من بدء الدعوة إلى الهجرة النبوية
مدخل
الفصل الثالث من بدء الدعوة إلى الهجرة النبوية
كان لا بد أن يبلغ الرسول -ﷺ- تلك الرسالة الغالية التي حملها إلى الناس نذيرًا لمن خالف بالعقاب، وبشيرًا لمن أطاع بالثواب، ومبينًا للناس طريق الحق الذي يوصلهم إلى الخير وينأى بهم عن الشر والضلال، فاستجاب له جماعة من أقربائه وأصدقائه الذين أراد الله لهم الخير والهداية، وهؤلاء هم السابقون الأولون ومنهم خديجة بنت خويلد -﵂- وعلي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وزيد بن حارثة مولى الرسول -ﷺ- وأم أيمن حاضنته، وهؤلاء من عشيرة الرسول -ﷺ- وأقربائه، ومنهم أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، وغير هؤلاء ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه١.
_________________
(١) ١ وقصص إسلامهم جميعهم صحيحة، وأكثرها مخرج في كتب الفضائل، والخلاف الواقع في تعيين أول من أسلم، أصح ما يقال فيه، أن خديجة أول من أسلم إطلاقًا، ثم من الرجال أبو بكر الصديق، ومن الفتيان علي. وانظر "الكامل" ٢/ ٢٣٧ وما بعدها. و"المواهب" ١/ ٢٥ وما بعدها، و"البداية" ٢/ ٢٤ وما بعدها. و"دلائل البيهقي" ٢/ ١٦٠ وما بعدها.
[ ١١٢ ]
وكانت الدعوة في مبدأ أمرها سرية تتم في الكتمان والخفاء، حتى لا يقاومها الأعداء وهي لم تزل في مهدها الصغير، ثم تطورت بعد ثلاثة أعوام من بدء الوحي، حينما نزلت الآية:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
واتخذت مظهر الجهرية الصريحة والإعلان العام، فأصبح محمد -ﷺ- يجمع القوم ويكاشفهم بأمر الدين الحنيف، وقد بدأ بعشيرته الأقربين؛ فكلف ابن عمه علي بن أبي طالب أن يصنع لهم طعامًا، ويدعو أهله إليه وفيهم عمومته بنو عبد المطلب وأولادهم نحو الأربعين رجلًا. فلما اجتمعوا كلمهم الرسول -ﷺ- في شأن الدعوة الإسلامية، وما ينادي به من نبذ معتقداتهم الفاسدة والإيمان بالله وحده، فغضبوا وقاطعوا كلامه وانصرفوا مسرعين٢.
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية ٩٤. وهذا القول هو قول أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، كما في "المواهب" ١/ ٢٢٢. وذكر أن نزولها كان بعد ثلاث سنين. وكذلك جاء التصريح بالمدة عند ابن الأثير في "الكامل" ٢/ ٤٠. وأسند ذلك ابن سعد ١/ ١٩٩ عن القاسم، وسنده مرسل وضعيف. ولم أقف على سند صحيح، فيه كون الأمر بالجهر كان بعد ثلاث سنين. ٢ في الصحيحين ومسند أحمد، من حديث ابن عباس قال: "لما أنزل الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، أتى النبي -ﷺ- الصفا فصعد عليه، ثم نادى: يا صباحاه. فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله -ﷺ-: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني". قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب -لعنه الله: تبًّا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا. وانظر "البداية والنهاية" ٢/ ٣٨. وما نقله في ذلك من الروايات الكثيرة، والتي في بعضها وكما عند البيهقي في "الدلائل" أن عدد الحضور كان أربعين رجلًا. وقد رواه ابن إسحاق من طريق فيه متهم، لكن جاء الحديث عند ابن أبي حاتم في تفسيره من وجه آخر يقويه.
[ ١١٣ ]
ولكن الرسول -ﷺ- لم يفقد الأمل، ولم تضعف عزيمته فأعاد الوليمة ثانية في الغداة، فلما اجتمعوا قال لهم: "ما أعلم أن إنسانًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، لقد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ ".
فأعرضوا عنه، وهموا بتركه.
وكان عجيبًا أن ينهض علي وهو لا يزال صبيًّا، فيقول يا رسول الله، أنا حرب على من حاربت. وحينئذٍ ابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم، وأخذ نظرهم يتنقل بين أبي طالب وابنه، ويقولون لأبي طالب في سخرية: لقد أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه. ثم انصرفوا مستهزئين١.
على أن استخفافهم هذا لم يقعده عن عزمه، ولم يسلمه إلى يأس؛ بل انتقل بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعًا.
واتجه رسول الله -ﷺ- نحو الصفا٢ يومًا، وصعد إلى أعلاه ونادى: "يا معشر قريش"، فقالت قريش: محمد على الصفا ينادي، وأقبلوا عليه يسألونه عن حاجته. فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم. أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة -وأخذ ينادي على باقي القبائل- إني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة
_________________
(١) ١ ذكر طرق هذه الحادثة في إعادة الوليمة في اليوم الآخر، وكلام علي، الحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٣٩-٤٠ وعزاها للبيهقي في "الدلائل"، وابن أبي حاتم في تفسيره، وأحمد في المسند، وكأنه ذهب لتحسينها، والذي أراه تحسينها أيضًا، والله أعلم. ٢ الصخرات التي قرب الكعبة، حيث بداية السعي.
[ ١١٤ ]
نصيبًا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله".
وهنا صاح أبو لهب، وكان رجلًا بذيئًا سريع الغضب: تبًّا لك سائر هذا اليوم ألهذا جمعتنا؟.
فسكت محمد -ﷺ- ونظر إليه نظرة يملؤها الأسى والأسف، ثم لم يلبث أن نزل الوحي عليه بقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَ﴾ ١.
وهكذا دمغه الوحي بهذه الآيات البينات التي كانت بمثابة التشجيع للنبي محمد -ﷺ- كما كانت سابقة فأل ومقدمة بشارة بأن الله سينصر الحق على الباطل، ويتم نوره ولو كره المشركون.
ولم يكن ذلك الموقف العدائي من مشركي مكة ليهدئ من حماس الرسول -ﷺ- للدعوة والتفاني في سبيلها؛ بل كان حافزًا قويًّا على النشاط في إذاعتها والمضي في سبيل انتشارها، مؤمنًا كل الإيمان، واثقًا كل الثقة بأن يدي أبي لهب هالكتان، وأنه لن يتمكن من العبث بالدعوة والوقوف في سبيل انتشارها بين أهل مكة، ولقد أسلم من زهد في الدنيا، ومن لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن النظر في هذه الدعوة الجديدة، التي كانت قائمة على التسامح والمحبة والعطف والمودة، والتي كان شعارها الحرية الحبيبة إلى نفس كل عربي يسكن شبه الجزيرة العربية، فلا سلطان لغير الله وحده، أما هبل واللات والعزى وغيرها من الأصنام فهي لا تنفع ولا تضر، بل ولا تغني عن نفسها شيئًا.
_________________
(١) ١ هذا هو الحديث الذي قدمته قبل قليل عن ابن عباس، وذكرت صحته، ولكن ليس فيه ولا في غيره ما يدل على أنه وقع بعد قصة علي الماضية. وإن كان لا يخفى أنه -ﷺ- قد دعا قومه طوال تلك الفترة لمرات كثيرة.
[ ١١٥ ]
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ١.
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية ١٦. ٢ سورة الأنعام، الآية ١٧. ٣ سورة الحج، الآية ٧٣.
[ ١١٦ ]
موقف قريش من النبي -ﷺ- وأصحابه:
وكان من الطبيعي أن تقف قريش من الدعوة الإسلامية موقف العداء السافر، لأنها رأت فيها الخطر الداهم الذي يهدد كيانها المادي والأدبي، فلقد كانت الكعبة مركز عبادة الأصنام، وكانت محج العرب ومورد ثروتهم، وكان زعماء قريش يستمدون مجدهم وفخارهم وعزهم وعظمتهم على سائر الناس من صلتها بالبيت الحرام، وقيامهم على حراسة الأصنام وسقاية الحجاج، كما كانوا يعتبرونها مورد رزق وينبوع ثروة بالتجارة التي يحترفونها، فانتصار محمد -ﷺ- معناه ضياع سلطانهم الأدبي والمادي وهو أعز ما يعتمدون عليه في حياتهم، لذلك عظم الأمر واشتد، فصممت قريش على أن تقف من محمد -ﷺ- موقف
[ ١١٦ ]
الحزم والصرامة، وأن تعمل على قتل الدعوة الإسلامية باضطهاد صاحبها ومن اتبعه.
فأما موقفهم من الرسول -ﷺ- فقد أفاضت كتب السيرة في سرد المساءات التي لقيها الرسول -ﷺ- منهم١. ونضرب لذلك بعض الأمثلة عسى أن يكون فيها عبرة وتبصرة، وعسى أن تكون درسًا عمليًّا يعلم الناس كيف يكون الصبر على البأساء والضراء، وكيف تكون التضحية المخلصة من أجل المبدأ والعقيدة.
فمن ذلك ما روي عن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله -ﷺ- في السوق يقول: "أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبه، ويقول: لا تطيعوا محمدًا فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟
قالوا: محمد وعمه أبو لهب٢.
وكذلك ما فعلته زوج أبي لهب وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، فكثيرًا ما كانت ترمي الشوك في طريقه، وتلقي بالقاذورات النجسة أمام بيته، ولم تترك عملًا فيه إيذاء للرسول -ﷺ- إلا وفعلته، حتى لم تكتف بهذا الإيذاء العملي، بل كانت تسب الرسول -﵊- وتذمه، وتوقع العداوة بينه وبين
_________________
(١) ١ انظر "الروض الأنف" ٢/ ٤ وما بعدها، و"المواهب اللدنية" ١/ ٢٢٥ وما بعدها، "تاريخ ابن الأثير" ٢/ ٤٢ وما بعدها، "دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٢٧٤ وما بعدها، ولأبي نعيم ٢٧٠ وما بعدها، "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٠٠ وما بعدها. "البداية والنهاية" ٣/ ٤٢ وما بعدها. ٢ أخرجه أبو نعيم، كما في "جامع المسانيد والسنن" ٦/ ٤٧٦، والطبراني في "المعجم الكبير" ٨١٧٥، والدارقطني في سننه ٣/ ٤٤ وابن حبان في صحيحه ٦٥٦٢، والحاكم ٢/ ٦١١ وغيرهم وهو حديث حسن صحيح. وانظر "مجمع الزوائد" ٦/ ٢٣، و"المطالب العالية" ٤٢٧٧. وقد عزاه لابن أبي شيبة و"دلائل النبوة" ٥/ ٣٨٠ للبيهقي. والنسائي في "القسامة" ٨/ ٥٥.
[ ١١٧ ]
الناس١. فأنزل الله في شأنها من كتابه الكريم ما يدل على ما ينتظرها يوم القيامة من سوء المصير، حيث يقول:
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ٢.
أما أبو جهل -لعنه الله- فكثيرًا ما أساء إلى الرسول -ﷺ- وقد ألقى عليه مرة أثناء صلاته ورحم شاة مذبوحة، فتحمل الأذى، وذهب إلى بنته فاطمة -﵂- فأزالت عنه النجاسة والأقذار٣، ونهى الرسول -ﷺ- عن الصلاة في البيت الحرام. فلما لم ينته، تعرض له بالمنع. فقابل الرسول -ﷺ- عمله بالشدة وهدده.
فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا ومنزلًا؟
فرد الله تعالى عليه تهديدًا ووعيدًا: ﴿كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَه، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ، كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ٤.
وكان عقبة بن أبي معيط يجاور رسول الله -ﷺ- في منزله، ومما صنعه ذلك
_________________
(١) ١ انظر المراجع في الحاشية السابقة. ٢ سورة تبت، الآيتان ٤-٥. ٣ أخرجه البخاري ٦ / ١٠٦، ومسلم ص: ١٤١٩. ٤ سورة العلق، الآيات: ١٥-١٦-١٧-١٨-١٩. والحديث أخرجه الترمذي ٣٣٤٦ وقال: حسن غريب صحيح، وأحمد في "المسند" ٢٣٢١، ٣٠٤٥، وهو حسن صحيح كما قال الترمذي. وقد عزاه السيوطي في "الدر" ٦/ ٦٢٦ لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبي نعيم، والبيهقي والترمذي وأحمد. قلت: وقد أخرج مسلم في صحيحه رقم ٢٧٩٧ وغيره من حديث أبي هريرة نحوه.
[ ١١٨ ]
الشقي: ما رواه البخاري١ في صحيحه قال: بينما يصلي النبي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله -ﷺ- فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر، حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي -ﷺ- وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُم﴾ ٢.
وكان الأسود بن عبد المطلب ابن عم السيدة خديجة كان هو وحزبه إذا مر عليهم المسلمون يتغامزون بهم سخرية واستهزاء. وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ ٣.
وكان الوليد بن المغيرة عم أبي جهل من أكابر قريش في المركز الاجتماعي والمادي، وكان كذلك من أكابر المجرمين الذين كادوا للرسول صلوات الله وسلامه عليه٤.
سمع القرآن مرة من النبي -ﷺ- فقال لقومه: والله لقد سمعت من محمد كلامًا، ما هو من كلام الإنس ولا الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو وما يعلى عليه.
