قَال الْقَاضِي أبو الفضل وفقه الله قَد تقدَّم مِن الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإجْمَاع الْأُمَّة مَا يَجِب مِن الحُقُوق للنَّبِيّ ﷺ وَمَا يَتَعَيَّن لَه من برّ وَتَوْقِير وَتَعْظِيم وَإكْرَام وَبحَسَب هَذَا حَرَّم اللَّه تَعَالَى أذَاه فِي كَتَابِه وَأجْمَعَت الْأُمَّة عَلَى قَتْل مُتَنَقَّصِه مِن الْمُسْلِمِين وسابك قال الله تعالى:
(إن الذى يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) وقال: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وَقَال اللَّه تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ الله عظيما) وقال تعالى في تحريم التّعْرِيض لَه: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا واسمعوا) الآيَة، وَذَلِك أَنّ الْيَهُود كَانُوا يَقُولُون رَاعِنَا يَا مُحَمَّد: أَي أرْعِنَا سَمْعَك وَاسْمَع مِنَّا، وَيُعَرّضُون بالكلمة يريدون الرعوبة فَنَهى اللَّه الْمُؤْمِنين عَن التّشَبُّه بِهِم وَقَطَع الذَّرِيعَة بِنَهْي الْمُؤْمِنين عَنْهَا لِئَلَّا يَتَوَصَّل بِهَا الْكافِر وَالْمُنَافِق إِلَى سَبّه والاسْتِهْزَاء بِه وَقِيل بل لما فيه من مُشَارَكَة اللفظ لِأَنّهَا عِنْد الْيَهُود بِمَعْنَي اسْمَع لَا سَمِعْت، وَقِيل: بَل لَمّا فِيهَا من قلَّة الأدَب وعدم تَوْقِير النَّبِيّ ﷺ وَتَعْظِيمه لِأَنّهَا فِي لُغَة الْأَنْصَار بِمَعْنَي ارْعَنَا نرعك فنهوا عن ذلك إِذ مُضْمَنُه أَنَّهُم لا يرعون إلا برعايته لهم
_________________
(١) (قوله وبحسب هذا) بفتح السين أي بقدر (قوله ويعترضون) بتشديد الراء المكسورة (قوله الرعونة) بضم الراء أي الحمق (قوله إذ مضمنه) بضم الميم الأولى وفتح الضاد المعجمة (*)
[ ٢ / ٢١١ ]
وَهُو ﷺ وَاجِب الرّعَايَة بِكُلّ حَال وَهَذَا هُو ﷺ قَد نَهَى عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ فَقَال: (سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي) صَيَانَةً لِنَفْسِه وَحِمَايَة عَن أذَاه إِذ كَان ﷺ اسْتَجَاب لِرَجُل نَادَى يَا أَبَا الْقَاسِم، فَقَال: لَم أعْنِك، إنَّمَا دَعَوْت هَذَا، فَنَهى حِينَئِذ عَن التَّكَنّي بِكُنْيَتِه لِئَلَّا يَتَأذَّى بإجَابَة.
دَعْوَة غَيْرِه لِمَن لَم يَدْعُه وَيجد بذلك المنافقون والمستهزؤن ذَرِيعَة إِلَى أذَاه وَالإزْرَاء بِه فَيُنَادُونَه فَإِذَا الْتَفَت قَالُوا: إنَّمَا أرَدْنَا هَذَا لِسِوَاه.
تَعْنِيتًا لَه وَاسْتخْفَافًا بِحَقَّه عَلَى عادَة
المُجَّان وَالْمُسْتَهْزِئِين فَحمى ﷺ حِمى أذَاه بِكُلّ وجه، فحمل محققوا الْعُلمَاء نَهْيَه عَن هَذَا عَلَى مُدَّة حَيَاتِه وَأجَازُوه بَعْد وَفاتِه لارْتِفَاع العِلَّة، وَللنَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث مَذَاهِب لَيْس هَذَا مَوْضِعَهَا وَمَا ذَكَرْنَاه هُو مَذْهَب الجُمْهُور وَالصَّوَاب إنّ شَاء اللَّه أَنّ ذَلِك عَلَى طريق تعظيمه وتوقيره وعلى سبيل الندب والاستحباب لَا عَلَى التحريم وَلِذَلِك لَم ينه عَن اسْمُه لِأَنَّه قد كَان اللَّه منع من ندائه بِه بِقَوْلِه: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) وَإِنَّمَا كَان الْمُسْلِمُون يَدْعُونَه يَا رَسُول اللَّه يَا نَبِيّ اللَّه وَقَد يَدْعُونَه بِكُنْيَتِه أَبَا الْقَاسِم بَعْضُهُم فِي بَعْض الأحْوَال، وَقَد رَوَى أَنَس ﵁ عنه ﷺ مَا يَدُلّ عَلَى كَرَاهَة التَّسَمي باسْمِه وَتَنْزِيهِه عَن ذَلِك إذَا لَم يُوَقَّر، فَقَال (تُسَمُّونَ أَوْلادَكُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ) وَرُوي
_________________
(١) (قوله تعنينا) بعين مهملة فنون مكسورة يقال عنته تعنيتا إذا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه، كذا في القاموس (قوله المجان) بضم الميم وتشديد الجيم في الصحاح المجون أن لا يبالى الإنسان ما صنع وقد مجن بالفتح يمجن مجونا فهو ماجن (*)
[ ٢ / ٢١٢ ]
أَنّ عُمَر ﵁ كَتَب إِلَى أَهْل الكُوفَة لَا يُسَمّى أَحَد باسْم النَّبِيّ ﷺ) حَكَاه أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ، وَحَكَى مُحَمَّد بن سَعْد أنَّه نَظَر إِلَى رَجُل اسْمُه مُحَمَّد وَرَجُل يُسَبُّه وَيَقُول لَه فعل اللَّه بك يَا مُحَمَّد وَصَنَع، فَقَال عُمَر لابن أخيه مُحَمَّد بن زيد بن الْخَطَّاب: لَا أرَى مُحَمَّدًا ﷺ يُسَبّ بِك والله لَا تُدْعى مُحَمَّدًا مَا دُمْت حَيًّا وَسَمَّاه عَبْد الرَّحْمن وَأرَاد أن يَمْنَع لهذا أن يُسَمَّى أحَد بِأسْمَاء لأنبياء إكْرَامًا لَهُم بِذَلِك وَغَيْر أسْمَاءَهُم وَقَال لَا تُسَمُّوا بأسْمَاء الْأَنْبِيَاء ثُمّ أمْسَك، وَالصُّوَاب جَوَاز هَذَا كُلُّه بَعْدَه
ﷺ بِدَلِيل إطْبَاق الصَّحَابَة عَلَى ذَلِك وَقَد سَمَّى جَمَاعَة مِنْهُم ابته مُحَمَّدًا وَكَنَّاه بِأَبِي الْقَاسِم وَرُوي أَنّ النَّبِيّ ﷺ أذِن فِي ذَلِك لِعَلِيّ ﵁ وَقَد أخْبَر ﷺ أَنّ ذَلِك اسم الْمَهْدِيّ وَكُنْيَتُه وَقَد سَمَّى بِه النَّبِيّ ﷺ مُحَمَّد بن طَلْحَة وَمُحَمَّد بن عمرو ابن حزم وَمُحَمَّد بن ثابت بن قيس وَغَيْر واحد وَقَال: (مَا ضَرَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ مُحَمَّدٌ وَمُحَمَّدَانِ وَثَلَاثَةٍ، وَقَد فَصّلْت الْكَلَام فِي هَذَا القِسْم عَلَى بَابَيْن كَمَا قدمناه
_________________
(١) (قوله وَقَد سَمَّى بِه النَّبِيّ ﷺ مُحَمَّد بن طلحة) قال سَمَّى بِه النَّبِيّ ﷺ غير مُحَمَّد بن طَلْحَة قال الذهبي محمد بن خليفة شهد الفتح فيما يقال وكان اسمه عبد مناف فغيره النبي ﷺ، وذكر الحاكم فيمن دخل خراسان من الصحابة محمد مَوْلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وكان اسمه ناهية وكان مجوسيا فسافر بتجارة إلى الحجاز فأسلم وسماه النبي ﷺ مُحَمَّدًا. قال الذهبي رواه الحاكم بسند مظلم ومحمد بن نبيط بن جابر ولد على عهد رسول الله ﷺ فسماه محمد وحنكه فيما قيل ومحمد بن هلال بن المعلى سماه النبي ﷺ وشهد الفتح، قاله أبو موسى (*)
[ ٢ / ٢١٣ ]
الباب الأول في بيان ما هو في حقه ﷺ سب أَو نقص من تعريض أَو نص
اعْلَم وفقنا اللَّه وإياك أَنّ جَمِيع من سَبّ النَّبِيّ ﷺ أَو عَابَه أَو ألْحَق بِه نَقْصًا فِي نَفْسِه أَو نَسَبِه أَو دِينه أَو خَصْلَة من خِصَالِه أَو عَرّض بِه أو شبهة بشئ عَلَى طريق السَّبّ لَه أَو الأِزْرَاء عَلَيْه أو التَّصْغِير لِشَأْنِه أَو الْغَضّ مِنْه وَالْعَيْب لَه فَهُو سَاب لَه وَالْحُكْم فِيه حُكْم السَّابّ يقْتَل كَمَا نُبَيّنُه وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا من فُصُول هَذَا الْبَاب عَلَى هَذَا المقصد وَلَا يمترى فِيه تصريحا كَان أَو تلويحا وَكَذَلِك من لعنه أَو دعا عَلَيْه أَو تمنى مضرة لَه أو نسب إليه مَا لَا يليق بمنصبه عَلَى طريق الذم أَو عبث فِي جهَتِه العَزِيزَة بسُخْف مِن الْكَلَام وَهُجْر وَمُنْكَر مِن الْقَوْل وَزُور أَو عيره بشئ مِمَّا جَرَى مِن الْبَلَاء والْمِحْنَة عَلَيْه أَو غَمَصَه بِبَعْض الْعَوَارض الْبَشَرِيّة الْجَائِزَة وَالْمَعْهُودَة لَدَيْه وَهَذَا كُلُّه إجْماع مِن الْعُلمَاء وَأئِمَّة الْفَتْوَى من لَدُن الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِم إِلَى هَلُمّ جَرّا، قال أبو بكر بن
_________________
(١) (قوله أَو الأِزْرَاء عَلَيْه) أي النهاون به (قوله أو عبث) بفتح المهملة وكسر الموحدة بعدها مثلثة أي لعب (قوله وهجر) بضم الهاء وسكون الجيم من الإهجار وهو الإفحاش في النطق (قوله أو عيره) بفتح العين المهملة وتشديد المثناة التحتية (قوله أو غمصه) بفتح الغين المعجمة والميم والصاد المهمل ة: أي عابه أو استصغره (قوله إِلَى هَلُمّ جَرّا) في الصحاح هلم بمعنى تعالى. قال الخليل: أصله لم من قولك لم الله شعثه: أي جمعه. كأنه أراد لم نفسك إليا أي أقرب وها لتنبيه وإنما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسما واحدا يستوى فيه الواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يصرفونها وجرا من الجر وهو السحب وانتصابه على المصدر أو الحال (*)
[ ٢ / ٢١٤ ]
المُنْذر أجْمَع عَوامّ أهلى الْعِلْم عَلَى أن من سَبّ النَّبِيّ ﷺ يُقْتَل وَمِمَّن قَال ذَلِك مَالِك بن أَنَس وَاللَّيْث وَأَحْمَد وإسحاق وَهُو مَذْهَب الشَّافِعِيّ قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَهُو مُقْتَضَى قَوْل أَبِي بَكْر الصَّدّيق ﵁ وَلَا تُقْبَل تَوْبَتُه عِنْد هَؤْلَاء، وَبِمِثْلِه قَال أَبُو حنيفة وأصحابُه
والثَّوْرِيّ وَأَهْل الكُوفَة وَالْأَوزَاعِيّ فِي الْمُسْلِمِين لكِنَّهُم قَالُوا: هِي رِدَّة، وَرَوَى مِثْلُه الْوَلِيد بن مُسْلِم عَن مَالِك وحَكَى الطَّبَرِيّ مِثْلُه عَن أَبِي حنيفة وأصحابه فيمن تَنَقَّصَه ﷺ أَو برئ مِنْه أَو كَذَّبَه وَقَال سُحْنُون فيمن سَبَّه: ذَلِك ردّة كَالزَّنْدَقَة وَعَلَى هَذَا وَقَع الخِلَاف فِي استنابته وتَكْفِيرِه وهل قَتْلُه حَد أَو كُفْر كَمَا سَنُبَيَّنُه فِي الْبَاب الثاني أن شَاء اللَّه تَعَالَى، وَلَا نَعْلَم خِلَافًا فِي اسْتِبَاحَه دَمِه بَيْن عُلَمَاء الأمْصَار وَسَلَف الْأُمَّة وَقَد ذَكَر غَيْر وَاحِد الإجْمَاع على قَتْلِه وَتَكْفِيرِه وأشَار بَعْض الظَّاهِرِيَّة وَهُو أَبُو مُحَمَّد عَلِيّ بن أَحْمَد الفارسيّ إِلَى الخِلَاف فِي تَكْفير المسخف بِه وَالْمَعْرُوف مَا قَدَّمْنَاه قَال مُحَمَّد بن سُحْنُون أجْمَع الْعُلمَاء أَنّ شَاتِم النَّبِيّ ﷺ الْمُتَنَقّص لَه كَافِر وَالْوَعِيد جَار عَلَيْه بِعَذَاب
_________________
(١) (قوله كالزندقة) قال ابن قرقول: الزنادقة من لا يعتقد ملة من الملل المعروفة ثم استعمل ذلك فيمن عطل الأديان وأنكر الشرائع وفيمن أظهر الإسلام وأسر غيره وأصله من كان على مذهب مانى ونسبوا إلى كتابه الذى وضعه في إبطال النبوة ثم عربته العرب انتهى (قوله وأشَار بَعْض الظَّاهِرِيَّة) هو المعروف بابن حر علي بن أحمد ابن سعيد بن حزم اليزيدى الأموي القرطبى الطاهري توفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة (*)
[ ٢ / ٢١٥ ]
اللَّه لَه وَحُكْمُه عند الأمة قتل وَمِن شَكّ فِي كُفْرِه وَعَذَابِه كَفَر، وَاحْتَجّ إبْرَاهِيم بن حُسَيْن بن خَالِد الْفَقِيه فِي مِثْل هَذَا بِقَتْل خَالِد بن الْوَلِيد مَالِك ابن نُوَيْرَة لِقَوْلِه عَن النَّبِيّ ﷺ صَاحِبُكُم، وَقَال أَبُو سُلَيْمَان الخطَّابِيّ لَا أَعْلَم أَحَدا من الْمُسْلِمِين اخْتُلِف فِي وُجُوب قَتْلِه إذَا كَان مُسْلِمًا، وَقَال ابن الْقَاسِم عَن مَالِك فِي كِتَاب ابن سَحْنُون وَالْمَبْسُوط وَالْعُتْبَيّة وَحَكَاه مُطَرَّف عَن مَالِك فِي كِتَاب ابن حبيب من سَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه
وَسَلَّم مِن الْمُسْلِمِين قُتِل وَلَم يُستَتَب، قَال ابن الْقَاسِم فِي الْعُتْبِيَّة من سَبَّه أَو شَتَمَه أَو عَابَه أَو تَنَقَصَّه فَإنَّه يُقْتَل وَحُكْمُه عِنْد الْأُمَّة الْقَتْل كَالزَّنْدِيق وَقَد فَرَض اللَّه تَعَالَى تَوْقِيرَه وَبرَّه وَفِي الْمَبْسُوط عَن عُثْمَان بن كِنَانَة من شَتَم النَّبِيّ ﷺ مِن الْمُسْلِمِين قُتِل أَو صُلِب حَيًّا وَلَم يُسْتَتَب، والْإِمَام مُخَيّر فِي صَلْبِه حَيًّا أَو قَتْلِه، وَمِن رِوَايَة أَبِي الْمُصْعَب وَابْن أَبِي أوَيْس سمعنا مالِكًا يَقُول: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ قُتِلَ: مُسْلِمًا كَانْ أَوْ كَافِرًا وَلَا يُسْتَتَابُ، وَفِي كِتَاب مُحَمَّد أَخْبَرَنَا أَصْحَاب مَالِك أنَّه قَال: من سَبّ النَّبِيّ ﷺ أَو غَيْرِه مِن النَّبِيّين من مُسْلِم أَو كَافِر قُتِل وَلَم يُسْتَتَب، وَقَال أصْبَغ، يُقْتَل عَلَى كُلّ حَال أسَرّ ذَلِك أو أظهره وَلَا يُسْتَتَاب لِأَنّ تَوْبَتَه لَا تُعْرَف، وَقَال عَبْد اللَّه بن عَبْد الْحَكم من سَبّ النَّبِيّ ﷺ من مُسْلِم أو كافر قُتِل وَلَم يستتب) وَحَكَى الطَّبَرِيُّ مثله
_________________
(١) (قوله ابن نويرة) بضم النون وفتح الواو بعدها مثناة تحتية ساكنة. (*)
[ ٢ / ٢١٦ ]
عَن أشْهَب عَن مَالِك، وَرَوَى ابن وَهْب عَن مَالِك من قال إن رداءه النَّبِيّ ﷺ - وَيُرْوَى زِرّ النَّبِيّ ﷺ - وَسِخ أرَاد بِه عَيْبَه قُتِل، وَقَال بَعْض عُلَمَائِنَا أجْمَع الْعُلمَاء عَلَى أَنّ من دَعَا عَلَى نَبِيّ من الأنبياء بالويل أو بشئ مِن الْمَكْرُوه أنَّه يُقْتَل بِلَا اسْتِتَابَة وَأفْتى أَبُو الْحَسَن القابِسيّ فِيمَن قَال فِي النبي ﷺ الْجَمَّال يَتِيم أَبِي طَالِب بالْقَتْل، وَأفْتى أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد بِقَتْل رَجُل سَمِع قَوْمًا يَتَذَاكَرُون صِفَة النَّبِيّ ﷺ إِذ مر بِهِم رَجُل قَبِيح الْوَجْه وَاللَّحْيَة فَقَال لَهُم تُريدُون تَعْرفُون صِفَتَه هي فِي صِفَة هَذَا الْمَارّ فِي خَلْقِه وَلِحْيَتِه قال ولا تقب لتوبته وَقَد كَذَب لَعَنَة اللَّه وَلَيْس يخرج من قلب سُلَيْم الْإِيمَان
وَقَال أَحْمَد بن أَبِي سليمان صاحب سحنون من قَال إنّ النَّبِيّ ﷺ كَان أسْوَد، يُقْتِل، وَقَال فِي رَجُل قِيل لَه لَا وحق رَسُول اللَّه، فَقَال فعل اللَّه برسول اللَّه كذا - وَذَكَر كَلَامًا قَبِيحًا - فَقِيل لَه مَا تَقُول يَا عدو اللَّه؟ فَقَال أشد من كلامه الأول ثُمّ قَال: إنَّمَا أرَدْت برسول اللَّه العَقْرَب فَقَال ابن أَبِي سُلَيْمَان للذي سَألَه أشْهَد عَلَيْه وَأَنَا شَرِيكُك، يريد فِي قتله وثواب ذَلِك.
قَال حبيب بن أبى الربيع لِأَنّ ادَّعَاء التأويل فِي لفظ صراح لَا يقبل أنه استهان وَهُو غَيْر معزر لرسول اللَّه ﷺ وَلَا موقر لَه فوجب إباحة دمه، وأفتى أَبُو عَبْد اللَّه بن عتاب في عشار قَال لرجل أد واشْك إِلَى النَّبِيّ ﷺ وَقَال إن سَأَلْت أَو جَهِلْت
_________________
(١) (قوله الجمال) بفتح الجيم وتشديد الميم (*)
[ ٢ / ٢١٧ ]
فقد جَهِل وسَأل النَّبِيّ ﷺ: بالْقَتْل وَأفْتى فُقَهَاء الأنْدَلُس بِقَتْل ابن حَاتِم المُتَفَقَّة الطُّلَيْطُلِيّ وَصَلْبِه بِمَا شُهد عَلَيْه بِه مِن اسْتِخْفَافِه بحَقّ النَّبِيّ ﷺ وَتَسْمِيَتِه إيَّاه أثْنَاء مُنَاظَرَتِه باليَتِيم وَخَتَن حَيْدَرَة وَزَعْمِه أَنّ زُهْدَه لَم يَكُن قَصْدًا وَلَو قَدَر عَلَى الطَّيّبَات أكَلَهَا إلى أشْبَاه لهذا، وأفنى فُقَهَاء القيرَوَان وَأَصْحَاب سُحْنُون بِقَتْل إبْرَاهِيم الفَزَارِيّ وَكَان شاعِرًا مُتَفَنَّنًا فِي كثير مِن العُلُوم وَكَان مِمَّن يَحْضُر مَجْلِس الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاس بن طَالِب لِلْمُنَاظَرَة فَرُفِعَت عَلَيْه أُمُور مُنْكَرَة من هَذَا الْبَاب فِي الاسْتِهْزَاء بالله وَأنْبِيَائِه وَنِبَيَّنَا ﷺ فأحْضَر لَه الْقَاضِي يَحْيَى بن عُمَر وَغَيْرُه مِن الفُقَهَاء وَأَمَر بِقَتْلِه وَصَلْبِه فَطُعِن بالسَّكّين وَصُلِب مُنَكّسًا ثُمّ أُنْزِل وَأُحْرِق بالنَّار، وَحَكَى بَعْض المؤرخين أنَّه لَمّا رفعت خشبته وزالت عَنْهَا الأيدي استدارت وحوله عَن
القبلة فكان آية للجميع وكبر النَّاس، وجاء كلب فولغ فِي دمه فَقَال يَحْيَى بن عُمَر صَدَق رَسُول اللَّه ﷺ وذكر حديثا عنه ﷺ أنه قَال: (لَا يَلَغُ الْكَلْبُ فِي دَمِ مُسْلِمٍ) وَقَال
_________________
(١) (قوله الطليطلى) بضم الطائين وفتح اللام الأولى وكسر الثانية (قوله وختن حيدرة) في الصحاح الختن كُلَّ من كَان من المرأة مثل الأب والأخ وعند العامة ختن الرجل زوج ابنته. وحيدرة بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية الأسد. والمراد هنا علي بن أبي طالب فان أمه فاطمة بنت أسد سمته في أول ولادته باسم أبيها وكان أبو طالب غائبا فلما قدم سماه عليا فغلب على تسمية أبى طالب وفى صحيح مسلم من إنشاد على * أنا الذى سمتن أمي حيدره * (قوله لا يلغ) بفتح أوله وثانيه ويقال ولغ بفتح اللام وكسرها يلغ بفتح اللام (*)
[ ٢ / ٢١٨ ]
فصل في الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه ﷺ
الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّه بن المُرَابِط: (من قَال إن النَّبِيّ ﷺ الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّه بن المُرَابِط: (من قَال إن النَّبِيّ ﷺ هُزم يُسْتَتَاب فَإِنّ تَاب وإلا قتل لا أنه تَنَقُّص إِذ لَا يَجُوز ذَلِك عَلَيْه فِي خاصّتِه إِذ هُو عَلَى بَصِيرَة من أمْرِه وَيَقِين من عِصْمَتِه، وَقَال حبيب بن ربيع القرويّ: مَذْهَب مَالِك وأصحابه أن من قَال فِيه ﷺ مَا فِيه نَقْص قُتِل دون اسْتِتَابَة، وَقَال ابن عَتَاب: الْكِتَاب والسُّنَّة مَوجِبَان أَنّ من قَصَد النَّبِيّ ﷺ بِأذى أو نَقْص مُعَرَضًا أَو مُصَرَّحًا وإن قَلّ فَقَتْلُه وَاجِب، فَهَذَا الْبَاب كُلُّه مِمَّا عده الْعُلمَاء سَبًّا أَو تَنَقُّصًا يجب قَتْل قائِلِه لَم يَخْتَلف فِي ذَلِك مُتَقَدّمُهُم وَلَا متأخرهم وَإِنّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْم قَتْلِه عى مَا أشَرْنا إليه وَنُبَيّنُه بَعْد وَكَذَلِك أقُول حُكْم من غَمَصَه أَو غَيْرِه بِرعَايَة الغَنَم أَو السَّهْو أَو النَّسْيَان أَو السَّحْر أَو مَا أصَابَه من
جُرْح أَو هَزِيمَة لِبَعْض جُيُوشِه أَو أذى من عدوه أَو شدة من زمنه أَو بالميل إِلَى نسائه فحكم هَذَا كُلُّه لِمَن قصد بِه نقصه القتل وَقَد مضى من مذاهب الْعُلمَاء فِي ذَلِك ويأتي مَا يدل عَلَيْه.
فصل فِي الحجة فِي إيجاب قتل من سبه أَو عَابَه ﷺ فَمِن الْقُرْآن لَعْنُه الله تَعَالَى لِمُؤْذِيه فِي الدُّنْيَا والآخِرَة وقِرَانُه تَعَالَى أذَاه بِأَذَاه وَلَا خِلَاف فِي قَتْل من سَبّ اللَّه وَأَنّ اللَّعْن إنَّمَا يَسْتَوْجِبه من هُو كافِر وَحُكْم الكافر الْقَتْل فَقَال (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله ورسوله) الآيَة وَقَال فِي قاتِل الْمُؤْمِن مِثْل ذَلِك فَمَن لَعْنَتِه فِي الدُّنْيَا القَتْل قَال اللَّه تعالى
[ ٢ / ٢١٩ ]
(مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أخذوا وقتولا تقتيلا) وَقَال فِي المحَاربين وَذِكْر عُقُوبَتِهم (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا) وَقَد يَقَع القَتْل بِمَعْنَي اللَّعْن قَال (قُتِلَ الخراصون) و(قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أنى يؤفكون) أَي لَعَنَهُم اللَّه وَلِأَنَّه فَرّق بَيْن أذّاهُمَا وَأذَى الْمُؤْمِنين وَفِي أذَى الْمُؤْمِنين مَا دُون القَتْل مِن الضَّرْب وَالنَّكَال فَكَان حُكْم مُؤذِي اللَّه ونَبِيَّه أشَدّ من ذَلِك وَهُو الْقَتْل وَقَال اللَّه تَعَالَى (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بينهم) الآيَة فَسَلَب اسْم الْإِيمَان عَمَّن وجَد فِي صَدْرِه حَرَجًا من قَضَائِه وَلَم يُسَلَّم لَه وَمِن تَنَقَّصَه فَقَد نَاقَض هَذَا وَقَال اللَّه تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ - إِلَى قوله - أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ) وَلَا يُحْبط العَمَل إلَّا الْكُفْر وَالْكافِر يُقْتَل وَقَال اللَّه تعالى (وإذا جاؤك حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) ثُمّ قَال (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وَقَال تَعَالَى (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) ثُمّ قَال (وَالَّذِينَ يؤذون الرسول اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ
أليم) وَقَال تَعَالَى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نحوذ ونلعب) إلى قوله (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم) قَال أَهْل التَّفْسِير كَفَرْتُم بِقَوْلِكُم فِي رَسُول اللَّه ﷺ وَأَمَّا الإجْمَاع فَقَد ذَكَرْنَاه وَأَمَّا الآثار فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَلْبُونَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ حدثنا
_________________
(١) (قوله ابن زبالة) بفتح الزاى وتخفيف الموحدة (*)
[ ٢ / ٢٢٠ ]
عبد الله بن مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ محمد بن علي بت الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَاقْتُلُوهُ وَمَن سَبَّ أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ) * وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح أمر النَّبِيّ ﷺ بقَتْل كَعْب ابن الأشْرَف وَقَوْلُه: (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَوَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً دُونَ دَعْوَة بخلاف غَيْرِه مِن المشركين وعلل بأذاه لَه فدل أَنّ قتله إياه لغير الإشراك بَل للأذى وَكَذَلِك قتل أَبَا رافع، قَال البراء وَكَان يؤذي رَسُول اللَّه ﷺ ويعين عَلَيْه وَكَذَلِك أَمْرُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَجَارِيَتَيْهِ اللَّتَيْنِ كانتا تُغَنِّيَانِ بِسَبِّهِ ﷺ * وَفِي حَدِيث آخَر أَنّ رَجُلًا كَان يَسُبُّه ﷺ فَقَال (مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟) فَقَالَ خَالِدٌ أَنَا فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَتَلَهُ وَكَذَلِك أمَر بِقَتْل جَمَاعَة مِمَّن كَان يُؤْذِيه مِن الكُفَّار وَيسبُّه كالنَّضْر بن الحَارِث وَعُقْبَة بن أَبِي مُعَيْط وعَهِد بِقَتْل جَمَاعَة مِنْهُم قَبْل الْفَتْح وَبَعْدَه فَقُتِلُوا إلَّا من بادَر بإسْلَامِه قَبْل القُدْرَة عَلَيْه
وَقَد رَوَى البَزّار عَن ابن عَبَّاس أَنّ عُقْبَة بن أَبِي مُعَيْط نادى يَا مَعَاشِر قُرَيْش مالى أُقْتَل من بَيْنِكُم صَبْرًا؟ فَقَال لَه النَّبِيّ ﷺ (بِكُفْرِكَ وَافْتِرَائِكَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ) وذكر عَبْد الرَّزَّاق أَنّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ (مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟ فَقَالَ
_________________
(١) (قوله غيلة) بكسر الغين المعجمة (*)
[ ٢ / ٢٢١ ]
الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَبَارَزَهُ فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ.
وَرُوي أيضًا أَنّ امْرَأة كَانَت تَسُبُّه ﷺ فَقَال (مَنْ يَكْفِينِي عَدُوَّتِي؟) فَخَرَجَ إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلهَا، وَرُوي أَنّ رَجُلًا كَذَب عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَبَعَث عليا والزبير إليه ليَقتلاه، وَرَوَى ابن قانِع أَنّ رَجُلًا جاء إِلَى النَّبِيّ صلى القه عَلَيْه وَسَلَّم فَقَال يَا رَسُول اللَّه سَمِعْت أَبِي يَقُول فيك قولًا قَبيحًا فقتله فَلَم يشُقّ ذَلِك عَلَى النَّبِيّ ﷺ، وَبَلَغ الْمُهَاجِر بن أَبِي أُمَيَّة أَمِير الْيَمَن لأبي بَكْر ﵁ أَنّ امْرَأة هناك فِي الرّدّة غَنَّت بِسَبّ النبي ﷺ فَقَطَع يَدَهَا وَنَزَع ثَنِيّتَهَا فبَلَغ أَبَا بَكْر ﵁ ذَلِك فَقَال لَه لَوْلَا مَا فَعَلْت لأمَرْتُك بِقَتْلِهَا لِأَنّ حَدّ الْأَنْبِيَاء لَيْس يُشْبه الحُدُود وَعَن ابن عَبَّاس هَجَت امْرَأة من خَطْمَة النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ (مَنْ لِي بِهَا؟) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فقال (لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عنزان) وعن أبى عَبَّاسٍ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ فَقَتَلَهَا وَأَعْلَمَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَأَهْدَرَ دَمَهَا، وَفِي حَدِيث أَبِي بَرْزَة الأسلمي كُنْت يَوْمًا جَالِسًا عِنْد أَبِي بَكْر الصديق فَغَضب عَلَى رَجُل مِن الْمُسْلِمِين
وَحَكَى الْقَاضِي إِسْمَاعِيل وَغَيْر وَاحِد مِن الْأَئِمَّة فِي هَذَا الْحَدِيث أنه سَبّ أَبَا بكر وَرَوَاه النَّسَائِي: أتيت أَبَا بَكْر وَقَد أغلظ لرجل فرد عَلَيْه قَال فَقُلْت
_________________
(١) (قوله ولا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ) أي لا يجرى فِيهَا خُلْف وَلَا نزاع (قوله أبى برزة) بموحدة مفتوحة وراء ساكنة بعدها زاى اسمه فضلة بن عبيد على الصحيح (*)
[ ٢ / ٢٢٢ ]
يَا خليفة رَسُول اللَّه دعني أضرب عنقه فَقَال: اجلس فليس ذَلِك لأحد إلَّا رَسُول اللَّه ﷺ، قَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن نصر وَلَم يُخَالِف عَلَيْه أَحَد، فَاسْتَدَلّ الْأَئِمَّة بَهَذَا الْحَدِيث عَلَى قَتْل من أغْضَب النَّبِيّ ﷺ بِكُلّ مَا أغْضَبه أو آداه أَو سَبّه وَمِن ذَلِك كِتَاب عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز إِلَى عَامِله بِالكُوفَة وَقَد استشَارَه فِي قَتْل رَجُل سَبّ عُمَر ﵁ فَكَتَب إليْه عُمَر: أنَّه لَا يَحِلّ قَتْل امْرِئ مُسْلِم بسَبّ أحد مِن النَّاس إلَّا رَجُلًا سَبّ رَسُول اللَّه ﷺ فَمَن سَبَّه فَقَد حَلّ دَمُه، وَسَأل الرَّشيد مالِكًا فِي رَجُل شَتَم النَّبِيّ ﷺ وَذَكَر لَه أَنّ فُقَهَاء الْعِرَاق افْتَوْه بِجَلْدِه فَغَضب مَالِك وَقَال: يَا أَمِير الْمُؤْمِنين مَا بَقَاء الْأُمَّة بَعْد شَتْم نَبِيّهَا؟ من شَتَم الْأَنْبِيَاء قُتِل وَمِن شَتَم أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ جُلِد.
قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل: كذا وَقَع فِي هَذِه الحكاية رواها غَيْر وَاحِد من أَصْحَاب مناقب مَالِك ومؤلفي أخباره وَغَيْرِهِم وَلَا أدري من هَؤْلَاء الفقهاء بالعراق الَّذِين أفتوا الرشيد بِمَا ذَكَر وَقَد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله ولعلهم مِمَّن لَم يشهر بعلم أو من لَا يوثق بفتواه أو يميل بِه هواه أو يَكُون مَا قاله يحمل عَلَى غَيْر السب فيكون الخِلَاف هَل هُو سَبّ أو غَيْر سَبّ أو يَكُون رجع وتاب عَن سبه فَلَم يقله لمالك عَلَى أصله وَإِلَّا فالإجماع عَلَى قَتْل من سَبَّه كَمَا قَدّمْنَاه وَيَدُل عَلَى قَتْلِه من
جِهَة النّظَر وَالاعتْبَار أَنّ من سَبَّه أو تَنَقّصَه ﷺ فَقَد ظَهَرَت عَلَامَة مَرَض قَلْبِه وَبُرْهَان سرطويته وَكُفْرِه، ولهذا مَا حَكَم لَه كَثِير مِن
[ ٢ / ٢٢٣ ]
فصل فإن قلت فلم لم يقتل النبي ﷺ اليهودي الذى قال له السام عليكم
الْعُلمَاء بالرَّدّة وَهِي رِوَايَة الشّامِيّين عَن مَالِك والأوْزَاعِيّ وقول الثَّوْرِيّ وأبي حنيفة وَالكوَفِيّين والقول الآخر أنَّه دليل عَلَى الكُفْر فَيُقْتَل حَدًّا وإن لَم يُحْكَم لَه بالكُفْر إلَّا أَنّ يُكُون مُتَمَادِيًا عَلَى قَوْلِه غَيْر مُنْكِر لَه وَلَا مُقْلِع عَنْه فَهَذَا كافِر، وَقَوْلُه إِمَّا صَرِيح كُفْر كالتّكْذِيب وَنَحْوِه أو من كَلِمَات الاسْتِهْزَاء وَالذَّمّ فاعْتِرَافُه بِهَا وَتَرَك تَوْبَتِه عَنْهَا دَلِيل اسْتِحْلالِه لِذَلِك وَهُو كُفْر أيْضًا فَهَذَا كَافِر بِلَا خِلَاف قَال اللَّه تَعَالَى فِي مِثْلِه (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كلمة الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسلامهم) قَال أَهْل التَّفْسِير هِي قَوْلُهُم إن كَان مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًا لَنَحْن شَرّ مِن الْحَمِير وَقِيل بَل قَوْل بَعْضُهُم مَا مثلنا ومِثْل مُحَمَّد إلَّا قَوْل القائل سَمّن كَلْبَك يأْكُلك و(لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ منها الأذل) وَقَد قِيل إن قائل مِثْل هَذَا إن كَان مُسْتَتِرًا بِه أَنّ حُكْمَه حُكْم الزَّنْدِيق يُقْتَل ولِأَنَّه قَد غَيّر دِينَه وَقَد قَال ﷺ (مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ) ولأن لِحُكْم النَّبِيّ ﷺ فِي الْحُرْمَة مَزِيَّة عَلَى أمَّتَه وَسَابّ الْحُرّ من أمَّتَه يُحَدّ فَكَانَت العُقُوبَة لِمَن سَبَّه ﷺ القَتْل لِعَظِيم قَدْرِه وَشُفُوف مَنْزِلَتِه عَلَى غَيْرِه
فصل فَإِنّ قُلْت فَلَم لَم يَقْتُل النَّبِيّ ﷺ اليَهُودِيّ الَّذِي قَال لَه السَّام عَلَيْكُم وَهَذَا دُعَاء عَلَيْه وَلَا قَتَل الآخَر الَّذِي قَال لَه إن هَذِه لَقِسْمَة
_________________
(١) (قوله وشفوف) بضم الشين المعجمة وتخفيف الفاء أي فضل منزلته (*)
[ ٢ / ٢٢٤ ]
مَا أُريد بِهَا وجْه اللَّه وَقَد تَأذّى النَّبِيّ ﷺ من ذَلِك وَقَال قَد أُوذِي مُوسَى بأكْثَر من هَذَا فَصَبَر وَلَا قَتَل المُنَافِقِين الَّذِين كَانُوا يُؤْذُونه فِي أَكْثَر الأحْيَان؟ فَاعْلَم وفقنا اللَّه وإياك أن النبي ﷺ كان أَوَّل الْإِسْلَام يَسْتَألِف عَلَيْه النَّاس وَيُمَيّل قُلُوبَهُم وَيَمِيل إليْه ويجيب إِلَيْهِم الْإِيمَان وَيُزَيّنُه فِي قُلُوبِهِم وَيُدَارِئُهُم وَيَقُول لأصحابه إنَّمَا بُعثْتُم مُيَسَرِين وَلَم تُبْعَثُوا مُنَفّرِين وَيَقُول (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) وَيَقُول (لَا يَتَحَدَّثِ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) وَكَان ﷺ يُدَارِي الكُفّار والْمُنَافِقِين وَيُجْمل صُحْبَتَهُم وَيُغْضِي عَنْهُم وَيَحْتَمِل من أذَاهُم وَيَصْبِر عَلَى جَفَائهِم مَا لَا يَجُوز لَنَا الْيَوْم الصّبْر لَهُم عَلَيْه وَكَان يُرْفِقُهُم بالْعَطَاء وَالإحْسَان وبذلك أمَرَه اللَّه تَعَالَى فَقَال تَعَالَى (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وَقَالَ تَعَالَى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ ولى حميم) وَذَلِك لِحَاجَة النَّاس لِلتَّألُّف أَوَّل الْإِسْلَام وَجَمْع الْكَلِمَة عَلَيْه فَلَمّا اسْتَقَرّ وَأظْهَرَه اللَّه عَلَى الدَّين كُلُّه قَتَل من قَدَر عَلَيْه واشْتَهَر أمْرُه كَفِعْلِه بابن خَطِل وَمِن عهد بِقَتْله يَوْم الْفَتْح وَمِن أمْكَنَه قَتْلُه غِيلَة من يَهُود وَغَيْرِهِم أَو غَلبَة مِمَّن لَم يُنْظِمْه قَبْل سِلْك صُحْبَتِه والانحراط فِي جُمْلة مُظْهِري الإيمَان بِه مِمَّن كَان يُؤْذِيه كَابْن
_________________
(١) (قوله ويرفقهم بالعطاء) في الصحاح الرفق ضد العنف وقد رفق به يرفق. وحكى أبو زيد رفقت به بمعنى (١٥ - ٢) (*)
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الأشْرَف وأبي رافِع والنظر وعُقْبَة وَكَذَلِك نَدَر دم جمَاعَة سواهم ككعب ابن زهير وابن زبعر وَغَيْرِهِمَا مِمَّن آذَاه حَتَّى ألْقَوْا بأيْدِيهِم ولَقُوه مسلمين وَبوَاطِن المنافقين مُسْتَتِرَة وَحُكْمُه ﷺ عَلَى الظَّاهِر وأكْثَر تِلْك الكلمات إنَّمَا كَان يَقُولُهَا القَائِل مِنْهُم خُفْيَة ومع أمْثَالِه وَيَحْلِفُون عَلَيْهَا إذَا نُمِيَت وَيُنْكِرُونَهَا وَيَحْلِفُون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وَكَان مَع هَذَا يَطْمَع فِي فَيْأَتِهِم وَرُجُوعِهِم إِلَى الْإِسْلَام وَتَوْبَتِهِم فَيَصْبر ﷺ عَلَى هَنَاتِهِم وَجَفْوَتِهِم كما صبر أولو العَزْم مِن الرُّسُل حَتَّى فاء كثير مِنْهُم باطنًا كَمَا فاء ظاهرًا وأخلص سرًا كَمَا أظهر جهرًا ونفع اللَّه بعد بكثير مِنْهُم وقام مِنْهُم للدين وزراء وأعوان وحماة وأنصار كَمَا جَاءَت بِه الْأَخْبَار وبهذا أجاب بَعْض أئمتنا ﵏ عَن هَذَا السؤال قَال ولعله لَم يثبت عِنْدَه ﷺ من أقوالهم مَا رُفِع وَإِنَّمَا نَقَلَه الوَاحِد وَمِن لَم يَصِل رُتْبَة الشّهَادَة فِي هَذَا الْبَاب من صَبيّ أو عَبْد أَو امْرَأة وَالدّمَاء لَا تُسْتَبَاح إلَّا بِعَدْلَيْن وَعَلَى هَذَا يُحْمَل أمْر اليَهُودِيّ فِي السَّلَام وَأَنَّهُم لَوَّوْا بِه ألْسِنَتَهُم وَلَم يُبَيّنُوه أَلَا تَرَى كَيْف نَبّهَت عَلَيْه عَائِشَة وَلَو كَان صَرّح بِذَلِك لَم تَنْفَرِد بِعِلْمِه ولهذا نَبّه النَّبِيّ ﷺ أصْحَابَه عَلَى فِعْلِهِم وَقِلّة صِدْقِهِم فِي فِعْلِهِم وَقِلّة صِدْقِهِم فِي
_________________
(١) (قوله وابن الزبعرى) بكسر الزاى وفتح الموحدة وسكون العين المهملة والقصر في الأصل السيئ الخلق، وقال أبو عبيدة: الكثير شعر الوجه والحاجبين واللحيين (قوله فيأتهم) أي رجوعهم (قوله حتى فاء) بالمد: أي رجع (*)
[ ٢ / ٢٢٦ ]
سَلامِهِم وخيَانَتِهِم فِي ذَلِك ليًا بِأَلْسَنَتِهِم وطَعْنًا فِي الدين فَقَال إنّ اليَهُود إذَا سَلّم أحدُهُم فَإنَّمَا يَقُول السَّام عَلَيْكُم فَقُولُوا عَلَيْكُم وَكَذَلِك قَال بَعْض
أصْحَابِنَا البَغْدَادِيّين إنّ النَّبِيّ ﷺ لَم يَقْتُل الْمُنَافِقِين بِعِلْمِه فِيهِم وَلَم يَأْت أنَّه قامِت بينه على نِفَاقِهِم فلذلك تَرَكَهُم وأيضا فَإِنّ الأمر كَان سِرًّا وباطِنًا وَظَاهِرُهُم الْإِسْلَام والإيمان وإن كَان من أَهْل الذَّمّة بالعَهْد وَالجِوَار وَالنَّاس قَرِيب عَهْدُهُم بالْإِسْلَام لَم يَتَميّز بَعْد الخَبِيث مِن الطيب وَقَد شَاع عَن المَذْكُورِين فِي الْعَرَب كَوْن من يُتَّهَم بالنَّفَاق من جُمْلَة الْمُؤْمِنين وَصَحَابَة سَيّد الْمُرْسَلِين وَأنصار الدّين بحُكْم ظَاهِرِهم فلو قَتَلَهُم النَّبِيّ ﷺ لِنفَاقِهِم وَمَا يَبْدُر مِنْهُم وَعِلْمِه بِمَا أسَرُّوا فِي أنْفُسِهِم لوَجَد المُنَفَّر مَا يَقُول ولا ارتبا الشَّارِد وَأرْجَف المُعَانِد وَارْتَاع من صُحْبَة النَّبِيّ ﷺ وَالدُّخُول فِي الْإِسْلَام غَيْر وَاحِد وَلَزَعَم الزَّاعِم وَظَنّ الْعَدُوّ الظّالِم أَنّ الْقَتْل إنَّمَا كَان لِلْعَدَاوة وَطَلَب أخْذ التّرة وَقَد رَأَيْت مَعْنَي مَا حَرَرْتُه مَنْسُوبًا إِلَى مالك بن أنس ﵀ ولهذا قَال ﷺ لَا يَتَحَدَّثِ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَقَالَ أُولِئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ وَهَذَا بِخِلَافِ إِجْرَاءِ الأَحْكَام الظَّاهِرة عَلَيْهِم من حدود الزنا وَالْقَتل وَشبْهِه لِظُهُورِهَا وَاسْتِوَاء النَّاس فِي عِلْمِهَا وَقَد قَال مُحَمَّد بن المَوّاز لَو أَظْهَر الْمُنَافِقُون نَفَاقَهُم لَقَتَلَهُم النَّبِيّ ﷺ، وقاله الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن بن الْقَصّار، وَقَال قَتَادَة في تفسير
_________________
(١) (قوله أخذ الترة) بكسر المثناة الفوقفية وتره يتره ترة إذا لم يدرك دم قتيله (*)
[ ٢ / ٢٢٧ ]
قَوْلِه تَعَالَى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا سُنَّةَ اللَّهِ) الآيَة، قَال مَعْنَاه إذَا أظْهَرُوا النّفَاق، وَحَكى مُحَمَّد بن مَسْلَمَة فِي المَبْسُوط عَن زَيْد بن أسْلَم أَنّ قَوْلَه
تعالى (يا أيها النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) نَسَخَها مَا كَان قبلها وَقَال بَعْض مَشَايِخَنَا لَعَلّ القَائِل هَذِه قِسْمَة مَا أُرِيد بِهَا وَجْه اللَّه وَقَوْلُه أعْدِل لَم يَفْهَم النَّبِيّ ﷺ منه اطعن عَلَيْه وَالتَّهَمَة لَه وَإِنَّمَا رَآهَا من وَجْه الغَلَط فِي الرَّأْي وَأُمُور الدُّنْيَا وَالاجْتِهَاد فِي مَصَالِح أهْلِهَا فَلَم يَر ذَلِك سَبًّا وَرَأى أنَّه مِن الأذَى الَّذِي لَه العَفْو عَنْه والصّبْر عَلَيْه فلذلك لَم يُعَاقِبْه وكَذَلِك يُقَال فِي اليَهُود إِذ قَالُوا السَّام عَلَيْكُم لَيْس فِيه صَرِيح سَبّ وَلَا دُعَاء إلَّا بِمَا لَا بُد مِنْه مِن الموت الَّذِي لَا بُد من لِحَاقِه جميع البَشَر وَقِيل بَل المراد؟؟؟ لون دِينَكُم وَالسّأْم وَالسّآمة المَلَال وَهَذَا دُعَاء عَلَى سَآمة الدين لَيْس بِصَريح سَبّ ولهذا تَرْجَم الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث (باب إذَا عَرَّض الذّمّيّ أَو غَيْرِه بِسَبّ النَّبِيّ ﷺ) قَال بَعْض عُلَمَائِنَا وَلَيْس هَذَا بِتَعْرِيض بالسّبّ وَإِنَّمَا هُو تَعْرِيض بالأذَى قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل قَد قَدَّمْنَا أَنّ الأذَى والسّبّ فِي حَقّه ﷺ سَوَاء وَقَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن نَصْر مُجيبًا عَن هَذَا الْحَدِيث ببعض مَا تقدم ثُمّ قَال ولم يذكر
_________________
(١) (قوله نَسَخَها مَا كَان قبلها) كذا في كثير من النسخ والصواب ما في بعضها وهو (نسخت مَا كَان قبلها) لأن الناسخ لا يكون قبل المنسوخ (قوله فَلَم يَر ذَلِك سبا) بالسين المهملة والموحدة المشددة وفى بعض النسخ شيئا بالمعجمة والهمزة (*)
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فِي الْحَدِيث هَل كَان هَذَا اليَهُودِيّ من أَهْل العَهْد والذّمّة أَو الْحَرْب وَلَا يترك موجب الأدلة للأمر المحتمل والأولى فِي ذَلِك كُلُّه والأظهر من هذه الوجوه مقصد الاستئلاف والمداراة عَلَى الدين لعلهم يؤمنون وَلِذَلِك ترجم الْبُخَارِيّ عَلَى حَدِيث القسمة والخوارج (باب من ترك قتال الخوارج
للتألف ولئلا ينفر النَّاس عَنْه) ولما ذكرنا مَعْنَاه عَن مَالِك وقررناه قَبْل وَقَد صبر لَهُم ﷺ عَلَى سحره وسمه وَهُو أعظم من سبه إِلَى أَنّ نصره اللَّه عَلَيْهِم وأذن لَه فِي قتل من حينه مِنْهُم وإنزالهم من صياصبهم وقذف فِي قلوبهم الرعب وكتب عَلَى من شاء منهم الجلاء وأخرجهم من ديارهم وخرب بيوتهم بأيديهم وأيدي الْمُؤْمِنين وكاشفهم بالسب فَقَال يَا إخوة القردة والخنازير وحكم فِيهِم سيوف الْمُسْلِمِين وأجلاهم من جوارهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم لتكون كلمة اللَّه هِي العليا وكلمة الَّذِين كفروا السفلى فَإِنّ قُلْت فَقَد جاء فِي الْحَدِيث الصَّحِيح عَن عَائِشَة ﵂ أنَّه ﷺ (مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شئ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ) فاعْلَم أَنّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أنَّه لَم يَنْتَقِم مِمَّن سَبَّه أَو آذَاه أَو كَذّبَه فَإِنّ هَذِه من حُرُمات اللَّه الَّتِي انْتَقَم لَهَا وَإِنَّمَا يَكُون مَا لَا يَنتَقِم مِنْه لَه فِيمَا تَعَلّق بِسُوء أدَب أَو مُعَامَلَة مِن القَوْل والفِعْل بالنّفْس وَالمَال مِمَّا لم يَقْصُد فاعِلُه بِه أذَاه لَكِن مِمَّا جُبِلَت عَلَيْه
_________________
(١) (قوله من حينه) بمهملة مفتوحة ومثناة تحتية مشددة ونون أي أراد هلاكه من الحين بفتح المهملة وهو الهلاك (قوله من صياصهم) أي حصونهم (*)
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الأعراب مِن الجَفَاء والجهل أو جبل عَلَيْه البَشَر مِن السّفَه كَجَبْذ الْأَعْرَابِيّ إزَارَه حَتَّى أثّر فِي عُنُقِه وكرَفْع صَوْت الآخَر عِنْدَه وَكَجَحْد الْأَعْرَابِيّ شِرَاءَه مِنْه فَرَسَه الَّتِي شهد فِيهَا خزيمة وكما كَان من تظاهر زوجيه عَلَيْه وأشباه هَذَا مِمَّا يحسن الصفح عَنْه وَقَد قَال بَعْض علمائنا إنّ أذى النَّبِيّ ﷺ حرام لَا يجوز بفعل مباح وَلَا غَيْرِه وَأَمَّا غَيْرِه فيجوز بفعل مباح مِمَّا يجوز للانسان فعله وَإِنّ تأذى بِه غَيْرِه واحتج بعموم قَوْلِه
تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدنيا والآخرة) وبقوله ﷺ فِي حَدِيث فاطمة (إنما بِضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا أَلَا وَإِنِّي لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا) أَو يَكُون هَذَا مِمَّا آذَاه بِه كَافِر رَجَا بَعْد ذَلِك إسلامه كَعَفْوه عَن اليهودي الَّذِي سحره وَعَن الْأَعْرَابِيّ الَّذِي أراد قتله وَعَن اليهودية الَّتِي سمته وَقَد قِيل قتلها ومثل هَذَا مِمَّا يبلغه من أذى أَهْل الْكِتَاب والمنافقين فصفح عَنْهُم رجاء استئلافهم واستئلاف غَيْرِهِم كَمَا قررناه قَبْل وبالله التوفيق
_________________
(١) (قوله كَجَبْذ الْأَعْرَابِيّ إزَارَه) قال المزى لا يصح أن يكون للإزار ذكر هنا لأن الإزار ما يتزر به الإنسان في وسطه والرداء ما يجعله على عاتقه وأكتافه والرواية في الحديث بردائه ويقع ذَلِك فِي بَعْض النسخ (قوله زوجيه) بمثناة تحتية ساكنة (*)
[ ٢ / ٢٣٠ ]
فصل قال القاضى تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه والإزراء به
فصل قَال الْقَاضِي تقدم الْكَلَام فِي قَتْل القاصِد لِسَبّه وَالإزْرَاء بِه وَغَمْصِه بأيّ وَجْه كَان من مُمْكِن أَو مُحَال فَهَذَا وَجْه بَيْن لَا إشْكَال فِيه * الْوَجْه الثاني لَا حَقّ بِه فِي الْبَيَان وَالْجَلَاء وَهُو أن يَكُون الْقَائِل لَمّا قَال فِي جِهَتِه ﷺ غَيْر قَاصِد لِلسّبّ وَالْإزْرَاء وَلَا مُعْتِقَد لَه ولكنه تَكَلّم فِي جِهَتِه ﷺ بِكَلِمَة الْكُفْر من لَعْنِه أَو سَبَّه أَو تَكذيبِه أَو إضَافَة مَا لَا يَجُوز عَلَيْه أَو نَفْي مَا يجيب لَه مِمَّا هُو فِي حَقّه ﷺ نَقِيصَة مِثْل أَنّ يَنْسِب إليْه إتْيَان كَبِيرَة أَو مُداهَنَة فِي تبليغ الرّسَالة أَو فِي حُكْم بَيْن النَّاس أَو يَغُضّ من مَرْتبته أَو شَرَف نَسَبَه أَو وُفُور عِلْمِه أَو زُهْدِه أَو يُكَذّب بِمَا اشْتَهَر من أُمُور أخْبَر بِهَا ﷺ وتَوَاتَر الْخَبَر بِهَا عَن قصْد لِرَد خَبَرِه أَو يَأْتِي بِسَفَه مِن الْقَوْل أَو قَبِيح مِن الْكَلَام ونوع مِن السَّبّ فِي جِهَتِه وإن ظَهَر بِدَلِيل حَالِه أنَّه لَم يَعْتَمِد ذَمّه وَلَم يَقْصِد سَبَّه إِمَّا لِجَهَالَة حملته عَلَى مَا قاله أَو لِضَجِر أَو سُكْر أضْطَرّه إليْه أَو قِلّة مُرَاقَبَة وَضَبْط لِلسَانِه.
وعَجْرَفَة وَتَهَوُّر فِي كَلَامِه فَحُكْم هَذَا الْوَجْه حُكْم الْوَجْه الأوّل الْقَتْل دون تَلَعْثُم إِذ لَا يُعْذَر أَحَد فِي الْكُفْر بِالْجَهَالَة وَلَا بدعوى زلل اللسان ولا بشئ مِمَّا ذكرناه إذَا
_________________
(١) (قوله أو لضجر) أي لقلق (قوله وعجرفة) في الصحاح جمل به تعجرف وعجرفة كان فيه خرقا وقلة مبالاة لسرعته (قوله وَتَهَوُّر فِي كَلَامِه) التهور الوقوع في الشئ بقلة مبالاة (قوله دون تلعثم) في الصحاح تلعثم الرجل في الأمر إذا تمكث فيه (*)
[ ٢ / ٢٣١ ]
فصل الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله
كَان عقله فِي فطرته سليمًا إلَّا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وبهذا أفتى الأندلسيون عَلَى ابن حَاتِم فِي نَفْيه الزُّهْد عَن رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وآله وسلم الَّذِي قَدّمْنَاه وَقَال مُحَمَّد بن سُحْنُون فِي المَأمُور يَسُبّ النَّبِيّ صلى الله تعالى عَلَيْه وَسَلَّم فِي أيْدِي العَدُوّ يُقْتَل إلَّا أن يُعْلَم تَبَصُّرُه أَو إكْرَاهُه وَعَن أَبِي محمد ابن أَبِي زيد لَا يُعْذَر بدَعْوَى زَلَل اللسان فِي مِثْل هَذَا وَأفْتى أبو الحسن القابسي فِيمَن شَتَم النَّبِيّ ﷺ فِي سُكْره يُقْتَل لِأَنَّه يُظَنّ بِه أنَّه يَعْتَقِد هَذَا ويَفْعَلُه فِي صَحْوِه وَأيْضًا فَإنَّه حَد لَا يُسْقِطُه السُّكْر كَالْقَذْف وَالْقَتْل وَسَائِر الحُدُود لِأَنَّه أدْخَلَه عَلَى نَفْسِه لِأَنّ من شَرِب الخَمْر عَلَى عِلْم من زَوَال عَقْلِه بِهَا وَإتْيَان مَا يُنْكَر مِنْه فَهُو كَالْعَامِد لَمّا يَكُون بِسَبَبِه وَعَلَى هذا ألْزَمْنَاه الطّلَاق وَالْعِتَاق وَالْقِصَاص وَالحُدُود وَلَا يُعْتَرَض عَلَى هَذَا بِحَدِيث حَمْزَة وَقَوْلُه للنَّبِيّ ﷺ وهل أنْتُم إلا عبيد لأبى قَال فَعَرَف النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أنَّه ثمل فَانْصَرَف لِأَنّ الخَمْر كَانَت حِينَئِذ غَيْر مُحَرّمة فَلَم يَكُن فِي جِنَايَاتَها إثْم وَكَان حُكْم مَا يَحْدُث عَنْهَا مَعْفُوا عَنْه كَمَا يَحْدُث مِن النّوْم وَشُرْب الدّوَاء الْمَأْمُون
فصل الْوَجْه الثالث أَنّ يقصد إِلَى تَكْذيبه فِيمَا قاله أَو أتى بِه أَو وُجُودَه أَو يَكْفُر أَو يَنْفِي نُبُوّتَه أو رسالته بِه انْتَقَل بِقَوْلِه ذَلِك إلى دِين آخر غير
_________________
(١) ثمل بفتح المثلثة وكسر الميم: أي سكران، يقال ثمل الرجل بالكسر، ثملا: إذا أخذ فيه الشراب. (*)
[ ٢ / ٢٣٢ ]
مِلّتِه أم لَا؟ فَهَذَا كَافِر بإجْمَاع يَجِب قَتْلُه ثُمّ يُنْظَر فإن كَان مُصَرّحًا بِذَلِك كَان حُكْمُه أشْبَه بِحُكْم الْمُرْتَد وَقِوي الخِلَاف فِي اسْتِتَابِتِه وَعَلَى القَوْل الآخَر لَا تُسْقِط القَتْل عنه تَوْبَتُه لِحَقّ النَّبِيّ ﷺ إنّ كَان ذَكَرَه بِنقِيصَة فِيمَا قاله من كَذِب أَو غَيْرِه وَإِنّ كَان متسترا بِذَلِك فَحُكْمُه حُكْم الزَّنْدِيق لَا تُسْقِط قَتْلَه التّوْبَة عِنْدَنَا كَمَا سَنُبَيّنُه قَال أَبُو حنيفة وأصحابه من برئ من مُحَمَّد أَو كَذب بِه فَهُو مُرْتَد حَلَال الدَّم إلَّا أن يَرْجِع وَقَال ابن الْقَاسِم فِي المسلم إذَا قَال إنّ مُحَمَّدًا ليس بنبي أو لَم يُرْسَل أَو لم ينزل عليه قُرْآن وَإِنَّمَا هُو شئ تَقَوّلَه يُقْتَل وَقَال وَمِن كَفَر بِرسول اللَّه ﷺ وأنْكَرَه مِن الْمُسْلِمِين فَهُو بِمَنْزِلَة المُرْتَد وَكَذَلِك من أعْلَن بِتَكْذِيبه أنَّه كَالْمُرْتَد يُسْتَتَاب وَكَذَلِك قَال فِيمَن تَنَبّأ وزعم أنه يُوحَى إليه وقاله سُحْنُون وَقَال ابن الْقَاسِم دعا إِلَى ذَلِك أَو جهرا وقال أصبغ وَهُو كَالْمُرْتَد لِأَنَّه قَد كَفَر بِكِتَاب اللَّه مَع الْفِرْيَة عَلَى اللَّه وَقَال أشْهَب فِي يَهُودِيّ تَنَبّأ أَو زَعَم أنَّه
أُرْسل إِلَى النَّاس أَو قَال بَعْد نَبِيكُم نَبِيّ أنَّه يُسْتَتَاب إنّ كَان مُعْلِنًا بِذَلِك فإن تَاب وَإِلَّا قُتِل وَذَلِك لِأَنَّه مُكَذّب للنَّبِيّ ﷺ فِي قَوْلِه لَا نَبِيّ بَعْدِي مفتر عَلَى اللَّه فِي دعواه عَلَيْه الرسالة والنبوة، وَقَال مُحَمَّد بن سحنون من شك فِي حرف مِمَّا جاء بِه مُحَمَّد ﷺ عن اللَّه فَهُو كافر جاحد، وَقَال: من كذب النَّبِيّ ﷺ كَان حكْمُه عِنْد
[ ٢ / ٢٣٣ ]
فصل الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل
الْأُمَّة القتل، وَقَال أَحْمَد بن أَبِي سُلَيْمَان صاحب سحنون: من قال إن النبي ﷺ أسْوَد قتل.
