يوم الفتح
مدخل
الفصل السادس: يوم الفتح ويوم حنين
يومان خالدان في حياة الرسول -ﷺ- وفي تاريخ المسلمين، وهما: فتح مكة، وغزوة حنين.. ولقد وقعت هاتان الغزوتان في شهرين متتابعين من العام الثامن الهجري، لم تزد المسافة بينهما عن خمسة عشر يومًا، إذ كان فتح مكة في اليوم العشرين من رمضان، وكانت غزوة حنين في اليوم الخامس من شوال.
ولا شك أن غزوة حنين هي الصدى الطبيعي والامتداد الحتمي الذي كانت تفرضه الظروف على المسلمين بعد فتح مكة، وذلك بأن مكة بعد هذا الفتح الأعظم كانت مكشوفة الظهر لأولئك الأعراب الذين يطلون عليها من القبائل المجاورة، فهي -حينئذٍ- وادٍ لم تطهر مسالكه وشعابه، وبيت لا تؤمن نوافذه وأبوابه، هذا فضلا عن أن القبائل المجاورة لقريش قد أزعجها أن ينتصر محمد -ﷺ- وتدين له مكة بالولاء والطاعة، ورأوا في ذلك خطرًا يهددهم فتجمعوا للزحف على المسلمين في مكة وعقدوا العزم على ذلك، فكان من مظاهر العزة الإسلامية أن يخرج المسلمون إليهم ويفاجئوهم قبل أن تكتمل قوتهم ويعظم خطرهم.
وهذا يفسر لنا سر إسراع الرسول -ﷺ- بالخروج إلى حنين، قبل أن يقضي المسلمون في مكة الفترة الطبيعية اللازمة لراحتهم واستجمامهم، وتدعيم
[ ٣٤١ ]
استقرارهم في مكة المكرمة بعد أن تم لهم هذا الفتح العظيم
وسوف نتحدث الآن عن هاتين الغزوتين واحدة بعد الأخرى.
[ ٣٤٢ ]
غزوة الفتح ١:
وحينما أراد الله أن يتم نوره٢ ويعلي كلمته جاء نصر الله والفتح، وأقبل الحق يسعى إلى البلد الأمين، كما يقبل الصيب٣ الهتون، فاهتزت له بطحاء مكة وربت، واخضر به الوادي الجديب٤، وتفتحت لاستقباله القلوب، وبدأت مكة عهدًا جديدًا توارى فيه شبح الوثنية البغيض إلى غير مآب٥، ودخل الناس في دين الله أفواجًا ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ انظر تفاصيلها في: "صحيح البخاري" ٤٠٢٥ وما بعده، و"مسلم" ٢٤٩٤، ١١١٣، ١٣٥٧، ١٧٨١، ١٣٥٥، ١٣٢٩، و"سنن أبي داود" ٢٥٩٢، ٣١٠٩، ٢٠١٧، ٤١٠٦، ٢٦٨٣، ٢٦٨٤، ٢٦٨٥، ٣٠٢٤، و"ابن ماجه" ٢٨١٧، ٣١٠٩، ٢٦٢٤، ٢٨٠٥، و"الترمذي" ١٦٧٩، ١٦٩٣، و"النسائي" ٧/ ١٠٥، ١٠٦، ٥/ ٢٠١، و"مجمع الزوائد" ٦/ ١٦٢، و"طبقات ابن سعد" ٢/ ١٣٤، و"سيرة ابن هشام" ٤/ ٣، و"مغازي الواقدي"، و"أنساب الأشراف" ١/ ١٧٠، و"تاريخ الطبري" ٣/ ٤٢، و"السيرة لابن حزم" ٢٢٣، و"عيون الأثر" ٢/ ٢١٢، و"نهاية الأرب" ١٧/ ٢٨٧، و"شرح المواهب" للزرقاني ٢/ ٢٩٨، و"المواهب" ١/ ٥٦٠، و"السيرة الحلبية" ٣/ ٨١، و"الشامية" ٥/ ٣٠٤، و"البداية" ٤/ ٢٧٨، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم ٥١٩، وغير ذلك. ٢ أي جاء الوقت الذي قضى الله فيه وقدر إتمام نوره. ٣ المطر الغزير الذي يروي. ٤ فعيل بمعنى مفعول، أي المجدب الذي لا اخضرار فيه. ٥ أي إلى غير رجعة. ٦ سورة الحج، الآية ٢٤.
[ ٣٤٢ ]
سبب الغزوة:
وكانت الظروف التي أحاطت بقريش، وروح الشر التي بدأت منهم، هي السبب المباشر الذي يحتم على الرسول -ﷺ- غزوهم حتى لا يستفحل الشر ويتفاقم الخطر، وذلك أن قريشًا نقضت ما تعهدت به في صلح الحديبية مع رسول الله -ﷺ- فنصرت قبيلة بكر الموالية لها على قبيلة خزاعة الموالية للرسول -ﷺ- وكان العهد القائم بين الرسول -ﷺ- وقريش أنه من أحب أن يدخل في حلف محمد فهو آمن. فدخلت بكر في حلف قريش، ودخلت خزاعة في حلف الرسول -ﷺ.
ولو أن قريشًا احترمت عهودها مع رسول الله -ﷺ- لما فكر الرسول -ﷺ- في فتح مكة، ولقدر لهذا البلد الأمين أن يقضي فترة أخرى في ظلمات الشرك والوثنية.
ولكن الله أبى أن يتم نوره، فأبت قريش إلا أن تغدر وتظلم وتنتهك حقوق الضعفاء، وأبى رسول الله -ﷺ- إلا أن يقاوم الظلم والغدر ويكون رمزًا للإنصاف والوفاء.
وكانت خزاعة قد تعرضت لعدوان قبيلة بكر، بتأييد ومعونة من قريش فقتل منهم عدد كبير، عند ماء لهم يقال له الوتير١ دون ذنب إلا أنهم مسلمون، وداخلون في حلف مع الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وحينئذ خرج زعيمهم عمرو بن سالم الخزاعي٢ حتى وصل إلى رسول الله -ﷺ- بالمدينة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، فقال مستجيرًا بالرسول -ﷺ:
_________________
(١) ١ الوتير اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة. وقيل: بل قتل لخزاعة رجل واحد عند ذلك الماء قتله بنو بكر، فتقاتلوا جميعًا حتى دخلوا الحرم فأمدت قريش بني بكر بالسلاح. ٢ مع أربعين راكبًا.
[ ٣٤٣ ]
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدًا وكنا والدا ثم أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرًا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إلى أن قال:
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعًا وسجدا
فأجابه الرسول -ﷺ- قائلًا:
"نصرت يا عمرو بن سالم" ١.
ثم قام من فوره ليعد للأمر عدته، وليقوم بواجب الوفاء نحو خزاعة -وبين هذا الوفاء من جانب الرسول -ﷺ- والغدر من جانب بكر وقريش ستكون الحكمة البالغة والآية الكبرى، حيث يريد الله أن ينتصر الحق ويؤتي ثماره الطيبة، ويتداعى الباطل وتزلزل بنيانه، وإن في ذلك لعبرة.
إن الوفاء بالعهود والمواثيق يكاد يكون في حياة الأمم والشعوب حبرًا على ورق، بل إنه لأقرب إلى الوهم والخيال منه إلى الحقيقة والواقع.
وهذا هو الذي جعل الإنسانية تشقي دائمًا بالثورات والفتن والمعارك الدامية،
_________________
(١) ١ ووقع عند الطبراني في "المعجم الصغير": أنه رأى راجز خزاعة يستصرخ -في الرؤيا- ويزعم أن قريشًا أعانت عليهم بني بكر. قلت: والظاهر أنه حصل له ذلك، ثم جاء عمرو بمثل ما رأى النبي -ﷺ.
[ ٣٤٤ ]
ولو عرفت كل أمة ما لها وما عليها، واحترمت عهودها مع غيرها من الأمم، وألزمت نفسها بروح الإنصاف والوفاء لأمكن أن تهدر نار البغضاء والشحناء، وأن تجف الأرض من الدماء والدموع، لكي تشرق السعادة بين الناس، ويعيشوا في جوٍ مزدهر بالأمن والسلام.
[ ٣٤٥ ]
موقف غريب لصحابي جليل:
أما ذلك الصحابي الجليل فهو حاطب بن أبي بلتعة -﵁- وأما موقفه فقد كان غريبًا لأنه لا يتلاءم مع تاريخه المجيد وماضيه الكريم، إذ كانت له في هذا اليوم كبوة كبيرة وزلة مشينة١، وذلك أن الرسول -ﷺ- لما عزم على فتح مكة، عمل على إخفاء مسيره، ووصى أصحابه بكتمان هذا الأمر وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها" وتلك خطة حربية ناجحة، فإن الحرب خدعة، ومباغتة الأعداء سلاح قوي لا يفل حده.
ولكن حاطبًا المؤمن زلت به القدم في لحظة من اللحظات، وكم للنفس البشرية من زلات يتغلب فيها الشيطان على الإنسان٢ فيغطي الحقائق ويعمي المسالك، ويظهر الشر والقبح في مظهر الحسن والجمال، وهذا هو من سمات الضعف البشري والعجز الإنساني الذي عناه الرسول -ﷺ- بقوله: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" ٣.
_________________
(١) ١ من غير أن يقصد، أو يعلم ما قد ستئول له الفعلة تلك. ٢ أو يهون له الأمور، ويخفي عنه نتائجها. ٣ أخرجه الترمذي ٢٤٩٩، وابن ماجه ٤٢٥١، والدارمي ٢/ ٣٠٣، والحاكم ٤/ ٢٤٤ وصححه البغوي في "شرح السُّنة" ٥/ ٩٢، وانتصر ابن القطان لتصحيح الحاكم، وضعفه جماعة، والقول أن حديث حسن صحيح، لا بشواهده، كما في "اتحاف السادة المتقين" ١/ ٤٠٩، وانظر "صحيح الجامع" ٤٣٩١، و"مشكاة المصابيح" ٢٣٤١ وغير ذلك.
[ ٣٤٥ ]
أجل، زلت قدم حاطب فأرسل كتابًا إلى قريش يخبرهم فيه بما اعتزمه الرسول -ﷺ- من السير إليهم، ثم أعطاه امرأة من مزينة وجعل لها جعلًا على أن تبلغه لقريش، فوضعته في شعرها وفتلت عليه قرونها، وكان في هذا الخطاب: أن النبي -ﷺ- قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم: فإنه منجز له ما وعده١.
وقد جاء الخبر إلى الرسول -ﷺ- بوحي من الله -﷿- فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام -﵄- وقال لهما: "أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم فيه ما قد أجمعنا له في أمرهم". فخرجا حتى أدركاها في الطريق، استخرج علي بن أبي طالب منها الكتاب، ثم أتى به رسول الله -ﷺ-، فدعا رسول الله -ﷺ- حاطبًا فقال: "يا حاطب: ما حملك على هذا"؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق.
فقال رسول الله -ﷺ-: "وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أصحاب بدر
_________________
(١) ١ "الروض الأنف" ٢/ ٦٦٦، وليس إسناده بالمعتمد، أعني لفظ الكتاب المذكور، وفي سند واهٍ عند الواقدي، أنه أرسل الكتاب لسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة ولفظه: إن رسول الله -ﷺ- أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد. "فتح الباري" ٧/ ٥٢١. ولم أقف على سند يعتمد عليه في لفظ الكتاب، والذي في الصحيحين وغيرهما من حديث علي: فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناسٍ من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله -ﷺ- ولم يزد على هذا.
[ ٣٤٦ ]
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ١.
إلا أن في هذا الحادث لعبرة بالغة، فرسول الله -ﷺ- يلقي على العالمين درسًا نافعًا في تقدير الأعمال ووزن الخير والشر بميزان سليم، والتماس المعذرة للمخطئ إذا وضحت له الحقيقة فرجع وتاب وأناب، وكثير من الناس يختلط الأمر عليهم فلا يغفرون السيئة الصغيرة مهما تقدمها من الحسنات الكبار، ولكن رسول الله -ﷺ- وقد عرف طبيعة الإنسان وتسلط الشيطان عليه ٢، ثم عرف ما ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ ٤ وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ ٥، قد وضع ذلك كله في الميزان، فغفر لذلك الصحابي الجليل زلته الطارئة أمام بلائه السابق في خدمة الإسلام وحضوره غزوة بدر ابتغاء مرضاة الله وجهادًا في سبيله.
_________________
(١) ١ لفظ البخاري، ٤٠٢٥، ومسلم ٢٤٩٤ وغيرهما. ٢ في بعض الأحيان حين يقل من ذكر الله. ٣ سورةهود، الآية ١١٤. ٤ سورة الزلزلة، الآيتان ٧، ٨. ٥ سورة الفرقان، الآية ٧٠.
