نسبه:
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي «١»
ولادته ووفاته:
ولد الامام الحافظ أبو عيسى في قرية بوغ في سنة (٢٠٩ هـ) ثم انتقل منها إلى مدينة ترمذ «٢» إلى أن توفاه الله تعالى فيها سنة (٢٧٩ هـ) وله سبعون سنة.
شيوخه وتلاميذه:
يعتبر المؤرخون عصر الترمذي العصر الذهبي لعلم الحديث حيث كان رائد بعثه وازدهاره الامام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ناصر السنة.
حيث علم الناس عامة وأهل العراق ثم مصر خاصة معنى الاحتجاج بالسنة
_________________
(١) بضم السين منسوب الى بنى سليم بالتصغير قبيلة من غيلان/ كذا ذكره ابن عساكر وقال السمعاني ابن شداد بدل ابن الضحاك. وأبو عيسى كنيته ومحمد اسمه وعيسى اسم أبيه وسورة اسم جده كما في القاموس ومعنى السورة في الأصل الحدة.
(٢) قال صاحب القاموس ترمذ بكسر التاء وهي مدينة قديمة على طرف نهر بلخ من جهة شاطئه الشرقي ويقال لها مدينة الرجال. وقال الشيخ ابراهيم الباجوري فيها ثلاث لغات كسر التاء والميم وهو الأشهر وضمها وهو ما يقوله المتقنون وأهل المعرفة وفتح التاء وكسر الميم وثانية ساكن في الوجوه الثلاثة.
[ ٩ ]
ومعنى العمل بها مع القرآن، وحدد أصول ذلك وحررها، وأقام الحجة على مناظريه بوجوب الأخذ بالحديث وأفحمهم. من ذلك نرى أن الأئمة الأعلام أصحاب كتب السنة نبغوا في الطبقة التالية لعصر الشافعي مباشرة، وان لم يدركوه رؤية وسماعا لتقدم وفاته، ولكنهم أدركوا اقرانه ومعاصريه ومناظريه وكبار تلاميذه.
وبسرد بسيط لتواريخ ولادتهم ووفاتهم تظهر المقارنة واضحة
١- فالبخاري/ محمد بن اسماعيل ابو عبد الله ولد في شوال سنة ١٩٤ هـ ومات يوم السبت غرة شوال من سنة ٢٥٦ هـ.
٢- ومسلم بن الحجاج القشيري أبو الحسن ولد في سنة ٢٠٩ هـ ومات في ٢٥ رجب سنة ٢٥٦ هـ.
٣- والامام الحافظ الترمذي ولد سنة ٢٠٩ هـ ومات في ١٣ رجب سنة ٢٧٩ هـ.
٤- وأبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني ولد سنة ٢٠٢ هـ ومات في ١٦ شوال سنة ٢٥٧ هـ.
٥- والنسائي أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن ولد سنة ٢١٥ هـ ومات في ١٣ صفر ٣٠٣ هـ.
٦- وابن ماجه محمد بن يزيد بن ماجه أبو عبد الله ولد سنة ٢٠٩ هـ ومات في ٢٢ رمضان سنة ٢٧٣ هـ.
٧- وقد روى هؤلاء الأئمة الستة عن شيوخ كثيرين متفرد بعضهم بالرواية عن بعض الشيوخ واشترك بعضهم مع غيره في الرواية عن آخرين، واشتركوا جميعا في الرواية عن تسعة شيوخ فقط وهم:
[ ١٠ ]
وقد أدرك أبو عيسى الترمذي شيوخا أقدم من هؤلاء وسمع منهم وروى عنهم. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: سمع قتيبة بن سعيد «١» وأبا مصعب «٢» وإبراهيم بن عبد الله الهروي «٣»، وإسماعيل بن موسى السدي «٤»، وسويد بن نصر «٥»، وعلي بن صخر «٦» .
والترمذي تلميذ البخاري وخريجه، وعنه أخذ علم الحديث وتفقه فيه ومرن بين يديه، وسأله واستفاد منه، وناظره فوافقه وخالفه، كعادة هؤلاء العلماء، في اتباع الحق حيث كان. وقد طاف ابو عيسى البلاد، وسمع خلقا من الخراسانيين والعراقيين والحجازيين.
_________________
(١) قتيبة بن سعيد الثقفي أبو رجاء ولد سنة ١٥٠ هـ ومات سنة ٢٤٠ هـ.