_________________
(١) ١ صحيحه رقم ٣٦٧٨، وانظر "فتح الباري" ٧/ ٢٢، ٧/ ١٦٥، ٨/ ٥٥٣. و"دلائل النبوة" ٢/٢٧٥ للبيهقي، وما ذكرت من مراجع هذا الفصل فيما مضى. ٢ سورة المؤمنون، الآية ٢٨. ٣ سورة المطففين، الآيتان: ٢٩-٣٠. وقد روي عن ابن عباس قال: "الذين أجرموا": الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث. "تفسير القرطبي" ٢٠/ ٢٦٧، و"مجمع الزوائد" ٧/ ٤٧ وقد ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ . وقد ذكر فيهم الأسود بن المطلب وهو الصواب كما عند ابن الأثير ٢/ ٤٦- ٤٧ أيضًا وغيره. ٤ انظر الحاشية السابقة.
[ ١١٩ ]
فقالت قريش: صبأ١ والله الوليد. لتصبأن قريش كلها.
فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. ثم توجه إليه وجلس أمامه حزينًا، وكلمه بما حمسه ضد محمد -ﷺ- مما جعل الوليد يأتي القوم في ناديهم ويخاطبهم قائلًا: أتزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يهوس، وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن، وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط؟ وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟
فقالوا في ذلك: اللهم لا. ثم قالوا: فما هو؟ ففكر قليلًا ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه فرق بين الرجل وأهله وولده؟
فاهتز النادي فرحًا بهذا الرأي الذي سيفرق بين محمد وعشيرته، وسيباعد بينه وبين الناس، وأنزل الله ردًّا عليه في آيات بينات مخاطبًا الرسول -ﷺ:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٢.
وغير هؤلاء وهؤلاء، وممن عميت بصائرهم وطمس الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، وقد هلكوا جميعًا بعد الهجرة؛ فمنهم من قتل ومنهم
_________________
(١) ١ بدّل دينه. ٢ سورة المدثر، الآيات ١١-٢٦. والقصة هذه رويت من وجوه مرسلة وأخرى معضلة عند ابن إسحاق ١/ ٢٧٠ وأبي نعيم في "الدلائل" رقم ١٨٣-١٨٤-١٨٥، والبيهقي، وغيرهم، وسندها جيد قوي.
[ ١٢٠ ]
من ابتلاه الله بالأمراض الفتاكة فقضت عليه.
وأما عن موقفهم من أصحاب الرسول -ﷺ- الذين اتبعوه وأيدوه، فقد كانوا أشد قسوة وعنفًا.
وحسبنا ما روي عن بلال بن رباح -﵁- فقد لاقى من أميه بن خلف أنواعًا من الأذى، وألوانًا من التعذيب لا يصبر عليها إلا مؤمن قوي الإيمان، فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه سيده على وجهه وظهره، ثم يضع حجرًا على صدره، ويقول له: ستظل هكذا حتى تكفر بمحمد وتؤمن باللات.. ولكنه احتمل كل هذه الآلام، وصبر على الأذى والنكال، وكلما التمسوا منه جوابًا، لا يرد عليهم إلا بتلك الكلمة التي ملكت نفسه ومشاعره: أحد، أحد.
وقد رآه أبو بكر يومًا يقاسي أشد العذاب. فقال لسيده أمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ فقال: أنت أفسدته وفتنته عن دين آلهتنا وعبادة أصنامنا.. فعرض عليه أبو بكر ثمنًا له، وما زال يساومه حتى اشتراه وأعتقه في سبيل الله بعد أن خلصه من تعذيب سيده١.
وفي هذا نزل قول الله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٢.
_________________
(١) ١ جاءت قصة بلال هذه مطولة ومختصرة، ومن وجوه كثيرة، وانظر "سيرة ابن هشام" ١/ ٣١٨ و"الاستيعاب" ٢/ ٢٣، وابن سعد ٣/ ١٦٥١١، و"حلية الأولياء" ١/ ١٥٠. ٢ سورة الليل، الآيات ١٤-٢١ وقد جاءت في سبب نزولها غير ما ذكر المصنف، وانظر "الدر المنثور" ٦/ ٦٠٦-٦٠٧.
[ ١٢١ ]
والمقصود بكلمة الأشقى في الآية الكريمة هو أمية بن خلف، والأتقى هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه١.
وقد نبه الله -﷿- إلى أن بذل أبي بكر الصديق لماله في شراء بلال وغيره، لم يكن إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى وكفى بهذا شرفًا وفضلًا.
وما روي عن عمار بن ياسر وأبيه وأمه -رضوان الله عليهم- فلقد كان أبوه ياسر حليفًا لبني مخزوم، ولما كان عمار وأبوه وأمه واقعين تحت نفوذ المشركين من بني مخزوم، فإنهم أوقعوا بهم من العذاب ما لا طاقة لأحد به، فكانوا إذا اشتدت حرارة الشمس ألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس.. ويا لها من قسوة بالغة إذا عرفنا حر مكة في فصل الصيف، ولقد مر بهم رسول الله -ﷺ- وهم في العذاب فقال لهم: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة. أبشروا آل عمار وآل ياسر، فإن موعدكم الجنة" ٢.
وقد مات ياسر في العذاب، أما امرأته سمية فقد أغلظت القول لأبي جهل
_________________
(١) ١ قد جاء أن الأتقى هو أبو بكر، عن عروة بن الزبير، عند ابن أبي حاتم، وعن عبد الله بن الزبير، عند الحاكم وصححه. وعن الزبير، عند البزار وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن عدي وغيرهم. وعن ابن عباس، عن ابن مردويه. كما ذكر جميع ذلك في "الدر المنثور" ٦/ ٦٠٧. وأما الأشقى فالصحيح عموم القصد، وأن المقصود بذلك كل من كذب بالإسلام وعصى أوامره. كما جاء ذلك في حديث أبي أمامة موقوفًا ومرفوعًا. على أن عموم اللفظ لا يمنع من خصوص السبب. والله أعلم. ٢ القصة صحيحة، وانظر "المستدرك" ٣/ ٣٨٨، و"دلائل النبوة" ٢/ ٢٨٢ للبيهقي، و"مجمع الزوائد" ٩/ ٢٩٣ للهيثمي، و"الاستيعاب" ٤/ ٢٣٠، و"الإصابة" ٤/ ٣٣٥، و"الكامل" ٢/ ٤٥ لابن الأثير، وغير ذلك. وانظر الآتي.
[ ١٢٢ ]
مرة، فطعنها في قبلها بحربة في يده فماتت، وشددوا العذاب على عمار بتعريضه للشمس المحرقة بين صخور مكة ورمالها تارة، وبوضع الصخر على صدره تارة أخرى، قائلين له: لا تُترك حتى تسب محمدًا وتقول في اللات والعزى خيرًا ففعل فتركوه. فأتى النبي -ﷺ- يبكي، فقال: "ما وراءك؟ " قال: شر يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا، وقص عليه الخبر، فقال: "فكيف تجد قلبك؟ " قال: أجده مطمئنًا بالإيمان، فقال: "يا عمار إن عادوا فعد"، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ ١.
وكذلك ما روي عن خباب بن الأرت -﵁- فلقد كان من السابقين في الإسلام، وكان رسول الله -ﷺ- يحبه ويألفه قبل النبوة، ولما أسلم أخذه الكفار وسحبوه على وجهه وعذبوه عذابًا شديدًا، فنزعوا ثوبه عن جسده وألقوه على الرمضاء وجاءوا بالحجارة المحماة ووضعوها على ظهره، ولووا رأسه، كل من أجل أن يعود في الكفر ولكنه لم يجبهم إلى شيء مما أرادوا، ولم يزده التعذيب إلا إيمانًا وتثبيتًا٢.
ولقد اشتكى إلى الرسول -ﷺ- مما يقاسيه في سبيل الله طالبًا منه التوجه إلى الله
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية ١٠٦. وقد عزا السيوطي القصة من حديث ابن عباس لابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه. ومن حديث عمار لعبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الدلائل". ومن حديث محمد بن سيرين، وأبي مالك، وأبي المتوكل، ومجاهد وغيرهم، عزاه لجماعة، كما في "الدر المنثور" ٤/ ٢٤٩-٢٥٠ وانظر ما مضى. ٢ جاءت قصة تعذيبه من وجهين مرسلين، عن الشعبي وقتادة، كما في "أسد الغابة" ٢/ ١٠٣، ومن وجه ثالث مرسل عن عروة بن الزبير، ورابع عن أبي ليلة الكندي، عند ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ١٦٥. وهذه الوجوه يشد بعضها بعضًا. وانظر الآتي. و"الكامل" ٢/ ٤٦، و"البداية" ٣/ ٦٠ وغير ذلك.
[ ١٢٣ ]
لكي يكشف عن المسلمين هذا الكرب والبلاء، فضرب له الرسول -ﷺ- مثلًا مما كان يصيب المؤمنين السابقين وطمأنه على مستقبله ومستقبل المسلمين، وفي ذلك يقول خباب: شكونا إلى رسول الله -ﷺ- وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقلنا: يا رسول الله، ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له حفرة فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فوق رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" ١.
بل لقد كان ممن أوذي في الله، أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- على الرغم من مكانته في قريش، فلقد وجه إليه المشركون كثيرًا من الأذى والعنت حتى خرج مهاجرًا إلى الحبشة، فلقيه ابن الدغنة وهو من سادات العرب، فسأله: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي. وإني أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
فقال: مثلك يا أبا بكر لا يخرج، وأنت في جواري وحماي.
فرجع مع ابن الدغنة، وعرفت قريش أن أبا بكر في جواره وحماه فطلبت قريش من حامي الصديق أن يأمره بعبادة ربه في داره، ولا يجهر بصلاته وقراءاته، وقالوا: إنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فلبث أبو بكر في داره يعبد ربه، ثم بدا له أن يبني مسجدًا بفناء داره، فبناه وكان يصلي ويقرأ القرآن، فيهرع إليه نساء المشركين وأبناؤهم ينظرون إليه
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه ٨/ ٣٢٧. وغيره. وانظر "البداية والنهاية" ٣/ ٥٩ -٦٠، وتعليق الحافظ ابن كثير على هذا الحديث.
[ ١٢٤ ]
ويستمعون إلى ما يقرأ -وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن- فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة وقالوا له: إن أبا بكر قد أخل بالشروط، فابتنى مسجدًا، وأسمع الناس صلاته وقراءته، وقد خشينا الفتنة على نسائنا وأبنائنا. فأتى ابن الدغنة أبا بكر وقال له: إما أن تلتزم شرط الجوار وإما أن تُرجِعَ إليَّ ذمتي.
فقال أبو بكر: إني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله١، وكان ذلك سببًا في أن لحق بأبي بكر الكثير من الأذى والاضطهاد.
هذا إلى جانب ما كانوا يسمعونه من فحش القول واللغو من الكلام أينما كانوا، فلم يزدهم إلا استمساكًا بدينهم وحرصًا على عقيدتهم، ولا غرو، فهم لم يدخلوا في دين الله لغرض دنيوي يرجون حصوله، بل شرح الله صدورهم للإسلام، وخالطت بشاشته قلوبهم.
وهكذا كانت تلك الفترة من أروع الفترات في تاريخ الإسلام والمسلمين. وكان هؤلاء الأبطال مُثلًا عليا في التضحية والفداء وقوة العزيمة وثبات الإرادة، فضربوا للناس الأمثال، وخلدوا ذكرهم بجلائل الأعمال، ورسموا لأصحاب المبادئ السامية كيف يجاهدون في سبيل الله، وكيف يعملون لنصرة الحق وهزيمة الباطل.
ومن خلال هذه الفترة الرهيبة التي مرت بالرسول -ﷺ- لجأ المشركون إلى طريقة الإغراء والترغيب، وظنوا أنهم سوف يستطيعون أن يفتنوا محمدًا -ﷺ- عن دينه أو يحولوه عن وجهته.
_________________
(١) ١ قصة أبي بكر هذه مع ابن الدغنة، ذكرها ابن إسحاق في السيرة عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وصرح بالتحديث كما في "البداية" ٣/ ٩٣-٩٤ عنه. ثم ذكر له فيها إسنادًا آخر. والإسنادان قويان صحيحان. وقد أخرجه عن ابن إسحاق جماعة.
[ ١٢٥ ]
ولكن لم يعبأ محمد -ﷺ- بكل ما قدموه من مغريات ومرغبات، بل لقد وضعها جميعًا تحت قدميه وآثر المضي في طريقه ما فيه من متاعب وآلام. ويروون في ذلك أن عتبة بن ربيعة جاء إلى رسول الله -ﷺ- فقال له: يابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم. فاسمع مني أعرض عليك أمورًا لعلك تقبل بعضها، إن كنت تريد بهذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تصير أكثرنا مالًا.. وإذا كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ.
