مبحث من ميلاد الرسول ﷺ
مدخل
الفصل الثاني: من ميلاد الرسول -ﷺ- إلى بدء الدعوة الإسلامية
يختلف المؤرخون حول اليوم الذي ولد فيه محمد بن عبد الله -ﷺ-، بل وحول العام الذي ولد فيه كذلك، ولعل السر في هذا الخلاف أنه حينما ولد لم يكن أحد يتوقع له مثل هذا الخطر، ومن أجل ذلك لم تتسلط عليه الأضواء منذ فجر حياته. فلما أذن الله أن يبلغ الرسول -ﷺ- دعوته بعد أربعين سنة من ميلاده، أخذ الناس يسترجعون الذكريات التي علقت بأذهانهم حول هذا النبي، ويتساءلون عن كل شاردة وواردة من تاريخه، وساعدهم على ذلك ما كان يرويه الرسول -ﷺ- نفسه عن الأحداث التي مرت به أو مر هو بها منذ نشأته الأولى وكذلك ما كان يرويه أصحابه والمتصلون به عن هذه الأحداث.
وبدأ المسلمون -حينئذٍ- يستوعبون كل ما يسمعون من تاريخ نبيهم -ﷺ- لينقلوه إلى الناس على توالي العصور، ولكن مهما اختلفت الروايات في وقت ميلاده، فيكاد يجمع المؤرخون على أن الميلاد كان في النصف الأول من شهر
[ ٧٨ ]
ربيع الأول وفي عام الفيل، ويرجع أن ذلك كان في صبيحة الاثنين١ الموافق ٩ من ربيع الأول قبل الهجرة النبوية بثلاثة وخمسين عامًا، وهو يوافق اليوم المكمل للعشرين من شهر أغسطس سنة ٥٧٠ بعد ميلاد المسيح ﵇.
ويذكرون عن نسب رسول الله -ﷺ- أنه: محمد بن عبد الله٢ بن عبد المطلب٣ بن هاشم٤ بن عبد مناف٥ بن قصي٦،
_________________
(١) ١ أقول: كونه يوم الاثنين لا شك في صحة ذلك. فقد أخرج مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام رقم ١٩٧، وأحمد في "المسند" ٥/ ٢٩٧، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤/ ٢٩٣، وفي "دلائل النبوة" ١/ ٧١، ٧٢ وغيرهم عن أبي قتادة قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين. فقال ﷺ: "ذاك اليوم الذي ولدت فيه، وأنزل علي فيه". وهذا كاف فلا نطيل. وكذا كونه عام الفيل، كما صح عن ابن عباس، وقيس بن مخرمة عند أحمد ٤/ ٢١٥، والترمذي ٤/ ٥٨٩، و"سيرة ابن هشام" ١/ ١٧١، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٦١، و"دلائل النبوة" للبيهقي ١/ ٧٥، و"طبقات ابن سعد" ١/ ١٠١، و"المستدرك" ٢/ ٦٠٣ وبمثل هذا جاء الحديث عن قبات بن أشيم، ومحمد بن جبر، وغيرهم، كما أخرج ذلك عنهم البيهقي في "دلائل النبوة" ١/ ٧٩. وأما الشهر، فهو ربيع الأول، على حد قول ابن إسحاق، كما في "سيرة ابن هشام" ١/ ١٧١. ولم أقف في ذلك على شيء صحيح مسند. ولكن تتابع الناس عليه. ولذلك قال ابن الجوزي في "صفة الصفوة" ١/ ١٢: اتفقوا على أن رسول الله -ﷺ- ولد يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، عام الفيل. واختلفوا فيما مضى من ذلك الشهر لولادته على أربعة أقوال: أحدها: أنه ولد لليلتين خلتا منه. الثاني: لثمان خلون فيه. الثالث: لعشر خلون منه. الرابع: لاثنتي عشرة خلت منه. ٢ الذبيح. ٣ وليس هو اسمه، ولكن سمي بذلك لأن والده قال لأخيه المطلب وهو بمكة حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك بيثرب، واسمه فيما قيل: شيبة الحمد، وقيل عامر. ٤ واسمه عمرو، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يهشم الثريد لقومه في الجدب. ٥ واسمه المغيرة. ٦ واسمه مجمع، ولكن سمي بذلك لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة.
[ ٧٩ ]
ابن كلاب١ بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر٢ بن مالك بن النضر٣ بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن نزار بن مضر بن معد بن عدنان.. ويمتد نسبه بعد ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ٤.
وأما نسبه من جهة أمه، فأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.. ومعنى ذلك أن نسبه من جهة أبيه ومن جهة أمه يلتقيان في كلاب بن مرة، وهو الجد الخامس من جهة أبيه والرابع من جهة أمه.
وقد تناسل محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- من نكاح مشروع ولم يكن في أجداده من تلوث بسفاح الجاهلية٥. بل طهر الله أصوله تطهيرًا، ثم
_________________
(١) ١ واسمه حكيم، وقيل: عروة. ٢ واسمه قريش، وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه فكناني لا قرشي على الصحيح ٣ واسمه قيس. ٤ وما جاء في تسمية هذه الأسماء من عدنان إلى إبراهيم، فشيء ليس بمحفوظ ولا يعتمد عليه، كما كان ينكر ذلك ابن عباس وابن مسعود، ويحتج ابن عباس على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ . ويحتج ابن مسعود بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾، وهذه حجة قوية جدًّا تقطع دابر قول القائلين. وما أحسن ما قال العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية" ١/ ٩٦: "فالذي ينبغي لنا الإعراض عما فوق عدنان لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ، وعواصة تلك الأسماء، مع قلة الفائدة" انتهى. فائدة: جاء حديث عن أنس مرفوعًا ذكر فيه النبي -ﷺ- نسبه لعدنان كما مضى وسنده ضعيف، كما في "البداية" ٢/ ٢٥٥ أخرجه البيهقي. ٥ وقد جاء في هذا حديث من طرق، وأوجه مختلفة تفيد قوة الخير: أ- عن علي رفعه: "ولدت من نكاح لا عن سفاح ولم يصبني عهر الجاهلية"، أخرجه ابن شاذان وغيره كما في "فوائد ابن قانع" ١/ ١٦٣ ق. وبلفظ: "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء"، أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" ص ١٣٦، والجرجاني في "تاريخ جرجان" ص ٣١٨، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" =
[ ٨٠ ]
_________________
(١) = رقم ١٤، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١/ ٢٦٧/ ١، والطبراني في "الأوسط" ١/ ٥/ ٢٩١ رقم ٣٤٨٣ من "مجمع البحرين"، والعدني في مسنده كما في "الدر المنثور" ٢/ ٢٩٤، ومن طريقه أخرج الطبراني الحديث. وابن عدي في "الكامل" ١/ ٣٦٦ ق. وسنده ضعيف، والصحيح عندي أنه مرسل عن جعفر بن محمد عن أبيه، كما أخرجه ابن جرير في "التفسير" ١١/ ٥٦ والبيهقي ٧/ ١٩٠، وابن عساكر ١/ ٢٦٧/ ٢، وغيرهم، كابن سعد ١/ ٣١، وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، كما في "الدر" ٢/ ٢٩٤. وقد صحح إرسال الحديث عن جعفر بن محمد، دون الوصل عن علي، الذهبي في "تاريخ الإسلام" ١/ ٢٩، والحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٥٦ فقال: هذا مرسل جيد، وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم وقال عن الموصول عن علي: غريب من هذا الوجه ولا يكاد يصح. ب- عن عبد الله بن عباس عن النبي -ﷺ-: "خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح"، أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ١/ ٣٢، وبلفظ: "لم يلتق أبواي من سفاح، ولم يزل الله ينقلني من أصلاب طيبة "، أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" رقم ١٥. وبلفظ: "ما ولدني من نكاح الجاهلية شيء، وما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام"، أخرجه الطبراني في "الكبير" ٣/ ٩٩/ ١، والبيهقي ٧/ ١٩٠. أخرجوه من طرق لا تخلو من مقال. لذلك ضعفه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ١/ ٢٩، وابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٥٦، وللحديث لفظ مطول عند ابن عساكر ذكره ابن كثير في "البداية" ١/ ٢٥٨، وذكر تضعيف ابن عساكر له، ثم قال: منكر بهذا الطول. ج- عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "ما ولدتني بغي قط ". أخرجه ابن عساكر ١/ ٢٦٧/ ١ بسند ضعيف، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير ٢/ ٢٥٦. د- عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "ولدت من نكاح غير سفاح"، أخرجه ابن سعد ١/ ٣٢، وعنه ابن عساكر ١/ ٢٦٧/ ١، وابن الجوزي في "التحقيق" ٣/ ٩١/ ٢ بسند ضعيف كذلك. هـ- عن أنس، أخرجه البيهقي كما في "البداية" ٢/ ٢٥٥ وضعف سنده، وسياقه مطول اشتمل على كثير من الألفاظ الماضية. وللحديث شواهد موقوفة أيضًا، وأخرى مرفوعة بغير هذه الألفاظ، ساق كثيرًا منها الحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٥٧ وقال: وهذه الأحاديث وإن كان في رواتها من لا يحتج به فبعضها يؤكد بعضًا، ومعنى =
[ ٨١ ]
اصطفاه بعد ذلك من هذه الأصول الطاهرة ليكون هدى ونورا ورحمة للعالمين، وفي ذلك يروي الإمام مسلم١ عن رسول الله -ﷺ-: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
وكان عبد الله بن عبد المطلب قد تزوج من آمنة بنت وهب، وهي يومئذٍ من أفضل نساء قريش نسبًا، وأكرمهن ذكرًا، ولكن لم يمكث عبد الله مع زوجته إلا وقتًا قصيرًا ثم خرج في رحلة تجارية إلى الشام.