[ ٣٤٧ ]
الرسول -ﷺ- والمسلمون في الطريق إلى مكة:
وتهيأ المسلمون -وعلى رأسهم قائدهم الأمين- ليتخذوا طريقهم إلى مكة، وقد أراد الرسول -ﷺ- ألا يترك لقريش فرصة يتجهزون فيها للحرب حتى يأخذهم على حين غفلة فيستسلموا دون أن تزهق الأرواح وتسفك الدماء، لذلك أصدر أمره بالتعبئة العامة، فتسابق المسلمون إلى تلبية النداء والانضمام تحت اللواء.
[ ٣٤٧ ]
ثم تحرك جيش المسلمين في الثامن من رمضان١، من السنة الثامنة للهجرة، وقد انضم في الطريق جماعات من قبيلة أسلم ومزينة وغطفان، حتى بلغ عددهم عشرة آلاف٢، وظلوا سائرين حتى وصلوا بعد سبعة أيام إلى مر الظهران وهو وادٍ على مقربة من مكة.
وقد أمر رسول الله -ﷺ- أن يوقد كل فرد نارًا لتظهر قوة الجيش الإسلامي القريب من مكة، فيلقي الرعب في قلوب قريش فتأتي صاغرة للتسليم، وكان أبو سفيان بن حرب خرج يتلمس الأخبار٣، ويستطلع الخطر الذي شاعت أنباؤه في مكة.
وفي جنح الظلام وعلى مقربة من نيران المسلمين لاقاه العباس بن عبد المطلب فناداه، فوقف له أبو سفيان وقال: ما وراءك؟ قال العباس: هذا رسول الله -ﷺ- أتاكم بما لا قبل لكم به. قال أبو سفيان: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟
قال العباس: أنصحك بأن تركب ورائي -وكان يركب بغلة رسول الله، ﷺ- فآتيه بك وأستأمن لك.
وأردف العباس أبا سفيان وسار نحو خيمة رسول الله -ﷺ.
يقول العباس: فلما مررت بنار عمر بن الخطاب عرف أبا سفيان فأسرع إلى
_________________
(١) ١ هذا المشهور، وعند أحمد بسندٍ قويٍّ من حديث أبي سعيد: خرجنا عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان. وفي "مسلم" خرجنا لست عشرة، ولأحمد في رواية أخرى لثماني عشرة، وفي أخرى ثالثة لثنتي عشرة. وقيل غير ذلك. ٢ وفي "الإكليل" و"شرف المصطفى" بلغوا اثني عشر ألفًا. وذكر العشرة آلاف وقع في "صحيح مسلم" وغيره، ولعلهم خرجوا عشرة آلاف، ثم التحق بهم ما جعلهم يبلغوا اثني عشر ألفًا. ٣ ومعه حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، كما في البخاري وغيره.
[ ٣٤٨ ]
خيمة النبي -ﷺ- وطلب أن يضرب عنقه.
فقال العباس: إني قد أجرته.
فقال -ﷺ: "اذهب به يا عباس إلى رحلك. فإذا أصبحت فأتني به". فلما كان الصباح جاء به العباس إلى النبي -ﷺ- فقال له الرسول -ﷺ: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ " قال أبو سفيان: ما أحلمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره، لقد أغنى عني شيئًا. فتدخل العباس، وقال له: ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك. فأسلم١، فقال العباس: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا.
قال رسول الله -ﷺ: "نعم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".
_________________
(١) ١ في روايات أصح أنه أسلم قبل عرض الجيش عليه.
[ ٣٤٩ ]
الجيش يدخل مكة:
وبعد ذلك أمر الرسول -ﷺ- العباس أن يقف مع أبي سفيان على الطريق الضيق المؤدي إلى مكة، حتى تمر عليه جنود المسلمين، ومرت القبائل بأبي سفيان وهو يسأل عنها العباس. حتى قال: يا عباس، ما لأحدٍ بهؤلاء قبل ولا طاقة. وأسرع إلى مكة يصيح بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وركب الرسول -ﷺ- ناقته القصواء، وأصدر الأوامر إلى قادة الجيش، ألا تقاتل
[ ٣٤٩ ]
إلا إذا أكرهت على القتال، وساروا حتى دخلوا مكة، ولم يحدث إلا مناوشات خفيفة وأهمها ما لاقاه خالد بن الوليد قائد الجناح الأيمن، فقد قتل حوالي عشرين رجلًا١ ممن وقفوا في طريقه، ولم يقتل من المسلمين سوى اثنين.
ولما تم للمسلمين الاستيلاء على مكة نظر الرسول -ﷺ- إلى البلد الأمين وإلى الجبال التي كان يأوى إليها حين يشتد به أذى قريش، فترقرقت في عينيه دمعة شكر لله، ثم سار حتى بلغ البيت الحرام فطاف به سبعًا ثم استلم الحجر، وتكاثر الناس حوله في المسجد فخطبهم وتلا عليهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢.
ثم قال: "يا معشر قريش ويا أهل مكة: ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" وبهذه الكلمة صدر العفو العام عن أهل مكة جميعًا. وهكذا سقط أكبر معقل للوثنية في بلاد العرب، وكان ذلك في اليوم العشرين من رمضان.
_________________
(١) ١ أو أزيد بقليل. ٢ سورة الحجرات، الآية ١٣.
[ ٣٥٠ ]
تطهير الكعبة من الأصنام:
ثم دخل رسول الله الكعبة، وكان بداخلها وخارجها أصنام تعبدها قريش، فأخذ يشير إليها بقضيب في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ١ وأمر بإخراجها وتحطيمها وتطهير البيت الحرام منها.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية ٨١.
[ ٣٥٠ ]
وبعد أن استتب الأمن بوجه عام أخذ النبي -ﷺ- يرسل السرايا إلى القبائل المجاورة لمكة يدعوها إلى الإسلام وتحطيم الأصنام، فهدمت العزى ومناة وسواع١.
وبذلك ذهبت هيبة الأوثان من النفوس وزال سلطانها، واستنار العالم العربي بنور التوحيد الوضاء.
وهكذا قضى الإسلام على الوثنية والشرك في أغلب جزيرة العرب، وأنشأ لها تشريعات جديدة كانت أساس الخير والبركة.
ثم شرع الناس يبايعون رسول الله -ﷺ- فكان ممن أسلم في هذا اليوم: معاوية بن أبي سفيان، وأبو قحافة والد أبي بكر الصديق، وقد فرح الرسول -ﷺ- كثيرًا بإسلامه.
ولما تمت بيعة الرجال، بايعه النساء وكن يبايعن: على ألا يشركن بالله شيئًا، ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين الرسول في معروف.
ثم أمر الرسول -ﷺ- بلالًا أن يؤذن على ظهر الكعبة، فكان يومًا مجموعًا له الناس وكان يومًا مشهودًا، وكان من الحق على المسلمين أن يتخذوا هذا اليوم عيدًا، يحمدون الله فيه على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم.
بعد أن تم فتح مكة، واجتمع الناس حول رسول الله -ﷺ- وكان منهم من ائتمروا به ليقتلوه، ومن قاتلوه في بدر، وفي أحد، وحاصروه في غزوة الخندق،
_________________
(١) ١ العزى: صنم بجهة نخلة بين مكة والطائف، ومناة: صنم كان للأوس والخزرج على جبل بالقرب من البحر الأحمر، وسواع: صنم لهذيل على بعد ثلاثة أيام من مكة. المؤلف.
[ ٣٥١ ]
وعذبوه وأصحابه، نظر إليهم وهم جميعًا في قبضة يده: أمره نافذ في رقابهم، وحياتهم رهن كلمة ينطق بها، فلم يأخذه العجب والغرور بما وصل إليه من مجد وسلطان، ولم يطف بنفسه ما يتملك نفوس الناس ساعة النصر والظفر من ظلم وطغيان، بل وحتى لم يفكر في الانتقام لنفسه والمسلمين عمّا أصابهم على أيدي قريش من الأذى والعدوان، ولكنه نظر إلهم نظرة كلها عفو ورحمة وقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فكان مثلًا كريمًا في سمو النفس، والعفو عند المقدرة.
كما ضرب المثل في المحافظة على الدماء، بإصدار الأوامر إلى قادة الجيوش ألا تسفك دمًا إلا إذا أكرهت إكراهًا.
وقد كان من أثر هذه السياسة أن كسب الرسول -ﷺ- قلوب أهل مكة، فأقبل على الإسلام فتيان قريش وشيوخها ونساؤها، ولم يحجم عنه إلا نفرًا أكل الحقد قلوبهم، ثم لم يلبثوا إلا قليلًا حتى شرح الله صدورهم للإسلام.
[ ٣٥٢ ]
غزوة حنين
مدخل
غزوة حنين
كانت هذه الغزوة هي الجولة الطبيعية للمسلمين بعد أن أتم الله عليهم النعمة بفتح مكة لأن القبائل المجاورة لقريش كقبيلتي هوازن وثقيف، وما يتفرع عنهما من بطون وأفخاذ وفصائل، قد أزعجهما أن تستسلم قريش -وهي أعظم قبائل العرب- لمحمد -ﷺ- وكانت قريش قبل الفتح الإسلامي لمكة هي أقوى خصومه وألد أعدائه، وكان وجودها في هذا المكان المتوسط بينهم وبين محمد -ﷺ- هو صمام الأمان بالنسبة لهم، ومن أجل ذلك تجمعت هذه القبائل واتفقت كلمتها على غزو محمد -ﷺ- قبل أن يغزوهم وعلى مفاجأتهم بهذا الغزو قبل أن يأخذ جيش المسلمين حظه من الراحة والاستقرار وحينما علم الرسول -ﷺ- والمسلمون بذلك كانت نفوسهم مستعدة لتلقي هذه الأنباء حيث كانوا يتوقعون هذا الخطر، ويفكرون في طريقة سريعة لاستئصاله قبل أن يزحف عليهم.
_________________
(١) ١ وتسمى غزوة هوازن أيضًا، وانظر تفاصيلها في: "صحيح البخاري" ٤٠٦٨، ٤٠٦٤، ٤٠٦٠، ٤٠٦٦، ٢٨٨٦، ٤٠٦١، ٤٠٧٥، و"صحيح مسلم" ٢٤٩٨، ١٨٠٩، ٧٠٦١، ١٧٥١، ١٠٥٩، ١٧٧٧، ١٧٥٤، ١٧٧٦، ١٧٧٥، ١٦٠٢، و"سنن أبي داود" ٥٦٩٤، ٢٦٩٣، ٢٧١٨، ٢٦٥٨، ٢٧١٧، ٢٦٥٤، ٣١٩٤، ٢٥٠١، و"سنن النسائي" ٦/ ٢٦٢-٢٦٤. و"سنن الترمذي" ١٦٨٨، ١٦٨٩، ٣٨٩٧، و"سنن ابن ماجه" ٢٨٣٧، ١٤٩٣، "وسيرة ابن هشام" ٤/ ٥١، و"طبقات ابن سعد" ٢/ ١٤٩، و"مغازي الواقدي" ٣/ ٨٨٥، و"سيرة ابن حزم" ٢٣٦، و"عيون الأثر" ٢/ ٢٤٢، و"البداية والنهاية" ٤/ ٣٢٢، و"المواهب" ١/ ٥٩٦، و"شرح المواهب" ٣/ ٥، و"السيرة الحلبية" ٣/ ١٢١، و"الشامية" ٥/ ٤٥، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٥/ ١١٩، و"مجمع الزوائد" ٦/ ١٧٨، و"منتقى القاري" ص ٢٨٣، وغير ذلك. وجلُّ ما ذكره المصنف فيها صحيح، وما احتاج لتعليق علقنا عليه.
[ ٣٥٣ ]
استعداد هوازن وثقيف ١ للقاء المسلمين:
أرسلت هوازن وثقيف إلى بطونها وفروعها تطلب إليها أن تجتمع بخيلها ورجلها عند وادي قرب الطائف٢، وأسندت الرياسة إلى مالك بن عوف، وكان شابًا في الثلاثين من عمره قوي الإرادة ماضي العزيمة، فاجتمع إليه عدد كبير منهم بنو سعد الذين كان الرسول -ﷺ- مسترضعًا فيهم، ومعهم دريد بن الصمة، وكان شيخًا كبيرًا عمي بصره، وصار لا ينتفع إلا برأيه وتجاربه في الحروب، وأمر مالك رجال القبائل أن يسوقوا معهم إلى الحرب المواشي والأموال والنساء والأطفال وجعلهم في مؤخرة الجيش ليثيروا الرجال إلى الاستماتة في الدفاع عن متاعهم وحريمهم، فلما سمع دريد رغاء البعير وبكاء الصغير، وصوت النساء، سأل مالكًا لم ساق هذه مع المحاربين؟ فأجابه بأنه أراد بذلك تشجيع المحاربين، قال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك، فلم يقبل مالك رأي الشيخ، وتخطى احتجاجه ورماه بضعف الرأي لكبر سنه، ثم صف جموعه وكانت تبلغ عشرين ألفًا في كمين عند مضيق الوادي، وانتظر قدوم الجيش الإسلامي.