فلما فرغ من قوله تلا عليه محمد -ﷺ- سورة السجدة، وأنصت عتبة إلى هذا الكلام المعجز والأسلوب الفريد، ثم تأمل في شخص محمد -ﷺ- فرأى أمامه رجلًا مكتمل العقل ناضج الفكر لا مطمع له في مال ولا في تشريف ولا في ملك، وإنما يدلي بالحق ويدعو إلى الخير ويدفع بالتي هي أحسن، فانصرف عتبة إلى قريش مأخوذًا بجمال ما رأى وما سمع، مفتوحًا بعظمة هذا الرجل وسحر بيانه، فلما أفضى إليهم بما انطبع في نفسه نحو محمد من إعجاب وتقدير، غضبوا عليه وسخروا منه وقالوا له: سحرك محمد يا أبا الوليد١.
وكما لجأوا إلى محمد -ﷺ- يستميلوه ويغرونه، فقد لجأوا إلى عمه أبي طالب يوغرون صدره على ابن أخيه حتى يتخلى عن نصرته - وذلك أن رجالًا من أشراف قريش وفي مقدمتهم أبو سفيان بن حرب مشوا إلى أبي طالب فقالوا: يا
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" رقم ١٨٢، ١٨٥ عن جابر وابن عمر، وهو عند ابن أبي شيبة في "المصنف" ١٨٤٠٩، عن جابر، وكذلك هو عند البيهقي وابن إسحاق ١/ ٢١٧ عن محمد بن كعب القرظي، فالقصة قوية باجتماع هذه الوجوه. وانظر "مجمع الزوائد" ٦/ ٢٠ وقد عزاه لأبي يعلى، و"الخصائص" ١/ ٢٨٤.
[ ١٢٦ ]
أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه؟
فردهم أبو طالب ردًّا جميلًا، ولكن محمدًا مضى في طرق إعلان دعوته، وازداد مضيه وإقدامه يومًا بعد يوم، فمشت قريش إلى أبي طالب مرة ثانية وأخذوا معهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، وكان أنهد فتى في قريش وطلبوا إليه أن يسلم إليهم محمدًا ويتركوا له عمارة ليتخذه ولدًا، فسخر أبو طالب من رأيهم ولم يجبهم إلى طلبهم.
ولما نفد صبرهم وأعيتهم الحيل وطفح الكيل ذهبوا إلى أبي طالب مرة ثالثة منذرين متوعدين. فقال له: يا أبا طالب إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا، وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإننا والله لا نصبر على هذا من شَتمِ آباءنا وتسفيهِ أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين.
وقد وجم أبو طالب أمام هذا الموقف الخطير الذي صممت عليه قريش وأصابه هم عظيم. ولا غرو فقد أصبح بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن يترك ابن أخيه لقريش تنزل عليه النقمة والعذاب، وتفعل ما تشاء حتى تقضي على دعوته، وإما أن يقف وجهًا لوجه أمام قريش في حرب دامية لا يدرك مداها، ولا تعرف نهايتها ومن أجل ذلك كله فإنه استدعى محمدًا -ﷺ- وقص عليه الموقف الأخير الذي انتهت إليه قريش، ثم قال له: فأبق علي وعلى نفسك يابن أخي ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
وهنا يتجلى الإيمان في أروع صوره وأسمى مظاهره، ذلك بأن محمدًا -ﷺ
[ ١٢٧ ]
توقع أن عمه سيخذله أمام هذا الضغط العنيف من قريش ويسلمه إليهم، فنظر في هذا الأمر من خلال المعاني العميقة التي انطبعت في نفسه بعد نزول الوحي عليه، والحصانة القوية التي أفرغتها العناية الإلهية في قلبه، وحينئذٍ هان كل شيء في هذا الوجود أمام أداء تلك الرسالة الكبرى التي كرمه الله بها وقال كلمته المأثورة: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته".
وقد عجب أبو طالب لهذا الموقف الرائع من ابن أخيه، وثارت في نفسه عاطفة قوية غلابة لمؤازرته في هذه المحنة الأليمة، فقال له -وقد رآه يخرج وينصرف: أقبل. ثم قال له: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت. فوالله لا أسلمك لشيء تكرهه أبدًا.
أجل، أصر أبو طالب على الدفاع عن ابن أخيه، محمد -ﷺ- وأخبر بني هاشم وبني المطلب عن قول محمد -ﷺ- وموقفه ثم دعاهم إلى حمايته، وطلب منهم أن يمنعوه من قريش، فاستجابوا له جميعًا، إلا أبا لهب فإنه أمعن في غيه وضلاله وصارحهم بالعداوة للدعوة الإسلامية وصاحبها وأنصارها.
وفي ذلك يقول أبو طالب من قصيدة طويلة:
ولما رأيت القوم لا ودّ فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة وأبيض عضب من تراث المقاول
[ ١٢٨ ]
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي وأمسكت من أثوابه بالوصائل١
_________________
(١) ١ ذكر جميع هذه القصة بفصولها ابن هشام في "السيرة" ١/ ٢٨١-٢٨٦. وذكر إسناده ابن إسحاق فيها، وهو ضعيف. لكن الذي عنده في آخر القصة أن المطعم بن عدي، هو الذي خذله من بني عبد مناف، فقال يعرض به وبمن هو بمثله: ألا قل لعمر والوليد ومطعم ألا ليت حظي من حياطتكم بكر. من الخور حبحاب كثير رغاؤه يرش على الساقين من بوله قطر. إلى آخر الأبيات. ثم قال ابن إسحاق بعد صفحات: فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي يتعوذ فيها بحرم مكة، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم من شعره أنه غير مسلم رسول الله -ﷺ- ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه، فقال: ولما رأيت القوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل١ فذكر القصيدة. وهي تقع في نحو مائة بيت، ثم قال ابن إسحاق: هذا ما صح لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها. وفي "البداية" ٣/ ٨٦: والأشبه أن أبا طالب قال قصيدته اللامية بعد دخولهم الشعب أيضًا، فذكرها ههنا أنسب، والله أعلم.
[ ١٢٩ ]
هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة: ١
بدأت هذه الهجرة في السنة الخامسة من البعثة النبوية، وذلك بأن النبي -ﷺ- قد عز عليه أن يرى أتباعه يتعرضون للسخرية والازدراء حينًا، وللتعذيب والاضطهاد
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ١/ ٣٤٤، طبقات ابن سعد "١/ ٢٢٨ ترتيب الطبقات"، "المواهب اللدنية" ١/ ٢٤٠، "الروض الأنف" ٢/ ٦٩، "دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٢٨٥، "البداية والنهاية" ٣/ ٦٦، "الكامل" ٢/ ٥١ وغير ذلك. وقد جاءت أخبار هذه الهجرة من طرق كثيرة. وقد أخرج البيهقي عن موسى بن عقبة أن خروجهم للحبشة كان بعد حصار الشعب، وقد نقل هذا ابن كثير في "البداية" وقال: ٣/ ٦٧: في هذا نظر. ثم أطال ابن كثير في ذكر روايات وطرق هذه الهجرة.
[ ١٢٩ ]
حينًا آخر، فأشار عليهم بأن يتفرقوا في الأرض فرارًا بدينهم. فسألوه: أين نذهب؟ فأشار إلى الحبشة لأن فيها ملكًا لا يظلم أحد عنده. فخرج إليها بعض المسلمين، وكان خروجهم على مرتين، ففي المرة الأولى خرج أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، ومنهم عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة النبي -ﷺ- وعبد الرحمن ابن عوف وعثمان بن مظعون والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وقد خرجوا متسللين سرًّا، ولما وصلوا إلى البحر الأحمر ركبوا سفينة أوصلتهم إلى الحبشة فأقاموا في خير جوارٍ من النجاشي، ولكنهم رجعوا بعد ثلاثة أشهر إلى مكة لأن الإقامة لم تيسر لهم، ولأنهم علموا أن المسلمين في مكة قد أصبحوا في مأمن من قريش بعد إسلام حمزة وعمر
وكانت هذه الفترة القصيرة التي قضاها هذا العدد القليل من المسلمين في الحبشة ذات أثر بالغ في مستقبل الدعوة الإسلامية، فلقد أقنعت المشركين أن أتباع محمد -ﷺ- يقابلون الصعاب بصدر رحب من أجل دينهم، وأنهم مصممون على التضحية مهما عظمت في سبيل الله ورسوله -ﷺ.
[ ١٣٠ ]
إسلام حمزة وعمر:
وفي هذه الفترة العصيبة حيث كان المسلمون يحيط بهم الضعف والخوف ويئنون من ظلم المشركين وطغيانهم، ولا يجدون ملجأ من البأساء إلا إلى الضراء. في هذه الفترة أسلم حمزة بن عبد المطلب عم الرسول -ﷺ- وأسلم من بعده بأيام معدودة عمر بن الخطاب -﵁- فكان إسلامهما فتحًا وأساسًا متينًا، أعز الله به الإسلام والمسلمين.
[ ١٣٠ ]
فأما عن إسلام حمزة: فقد كان في مبدأ أمره عن حمية واندفاع بسبب العصبية القبلية التي كانت تمتلئ بها نفوس العرب في ذلك الحين؛ ولكن لم يلبث أن شرح الله صدره للإسلام فمضى في طريق الحق لا يخشى فيه لومة لائم، وجاهد في سبيل الله حتى قضى نحبه ولقي ربه.
وقد كان إسلام حمزة في السنة السادسة من البعثة النبوية، وذلك أن أبا جهل مر بمحمد -ﷺ- يومًا عند الصفا، فسبه وشتمه وأسمعه ما يكره فأعرض عنه النبي -ﷺ- ولم يرد عليه بكلمة، وكان حمزة رجلًا قويًا ذا ولع بالصيد فلما رجع من صيده في ذلك اليوم علم بما أصاب ابن أخيه من سفاهة أبي جهل، فامتلأ غضبًا وذهب إلى الكعبة ولم يقف مسلمًا على أحد ممن كان عندها، وقصد أبا جهل فهجم عليه وقال له: كيف تسب محمدًا وأنا على دينه؟ وضربه بقوسه وتحداه.
وأراد رجال من بني مخزوم أن ينصروا أبا جهل، فمنعهم حسمًا للشر، معترفًا بما وقع منه لمحمد. ثم أعلن إسلامه وعاهد النبي -ﷺ- على النصرة والتضحية في سبيل الله حتى نهاية حياته١.
تألمت قريش وأصابها هم عظيم بإسلام حمزة، فقد عرفت أن رسول الله -ﷺ- عز وامتنع بإسلام هذا البطل.
وأما عن إسلام عمر: فقد كان عمر بن الخطاب -﵁- في مبدأ أمره
_________________
(١) ١ ذكر هذه القصة ابن إسحاق بسند ضعيف منقطع، كما عن ابن هشام ١/ ٣١٢، وأسندها البيهقي عن ابن إسحاق في "الدلائل" ٢/ ٢١٣، وكذلك شيخه الحاكم ٣/ ١٩٢-١٩٣. لكن جاءت القصة من وجهين آخرين مرسلين عند الطبراني ٢٩٢٥، ٢٩٢٦ عن محمد بن كعب القرظي، والأخنس بن شريق، فتتقوى هذه المراسيل ببعضها.
[ ١٣١ ]
من ألد أعداء الإسلام، وأشد الناس خصومة لرسول الله -ﷺ- وللمسلمين.
ولقد صمم يومًا على قتل الرسول -ﷺ- ليقضي على الدعوة الإسلامية ولكن الله أراد به الخير فشرح صدره للإسلام. ثم لم يلبث أن صار من أحب الناس لرسول الله -ﷺ- وأشدهم تفانيًا في نصرة الحق وإعلاء الدين الحنيف، وإليك ما ذكره المؤرخون عن إسلامه:
خرج عمر يومًا متوشحًا بسيفه يريد رسول الله -ﷺ- فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدًا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامهم وعاب دينها وسبَّ آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فقال: وأي أهل بيتي؟ قال: ابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب زوجته، فقد -والله- أسلما وتابعا محمدًا على دينه، فعليك بهما. فرجع عامدًا إلى أخته وزوجها وعندهما خباب ابن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه يقرئهما إياها.
فلما سمع صوت عمر اختفى خباب في البيت وأخفت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئًا. قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه.
وبطش بسعيد بن زيد فقامت فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها.
فلما فعل ذلك قالت أخته وزوجها: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك.
فلما رأى عمر ما بأخته من آثار الضرب، ندم على ما صنع، فارعوى وقال:
[ ١٣٢ ]
لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءونها، لأنظر ما هذا الذي جاء به محمد. فقالت له أخته: إنا نخشاك عليها.
قال: لا تخافي. حلف لها بآلهته ليردنها إليها إذا قرأها؟ فقالت له أخته: إنك نجس ومشرك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام فاغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها سورة طه.
فلما قرأ منها قدرًا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه.
فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه -ﷺ- فإني سمعته وهو يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب". فالله الله يا عمر.
فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم؟
فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا ومعه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله -ﷺ- وأصحابه فضرب عليهم الباب.
فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ- فنظر من خلل الباب فرآه متوشحًا بالسيف، فرجع إلى رسول الله -ﷺ- وهو فزع، فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحًا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له فإن كان يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان يريد شرًّا قتلناه بسيفه.
فقال رسول الله -ﷺ-: "إئذن له". فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله -ﷺ- حتى لقيه بالحجرة، فأخذ بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة، وقال: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة".
فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله.