وقد شاء الله أن ترجع القافلة التجارية من الشام ويتخلف عبد الله بالمدينة عند أخواله من بني عدي بن النجار لشدة مرضه حيث أدركته الوفاة، وزوجته آمنة في شهور الحمل الأولى وكان عمره ثمانية عشر عامًا٢
_________________
(١) جميعها يرجع لحديث واثلة بن الأسقع -الذي أخرجه مسلم في صحيحه: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل "، الحديث. وسيذكره المؤلف وقد تقدم الحديث المروي من طريق جيد: "ولدت من نكاح لا من سفاح". انتهى، وقد قوى الحديث السيوطي. وانظر هذا الحديث في: "مجمع الزوائد" ٨/ ٢١٤، "الدر المنثور" ٣/ ٢٩٤، "المطالب العالية" رقم ٢٥٧، "كنز العمال" ٣٦٨٦٨ وما بعده، "التلخيص الحبير" ٣/ ١٧٢، "نصب الراية" ٣/ ٢١٣، "تفسير البغوي" ٣/ ١٧١، وهو حديث جيد قوي بطرقه وشواهده وقد قواه السبكي، كما نقل عنه ذلك صاحب "السيرة الحلبية" ١/ ٦٨ واعتمد الحديث هو. ١ "٣/ ٢١٢" وقد جاء هذا الحديث بألفاظ يطول ذكرها جدًّا، أورد أكثرها صاحب "السيرة الحلبية" ١/ ٤٣ وما بعدها. ٢ قال القسطلاني في "المواهب" ١/ ١٢٢: ولما تم لها شهران توفي عبد الله وقيل: توفي، والنبي -ﷺ- في المهد، قال الدولابي -وعزاه السهيلي لأكثر العلماء- وعن ابن أبي خيثمة: توفي وهو ابن شهرين. وقيل: وهو ابن سبعة= وقيل: وهو ابن ثمانية وعشرين. قال القسطلاني: والراجح المشهور الأول. انتهى. قلت: وانظر القصة عند ابن إسحاق ١/ ١٨٠، وابن كثير ٢/ ٢٥٠، والبيهقي في "الدلائل" ١/ ٨٦-٨٧، والقصة قالها ابن إسحاق والزهري، مرسلة. وأما سن عبد الله يوم وفاته، فقد ذكر ابن سعد ١/ ٦٣ عن الواقدي بسنده: كان سنّه خمسًا وعشرين.
[ ٨٢ ]
ولما تم حمل آمنة ووضعت ولدها جاء البشير إلى جده عبد المطلب فأخبره بهذا النبأ العظيم ففرح عبد المطلب بهذه البشرى وأقبل مسرورًا وحمل الوليد الصغير بين يديه، وذهب به إلى الكعبة ليباركه. وتذكر الروايات أنه حينئذٍ أخذ يقول:
الحمد لله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان أعيذه بالبيت ذي الأركان
أعيذه من شر ذي الغلمان من حاسد مضطرب العيان١
ثم سماه محمدًا، ولم يكن هذا الاسم شائعًا عند العرب قبل ذلك٢ ولكن
_________________
(١) ١ "الوفا بأحوال المصطفى" ١/ ١٦٢ لابن الجوزي و"الروض الأنف" ١/ ١٨٤ للسهيلي، وذكر أبياتًا أخرى لم يذكرها المؤلف، في آخرها: "أحمد مكتوب البيان". ٢ قال ابن سعد في "الطبقات": ١/ ١١١-١١٢ بأن العرب كانت تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبيًّا يبعث من العرب اسمه محمد. فسمى بعض العرب أبناءهم محمدًا طمعًا بذلك وأسند ذلك عن سعيد بن المسيب ثم ذكر منهم محمد بن خزاعي، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد الجشمي في بني سواءة، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفقيمي. وأسند ذلك عن ابن إسحاق وغيره. وقال السهيلي في "الروض" ١/ ١٨٢ هم ثلاثة -بحسب ما قال ابن إسحاق: محمد بن سفيان بن مجاشع، والآخر: محمد بن أحيحة بن الجلاح، ومحمد بن حمران بن ربيعة.. انتهى. قلت: فعند السهيلي غير من ذكر ابن سعد أيضًا، ومن تتبع وجد أثر من ذلك.
[ ٨٣ ]
الله ألهم جده بهذه التسمية، وقال: سميته محمدًا ليكون محمودًا عند الله وعند الناس.
ويروون في ذلك: أن عبد المطلب قد رأى في نومه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض، وطرف في الشرق وطرف في الغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها، فعبِّرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدًا١.
وقد ذكرت بعض كتب السيرة أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وغاضت بحيرة ساوه، وانهدمت الكنائس التي حولها٢، وعبر عن
_________________
(١) ١ عند السهيلي في "الروض الأنف" ١/ ١٨٢: قد ذكر حديث الرؤيا على القيراوني في كتاب "البستان" انتهى. أقول: ولا مانع من صحة هذه الرؤيا، لكون الرؤيا قد تصدق للكافر، كما صدقت لفرعون مصر زمن يوسف ﵇كما نصت على ذلك الآيات- أفلا تصدق ممن كان مثل عبد المطلب. نعم، لا نجزم بثبوتها، لأن الإثبات يفتقر إلى دليل، وهو معدوم. ٢ ذكرت هذه الإرهاصات في حديث يرويه على بن حرب، عن أبي أيوب يعلى بن عمران، حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه -وقد أتت عليه خمسون ومائة سنة- فذكر هذه الوقائع. أخرج ذلك الخرائطي في "هواتف الجان" عن علي بن حرب -كما في "البداية" ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩- ولا تعرف القصة بغير هذا لإسناد الضعيف كما عند البيهقي في "الدلائل" ١/ ١٢٦، وأبي نعيم ١/ ١٣٨، والباقي مراسيل، وانظر كذلك: "الوفا" ١/ ٩٧، و"تاريخ الطبري" ٢/ ١٣٨ وما بعدها، و"شرح المواهب اللدنية" ١/ ١٢١، و"الخصائص الكبرى" للسيوطي ١/ ٥١، و"الإصابة" لابن حجر ٣/ ٥٩٧، و"جامع المسانيد والسنن" ١٢/ ٢٥٩، و"أسد الغابة" ٤/ ٢٧٠ وفي حواشي دلائل أبي نعيم ١/ ١٣٨ وما بعدها ذكر مواضع رويت فيه غير ما ذكرت.
[ ٨٤ ]
ذلك البوصيري في قصيدته المشهورة، فقال:
أبان مولده عن طيب عنصره يا طيب مبتدإ منه ومختتم
يوم تفرس فيه الفرس أنهم قد أنذروا بحلول البؤس والنقم
وبات إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف عليه والنهر ساهي العين من سدم
وساء "ساوه" أن غاضت بحيرتها ورد واردها بالغيظ حين ظمي
ويقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة: إن هذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد -ﷺ- كان حقًّا إيذانًا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه.
وقد كانت رسالة محمد بن عبد الله أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي١، وكان جند القرآن أعدل رجال وعاهم التاريخ وأحصى فعالهم في تدويخ المستبدين وكسر شوكتهم طاغية إثر طاغية، فلما أحب الناس -بعد انطلاقهم من قيود العسف- تصوير هذه الحقيقة، تخيلوا هذه الإرهاصات وأحدثوا لها الروايات الواهية٢، ومحمد -ﷺ- غني عن هذا كله، فإن نصيبه
_________________
(١) ١ المرتبط بمفاهيم النصوص، وحكم التشريع الإلهي ومقاصده. ٢ الجزم بكون هذه الروايات محدثة، يفتقر إلى دليل، وهو جود كذاب في السند معروف، ثم بوجود نكارات أخرى في السند أو المتن -ليس هنا موضع ذكرها- والسند ليس فيه شيء من ذلك، بل قصارى ما فيه أن فيه مجاهيل لا يعرفون، فضعف بسبب ذلك. ولذلك أورده لهانئ جماعة في الصحابة، ولم يعترض معترض من الأئمة كابن حجر وابن الأثير، وابن كثير وغيرهم كثير على أن في السند وضاعًا أو كذابًا، ولا أنكر منهم الحديث برمته، بل كان جل اعتراضهم أنه ليس في الحديث ما يدل على صحبة هانئ. والقاعدة الاصطلاحية، أن الحديث الضعيف لا يقطع ببطلانه لمجرد عدم ثبوت سنده، لا سيما إذا كان ليس من النصوص الشرعية فالإجماع منعقد على ذلك فالحق أن هذه الروايات لا تصدق ولا تكذب، حتى يقوم دليل على أحد الأمرين. وقد ثبت في السنة خوارق أقوى مما في هذا الخبر، وأشياء دون ذلك، ولا نقول: محمد -ﷺ- غني هذا، أو غير غني. وإن كنا لا نشك أنه غني مثل تكليم الحيوان وحنين الجذع وغير ذلك مما ثبت في الأحاديث الصحيحة. فالاستغناء شيء، وحصول الأمر شيء آخر.
[ ٨٥ ]
الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها.
ونحن نزيد على ما قاله الشيخ الغزالي فنقول: إن معظم الكتب الأصلية في التاريخ والسيرة وكتب السنة الصحيحة لم تذكر هذه الإرهاصات فيما ذكرت من سائر الإرهاصات والمعجزات١ التي رويت عن الرسول -ﷺ.
ومثل هذه الحوادث الخطيرة لا يمكن إغفالها إذا وقعت. ولو أن أعداء الإسلام رأوها لما أنكروها. بل كانوا يسجلونها في كتبهم التي أرخوا فيها لتلك الفترة ويقولون عنها: إنها ترجع إلى أسباب كونية وعوامل طبيعية، ويحاولون أن يلتمسوا لها أي تعليل يخرج بها عن إثبات الفضل لمحمد -ﷺ- ولدينه، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن٢، وبهذا يصبح واضحًا أن مثل هذه الروايات لا تحمل من أسباب القوة٣ ما يجعلنا نطمئن إليها ونرجح وقوعها.
_________________
(١) ١ أما كتب السنة الصحيحة، فلم تذكر نعم، لضعف السند، وأما ادعاءه أن ذلك ليس في الكتب الأصلية!!. فما أدري إن كان يوجد أصل من هذه الكتب التي ذكرت في التاريخ والسيرة، كالبداية، ودلائل النبوة، وغير ذلك ما ذكر فيما مضى. وأزيد هنا "المواهب اللدنية" ١/ ١٣٠ للقسطلاني وزاد نسبته لابن عساكر، ونقل كلامًا يفيد اعتماد الحكاية -والصواب عدم اعتمادها- عند ابن ظفر وابن سيد الناس اليعمري. ٢ هذا يحتاج لاستقراء كبير وتتبع بالغ، ونفي العلم بالشيء لا ينفي الحصول وما أدري ما يضر المؤلف والغزالي إذا ما ثبت تلك الحوادث؟. ٣ نعم، لا تحمل أسباب القوة الإسنادية فنطمئن إليها، ولكن كذلك لا تحمل ما يجعلنا ننكرها، فليفهم.
[ ٨٦ ]
رضاعه:
وكان من عادة العرب أن يرضعوا أبناءهم خارج مكة، ويلتمسوا المراضع لهم في البادية حيث الجو الصافي المنطلق، حتى ينشأ الطفل صافي الذهن صحيح الجسم، فجاءت المرضعات يلتمسن الرضعاء في مكة فكان محمد بن عبد الله من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، واسم زوجها أبو كبشة، وقد كان لرضاع محمد أثر محمود في حياتهم فاتسعت أرزاقهم بفضل الله ورحمته، وكان وجوده لديهم خيرًا وبركة١.
_________________
(١) ١ جملة ما قيل أنهن أرضعنه -ﷺ- عشر نسوة: أ- أمه -ﷺ- آمنة، أرضعته سبعة أيام. ب- ثويبة مولاة أبي لهب، أرضعته ساعة ولد. ج- امرأة من بني سعد غير حليمة. د، هـ، ووثلاث نسوة من بني سليم مر عليهن، ذكرهن القرطبي وغيره. ز- أم فروة. ح- حليمة السعدية، الآتي الكلام عنها مفصلًا. ط- خولة بنت المنذر، وصوب جماعة أنها أرضعت ولده إبراهيم، لا هو -ﷺ. ي- أم أيمن، وصوب جماعة أنها من الحواضن لا من المرضعات. وانظر: "طبقات ابن سعد" ١/ ١٠٨ - ١٠٩ و"دلائل النبوة" للبيهقي ١/ ١٣١ ما بعدها، و"الروض الأنف" ١/ ١٨٢ وما بعدها، و"السيرة الحلبية" ١/ ١٣٩ وما بعدها، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٧٣ وما بعدها.
[ ٨٧ ]
قصة حليمة السعدية:
قالت حليمة:
خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي
[ ٨٧ ]
قمراء١، وفي سنة شهباء٢، لم تبق شيئًا، ومعه زوجي، ومعنا شارف لنا٣، والله ما ينبض٤ علينا بقطرة من لبن. ومعي صبي لي لا ننام ليلتنا من بكائه، ما في ثديي ما يغنيه.
فلما قدمنا مكة، لم تبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول -ﷺ- فتأباه، وإنما كنا نرجوا كرامة الرضاعة من والد الولد -وكان يتيمًا- ونقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه به، حتى لم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيًّا، غيري، فكرهت أن أرجع ولم أجد شيئًا وقد أخذ صواحبي.
فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك التيم، فلآخذنه، فأخذته ورجعت إلى رحلي.
فوالله ما هو إلا أن جعلته في حجري حتى أقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن فشرب حتى روي، وشرب أخوه -يعني ابنها- حتى روي، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلبها من اللبن ما شئنا، وشرب حتى روي وشربت حتى رويت، وبتنا ليلتنا شباعًا رواء وقد نام صبياننا، فقال زوجي: والله يا حليمة ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة.
قالت: ثم خرجنا، فوالله لخرجت أتاني٥ أمام الركب، حتى إنهم ليقولون: ويحك كفّي عنا أليست هذه بأتانك التي خرجت عليها.
_________________
(١) ١ شديدة البياض. ٢ أي قليلة الخضرة والماء، والمعنى شديدة الجدب. ٣ الشارف: الناقة المسنة. ٤ أي ما يسيل ولا يقطر. ٥ الأتان: أنثى الحمار.
[ ٨٨ ]
وكان ﷺ، يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة.
فبلغ سنة١، وهو غلام جفر٢.
فقدمنا على أمه فقلت لها وقال لها أبوه: ردي علينا ابني فلنرجع به، فإنا نخشى عليه وباء مكة. ونحن أضن شيء به مما رأينا من بركته.
قالت: فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا به، فرجعنا به. فمكث عندنا شهرين، فبينا يلعب هو وأخوه يومًا خلف البيوت يرعيان بهمًا لنا، إذا جاءنا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه:
أدركا أخي القرشي، قد جاء رجلان، فأضجعاه، وشقا بطنه.
فخرجنا نشتد، فانتهينا إليه، وهو قائم منتقع لونه، فاعتنقه أبوه واعتنقته ثم قلنا: ما لك أي بني.
قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا. قالت: فاحتملناه ورجعناه به.
قال أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر ما به ما نتخوف.
قالت: فرجعنا به.
فقالت أمه: ما يردكما به، فقد كنتما حريصين عليه.
_________________
(١) ١ في بعض المصادر: سنتيه، وفي بعضها سنًّا. ٢ أي ممتلئ قوي.
[ ٨٩ ]
فأخبراها القصة.
فطمأنتهما آمنة قائلة: إن لابني هذا لشأنًا، فلم أكن أحس أثناء حلمه بشيء مما تجد الحوامل، وقد رأيت وأنا أحمله كأن نورًا خرج مني فأضاء لي قصور الشام١.
ثم طلبت إليها أن تعود به إلى البادية مرة ثانية.
فعادت به حليمة، وظل معها حتى قارب الخامسة من عمره٢.
وتروي كتب السنة والسيرة وقوع هذه الحادثة للرسول -ﷺ- ليلة الإسراء والمعراج.