(٢) أبو مصعب: أحمد بن أبي بكر الزهري المدني ولد سنة ١٥٠ هـ ومات سنة ٢٤٢ هـ.
(٣) ابراهيم بن عبد الله بن حاتم الزهري ولد سنة ١٧٨ هـ ومات سنة ٢٤٤ هـ.
(٤) إسماعيل بن موسى الفزاري السدي مات سنة ٢٤٥ هـ.
(٥) سويد بن نصر بن سويد المروزي السدى مات سنة ٢٤٠ هـ وعمره ٩١ سنة.
(٦) علي بن حجر المروزي مات سنة ٢٤٤ هـ وقد قارب المائة.
[ ١١ ]
شهادة العلماء فيه وفي كتبه:
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (أخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمد السمرقندي مناولة أخبرنا أبو بشر عبد الله بن محمد بن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الادريسي الحافظ قال: محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث.
صنف كتاب الجامع والتواريخ والعلل، تصنيف رجل عالم متقن، كان يضرب به المثل في الحفظ.
وقال عنه السمعاني في الانساب بأنه «إمام عصره بلا مدافعة، صاحب التصانيف»، وبأنه «أحد الائمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث» .
ونقل الذهبي في تذكرة الحفاظ والصفدي في نكت الهميان، والمزي في التهذيب أن ابن حبان ذكره في الثقات وقال: «كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر» .
ووصفه المزي في التهذيب بأنه «الحافظ صاحب الجامع وغيره من المصنفات، أحد الائمة الحفاظ المبرزين، وممن نفع الله به المسلمين» .
وقال الذهبي في الميزان «الحافظ العلم، صاحب الجامع، ثقة مجمع عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من كتاب الأيصال: إنه مجهول، فإنه ما عرف ولا درى بوجود الجامع ولا العلل له» .
وقال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب «كان مبرزا على الاقران، آية في الحفظ والاتقان» .
ونقل الحاكم أبو أحمد عن أحد شيوخه قال «مات محمد بن إسماعيل البخاري ولم يخلف بخرسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمي، وبقي ضريرا سنين» .
وفي التهذيب: قال أبو الفضل البيلماني: سمعت نصر بن محمد الشبركوهي يقول: سمعت محمد بن عيسى الترمذي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل- يعني
[ ١٢ ]
البخاري- ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي» .
وقال ابن الأثير في تاريخه «كان إماما حافظا، له تصانيف حسنة منها الجامع الكبير وهو أحسن الكتب» .
وقال أبو علي منصور بن عبد الله الخالدي عن الترمذي أنه قال في شأن كتابه (الجامع) صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم.
قول العلماء في كتاب الشمائل:
يقول علي بن سلطان محمد القاري:
ومن أحسن ما صنف في شمائله وأخلاقه ﷺ كتاب الترمذي المختصر الجامع في سيره على الوجه الأتم بحيث أن مطالع هذا الكتاب، كأنه يطالع طلعة ذلك الجناب، ويرى محاسنه الشريفة في كل باب.
وقال محمد بن محمد الجزري رحمه الله تعالى:
أخلاي إن شط الحبيب وربعه وعز تلاقيه وناءت منازله
وفاتكم أن تبصروه بعينكم فما فاتكم بالعين فهذي شمائله
وللأديب محي الدين عبد القادر الزركشي في وصف كتاب الشمائل:
يا أشرف مرسلا كريما ما ألطف هذي الشمايل
من يسمع وصفها تراه كالغصن مع النسيم مايل
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي:
«فإن كتاب الشمائل لعلم الرواية وعلم الدراية للامام الترمذي جعل الله قبره روضة عرفها أطيب من المسك الشذي كتاب وحيد في بابه فريد في ترتيبه واستيعابه، لم يأت له أحد بمماثل ولا بمشابه، سلك فيه منهاجا بديعا ورصعه بعيون الاخبار وفنون الآثار ترصيعا حتى عد ذلك الكتاب من المواهب وطار في المشارق والمغارب.
[ ١٣ ]
وكان ممن تصدى لشرحه أفضل المدققين وأحد المحققين مولانا عصام الدين الاسفرايني الشافعي.
وتلاه العالم النحرير الفقيه الشهير الشهاب بن حجر نزيل مكة فأطال وأطاب.
قال أبي الفداء اسماعيل:
ومن أحسن من جمع في ذلك فأجاد وأفاد الامام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل المحمدية، ولنا به سماع متصل إليه.
[ ١٤ ]
قال الحافظ «١» أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي «٢»: