كَانَ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ أَثَرٌ سَيِّئٌ عَلَى سُمْعَةِ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ زَالَتْ هَيْبَتُهُمْ عَنِ النُّفُوسِ، وَطَمِعَتْ بِهِمُ القَبَائِلُ، وَكَاشَفَهُمُ (١) اليَهُودُ وَالمُنَافِقُونَ بِمَا كَانُوا يُضْمِرُونَهُ (٢) مِنَ العَدَاوَةِ والبُغْضِ، فَلَمْ يَمْضِ عَلَى هَذِهِ الغَزْوَةِ شَهْرَانِ حَتَّى تَهَيَّأَت قَبَائِلُ بَنِي أَسَدٍ لِلْإِغَارَةِ (٣) عَلَى المَدِينَةِ، ثُمَّ أَخَذَ خَالِدُ بنُ سُفْيَانَ الهُذَلِيُّ يَجْمَعُ الرِّجَالَ لِنَفْسِ الغَرَضِ، ثُمَّ قَامَتْ قَبَائِلُ عَضْلٍ وَالقَارَّةُ بِمَكِيدَةٍ تَسَبَّبَتْ في قتلِ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَامَ عَامِرُ بنُ الطُّفيْلِ في نَفْسِ الوَقْتِ بِمَكِيدَةٍ مِثْلِهَا تَسَبَّبَتْ في قتلِ سَبْعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ نَقَضَ بَنُو النَّضِيرِ العَهْدَ وهَمُّوا بِقَتْلِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَافِلًا عَنْ هَذِهِ التَّحَرّكَاتِ والمَطَامِعِ، بَلْ كَانَ يُوَاجِهُهَا بِحِكْمَتِهِ حَتَّى اسْتَطَاعَ أَنْ يُعِيدَ لِلْمُسْلِمِينَ هَيْبَتَهُمْ وَمَكَانتهُمْ.
وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الأَحْدَاثِ:
_________________
(١) كاشَفَهُ بالعداوَةِ: بادَأَهُ بها. انظر لسان العرب (١٢/ ١٠٢).
(٢) أضمَرْتُ الشيءَ: أخفَيْتُهُ. انظر لسان العرب (٨/ ٨٥).
(٣) يُقالُ: أغَارَ يُغِيرُ: إذا شَدَّ في العدو. انظر النهاية (٣/ ٢٥٣).
[ ٣ / ٧ ]
سَرِيَّةُ أَبِي سَلَمَةَ -﵁- إِلَى بَنِي أَسَدٍ
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ طُلَيْحَةَ وَسَلَمَةَ ابْنَيْ خُوَيْلِدٍ قَدْ سَارَا في قَوْمِهِمَا بَنِي أَسَدٍ، وَمَنْ أَطَاعَهُمَا إلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا بَلَغَ الخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَعَا أبَا سَلَمَةَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبْدِ الأَسَدِ المَخْزُومِيِّ -﵁- وَكَانَ قَدْ جُرِحَ بِأُحُدٍ في عَضُدِهِ (١)، فَمَكَثَ شَهْرًا يُدَاوِيهِ حَتَّى رَأَى أَنْ قَدْ بَرِئَ -وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اخْرُجْ في هَذِهِ السَّرِيَّةِ، فَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَيْهَا"، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَبَعَثَ مَعَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ، وَقَالَ لَهُ -ﷺ-: "سِرْ حَتَّى تَرِدَ أَرْضَ بَنِي أَسَدٍ، فَأَغِرْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ تَلَاقى عَلَيْكَ جُمُوعُهُمْ".
وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا.
خَرَجَ أَبُو سَلَمَةَ -﵁- في أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ في أَوَّلِ مُحَرَّمٍ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، حَتَّى انْتَهَى إلى مَاءٍ لَهُمْ بِجَبَلٍ يُسَمَّى قَطَنٌ، فَأَغَارَ عَلَى سَرْحٍ (٢) لَهُمْ، فَأَخَذَهُ، وَأَخَذَ رِعَاءً لَهُمْ مَمَالِيكَ ثَلَاثَةً، وَأَفْلَتَ سَائِرُهُمْ، فَجَاؤُوا جَمْعَهُمْ
_________________
(١) العَضُد: ما بين الكَتِف والمِرْفق. انظر النهاية (٣/ ٢٢٨).
(٢) السَّرح: الماشِيَة. انظر النهاية (٢/ ٣٢٨).
[ ٣ / ٨ ]
فَأَخْبَرُوهُمُ الخَبَرَ، وَحَذَّرُوهُمْ، فتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ في كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمَّا وَرَدَ (١) أَبُو سَلَمَةَ -﵁- مَاءَهُمْ وَجَدَ جَمْعَهُمْ قَدْ تَفَرَّقَ، فَعَسْكَرَ وَفرَقَ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ قَامَتْ مَعَهُ، وَفِرْقَتَانِ أَغَارَتَا في نَاحِيَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَرَجَعَتَا إِلَيْهِ سَالِمَتَيْنِ، وَقَدْ أَصَابَتَا نَعَمًا كَثِيرَة، ثُمَّ عَادُوا إِلَى المَدِينَةِ ظَافِرِينَ غَانِمِينَ.
* وَفَاةُ أَبِي سَلَمَةَ -﵁-:
فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ -﵁- المَدِينَةَ انْتَفَضَ بِهِ جُرْحُهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَتَّى مَاتَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، أَوْ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْهُ (٢).
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ (٣) بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ"، فَضَجَّ (٤) نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "لَا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُوُلونَ"، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ
_________________
(١) وَرَدَ: حَضَرَ. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٦٨). ومنه قوله تعالى في سورة القصص آية (٢٣): ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ. . .﴾.
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (٢/ ٢٧٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣١٩) - البداية والنهاية (٤/ ٤٤٢) - زاد المعاد (٣/ ٢١٨).
(٣) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٦/ ١٩٨): شَقَّ بصرُهُ: أي ارتفع.
(٤) الضَّجِيجُ: الصِّيَاح عند المَكْرُوهِ والمشقَّة والجَزَع. انظر النهاية (٣/ ٦٩).
[ ٣ / ٩ ]
لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابِرِينَ (١)، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ (٣)، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فكُنْتُ قَدْ تَهَيَّاْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقْبْلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ (٤) تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي (٥)، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وَقَال: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟ " مَرَّتَيْنِ، فكَفَفْتُ (٦) عَنِ البُكَاءِ، فَلَمْ أَبْكِ (٧).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَة، فَيَقُولُ: إنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ! أجُرْنِي في مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أخْلَفَ اللَّهُ
_________________
(١) الغَابِرِين: أي البَاقِين، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الأعراف آية (٨٣): ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. انظر النهاية (٣/ ٣٥٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في إغماض الميت والدعاء له - رقم الحديث (٩٢٠) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٥٤٣).
(٣) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٦/ ١٩٩): معناه أنَّه من أهل مكة، وماتَ بالمَدِينة.
(٤) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٦/ ١٩٩): المراد بالصَّعِيد هنا عَوَالِي المدينة، وأصلُ الصَّعِيد ما كان على وَجْهِ الأرض.
(٥) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٦/ ١٩٩): تسعدني: أي تساعدني في البكاء والنياحة.
(٦) كفَفْتُ عن الشيءِ: إذا توقَّفْتُ عنه. انظر لسان العرب (١٢/ ١٢٥).
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب البكاء على الميت - رقم الحديث (٩٢٢).
[ ٣ / ١٠ ]
لَهُ خَيْرًا مِنْهَا"، قَالَتْ ﵂: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب ما يُقال عند المصيبة - رقم الحديث (٩١٨) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٦٣٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٥٤).
[ ٣ / ١١ ]
سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ -﵁- لِقَتْلِ خَالِدٍ بنِ سُفْيَانَ الهُذَلِيِّ
وَفِي الخَامِسِ مِنْ مُحَرَّمٍ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ أُنَيْسًا -﵁- لِقَتْلِ خَالِدٍ بنِ سُفْيَانَ الهُذَلِيِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بنَ سُفْيَانَ بنَ نُبَيْحٍ الهُذَلِيَّ، يَجْمَعُ لِيَ النَّاسَ لِيَغْزُونِي وَهُوَ بِعُرَنَه (١)، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْعَتْهُ (٢) لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ، قَالَ -ﷺ-: "إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ إِقْشَعْرِيرَةً" (٣).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا رَأَيْتَهُ هِبْتَهُ وَفَرَقْتَ (٤) مِنْهُ، وَذَكرْتَ الشَّيْطَانَ".
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُنَيْسٍ -﵁-: فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا بِسَيْفِي (٥) حَتَّى وَقَعْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِعُرَنَه مَعَ ظُعُنٍ (٦) يَرْتَادُ (٧) لَهُنَّ مَنْزِلًا، حِينَ كَانَ وَقْتُ العَصْرِ، فَلَمَّا
_________________
(١) عُرَنة: موضعٌ عندَ الموقِفِ بعَرَفَات. انظر النهاية (٣/ ٢٠٢).
(٢) النَّعْتُ: هو وصفُ الشَّيْءِ. انظر النهاية (٥/ ٦٨).
(٣) القَشْعَرِيرَةُ: الرِّعْدَة. انظر لسان العرب (١١/ ١٧٤).
(٤) الفَرَق بالتحريك: الخَوْفُ والفَزَع. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
(٥) تَوَشَّحَ السيف: أي لَبِسه. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٠٦).
(٦) الظُعُن: النساء، واحدتها ظَعِيَنة. انظر النهاية (٣/ ١٤٣).
(٧) يَرْتَادُ: أي يطلب. انظر لسان العرب (٥/ ٣٥٦).
[ ٣ / ١٢ ]
رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الإِقْشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُحَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ أُومِئُ بِرَأْسِيَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَلَمَّا انْتهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟، قُلْتُ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ سَمِعَ بِكَ وبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجَاءَكَ لِهَذَا، قَالَ: أَجَلْ أَنَا في ذَلِكَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُنيْسٍ -﵁-: فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا، حَتَّى إِذَا أمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ حَتَّى قتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ، وَترَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ (١) عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَرَآنِي، قَالَ: "أفْلَحَ الوَجْهُ"، قُلْتُ: قتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "صَدَقْتَ"، قَالَ: ثُمَّ قَامَ مَعِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَدَخَلَ بِي بَيْتَهُ، فَأَعْطَانِي عَصًا، فَقَالَ: "أَمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُنَيْسٍ"، قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ العَصَا؟ .
قُلْتُ: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَهَا.
قَالُوا: أَوَلَا تَرْجعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فتَسْأَلهُ عَنْ ذَلِكَ؟ .
قَالَ: فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ أَعْطَيْتَنِي هَذِهِ العَصَا؟ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "آيَةٌ (٢) بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ
_________________
(١) أَكَبَّ على الشيء: أقبَلَ عليهِ ولَزِمَه. انظر لسان العرب (١٢/ ٨).
(٢) الآية: العَلَامة. انظر النهاية (١/ ٨٨).
[ ٣ / ١٣ ]
المُتَخَصِّرُونَ (١) يَوْمَئِذٍ".
فَقَرَنَهَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزلْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ أُمِرَ بِهَا فَضمَّتْ مَعَهُ في كَفَنِهِ، ثُمَّ دُفِنَا جَمِيعًا (٣)
* * *
_________________
(١) المِخْصَرَة: ما يختَصِرُه الإنسان بيده فيمسِكُهُ من عصا، أو عُكَّازة، وقد يتَّكِئُ عليه. انظر النهاية (٢/ ٣٥).
(٢) قَرَنْتُ بين الشَّيْئَيْنِ: جمعتُهُمَا في حبلٍ وَاحد. انظر لسان العرب (١١/ ١٣٩).
(٣) أخرج قصة قتل خالد بن سفيان الهذلي على يَدِ عبد اللَّه بن أُنَيْس -﵁-: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٤٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر عبد اللَّه بن أنيس -﵁- رقم الحديث (٧١٦٠) - وأبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب صلاة الطالب - رقم الحديث (١٢٤٩) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٥) - وإسنادها حسن كما قال الحافظ في الفتح (٨/ ١٣٣).
[ ٣ / ١٤ ]
سَرِيَّةُ الرَّجِيعِ (١)
وَكَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ في صَفَرَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: بَعَثَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَشَرَةَ (٣) رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ (٤) -جَدَّ
_________________
(١) الرَّجيع: هو ماءٌ لِقَبيلة هُذَيل. انظر النهاية (٢/ ١٨٦).
(٢) ذكر ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٨٨) سبب هذا البعث فقال: قَدِمَ على رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بعد أُحد رَهْطٌ من عَضَل والقَارة -وهما قبيلتان من الهون بن خزيمة بن مدركة- فقالوا: يَا رَسُول اللَّهِ! إن فِينَا إسلامًا، فأبعث معنا نَفرًا من أصحابك يُفَقِّهوننا في الدين، ويُقرِئُوننا القرآن، ويعلِّمُوننا شرائع الإِسلام، فبعث رَسُول اللَّهِ -ﷺ- معهم نَفَرًا ستة من أصحابه.
(٣) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٨٨): أنَّهم كانوا سِتَّةً، وسماهم، وهم: عَاصِم بن ثابت، ومِرْثَد بن أبي مِرْثَد، وخُبَيْبُ بن عَدِي، وزيدُ بن الدَّثِنَّة -بفتح الدال وكسر الثاء-، وعبد اللَّه بن طَارِق، وخالد بن البُكَيْر. وجزم ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٧): بأنهم كانوا عشرة، وساقَ أسماءَ الستة المذكورين، وزاد: مُعتِّب بن عبيد، وهو أخو عبد اللَّه بن طارق لأمه. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٣٣): فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعًا لهم، فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم.
(٤) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٨٨)، وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٧): أن الأمير عليهم كان مِرْثد بن أبي مِرْثد. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٣٣): وما في الصحيح أصح.
[ ٣ / ١٥ ]
عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ- فَانْطَلَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَة (١) -وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ- ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ، فنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا (٢) آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِم وَأَصْحَاُبهُ لَجَؤُوا إلى فَدْفَدٍ (٣)، وَأَحَاطَ بِهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ، وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا (٤)، فَقَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ -﵁- أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ اليَوْمَ في ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ (٥)، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا في سَبْعَةٍ (٦).
_________________
(١) في رواية الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٧٢٠) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٧): الهَدَّةُ -بتشديد الدال بغير ألف-.
(٢) قَصُّ الأثَرِ: أي تَتَبُّعُهُ. انظر النهاية (٤/ ٦٤).
(٣) الفَدْفَد: الموضعُ المُرْتَفِعُ. انظر النهاية (٣/ ٣٧٧) - فتح الباري (٨/ ١٣٤).
(٤) في رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٧): قالوا لهم: إنَّا واللَّه ما نُرِيد قِتَالكم، إنما نُرِيد أن نُصِيبَ بكم ثَمَنا من أهل مكة.
(٥) وفي رواية الطيالسي في مسنده: قال عاصم -﵁-: اللهم بلِّغ عنا نَبِيَّك السلام.
(٦) أي في جملة سبعة، وفي رواية الطيالسي في مسنده: فَقُتِل منهم سَبْعة، ونزل ثلاثة في العهد والميثاق. وأخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب هل يستأسر الرَّجل؟ - رقم الحديث (٣٠٤٥) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٧٢٠).
[ ٣ / ١٦ ]
فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إلى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ عَاصِمٌ قتلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ (١) يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُلَّةِ (٢) مِنَ الدَّبْرِ (٣)، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ (٤).
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّبْرَ تَطِيرُ في وُجُوهِهِمْ وَتَلْدَغُهُمْ، فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَقْطَعُوا (٥).
وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فَلَمَّا قُتِلَ عَاصِمٌ أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ، لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ: لَئِنْ قَدِرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ في قِحْفِهِ (٦) الخَمْرَ، فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ، فَلَمَّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الدَّبْرُ، قَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِيَ فتَذْهَبَ عَنْهُ، فنَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ مَطَرًا، فَصَارَ سَيْلًا، فَاحَتَمَل عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ عَاصِم قَدْ أَعْطَى اللَّه عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا (٧).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٣٨): لعل العَظِيم المذكورَ عُقْبَة بن أبي مُعيط، فإن عاصمًا قتله صَبْرًا بأمر النبي -ﷺ- بعد أن انصرفوا من بدر.
(٢) الظُّلَّة: بضم الظاء هي السَّحَابة. انظر النهاية (٣/ ١٤٦).
(٣) الدَّبْرُ: بفتح الدال وسكون الباء: هي الزنانير، وقيل: النحل. انظر النهاية (٢/ ٩٣).
(٤) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٨٦).
(٥) انظر فتح الباري (٨/ ١٣٨).
(٦) القِحْفُ: العظم الذي فوق الدِّماغ من الجمجمة. انظر لسان العرب (١١/ ٤٤).
(٧) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١٨٩).
[ ٣ / ١٧ ]
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا مَا قَالَهُ ابنُ إِسْحَاقٍ: احْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ لَمْ تَشْعُرْ بِمَا جَرَى لِهُذَيْلٍ مِنْ مَنع الدَّبْرِ لَهَا مِنْ أَخْذِ رَأْسِ عَاصِمٍ، فَأَرْسَلَتْ مَنْ يَأْخُذُهُ، أَوْ عَرَفُوا بِذَلِكَ، وَرَجَوْا أَنْ تَكُونَ الدَّبْرُ ترَكَتْهُ، فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِهِ (١).
فَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ: يَحْفَظُ اللَّهُ العَبْدَ المُؤْمِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا حَفِظَهُ في حَيَاتِهِ (٢).
* شَأْنُ الثَّلَاثَةِ الذِينَ نَزَلُوا عَلَى العَهْدِ:
وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الذِينَ نَزَلُوا بِالعَهْدِ وَالمِيثَاقِ وَهُمْ: خُبَيْبُ بنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ، وزَيْدُ بنُ الدَّثِنَّةِ، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ طَارِقٍ ﵃، فَإِنَّ بَنِي لَحْيَانَ لَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ (٣) فَأَوْثَقُوهُمْ (٤)، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ طَارِقٍ -﵁-: هَذَا أَوَّلُ الغَدْرِ، وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي في هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً -يُرِيدُ أَصْحَابَهُ الذِينَ قُتِلُوا- وَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ (٥) عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى، فَقتَلُوهُ (٦).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ١٣٨).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١٩٠).
(٣) القِسِيُّ: جمع قَوْسٍ وهو معروف.
(٤) أوثَقُوهُم: أي ربَطُوهم بأوتَارِ القِسِي. انظر لسان العرب (١٥/ ٢١٢).
(٥) اعتَلَجَ القوم: تَصَارَعا وتَقَاتَلا. انظر لسان العرب (٩/ ٣٤٩).
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٣٤): وهذا يقتضي أن ذلك وَقَع منه أول ما أسَرُوهم، لكن في رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٩٠) قال: فخَرَجُوا بالنفر الثلاثة حَتَّى إذا كانوا =
[ ٣ / ١٨ ]
فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ، وَزَيْدِ بنِ الدَّثِنَّةِ ﵄ (١).
* مَقْتَلُ زَيْدِ بنِ الدَّثِنَّةِ:
فَأَمَّا زَيْدُ بنُ الدَّثِنَّةِ -﵁- فَاشْتَرَاهُ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بهِ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ، يُقَالُ لَهُ: نِسْطَاسٌ، إِلَى التَّنْعِيمِ (٢)، وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ، وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّه يَا زَيْدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الآنَ في مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنَّكَ في أَهْلِكَ؟
قَالَ زَيْدٌ -﵁-: وَاللَّهِ مَا أُحبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآنَ في مَكَانِهِ هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ، وَأَنِّي جَالِسٌ في أَهْلِي.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قُتِلَ زَيْدُ بنُ الدَّثِنَّةِ -﵁- (٣).
_________________
(١) = بِمَرِّ الظَّهْرَان انتزع عبد اللَّه بن طارق -﵁- يده وأخذ سيفه، فذكر قِصَّة قتله، فيحتمل أنهم إنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مر الظهران، وإلا فما في الصحيح أصح.
(٢) أخرج ذلك كله البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب هل يستأسر الرَّجل - رقم الحديث (٣٠٤٥) - وانظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٧) - سيرة ابن هشام (٣/ ١٩٠).
(٣) التَّنْعِيمُ: بالفتح ثم السكون وكسر العين: مكانٌ معرُوفٌ خارجَ مكة على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة. انظر معجم البلدان (٢/ ٤٥٨) - فتح الباري (٤/ ٤٤٤).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١٩١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٧).
[ ٣ / ١٩ ]
* مَقْتَلُ خُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ -﵁-:
وَأَمَّا خُبَيْبُ بنُ عَدِيٍّ -﵁- فَاشْتراهُ بَنُو الحَارِثِ بنِ عَامِرِ بنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الذِي قَتَلَ الحَارِثَ بنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا.
قَالَتْ بِنْتُ الحَارِثِ: فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى قتلِهِ اسْتَعَارَ مِنِّي مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، قَالَتْ: فَغَفُلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي، فَدَرَجَ (١) إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي، وَفِي يَدِهِ المُوسَى، فَقَالَ: أَتخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ (٢) عِنَبٍ، وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ في الحَدِيدِ، وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
فَخَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ، وَهُوَ في الحَدِيدِ، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إلى التَّنْعِيمِ، وَخَرَجَ مَعَهُ الصِّبْيَانُ، وَالنِّسَاءُ، وَالعَبِيدُ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى صَلْبِهِ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ -﵁-: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فترَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمَّهُمَا وَأَحْسَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَوِّلَ فِيهِمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى القَوْمِ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا طَوَّلْتُ جَزَعًا مِنَ المَوْتِ لَزِدْتُ، أَوْ قَالَ: لَطَوَّلْتُهُمَا، فَكَانَ خُبَيْبٌ -﵁- أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ القَتْلِ لِكُلِّ مَسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا.
_________________
(١) دَرَجَ: أي مشى. انظر لسان العرب (٤/ ٣١٩).
(٢) القِطْفُ بكسر القاف: العُنْقُودُ. انظر النهاية (٤/ ٧٤).
[ ٣ / ٢٠ ]
ثُمَّ قَالَ -﵁-: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بِدَدًا (١)، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢).
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فَكَانَ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ يَقُولُ: حَضَرتُهُ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ حَضَرَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُلْقِينِي إلى الأَرْضِ فَرَقًا (٣) مِنْ دَعْوَةِ خُبَيْبٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُعِيَ عَلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ لِجَنْبِهِ زَالَتْ عَنْهُ (٤).
ثُمَّ أَنْشَدَ خُبَيْبٌ -﵁-:
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ في ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ (٥) شِلْوٍ (٦) مُمَزَّعِ (٧)
_________________
(١) بِدَدا: يروى بِكسر الباء، جمع بُدَّة وهي الحِصَّة والنَّصِيبُ، أي اقتُلْهُم حِصصًا مُقَسَّمة لكِلِّ واحد حِصَّته ونصيبه، ويروي بفتح الباء، أي مُتفرِّقين في القتل واحدًا بعد واحد. انظر النهاية (١/ ١٠٥).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٨٦) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٩٢).
(٣) الفَرَق بالتحريك: الخوف والفزع. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١٩٢).
(٥) الأوصال: جمع وَصَل، وهو العضو. انظر النهاية (٥/ ١٦٨).
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٣٧): الشِلو بكسر الشين: الجَسَد، وقد يطلق على العُضْوِ، ولكن المراد به هنا الجسد.
(٧) قال الحافظ في الفتح: (٨/ ١٣٧): المُمَزَّع: المُقَطَّع.=
[ ٣ / ٢١ ]
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ بنُ الحَارِثِ فَقتَلَهُ (١)
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ: أَنَّ الذِي قتلَ خُبَيْبًا -﵁- هُوَ: أَبُو سَرْوعَةَ (٢).
قَال الحَافِظُ في التَّهْذِيبِ: أَطْبَقَ أَهْلُ الحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَبَا سَرْوعَةَ هُوَ عُقْبَةُ بنُ الحَارِثِ (٣)، وَقَوْلُهُمْ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٤).
وَرَوَى ابنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ قَالَ: مَا أَنَا وَاللَّهِ قتلْتُ خُبَيْبًا؛ لِأنِّي كُنْتُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أبَا مَيْسَرَةَ العَبْدَرِيِّ أَخَذَ الحَرْبَةَ، فجَعَلَهَا في يَدِي، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي وَبِالحَرْبَةِ، ثُمَّ طَعَنَهُ بِهَا حَتَّى قَتَلَهُ (٥).
وَقَدْ رَثَا حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ -﵁- خُبَيبًا -﵁- فَقَالَ:
_________________
(١) = وأخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب هل يستأسر الرجل؟ - رقم الحديث (٣٠٤٥) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٨٦) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٧٢٠).
(٢) أخرج مقتل خبيب -﵁- على يَدِ عُقبة بن الحارث: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٨٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٨٧).
(٤) أسلم عقبة بن الحارث -﵁- يوم الفتح، وحسن إسلامه.
(٥) انظر تهذيب التهذيب (٣/ ١٢٢).
(٦) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٩٢) - وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٨/ ١٣٩).
[ ٣ / ٢٢ ]
مَا بَالُ عَيْنِكَ لَا تَرْقَا (١) مَدَامِعُهَا سَحًّا (٢) عَلَى الصَّدْرِ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ الفَلِقِ (٣)
عَلَى خُبَيْبٍ وَفِي الرَّحْمَنِ مَصْرَعُهُ لَا فَشِلٍ (٤) حِينَ تَلْقَاهُ وَلَا نَزَقِ (٥)
وَقَالَ أَيْضًا -﵁-:
يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ مِنْكِ مُنْسَكِبٍ (٦) وَابْكِي خُبَيْبًا مَعَ الغَادِينَ لَمْ يَؤُبِ (٧)
صَقْرًا تَوَسَّطَ في الأَنْصَارِ مَنْصِبُهُ حُلْوُ السَّجِيَّةِ (٨) مَحْضًا (٩) غَيْرَ مُؤْتَشِبِ (١٠)
_________________
(١) يُقال: رقَأَتْ دمعَتُه: أي جفَّت وانقَطَعَتْ. انظر لسان العرب (٥/ ٢٧٨).
(٢) سَحًّا: دائِمَةَ الصَّبِّ والهَطْلِ. انظر النهاية (٢/ ٣١١).
(٣) الفَلِقِ: المُنْشَقُّ. انظر لسان العرب (١٠/ ٣٢١).
(٤) الفَشِل: الرَّجل الضعيف الجبان. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٦٨).
(٥) النَّزَق: خِفَّة في كل أمرٍ وعَجَلة في جهل وحُمق. انظر لسان العرب (١٤/ ١١٠). وانظر الأبيات في: ديوان حسّان بن ثابت -﵁- ص ١٧٣.
(٦) سَكَبَ: صب. انظر لسان العرب (٦/ ٣٠٢).
(٧) الأوبُ: الرُّجوع. انظر لسان العرب (١/ ٢٥٧).
(٨) السَّجِيَّة: الطبِيعَة والخُلُق. انظر لسان العرب (٦/ ١٨٠).
(٩) المَحْضُ: الخَالِصُ. انظر لسان العرب (١٣/ ٣٧).
(١٠) الشَّوْبُ: الخَلْطُ. انظر لسان العرب (٧/ ٢٣١). ومنه قوله تعالى في سورة الصافات - آية (٦٧): ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾.
[ ٣ / ٢٣ ]
قَدْ هَاجَ عَيْنِي عَلَى عِلَّاتِ (١) عبْرَتِها إِذْ قِيلَ نُصَّ (٢) عَلَى جِذْعٍ مِنَ الخَشَبِ (٣)
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ الأَمَانِ، وَلَا يُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْ قُتِلَ، أَنَفَةً مِنْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ كَافِرٍ، وَهَذَا إِذَا أَرَادَ الأَخْذَ بِالشِّدَّةِ، فَإِنْ أَرَادَ الأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ لَهُ أَنْ يَسْتَأْمِنَ.
٢ - وَفِيهِ الوَفَاءُ لِلْمُشْرِكِينَ بِالعَهْدِ.
٣ - وَالتَّوَرُّعُ عَنْ قتلِ أَوْلَادِهِمْ.
٤ - وَالتَّلَطُّفُ بِمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ.
٥ - وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الأَوْليَاءِ.
٦ - وَفِيهِ الدُّعَاءُ عَلَى المُشْرِكِينَ بِالتَّعْمِيمِ.
٧ - وَفِيهِ الصَّلَاةُ عِنْدَ القَتْلِ.
٨ - وَفيهِ إِنْشَادُ الشِّعْرِ.
_________________
(١) عِلَّات كل شيء: ما زاد عليه. انظر لسان العرب (٩/ ٣٨٢).
(٢) نُصَّ: أي رُفِعَ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٦٢).
(٣) انظر ديوان حسّان بن ثابت -﵁- ص ٣٧.
[ ٣ / ٢٤ ]
٩ - وَإِنْشَادُهُ عِنْدَ القَتْلِ.
١٠ - وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِ خُبَيْبٍ -﵁- وَشِدَّتِهِ في دِينِهِ.
١١ - وَفِيهِ أَنَّ اللَّه يَبْتَلِي عَبْدَهُ المُسْلِمَ بِمَا شَاءَ كَمَا سَبَقَ في عِلْمِهِ لِيُثِيبَهُ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ.
١٢ - وَفِيهِ اسْتِجَابَةُ دُعَاءَ المُسْلِمِ، وَإِكْرَامُهُ حَيًّا وَمَيْتًا (١).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي: حَزِنَ المُسْلِمُونَ لِفُقْدَانِهِمْ عَاصِمًا وَصَحْبَهُ ﵃، وَلمَصْرَعِ أَسِيرَيْهِمْ خُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ، وَزَيْدِ بنِ الدَّثِنَّةِ ﵄ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الفَاجعِ، فَقَدْ خَسِرُوا فَرِيقًا مِنَ الدُّعَاةِ الأَكْفَاءِ الشُّجْعَانِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمُ الإِسْلَامُ في هَذِهِ الفَتْرَةِ مِنْ تَارِيخِهِ. . .، وَمَعَ أَنَّ هَذِهِ الوَقْعَةَ تُوجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَبَصَّرُوا قَبْلَ بَعْثِ أَيِّ وَفْدٍ لِنَشْرِ الإِسْلَامِ بَيْنَ القَبَائِلِ البَعِيدَةِ وَالمَجَاهِلِ المُرِيبَةِ، إِلَّا أَنَّ ضَرُورَةَ بَثِّ الدَّعْوَةِ -مَهْمَا فَدَحَتِ (٢) الخَسَائِرُ-
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ١٣٨). أخرج تفاصيل سرية الرجيع: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٨٦) - وكتاب الجهاد والسير - باب هل يستأسر الرجل؟ - رقم الحديث (٣٠٤٥) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٧٢٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٩٢٨) (٨٠٩٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر خبيب بن عدي -﵁- رقم الحديث (٧٠٣٩) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٢٣) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٧) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٨٧).
(٢) فَدَحَهُ: أثقَلَه. انظر لسان العرب (٢٠٠/ ١٠).
[ ٣ / ٢٥ ]
جَعَلَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- يَنْظُرُ إلى هَذِهِ التَّضْحِيَاتِ عَلَى أَنَّهَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، كَالتَّاجِرِ الذِي يَتَحَمَّلُ المَغَارِمَ (١) الثَّقِيلَةَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ؛ لِأَنَّ الِانْسِحَابَ مِنَ السُّوقِ -بُغْيَةَ تَجَنُّبِهَا- قَضَاءٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ يَبْقَى مُتَجَمِّلًا (٢) حَتَّى تَهُبَّ الرِّيحُ مِنْ جَدِيدٍ رُخَاءً تُعَوِّضُ مَا فَقَدَ (٣).
* * *
_________________
(١) الغُرْمُ: الدَّيْنُ، ورجل غارِمٌ: عليه دَيْنٌ. انظر لسان العرب (١٠/ ٥٩).
(٢) جَمَّلتَ الشَّيْءَ: إذا أطلتَ حَبْسَهُ. انظر لسان العرب (٢/ ٣٦٤).
(٣) انظر فقه السيرة ص ٢٧٦.
[ ٣ / ٢٦ ]
فَاجِعَةُ بئْرِ مَعُونَةَ (١) أَوْ سَرِيَّةُ القُرَّاءِ
وَكَانَتْ في صَفَرَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَسَبَبُهَا عِنْدَ الإِمَامِ البُخَارِيِّ في صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ -﵁- أنَّهُ قَالَ: أَنَّ رِعْلًا (٢) وذَكْوَانَ (٣) وَعُصَيَّةَ (٤) وَبَنِي لِحْيَانَ (٥)، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عَدُوٍّ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- بِسَبْعِينَ (٦) مِنَ الأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرَّاءَ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ، وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ (٧).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ قَالَ أَنَسٌ -﵁-: جَاءَ نَاسٌ إلى النَّبِيِّ
_________________
(١) بئرُ مَعُونَة: بفتح الميم وضم العين في أَرضِ بني سُليم، بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٤/ ٢٩٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٣١): رِعل: بكسر الراء، بطن من بني سليم يُنسبون إلى رِعْلِ بن عَوْفِ بن مَالك.
(٣) قَالَ الحَافِظ في الفَتْحِ (٨/ ١٣١): ذَكْوَان: بطنٌ من بني سليم يُنسبون إلى ذكْوَانَ بن ثَعْلَبَةَ.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٧/ ٢٣٢): عُصيَّةُ: بالتصغِير، وهم بطنٌ من بني سُلَيْم يُنسبون إلى عصية بن خُفاف.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٤١): ذكر بني لِحْيَان في هذه القصة وَهْمٌ، وإنما كان بَنُو لِحيانَ في قصة خُبَيب في غزوة الرَّجيع التي قبل هذه.
(٦) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٠٤): أنه -ﷺ- بَعَثَ إليهم أربعين من أصحابه. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٤١): ويمكن الجَمْعُ بينه وبين الذي في الصحيح بأن الأربعين كانوا رؤساء وبقيَّة العدة أتباعًا.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرَّجيع، ورِعْل، وذَكْوان، وبئر معونة - رقم الحديث (٤٠٩٠).
[ ٣ / ٢٧ ]
-ﷺ- فَقَالُوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُمُ القُرَّاءُ (١).
وَعِنْدَ ابنِ سَعْدٍ وَابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ أبَا بَرَاءٍ عَامِرَ بنَ مَالِكٍ المَعْرُوفَ بِمُلَاعِبِ الأَسِنَّةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنَ الإِسْلَامِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصحَابِكَ إلى أَهْلِ نَجْدٍ، فَدَعَوْهُمْ إلى أَمْرِكَ، رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ"، فَقَالَ أَبُو بَرَاءٍ: أَنَا لَهُمْ جَارٌ، فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النَّاسَ إلى أمْرِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سبْعِينَ (٢) رَجُلًا مِنْ أصحَابِهِ (٣).
* وُصُولُ الصَّحَابَةِ ﵃ إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ:
مَضى الصَّحَابَةُ ﵃ حَتَّى وَصَلُوا إلى بِئْرِ مَعُونَةَ، فَنَزَلُوا بِهَا، وبَعَثُوا حَرَامَ بنَ مَلْحَانَ -﵁-، خَالَ أنَسِ بنِ مَالِكٍ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ إلى عَدُوِّ اللَّهِ عَامِرِ بنِ الطُّفَيْلِ، فَلَمْ يَنْظُرْ عَدُوُّ اللَّهِ عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ في كِتَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، بَلْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَوْمَأَ (٤) إلى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ حَتَّى أنْفَذَهُ بِالرُّمْحِ،
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (٦٧٧).
(٢) هذه رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٥) وهي موافقة لرواية الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٠٩٠) - وعند ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٠٤): أربعين.
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (٢/ ٢٧٥) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٠٤).
(٤) الإيماء: الإشارة بالأعضاء كالرأس، واليد، والعين، والحاجب. انظر النهاية (١/ ٨٢).
[ ٣ / ٢٨ ]
فَقَالَ حَرَامٌ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ (١).
وَعِنْدَمَا خَرَجَ الدَّمُ مِنْ حَرَامٍ -﵁- نَضَحَهُ (٢) عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيْتًا -﵁- (٣)
* مَقْتَلُ أصْحَابِ سرِيَّةِ القُرَّاءِ ﵃:
ثُمَّ اسْتَنْفَرَ عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ قبَّحَهُ اللَّهُ بَنِي عَامِرٍ إلى قِتَالِ البَاقِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ، وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ (٤) جِوَارَ أَبِي بَرَاءٍ، فَاسْتَنْفَرَ عَلَيْهِمْ. قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، فَأَجَابُوهُ إلى ذَلِكَ، فَخَرَجُوا حَتَّى غَشَوُا (٥) القَوْمَ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ في رِحَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ مَا إيَّاكُمْ أَرَدْنَا، وإِنَّمَا نَحْنُ مُجْتَازُونَ في حَاجَةٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، فَأَخَذَ الصَّحَابَةُ سُيُوفَهُمْ فَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ كُلُّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ السَّبْعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ إِلَّا كَعْبَ بنَ زَيْدِ بنِ النَّجَّارِ، الذِي تُرِكَ وَبِهِ رَمَقٌ (٦)، فَعَاشَ حَتَّى اسْتُشْهِدَ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع، ورِعل، وذكوان، وبئر معونة - رقم الحديث (٤٠٩٢) - وأخرجه في كتاب الجهاد والسير - باب من ينكب في سبيل اللَّه - رقم الحديث (٢٨٠١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (٦٧٧).
(٢) النَّضْحُ: الرَّشُّ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٧٣).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع، ورِعل، وذكران، وبئر معونة - رقم الحديث (٤٠٩٢).
(٤) أخفَرْتَ الرجُلَ: إذا نقَضْتَ عَهْدَهُ وذِمَامَهُ. انظر النهاية (٢/ ٥٠).
(٥) يُقَالُ: غَشِيَهُ يَغْشَاهُ: إذا جاءَهُ. انظر لسان العرب (١٠/ ٧٧).
(٦) وبهِ رَمَقٌ: أي بَقِيَّةُ رُوحٍ وآخر النفس. انظر النهاية (٢/ ٢٤٠).
[ ٣ / ٢٩ ]
وَكَانَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَالمُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ الأَنْصَارِيُّ فِي سَرْحِ (١) المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُنْبِئْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى مَوْضِعِ الوَقْعَةِ، فَقَالَا: وَاللَّهِ إِنَّ لِهَذِهِ الطَّيْرِ لَشَأْنٌ، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا، فَإِذَا أصْحَابُهُمْ في دِمَائِهِمْ، وَإِذَا الخَيْلُ التِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ، فَقَالَ المُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ لِعَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ: مَا ترَى؟
قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فنخْبِرَهُ الخَبَرَ، فَقَالَ المُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ -﵁-: لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ المُنْذِرُ بنُ عَمْرٍو (٢)، وَمَا كُنْتُ لِتُخْبِرَنِي عَنْهُ الرِّجَالُ، ثُمَّ قَاتَلَ القَوْمَ حَتَّى قُتِلَ -﵁-، وَأَخَذُوا عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ -﵁- أَسِيرًا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ، أَخَذَهُ عَامِرُ بنُ الطُّفيْلِ وَجَزَّ (٣) نَاصِيَتَهُ (٤) وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ، وَرَجَعَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ -﵁- إلى المَدِينَةِ وَأَخْبَرَ الرَّسُولَ -ﷺ- (٥).
* كَرَامَةٌ لِعَامِرِ بنِ فُهَيْرَةَ -﵁-:
كَانَ مِنْ بَيْنِ القَتْلَى عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -﵁- (٦)، وَقَدْ ظَهَرَتْ لَهُ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ
_________________
(١) السَّرْحُ: المَاشِيَةُ. انظر النهاية (٢/ ٣٢٢).
(٢) هو المُنْذِرُ بن عمرو بن أبي خُنَيْسٍ من بني ساعِد من الخَزْرَجِ، وكان -﵁- عَقَبِيًّا بَدْرِيًا من أكابر الصَّحَابَة. انظر الإصابة (٦/ ١٧١).
(٣) الجَزُّ: قصُّ الشعر. انظر النهاية (١/ ٢٥٩).
(٤) الناصية: مَنْبَتُ الشَّعر في مقدم الرأس. انظر لسان العرب (١٤/ ١٦٩).
(٥) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٥) - سيرة ابن هشام (٥/ ٢٠٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
(٦) قتله جبَّار بن سُلمى، ثم إنه وفد على رسول اللَّه -ﷺ- في عام الوفود، فأسلم وحسن إسلامه -﵁-. انظر أسد الغابة (١/ ٣٠٢).
[ ٣ / ٣٠ ]
كَرَامَة، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الذِينَ ببئْرِ مَعُونَةَ، وَأُسِرَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ -﵁-، قَالَ لَهُ عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ: مَنْ هَذَا؟
فَأَشَارَ إلى قَتِيلٍ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ -﵁-: هَذَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَمَا قُتِلَ رُفِعَ إلى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إلى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ، ثُمَّ وُضِعَ (١).
وَكَانَ الذِي قتَلَهُ جَبَّارُ بنُ سُلْمَى -كَمَا ذَكَرْنَا-.
قَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعَابِ: عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ هُوَ الذِي قتَلَ عَامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ (٢).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَأَنَّ نِسْبَتَهُ إلى عَامِرِ بنِ الطُّفَيْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ رَأْسَ القَوْمِ (٣).
* نُبْذَةٌ عَنْ عَامِرِ بنِ فُهَيْرَةَ -﵁-:
وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -﵁- هُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، وَكَانَ مَمْلُوكًا لِلطُّفَيْلِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَخْبَرَةَ، فَأَسْلَمَ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الطُّفَيْلِ، فَأَعْتَقَهُ، وَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دَارَ الأَرْقَمِ، وَقَبْلَ أَنْ
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٩٣).
(٢) انظر الاستيعاب (٢/ ٣٤٥).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ١٤٦).
[ ٣ / ٣١ ]
يَدْعُوَ فِيهَا إلى الإِسْلَامِ، وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلَامِ -﵁-، وَكَانَ يَرْعَى الغَنَمَ في الهِجْرَةِ، ثُمَّ يَرُوحُ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ -﵁- في الغَارِ، وَكَانَ رَفِيقَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ في هِجْرَتِهِمَا إلى المَدِينَةِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- وَشَهِدَ بَدْرًا، وَأُحُدًا، ثُمَّ قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَهُوَ ابنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً -﵁- (١).
* حُزْنُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى مَقْتَلِ أَصْحَابِهِ ﵃:
وَجَاءَ خَبَرُ فَاجِعَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَخَبَرُ مَقْتَلِ عَاصِمِ بنِ ثَابِتٍ، وَخُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِمَا ﵃ أَجْمَعِينَ يَوْمَ الرَّجِيعِ إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَحَزِنَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَالمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حُزْنًا شَدِيدًا، وَلَقَدْ بَلَغَ حُزْنُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَنَّهُ مَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو في كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ الذِينَ غَدَرُوا بِالقُرَّاءِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِيهِمْ قُرْآنًا يُتْلَى، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلَغ عَنَّا نَبِيَّكَ، أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا" (٢).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . أنْزَلَ اللَّهُ فِي
_________________
(١) انظر الاستيعاب لابن عبد البر (٢/ ٣٤٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (٦٧٧) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٨٥٤).
[ ٣ / ٣٢ ]
الذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرآنًا قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ: بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا، وَرَضِينَا عَنْهُ (١).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَجَدَ (٢) عَلَى شَيْءٍ قَطُّ، مَا وَجَدَ عَلَى أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ، أَصْحَابِ سَرِيَّةِ المُنْذِرِ بنِ عَمْرٍو (٣).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنّسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الذِينَ قتَلُوا أصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وذَكْوَانَ، ولِحْيَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّه وَرَسُولَهُ (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد السير - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ - رقم الحديث (٢٨١٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد - باب استحباب القنوت في جمع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة - رقم الحديث (٦٧٧) (٢٩٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب فضل الشهادة - رقم الحديث (٤٦٥١).
(٢) الوَجْدَ: الحُزْنُ. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٢٠).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب من جلس عند المصيبة - رقم الحديث (١٣٠٠) - وأخرجه في كتاب الدعوات - باب الدعاء على المشركين (٦٣٩٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد - باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة - رقم الحديث (٦٧٧) (٣٠٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٠٢٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٩٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد - باب استحباب القنوت في =
[ ٣ / ٣٣ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قنتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ، وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ، وَالعِشَاءَ، وَالصُّبْحِ، في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مِنَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، يَدْعُو عَلَيْهِمْ، عَلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إلى الإِسْلَامِ، فَقَتَلُوهُمْ (١).
* حِكْمَةٌ ظَهَرَتْ لِلْحَافِظِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَظَهَرَ لِي أَنَّ الحِكْمَةَ في جَعْلِ قنوتِ النَّازِلَةِ في الِاعْتِدَالِ دُونَ السُّجُودِ مَعَ أَنَّ السُّجُودَ مَظِنَّةُ الإِجَابَةِ، كَمَا ثَبَتَ "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (٢)، وثُبُوتُ الأَمْرِ بِالدُّعَاءَ فِيهِ أَنَّ المَطْلُوبَ مِنْ قُنُوتِ النَّازِلَةِ أَنْ يُشَارِكَ المَأْمُومُ الإِمَامَ في الدُّعَاءِ وَلَوْ بِالتَّأْمِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ، بِخِلَافِ القُنُوتِ في الصُّبْحِ، فَاخْتُلِفَ في مَحَلِّهِ وَفِي الجَهْرِ بِهِ (٣).
_________________
(١) = جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة - رقم الحديث (٦٧٧) (٢٩٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب فضل الشهادة - رقم الحديث (٤٦٥١).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٤٦) - وأبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب القنوت في الصلوات - رقم الحديث (١٤٤٣).
(٣) هذا الحديث أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب ما يقال في الركع والسجود - رقم الحديث (٤٨٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٦١).
(٤) انظر فتح الباري (٣/ ١٧٧).
[ ٣ / ٣٤ ]
* مَوْقِفُ مُلَاعِبِ الأَسِنَّةِ مِنْ هَذَا الغَدْرِ:
أَمَّا أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بنُ مَالِكٍ المَعْرَوفُ بِمُلَاعِبِ الأَسِنَّةِ سَيِّدُ بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ الذِي أَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ الجِوَارَ لِهَؤُلَاءِ القُرَّاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ هَؤُلَاءِ القُرَّاءِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَمَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الهَمِّ (١).
* عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ -﵁- يَقْتُلُ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ:
وَلَمَّا أَقْبَلَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ -﵁- إلى المَدِينَةِ لَقِيَ في طَرِيقِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فنَزَلَا مَعَهُ في ظِلٍّ كَانَ هُوَ فِيهِ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وجِوَارٌ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ سَأَلهُمَا حِينَ نَزَلَا: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟
فَقَالَا: مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَمْهَلَهُمَا، حَتَّى إِذَا نَامَا عَدَا عَلَيْهِمَا فَقتَلَهُمَا، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أصَابَ بِهِمَا ثَأْرَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَدِمَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ -﵁- المَدِينَةَ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمَقْتَلِ أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِمَقْتَلِهِ لِلْعَامِرِيَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ -ﷺ-: بِئْسَ مَا صَنَعْتَ! لَقَدْ كَانَ لَهُمَا مِنِّي أَمَانٌ وَجِوَارٌ؛ لَأَدِيَنَّهُمَا، فَبَعَثَ بِدِيَتِهِمَا إلى قَوْمِهِمَا (٢).
* * *
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٤١).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٤٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٦) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٠٦).
[ ٣ / ٣٥ ]
غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ
كَانَتْ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١)
وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: جَعَلَهُ ابنُ إِسْحَاقَ -أَيْ جَعَلَ حَدِيثَ بَنِي النَّضِيرِ- بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ (٢).
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ وَقْعَةِ أُحُدٍ (٣).
قُلْتُ: رَجَّحَ الحَافِظُ في الفَتْحِ قَوْلَ ابنِ إِسْحَاقَ (٤).
* سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوةِ:
اخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الغَزْوَةِ:
* السَّبَبُ الأَوَّل:
ذَكَرَ جُلُّ أَهْلِ المَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ إلى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ
_________________
(١) هذا تاريخها عند ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢١٠) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٨).
(٢) علَّقه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث بني النضير.
(٣) علَّقه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث بني النضير، ووصله عبد الرزاق في مصنفه.
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ٧٠).
[ ٣ / ٣٦ ]
في دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قتَلَهُمَا عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ -﵁-؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ قَدْ أَخَذَ العَهْدَ عَلَى اليَهُودِ أَنْ يُعَاوِنُوهُ في الدِّيَاتِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ كِتَابَةِ الصَّحِيفَةِ لِأَهْلِ المَدِينَةِ- فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، ثُمَّ أَتَى بَنِي النَّضِيرِ فكَلَّمَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: نَعَمْ يَا أبَا القَاسِمِ نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، مِمَّا اسْتَعَنْتَ بِنَا عَلَيْهِ، فَجَلَسَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُويهِمْ يَنْتَظِرُ وَفَاءَهُمْ بِمَا وَعَدُوا، وَجَلَسَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵃ أجْمَعِينَ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا خَلَا اليَهُودُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ هَمُّوا بِالغَدْرِ بِهِ، وَائْتَمَرُوا بِقَتْلِهِ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ، فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا البَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيَقْتُلَهُ بِهَا ويُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْهُمْ هُوَ: عَمْرُو بنُ جَحَّاشِ بنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: أنَا لِذَلِكَ، فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَخْرَةً، كَمَا قَالَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جِبْرِيلُ ﵇، وَأَخْبَرَهُ بِمَا أَرَادَ القَوْمُ، فَقَامَ -ﷺ- مُظْهِرًا أنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَةً، وَتركَ أصْحَابَهُ في مَجْلِسِهِمْ، وَرَجَعَ سَرِيعًا إلى المَدِينَةِ.
فَلَمَّا اسْتَبْطَأَ النَّبِيَّ -ﷺأَصْحَاُبهُ، قَامُوا في طَلَبِهِ، فَلَقَوْا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنَ المَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا المَدِينَةَ، فَأَقْبَلَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُمْ -ﷺ- الخَبَرَ بِمَا أَرَادَتْ يَهُودُ مِنَ الغَدْرِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحَرْبِهِمْ وَالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ (١).
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٥٥) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٨) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢١١) - البداية والنهاية (٤/ ٤٥٥).
[ ٣ / ٣٧ ]
وَنَزَلَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١).
* السَّبَبُ الثَّانِي:
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِي في مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: . . . فكَتَبَتْ كُفَّارُ قُرْيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: أَنكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ (٢)، وَالْحُصُونِ، وَأَنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ (٣) نِسَائِكُمْ شَيْءٌ، فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ الْيَهُودَ أَجْمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ عَلَى الْغَدْرِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-: أُخْرُجْ إِلَيْنَا في ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلْنَخْرُجْ في ثَلَاثِينَ حَبْرًا (٤)، حَتَّى نَلْتَقِيَ في مَكَانِ كَذَا، فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ، وَآمَنُوا بِكَ، آمَنَّا كُلُّنَا، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ حَبْرًا مِنْ يَهُودٍ، حَتَّى إِذَا بَرَزُوا في برازٍ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ بَعْضُ الْيَهُودِ لِبَعْضٍ: كَيْفَ تَخْلُصُونَ (٥) إِلَيْهِ،
_________________
(١) سورة المائدة آية (١١).
(٢) الحَلْقة: بفتح الحاء وسكون اللام السلاح. انظر النهاية (١/ ٤١٠).
(٣) الخَدَمُ: بفتح الخاء والدال هو الخلخال. انظر لسان العرب (٤/ ٤١).
(٤) الحَبر: بفتح الحاء العَالِمُ، وكان يقال لابن عباس ﵄: الحَبر والبحر لعلمه وسعته. انظر النهاية (١/ ٣١٧).
(٥) خلَصَ فلان إلى فلان: أي وصل إليه. انظر لسان العرب (٤/ ١٧٣).
[ ٣ / ٣٨ ]
وَمَعَهُ ثَلَاثوُنَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، كُلُّهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهُ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: كَيْفَ تَفْهَمُ وَنَفْهَمُ، وَنَحْنُ سِتُّونَ رَجُلًا؟ اخْرُجْ في ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْكَ ثَلَاثَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا، فَلْيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ آمَنُوا بِكَ آمَنَّا كُلُّنَا، وَصَدَّقْنَاكَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاشْتَمَلُوا عَلَى الْخَنَاجِرِ (١)، وَأَرَادُوا الْفَتْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ نَاصِحَةٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى بَنِي أَخِيهَا، وَهُوَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (٢)، فَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ مَا أَرَادَتْ بَنُو النَّضِيرِ مِنَ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَقْبَلَ أَخُوهَا مُسْرِعًا، حَتَّى أَدْرَكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَسَارَّهُ بِخَبَرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْهِمْ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْكَتَائِبِ، فَحَاصَرَهُمْ (٣).
* بَعْثُ مُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ -﵁-:
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ -﵁- أَنِ اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا، وَقَدْ هَمَمْتُمْ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنَ الْغَدْرِ، فَمَنْ رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ"، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا يَتَجَهَّزُونَ، وَأَرْسَلُوا إلى
_________________
(١) اشتَمَلَ بالثَّوْبِ: إذا أدَارَهُ على جسده كله حَتَّى لا تخرج منه يده. انظر لسان العرب (٧/ ٣٠٢). أي أنَّهم غطوا هذه الخَنَاجِر تحت أجسادهم بهذا الثوب.
(٢) سيأتي خبر أخوة الإنصار ليهود بني النضير بعد قليل.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج - باب في بني النضير - رقم الحديث (٣٠٠٤) - وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه - رقم الحديث (٩٧٣٣) - وأورده الحافظ في الفتح (٨/ ٧٠) وصحح إسناده.
[ ٣ / ٣٩ ]
ظَهْرٍ (١) لَهُمْ بِذِي الجَدْرِ (٢)، وَاسْتَأْجَرُوا مِنْ نَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ إِبِلًا.
فَلَمَّا سَمِعَ المُنَافِقُونَ بِهِمْ أَرْسَلَ لَهُمُ ابنُ سَلُولٍ: لَا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، إِنَّا مَعَكُمْ، لَئِنْ قُويلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ، فَقَوِيَتْ عِنْدَ ذَلِكَ نُفُوسُ بَنِي النَّضِيرِ، فَأَرْسَلَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبٍ سَيِّدُ بَنِي النَّضِيرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّا لَا نَخْرُجُ مِنْ دِيَارِنَا، وَلَئِنْ قَاتَلْتَنَا قَاتَلْنَاكَ، وَنَابَذُوهُ بِنَقْضِ العُهُودِ، وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٣).
* حِصَارُ بَنِي النَّضِيرِ:
فَسَارَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ -ﷺ- في أَصْحَابِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ: ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ -﵁-، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- الْتَجَؤُوا إلى حُصُونِهِمْ، فَقَامُوا عَلَيْهَا يَرْمُونَ بِالنَّبْلِ وَالحِجَارَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) الظَّهر: الإبل التي يُحمل عليها تركب. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
(٢) ذي جَدْر بسكون الدال: هو مسرح -أي مرعى- على ستة أميال من المدينة بناحية قباء. انظر معجم البلدان (٣/ ٣٨).
(٣) سورة الحشر الآيات (١١ - ١٣). والخبر في الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣٧٨).
[ ٣ / ٤٠ ]
بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ وَتَحْرِيقِهَا.
فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵁-، قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانٌ -﵁-:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ (١) بَنِي لُؤَيٍّ (٢) حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ (٣) مُسْتَطِيرُ (٤)
فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ -﵁-:
أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ وَحَرَّقَ في نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ
وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٥).
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ
_________________
(١) سَرَاة بفتح السين: جَمْعُ سرى، وهو الرئيس والشريف. انظر النهاية (٢/ ٣٢٧) - وفتح الباري (٨/ ٧٢).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٧٢): بَنِي لؤي: هم قريش.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٧٢): البُوَيْرَةُ: مصَغَّرُ بُؤْرَة، وهي الحُفْرَة، وهي هنا: مكان معروف بين المدينة وبين منطقة تَيْمَاء، وهي من جهة قِبْلَةِ مسجِدِ قُبَاء إلى جهة الغرب.
(٤) مُسْتَطِيرٌ: مُشْتَعِلٌ. انظر فتح الباري (٨/ ٧٢).
(٥) سورة الحشر آية (٥) - والخبر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث بني النضير - رقم الحديث (٤٠٣٢) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَن: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ - رقم الحديث (٤٨٨٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها - رقم الحديث (١٧٤٦) (٣٠) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١١٠٩).
[ ٣ / ٤١ ]
صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قَالَ: اللِّينَةُ: النَّخْلُ، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قَالَ: اسْتَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ وَأُمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ إِهَانَةً لَهُمْ، وَإِرْهَابًا وَإِرْعَابًا لِقُلُوُبهِمْ (٢).
فَلَمَّا ظَهَرَ لِبَنِي النَّضِيرِ تَخَلِّي المُنَافِقِينَ عَنْهُمْ، وَكَانَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ المُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).
* قَذْفُ اللَّهِ تَعَالَى في قُلُوبِ اليَهُودِ الرُّعْبَ وَجَلَاؤُهُمْ:
وَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَاشْتَدَّ الحِصَارُ عَلَيْهِمْ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ حُصُونَهُمْ لَنْ تَمْنَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الجَلَاءِ (٤)، وَعَلَى أَنَّ
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعة - كتاب التفسير - باب ومن سورة الحشر - رقم الحديث (٣٥٨٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١١١١).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٨/ ٦١).
(٣) سورة الحشر الآيتان (١٦ - ١٧).
(٤) الجَلَاءُ: إخراجهم من أراضيهم إلى أرض أخرى. انظر النهاية (١/ ٢١٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٥٩).
[ ٣ / ٤٢ ]
لَهُمْ مَا أَقَلَّتْ (١) الإِبِلُ مِنَ الأَمْتِعَةِ، وَالأَمْوَالِ إِلَّا الحَلْقَةَ، يَعْنِي السِّلَاحَ.
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبْت قُرْيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ (٢).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الجَلَاءِ، وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الإِبِلُ مِنَ الأَمْتِعَةِ وَالأَمْوَالِ إِلَّا الحَلْقَةَ، يَعْنِي السِّلَاحَ (٣).
فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الإِبِلُ، وَكَانَتْ سِتُّمِائَةِ بَعِيرٍ، فَكَانُوا يَهْدِمُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ؛ لِيَحْمِلُوا مَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنَ الأَبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ، بَلْ حَتَّى حَمَلَ بَعْضُهُمُ الأَوْتَادَ وَجُذُوعَ السُّقُفِ حَتَّى لَا يَنتفِعَ المُسْلِمُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِمْ.
ثُمَّ حَمَلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ عَلَى الهَوَادِجِ، فَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مُظْهِرِينَ
_________________
(١) أقَلَّ الشيء واسْتَقَلَّهُ: إذا رَفَعَهُ وحمله. انظر النهاية (٤/ ٩١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث بني النضير - رقم الحديث (٤٠٢٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب إجلاء اليهود من الحجاز - رقم الحديث (١٧٦٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب سورة الحشر - رقم الحديث (٣٨٥٠).
[ ٣ / ٤٣ ]
التَّجَلُّدَ (١)، مَعَهُمُ الدُّفُوفُ وَالمَزَامِيرُ، وَالقِيَانُ (٢) يَعْزِفْنَ خَلْفَهْمُ.
فَسَارَ أَكْثَرُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ كَسَلَّامِ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ، وَكِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ، وَحُيَيُّ بنُ أَخْطَبٍ، إلى خَيْبَرَ، فَلَمَّا نَزَلُوهَا دَانَ (٣) لَهُمْ أَهْلُهَا، وَسَارَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلى الشَّامِ (٤).
* أُخُوّةُ الأَنْصَارِ وَاليَهُودِ قَبْلَ الإِسْلَامِ:
وَكَانَ في بَنِي النَّضِيرِ مِنْ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ؛ لِأَنَّ المَرْأَةَ مِنْهُمْ كَانَتْ إِذَا لَمْ يَعِشْ لَهَا وَلَدٌ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنَّ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ.
فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٥)، قَالَ: كَانَتِ المَرْأَةُ مِنَ الأَنْصَارِ لَا يَكَادُ يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فتَحْلِفُ: لَئِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ إِذَا فِيهِمْ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْنَاؤُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيةَ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
_________________
(١) الجَلَدُ: القُوَّة والصبر. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٢) القِيَان: الإماء المُغَنِّيَاتُ. انظر النهاية (٤/ ١١٨).
(٣) دَانَ لهم أهلُهَا: أي أطاعتْهُم وخضَعَتْ لهم. انظر لسان العرب (٤/ ٤٥٩).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٥٩).
(٥) سورة البقرة آية (٢٥٦).
[ ٣ / ٤٤ ]
قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: فَمَنْ شَاءَ لَحِقَ بِهِمْ، وَمَنْ شَاءَ دَخَلَ في الإِسْلَامِ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ المُشْكِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا مَعَهُمْ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَيِّرُوا أَصْحَابَكُمْ، فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ، فَهُمْ مِنْكُمْ، وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ، فَهُمْ مِنْهُمْ"، قَالَ: فَأَجْلَوْهُمْ مَعَهُمْ (٢).
* أَوَّلُ فَيْءٍ (٣) في الإِسْلَامِ:
وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا ترَكُوهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ، فَوَجَدَ خَمْسِينَ دِرْعًا وَخَمْسِينَ بَيْضَةً (٤)، وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا، وَكَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ وَأَرْضُهُمْ وَدِيَارُهُمْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ، وَلَمْ يُخَمِّسْهَا؛ لِأَنَّ اللَّه أَفَاءَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِفِ (٥) المُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (٦).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الإيمان - باب التكليف - رقم الحديث (١٤٠) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢٧٩).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢٨٠).
(٣) الفَيْءُ: هو ما حَصَلَ للمسلمين من أموال الكُفَّار من غير حَرْبٍ ولا جِهَاد. انظر النهاية (٣/ ٤٣٤).
(٤) البَيْضَةُ: الخُوذَةُ. انظر النهاية (١/ ١٦٩).
(٥) الإيجَافُ: سرعَةُ السَّير، وقد أوجف دابته: إذا حثها. انظر النهاية (٥/ ١٣٧).
(٦) قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه فقه السيرة ص ١٩٣: اتَّفق الأئمة =
[ ٣ / ٤٥ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (١).
فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ خَاصَّةً لِفَقْرِهِمْ، وَبِذَلِكَ أَغْنَى اللَّهُ تَعَالَى المُهَاجِرِينَ، وَأَزَالَ فَاقتهُمْ (٢)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُنْفِقُ مِمَّا بَقِيَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ في السِّلَاحِ وَالكُرَاعِ (٣) عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ (٤).
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولهِ -ﷺ- مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ في السِّلَاحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ (٥).
_________________
(١) = على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قِتَال، (وهو الفَيْءُ) يعود النظر والتصرُّف فيه إلى ما يراه الإِمام من المصلحة، وأنه يجب عليه تقسِيمُه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غَنِمُوها بعد قتال وحرب، مسَتِدِّلين على ذلك بِسِيَاسَتِهِ -ﷺ- في تقسيم فيءِ بني النضير، وقد نَزَل القرآن مُصَوِّبًا لذلك.
(٢) سورة الحشر آية (٦).
(٣) الفاقَةُ: الحاجة والفقر. انظر النهاية (٣/ ٤٣٢).
(٤) الكُرَاع: بضم الكاف هي: الخيل. انظر النهاية (٤/ ١٤٣).