[ ١٣٣ ]
فكبر الرسول تكبيرة عرف بها أهل البيت من أصحاب الرسول -ﷺ- أن عمر قد أسلم١. وهكذا تم إسلام عمر في جو مليء بالإخلاص والإيمان.
ويتحدث عمر بن الخطاب عما فعله بعد ذلك فيقول: ثم جئت إلى خالي أبي جهل عمرو بن هشام -وكان شريفًا- فقرعت عليه الباب، فقال: ما هذا؟ فقلت: ابن الخطاب وقد صبأت -أي دخلت في الإسلام- فدخل وأغلق الباب دوني.
فذهبت إلى رجل من عظماء قريش وأخبرته بدخولي في الإسلام فأغلق الباب دوني ولم يصبني بسوء، فقلت: ما هذا؟ إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب، فقال لي رجل: أتحب أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم. قال: فإذا جلس الناس في الحجر، فأتِ فلانًا فقل له، فإنه لا يكتم السر.
فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر، فقلت لذلك الذي سماه لي الرجل: إني قد صبأت، قال: أو قد فعلت؟ قلت: نعم. فنادى بأعلى صوته: إن ابن الخطاب قد صبأ.
فتبادروا إلي فما زلت أضربهم ويضربونني. واجتمع الناس. فأجارني خالي
_________________
(١) ١ قد جاءت قصة إسلام عمر من أوجه متعددة ذكرها ابن إسحاق، ونقلها عنه الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ٣/ ٧٩-٨٠-٨١. أخرجها كذلك أبو نعيم في "دلائل النبوة" رقم ١٩٢ عن ابن عباس، عن عمر، وذكر فيها أنه أسلم بعد حمزة بثلاثة أيام، وفي سند أبي نعيم ضعف، لكنه يتقوى بطرق ابن إسحاق. وانظر "الإصابة" ٤/ ٣٧٠، و"فتح الباري" ٨/ ٤٧، و"الحلية" ١/ ٤٠، و"المواهب اللدنية" ١/ ٢٤٢ وما بعدها.
[ ١٣٤ ]
أبو جهل، فرددت عليه جواره، وما زلت في نزاع وخصام مع أعداء الله حتى أعز الله الإسلام١.
وتتعدد الروايات حول إسلام عمر. ولكنها تتفق جميعًا على أن عمر خرج يريد شرًّا لرسول الله -ﷺ- أو على الأقل لم يكن يريد الدخول في الإسلام ولكن الله وجهه وهداه، فكان إسلامه فتحًا ونصرًا كبيرًا وحدثًا قويًّا اهتزت له قريش خوفًا وفزعًا.
وفي الحق لقد قوي المسلمون واشتد ساعدهم بدخول حمزة وعمر بن الخطاب -﵄- في الإسلام، لما كان عليه من الشجاعة والإقدام، ولما كان لهما في مكة من مكانة ممتازة، ولا سيما عمر، فقد كانت قريش تخافه وتهابه، ولذلك اهتزت قلوبهم هلعًا وضاقوا بإسلامهما ذرعًا، فسلكوا سياسة عنيفة مليئة بالأحداث الجسام للقضاء على هذه الفئة المسلمة مما أدى إلى الهجرة الثانية لبلاد الحبشة.
_________________
(١) ١ قد أخرج ابن إسحاق هذه الواقعة عن عمر مع بعض اختلاف، ولفظه: حدثني نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث. فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. فغدا عليه، فغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في الإسلام. فوالله ما راجعه، حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر، واتبعته أنا، حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. وعمر يقول من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم ثم ذكر بقية الخبر، وأن العاص بن وائل السهمي قال لمن اجتمع عليه: رجل اختار لنفسه أمرًا، فما تريدون، أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا، فعندها تركوه، قال الحافظ ابن كثير في "البداية" ٣/ ٨٢ بعد أن ساقها من طريق ابن إسحاق: وهذا إسناد جيد قوي.
[ ١٣٥ ]
قصة الغرانيق:
قصة الغرانيق قصة مشهورة، وقد كثر فيها كلام الكتاب والباحثين المعاصرين. ومن العجيب أن بعض المراجع المهمة كالطبري في تاريخه وابن سعد في طبقاته، وابن الأثير في كتابه الكامل: قد أثبتت هذه القصة دون أن تعلق عليها بما يدل على بطلانها وفساد، مع أنها تحمل في طياتها ما يوهنها، بل ما يهدمها من أساسها١.
_________________
(١) ١ وأنا أذكر هنا، ملخص الكلام فيها قدر الإمكان فأقول: جاءت من أوجه متعددة: أ- عن سعيد بن جبير، عن ابن جرير ١٧/ ١٢٠ بسند صحيح لفظه: لما نزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ قرأها رسول الله -ﷺ- فقال: "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى" وسجد رسول الله -ﷺ. فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتكم بخير قبل اليوم، فسجد المشركون. فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول ﴾ الآيات ٥٢-٥٥ من سورة الحج، وكذلك أخرجه جماعة. وقد روي هذا الحديث موصولًا عند البزار والطبراني وآخرين عن سعيد عن ابن عباس، كما في تخريج "الكشاف" ٤/ ١٤٤ للحافظ ابن حجر، وفي سند الموصول ضعف. والراجح أن الصحيح الإرسال لا الوصل. ب- عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عند ابن جرير ١٧/ ١٢١ وغيره بسند صحيح، وهكذا أخرجه جماعة كما في "الدر المنثور" ٤/ ٣٦٧. ج- عن أبي العالية، عن ابن جرير ١٧/ ١٢٠ وغيره بسند صحيح. د- عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس بسياق مطول، عند ابن جرير ١٧/ ١١٩ بسند ضعيف. هـ- عن قتادة، عن ابن جرير ١٧/ ١٢٢ بسند صحيح إليه. وعن عروة بن الزبير، بسند ضعيف كما في "المجمع" ٦/ ٣٢ ٧/ ٧٠ للهيثمي. ز- عن أبي صالح، مرسلًا، وموصولًا عن ابن عباس، بإسناد واهٍ. ح- عن الضحاك مرسلًا أو معضلًا، بسند واهٍ. ط- عن محمد بن فضالة، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، عند ابن سعد ١/ ٣٧ ق بسند واهٍ. ي- عن ابن عباس عند ابن جرير ١٧/ ١٢٠ بسند واهٍ =
[ ١٣٦ ]
ومجمل هذه القصة أن محمدًا -ﷺ- لما رأى تجنب قريش إياه وإيذاءهم له ولأصحابه تمنى ألا ينزل عليه شيء من القرآن ينفرهم، فجلس يومًا في أحد أنديتهم حول الكعبة، فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] .
فقرأ بعد ذلك: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى"، ثم مضى إلى نهاية السورة كلها وسجد في آخرها عند قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وهناك سجد القوم جميعًا، ولم يتخلف منهم أحد، وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبي -ﷺ- وقالوا له: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، أما إذا جعلت لها نصيبًا فنحن معك، وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك في الناس حتى بلغ أرض الحبشة، فقال المسلمون بها: عشائرنا أحب إلينا. ورجعوا إلى مكة.
وتضيف الرواية أن محمدًا -ﷺ- قد كبر عليه قول قريش: أما إذا جعلت لنا
_________________
(١) = الخلاصة: والحاصل أن الحديث يحتج به من يقوي المراسيل ببعضها، إذا لم يكن فيها مخالفة. ويرده من رأى فيها اختلافًا. وكذلك يرده من لا يحتج بالمراسيل مهما كثرت. ومن هؤلاء: أ- ابن خزيمة صاحب الصحيح. ب- البيهقي صاحب الصحيح. ج- ابن العربي القاضي. د- القاضي عياض. هـ- الرازي الفخر صاحب التفسير. والقرطبي صاحب "الأحكام". ز- الشوكاني صاحب "النيل" وغيره. وغيرهم. وممن قوى القصة باجتماع الطرق الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٨/ ٣٥٤-٣٥٥ وآخرون على أنهم شبه متفقين على عدم صحة هذه القصة من وجه صحيح مسند كما نص على ذلك ابن كثير والشوكاني، وآخرون.
[ ١٣٧ ]
نصيبًا فنحن معك، وأنه جلس في بيته حتى إذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبي -ﷺ- سورة النجم. فقال جبريل: أو جئتك بهاتين الكلمتين؟ مشيرًا إلى: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى". فقال محمد -ﷺ- حينئذٍ: "لقد قلت على الله ما لم يقل "، ثم أوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ١.
وبذلك عاد يذكر آلهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وإيذاء أصحابه.
تلكم هي قصة الغرانيق في جملتها، وهي قصة واضحة الكذب، ولغة الوضع فيها ظاهرة ولذلك لم تنطل على كثير من العلماء والثقات أمثال محمد بن إسحق٢ والقسطلاني٣، فقالوا عنها: إنها من وضع الزنادقة. ولعل بعض المؤرخين الذين أثبتوها كانوا يؤمنون بفسادها، ولكنهم وضعوها في كتبهم لاستيفاء جميع الروايات التي وردت في الموضوع الذي يتعرضون له، مطمئنين إلى فطنة القارئ ويقظته. ولعلها دست إلى بعض هذه الكتب بعد موت أصحابها٤
وحسبنا في إبطال هذه القصة، أن نقرأ الآيات القرآنية في سورة النجم، لنرى
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآيات ٧٣-٧٤-٧٥. ٢ انظر كلامه في "فتح القدير" ٣/ ٤٤٧، و"تفسير الرازي" ٦/ ١٩٣، و"تفسير الآلوسي" ١٧/ ١٦١، و"الفتح" ٨/ ٣٥٤. ٣ قاله في "عمدة القاري" ٩/ ٤٧. ٤ هذا بعيد جدًّا، بل هو جهل مستطير، وقول مثل هذا بلا بينة، وحجة ماضية، يبطل كل ما جاء في الكتب لمجرد الدعوى.
[ ١٣٨ ]
أنها أبلغ رد على ما تدل عليه الجملتان الموضوعتان، وذلك حيث يقول سبحانه:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩-٢٣] .
فكيف يعقل أن تحشر -في هذه الآيات التي وضحت دلالتها على حقارة الأصنام وسفه من يقدسونها- جملتان ترفعان من شأن هذه الأصنام وتجعلان لها شفاعة مرجوة؟ ١
وكيف يمكن أن يسجد المشركون بعد أن يسمعوا هذه الآيات، وفيها طعن صريح على آلهتهم حيث يقول الله عنها: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: من الآية: ٢٣] .
وأما أن محمدًا -﵊- قد كبر عليه قول المشركين:
إنهم معه ما دام قد جعل لآلهتهم نصيبًا من الشفاعة فهذا كلام لا يتفق مع جوهر الدعوة الإسلامية ومبادئها العامة التي تحارب الشرك بكل مظاهره، والتي تقوم على التوحيد الخالص البعيد عن كل الوسطاء والشفعاء ٢.
_________________
(١) ١ وهذا الرد يصح فيما لو كان أن هذه الآيات نزلت جميعها دفعة واحدة، والذي في الأحاديث المرسلة الصحيحة الإسناد لمرسليها، ليس فيها ذلك، ثم هذا أيضًا لا يمنع من حصول ذلك عند من يقول أن هذا لم يكن عن قصد وإرادة، وعند من يقول كذلك أن ابليس هو الذي دسها بين السكتات، كما سيأتي، وأما ثبوت نزول النجم جميعها كما في البخاري، فذلك في قصة أخرى ولا مانع من التعدد، كما سيأتي ذكر ذلك. ٢ هذا مما لايختلف فيه اثنان، لكن من قال أن ذلك خرج من النبي -ﷺ- على وجه الإيمان والتصديق والقصد. حاشا لله أن يكون وقع ذلك حتى عند من يقول بصحة الواقعة. وإنما ذلك عندهم كما هو في صريح المنقول في هذه الأخبار أن الآيات قالت بعد ذلك ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي تكلم الشيطان بذلك وألقاه في الأسماع، فسمعه المشركون. أو أنه لقنه ذلك النبي -ﷺ- فقاله عن غير قصد - وفي الثاني بعد.
[ ١٣٩ ]
وأما أن الرسول -ﷺ- قد أوحى إليه بعد ذلك بتلك الآيات الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ ١.
فلا شك أن هذه الآيات لا تؤيد مثل هذا الادعاء ولا تفيد وقوع مثل هذا الافتراء لأن الله يقول: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ٢.
وما دام الله قد ثبته على الحق فقد حال بينه وبين الافتراء على الله والركون إلى أعداء الحق.
وأما ما ساقه هؤلاء الكاذبون الذين وضعوا هذه القصة من الاستشهاد على وقوعها بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٣.
وتفسيرهم التمني بالقراءة وتعزيزهم لهذا التفسير ببيت من الشعر يحكي قصة عثمان بن عفان -﵁- ليلة مقتله فيقول:
تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر
فهذه الآية الكريمة لا ينبغي أن يفسر التمني فيها بالقراءة؛ لأن هذا التفسير بعيد كل البعد عن المقصود، وليس له في الأساليب العربية وجود إلا في هذا البيت وحده، وفي ذلك دليل واضح على أن هذا البيت قد وضع لهذا
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية ٧٣. ٢ سورة الإسراء، الآية ٧٤. وهذا الرد يصح تمامًا فيما لو كان المراد وقوع التثبيت ساعة الواقعة، لا بعدها، ولا دليل على أحد الأمرين. ٣ سورة الحج، الآية ٥٢.