_________________
(١) ١ هوازن وثقيف قبائل من العرب تسكن الجهات الواقعة في الجنوب الشرقي من مكة، وأهم مدنهم الطائف، حيث تسكن قبيلة ثقيف، وهي من أخصب بلاد العرب. ٢ والطائف مدينة معروفة تبعد عن مكة حوالي مائة وعشرين كيلو مترًا.
[ ٣٥٤ ]
موقف المسلمين:
أما المسلمون فغادروا مكة يوم السبت السادس من شوال سنة ثمانٍ هجرية إلى وادي حنين في اثني عشر ألفًا من المقاتلين، منهم عشرة آلاف هم الذين فتحوا
[ ٣٥٤ ]
مكة وألفان ممن أسلم من قريش١، وسار المسلمون وسط صهيل الخيل وبريق السيوف معجبين بكثرتهم، فخورين بقوتهم، حتى لقد تحدث بعضهم إلى بعض قائلين: لن نغلب اليوم من قلة، ونزلوا حنينًا قرب المساء على أبواب واديها.
وقبيل الفجر تحرك الجيش الإسلامي، ولم تكد الطلائع تتقدم إلى مدخل الوادي حتى خرج لهم الكمين وشدوا عليهم شدة رجل واحد وأمطروهم بوابل من النبال، وانقضوا على أولى صفوف المسلمين التي ارتجت لهذه المفاجأة العنيفة فلوت أعنة خيلها متقهقرة، واصطدمت في الظلام بما وراءها من صفوف المسلمين، ولجأ الكل إلى الفرار، وتحدث بعض من ضعاف الإيمان في شماتة قائلًا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر.
كان هذا والنبي -ﷺ- ثابت في مكانه، ومعه جماعة من المهاجرين والأنصار منهم العباس بن عبد المطلب، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد٢، فأخذ النبي -ﷺ- ينادي في القوم بالثبات وهو راكب بغلته البيضاء يركضها نحو العدو وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا عبد المطلب".
_________________
(١) ١ وهم المعروفون بالطلقاء. ٢ وأبو سفيان كما عند مسلم والبخاري. وذكر في الروايات غير هؤلاء أيضًا منهم علي وابن مسعود. كما في "منتقى القاري"، و"المواهب" وغيرهما، حتى قيل: كان قربه نحو المائة.
[ ٣٥٥ ]
الانتصار بعد الهزيمة:
وأمر رسول الله -ﷺ- العباس بن عبد المطلب، وكان جهوري الصوت١،
_________________
(١) ١ أي عالية، ومما قيل فيه: أنه كان إذا صرح أول المدينة أسمع آخرها.
[ ٣٥٥ ]
ينادي في الناس، فنادى: يا معشر الأنصار الذين آووا ونصروا، يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، هلموا. هذا رسول الله -ﷺ. وأخذ يكرر النداء الذي هز أوتار قلوبهم، فرجعوا يتصايحون من كل جهة لبيك لبيك حتى انتظم عقدهم.
وكانت هوازن قد انحدرت من مكانها وأصبحت وجهًا لوجهٍ أمام المسلمين، وهجم الأنصار واشتد القتال. فنظر إليهم الرسول -ﷺ- وهم يطيحون برءوس الأعداء قائلًا: "إن الله لا يخلف رسوله وعده"، فلما رأت هوازن أنهم معرضون للفناء، وأن كل أمل في النصر قد غض، ولّوا الأدبار منهزمين، فتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وغنموا مؤخرة جيشهم كلها، وكانت غنائم المسلمين ٢٥٠٠٠ من الإبل، و٤٠٠٠٠ من الشياه، ٤٠٠٠ أوقية من الفضة، و٦٠٠٠ من الأسرى، وقد نقلت كلها في حراسة قوية إلى وادي الجعرانة١.
_________________
(١) ١ الجعرانة تبعد عن مكة حوالي أربعين كيلو مترًا. وقد جاء في عددها غير هذا.
[ ٣٥٦ ]
حصار الطائف: ١
أما النبي -ﷺ- والمسلمون قد تابعوا مطاردة العدو حتى ألجئوهم إلى صياصي الجبال، وإلى الطائف، وحاصر الرسول -ﷺ- الطائف، ولكنها استعصت عليه لسورها الحصين، فآثر تركها٢؛ لأنه ليس من مصلحة المسلمين بذل ضحايا كثيرة ٣، وعاد إلى الجعرانة حيث الغنائم والأسرى. ثم لم يلبث أهل
_________________
(١) ١ والطائف شرقي مكة، كثيرة الأعناب والفواكه. ٢ وقد جاءت روايات في مدة حصار الطائف، رجح الحافظ ابن حجر أن أصحها خمسة عشر يومًا. ٣ وقد كان قتل أثناء الحصار بضعة عشر رجلًا.
[ ٣٥٦ ]
الطائف أن شرح الله صدورهم للإسلام بعد ذلك.
[ ٣٥٧ ]
تقسيم الغنائم:
أعطى رسول الله -ﷺ- الجانب الكبير من الأموال لحديثي الإسلام من قريش الأعراب الذين كانوا إلى أيام قريبة أشد الناس عداوة له.
فكان ما أخذه فعل معاوية، ويزيد ابني أبي سفيان، فقال له أبو سفيان: بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب. وأعطى حكيم بن حزام مثل ما أعطى أبا سفيان، فاستزاده فأعطاه، ثم استزاده فأعطاه مثلها، وقال له: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى" ١.
فاهتزت نفس حكيم لما سمع من كلام الرسول -ﷺ- ونفض يده من كل ما أخذه بعد العطاء الأول، فأخذ المائة الأولى وترك ما عداها، وأقسم ألا يأخذ عطاء من أحد بعد هذا العطاء، وبر بيمينه، فكان الخلفاء يعرضون عليه العطاء الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه.
بل لقد بلغ العطاء لبعض الذين أراد الرسول -ﷺ- أن يؤلف قلوبهم للإسلام مبلغًا لا يخطر بالبال، ولا يجول في الخيال وذلك هو صفوان بن أُمية فلقد رآه الرسول -ﷺ- يرمق شعبًا مملوءًا نعمًا وشاءً فقال له: "هل يعجبك هذا؟ " قال:
_________________
(١) ١ حديث صحيح، وانظر ما مضى من المراجع.
[ ٣٥٧ ]
نعم، قال: "هو لك". فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفس أحد. وكان ذلك سبب إسلامه.
ثم أمر -﵊- زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم وقسمه على الغزاة، فاجتمعوا عليه وتسابقوا في الحصول على تلك الأموال حتى ألجئوه إلى شجرة فتعلق بها رداؤه فقال: "ردوا ردائي أيها الناس. فوالله إن كان لي مثل شجرة تهامة نعمًا لقسمته عليكم. ثم ما ألفيتموني بخيلًا ولا جبانًا ولا كدودًا. ثم قام إلى بعيره وأخذ وبرة من سنامه وقال: والله ما لي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس. والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط١. فإن الغلول٢ يكون على أهله عارًا وشنارًا٣ ونارًا إلى يوم القيامة".
وقد أثمرت هذه النصيحة الغالية ثمرتها المرجوة، ففاء كل من لعب الشيطان برأسه إلى نفسه. ورد ما أخذه بغير حق مهما كان زهيدًا.. ثم شرع الرسول -ﷺ- يقسمها، فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة.
_________________
(١) ١ يريد كل شيء مهما كان صغيرًا. ٢ الاختلاس من الغنيمة. ٣ أي عيبًا.
[ ٣٥٨ ]
موقف الأنصار بعد توزيع الغنائم:
وعلى أثر تقسيم الغنائم، والفوارق الفادحة التي بدت في تمييز البعض عن البعض، وعدم إعطاء الأنصار من هذه الغنائم شيئًا، ساد بين الأنصار لغط شديد وذهبت الظنون بنفوسهم كل مذهب، وكاد الأمر يؤدي إلى كارثة محققة، لولا أن رسول الله -ﷺ- تدارك الشر قبل استفحاله، فجمع الأنصار وبين لهم وجهة نظره في هذا التقسيم الذي يعترضون عليه فقال:
[ ٣٥٨ ]
"يا معشر الأنصار، ما قالة١ بلغتني عنكم، موجدة٢ وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلالًا فهداكم الله؟ وعالة٣ فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ " قالوا: بلى، لله ورسوله أمنُّ وأفضل. ثم قال: "ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ ". قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل.
قال رسول الله -ﷺ-: "أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تآلفت بها قومًا ليسلموا.. ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم٤ وقالوا رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا.
_________________
(١) ١ أي مقالة. ٢ أي حزن وأسف. ٣ أي فقراء. ٤ أي ابتلت لحاهم بدموعهم.
[ ٣٥٩ ]
إسلام هوازن:
وبعد ذلك ببضع عشرة ليلة جاءت وفود قبيلة هوازن يعلنون الطاعة والولاء يطلبون من رسول الله -ﷺ- أموالهم ونساءهم وأولادهم، فخيرهم الرسول -ﷺ- بين أمرين يتجاوز عن أحدهما: إما السبي وإما المال، فاختاروا السبي -أي النساء والذرية- وقالوا: اردد علينا نساءنا وأبناءنا ولا نتكلم في شاة ولا بعير.
[ ٣٥٩ ]
فردها عليهم. وقد أسلموا بعد ذلك وحسن إسلامهم.
وهكذا كان رسول الله -ﷺ- في سياسته وحسن تقديره للأمور فلم يكن يزدهيه النصر ويبطره فينسى جانب العطف والرحمة في مثل هذه الظروف القاسية، وقد أثمرت هذه السياسة ثمرتها المرجوة وكانت مصدر الهدى والنور على توالي الأزمنة والعصور.
[ ٣٦٠ ]
عودة الرسول -ﷺ- إلى المدينة:
وذهب الرسول -ﷺ- بعد ذلك إلى المدينة آمنًا مطمئنًا فائزًا غانمًا، فوصلها لستٍّ بقين من ذي القعدة سنة ثمانٍ هجرية١.
ولقد أنزل الله في هذه الغزوة من سورة التوبة:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وبانتصار المسلمين في حنين زالت آخر مقاومة كبيرة كانت العرب تستطيع توجيهها ضد الإسلام والمسلمين، وتم فتح الحجاز عمليًّا، كما أقبلت بعد ذلك وفود كثيرة من القبائل تعلن دخولها في الدين الإسلامي، وخضوعها للدولة الإسلامية.
_________________
(١) ١ وفي أرجح التقديرات أنه رجع إليها بعدما غاب عنها شهرين وستة عشر يومًا. ٢ سورة التوبة، الآيات ٢٥، ٢٦، ٢٧.
[ ٣٦٠ ]
ومن غزوة حنين وما وقع فيها من الأمن بعد الخوف، والنصر بعد الهزيمة، يتبين لنا أن الغرور كان ولا يزال أساس الشر والبلاء، فالمسلمون حينما اغتروا بكثرتهم يوم حنين حاقت بهم الهزيمة. فلما نزعوا ثوب الغرور واعتمدوا على الله، ولجئوا إلى قوته، جعل الله لهم مع العسر يسرًا، وبدل هزيمتهم نصرًا.
كما يتجلى لنا أن كثرة العدد والعُدد في ميادين الحروب لا تغني فتيلًا إن لم تؤسس على القعيدة والإيمان.. إذ لا قيمة للسيف في يد الجبان، وإن في ذلك لعبرة!!.
[ ٣٦١ ]
غزوة تبوك وما تلاها من أحداث
مدخل
غزوة تبوك ١ وما تلاها من أحداث
وضحت قوة المسلمين بعد فتح مكة، وغزوة حنين وتغلغل نفوذهم في أرجاء الجزيرة العربية، ولم تبق فيها ناحية من النواحي إلا أحست بسلطان المسلمين، ولم تحاول أية قبيلة من القبائل أن تقاوم هذا السلطان، وبينما كان -ﷺ- يعمل على تثبيت دعائم الدولة الإسلامية المظفرة، إذ جاءته أخبار من بلاد الروم أنها تجمعت لغزو بلاد العرب الشمالية، لذلك عزم -ﷺ- على مواجهة هذه القوى بنفسه، والقضاء عليها قضاء يبدد كل أمل في الهجوم على المسلمين، على الرغم من أن الوقت كان شديد الحرارة، والمسافة طويلة تحتاج إلى الصبر، وكثرة الزاد.