لم يمكن النَّبِيّ ﷺ بأَسْوَد وَقَال نَحْوَه أَبُو عُثْمَان الْحدَّاد قَال: لَو قَال إنَّه مات قَبْل أن يَلْتَحِي أَو أنَّه كان بناهرت وَلَم يَكُن بِتِهَامَة قتل لِأَنّ هَذَا نَفْي قَال حبيب بن ربيع تَبْدِيل صِفَتِه وَمَوَاضِعِه كُفْر والْمُظْهرُ له كافِر وَفِيه الاسْتِتَابَة وَالمُسِرّ لَه زِنْدِيق يُقْتَل دون اسْتِتَابَة
فصل الْوَجْه الرابع أن يَأْتِي مِن الْكَلَام بِمُجْمَل وَيَلْفظ مِن القَوْل بِمُشْكِل يمكن حمله عَلَى النَّبِيّ ﷺ أَو غَيْرِه أَو يُتَرَدّد فِي المُرَاد بِه من سَلَامِتِه مِن الْمَكْرُوه أَو شَرّه فَههُنَا مُتَرَدّد النَظَر وَحَيْرَة الْعِبَر وَمَظنَّه اخْتِلَاف المُجْتَهِدِين ووقفة اسْتِبْرَاء المُقَلّدِين لِيَهْلِك من هلك عَن بَيّنَة وَيَحْيَا من حَيّ عَن بَيّنَة فَمِنْهُم من غَلّب حُرْمَة النَّبِيّ ﷺ وَحَمى حِمى عِرْضِه فَجَسَر عَلَى الْقَتْل وَمِنْهُم من عَظّم حُرْمَة الدم
_________________
(١) ثمل الرجل بالكسر ثملا إذا أخذ فيه الشراب (قوله بتهامة) بكسر الفوقية اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود اللريح وقال ابن قرقول سميت بذلك لتغير هوائها يقال تهم الرهن إذا تغير (قوله متردد) بفتح الراء والدال الأولى المشددة (قوله وحيرة العبر) الحيرة بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية والعبر بكسر العين المهملة وفتح الموحدة (قوله ومظنة) بفتح الميم وكسر الظاء المعجمة وتشديد النون، في الصحاح مظنة الشئ موضعه ومألفه الذى يظن كونه فيه (*)
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وَدَرَأ الحَد بالشّبْهَة لاحْتِمَال القَوْل وَقَد اخْتُلِف أئِمّتُنا فِي رَجُل أغْضَبَه غَريمُه فَقَال لَه صلّ عَلَى مُحَمَّد ﷺ فَقَال لَه الطَّالِب لَا صَلَّى اللَّه عَلَى من صَلَّى عَلَيْه فَقِيل لِسُحْنُون هَل هُو كَمَن شَتَم النَّبِيّ ﷺ أَو شَتم الْمَلَائِكَة الَّذِين يُصَلُّون عَلَيْه؟ قَال: لَا إذَا كَان عَلَى مَا وَصَفْت من الغَضَب لأنه لم يَكُن مُضْمِرًا الشّتْم، وَقَال أَبُو إِسْحَاق البَرْقِيّ وأصْبَغ بن الفَرَج لَا يُقْتَل لِأَنَّه إنَّمَا شَتَم النَّاس وَهَذَا نَحْو قَوْل سُحْنُون لِأَنَّه لَم يَعْذِرْه بالغضَب فِي شَتَم النَّبِيّ ﷺ ولكنه لَمّا احْتَمَل الْكَلَام عِنْدَه وَلَم تكن مَعَه قَرِينَة تَدُلّ عَلَى شتم النبي ﷺ أو شَتْم الْمَلَائِكَة صَلَوات اللَّه عَلَيْهِم وَلَا مُقَدّمَة يُحْمِل عَلَيْهَا كلامه بَل القرينة تدل عَلَى أَنّ مراده النَّاس غَيْر هَؤْلَاء لِأَجْل قَوْل الآخر لَه صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ فحمل قَوْله وسبه لِمَن يُصَلّي عَلَيْه الآن لأجْل أمْر الآخَر لَه بَهَذَا عِنْد غضبه هَذَا معنى قوله سُحْنُون وهو مطابق لعلة صاحبيه وذهب الحَارِث بن مسكين الْقَاضِي وَغَيْرُه فِي مِثْل هَذَا لإلى القتل وتوقف أَبُو الْحَسَن القابسي فِي قَتْل رَجُل قَال كُلّ صَاحِب فُنْدُق قَرْنان وَلَو كَان نَبِيًّا مُرْسلًا فأمَر بِشَدّه بالقُيُود وَالتّضْيِيق عَلَيْه حَتَّى يُسْتَفْهَم البَيّنَة عَن جُمْلَة ألفَاظِه وَمَا يَدُلّ عَلَى مَقْصدِه هَل أرَاد أصْحَاب الفَنَادق الآن فَمَعْلُوم أنَّه لَيْس فِيهِم نَبِيّ مُرْسل فيكون أمْرُه أخفّ قَال وَلَكِن
ظَاهِر لَفْظِه العُمُوم لِكُلّ صَاحِب فُنْدُق مِن المُتَقَدّمِين وَالْمُتأخّرِين
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وَقَد كَان فِيمَن تَقدّم مِن الْأَنْبِيَاء والرُّسُل مِن اكْتَسَب الْمَال قَال وَدَم المسلم لَا يُقْدَم عَلَيْه إلَّا بِأَمْر بَيْن وَمَا تُرَدّ إليه التأويلات لَا بُد من إمْعان النَّظَر فِيه هَذَا مَعْنَي كلامه وحُكي عَن أَبِي مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد ﵀ فِيمَن قَال لَعَن اللَّه العَرَب وَلَعَن اللَّه بَنِي إِسْرَائِيل ولعن اللَّه بَنِي آدَم وَذَكَر أنَّه لَم يُرد الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا أرَدْت الظّالمِين مِنْهُم أَنّ عَلَيْه الأدَب بِقَدْر اجْتِهَاد السُّلْطَان وَكَذَلِك أفْتى فِيمَن قَال: لعن اللَّه من حرم المسكر وَقَال لَم أَعْلَم من حَرّمَة وفيمن لَعَن حَدِيث لَا يَبَع حاضَر لِبَاد ولعن مَا جاء بِه أنَّه إنّ كَان يُعْذَر بالجَهل وعدم معرفة السُّنَن فَعَلَيْه الأدب الْوَجِيع وَذَلِك أَنّ هَذَا لَم يَقْصد بِظَاهِر حاله سَبّ اللَّه وَلَا سَبّ رَسُولِه وَإِنَّمَا لعن من حَرّمَه مِن النَّاس عَلَى نَحْو فَتْوى سُحْنُون وأصحابه فِي المَسْأَلَة المُتَقَدّمَة ومثل هَذَا مَا يَجْرِي فِي كَلَام سُفَهَاء النَّاس من قوله بَعْضُهُم لِبَعْض - يَا ابْن أَلْف خِنْزِير، ويا ابن مِائَة كَلْب - وَشِبْهِه من هُجْر القَوْل وَلَا شك أنَّه يَدْخل فِي مِثْل هَذَا العدد من آبائه وأجْدَادِه جَمَاعَة مِن الْأَنْبِيَاء وَلَعَلّ بَعْض هَذَا العَدَد مُنْقَطِع إِلَى آدَم ﵇ فيبلغني الزّجْر عَنْه وتبيين مَا جهل قائله مِنْه وشدة الأدَب فِيه وَلَو علم أنَّه قَصَد سَبّ من فِي آبائِه مِن الْأَنْبِيَاء عَلَى علم لَقُتِل وَقَد يُضَيَّق القَوْل فِي نَحْو هَذَا لَو قال لرجل هاشمى لعن الله بنى هاشم، وقال: أرَدْت الظّالمِين مِنْهُم أو قَال لِرَجُل من ذُرّيّة النَّبِيّ ﷺ قَوْلًا قَبيحًا فِي آبائِه أَو من نَسْلِه أَو وَلَدِه عَلَى علم مِنْه أنَّه من ذُرّيَّة النَّبِيّ ﷺ وَلَم تكن
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قَرِينَة فِي المَسْأَلَتَيْن تَقْتَضِي تَخْصِيص بَعْض آبائه وإخْرَاج النَّبِيّ ﷺ مِمَّن سَبَّه مِنْهُم وَقَد رَأَيْت لأبي مُوسَى بن مَنَاس فِيمَن قَال لِرَجُل لَعَنَك اللَّه إِلَى آدَم ﵇ أنَّه إن ثَبَت عَلَيْه ذَلِك قُتِل قَال الْقَاضِي وَفَّقَه اللَّه وَقَد كَان اخْتَلَف شُيُوخُنَا فِيمَن قَال لِشَاهِد شَهِد عليه بشئ ثُمّ قَال لَه تَتّهِمُنِي؟ فَقَال لَه الآخَر: الْأَنْبِيَاء يُتّهَمون فَكَيْف أنْت؟ فكان شَيْخُنَا أَبُو إِسْحَاق بن جَعْفَر يرى قَتْلَه لِبَشَاعَة ظَاهِر اللفظ وَكَان الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن مَنْصُور يتوقف عَن القتل الاحتمال اللَّفْظ عِنْدَه أن يَكُون خَبَرًا عَمَّن اتّهَمَهُم مِن الْكُفَّار وَأفْتَى فِيهَا قاضِي قُرْطُبَة أَبُو عَبْد اللَّه بن الْحَاجّ بِنَحْو من هَذَا وَشَدَّد الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد تَصْفِيدَه وَأطَال سجْنَه ثُمّ اسْتحْلَفَه بَعْد عَلَى تَكْذِيب مَا شُهد بِه عليه إذ دَخَل فِي شَهَادَة بعض من شهد عليه وهن ثم أطْلَقَه وَشَاهَدْت شَيْخَنَا الْقَاضِي أَبَا عَبْد اللَّه بن عِيسَى أيام قَضَائِه أُتِيّ بِرَجُل هَاتَر رَجُلًا اسْمُه مُحَمَّد ثُمّ قَصَد إِلَى كَلْب فَضَرَبَه برجْلِه وَقَال لَه: قم يَا مُحَمَّد فَأنْكَر الرَّجُل أن يَكُون قَال ذَلِك وَشَهِد عَلَيْه لفف مِن النَّاس فأمر بِه إِلَى السجن وتقصّى عَن حاله وهل يَصْحَب من يُسْتَرَاب بِدِينه فَلَمّا لم يَجد مَا يُقَوّى الرّيبَة باعْتِقَادِه ضَرَبَه بالسّوْط وأطلقه
_________________
(١) (قوله ابن مناس) بفتح الميم وتخفيف النون وفى آخره سين مهملة (قوله هاتر رجلا) أي فاتحه في القول من الهترة وهو الباطل والسقط من الكلام (قوله لَفِيف مِن النَّاس) أي ما اجتمع من الناس من قبائل شتى (*)
[ ٢ / ٢٣٧ ]
فصل الوجه الخامس أن لا يقصد نقصا ولا يذكر عيبا
فصل الْوَجْه الخامس أن لَا يَقْصِد نَقْصًا وَلَا يَذْكُر عَيْبًا وَلَا سَبًّا لكنه يَنْزَع بِذِكْر بَعْض أوْصَافِه أَو يَسْتَشْهِد بِبَعْض أَحْوَالِه ﷺ الْجَائزَة عَلَيْه فِي الدُّنْيَا عَلَى طَرِيق ضَرْب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو عَلَى التشبه بِه أَو عِنْد هضيمة نالته أو غضاضة لحقته لَيْس عَلَى طريق التأسي وطريق التحقيق بَل عَلَى مَقْصِد التَّرْفِيع لِنَفْسِه أَو لِغَيْرِه أَو عَلَى سَبِيل التّمْثِيل وعدم التّوْقِير لِنَبِيّه ﷺ أَو قَصْد الْهَزْل وَالتّنْذِير بِقَوْلِه كقول القائِل إن قِيل فِي السُّوء فَقَد قِيل فِي النَّبِيّ أَو إن كُذّبْت فَقَد كُذّب الْأَنْبِيَاء أَو إن أذْنَبْت فَقَد أذْنَبُوا أَو أَنَا أسْلَم من ألْسِنَة النَّاس وَلَم يَسْلَم مِنْهُم أنبِيَاء اللَّه ورسله أَو قَد صَبَرْت كَمَا صَبَر أُولُو العَزْم أَو كَصَبْر أَيُّوب أَو قَد صَبَر نَبيّ اللَّه عَن عِدَاة وَحَلُم عَلَى أكْثَر مِمَّا صَبَرْت وكقول المتنى: أَنَا فِي أُمَّة تَدَارَكَهَا اللَّه غَرِيب كَصَالِح فِي ثَمُود
_________________
(١) (قوله ولا سبا) بالسين المهملة والموحدة (قوله أَو عِنْد هضيمة) بفتح الهاء وكسر الضاد المعجمة وهى أن يهتضمك القوم شيئا أي يظلمونك أياه (قوله غضاضة) بغين معجمة وضادين معجمتين أي ذلة ومنقصة (قوله المتنبي) هو أبو الطلب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفى ولد سنة ثلاث وثلاثمائة ونشأ بالبادية والشام ومات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة قال السمعاني في الأنساب إنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه كثير من كلب وغيرهم فخرج إليهم لؤلؤ أمير حمص بالأخشيدة فأسره وسجنه طويلا ثم أشهد عليه أنه تاب وكذب نفسه فيما ادعاه وأطلقه (*)
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وَنَحْوَه من أشْعَار الْمُتَعَجْرِفِين فِي الْقَوْل الْمُتَسَاهِلِين فِي الْكَلَام كقول المَعَرّي كُنْت مُوسَى وَافَتْه بِنْت شُعَيْب * غَيْر أن لَيْس فِيكُمَا من فَقِير
عَلَى أَنّ آخِر الْبَيْت شديد وَدَاخل فِي الإزْرَاء وَالتَّحْقِير بالنَّبِيّ ﷺ وتفضيل حال غَيْرِه عَلَيْه وَكَذَلِك قَوْله لَوْلَا انْقِطَاع الْوَحْي بَعْد مُحَمَّد * قُلْنَا مُحَمَّد عَن أَبِيه بَدِيل هُو مِثْلُه فِي الْفَضْل إلَّا أنَّه * لَم يَأْتِه بِرِسَالَة جِبْرِيل فَصَدْر البَيْت الثاني من هَذَا الفَصْل شَديد لِتَشْبِيهه غَيْر النَّبِيّ ﷺ فِي فَضْلِه بالنبي والعَجُز مُحْتَمِل لِوَجْهِين أحَدُهُمَا أَنّ هَذِه الفضيلة نَقّصَت الْمَمْدُوح وَالآخَر اسْتِغْنَاؤُه عَنْهَا وَهَذِه أشَدّ ونحو مِنْه قَوْل الآخِر وَإذَا مَا رُفِعَت رَاياتُه * صَفّقَت بَيْن جَنَاحَي جَبْرِين وقول الآخَر من أَهْل العَصْر فَرّ مِن الخُلْد وَاسْتَجَار بنا * فَصَبَّر اللَّه قَلْب رضوان وكقول حسان المصيصي من شعراء الأندلس فِي مُحَمَّد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أَبِي بَكْر بن زيدون
_________________
(١) (قوله كقول المعرى) هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان توفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرة
[ ٢ / ٢٣٩ ]
كأن أَبَا بَكْر أَبُو بَكْر الرضا * وحَسّان حَسَّان وَأنْت مُحَمَّد إِلَى أمثال هَذَا وَإِنَّمَا أكثرنا بشاهدها مَع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ولتساهل كثير مِن النَّاس فِي ولوج هَذَا الْبَاب الضنك واستخفافهم فادح هَذَا العبء وقلة علمهم بعظيم مَا فِيه مِن الوزر وكلامهم مِنْه بِمَا لَيْس لَهُم بِه علم وتحسبونه هينا وَهُو عِنْد اللَّه عظيم لَا سيما الشعراء وأشدهم فِيه تصريحًا وللسانه تسريحًا ابن هانئٍ الأندلسي وَابْن سُلَيْمَان المعري بَل قَد خرج كثير من كلامهما إِلَى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر وَقَد أجبنا عَنْه وغضرنا الآن الْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل الَّذِي سقنا أمثلته فَإِنّ هذا كلها وَإِنّ لَم تَتَضمن سبًّا وَلَا أضافت إِلَى الْمَلَائِكَة والأنبياء نقصا وَلَسْت أعْنِي عَجُزَي بَيْتِي المَعَرّي وَلَا قَصَد قائلها إزارة وَغَضًّا فَمَا وَقّر النُّبُوَّة وَلَا عَظّم الرسالة ولا غزر حُرْمَة الاصْطِفَاء وَلَا عزز حُظْوَة الكَرَامَة حَتَّى شَبّه من شَبّه فِي كَرَامَة نالَهَا أَو مَعَرَّة قَصَد الانْتِفَاء مِنْهَا أَو ضرب مثل لتطبيب مَجْلِسِه أَو إغْلاء فِي وَصْف لِتَحْسِين كَلَامِه بمَن عَظّم اللَّه خَطَرَه وَشَرّف قَدْرَه وَألزَم تَوْقِيرَه وَبِره ونهى عَن جهر
_________________
(١) (قوله الضنك) أي الضيق (قوله فادح) بالفاء وبالدال المكسورة أي شاف (قوله ابن هانئٍ الأندلسي) هو أبو القاسم محمد الشاعر شاعر العرب كالمتنبي في الشرق توفى سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعمره ست وثلاثون سنة وقيل اثنان وأربعون سنة ببرقة متوجها من مصر إلى المغرب أضافه شخص فعربدوا عليه فقتلوه وقيل بل وجد مخنوقا وقيل بل نام فوجد ميتا (*)
[ ٢ / ٢٤٠ ]
القَوْل لَه ورفع الصوت عِنْدَه فحق هَذَا إن درئ عَنْه القتل: الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعة مقاله ومقتضى قبح مَا نطق بِه ومألوف عادته لمثله أَو ندوره وقرينة كلامه أو ندمه عَلَى ما سبق مِنْه وَلَم يزل المتقدمون ينكرون مِثْل هَذَا مِمَّن جاء بِه وَقَد أنكر الرشيد عَلَى أَبِي نواس قَوْله فإن يَك باقي سِحْر فِرْعَوْن فِيكُم * فَإِنّ عَصَا مُوسَى بِكَفّ خَصِيب وَقَال لَه يابن اللّخْنَاء أنْت المُسْتَهْزِئ بِعَصَا مُوسَى وأمَر بإخْرَاجِه عَن عَسْكَرِه من لَيْلَتِه وَذَكَر اليقتبى أَنّ مِمَّا أُخِذ عَلَيْه أيْضًا وَكُفّر
فِيه أَو قَارَب قَوْله فِي مُحَمَّد الْأَمِين وتَشْبِيهِه إيَاه بالنبي ﷺ حَيْث قَال: تَنَازَع الأحْمَدَان الشّبْه فاشْتَبَهَا * خَلْقا وَخُلقًا كَمَا قَد الشّراكَان وَقَد أنْكَرُوا عَلَيْه أيْضًا قَوْله كيف لا يدينك من أَمَل * من رَسُول اللَّه من نَفَرِه
_________________
(١) (قوله عَلَى أَبِي نواس) هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح توفى سنة خمس وقيل ست وقيل ثمان وتسعين ومائة ببغداد (قوله يا بن اللخناء) لخن السقاء بالسر أي أنتن وقال ابن الأثير في حديث ابن عمر يا بن اللخناء هي المرأة التى لم تختن وقيل اللخن النتن وقد لخن السقاء يلخن انتهى (قَوْله فِي مُحَمَّد الأمين) هو ابن الرشيد بن المهدى (قوله وقد أنكروا) أيضا عليه أي عَلَى أَبِي نواس (قوله من رسول الله) بفتح الميم (قوله من نفره) النفرة بالتحريك عدة رجال من ثلاث إلى عشرة (١٦ - ٢) (*)
[ ٢ / ٢٤١ ]
لِأَنّ حَقّ الرَّسُول وموجب تعظيمه وإناقة مَنْزلَتِه أن يُضَاف إليْه وَلَا يُضَاف فَالْحُكْم فِي أمْثَال هَذَا مَا بَسَطْنَاه فِي طَرِيق الْفُتْيَا على هَذَا المَنْهج جَاءَت فُتْيَا إمام مَذْهِبنَا مَالِك بن أنس ﵀ وأصحابه في النّوَادِر من رِوَايَة ابن أَبِي مَرْيَم فِي رَجُل غَيْر رَجُلًا بالْفَقْر فَقَال: تعيرني بالْفَقْر وَقَد رَعَى النَّبِيّ ﷺ الغَنَم فَقَال مَالِك قَد عَرّض بِذِكْر النَّبِيّ ﷺ فِي غَيْر مَوْضِعه أرى أَنّ يُؤَدّب قَال: وَلَا يَنْبَغِي لأهل الذُّنُوب إذَا عُوتِبُوا أَنّ يَقُولُوا قَد أخْطَأت الْأَنْبِيَاء قبْلَنَا، وَقَال عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز لِرجل: (أنْظُر لَنَا كَاتِبًا يَكُون أبُوه عَرَبيًّا) فَقَال كَاتِب لَه: قَد كَان
أَبُو النَّبِيّ كَافِرًا.
فَقَال: (جَعَلْت هَذَا مَثلًا) فعَزَلَه وَقَال: (لَا تَكْتُب لِي أبدًا) وَقَد كَرِه سُحْنُون أن يصلى على النبي ﷺ عِنْد التَّعَجُّب إلَّا عَلَى طَرِيق الثَّوَاب وَالاحْتِسَاب تَوْقِيرًا لَه وَتَعْظِيمًا كَمَا أمرنا اللَّه وسئل القابسي عَن رَجُل قَال لرجل قبيح كَأنَّه وجه نكير، ولرجل عبوس كَأنَّه وجه مالك الغضبان فقال أي شئ أراد بَهَذَا ونكير أَحَد فتاني القبر وهما ملكان فَمَا الَّذِي أراد أروع دخل عَلَيْه حِين رآه من وجهه أم عاف النظر إليْه لدمامة خلقه فَإِنّ كَان هَذَا فَهُو شديد لِأَنَّه جرى مجرى التحقير والتهوين فَهُو أشد عقوبة وليس فيه تصريح بالسب للملك
_________________
(١) (قوله لدمامة خلقه) الدمامة بتفح الدال المهملة وتخفيف الميم القبح والحلق بفتح الهاء المهملة قال المزى الدمامة بالدال المهملة في الخلق بفتح الخاء المعجمة والذمامة بالذال المعجمة في الخلق بضم الخاء المعجمة (*)
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وأنما السب واقع عَلَى المخاطب وَفِي الأدب بالسوط والسجن نَكال لِلسُّفَهَاء، قَال: (وَأَمَّا ذَاكِر مَالِك خازن النَّار فَقَد جفا الَّذِي ذَكَرَه عِنْد مَا أنكر حاله من عُبُوس الآخَر إلَّا أَنّ يَكُون المُعَبّس لَه يَد فَيُرْهَب بِعبْسَتِه فَيُشَبّهَه الْقَائِل عَلَى طريق الذّمّ لهذا في فعليه ولزومه فِي ظلمه صفة مَالِك الْمُلْك المطيع لربه فِي فعله فَيَقُول كَأنَّه لله يَغْضَب غضبه مَالِك فيَكُون أخفّ وما كان يَنْبَغِي لَه التعرض لمثل هذا ولو كَان أَثْنَى عَلَى العبوس بعبسته واحتج بِصِفَة مَالِك كَان أشَد وَيُعَاقَب الْمُعَاقَبَة الشَّدِيدَة وَلَيْس فِي هَذَا ذَم لِلْمَلَك ولو قَصَد ذَمّه لقُتِل وَقَال أَبُو الْحَسَن أيضا فِي شابّ معروف بالْخَيْر قَال لِرَجُل شَيْئًا فَقَال لَه الرجل اسْكُت فإنك أمَّيّ فَقَال الشابّ ألْيس كَان النَّبِيّ ﷺ أُمّيًّا فَشُنّع عَلَيْه مَقَالُه وَكَفّرَه النَّاس وَأشْفَق الشَّابّ مِمَّا قَال وَأظْهَر النّدَم عَلَيْه فَقَال أَبُو الْحَسَن
أَمَّا إطْلَاق الْكُفْر عَلَيْه فَخَطَأ لكنه مُخْطِئ فِي استشهادته بَصِفَة النَّبِيّ ﷺ وكَوْن النبي أُمّيّا آيَة لَه وَكَوْن هَذَا أُمّيّا نَقِيصَة فِيه وَجَهَالَة وَمِن جَهَالتِه احْتِجَاجُه بِصِفَة النَّبِيّ ﷺ لكنه إذَا اسْتَغْفَر وتَاب واعْتَرَف وَلَجَأ إِلَى اللَّه فَيُتْرَك لِأَنّ قَوْله: (لَا يَنْتَهي إِلَى حد الْقَتْل وَمَا طَرِيقُه الأدب فَطَوع فاعله بالدم عَلَيْه يوجب الكف عَنْه ونزلت أيْضًا مسألة استفتى فِيهَا بَعْض قُضاة الأندلس شيخنا الْقَاضِي أَبَا مُحَمَّد بن مَنْصُور ﵀ فِي رَجُل تنقصه آخر بشئ فَقَال لَه إنَّمَا تريد
[ ٢ / ٢٤٣ ]
فصل الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره
نقضي بقولك - وَأَنَا بِشْر وجميع البشر يلحقهم النقص حَتَّى النَّبِيّ ﷺ - فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إِذ لَم يقصد السب وَكَان بَعْض فُقَهَاء الأندلس أفتى بقتله
فصل الْوَجْه السادس أَنّ يَقُول القائل ذَلِك حاكيا عن غَيْرِه وَآثِرًا لَه عَن سِوَاه فَهَذَا يُنْظَر فِي صُورَة حِكَايَتِه وَقِرينَة مَقَالَتِه وَيَخْتَلف الحُكْم باختلاف ذَلِك عَلَى أربعة وُجُوه: الْوُجُوب، وَالنّدْب، والكَرَاهَة، والتّحْرِيم فإن كَان أخْبَر بِه عَلَى وَجْه الشّهَادَة وَالتّعْرِيف بقائله والإنكار والإعلام بِقَوْلِه والتّنْفِير مِنْه والتّجْرِيح لَه فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي امْتِثَالُه وَيُحْمد فاعِلُه وَكَذَلِك إن حَكاه فِي كِتَاب أو فِي مجلس عَلَى طريق الرَّد لَه والنَّقْض عَلَى قائله والفُتْيَا بِمَا يَلْزَمُه وَهَذَا منه مَا يَجِب وَمِنْه مَا يُسْتَحَب بحسَب حَالَات الحاكي لِذَلِك وَالمَحْكي عَنْه فإن كان القائل لِذَلِك مِمَّن تَصَدّى لأن يُؤْخذ عَنْه الْعِلْم أو رِواية الحديث أَو يُقْطَع بحُكْمِه أَو شَهَادَتِه أَو فُتْيَاه فِي الحُقُوق وَجَب عَلَى سَامِعِه الإشادَة بِمَا سُمع مِنْه وَالتّنْفِير للنَّاس عَنْه والشهادة عَلَيْه بِمَا قاله ووجب عَلَى من بلغه ذَلِك من أئِمَّة الْمُسْلِمِين إنكاره وبيان كفره وفساد قَوْله بقطع ضرره عَن الْمُسْلِمِين وقيامًا بحقّ سَيّد الْمُرْسَلِين وَكَذَلِك إن كَان مِمَّن يعظ العَامّة أَو يُؤدّب الصّبْيَان فَإِنّ من هَذِه سَرِيرَتُه لا يؤمن عَلَى إلقاء ذَلِك فِي قلوبهم فيتأكد فِي هَؤْلَاء الإيجاب لحق النَّبِيّ ﷺ ولحق شريعته
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وَإِنّ لَم يَكُن القائِل بِهَذِه السّبيل فالْقِيَام بحَقّ النَّبِيّ ﷺ وَاجِب وَحِمَايَة عِرْضِه مُتَعَيّن وَنُصْرَتُه عَلَى الأذى حَيًّا وَميتًا مُسْتَحقّ عَلَى كُلّ مُؤْمِن لكنه إذا قَام بَهَذَا من ظَهَر بِه الْحَقّ وَفُصِلَت بِه القَضِيّة وبان بِه الأمْر سَقَط عَن الباقي الفَرْض وَبَقِي الاسْتِحْبَاب فِي تكْثِير الشَّهَادَة عَلَيْه وعَضْد التّحْذِير مِنْه وَقَد أجْمَع السّلَف عَلَى بَيَان حال المُتّهَم فِي الْحَدِيث فَكَيْف بِمِثْل هَذَا وَقَد سُئِل أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد عَن الشّاهِد يَسْمع مِثْل هَذَا فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى أيَسعُه أن لَا يؤدى شهادته قَال: إن رَجا نَفَاذ الحُكْم بِشهادته فليشهد وَكَذَلِك إن عَلِم أَنّ الْحَاكِم لَا يَرَى القتل بِمَا شهد بِه ويرى الاستتابه والأدب فليشهد ويلزمه ذَلِك وَأَمَّا الإباحة لحكاية قَوْله لغير هذين المقصدين فلَا أرى لَهَا مدخلًا فِي هَذَا الْبَاب فليس التفكه بعرض رَسُول اللَّه ﷺ والتمضمض بسوء ذكره لأحد لَا ذاكرًا وَلَا آثرا لغير غرض شرعي بمباح وَأَمَّا للأغراض المتقدمة فمتردد بَيْن الإيجاب والاستحباب وَقَد حكى اللَّه تَعَالَى مقالات المفترين عَلَيْه وَعَلَى رسله فِي كِتَابِه عَلَى وجه الإنكار لقولهم والتحذير من كفرهم والوعيد عليه والرد عليهم بِمَا تلاه اللَّه عَلَيْنَا فِي محكم كِتابِه وَكَذَلِك وَقَع من أمثاله فِي أحاديث النَّبِيّ ﷺ الصحيحة عَلَى الوجوه المتقدمة وأجمع السلف والخلف من أئِمَّة الهدى عَلَى حكايات مقالات الكفرة والملحدين فِي كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس وينقضوا شبهها عَلَيْهِم وَإِنّ كَان وَرَد
[ ٢ / ٢٤٥ ]
لأحمد بن حَنْبَل إنكار لبعض هَذَا عَلَى الحَارِث بن أسد فقد صنع أَحْمَد مِثْلُه فِي رده عَلَى الجهمية والقائلين بالمخلوق وَهَذِه الوجوه الشائعة الحكاية عنها فَأَمَّا ذكرها عَلَى غَيْر هَذَا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه عَلَى وجه الحكايات والأسمار والطرف وأحاديث النَّاس ومقالاتهم فِي الغث والسمير ومضاحك المجان ونوادر السخفاء والخوض فِي قِيل وقال ومالا يَعْنِي فكل هَذَا ممنوع وبعضه أشد فِي المنع والعقوبة من بَعْض فَمَا كَان من قائله الحاكي لَه عَلَى غَيْر قصد أو معرفة بمقدار مَا حكاه أَو لَم تكن عادته أَو لَم يَكُن الْكَلَام مِن البشاعة حيث هُو ولَم يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه زُجر عَن ذَلِك ونهي عَن العودة إليْه وَإِنّ قوم ببعض الأدب فَهُو مستوجب لَه وَإِنّ كَان لفظه من البشاعة حَيْث هُو كَان الأدب أشد، وَقَد حكي أَنّ رجلًا سَأل مالكًا عَمَّن يَقُول الْقُرْآن مخلوق فَقَال مَالِك كافر فاقْتلُوه فَقَال إنما حكيته عَن غَيْرِي فَقَال مَالِك إنَّمَا سمعناه مِنْك وَهَذَا من مَالِك ﵀ عَلَى طريق الزجر والتغليظ بدليل أنَّه لَم ينفذ قتله وَإِنّ اتهم هَذَا الحاكي فِيمَا حَكاه أنه اختلقه ونسبه إِلَى غَيْرِه أو كَانَت تِلْك عادة له أَو ظهر استحسانه لِذَلِك أَو كَان مولعًا بِمِثْلِه والاستخفاف لَه أو التحفظ لمثله وطلبه ورواية أشْعَار هجوه صَلَّى اللَّه
_________________
(١) (قوله على الجهمية) هم أتباع جهم بن صفوان أبى محرز السمرقندى هلك في زمان صغار التابعين أعنى من رأى من الصحابة واحدا أو اثنين (قوله والطرف) بضم الطاء المهملة جمع طرفة (*)
[ ٢ / ٢٤٦ ]
فصل الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي ﷺ
عَلَيْه وَسَلَّم وسبه فَحُكْم هَذَا حُكَم السَّابّ نَفْسِه يُؤَاخَذ بِقَوْلِه وَلَا تَنْفَعُه نسْبَتُه إِلَى غَيْرِه فيبادر بقتله ويعجآ إلى الْهَاوِيَة أُمَّه وَقَد قَال أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بن سَلَام فِيمَن حَفِظ شَطْر بَيْت مِمَّا هُجِي بِه النَّبِيّ ﷺ فَهُو كُفْر وَقَد ذَكَر بَعْض من أَلْف فِي الإجْمَاع إجْمَاع الْمُسْلِمِين عَلَى تَحْرِيم رِوَايَة مَا هُجِي بِه النَّبِيّ ﷺ وكِتَابَتِه وَقِرَاءَتِه وَتَرْكِه مَتَى وُجِد دُون محْو وَرَحِم اللَّه أسْلَافَنَا المُتّقِين المُتَحَرّزين لِدِينِهِم فَقَد أسْقَطُوا من أحاديث المغازي والسير مَا كَان هَذَا سَبِيلَه وَتَرَكُوا روايَتَه إلَّا أشْيَاء ذَكَروهَا يَسِيرَة وَغَيْر مُسْتَبْشَعَة عَلَى نَحْو الْوُجُوه الأوّل لِيُرُوا نِقْمَة اللَّه من قائِلِهَا وأخْذَه المُفْتَرِي عَلَيْه بِذَنْبِه وَهَذَا أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بن سَلَام ﵀ قَد تحرى فِيمَا اضطر إِلَى الاستشهاد بِه من أهاجي أشعار الْعَرَب فِي كتبه فكنى عَن اسم المهجو بوزن اسْمُه استبراء لدينه وتحفظًا مِن المشاركة فِي ذم أَحَد بروايته أَو نشره فكيف بِمَا يتطرق إِلَى عرض سَيّد البشر ﷺ
فصل الْوَجْه السابع أَنّ يذكر مَا يجوز عَلَى النَّبِيّ ﷺ أَو يختلف فِي جوازه عَلَيْه وَمَا يطرأ من الأمور البشرية بِه ويمكن إضافتها إليه أو يذكر مَا امتحن بِه وصبر فِي ذات اللَّه عَلَى شدته من مقاساة أعدائه وأذاهم لَه ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وَمَا لقيه من بؤس
[ ٢ / ٢٤٧ ]
زمنه ومر عَلَيْه من معاياة عيشته كُلّ ذَلِك عَلَى طريق الرّوَايَة ومذاكرة الْعِلْم ومعرفة مَا صحت مِنْه العصمة للأنبياء وَمَا يجوز عَلَيْهِم فَهَذَا فن خارج عَن هَذِه الفنون الستة إِذ لَيْس فِيه غمص وَلَا نقص وَلَا أزراء وَلَا استخفاف
لَا فِي ظاهر اللَّفْظ وَلَا فِي مقصد اللافظ لَكِن يجب أَنّ يَكُون الْكَلَام فِيه مع أَهْل الْعِلْم وفهماء طلبة الدين مِمَّن يفهم مقاصده ويحققون فوائده ويجنب ذَلِك من عساه لَا يفقه أَو يخشى بِه فتنته فَقَد كره بَعْض السلف تلعيم النساء سورة يُوسُف لَمّا انطوت عَلَيْه من تِلْك القصص لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن فَقَد قَال ﷺ مخبرًا عن نفسه باستيجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال (مَا مِنْ نبى إلا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ) وَأَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْ مُوسَى ﵇ وَهَذَا لَا غَضَاضَةَ فِيهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لِمَنْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِهِ بِخِلافِ مَنْ قَصَدَ بِهِ الْغَضَاضَةَ وَالتَّحْقِيرَ بَل كَانَت عادة جميع الْعَرَب، نَعَم فِي ذَلِك للأنبياء حكمة بالغة وتدريج لله تعالى لَهُم إِلَى كرامته وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خليقته بِمَا سبق لهم من الكرامة فِي الأزل ومتقدم الْعِلْم وَكَذَلِك قَد ذَكَر اللَّه يتمه وعيلته عَلَى طريق المنة عَلَيْه والتعريف بكرامته لَه فذكر الذاكر لَهَا عَلَى وجه تعريف حاله والخَبَر عَن مُبْتَدَئِه والتّعجُّب من مَنِح اللَّه قِبَلَه وعَظِيم مِنّتِه عِنْدَه لَيْس فِيه غَضَاضَة بَل فِيه
_________________
(١) (قوله وفهماء) بضم الفاء والمد (*)
[ ٢ / ٢٤٨ ]
دَلَالَة عَلَى نُبُوَّتِه وصحَّة دَعْوَتِه إِذ أظْهَرَه اللَّه تَعَالَى بَعْد هَذَا عَلَى صَنَادِيد الْعَرَب وَمِن نَاوأَه من أشْرَافِهِم شيئا فشيئا وَنَمى أمْرُه حَتَّى قَهَرَهُم وَتَمَكّن من مِلْك مَقَالِيدِهِم وَاسْتِباحَه مما لك كثير مِن الْأُمَم غَيْرِهِم بإظْهَار اللَّه تَعَالَى لَه وتأييده بنصره وبالمؤمنين وألف بَيْن قُلُوبِهِم وإمْدَادِه بِالْمَلَائِكَة الْمُسَوّمِين وَلَو كَان ابن مُلْك أَو ذا أشْياع متقدمين لحسب كثير مِن
الجهال أَنّ ذَلِك موجب ظهوره ومقتضى علوه ولهذا قَال هرقل حِين سَأَل أَبَا سُفْيَان عنه هل فِي آبائه من مُلْك؟ ثُمّ قَال: وَلَو كَان فِي آبائه مُلْك لَقلنا رَجُل يَطْلُب مُلْك أبيه وَإذَا الْيُتْم من صِفَتِه وإحْدَى عَلَامَاتِه فِي الْكُتُب الْمُتَقَدّمَة وأخْبَار الْأُمَم السّالِفة وَكَذَا وَقَع ذِكْرُه في كِتَاب أرْميَاء وبهذا وصَفَه ابن ذِي يَزَن لعبد المُطلب وَبَحيرًا لأبي طَالِب وَكَذَلِك إذَا وُصِف بأنَّه أُمّيّ كَمَا وصَفَه اللَّه فهي مِدْحَة لَه وَفَضِيلَة ثَابِتَة فِيه وَقَاعِدَة مُعْجِزَتُه إذ معجزته الْعُظمَى مِن الْقُرْآن العَظِيم إنَّمَا هِي مُتَعَلقَة بِطَريق المَعَارِف وَالْعُلُوم مَع مَا مُنَح ﷺ وَفُضَّل بِه من ذَلِك كَمَا قَدّمْنَاه فِي القِسْم الأول وَوُجُود مِثْل ذَلِك من رَجُل لَم يَقْرأ وَلَم يَكْتُب وَلَم يُدارِس وَلَا لُقّن مُقْتَضَى العَجَب وَمُنْتَهَى الْعِبَر وَمُعْجِزَة الْبَشَر وَلَيْس فِي ذَلِك نَقيصَة إِذ المطلوب مِن الكِتَابَة والقراءة المَعْرفَة وَإِنَّمَا هي آلة.