[ ١٤٠ ]
الغرض خاصة١، هذا ولو أننا فسرنا التمني بمعنى القراءة فإن معنى ذلك أن يلقي الشيطان في قراءة كل نبي كلامًا ليفتن به الناس ثم ينسخه الله بعد ذلك، وهذا ما لم يقع للأنبياء من قبل كما عرفنا من تاريخهم، وذلك فضلًا عن أن كثيرًا من الأنبياء لم تنزل عليهم كتب حتى يغير الشيطان فيها، ثم ينسخ الله بعد ذلك ما يفعله الشيطان. على أن سنة الله في رسله وأنبيائه أن يؤلف حولهم القلوب في مبدأ دعواتهم بإجراء المعجزات والخوارق على أيديهم، بدل أن يمكن الشيطان من إلقاء الفتنة وإشعالها بين أتباعهم بنسخ ما ينزل عليهم فينفر الناس منهم ويضعف الثقة بهم.
والآية -حينئذ- تفسر على النحو الواضح المألوف في لغة العرب٢، ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هداية قومه ألقى
_________________
(١) ١ كذا قال، وهذا باطل، وقد أنكر المؤلف بذلك الصواب المشهور. وأنكر استعمال العرب، وكذلك غير هذا البيت، كما في "مجاز القرآن" ٢/ ٥٤. و"تاج العروس" ٢٠/ ٢٠٢، و"زاد المسير" ٥/ ٤٤٢ وغير ذلك. وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" ٥/ ٤٤١ قوله تعالى: ﴿تَمَنَّى﴾ قال الأكثرون: تلا. وقال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" ١/ ٩٣ في فصل الاستعاذة: السلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. وجزم بذلك ابن جرير ١٧/ ١٩٠. ولو شئنا نعدد من قال ذلك أو جزم به، لسودنا صفحات كثيرات، حتى عند من يذهب إلى تضعيف حادثة الغرانيق، ويجيب عليها ويستدل كالقرطبي مثلًا. ٢ لكن أيضًا في معنى تمنى غير ذلك من المعاني، كما تجده في كتب اللغة، ككذب مثلًا، واختلق. والأصل في التفسير أنه إذا جاء في السُّنة ما يفسر الآية، أو في القرآن لم يعدل عن ذلك، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وكذلك السُّنة تفسر القرآن. فلذلك القول أبدًا برجوع التفسير للسُنة إن ثبت بذلك شيء. وبه يعلم أن تفسير الآية متعلق بثبوت حادثة الغرانيق، أو وهائها، لا بالمألوف في اللغة أو الأكثر استعمالًا مثلًا. ولو جرى القول بتفسير القرآن على المألوف مطلقًا، دون الرجوع لآيات أخرى، وأحاديث صحيحة، وروايات عن السلف لفسرنا كثيرًا من القرآن على غير المراد به.
[ ١٤١ ]
الشيطان في أمنيته، أي وضع الشيطان في طريق تحقيق أمنيته العقبات والعراقيل١، فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي فيذهب الله ما وضعه الشيطان من تلك العقبات، ثم يحكم الله آياته أي يظهر الحق ويرسي أسسه٢ ودعائمه، والله عليم حكيم، وصدق الله العظيم حيث يقول عن كتابه الكريم: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ٣.
وبهذا تبين لنا أن قصة الغرانيق قصة مختلقة، دست إلى بعض الكتب القديمة٤. وإذن فليست هي السبب في رجوع المسلمين من الحبشة٥، وإنما رجع هؤلاء المسلمون إلى مكة بسبب ما علموا من إسلام حمزة وعمر واعتقادهم أن إسلام هذين البطلين سيعتز به المسلمون وتقوى شوكتهم٦.
_________________
(١) ١ وهذا مبني على وجود مقدر لم يدل عليه دليل، فكيف يحكم له؟ ٢ والرأي عندي في هذا إن صح الخبر، أن معنى تمنى أي كذب واختلق، وأنه ترصد -أي الشيطان- سكتاته -ﷺ- بين الآية والآية، فقال تلك الكلمات، حتى ظنها السامع من جملة الكلام وأشاعها قال القرطبي: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا ١٢/ ٨٣. وانظر "الشفاء" للقاضي عياض ٢/ ١١٦-١٣١، ففيه مناقشة طويلة، وغير مما قدمته من المراجع، وكذلك "المواهب اللدنية" ١/ ٢٤٨-٢٥٨ الذي أطال في الكلام ورجح في الآخر هذا الذي رجحه القرطبي وذكر أنه ترجيح ابن العربي، والطبري من قبل. ٣ سورة الشعراء، الآية ٢١٠. ٤ هذا قول من جهل العلم، وكيف تدس قصة بأسانيدها في عشرات كتب التفسير والحديث، مع اختلاف النسخ، وتباين البلدان، واتفاق النقلة عن تلك الكتب. ولا نطيل في الرد على هذا فهو أسخف من أن يجاب عنه. ٥ وهذا على كل حال، لا علاقة له بحدوث القصة أم لا. ٦ وهذا قول بعض من روى السيرة. وقد قال ابن كثير في "البداية" ٣/ ٩٠: ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم إسلام أهل مكة وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله -ﷺ- جلس مع المشركين يومًا، وأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، فقرأها عليهم، فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والإنس، وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين -فذكر قصة الغرانيق- ثم قال: وقد أحببنا الضرب صفحًا عن ذكر قصة الغرانيق لئلا يسمعها من لا يضعها مواضعها، إلا أن أصل القصة في الصحيح يعني الحديث الماضي عند البخاري وغيره.
[ ١٤٢ ]
ولكن قريشًا واجهت إسلام حمزة وعمر بتدبيرات جديدة يتجلى فيها المكر والدهاء من ناحية، والقسوة والعنف من ناحية أخرى، فزادت في أسلحة الإرهاب التي تستعملها ضد محمد -ﷺ- وأصحابه سلاحًا قاطعًا وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية، وكان من جراء ذلك الموقف العنيف أن رجع المسلمون إلى الحبشة مرة ثانية، وانضم إليهم عدد كبير ممن لم يهاجروا قبل ذلك.
[ ١٤٣ ]
الهجرة الثانية إلى الحبشة:
وأما المرة الثانية فقد تمت بعد عام واحد من رجوع المسلمين الذين خرجوا في المرة الأولى، وذلك لأن المسلمين وجدوا أن موقف العنف والاضطهاد من قريش لم يتغير، بل ازداد شدة وخطورة، وتبين لهم أن إسلام حمزة وعمر قد زاد من حقد المشركين وطغيانهم.
ولهذا فكر كثير ممن هاجر إلى الحبشة في المرة الأولى أن يعودوا مرة ثانية، كما رغب غيرهم من مرافقتهم، وعلى الأخص حينما علموا من إخوانهم بما فعله الأحباش معهم من إعزاز وتقدير، وما قاموا به نحوهم من تكريم.
وقد رسم المسلمون لأنفسهم خطة السير إلى الحبشة، واستعدوا إلى الرحلة لإقامة كريمة ينعمون فيها بعبادة الله وحده آمنين حتى يأتي نصر الله ويعم نور
[ ١٤٣ ]
الإسلام، فخرج في هذه المرة الثانية ثلاثة وثمانون رجلًا وإحدى عشرة امرأة١، فوصلوا إليها وأقاموا فيها مدة طويلة، ثم عادوا بعدأن أذن الله لرسوله -ﷺ- بالهجرة إلى المدينة٢.
وكان هذا العدد الكبير الذي هاجر في هذه المرة مقلقًا لقريش، فأخذت الظنون والوساوس الشيطانية تلعب بعقولهم، ففكروا في سد هذا الطريق على المسلمين، وأرسلوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد ومعهما الهدايا النفيسة إلى النجاشي لكي يرد المسلمين إلى مكة. فلما دخلا عليه قالا: أيها الملك إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا أشراف قومهم لتردهم إليهم.
وقد أبى النجاشي أن يرد المسلمين الذين هاجروا إليه حتى يسمع مقالتهم ويبعث في طلبهم.
فلما جاءوا سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟
فرد عليه جعفر بن أبي طالب قائلًا: أيها الملك: كنا قومًا نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ويأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الجوار، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، فصدقنا وآمنا برسالته فعذبنا قومنا ليردونا إلى عبادة الأصنام، فلما ظلمونا وضيقوا علينا خرجنا إلى بلادك واخترناك على سواك.
_________________
(١) ١ وقيل: ثماني عشرة امرأة، وقيل غير ذلك. ٢ إلى أن فتح خيبر في سنة سبع من الهجرة.
[ ١٤٤ ]
فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء تقرؤه علي؟ قال جعفر: نعم، وتلا عليه سورة مريم من أولها إلى قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ١.
فقال النجاشي: إن هذا هو ما جاء به موسى، وسيدنا يسوع المسيح، انطلقا فوالله لا أسلمهم أبدًا٢.
وحينئذٍ عاد عمرو وصاحبه إلى مكة دون أن ينجحا في مهمتهما. وعاش المسلمون إلى جوار النجاشي في أمن وسلام، واستقروا إلى أن كانت الهجرة الكبرى إلى المدينة.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآيتان ٣٢-٣٣. ٢ أخرج ذلك جماعة، منهم الإمام أحمد في "المسند" ١/ ٤٦١ بسند رجاله ثقات، عن عبد الله بن مسعود، وكذلك جاءت رواية قصة جعفر من روايته نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص ومن رواية أم سلمة، كما سرد جميع ذلك الحافظ ابن كثير في "البداية" ٣/ ٧٠-٧١-٧٢، وأسند بعض ذلك البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٢٩٤-٢٩٥ وغيره. والقصة باجتماع الطرق صحيحة لا مطعن فيها، وانظر "مجمع الزوائد" ٦/ ٢٤-٢٧. فائدة: وقع في بعض الروايات أن وفد قريش للنجاشي وقع بعد الهجرة الأولى. والمشهور هو الثاني.
[ ١٤٥ ]
مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب ١:
وأمام هذا الخطر الزاحف الذي هدد قريشًا وأفزعها، وعلى الأخص بعد أن أسلم حمزة وعم واشتد بهما ساعد المسلمين.
وبعد أن هاجر هذا العدد الكبير من المسلمين إلى الحبشة وعجزت قريش عن إرجاعه وأصبح وجوده في هذه البلاد مثارًا للقلق ومبعثًا للشكوك، ونواة
_________________
(١) ١ وقد ذكر غير واحد من أهل السيرة حادثة المقاطعة قبل الهجرة الثانية للحبشة.
[ ١٤٥ ]
لشر منتظر عما قريب.
أمام ذلك كله فكرت قريش في سلاح رهيب تقاوم به هذا الشر والخطر، وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية، فاتفقت على أن تقاطع بني هاشم وبني المطلب مقاطعة تامة، فلا يتزوجون من نسائهم، ولا يبيعون لهم شيئًا، ولا يشترون منهم، ولا يخالطونهم ولا يقبلون منهم صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله -ﷺ- للقتل.
وسجلوا هذه القرارات في صحيفة ختمت بأختام وعلقت في جوف الكعبة تأكيدًا لاحترامها١، فيكون الخروج عليها أو عدم الوفاء بما فيها بمثابة الخروج على العقيدة الموروثة. وكانوا يعتقدون أن سياسة التجويع والمقاطعة سيكون لها من الأثر ما يحقق أغراضهم.
وإزاء هذه المقاطعة الجائرة الغاشمة انتقل كل بني هاشم وبني المطلب ومعهم الرسول -ﷺ- إلى شعب كان يطلق عليه شعب أبي طالب، بظاهر مكة، يعانون الحرمان ألوانًا، حتى لقد بلغ من سوء حالهم أن أكلوا أوراق الأشجار. ولم يتخلف عن الانضمام إلى محمد -ﷺ- من بني هاشم سوى عمه أبو لهب الذي أسرف في تعصبه للأصنام وفجر في بغضه للإسلام، ولم يرع للقرابة حرمة، ولا للرحم مودة.
_________________
(١) ١ وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة القصة بلا إسناد، كما عند ابن هشام ١/ ٣٧٦ وغيره. وأسندها ابن سعد من وجوه متصلة ومرسلة "١/ ٢٣٢ ترتيب طبقاته"، وأسندها البيهقي في "الدلائل" من مرسلات الزهري ٢/ ٣١١. وأسندها أبو نعيم في "الدلائل"، من مرسلات عروة بن الزبير رقم ٢٠٥، ثم من كلام ابن إسحاق، ثم من حديث ابن عباس من طريق الواقدي، وفي بعض الروايات جميعها ما ليس في بعضها الآخر، وانظر "طبقات ابن سعد" ١/ ١٣٩، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٣٣٥، و"البداية" ٣/ ٨٤، و"السيرة الحلبية" ١/ ٤٤٩، و"الدرر في اختصار المغازي والسير" و"سبل الهدى والرشاد" ٢/ ٥٠٢، وغير ذلك.