_________________
(١) ١ وتبوك موضع بين وادي القرى والشام. وتسمى هذه الغزوة بالعسرة أيضًا، وتسمى بالفاضحة أيضًا، لافتضاح المنافقين، وانظر تفاصيلها في: "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٢٨، "طبقات ابن سعد" ٢/ ١٦٥، "مغازي الواقدي" ٣/ ٩٨٩، "صحيح البخاري" ٦/ ٢، "تاريخ الطبري" ٣/ ١٠٠، "عيون الأثر" ٢/ ٢٧٥، "البداية والنهاية" ص٢١٥، و"المواهب اللدنية" ١/ ٦٢٥، "شرح المواهب" للزرقاني ٣/ ٦٢، النويري ١٧/ ٢٥٢، "تاريخ الخميس" ٢/ ١٢٢، "السيرة الشامية" ٥/ ٦٢٦ "دلائل النبوة" للبيهقي ٥/ ٢١٢، "مجمع الزوائد" ٦/ ١٩١، "الكامل في التاريخ" ٢/ ١٨٩، "الرحيق المختوم" ص ٣٩٥، وغير ذلك.
[ ٣٦٢ ]
دعوة الرسول -ﷺ- إلى الجهاد، وإخلاص الصحابة:
فاتح الرسول -ﷺ- الناس بعزمه على الخروج لقتال الروم، ولم يخف الجهة عن المسلمين كما كانت عادته في كثير من الغزوات، بل أفضى إليهم بالغرض منها ليتأهبوا ويأخذوا العدة، وأرسل إليهم يستنفرهم ويحثهم على التبرع، كما
[ ٣٦٢ ]
حض أثرياء المسلمين على المشاركة في تجهيز الجيش بما آتاهم الله من فضله.
واستجابت الكثرة من المسلمين لهذه الدعوة، فأقبلوا جماعات حتى ضاق بهم فضاء الصحراء، يسوقون أمامهم خيلهم وإبلهم مدرعين بأسلحتهم، لم تمنعهم مشقة الطريق ولا شدة الحر، وتبارى كبارهم في الإنفاق وشراء السلاح، فجاء أبو بكر -﵁- بكل ماله، فقال له الرسول -ﷺ-: "هل أبقيت لأهلك شيئًا؟ ".
قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
كما أسرع عثمان بن عفان -﵁- بتجهيز ثلث الجيش من ماله١.
وأقبل كثير من الفقراء يطلبون من رسول الله -ﷺ- أن يحملهم معه، فحمل بعضهم واعتذر إلى الباقين، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا على حرمانهم من نعمة الجهاد، فبين الله أنهم لا لوم عليهم حيث قال: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ ٢.
وجاءت جماعة من المنافقين يلتمسون الأعذار، ويحلفون بالله قائلين: لو استطعنا لخرجنا معكم. والله يعلم أنهم لكاذبون، كما كانوا يمنعون بعضهم من هذا الغزو في الجو المحرق، ففضح الله أمرهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي
_________________
(١) ١ حيث جهزة ثلاثمائة بعير، وما يلزمها من ماله الخاص، فقال النبي -ﷺ: "ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا" سنن الترمذي ٣٧٠٠ وقال: حسن غريب. وفي الباب عن عبد الرحمن بن سمرة. قلت: وأخرج نحو هذا الطبراني ١٨/ ٣٣١ عن عمران بن حصين، فالحديث يصحح بشواهده. على أنه جاء في بعض الطرق الضعيفة أنه جهز أكثر من ذلك. ٢ سورة التوبة، الآية ٩٢.
[ ٣٦٣ ]
الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
ومع هذا فقد بلغ عدد الجيش الإسلامي ثلاثين ألفًا تقريبًا، فيهم عشرة آلاف من الفرسان ٢.
_________________
(١) ١ التوبة، من الآية ٨١. ٢ وعند أبي زرعة: كانوا سبعين ألفًا، وفي رواية أخرى عنه: أربعون ألفًا. "المواهب اللدنية" ١/ ٦٣٠. والمشهور من الروايات ثلاثون.
[ ٣٦٤ ]
مسير الحملة:
اجتمع الجيش الإسلامي وأعطى الرسول -ﷺ- لواءه لأبي بكر الصديق ثم تحرك صوب الشام مخترقًا الصحراء وسط صهيل الخيل، ورغاء الإبل حتى وصل إلى تبوك فلم يجد فيها جيشًا للروم فعسكر فيه حوالي عشرين يومًا١، ولم ير الرسول -ﷺ- محلًا لتتبعهم داخل بلادهم، وأقام عند الحدود ينازل من يشاء أن ينازله متحديًا أية قوة تأتيه.
_________________
(١) ١ كما قال ابن سعد والدمياطي.
[ ٣٦٤ ]
موقف أمراء الحدود:
وكان يوحنا بن رؤية أمير أيلة١ واليًا على القبائل المسيحية واليهودية في هذه المنطقة، فوجه إليه النبي رسالة يخبره فيها: إما بالإذعان وإما بالحرب، فآثر الأولى وأقبل على الرسول -ﷺ- معلنًا الطاعة، وعقد الرسول -ﷺ- معه معاهدة اتفق فيها على أن يدفع جزية قدرها ثلاثمائة دينار كل عام٢. كما وفد عليه
_________________
(١) ١ وأيلة تقع على خليج العقبة. ٢ "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٣٨ و"دلائل النبوة" للبيهقي، وغيرها.
[ ٣٦٤ ]
أميرا قبيلتي أذرح وحرباء١، يطلبان تأمينهما ومحالفة المسلمين، فصالحهما الرسول -ﷺ- على الجزية.
ولم يكن أمام الرسول -ﷺ- إلا أمير دومة الجندل الذي كان يتوقع منه العداء، فبعث إليه خالد بن الوليد في قرابة خمسمائة فارس، وجاء هو بعد ذلك المدينة.
وأسرع خالد عائدًا إلى دومة الجندل، فانقض عليها في حين غفلة من أميرها، فلم يلق مقاومة تذكر، وفتحت له المدينة أبوابها، بعد أن وقع أميرها في الأسر، وغنم منها ألفي بعير، وثمانمائة شاة، وأربعمائة درع، وقدرًا كبيرًا من البر، ثم عاد إلى المدينة ومعه الغنائم والأسرى. فعرض الرسول -ﷺ- على أمير دومة الجندل، فأسلم وأصبح أميرًا على قومه١.
_________________
(١) ١ هما من نواحي عمان. ٢ "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٣٨، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٥/ ٢٥٠، و"البداية والنهاية" ٥/ ١٧، وقد جاءت هذه الحادثة من وجوه مرسلة كثيرة يقوي بعضها بعضًا.
[ ٣٦٥ ]
الثلاثة الذين خلفوا: ١
أولئك هم: كعب بن مالك، وهلال بن أُمية، ومرارة بن الربيع، وهم: ثلاثة نفر أخلصوا لله وجاهدوا في سبيله وشهدوا مع رسول الله -ﷺ- كثيرًا من المشاهد والغزوات، وكان لهم في تاريخ الإسلام بلاء مشكور، وجهاد مبرور..
ولكن الله الذي يمتحن عباده بالبلاء والمحن قد ابتلى هؤلاء الثلاثة بمحنة، لولا لطف الله لعصفت بإيمانهم وطوحت بهم في مهاوي الشقاء، وكثيرًا ما يبتلي الله عباده ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر الزائف من الصحيح.
_________________
(١) ١ وقصتهم صحيحة مخرجة في "صحيح البخاري" ٨/ ١١٨ من "فتح الباري"، و"صحيح مسلم" ص ٢١٢٠، وغيرهما.
[ ٣٦٥ ]
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ١.
وذلك أن رسول الله -ﷺ- خرج إلى هذه الغزوة حيث كان الحر شديدًا والسفر بعيدًا، والعدو قاسيًا عنيدًا، وناهيكم بجيش جرار من الروم يتربص الدوائر بالمسلمين ويستعد للهجوم عليهم.. وقد استجاب لدعوة الحق رجال من المسلمين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فنفروا للجهاد سراعًا يضربون في البيداء المترامية بين الحر المرمض والسموم اللافح، لا يكترثون بوعثاء السفر ووعورة الطريق، ولا يثنيهم عن غايتهم ما يحيط بهم إذ ذاك من المتاعب والمخاوف والأراجيف التي يذيعها المنافقون، بل يجدون في طاعة الله ورسوله -ﷺ- أمنًا وسلامًا وظلًّا ظليلًا دائمًا، يغنيهم عن ظلال الدنيا الزائلة، ومتاعها الفاني القليل.
ولعل ما يصور لنا عظمة الروح وقوة العقيدة في نفوس أولئك المؤمنين، ما وقع لأبي خيثمة الأنصاري أحد أصحاب الرسول -ﷺ- فلقد تخلف عن المسير مع إخوانه المجاهدين أيامًا، ثم رجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريش لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منها عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا.
فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله -ﷺ- في الضحى والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم. ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله -ﷺ-.. فهيئا لي زادًا ففعلتا.
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية ٣١.
[ ٣٦٦ ]
ثم خرج في طلب رسول الله -ﷺ- حتى أدركه حين نزل تبوك١.
وقعد عن الجهاد قوم من المنافقين كانوا قد أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. وكانوا بضعة وثمانين رجلًا غلبت عليهم شقوتهم، وأصاخوا٢ لدعوة الشيطان فتركوا دون عذر ميدان الجهاد، لأنهم يحبون العاجلة، وهم أحرص الناس على حياة، ويظنون أن أمرهم سيخفى على رسول الله -ﷺ- حتى إذا رجع المسلمون من ميدان الجهاد قاسموهم في السراء دون الضراء، وشاركوهم في المغانم دون أن يشاركوهم في المغارم.
ولم يتخلف عن الجهاد من المؤمنين المخلصين سوى هؤلاء الثلاثة الذين نتحدث الآن عنهم، وهم الذين سماهم الله في كتابه العزيز: ﴿الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ٣. ومعنى خلفوا أن الرسول -ﷺ- خلفهم، أي أرجأ أمرهم إلى أن يقضي الله فيهم بأمره٤.
ولقد أخطأ هؤلاء الثلاثة، ثم لم يلبثوا أن تابوا ورجعوا الله الله وأنابوا، فقبل الله توبتهم وغفر لهم خطيئاتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ٥.
فقد روى لنا كعب بن مالك قصته وقصة صاحبيه، منذ تخلفوا عن ركاب إخوانهم المؤمنين المجاهدين إلى أن انجلى ليل محنتهم، وآذن الله رسوله -ﷺ- بقبول توبتهم.
_________________
(١) ١ انظر قصة أبي خيثمة في "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٣٣، و"دلائل البيهقي" ٥/ ٢٢٣، و"البداية" ٥/ ٨ وغير ذلك. ٢ أي استمعوا وأنصتوا. ٣ سورة التوبة، الآية ١١٨، وقصتهم في الصحيحين كما مضى. ٤ هذا تفسير كعب نفسه كما صح في البخاري ومسلم. ٥ سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
[ ٣٦٧ ]
يقول كعب١: إنه كان ينتقل في المدينة منذ خرج إخوانه للجهاد، فيحزنه ألا يرى في طرقاتها إلا طفلًا صغيرًا، أو رجلًا ضريرًا، أو شيخًا مهيض الجناح ليس عليه في تخلفه جناح٢. ولا يرى أحدًا قد تخلف من الرجال الأقوياء سوى أهل النفاق والرياء.
ويقول كعب: إن الرسول -ﷺ- حين رجع من تبوك دعاني حتى جئت بين يديه، فسألني عن أمر تخلفي وهو يتبسم تبسم المغضب. فاعترفت بذنبي ولم أفتر الكذب وأختلق الأعذار، كما فعل غيري من المتخلفين المنافقين، ثم دعا صاحبي إليه، فاعترفا بذنبهما، وإذ ذاك أمهلنا الرسول -ﷺ- حتى يقضي الله فينا بأمره، ونهى الناس عن كلامنا حتى تنكرت لنا الدنيا وتغيرت، وضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولم يعد لنا ملجأ من الله إلا إليه.