(٥) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٧٨).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب المجن ومن يترس بترس صاحبه - رقم الحديث (٢٩٠٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير -=
[ ٣ / ٤٦ ]
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ -﵁-: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ: أَيْ يَعْزِلُ لَهُمْ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُنْفِقُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ في وُجُوهِ الخَيْرِ، فَلَا تَتِمُّ عَلَيْهِ السَّنَةُ، وَلِهَذَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اسْتَدَانَهُ لِأَهْلِهِ (١)، وَلَمْ يَشْبَعْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا (٢)، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِكَثْرَةِ جُوعِهِ -ﷺ- وَجُوعِ عِيَالِهِ (٣).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- النَّخْلَاتِ، حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدّ عَلَيهِم (٤).
_________________
(١) = باب حكم الفيء - رقم الحديث (١٧٥٧) (٤٨) - وأخرج الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣٥٢).
(٢) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما قيل في درع النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٩١٦) عن عائشة ﵂ أنها قالت: توفي رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير.
(٣) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الرقائق - باب كيف كان عيش النبي -ﷺ- وأصحابه - رقم الحديث (٦٤٥٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - رقم الحديث (٢٩٧٠) (٢١) - عن عائشة ﵂ قالت: ما شبع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ثلاثة أيام تباعًا من خبز بُر، حتى مضى لسبيله.
(٤) انظر كلام الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح صحيح مسلم (١٢/ ٦١).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث بني النضير - رقم الحديث (٤٠٣٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم - رقم الحديث (١٧٧١) (٧١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٢٩١).
[ ٣ / ٤٧ ]
* نُزُولُ سُورَةِ الحَشْرِ بِكَامِلِهَا:
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في أَمْرِ بَنِي النَّضِيرِ سُورَةَ الحَشْرِ بِأَسْرِهَا، يَذْكُرُ فِيهَا مَا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ، وَمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُوله -ﷺ-، وَمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ﷾ حُكْمَ الفَيْءِ، وَأَّنَّهُ حَكَمَ بِأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَلَّكَهَا لَهُ، فَوَضَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَيْثُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حُكْمَ الفَيْءَ، وَأَنَّهُ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى مِنْوَالِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ، وَلذِي القُرْبَى، وَاليَتَامَى، وَالمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءَ مِنْكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ﷾ المُنَافِقِينَ ذَامًّا لَهُمْ، الذِينَ مَالُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ في البَاطِنِ، وَوَعَدُوهُمْ النَّصْرَ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، بَلْ خَذَلُوهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِمْ، وَغَرُّوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى جُبْنِهِمْ، وَقِلَّةِ عَمَلِهِمْ، وَخِفَّةِ عَقْلِهِمْ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا قَبِيحًا شَنِيعًا بِالشَّيْطَانِ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ الحَشْرِ، قَالَ: نَزَلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ (٢).
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٤/ ٤٦٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الحشر - رقم الحديث (٤٨٨٢).
[ ٣ / ٤٨ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: قُلْ: سُورَةَ النَّضِيرِ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَأَنَّهُ كَرِهَ تَسْمِيَتَهَا بِالحَشْرِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ المُرَادَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّمَا المُرَادُ هُنَا إِخْرَاجُ بَنِي النَّضِيرِ (٢).
وَبِإِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ أَرَاحَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِنْ شَوْكَةٍ ثَانِيَةٍ كَانَتْ تَقُضُّ مَضَاجِعَهُمْ، وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءَ الأَشْرَارَ نَجَحُوا في مَكِيدَتِهِمْ؛ لَقَضَوْا عَلَى الإِسْلَامِ في مَهْدهِ، وَأَيَّةُ خَسَارَةٍ كَانَ سَيُمْنَى بِهَا العَالَمُ لَوْ لَمْ يَسْتَضِئْ بِنُورِ الإِسْلَامِ وَتَعَالِيمِهِ؟ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَالِغُ أَمْرِهِ لَا مَحَالَةَ (٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الحشر- رقم الحديث (٤٨٨٣).
(٢) انظر فتح الباري (٩/ ٦١٨).
(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٢/ ٤٠١).
[ ٣ / ٤٩ ]
غَزْوَةُ بَدْرٍ الآخِرَةُ (١)
وَفِي شَعْبَانَ (٢) مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَهُ أَلْفٌ وَخُمْسُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى بَدْرٍ لِمَوْعِدِهِ الذِي وَاعَدَ بِهِ أَبَا سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ -﵁- (٣)، وَكَانَتْ بَدْرٌ مُجْتَمَعًا يَجْتَمعُ فِيهِ العَرَبُ، وَسُوقًا مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، فَخَرَجَ الصَّحَابَةُ بِبَضَائِعَ لَهُمْ وَتجَارَاتٍ.
* خُرُوجُ أَبِي سُفْيَانَ بِجَيْشِهِ:
أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ فَقَدْ خَرَجَ في أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَعَهُمْ خَمْسِينَ
_________________
(١) وتُسَمَّى غزوةَ بدرٍ الصغرى لعدم وقوع حَرْبٍ فيها، وتُسمى أيضًا بدر المَوْعِد للمُوَاعدة عليها مع أبي سفيان يوم أُحد. انظر شرح المواهب (٢/ ٥٣٥).
(٢) هذا الذي ذكره ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٣١) - وذكر ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٩): أنها كانت في ذي القعدة. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٤/ ٤٧١): والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة للهجرة، ووافق قَوْل موسى بن عقبة أنها في شعبان، لكن قال في السنة الثالثة للهجرة، وهذا وَهْم، فإن هذه تواعدوا إليها من أُحد، وكانت أُحد في شوال سنة ثلاث.
(٣) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٣١) - وعند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٩): أنه -ﷺ- استخلف علي المدينة عبد اللَّه بن رَوَاحة -﵁-، فاللَّه أعلم.
[ ٣ / ٥٠ ]
فَرَسًا، وَكَانَ كَارِهًا لِلْخُرُوجِ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ (١)، وَقِيلَ: عُسْفَانَ (٢)، ثُمَّ أَلقى اللَّهُ تَعَالَى في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَرَأَى أَنْ يَرْجعَ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ هَذَا العَامَ عَامُ جَدْبٍ (٣)، وَلَا يُصْلِحُكُمْ إِلَّا عَامٌ خِصْبٌ (٤)، تَرْعَوْنَ فِيهِ الشَّجَرَ، وَتَشْرَبُونَ فِيهِ اللَّبَنَ، وَإِنِّي رَاجعٌ فَارْجِعُوا، فَرَجَعَ النَّاسُ.
ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ نُعَيْمَ بنَ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: إِنِّي قَدْ وَاعَدْتُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أَنْ نَلْتَقِي بِبَدْرٍ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ، وَهَذَا عَامُ جَدْبٍ، وَإِنَّمَا يُصْلِحُنَا عَامٌ خَصْبٌ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ وَلَا أَخْرُجَ فَيَجْتَرِئَ عَلَيْنَا، وَقَدْ جَعَلْتُ لَكَ عِشْرِينَ بَعِيرًا عَلَى أَنْ تَقْدُمَ المَدِينَةَ فتخَذِّلَ (٥) أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَنِ الخُرُوجِ لِبَدْرٍ، فَوَافَقَ نُعَيْمُ بنُ مَسْعُودٍ عَلَى ذَلِكَ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَوَجَدَ النَّاسَ يَتَجَهَّزُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ، أَلَمْ يَخْرُجْ مُحَمَّدٌ في نَفْسِهِ، أَلَمْ يَقْتُلْ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ بِجَمْعِ أَبِي سُفْيَانَ لَهُمْ، وَمَا مَعَهُ مِنَ العُدَّةِ وَالسِّلَاحِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرُجَنَّ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِيَ أَحَدٌ".
_________________
(١) مَرُّ الظهْرَان: هو وادٍ بين مكة وعُسفان. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
(٢) عُسْفَان: هي قرية جامعة بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٣/ ٢١٤).
(٣) الجَدْب: القَحْط. انظر النهاية (١/ ٢٣٥).
(٤) الخِصْب: ضد الجَدْب. انظر النهاية (٢/ ٣٥).
(٥) التَّخْذِيلُ: حَمْلُ الرجل علي خِذْلان صَاحِبه، وتثبيطه عن نُصْرته. انظر لسان العرب (٤/ ٤٥).
[ ٣ / ٥١ ]
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابهُ إِلَى بَدْرٍ، فَأَقَامَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ لِمِيعَادِهِ، فَأَتَاهُ مَخْشِيُّ بنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ -وَهُوَ الذِي كَانَ وَادَعَ الرَّسُولَ -ﷺ- عَلَى بَنِي ضَمْرَةَ في غَزْوَةِ وَدَّانٍ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ إِنَّ كُنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَمَا الذِي جَاءَ بِكَ إِلَى هَذَا المَوْسِمِ؟ أَجِئْتَ لِلِقَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا المَاءَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، يَا أَخَا بَنِي ضَمْرَةَ، وَإِنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ رَدَدْنَا إِلَيْكَ مَا كَانَ بَيْنَنَا وبَيْنَكَ، ثُمَّ جَالَدْنَاكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وبَيْنَكَ".
فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، مَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْكَ مِنْ حَاجَةٍ.
وبَاعَ المُسْلِمُونَ في تِلْكَ المُدَّةِ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ، فَرَبِحُوا، فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: . . . كَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَوْعِدُكُمْ مَوْسِمُ بَدْرٍ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أَصْحَابَنَا، فَأَمَّا الجَبَانُ، فَرَجَعَ، وَأَمَّا الشُّجَاعُ، فَأَخَذَ أُهْبَةَ القِتَالِ وَالتِّجَارَةِ، فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ أَحَدًا، وَتَسَوَّقُوا، فَاَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (١)
* التَّحْقِيقُ في نُزُولِ آيَةٍ:
قُلْتُ: ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الذِينَ خَرَجُوا مَعَ رَسُول
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٧٤) - والخبر أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة آل عمران - رقم الحديث (١١٠١٧).
[ ٣ / ٥٢ ]
اللَّهِ -ﷺ- وإِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ الإِمَامُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَأَوْلَى القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الذِي قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، كَانَ في حَالِ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مَعَهُ فِي أَثَرِ أَبِي سُفْيَانَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، مُنْصَرَفَهُمْ عَنْ أُحُدٍ إِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا مَدَحَ الذِينَ وَصَفَهُمْ بِقَوْلهمْ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ بَعْدَ الذِي قَدْ كَانَ نَالَهُمْ مِنَ القُرُوحِ وَالكُلُومِ (١) بِقَوْلهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصِّفَةُ إِلَّا صِفَةَ مَنْ تَبعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ جَرْحَى أَصْحَابِهِ بِأُحُدٍ إِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ.
وَأَمَّا الذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إِلَى غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ جَرِيحٌ إِلَّا جَرِيح قَدْ تَقَادَمَ انْدِمَالُ جُرْحِهِ، وَبَرِئَ كُلْمُهُ (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ حَمْرَاءَ الأَسَدِ (٣).
_________________
(١) الكُلُومُ: جمع كَلْمٍ: وهو الجرح. انظر النهاية (٤/ ١٧٣).
(٢) انظر كلام الإمام ابن جرير الطبري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٣/ ٥٢٣).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٩).
[ ٣ / ٥٣ ]
* رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ:
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ سَمِعَ النَّاسُ بِمَسِيرِهِ، وَبَلَغَ قُرَيْشًا أَمْرُهُ، وَكَانَ الذِىِ أَخْبَرَ قُرَيْشًا مَعْبَدُ بنُ أَبِي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ، فَإِنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِبَدْرٍ، ثُمَّ خَرَجَ سَرِيعًا إِلَى مَكَّةَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَمُوَافَاتِهِ بَدْرًا في أَصْحَابِهِ (١).
* * *
_________________
(١) انظر تفاصيل غزوة بدر الآخرة في: سيرة ابن هشام (٣/ ٢٣١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٩) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٨٤) - البداية والنهاية (٤/ ٤٦٩) - شرح المواهب (٢/ ٥٣٥).
[ ٣ / ٥٤ ]
زَوَاجُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂
وَفِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١) تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمَّ سَلَمَةَ ﵂، وَهِيَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّةُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا وَابْنِ عَمِّهَا أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ -﵁-، وَكَانَتْ وَلَدَتْ مِنْهُ: سَلَمَةَ، وَعُمَرَ، وَزَيْنَبَ، وَدُرَّةَ.
وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂، سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي في مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا".
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
أَخْرَجَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢١٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٢٨٧).
(٢) أخرج هذا الحديث الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب ما يُقال عند المصيبة - رقم الحديث (٩١٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٦٣٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٥٤).
[ ٣ / ٥٥ ]
البُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَخَطَبَهَا، فَقَالَتْ: مَرْحبًا بِرَسُولِ اللَّهِ، إِنَّ فِيَّ خِلَالًا (١) ثَلَاثًا: أَنَا امْرَأَةٌ شَدِيدَةُ الغَيْرَةِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ (٢)، وَأَنَا امْرَأَةٌ لَيْسَ مِنْ أَوْليَائِي أَحَدٌ شَاهِدًا يُزَوِّجُنِي.
فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ غَيْرَتِكِ، فَإِنِّي أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهَا عَنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ صِبيتِكِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَكْفِيهِمْ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ أنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدًا فَيُزَوِّجُكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدُ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدًا وَلَا غَائِبًا يَكْرَهُنِي".
فَقَالَتْ لِابْنِهَا (٣):
_________________
(١) خِلَال: أي خِصَال. انظر لسان العرب (٤/ ٢٠١).
(٢) مُصْبِيَة: بضم الميم وسكون الصاد وكسر الباء: أي ذات صبيان. انظر النهاية (٣/ ١١).
(٣) قلتُ: اختلف فيمن وَليَ زواجَ الرسول -ﷺ- من أمِّ سلمة، فقيل عُمَرُ بن أبي سلمة، كما روى ذلك الطحاوي - رقم الحديث (٥٧٥١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٦٦٩). قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١٠٥): ظنَّ بعض الرواة أنه ابنها عمر، فرواه بالمعنى، وقال: فقالت لابنها، وذَهِلَ عن تعذُّر ذلك عليه لصِغَرِ سنه، إذ كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين؛ لأن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- تزوجها في سنة أربع، ومات -ﷺ- ولعمر تسع سنين. قلت: ومما يؤكد صغر سن عمر بن أبي سلمة -﵁- ما أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٣٧٦) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٠٢٢) عن عمر بن أبي سلمة -﵁- قال: كنت غلامًا في حِجْرِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وكانت يدي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فقال لي: "يا غُلَام! سَمِّ اللَّه، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يَلِيك". قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٠/ ٦٥٤): قوله (غلامًا): أي دون البلوغ، يُقال للصبي من =
[ ٣ / ٥٦ ]
زَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فزَوَّجَهُ (١).
وَفِي رِوَايَةِ ابنِ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: جَاءَنِي النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطِبُنِي، فَقُلْتُ: مِثْلِي لَا يُنْكَحُ، أَمَّا أَنَّا، فَلَا وَلَدَ فِيَّ، وَأَنَا غَيُورٌ ذَاتُ عِيَالٍ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَنَا أَكبَرُ مِنْكِ، وَأَمَّا الغَيْرَةُ فيذْهِبُهَا اللَّهُ، وَأَمَّا العِيَالُ، فَإِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ"، فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
وَكَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- يأْتِيهَا لِيَدْخُلَ بِهَا، فَإِذَا رَأَتْهُ أَخَذَتْ بِنْتَهَا زَيْنَبَ فَجَعَلَتْهَا في حِجْرِهَا (٣) لِتُرْضِعَهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَيِيًّا كَرِيمًا يَسْتَحْيِي، فَيَنْصِرَفُ، فَجَاءَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ -﵁- وَأَخَذَ زَيْنَبَ، فَدَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بنِ أَبِي
_________________
(١) = حيثُ يُولد إلى أن يبلغ الحلم: غلام. وقيل: زوجها لرَسُول اللَّهِ -ﷺ- ابنها سلمة بن أبي سلمة ﵂. قال الإمام الذهبي في السير (٣/ ٤٠٨): سلمة بن أبي سلمة، طال عمره، وما روى كلمة، وهو الذي زوج رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بأمه أم سلمة ﵂. وذكر الحافظ في الإصابة (٣/ ١٢٦) قول ابن إسحاق: بأن سلمة بن أبي سلمة هو الذي زوج رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بأمه أم سلمة ﵂، ثم قال الحافظ: وهذا أثبت من قول من قال: إن الذي زوج رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من أم سلمة ابنها عمر بن أبي سلمة.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٥١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٦٦٩) - وصحَّحه الحافظ في الإصابة (٨/ ٤٠٥).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب ذكر وصف تزويج المصطفى -ﷺ- أم سلمة - رقم الحديث (٤٠٦٥).
(٤) الحِجْر: الحِضْن: انظر النهاية (١/ ٣٣٠).
[ ٣ / ٥٧ ]
سَلَمَةَ -﵁- قَالَ: . . . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِيهَا، فَإِذَا جَاءَ أَخَذَتْ زَيْنَبُ، فَوَضَعَتْهَا في حِجْرِهَا لِتُرْضِعَهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَيِيًّا كَرِيمًا، يَسْتَحْيِي، فَيَرْجِعُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَفَطِنَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ -﵁- لِمَا تَصْنَعُ، فَأَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ وَجَاءَ عَمَّارُ، وَكَانَ أَخَاهَا لِأُمِّهَا (١)، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَانْتَشَطَهَا (٢) مِنْ حِجْرِهَا، وَقَالَ: دَعِي هَذِهِ المَقْبُوحَةَ (٣) المَشْقُوقَةَ التِي آذَيْتِ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدَخَلَ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ في البَيْتِ، وَيَقُولُ: "أَيْنَ زُنَابُ؟ مَا فَعَلَتْ زُنَابُ"؟
قَالَتْ: جَاءَ عَمَّارٌ، فَذَهَبَ بِهَا، قَالَ: فَبَنَى بِأَهْلِهِ (٤).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ قَالَ: . . . فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: "إِنِّي آتِيكُمْ اللَّيْلَة"، قَالَتْ: فَأَخْرَجْتُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ كَانَتْ في جَرَّتِيْ (٥)، وَأَخْرَجْتُ شَحْمًا، فَعَصَدْتُ (٦) لَهُ، قَالَ: فَبَاتَ، ثُمَّ أَصْبَحَ، فَقَالَ
_________________
(١) في رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٢٩٤٩) قال: وكان عمار بن ياسر أخاها من الرضاعة.
(٢) نَشط: أي جَذَبَها ورَفَعَها إليه. انظر النهاية (٥/ ٤٩).
(٣) مَقْبُوحًا: أي مُبْعدًا. انظر النهاية (٤/ ٤).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٦٦٩) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب الحال التي يختلف فيها حال النساء - رقم الحديث (٨٨٧٧) - وصحح إسناده الحافظ في الإصابة (٨/ ٤٠٥).
(٥) الجَرَّة: هي إناءٌ معروفٌ من الفخار. انظر النهاية (١/ ٢٥١).
(٦) العَصِيدة: هي دقيقٌ يُلَتُّ بالسَّمْنِ ويُطبخ. انظر النهاية (٣/ ٢٢٢).
[ ٣ / ٥٨ ]
رَسُول اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أَصْبَحَ: "إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ (١)، وَإِنْ أُسَبِّعْ لَكِ أُسَبِّعْ لِنسَائِي" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا تَزَوَّجَهَا، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ (٣)، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي" (٤).
* نُبْذَةٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂:
وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ مَوْصُوفَةً بِالجَمَالِ البَارعِ، وَالعَقْلِ البَالِغِ، وَالرَّأْيِ الصَّائِبِ، وَإِشَارَتُهَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ تَدُلُّ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا
_________________
(١) أي أقمتُ عِنْدَكِ سبعةَ أيَّامٍ: فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٢١٤) عن أنس -﵁- قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر علي الثيب أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب علي البكر أقام عندها ثلاثًا.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب ذكر وصف تزويج المصطفى -ﷺ- أم سلمة - رقم الحديث (٤٠٦٥) - وأخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٢٩١) بإسناد صحيح، كما قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٠/ ٢٩٩).
(٣) قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٣٨): أي لا يلحقكِ هَوَانٌ ولا يضيع من حقك شيء، بل تأخذِينَهُ كاملًا.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الرضاعة - باب قدر ما تستحقه البكر والثيب - رقم الحديث (١٤٦٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٥٠٤) - وأخرجه ابن ماجه - كتاب النكاح والطلاق - باب الإقامة علي البكر والثيب - رقم الحديث (١٩١٧).
[ ٣ / ٥٩ ]
وَصَوَابِ رَأْيِهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَأَشْرَفِهِنَّ نَسَبًا (١).
* غَيْرَةُ أَزْوَاجِ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂:
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمَّ سَلَمَةَ حَزِنْتُ حُزْنًا شَدِيدًا لِمَا ذَكَرُوا لَنَا مِنْ جَمَالِهَا، قَالَتْ: فَتَلَطَّفْتُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا، فَرَأَيْتُهَا وَاللَّهِ أَضْعَافَ مَا وُصِفَتْ لِي مِنَ الحُسْنِ وَالجَمَالِ (٢).
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّهَا جَاءَتْ بِطَعَامٍ في صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ ﵂ مُلْتَفَّةً بِكِسَاءٍ، وَمَعَهَا فِهْرٌ (٣)، فَفَلَقَتِ الصَّحْفَةَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَ فِلْقَي الصَّحْفَةِ، وَقَالَ: "غَارَتْ أُمُّكُمْ"، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَحْفَةَ عَائِشَةَ ﵂، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ ﵄ (٤).
* وَفَاةُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂:
وَقَدْ عُمِّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ حَتَّى بَلَغَهَا مَقْتَلُ الحُسَيْنِ -﵁-، الشَّهِيدِ، فَوَجَمَتْ (٥) لِذَلِكَ، وَغُشِيَ عَلَيْهَا، وحَزِنَتْ عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَلَمْ تَلْبَثْ بَعْدَهُ
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠٢).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٢٩١).
(٣) الفِهْر: بكسر الفاء هو الحَجَرُ مِلءُ الكَفِّ. انظر النهاية (٣/ ٤٣٣).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٣٥٤).
(٥) الوَاجِمُ: الذي أسكته الهَمُّ، وعَلَتْهُ الكآبَةُ، وقيل الوجوم: الحزن. انظر النهاية (٥/ ١٣٨).
[ ٣ / ٦٠ ]
إِلَّا يَسِيرًا، حَتَّى مَاتَتْ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا ﵂ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ في خِلَافَةِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ آخِرَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ ﵂ وَفَاةً (١).
* * *
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠٢ - ٢١٠) - الإصابة (٨/ ٤٠٧).
[ ٣ / ٦١ ]
السَّنَةُ الخَامِسَةُ لِلْهِجْرَةِ
غَزْوَةُ دُومَةِ الجَنْدَلِ (١)
كَانَتْ في رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَلَغَهُ أَنَّ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ القَبَائِلِ، وَأَنَّهُمْ يَظْلِمُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ، وَيَنْهَبُونَ مَا مَعَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوا مِنَ المَدِينَةِ لِمُهَاجَمَتِهَا.
فَنَدَبَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في أَلْفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ، وَيَكْمُنُونَ (٣) النَّهَارَ، وَمَعَهُ -ﷺ- دَلِيلٌ لَهُ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ: (مَذْكُورٌ)، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ دُومَةِ الجَنْدَلِ، هَجَمُوا عَلَى مَاشِيَتِهِمْ وَرُعَاتِهِمْ، فَأَصَابُوا مَا أَصَابُوا مِنْهُمْ، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ في كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُ دُومَةِ الجَنْدَلِ تَفَرَّقُوا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَاحَتِهِمْ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا وَبَثَّ السَّرَايَا وَفَرَقَهَا، فَرَجَعَتْ وَلَمْ تُصِبْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأُخِذَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) دُومَةُ الجَنْدَلِ: بضم الدال موضع على طرَف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. انظر الطبقات لابن سعد (٢/ ٢٨٠) - معجم البلدان (٤/ ٣٢٥).
(٢) يُقالُ: نَدَبْتُهُ فانتَدبَ: أي بعثته ودعوته فأجاب. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
(٣) كَمَنَ: استَتَرَ واستَخْفَى. انظر النهاية (٤/ ١٧٤).
[ ٣ / ٦٢ ]
عَنْهُمْ، فَقَالَ: هَرَبُوا حِينَ سَمِعُوا أَنَّكَ أَخَذْتَ نَعَمَهُمْ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا (١).
* مُمَيِّزَاتُ هَذِهِ الغَزْوَةِ:
وَقَدِ امْتَازَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ بِأَمْرَيْنِ:
١ - أَنَّهَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ المَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ، إِذْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ مَسِيرَةُ خَمْسِ لَيَالٍ، وَقَدْ كَانَتْ بِمَثَابَةِ إِعْلَانٍ عَنْ دَعْوَةِ الإِسْلَامِ بَيْنَ سُكَّانِ البَوَادِي الشَّمَالِيَّةِ وَأَطْرَافِ الشَّامِ الجَنُوبِيَّةِ، وَأَحَسُّوا بِقُوَّةِ الإِسْلَامِ، كَمَا كَانَ إِرْهَابًا لِقَيْصَرَ وَجُنْدِهِ.
٢ - أَنَّ سَيْرَ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ هَذِهِ المَسَافَاتِ الطَّوِيلَةِ قَدْ كَانَ فِيهِ تَدْرِيبٌ لَهُ عَلَى السَّيْرِ إِلَى الجِهَاتِ النَّائِيَةِ، وَفِي أَرْضٍ لَمْ يَعْهَدُوهَا مِنْ قَبْلُ، وَلذَلِكَ تُعْتَبَرُ هَذِهِ الغَزْوَةُ فَاتِحَةَ سَيْرِ الجُيُوشِ الإِسْلَامِيَّةِ لِلْفُتُوحَاتِ العَظِيمَةِ في بِلَادِ آسِيَا وَإِفْرِيقِيَا فِيمَا بَعْدُ (٢).
* * *
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه الغزوة في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٠) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٨٩) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٣٦) - شرح المواهب (٢/ ٥٣٩).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (٢/ ٢٥١) للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ٦٣ ]
قُدُومُ وَفْدِ مُزَيْنَةَ
وَفِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فِيهِمُ: النُّعْمَانُ بنُ مُقَرِّنٍ، وَقُرَّةُ بنُ إِيَاسٍ، وَبِلَالُ بنُ الحَارِثِ، فَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الإِسْلَامِ، وَجَعَلَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الهِجْرَةَ في دَارِهِمْ، وَقَالَ: "أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ، فَارْجِعُوا إِلَى أَمْوَالِكُمْ"، فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ عَنِ النُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّنٍ -﵁- قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في أَرْبَعِ مِئَةٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَمْرِهِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا طَعَامٌ نتزَوَّدُهُ!
فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِعُمَرَ -﵁-: "زَوِّدْهُمْ".
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: مَا عِنْدِي إِلَّا فَاضِلَةٌ مِنْ تَمْرٍ، وَمَا أُرَاهَا تُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "انْطَلِقْ فَزَوِّدْهُمْ"، فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى عِلِّيَّةٍ (٢) لَهُ، فَإِذَا فِيهَا تَمْرٌ مِثْلَ البَكْرِ (٣) الأَوْرَقِ (٤)، فَقَالَ: خُذُوا، فَأَخَذَ القَوْمُ حَاجَتَهُمْ، قَالَ:
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٤١).
(٢) العِلِّيَّة: هي بكسر العين وضمها: الغرفة. انظر النهاية (٣/ ٢٦٧).
(٣) البَكرُ: بكسر الباء: الفَتِيُّ من الإبل. انظر النهاية (١/ ١٤٧).
(٤) الأوْرَقُ: الأسْمَرُ. انظر النهاية (٥/ ١٥٣).
[ ٣ / ٦٤ ]
وَكُنْتُ أَنَا في آخِرِ القَوْمِ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ، وَمَا أَفْقِدُ مَوْضِعَ تَمْرَةٍ، وَقَدِ احْتَمَلَ مِنْهُ أَرْبَعُ مِئَةِ رَجُلٍ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ قُرَّةَ بنِ إيَاسٍ -﵁- قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَبَايَعْنَاهُ (٢).
وَأَقْطَعَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِلَالَ بنَ الحَارِثِ أَرْضًا فِيهَا جَبَلٌ وَمَعْدِنٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاودَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ كَثِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَقْطَعَ بِلَالَ بنَ الحَارِثِ المُزَنِيِّ مَعَادِنَ (٤) القَبَلِيَّةِ (٥): جَلْسِيَّهَا (٦) وَغَوْرِيَّهَا (٧)، وَحَيْثُ يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ مِنْ قُدْسٍ (٨)، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ، وَكتَبَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِلَالَ بنَ الحَارِثِ المُزَنيَّ،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٧٤٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٨١) - وأبو داود في سننه - كتاب اللباس - باب في حل الإزارر - رقم الحديث (٤٠٨٢) - وأخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب اللباس - باب حل الإزرار - رقم الحديث (٣٥٧٨).
(٣) أقطَعَ: أي أعطى. انظر النهاية (٤/ ٧٣).
(٤) المعادِنُ: هي المواضع التي تُستخرج منها جَوَاهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك. انظر النهاية (٣/ ١٧٤).
(٥) القَبَلية: هو موضع بين منطقة نخلة والمدينة. انظر النهاية (٤/ ٩).
(٦) الجَلْس: كل مرتفع من الأرض. انظر النهاية (١/ ٢٧٦).
(٧) الغَوْر: ما انخفض من الأرض. انظر النهاية (٣/ ٣٥٢).
(٨) قُدْس: بضم القاف وسكون الدال: جبل معروف. انظر النهاية (٤/ ٢٢).
[ ٣ / ٦٥ ]
أَعْطَاهُ مَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ: جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ لِلزَّرْع مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ" (١).
* حَدِيثٌ في فَضْلِ مُزَيْنَةَ:
جَاءَ في فَضْلِ مُزَيْنَةَ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغِفَارٌ وَأَسْلَمُ ومُزَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَوْ قَالَ: جُهَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ مُزَيْنةَ، خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَطَيءٍ وَغَطفَانَ" (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٨٥) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج - باب إقطاع الأرضين - رقم الحديث (٣٠٦٢) - (٣٠٦٣).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة - رقم الحديث (٢٥٢١) (١٩١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٨٢٦).
[ ٣ / ٦٦ ]
زَوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂، وَنُزُولُ الحِجَابِ (١)
هِيَ السَّيِّدَةُ الجَلِيلَةُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بنِ رِئَابٍ الأَسَدِيَّةُ أُخْتُ الشَّهِيدِ المُجْدَّعِ في اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ -﵁-، وَأُمُّهَا السَّيِّدَةُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَكَانَتْ زَيْنَبُ ﵂ قَدِيمَةَ الإِسْلَامِ، وَمِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ -﵁- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
* الحِكْمَةُ مِنْ هَذَا الزَّوَاجِ:
وَكَانَ المُرَادُ مِنْ هَذَا الزَّوَاجِ: إِبْطَالُ حُرْمَةِ زَوْجَةِ الِابْنِ المُتَبَنَّى، وَالقَضَاءُ عَلَى عَنْجَهِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ بِالِاعْتِزَازِ بِالأَحْسَابِ وَالأَنْسَابِ (٢).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ زَوَّجَهَا مِنْ حِبِّهِ وَمَوْلَاهُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁-، الذِي كَانَ يُدْعَى قَبْلَ إِبْطَالِ التَّبَنِّي بِزَيْدِ بنِ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٩٦): الحجابُ كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعةٍ، وأما قول الواقدي: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس، فمردُودٌ، وقد جزم خليفة وأبو عبيدة وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث من الهجرة.
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٢٩٤) للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ٦٧ ]
بنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نزلَ في القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١).
فَلَمَّا خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵂ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁- ظَنَّتْ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِنَفْسِهِ -﵁-، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِزَيْدٍ أَبَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁-، فَاسْتَنْكَفَتْ (٢) مِنْهُ، وَقَالَتْ: أَنِا خَيْرٌ مِنْهُ حَسَبًا، وَكَانَتِ امْرَأَةً فِيهَا حِدَّةٌ (٣)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤).
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ ﵂: قَدْ رَضِيتَهُ لِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْكَحًا (٥)؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: إِذَنْ لَا أَعْصِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَدْ أَنْكَحْتُهُ نَفْسِي (٦).
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٥) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ - رقم الحديث (٤٧٨٢) - وأخرجه مسلم - كتاب الفضائل - باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ﵄ - رقم الحديث (٢٤٢٥).
(٢) اسْتَنْكَفَ عن الأمر: امتَنَعَ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٨٦). ومنه قوله تعالى في سورة النساء آية (١٧٢): ﴿. . وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾.
(٣) الحِدَّة: ما يعتري الإنسان من الغَضَب. انظر لسان العرب (٣/ ٨٠).
(٤) سورة الأحزاب آية (٣٦) - والخبر أورده الإمام ابن جرير الطبري رحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (١٠/ ٣٠١).
(٥) مَنكحًا: أي زوجًا. انظر النهاية (٥/ ١٠٠).
(٦) انظر تفسير الطبري (١٠/ ٣٠١).
[ ٣ / ٦٨ ]
* مَكَثَتْ زَيْنَبُ ﵁ عِنْدَ زَيْدٍ -﵁- سَنَةً:
فَمَكَثَتْ زَيْنَبُ عِنْدَ زَيْدٍ ﵄، قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْذِيهِ بِلِسَانِهَا، وتَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِهَا.
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ يَشْكُو، فَهَمَّ بَطَلَاقِهَا، فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ" (١).
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوصِي زَيْدًا بِإِمْسَاكِهَا، ثُمَّ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُحَمِّلَ نَبِيَّهُ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ -فِيمَا يَحْمِلُ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ- مُؤْنَةَ إِزَالَةِ آثَارِ نِظَامِ التَّبَنِّي، فَيَتَزَوَّجَ مِنْ مُطَلَّقَةِ مُتَبَنَّاهُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁-، ويُوَاجِهَ المُجْتَمَعَ بِهَذَا العَمَلِ، الذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُوَاجِهَ المُجْتَمَعَ بِهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ إِبْطَالِ عَادَةِ التَّبَنِّي في ذَاتِهَا (٢).
فَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَسْتَحْيِي أَنْ يَأْمُرَ زَيْدًا بِطَلَاقِهَا، وَكَانَ يَخْشَى النَّاسَ أَنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ، وَيَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ بِالتَّبَنِّي (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التوحيد - باب وكان "عرشه علي الماء" - رقم الحديث (٧٤٢٠) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الأحزاب - رقم الحديث (٣٤٩١).
(٢) انظر في ظلال القرآن (٥/ ٢٨٦٨).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٤٧٩): أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة - أي قصة إبطال التبني - من طريق السدي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا.
[ ٣ / ٦٩ ]
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (١) وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (٢) أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ (٣) مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ (٤) وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٥).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- كَاتِمًا شَيْئًا لَكتَمَ هَذِهِ الآيَةَ (٦).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْي، لَكَتَمَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٦/ ٤٢٤): أنعم اللَّه عليه بالإسلام ومُتَابعة الرسول -ﷺ-.
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٦/ ٤٢٤): أي بالعِتْقِ من الرِّقِّ، وكان سَيِّدًا كبير الشأن جليلَ القَدْر، حبيبًا إلى النبي -ﷺ-، يُقال له: الحِبُّ، ويُقال لابنه أسامة: الحِبُّ ابن الحِبِّ. أخرج الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٩٨) - بسند حسن عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما بعث رَسُول اللَّهِ -ﷺ- زيد بن حارثة في جيش قَطُّ إلا أَمَّره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٤٧٩): والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي -ﷺ- هو إخبار اللَّه تَعَالَى إياه أنها ستصِيرُ زوجته.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٤٧٩): الذي كان يحمله علي إخفاءِ ذلك خشيةَ قولِ الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد اللَّه تَعَالَى إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبَنِّي بأمر لا أبلغ في الإبطالِ منه، وهو تزوج امرأةِ الذي يُدعى ابنًا، ووقوع ذلك من إمَامِ المسلمين؛ ليكون أدْعَى لقَبُولهم.
(٥) سورة الأحزاب آية (٣٧).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التوحيد - باب "وكان عرشه علي الماء" - رقم الحديث (٧٤٢٠).
[ ٣ / ٧٠ ]
هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (١).
* زَوَاجُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ زَيْنَبَ ﵂:
فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ ﵂، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ ﵂، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِزَيْدٍ: "اذْهَبْ فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ" (٢)، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهَا، وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا (٣)، فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي (٤)، وَنَكَصْتُ (٥) عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ! أَبْشِرِي، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُكِ، قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي ﷿، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا (٦)، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب معنى قول اللَّه ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ - رقم الحديث (١٧٧) (٢٨٨) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الأحزاب - رقم الحديث (٣٢٠٨).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٩٤): أي فاخطبها لي من نفسها.
(٣) تخمِيرُ العَجِين: هو ما يُجعل في العَجِين من الخميرة. انظر لسان العرب (٤/ ٢١٢). أي أنها ﵂ كانت تُعَالِجُ وتصنَعُ عَجِينَها.
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٩٤): معناه أنه هَابَهَا واستَجَلَّهَا من أجل إرادة النبي -ﷺ- تزوجها، فعامَلَهَا معامَلَةَ من تَزَوَّجها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من الإعظَامِ، والإجْلَالِ، والمَهَابَةِ.
(٥) النُّكُوص: الرجوع إلى وَرَاء، وهو القَهْقَرَى. انظر النهاية (٥/ ١٠١).
(٦) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٩٥): أي موضع صلاتها من بيتها، وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن هَمَّ بأمرٍ سَواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا.
[ ٣ / ٧١ ]
وَطَرًا (١) زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٢).
وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ (٣).
فَكَانَتْ زَيْنَبُ ﵂ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ الرَّسُولِ -ﷺ- تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ (٤).
* رِوَايَاتٌ وَاهِيَةٌ:
قُلْتُ: وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مِنْ أَقَاوِيلَ مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (٥) مِنْ طَرِيقِ بِشْرٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قتَادَةَ. . .، وَمِنْ طَرِيقِ: يُونُسَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ يَزِيدَ. . .، وَابْنِ سَعْيدٍ في طَبَقَاتِهِ (٦)، وَالحَاكِمُ في
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسير (٦/ ٤٢٥): الوَطَرُ: هو الحاجَةُ والأربُ، أي: لما فَرَغ منها، وفارقها، زوَّجناكها، وكان الذي وَلِيَ تزويجها منه هو اللَّه ﷿، بمعنى: أنه أوحي إليه -ﷺ- أن يدخل عليها بلا وَلِيٍّ ولا مهرٍ ولا عقدٍ ولا شُهُودٍ من البشر.
(٢) سورة الأحزاب آية (٣٧).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب زواج زينب بنت جحش ﵂ - رقم الحديث (١٤٢٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٠٢٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التوحيد - باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ - رقم الحديث (٧٤٢٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٣٦١).
(٥) انظر تفسير الطبري (١٠/ ٣٠٢).
(٦) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٢٩٥).
[ ٣ / ٧٢ ]
المُسْتَدْرَكِ (١)، كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ الوَاقِدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَامِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيى بنِ حِبَّانَ. . . فَقَالُوا: إِنَّ مَا أَخْفَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَأَبْدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ وُقُوعُ زَيْنَبَ في قَلْبِهِ -ﷺ- وَمَحَبَّتِهِ لَهَا، وَهِيَ تَحْتَ زَيْدٍ، وَأَنَّهَا سَمِعَتْهُ يَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ مُصَرِّفِ القُلُوبِ"، وَهِيَ أَسَانيدٌ مُنْقَطِعَة، وَالثَّالِثُ مِنْهَا ضَعِيف جِدًّا، فَالوَاقِدِيُّ مَتْرُوكٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَامِرٍ الأَسْلَمِيُّ ضَعِيفٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ضَعْفِهَا جَهَابِذَةُ النُّقَّادِ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ، كَالحَافِظِ ابْنِ حَجَرَ في فَتْحِ البَارِي (٢)، وَابْنُ العَرَبِيِّ في أَحْكَامِ القُرْآنِ، وَابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ (٣)، وَالآلُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ (٤).
* الوَلِيِمَةُ (٥):
وَأَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ بَنَى (٦) بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂،
_________________
(١) انظر مستدرك الحاكم - كتاب معرفة الصحابة - باب نكاح الرسول -ﷺ- بزينب بنت جحش - رقم الحديث (٦٨٤٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٤٧٩): وردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٦/ ٤٢٤): ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم هاهنا آثارًا عن بعض السلف ﵃، أحبَبْنَا أن نضْرِبَ عنها صَفْحًا لعدم صحتها، فلا نُورِدُها. وقال في البداية والنهاية (٤/ ٥٣٢): وقد تكلم كثيرٌ من السلف هاهنا بآثار غَرِيبة، وبعضها فيه نظر تركناها.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ٢٢٤) - حاشية رقم (١) - والسلسلة الضعيفة - رقم الحديث (٦٨٤٨).
(٥) الوَليمَة: هي الطعام الذي يُصنَعُ عند العُرْسِ. انظر النهاية (٥/ ١٩٦).
(٦) البِنَاء: الدخول بالزوجة. انظر النهاية (١/ ١٥٦).
[ ٣ / ٧٣ ]
بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أنَّهُ قَالَ: مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ -﵁-: أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: بُنِي عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا، فَيَجِيءُ قَوْمٌ، فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا (٤) فَجَعَلَتْهُ في تَوْرٍ (٥)، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ! اذْهَبْ بِهَذَا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب زواج زينب بنت جحش ﵂ - رقم الحديث (١٤٢٨) (٩١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٧٥٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الأحزاب - رقم الحديث (٤٧٩٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الأحزاب - رقم الحديث (٤٧٩٣).
(٤) الحيس: هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن. انظر النهاية (١/ ٤٤٩).
(٥) التَّوْرُ: هو إناءٌ معروف. انظر النهاية (١/ ١٩٤).
[ ٣ / ٧٤ ]
تُقْرئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيل يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيل يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "ضَعْهُ"، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلانًا وَفُلَانًا، وَمَنْ لَقِيتَ"، وَسَمَّى رِجَالًا، قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانُوا زُهَاءَ (١) ثَلَاثمائَة، وَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أَنسُ! هَات التَّوْرَ"، قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتِ الصُّفَّةُ وَالحُجْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ"، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ لِي: "يَا أَنَسُ! ارْفَعْ"، قَالَ: فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ (٢).