[ ١٤٦ ]
واستمرت هذه المقاطعة المروعة ثلاثة أعوام متتابعة لم يجرؤ أحد من بني هاشم وبني المطلب خلالها أن يدخل مكة، ومع ذلك فقد ضربوا أروع الأمثال في الصبر والاحتمال، وكان أبو طالب يعلن قريشًا بأنه سوف يظل مؤيدًا لمحمد -ﷺ- مهما بلغت التضحيات وعظمت المتاعب، ويروى عنه أنه قال في وسط هذه المحنة:
فلسنا ورب البيت نسلم أحمد لعزاء من عض الزمان ولا كرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفائظ والنهى إذ طار أرواح الكماة من الرعب١
ثم أذن الله لهذا الليل الطويل بالانتهاء، فقام خمسة من كرام الرجال هم:
هشام بن عمرو وزهير بن أمية والمطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود، فشقوا صحيفة هذه المقاطعة وأعلنوا نقضها٢.
_________________
(١) ١ ومن عجيب ما وقع في هذه الأبيات من هذه القصيدة، ما جاء في أوائلها: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدًا نبيًّا كموسى خط في أول الكتب وانظر "سيرة ابن هشام" ١/ ٣٧٧-٣٧٨-٣٧٩. و"الروض الأنف" ٢/ ١٠٢-١٠٣. ٢ وقد ذكر ههنا ابن إسحاق وغيره في سبب نقض الصحيفة أن رسول الله -ﷺ- قال لأبي طالب: "يا عم إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسمًا هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان". فقال أبو طالب: أربك أخبرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش وقال: إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها، وإن كان كاذبًا دفعت إليكم ابن أخي. فقال القوم: رضينا. ثم وجدوا الصحيفة على ما قال رسول -ﷺ- فزادهم ذلك شرًّا، "سيرة ابن هشام" ١/ ٣٧٩، و"البداية" ٣/ ٩٧، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٣١٤ وغير ذلك.
[ ١٤٧ ]
وحينئذٍ خرج بنو هاشم وبنو المطلب من هذا السجن الضيق المميت إلى معترك الحياة، ضاربين في الإخلاص لمحمد -ﷺ- أروع الأمثال، محتملين من التضحية ما ينوء بالأبطال.
[ ١٤٨ ]
عام الحزن:
ولم يشأ الله لرسوله -ﷺ- أن ينعم بعد خروجه من الشعب بفترة طويلة من الراحة والطمأنينة، إذ لم تمض عدة شهور على تمزيق صحيفة المقاطعة وخروجه مع أهله إلى الحياة، حتى فاجأت محمدًا -ﷺ- في عام واحد فاجعتان اهتز لهما قلبه، وهما: موت أبي طالب، وموت السيدة خديجة -﵂- ولقد حزن الرسول -ﷺ- عليهما حزنًا شديدًا لما كان لهما من أثر بالغ في نصرة الإسلام والدفاع عنه ضد أعدائه.
فأبو طالب وإن كان قد مات مشركًا، ولكنه كافح وجاهد في مؤازرة محمد -ﷺ- ولم يتخل عن حمايته -كما رأينا- في أحرج الظروف وأعنف الأزمات، حتى قال الرسول -ﷺ- عنه: "والله ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب" ١.
وأما خديجة -﵂- فحبسها ما قاله الرسول -ﷺ- عنها في مواجهة نسائه الأخريات: "لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني
_________________
(١) ١ أخرجه ابن إسحاق في السيرة عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا، ونقله عنه الحافظ ابن كثير في "البداية" ٣/ ١٢٢، وابن حجر في "الفتح" ٧/ ١٩٤، ولم أره من وجه متصل صحيح.
[ ١٤٨ ]
بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء" ١.
فلا عجب إذا سمى هذا العام في حياة الرسول -ﷺ- عام الحزن، لكثرة ما أصاب الرسول -ﷺ- فيه من الهموم والأحزان.
_________________
(١) ١ أورده الهيثمي في "المجمع" ٩/ ٢٢٤ من حديث عائشة وقال: رواه أحمد بإسناد حسن. وأحاديث فضائل خديجة -﵂- كثيرة جدًّا، انظر "مجمع الزوائد" ٩/ ٢١٨ وما بعدها، و"جامع الأصول" ٧/ ٣٣٨ وما بعدها.
[ ١٤٩ ]
خروجه إلى الطائف:
وكان موت أبي طالب وموت السيدة خديجة مشجعًا لقريش على المضي في عدائهم للرسول -ﷺ- بل لقد أخذوا يسرفون في العدوان والأذى حتى بلغ الأمر بهم أن ألقى بعض السفهاء الأقذار عليه، وهو في طريقه إلى بيته١، وهذا مثل من أمثلة كثيرة فعلها هؤلاء المشركون الآثمون مع محمد -ﷺ- في هذه الفترة.
وكان ذلك من أهم الأسباب التي جعلته يخرج إلى الطائف لعله يجد من قبيلة ثقيف -وهي أهم قبائل العرب بعد قريش- من ينصره ويؤازره.
ولكن -ويا للأسف- لم يجد منهم إلا الجحود والإعراض، والسخرية والاستهزاء، حتى لقد أغروا به عبيدهم وسفهاءهم يسبونه ويصيحون وراءه ويقذفونه بالحجارة، حتى ابتعد عن الطائف ولجأ لحديقة مملوكة لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فاحتمى بها وجلس في ظل شجرة من أشجارها، وقد أجهده التعب، ودميت عقبه وضاق صدره، واشتد به الكرب والبلاء، ثم لجأ إلى الله بهذا الدعاء:
_________________
(١) ١ ولقد حصل هذا أول الدعوة أيضًا كما ذكرناه في موضعه.
[ ١٤٩ ]
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي. ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك".
فلما رأى عتبة وشيبة ما أصاب محمدًا -ﷺ- من جهد وتعب: رقا له، وتحركت فيهما نخوة الكرم، فأرسلا إليه عبدهما المسيحي عداسًا بقطف من العنب فلما مد الرسول -ﷺ- يده قال: "بسم الله" ثم أكل.
فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: إن هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد.
فقال له الرسول -ﷺ-: "من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ "
قال: نصراني من نينوى.
قال: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ "
فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟
قال -ﷺ: "ذاك أخي. أنا نبي وهو نبي" ١.
_________________
(١) ١ ذكر جميع هذه القصة ابن سحاق في السيرة من وجه مرسل عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠: ٦٣. وأخرج البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٤١١-٤١٥ القصة دون ذكر الدعاء، من مرسلات ابن شهاب الزهري. وأخرج أبو نعيم في دلائله رقم ٢٢١ كذلك القصة دون الدعاء، بسند ضعيف عن عروة بن الزبير مرسلة. وأخرج ابن سعد في الطبقات "١/ ٢٣٦-٢٣٧-٢٣٨ ترتيب الطبقات" القصة =
[ ١٥٠ ]
فأكب عداس على محمد -ﷺ- يقبل رأسه ويديه وقدميه.
ولما رجع عداس إلى ابني ربيعة، قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبل هذا الرجل؟ فأجابهما قائلًا: ما في الأرض خير من هذا الرجل.
وقد رجع الرسول -ﷺ- بعد ذلك إلى مكة، فوجد قومه يقفون بالمرصاد لكي يمنعوه من الدخول، فاستجار بالمطعم بن عدي، فأجاره المطعم وتسلح هو
_________________
(١) = دون ذكر الدعاء من وجوه متعددة ضعيفة جدًّا فيها الواقدي. ورأيت الطبراني أخرج القصة من طريق محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما توفي أبو طالب خرج النبي -ﷺ- إلى الطائف ماشيًا على قدميه، فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فانصرف فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: "اللهم فذكر الدعاء. وقد أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ٣٠ وقال: رواه الطبراني وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات. انتهى. قلت: عد عنعن هنا، وانظر السند عند الطبراني ٢٥/ ٣٤٦ وهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا. ومن عجيب ما وقفت عليه قول القرطبي في تفسيره من سورة الأحقاف ١٦/ ٢١٠ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ﴾ [الأحقاف: من الآية: ٢٩] قال: قال المفسرون: ابن عباس، وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم: لما مات أبو طالب -فذكر قصة خروجه إلى الطائف جميعها، وفيها الدعاء المذكور. ولم أر من أسند ذلك عنهم. وثمة في أخبار خروجه -ﷺ- إلى الطائف أحداث لم أر إلا النادر من كتب السيرة تتحدث عنها، منها: دخوله -ﷺ- على رقيقة، وأمره لها بترك عبادة الطواغيت، والحديث في "كبير الطبراني" ٦٤٣١ بسند ضعيف. ومنها: قراءته -ﷺ- سورة والسماء والطارق حتى ختمها، رواه الإمام أحمد في مسنده ٤/ ٣٣٥ من حديث خالد العدواني. ومنها: حديث جبريل وعرضه على النبي -ﷺ- أن يطبق على أهل الطائف الأخشبين -الجبلين- وقوله -ﷺ-: "أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا" أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة كما في "البداية" ٣/ ١٣٧.
[ ١٥١ ]
وبنوه لحمايته حتى دخل مكة والطاف، البيت، ثم انصرف إلى منزله في حراسة المطعم وأولاده١ ليعود إلى الكفاح من جديد، وليستأنف تبليغ الدعوة في هذا الجو العاصف المليء بالأخطار والمخاوف.
_________________
(١) ١ ذكر هذه الواقعة الآمدي في مغازيه، كما في "البداية" ٣/ ١٧ وابن إسحاق والفاكهي، بإسناد مرسل أيضًا، وانظر "المواهب" ١/ ٢٧٢.
[ ١٥٢ ]
الإسراء والمعراج
وبين هذه العواصف العنيفة والأخطار المخيفة التي كانت تحيط بمحمد -ﷺ- تمتد يد الرحمن بالرحمة والخير والحنان، وتحتضن العناية الإلهية محمد -ﷺ- لترتفع به إلى أسمى مكان ويقع حادث الإسراء والمعراج تكريمًا من الله لنبيه -ﷺ- ليكون في ذلك عوض أي عوض عما لحقه من أذى المشركين وعنتهم، وما أصابه من آلام ومتاعب في طريقه الشاقة إلى غايته الكريمة ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ ١.
ولقد وقع الإسراء والمعراج في السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية، وفي الليلة السابعة والعشرين من شهر رجب كما هو المشهور٢.
ولقد ثبت الإسراء بصريح القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى:
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية ٧٠. ٢ وقيل: من ربيع الأول، وقيل غير ذلك، وقد اختلفوا في السنة أيضًا وانظر "فتح الباري" ٧/ ٢٠٣، و"المواهب اللدنية" ١/ ٢٧٣، و"دلائل النبوة" ٢/ ٣٥٤ للبيهقي، وغير ذلك ملخص ما قالوه: قال الزهري: كان الإسراء بعد المبعث بخمس سنين، وقيل عنه أيضًا، قبل الهجرة بخمس ورجح الأول القاضي عياض، والقرطبي، والنووي. وقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن حزم وادعى فيه الإجماع. وقيل: قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر -أي: في شوال قاله السدي، أخرج ذلك عنه الطبري والبيهقي. وقيل: كان في رجب حكاه ابن عبد البر، وابن قتيبة. وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر -أي: في ذي الحجة- وبه جزم ابن فارس. وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكره ابن الأثير. وقيل: في السابع والعشرين من رجب واختاره الحافظ المقدسي.
[ ١٥٣ ]
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
وثبت الإسراء والمعراج معًا بالأحاديث النبوية الصحيحة التي لا يتطرق إليها الضعف والوهن.
ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك٢ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "أتيت بالبراق وهو دابة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء. ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن. فقال جبريل: اخترت الفطرة.
ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل. ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل. فقيل من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ابن مريم فرحبا بي ودعوا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأولى ففتح لنا. وإذا أنا بيوسف،
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية ١. ٢ البخاري ٢/ ٢١٣، ومسلم ٢/ ١١٧، وقد أطال الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الإسراء من تفسيره ٣/ ٣ بذكر طرق أحاديث الإسراء والمعراج وألفاظه.
[ ١٥٤ ]
فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فذكر مثله. فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله. فإذا أنا بهارون. فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فذكر مثله. فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر مثله. فإذا أنا بإبراهيم.. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة في كل يومٍ وليلة
فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
يقول الرسول -ﷺ: فما زلت أراجع ربي حتى جعلها خمس صلوات في اليوم والليلة، وقال: يا محمد هن خمس في العدد ولكنهن خمسون في الأجر والثواب: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: من الآية: ٢٩] ".
هذه قصة الإسراء والمعراج كما ذكرها لنا رسولنا الصادق الأمين، وهي -كما تبين لنا- رحلة حقيقية بالجسد والروح معًا، ولم تكن رؤيا في منام كما وهم الواهمون، ولو كان الإسراء والمعراج بالروح فحسب لما كذبه المشركون من قريش وسائر العرب، ولما عجبوا له هذه العجب وقابلوه بالإنكار والجحود
[ ١٥٥ ]
والسخرية والإزدراء، بل لما ذكره الله -﷿- في مقام التكريم والامتنان على رسول الله -ﷺ- حيث يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
وقد حاول بعض العلماء المحدثين أن يستدل على إمكان الإسراء والمعراج أو يقرب إمكان وقوعه إلى الأذهان بما وصل إليه العلم من مخترعات حديثة، تطوي المسافات الشاسعة في زمن قليل، كالطائرات النفاثة التي تسبق سرعتها سرعة الصوت. وكالصوراريح التي تحمل الإنسان إلى القمر ثمر ترجع به إلى الأرض.. إلى غير ذلك
ولكننا لا نذهب مثل هذا المذهب، فإن هذه المخترعات الحديثة مهما بلغت من عظمة لها مقومات من الأسباب والمسببات، وكل شيء يقوم وجوده على سبب فهو أمر لا يدعو إلى العجب.