ويقول كعب: إن ملك غسان النصراني حينما بلغه نبأ محنتي، كتب إلي يستميلني إليه قائلًا:
أما بعد: قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
وكأنما أراد الله أن يزيد في ابتلائي بمثل هذا الكتاب، هل أفتتن بالدنيا وزخرفها فأستجيب لدعوة ذلك الملك النصراني، حيث أقضي أيام الحياة بين العيش الناعم والفراش الوثير، وليكن بعد ذلك في الآخرة ما يكون؟ أم أصبر على ما يحيط بي من المتاعب والآلام مهما تتابعت وتلاحقت طمعًا في رحمة الله
_________________
(١) ١ قال المؤلف: تصرفنا في نقل كلام كعب وكتبنا معظمه بأسلوبنا الخاص في حدود المعاني التي ذكرها كعب. ٢ أي: إثم.
[ ٣٦٨ ]
وانتظارًا لمغفرته ورضوانه، وإيثارًا للآخرة حيث السعادة والنعيم والملك الكبير؟
ولكني اخترت الباقية دون الفانية وآثرت الآجلة على العاجلة، فقمت إلى كتاب الملك الغساني فأحرقته في التنور، وفوضت أمري إلى الله الذي إليه تصير الأمور.
ويقول كعب: إن محنتنا استمرت خمسين يومًا متتابعة، ما كان أطولها وأقساها، ولكننا لم نجد ملجأ من الله إلا إليه، فصبرنا صبرًا جميلًا، وجاهدنا أنفسنا جهادًا طويلًا، حتى بدل العسر يسرًا، وجعل لنا من الضيق فرجًا ومن الهم مخرجًا، فآذن رسوله -ﷺ- بغفران خطيئتنا وقبول توبتنا.
وجاءنا البشير بذلك فأتينا رسول الله -ﷺ- مسرعين، فوجدنا وجهه يبرق من السرور، وكان رسول الله -ﷺ- إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، وإذا به يتلو قول الله -﷿: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ١.
وهكذا كانت غزوة تبوك خاتمة غزوات النبي -ﷺ- ومن بعدها أقام النبي -ﷺ- بالمدينة مغتبطًا بما أفاء الله عليه، مطمئنة نفسه بهذا النصر الذي وصل إليه.
أما أولئك المنافقون البضع والثمانون فإنهم حينما رجع الرسول -ﷺ- من الجهاد قابلوه يحلفون بالله إنهم معذورون، والله يشهد إنهم لكاذبون، فلم يلبثوا حتى
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآيات ١١٧-١١٨-١١٩.
[ ٣٦٩ ]
كشف الله أمرهم وبين للرسول -ﷺ- عاقبتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ١.
وبعد فهذه قصة الثلاثة الذين خلفوا، ومن ثناياها يتجلى لكم مثل رائع من الإخلاص الصادق والإيمان العميق والعقيدة الراسخة التي لا تعصف بها الحوادث، ولا يزيدها تطاول الأيام إلا رسوخًا وقوة. وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
ومن ثناياها ترون أن الصبر على البلاء والاطمئنان لقضاء الله وقدره، ذلكم هو السبيل القويم الذي يكفر الذنوب والآثام، ويضمن للإنسان البراءة والنجاة: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ٢.
ومن ثناياها ترون أن منطق النفاق كليل، وسلاحه مفلول، وعمره قصير، وحجته داحضة، والمنهج القاصد للمؤمن المجاهد هو أن يسير في حياته على أساس من الإيمان الصادق الذي لا يخادع ولا ينافق، حينئذٍ يحيا حياة طيبة، ويؤتيه الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآيتان ١٩٥-١٩٦. ٢ سورة النبأ، الآية ٤٠.
[ ٣٧٠ ]
بعض العبر في غزوة تبوك:
- أظهرت هذه الغزوة أن النفاق لابد أن يفتضح أمره في وقت الشدة. فهؤلاء
[ ٣٧٠ ]
المنافقون خافوامن الحر الشديد، فأرادوا أن يثبطوا همة المؤمنين، وقالوا لهم: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ ١.
فكشف الله نفاقهم ورد عليهم بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢.
إن الله -﷿- يفتح باب التوبة أمام المذنبين إذا اعترفوا بذنوبهم وندموا على ما فرط منهم ٣، فهؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا دون عذر عن هذه الغزوة حينما أدركوا خطأهم وندموا وتابوا، غفر الله لهم وتاب عليهم.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية ٨١. ٢ سورة التوبة، الآيتان ٨١ - ٨٢. ٣ الصواب: وندموا على ما فرطوا.
[ ٣٧١ ]
عام الوفود
مدخل
عام الوفود
كان العام التاسع الهجري في حياة الرسول -ﷺ- مناط الفخر وذروة القوة، ففيه خرج الرسول -ﷺ- إلى تبوك على مشارف الشام، ليلتقي بدولة الروم التي كانت تهدد حدود الجزيرة العربية، فتهيب الروم لقاءه، ولاذوا بالفرار ليتحصنوا داخل بلادهم، فكان هذا النصر الأبيض١ على دولة الروم العظيمة تطورًا كبيرًا وتحولًا عجيبًا يعتز به المسلمون في تاريخهم.
وفيه تتابعت الوفود من سائر الجزيرة العربية لتعلن الولاء والطاعة للرسول -ﷺ- ولتؤمن مستقبلها قبل أن يصل إليها المد الإسلامي ويكتسحها تياره القوي، وكانت هذه الوفود في كثرتها وتتابعها حَرِيّة بأن تجعل هذا العام عام الوفود، كما كانت هذه الوفود هي الثمرة الطبيعية لكفاح المسلمين الطويل، لأنها البرهان الواضح على أن صوت الإسلام قد أصبح مسموعًا في كل مكان، وأن الناس حينما سمعوه واطمأنوا إليه لبوا النداء واستجابوا للدعاء.
وإذا كان من حق القارئ أن يتعرف على هذه الوفود، فإن من واجبنا أن نتحدث عنهم لأنهم كانوا -في جملتهم- سفراء أمناء حملوا رسالة الحق من الرسول -ﷺ- وبلغوها كاملة إلى أهلهم وذويهم، فشرح الله صدورهم للإسلام، ودخلوا في دين الله أفواجًا..
_________________
(١) ١ يعني: الذي تم بدون قتال.
[ ٣٧٢ ]
فمن هذه الوفود١ وفد عبد القيس٢، وكان من خبرهم أن الرسول -ﷺ- كان جالسًا بين أصحابه يوما فقال لهم: "سيطلع عليكم من هنا ركب من أهل المشرق، لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا الركائب٣ وأفنوا الزاد، اللهم اغفر لعبد القيس". فلما أتوا ورأوا النبي -ﷺ- رموا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد، وتبادروا إلى رسول الله -ﷺ- يسلمون عليه.
فقال -ﷺ: "مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى" ٤.
فقالوا: يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل.
فقال: "آمركم بالإيمان. أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن الدنيا والحنتم والنقير والمزفت".
والمراد هنا النهي عن شرب الأنبذة التي توضع في هذه الأوعية كما جرت عادتهم بذلك، فقال أحدهم واسمه الأشج: يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة، وإننا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت بطوننا، فرخص لنا في مثل هذه، وأشار إلي يده، وهو يقصد أن يرخص الرسول -ﷺ- في شرب القليل منها.
_________________
(١) ١ وهي كثيرة جدًّا، ذكرناها جميعها في كتابنا "سنن النبي -ﷺ- وأيامه" ١/ ٦٣٩-٦٩٥. ٢ انظره في "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٨٦، و"طبقات ابن سعد" ١/ ٣١٤، و"تاريخ الطبري" ٣/ ١٣٦، و"عيون الأثر" ٣/ ٢٩٨، و"البداية" ٥/ ٤٦، و"نهاية الأرب" ١٨/ ٦٥، و"المواهب اللدنية" ٢/ ١٥، وشرحها للزرقاني ٤/ ١٣، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٥/ ٣٢٣، و"الرحيق المختوم" ص ٤٠٩ وغير ذلك. ٣ أي: أهزلوها من كثرة السير. ٤ أي: لا يلحقهم خزي ولا ندم.
[ ٣٧٣ ]
فأومأ -﵊- بكفيه وقال: "يا أشج إن رخصت لك في مثل هذه شربته في مثل هذه -وفرج بين يديه وبسطها- حتى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمه فضرب ساقه بالسيف" ١، ٢.
ومن هذه الوفود وفد تميم٣: وكان من خبرهم أنهم جاءوا إلى رسول الله -ﷺ- فلما خرج إليهم تعلقوا به وقالوا: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم -﵊: "ما بالشعر بعثنا ولا بالفخار أمرنا". ثم صلى الظهر، واجتمع حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد آبائهم، وطلبوا من الرسول -ﷺ- أن يأذن لخطيبهم وشاعرهم بذلك، فأذن الرسول -ﷺ.
فأما خطيبهم فكان عطارد بن حاجب، وقد قال في خطبته:
الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا.
فقال رسول الله -ﷺ- لثابت بن قيس: "قم فأجب الرجل في خطبته".
فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي في السموات والأرض خلقه، قضى فيهن
_________________
(١) ١ هذا لفظ أبي يعلى والطبراني بسند جيد، كما في "البداية" ٥/ ٤٧، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٥/ ٣٢٧، وأصل الحديث في "صحيح مسلم" ١/ ٤٨ وغيره. ٢ وقد كانت لعبد القيس وفادة قبل هذه السنة، في سنة خمس. وانظر ما قدمنا من المصادر. ٣ انظر ما مضى من المصادر. و"الكامل في التاريخ" ٢/ ١٩٥، و"سيرة ابن هشام" ٢/ ٣٣٣.
[ ٣٧٤ ]
بأمره، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولًا.. فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه، ثم آمنا نحن الأنصار، أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا أقول هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات..
فقام الزبرقان بن بدر وأنشد بين يدي رسول الله -ﷺ- والمسلمين قصيدة قال في أولها:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا ولم يأب لنا أحد إنا كذلك عند الفخر نرتفع
ولما انتهى الزبرقان من قصيدته وفيها يرفع قومه إلى درجة الملوك، ويبين أنه لم يرتفع إلى مكانتهم أحد. قال رسول الله -ﷺ- لحسان بن ثابت: "قم يا حسان فأجب الرجل"، فقام حسان فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
إن كان في الناس سباقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم لا يطمعون ولا يرديهم طمع
[ ٣٧٥ ]
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفاوتت الأهواء والشيع١
وقد أسلم هؤلاء القوم وحسن إسلامهم، وأقاموا مدة يتعلمون فيها القرآن ويتفقهون في الدين.
ومن هذه الوفود رسول بني سعد بن بكر، ويقال له: ضمام بن ثعلبة، وموقف هذا الرجل يدل على أنه جاء إلى الرسول -ﷺ- مطمئن القلب بالإيمان، وأن غرضه من هذه الوفادة هو زيادة اليقين والاطمئنان، وأنه كان مسموع الكلمة لدى قومه، ولذا لبوا رغبته واستجابوا له حينما دعاهم إلى الإسلام بعد رجوعه من مقابلة رسول الله -ﷺ.
قال ابن إسحاق٢:
بعث بنو سعد بن بكر إلى رسول الله -ﷺ- رجلًا منهم يقال له ضمام بن ثعلبة، فقدم على رسول الله -ﷺ- وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله -ﷺ- جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلًا جلدًا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله -ﷺ- فقال: أيكم ابن عبد المطب؟ فقال رسول الله -ﷺ: "أنا ابن عبد المطلب". قال: أمحمد؟ قال: "نعم".
_________________
(١) ١ انظر الخبر في "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٧٨، و"البداية" ٥/ ٤٢، و"الكامل" ٢/ ١٩٥ و"دلائل النبوة" للبيهقي ٥/ ٣١٣، وتمام هذه القصيدة لحسان -﵁. ٢ "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٨٤، و"طبقات ابن سعد" ١/ ٢٩٩، و"عيون الأثر" ٢/ ٢٩٧، و"البداية" ٥/ ٦٠، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ٣٧٤. والحديث أخرجه ابن إسحاق والباقون عنه، وكذلك رواه عنه أحمد وأبو داود من طريقه كما في "البداية". وكذلك أخرجه الواقدي من وجه ابن اسحاق. كلهم من طريق كريب عن ابن عباس. وللحديث شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك، كما في "البداية" أيضًا. وانظر "صحيح البخاري" ١/ ٣٢، و"صحيح مسلم" ١/ ١٦٦ وغيرهما.
[ ٣٧٦ ]
قال: يابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجد بها عليّ في نفسك١. قال: "لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك" قال: أنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولًا؟ قال: "اللهم نعم" قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده، ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: "اللهم نعم". ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والصيام والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعًا.
فقال رسول الله -ﷺ: "إن صدق ذو العقيصتين٢ دخل الجنة".
قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام. اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. قال: ويلكم إنهما -والله- لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه.
قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره٣ رجل أو امرأة إلا مسلمًا.
_________________
(١) ١ أي: لا تغضب. ٢ العقيصة: الشعر الملتوي المعقود. ٣ أي: ممن عنده.
[ ٣٧٧ ]
وهكذا كانت وفادة ضمام بن ثعلبة على رسول الله -ﷺ- وفادة ميمونة مباركة حتى يقول ابن عباس -رضي الله عنهما١:
ما سمعنا بوافد كان أفضل من ضمام بن ثعلبة٢.
ومنهم وفد ثقيف٣، وكان من خبرهم أن الرسول -ﷺ- لما رجع من الطائف بعد حصارها، تبع أثره عروة٤ بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، ثم طلب من الرسول -ﷺ- أن يأذن له بالرجوع إلى قومه ليدعوهم إلى الإسلام.
فقال له الرسول -ﷺ: "إنهم قاتلوك".
فقال: أنا أحب إليهم من أبصارهم.
فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لما كان يعرفه فيهم من الإخلاص له، ولكنه أخطأ في تقديره، وصدقت فراسة الرسول -ﷺ- وذلك أنهم لما رأوه يدعوهم إلى ترك دينهم ولا يحيد عن ذلك، لم يطيقوا صبرًا وأحاطوه به ورموه
_________________
(١) ١ قال ذلك في نهاية الحديث الماضي. ٢ وقال عمر فيه: ما رأيت أحدًا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة، هكذا جاء في سياق حديث أبي هريرة لهذه القصة. ٣ وهم أهل الطائف، وكان النبي -ﷺ- عقب انصرافه من الطائف وامتناع ثقيف من التسليم والإيمان دعاهم فقال: "اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم مسلمين". ووفد ثقيف تاريخ قدومه بعد حجة أبي بكر لا قبلها بحسب قول موسى بن عقبة، وعروة بن الزبير، كما سيأتي. ٤ الذي عند موسى بن عقبة، وفي مرسل عروة بن الزبير كما روى ذلك عنهما البيهقي في "الدلائل" ٥/ ٢٩٩ أن قدوم وفد ثقيف، كان بعد حجة أبي بكر، وأما عند ابن اسحاق فقبلها كما في "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٥٢. وقد رجح الحافظ ابن كثير في "البداية" ٥/ ٢٩ ما عند ابن اسحاق.
[ ٣٧٨ ]
بالنبل من كل وجه حتى قتلوه١.
وأحست ثقيف بعد قتل عروة أن هناك خطرًا يهددها من القبائل المجاورة التي دخلت في الإسلام، وأدركت أنها مهما قاومت قوة المسلمين فإنها سوف تصير بعد حين من الزمان إلى الانهيار والدمار، ومن أجل ذلك استقر رأيهم على إرسال وفد إلى النبي -ﷺ- يعرض عليه صلحهم معه ومسالمتهم إليه، ووصل هذا الوفد إلى المدينة، فشرح الله صدورهم للإسلام، وعادوا بعد ذلك إلى أهلهم وذويهم في الطائف لينشروا الإسلام بينهم
_________________
(١) ١ انظر المصادر السابقة.
[ ٣٧٩ ]
هدم اللات:
وقد وجه النبي -ﷺ- مع هذا الوفد أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة -وكان لهما بثقيف مودة واحترام- ليقوما بهدم اللات. وكان شديدًا على ثقيف أن يتم الإجراء ويهدم الإله الكبير الذي كانوا يلجئون إليه في النوائب، ويرونه الملاذ الذي كان يحميهم من كوارث الدهر وخطوبه، ولكنهم كانوا مضطرين إلى الإذعان لأمر الرسول -ﷺ- حتى لا يتعرضوا لهلاك محقق، فقام المغيرة بهدم هذا الإله المزعوم بينهم كان رجال ثقيف واجمين، ونساؤهم متحسرات يبكين.
وبهدم اللات وبإسلام الطائف كانت الحجاز كلها قد أسلمت، وغدا سلطان الرسول -ﷺ- ونفوذه يمتد ذات اليمين وذات الشمال، والوفد تتابع من كل مكان لتعلن الطاعة والولاء لرسول الله -ﷺ.
ومنهم وفود اليمانيين، وقد استقبلهم الرسول -ﷺ- في المدينة وأحسن استقبالهم، وكان منهم الأشعريون وهم قوم أبي موسى الأشعري، وقد أسلموا
[ ٣٧٩ ]
وحسن إسلامهم وبايعوا الرسول -ﷺ- قال رسول الله -ﷺ- في حقهم: "أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب، وهم خيار من في الأرض" ١.
ومنهم وفود حضرموت والبحرين وعمان.
وقد قدم هؤلاء جميعًا أفواجًا أفواجًا ليدخلوا في دين الله، وليذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ٢.
_________________
(١) ١ هذا لفظ البيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ٣٥٣ وغيره، من حديث جبير بن مطعم. وعند مسلم ٨٩ من حديث أبي هريرة يرفعه: "جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة، وأضعف قلوبًا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية " وفي لفظ البخاري ٤٣٨٦: "أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبًا، وأرق أفئدة، الفقه يمانٍ، والحكمة يمانية". وانظر "فتح الباري" ٨/ ٩٨. ٢ وقد ذكرت في كتابي "سنن النبي -ﷺ- وأيامه" ١/ ٦٤١ - ٦٩٤ نحو ثمانين وفدًا، وذلك مما جاء عند ابن سعد في طبقاته.
[ ٣٨٠ ]
حج أبي بكر ١
وفي هذا العام -أعني عام الوفود- كانت أول حجة في الإسلام، وكان أمير الحج من قبل الرسول -ﷺ- هو أبو بكر الصديق -﵁- ولهذه الحجة دلالتها القوية على مدى النفوذ الذي أصبح للمسلمين بعد الفتح الأعظم لمكة،
_________________
(١) ١ انظر تفاصيل هذه الحجة في: "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٥٧، و"دلائل النبوة" ٥/ ٢٩٣ للبيهقي، و"صحيح البخاري" ٤٦٥٥، ١٦٢٢، و"صحيح مسلم" ص ٢/ ٩٨٢، و"مسند أحمد" ١/ ٧٩، و"البداية" ٥/ ٣٦، و"طبقات ابن سعد" ١/ ٤٤٥ ترتيب طبقاته، و"الكامل في التاريخ" ٢/ ١٩٨، و"سنن النسائي" ١٨٧، من كتاب الحج. و"فتح الباري" ٣/ ٤٨٣. وغير ذلك.
[ ٣٨٠ ]
حتى أصبح البلد الأمين مثابة للناس وأمنًا، وأصبحت أبوابه مفتوحة للمسلمين يغدون ويروحون ويحجون ويعتمرون.
وقد عهد الرسول -ﷺ- إلى أبي بكر -﵁- بالإمارة على الحجيج -كما قدمنا- فخرج على رأس ثلاثمائة من المسلمين١ قاصدًا البلد الحرام، وقد طهره الله من الأصنام والأوثان، ولكنه لم يطهر بعد من المشركين الذين أقبلوا من كل فجٍّ يطوفون بالبيت، ويتلمسون آلهتهم التي كانت تستظل به منذ عام واحد، ثم حطمها محمد -ﷺ- فاختفت أشباحها من الوجود، ولكن بقي -على حد زعمهم- روحها القوي يصرف عنهم السوء، ويملأ حياتهم بالخير والبركة.
وكان من فضل الله على رسوله -ﷺ- وعلى المسلمين، أن يعيد لهذا البيت طُهره القديم منذ رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل -﵉- فنزلت الآيات الكريمة من سورة التوبة:
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٢.
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٣.
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ
_________________
(١) ١ وبهذا العدد جزم الحافظ ابن حبان في ثقاته ٢/ ١١٣، وذكره ابن إسحاق، وابن سعد وغيرهما. ٢ سورة التوبة، الآية ٣. ٣ سورة التوبة، الآية ١٧، ١٨.
[ ٣٨١ ]
هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وقد أوفد رسول الله -ﷺ- علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- بهذه الآيات الكريمة، كي يلحق بأبي بكر -﵁- وليبلغها بنفسه إلى الناس. فلما رآه أبو بكر قال له: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور. وأخبره أنه إنما جاء ليبلغ الناس ما أمر به الله ورسوله. فلما اجتمع الناس بمنى يؤدون مناسك الحج، وقف علي بن أبي طالب وإلى جانبه أبو هريرة فقرأ الآية الكريمة من صدر سورة التوبة وهي التي ذكرنا بعضها منها ولما أتم تلاوتها وقف هنيهة ثم قال: يا أيها الناس: إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته.. ثم أجل الناس أربعة أشهر بعد ذلك اليوم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم٢.
ومنذ ذلك اليوم اكتمل تطهير البلد الأمين من الرجس، فلم يحج إليه مشرك، ولم يقم فيه كافر، وبقيت أنوار الحق والإيمان تشع في الأرجاء إلى ما شاء الله، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية ٢٨. ٢ أخرج ذلك البخاري ١٦٢٢، ومسلم ٤٣٥ وغيرهما من حيث أبي هريرة. ٣ سورة الرعد، الآية ١٧.
[ ٣٨٢ ]
حجة الوداع
الفصل السابع: حجة الوداع ووفاة الرسول ﷺ
وحينما جاء موسم الحج من العام العاشر الهجري، كان البيت العتيق قد تخلص من شوائب الشرك وأرجاسه، فتجهز رسول الله -ﷺ- لأداء فريضة الحج في الحجة الأولى في حياته، وقد شاء الله أن تكون الأولى والأخيرة، ومن أجل ذلك سميت: حجة الوداع١.
وقد سرت الأنباء بحج الرسول -ﷺ- في كل مكان، وتسمعت الصحراء لهذه الأنباء في زهوٍ وطرب، وتجمعت القبائل العربية من كل صوب وحدب، حتى لقد بلغت عدة المسلمين حينئذٍ مائة ألف أو يزيدون جاءوا يتسابقون ركضًا لينالوا شرف الحج مع النبي الكريم -ﷺ- وليروا عن كثب تلك المناسبات المقدسة كما يؤديها الرائد الأكبر والقائد المظفر، وكما تقضي بها تعاليم الدين الحنيف.
ولم يكد يأتي اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة، حتى بدأ الركب يولي وجهه شطر المسجد الحرام٢، ويحث الخطا لبلوغ تلك الغاية الكريمة، وأخذ
_________________
(١) ١ انظر تفاصيل حجة الوداع في: "سيرة ابن هشام" ٤/ ٢١١، "طبقات ابن سعد" ٢/ ١٧٢، "صحيح مسلم" بشرح النووي ٨/ ١٧٠، "تاريخ الطبري" ٣/ ١٤٨، "عيون الأثر" ٢/ ٣٤٥، "البداية" ٥/ ١٠٩، "نهاية الأرب" ١٧/ ٣٧١، "دلائل النبوة" للبيهقي ٥/ ٤٣٢، "ثقات ابن حبان" ٢/ ١٢٤، "الكامل في التاريخ" ٢/ ٢٠٥، وغير ذلك. وهي تسمى حجة الإسلام، وحجة البلاغ أيضًا. ٢ وكان ذلك يوم الخميس، فوصل لذي الحليفة فيه، وبات ليلة الجمعة فيها.
[ ٣٨٣ ]
رسول الله -ﷺ- معه جميع نسائه، وكأنه كان يحس بقرب الأجل ونهاية المطاف، وكأنما ألهمه الله أن هذا الموسم من الحج هو آخر العهد به في هذه الحياة الدنيا، فلم يشأ أن يخصص واحدة من نسائه بفضل صحبته في هذه الحجة الأولى والأخيرة، حتى لا تضيع الفرصة على غيرها من أمهات المؤمنين.
ولقد أنصت التاريخ في إكبار يسجل هذا المشهد الحافل، وتساءل الناس وهم يتبعون محمدًا -ﷺ- وكأنهم في حلم عجيب.
ما هذه الجموع الحاشدة؟ وإلى أين تسير؟ ومن ذلكم القائد الكبير؟ ثم طفقوا يسترجعون الذكريات القريبة، كلما أغذُّوا السير في الطريق من يثرب إلى مكة وأطلت عليهم جباله، وانبسطت بين أيديهم رماله.
فمن هذا الطريق سار محمد بن عبد الله -ﷺ- منذ أربع سنوات في جمع قليل وعدد ضئيل١ يريدون أن يؤدوا نسك العمرة، فوقفت قريش في سبيلهم ولم تمكنهم من دخول المسجد الحرام في ذلك العام.
