِنّ قِيل فَمَا الحِكْمَة فِي إجْرَاء الأمْرَاض وَشِدّتِهَا عَلَيْه وَعَلَى غَيْرِه مِن الْأَنْبِيَاء عَلَى جميعهم السَّلَام، وَمَا الْوَجْه فِيمَا ابْتَلاهُم اللَّه بِه مِن الْبَلَاء وَامْتِحَانِهِم بِمَا امتحنوا بِه كَأَيُّوب وَيَعْقُوب وَدَنْيَال وَيَحْيَى وزَكَرِيَّا وَعِيسَى وإِبْرَاهِيم وَيُوسُف وَغَيْرِهِم صلوات اللَّه عَلَيْهِم وهم خِيَرتُه من خَلْقِه وَأحبّاؤُه وَأصْفِيَاؤُه؟ فاعْلَم وفَّقَنَا اللَّه وإياك أَنّ أفْعَال اللَّه تَعَالَى كلها عَدْل وَكَلِمَاتِه جميعا صِدْق لَا مُبَدّل لِكَلِمَاتِه يَبْتَلي عِبَادَه كَمَا قَال لَهُم لننظر كيف تعلمون، (وليبلوكم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا مِنْكُم، وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أخباركم) فامْتحَانُه إيّاهُم بِضُرُوب الْمِحَن زيَادَة فِي مَكانِتِهِم وَرفْعَة فِي دَرَجَاتِهِم وَأسْبَاب لاسْتِخْرَاج حَالات الصَّبْر وَالرّضَى وَالشُّكر وَالتّسْلِيم وَالتّوكُّل والتّفْويض وَالدُّعَاء وَالتّضَرُّع مِنْهُم وتأْكِيد لِبَصَائِرِهِم فِي رَحْمَة الْمُمْتحِنين وَالشّفَقَة عَلَى الْمُسْلِمِين وَتَذْكِرَة لِغَيْرِهِم وَمَوْعِظَة لسَوَاهُم لِيَتأسّوْا فِي الْبَلَاء بهم وَيَتَسَلّوْا
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فِي الْمحَن بِمَا جَرَى عَلَيْهِم وَيَقْتَدُوا بهم فِي الصَّبْر محو لهنَات فَرَطَت مِنْهُم أَو غَفَلَات سَلَفَت لَهُم لِيَلْقَوا اللَّه طَيّبين مُهَذَّبِين وَلِيَكُون أجْرُهُم أكْمَل وَثَوَابُهُم أوفر وَأجْزَل.
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أبو الحسين الصيرفي وأبو الفضل بن خيرون قَالا حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ
حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ (الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خطيئته)، وكما قَال تَعَالَى (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثير) الآيَاتِ الثَّلاثَ وَعَن أَبِي هُرَيْرَة مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، وَعَنْ أَنَسٍ عنه ﷺ (إذ أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلاهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ) وَحَكَى السَّمْرَقَنْدِيُّ أَنَّ كُلَّ من كَان أَكْرَم عَلَى اللَّه تَعَالَى كَان بَلاؤُه أشَدّ كى يتبين فَضْلُه وَيَسْتَوْجِب الثّوَاب كَمَا رُوِي عَن لقمان أنَّه قَال يَا بُنَيَّ الذَهَبُ وَالْفِضَّةُ يُخْتَبَرَانِ بِالنَّارِ وَالْمُؤْمِنُ يُخْتَبَرُ بِالْبَلَاءِ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ ابْتِلاء يَعْقُوب بِيُوسُف كان سببه التفاته في صلاته إليه ويوسف نائم
_________________
(١) (قوله عَنْ عَاصِمِ بْنِ بهدلة) قال الذهبي في ترجمته قال يحيى القطان ما وجدت رجلا اسمه عاصم إلا وجدته ردئ الحفظ (*)
[ ٢ / ٢٠٥ ]
محبة له، وقيل: بل اجتمع يوما هو وابنه يوسف عَلَى أكْل حَمَل مَشْوِيّ وهما يَضْحَكَان وَكَان لَهُم جَار يَتِيم فَشَمّ ريحَه وَاشْتهَاه وَبَكَى وَبَكَت لَه جَدَّة لَه عَجُوز لِبُكَائِه وبينهما جِدَار وَلَا علم عِنْد يَعْقُوب وابْنِه فَعُوقِب يَعْقُوب بالبُكَاء أسفًا عَلَى يُوسُف إلى أن سألت حدثتاه وَابْيَضَّت عَيْناه مِن الْحُزْن فَلَمّا علم بِذَلِك كَان بَقِيَّة حَيَاتِه يَأْمُر مُنَادِيًا يُنَادي عَلَى سَطْحِه