_________________
(١) (قوله على صناديد) جمع صنديد وهو الشجاع السيد (قوله ونمى) بتشديد الميم (قوله في كتاب أرميا) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الميم والقصر (قوله وليس فيه ذلك نقيصة) الضمير المجرور بفى عائد إلى الرجل في قوله وَوُجُود مِثْل ذَلِك من رجل والإشارة بذلك راجعة إلى ما أشير إليه بذلك (*)
[ ٢ / ٢٤٩ ]
لَهَا وَوَاسِطَة مُوَصّلة إِلَيْهَا غَيْر مُرَادَة فِي نَفْسِهَا فَإِذَا حَصَلَت الثَّمْرَة وَالمَطْلُوب اسْتُغْنِي عَن الْوَاسِطَة وَالسّبَب، وَالْأُمّيَّة فِي غَيْرِه نَقِيصَة لِأَنّهَا سَبَب الْجَهَالَة وَعُنْوَان الْغَبَاوَة فَسُبْحَان من بايَن أمْرَه من أمْر غَيْرِه وَجَعَل شَرَفَه فِيمَا فِيه محطة سواه وحياته فِيمَا فِيه هلاك من عداه هَذَا شَقّ قلبه وإخْرَاج حُشْوَتِه كَان تَمَام حَيَاتِه وَغَايَة قوة نفسه وثبات روعه وَهُو فِيمَن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه وهلم جَرّا إِلَى سائر مَا رُوِي من أخباره وسيره وتقلله مِن الدُّنْيَا وَمِن الملبس
والمطعم والمركب وتواضعه ومهنته نفسه في أمور وَخِدْمَة بَيْتِه زُهْدًا وَرَغْبَة عَن الدُّنْيَا وَتَسْوِيَة بَيْن حَقِيرِهَا وَخَطِيرِهَا لِسُرْعَة فَنَاء أُمُورِها وتَقَلُّب أحْوَالِهَا كُلّ هَذَا من فَضَائِلِه وَمآثِرِه وَشَرَفه كَمَا ذَكَرْنَاه فَمَن أوْرَد شَيْئًا مِنْهَا موردة وقصد بِهَا مقصده كَان حَسَنًا وَمِن أوْرَد ذَلِك عَلَى غَيْر وَجْهِه وعُلِم مِنْه بِذلِك سُوء قَصْدِه لَحِق بالفصول التى قدمناه وَكَذَلِك مَا وَرَد من أخْبَارِه وأخْبَار سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي الْأَحَادِيث مِمَّا فِي ظَاهِرِه إشْكال يَقْتَضِي أُمُورًا لَا تَلِيق بِهِم بِحَال وَتَحْتَاج إِلَى تأويل
_________________
(١) (قوله وإخراج حشوته) الحشوة بكسر الحاء المهملة وضمها وبالشين المعجمة الأمعاء (قوله روعه) بضم الراء وفى آخره هاء الضمير أي قلبه - قوله وحتم موته) بفتح الحاء المهملة وسكون التاء الفوقية (قوله مهنته) بفتح الميم وحكى الكسائي كسرها وأنكره الأسمعي (قوله ومآثره) أي مكارمه ومفاخره التى تؤثر عنه (*)
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وَتَرَدُّد احْتمال فَلَا يَجِب أن يُتَحَدّث مِنْهَا إلا بالصحيح وَلَا يُرْوَى مِنْهَا إلَّا المَعْلُوم الثّابِت وَرَحِم اللَّه مَالكًا فلقد كَرَه التَّحَدُّث بمِثْل ذَلِك مِن الْأَحَادِيث المُوهِمَة لِلتَّشْبيه وَالمُشْكلة الْمَعْنَى وَقَال: مَا يَدْعُو النَّاس إِلَى التَّحَدُّث بِمِثْل هَذَا فَقِيل لَه إنّ ابن عَجْلان يُحَدَّث بِهَا فَقَال لَم يَكُن مِن الفُقَهَاء وَلَيْت النَّاس وَافَقُوه عَلَى تَرْك الْحَدِيث بِهَا وَسَاعَدوه عَلَى طَيّهَا فأكْثَرُهَا ليس تحتع عَمَل وَقَد حُكِي عَن جَمَاعَة مِن السَّلَف بَل عَنْهُم عَلَى الْجُمْلَة أَنَّهُم كَانُوا يَكْرَهُون الْكَلَام فِيمَا لَيْس تَحْتَه عَمَل وَالنَّبِيّ ﷺ أوْرَدَهَا عَلَى قْوم عَرَب يَفْهَمُون كَلَام الْعَرَب عَلَى وَجْهِه وَتَصَرفَاتِهِم فِي حَقِيقَتِه وَمَجَازِه وَاسْتِعَارَتِه وَبَلِيغِه وَإيجَازِه فَلَم تَكُن فِي حَقَّهَم مُشْكِلَة ثُمّ جاء من غَلَبَت عَلَيْه العُجْمَة وَدَاخَلَتْه الْأُمّيَّة فَلَا يَكاد يَفْهَم من مَقَاصِد
الْعَرَب إلَّا نَصَّها وَصَرِيحَهَا وَلَا يَتَحَقَّق إشَارَاتِهَا إِلَى غَرَض الإيجَاز ووحْيِهَا وَتَبْلِيغَهَا وَتَلْويحِهَا فَتَفَرّقُوا فِي تأويلهَا أَو حَمْلِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا شَذر مَذَر فمنهم من آمَن بِه وَمِنْهُم من كَفَر فَأَمَّا مَا لَا يَصِحّ من هَذِه الْأَحَادِيث فَوَاجِب أن لَا يُذْكَر مِنْهَا شئ فِي حَقّ اللَّه وَلَا فِي حَقّ أنْبِيَائِه وَلَا يُتَحَدّث بِهَا وَلَا يُتَكَلَّف الْكَلَام عَلَى مَعَانِيهَا، وَالصَّوَاب طَرْحُهَا وَتَرْك الشُّغْل بِهَا إلَّا أن تُذْكَر عَلَى وَجْه التّعْرِيف بِأنَّهَا ضَعِيفَة الْمَقَاد وَاهِيَة الإِسْنَاد وَقَد أنْكَرَ الأشْيَاخ عَلَى أَبِي بَكْر بن فُورَك تَكَلُّفَه فِي مُشْكِلِه الْكَلَام عَلَى أحاديث ضعيفة
_________________
(١) (قوله شذر مذر) بكسر الشين المعجمة والميم وبفتحهما في الصحاح تفرقوا شذر مذر بالتحريك والنصب وشذر مذر بالكسر إذا ذهبوا في كل وجه (*)
[ ٢ / ٢٥١ ]
فصل ومما يجب على المتكلم فيما يجوز على النبي ﷺ وما لا يجوز
مَوْضُوعَة لَا أصْل لَهَا أَو مَنْقُولَة عَن أَهْل الكِتَاب الَّذِين يَلْبِسُون الْحَقّ بالبَاطِل كَان يَكْفِيه طرحها ويعنيه عَن الْكَلَام عَلَيْهَا التَّنْبِيه عَلَى ضَعْفهَا إِذ المَقْصُود بِالْكَلَام عَلَى مُشْكل مَا فِيهَا إزَالَة اللّبْس بِهَا وَاجْتِثَاثُهَا من أَصْلهَا وَطَرْحُهَا أكْشَف اللبس وأشْفَى للنَّفْس
فصل ومما يَجِب عَلَى المُتَكَلَّم فِيمَا يَجُوز عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَمَا لَا يَجُوز وَالذَّاكِر من حَالاتِه مَا قَدّمْنَاه فِي الفَصْل قَبْل هَذَا عَلَى طَرِيق المُذَاكَرَة والتعْلِيم أن يَلْتَزِم فِي كَلَامِه عِنْد ذَكْرِه ﷺ وذِكْر تِلْك الأَحْوَال الْوَاجِب من تَوْقِيرِه وَتَعْظِيمِه وَيُرَاقب حَال لِسَانِه وَلَا يُهْمِلَه وَتَظْهَر عَلَيْه عَلَامات الأَدَب عِنْد ذِكْرِه فَإِذَا ذَكَر مَا قاساه مِن الشَّدَائِد ظَهَرَ عليه الإشْفَاق والارْتِمَاض والغَيْظ عَلَى عَدُوّه وَمَوَدَّة الفِدَاء لِلنَّبِيّ ﷺ لَو قَدَر عَلَيْه وَالنُّصرَة لَو أمْكَنَتْه وَإذَا أخَذ فِي أبْوَاب العِصْمَة وَتَكَلّم عَلَى مَجَاري أعماله وأقواله ﷺ
تَحَرَّى أحَسَن اللَّفْظ وَأدَب الْعِبَارَة مَا أَمْكَنَه وَاجْتَنَب بَشِيع ذَلِك وَهَجَر مِن الْعَبَارَة مَا يَقْبُح كَلْفَظَة الْجَهْل وَالكَذِب وَالمَعْصِيَة فَإِذَا تَكَلّم فِي الأَقْوَال قَال هَل يَجُوز عَلَيْه الْخُلْف فِي القَوْل وَالْإِخبار بِخِلَاف مَا وَقَع سَهْوًا
_________________
(١) (قوله يلبسون) بكسر الموحدة أي يخلطون (قوله والارتماض) بالضاد المعجمة يقال ارتمض الرجل من كذا أي اشتد قلقه (قوله تحرى) بالحاء المهملة أي توخى وقصد (*)
[ ٢ / ٢٥٢ ]
أَو غَلَطًا وَنَحْوَه مِن الْعِبَارَة وَيَتَجَنَّب لَفْظَة الكَذِب جُمْلَة وَاحَدَة وَإذَا تَكَلّم عَلَى الْعِلْم قَال هَل يَجُوز أن لَا يَعْلَم إلَّا مَا علم وهل يُمْكِن أن لَا يَكُون عِنْدَه علم من بَعْض الأشْيَاء حَتَّى يُوحَى إليْه وَلَا يَقُول بِجَهْل لِقُبْح اللَّفْظ وَبَشَاعَتِه وإذا تكلم فِي الأفْعَال قَال هَل يَجُوز منه الْمُخَالَفَة فِي بَعْض الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي وَمُوَاقَعَة الصَّغَائِر فَهُو أوْلَى وآدب من قَوْلِه هَل يَجُوز أن يَعْصِي أَو يُذْنِب أَو يَفْعَل كذا وكذا من أنْواع المَعَاصِي فهذا من حَقّ تَوْقِيرِه ﷺ وَمَا يَجِب لَه من تعزيز وَإعْظَام وَقَد رَأَيْت بَعْض الْعُلمَاء لَم يَتَحَفّظ من هَذَا فَقُبّح مِنْه.
وَلَم أَسْتَصْوب عِبارَتَه فِيه وَوَجَدْت بَعْض الْجَائِرِين قَوْله لأجْل تَرْك تَحَفُّظِه فِي الْعِبَارَة مَا لَم يَقُلْه وَشَنَّع عَلَيْه بِمَا يأباه وَيُكَفَّر قائِلُه وَإذَا كَان مِثْل هَذَا بَيْن النَّاس مُسْتَعْملًا فِي آدابِهِم وَحُسن مُعَاشَرِتِهِم وَخِطَابِهِم فَاسْتِعْمَالُه فِي حَقَّه ﷺ أوْجَب وَالْتِزَامُه آكَد فَجَوْدَة العبارة تقبح الشئ أَو تُحَسّنُه وَتَحْرِيرُهَا وتهذيبا يُعَظّم الأمْر أَو يُهَوّنُه ولهذا قَال ﷺ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا فَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى جِهَةِ النَّفْيِ عَنْهُ وَالتَّنْزِيه فَلَا حَرَج فِي تَسْريح العِبارَة وتصريها فِيه كَقَوْلِه لَا يَجُوز عَلَيْه الكَذِب جُمْلَة ولا
_________________
(١) (قوله إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لسحرا) قال ابن قرقول قيل أورده مورد الذم لشبهة بعمل السحر في قلب القلوب وجلب الأفئدة وتزيين القبيح وتقبيح الحسن وقيل أورده مورد المدح أي يترضى به الساخط ويستزل به الصعب ولذلك قالوا فيه السحر الحلال ويشهد له (إن من الشعر لحكمة) الحديث (*)
[ ٢ / ٢٥٣ ]
إتْيَان الكبائر بِوجْه وَلَا الْجَوْر فِي الحكم عَلَى حَال وَلَكِن مَع هَذَا يَجِب ظُهُور تَوْقِيرِه وَتَعْظِيمِه وَتَعْزِيزِه عِنْد ذكره مُجَرّدًا فَكَيْف عِنْد ذَكَر مِثْل هذا وقد كَان السَّلَف تَظْهَر عَلَيْهِم حَالَات شَديدَة عِنْد مُجَرَّد ذِكْرِه كَمَا قَدَّمْنَاه فِي القسْم الثَّاني وَكَان بَعْضُهُم يَلْتَزِم مِثْل ذَلِك عِنْد تِلَاوَة آي مِن الْقُرْآن حَكَى اللَّه تَعَالَى فِيهَا مَقَال عِدَاه وَمِن كفر بآياته وَافْتَرَى عَلَيْه الكَذِب فَكَان يَخْفِض بِهَا صَوْتَه إعْظَامًا لِرَبَّه وَإجْلالا له وَإشْفَاقًا مِن التّشَبُّه بِمَن كَفَر بِه
الْبَاب الثاني فِي حكم سابه وشانئه ومتنقصه مؤذبه وعقوبته وذكر استتباته ووراثته
قَد قَدَّمْنَا مَا هُو سَبّ وأذَى فِي حَقّه ﷺ وَذَكَرْنَا إجْمَاع الْعُلمَاء عَلَى قَتْل فاعِل ذَلِك وقائِلِه وتَخْيير الْإِمَام فِي قَتْلِه أَو صَلْبِه عَلَى مَا ذَكَرْنَاه وَقَرّرْنا الْحُجَج عَلَيْه وبعد فاعْلَم أَنّ مشْهُور مَذْهَب مَالِك وأصحابه وقوْل السَّلَف وجُمهُور الْعُلمَاء قَتْلُه حَدًّا لَا كُفْرًا إن أظْهَر التَّوْبَة مِنْه ولهذا لَا تُقْبَل عندهم توْبَتُه وَلَا تَنْفَعُه اسْتِقَالَتَه وَلَا فَيْأتُه كَمَا قَدَّمْنَاه قَبْل وَحُكْمه حُكْم الزَّنْدِيق وَمُسِرّ الكُفْر فِي هَذَا القَوْل وسواء كَانَت تَوْبَتُه عَلَى هَذَا بَعْد القُدْرَة عَلَيْه والشَّهادَة عَلَى قَوْله (أو جاء تائِبًا من قَبْل نفسه لِأَنَّه حَد وَجَب لَا تُسْقطُه التّوْبَة كَسَائِر الْحُدُود قَال الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن القابسيّ ﵀ إذَا
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أقَرّ بالسَّبّ وتاب مِنْه وأظْهَر التَّوْبَة قُتِل بالسَّبّ لِأَنَّه هُو حَدُّه وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد مِثْلُه وَأَمَّا مَا بَيْنَه وَبَيْن اللَّه فَتَوْبَتُه تَنْفَعُه، وَقَال ابن سُحْنُون من شَتَم النبي ﷺ مِن المُوَحّدِين ثُمّ تَاب عَن ذَلِك لَم تزل توبته عنه القَتْل وَكَذَلِك قَد اخْتُلِف فِي الزّنْدِيق إذَا جاء تائبًا فحكى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن بن الْقَصّار فِي ذَلِك قَوْلَيْن، قَال من شُيُوخَنَا: من قَال أقْتُلُه بإقْرَارِه لِأَنَّه كَان يَقْدِر عَلَى سَتْر نَفْسِه فَلَمّا اعْتَرَف خِفْنَا أنَّه خَشِي الظُّهُور عَلَيْه فَبَادر لِذَلِك وَمِنْهُم من قَال اقْبَل تَوَبتَه لأني أسْتَدِلّ عَلَى صحّتِهَا بمَجِيئِه فَكَأنّنَا وَقَفْنَا عَلَى باطِنِه بِخِلَاف من أسَرَتْه البَيّنَة قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَهَذَا قَوْل أصْبَغ وَمَسْألَة سَابّ النَّبِيّ ﷺ أقْوَى لَا يُتَصَوّر فِيهَا الخِلَاف عَلَى الأصل المتقدم لِأَنَّه حَقّ مُتَعَلق للنَّبِيّ ﷺ ولأمّتِه بِسَبَبه لَا تُسْقطُه التّوْبَة كَسَائِر حُقُوق الآدَميّين وَالزّنْدِيق إذَا تَاب بَعْد القُدْرَة عَلَيْه فَعِنْد مَالِك وَاللَّيْث وَإِسْحَاق وَأَحْمَد لَا تُقْبَل تَوْبَتُه وعند الشَّافِعِيّ تُقْبَل وَاخْتُلِف فِيه عَن أَبِي حنيفة وَأَبِي يُوسُف وَحَكَى ابن المُنْذِر عَن عَلِيّ بن أَبِي طَالِب ﵁ يُسْتَتَاب، قَال مُحَمَّد بن سُحْنُون وَلَم يَزُل الْقَتْل عَن المسلم بالتّوْبَة من سَبّه ﷺ لِأَنَّه لَم يَنْتَقل من دِين إِلَى غَيْرِه وَإِنَّمَا فعل
_________________
(١) (قوله وأبى يوسف) هو القاضى صاحب أبى حنفية يعقوب بن إبراهيم بن خبيب بن حبيش بن سعد بن خيثمة الأنصاري توفى سنة اثنين وثمانين ومائة وهو ابن تسع وستين سنة روى عنه أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما (*)
[ ٢ / ٢٥٥ ]
شَيْئًا حَدُّه عِنْدَنَا القَتْل لَا عَفْو فِيه لأحد كالزّنْدِيق لأنه لم ينتفل من
ظَاهِر إِلَى ظاهر، وَقَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن نَصْر مُحْتَجًّا لِسُقُوط اعْتِبَار تَوْبَتِه وَالْفَرْق بَيْنَه وَبَيْن من سَبّ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَشْهُور القَوْل باسْتَتَابَتِه أَنّ النَّبِيّ ﷺ بَشَر وَالْبَشَر جِنْس تَلْحقُه المَعَرة إلَّا من أكْرَمَه اللَّه بِنُبُوَّتِه وَالْبَارِي تعالى مُنَزَّه عَن جميع المَعَايب قَطْعًا وَلَيْس من جِنْس تَلْحَق المَعَرَّة بِجِنْسِه وَلَيْس سَبُّه ﷺ كالارْتِدَاد المَقْبُول فِيه التَّوْبَة لِأَنّ الْارتدَاد مَعْنَي يَنْفَرِد بِه المُرْتَدّ لَا حَقّ فِيه لِغَيْرِه مِن الآدميين فقبلت تَوْبَتُه وَمِن سَبّ النَّبِيّ ﷺ تَعَلّق فِيه حَقّ لآدَميّ فكان كالمُرْتَد يَقْتُل حِين ارْتِدَادِه أَو يَقْذِف فَإِنّ تَوْبَتَه لَا تُسْقط عَنْه حد القَتْل وَالْقَذْف وَأيْضًا فَإِنّ تَوْبَة المُرْتَد إذَا قُبِلَت لَا تُسْقط ذُنُوبَه من؟؟؟ وَسَرِقَة وَغَيْرِهَا وَلَم يُقْتَل سابّ النَّبِيّ ﷺ لِكُفْرِه لَكِن لمعنى يَرْجِع إلى تعظيم حُرْمَتِه وَزَوَال المَعَرّة بِه وَذَلِك لَا تُسْقطُه التَّوْبَة، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل يُريد والله أَعْلَم لِأَنّ سَبَّه لَم يَكُن بِكَلِمَة تَقْتضي الْكُفْر وَلَكِن بِمَعْنَي الإزْرَاء وَالاسْتِخْفَاف أَو لِأَنّ بَتَوْبَتِه وإظْهَار إنابَتِه ارْتَفَع عَنْه اسْم الْكُفْر ظاهرًا والله أَعْلَم بِسَرِيرَتِه وبقي حُكْم السب عَلَيْه، وَقَال أَبُو عمران العابسى من سَبّ النَّبِيّ ﷺ ثُمّ ارْتَد عَن الْإِسْلَام قُتِل وَلَم يُسْتَتَب، لِأَنّ السب من
_________________
(١) (قوله كالمرد يقتل) هو بفتح المثناة التحتية في أوله (*)
[ ٢ / ٢٥٦ ]
حُقُوق الآدَميَّين الَّتِي لَا تُسْقط عَن المُرْتَدّ وكلام شُيُوخِنَا هَؤْلَاء مَبْنِيّ عَلَى القَوْل بِقَتْلِه حَدًّا لَا كُفْرًا وَهُو يَحْتَاج إِلَى تَفْصِيل * وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة الوليد ابن مُسْلِم عَن مَالِك وَمِن وافقه عَلَى ذَلِك مِمَّن ذَكَرْنَاه وَقَال بِه من أَهْل الْعِلْم فقد صَرحُوا أنَّه رِدَّة قَالُوا وَيُسْتَتَاب مِنْهَا فإن تاب نُكّل وإن أَبِي قُتِل فَحُكِم لَه بحُكْم المُرَتَد مُطَْلقًا فِي هَذَا الْوَجْه والوجه الأوّل أشْهَر وَأظْهَر
لَمّا قَدَّمْنَاه وَنَحْن نَبْسُط الْكَلَام فِيه فَنَقَوْل من لَم يَرَه رِدّة فَهُو يُوجِب القَتْل فِيه حَدًّا وَإِنَّمَا نقول ذَلِك مَع فَصْلَيْن: إِمَّا مَع إنْكَارِه مَا شُهِد عَلَيْه به أو إظهاره الإقْلاع وَالتَّوْبَة عَنْه فَنَقْتُلُه حَدًّا لِثَبَات كَلِمَة الكُفْر عَلَيْه فِي حَقّ النَّبِيّ ﷺ وَتَحْقِيرِه مَا عَظّم اللَّه من حَقّه وأجْرَيْنَا حُكْمَه فِي ميراثِه وَغَيْر ذَلِك حُكْم الزَّنْدِيق إذَا ظُهِر عَلَيْه وأنْكَر أَو تاب فإن قِيل فَكَيْف تُثْبِتُون عَلَيْه الكُفْر وَيَشْهَد عَلَيْه بِكَلِمَة الكُفْر وَلَا تَحْكُمُون عَلَيْه بحُكْمِه مِن الاسْتِتَابَة وتَوَابِعِهِا قُلْنَا نَحْن وإن أثْبَتْنا لَه حُكْم الكافِر فِي القَتْل فَلَا نَقْطَع عَلَيْه بِذَلِك لإقْرَارِه بالتَّوْحِيد والنُّبُوَّة وإنْكارِه مَا شُهِد بِه عَلَيْه أَو زَعْمِه أَنّ ذَلِك كَان مِنْه وَهَلًا ومعصية وَأنَّه مقلع عَن ذَلِك نادم عَلَيْه وَلَا يمتنع إثبات بَعْض أحكام الكفر عَلَى بَعْض الأشخاض وَإِنّ لَم تثبت لَه خصائصه كقتل تارك الصَّلَاة وَأَمَّا من علم أنَّه سبه معتقدًا لاستحلاله فلا
_________________
(١) (قوله وهلا) في الصحاح الوهل بالتحريك الفزع قال أبو زيد: وهل يوهل في الشئ وعن الشئ وهلا إذا غلط فيه وسها (١٧ - ٢) (*)
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فصل إذا قلنا بالاستتابة
شك فِي كفره بِذَلِك وَكَذَلِك إنّ كَان سبه فِي نفسه كفر كتكذيبه أو تكفير، وَنَحْوَه فَهَذَا مِمَّا لَا إشكال فِيه ويقتل وَإِنّ تاب مِنْه لأنا لَا نقبل توبته ونقتله بَعْد التَّوْبَة حدًا لِقَوْلِه ومتقدم كفره وأمره بَعْد إِلَى اللَّه المطلع عَلَى صحة إقلاعه العالم بسره وَكَذَلِك من لَم يظهر التَّوْبَة واعترف بِمَا شهد بِه عَلَيْه وصمم عَلَيْه فَهَذَا كافر بقوله وباستحلاله هتك حرمة اللَّه وحرمة نبيه ﷺ يقتل كافرًا بِلَا خِلَاف فعلى هَذِه التفضيلات خذ كَلَام الْعُلمَاء ونزل مختلف عباراتهم فِي الاحتجاج عَلَيْهَا وأجر
اختلافهم فِي الموارثة وَغَيْرِهَا عَلَى ترتيبها تتضح لَك مقاصدهم إنّ شَاء اللَّه تَعَالَى
فصل إذَا قُلْنَا بالاستِتابَة حَيْث تَصِحّ فالاخْتِلاف عَلَى الاختلاف فِي تَوْبَة المُرْتَد إِذ لَا فَرْق بَيْنَهُمَا وَقَد اخْتُلِف السَّلَف فِي وجوبها وصورتها ومُدّتها فَذَهَب جُمْهُور أَهْل الْعِلْم إِلَى أَنّ المُرْتَدّ يُسْتَتَاب وَحَكى ابن القَصَّار أنَّه إجْماع مِن الصَّحابَة عَلَى تَصْويب قَوْل عُمَر فِي الاسْتِتابَة وَلَم يُنْكرْه واحد مِنْهُم وَهُو قَوْل عُثْمَان وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وبه قَال عَطَاء بن أَبِي رَبَاح والنَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ ومالك وأصحابُه والْأَوزَاعِيّ والشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وإسحاق وأصحاب الرأي وَذَهَب طاوُس وَعُبَيْد بن عُمَيْر والحسن فِي إحْدى الرّوايَتَيْن عَنْه أنَّه
[ ٢ / ٢٥٨ ]
لَا يُسْتَتاب وقاله عَبْد الْعَزِيز بن أَبِي سَلَمَة وَذَكَرَه عَن مُعاذ وأنْكَرَه سُحْنُون عَن مُعَاذ وحكاه الطّحَاويّ عَن أَبِي يُوسُف وَهُو قَوْل أَهْل الظاهِر قَالُوا وَتَنْفَعُه تَوْبَتُه عِنْد اللَّه وَلَكِن لا ندرأ القَتْل عَنْه لِقَوْلِه ﷺ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وحُكِيَ عَن عَطَاء أنَّه إن كَان مِمَّن وُلِد فِي الْإِسْلَام لَم يُسْتَتب ويُسْتَتاب الإسْلامِي وجُمْهُور الْعُلمَاء عَلَى أَنّ المُرْتَدّ والمرتدة فِي ذَلِك سواء وَرُوي عَن عَلِيّ ﵁ لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ وَتُسْتَرَقُّ قَالَه عَطَاء وقتادة وَرُوي عَن ابن عَبَّاس لَا تُقْتَل النّساء فِي الرَّدّة وبه قَال أَبُو حَنِيفَة قَال مَالِك والْحُرّ والعَبْد والذّكَر والأنْثى فِي ذَلِك سواء وَأَمَّا مُدَّتُها فَمَذْهَب الجُمْهُور وَرُوي عَن عُمَر أنَّه يُسْتَتاب ثَلَاثَة أيَّام يُحْبَس فِيهَا وَقَد اخْتلف فِيه عَن عُمَر وَهُو أحَد قَوْلَي الشَّافِعِيّ وقول أَحْمَد وإسحاق واسْتَحْسَنَه مَالِك وَقَال لَا يَأْتي الاسْتِظْهَار
إلَّا بِخَيْر وَلَيْس عَلَيْه جَمَاعَة النَّاس قَال الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد يريد فِي الاستيناء ثلاثا وَقَال مَالِك أيْضًا الَّذِي آخُذ بِه فِي المرتد قَوْل عُمَر يحبس ثَلَاثَة أيام ويعرض عَلَيْه كُلّ يَوْم فَإِنّ تاب وَإِلَّا قتل وَقَال أَبُو الْحَسَن بن القصار فِي تأخيره ثلاثا روايتان عَن مَالِك هَل ذَلِك واجب أو مستحب واستحسن الاستتابة والاستيناء ثلاثا أَصْحَاب الرّأي وَرُوي عَن أَبِي بَكْر الصديق أنه اسْتَتَاب امْرَأة فَلَم نتب فقتلها، وَقَال الشافعي مرة فقال إن لَم يَتُب مكانه قتل واستحسنه المزني وَقَال الزُّهْرِيّ يدعى
[ ٢ / ٢٥٩ ]
إِلَى الْإِسْلَام ثَلَاث مرات فَإِن أَبَى قتل وَرُوي عَن عَلِيّ ﵁ يستتاب شهرين، وَقَال النخعي يستتاب أبدًا وبه أخذ الثَّوْرِيّ مَا رجيت توبته، وَحَكَى ابن القصار عَن أبي حنيفة أنَّه يستتاب ثَلَاث مرات فِي ثَلَاثَة أيَّام أَو ثَلَاث جُمَع كُلّ يَوْم أَو جُمُعة مَرَّة وَفِي كِتَاب مُحَمَّد عَن ابن الْقَاسِم يُدْعَى المُرْتَدّ إِلَى الْإِسْلَام ثَلَاث مرات فَإِن أبى ضُرِبَت عُنُقُه واخْتُلِف عَلَى هَذَا هَل يُهَدَّد أَو يُشَدَّد عَلَيْه أيَّام الاسْتِتابَة لِيَتُوب أم لَا فَقَال مَالِك مَا عَلِمْت فِي الاسْتِتابَة تَجْويعًا وَلَا تَعطيشًا وَيُؤْتى مِن الطَّعَام بِمَا لَا يَضُرَّه وَقَال أصْبَغ يُخَوف أيَّام الاستتابة بالقتل وبعرض عَلَيْه الْإِسْلَام وَفِي كِتَاب أَبِي الْحَسَن الطَّابثي يُوعَظ فِي تِلْك الأيَّام وَيُذَكَّر بالْجَّنة وَيُخَوَّف بالنَّار قَال أصْبَغ وأيّ المَوَاضِع حُبس فِيهَا مِن السُّجُون مَع النَّاس أَو وَحْدَه إذَا اسْتُوثِق مِنْه سَوَاء وَيُوقَف مالُه إذَا خِيف أن يُتْلِفَه عَلَى الْمُسْلِمِين ويُطْعَم مِنْه وَيُسْقى وَكَذَلِك يُسْتَتَاب أبدًا كُلَّمَا رَجَع وارْتَدّ وَقَد اسْتَتَاب رَسُول اللَّه ﷺ نَبْهَان الَّذِي ارْتَدّ أرْبَع مَرَّات أَو خَمْسًا قَال ابن وَهْب عَن مَالِك يُسْتَتَاب أبدا كُلَّمَا رجع وَهُو قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد
وقاله ابن الْقَاسِم وَقَال إِسْحَاق يُقْتَل فِي الرَّابِعَة وَقَال أَصْحَاب الرَّأْي إن لَم يَتُب فِي الرَّابِعَة قُتِل دُون اسْتتَابة وإن تاب ضُرِب ضَرْبًا وجِيعًا وَلَم يَخْرُج مِن السَّجْن حَتَّى يَظْهَر عَلَيْه خُشُوع التَّوْبَة قَال ابن المُنْذِر وَلَا نَعْلَم أحدا
_________________
(١) (قوله أَبِي الْحَسَن الطَّابثي) هو بطاء مهملة وباء موحدة مكسورة وثاء مثلثة (*)
[ ٢ / ٢٦٠ ]
فصل هذا حكم من ثبت عليه ذلك
أوْجَب عَلَى المُرْتَد فِي المَرَّة الأولى أدبًا إذَا رجع وَهُو عَلَى مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالكوفي
فصل هَذَا حكم من ثبت عَلَيْه ذَلِك بِمَا يجب ثبوته من إقرار أَو عدول لَم يدفع فِيهِم فَأَمَّا من لَم تَتِمّ الشَّهَادَة عليه بِمَا شَهِد عَلَيْه الْوَاحِد أَو اللَّفِيف مِن النَّاس أَو ثَبَت قَوْلُه لَكِن احْتمَل وَلَم يَكُن صريحا وَكَذَلِك إن تاب عَلَى القَوْل بقبول توبته فَهَذَا يدرأ عَنْه القَتْل ويتسلط عَلَيْه اجتهاد الْإِمَام بقدر شهرة حاله وقوة الشَّهَادَة عَلَيْه وضعفها وكثرة السماع عَنْه وصوره حاله مِن التهمة فِي الدين والنبر بالسفه والمجون فَمَن قوي أمره أذاقه من شديد النكال مِن التضييق فِي السجن والشد فِي القيود إلى العاية الَّتِي هِي منتهى طاقته مِمَّا لَا يمنعه القيام لضرورته وَلَا يقعده عَن صلاته وَهُو حكم كُلّ من وجب عَلَيْه القَتْل لَكِن وقف عَن قتله لمعنى أوجبه وتربص بِه لإشكال وعائق اقتضاه أمره وحالات الشدة فِي نكاله تختلف بحسب اخْتِلَاف حاله وَقَد رَوَى الْوَلِيد عَن مالك والْأَوزَاعِيّ أَنَها رِدَّة فَإِذَا تاب نكل ولمالك فِي العتبية وكتاب مُحَمَّد من رِوَايَة أشهب إذَا تاب
_________________
(١) (قوله والنبر) بالنون المفتوحة والموحدة الساكنة والراء مصدر نبره ينبره نبرا أي لقنه (*)
[ ٢ / ٢٦١ ]
فصل هذا حكم المسلم فأما الذمي
المرتد فَلَا عقوبة عَلَيْه وقاله سُحْنُون وأفتى أَبُو عَبْد اللَّه بن عتاب فِيمَن سَبّ النَّبِيّ ﷺ فشهد عَلَيْه شاهدان عدل أحَدُهُمَا بالأدب الموجع والتنكيل والسجن الطويل حَتَّى تظهر توبته وَقَال القابسي فِي مِثْل هَذَا وَمِن كَان أقصى أمره القتل فعاق عائِق أشْكَل فِي القَتْل لَم يَنْبَغ أن يُطْلَق مِن السَّجْن وَيُسْتَطَال سِجْنُه وَلَو كَان فِيه مِن المُدَّة مَا عسى أَنّ يُقِيم ويُحْمَل عَلَيْه مِن القَيْد مَا يُطِيق وَقَال فِي مِثْلِه مِمَّن أشْكَل أمْرُه يُشَدّ فِي القُيُود شَدًّا وَيُضَيَّق عَلَيْه فِي السّجْن حَتَّى يُنْظَر فِيمَا يَجِب عَلَيْه، وَقَال فِي مَسْأَلَة أُخْرَى مِثْلِهَا وَلَا تُهْرَاق الدّماء إلَّا بالأمْر الواضِح وَفِي الأدَب بالسّوْط والسّجْن نكال للسفهاء ويعاقب عقوبة شديدة فَأَمَّا إن لَم يشهد عَلَيْه سوى شاهدين فأثبت من عداوتهما أَو جرحتهما مَا أسقطهما عَنْه وَلَم يُسْمَع ذَلِك من غَيْرِهِمَا فَأمْرُه أخَفّ لِسُقُوط الْحُكْم عَنْه وكأنه لَم يُشْهَد عَلَيْه إلَّا أَن يَكُون مِمَّن يَليق بِه ذَلِك وَيَكُون الشاهدان من أَهْل التَّبْرِيز فأسْقَطَهُما بِعَداوَة فَهُو وَإن لَم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فَلَا يدفع الظن صدقهما وللحاكم هُنَا فِي تنكيله موضع اجتهاد والله ولي الإرشاد
فصل هَذَا حُكْم المسلم فَأَمَّا الذَّمّيّ إذَا صَرَّح بِسَبّه أَو عَرّض أَو اسْتَخَفّ بِقَدْرِه أَو وَصَفَه بغير الوَجْه الَّذِي كَفَر بِه فَلَا خِلَاف عِنْدَنَا فِي قتله إن
_________________
(١) (قوله عتاب) بفتح العين المهمة وتشديد المثناة الفوقية (*)
[ ٢ / ٢٦٢ ]
لَم يُسْلم لأنا لَم نُعْطِه الذَّمَّة أَو العَهْد عَلَى هَذَا وَهُو قَوْل عامّة الْعُلمَاء إلَّا أَبَا حَنِيفَة والثَّوْرِيّ وأتْباعَهُما من أَهْل الكُوفَة فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يُقْتَل
لِأَنّ مَا هُو عَلَيْه مِن الشّرْك أعظم وَلَكِن يُؤْدّب ويعذر واسْتَدَلّ بَعْض شُيُوخنا عَلَى قَتْلِه بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دينكم) الآيَة، وَيُسْتَدَلّ أيْضًا عَلَيْه بِقَتْل النَّبِيّ ﷺ لابن الأشْرَف وأشْباهِه ولأنَّا لَم نُعاهِدْهُم وَلَم نُعْطِهِم الذَّمّة عَلَى هَذَا وَلَا يَجُوز لَنَا أن نَفْعَل ذَلِك مَعَهُم فَإِذَا أتَوْا مَا لَم يُعْطَوْا عَلَيْه العَهْد وَلَا الذّمَّة فَقَد نَقَضُوا ذِمَّتَهُم وصارُوا كُفّارًا أَهْل حَرْب يُقْتَلُون لِكُفْرِهِم وأيضًا فَإِنّ ذِمَّتَهُم لَا تُسْقط حُدود الْإِسْلَام عَنْهُم مِن القَطْع فِي سَرِقَة أمْوالِهِم والقَتْل لِمَن قَتَلُوه مِنْهُم وَإِنّ كَان ذَلِك حلالًا عندهم فكذلك سبهم للنبي ﷺ يقتلون بِه ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخِلَاف إذَا ذكره الذمي بالوجه الَّذِي كفر بِه ستقف عَلَيْهَا من كَلَام ابن الْقَاسِم وَابْن سُحْنُون بَعْد وَحَكَى أَبُو المصعب الخِلَاف فِيهَا عَن أصحابه المدنيين واختلفوا إذَا سبه ثُمّ أسلم فَقِيل، يسقط إسلامه قتله لِأَنّ الْإِسْلَام يجب مَا قبله بخلاف المسلم إذَا سبه ثم ناب لأنا نعلم باطنة الكافر فِي بغضه لَه وتنقصه بقلبه لكنا منعناه من إظهاره فَلَم يزدنا مَا أظهره إلَّا مخالفة للأمر ونقضًا للعهد فَإِذَا رجع عَن دينه الأوّل إِلَى الْإِسْلَام سقط مَا قبله، قَال اللَّه تَعَالَى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) والمُسْلِم بخلافه
[ ٢ / ٢٦٣ ]
إِذ كَان ظَنُّنا بِباطِنِه حُكْم ظاهِرِه وخلاف مَا بَدا مِنْه الآن فَلَم نَقْبَل بَعْد رُجُوعَه وَلَا اسْتَنَمْنا إِلَى باطِنِه إذ قَد بدت سرائره وما ثَبت عَلَيْه مِن الأحْكام باقية عَلَيْه لَم يسقطها شئ وَقِيل لَا يُسْقط إسلام الذَّمّيّ السابّ قتله لِأَنَّه حَقّ للنَّبِيّ ﷺ وَجَب عَلَيْه لانْتَهاكِه حُرْمته وقَصْدِه إلْحَاق النَّقِيصَة والمَعَرّة بِه فَلَم يَكُن رُجُوعُه إِلَى الْإِسْلَام بالذي يُسْقِطُه
كَمَا وجب عَلَيْه من حقوق الْمُسْلِمِين من قَبْل إسْلامِه من قَتْل وَقَذْف وَإذَا كُنَّا لَا نَقْبَل تَوْبَة المسلم فَأِنّ لَا نقبل توبة الكافر أولى.