* نُزُولُ الحِجَابِ:
فَلَمَّا طَعِمَ النَّاسُ جَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُونَ في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ، وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إِلَى الحَائِطِ، فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْرُجُ، ثُمَّ يَرْجعُ، وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ (٣).
_________________
(١) زُهَاء: أي قَدر. انظر النهاية (٢/ ٢٩١).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب زواج زينب بنت جحش ﵂ - رقم الحديث (١٤٢٨) (٩٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٦٦٩).
(٣) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب زواج زينب بنت جحش ﵂ - رقم الحديث (١٤٢٨) (٩٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٦٦٩).
[ ٣ / ٧٥ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ أَنَسٌ -﵁-: . . . فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وَإِذَا هُوَ -ﷺ- كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ، قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ أَنَسٌ -﵁-: . . . فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، فَتَقَرَّى (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حُجَرَ نِسَائِهِ كُلَّهُنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا قَالَ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى بَيْتِهِ فَرَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الحَدِيثُ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، -وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- شَدِيدَ الحَيَاءِ-، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ، فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ (٣)
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الأحزاب - رقم الحديث (٤٧٩١).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٤٨٧): فتقَرّى: بفتح القاف وتشديد الراء: أي تتبَّع الحجرات واحدةً واحدةً. وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٤٢٨) (٨٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٠٢٥) قال أنس: فجعل رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يتتبَّع حُجَرَ نِسَائه، يسَلِّم عليهن.
(٣) كان عُمْرُ أنس -﵁- أربعَ عشرَةَ سَنَة؛ لأن نزول الحجاب في ذي القعدة من السنة الرابعة للهجرة كما قَالَ الحَافِظ في الفَتْحِ (٨/ ١٩٦). وأخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥١٦٦) عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك -﵁- أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة.
[ ٣ / ٧٦ ]
فَأَلْقَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، وَهِيَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ (١) إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢).
* تَمَنِّي عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- نُزُولَ الحِجَابِ:
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- بِحَسَاسِيَّتِهِ المُرْهَفَةِ كَانَ يَقْتَرِحُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- الحِجَابَ، وَكَانَ يَتَمَنَّاهُ عَلَى رَبِّهِ، حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ مُصَدِّقًا لِاقْتِرَاحِهِ مُجِيبًا لِحَسَاسِيَّتِهِ (٣).
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْهُ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ؟
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٦/ ٤٥٤): حَظَرَ علي المؤمنين أن يدخلوا منازل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بغير إذْنٍ، كما كانوا قبل ذلك يصنَعُونَ في بُيُوتِهم في الجاهلية وابتداءِ الإسلام، حتى غارَ اللَّه تَعَالَى لهذ الأمَّة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تَعَالَى هذه الأمة، ولهذا قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "إيَّاكم والدخول على النساء". أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٢٣٢) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢١٧٢).
(٢) سورة الأحزاب آية (٥٣). وأخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الأحزاب - رقم الحديث (٤٧٩٣) (٤٧٩٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٠٢٥).
(٣) انظر في ظلال القرآن (٥/ ٢٨٧٧) لسيد قطب ﵀.
[ ٣ / ٧٧ ]
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الحِجَابِ (١).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -ﷺ- كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ (٢) -وَهُوَ صَعِيدٌ (٣) أفيحُ (٤) - فَكَانَ عُمرُ -﵁- يقُولُ للنَّبيِّ -ﷺ-: احْجِبْ (٥) نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَفْعَلُ.
فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ -﵂- زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ- لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، عِشَاءً (٦)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الأحزاب - رقم الحديث (٤٧٩٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧).
(٢) المَنَاصِعُ: هي المواضع التي يُتخَلَّى فيها لقضاء الحاجة. انظر النهاية (٥/ ٥٦).
(٣) الصَّعِيدُ: وجهُ الأرض. انظر جامع الأصول (٢/ ٣٢٣).
(٤) أفْيَحُ: كل موضعٍ وَاسع. انظر النهاية (٣/ ٤٣٦).
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٣٣٥): أي امنعهُنَّ من الخروج من بيوتهن، بدليل أن عمر -﵁- بعد نزول آية الحجاب قال لسودة: ألا قد عَرَفْنَاكِ يا سَوْدَة. ويحتمل أن يكون أراد أوَّلًا الأمر بسَتْرِ وجوهِهِنَّ، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضًا أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التَّسَتُّرِ فلم يجب لأجل الضرورة، وهذا أظهَرُ الاحتمالين.
(٦) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٧٩٥) - ومسلم - رقم الحديث (٢١٧٠) (١٧): قالت عائشة ﵂: خرَجَتْ سودَةُ بعدَمَا ضُرِبَ الحِجَاب لحاجتها. قال الكرماني فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٩/ ٤٨٨): وقع هنا أنه كان بعدما ضُرِبَ الحجاب، وتقدم في الوُضُوء - من صحيح البخاري - أنه كان قبل الحجاب، فالجواب: لعله وقع مرَّتين. وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٤٨٨): بل المراد بالحِجَاب الأول غير الحجاب الثاني، والحاصل أن عمر -﵁- وقع في قلبه نَفْرَة من اطلاع الأجانب علي الحَرِيمِ النبوي، حتى =
[ ٣ / ٧٨ ]
وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فنَادَاهَا عُمَرُ -﵁-: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ (١).
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى، وَالبُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ آكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَيْسًا (٢) في قَعْبٍ (٣)، فَمَرَّ عُمَرُ -﵁-، فَدَعَاهُ -ﷺ-، فَأَكَلَ، فَأَصَابَتْ إِصْبَعُهُ إِصْبَعِي، فَقَالَ: حَسِّ (٤)، لَوْ أُطَاعَ فِيكُنَّ مَا رَأَتْكُنَّ عَيْنٌ، فنَزَلَ الحِجَابُ (٥).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ قِصَّةِ زَيْنَبَ، فَلِقُرْبِهِ مِنْهَا أُطْلِقَتْ نُزُولُ الحِجَابِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الأَسْبَابِ (٦).
_________________
(١) = صَرّح بقوله له -ﷺ-: -احجب نساءك-، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قَصَدَ بعد ذلك أن لا يُبدِينَ أشخاصهن أصلًا، ولو كنّ مُسْتَتِرَاث، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقَّة ورفعًا للحرج.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب خروج النساء إلى البراز - رقم الحديث (١٤٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان - رقم الحديث (٢١٧٠) (١٨).
(٣) الحَيْسُ: هو الطعام المُتَّخَذُ من التمر والأقِطِ والسَّمْن. انظر النهاية (١/ ٤٤٩).
(٤) القَعْبُ: هو القَدَح الضخم، الغليظ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٣٥).
(٥) حَسِّ: بكسر السين والتشديد: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابَهُ ما مَضَّهُ وأحرَقَهُ غَفْلَةً، كالجَمْرَةِ والضَّرْبَةِ، ونحوهما. انظر النهاية (١/ ٣٧٠).
(٦) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة الأحزاب - رقم الحديث (١١٣٥٥) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٨٠٨).
(٧) انظر فتح الباري (٩/ ٤٨٨).
[ ٣ / ٧٩ ]
* فَضَائِلُ زَينْبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂:
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: زَيْنَبُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ بِنْتُ جَحْشٍ ابْنَةُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. . .، وَكَانَتْ مِنْ سَادَةِ النِّسَاءِ، دِينًا وَوَرَعًا وَجُودًا وَمَعْرُوفًا ﵂ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي، أَطْوَلُكُنَّ يَدًا".
قَالَتْ: فكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا.
قَالَتْ: فَكَانَ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ (٢)؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الحَاكِمِ، وَالطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . فَكُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ إِحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الجِدَارِ نَتَطَاوَلُ، فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَكَانَتْ امْرَأَةً قَصِيرَةً، يَرْحَمُهَا اللَّهُ، وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَنَا
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢١٢).
(٢) قلتُ: وقع في صحيح البخاري رقم الحديث (١٤٢٠): بلفظ سودة بنت زمعة، وهو وَهْمٌ من بعض الرواة، كما قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٣٦)، والصحيح أنها زينبُ بنتُ جَحْشٍ ﵂.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب من فضائل زينب ﵂ - رقم الحديث (٢٤٥٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع - رقم الحديث (٣٣١٤).
[ ٣ / ٨٠ ]
يَدًا، فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- إِنَّمَا أَرَادَ بِطُولِ اليَدِ الصَّدَقَةَ، قَالَتْ: وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةً صَنَّاعَةَ اليَدِ، تَدْبَغُ وَتَخْرِزُ (١)، وَتَصَدَّقُ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَهِيَ التِي كَانَتْ تُسَامِينِي (٣) مِنْهُنَّ في المَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا في الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى للَّهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا (٤) لِنَفْسِهَا في العَمَلِ الذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةٍ (٥) مِنْ حَدٍّ (٦) كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الفَيْئَةُ (٧).
_________________
(١) الحَرْزَةُ: هي خِيَار المال. انظر النهاية (١/ ٣٥٣).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب كانت زينب أول لحوقًا بالنبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٨٥٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢١٠).
(٣) قال النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٦٧): أي تُعَادِلُنِي وتُضَاهِينِي في الحُظْوَة والمنزِلَةِ الرَّفيعة، مأخوذة من السُّمُوِّ وهو الارتِفَاع.
(٤) التَّبَذُّل: ترك التزين والتَّهَيُّء بالهيئَةِ الحَسَنَةِ الجَمِيلَة علي جهة التواضع. انظر النهاية (١/ ١١١).
(٥) قال النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٦٧): السَّوْرة بفتح السين: الثَّوَرَانُ وعجَلَة الغضب.
(٦) قال النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٦٧): الحَدَّة: بفتح الحاء، وفي رواية حِدَّة بكسر الحاء: هي شدة الخلق وثَوَرَانِه، ومعنى الكلام أنها كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدة خلق وسُرعَةُ غَضَبٍ تسرع منها.
(٧) قال النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٦٧): الفَيْئَة: بفتح الحاء وهي الرجوع أي إذا وقع ذلك منها رجَعَتْ عنه سَرِيعًا ولا تُصِرُّ عليه. =
[ ٣ / ٨١ ]
* وَفَاةُ زَيْنَبَ ﵂:
وَتُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ ﵂ سَنَةَ عِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ، في خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- وَهِيَ ابْنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- مَوْتًا بَعْدَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ -﵁-، وَدُفِنَتْ بِالبَقِيعِ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ مَالِكٌ في المُوَطَّأِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ رَبِيعَةَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الهُدَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- يَقْدُمُ النَّاسَ أَمَامَ الجَنَازَةِ في جَنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ (١).
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَى (٢) قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- عَلَى زَيْنَبَ ﵂ بِالمَدِينَةِ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ مَنْ تَأْمُرْنَ أَنْ يُدْخِلَهَا القَبْرَ؟
_________________
(١) = والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٢٤٤٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٥٧٥).
(٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ - كتاب الجنائز - باب المشي أمام الجنازة - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٨٦٠٨).
(٣) عبد الرحمن بن أبْزَى: صحابي صغيرٌ، وكان في عهد عُمر -﵁- رجلًا، روى مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٨١٧) عن نافع بن الحارث أنه لقي عمر -﵁- بِعُسْفان، وكان عمر -﵁- يستعمله علي مكة، فقال: من استعملت علي أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ ! . قال: إنه قارئٌ لكتاب اللَّه ﷿، وإنه عالمٌ بالفرائضِ، قال عُمَرُ -﵁-: أما إن نبيكم -ﷺ- قد قال: "إِنَّ اللَّه يرفَعُ بهذا الكِتَاب أقْوَامًا ويضَعُ به آخَرِين".
[ ٣ / ٨٢ ]
قَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الذِي يَلِي ذَلِكَ، قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: انْظُرْ مَنْ كَانَ يَرَاهَا في حَيَاتِهَا، فَلْيَكُنْ هُوَ الذِي يُدْخِلُهَا القَبْرَ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: صَدَقْتُنَّ (١).
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أَمَرَ عُمَرُ مُنَادِيًا: أَلَّا لَا يَخْرُجْ عَلَى زَيْنَبَ إِلَّا ذُو رَحِمٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَلَا أُرِيَكَ شَيْئًا رَأَيْتُ الحَبَشَةَ تَصْنَعُهُ بِنِسَائِهِمْ؟ فَجَعَلَتْ نَعْشًا (٢) وَغَشِيَتْهُ ثَوْبًا.
فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَحْسَنَ هَذَا! وَأَسْتَرَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فنَادَى: أَنِ اخْرُجُوا عَلَى أُمِّكُمْ (٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦/ ٣٢٩).
(٢) النَّعْشُ: هو سَرِيرُ المَوْتى. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٠٢).
(٣) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٣٠١) - وانظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢١٣).
[ ٣ / ٨٣ ]
غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ (١) أَوِ المُرَيْسِيعِ (٢)
وَكَانَتْ في شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ (٣).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٩٥): أما المُصْطَلِقُ: فهو بِضَمِّ الميم وسكون المهملة وفتح الطاء المهملة وكسر اللام، وهو لقبٌ، واسمه جَذِيْمَةُ بن سعدِ بن عُمَر بن رَبِيعَة بن حَارِثَةَ، بطنٌ من بَنِي خُزَاعة.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٩١٥): وأما المُرَيْسِيعُ فبِضَمِّ الميم وفتح الراء: هو ماء لِبَنِي خُزَاعَةَ بينه وبين الفُرْع مَسِيرَة يوم، وقد روى الطبراني من حديث سفيان بن وبرة قال: كُنَّا مع النبي -ﷺ- في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ غزوةِ بَنِي المصطلق.
(٣) اختُلِفَ في زمَنِ هده الغَزْوَةِ، فعند ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٧): أنها سنة ست من الهجرة، وعلقه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة بني المصطلق. وعند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٨١) - وموسى ابن عقبة في مغازيه: أنها في شعبان من السنة الخامسة للهجرة. ووقع في صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب غزوة بني المصطلق: وقال موسى بن عقبة: سنة أربع. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٩٥): كذا ذكره البخاري، وكأنَّه سبقُ قَلَمٍ، أراد أن يكتُبَ سنةَ خمسٍ فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل (٤/ ٤٥) وغيرهم: سنة خمس. ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رَسُول اللَّهِ بني المصطلق، وبني لِحْيَان في شعبان سنة خمس. ورجح الحافظ في الفتح (٨/ ١٩٦): أنها في شعبان سنة خمس؛ لأنه ثبت في حَدِيثِ الإفكِ عند البخاري: أن سعدَ بنَ مُعَاذ -﵁- تنَازَعَ هو، وسعد بن عُبَادة -﵁- في شأن =
[ ٣ / ٨٤ ]
* سَبَبُهَا:
بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ الحَارِثَ بنَ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدَ بَنِي المُصْطَلِقِ، وَرَئِيسَهُمْ جَمَعَ قَوْمَهُ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَنْ قَدِرَ عَلَيْهِ مِنَ العَرَبِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بُرَيْدةَ بنَ الحُصَيْبِ -﵁-؛ لِيَعْلَمَ عِلْمَ ذَلِكَ، فَأَتَاهُمْ وَلَقِيَ الحَارِثَ بنَ ضِرَارٍ، وَكَلَّمَهُ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ جَمَعُوا الجُمُوعَ، قَالُوا: مَنِ الرَّجُلُ؟
قَالَ: مِنْكُمْ، قَدِمْتُ لَمَّا بَلَغَنِي مِنْ جَمْعِكُمْ لِهَذَا الرَّجُلِ فَأَسِيرُ فِي قَوْمِي وَمَنْ أَطَاعَنِي فنَكُونُ يَدًا وَاحِدًا حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ.
فَقَالَ الحَارِثُ: فَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ فَعَجِّلْ عَلَيْنَا، فَقَالَ بُرَيْدَةُ -﵁-: أَرْكَبُ الآنَ وَآتيكُمْ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِي، فَسُرُّوا بِذَلِكَ مِنْهُ، وَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ (١).
* خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ-:
فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ إِلَيْهِمْ، فَأَسْرَعُوا الخُرُوجَ، وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ
_________________
(١) = أصحابِ الإفك، فلو كان المُرَيْسِيعُ في شعبان سنة ست مع كون الإفْكِ كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ -﵁- غَلَطًا؛ لأن سعد بن معاذ -﵁- مات أيام قُرَيْظَة، وكانت سنة خمس علي الصحيح، وإن كانت كما قيل: سنة أربع فهي أشَدُّ، فيظهر أن المُرَيْسِيع كانت سنة خمس في شعبان؛ لتكون قد وقَعَتْ قبل الخنْدَقِ؛ لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ -﵁- موجودًا في المُرَيْسِيع، ورُمِيَ بعد ذلك بسهْمٍ في الخندق، وماتَ من جِرَاحَتِهِ في قُرَيْظَة.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣١٧) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٨١).
[ ٣ / ٨٥ ]
مُقَاتِلٍ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ فِي شَعْبَانَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ سَنَةَ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ، وَخَرَجَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ.
وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ (١)، وَقِيلَ: أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ (٢) ﵄.
وَكَانَ الحَارِثُ بنُ ضِرَارٍ سَيِّدُ بَنِي المُصْطَلِقِ قَدْ وَجَّهَ عَيْنًا لَهُ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَصَابَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- في طَرِيقِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ شَأْنِهِمْ شَيْئًا، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلَامَ فَأَبَى، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ الحَارِثَ مَسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنَّهُ قَتَلَ عَيْنَهُ سِيءَ بِذَلِكَ، وَمَنْ مَعَهُ، وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا، وَتَفَرَّقَ عَنْهُمْ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ العَرَبِ مِنْ غَيْرِ قَوْمِهِ.
* وُصُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المُرَيْسِيعِ:
وَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المُرَيْسِيعِ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ (٣)،
_________________
(١) هذه رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٨١).
(٢) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٧) -وفيه نظر لأن أبا ذَرٍّ -﵁- ما وفدَ على رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلا بعد الخندق.
(٣) غَارُّون: بفتح الغين وتشديد الراء: أي غافِلُون. انظر النهاية (٣/ ٣١٩).
[ ٣ / ٨٦ ]
وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيهِمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَّةَ ﵂ (١).
* رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ:
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- فنَادَى في النَّاسِ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَمْنَعُوا بِهَا أَنْفُسَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، فَأَبَوْا، فترَامَوْا بِالنَّبْلِ سَاعَةً، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ، فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، مِنْهُمْ حَامِلُ لِوَائِهِمْ (٢).
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيِّ فِي سِيرَتِهِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّمَا أَغَارَ عَلَيْهِمْ عَلَى الْمَاءَ، فَسَبَى ذَرَارِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ (٣).
* وَهْمُ ابنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ:
قُلْتُ: ذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (٤) رِوَايَةَ أَهْلِ المَغَازِي، وَرِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب العتق - باب من ملك من العرب رقيقًا - رقم الحديث (٢٥٤١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب جواز الإغارة على الكفار - رقم الحديث (١٧٣٠).
(٢) أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٧٨) - وأخرجه بنحوه ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٨).
(٣) انظر زاد المعاد (٢/ ٢٣٠).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨١).
[ ٣ / ٨٧ ]
التِي أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ: وَالأَوَّلُ -أَيْ رِوَايَةُ أَهْلِ المَغَازِي- أَثْبَتُ.
وَتَعَقَّبَهُ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١) بِقَوْلهِ: وَالحُكْمُ بِكَوْنِ الذِي فِي السِّيَرِ أَثْبَتُ مِمَّا فِي الصَّحِيحِ مَرْدُودٌ، وَلَاسِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الجَمْعِ، وَاللَّه أَعْلَمُ.
* جَمْعُ الغَنَائِمِ وَتَوْثِيقُ الأَسْرَى:
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بالأُسَارَى فَكُتِفُوا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ بُرَيْدَةَ بنَ الحُصَيْبِ -﵁-، وَأَمَرَ بِالغَنَائِمِ فَجُمِعَتْ مِنْ مَتَاعٍ وَسِلَاحٍ وَنَعَمٍ (٢) وَشَاءٍ (٣)، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا شُقْرَانَ مَوْلَاهُ، وَجَمَعَ الذُّرِّيَةَ في نَاحِيَةٍ، فكَانَتِ الإِبِلُ أَلْفَيْ بَعِيرٍ، وَالشَّاءُ خَمْسَةَ آلَافِ شَاةٍ، وَكَانَ السَّبْيُ مِائتَيْ أَهْلِ بَيْتٍ.
ثُمَّ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ كُلَّهُ في المَوْضِعِ الذِي غَنِمَهَا فِيهِ، فَأَخْرَجَ الخُمُسَ، ثُمَّ قَسَمَ البَاقِي بَيْنَ النَّاسِ، فَأَعْطَى الفَرَسَ سَهْمَيْنِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًّا، وفَرَّقَ السَّبْيَ فَصَارَ فِي أَيْدِي الرِّجَالِ، وَقَسَمَ النَّعَمَ وَالشَّاءَ (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ١٩٧).
(٢) النَّعَمْ: واحدة الأنعَامِ: وهي الإبل. انظر لسان العرب (١٤/ ٢١٢).
(٣) الشَّاء: جمع شاة، وتجمع أيضًا: شياه. انظر النهاية (٢/ ٤٦٦).
(٤) انظر تفاصيل ذلك في: سيرة ابن هشام (٣/ ٣١٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٤٦) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨١).