أَلَا من كَان مُفْطِرًا فَلْيَتَغَد عِنْد آل يَعْقُوب وَعُوقِب يُوسُف بالمِحْنَة الَّتِي نص اللَّه عَلَيْهَا، وَرُوي عَن اللَّيْث أَنّ سبب بلاء أيوب أنَّه دخل مَع أَهْل قريته عَلَى ملكهم فكلموه فِي ظلمه وأغلظوا لَه إلَّا أيوب فَإنَّه رفق بِه مخافة عَلَى زرعه فعاقبه اللَّه ببلائه، ومحنة سُلَيْمَان لَمّا ذكرناه من نيته فِي كون الْحَقّ فِي جنبه أصهاره أَو للعمل بالمعصية فِي داره وَلَا علم عِنْدَه وَهَذِه فائدة شدة المرض والوجع بالنبي ﷺ، قَالَت عَائِشَة مَا رَأَيْت الوجع عَلَى أَحَد أشد مِنْه عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ، وَعَن عَبْد اللَّه رَأَيْت النَّبِيّ ﷺ فِي مرضه يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا فَقُلْتُ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ) قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ قَالَ (أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أُطِيقُ
_________________
(١) (قوله أكل حمل) بفتح الحاء المهملة والميم، وهو من الضأن الجذع أو دونه، قال ابن دريد والجذع من الضأن ما تمت له سنة وقيل أقل منها (قوله بالمحنة) بنون بعد الحاء المهملة (قوله فِي جنبه أصهاره) بجيم ونون وموحدة: في القاموس. الجنبة والجانبة والجنب، شق إنسان (قوله وعن عبد الله هو ابن مسعود (*)
[ ٢ / ٢٠٦ ]
أَضَعُ يَدِي عَلَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حُمَّاكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْقَمْلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ وَإِنْ كَانُوا لَيَفْرَحُونَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُونَ بِالرَّخَاءِ) وَعَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﷺ (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ الله
أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به) أَنَّ الْمُسْلِمَ يُجْزَى بِمَصَائِبَ الدُّنْيَا فَتَكُونُ لَهُ كَفَّارَةً، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ وَأبي ومُجَاهِد، وَقَال أَبُو هُرَيْرَة عَنْه ﷺ (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) وَقَال فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ (مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا) وَقَال فِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد (مَا يُصِيب الْمُؤْمِنَ من نصف وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ الله بها من خَطَايَاهُ) وَفِي حَدِيث ابن مَسْعُود (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا يُحَتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ) وَحِكْمَة أُخْرَى أوْدَعَهَا اللَّه فِي الأمراض لأجسامهم ونعاقب الأَوْجَاع وَشِدَّتِهَا عِنْد مَمَاتِهِم لِتَضْعُف قُوَى نُفُوسِهِم فَيَسْهُل خُرُوجُهَا عِنْد قَبْضِهِم وَتَخفّ عليهم مونة النّزْع وَشِدَّة السّكَرَات بَتَقَدُّم المَرَض وَضَعْف الجسْم والنَّفْس لِذَلِك خِلَاف مَوْت الفُجَأة وَأخْذه كَمَا يُشَاهَد مِن اخْتِلَاف أحْوَال المَوْتى فِي الشَّدّة واللَّين والصُّعُوبَة وَقَد قَال ﷺ (مثل