قَال مَالِك فِي كِتَاب ابن حبيب المبسوط وَابْن الْقَاسِم وَابْن الماجِشُون وَابْن عَبْد الحَكَم وأصْبَغ فِيمَن شَتَم نَبِيّنا من أَهْل الذّمَّة أَو أَحَدًا مِن الْأَنْبِيَاء ﵈ قتل إلَّا أَن يُسْلم وَقَالَه ابن الْقَاسِم فِي العتبية وعند مُحَمَّد وَابْن سُحْنُون وَقَال سُحْنُون وأصبغ لَا يقال لَه أسلم وَلَا لَا تسلم وَلَكِن إن أسلم فَذَلِك لَه توبة وَفِي كِتَاب مُحَمَّد أَخْبَرَنَا أَصْحَاب مَالِك أنَّه قَال من سب رسول الله ﷺ أَو غَيْرِه مِن النَّبِيّين من مُسْلِم أَو كافر قُتِل وَلَم يُسْتَتَب وَرُوي لَنَا عَن مَالِك إلَّا أن يُسْلِم الكافر وَقَد رَوَى ابن وَهْب عَن ابن عمر أَنّ رَاهِبًا تَنَاوَل النَّبِيّ ﷺ فَقَال ابن عُمَر فَهَلا قتلتموه وَرَوَى عِيسَى عَن ابن الْقَاسِم فِي ذمي قَال إنّ مُحَمَّدًا لَم يُرْسَل إِلَيْنَا إنَّمَا أرسل إِلَيْكُم وَإِنَّمَا نبينا موسى أَو عِيسَى ونحو هَذَا لَا شئ
_________________
(١) (قوله في كتاب محمد) هو أبو المواز (*)
[ ٢ / ٢٦٤ ]
عَلَيْهِم لِأَنّ اللَّه تَعَالَى أقَرَّهُم عَلَى مِثْله وَأَمَّا إن سَبَّه فَقَال لَيْس بِنَبِيّ أَو لَم يُرْسَل أَو لَم يُنْزَل عَلَيْه قُرْآن وإنما هو شئ تقوله أَو نَحْو هَذَا فَيُقْتَل قَال ابن الْقَاسِم وَإذَا قَال النَّصْرَانِيّ دِينُنَا خَيْر من دِينِكُم إنَّمَا دِينُكُم دِين الْحَمِير ونحو هَذَا مِن القبيح أَو سَمِع المؤذن يَقُول أشهد أَنّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه فَقَال كَذَلِك يعطيكم اللَّه ففي هَذَا الأدب المُوجِع والسَّجْن الطويل قَال وَأَمَّا إن شَتَم النَّبِيّ ﷺ شَتْمًا يُعْرَف فَإنَّه يقتل إلَّا أَن يُسْلِم قاله مَالِك غَيْر مَرَّة وَلَم يقل يستتاب قَال ابن الْقَاسِم ومحمل قَوْله عِنْدِي إن أسلم طائعًا، وَقَال ابن سُحْنُون فِي سؤالات سُلَيْمَان بن سالم فِي
اليهودي يقول لمؤذن إذَا تَشَهّد كَذَبْت يُعَاقَب العُقُوبة المُوجِعَة مَع السجن الطويل وَفِي النوادر من رِوَايَة سُحْنُون عَنْه من شتم الْأَنْبِيَاء مِن الْيَهُود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضرب عنقه إلا أن يُسْلِم قَال مُحَمَّد ابن سُحْنُون فإن قِيل لَم قَتَلْتَه في سَبّ النَّبِيّ ﷺ وَمِن دِينِه سَبَّه وتكذيبه قِيل لأنَّا لَم نُعْطِهِم العَهْد عَلَى ذَلِك وَلَا عَلَى قَتْلِنَا وأخْذ أمْوالِنَا فَإِذَا قَتَل واحدًا منا قتلناه وإن كَان من دينه استحلاله فكذلك إظهاره لسب نبينا ﷺ قَال سُحْنُون كَمَا لَو بذل لَنَا أَهْل الْحَرْب الْجزْيَة عَلَى إقْرَارِهِم عَلَى سَبَّه لَم يَجُز لَنَا ذَلِك فِي قَوْل قائل كَذَلِك يْنَتَقِض عهد من سَبّ مِنْهُم ويحل لَنَا دمه وكما لَم يُحَصّن الْإِسْلَام من سَبَّه مِن القَتْل كَذَلِك لَا تُحَصّنُه الذّمَّة قَال الْقَاضِي أَبُو
[ ٢ / ٢٦٥ ]
الْفَضْل مَا ذَكَرَه ابن سُحْنُون عَن نفسه وَعَن أَبِيه مُخَالِف لِقَوْل ابن الْقَاسِم فِيمَا خفَّف عُقُوبَتَهُم فِيه مِمَّا بِه كَفُروا فَتَأمّلْه وَيَدُلّ عَلَى أنَّه خِلَاف مَا رُوِي عَن المدنيين فِي ذَلِك فحَكى أَبُو المُصْعَب الزُّهْرِيّ قَال أُتيت بِنَصْرَانِيّ قَال والذي اصْطَفَى عِيسَى عَلَى مُحَمَّد فاخْتُلِف عَلَيّ فِيه فَضَربْتُه حَتَّى قَتَلْتُه أَو عَاش يَوْمًا وَلَيْلَة وأمَرْت من جر بِرِجْلِه وطُرح عَلَى مزْبَلَة فَأَكَلَتْه الكلاب وسئل أَبُو المصعب عَن نصراني قَال عِيسَى خلق مُحَمَّدًا فَقَال يُقْتَل وَقَال ابن الْقَاسِم سَألنا مالكًا عَن نَصْرَانِيّ بِمِصْر شُهِد عَلَيْه أنَّه قَال مِسْكِين مُحَمَّد يُخبرُكُم أنَّه فِي الجنة ماله لم ينفع نَفْسَه إِذ كَانَت الكلاب تَأْكُل سَاقَيْه لَو قَتَلُوه اسْتَرَاح مِنْه النَّاس قَال مَالِك أرَى أَن تُضْرَب عُنُقُه قَال وَلَقَد كدت أن لَا أتكلم فِيهَا بشئ ثُمّ رَأَيْت أنَّه لَا يسعني الصمت قَال ابن كنانة فِي المبسوطة من شتم النَّبِيّ ﷺ مِن الْيَهُود والنّصَارَى
فَأرى للإمام أَن يحرقه بالنار وَإِن شَاء قَتَله ثُمّ حَرَق جثته وَإِن شَاء أحرقه بالنار حَيًّا إذَا تهافتوا فِي سبه وَلَقَد كُتِب إِلَى مَالِك من مصر وَذَكَر مسألة ابن الْقَاسِم المُتَقَدّمَة قَال فأمَرَنِي مَالِك فَكَتَبْت بأن يقتل وتضرب عنقه فَكَتَبْت ثُمّ قُلْت يَا أَبَا عَبْد اللَّه وأكتب ثُمّ يحرق بالنار فَقَال إنَّه لحقيق بِذَلِك وَمَا أولاه بِه فكتبته بيدي بَيْن يديه فَمَا أنْكَرَه وَلَا عَابَه ونفذت الصحيفة بِذَلِك فَقُتِل وحرق، وأفنى عبيد اللَّه بن يَحْيَى وَابْن لُبَابَة فِي جَمَاعَة
_________________
(١) (قوله على مزبلة) بفتح الميم وتثليث الموحدة (*)
[ ٢ / ٢٦٦ ]
سلف أصحابنا الأنْدَلُسِيّين بِقَتْل نَصْرَانِيّة اسْتَهْلّت بنفي الرُّبُوبِيّة ونُبُوَّة عِيسَى لله وتَكْذِيب مُحَمَّد فِي النُّبُوَّة وبقَبُول إسْلَامِهَا وَدَرْء القَتْل عَنْهَا بِه قَالَ غَيْر وَاحِد مِن المُتَأَخّرِين، مِنْهُم القَابِسِيّ وَابْن الْكَاتِب، وَقَال أَبُو الْقَاسِم ابن الجَلَّاب فِي كِتابِه من سَبّ اللَّه وَرَسُولَه من مُسْلِم أَو كَافِر قُتِل وَلَا يُسْتَتَاب وَحَكى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد فِي الذَّمّيّ يَسُبّ ثُمّ يُسْلِم رِوَايَتَيْن فِي دَرْء القَتْل عَنْه بإسْلَامِه، وَقَال ابن سُحْنُون وحدّ القَذْف وشِبْهُه من حُقُوق العِبَاد لَا يُسْقطُه عَن الذَّمّيّ إسْلَامُه وَإِنَّمَا يَسْقُط عَنْه بإسْلَامِه حُدُود اللَّه فَأَمَّا حَدّ القَذْف فَحَقّ لِلْعِبَاد كَان ذَلِك لِنَبيّ أَو غَيْرِه فأوْجَب عَلَى الذَّمّيّ إذَا قَذَف النَّبِيّ ﷺ ثُمّ أسْلَم حَد الْقَذْف وَلَكِن انْظُر ماذا يَجِب عَلَيْه هَل حَدّ القَذْف فِي حَقّ النَّبِيّ ﷺ وَهُو القَتْل لِزيَادَة حُرْمَة النَّبِيّ ﷺ عَلَى غيره أم هل يسقط القَتْل بإسلامه ويحد ثمانين فتأمله
فصل فِي ميراث من قتل فِي سَبّ النبي ﷺ وغسله والصلاة عَلَيْه
اخْتُلِف العلماء فِي ميرَاث من قُتِل بسَبّ النَّبِيّ ﷺ
_________________
(١) (قوله استهلت) أي رفعت صوتها (*)
[ ٢ / ٢٦٧ ]
فَذَهِب سُحْنُون إِلَى أنَّه لِجمَاعَة الْمُسْلِمِين من قِبَل أَن شَتْم النَّبِيّ ﷺ كفر يشبه كفر الزّنْدِيق، وَقَال أَصْبَغ مِيرَاثُه لِوَرَثَتِه مِن الْمُسْلِمِين إن كَان مُسْتَسِرا بِذَلِك وإن كَان مُظْهِرًا لَه مستهلا بِه فميراثه للمسلمين ويقتل عَلَى كُلّ حال وَلَا يستتاب، قَال أَبُو الْحَسَن القابسي: (إن قتل وَهُو منكر للشهادة عَلَيْه فالحكم فِي ميراثه عَلَى مَا أظهر من إقراره يَعْنِي لورثته والقتل حد ثبت عَلَيْه لِيس من الميراث في شئ وَكَذَلِك لَو أقر بالسب وأظهر التَّوْبَة لقتل إِذ هُو حده وحكمه فِي ميراثه وسائر أحكامه حكم الْإِسْلَام وَلَو أقر بالسب وتمادى عَلَيْه وأبى التَّوْبَة مِنْه فقتل عَلَى ذَلِك كَان كافرًا وميراثه للْمُسْلِمِين وَلَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْه وَلَا يكفن وتستر عورته ويوارى كَمَا يفعل بالكفار وقول الشَّيْخ أَبِي الحسن فِي المجاهر المتمادي بَيْن لَا يمكن الخِلَاف فِيه لِأَنَّه كافر مرتد غَيْر تائب وَلَا مقلع وَهُو مِثْل قَوْل أَصْبَغ وَكَذَلِك فِي كِتَاب ابن سُحْنُون فِي الزّنْدِيق يتمادى عَلَى قَوْلِه، وَمِثْلُه لابن الْقَاسِم فِي العُتْبيّة وِلِجَمَاعَة من أَصْحَاب مَالِك فِي كِتَاب ابن حَبيب فِيمَن أعْلَن كُفْرَه مِثْلُه، قَال ابن الْقَاسِم وحُكْمُه حُكْم الْمُرْتَدّ لَا تَرِثُه مِن الْمُسْلِمِين وَلَا من أَهْل الدّين الَّذِي ارْتَد إليْه وَلَا يَجُوز وَصاياه وَلَا عِتْقُه، وَقَالَه أَصْبَغ قُتِل عَلَى ذَلِك أَو مات عَلَيْه وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد وَإِنَّمَا يُخْتَلَف فِي ميراث الزَّنْدِيق الَّذِي يَسْتَهِلّ بِالتَّوْبَة فَلَا تُقْبَل مِنْه فَأَمَّا المُتَمَادِي فَلَا خِلَاف أنَّه لَا يُورَث، وَقَال
[ ٢ / ٢٦٨ ]
أَبُو مُحَمَّد فيمَن سَبّ اللَّه تَعَالَى ثُمّ مات وَلَم تُعَدَّل عَلَيْه بَيّنَه أَو لَم تُقْبَل إنَّه يُصَلَّى عَلَيْه، وَرَوَى أَصْبَغ عَن ابن الْقَاسِم فِي كِتَاب ابن حبيب فِيمَن كَذَّب برَسُول الله ﷺ أَو أعْلَن دِينًا مِمَّا يُفَارِق بِه الْإِسْلَام أنّ ميراثه للْمُسْلِمِين، وَقَال: بقول مالك إن مِيراث المُرْتَد للْمُسْلِمِين وَلَا تَرِثُه وَرَثَتُه رَبِيعَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن أَبِي لَيْلَى واختلف فِيه عَن أَحْمَد وَقَال عَلِيّ بن أَبِي طَالِب ﵁ وَابْن مَسْعُود وابن المسيب والحسن والشعبى وعمر بن عبد العزيز والحكم والأوزاعي والليث وإسحاق وَأَبُو حنيفة يَرِثُه ورثتُه مِن الْمُسْلِمِين وَقِيل ذَلِك فِيمَا كسبه قَبْل ارْتِدادِه وَمَا كسبه فِي الارتداد فَلِلْمُسْلِمِين وتفصيل أَبِي الْحَسَن فِي باقي جوابه حَسَن بين وهو على رأي أَصْبَغ وخلاف قَوْل سُحْنُون واختلافهما عَلَى قولي مَالِك فِي ميراث الزّنْدِيق فمرة ورثه ورثته مِن الْمُسْلِمِين قامت عَلَيْه بِذَلِك بَيّنَة فأنْكَرَها أو اعْتَرَف بِذَلِك وأظْهَر التَّوْبَة، وقاله أَصْبَغ وَمُحَمَّد بن مَسْلَمَة وَغَيْر واحِد من أصحابه لِأَنَّه مُظْهِر للإسلام بإنْكاره أَو تَوْبَتِه وَحُكْمُه حُكْم المنافقين الذين
_________________
(١) (قوله أم لم تقتل) بضم المثناة الفوقية أوله (قوله ربيعة) هو ابن أبى عبد الرحمن واسم أبى عبد الرحمن فروخ مولى المنكدر قَال مَالِك ﵀ ذهبت حلاوة الفقه منذ مات أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وابنه محمد كانا يجلسان في حلقته استقدمه أبو العباس السفاح إلى الأنبار لتوليته القضاء فلم يفعل. توفى سنة ست وثلاثين ومائة (*)
[ ٢ / ٢٦٩ ]
كَانُوا عَلَى عهد رَسُول اللَّه ﷺ وَرَوَى ابن نافِع عَنْه فِي العُتْبية وكتاب مُحَمَّد أَنّ ميراثَه لِجَمَاعَة الْمُسْلِمِين لِأَنّ مَالَه تَبَع لِدَمِه، وَقَال بِه أيضًا جَمَاعَة من أصحابه، وقاله أشهَب والمُغِيرَة وَعَبُد الْمَلِك وَمُحَمَّد، وسُحْنُون
وَذَهَب ابن قاسم فِي العُتْبيَّة إِلَى أنَّه إن اعتَرَف بِمَا شُهِد عَلَيْه بِه وتاب فَقُتل فَلَا يُورَث وإن لم يُقرّ حَتَّى مات أَو قُتِل وُرّث، قَال وَكَذَلِك كُلّ من أسَرّ كُفْرًا فَإِنَّهُم يَتَوارَثُون بوِراثَة الْإِسْلَام وسُئِل أَبُو الْقَاسِم بن الكاتِب عَن النصراني يَسُبّ النَّبِيّ ﷺ فَيُقْتَل هَل يَرِثُه أَهْل دينِه أم الْمُسْلِمُون فَأَجَاب أنَّه للْمُسْلِمِين لَيْس عَلَى جهَة الْمِيراث لِأَنَّه لَا تَوارُث بَيْن أَهْل ملّتَيْن وَلَكِن لِأَنَّه من فَيئِهِم لنَقْضِه العَهْد هَذَا مَعْنَي قَوْلِه واخْتصارُه
الْبَاب الثالث فِي حكم من سَبّ اللَّه تَعَالَى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النَّبِيّ ﷺ وأزواجه وصحبه
لَا خِلَاف أَنّ سابّ اللَّه تَعَالَى من الْمُسْلِمِين كافر حلال الدّم واختلف فِي استِتَابته فَقَال ابن الْقَاسِم فِي الْمَبْسُوط وَفِي كِتَاب ابن سُحْنُون وَمُحَمَّد وَرَوَاه ابن الْقَاسِم عَن مَالِك فِي كِتَاب إِسْحَاق بن يحى يمن سَبّ اللَّه تَعَالَى مِن الْمُسْلِمِين قُتل وَلَم يُسْتَتَب إلَّا أن يَكُون افْتراء عَلَى اللَّه بارْتداده إِلَى دِين دان بِه وأظْهَرَه فَيُسْتَتَاب وإن لَم يُظْهِرْه لَم يُسْتَتب، وَقَال فِي الْمَبْسُوطَة مُطَرّف
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وَعَبُد الْمَلك مِثْلُه، وَقَال الْمَخْزُومِيّ وَمُحَمَّد بن مَسْلَمَة وَابْن أبي حازم لا يقتل الملم بالسّبّ حَتَّى يستتاب وَكَذَلِك اليَهُودِيّ والنّصْرَانِيّ فإن تابُوا قبل مِنْهُم وإن لَم يَتُوبُوا قُتلوا وَلَا بُد مِن الاسْتِتابَة وَذَلِك كُلُّه كالرّدّة وَهُو الَّذِي حَكاه الْقَاضِي ابن نَصْر عَن المَذْهَب وأفْتى أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد فِيمَا حُكِي عَنْه فِي رَجُل لَعَن رَجُلًا وَلَعن اللَّه فَقَال إنَّمَا أردْت أن الْعَن الشَّيْطَان فَزَلّ لِساني فَقَال يقتل بظاهر كفره وَلَا يقبل عذره وَأَمَّا فِيمَا
بينه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فمعذور واختلف فُقَهَاء قُرْطُبَة فِي مسالة هارون ابن حبيب أخي عَبْد الْملك الْفَقِيه وَكَان ضَيّق الصّدْر كثير التَّبَرُّم وَكَان قَد شُهِد عَلَيْه بِشَهَادَات مِنْهَا أنَّه قَال عِنْد اسْتِلاله من مرض لقيت فِي مَرَضي هَذَا مَا لَو قَتَلْت أَبَا بَكْر وعمر لَم استوجب هَذَا كُلّه فَأفتى إبْرَاهِيم ابن حسين بن خَالِد بقتله وَأَنّ مضمن قَوْله تجوير لله تَعَالَى وتظلم مِنْه والتعريض فِيه كالتصريح وأفتى أخُوه عَبْد الْمَلك بن حَبيب وإِبْرَاهِيم بن حُسَيْن بن عاصِم وسعيد بن سُلَيْمَان الْقَاضِي بِطَرْح القَتْل عَنْه إلَّا أَنّ الْقَاضِي رَأى عَلَيْه التَّثْقِيل فِي الحَبْس والشَّدّة فِي الأدَب لاحْتمال كلامه وصرفه إلا التَّشكّي فَوَجّه من قَال فِي سابّ اللَّه بالاستتابة أنَّه كُفْر وَرِدّة مَحْضَة لَم يتَعَلّق بِهَا حَقّ لِغَيْر اللَّه فَأشْبَه قَصْد الكُفْر بِغَيْر سَبّ اللَّه وإظْهَار الانْتقال إلى دِين آخَر مِن الأدْيان المُخَالِفَة لِلْإِسْلَام
_________________
(١) (قوله كثير التبرم) بفتح المثناة الفوقية والموحدة مصدر تبرم بمعنى تشاءم (*)
[ ٢ / ٢٧١ ]
فصل وأما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به
وَوَجْه تَرْك اسْتِتَابِته أنه لما ظَهَر مِنْه ذَلِك بَعْد إظْهار الْإِسْلَام قَبْل اتهمناه وظننا أَنّ لسانه لَم ينطق بِه إلَّا وَهُو معتقد لَه إِذ لَا يَتَسَاهَل فِي هَذَا أَحَد فَحُكِم لَه بحكم الزَّنْدِيق وَلَم تُقْبَل توبته وَإذَا انْتَقَل من دِين إلى دِين آخَر وأظْهَر السّبّ بِمَعْنَي الارْتِدَاد فَهَذَا قَد أعْلَم أنَّه خَلَع رِبْقَه الْإِسْلَام من عُنُقِه بِخِلَاف الأوّل المستمسك بِه وحُكْم هَذَا حُكْم المُرْتَد يُسْتَتَاب عَلَى مَشْهُور مَذاهِب أَكْثَر الْعُلمَاء وَهُو مَذْهَب مَالِك وأصحابه عَلَى ما بَيَّنَاه قَبْل وَذَكَرْنا الخِلَاف فِي فُصُولِه
فصل وَأَمَّا من أضاف إِلَى اللَّه تَعَالَى مَا لَا يَلِيق بِه لَيْس عَلَى طريق السَّبّ وَلَا الرّدَّة وَقَصْد الكُفْر وَلَكِن عَلَى طَرِيق التَّأْوِيل والاجْتِهاد والخَطَإ المُفْضِي إِلَى الْهَوَى والبدعَة من تَشْبيه أَو نَعْت بِجارحَة أَو نَفْي صِفَة كَمَال فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَف السَّلَف وَالْخَلَف فِي تَكْفِير قائِلِه ومُعْتقِدِه واخْتَلف قَوْل مَالِك وأصحابِه فِي ذَلِك وَلَم يَخْتِلِفُوا فِي قِتالِهِم إذَا تَحَيَّزُوا فِئَة وَأَنَّهُم يُسْتَتابُون فإن تابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي المُنْفَرِد مِنْهُم فأكْثَر قَوْل مَالِك وأصحابِه تَرْك القَوْل بِتَكْفِيرِهِم وتَرْك قَتْلِهِم وَالْمُبَالغَة فِي عُقُوبَتِهِم وإطالَة سِجْنِهِم حَتَّى يَظْهَر إقْلاعُهُم وتَسْتَبين تَوْبَتُهُم كَمَا فعل
_________________
(١) (قوله ربقة الإسلام) بكسر الراء وسكون الموحدة أي أحكام الإسلام وأصل الربقة عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة أو يدها بمسكها (*)
[ ٢ / ٢٧٢ ]
عُمَر ﵁ بِصَبِيغ وَهَذَا قول مُحَمَّد بن المَوّاز فِي الخَوارِج وَعَبُد الملك بن الماجِشُون وقول سُحْنُون فِي جميع أَهْل الأهْوَاء، وبه فُسّر قوله مَالِك فِي المُوَطَّإ وما رواه عَن عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز وَجَدَّه وعمه من قولهم فِي القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، وقال عيسى بن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب اللَّه يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم، وقال مثله أيضا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم قال واستتابتهم أن يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضِيَّة وَالقَدَرِيَّة وَسائِر أَهْل البِدَع قَال وهُم مُسْلِمُون وَإِنَّمَا لِرَأْيِهِم السُّوء وبهذا عمل عمر ابن عَبْد الْعَزِيز، قَال ابن الْقَاسِم: (من قَال إن اللَّه لَم يُكَلّم مُوسَى تَكْلِيمًا اسْتُتيب فإن تاب وَإِلَّا قُتل) وَابْن حَبِيب وَغَيْره من أصْحَابِنا يرى تكفيرهم
_________________
(١) (قوله بصبيغ) بفح الصاد المهملة وكسر الموحدة وفى آخره غين معجمة هو ابن عسل بكسر العين وسكون السين المهملتين قال يحيى بن معين كان يتبع مشكل القرآن ويسأل عنه عمر فضربه عمر وأمر أن لا يجالس (قوله من الإباضية) بكسر الهمزة وتخفيف الموحدة والضاد المعجمة وتشديد المثناة أصحاب عبد الله بن إباض التميمي الخارجي ظهر في زمن مروان بن محمد آخر بنى أمية وقيل في آخر أمره، يزعمون أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين يجوز قتالهم وغنيمة سلاحهم وكراعم عند الحرب دون غيره ودارهم دار الإسلام إلا معسكر سلطانهم وتقبل شهادة مخالفيهم عليهم كذا في المواقف (١٨ - ٢) (*)
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وَتَكْفِير أمْثَالِهِم مِن الخَوَارِج وَالقَدَرِيَّة وَالمُرْجِئَة، وَقَد رُوِي أيْضًا عَن سُحْنُون مِثْلُه فِيمَن قَال لَيْس لله كَلَام أنَّه كافر واختلفت الروايات عَن مَالِك فَأطْلَق فِي رِوَايَة الشامِيَّين أَبِي مُسْهِر وَمَرْوَان بن مُحَمَّد الطاطِريّ: (الكُفْر عَلَيْهِم) وَقَد شُووِر فِي زَواج القَدَرِيّ فَقَال: لَا تُزَوّجْه) قَال اللَّه تَعَالَى: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مشرك) وروى عند أيْضًا أَهْل الأهْواء كُلُّهُم كُفّار وَقَال من وَصَف شَيْئًا من ذات اللَّه تعالى وأشار إلى شئ من جَسَدِه يَد أَو سَمْع أَو بَصَر قُطِع ذَلِك مِنْه لِأَنَّه شَبّه اللَّه بنَفْسِه وَقَال فِيمَن قَال الْقُرْآن مَخْلُوق كافر فاقْتُلُوه وَقَال أيْضًا فِي رِوَايَة ابن نافع يُجْلَد ويوجع ضربا ويحبس حَتَّى يتوب وَفِي رِوَايَة بِشْر بن بَكْر التنيسي عَنْه يقتل وَلَا تقبل توبته قَال الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّه البرنكاني والقاضي أَبُو عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ من أئِمَّة العراقيين جوابه مختلف يقتل المستبصر الداعية وَعَلَى
_________________
(١) (قوله والقدرية) هم طائفة ينكرون أن الله قدر الأشياء في القدم وقد انقرضوا وصار القدرية لقبا للمعتزلة لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وإنكارهم القدر فيها كذا في شرح مسلم للنووي (قوله والمرجئة) لقبوا بذلك لأنهم يرجئون العمل عن النية أي يؤخرون في الرتبة عنها وعن الاعتقاد من أرجاء آخره وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (أرجه وأخاه) أو لأنهم يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهم يعطلون الرجاء وعلى هذا ينبغى أن يهمز لفظ المرجئة كذا في المواقف (قوله الطاطرى) بطائين مهملتين ثانيهما مفتوحة نسبة إلى نوع من الثياب البيض كان يبيعها (قوله بشر التنيسى) بشر بالموحدة والشين المعجمة الساكنة والتنيسى بمثناة فوقية ونون مشددة مكسورة وسين مهملة نسبه إلى تنيس قرية بقرب تونة وكلاهما بقرب دمياط وقد أكلهما البحر وصارا بحيرة ماء (قوله بقتل المستبصر) بقتل بالباء الموحدة في أوله (*)
[ ٢ / ٢٧٤ ]
هَذَا الخِلَاف اختلف قَوْله فِي إعادة الصَّلَاة خلفهم وَحَكَى ابن المنذر عَن الشَّافِعِيّ لَا يستتاب القدري وأكثر أقوال السَّلَف تكفيرهم وممن قَال بِه اللَّيْث وابن عيينة وبن لهيعة روى عَنْهُم ذَلِك فِيمَن قَال بخلق الْقُرْآن وقاله ابن المُبَارَك والأودي ووكيع وحفص بن غياث وَأَبُو إِسْحَاق الفزارى؟؟؟؟ وعلي بن عاصم فِي آخرين وهُو من قَوْل أَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فيهم وفى الخوارج والقدرية وَأَهْل الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين وَهُو قَوْل أَحْمَد بن حَنْبَل وَكَذَلِك قالوا فِي الوافقة والشاكة فِي هَذِه الأصول وممن رُوِي عَنْه مَعْنَي القَوْل الآخر بترك تكفيرهم عَلِيّ بن أَبِي طَالِب وَابْن عُمَر والحسن الْبَصْرِيّ وَهُو رأي جَمَاعَة مِن الفُقَهَاء النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصَّحَابَة والتابعين ورثة أَهْل حروراء وَمن عرف بالقدر مِمَّن مات مِنْهُم ودفنهم فِي مقابر الْمُسْلِمِين وجرى أحكام الْإِسْلَام عَلَيْهِم، قَال
إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وإنما قَال مَالِك فِي القدرية وسائر أَهْل البدع يستتابون فَإِن تابوا وَإِلَّا قتلوا لِأَنَّه مِن الفساد فِي الْأَرْض كَمَا قَال فِي المحارب إن رَأَى الإمام قتله وَإِن لَم يقتل قتله وفساد المحارب إنَّمَا هُو فِي الأموال
_________________
(١) بقتل بالباء الموحدة في أوله (قوله وحفص بن غياث) بالغين المعجمة المكسورة والمثناة التحتية الخفيفة (قوله حروراء) بفتح الحاء المهملة والمد قرية بقرب الكوفة على ميلين فيها اجتمع الخوارج وتعاقدوا فنسبوا إليها (*)
[ ٢ / ٢٧٥ ]
فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين
ومصالح الدُّنْيَا وَإِن كَان قَد يدخل أيْضًا فِي أمر الدّين من سبيل الحج والجهاد، وفساد أَهْل البدع معظمه عَلَى الدّين وَقَد يدخل فِي أمر الدُّنْيَا بِمَا يلقون بَيْن الْمُسْلِمِين مِن العداوة