فلقد روى الإمام أحمد والإمام مسلم٣ عن الرسول -ﷺ- أنه قال: "فرج
_________________
(١) ١ هذا الحديث في "مسند أبي يعلى" ٢/ ٢٢٣، و"سيرة ابن هشام" ١/ ١٧١، و"الروض الأنف" ١/ ١٨٧ وما بعدها، و"صحيح ابن حبان" رقم ٦٣٣٥، و"السيرة النبوية" لابن عساكر ٧٤: ٧٦، و"المعجم الكبير" للطبراني ٥٤٥٢٤، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم ٩٤، و"تاريخ الأمم والملوك" ٢/ ١٥٨ للطبري، و"دلائل النبوة" ١/ ١٣٣ وما بعدها، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٧٣، وغيرهم، وقد صحح هذا الحديث جماعة وحسنه آخرون. وقال في "مجمع الزوائد" ٨/ ٢٢٠ رجاله ثقات. ونقل ابن حجر في "الفتح" ٧/ ٣٩٤ تصحيح ابن حبان وأقره. قلت: والحديث بشواهده لا ينزل عن درجة الحسن. وقد جاء من وجه آخر بزيادة كثيرة فيها محمد بن زكريا الغلابي أحد الضعفاء، كما روى ذلك البيهقي في "الدلائل" ١/ ١٣٩ وغيره. وقد قال الحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٧٥ بعد إيراده بطوله: وهذا الحديث قد روي من طرق أخر، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السيرة والمغازي، ثم ذكر بعض هذه الشواهد. ٢ نقله السهيلي في "الروض الأنف" ١/ ١٩٣ عن ابن عبد البر، وقال: ولم تره بعد ذلك إلا مرتين. ٣ بل الحديث عند الشيخين وطائفة وانظر: "صحيح البخاري" ١/ ٩٧، ٢/ ١٩١، ٤/ ١٦٥، و"صحيح مسلم" كتاب الإيمان ٢٦٣، "مسند أحمد" ٥/ ١٢٢، ٥/ ١٤٣، و"صحيح أبي عوانة" ١/ ١٣٣، و"شرح السنة" للبغوي ١٣/ ٣٤٥، وغير ذلك. وقد أخرج حديث شق الصدر عن جماعة من الصحابة، كما سيأتي تفصيل في ذلك.
[ ٩٠ ]
سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه".
ويختلف رأي العلماء في معنى شق الصدر، فيذهب البعض منهم إلى أنه شق حقيقي وأنه معجزة وقعت مرتين: مرة قبل البعثة، ومرة بعدها، فأما قبل البعثة فلكي تكون إرهاصًا للنبوة، وبشيرًا بما ينتظر لمحمد -ﷺ- من مركز كبير ومقام كريم، وأما بعد البعثة فلكي تكون معجزة تضاف إلى المعجزات الأخرى التي كرم الله بها نبيه -ﷺ- والتي تؤيد صدقه في دعواه١.
ويذهب البعض الآخر إلى أن حادث شق الصدر لم يقع حقيقة وإنما يقصد منه ما يفهم من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ٢ فهي بذلك تكون إشارة إلى
_________________
(١) ١ الصحيح أن شق الصدر حصل ثلاث مرات، كما جزم بذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٧/ ٢٠٤ وغيره، فإنه قال: قد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد. ولا إنكار في ذلك فقد تواردت الرواية به. وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في "الدلائل"، ولكل حكمة: فالأول أخرج الملك علقة منه وقال: "هذا حظ الشيطان منك"، كما عند مسلم، فنشأ في أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان. ثم وقع عند البعثة زيادة في إكرامه، ليتلقى ما يوحى إليه بقلب أقوى. ثم وقع شق الصدر عن إرادة العروج ليتأهب للمناجاة. ويحتمل أن تكون الحكمة في ذلك وتكرير الغسل ثلاث مرات المبالغة في الإسباغ، كما تقرر في شرعه ﷺ، انتهى. قلت: وفي "المواهب اللدنية" ١/ ١٥٩ وروي الشق أيضًا وهو ابن عشر سنين أو نحوها، مع قصة له مع عبد المطلب، أخرج الحديث أبو نعيم في الدلائل وروي خامسة، ولا تثبت. ٢ سورة الانشراح، الآية ١.
[ ٩١ ]
تطهير الرسول -ﷺ- من الشوائب التي توجد في نفوس الناس، والسمو به إلى درجة عالية من الطهارات النفسية والخلقية.
وممن يرون هذا الرأي -من علماء هذا العصر- الشيخ محمد الغزالي١ في كتابه فقه السيرة فلقد جاء فيه: إن بشرًا ممتازًا كمحمد -ﷺ- لا تدعه العناية غرضًا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس.
فإذا كانت للشر موجات تملأ الآفاق. وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها، فقلوب النبيين -بتولي الله لها- لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدلي، وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته
عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله -ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" ٢.
ثم يقول: ولعل أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات التي أضفاها الله على محمد -ﷺ- فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن مزالق الطبع الإنساني ومفاتن الحياة الأرضية، وقد أورد الخازن في تفسيره القصة الأولى -أيام الرضاعة- عند تفسيره لقول الله ﷿:
_________________
(١) ١ وهذا من جملة منكراته وسيأتي الرد على ذلك. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه في "صفات المنافقين" ٦٩، وأحمد في "المسند" ١/ ٣٨٥، ١/ ٤٠١، وانظر أطرافه في: "نصب الراية" ١/ ٤٣٤، "الدر المنثور" ٦/ ١٨، "مشكل الآثار" ١/ ٢٩، "كنز العمال" ١٢٤٢، "إتحاف السادة المتقين" ٥/ ٣١٣، ٧/ ٢٦٧، "مشكاة المصابيح" ٩٧، "معجم الطبراني" ١٠/ ٢٦٩، "دلائل النبوة" للبيهقي ٧/ ١٠٠، ولأبي نعيم ١/ ٥٨، و"البداية" لابن كثير ١/ ٥٢، وتفسيره ٤/ ٣٦١، وغير ذلك.
[ ٩٢ ]
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ١.
وشرح الصدر الذي عنته الآيات ليس نتيجة جراحة يجريها ملك أو طبيب! ويحسن أن نعرف شئيًا عن أساليب الحقيقة والمجاز التي تقع في السُّنة.
عن عائشة: "أن بعض أزواج النبي -ﷺ- قلن: يا رسول الله أينا أسرع بك لحوقًا؟ قال: "أطولكن يدًّا، فأخذن قصبة يذرعنها فكانت سودة أطولهن يدًّا"، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها: الصدقة، وكانت تحب الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به"٢.
_________________
(١) ١ سورة الانشراح الآيات: ١، ٢، ٣. ٢ "فقه السيرة" ص: ٤٩، ٥٠. والحديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه ص: ١٩٠٧، والبخاري ٣/ ٣٨٥ وغيرهما ولكن ما أدري كيف تشتد الغفلة بالمرء، فيستدل بما ليس بدليل، ويعتمد ما ليس بحجة، وإن الكلام على هذا الحديث وشرحه يطول، حتى يمكن أن يصنف في معنى هذا الحديث، وما وقع من الخلاف فيه، ونحن نختصر في ذلك ما أمكن. فاللفظ الوارد في المتن هو البخاري، وخالفه مسلم فيه ولفظه: قال ﷺ: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًّا، قالت: فكن يتطاولن أيهن أطول يدًّا، فكانت زينب أطوالنا يدًّا لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق". وقد وقع بين العلماء كلام طويل في ترجيح أي الحديثين، نقل بعضه ابن حجر في "الفتح" ٣/ ٣٨٦-٣٨٨. وقد جاء سياق في "المستدرك" ٤/ ٢٥ يبين أن أطولهن ذراعًا لم تكن زينب، ومع ذلك كانت أسرع زوجاته موتًا بعده، وذلك لطول يدها في الصدقة. فأقول هنا: فإن كان على لفظ البخاري، فلا دليل للغزالي، لأن الرواية صحت بالحقيقة والمجاز. وإن كان على لفظ مسلم، فلا دليل على نفس الحقيقة، وإنها غير مراده. وأما اللفظ الذي كان يمكن أن يستدل به فهو لفظ المستدرك، وغفل عنه، وهو لا حجة فيه لمن تأمل، لأن زوجاته لم يفهمن منه إلا الحقيقة، لكونه لا يصار إلى المجاز إلا بقرينة تصرف الكلام إليه، أو بامتناع إرادة الحقيقة -كما هو مقرر في كتب الأصول حتى لا تصرف كل الألفاظ عن ظواهرها، وتبطل الأدلة- =
[ ٩٣ ]
ونحن نقول: إن محمدًا -ﷺ- لم تدعه العناية غرضًا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، وإنه لو لم يقم الملكان بشق صدره لما كان أبدًا غرضًا للوساوس، بل لكان مثله كمثل جميع الرسل الذين اصطفاهم الله من عباده وطهر قلوبهم من الوساوس دون أن تشق صدورهم.