[ ٣ / ٨٨ ]
* زَوَاجُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂:
وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ مِنَ السَّبَايَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ بنِ أَبِي ضِرَارٍ رَئِيسِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَلَمَّا قَسَمَ السَّبْيَ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بنِ قَيْسٍ -﵁-، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَكَاتَبَتْ (١) عَلَى نَفْسِهَا، عَلَى تِسْعِ أَوَاقِي (٢) ذَهَبٍ، وَكَانَتِ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلَّاحَةً (٣)، لَا يَكَادُ يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا عَلَى بَابِ الحُجْرَةِ فَكَرِهْتُهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ الذِي رَأَيْتُ، فَقَالَتْ جُوَيْرِيَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ بنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ البَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَنْكَ، فَوَقَعْتُ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بنِ قَيْسِ بنِ شَمَّاسٍ -أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ- فكَاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي، فَجِئْتُكَ أَسْتَعِينُكَ عَلى كِتَابَتِي.
فَقَال لَهَا -ﷺ-: "فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ ".
قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
_________________
(١) المُكَاتَبَةُ: هو أن يكاتِبَ الرجل عبدَهُ على مالٍ يؤَدِّيه إليه مُفَرَّقًا، فإذا أدَّاه صار حُرًّا. انظر النهاية (٤/ ١٢٩).
(٢) الأُوقية: بضم الهمزة أربعون درهما. انظر النهاية (١/ ٨٠).
(٣) مُلَّاحة: أي شديدَةُ الحُسْنِ والجَمَال. انظر النهاية (٤/ ٣٠٣) - لسان العرب (١٣/ ١٧٠).
[ ٣ / ٨٩ ]
قَالَ -ﷺ-: "أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ".
قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ -ﷺ-: "قَدْ فَعَلْتُ".
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَخَرَجَ الخَبَرُ إِلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الحَارِثِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْي، فَأَعْتَقُوهُمْ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَقَدْ أُعْتِقَ بِتَزْوِيجِهِ -ﷺ- إِيَّاهَا مِئَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي المُصطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا (١).
* نُبْذَةٌ عَنْ جُوَيْرِيَةَ ﵂:
وَكَانَتْ جُوَيْرِيَةُ ﵂ حِينَ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِنْتَ عِشْرِينَ سَنَةً.
وَكَانَتْ ﵂ مِنَ الذَّاكِرَاتِ اللَّهَ كَثِيرًا، وَالْقَانِتَاتِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْهَا ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا
_________________
(١) أخرج قِصَّة زواج الرسول -ﷺ- من جويرية بنت الحارث ﵂: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٦٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣٦٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب الإباحة للإمام أن يتزوج بالمكاتبة - رقم الحديث (٤٠٥٤) - وأبو داود في سننه - كتاب العتق - باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة - رقم الحديث (٣٩٣١) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٩٠ ]
بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا (١)، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ التِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ -ﷺ-: "لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ" (٢).
وَتُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وخَمْسِينَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁-، وَصَلَّى عَلَيْهَا مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي المَدِينَةِ، وَكَانَ عُمُرُهَا حِينَ تُوُفِّيَتْ ﵂ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً (٣).
وَبِسَبَبِ زَوَاجِ الرَّسُولِ -ﷺ- منْ جُوَيْرِيَةِ ﵂، هَدَى اللَّهُ أَكْثَرَ بَنِي المُصْطَلِقِ إِلَى الإِسْلَامِ، فَقَدْ أَسْلَمَ أَبُوهَا الحَارِثُ، فَخَرَجَ دَاعِيًا لِقَوْمِهِ إِلَى الإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا (٤).
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ٣٦): أي موضع صلاتها.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الذكر والدعاء والتوبة - باب التسبيح أول النهار وعند النوم - رقم الحديث (٢٧٢٦).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٣٠٥) - الإصابة (٨/ ٧٤) - سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٦٣).
(٤) انظر شرح المواهب (٣/ ٣) - زاد المعاد (٣/ ٢٣٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨١) - سيرة ابن هشام (٣/ ٣١٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٤٤) - وفتح الباري (٥/ ٤٧٨).
[ ٣ / ٩١ ]
* سُؤَالُ الصَّحَابَةِ عَنِ العَزْلِ (١):
وَفِي هَذِهِ الغَزْوةِ سَأَلَ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ العَزْلِ، فكَأَنَّهُ كَرِهَهُ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْي العَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا العَزْلَ (٢)، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا نَعْزِلُ ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا (٣)، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنةٌ" (٤).
* سَبَبُ كَرَاهِيَةِ الْعَزْلِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَسَبَبُ كَرَاهِيَةِ العَزْلِ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: كَرَاهَةُ مَجِيءِ الوَلَدِ مِنَ الْأَمَةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنَفَةً مِنْ ذَلِكَ، وَإِمَّا لِئَلَّا
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٠): العزل: هو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج.
(٢) في رواية مسلم قال: فأرَدْنَا أن نستَمْتِعَ ونَعْزِلَ.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٨٥): أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا.
(٤) أخرج البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة بني المصطلق - رقم الحديث (٤١٣٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب حكم العزل - رقم الحديث (١٤٣٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٦٤٧).
[ ٣ / ٩٢ ]
يَتَعَذَّرَ بَيْعُ الْأَمَةِ إِذَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإمَّا لإِدْخَال ضَرَرٍ عَلَى المَرْأَة لمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ لَذَّتِهَا.
وَالثَّانِي: كَرَاهِيَةُ أَنْ تَحْمِلَ المَوْطُوءَةُ، وَهِيَ تُرْضِعُ فَيُضِرُّ ذَلِكَ بِالوَلَدِ المُرْضَعِ (١).
* شُهَدَاءُ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ:
وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، هُوَ هِشَامُ بنُ صُبَابَةَ مِنْ بَنِي كَلْبِ بنِ عَوْفٍ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ -﵁-، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقتَلَهُ خَطَأً.
ثُمَّ قَدِمَ أَخُوهُ مِقْيسُ بنُ صُبَابَةَ مِنْ مَكَّةَ مُسْلِمًا، فِيمَا يَظْهَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُ مُسْلِمًا، وَجِئْتُكَ أَطْلُبُ دِيَةَ أَخِي، قُتِلَ خَطَأً، فأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِدِيَةِ أَخِيهِ، فَأَخَذَ الدِّيَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ عَدَا عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، مُرْتَدًّا، فَأَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دَمَهُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقُتِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٢).
* دَوْرُ المُنَافِقِينَ القَذِرُ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ:
ذَكَرْنَا أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ المُنَافِقِينَ
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٣٨٤).
(٢) انظر الإصابة (٦/ ٤٢٢) - سيرة ابن هشام (٣/ ٣٢١) - البداية والنهاية (٤/ ٥٤٤).
[ ٣ / ٩٣ ]
لَمْ يَخْرُجُوا فِي غَزْوَةٍ قَطُّ مِثْلِهَا، فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ رَأْسُ المُنَافِقِينَ، وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُمْ رَغْبَةً فِي الجِهَادِ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا لِإِثَارَةِ الفِتْنَةِ وَالِارْتِبَاكِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
وَقَدْ حَدَثَ حَادِثَانِ عَظِيمَانِ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ بِسَبَبِ المُنَافِقِينَ:
* الحَادِثُ الأَوَّلُ: إِثَارَةُ الفِتْنَةِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ:
فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى ذَلِكَ المَاءَ، إِذِ ازْدَحَمَ رَجُلَانِ عَلَى المَاءَ، الأَوَّلُ مِنَ المُهَاجِرِينَ (١)، وَالثَّاني مِنَ الأَنْصَارِ (٢)، فَكَسَعَ (٣) المُهَاجِرِيُّ الأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَالَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟ ".
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ (٤)، لِيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ
_________________
(١) سمى ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٨) الرجل المهاجري: وهو جَهْجَاهُ بن سعيد، وقيل مسعود الغفاري، وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب -﵁- يقود له فرسه. وهو ممن شهد بيعة الرضوان -﵁-. انظر الإصابة (١/ ٦٢١).
(٢) سمى ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٨) الرجل الأنصاري: وهو سنان بن وبرة الجهني.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٦٤٤): الكَسْعُ: ضرب الدُّبُرِ باليَدِ أو بالرِّجْل.
(٤) النَّتْنُ: الرائحة الكريهة، ومعنى الحديث أن الدعوى بدعوى الجاهلية مذمومة في الشرع مجتَنَبَةٌ مكروهة، كما يُجْتَنَبُ الشيء النَّتِن. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٦) - النهاية (٥/ ١٢). قلت: جاء التَّحذِيرُ من الدعوةِ بدعوى الجاهلية في أحاديثَ كثيرةٍ منها: ما أخرجه =
[ ٣ / ٩٤ ]
مَظْلُومًّا، فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نُصْرَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ" (١).
* رَدَّةُ فِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقُ:
فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ رَأْسَ المُنَافِقِينَ فَغَضِبَ، وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ، فِيهِمْ زَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ -﵁-، فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قَدْ نَافَرُونَا (٢) وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاللَّهِ مَا أَعَدَّنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ إِلَّا كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ (٣).
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا
_________________
(١) = البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٢٩٤) (١٢٩٧) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٠٣) عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ليسَ مِنَّا من ضرَبَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودعا بدَعْوى الجاهِلِيَّة".
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - دون قوله -ﷺ-: "لينصُرَنَّ الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا" - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ - رقم الحديث (٤٩٠٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب البر والصلة - باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا - رقم الحديث (٢٥٨٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٦٧) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٢١٠).
(٣) نافرَه: غلَبَه. انظر النهاية (٥/ ٨٠).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ - رقم الحديث (٤٩٠٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٧٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٢٢٣) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٨).
[ ٣ / ٩٥ ]
بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إِلَى غَيْرِ دَارِكُمْ، فَلَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ (١).
* إِخْبَارُ زَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ (٢) -﵁- بِمَا قَالَ ابنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ:
فَسَمعَ ذَلِكَ زَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ -﵁-، قَالَ زَيْدٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي (٣)، فَذَكَرَهُ عَمِّي لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ -ﷺ-: "دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ - رقم الحديث (٤٩٠٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٧٢) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة المنافقين - رقم الحديث (٣٥٩٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٣٣٤) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٩).
(٢) زيدُ بن أرقَمٍ -﵁- من صِغَارِ الصحابة، استُصْغِرَ يوم أُحُدٍ، وكان يتيمًا في حجر عبد اللَّه بن رواحة -﵁-، وشهد مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- سبع عشرة غزوة، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٩٤٩) عن زيد بن أرقم -﵁- سُئِلَ: كم غَزَا النبي -ﷺ- من غزوَةٍ؟ قال: تِسْع عشرة، قيل كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة غزوة. وانظر الإصابة (٢/ ٤٨٨).
(٣) وقع في روايةِ الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٨٨٥): أن عمّه سعد بن عبادة -﵁-. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٦٣٩): وليس سعدُ بن عبادة -﵁- عمُّه حقيقةً، وإنما هو سيِّد قومه الخزرج، وعم زيدِ بن أرقم -﵁- الحقيقي ثابت بن قيسٍ -﵁- له صحبه، وعمُّه زوجُ أمِّه عبد اللَّه بن رَوَاحة -﵁- خزرجي أيضًا.
[ ٣ / ٩٦ ]
أَصْحَابَهُ" (١)، ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ وَأَصْحَابِهِ يَسْأَلُهُمْ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ -ﷺ- (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ زَيْدٌ: فَاجْتَهَدَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، وَقَالَ أَصْحَاُبهُ: كَذَبَ زَيْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣).
فنَظَرَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ -﵁-، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُول اللَّهِ! إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ الغُلَامُ، لِزَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ (٤).
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٦/ ١١٤): وفي هذا الحديث: ترك بعض الأمور المُخْتَارة، والصبر على بعض المفاسد خَوْفًا من أن تترتَّب على ذلك مفسدةٌ أعظم منه، وكان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يتألف النَّاس ويصبر على جفاءِ الأعراب والمنافقين وغيرهم؛ لتقْوَى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإِسلام، ويتمكن الإيمان في قلوب المؤلَّفَةِ ويَرْغَبَ غيرهم في الإِسلام، وكان يُعْطِيهِم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المُنَافقين لهذا المعنى، ولإظهار الإِسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، واللَّه يتولى السَّرائر؛ ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه -ﷺ-، ويجاهدون معه إما حمِيَّة، وإما لطلَبِ دُنيا أو عَصَبِيَّة لمن معه من عَشَائِرِهم.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ. . .﴾ - رقم الحديث (٤٩٠٠) - وباب ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ - رقم الحديث (٤٩٠١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٣٣٣) - والترمذي في جامعة - كتاب التفسير - باب ومن سورة المنافقين - رقم الحديث (٣٦٠٢) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُم. . .﴾ - رقم الحديث (٤٩٠٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٣٣٤).
(٤) أخرج ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٨٨٥) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٩٧ ]
قَالَ زَيْدٌ -﵁-: فَجَاءَ سَعْدٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي، فَقَالَ: هَذَا حَدَّثَنِي، فَانْتَهَرَنِي (١) عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ، فَأَجْهَشْتُ (٢) إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَبَكَيْتُ، فَقُلْتُ: وَالذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ النُّبُوَّةَ، لَقَدْ قَالَ.
قَالَ زَيْدٌ -﵁-: فَلَامَنِي قَوْمِي، وَقَالُوا: مَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا؟
قَالَ: فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطٌّ، وَجَلَسْتُ في بَيْتِي (٣)، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إلى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَمَقَتَكَ (٤).
* تَصَرُّفُ الرَّسُولِ -ﷺ-:
ثُمَّ تَصَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في هَذَا الحَادِثِ تَصَرُّفَ القَائِدِ المُلْهَمِ الحَكِيمِ. . وَأَمَرَ بِالسَّيْرِ في غَيْرِ أَوَانٍ، وَمُتَابَعَةَ السَّيْرِ حَتَّى الإِعْيَاءِ، لِيَصْرِفَ
_________________
(١) نهَرَهُ: زَجَرَهُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٠٤).
(٢) الجَهْشُ: أن يفزَع الإنسان إلى الإنسان ويلجَأَ إليه، وهو مع ذلك يُريد البكاء، كما يَفْزَعُ الصبي إلى أمه وأبيه. انظر النهاية (١/ ٣١٠).
(٣) قلتُ: ربما يفهم من قول زيد: "وجلستُ في بيتي" بيته في المدينة، والصحيح أن المقصود بها مكان رحل الرجل. وفي رواية النسائي في السنن الكبرى - رقم الحديث (١١٥٣٠) - قال زيد: وجلسْتُ في البيت مخَافَةَ إذا رآني النَّاس أن يقولوا: كَذَبْتَ.
(٤) المَقْتُ: أشدُّ البُغْضِ. انظر النهاية (٤/ ٢٩٥). وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب اتخذوا أيمانهم جنة - رقم الحديث (٤٩٠١) (٤٩٠٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٧٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٢٨٥) - (١٩٣٣٣) - (١٩٣٣٤) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٨٨٥).
[ ٣ / ٩٨ ]
النَّاسَ عَنِ العَصَبِيَّةِ المُنْتِنَةِ التِي أَثَارَهَا صِيَاحُ الرَّجُلَيْنِ المُتَقَاتِلَيْنِ: يِالَلْأَنْصَارِ! يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! وَليَصْرِفَهُمْ كَذَلِكَ عَنِ الفِتْنَةِ التِي أَطْلَقَهَا المُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وَأَرَادَهَا أَنْ تَحْرِقَ مَا بَيْنَ الأَنْصَارِ والمُهَاجِرِينَ مِنْ مَوَدَّةٍ وَإِخَاءٍ فَرِيدٍ فِي تَارِيخِ العَقَائِدِ، وَفِي تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ (١).
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالرَّحِيلِ فَوْرًا، وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَرْتَحِلُ فِيهَا، فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ -﵁-، فَحَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَامِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ مَا كُنْتَ تَرُوحُ فِي مِثْلِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَوَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ؟ ".
قَالَ: وَأَيُّ صَاحِبٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: "عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ".
قَالَ: وَمَا قَالَ؟
قَالَ -ﷺ-: "زَعَمَ أَنَّهُ إِنْ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ".
قَالَ أُسَيْدٌ -﵁-: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ تُخْرِجُهُ مِنْهَا إِنْ شِئْتَ، هُوَ وَاللَّهِ الذَّلِيلُ، وَأَنْتَ العَزِيزُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ارْفُقْ بِهِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ، وَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظُمُونَ لَهُ الخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّكَ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا (٢).
_________________
(١) انظر فِي ظلال القرآن لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٦/ ٣٥٧٨).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣١٩) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٥٣).
[ ٣ / ٩٩ ]
ثُمَّ مَشَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى أَمْسَى، وَلَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَدْرَ (١) يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى آذَتْهُمُ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الأَرْضِ، فَوَقَعُوا نِيَامًا.
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؛ لِيَشْغَلَ النَّاسَ عَنِ الحَدِيثِ الذِي كَانَ بِالأَمْسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ (٢).
وَبِهَذَا التَّصَرُّفِ البَالِغِ الغَايَةَ فِي السِّيَاسَةِ الرَّشيدَةِ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الفِتْنَةِ قَضَاءً مُبْرَمًا، وَلَمْ يَدَعْ مَجَالًا لِلْحَدِيثِ فِيمَا قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ (٣).
* نُزُولُ سُورَةِ المُنَافِقُونَ:
قَالَ زَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ -﵁-: فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ خَفَقْتُ (٤) بِرَأْسِي مِنَ الهَمِّ، إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَعَرَكَ (٥) أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهَا الخُلْدَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ -﵁- لَحِقَنِي، فَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟
قُلْتُ: مَا قَالَ لِيَ شَيْئًا، إِلَّا أَنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي، وَضَحِكَ فِي وَجْهِي.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَبْشِرْ، ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ -﵁-، فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلي لِأَبِي
_________________
(١) صَدْرَ كل شيء: أوَّلُه. انظر لسان العرب (٧/ ٢٩٩).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣١٩ - ٣٢٠) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٥٣).
(٣) انظر كتاب السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٢٥٥) للدكتور محمَّد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٤) يُقالُ: خفَقَ فلانًا خَفْقَة: إذا نامَ نومَةً خَفِيفة. انظر لسان العرب (٤/ ١٥٧).
(٥) عَرَكَ: دَلك. انظر لسان العرب (٩/ ١٦٨).
[ ٣ / ١٠٠ ]
بَكْرٍ -﵁-، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سُورَةَ المُنَافِقِينَ (١).
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ. . .﴾، ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قَالَ زَيْدٌ -﵁-: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّه ﷿ قَدْ صَدَّقَكَ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا الذِي أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ" (٤).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَيْ أَظْهَرَ صِدْقَهُ فِيمَا أَعْلَمَ بِهِ، وَالمَعْنَى أَوْفَى صِدْقَهُ (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك الترمذي في جامعة - كتاب التفسير - باب ومن سورة المنافقين - رقم الحديث (٣٦٠٠) - وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) سورة المنافقون آية (١ - ٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب اتخذوا أيمانهم جنة - رقم الحديث (٤٩٠١) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٢٨٥) - (١٩٣٣٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب وللَّه خزائن السموات والأرض - رقم الحديث (٤٩٠٦).
(٥) انظر فتح الباري (٩/ ٦٤٧).
[ ٣ / ١٠١ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - تَرْكُ مُؤَاخَذَةِ كُبَرَاءِ القَوْمِ بِالهَفَوَاتِ لِئَلَّا يَنْفِرَ أَتْبَاعُهُمْ.
٢ - وَفِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى مُعَاتَبَاتِهِمْ، وَقَبُولِ أَعْذَارِهِمْ، وَتَصْدِيقِ أَيْمَانِهِمْ، وَإِنْ كَانَتِ القَرَائِنُ تُرْشِدُ إلى خِلَافِ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْنِيسِ وَالتَّأْلِيفِ.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ تَبْلِيغِ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمَقُولِ فِيهِ، وَلَا يُعَدُّ نَمِيمَةً مَذْمُومَةً إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الإِفْسَادَ المُطْلَقَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تُرَجَّحُ عَلَى المَفْسَدَةِ فَلَا (١).
* مَوْتُ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ المُنَافِقِينَ:
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إلى المَدِينَةِ، وَسَلَكَ طَرِيقَ الحِجَازِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالحِجَازِ يُقَالُ لَهُ: بُقْعَاءُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَبَّتْ عَلَى النَّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ حَتَّى وَقَعَتِ الرِّحَالُ، وَتَخَوَّفُوهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَخَافُوهَا، هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ".
قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَإِذَا رِفَاعَةُ بنُ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ، أَحَدُ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ، مَاتَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ (٢).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٩/ ٦٤٠).
(٢) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٨٢) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب المعجزات - رقم =
[ ٣ / ١٠٢ ]
* عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَأْذِنُ فِي قَتْلِ أَبِيهِ المُنَافِقِ:
وَعِنْدَمَا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ -﵁- مَا قَالَهُ وَالِدُهُ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ أَبِي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ لَابُدَّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ، فَأَقْتُلَهُ، فَأَقْتُلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلْ نتَرَفَّقُ بِهِ، وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا" (١).
فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ -﵁- حَتَّى وَقَفَ لِأَبِيهِ عَلَى بَابِ المَدِينَةِ، فَلَمَّا رَآهُ أَنَاخَ بِهِ، وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَا تَجُوزُ مِنْ هَهُنَا حَتَّى يَأْذَنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِنَّهُ العَزِيزُ وَأَنْتَ الذَّلِيلُ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَذِنَ لَهُ، وَقَالَ: "دَعْهُ، فَلَعَمْرِي لَنُحْسِنَنَّ صُحْبَتَهُ مَا دَامَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا"، فَخَلَّى سَبِيلَهُ (٢).