فصل فِي تحقيق القَوْل فِي إكفَار الْمُتَأوّلِين * قَد ذَكَرْنَا مذاهب السَّلَف فِي إكْفَار أَصْحَاب البدع وَالأهْوَاء المُتَأوّلين مِمَّن قَال قَوْلا يُؤَدّيه مَسَاقُه إِلَى كُفْر هُو إذَا وُقِف عَلَيْه لَا يَقُول بِمَا يُؤَدّيه قَوْله إليْه وَعَلَى اخْتِلَافِهِم اخْتلف الفُقَهَاء والمُتَكَلّمُون فِي ذَلِك فَمنهُم من صَوّب التّكْفِير الَّذِي قَال بِه الجُمْهُور مِن السَّلَف وَمِنْهُم من أباه وَلَم يَر إخْرَاجَهُم من سَوَاد الْمُؤْمِنين وَهُو قَوْل أَكْثَر الفُقَهَاء والمتكلمين وقالوا هُم فُسّاق عُصَاة ضُلّال ونُورّثُهُم مِن الْمُسْلِمِين ونحْكُم لَهُم بِإحْكامهم ولهذا قَال سُحْنُون لَا إعادَة عَلَى من صَلَّى خَلْفَهُم قَال وَهُو قَوْل جميع أَصْحَاب مَالِك المُغِيرَة وَابْن كِنَانَة وَأشْهَب قَال لِأَنَّه مُسْلِم وَذَنْبُه لَم يُخْرِجْه مِن الْإِسْلَام واضْطَرب آخرُون فِي ذَلِك وَوَقَفُوا عَن القَوْل بالتَّكْفِير أَو ضِدَّه وَاختلاف قولي مَالِك فِي ذَلِك وتَوَقُّفُه عَن إعَادَة الصَّلَاة خَلْفَهُم مِنْه وَإِلَى نَحْو من هَذَا ذهب الْقَاضِي أَبُو بَكْر إمام أَهْل التّحْقِيق وَالْحَقّ وَقَال إنَّهَا من الْمُعْوصات إذا الْقَوْم لَم يُصَرّحُوا باسم
_________________
(١) (قوله المعوصات) بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الواو من التعويض في المسائل وغيرها وهو استخراج ما يصعب معناه (*)
[ ٢ / ٢٧٦ ]
الكُفْر وَإِنَّمَا قَالُوا قَوْلًا يُؤَدّي إليْه واضطرب قَوْلِه فِي المسألة عَلَى نَحْو اضْطِرَاب قَوْل إمامه مَالِك بن أَنَس حَتَّى قاله فِي بَعْض كَلَامه إنَّهُم عَلَى رَأْي من كَفّرَهُم بالتَّأْويل لَا تَحِلّ مُنَاكَحَتُهُم وَلَا أكْل ذَبَائِحِهم وَلَا الصَّلَاة عَلَى مَيّتِهِم وَيُخْتَلف فِي مُوَارَثَتِهِم عَلَى الخِلَاف فِي ميراث المُرْتَد وقال أيضا نورث ميتهم ورثتهم مِن الْمُسْلِمِين وَلَا نورثهم من المسلمين وأكثر ميله إلى ترك التّكْفِير بالمَآل وَكَذَلِك اضْطَرَب فِيه قَوْل شَيْخِه أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ وَأكْثَر قَوْلِه تَرْك التكْفِير وَأَنّ الكُفْر خَصْلَة وَاحِدَة وَهُو الْجَهْل بِوُجُود الْبَارِي تَعَالَى وَقَال مَرَّة مِن اعْتَقَد أَنّ اللَّه جِسْم أو المسِيح أَو بَعْض من يَلْقَاه فِي الطُّرُق فليس بِعَارِف بِه وَهُو كَافِر وَلِمِثْل هَذَا ذَهَب أَبُو المعالي ﵀ فِي أجْوبَتِه لأبي مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ وَكَان سَألَه عَن المَسْألة فاعْتَذَر لَه بأن الغَلَط فِيهَا يَصْعُب لِأَنّ إدْخَال كافِر فِي المِلّة وَإخْرَاج مُسْلِم عَنْهَا عَظِيم فِي الدّين وقال غَيْرُهُمَا مِن المُحَقّقِين: الَّذِي يَجِب الاحْتِرَاز مِن التّكْفِير فِي أَهْل التَّأْوِيل فَإِنّ اسْتِبَاحَة دِمَاء المُصَلّين المُوَحّدِين خَطَر والخَطَأ فِي تَرْك ألْف كافِر أهْون مِن الخَطَإ فِي سَفْك مَحْجَمَة من دم مُسْلِم وَاحِد وَقَد قَال ﷺ فَإِذَا قَالُوهَا يَعْنِي الشَّهَادَة عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأموالهم إلا بححقها وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ
_________________
(١) (قوله فِي أجْوبَتِه لأبي مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ) هو عن صاحب الأحكام لأن الإمام كانت وفاته قبل مولد عبد الحق صاحب الأحكام (قوله محجمة) بكسر الميم الأولى هي قارورة الحجام (*)
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فالِعصْمَة مَقْطُوع بِهَا مَع الشَّهَادَة وَلَا تَرْتَفِع وَيُسْتَبَاح خِلافُهَا إلا بقاطع ولا قاطع من شَرْع وَلَا قِيَاس عَلَيْه وألفاظ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب مُعَرَّضة لَلتأويل فَمَا جَاء مِنْهَا فِي التّصْرِيح بِكُفْر القَدَرِيَّة وَقَوْله لَا سَهْم لَهُم فِي الْإِسْلَام وَتَسْمِيَتُه الرَّافِضَة بالشَّرْك وإطْلاق اللَّعْنَة عَلَيْهِم وَكَذَلِك فِي الْخَوَارِج وَغَيْرِهِم من أَهْل الأهْوَاء فَقَد يحتْج بِهَا من يَقُول بالتَّكْفِير وَقَد يُجِيب الآخر بأنَّه قَد وَرَد مِثْل هَذِه الألفاظ فِي الْحَدِيث فِي غَيْر الكَفَرة عَلَى طريق التَّغْلِيظ وكُفْر دُون كُفْر وإشْرِاك دُون إشْرَاك وَقَد وَرَد مِثْلُه فِي الرّياء وعُقُوق الوالدين والزَّوْج والزُّور وَغَيْر معصية وَإذَا كَان محتملًا للأمْرَيْن فَلَا يُقْطَع عَلَى أحَدهمَا إلَّا بِدَلِيل قاطِع، وَقَوْلُه فِي الخَوَارِج هُم من شَرّ البَرِيَّة وَهَذِه صِفَة الكُفَّار، وَقَال شَرّ قَبِيل تَحْت أدِيم السَّمَاء طُوبي لِمَن قَتَلهُم أَو قَتَلُوه، وَقَال: (فَإِذَا وَجَدْتموهُم فاقتلوهم قَتْل عَاد) وظاهِر هَذَا الكُفْر لا سيما مَع تَشْبِيهِهِم بِعَاد فَيَحْتَجّ بِه من يَرَى تكفيرهم فيقول لَه الآخر إنَّمَا ذَلِك من قتلهم لخروجهم عَلَى الْمُسْلِمِين وبغيهم عليهم بدليله مِن الْحَدِيث نفسه يقتلون أَهْل الْإِسْلَام فقتلهم ههنا حد لَا كفر وَذَكْر عاد تشبيه للقتل وحله لَا للمقتول وَلَيْس كُلّ من حكم بقتله يحكم بكفره ويعارضه بقول خَالِد فِي الْحَدِيث دعني أضرب عنقه يَا رَسُول اللَّه فَقَال لعله يصلي فَإِن احتجوا بِقَوْلِه ﷺ يقرؤن الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ فأخبر
[ ٢ / ٢٧٨ ]
أَنّ الْإِيمَان لَم يدخل قلوبهم وَكَذَلِك قَوْله (يَمْرُقُونَ مِنَ الدين مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمْيَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ عَلَى فَوْقِهِ) وبقوله (سبق الفرث والدم) يدل عَلَى أنَّه لَم يتعلق مِن الْإِسْلَام بشئ أجابه الآخرون أَنّ مَعْنَي لَا يجاوز حناجرهم لَا يفهمون معانيه بقلوبهم وَلَا تنشرح لَه صدورهم وَلَا تعمل بِه جوارحهم وعارضوهم بِقَوْلِه ويتمارى فِي الفوق وَهَذَا يقتضي التشكك فِي حاله وَإِن احتجوا بقول أَبِي سَعِيد الْخُدْرِي فِي هَذَا الْحَدِيث.
سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ) وَلَم يقل (مِنْ هَذِهِ) وتحرير أَبِي سَعِيد الرّوَايَة وإتقانه اللَّفْظ أجابهم الآخرون بأن العبارة بفي لَا تقتضي تصريحًا بكونهم من غَيْر الْأُمَّة بخلاف لفظه مِن - الَّتِي هِي للتبعيض وكونهم مِن الْأُمَّة مَع أنَّه قَد رُوِي عَن أَبِي ذَرّ وعلي وأبي أمامة وَغَيْرِهِم في هَذَا الْحَدِيث يخرج من أُمَّتِي، وسيكون من أُمَّتِي، وحروف المعاني مشتركة فَلَا تعويل عَلَى إخراجهم مِن الْأُمَّة؟؟؟ وَلَا عَلَى إدخالهم فيما بمن لَكِن أَبَا سَعِيد ﵁ أجاد مَا شَاء فِي التّنْبِيه الَّذِي نَبّه عَلَيْه وَهَذَا مِمَّا يَدُلّ عَلَى سِعَة فقه الصَّحَابَة وتحقيقهم للمعاني واستنباطها مِن الألْفاظ وتحْرِيرِهِم لَهَا وتَوَقّيهِم فِي الرّوَايَة هَذِه المذاهب المَعْرُوفَة لأهل السنة ولغيرهم
_________________
(١) (قوله من الرمية) أي المرمية من الصيد (قوله على فوقه) الفوق بضم الفاء موضع الوتر من السهم (قوله سبق الفرث والدم) أي مر سريعا فلم يعلق بشئ من دمها وفرثها (*)
[ ٢ / ٢٧٩ ]
مِن الفِرَق فِيهَا منالات كَثِيرَة مُضْطَرِبَة سَخِيفَة أقْرَبُهَا قَوْل جَهْم وَمُحَمَّد
ابن شبيب أَنّ الكُفْر بالله الْجَهْل بِه لَا يَكْفُر احد بغير ذَلِك وَقَال أَبُو الهُذَيْل إنّ كُلّ متأول كان تأوليه تَشْبيهًا لله بَخَلْقِه وتجْويرًا لَه فِي فِعْلِه وتَكْذِيبًا لِخَبَرِه فَهُو كافِر وكُلّ من أثْبَت شَيْئًا قديمًا لَا يُقَال لَه اللَّه فَهُو كافر وَقَال بَعْض المتكلمين إن كَان مِمَّن عَرّف الأصْل وبنى عَلَيْه وَكَان فِيمَا هُو من أوْصاف اللَّه فَهُو كافر وإن لَم يَكُن من هَذَا الْبَاب ففاسق إلَّا أن يَكُون مِمَّن لَم يعرف الأصل فَهُو مخطئ غَيْر كافر وذهب عُبَيْد اللَّه بن الْحَسَن العنبري إِلَى تصويب أقوال المجتهدين فِي أصُول الدّين فِيمَا كَان عُرْضَة لِلتَّأْوِيل وفارَق فِي دلك فِرَق الْأُمَّة إِذ أجْمَعُوا سِواه عَلَى أَنّ الْحَقّ فِي أُصُول الدّين فِي واحد والمُخْطِئ فِيه آثم عاص فاسِق وَإِنَّمَا الخِلَاف فِي تكفيره وَقَد حكى الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِي مِثْل قَوْل عُبَيْد اللَّه عَن دَاوُد الأَصْبَهَانِيّ وَقَال وحكى قوم عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِك فِي كُلّ من علم الله سبحانه من حالِه اسْتِفْراغ الْوُسْع فِي طَلَب الْحَقّ من أَهْل مِلّتِنَا أَو من غير هم وَقَال نَحْو هَذَا القَوْل الجاحظ وثمامة فِي أَنّ كثيرًا مِن العامة والنساء والبُلْه ومُقَلّدَة النصارى واليهود
_________________
(١) (قوله عَن دَاوُد الأَصْبَهَانِيّ) هو إمام أهل الظاهر (قوله الجاحظ) هو عمرو بن بحر، إليه تنسب الجاحظية من المعتزلة، توفى سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة (قوله وثمامة) هو ابن اشر بن أبى معين التميرى قال الذهبي كان من كبار المعتزلة ورؤس الضلالة وكان له أيضا اتصال بالرشيد ثم المأمون وكان ذا نوادر وملح (*)
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وَغَيْرِهِم لَا حُجَّة لله عَلَيْهِم إِذ لَم تَكُن لَهُم طِباع يُمْكن معها الاسْتِدْلال وَقَد نحا الغزالي قريبًا من هَذَا المَنْحى فِي كِتَاب التَّفْرِقَة وقائِل هَذَا كُلُّه كافر بالإجْماع على كفر من لم يكذر أحدًا مِن النَّصَارَى واليَهُود
وَكُلّ من فَارَق دِين الْمُسْلِمِين أَو وَقَف فِي تكفير هم أوشك قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْر لِأَنّ التّوقِيف والإجْماع اتّفَقَا عَلَى كُفْرِهِم فَمَن وقف فِي ذَلِك فَقَد كذّب النَّصّ والتّوْقِيف أَو شَكّ فِيه والتكذيب أو الشك فِيه لَا يقع إلا من كافر
_________________
(١) (قوله الغزالي) بفتح العين المعجمة وتشديد الزاى قال النووي في التبيان في أداه حملة القرآن بتخفيف الزاى نسبة إلى غزالة قرية من قرى طوس وقال ابن الأثير إن التخفيف خلاف المشهور قال وأظن أن هذه النسبة في التشديد إلى الغزال على عادة أهل جرجان وخوارزم كالقصارى إلى القصار، قال وحكى لى بعض من يُنْسَبُ إليْهِ مِنَ أهل طوس أنه منسوب إلى غزالة بنت كعب الأحبار انتهى وفى الطبقات للسبكي وكان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان بطوس ولما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير وقال له إن لى تأسفا على تعلم الخط وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدى فعلهما الخط ولا عليك ان تنفد في ذلك جميع ما خلفته لهما فلما مات أبوهما أقبل الصوفى على تعليمهما إلى أن فنى الذى خلفه لهما أبوهما وتعذر على الصوفى القيام يفوتهما قال لهما أرى أن تلجأ إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما ففعلا ذلك فكان السبب في سعادتهما وكان الغزالي يقول طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، ولد ﵀ سنة خمسين وأربعمائة بطوس وتوفى سنة خمس وخمسمائة (*)
[ ٢ / ٢٨١ ]
فصل في بيان ما هو من المقالات كفر
فصل فِي بيان مَا هُو مِن المقالات كفر وَمَا يتوقف أَو يختلف فِيه وَمَا لَيْس بكفر اعْلَم أَنّ تحْقيق هَذَا الْفَصْل وكَشْف اللّبْس فِيه مَوْرِدُه الشَّرْع وَلَا مجَال لِلْعَقْل فِيه والفصل البَيّن فِي هَذَا أَنّ كُلّ مَقَالَة صَرّحَت بِنَفْي الرُّبُوبيّة أَو الْوَحْدَانِيّة أَو عِبَادة أحد غَيْر اللَّه أَو مَع اللَّه فهي كُفْر كَمَقَالَة الدَّهْرِيّة وَسَائِر فِرَق أَصْحَاب الاثْنَيْن مِن الدّيصَانِيّة وَالمَانَوِيّة وأشْبَاهِهِم مِن الصّابِئِين وَالنَّصَارَى وَالمَجُوس وَالَّذِين أشركوا بعبادة الأوثان أَو الْمَلَائِكَة أَو الشيطاين أَو الشمس أَو النجوم أَو النَّار أَو أحد غَيْر اللَّه من مُشْركي الْعَرَب وَأَهْل الهنْد والصّين والسُّودَان وَغَيْرِهِم مِمَّن لَا يَرْجع إِلَى كِتَاب وَكَذَلِك القَرَامِطة وَأَصْحَاب الحُلُول والتّنَاسُخ مِن الباطِنّية وَالطّيَارَة مِن الرّوَافض وَكَذَلِك مِن اعْتَرَف بإلاهيّة الله
_________________
(١) (قوله الدهرية) بفتح الدال طائفه مخلدون جمع دهري بفتحها والدهرى بالضم الشيخ الكبير، قال ثعلب هما جميعا منسوبان إلى الدهر وإنما غيروا في النسب كما قالوا سهلى المنسوب إلى الأرض السهلة (قوله من الديصانية) بكسر الدال المهملة وسكون المثناة التحتية وتخفيف الصاد قوم يقولون بالنور والظلمة كالمانية إلا أن المانية يقولون النور والظلمة حيان والديصانة يقولون النور حى والظلمة ميت (قوله المانية) وفى بعض النسخ المانوية نسبة إلى مانى الزنديق ظهر في زمن سابور بن أردشير وادعى النبوة وادعى أن للعالم أصلين نورا وظلمة وهما قديمان فقبل قوله سابور فلما ملك بهرام ساخه وحشا حلده تبنا وقتل أصحابه وهرب بعضهم إلى الصين (*)
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ووحْدانِيّتِه ولكنه اعْتَقَد أنَّه غَيْر حَيّ أَو غَيْر قديم وَأنَّه مُحْدَث أَو مُصَوّر أَو ادّعَى لَه وَلَدًا أَو صَاحَبَة أَو وَالِدًا أو متولد من شئ أَو كائن عَنْه أَو أَنّ مَعَه فِي الأزل شَيْئًا قديمًا غَيْره أَو أنثم صَانِعًا للعالم سواه أَو مُدَبّرًا غَيْره فَذَلِك كُلُّه كُفْر بإجْماع الْمُسْلِمِين كَقَوْل الإلهيين مِن الْفَلاسِفَة والمُنَجّمِين وَالطّبَائِعِيّين وَكَذَلِك مَن ادّعى مُجَالسَة اللَّه وَالْعُرُوج
إليْه وَمُكَالَمَتَه أَو حُلُوله فِي أَحَد الأشْخَاص كتول بَعْض المُتَصوّفَة والباطنية النصارى والقرامطة وَكَذَلِك نَقْطَع عَلَى كفر من قَال بقدم العالم أَو بقائه أَو شك فِي ذَلِك عَلَى مذهب بَعْض الفلاسفة والدهرية أَو قَال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد فِي الأشخاص وتعذيبها أَو تنعمها فِيهَا بحسب زكائها وخبثها وَكَذَلِك مِن اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النُّبُوَّة من أصلها عمومًا أو نُبُوَّة نبينا ﷺ خصوصًا أَو أحد مِن الْأَنْبِيَاء الَّذِين نص اللَّه عَلَيْهِم بَعْد عِلْمِه بذلك فَهُو كافِر بِلَا رَيْب كالبَرَاهِمَة ومُعْظَم اليَهُود والأرُوسِيّة مِن النصاري والغُرَابِيّة مِن الروافض الزاعمين أَنّ عليًّا كَان المبعوث إليْه جِبْرِيل وَكالْمُعَطِّلَة والقرامطة والإسماعيلية والعنبرية مِن الرافضة وَإِن كَان بَعْض هَؤْلَاء قَد أشْرَكُوا فِي كُفر آخَر مَع من قَبْلَهُم وَكَذَلِك من دَان بالوحْدَانِيّة وصحة النبوة
_________________
(١) (قوله والغرابية) بضم الغين المعجمة قالوا محمد بعلى أشبه مِن الغُرَاب بالغراب والدواب بالدواب وبعث الله جبريل إلى على فغلظ فيلعنون - لعنهم الله - صاحب الريش ويعنون به جبريل ﵇ (*)
[ ٢ / ٢٨٣ ]
ونبوة نبينا ﷺ وَلَكِن جَوّز عَلَى الْأَنْبِيَاء الكَذِب فِيمَا أتَوا بِه ادعى فِي ذَلِك المصلحة نزعمه أو لم يذعها فَهُو كافر بإجْماع كالمتفلسفين وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة فَإِنّ هَؤْلَاء زعموا أَنّ ظواهر الشَّرْع وأكثر مَا جَاءَت بِه الرُّسُل مِن الْأَخْبَار عَمَّا كَان وَيَكُون من أُمُور الآخِرَة والحَشْر، وَالْقِيَامَة، والْجَنة، وَالنَّار لَيْس مِنْهَا شئ عَلَى مقْتَضَى لفظها ومفهوم خطابها وَإِنَّمَا خاطبُوا بِهَا الخَلْق عَلَى جِهَة المَصْلَحَة لَهُم إِذ لَم يمكنهم التصريح لقصور
أفهامهم فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب الرُّسُل والارتياب فِيمَا أتوا بِه وَكَذَلِك من أضاف إلى نبينا ﷺ تعمد الكَذِب فِيمَا بلغه وأخبر بِه أَو شك فِي صدقه أَو سبه أَو قَال إنَّه لَم يبلغ أَو استخف بِه أَو بأحد مِن الْأَنْبِيَاء أَو أزرى عَلَيْهِم أو آذاهم أَو قتل نَبيًّا أَو حاربه فَهُو كافر بإجماع وَكَذَلِك نكفر من ذهب مذهب بَعْض القدماء فِي أَنّ فِي كُلّ جنس مِن الحيوان نذيرا ونبيًا مِن القردة، والخنازير والدواب والدود ووغير ذَلِك، ويحتج بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِنَّ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فيها نذير) إذ ذَلِك يؤدي إِلَى أن يُوصَف أنبياء هَذِه الأجْنَاس بصفاتهم المذمومة وفيه مِن الإزْرَاء عَلَى هذا المنصف المُنِيف مَا فِيه مَع إجْماع الْمُسْلِمِين عَلَى خلافه وتَكْذِيب قائله وَكَذَلِك نُكَفّر من اعترف مِن الْأُصُول الصَّحِيحة بِمَا تقدم ونُبُوَّة نبينا ﷺ
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وَلَكِن قَال كَان أسْوَد أَو مات قَبْل أن يلتحي أَو لَيْس الَّذِي كَان بمكّة والحجاز أَو لَيْس بقرشي لِأَنّ وصفه بغير صفاته المعلومة نفي لَه وتكذيب بِه وَكَذَلِك من ادعى نُبُوَّة أَحَد مَع نبينا ﷺ أَو بَعْدَه كالعيسوية مِن اليَهُود القائلين بتخصيص رسالته إِلَى الْعَرَب وكالخرمية القائلين بتواتر الرُّسُل وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة عَلِيّ فِي الرسالة للنبي ﷺ وَبَعْدَه فكذلك كُلّ إمام عِنْد هَؤْلَاء يقوم مقامه فِي النُّبُوَّة والحَجَّة وكالْبَزيغيّة والبَيَانِيّة مِنْهُم القَائِلِين بِنُبُوَّة بِزِيغ وَبَيَان وَأشْبَاه هَؤْلَاء أَو من ادّعى النُّبُوَّة لِنَفْسِه أَو جوّز اكْتِسَابَهَا والبُلُوغ بِصَفَاء القَلْب إلى مَرْتَبَتِهَا كالفَلَاسِفَة وغُلاة المُتَصَوّفَة وَكَذَلِك مَن ادّعى مِنْهُم أنَّه يوحى إليْه وإن لَم يدَّع النُّبُوَّة أَو أنَّه يَصْعَد إِلَى السَّمَاء وَيَدْخُل الْجنة وَيَأْكُل من ثِمَارِهَا وَيُعَانِق
الْحور العين فهؤلاء كُلُّهُم كُفَّار مُكَذّبُون للنبي ﷺ لِأَنَّه أخْبَر ﷺ أنَّه خَاتَم النَّبِيّين لَا نَبِيّ بَعْدَه وأخْبَر عن الله
_________________
(١) (قوله كالعيسوية) نسبة إلى أبى عيسى بن إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان موجودا في خلافة المنصور وخالف اليهود في أشياء منها أنه حرم الذبائح (قوله وكخرمية) بالخاء المعجمة المضمومة في الصحاح: تخرم: دان بدين الخرمية وهم أصحاب التناسخ والإباحة (قوله وكالبزيغية والبيانية) البزيغية بالموحدة والزاى المكسورة والغين المعجمة نسبة إلى بزيغ والبيانية إلى بيان بن سمعان النهدي التميمي قال إن روح الله جل وعلا حلت في على ثم في ابنه محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبى هاشم ثم في بيان (*)
[ ٢ / ٢٨٥ ]
تَعَالَى أنَّه خَاتَم النَّبِيّين وَأنَّه أرْسِل كافّة لِلنّاس وأجْمَعَت الْأُمَّة عَلَى حَمْل هَذَا الْكَلَام عَلَى ظاهِرِه وَأَنّ مَفْهُومَه المُرَاد بِه دُون تَأْويل وَلَا تَخْصيص فَلَا شَكّ فِي كُفْر هَؤْلَاء الطّوَائِف كلها قَطْعًا إجْماعًا وسمعا وكذلك وقَع الإجْماع عَلَى تَكْفِير كُلّ مِن دافع نص الكتاب أو خص حديثا مجمعا عَلَى نَقْلِه مَقْطُوعًا بِه مُجمَعًا عَلَى حَمْلِه عَلَى ظَاهِرِه كَتَكْفِير الخَوَارِج بإبْطال الرّجْم ولهذا نُكَفّر من لم يُكَفّر من دَان بِغَيْر ملّة الْمُسْلِمِين مِن المِلَل أَو وَقَف فِيهِم أَو شَكّ أَو صَحَّح مَذْهَبَهُم وإن أظْهَر مَع ذَلِك الْإِسْلَام وَاعْتَقَدَه وَاعْتَقَد إبْطَال كُلّ مذْهَب سِواه فَهُو كَافِر بإظْهَارِه مَا أظْهَر من خِلَاف ذَلِك وَكَذَلِك نَقْطَع بِتَكْفِير كُلّ قائِل قَال قَوْلًا يُتَوصّل بِه إلى تَضْلِيل الْأُمَّة وتكْفِير جميع الصَّحَابَة كَقَوْل الكُمَيْلِيّة مِن الرافِضَة بِتَكْفِير جَمِيع الْأُمَّة بَعْد النَّبِيّ ﷺ إِذ لَم تُقَدّم عَليًّا وكفرت عليا إِذ لَم يَتَقَدّم وَيَطْلُب حَقّه فِي التّقْديم فهؤلاء قَد كفروا من وُجُوه
لأنهم أبْطَلُوا الشّرِيعَة بأسْرِها إذ قع انْقَطَع نَقْلُهَا ونَقْل الْقُرْآن إِذ نَاقِلُوه كفرة عَلَى زَعْمِهِم وَإِلَى هَذَا والله أَعْلَم أشار مَالِك فِي أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي ﷺ على
_________________
(١) (قوله الكميلية) ليس من الفرق ما يلقب بالكميلية وإنما منهم فرقة من الشيعة ثلقب بالكاملية نسبة إلى أبى كامل قال بكفر الصحابة بترك بيعة على وبكفر على بترك طلب الحق وقال بالتناسخ في الأرواح عند الموت وإنما الإمامة نور ينتقل من شخص إلى آخر وقد يصير في شخص نبوة بعد ما كانت في آخر إمامة (*)
[ ٢ / ٢٨٦ ]
مقتضى قولهم وَزَعْمِهِم أنَّه عهد إِلَى عَلِيّ ﵁ وَهُو يَعْلَم أنَّه يَكْفُر بَعْدَه عَلَى قولهم لعنة اللَّه عَلَيْهِم وصلى اللَّه عَلَى رَسُولِه وآلِه وَكَذَلِك نُكَفّر بكل فعْل أجْمَع الْمُسْلِمُون أنَّه لَا يَصْدُر إلَّا من كافر وإن كَان صاحِبُه مُصَرّحًا بالْإِسْلَام مَع فِعْلِه ذَلِك الفعل كالسُّجُود لِلصّنْم وللشّمْس والقَمَر والصّلِيب والنار والسعي إِلَى الكنائس والبيع مَع أهلها والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤس فَقَد أجمع الْمُسْلِمُون أَنّ هَذَا لَا يوجد إلَّا من كافر وَأَنّ هَذِه الأفعال علامة عَلَى الكُفْر وَإِن صَرّح فاعِلُها بالْإِسْلَام وَكَذَلِك أجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى تَكْفِير كُلّ مِن اسْتَحَلّ القَتْل أَو شُرْب الخَمْر أو الزّنا مِمَّا حَرّم اللَّه بَعْد عِلْمِه بِتَحْرِيمِه كَأصْحاب الإبَاحَة مِن القَرامطَة وبعض غُلاة المُتَصَوّفَة وَكَذَلِك نَقْطَع بِتَكْفِير كُلّ من كَذّب وأنْكَر قاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع وَمَا عُرِف يَقِينًا بالنّقْل الْمُتَواتِر من فِعْل الرَّسُول وَوَقَع الإجْماع الْمُتّصِل عَلَيْه كمن أنْكَر وُجُوب الصّلوات الخَمْس وعَدَد رَكَعاتِها وسَجَداتِها وَيَقُول إنَّمَا أوْجَب اللَّه عَلَيْنَا فِي كِتابِه الصَّلَاة عَلَى الْجُمْلَة وَكَوْنُها خَمْسًا وَعَلَى هَذِه الصّفات والشُّرُوط لَا أعْلَمُه
إِذ لَم يَرِد فِيه فِي الْقُرْآن نص جَليّ والخبر بِه عَن الرَّسُول ﷺ خبر واحد وَكَذَلِك أجمع عَلَى تَكْفِير من قَال من الْخَوارِج إن
_________________
(١) (قوله وفحص الرؤس) بفاء مفتوحة وحاء وصاد مهملتين في الصحاح، وفى الحديث فحصوا عن رؤسهم: كأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل أفاحيص القطا (*)
[ ٢ / ٢٨٧ ]
الصَّلَاة طَرَفي النهار وَعَلَى تَكْفِير الباطِنيّة فِي قولهم إنّ الفَرائِض أسْماء رجال أُمِرُوا بولايتهم والخَبَائث والْمَحَارِم أسماء رجال أُمُرِوا بالبراءة مِنْهُم وقول بَعْض المتصوفة إنّ العبادة وطول المجاهدة إذَا صفت نفوسهم أفضت بِهِم إِلَى إسْقاطها وإباحَة كل شئ لَهُم ورَفْع عُهَد الشّرائِع.