وإنما أراد الله بهذه الحادثة الفريدة في نوعها أن تتوجه الأنظار والقلوب إلى محمد -ﷺ- في طفولته وبعد بعثته. ويعرف الناس عنه أن عناية خاصة تحيط به وتميزه عن غيره، وأن العناية التي أحيت الموتى وأبرأت الأكمه والأبرص على يدي المسيح -﵇- هي العناية التي شقت صدر محمد -ﷺ- ثم أرجعته في لحظات إلى حالته الطبيعية. وهذا شأن المعجزات التي لا تخضع ولا ترتبط بالأسباب العادية.
ولا ينبغي بأي حال أن تحمل القصة على أنها من الأساليب المجازية، لأن سياق القصة والتعبير بلفظ: "جاءني رجلان عليهما ثياب بيض"، وكلمة "فأضجعاني وشقا بطني"، وفرار أخيه من الرضاعة فزعًا مما رأى، ومجيء السيدة حليمة هي وزوجها بعد أن أخبرهما ولدهما بما أصاب أخاه محمدًا -ﷺ- ومقابلتهما لمحمد -ﷺ- وهو منتقع لونه، وحكايته للقصة مرة ثانية بنفس هذه
_________________
(١) = ولما لم تكن من قرينة، ولا امتناع من مراد الظاهر، امتنع التأويل، وفيهن فقيهة الفقيهات أم المؤمنين عائشة -﵂- التي من نظر فيها استدركته على الصحابة علم مقدار فقهها. ثم لما ماتت من ليست بأطولهن يدًّا -على رواية المستدرك- وخبر الصادق لا يتخلف، توجب صرف اللفظ عن ظاهره بإرادة معنى الصدقة. وهنا أسأل: ما المانع من إرادة الظاهر والحقيقة؟! وما القرينة المحتمة صرف اللفظ عن ظاهره؟! وفيما سيأتي زيادة كذلك.
[ ٩٤ ]
الألفاظ- كل ذلك يجعل الحقيقة في هذه القصة واضحة لذي عينين، ويبعد بها عن الأسلوب المجازي بعد المشرقين.
وإذا كان بعض المستشرقين ينكر هذه الحادثة لأنها تعتمد على رواية طفلين لا يصح الأخذ بقولهما، فإننا نرى أن رواية الأطفال كثيرًا ما تكون بعيدة عن الكذب والاختلاق أكثر من رواية الرجال.
ومع ذلك فقد تحدث الرسول -ﷺ- عن هذه الحادثة بعد البعثة حينما كان يسترجع ذكريات الطفولة ويقصها على أصحابه، وأخبر عن المرة الثانية التي وقعت له في ليلة الإسراء والمعراج١.
وإذن فالرأي الذي نرتضيه هو أن حادث شق الصدر قد وقع بطريقة حسية، وأنه من الإرهاصات التي تبشر بنبوة محمد -ﷺ- وتسلط الأضواء عليه قبل النبوة، إذ ليس هناك ما يمنع من ذلك ما دمنا نؤمن بالعناية الإلهية التي تصاحب الأنبياء منذ فجر حياتهم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
_________________
(١) ١ وقد تقدم ذكر ذلك وأكثر، وحادثة شق الصدر لا يرتاب فيها من شم رائحة العلم.
[ ٩٥ ]
عهد الطفولة والشباب:
وهو العهد الذي يبدأ منذ رجع محمد -ﷺ- من بادية بني سعد، وهو في الخامسة من عمره إلى أن بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة ونزل عليه الوحي ليكون رسولًا نبيًّا، وقد مرت بمحمد -ﷺ- في هذه الحقيقة أحداث كثيرة تركت في نفسه أعظم الآثار، فكان يذكرها بعد النبوة ويتحدث عنها حديث الحب والشوق أو حديث الألم والحزن أو حديث الإعجاب والتقدير، فمن ذلك سفره مع أمه إلى
[ ٩٥ ]
يثرب، وهو في السادسة من عمره لزيارة أخوال جده من بني عدي بن النجار١.
وفي هذه الرحلة رأى محمد -ﷺ- قبر والده عبد الله في يثرب، فانطبعت في نفسه معانٍ عميقة ظل يشعرها طول حياته، ثم رأى والدته وهو عائد من يثرب إلى مكة يتخطفها الموت وتغيب عن عينيه في أعماق الثرى، ولا يرى معه في هذا الظرف العصيب إلا جاريته أم أيمن تضرب في البيداء المترامية، وبين الظلمات المتكاثفة من الخوف والحزن الذي ألم به بعد فراق أمّه الرءوم حتى تعود به إلى جده عبد المطلب فيتسلمه.
ومنذ أن عاد محمد -ﷺ- إلى جده العظيم عبد المطلب بدأت تزول مخاوفه وأحزانه، لأنه رأى من عطفه وحنانه ما أنساه ألم اليتم وعوضه عن فقد والديه. ويذكر الرواة من مظاهر هذا العطف والحنان أن عبد المطلب كان له فراش في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ولا يجرؤ أحد أن يجلس عليه إجلالًا له واحترامًا، وكان محمد -ﷺ- يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عن فراش جده، فيقول عبد المطلب حين يرى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا. ويجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما كان يصنع٢.
_________________
(١) ١ ذكر هذه الحادثة ابن سعد في "الطبقات" ٢/ ١١٦- ١١٧ مسندًا ذلك عن الزهري وقتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وابن عباس. وانظر "المواهب اللدنية" ١/ ١٦٨، و"الروض الأنف" ١/ ١٩٤، و"البداية والنهاية" ٢/ ١٧٩، ومجيء هذه الحكاية من أوجه متعددة يفيد ثبوتها، وإن كانت جميعها مرسلة. ٢ سيرة ابن هشام، و"الروض الأنف" ١/ ١٩٥، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٨١، ولم أقف على هذه الحكاية من وجه مسند متصل، وقد رواه الواقدي -وهو متروك- من أوجه مرسلة.
[ ٩٦ ]
ولكن القدر لم يمهل عبد المطلب بعد وفاة آمنة سوى عامين ثم أدركته المنية ومحمد -ﷺ- لا يزال في الثامنة من عمره ١، وقد فزع محمد لفراق جده، وامتلأت نفسه بالحزن العميق حتى لقد لفت هذا الحزن أنظار الناس وهم يشيعون عبد المطلب إلى مقره الأخير حيث كانوا يرون محمدًا -وهو الطفل الصغير- يمشي في جنازة جده مطرق الرأس موزع الفكر دائم البكاء ٢.
ومن ذلك سفره إلى الشام مع عمه أبي طالب الذي كفله بعد وفاة جده، وكان خير المثال للعمومة الكريمة والأبوة الرحيمة.
وفي هذا الطريق التقى محمد -ﷺ- براهب نصراني يقال له: بحيرا، وكان محمد -ﷺ- حينئذٍ في الثانية عشرة من عمره، وكان ذلك بالقرب من بصرى وهي قرية في الحدود بين الشام وبلاد العرب. ويقال إن هذا الراهب أخذ يسأل محمد -ﷺ- عن كثير من أحواله، وإن محمدًا -ﷺ- أخبره عن كل ما سأل عنه. فوجد هذا الراهب أن هذه الأوصاف هي أوصاف النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل.
وحينئذٍ قال لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: إنه ابني.
فقال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا.
قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت.
_________________
(١) ١ هذا قول ابن إسحاق، كما في "سيرة ابن هشام" ١/ ١٧٨، وأسنده عنه البيهقي في "الدلائل" ١/ ١٨٨، ولم يحك ابن كثير غيره في "البداية" ٢/ ٢٨٢. وقد أخرج ابن سعد من وجه ضعيف ١/ ١١٩ "أنه -ﷺ- سئل: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم، أنا يومئذٍ ابن ثماني سنين". وقالت أم أيمن: رأيته يبكي خلف سرير عبد المطلب. ٢ قدمنا في الحاشية السابقة قول أم أيمن وأنها رأته يبكي، والسند ضعيف.
[ ٩٧ ]
وقد نصح هذا الراهب أبا طالب بألا يوغل بمحمد -ﷺ- في بلاد الشام خوفًا عليه من أذى اليهود وشرهم إذا رأوا فيه تلك الأمارات التي تدل على أنه النبي المنتظر١.