والمعجزات التي اختص الله بها الرسل والأنبياء، إنما هي أمور خارقة تدعو إلى العجب ولا تخضع -فيما نعلم- لسبب. وما دمنا نحن المسلمين نؤمن بأن عيسى ابن مريم -﵇- كان يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمة والأبرص بإذن الله، ونؤمن بأن الله سخر لسليمان الريح تحمله وتجري بأمره -غدوها شهر ورواحها شهر- ونؤمن بغير ذلك من المعجزات لجميع الرسل والأنبياء، فلماذا يصعب علينا أن نؤمن بأن الإسراء والمعراج آية خالدة كرم الله بها خاتم الرسل والأنبياء؟
أجل، لقد كان الإسراء والمعراج رحلة حقيقية بالروح ولا جسد، ولقد رأى
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية ١.
[ ١٥٦ ]
رسول الله -ﷺ- ما رأى من الآيات الكبرى، ثم رجع بعد تلكم الرحلة المباركة إلى مكة المكرمة، تحف به السكينة، ويغمره الرضا والطمأنينة. فلما أصبح الصابح، وأخبر الناس بحادث الإسراء، وأيقن الكثير منهم أن هذا كذب وافتراء، أو جنون هذيان، بل لقد ارتد عن الإسلام قوم لم يدخل الإيمان في قلوبهم وقالوا: هذا والله الأمر البين! والله إن العير لتطرد شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرًا مقبلة، فكيف يذهب محمد إلى بيت المقدس ويرجع إلى مكة في ليلة واحدة؟!
ولقد طلبوا منه أن يصف لهم بيت المقدس، ولم يكن رآه قبل هذه الليلة فأخذت الحيرة والألم، فجلاه الله فصار يصفه وصفًا شاملًا لا شك فيه
وسألوه عن آية أخرى على صدق كلامه!
فقال: "مررت بعير بني فلان بوادي كذا فأنفرهم حس الدابة، فند لهم بعير، فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان -جبل بتهامة- مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نيامًا، ولهم إناء فيه ماء وقد غطوا عليه بشيء، فكشف غطاؤه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان
وآية ذلك: أن عيرهم الآن عند ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء".
فأسرع القوم إلى الثنية، فوجدوا الجمل كما وصفه لهم. وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءًا ماءً ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء.
وسألوا الآخرين بعد ذلك فقالوا: صدق والله، لقد ندَّ لنا بعير بالمكان الذي
[ ١٥٧ ]
أخبركم عنه، فسمعنما صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه١
وهكذا ذكر لهم من الأمارات والعلامات ما لا سبيل إلى الطعن فيه، ولكنهم على الرغم من ذلك كله لم يزدادوا إلا كفرًا وعنادًا، ولم يزدد الرسول -ﷺ- بإزاء ذلك العناد منهم إلا صبرًا وجهادًا
وأما أقوياء العقيدة من المؤمنين المخلصين، فقد زادهم هذا الحادث العجيب إيمانًا على إيمانهم. وحسبنا في ذلك موقف أبي بكر الصديق -﵁- فلقد ذهب إليه أناس وقالوا له: ما تقول يا أبا بكر في صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة.
فقال لهم أبو بكر في ثقة المؤمن المخلص: والله لئن كان قال لكم ذلك، لقد صدق، والله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليلٍ أو نهارٍ فأصدقه، فهذا أبعد ما تعجبون منه!
ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله -ﷺ- فأخبره الرسول بما وقع له من ذلك الحادث العجيب، فلم يزدد الصديق المؤمن إلا إيمانًا بالرسول -ﷺ- وتصديقًا، حتى لقد سمِّي منذ ذلك اليوم صديقًا٢.
_________________
(١) ١ الخبر عند اسحاق، كما في "سيرة ابن هشام" ١/ ٢٤٨ وغيره. وقد جاء في هذه المساءلات وجوابها من الدلائل أحاديث كثيرة منها: عن شداد بن أوس عند البزار والطبراني والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٣٥٥-٣٥٦ وقال: إسناده صحيح. وعن جابر عن البخاري ٣٨٨٦، ومسلم ١/ ١٥٦ باختصار. وعن ابن عباس عند البيهقي ٢/ ٣٦٥، وأحمد في المسند ١/ ٣٠٩ وغيرهما بسند جيد وفي الباب أحاديث كثيرة. ٢ أخرج ذلك الحديث الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٦٢ وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٣٦٠- ٣٦١ والحديث حسن بشواهده كما ذكرت في "الدرك" فعند الطبراني ١/ ١٥ عن أم هانئ بسند ضعيف، ما يشهد له، وكذلك في "الأوسط" عن أبي هريرة كما في "المجمع" ٩/ ٢١.
[ ١٥٨ ]
وهكذا الإيمان القوي لا تضعفه الفتن مهما عصفت ريحها، وهكذا الصداقة المخلصة تعظم في المحن قيمتها، وتظهر عند الشدائد ثمرتها.
[ ١٥٩ ]
السموات السبع:
قد يتساءل بعض الناس عن حقيقة السموات السبع وهل هي من الكواكب الموجودة في هذا الكون الذي تتجدد -على مدى الأيام- عجائبه؟ أم أنها أجسام شفافة مبنية لها حوائط ونوافذ وأبواب، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام؟ أم هي طبقات من الفضاء بعضها فوق بعض؟ أم هي شيء وراء ذلك كله؟
ومن الخير لنا أن نقف عند النصوص القاطعة وحدها، وألا نطلق العنان للخيال، أو نمعن في بحث ليس لنا فيه مجال، فالسموات حقيقة ثابتة لا ريب فيها، ولكن من أي شيء بنيت؟ وبأي كيفية رفعت؟ وعلى أية صورة رسمت؟ إلى غير ذلك من التفصيلات الدقيقة. كل ذلك لا داعي إلى الخوض فيه، فإن الإحاطة به مردها إلى العليم الحكيم الذي بناها، ورفع سمكها فسواها فقف أيها السائل عند حدك، ولا تخض لجة البحر العميق فتهلك فكم من أناس تمادوا مع هذا التيار فغرقوا، وكم من فلاسفة حاولوا أن يكشفوا هذه الأستار فاحترقوا، وتذكر أيها السائل قول القائل:
تاه الأنام بسكرهم فلذاك صاحي القوم عربد
من أنت يا رسطو١ ومن أفلاط قبلك قد تفرد
ما أنتم إلا الفرا ش رأى السراج وقد توقد
_________________
(١) ١ يريد الفيلسوف "أرسطو" فحذف الألف لضرورة الوزن، وكذلك فعل في "أفلاطون".
[ ١٥٩ ]
فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشدًا لأبعد
[ ١٦٠ ]
لقاء الأنبياء:
كما يتساءل بعض الناس -كذلك- عن كيفية المقابلة التي تمت بين رسول الله -ﷺ- وبين الأنبياء في هذا الملأ الأعلى؟
وإذا كان المعراج لم يثبت إلا لمحمد -ﷺ- فيكف يمكن أن تنتقل أجساد هؤلاء الأنبياء ويعرج بها من الأرض إلى السماء؟
ولقد أجاب العلامة ابن القيم في كتابه زاد المعاد١ على هذا السؤال فقال: إن أرواح الأنبياء مستقرة في السماء، ولكن لها إشراف على البدن في الأرض وإشراق وتعلق. وبهذا التعلق رأى محمد -ﷺ- أخاه موسى -﵇- قائمًا يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، ومعلوم أنه لم يعرج بموسى من قبره ثم رد إليه، بل ذلك مقام روحه واستقرارها، وقبره مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها، فرآه يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة.
كما أنه -ﷺ- في أرفع مكان في الرفيق الأعلى مستقر هناك، وجسده في ضريحه غير مفقود، ومن كثف إدراكه وغلظت طباعه عن إدراك هذا فلينظر إلى الشمس في علو محلها، وتعلقها بالأرض وتأثيرها فيها، وحياة النبات والحيوان بها، وهذا شأن الروح فوق هذا فلها شأن وللأبدان شأن.
وهذه النار تكون في محلها، وحرارتها تؤثر في الجسم البعيد عنها، ومع أن الارتباط الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتم، فشأن الروح أعلى
_________________
(١) ١ "٢/ ١٢٩".
[ ١٦٠ ]
من ذلك وألطف:
فقل للعيون الرمد إياك أن تري سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا
[ ١٦١ ]
بيعتا العقبة:
كان بين الأوس والخزرج منذ استقروا في مدينة يثرب صراع قوي على المجد المادي والأدبي، أوجدته العصبية الجاهلية التي كانت تمشي في أرجاء الجزيرة العربية كما يمشي الوباء. وتسري بين القبائل والبطون كما تسري النار في الهشيم١. وكثيرًا ما أدت هذه العصبية بين الأوس والخزرج إلى حروب دامية لم تكن تهدأ حينًا إلا لتبدأ من جديد قوية عنيفة، وكان آخر هذه الأحداث ما وقع بين الفريقين في يوم بعاث٢، وهو يوم مشهور في تاريخ الأوس والخزرج، هلك فيه قادتهم ورؤساؤهم، وتصدعت قوتهم، وتعرض مركزهم في يثرب للدمار والانهيار.
وكان يجاورهم في يثرب جماعات من اليهود، وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. وطالما كان هؤلاء اليهود يثيرون العداوة والبغضاء بين الأوس والخزرج حتى يأكل بعضهم بعضًا، وحينئذٍ يقيم اليهود على أنقاض هذا الضعف قوة لهم. وقد أدرك الأوس والخزرج هذا الشعور من اليهود، فأخذوا يعضون بنان الندم، ويحسون بالخطر الداهم يحيط بهم، ويتطلعون ذات اليمين وذات الشمال إلى قائد وزعيم يوحِّد كلمتهم ويجمع شملهم.
وكان يزيد من خوف الأوس والخزرج أن اليهود كانوا يتوعدونهم بين الحين
_________________
(١) ١ وربما كانت بتحريض ومكائد من اليهود، كما قدمنا أول الكتاب وسيأتي. ٢ تقدم ذكره من قبل.
[ ١٦١ ]
والحين بظهور نبي من العرب يُبعث، قد قَرُب زمانه يعرفونه بأوصاف ذُكِرت في كتبهم، ويتمنون لقاءه والالتفاف حوله حتى يقوي أمرهم ويطردوا الأوس والخزرج من المدينة١.
وهذا الشعور الذي امتلأت به نفوس الأوس والخزرج هو الذي جعل قلوبهم مستعدة لقبول الإسلام، والخضوع لقيادة محمد ﵊.
وقد شاء الله أن يلتقي جماعة من الخزرج بمحمد -ﷺ- في مكة، وكان ذلك في موسم الحج سنة ٦٢٠م، فسألهم الرسول -ﷺ- عن أحوالهم وعن علاقتهم باليهود، وحدثهم عن الدين الجديد، وبين لهم أصوله وتعاليمه، ودعاهم إلى الدخول فيه، وتلا عليهم بعض آيات من القرآن، فتأثروا إلى حدٍّ كبير بما سمعوا.
ونظر بعضهم إلى بعض وقالوا: والله إنه النبي الذي تتحدث عنه اليهود وتهددنا به. فأسلم ستة منهم، ووعدوه بنشر الإسلام بين أهلهم٢.
_________________
(١) ١ وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: من الآية: ٨٩] . وقد أخرج أبو نعيم في "الدلائل" عن ابن عباس قال: "كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يُبعث محمد يستفتحون الله، ويدعون على الذين كفروا، ويقولون: إنا نستنصرك بحق النبي الأمي، ألا نصرتنا عليهم فينصرون ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ يعني محمد، ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ . وأخرج نحو هذا من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن شيوخ له. وهذا الوجه الثاني عند ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في "الدلائل". وفي الباب أحاديث كثيرة في هذا ذكر أكثرها السيوطي في "الدر المنثور" ١/ ١٦٩-١٧٠. ٢ في مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب ذكر جماعة منهم معاذ بن عفراء، وأسد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان، وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة. أسند ذلك البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٤٣١-٤٣٢ عنه ثم قال: وذكر ابن إسحاق ذلك عن شيوخه أتم مما رواه موسى عن ابن شهاب، وزعم أنه لقي نفرًا منهم أسعد بن =
[ ١٦٢ ]
ثم عاد هؤلاء الستة إلى المدينة -يثرب- وذكروا لقومهم أمر ملاقاتهم لمحمد -ﷺ- وعرضه عليهم الإسلام، فصدقوا به وآمنوا برسالته، فسارع بعضهم إلى الدخول في هذا الدين قبل اليهود، ولم تبق دار من دورهم إلا وفيها ذكر محمد عليه الصلاة والسلام١.