عَنْهُم وَكَذَلِك إن أنْكَر مُنْكِر مَكَّة أَو البيت أَو الْمَسْجِد الْحَرَام أَو صِفَة الحَجّ أَو قَال الحَجّ واجب فِي الْقُرْآن واسْتِقْبَال القِبْلَة كَذَلِك وَلَكِن كوْنُه عَلَى هذه الهيأة المُتَعارَفَة وَأَنّ تِلْك البُقْعَة هِي مَكَّة والبَيْت وَالْمَسْجِد الْحَرام لَا أَدْرِي هَل هِي تِلْك أَو غَيْرِهَا ولعل الناقِلين أَنّ النَّبِيّ ﷺ فسرها بِهَذِه التفاسير غَلِطُوا ووَهِمُوا فَهَذَا ومِثْلُه لَا مِرْيَة فِي تَكْفِيرِه إن كَان مِمَّن يُظَنّ بِه علم ذَلِك وممن خالَط الْمُسْلِمِين وامْتَدّت صُحْبَتُه لَهُم إلَّا أَن يَكُون حَدِيث عَهْد بإسْلام فَيُقَال لَه سَبِيلك أن تَسْأل عَن هَذَا الَّذِي لَم تَعْلَمْه بَعْد كافّة الْمُسْلِمِين فَلَا تَجِد بَيْنَهُم خِلافًا كافّة عَن كافّة إِلَى مُعَاصِر الرَّسُول ﷺ أَنّ هَذِه الْأُمُور كَمَا قِيل لَك وَأَنّ تِلْك البُقْعَة هِي مَكَّة والبَيْت الَّذِي فِيهَا هُو الكعبة والقِبْلَة الَّتِي صَلَّى لَهَا الرَّسُول ﷺ والْمُسْلِمُون وحَجُّوا إِلَيْهَا وطَافُوا بها وَأَنّ تِلْك الأفْعَال هِي صِفَات
عِبَادَة الْحَجّ والمُرَاد بِه وَهِي الَّتِي فعلها النَّبِيّ ﷺ والْمُسْلِمُون وَأَنّ صِفَات الصّلَوَات المَذْكُورَة هِي الَّتِي فعل النَّبِيّ ﷺ
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وَشَرَح مُرَاد اللَّه بِذَلِك وَأبان حُدُودَهَا فَيَقَع لَك العلْم كَمَا وَقَع لَهُم وَلَا تَرْتاب بِذَلِك بَعْد والمرتاب فِي ذَلِك والمنكر بَعْد البحث وصحبته الْمُسْلِمِين كافر باتفاق وَلَا يعذر بِقَوْلِه لَا أدري وَلَا يصدق فِيه بَل ظاهره التستر عَن التكذيب إِذ لَا يمكن أنَّه لَا يدري وأيضا فَإنَّه إذَا جوز عَلَى جميع الْأُمَّة الوهم والغلط فِيمَا نقلوه من ذَلِك وأجمعوا أنَّه قَوْل الرَّسُول وفعله وتفسير مراد اللَّه بِه أدخل الاسترابة فِي جميع الشريعة إِذ هُم الناقلون لَهَا وللقرآن وانحلت عرى الدّين كرة وَمَن قال هَذَا كافر وَكَذَلِك من أنكر الْقُرْآن أَو حرفا مِنْه أَو غَير شَيْئًا مِنْه أَو زاد فِيه كفعل الباطنية والإسماعيلية أَو زعم أنَّه لَيْس بحجة للنبي ﷺ أَو لَيْس فِيه حجة وَلَا مُعْجِزَة كقول هِشَام الفوطي ومعمر الصيمري إنَّه لَا يدل عَلَى اللَّه وَلَا حجة فيها لرسوله وَلَا يَدُلّ عَلَى ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَلَا حُكْم وَلَا مَحَالَة فِي كُفْرِهِمَا بِذَلِك القَوْل وَكَذَلِك نُكَفرهُما بإنْكارِهِمَا أن يَكُون فِي سائِر مُعْجِزَات النَّبِيّ ﷺ حجة لَه أَو فِي خلق السَّمَوَات والأرض دَليل على الله لمخالفهتهم الإجْماع والنّقْل المُتَوَاتِر عَن النَّبِيّ ﷺ باحْتِجَاجِه بَهَذَا كُله وَتَصْرِيح الْقُرْآن بِه وَكَذَلِك من أنكر شَيْئًا مِمَّا نص فِيه الْقُرْآن بَعْد علمه أنَّه من الْقُرْآن الَّذِي فِي أيدي النَّاس ومصاحف لمسلمين ولم يكن
_________________
(١) (قوله كرة) بفتح الكاف وتشديد الراء هي المرة (١٩ - ٢) (*)
[ ٢ / ٢٨٩ ]
جاهلًا بِه وَلَا قريب عهد بالْإِسْلَام واحْتَجّ لإنْكاره إِمَّا بأنه لم يصبح النّقْل عِنْدَه وَلَا بَلَغَه الْعِلْم بِه أَو لِتَجْوِيز الْوَهْم على نافله فنتكفره بالطريقين المتقدمين لِأَنَّه مُكَذّب للقرآن مُكَذّب للنبي ﷺ لكنه تَسَتّر بدَعْوَاه وَكَذَلِك من أنْكَر الْجَّنة أَو النَّار أَو البَعْث أَو الحساب أو القيامة فهو كافِر بإجْماع لِلنصّ عَلَيْه وإجْماع الْأُمَّة عَلَى صِحّة نَقْله مُتَوَاترًا وَكَذَلِك من اعْتَرَف بِذَلِك ولكنه قَال إنّ المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب مَعْنَي غَيْر ظاهره وَأنَّهَا لذات روحانية ومعان باطنة كقول النَّصَارَى والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وزعم أن مَعْنَي الْقِيَامَة الموت أو فناه محض ولتنقاض هيئة الأفلاك وتحليل العالم كقول بَعْض الفلاسفة وَكَذَلِك نقطع بتكفير غلاة الرافضة فِي قولهم إنّ الْأَئِمَّة أفضل مِن الْأَنْبِيَاء فَأَمَّا من أنكر مَا عرف بالتواتر مِن الْأَخْبَار والسير والبِلاد الَّتِي لَا يَرْجع إلى إبْطال شَرِيعة وَلَا يُفْضِي إِلَى إنْكار قاعِدَة مِن الدّين كإنكْار غزوة تبوك أو مؤنة أَو وجود أَبِي بَكْر وعمر أَو قتل عثمان أَو خلافه عَلِيّ مِمَّا علم بالنقل ضرورة وليس في إنكار وجحد شَرِيعة فَلَا سَبِيل إلى تَكْفِيرِه بِجحْد ذَلِك وإنكار وُقُوع الْعِلْم لَه إِذ لَيْس فِي ذَلِك أكْثَر مِن المُبَاهَتَة كإنْكار هِشَام وَعَبّاد وَقْعَة الجَمَل ومُحَارَبَة عَلِيّ من خَالفَه فَأَمَّا إن ضَعّف ذَلِك من أجل تهمة
_________________
(١) (قوله وأنها لذات) بفتح اللام وتشديد الذال المعجمة: جمع لذة (*)
[ ٢ / ٢٩٠ ]
النّاقلين ووهم الْمُسْلِمِين أجمع فنكفره بِذَلِك لسريانه إِلَى إبطال الشريعة فَأَمَّا من أنكر الإجماع المجرد الَّذِي لَيْس طريقه النقل المتواتر عَن الشارع
فأكثر المتكلمين وَمِن الفُقَهَاء والنظار فِي هَذَا الْبَاب قَالُوا بتكفير كُلّ من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عَلَيْه عمومًا وحجتهم قَوْله تَعَالَى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى) الآية وَقَوْلُه ﷺ (مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رَبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقُهِ) وحكوا الإجْمَاع عَلَى تَكْفِير من خالف الإجْماع وَذَهَب آخَرُون إِلَى الْوُقُوف عَن الْقَطْع بِتَكْفِير من خَالَف الإجْماع الَّذِي يَخْتَصّ بِنَقْلِه الْعُلمَاء وذهب آخَرُون إِلَى التَّوَقُّف فِي تَكْفِير من خَالَف الإجْمَاع الكائِن عَن نظَر كتَكْفِير النَّظّام بإنْكارِه الإجْماع لِأَنَّه بِقَوْلِه هَذَا مُخَالِف إجْمَاع السَّلَف عَلَى احْتَجَاجِهِم بِه خارِق للإجْماع، قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْقَوْل عِنْدِي أَنّ الكُفْر بالله هُو الجَهْل بِوُجُودِه والإيمَان بالله هُو الْعِلْم - بوجوده وَأنَّه لَا يُكَفّر أَحَد بِقَوْل وَلَا رَأْي إلَّا أن يَكُون هُو الْجَهْل بالله فإن عَصى بِقَوْل أَو فِعْل نَصّ اللَّه وَرَسُولِه أو أجْمَع الْمُسْلِمُون أنَّه لَا يوجد إلَّا من كافِر أَو يَقُوم دَلِيل عَلَى ذَلِك فَقَد كَفَر لَيْس لأجْل قَوْله أَو فِعْلِه لَكِن لما يُقَارِنه مِن الكْفُر فالْكُفْر بالله لَا يَكُون إلَّا بأحَد
_________________
(١) (قوله كتكفير النظام) هو إبراهيم بن سيار مولى بنى الحارث بن عباد كان أحد فرسان المتكلمين من المعتزلة وكان في دولة المعتصم (*)
[ ٢ / ٢٩١ ]
ثَلَاثَة أمور أحَدُهَا الْجَهْل بالله تَعَالَى وَالثاني أن يَأْتِي فِعْلًا أَو يَقُول قَوْلًا يُخْبِر اللَّه وَرَسُولُه أَو يُجْمِع الْمُسْلِمُون أَنّ ذَلِك لَا يَكُون إلَّا من كافر كالسُّجُود لِلصّنَم وَالمْشي إِلَى الكَنَائِس بالتِزَام الزّنَّار مَع أَصْحَابِهَا فِي أعْيَادِهِم أَو يَكُون ذَلِك القَوْل أَو الْفِعْل لَا يُمْكِن مَعَه الْعِلْم بالله قَال فهذان الضّرْبَان وإن لَم يَكُونا جَهْلًا بالله فَهُمَا عَلَم أَنّ فاعِلَهُمَا كافِر مُنْسِلخ مِن الْإِيمَان فَأَمَّا من نَفَى صِفَة من صِفَات اللَّه تَعَالَى الذَّاتِيَّة
أَو جَحَدَهَا مُسْتَبْصِرًا فِي ذَلِك كَقَوْلِه: لَيْس بِعَالِم ولا قادر وَلَا مُريد وَلَا مُتَكَلّم وَشِبْه ذَلِك من صِفَات الكَمَال الْوَاجِبَة لَه تَعَالَى فَقَد نصّ أئِمّتُنَا عَلَى الإجماع عَلَى كُفْر من نَفَى عَنْه تَعَالَى الوَصْف بِهَا وَأعْرَاه عَنْهَا وَعَلَى هَذَا حُمَل قَوْل سُحْنُون من قَال لَيْس لله كلام فهو كافر وَهُو لَا يُكَفّر المُتَأَوَّلِين كَمَا قَدَّمْنَاه فَأَمَّا من جَهِل صِفَة من هذه الصفات فاخْتَلَف الْعُلمَاء ههنا فَكَفّرَه بَعْضُهُم وحُكِي ذَلِك عَن أَبِي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَغَيْرُه وَقَال بِه أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ مَرَّة وذَهَبَت طَائِفَة إِلَى أَنّ هَذَا لَا يُخْرِجُه عَن اسْم الْإِيمَان وَإليْه رَجَع الْأَشْعَرِيّ قَال: لِأَنَّه لَم يَعْتَقِد ذَلِك اعْتَقَادًا يَقْطَع بِصَوَابِه وَيَرَاه دِينًا وَشَرْعًا وَإِنَّمَا يَكْفُر مَنِ اعتَقَد أَنّ مَقَالَه حَقّ واحَتجّ هَؤْلَاء بِحَدِيث السّوْدَاء وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ إنما
_________________
(١) (قوله وَهُو لَا يُكَفّر) بسكون الهاء وفتح الواو ضمير غيبة عائد على سحنون (قوله لحديث السوداء) هو ما رواه أبو داود في الإيمان والنسائي في الوصايات من حديث الشريد بن سويد الثقفى أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ يَا رَسُولَ الله إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة وعندي جارية سوداء نوبية فذكر نحو حديث معاوية بن الحكم السلمى إلى أن قال أين الله؟ قالت في السماء، قال من أنا؟ قالت: أنْت رَسُول اللَّه، قال أعتقها فإنها مؤمنة (*)
[ ٢ / ٢٩٢ ]
طَلَبَ مِنْهَا التَّوْحِيدَ لَا غَيْرَ وَبِحَدِيث الْقَائِل لَئِن قَدَر اللَّه علي وَفِي رِوَايَة فِيه لَعَلّي أضِلّ اللَّه ثُمّ قَال: فَغَفَر اللَّه لَه قَالُوا وَلَو بوحِث أكْثَر النَّاس عَن الصّفات وُكوشِفُوا عَنْهَا لَمّا وُجِد من يَعْلمها إلَّا الأقَلّ، وَقَد أجاب الآخر عَن هَذَا الْحَدِيث بِوُجُوه مِنْهَا أَنّ قَدَر بمعنى قدر وَلَا يَكُون شَكُّه فِي القُدْرَة عَلَى إحْيَائِه بَل فِي نَفْس البَعْث الَّذِي لَا يُعْلَم إلَّا بِشَرْع ولعله
لَم يَكُن وَرَد عِنْدَهُم بِه شَرْع يُقْطَع عَلَيْه فَيكُون الشَّكّ فِيه حِينَئِذ كُفْرًا فَأَمَّا مَا لَم يرد بِه شَرْع فَهُو من مُجَوّزَات العُقُول أَو يَكُون قَدَر بِمَعْنَي ضَيّق وَيَكُون مَا فعله بِنَفْسِه إزْراء عَلَيْهَا وَغَضبًا لِعِصْيانِها وَقِيل: إنَّمَا قَال مَا قاله وَهُو غَيْر عاقِل لِكَلامه وَلَا ضابط لِلفْظِه مِمَّا استولى عَلَيْه مِن الْجَزَع والْخَشْيَة الَّتِي أذْهَبَت لُبَّه فَلَم يُؤاخَذ بِه وَقِيل كَان هَذَا فِي زَمَن الفَتْرَة وَحَيْث يَنْفَع مُجَرّد التَّوْحِيد وَقِيل بَل هَذَا من مَجَاز كَلَام الْعَرَب الَّذِي صُورَتُه الشّكّ وَمَعْنَاه التَّحْقِيق وَهُو يُسَمَّى تَجَاهُل العارِف وله أمْثِلَة فِي كَلَامَهِم كَقَوْلِه تَعَالَى (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) وقوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضلال مبين) فَأَمَّا من أثْبَت الْوَصْف ونَفَى الصّفَة فَقَال أقُول عالِم
_________________
(١) (قوله لَعَلّي أضِلّ اللَّه) قال صاحب الصحاح: أضل عنه أي: أخفى عليه وأغيب، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (أئذا ضللنا في الأرض) أي خفينا وغبنا، وقال ابن الأثير: لَعَلّي أضِلّ اللَّه: أفوته ويخفى عليه مكاني، وقيل: لعلى أغيب عن عذاب الله (*)
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وَلَكِن لَا عِلْم لَه وَمُتَكَلّم وَلَكِن لَا كَلَام لَه وهكذا فِي سائِر الصّفات عَلَى مَذْهَب المُعْتَزِلَة فَمَن قَال بالمَآل لما يُؤَدّيه إليْه قَوْلُه ويَسُوقُه إليْه مَذْهَبُه كَفّرَه لِأَنَّه إذَا نَفَى العِلْم انْتفى وَصْف عالم إِذ لَا يُوصف بِعالِم إلَّا من لَه علم فكأنَّهُم صَرَّحُوا عِنْدَه بِمَا أدى إليْه قَوْلُهُم وهكذا عِنْد هَذَا سائِر فِرَق أَهْل التَّأْوِيل مِن المُشَبّهَة وَالقَدَرِيَّة وَغَيْرِهِم وَمَن لَم يَر أخْذَهُم بِمآل قولِهِم وَلَا ألْزَمَهُم مُوجِب مذهبم لَم يَر إكفَارَهُم قَال لأنهم إذَا وُقفوا عَلَى هَذَا قَالُوا لَا نقول لَيْس بِعالِم ونْحن نَنْتَفِي مِن القَوْل بالمال الَّذِي ألْزَمْتُمُوه لَنَا ونَعَتْقِد نَحْن وَأنْتُم أنَّه كُفْر بَل نقول إنّ قولنا لا يؤول إليْه عَلَى مَا أصَّلْنَاه فعلى هذيْن المَأخَذَيْن اخْتَلَفَ النَّاس فِي إكْفَار أَهْل التَّأْوِيل وَإذَا فَهِمْتَه اتَّضَح لَك المُوجِب لاخْتِلاف النَّاس فِي ذَلِك والصَّوَاب تَرْك إكفارهم
والإعراض عن الْحَتْم عَلَيْهِم بالْخُسْران وإجْراء حُكْم الْإِسْلَام عَلَيْهِم فِي قِصاصِهِم ووِراثاتِهِم ومُنَاكَحاتِهِم ودِيَاتِهِم والصلواة عَلَيْهِم وَدَفْنِهِم فِي مَقَابِر الْمُسْلِمِين وسائِر مُعامَلاتِهِم لكِنَّهُم يُغَلّظ عَلَيْهِم بِوَجيع الأدَب وشَدِيد الزَّجْر والهَجْر حَتَّى يَرْجِعُوا عَن بِدْعَتِهِم وَهَذِه كَانَت سِيرَة الصَّدْر الأوّل فِيهِم فَقَد كَان نَشَأ عَلَى زمن الصَّحَابَة وَبَعْدَهُم فِي التابعين من قَال بِهذِه الأقْوال مِن القَدَر وَرأي الْخَوارِج والاعْتِزَال فَمَا أزاحُوا لَهُم قَبْرًا وَلَا قَطَعُوا لأحد مِنْهُم مِيراثًا لكِنَّهُم هَجَرُوهم وأدّبُوهُم بالضَّرْب والنَّفْي والقَتْل عَلَى قَدْر أحْوالهم لأنهم فُسّاق ضُلَّال عُصَاة أَصْحَاب كبائر
[ ٢ / ٢٩٤ ]
عِنْد المُحَقَّقِين وَأَهْل السُّنَّة مِمَّن لَم يَقُل بِكُفْرِهِم مِنْهُم خلافًا لِمَن رَأَى غَيْر ذَلِك والله الْمُوَفّق للصّواب قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَأَمَّا مَسائِل الْوَعْد والْوِعيد والرُّؤْيَة والْمَخْلُوق وخَلْق الأفْعال وبَقَاء الأعْراض والتَّوَلُّد وشِبْهها مِن الدَّقائق فالمَنْع فِي إكْفار الْمُتَأوّلِين فِيهَا أوْضَح إِذ لَيْس فِي الْجَهْل بشئ مِنْهَا جَهْل بالله تَعَالَى وَلَا أجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى إكْفار من جَهل شَيْئًا مِنْهَا وَقَد قَدّمْنا فِي الفَصْل قَبْلَه مِن الْكَلَام وصُورَة الخِلَاف فِي هَذَا مَا أغْنى عَن إعادَته بحَوْل اللَّه تَعَالَى
فصل هَذَا حُكْم الْمُسْلِم السّابّ لله تَعَالَى وَأَمَّا الذمّيّ
فَرُوِي عَن عبد الله ابن عُمَر فِي ذمّيّ تَناول من حُرْمَة اللَّه تَعَالَى غَيْر مَا هُو عَلَيْه من دِينِه وحاجّ فِيه فَخَرَج ابن عُمَر عَلَيْه بالسَّيْف فَطَلَبَه فَهَرَب وَقَال مَالِك فِي كِتاب ابن حَبِيب والْمَبْسُوطَة، وَابْن الْقَاسِم فِي الْمَبْسُوط وكتاب مُحَمَّد وَابْن سُحْنُون: من شَتَم اللَّه مِن اليَهُود والنَّصارى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي كفر بِه قُتِل وَلَم يُسْتَتَب قَال ابن الْقَاسِم إلَّا أن يُسْلِم قَال فِي المَبْسُوطَة طَوْعًا قَال أصْبَغ لِأَنّ الْوَجْه الَّذِي بِه كَفَرُوا هو دِينُهُم وعليه عُوهِدُوا من دَعْوَى الصاحبَة والشّريك والْوَلَد وَأَمَّا غَيْر هَذَا مِن الفِرْيَة والشَّتْم فَلَم يُعاهَدُوا عَلَيْه فَهُو نَقْض لِلْعَهْد قَال ابن الْقَاسِم فِي كِتَاب مُحَمَّد وَمن شَتَم من غَيْر
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فصل هذا حكم من صرح بسبه
أَهْل الأديان اللَّه تَعَالَى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي ذُكِر فِي كِتابِه قُتِل إلَّا أَن يُسْلِم وَقَال المَخْزُومِي فِي المَبْسُوطَة وَمُحَمَّد بن مَسْلَمَة وَابْن أَبِي حازِم لَا يُقْتَل حَتَّى يُسْتَتَاب، مُسْلِمًا كَان أَو كافِرًا فإن تاب وَإِلَّا قُتِل وَقَال مُطَرّف وَعَبُد الْمَلِك مِثْل قَوْل مَالِك وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد من سَبّ اللَّه تَعَالَى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي بِه كَفَر قُتِل إلَّا أَن يُسْلِم وَقَد ذَكَرْنَا قَوْل ابن الْجَلَاب قَبْل وَذَكَرْنا قَوْل عُبَيْد اللَّه وَابْن لُبَابَة وشُيُوخ الأنْدَلُسِيّين فِي النَصْرَانِيّة وفُتْياهُم بقَتْلِها لِسَبّها بالْوَجْه الَّذِي كَفَرت بِه اللَّه وَالنَّبِيّ وإجْماعَهُم عَلَى ذَلِك وَهُو نَحْو القَوْل الآخَر فِيمَن سَبّ النَّبِيّ ﷺ مِنْهُم بالْوَجْه الَّذِي كَفَر بِه وَلَا فَرْق فِي ذَلِك بَيْن سَبّ اللَّه وسب نَبِيّه لأنَّا عاهَدْناهُم عَلَى أن لا يُظْهِرُوا لَنَا شَيْئًا من كُفْرِهِم وأن لَا يُسْمِعُونا شَيْئًا من ذَلِك فَمَتى فَعَلُوا شَيْئًا مِنْه فَهُو نَقْض لِعَهْدِهِم واختلف الْعُلمَاء فِي الذّمّيّ إذَا تَزَنْدَق فَقَال مَالِك ومُطَرَّف وَابْن عَبْد الحكم وأصْبَغ لَا يُقْتَل لِأَنَّه خَرَج من كُفْر إلى كُفْر وَقَال عَبْد الْمَلِك بن المَاجِشُون يُقْتَل لِأَنَّه دِين لَا يُقَرّ عَلَيْه أَحَد ولا يوخذ عليه جِزْيَة قَال ابن حَبِيب وَمَا أَعْلَم من قاله غَيْرِه
فصل هَذَا حُكْم من صَرَّح بِسَبّه وإضافة مَا لَا يَلِيق بِجَلالِه وإلهِيّتِه * فَأَمَّا مُفْتَرِي الكَذِب عَلَيْه ﵎ بادّعاء الإلهيّة أَو الرَّسالة أَو النَّافي
[ ٢ / ٢٩٦ ]
أن يَكُون اللَّه خالقَه أَو رَبَّه أَو قَال لَيْس لِي رَبّ أَو الْمُتَكَلّم بِمَا لَا يُعْقَل من ذَلِك فِي سُكْرِه أَو غَمْرَة جُنُونِه فَلَا خِلَاف فِي كُفْر قائِل ذَلِك ومُدَّعِيه مَع سَلامَة عَقْلِه كَمَا قَدّمْناه لكنه تُقْبَل تَوْبَتُه عَلَى الْمَشْهُور وَتَنْفَعُه إنابَتُه وتُنْجِيه مِن القَتْل فَيْأته لكنه لَا يَسْلَم من عَظِيم النَّكَال وَلَا يُرَفَّه عَن شدِيد الْعِقَاب لِيَكُون ذَلِك زجْرًا لمثله عَن قَوْلِه وله عَن العَوْدَة لِكُفْرِه أَو جَهْلِه إلَّا من تَكَرَّر مِنْه ذَلِك وعُرف اسْتِهانَتُه بِمَا أتى بِه فَهُو دَلِيل عَلَى سُوء طَوِيَّتِه وكَذِب تَوْبَتِه وصار كالزّنْدِيق الَّذِي لَا نَأمَن باطِنَه وَلَا نَقْبَل رُجُوعَه وحُكْم السَّكْران فِي ذَلِك حُكْم الصاحِي وَأَمَّا الْمَجْنُون والْمَعْتُوه فَمَا علم أنه قال من ذَلِك فِي حال غَمْرَتِه وذَهاب مَيْزِه فَلَا نَظَر فِيه وَمَا فَعَلَه من ذَلِك فِي حال ميزه وَإِن لَم يَكُن مَعَه عقله وسقط تكليفه أدب عَلَى ذَلِك لينزجر عَنْه كَمَا يؤدب عَلَى قبائح الأفعال ويوالى أدبه عَلَى ذَلِك حَتَّى ينكف عنها كَمَا تؤدب البهيمة عَلَى سوء الْخلق حَتَّى تراض وَقَد أحرق عَلِيّ بن أَبِي طَالِب ﵁ من ادَّعى لَه الإلِهِيَّة وَقَد قَتَل عَبْد المَلِك بن مَرْوَان الحَارِث المتنب وصَلَبَه وفَعَل ذَلِك غَيْر وَاحِد مِن الخُلَفَاء والمُلُوك بأشْبَاهِهِم وأجْمَع علماء وَقْتِهِم عَلَى صَوَاب فِعْلِهِم والمُخَالِف فِي ذَلِك من كُفْرِهِم كافِر وأجْمَع فُقَهَاء بَغْدَاد أيَّام المُقْتَدِر مِن
_________________
(١) (قوله فيأته) بفتح الفاء وكسرها أي رجوعه (قوله طويته) بفتح الطاء المهملة أي: ضمرته (*)
[ ٢ / ٢٩٧ ]
المَالِكِيَّة وقاضِي قُضاتِهَا أبو عم الْمَالِكِيّ عَلَى قَتْل الْحَلَّاج وصَلْبِه
لِدَعْوَاه الإلهِيَّة والقول بالحُلُول وَقَوْلُه: - أَنَا الْحَقّ - مَع تمسُّكه فِي الظّاهِر بالشّرِيعَة وَلَم يَقْبَلُوا تَوْبَتَه وَكَذَلِك حَكَمُوا فِي ابن أَبِي العَزَافِير وَكَان عَلَى نَحْو مَذْهَب الحَلَّاج بَعْد هَذَا أيام الرّاضِي بالله وقاضي قُضاة بغداد يَوْمَئِذ أَبُو الْحُسَيْن بن أَبِي عُمَر المالكي، وَقَال ابن عَبْد الحَكَم فِي المبسوط من تَنَبَّأ قُتِل، وَقَال أَبُو حَنِيفَة وأصْحَابُه: من جَحَد أَنّ اللَّه تَعَالَى خالِقُه أَو رَبُّه أَو قَال لَيْس لِي رَبّ فَهُو مُرْتَد، وَقَال ابن الْقَاسِم فِي كِتَاب ابن حبيب وَمُحَمَّد فِي العُتْبيَّة فِيمَن تنبأ يستتاب أسَرّ ذَلِك أَو أعلنه وهو كالمرتد وقاله سحنون وغيره وقاله أشْهَب فِي يَهُودِيّ تَنَبَّأ وادّعى أنَّه رسول إِلَيْنَا إن كَان؟؟؟؟؟ بِذَلِك اسْتُتِيب فإن تاب وَإِلَّا قُتِل.
وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد فَمَن لَعَن بارئَه وادّعى أَنّ لِسَانِه زَلّ وَإِنَّمَا أراد لَعْن الشَّيْطَان يُقْتَل بِكُفْرِه وَلَا يُقْبَل عُذْرُه وَهَذَا عَلَى القَوْل الآخَر من أنَّه لَا تُقْبَل تَوْبَتُه وَقَال أَبُو الْحَسَن القابِسيّ فِي سَكْرَان قَال: أَنَا اللَّه أَنَا اللَّه إن تاب أدَّب فإن عاد إِلَى
_________________
(١) (قوله الحلاج) هو الحسين بن منصور من أهل البيضاء بلدة بفارس نشأ بواسط والعراق وصحب الجنيد وغيره، ضرب ألف سوط وقطعت أطرافه وحز رأسه وأحرقت جثته في ذى القعدة سنة تسع وثلاثمائة بأمر المقتدر (قوله وَكَذَلِك حَكَمُوا فِي ابن أَبِي العَزَافِير) بفتح المهملة وتخفيف الزاى وبعد الألف فاء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فراء: هكذا في النسخ، وفى تاريخ الذهبي محمد بن علي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بن أبى العزافر بغير ياء الزنديق أحدث مذهبا في الرفض ببغداد ثم قال بالتناسخ ومخرق على الناس وظهر منه ادعاء الربوبية (*)
[ ٢ / ٢٩٨ ]
فصل وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ
مِثْل قَوْلِه طُوِلب مُطَالَبَة الزّنْدِيق لِأَنّ هَذَا كُفْر المُتَلَاعبِين
فصل وَأَمَّا من تَكَلَّم من سَقَط القَوْل وَسُخْف اللَّفْظ مِمَّن لَم يَضْبِط كَلَامَه وأهْمَل لِسَانَه بِمَا يَقْتَضِي الاسْتخْفَاف بِعَظَمَة رَبِّه وَجَلالَة مَوْلاه أَو تَمثَّل فِي بَعْض الأشياء بِبَعْض مَا عَظَّم اللَّه من مَلَكُوتِه أَو نَزَع مِن الْكَلَام لِمَخْلُوق بِمَا لَا يَلِيق إلَّا فِي حَقّ خالِقِه غَيْر قاصِد لِلْكُفْر والاسْتِخْفَاف وَلَا عامِد لِلْإلْحَاد فَإِن تَكَرّر هَذَا مِنْه وَعُرِف بِه دَلّ عَلَى تلاعبه بدينه واستخفافه بحُرْمَة رَبّه وَجَهْلِه بِعَظِيم عِزَّتِه وكِبْرِيائِه وَهَذَا كُفْر لَا مِرْيَة فِيه وَكَذَلِك إن كَان مَا أوْرَدَه يُوجِب الاسْتِخْفَاف والتَّنْقُّص لِرَبّه وَقَد أفْتى ابن حبيب وأصْبَغ بن خَلِيل من فُقَهَاء قُرْطُبَة بِقَتْل المَعْرُوف بابن أخي عَجَب وَكَان خَرَج يَوْمًا فأخذه المطر فَقَال: بدأ الخراز يرش جلوده، وَكَان بَعْض الفُقَهَاء بِهَا أَبُو زيد صَاحِب الثمانية وَعَبد الأَعْلَى بن وَهْب وأبان بن عِيسَى قَد توقفوا عَن سفك دمه وأشاروا إلى أنَّه عبث مِن القَوْل يكفي فِيه الأدب وأفتى بِمِثْلِه الْقَاضِي حِينَئِذ مُوسَى بن زياد فَقَال ابن حبيب: دمه فِي عنقي، أيُشْتَم رَبّ عبدناه ثُمّ لَا ننتصر لَه؟ إنا إذَا لعبيد سُوء مَا نَحْن لَه بعابدين، وبَكَى ورُفع الْمَجْلِس إلى الأمير بِهَا عَبْد الرَّحْمن
_________________
(١) (قوله الخراز) بالخاء المعجمة والراء المشددة وفى آخره زاى (قوله صاحب الثمانية) بضم المثلثة في أوله وكسر النون وتشديد المثناة تحتية (*)
[ ٢ / ٢٩٩ ]
ابن الحَكَم الأمَوِيّ وكانت عَجَب عَمَّه هَذَا الْمَطْلُوب من حَظَاياه وَأَعْلَم باختلاف الفُقَهَاء فخرج الإذْن من عِنْدَه بالأخْذ لقول ابن حبيب وصاحبه وأمر بقتله فقتل وَصُلِب بحَضْرَة الْفَقِيهَين وَعَزَل الْقَاضِي لِتُهْمَتِه بالمُدَاهَنَة فِي هَذِه الْقِصَّة وَوَبَّخ بَقِيَّة الفُقَهَاء وَسَبَّهُم.