_________________
(١) ١ ذكر هذه القصة ابن إسحاق بلا إسناد ١/ ١٩١ - ١٩٤ وعنده مزيد تفصيل. وأوردها صاحب "الروض الأنف" ١/ ٢٠٥-٢٠٧ وعزاها كذلك للزهري في سيره والمسعودي. وأخرج ابن سعد القصة ١/ ١٢٠-١٢١ بسند منقطع، ومن طريق الواقدي. ومن هذا الوجه أخرج القصة أبو نعيم، كما في "دلائل النبوة" رقم ١٠٨ و"الخصائص" للسيوطي ١/ ٢١١، و"الإصابة" ١/ ١٧٩ لابن حجر. وفي "المواهب اللدنية" ١/ ١٨٧ عزاه لابن أبي شيبة لكن في القصة اختلاف. وفي "البداية" ٢/ ٢٨٤ ذكر قصة لقاء بحيرى وقال: أخرج الحافظ الخرائطي عن عباس الدوري، عن قراد أبي نوح، حدثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه، قال خرج أبو طالب.. فذكر في الحديث أنه لقي بحيرى وقال له عن النبي -ﷺ: هذا سيد العالمين. وروى هذا الحديث الترمذي والبيهقي وابن عساكر والحاكم من هذا الوجه بزيادة تفصيل. ورجال الحديث موثقون غير قراد: قال ابن كثير: وثقه جماعة من الأئمة ولم أر من جرحه، وفي حديث هذا غرابة وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الدوري: ليس في الدنيا أحد يحدث به غير قراد، وقد سمعه منه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين لغرابته وانفراده. قال ابن كثير: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة إلى آخر ما قال. قلت: وذكر بحيرى الراهب في الصحابة عند ابن منده وأبي نعيم تقضي عندهما ثبوت الخبر ما داما لم يتعقبا الرواية بشيء. وقال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي. وقال ابن حجر في "الإصابة" ١/ ١٣٩ في القسم الأول في بحيرى الراهب غير هذا: ظن بعضهم أنه بحيرى الراهب الذي لقي النبي -ﷺ- بالشام قبل البعثة مع أبي طالب وليس بصواب -إن صح الخبر. ثم قال ١/ ١٧٦ في القسم الرابع: وردت هذه القصة بإسنادٍ رجاله ثقات من حديث أبي موسى، أخرجها الترمذي وغيره، وفي القصة لفظة منكرة.. ثم ذكر أن الحديث وقصة بحيرى أخرجها الحافظ عبد الغني من وجه تالف. قلت: سند حديث أبي موسى رجاله ثقات نعم، لكن لا يصح خشية أن يكون أبا إسحاق قد دلس فيه.
[ ٩٨ ]
ولا شك أن هذه الرحلة كان لها أثر كبير في حياة الرسول -ﷺ- فلقد وسعت أفقه وزادت من تجاربه، وفتحت بين يديه أبوابًا من الأمل الواسع في مستقبل عظيم ومجد كبير.
ومن ذلك شهوده حرب الفجار وحلف الفضول.
أما حرب الفجار فقد شهدها محمد -ﷺ- مع أعمامه وكان عمره خمسة عشر عامًا١، فكان يناول أعمامه السهام أحيانًا ويقاتل معهم أحيانًا أخرى.. وكانت هذه الحرب بين كنانة وقيس.
وقد انضمت قريش إلى كنانة دفاعًا عن قداسة الأشهر الحرم ومكانة أرض الحرم، واستمرت هذه الحرب أربعة أعوام، ثم انتهت بالصلح بين الفريقين٢.
وأما حلف الفضول، فهو ميثاق كريم يدعو إلى الدفاع عن الحقوق وحماية المستضعفين. وقد عقدته قريش بعد رجوعها من حرب الفجار في دار عبد الله ابن جدعان بمكة، وتعاهدت فيه أن تحمي الضعفاء والمظلومين حتى يأمن كل إنسان على ماله وعياله، وقد رفع هذا الحلف مكانة قريش بين قبائل العرب،
_________________
(١) ١ هذا قول ابن هشام عن أبي عبيدة النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء، ١/ ١٩٥، ثم نقل عن ابن إسحاق ١/ ١٩٨ أن الحرب هاجت وللنبي -ﷺ- عشرون سنة. وانظر "البداية" ٢/ ٢٨٩. وقد أخرج ابن سعد ١/ ١٢٦ - ١٢٧ من طرق واهية أنه كان ابن عشرين. ولعل الجمع أنه كان أول ما حضرها ابن خمسة عشر في أولها، فلما انتهت كان قد قارب العشرين، والله أعلم. وسيؤيد هذا الكلام ما يأتي. ٢ وذلك بدعوة قام بها عتبة بن ربيعة، كما في "طبقات ابن سعد" ١/ ١٢٨، و"البداية" ٢/ ٢٩٠ لابن كثير، وغيرها.
[ ٩٩ ]
وكان محمد -ﷺ- وقت حضوره هذا الحلف في العشرين من عمره١.
وقد ترك هذا الحلف العظيم في نفس محمد -ﷺ- أعمق الآثار، لأنه حلف إنساني يدعو إلى الخير ومكارم الأخلاق، ثم تحدث -ﷺ- عنه بعد البعثة فأثنى عليه وقال: "لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أود لو أن لي به حمر النعم ٢، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت" ٣.
_________________
(١) ١ أخرج ذلك ابن سعد ١/ ١٢٨ بسند ضعيف، لكن صح عنه -ﷺ- هذا الحلف كما سيأتي دون تحديد السن. ٢ حمر النعم، هي الإبل الحمراء، وهي أجود أنواع الإبل. ٣ هذا هو الصحيح، والحديث صحيح. وقد وقع بعض الغلط في بعض الأحاديث، فذكر بعض الرواة أنه ﷺ، شهد حلف المطيبين، وقال فيه هذا، كما أخرجه أحمد في "المسند" ١/ ١٩٠، والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٣٨ وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن عوف رفع الحديث: "شهدت مع أعمامي حلف المطيبين، ما أحب أن أنكثه، وأن لي حمر النعم"، ثم أخرج البيهقي ٢/ ٣٨ عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيبين ". قال البيهقي: زعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، وأن النبي -ﷺ- لم يدرك حلف المطيبين إلى آخر كلام البيهقي. ونقل ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٩١ كلامه هذا وقال: وهذا لا شك فيه، وذلك أن قريشًا تحالفوا بعد موت قصي.. فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت فسموا المطيبين، وكان هذا قديمًا، ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول، وكان في دار عبد الله بن جدعان، كما رواه الحميدي، عن ابن عيينة، عن عبد الله، عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول -ﷺ-: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت ". وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة، في شهر ذي القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر إلى آخر ما قال. وانظر "الكامل في التاريخ" ٢/ ٢٧، و"طبقات ابن سعد" ١/ ١٢٩.
[ ١٠٠ ]
زواجه من السيدة خديجة ١:
ثم نقف بعد ذلك عند العام الخامس والعشرين٢ من عمر الرسول -ﷺ- حيث يتغير به مجرى الحياة وتهيئ له الأقدار الزوجة المباركة التي تشاركه في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء، وهي السيدة خديجة -﵂- فما هي الظروف التي هيأت لذلك الحادث العظيم؟
يقول ابن هشام في سيرته: فلما بلغ رسول الله -ﷺ- خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. ثم يقول: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجل في مالها وتضاربهم٣ إياه بشيء تجعله لهم، فلما بلغها عن رسول الله -ﷺ- ما بلغها عن صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرًا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة٤، وقد قبل رسول الله -ﷺ- وخرج مع غلامها ميسرة حتى نزل
_________________
(١) ١ انظر خبر زواجه -ﷺ- هذا في "طبقات ابن سعد" ١/ ١٣، و"سيرة ابن هشام" ١/ ١٩٨، و"الروض الأنف" ١/ ٢١١، و"المواهب اللدنية" ١/ ١٩٠، و"دلائل النبوة" ٢/ ٦٥، و"السيرة الحلبية" ١/ ٢٢٢، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٩٣ وغير ذلك. ٢ هذا في أكثر الروايات، وبه جزم ابن هشام ١/ ١٩٨، وذكر أنه حدثه بذلك غير واحد من أهل العلم. وأسند ذلك البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٧٢ عن عمر بن أبي بكر. ونقل ابن كثير في "البداية" ٢/ ٢٩٥ هذا السن عن البيهقي والحاكم. وذكره القسطلاني ثم قال ١/ ١٩٠. وقيل: كان سنة إحدى وعشرين سنة، وقيل ثلاثين. انتهى. قلت: والأول أشهر وأكثر، ولم أقف على سند صحيح في ذلك. ٣ أي تعملهم في مالها وتقسم لهم مقابل ذلك شيئًا من الربح، وقيل: تقارضهم. ٤ "سيرة ابن هشام" ١/ ١٩٩.
[ ١٠١ ]
الشام وربحت التجارة ربحًا عظيمًا..
وظهرت له بركات قصها ميسرة على سيدته بعد عودتهما، فأحبت السيدة خديجة محمدًا -ﷺ- حبًّا جمًّا من أجل ما رأت منه وما سمعت عنه.
ذلك بأنه كان وهو في طور الشباب ناضج العقل راشد الرجولة، وكان مع ذلك صادق الحديث أمينًا إلى أعلى ما تدل عليه هذه الكلمة من سمو وجلال. أجل كان أمينًا على نفسه فلم يستسلم إلى شر أو رذلة. وكان أمينًا على الناس، فلم ينتهك عرضًا ولم يظلم أحدًا ولم يفش سرًّا، ولم يخن في أمانة.