ومن هذا الطريق سار محمد بن عبد الله -ﷺ- منذ ثلاث سنوات ليؤدي عمرة القضاء بعد صلح الحديبية في جمع من أصحابه بلغت عدتهم قرابة الألفين، فصدق الله رسوله -ﷺ- الرؤيا بالحق، ودخل المسلمون المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين.
ثم شهد هذا الطريق محمدًا -ﷺ- وأصحابه منذ عامين اثنين٢ يخرجون لنصرة المظلوم وردع الظالم، ولرد قريش عن البغي والعدوان بعد أن بالغت في الاستهتار وأمعنت في العناد، ولم تكترث بوعد ولم ترعَ حرمة لعهد، وكان المسلمون في جيش كبير بلغت عدته عشرة آلاف، فجاء نصر الله، ودخل الناس في دين الله،
_________________
(١) ١ يعني: عام الحديبية، كما تقدم. ٢ أيام فتح مكة، كما تقدم ذلك.
[ ٣٨٤ ]
وخنس الشيطان، وزالت دولة الأوثان، ودوى صوت المؤذن بالتكبير في أرجاء البلد الأمين.
والآن وبعد عامين من هذا الفتح العظيم يشهد هذا الطريق محمدًا -ﷺ- وأصحابه يتوجهون إلى مكة وقد أصبح العشرة آلاف مائة ألف أو يزيدون، وهكذا ينتصر الحق فينمو ويزيد، وهكذا يزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد.
ولم تطل بنفوس المسلمين هذه الخواطر حتى وصلوا إلى ذي الحليفة فنزلوا بها وأقاموا ليلتهم، حتى إذا ما أصبحوا أحرم النبي -ﷺ- وأحرم المسلمون معه، وبدت هذه الألوف المؤلفة في زي واحد، ومظهر واحد، ومنطق واحد، قد كشفوا عن رءوسهم الغطاء، ولبسوا الإزار والرداء، وانطلقوا يهتفون من أعماق قلوبهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فيا لله لعظمة الحق والإيمان، وما أروعه من نبأ اهتزت له البطحاء، وسبحت به الحصباء، وباركه رب الأرض والسماء.
ولما بلغ القوم سرف١ قال رسول الله -ﷺ- لأصحابه: "من لم يكن منكم معه هدي٣ فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا". ثم بلغ الحجيج مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة٣، وأقبل رسول الله -ﷺ- والمسلمون من بعده إلى الكعبة، فاستلم الحجر الأسود وقبله، ثم طاف بالبيت سبعًا، هرول في الثلاثة الأولى منها، ثم صلى عند مقام إبراهيم، ثم عاد فقبل
_________________
(١) ١ مكان على ستة أميال من مكة. ٢ المراد: من ساق الهدي، وليس المراد امتلاك ثمنه. ٣ في "صحيح البخاري": أنه قدم مكة لخمس خلون من ذي الحجة.
[ ٣٨٥ ]
الحجر مرة ثانية، ثم خرج من المسجد إلى ربوة الصفا حيث سعى بين الصفا والمروة.
ولما انتهى من سعيه نادى في الناس ألا يبقى على إحرامه من لا هدي معه.. وقال -صلوات الله وسلامه عليه-: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحللت منها" ١.
وقد تحلل كثير من المسلمين الذين لم يسوقوا الهدي معهم، وتبعت البقية الأخرى رسول الله -ﷺ- على إحرامه.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، ذهب رسول الله -ﷺ- إلى منى، فقضى بها طول يومه وقضى الليل كله حتى مطلع الفجر، ثم أدى صلاة الفجر وركب ناقته القصواء حتى بزغت الشمس ثم قصد إلى عرفات. وهناك وعلى هذا الجبل الخالد٢ وقف -صلوات الله وسلامه عليه- وأحاط به المسلمون يلبون ويكبرون وتسموا أرواحهم إلى الملأ الأعلى فينسبون الحياة، ولا يفكرون إلا في ذات الله ٣. فيا له من مجتمع كريم يتلاقى فيه المسلمون من كل فج وقد وحد بينهم الهدف والغاية، وألّف بين قلوبهم دين أغناهم عن الأحساب والأنساب، وأنساهم الحمية الجاهلية، والعصبية القبلية. ويا له من مؤتمر عظيم يعقد في كل عام، ويضم المسلمين في أرجاء الدنيا على اختلاف أجناسهم ليتعارفوا ويتآلفوا ويحققوا معنى الوحدة والتضامن، ويتشاوروا فيما يكفل لهم الخير ويمكنهم من الأعداء حتى يعملوا على تلافي النقص وبلوغ الكمال.
_________________
(١) ١ انظر "صحيح مسلم" بشرح النووي ٨/ ١٧٠ وغيره. ٢ الباقي بقاء الدنيا. ٣ أي: في عظمة الإله، وأما التفكير في ذات الإله فمحرم بنص الأحاديث الكثيرة التي أوردها أبو الشيخ في أول كتابه "العظمة" ص ٥ وما بعدها.
[ ٣٨٦ ]
وفي هذا اليوم الخالد وقف رسول الله -ﷺ- وألقى على المسلمين خطبته الجامعة والتي بين فيها أصول الدين وفروعه ومبادئه وآدابه، حيث قال١: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضللل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.
أما بعد: أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
إن ربا الجاهلية موضوع ٢، وإن أول ربًا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإنت مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة ٣ والسقاية ٤.
والعمد قود ٥، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير. فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
_________________
(١) ١ جاءت خطبة الوداع في سائر المصادر التي قدمتها أول الفصل، وأما اللفظ الآتي عند المؤلف، فسائره صحيح إلا أشياء يسيرة جدًّا منه. ٢ أي: مهدور، ولا قيمة له. ٣ القيام بخدمة البيت. ٤ يعني: سقي الحجاج. ٥ أي: يقاد قاتل العمد إلى القتل، فيقتل إلا أن يعفو أهل المقتول.
[ ٣٨٧ ]
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيها سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
أيها الناس: إنما النسيء ١ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله. وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات وواحد فرد، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حق: ألا يوطئن فرشكم ٢ غيركم، ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة. فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعضلوهن ٣ وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح. فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان ٤، ولا يملكن لأنفسهن شيئًا: أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة. ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعن بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب
_________________
(١) ١ يعني: التلاعب بالأشهر الحرم، وكانوا ربما فعلوا ذلك لمأرب لهم. ٢ كناية عن الزنا ومقدماته. ٣ أي: تحبسوهن وتضيقوا عليهن. ٤ أسيرات.
[ ٣٨٨ ]
الله ١، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فليبلغ الشاهد منكم الغائب.
أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش ٢، وللعاهر الحجر ٣ من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل ٤، والسلام عليكم ورحمة الله".
وهكذا كانت خطبة الوداع في حجة الوداع. وهي خطبة جامعة، ووصية رائعة تشير كل فقرة منها إلى ما كان يحس به الرسول -ﷺ- من قرب الأجل، ونهاية العمر، فهو يبرئ ذمته، ويصفي حسابه مع الناس، حتى لا تعظم مسئوليته أمام رب الناس، وهو يشهد الناس في كل فقرة على أنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة، فيسألهم: ألا هل بلغت؟ ثم يتجه إلى ربه ويناديه: اللهم اشهد وهو يبدأ الخطبة بقوله: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا"، ثم يقول في ثناياها: "فلا ترجعن بعدي كفارًا فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده".
وكل هذه فقرات واضحة الدلالة على أن صاحبها قد فرغ من الدنيا، وأنه يتهيأ
_________________
(١) ١ وقع هنا زيادة في روايات كثيرة "وسنتي". ٢ أي: ينسب المولود لأبيه، لأنه على فراشه، ولو كان من زنًا. ٣ العاهر: الزاني، والحجر كتابة عن أنه لا شيء له، ولا ينسب له ولده من الزنا بامرأة متزوجة، كما يقال: لك التراب، أو بفيك التراب. وقيل معنى وللعاهر الحجر: أي الرجم بالحجارة -إن كان محصنًا. ٤ كتابة عن أنه لا يقبل منه ما افتدى به مهما بلغ.
[ ٣٨٩ ]
للحياة الجديدة في الدار الآخرة، انتظارًا لما وعده الله سبحانه حيث يقول:
﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ١.
وكان من الدلالات القوية على دنو أجل الرسول -ﷺ- تلك الآية الكريمة التي نزلت على الرسول -ﷺ- في ذلك اليوم، وهي قوله تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٢.
وقد أدى الرسول -ﷺ- مناسك الحج، في رمي الجمار والنحر والحلق والطواف، وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قفل راجعًا إلى المدينة، ولما رآها كبر ثلاثًا ثم قال:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ٣.
_________________
(١) ١ سورة الضحى، الآيتان ٤، ٥. ٢ سورة المائدة، الآية ٣. ٣ صح في "صحيح البخاري" ٢/ ٢١٣ وغيره عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله -ﷺ- كان إذا قفل من الغزو، أو من الحج، أومن العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرات، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده".
[ ٣٩٠ ]
وفاة الرسول ﷺ
مدخل
وفاة الرسول ﷺ
وقد جعل الله الذي يقدر الليل والنهار حياة الرسول -ﷺ- موقوتة بإتمام رسالته، فلما تمت الرسالة ونزلت الآية الكريمة:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ١.
كان ذلك آية على أن اليوم الذي قدره الله لرسوله -ﷺ- في هذه الدنيا يوشك أن تغرب شمسه، وقد أحس الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- بذلك، فجلس على المنبر في أخريات أيامه وقال لأصحابه٢: "إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده".
فبكى أبو بكر حينما سمع هذا الكلام وقال: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا.
فأثنى رسول الله -ﷺ- على أبي بكر وقال:
"إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام".
ثم بدأت أعراض المرض تظهر على الرسول -ﷺ- في أواخر صفر من السنة
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ٣. ٢ أخرجه مالك والشيخان والترمذي وغيرهم، وانظر طرقه وألفاظه في "إتحاف السادة المتقين" ١٠/ ٢٨٧ و"صحيح البخاري" ٥/ ٧٣، و"سنن الترمذي" ٣٦٦٠، و"مصنف عبد الرزاق" ٩٧٥٤، و"فتح الباري" ١٠/ ٥٦٩، وغير ذلك.
[ ٣٩١ ]
الحادية عشرة للهجرة١، وكان حينئذٍ في بيت ميمونة بنت الحارث، وأخذ ينتقل بين بيوت أزواجه، فلما اشتد عليه المرض استأذن منهن أن يمرض في بيت السيدة عائشة، فأذِنَّ له.. ولما دخل إلى بيت عائشة واشتد عليه الوجع قال للحاضرات من زوجاته: "هريقوا ٢ علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس".
فأجلس في مخضب٣، وصب عليه الماء حتى شعر بشيء من الراحة، فأشار إليهن بالاكتفاء٤.. ثم خرج إلى الناس متوكئًا على علي بن أبي طالب والفضل بن العباس٥، وتقدم العباس أمامهم، والنبي -ﷺ- معصوب الرأس يخط
_________________
(١) ١ وحدد ذلك، ابن حبان في ثقاته ٢/ ١٣٠ فقال: بدأ الوجع يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، وانظر "تاريخ الطبري" ٣/ ١٨٨، و"السيرة" ٣/ ٦٧، و"مسند أحمد" ٦/ ٤٣١ قلت: وهذا هو الأشهر. وفي "المواهب" ٤/ ٥١٦: قيل: كان ابتداء مرضه -ﷺ- في بيت زينب، وقيل: ريحانة، والأول هو المعتمد وأنه في بيت ميمونة. وذكر الخطابي أنه ابتدأ به المرض يوم الاثنين. وقيل: يوم السبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء. ٢ صبوا. ٣ مثل المغطس في أيامنا، وهو حجر منقور يجلس فيه المرء ليجتمع الماء المصبوب حوله ولا يتفرق. ٤ الحديث أخرجه البخاري ٣/ ٤٨٢ وغيره. ٥ في رواية البخاري: بين عباس بن عبد المطلب ورجل آخر. وفي رواية مسلم: فخرج بين الفضل ورجل آخر. وفي رواية لغيرهما: بين رجلين أحدهما أسامة. وعند ابن حبان: بريرة وتوبة. قلت: ولعله تناوب عليه في ذلك من داخل البيت نساء، ثم من صحن الدار أسامة، ثم خرج معه العباس والفضل، أو أن الخروج تعدد، أو أن كل راوٍ أراد المباشر له بحسب ما رأى، والجمع على كل حال ممكن.
[ ٣٩٢ ]
برجليه حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، وثار الناس إليه، فحمد وأثنى عليه ثم قال١:
"أيها الناس، بلغني أنكم تخافون عليّ الموت، كأنه استنكار منكم للموت، وما تنكرون من موت نبيكم؟ ألم أنع إليكم وتنع إليكم أنفسكم؟ هل خُلِد نبي قبلي فيمن بعث فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق بربي وإنكم لاحقون به.