وَأَمَّا من صَدَرَت عَنْه من ذَلِك الهَنَة الوَاحِدَة وَالْفَلْتَة الشَّارِدة ما لم يكن تقصا وَإزْرَاء فَيُعَاقَب
عَلَيْهَا وَيُؤَدَّب بِقَدْر مُقْتَضَاهَا وَشُنْعَة مَعْنَاهَا وَصُورَة حال قائِلِهَا وَشَرْح سَببهَا وَمُقَارِنهَا، وَقَد سُئِل ابن الْقَاسِم ﵀ عَن رَجُل نادَى رَجُلًا باسْمِه فَأجَابَه لَبَّيْك اللَّهُمّ لَبَّيْك قَال إن كَان جاهِلًا أو فاله عَلَى وجْه سَفَه فلا شئ عَلَيْه قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَشَرْح قَوْله أنَّه لَا قَتْل عَلَيْه والجَاهِل يُزْجَر ويُعَلَّم وَالسَّفِيه يُؤَدّب وَلَو قالها عَلَى اعْتِقَاد إنْزَالِه مَنْزِلَة رَبّه لكَفَر، هَذَا مُقَتَضَى قَوْلِه وَقَد أسْرَف كثير من سُخَفَاء الشُّعَرَاء ومُتَّهَمِيهِم فِي هَذَا الْبَاب واسْتَخَفُّوا عَظِيم هذه الْحُرْمَة فأتَوْا من ذَلِك بِمَا نُنَزَّه كِتَابَنَا وَلِسَانَنَا وَأقْلَامَنَا عَن ذِكْرِه ولوْلَا أَنَّا قَصَدْنَا نَصّ مَسَائِل حَكَيْناهَا لَما ذَكَرْنَا شَيْئًا مِمَّا يَثْقُل ذِكْرُه عَلَيْنَا مِمَّا حَكَيْنَاه فِي هَذِه الْفُصُول، وَأَمَّا مَا وَرَد فِي هَذَا من أَهْل الجَهَالَة وأغَالِيط اللّسَان كَقَوْل بَعْض الأعْرَاب
_________________
(١) (قوله من سخفاء) جمع سخيف أي رقيقا العقل (قوله كَقَوْل بَعْض الأعْرَاب) قال ابن الأثير وسمع سليمان رجلا من الأعراب في سنة مجدبة يقول رب العباد إلى آخره فحمله سليمان أحسن محمل وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ لا أبا له ولا صاحبة ولا ولد انتهى قال ابن الأثير وأكثر ما يستعمل لا أبا لك في المدح أي لا كافى لك غير نفسك وقد يذكر في معرض الذم وقد يذكر في معرض التعجب ودفع العين وقد يذكر في معنى جد في أمرك وشمر له (*)
[ ٢ / ٣٠٠ ]
رب العباد مالنا ومالكا * قَد كُنْت تَسْقِينا فما بَدَا لَكَا أنْزِل عَلَيْنَا الْغَيْث لَا أَبَا لَكا فِي أشْبَاه لهذا من كَلَام الجُهَّال وَمن لَم يُقَوّمْه ثِقَاف تأدِيب الشريعة والعلم فِي هَذَا الباب فلما يصدر إلَّا من جاهل يَجِب تَعْلِيمُه وَزَجْرُه وَالإغْلَاظ لَه عَن الْعوْدَة إِلَى مِثْلِه قَال أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيّ وَهَذَا تَهَوُّر مِن القَوْل والله مُنَزَّه عَن هَذِه الْأُمُور وَقَد رَوَيْنَا عَن عَوْن بن عَبْد اللَّه
أنَّه قَال لِيُعَظّم أحَدُكُم رَبَّه أَن يُذْكَر اسْمُه فِي كل شئ حَتَّى لَا يَقُول أخْزَى اللَّه الْكَلْب وَفَعَل بِه كَذَا وكَذَا وَكَان بَعْض من أدْرَكْنا من مشايخنا فلما يَذْكُر اسم اللَّه تَعَالَى إلَّا فِيمَا يَتَّصِل بِطَاعَتِه وَكَان يَقُول للإنسان جُزيت خَيْرًا وَقَلَّمَا يَقُول جَزاك اللَّه خَيْرًا إعْظَامًا لاسْمِه تَعَالَى أَنّ يُمْتَهَن فِي غَيْر قُرْبَة، وحَدَّثَنَا الثقَة أَنّ الْإِمَام أَبَا بَكْر الشَّاشِيّ كَان يَعيب عَلَى أَهْل الْكَلَام كَثْرَة خَوْضِهِم فِيه تَعَالَى وَفِي ذكر صِفَاتِه إجْلالًا لاسْمه تَعَالَى يقول هَؤْلَاء يَتَمَنْدَلُون بالله ﷿ وَيُنَزَّل الْكَلَام فِي هَذَا البَاب تَنْزيلَه فِي باب سابّ النَّبِيّ ﷺ عَلَى الْوُجُوه الَّتِي فَصَّلْنَاهَا والله الموفق
_________________
(١) (قوله ثقاف) بكسر المثلثة وتخفيف الفاء وهو في الأصل اسم لما يسوى به الرماح (قوله تَهَوُّر مِن القَوْل) التهور بفتح المثناة الفوقية والهاء وضم الواو تشديدها الوقوع في الشئ بقلة مبالاة (قوله يتمندلون) في الصحاح المنديل معروف تقول منه تمندلت بالمنديل (*)
[ ٢ / ٣٠١ ]
(فصل) وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته
(فصل) وَحُكْم من سَبّ سَائِر أنْبيَاء اللَّه تَعَالَى وَمَلائكَتَه واسْتَخَفّ بِهِم أو كَذَّبَهُم فِيمَا أتوا بِه أَو أنْكَرَهُم وَجَحَدَهُم حُكْم نَبِيّنَا ﷺ عَلَى مَساق مَا قَدَّمْنَاه قَال اللَّه تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورسله) الآيَة وَقَال تَعَالَى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إبراهيم) الآيَة إِلَى قَوْلِه (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحد منهم) وقال (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) قَال مَالِك فِي كِتَاب ابن حبيب وَمُحَمَّد وَقَال ابن الْقَاسِم وَابْن الماجشُون وَابْن عَبْد الْحَكَم وأصْبَغ وسُحْنُون فِيمَن شَتَم الْأَنْبِيَاء أَو أحدا مِنْهُم أَو تَنَقَّصَه قُتِل ولم يُسْتَتَب وَمَنْ سَبَّهُم من أَهْل الذّمَّة قُتِل إلَّا أَنْ يُسْلِم وَرَوَى سُحْنُون عَن ابن الْقَاسِم: من سَبّ الْأَنْبِيَاء مِن اليَهُود والنَّصَارَى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي بِه كفر فَاضْرب عُنُقَه إلَّا أن يُسْلِم وَقَد تَقَدَّم الْخلاف فِي هَذَا الأصْل وَقَال الْقَاضِي بِقُرْطُبَة سَعِيد بن سُلَيْمَان فِي بَعْض أجْوبتِه من سَبّ اللَّه وملائكته قتل، وَقَال سُحْنُون من شَتَم مَلَكًا مِن الْمَلَائِكَة فَعَلَيْه القَتْل، وَفِي النَّوادِر عَن مَالِك فِيمَن قَال إن جِبْرِيل أخْطأ بالْوَحْي وَإِنَّمَا كَان النبي عَلِيّ بن أَبِي طَالِب اسْتُتِيب فإن تاب وَإِلَّا قُتِل وَنَحْوَه عَن سُحْنُون وَهَذَا قَوْل الغُرَابِيَّة مِن الرّوافِض سُمُّوا بِذَلِك لقولهم كَان النَّبِيّ ﷺ أشْبَه بِعَلِيّ مِن الغُرَاب بالغراب وَقَال أَبُو حَنِيفَة وأصْحابُه عَلَى أصْلِهِم من كَذَّب بِأحَد مِن الْأَنْبِيَاء أَو تَنَقَّص
[ ٢ / ٣٠٢ ]
أحدا منهم أو يرى مِنْهُم فَهُو مُرْتَد وَقَال أَبُو الْحَسَن القابسي فِي الَّذِي قَال لآخَر كَأنَّه وَجْه مَالِك الغَضْبَان لَو عُرِف أنَّه قَصَد ذمّ الْمَلِك قُتِل قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَهَذَا كُلّه فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة والنبيين أو على معين ممن حققنا كَوْنِه مِن الْمَلَائِكَة والنَّبِيّين مِمَّن نَصّ اللَّه عَلَيْه فِي كِتابِه أَو حَقَّقْنَا عليه بالْخَبَر الْمُتَوَاتِر وَالْمُشْتَهِر المتفق عليه بالإجماع القاطع لجبريل ومِيكائِيل وَمَالِك وخَزَنَة الْجَنَّة وجَهَنَّم والزَّبَانِيَة وحَمَلة العَرْش الْمَذْكُورِين فِي الْقُرْآن مِن الْمَلَائِكَة وَمِن سُمّي فِيه من الْأَنْبِيَاء وكَعَزْرائيل وإسرافيل ورضوان والحَفَظَة ومُنْكَر ونَكير مِن الْمَلَائِكَة المُتَّفَق عَلَى قَبُول الخبر بهما فَأَمَّا من لَم تَثْبُت الْأَخْبَار بِتَعْيينِه وَلَا وقَع الإجْماع عَلَى كَوْنِه مِن الْمَلَائِكَة أَو الْأَنْبِيَاء كَهارُوت ومارُوت فِي الْمَلَائِكَة والْخضر ولُقْمَان وذِي القَرْنَين ومريم وآسِيَة وخالد بن سنان المذكورة أنَّه نَبِيّ أَهْل الرس وزرادشت الَّذِي تَدَّعِي الْمَجْوس وَالْمُؤَرّخُون نُبُوَّتَه فَلَيْس الْحُكْم فِي سابّهِم والكافِر بِهِم كالْحُكْم فِيمَن قَدمناه إِذ لَم تثبت لَهُم تِلْك الحرمة وَلَكِن يزجر من تنقصهم وآذاهم ويؤدب بقدر حال المنقول
فِيه لا سيما من عرفت صديقيته وفضله مِنْهُم وإن لَم تَثْبُت نُبُوَّتُه وَأَمَّا إنْكار نُبُوّتِهِم أَو كَوْن الآخَر مِن الْمَلَائِكَة فإن كَان الْمُتَكَلّم فِي ذلك
_________________
(١) (قوله ومنكر) بفتح الكاف كذا قيده ابن العربي المكى الْقَاضِي أَبُو بَكْر (قوله وزرادشت) بزاى مفتوحة وراء فألف فدال مضمومة فشين معجمة فمثناة صاحب كتاب المجوس (*)
[ ٢ / ٣٠٣ ]
(فصل) واعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف
من أَهْل الْعِلْم فَلَا حَرج لاخْتِلاف الْعُلمَاء فِي ذَلِك وَإِن كَان من عَوَامّ الناس زُجِر عَن الْخَوْض فِي مِثْل هَذَا فِإن عاد أُدّب إِذ لَيْس لَهُم الْكَلَام فِي مِثْل هَذَا وَقَد كَرِه السَّلَف الْكَلَام فِي مِثْل هَذَا مِمَّا لَيْس تَحْتَه عَمَل لأهل الْعِلْم فَكَيْف لِلْعَامَّة؟
(فصل) وأَعْلَم أن مِن اسْتَخَفّ بالْقُرْآن أَو الْمُصَحف أَو بشئ مِنْه أَو سَبَّهُما أَو جَحَدَه أَو حَرْفًا مِنْه أَو آيَة أَو كَذَّب بِه أَو بشئ مِنْه أَو كَذّب بشئ مِمَّا صُرّح بِه فِيه من حُكْم أَو خَبَر أَو أثْبَت مَا نَفاه أَو نَفَى مَا أثْبَتَه عَلَى عِلْم مِنْه بِذَلِك أَو شك في شئ من ذَلِك فَهُو كَافِر عِنْد أَهْل الْعِلْم بإجْماع قَال اللَّه تَعَالَى (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ ﵀ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عمرو عن أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال (الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كفر) تؤول بِمَعْنَى الشَّكّ وَبِمَعْنَى الْجِدَال، وَعَن ابن عَبَّاس عن النبي ﷺ (مَنْ جَحَدَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ حَلَّ ضَرْبُ عُنُقِهِ) وَكَذَلِكَ إِنْ جَحَدَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَكُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَة أَو كَفَر بِهَا أَو لَعَنَهَا أَو سَبَّهَا أَو اسْتَخَفّ بِهَا فَهُو كَافِر وَقَد أَجْمَع الْمُسْلِمُون أَنّ الْقُرْآن الْمَتْلُوّ فِي جَمِيع أَقْطَار الأَرْض الْمَكْتُوب
[ ٢ / ٣٠٤ ]
فِي الْمُصْحَف بِأَيْدِي الْمُسْلِمِين مِمَّا جَمَعَه الدَّفَّتَان من أَوَّل (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين - إِلَى آخِر - قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) إِنَّه كَلَام اللَّه وَوَحْيُه المُنَزَّل عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد ﷺ وَأَنّ جَمِيع مَا فِيه حَقّ وَأَنّ من نَقَص مِنْه حَرْفًا قَاصِدًا لِذَلِك أَو بَدَّلَه بِحَرْف آخَر مَكَانَه أَو زَاد فِيه حَرْفًا مِمَّا لَم يَشْتَمِل عَلَيْه المُصْحَف الَّذِي وَقَع الإِجْمَاع عَلَيْه وأُجْمِع عَلَى أَنَّه لَيْس مِن الْقُرْآن عَامِدًا لِكُلّ هَذَا أَنَّه كَافِر وَلِهَذَا رَأَى مَالِك قَتْل من سَبّ عَائِشَة ﵂ بِالْفِرْيَة لأَنَّه خَالَف الْقُرْآن وَمَن خَالَف الْقُرْآن قُتِل أَي لأَنَّه كَذَّب بِمَا فِيه، وَقَال ابن الْقَاسِم من قَال إِنّ اللَّه تَعَالَى لَم يُكَلِّم مُوسَى تَكْلِيمًا يُقْتَل وَقَالَه عَبْد الرَّحْمَن بن مَهْدِيّ وَقَال مُحَمَّد بن سُحْنُون فِيمَن قَال الْمُعَوَّذَتَان لَيْسَتَا من كِتَاب اللَّه يُضْرَب عُنُقُه إِلَّا أَن يَتُوب وَكَذَلِك كُلّ من كَذَّب بِحَرْف مِنْه قَال وَكَذَلِك إِن شَهِد شَاهِد عَلَى من قَال إِنّ اللَّه لَم يُكَلِّم مُوسَى تَكْلِيمًا وشَهِد آخَر عَلَيْه أَنَّه قَال إِنّ اللَّه لَم يَتَّخِذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا لأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّه كَذَّب النَّبِيّ ﷺ وَقَال أَبُو عُثْمَان الْحَدَّاد جَمِيع من يَنْتَحِل التَّوْحِيد مُتَّفِقُون أَنّ الْجَحْد لِحَرْف مِن التَّنْزِيل كُفْر وَكَان أَبُو الْعَالِيَة إِذَا قَرَأ عِنْدَه رَجُل لَم يَقُل لَه لَيْس كَمَا قَرَأْت وَيَقُول أَمَّا
_________________
(١) (قوله المعوذتان) قال النووي أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن وأن من جحد شيئا منها كفر وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه، قال ابن حزم في أول كتاب المجلى هذا كذب على ابن مسعود موضوع وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زيد بن حنيس عن عبد الله بن مسعود وفيها الفاتحة والمعوذتان انتهى (*)
[ ٢ / ٣٠٥ ]
أَنَا فَأَقْرَأ كَذَا فَبَلَغ ذَلِك إِبْرَاهِيم فَقَال أَرَاه سَمِع أَنَّه من كَفَر بِحَرْف مِنْه فَقَد كَفَر بِه كُلِّه وَقَال عَبْد اللَّه بن مَسْعُود من كَفَر بِآية مِن الْقُرْآن فَقَد كَفَر بِه كُلِّه وَقَال أَصْبَغ بن الفَرَج من كَذَّب بِبَعْض الْقُرْآن فَقَد كَذَّب بِه كُلِّه وَمَن كَذَّب بِه فَقَد كَفَر بِه وَمَن كَفَر بِه فَقَد كَفَر بِاللَّه وَقَد سُئِل القَابِسِيّ عَمَّن خاضم يَهُودِيًّا فَحَلَف لَه بِالتَّوْرَاة فَقَال الآخَر لَعَن اللَّه التَّوْرَاة فَشَهِد عَلَيْه بِذَلِك شَاهِد ثُمّ شَهِد آخَر أَنَّه سَأَلَه عَن الْقَضِيَّة فَقَال إِنَّمَا لَعَنْت تَوْرَاة الْيَهُود فَقَال أَبُو الْحَسَن الشَّاهِد الْوَاحِد لَا يُوجِب الْقَتْل وْالثَّانِي عَلَّق الأَمْر بِصِفَة تَحْتَمِل التَّأْوِيل إِذ لَعَلَّه لَا يَرَى الْيَهُود مُتَمَسِّكِين بشئ من عِنْد اللَّه لِتَبْدِيلِهِم وتَحْرِيفِهِم وَلَو اتَّفَق الشَّاهِدَان عَلَى لعن التوراة مجرد لَضَاق التَّأْوِيل، وَقَد اتفق فُقَهَاء بغداد عَلَى استتابة ابن شنبوذ المقرئ أَحَد أئِمَّة المقرئين المتصدرين بِهَا مَع ابن مُجَاهِد لقراءته وإقرائه بشواذ مِن الحروف مِمَّا لَيْس فِي المصحف وعقدوا عَلَيْه
_________________
(١) (قوله ابن شنبوذ) قيل إنه بإسكان النون وهو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت المقرئء البغدادي قال ابن خلكان كان من مشاهير القراء ذادين وسلامة صدر وقيل كان كثيرا اللحن قليل العلم تفرد بقراءة من الشواذ كان يقرأ بها في المحراب فانكب على وبلغ أمره الوزير بن مقلة في شهر ربيع الآخر سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِين وثلاثمائة فاعتقله بداره واستحضره هو والقاضى أبا الحسين عمر بن محمد وأبا بكر أحمد بن موسى بن مجاهد المقرئ وجماعة من أهل الفرات فأغلظ القول عليهم فأمر الوزير بضربه فضرب سبع؟؟؟ فدعا على الوزير بقطع يده وتشتيت شمله فكان الأمر كذلك ثم كتب محضرا بما كان يقرؤه واستتيب أن لَا يَقْرَأ إلا بمصحف أمير المؤمنين عثمان وكتب خطه في آخره وأطلق
[ ٢ / ٣٠٦ ]
(فصل) وسب آل بيته وأزواجه وأصحابه
بالرجوع عَنْه والتوبة مِنْه سجلًا أشْهَد فِيه بِذَلِك عَلَى نَفْسِه فِي مَجْلِس الوَزِير أَبِي عَلِيّ بن مُقْلَة سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِين وَثَلَاثِمائة وَكَان فِيمَن أفْتى عَلَيْه بِذَلِك أَبُو بَكْر الأبهريّ وَغَيْرُه وأفْتى أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد بالأدَب فِيمَن قَال لِصَبيّ لَعَن اللَّه مُعلّمَك وَمَا عَلّمَك وَقَال أرَدْت سُوء الأدب وَلَم أُرِد الْقُرْآن قَال أَبُو مُحَمَّد وَأَمَّا من لَعَن المُصْحَف فَإنَّه يُقْتَل
(فصل) وَسَبّ آل بَيْتِه وَأزْوَاجِه وَأصْحَابِه ﷺ وَتَنقّصُهُم حَرَام مَلْعُون فاعِلُه * حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ﵀ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ الْعَدْلُ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حدثنا يعقوب ابن إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بن أبى رابطة عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الله ابن مُغَفَّلٍ قَال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم
_________________
(١) (قوله الوَزِير أَبِي عَلِيّ) هُو مُحَمَّد بن علي بن الحسين بن مقلة الكاتب كَانَ فِي أَوَّلِ أمره يتولى بعض أعمال فارس ويجبى خراجها ويتقلب أحواله إلى أن استوزره المقتدر سنة ست عشرة وثلاثمائة ثم قبض عليه في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة ونفاه إلى فارس بعد أن صادره ولما ولى القاهرة أحضره في يوم الأضحى سنة عشرين وخلع عليه ولم يزل وزيره إلى أن اتهمه على الفتك به وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر في أول شعبان سنة إحدى وعشرين ولما ولى الراضي بالله في جمادى الأولى سنة اثنين وعشرين استوزره أيضا توفى ﵀ سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة (قوله عُبَيْدَةُ بْنُ أَبِي رابطة) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة نص عليه ابن ماكولا (*)
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ومن آذاهم فقد آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن
يَأْخُذَهُ) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والملائكة والناس أجمعين لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) وَقَال ﷺ (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّهُ يجئ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ وَلَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ وَلَا تُنَاكِحُوهُمْ وَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ) وَعَنْه ﷺ (مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ) وَقَد أَعْلَم النَّبِيّ ﷺ أَنَّ سَبَّهُم وَأَذَاهُم يُؤْذِيه وَأَذَى النَّبِيّ ﷺ حَرَام فَقَال (لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي) وَقَال (لا تُؤْذُونِي فِي عَائِشَةَ) وَقَال فِي فَاطِمَة (بَضْعةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا وَقَد اخْتَلَف الْعُلمَاء فِي هَذَا فَمَشْهُور مَذْهَب مَالِك فِي ذَلِك الاجْتِهَاد وَالأَدَب الْمُوجِع، قَال مَالِك ﵀ من شتم النبي ﷺ قُتِل وَمَن شَتَم أَصْحَابَه أُدِّب وَقَال أَيْضًا من شَتَم أَحَدًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ أَبَا بَكْر أَو عُمَر أَو عُثْمَان أَو مُعَاوِيَة أَو عَمْرَو بن الْعَاص فَإِن قَال كَانُوا عَلَى ضَلال وَكُفْر قُتِل وَإِن شَتَمَهُم بِغَيْر هَذَا من مُشَاتَمَة النَّاس نُكِّل نَكَالًا شَدِيدًا، وَقَال ابن حَبِيب من غَلَا مِن الشِّيعَة إِلَى بَغْض عُثْمَان وَالْبَرَاءَة مِنْه أُدِّب أَدَبًا شَدِيدًا وَمَن زَاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه
_________________
(١) (قوله بضعة منى) بفتح الموحدة أي قطعة (*)
[ ٢ / ٣٠٨ ]
أَشَدّ وَيُكَرَّر ضَرْبُه وَيُطَال سِجْنُه حَتَّى يَمُوت وَلا يُبْلَغ بِه الْقَتْل إِلَّا في سب النبي ﷺ وَقَال سُحْنُون من كَفَّر أَحَدًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ عَلِيًّا أَو عُثْمَان أَو غَيْرهمَا يُوجَع ضَرْبًا وَحَكَى أَبُو محمد ابن أَبِي زَيْد عَن سُحْنُون فِيمَن قَال فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ إِنَّهُم كَانُوا عَلَى ضَلال وكُفْر قُتِل وَمَن شَتَم غَيْرَهُم مِن الصَّحَابَة بِمِثْل هَذَا نُكِّل
النَّكَال الشَّدِيد * وَرُوِي عَن مَالِك من سَبّ أَبَا بَكْر جُلِد وَمِن سَبّ عَائِشَة قُتِل، قِيل لَه لِم؟ قَال من رَمَاهَا فَقَد خالف الْقُرْآن وَقَال ابن شعبان عَنْه لِأَنّ اللَّه يَقُول (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كنتم مؤمنين) فَمَن عاد لِمِثْله فَقَد كَفَر * وَحَكَى أَبُو الْحَسَن الصقَّلّيّ أَنّ الْقَاضِي أَبَا بكر ابن الطَّيَّب قَال إنّ اللَّه تَعَالَى إذَا ذَكَر فِي الْقُرْآن مَا نَسَبَه إليْه المُشْرِكُون سَبَّح نَفْسَه لِنَفْسِه كَقَوْلِه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سبحانه) فِي آي كَثِيرَة وَذَكَر تَعَالَى مَا نَسَبَه الْمُنَافَقُون إِلَى عَائِشَة فَقَال (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سبحانك) سَبّح نَفْسَه فِي تَبْرِئَتِهَا مِن السُّوء كَمَا سَبَّح نَفْسَه في تبرته مِن السُّوء وَهَذَا يَشْهَد لِقَوْل مَالِك فِي قَتْل من سَبّ عَائِشَة وَمَعْنَي هَذَا والله أَعْلَم أَنّ اللَّه لَمّا عَظَّم سَبَّهَا كَمَا عَظَّم سَبَّه وَكَان سَبُّهَا سَبًّا لِنَبِيّه وَقَرَن سَبّ نَبِيَّه وأذاه بأذاه تَعَالَى وَكَان حُكْم مُؤْذِيه تَعَالَى القَتْل كَان مُؤْذِي نَبِيَّه كَذَلِك كَمَا قَدّمْنَاه، وَشَتَم رَجُل عَائِشَة بالكُوفَة فَقُدّم إِلَى مُوسَى بن عِيسَى
[ ٢ / ٣٠٩ ]
العَبّاسِيّ فَقَال من حَضَر هَذَا فَقَال ابن أَبِي ليلى أَنَا فجُلِد ثَمَانِين وحَلَق رَأسَه وأسْلَمَه لِلْحَجّامِين وَرُوي عَن عُمَر بن الخطاب أنَّه نَذَر قَطع لِسان عُبَيْد اللَّه ابن عُمَر إذ شَتَم الْمِقْدَاد بن الأسْود فَكُلم فِي ذَلِك فَقَال دَعُونِي أقْطَع لِسانَه حَتَّى لَا يَشْتم أحَد بَعْد أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ وَرَوَى أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيّ أَنّ عُمَر بن الْخَطَّاب أُتِي بأعرابى يهجو الأنْصار فَقَال لَوْلَا أَنّ لَه صُحْبَة لَكَفَيْتُكُمُوه قَال مَالِك مِن انْتَقَص أحدًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ فَلَيْس لَه في هذا الفئ حَقّ قَد قَسَم الله الفئ فِي ثَلَاثَة أصْناف فَقَال (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) الآيَة ثُمّ قَال (والذين تبوؤا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قبلهم) الآيَة وهؤلاء هُم الْأَنْصَار ثُمّ قَال (وَالَّذِينَ جاؤا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان) الآيَة فَمَن تَنَقصَهُم فَلَا حَق لَه فِي فئ الْمُسْلِمِين، وَفِي كِتَاب ابن شَعْبَان من قَال فِي وَاحِد مِنْهُم إنَّه ابن زانِيَة وأمُّه مُسْلِمَة حُدّ عِنْد بَعْض أصْحَابِنا حَدّيْن حَدًّا لَه وَحَدًّا لأُمِّه وَلَا أجْعَلُه كَقَاذِف الْجَمَاعَة فِي كَلِمَة لِفَضْل هَذَا عَلَى غَيْرِه ولقوله ﷺ (وَمِنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاجْلِدُوهُ) قَال وَمَنْ قَذَف أمّ أحَدِهِم وَهِي كَافِرَة حُدّ حَدّ الفِرْيَة لِأَنَّه سَبّ لَه فإن كان أحد من وُلِد هَذَا الصَّحابيّ حَيًّا قام بِمَا يَجِب لَه وَإِلَّا فَمَن قام مِن الْمُسْلِمِين كَان عَلَى الإمام قَبُول قِيَامِه قَال وَلَيْس هَذَا كَحُقُوق غَيْر الصَّحَابَة لِحُرْمَة هَؤْلَاء بِنَبِيِّهِم ﷺ ولو سَمِعَه
[ ٢ / ٣١٠ ]
الْإِمَام وأشْهَد عَلَيْه كَان وَليّ القيام بِه قَال وَمِن سَبّ غَيْر عَائِشَة من أزْوَاج النَّبِيّ ﷺ فَفِيهَا قَوْلان أحَدُهُمَا يُقْتَل لِأَنَّه سَبّ النَّبِيّ ﷺ بِسَبّ حَلِيلَتِه والآخَر أنَّهَا كَسَائِر الصَّحَابَة يُجْلَد حَدّ المُفْتَرِي قَال وبِالأوّل أقُول وَرَوَى أَبُو مُصْعَب عَن مَالِك فِيمَن سَبّ مِن انْتَسَب إِلَى بيت النَّبِيّ ﷺ يُضْرَب ضَرْبًا وَجِيعًا ويُشْهَر ويُحْبَس طَويلًا حَتَّى تَظْهَر تَوبَتُه لِأَنَّه اسْتِخْفَاف بِحَقّ الرَّسُول ﷺ وأفنى أَبُو المُطَرّف الشَّعْبِيّ فيه ما لفة فِي رَجُل أنْكَر تَحْلِيف امْرَأة باللَّيْل وَقَال لَو كَانَت بِنْت أَبِي بَكْر الصّدّيق مَا حنفت إلَّا بالنَّهَار وَصَوَّب قوله بعض المتسميين بالفِقْه فَقَال أَبُو المُطَرّف ذِكْر هَذَا لابْنَة أَبِي بَكْر فِي مِثْل هَذَا يُوجِب عَلَيْه الضَّرْب الشَّدِيد والسّجْن الطَّوِيل والفَقِيه الَّذِي صَوَّر قَوْله هُو أخَصّ باسْم الفِسْق مِن اسْم الفِقْه فَيُتَقَدّم إليْه فِي ذَلِك ويُزْجَر وَلَا تُقْبَل فَتْوَاه وَلَا شَهَادَتُه وَهِي جُرْحَة ثَابِتَة فِيه وَيُبْغَض فِي اللَّه وَقَال أَبُو عِمْرَان فِي رَجُل قَال لَو شَهِد عَلَيّ أَبُو بَكْر الصّدّيق أنَّه إنّ
كَان أرَاد أَنّ شهادته فِي مِثْل هَذَا لَا يَجُوز فِيه الشَّاهِد الْوَاحِد فَلَا شئ عَلَيْه وإن كَان أرَاد غَيْر هَذَا فَيُضْرَب ضَرْبًا يَبْلُغ بِه حَدّ المَوْت وَذَكَرُوهَا رِوَايَة * قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل هُنَا انْتَهى القَوْل بِنَا فِيمَا حَرّرْنَاه وانتجز الغرض
_________________
(١) (قوله وانتجز الغرض) أي انقضى (*)
[ ٢ / ٣١١ ]
الَّذِي انْتَحَيْنَاه واسْتُوفِي الشَّرْط الَّذِي شَرَطْنَاه مِمَّا أرْجُو أَنّ فِي كُلّ قِسْم مِنْه لِلْمُرِيد مَقْنَع وَفِي كُلّ باب مَنْهج إلى بُغْيَتِه وَمَنْزَع وَقَد سَفَرْت فِيه عَن نُكَت تُسْتَغْرَب وَتُسْتَبْدَع وَكَرَعْت فِي مَشَارب مِن التَّحْقِيق لَم يُورَد لَهَا قَبْل فِي أكْثَر التَّصَانِيف مَشْرَع وأوْدَعْتُه غَيْر مَا فَضْل وَدِدْت لَو وجَدْت من بَسَط قَبْلي الْكَلَام فِيه أَو مقتدى يُفِيدُنِيه عَن كِتابِه أَو فِيه لأكْتَفَى بِمَا أرْويه عَمَّا أُرَوّيه وَإِلَى اللَّه تَعَالَى جَزِيل الضَّرَاعَة والمِنَّة بِقَبُول مَا مِنْه لوجهه ولعفو عَمَّا تَخَلَّلَه من تَزَيُّن وَتَصَنُّع لِغَيْرِه وأن يَهَب لَنَا ذَلِك بِجَمِيل كَرَمِه وَعَفْوِه لِمَا أوْدعنَاه من شَرَف مُصْطَفاه وأمين وَحْيه وأسْهَرْنَا بِه جفوتنا لِتَتَبُّع فَضَائِلِه وَأعمَلْنَا فِيه خَوَاطِرَنا من إبْرَاز خَصَائِصِه وَوَسَائِلِه وَيَحْمِي أعْرَاضَنَا عَن نَارِه المُوقَدَة لِحِمَايَتِنَا كريم عرضه ويجعلنا ممن
_________________
(١) (قوله انتحيناه) بالحاء أي اعتمدناه (قوله بغيته) بكسر الموحدة أي حاجته (قوله ومنزع) بفتح الميم والزاى (قوله مشرع) بفتح الميم والراء مورد الشاربة (قوله وددت) بكسر الدال الأولى (قوله بِمَا أرْويه عَمَّا أرويه) الأولى بفتح الهمزة وسكون الراء والثانية بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الواو (قوله الضراعة) بضاد معجمة أي الخضوع (*)
[ ٢ / ٣١٢ ]
لَا يذاد إذَا ذيد المبدل عَن حوضه ويجعله لَنَا ولمن تهمم باكتتابه واكتسابه سبيا يصلنا بأسبابه وذخيرة نجدها يَوْم تَجد كُلّ نَفْس مَا عَملَت من خَيْر مُحْضَرًا نَحُوز بِهَا رِضَاه وَجَزِيل ثَوَابِه ويَخُصَّنَا بِخصَّيصي زُمْرَة نَبِيَّنَا وَجَمَاعَتِه وَيَحْشرَنا فِي الرّعيل الأوّل وَأَهْل الباب الأيْمَن من أَهْل شَفَاعَتِه، ونَحْمَدُه تَعَالَى عَلَى مَا هَدَى إليْه من جَمْعِه وألْهَم وَفَتَح البَصِيرَة لِدَرْك حَقَائِق مَا أوْدَعْنَاه وَفَهَّم، وَنَسْتَعِيذُه جَلّ اسْمُه من دُعاء لَا يُسْمَع وعلْم لَا يَنْفَع وَعَمَل لَا يُرْفَع فَهُو الْجَوَاد الَّذِي لَا يُخَيَّب من أمَّله وَلَا يُنْتَصَر من
_________________
(١) (قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره وَالْحَمْد لله رَبّ العالمين وصلواته على سيد المرسلين وَإمَام الْمُتَّقِين وَخَاتِم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد. تم بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)
[ ٢ / ٣١٣ ]
خَذَلَه وَلَا يَرُدّ دَعْوَة القَاصِدِين وَلَا يُصْلح عمل المُفْسِدِين وَهُو حَسْبُنا وَنِعْم الْوَكِيل، وَصَلاتُه عَلَى سَيّدنا وَنبيّنَا مُحَمَّد خَاتِم النَّبِيّين وَعَلَى آلِه وصَحْبِه أجْمَعِين وَسَلَّم تَسْلِيمًا كَثِيرًا وَالْحَمْد لله رَبّ العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب
[ ٢ / ٣١٤ ]