ودارت مراسلات بدأت من جانب السيدة خديجة في جو من الأدب والحياء والطهر انتهت بالموافقة من الطرفين١ وتم عقد الزواج بإيجاب وقبول وصداق، فكان زواجها شرعيًّا متمشيًا مع ما بقي حينئذٍ من دين إبراهيم -﵇- وخطب أبو طالب في هذا الزواج فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية
_________________
(١) ١ ولعل أصلح ما روي في ذلك -مع ضعف الإسناد- ما ذكره عمار بن ياسر قال: أجزنا ذات يوم أنا ورسول الله -ﷺ- على أخت خديجة وهي جالسة على أدم تبيعها فنادتني، فانصرفت إليها ووقف لي رسول الله -ﷺ. فقالت: أما لصاحبك من حاجة في تزويج خديجة. قال عمار: فرجعت إليه فأخبرته، فقال: بلى لعمري. فذكرت لها قوله، فقالت: أغدوا علينا إذا أصبحنا، فغدونا عليهم.. فذكر الحديث في الموافقة. وسنده واهٍ، وقد أخرجه البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٧١، وعزاه الهيثمي في "المجمع" ٩/ ٢٢٠ للطبراني والبزار وضعفه بعمر بن أبي بكر المؤملي. ثم أورد حديثًا آخر عن جابر أو غيره من الصحابة، وأنه كان يتردد لأخت خديجة من أجل دين كان له عليها، وكان يأتيها ومعه النبي -ﷺ- فلا يدخل معه، ويبقى مستحييًا فلما علمت به أخت خديجة ذكرته لخديجة ووصفت حياءه وعفافه، فوقع في نفسها ثم عزاه للطبراني والبزار ووثق رجاله. قلت: وقد روي في ذلك غير هذا.
[ ١٠٢ ]
إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بيتًا محجوجًا وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكام على الناس.
ثم إن محمدًا ابن أخي لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح عليه شرفًا ونبلًا، وفضلًا وعقلًا، وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وعارية مسترجعة. وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك١.
وكانت خديجة حينئذٍ في سن الأربعين٢. وقد ظلت مع الرسول -ﷺ- إلى أن بلغت سن الخامسة والستين ثم ماتت في العام العاشر من البعثة النبوية٣.
_________________
(١) ١ "المواهب اللدنية" ١/ ١٩٢، و"الروض الأنف" ١/ ٢١٣، وما مضى من المراجع. ٢ وقيل غير ذلك، وهذا هو الأشهر والأقوى.. وبه جزم ابن هشام، وقدمه مغلطاي والبرهان، ورواه ابن سعد. ٣ وانظر ترجمتها في: "طبقات ابن سعد" ٨/ ٥٢ ١/ ١٣١، "تاريخ الفسوي" ٣/ ٢٥٣، "المستدرك" ٣/ ١٨٢، "الاستيعاب" ١٨١٧، "أسد الغابة" ٢/ ٧٨، "الإصابة" ٢/ ٢١٣، وما قدمنا من المراجع.
[ ١٠٣ ]
بعض البشائر بنبوة محمد -ﷺ- من التوراة والإنجيل:
وحسبنا أن نذكر في ذلك ما روي عن ثعلبة بن هلال، وكان من أحبار اليهود، حينما سأله عمر بن الخطاب -﵁- وقال له: أخبرني بصفات النبي -ﷺ- في التوراة.
فقال: إن صفته في توراة بني هارون التي لم تغير ولم تبدل هي: أحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو آخر الأنبياء. وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح، ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة.
[ ١٠٣ ]
يولد بمكة، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب.
وهو الحماد يحمد الله في الشدة والرخاء. صاحبه من الملائكة: جبريل، يلقى من قومه أذًى شديدًا، ثم تكون له الدولة عليهم، فيحصدهم حصيدًا، تكون الواقعات بيثرب منها عليه ومنه عليها، ثم له العاقبة، معه قوم هم أسرع إلى الموت من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، وقربانهم دماؤهم. ليوث النهار، رهبان الليل. وهو يعرب العدو مسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه، ثم يخرج ويحكم، لا حرس ولا حجاب، الله يحرسه، وجاء في إنجيل برنابا في الفصل التاسع والثلاثين:
"إن آدم لما انتصب على قدميه رأى في الهواء كتابة تتألق كالشمس نصها لا إله إلا الله محمد رسول الله".
فلما سأل عن محمد -ﷺ- قال الله له: إنه ابنك الذي سيأتي إلى العالم بعد آلاف السنين، والذي متى جاء سيعطي للعالم الهدى والنور١.
_________________
(١) ١ راجع كتاب "منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب" لعبد العزيز آل معمر، وكتاب "محمد نبي الإسلام في التوراة والإنجيل والقرآن" للطهطاوي، تجد فيهما من هذا أشياء. وكان أولى من هذا لو أورد المؤلف بعضًا من الكثير الطيب الذي أخرجه الإمامان أبو يعلى، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٥٩-٩١ لأبي نعيم، و٢/ ٧٤ وما بعدها للبيهقي.
[ ١٠٤ ]
حياة التأمل:
ومنذ استقرار حياة محمد -ﷺ- بعد زواجه من خديجة بدأ يفكر ويطيل التفكر فيمن حوله، فيراهم سادرين في غيهم، عاكفين على عبادة أصنامهم، فلا يعجبه
[ ١٠٤ ]
هذا الصنيع، ولا يروقه هذا المظهر الوضيع، فيتساءل في نفسه كيف يمكن أن يعيد الإنسان العاقل صنمًا لا يعقل ولا يفكر ولا يسمع ولا يبصر؟ وكيف يمكن أن يوجد هذا العالم بما يحويه من عجائب، وما يحيط به من أسرار، دون حاجة إلى موجد عظيم سميع بصير قوي قادر عليم حكيم.
وأشرقت نفسه بهذه الرياضة الروحية العالية، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح١، أي وقعت كما رآها في المنام ليس فيها أوهام ولا أضغاث أحلام. ثم حببت إليه الخلوة والانقطاع عن الناس؛ فكأن يخلو بغار حراء ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ويحمل معه الطعام والماء. فإذا فرغ رجع إلى السيدة خديجة فحمل ما يحتاجه من الزاد، ثم ينطلق إلى الغار ليتعبد. وكانت هذه العبادة على دين إبراهيم، وقيل كان بالتأمل والتفكير في هذا الكون العجيب، وما يحيط به من أسرار دقيقة تدل على وجود إله قدير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٣.
وقد لجأ محمد بن عبد الله -ﷺ- إلى العبادة عن طريق التأمل والتفكير، حينما وضح له أن مكة قد أحاطت بها ظلمات الشرك والضلال، وغرقت إلى الأذقان في عبادة الأصنام والأوثان، وأن البيت العتيق الذي هو موضع الطهر والقداسة
_________________
(١) ١ أخرج البخاري ١/ ٢٥ ومسلم ١/ ٩٧ وغيرهما من حديث عائشة قالت: "أول ما بدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء فيتحنث -يتعبد- فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك " الحديث. ٢ سورة الشورى الآية ١١. ٣ سورة آل عمران، الآية ١٩٠.
[ ١٠٥ ]
لدى العرب أجمعين، لا ينبغي أن تهفو إليه قلوب العقلاء ما دام محاطًا بهذه الأحجار التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، وما دام السفهاء من الناس يلتمسون الخير والبركة في ظل تلك الأحجار، ويعتقدون أنها تشع لهم عند الله، فتيسر على الفقير وتهب الصحة للمريض ويرونها الملاذ الآمن فيلجئون إليها في الشدائد والكروب، ويستنصرون بها إذا نزلت بهم الخطوب.
أجل كان محمد صلوات الله وسلامه عليه -وهو الذي صنعه الله على عينه، ووهبه رجحان العقل وسداد الرأي ونفاذ البصيرة- ينظر إلى الملأ من قريش، فيعجب كل العجب حينما يراهم -وفيهم أفذاذ الرجال الذين صقلتهم التجارب والحوادث- ولكنهم على الرغم من ذلك كله يعكفون على أصنام لهم، ولئن سألتهم: لم تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر؟ فإنهم يتشبثون بمنطق زائف كليل، وحجة داحضة عمياء ويقولون: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: من الآية: ٥٣] .
وكان من الطبيعي أن يضيق محمد -ﷺ- بهذا الجو الخانق، وينفر من هذه البيئة الفاسدة، ويلتمس له من هذا الضيق فرجًا ومخرجًا. وإذن فإلى أين المصير؟ وكيف يكون المخرج من هذا الفساد المستحكم والشر المستطير؟
[ ١٠٦ ]
في غار حراء:
على بعد ساعة واحدة من مكة المكرمة بالسير على الأقدام، وعلى يسار الذاهب إلى منى تمتد سلسلة من الجبال والآكام المتلاصقة، ويلوح في وسطها جبل أحد يطل على تلك الفيافي الشاسعة والجبال الفارعة، وكأنه المنارة الساطعة. ذلكم هو الجبل الأشم الخالد على الزمن: جبل حراء.