وإني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرًا، وأوصي المهاجرين فيما بينهم، فإن الله -﷿- قال: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٢.
وإن الأمور تجري بإذن الله، فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله -﷿- لا يعجل لعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ٣.
وأوصيكم بالأنصار خيرًا، فإنهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلكم: أن
_________________
(١) ١ هذه الرواية التي أوردها المصنف أولًا من خروجه -ﷺ- بين الفضل والعباس تقدمت صحتها، وأما هذه الخطبة التالية فواهية ضعيفة، كما جزم بذلك أهل السير، لتفرد سيف بن عمر بها، وهو واهٍ وأفحش القول فيه ابن حبان واتهمه. ولذلك صدر القسطلاني هذه الخطبة بقوله: حديث ضعيف ٤/ ٥٣٢. قلت: وما يدلك على ضعف هذا الحديث وهذه الخطبة، ما صح في الصحيحين من إنكار عمر أن يكون رسول الله -ﷺ- مات، وما جرى في ذلك من اللغط الكبير عند جماعة من الصحابة. فلو كان -ﷺ- قد قال هذا الحديث، فكيف يخفى على عمر وأمثاله وجماهير الصحابة، مع أنه لا يمكن أن ينتشر حديث وقتها مثل انتشاره لو كان. ٢ سرة العصر، الآيات ١-٢-٣. ٣ سورة محمد، الآية ٢٢.
[ ٣٩٣ ]
تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم الثمار؟ ألم يوسعوا عليكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟
ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين، فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم ألا ولا تستأثروا عليهم".
فقال العباس بن عبد المطلب -﵁- للرسول -ﷺ:
يا نبي الله، أوصِ بقريش.
فقال: "إنما أوصي بهذا الأمر قريشًا، والناس تبع لقريش: برهم لبرهم وفاجرهم لفاجرهم، فاستوصوا آل قريش بالناس خيرًا.
يا أيها الناس: إن الذنوب تغير النعم، وتبدل القسم، فإذا بر الناس برهم أئمتهم، وإذا فجر الناس عقوا لهم" ١.
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢.
وقد استمر مرض الرسول -ﷺ- ثلاثة عشر يومًا٣، ولما كان اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وحينما كان المسلمون يؤدون صلاة الفجر، وإذا بهم يفاجئون برسول الله -ﷺ- يسعى إليهم في هدوء ويطلع عليهم من باب حجرة السيدة عائشة، وقد أشرق وجهه بالسرور، ولمعت بين ثناياه ابتسامة عريضة، فهم أبو بكر -وكان يؤم المسلمين في الصلاة- بأن
_________________
(١) ١ هذا حديث واهٍ كما قدمنا. ٢ سورة الأنعام، الآية ١٢٩. ٣ قال القسطلاني في "المواهب اللدنية" ٤/ ٥١٦: اختُلف في مدة مرضه، فالأكثر أنها ثلاثة عشر يومًا، وقيل أربعة عشر، وقيل اثنا عشر، وقيل عشرة أيام، وبه جزم الهيثمي، وأخرجه البيقهي بإسناد صحيح، انتهى "منتقى القاري" ص ٢٨٩.
[ ٣٩٤ ]
يخلي مكان الإمامة للرسول -ﷺ- وظن أنه يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا بصلاتهم فرحًا برسول الله -ﷺ- ولكن الرسول -ﷺ- أشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل إلى الحجرة وأرخى الستر على الباب١.
ثم بدأت اللحظات الأخيرة في حياة الرسول -ﷺ- وكان الرسول -ﷺ- في هذه الساعة الفاصلة يغدو ويروح بفكره متنقلًا في أرجاء الماضي العظيم الذي انطوت أيامه، بما اشتملت عليه من جلائل الأعمال، فيراه بين يديه نورًا يضيء جنبات نفسه، ويكشف أيامه الحجب المغيبة والغيوب المحجوبة٢، ويريه مقعده الخالد في جنة الخلد، فيتطلع ببصره إلى السماء ويقول: "بل الرفيق الأعلى من الجنة" ٣.
وتتحدث السيدة عائشة -﵂- عن هذه اللحظة التي التقى فيها الرسول -ﷺ- بربه فتقول: وجدت رسول الله -ﷺ- يثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: "بل الرفيق الأعلى من الجنة". فقلت خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق. وقبض رسول الله -ﷺ- بين سحري٤ ونحري.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، كما في "الفتح" ٢/ ١٦٤، ومسلم ١/ ٣١٥ وغيرهما من حديث أنس بن مالك -﵁. ٢ لم يكن -ﷺ- يعلم شيئًا من الغيب إلا ما علمه الله ﵎ إياه، وأما العلم المطلق فشيء لا يصح، ولا يجوز اعتقاد ذلك، ولذلك قال -﵊- للجارية التي كانت تقول: وفينا نبي يعلم ما في غد. قال: "لا يعلم الغيب إلا الله، وكفى عن هذا، وعودي لما كنت تقولين" كما صح ذلك عند البخاري ٣/ ٦١٥ وغيره. ٣ أخرج ذلك البخاري ٤٤٥١ وغيره بهذا اللفظ ونحوه، وانظر "دلائل النبوة" ٧/ ٢٠٣ فصل ما جاء في آخر كلامه -ﷺ. ٤ السحر: الرئة، وقيل غير ذلك. والمراد أنه -ﷺ- كان واضعًا رأسه عند صدرها -﵂- والحديث مخرج في الصحيح وغيره، وانظر "دلائل النبوة" ٧/ ٢٠٧، "صحيح البخاري" ٤٤٥١، "فتح الباري" ٨/ ١٤٤، و"سنن الترمذي" ٩٧٨، و"ابن ماجه" ١٦٢٣ و"مسند أحمد" ٦/ ٦٤، ٦/ ٧٠، ٦/ ٧٧، ٦/ ١٥١ وغير ذلك.
[ ٣٩٥ ]
وهكذا ترجع النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية لتدخل في عباده، وتدخل جنته وهكذا تنتهي حياة الرسول -ﷺ- ولكن لتبدأ من جديد في مبادئ الإسلام الخالدة، وكتاب الله الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ١.
وبذلك يكون الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- قد مضى في هذه الدنيا ثلاثًا وستين سنة قمرية وثلاثة أيام٢، وهو يوازي بالسنين الشمسية واحدًا وستين عامًا وأربعة وثمانين يومًا.. وقد كانت الوفاة في ضحى يوم الاثنين ١٣ ربيع الأول ١١هـ ٨ يونيو سنة ٦٣٣م.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية ٤٢. ٢ أما أنه -ﷺ- توفي وله ثلاث وستون سنة فهذا هو الصحيح من الأقوال، وأما عدد الأيام ففي ذلك خلاف.
[ ٣٩٦ ]
موقف المسلمين من وفاة الرسول -ﷺ:
وكان من الطبيعي أن يقع هذا النبأ الأليم في نفوس المسلمين موقع الصاعقة، وأن تصطدم به قلوبهم صدمة عنيفة بلغ من عنفها أن ابتلي بها بعض المؤمنين وزلزلوا زلزالًا شديدًا، حتى كذب بعضهم هذا النبأ١، وصمت البعض عن الكلام فكان يذهب ويجيء ولسانه معقود، وخلط البعض في كلامهم فكانوا يهرفون بما لا يعرفون.
وكان عمر بن الخطاب -﵁- فيمن كذب بموت الرسول -ﷺ- فخرج على الناس وقال: إن رسول الله -ﷺ- لم يمت، وإنه سوف يرجع ليقطع أيدي وأرجل رجال من المنافقين يتمنون لرسول الله -ﷺ- الموت. وإنما واعده الله -عز
_________________
(١) ١ وهذا يؤيد ما قدمناه من ضعف الحديث الوارد في الخطبة التي ساقها المؤلف.
[ ٣٩٦ ]
وجل- كما واعد موسى وهو آتيكم.
وفي رواية أخرى أنه قال: أيها الناس كفوا ألسنتكم عن رسول الله -ﷺ- فإنه لم يمت. والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله -ﷺ- قد مات إلا علوته بسيفي هذا١.
لم يكن أحد من المسلمين في مثل حال العباس وأبي بكر -﵄- فإن الله أيدهما بالتوفيق والرضا والاطمئنان بما قضى الله.
فأما أبو بكر فإنه لما بلغه الخبر دخل على رسول الله -ﷺ- فكشف عن وجهه، وقبل جبينه وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي. طبت حيًّا وميتًا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء٢، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولولا أن موتك كان اختيارًا منك لجدنا لحزنك بالنفوس، ولولا أنك نهيتنا عن البكاء٣ لأنفدنا عليك ماء العيون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وادكار يتحالفان ولا يبرحان. اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة.
ثم خرج٤ أبو بكر بعد ذلك إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
_________________
(١) ١ "صحيح البخاري" ٤٤٥٤، و"فتح الباري" ٨/ ١٤٥ و١٣/ ٢٤٥، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٧/ ٢١٥، و"البداية" ٥/ ٢٤٥ وغير ذلك. ٢ يريد انقطاع الوحي. ٣ لعله يريد النهي عن النواح والصراخ واللطم والشق ونحو ذلك، أما مجرد البكاء فغير منهي عنه. وعلى كل حال فهذه الزيادة من قول أبي بكر في الآخر "وانقطع " لم تأت من وجه صحيح متصل. ٤ هذا القدر المتبقي من سياق أبي بكر صحيح كما مضى ذكر بعض مصادره.
[ ٣٩٧ ]
ثم تلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.
وهنا أفاق عمر -﵁- ورجع إليه صوابه فقال: فكأني لم أكن تلوت هذه الآية قط.
وقد مكث -﵊- في بيته بقية يوم الاثنين وليلة الثلاثاء ويومه.
ثم دفن ليلة الأربعاء، بعد أن انتهى المسلمون من اختيار أبي بكر للخلافة.
وكان الذي تولى غسله علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله -ﷺ-.. وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة٣.
ولما فرغوا من تجهيزه وضع على سريره في بيته، ودخل الناس عليه أرسالًا متتابعين يصلون عليه، ولم يؤمهم أحد٤.
ثم حفر له لحد في حجرة عائشة حيث كانت وفاته٥، وأنزله القبر: علي،
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية ٣٠. ٣ سورة آل عمران، الآية ١٤٤. ٣ رواه البخاري ٢/ ١١١، ومسلم في الجنائز رقم ٤٥ ومالك في "الموطأ" ١/ ٢٢٣، وأحمد في "المسند" ٦/ ٤٠، ٩٣، ١١٨، ١٢٣، ١٦٥، ٢٣١، وجماعة يطول ذكرهم جدًّا - أعني حديث الكفن. ٤ أخرج ذلك ابن هشام في "السيرة" ٤/ ٢٧١ من حديث ابن عباس، والبيهقي عنه في "الدلائل" ٧/ ٢٥٠ والواقدي في "المغازي" ١١٢٠ من حديث سهل بن سعد، وعنه البيهقي في "الدلائل" ٧/ ٢٥١. ٥ جاء ذلك من طرق موصولة مرسلة يقوي بعضها بعضًا، عند ابن سعد، والبيهقي في "الدلائل" ٧/ ٢٦٠، وابن هشام في "السيرة" ٤/ ٢٧١، وذكر بعض ذلك السيوطي في "الخصائص" ٢/ ٢٧٨، بل قد قال الحافظ ابن كثير في "البداية" ٥/ ٢٧٢: قد علم بالتواتر.
[ ٣٩٨ ]
والعباس وولداه الفضل، وقثم، ورش بلال قبره بالماء ورفع القبر عن الأرض بمقدار شبر١.
وهكذا كانت حياة النبي -ﷺ- وهكذا كانت وفاته، وإن في ذلك لعبرة بالغة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وصدق الله العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢.
فصلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله، ويا خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الخلق أجمعين.
_________________
(١) ١ هذا بالتواتر مقدار شبر، وإن كان مشروعًا من غير زيادة، فهو مختلف فيه لعدم ثبوته، والوارد أن القبر لم يكن مشرفًا -مرتفعًا كثيرًا- ولا لاطئًا، وانظر "دلائل النبوة" للبيهقي ٧/ ٢٦٣، وما علق على هذا الحديث، وتعقب الحافظ ابن كثير ٣/ ٢٧٢ له. نعم قد صح في البخاري ٣/ ٢٥٥ أن سفيان التمار رأى قبر النبي -ﷺ- مسنمًا. ٢ سورة الأحزاب، الآية ٢١.
[ ٣٩٩ ]