_________________
(١) (قوله وعكا) بفتح العين وإسكانها (قوله من نصب) بفتح الصاد المهملة أي تعب (قوله ولا وصب) بفتحتين أي مرض (*)
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الْمُؤْمِنِ مِثْلُ خَامَةِ الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرَّيحُ هَكَذَا وَهَكَذَا) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ (مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تَكْفِؤُهَا فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكْفَأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةٍ حَتَّى يَقْصِمَهُ اللَّهُ) مَعْنَاه أَنّ الْمُؤْمِن مُرَزَّء مُصَاب بِالْبَلَاء وَالأمراض رَاض بِتَصْرِيفِه بَيْن أقْدَار اللَّه تَعَالَى مُنْطَاع لِذَلِك لَيَّن الجَانِب بِرِضَاه وَقِلَّة سَخَطِه
كَطَاعَة خَامَة الزَّرْع وَانْقِيَادها لِلرَّيَاح وتَمَايُلها لِهُبُوبِهَا وَتَرَنُّحِهَا من حَيْث مَا أتَتْهَا فَإِذَا أزَاح اللَّه عَن الْمُؤْمِن رِيَاح الْبَلايا واعْتَدَل صَحِيحًا كَمَا اعْتَدَلَت خَامَة الزرع عِنْد سُكُون رياح الْجَوّ رَجَع إلى شُكْر رَبَّه وَمَعْرِفَة نِعْمَتِه عَلَيْه بِرَفْع بلائه مُنْتَظِرًا رَحْمَتَه وُثَوَابَه عَلَيْه، فَإِذَا كَان بِهَذِه السَّبيل لَم يَصْعُب عَلَيْه مرض المَوْت وَلَا نُزُولُه وَلَا اشْتَدَّت عَلَيْه سَكَرَاتُه وَنَزْعُه لِعَادَتِه بِمَا تقَدَّمَه مِن الآلام وَمَعْرفَة مَا لَه فِيهَا مِن الأجْر وَتَوطِينِه نَفْسَه عَلَى الْمَصَائِب وَرِقَّتِهَا وَضَعْفِهَا بِتَوَالي الْمَرَض أَو شِدّتِه وَالْكَافِر بِخِلَاف هَذَا مُعَافَي فِي غَالِب حَالِه مُمَتَّع بَصِحَّة جِسْمِه كَالْأَرزَة الصَّمّاء حَتَّى إذَا أرَاد اللَّه هَلَاكَه قَصَمَه لحينه
_________________
(١) (قوله خامة الزرع) بخاء معجمة: في الصحاح: الخامة الغضة الرطبة من النبات، وفى الحديث (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ الخامة من الزرع يميلها الريح) (قوله تكفؤها بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه أي تقلبها (قوله مثل الأرزة) قال ابن قرقول: الأرزة بفتح الهمزة وسكون الراء، كذا الرواية، هي الصنوبر، وقال أبو عبيد إنما هو الآرزة على وزن الفاعلة ومعناه النابتة في الأرض، وأنكر هذا أبو عبيد، انتهى وقال ابن الأثير الأرزة بسكون الراء وفتحها: شجرة الأرز وهو خشب معروف وقيل هو الصنوبر (قوله معتدلة) أي مكنزة ولا يجلجل فيها، قاله ابن الأثير (*)
[ ٢ / ٢٠٨ ]
عَلَى غِرَّة وَأَخَذَه بَغْتَة من غَيْر لُطْف وَلَا رِفْق فَكَان مَوْتُه أشدّ عَلَيْه حَسْرَة وَمقَاسَاة نَزْعِه مَع قُوَّة نَفْسَه وَصِحّة جِسْمِه أشَدّ ألمَا وَعَذَابًا وَلَعَذَاب الآخِرَة أشّدّ كانْجِعَاف الْأَرْزَة وكما قَال تَعَالَى (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يشعرون) وَكَذَلِك عَادَه اللَّه تَعَالَى فِي أعْدَائِه كَمَا قَال اللَّه تَعَالَى (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصيحة)