وفي تلك الأثناء كان النبي -ﷺ- في مكة ينتظر أخبار هؤلاء الستة الذين وعدوه المجيء في الموسم القادم، ليرى أثر دعوتهم في المدينة.
_________________
(١) = زرارة، ثم انصرفوا حتى كان العام المقبل أتى الموسم اثنا عشر رجلًا، فلقوه بالعقبة الأولى، فبايعوه فيهم أسعد، وعبادة بن الصامت وبعث بعدهم أو معهم مصعب بن عمير ثم أسند البيهقي ذلك عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه فذكر القصة وأنهم ستة نفر هم -يعني من أسلم أولًا: أسعد بن زرارة، وعوف بن مالك، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، قلت: فحصل اثنا عشر من المجموع لا ستة، وقد وقع اختلاف في رواية ابن إسحاق نفسه مما يدل على أن العدد أزيد من ستة، كما نبه البيهقي ٢/ ٤٣٥. ١ انظر "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٤٠ وما بعد بترتيبي، و"الكامل" لابن الأثير ٢/ ٦٦ وما بعدها، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٤٣١ وما بعدها، "البداية" ٣/ ١٤٧ وما بعدها، "المواهب اللدنية" ١/ ٢٧٨.
[ ١٦٣ ]
بيعة العقبة الأولى
البيعة الأولى:
ومضت الأيام وأقبل موسم الحج عام ٦٢١م وفيه وفد اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب، فأزالت أخبارهم السارة كل هموم النبي -ﷺ- عندما لاقاهم في المكان المتفق عليه مع الستة الذين أسلموا في الموسم الماضي "عند العقبة بالقرب من منى".
[ ١٦٣ ]
وحينما التقى رسول الله -ﷺ- بوفد المدينة، حدثوه بأن أهل بلدهم ينتظرونه ليلتفوا حوله ويعتنقوا رسالته حتى يمكنهم أن ينتصروا على اليهود ويتخلصوا مما يحيط بهم من الخلاف والشقاق.
وفرح رسول الله -ﷺ- بلقاء الوفد، فلقد زاد عدد المسلمين إلى اثني عشر رجلًا، ومن ورائهم أهل يثرب، مستعدين لقبول الدعوة الإسلامية وحماية صاحبها، وفي هذه المقابلة تمت بيعة العقبة الأولى.
وقد تحدث عن هذه البيعة عبادة بن الصامت -﵁- فقال: بايعنا رسول الله -ﷺ- على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. ثم قال: "فإن وفيتم فلكم الجنة" ١.
وتُسمى هذه البيعة في التاريخ: بيعة النساء، لأنها توافق الشروط التي ورد ذكرها في سورة الممتحنة خاصة بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وتعرف أيضًا بيعة العقبة، نسبة إلى المكان الذي عقدت عنده، وبعد أن تمت هذه البيعة واستعد القوم للرحيل والعودة إلى يثرب، بعث النبي -ﷺ- معهم مصعب بن عمير -﵁- يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويجمع المسلمين ويصلي بهم، ولقد كان للتعاليم الإسلامية التي شرحها لهم مصعب أثر عظيم في
_________________
(١) ١ الحديث صحيح أخرجه البخاري ٣٨٩٣، ومسلم ص: ١٣٣٣ وغيرهما. ٢ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
[ ١٦٤ ]
إقبال الناس على الدخول في الدين الإسلامي، لأنهم لم يروا فيه عنتًا أو مشقة، وإنما وجدوا يسرًا وفضائح يصلح بها حالهم ويستقيم أمرهم في الدنيا والآخرة، مع ما كان لهم من استعداد وترقب لرسول تحدثت به اليهود وأخبرت عنه الكتب السماوية، ولذلك زاد عدد الداخلين في الإسلام بيثرب زيادة واضحة، وأسلم على يد مصعب عدد كبير حتى لم تبق دار إلا وفيها مسلمون.
وكان النبي -ﷺ- هادئ النفس، ولا تبدو عليه آثار التحمس للدعوة في الفترة التي كان الإسلام يتغلغل فيها في المدينة، وظنت قريش أن هدوء النبي -ﷺ- ما هو إلا أمارة من أمارات الانصراف عن الدعوة، بعد أن لقي من قريش وثقيف أنواع العذاب، ولذلك رأت أن تخفف من اضطهادها له. ولكن الحقيقة هي أن محمدًا -ﷺ- حول اهتمامه من قريش في مكة إلى أهل يثرب الذين كانوا دعاة صادقين وأنصارًا متحمسين، لأن نفوسهم كانت متلهفة إلى دين يوحد كلمتهم ويجمع صفوفهم، ويطهر نفوسهم من العداوة والبغضاء والفرقة والاختلاف، فجاءت تعاليمه على يد أولئك الذين أسلموا وكأنها الدواء الشافي لأمراضهم وعللهم.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ١.
وكان الرسول -ﷺ- يفكر في مصعب أثناء غيبته ويفكر في أهل المدينة، ويدعو لمصعب بالتوفيق، ولأهل المدينة بالخير والهداية.
وقد أخذ يتحرى أخباره، وما لاقاه من الأوس والخزرج، هل لبوا النداء؟ وهل أجابوا داعي الله؟
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
[ ١٦٥ ]
وهل تكون يثرب مشرق النور الإلهي وينبوع الخير الأبدي؟ ١
وظل هكذا، حتى عاد مصعب إلى مكة في موسم الحج بعد إقامة دامت هناك حوالي عام تقريبًا، وقص على النبي -ﷺ- خبر المسلمين بالمدينة وأنهم في ازدياد وقوة، وأنهم بعد أيام سيجيئون في موسم الحج أكثر عددًا وأعظم إيمانًا بالله ورسوله.
_________________
(١) ١ انظر "المواهب اللدنية" ١/ ٢٨٠، وما قدمنا من المراجع.
[ ١٦٦ ]
بيعة العقبة الثانية:
وقد أعد الرسول -ﷺ- للأمر عدته، وفكر في بيعة ثانية أعظم من البيعة الأولى، وأوسع مما كان يدعو إليه أهل مكة ومن حولها.
وجاء حجيج المدينة إلى مكة في الموسم: مؤمنهم وكافرهم، وكان فيهم خمسة وسبعون مسلمًا، ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان١. اثنان وستون من الخزرج، وأحد عشر من الأوس، وعلم الرسول -ﷺ- بمجيئهم ورغبتهم في لقائه، فاتصل سرًّا بزعمائهم حتى لا تعلم قريش بالأمر فتعمل على إلحاق الأذى بالنبي -ﷺ- وأتباعه، وتفسد على الرسول -ﷺ- والمسلمين خطة اجتماعهم، كما أخفى مسلمو يثرب أمرهم على من معهم من المشركين.
_________________
(١) ١ على حد قول ابن إسحاق، كما في السيرة، وقريب منه قول ابن سعد والحاكم كما ذكر القسطلاني في "المواهب" ١/ ٢٨١.
[ ١٦٦ ]
اجتماع الرسول -ﷺ- بمسلمي يثرب:
وقد واعد النبي -ﷺ- مسلمي يثرب أن يقابلهم في آخر موسم الحج حتى لا
[ ١٦٦ ]
يكون هناك شبهة عند قريش، فهم في كل يومٍ يغدون ويروحون أمامهم، أما إذا غابوا عن الأنظار انكشف أمرهم، كما واعدهم أن تكون المقابلة ليلًا، وأن يكون مكانها عند العقبة، وانتظر مسلمو يثرب حتى انتهى أمر الحج وحان الموعد، فخرجوا من رحالهم بعد انقضاء ثلث الليل مستخفين حتى لا ينكشف أمرهم، ووصلوا العقبة وعلى رأسهم الاثنا عشر رجلًا الذين بايعوا النبي -ﷺ- البيعة الأولى وقاموا ينظرون مقدم صاحب الرسالة.
وأقبل محمد -ﷺ- إلى المكان المحدد -العقبة- ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذٍ على دين قومه من الشرك، إلا أنه أحب أن يحضر مجلس ابن أخيه ليطمئن ويستوثق له، وكان ذلك قبل الهجرة بشهور وفي سنة ٦٢٢م.
ولما تكامل المجلس كان العباس أول متكلم فقال: يا معشر الخزرج، إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، وهو في عزٍّ من قومه ومنعة في بلده، وقد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم خاذلوه بعد خروجه إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزٍّ ومنعة من قومه وبلده.
قال اليثربيون -وقد سمعوا كلام العباس-:
قد سمعنا ما قلت وإن عزائمنا معقودة على ما أتينا من أجله. فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
وعند ذلك تكلم -﵊- وبدأ حديثه بآيات من القرآن الكريم كما كانت عادته قبل البدء في الحديث، ثم دعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبناءكم". فأخذ سيدهم البراء بن معرور وكان له في تلك الليلة المقام الكريم بيد النبي -ﷺ- وقال: والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه ذرارينا؛ فبايعنا يا رسول الله، فنحن
[ ١٦٧ ]
-والله- أبناء الحرب ورثناها كابرًا عن كابرٍ.
وتبعه الباقون، فمدوا أيديهم إلى الرسول -ﷺ- واحدًا بعد واحد يبايعون، وجاء بعدهم النساء يبايعن أيضًا.
ولما فرغوا من البيعة قال لهم النبي -ﷺ-: "أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم أمراء".
فاختار القوم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.
فقال النبي -ﷺ- لهؤلاء النقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي" ١.
وكذلك تمت البيعة الثانية وذهب كل إلى رحله في ظلام الليل، وهم على ثقة ويقين من أنه لا يعلم بهم أحد إلا الله.
ولم يكد نور الصباح يظهر حتى كان أمر تلك البيعة حديث قريش فبدأت نفوسهم تضطرب لما سمعت، وقلوبهم تمتلئ فزعًا لهذا الحادث الخطير، وصمموا على أن يحولوا بين محمد -ﷺ- وبين الوصول إلى يثرب، حتى لا يعظم أمره فيها ويصبح خطرًا عليهم.
وهذا التحول في أمر الدعوة وصاحبها محمد -ﷺ- حيث أجمعوا أمرهم على أن
_________________
(١) ١ أسند ذلك ابن إسحاق، كما عند ابن هشام ٢/ ٤٧، وعنه الطبري ٢/ ٣٦٢، والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٤٤٥ وما بعدها. وأخرج أحمد في مسنده ٢/ ٣٣٩، والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٤٤٢-٤٤٣ من حديث جابر نحو هذا المعنى، دون ذكر كلام العباس. ومن تتبع روايات العقبة الثانية فإنها كثيرة جدًّا المذكور فحواها، وانظر: "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٢١، "تاريخ الطبري" ٢/ ٣٦١، "الدرر في اختصار المغازي والسير" ٦٨، "تاريخ الإسلام" للذهبي ٢/ ٢٠٠، "البداية والنهاية" ٣/ ١٥٠، وابن سيد الناس ١/ ١٩٢، والنويري ١٦/ ٣١٢، و"الكامل" لابن الأثير ٢/ ٦٨، وغير ذلك.
[ ١٦٨ ]
يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، فساروا إليهم وخاطبوهم قائلين: يا معشر الخزرج، بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه -والله- ما من حيٍّ من العرب يغضبنا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم أكثر منكم. فلم يجبهم أحد ممن أسلم بكلمة.
أما المشركون منهم فقد حلفوا لهم أنه لم يحدث من ذلك شيء وما علموا به، وقال عبد الله بن أُبي وهو سيد من سادات مشركي يثرب: إن هذا الأمر جسيم ما كان قومي ليتفقوا على مثل هذا وما أعلم به. فاعتقد رؤساء قريش صدق قوله وانصرفوا١.
وبعد ذلك بقليل بدأت قوافل الحجاج تعود إلى أوطانها، ولما مضى على رحيل أهل يثرب بضعة أيام تأكد لدى قريش أن ما علموه من أمر البيعة صحيح، وأن حديث عبد الله بن أُبيّ حديث غير العارف بها، ووقفت على تفاصيل ما دار في بيعة العقبة، فعرفت عدد الذين بايعوا ولم يخف عليهم كذلك ما تعاهدوا عليه من حمايتهم للرسول -ﷺ- والدفاع عنه، لذلك قامت قيامتهم وخرجوا يتعقبون الركب المدني للإيقاع به، فلم يدركوا منهم إلا سعد بن عبادة وكان قد تأخر عن القافلة، فأخذوه وردوه إلى مكة مسحوبًا من شعره الطويل وعذبوه حتى أجاره جبير بن مطعم بن عدي، وأطلق سراحه ثم عاد إلى المدينة٢.
_________________
(١) أخرج هذه الحادثة ابن سعد من وجوه كثيرة ١/ ٢٤٣ ترتيب طبقاته، لكن كلها من طريق شيخه محمد بن عمر الواقدي. وذكر هذا ابن إسحاق من وجه آخر، كما أورده عنه الحافظ ابن كثير في "البداية" ٣/ ١٦٤، وذكر القصة ابن الأثير في "الكامل" ٣/ ٧٠ وغيره. ٢ أخرج قصة سعد هذه ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، كما عند ابن هشام في "السيرة" ٢/ ٩١-٩٢، وابن كثير في "البداية" ٣/ ١٦٤ وغيرهما.
[ ١٦٩ ]