وقد طلع محمد -ﷺ- قبيل البعثة إلى هذه البقعة العالية، حينما رأى قريشًا قد
[ ١٠٦ ]
هوت إلى الحضيض، وانحدرت في عبادتها إلى الدرك الأسفل، فسما هو إلى هذا المكان وكان يخلو به كل عام في شهر رمضان١، أجل كان يخلو بغار في أعلى هذا الجبل الأشم، وهو كهف غريب جعله الله على وضع عجيب، يأخذه فيه الإنسان راحته الكاملة، وتنطلق فيه الروح من أسر المادة وعقال الشهوة، إلى حيث تسمو إلى العلياء، وتسبح في ملكوت السموات والأرض. فبابه يتسع لدخول الشخص الواحد وهو قائم، وقد غُطي سقفه بصخور مائلة، لذا كان وسطه أعلى من جانبيه.
ويستطيع اثنان متجاوران أن يصليا فيه براحة كاملة، ومساحته من الداخل تسمح بنوم ثلاثة من الرجال متجاورين.
وقد أسعدني الحظ بالرقي إلى هذا الغار في رفقة من الأصدقاء الأخيار، ومع نفر من أبنائنا الطلاب في كلية الشريعة بمكة. وكانوا جميعًا من الشباب الممتلئ بالقوة والفتوة، ولولا دافع قوي من الإيمان وشوق أقوى لرؤية أول مكان نزل فيه القرآن، لتحطمت قوتنا بين يدي تلكم الأحجار العاتية، ولما استطاع أحد منا أن يواصل السير والصعود على هذا المرتقى الوعر الشديد..
_________________
(١) ١ كون المدة كانت شهرًا، وأنه رمضان، جزم بذلك الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١/ ٢٣ وعزاه لابن إسحاق انتهى. قلت: وهو عنده في السيرة كما عند ابن هشام ١/ ٢٥٢ وغيره، عن عبيد بن عمير، وهذا مرسل. لكن أخرج أبو داود الطيالسي ٢٣١٨، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" رقم ١٦٣ وغيرهما من حديث عائشة: أن رسول الله -ﷺ- نذر أن يعتكف شهرًا هو وخديجة بغار حراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة، فسمع: السلام عليك " الحديث. وفي سنده ضعف، لكن يصلح في الشواهد. وعند البخاري ٤٩٢٢، ومسلم ٢٥٧ وغيرهما من حديث جابر رفعه: "جاورت بحراء شهرًا". وانظر "دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ١٣٣، و"السيرة الحلبية" ١/ ٣٨٣، فإنهم ذكروا نزول الوحي في هذا الشهر أيضًا.
[ ١٠٧ ]
ولكن عند الصباح يحمد القوم السرى، وحينما تتحقق الآمال تضيع المتاعب وتنسى الآلام، ولقد نسينا ما لقينا من نصب ومشقة حينما انتهينا بحمد الله وتوفيقه إلى الغار، وأشرقت علينا من خلاله الأنور، وغمرتنا موجات متلاحقة من البِشر والسرور، وطاف بنا إشراق من صفاء النفس وسمو الروح، حتى لقد ذهلنا عن أنفسنا وخيل إلينا أن أجسامنا قد استبدلت بأطياف وأرواح، وأن أجسادنا لم يعد لها ثقل مادي، وأن في استطاعتنا أن نحلق في يسر وسهولة إلى الملإ الأعلى.
ولقد تراءى بين أيدينا إذا ذاك سجل الزمن وكتاب الأيام، فقلبنا صفحاته إلى الوراء أربعة عشر قرنًا من الزمان، حيث وقفنا عند صفحة خالدة تشع بالأنور في تاريخ هذا الغار.
ولعل الشاعر الحجازي الأستاذ السيد أحمد العربي قد عبر عما تجيش به نفوسنا جميعًا في قصيدته الرائعة عن غار حراء، وهي القصيدة التي يقول فيها:
هذا حراء سائلوه يجبكم فلعله سفر من الأسفار
واستلهموه مواقف الوحي التي شع الهدى منها على الأقطار
وسلوه ماذا قد أقل من البطو لة والحجى؟ أعظم به من غار
أخلق بغار حراء أن يزهى على ال أهرام والإيوان والآثار
كم بين صاحبه وبين بناتها من فارق أربى على الأقدار
شتان بين محرر الأقوام وال مستعبدين سلائل الأحرار
فإلى هذا المكان الذي يشق العنان، كان يصعد محمد بن عبد الله -ﷺ
[ ١٠٨ ]
قبيل بلوغه الأربعين١، وكان يحمل معه من الماء والطعام٢ ما يكفيه لقضاء جزء كبير من شهر رمضان في كل عام، وبين تلك الصخور والرجام، وفي هذا الصمت العميق، ومن خلال تلك الكوة٣ الضيقة كان يطل محمد -ﷺ- على الدنيا بأسرها، فيطالع عظمة الكون ونظامه ودقته وإحكامه، ثم ينظر مع ذلك إلى أهل مكة وما حولها، فيراهم في الغي سادرين فيستولي على نفسه الضيق والألم، ويتمنى أن لو جاء الحق الذي تسكن له النفوس، وتطمئن به القلوب، وتنجاب أمامه الغياهب والظلمات.
وحينما أراد الله أن يعلي كلمته ويتم على العالمين نعمته، أذن للحق بالظهور لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، فجاء جبريل الأمين إلى محمد الأمين، وقد بلغ أشده وبلغ الأربعين.
ودخل عليه الغار ومعه صحيفة، فضمه ضمة شديدة حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال له: اقرأ.
فأجابه الرسول -ﷺ-: ما أنا بقارئ.
وكرر جبريل هذا العمل والقول ثلاث مرات، والرسول -ﷺ- يجيبه بنفس الجواب، فقال له جبريل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ ولما بلغها، لأن الوحي لما نزل عليه كان ابن أربعين، كما جاءت بذلك الروايات المتضافرة الكثيرة. ٢ قيل: هو زيت وكعك. ٣ فتحة صغيرة مستديرة مقابلة لباب الغار تطل على مكة، وعلى الكعبة. ٤ سورة العلق، الآيات: ١-٢-٣-٤-٥ وقد صح هذا عند البخاري ١/ ٢٥، ومسلم ١/ ٩٧، من حديث عائشة الماضي، وعن غيرها عند غيرهما كذلك.
[ ١٠٩ ]
وهكذا ابتدأت دعوة الحق نورًا أضاء في غار تقاس مساحته بالأشبار، ولكن لم يلبث هذا النور إلا قليلًا حتى ملأ الأقطار والأمصار، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وقد رجع رسول الله -ﷺ- عقب نزول الوحي عليه يرجف فؤاده، ودخل على زوجته خديجة، وقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم أخبر زوجته السيدة خديجة بما وقع له في غار حراء، وقال لها: "لقد خشيت على نفسي". فطمأنته السيدة خديجة، وبينت له أن وراء هذا الحادث خيرًا كثيرًا حيث قالت له: "والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق"١.
ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان عنده علم بالكتب السماوية، فلما سمع من الرسول -ﷺ- خبر ما رأى أدرك أن هذا هو الوحي الذي كان ينزل على الأنبياء من قبل، فبشر محمدًا -ﷺ- بأنه سيكون نبي هذه الأمة وتمنى ورقة لو يطول به العمر حتى تظهر رسالة محمد -ﷺ- فيكون من أنصاره وأعوانه٢.
ولكن شاء الله أن يموت ورقة قبل أن تتحقق أمنيته.
وفتر الوحي بعد ذلك مدة من الزمان.
_________________
(١) ١ هو قطعة من حديث عائشة الماضي. ٢ وعبارته له، كما في حديث عائشة الماضي: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا". ثم لم ينشب ورقة أن توفي.
[ ١١٠ ]
وقد اختلف العلماء في هذه الفترة. وأرجح الأقوال أنها أربعون يومًا فحسب١، ولكن هذه المدة على قصرها مرت على الرسول -ﷺ- وكأنها أربعون سنة. ولا عجب في ذلك، فقد اشتد به الشوق لنزول الوحي عليه، وخاف أن يكون الله قد حرمه من هذه النعمة الكبرى.
ولكن الله تعالى رحم محمدًا -ﷺ- من هذه الحيرة الأليمة، فعاد إليه الوحي. ونزل عليه قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبرْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ وليس في ذلك شيء يقطع به، فيما وقفت عليه، وانظر "فتح الباري" ١/ ٢٧. ٢ سورة المدثر، الآيات: ١-٢-٣-٤-٥-٦-٧.
[ ١١١ ]