الآية، فَفَجَأ جميعهم بالمَوْت عَلَى حال عُتُوّ وَغَفْلَة وَصَبّحَهُم بِه عَلَى غَيْر اسْتِعْدَاد بَغْتَة ولهذا ذُكِر عَن السَّلَف أَنَّهُم كَانُوا يَكْرَهُون مَوْت الفجأة وَمِنْه فِي حَدِيث إبْرَاهِيم كَانُوا يَكْرَهُون أخْذَة كَأخْذَة الأسَف أَي الغَضَب يُرِيد موت الفجأة * وحِكْمَة ثالِثة أَنّ الأمْرَاض نَذِير المَمَات وَبِقَدْر شِدَّتِهَا شِدَّة الخَوْف من نُزُول المَوْت فَيَسْتَعِدّ من إصابته وعلم تعهدها له للبقاء رَبَّه وَيُعْرِض عَن دَار الدُّنْيَا الكَثِيرَة الأنْكَاد وَيَكُون قَلْبُه مُعَلَّقًا بالمَعاد فَيَتَنَصّل من كُلّ مَا يخشى تباعته من قَبْل اللَّه وَقَبْل العباد ويؤدي الحقوق إِلَى أهلها وينظر فِيمَا يحتاج إليْه من وصية فيمن يخلفه أَو أمر يعهده وَهَذَا نبينا ﷺ المغفور لَه مَا تقدم وَمَا تأخر قَد طلب التنصل في مرضه مِمَّن كَان لَه عَلَيْه مال أَو حَقّ فِي بدن وأقاد من نفسه وماله وأمكن مِن القصاص مِنْه عَلَى مَا ورد في حَدِيث الْفَضْل وحديث
_________________
(١) (قوله كانجعاف) بكسر الجيم: أي كانقلاع (قوله ولهذا ما كره السلف موت الفجاءة) (ما) هنا زائدة وكذلك فيما يقع في بعض النسخ ولهذا ما ذُكِر عَن السَّلَف أَنَّهُم كَانُوا يَكْرَهُون مَوْت انفجاءة (قوله كأخذة الأسف) الأخذة بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة، والأسف بفتح السين المهملة الغضب (قوله تباعته) بكسر أوله: أي تبعته (قوله من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة (١٤ - ٢) (*)
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الوفاة وأوصى بالثقلين بَعْدَه: كِتَاب اللَّه وعترته، وبالأنصار عيبته، ودعا إلى كُتُب كِتَاب لِئَلَّا تضل أمَّتَه بَعْدَه إِمَّا في النص عليه الخلافة أو اللَّه أَعْلَم بمراده ثُمّ رَأَى الإمساك عَنْه أفضل وخيرًا وهكذا سيرة عباد الله الْمُؤْمِنين وأوليائه المتقين وَهَذَا كُلُّه يحرمه غالبًا الكفار لإمْلَاء اللَّه لَهُم
لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَيَسْتَدْرجَهُم من حَيْث لَا يَعْلَمُون، قَال اللَّه تَعَالَى (مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) ولذلك قال ﷺ فِي رَجُل مات فُجْأة: (سُبْحَانَ اللَّهِ كَأَنَّهُ عَلَى غَضَبٍ الْمَحْرُومُ مِنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ) وَقَال: (مَوْتُ الْفُجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ أَوِ الْفَاجِرِ) وَذَلِك لِأَنّ الموت يأتي الْمُؤْمِن غالبا مُسْتَعِد لَه مُنْتَظِر لِحُلُولِه فَهَان أَمْرُه عَلَيْه كَيْفَمَا جاء وَأَفْضى إِلَى راحَتَه من نَصَب الدُّنْيَا وأَذاهَا كَمَا قَال ﷺ (مُسْتَريحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، وتأْتِي الكافِر وَالفَاجِر مَنِيَّتُه عَلَى غَيْر اسْتِعْدَاد وَلَا أُهْبَة وَلَا مُقَدّمات مُنْذِرَة مُزْعِجَة (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) فكان المَوْت أشد شئ عَلَيْه وفِراق الدُّنْيَا أفْظَع أمْر صَدَمَه وأكْرَه شئ لَه.
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أشَار ﷺ بِقَوْلِه: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ الله لقاءه، ومنكره لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ الله لقاءه)
_________________
(١) (قوله بالأنصار عيبته) بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية أراد أنهم موضع سره وأمانته كعيبة الثياب التى يضع فيها الشخص متاعه (قوله أفظع) بالفاء والظاء المعجمة أي أعظم وأشد (*)
[ ٢ / ٢١٠ ]