_________________
(١) = الحديث (٦٥٠٠) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٣٧٨) - وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٥١٥) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٢٠).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٢٠).
(٣) أخرج ذلك الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة المنافقين - رقم =
[ ٣ / ١٠٣ ]
وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ -ﷺ- فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَدَخَلَ المَدِينَةَ لِهِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ (١).
* الحَادِثُ الثَّانِي: حَادِثُ الإِفْكِ:
وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ وَقَعَ حَادِثُ الإِفْكِ الذِي كَانَ أَعْظَمَ فِتْنَةٍ حَاكَهَا المُنَافِقُونَ، وَاسْتَبَاحَ ابْنُ سَلُولٍ لِنَفْسِهِ أَنْ يَرْمِيَ بِالفَحْشَاءَ سَيِّدَةً مِنْ خِيرَةِ النِّسَاءِ، وَهِيَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ (٢).
وَلنَتْرُكِ الصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ ﵂، تَرْوِي لَنَا حَدِيثَ الإِفْكِ كَامِلًا، كَمَا رَوَاهُ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ وَأَصْحَابُ السِّيَرِ وَالمَغَازِي، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَهُ.
فَلَمَّا كَانَ غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَخَرَجَ سَهْمِي عَلَيْهِنَّ مَعَهُ، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَمَا نَزَلَ الحِجَابُ (٣)، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي (٤) وَأَنْزِلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوَتِهِ
_________________
(١) = الحديث (٣٦٠٢) - وقال الترمذي: حديث حسن صحيح - وابن سعد فِي الطبقات الكبرى (٢/ ٢٨٢).
(٢) قاله ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٨٢).
(٣) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٢٨٨.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٢): أي بعد ما نزل الأمر بالحجاب، والمراد حجاب النساء عن رؤية الرجال لهن.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٢): الهودج: بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة: هو =
[ ٣ / ١٠٤ ]
تِلْكَ، وَقَفَلَ (١) رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ (٢) نَزَلَ فِي بَعْضِ المَنَازِلِ فَبَاتَ بِهِ بَعْضَ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ أَذِنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ (٣) حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ (٤) لِي مِنْ جَزْعِ (٥) ظفَارٍ (٦) قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ أَلْتَمِسُ عِقْدِي وَحبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ (٧) لِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ (٨) عَلَى بَعِيرِي الذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تَأْكُلُ العُلْقَةَ (٩) مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ (١٠)
_________________
(١) = محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه، يوضع على ظهر البعير يركب عليه النساء ليكون أستر لهن.
(٢) قفل: رجع. انظر النهاية (٤/ ٨٢).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٣): أي أن قصَّتَها وقعَتْ حالَ رُجوعهم من الغزوة قُرب دخولهم المدينة.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٣): أي لتقضِيَ حاجَتَها منفردة.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٣): العِقْد: بكسر العين قِلادَة تعلَّق فِي العُنُق للتزيين بها.
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٣): الجَزْع: بفتح الجيم وسكون الزاي، خرَزٌ معروف في سواده بياض كالعُرُوق.
(٧) قَالَ الحَافِظ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٣): فأما ظفَار: بفتح الظاء ثم فاء بعدها راء مبنية على الكسر: هي مدينة باليمن، وقيل: جبل.
(٨) قَالَ الحَافِظ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٤): يرحلون: بفتح أوله والتخفيف، رحلت البعير إذا شددت عليه الرحل.
(٩) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٤): رحلوه: أي وضعوه.
(١٠) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٥): العُلْقة: بضم العين: أي القليل.
(١١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٥): أي أنها مع نحافَتِهَا صغيرةُ السن، فذلك أبلغ في =
[ ٣ / ١٠٥ ]
فَبَعَثُوا (١) الجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ (٢)، فَأَمَّمْتُ (٣) مَنْزِلِي الذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، وَقَدْ تَلَفَّفْتُ بِجِلْبَابِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ (٤)
_________________
(١) = خِفَّتِها، ويستفاد من ذلك: أن الذين كانوا يرحلون بعيرها كانوا فِي غايَةِ الأدب معها، والمبالغة فِي ترك التنقيب عما فِي الهَوْدَج بحيث أنها لم تكن فيه، وهم يظنُّون أنها فيه، وكأنهم جَوَّزُوا أنها نائمة. ويحتمل أن تكون أشارت بذلك إِلَى بيان عُذْرِها فيما فعلته من الحرص على العقد الذي انقطع، ومن استقلالها بالتَّفْتِيشِ عليه فِي تلك الحال وترك إعلام أهلها بذلك، وذلك لِصِغَرِ سنها، وعدم تجاربها للأمور بخلاف ما لو كانت ليست صغيرة لكانت تتفطن لعاقبة ذلك، وقد وقع لها بعد ذلك فِي ضياع العقد أَيضًا أنها أعلمت النبي -ﷺ- بأمرِهِ، فأقام بالنَّاس على غير ماءٍ حَتَّى وجدته، ونزلت آية التيمم بسبب ذلك، فظهر تفاوت حال من جرب الشيء، ومن لم يجرِّبه. قلت: كان عُمْرُ عائشة ﵂ فِي هذه الغزوة خمس عشرة سنة.
(٢) فبعثوا الجَمَل: أي أثاروه. انظر النهاية (١/ ١٣٧).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٦): فإن قيل: لِمَ لَمْ تستصحب عائشة معها غيرها؛ ليكون أدعى لأمنها مما يَقَعُ للمنفرد، ولكانت لما تأخرت للبحث عن العقد تُرسل من رافقها لينتظروها إن أرادوا الرحيل؟ والجواب: أن هذا من جملة ما يستفاد من قولها: "حديثة السن"؛ لأنها لم تقع لها تَجْرِبة مثل ذلك، وقد صارت بعد ذلك إذا خرجت لحاجتها تستصحِبُ، كما سيأتي فِي قصتها مع أم مسطح.
(٤) أَمَّه: أي قصده. انظر النهاية (١/ ٧٠).
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٧): يحتمل أن يكون سببُ النَّوم شِدَّةُ الغَمِّ الذي حصل لها فِي تلك الحالة، ومن شأن الغم -وهو وقوع ما يكره- غلبة النوم، أو أن اللَّه ﷾ لطف بها، فألقى عليها النوم لتَسْتَرِيح من وحشة الانفراد فِي البرية بالليل.
[ ٣ / ١٠٦ ]
وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ (١) مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ، فَأَدْلَجَ (٢) فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي (٣)، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ (٤) حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ (٥) وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا، فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ (٦) فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاسُ قَالُوا مَا قَالُوا، وَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٧): صفوانُ بن المعطَّل بفتح الطاء المهملة المشددة، وكان صحابيًا فاضلًا، أول مشاهده عند الواقدي الخندق، وعند ابن الكلبي المريسيع.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٧): أدْلَجَ: بسكون الدال في روايتنا، وهو كادّلج بتشديدها، وقيل: بالسكون سار فِي أوله، وبالتشديد سارَ من آخِرِه، وعلى هذا فيكون الذي هنا بالتشديد؛ لأنه كان فِي آخر الليل، وكأنه تأخر فِي مكانه حَتَّى قرب الصبح فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش مما يُخْفِيه الليل.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٨): هذا يشعر بأن وجْهَهَا انكشف لما نَامَتْ؛ لأنه تقدم أنها تلفَّفت بجلبابها ونامَتْ، فلما انتبهت باسترجاع صفوان بادرت إِلَى تغطية وجهها.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٩): أي بقوله: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، وكأنه شَقَّ عليه ما جَرَى لعائشة، أو أنَّه اكتفى بالاسترجاع رافعًا به صوته عن مُخَاطَبَتِهَا بكلامٍ آخر صيانة لها عن المخاطبة فِي الجملة، وقد كان عمر -﵁- يَستعمِلُ التكبير عند إرادة الإيقاظ، وفيه دلالة على فِطْنَةِ صفوان وحُسْنِ أدبه -﵁-.
(٥) خمَّرْتُ: أي غَطَّيْتُ. انظر النهاية (٢/ ٧٣).
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٠): مُوغِرِين: بضم الميم وكسر الغين: أي نازِلِين فِي وقتِ الوَغْرَة بفتح الواو وسكون الغين، وهي شِدَّةُ الحَرِّ لما تكون الشَّمس فِي كَبِدِ السماء.
[ ٣ / ١٠٧ ]
ثُمَّ قَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ (١) فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اللُّطْفَ (٢) الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي (٣)، إِنَّمَا يدخلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ "، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الذِي يُرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ (٤)، فَخَرَجَتْ مَعِيَ أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ (٥)، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ (٦) قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ (٧) بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ (٨)، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠١): يُفِيضُون: بضم أوله: أي يخوضون.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠١): اللُّطف: بضم أوله وسكون ثانيه، والمراد الرِّفْق.
(٣) أشْتَكِي: أي أمرض. قاله الحافظ في الفتح (٩/ ٤٠١).
(٤) نقِهَ المريضُ: بفتح النون وفتح القاف وقد تكسر إذا بَرِئ وأفاق. انظر النهاية (٥/ ٩٧).
(٥) المَنَاصع: هي المواضع التي يُتَخَلَّى فيه لقضاء الحاجة. انظر النهاية (٥/ ٥٦).
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٢): الكُنُف: بضمتين جمع كنيف، وهو الساتر، والمراد به هنا المكان المتخذ لقضاء الحاجة.
(٧) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٢): رُهمٍ: بضم الراء وسكون الهاء.
(٨) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٢): مِسْطَح: بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء، وهو لقب واسمه عوف وقيل عمر، والأول هو المعتمد، وقد أخرج الحاكم من حديث ابن عباس قال: قال أبو بكر يُعاتب مسطحًا فِي قصة عائشة: =
[ ٣ / ١٠٨ ]
فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا (١)، فَقَالَتْ: تَعِسَ (٢) مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟
فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ (٣) أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ (٤).
قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟
قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ (٥)، . . . .
_________________
(١) = يا عوف ويحك هل لا قلتَ عارفة من الكلام ولم تبتغ به طمعًا وَكَانَ هو وأمُّه من المهاجرين الأولين، وشهد مِسْطَح بدرًا، وكان أبوه مات وهو صَغِير، فكفله أبو بكر -﵁- لِقَرَابة أمِّ مِسطح منه، وكانت وفاة مِسطح سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وثلاثين بعد أن شهد صفين مع علي -﵁-.
(٢) المِرْط: بكسر الميم: هو كساء من صوف. انظر النهاية (٤/ ٢٧٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٣): وهذه ظاهره أنها عَثَرَتْ بعد أن قضت عائشة حاجتها ثم أخبرتها الخبر بعد ذلك، لكن وقع فِي رواية هشام بن عروة فِي صحيح البخاري: أنها عثَرَتْ قبل أن تقضي عائشة حاجتها، وأنها لما أخبرتها الخبر رجعت كأن الذي خرجت له لا تَجِدْ منه لا قَلِيلًا ولا كثيرًا، وكذا وقع فِي رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٢٧) قالت: فواللَّه ما قدرت أن أقضي حاجتي. ويجمع بينهما بأن معنى قولها: . "وقد فَرَغْنَا من شأننا": أي من شأن المَسِيرِ، لا قضاء الحاجة.
(٣) تَعِسَ: بفتح التاء وكسر العين: إذا عَثِرَ وانْكَبَّ لوجهه، وهو دُعَاءٌ عليه بالهلاك. انظر النهاية (١/ ١٨٦).
(٤) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ٩٠): هَنْتَاهُ: بفتح الهاء وسكون النون أي يَا هَذِهِ، وقيل: يَا امرَأَه.
(٥) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٧٥٧) قالت: إن مسطح: واللَّه ما أسُبُّه إِلَّا فيكِ.
(٦) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٧٥٧) قالت عائشة: فَبَقَرَتْ لِيَ الحديث.
[ ٣ / ١٠٩ ]
فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي (١).
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ ".
فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟
قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ (٢)، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطٌّ وَضِيئَةٌ (٣) عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا (٤).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٤): وعند الطبراني بإسناد صحيح قالت عائشة: لما بلغني ما تكلموا به همَمْتُ أن آتي قَلِيبًا فأطرَحَ نَفْسِي فيه.
(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٧٥٧) قالت أم رومان: يَا بُنَيَّة خفِّضي عليك الشأن.
(٣) وضِيئَة: بوزن عظيمة من الوَضَاءَة أي حسنة جميلة. قاله الحافظ في الفتح (٩/ ٤٠٤). وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٧٥٧) قالت أم رومان: فإنَّه واللَّه لَقَلَّما كانت امرأة قَطٌّ حسناء.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٤): أي القول فِي عَيْبِها. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٧٥٧) قالت أم رومان: إِلَّا حَسَدْنَها وقيل فيها. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٤): وفي هذا الكلام من فِطْنة أمها، وحُسْنِ تأتيها فِي تربيتها ما لا مَزِيد عليه، فإنَّها علمت أن ذلك يَعْظُم عليها فهوَّنت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرد بذلك؛ لأن المرء يتَأَسَّى بغيره فيما يقع له، وأدمَجَتْ فِي ذلك ما تُطَيِّب به خاطرها من أنها فائِقَة فِي الجمال والحظوة.
[ ٣ / ١١٠ ]
قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَلقدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لِأُمِّهَا: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟
قَالَتْ: نَعَمْ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهُوَ فِي البَيْتِ يَقْرَأُ، فنَزَلَ فَقَالَ لِأُمِّي: مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَيَّةُ إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكَ فَرَجَعْتُ (١).
* لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ:
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ الذِي أَخْبَرَ عَائِشَةَ ﵂ بِحَدِيثِ الإِفْكِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ رُومَانَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا قَاعِدَةٌ أَنَا وَعَائِشَةُ، إِذْ وَلَجَتِ (٢) امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: فَعَلَ اللَّهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ بِفُلَانٍ، فَقَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: وَمَا ذَاكَ؟
قَالَتْ: ابْنِي فِيمَنْ حَدَّثَ الحَدِيثَ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ كَذَا وَكَذَا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب رقم (١٢) - رقم الحديث (٤٧٥٧).
(٢) وَلَجَتْ: أي دَخَلَت. انظر النهاية (٥/ ١٩٦).
[ ٣ / ١١١ ]
قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ، فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتُهَا (١).
قَالَتْ ﵂: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ (٢) لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي.
* مُشَاوَرَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄:
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث الإفك - رقم الحديث (٤١٤٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٥): طرُق حديث الإفك مجتمعة على أن عائشة بلغها الخبر من أم مِسطح، لكن وقع فِي حديث أمِّ رومان ما يُخالف ذلك، وطريق الجمع بينهما: أنها سمعت ذلك أوَّلًا من أم مسطح، ثم ذهبت لبيتِ أمها لتستيقن الخبر منها فأخبرتها أمها بالأمر مجملًا كما مضى من قولها: هوني عليك وما أشبه ذلك، ثم دخلت عليها الأنصارية، فأخبرتها بمثل ذلك بحضرةِ أمها، فقَوِيَ عندها القطع بوُقوع ذلك، فسألت هل سمعه أبوها وزوجها؟ ترجيًا منها أن لا يكونا سَمِعَا ذلك ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها أنهما سمعاه غُشِيَ عليها.
(٢) لا يَرْقَأُ: أي لا ينقَطِع: انظر النهاية (٢/ ٢٢٦).
[ ٣ / ١١٢ ]
وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ (١) حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ (٢)، يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ.
قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَهْلُكَ، وَمَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا.
وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ (٣)، وَإِنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ.
قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَرِيرَةَ: فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يُرِيبُكِ؟ ".
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٧): والعلَّة فِي اختصاص عليٍّ وأسامة ﵄: بالمشاورة أن عَلِيًّا كان عنده كالوَلَدِ؛ لأنه ربَّاه من حال صغره ثم لم يُفارقه، بل وازداد اتصاله بتزويج فاطمة، فلذلك كان مخصوصًا بالمشاورة فيما يتعلَّق بأهله لمزيدِ اطِّلاعه على أحواله أكثر من غيره، وكان أهل مشورته فيما يتعلق بالأمور العامَّة أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر ﵄، وأما أُسامة فهو كعلي فِي طول الملازمة ومزيدِ الاختصاص والمحبة، ولذلك كانوا يطلقون عليه أنَّه حِبَّ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وخصه دون أَبيه وأمه لكونه كان شَابًا كعلي، وذلك أن للشاب من صَفَاء الذهن ما ليس لغيره، ولأنه أكثر جُرأة على الجَوَاب بما يظهر له من المُسِنِّ؛ لأن المُسِنَّ غالبًا يُحسن العاقبة فربما أخفى بعض ما يَظهر له رعاية للقائل تارةً، والمسؤولِ عنه أُخرى، مع ما ورد فِي بعض الأخبار أنَّه استشار غيرهما.
(٢) استلبَثَ الوحيُ: أي أبطأ وتأخَّر. انظر النهاية (٤/ ١٩٤).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٧): هذا الكلام الذي قاله عليٌّ -﵁- حمله عليه ترجيحِ جَانِبِ النبي -ﷺ- لما رأى عنده من القلق والغَمِّ بسبب القول الذي قِيل، وكان -ﷺ- شديدَ الغَيْرَة، فرأى عليٌّ أنَّه إذا فارقها سَكَنَ ما عنده من القلق بسببها إِلَى أن يتحقق براءَتَها فيمكن رجعتها، ويُستفاد منه ارتكاب أخف الضررين لذهابِ أشدِّهما.
[ ٣ / ١١٣ ]
قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أُغْمِصُهُ (١) عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ (٢) فَتَأْكُلُهُ (٣).
فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ (٤)، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى صَفْوَانَ بنَ المُعَطَّلِ -﵁- فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ (٥) أُنْثَى قَطُّ (٦).
_________________
(١) أُغمِصُهُ: أي أعيبه. انظر النهاية (٣/ ٣٤٧).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٠٩): الدَّاجِنُ: هي الشاةُ التي تألفُ البيت ولا تَخرج إِلَى المَرْعى، وقيل هي كل ما يألفُ البيوت مُطلقًا شاة أو طَيْرًا.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ - رقم الحديث (٤٧٥٠).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤٠٨): أي حَتَّى صرَّحوا لها بالأمر، فلهذا تعجَّبت، وقالت: سبحان اللَّه.
(٥) قال النووي في شرح مسلم (١٧/ ٩٥): الكَنَفُ: بفتح الكاف والنون: أي ثَوبها الذي يستُرها، وهو كِناية عن عدم جِماع النساء.
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب رقم (١٢) - رقم الحديث (٤٧٥٧) - وفي رواية أبي سعيد بن أبي هلال عن هشام بن عروة فِي قِصَّة الإفك قال: إن الرَّجل الذي قيل فيه ما قيل لما بلغَهُ الحديث قال: واللَّه ما أَصَبْتُ امرأةً قَطُّ حلالًا ولا حَرَامًا. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٨): فالذي يظهر أن مُراده بالنفي المذكور ما قَبْلَ هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك. فهذا الجَمْعُ لا اعتراض عليه إِلَّا بما جاء عن ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٤): أنَّه كان حَصُورًا -وهو الذي لا يأتي النساء- لكنه لم يثبت فلا يُعارض الحديث الصحيح. =
[ ٣ / ١١٤ ]
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا -يَعْنِي صَفْوَانَ بنَ المُعَطَّلِ -﵁- مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي".
فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضرَبْتُ عُنُقَهُ (١)، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ، أمَرْتَنَا ففعَلنَا أمْرَكَ.
_________________
(١) = قلتُ: وقع عندَ الطحاوي في شرح مُشكل الآثار - رقم الحديث (٢٠٤٤) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (١٤٨٨) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (٢٤٥٩) بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي سعيد الخُدرِيّ -﵁- أنَّه قال: جاءت امرأةُ صفوانَ بن المعطَّل إِلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فقالت: يَا رَسُول اللَّهِ إن صفوان بن المعطَّل يضرِبُنِي إذا صلَّيْتُ، ويُفطِّرني إذا صُمت ولا يُصلي صلاة الفجر حَتَّى تطلُعَ الشَّمس - وصفوانُ عند رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فقال صفوان: . . . وأما قولها يُفَطِّرني إذا صمت، فإنَّها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابٌّ لا أصْبِرُ، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: يومئذ: "لا تَصُومَنَّ امرأةٌ إِلَّا بإذن زوجها"، وأما قولها: لا أُصَلِّي حَتَّى تطلع الشَّمس، فإنا أهل بيتٍ قد عُرِف لنا ذَاك، لا نستيقظ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس. . . الحديث. والإشكالُ هنا: قول صفوان -﵁-: وأنا رجُلٌ شابٌّ لا أصبر. قال الإِمام الذهبي في السير (٢/ ٥٥٠) فهذا بَعيدٌ من حال صَفوان أن يكون كذلك، وقد جعله النبي -ﷺ- على ساقَةِ الجيش، فلعله آخرُ باسمه. وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٨): المَقُول فيه ذلك غير صَفوان، وهو المعتمد إن شاء اللَّه تَعَالَى.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤١١): إنما قال سعد -﵁- ذلك لأنه كان سيّدهم، فجزم بأن حكمه فيهم نافِذٌ.
[ ٣ / ١١٥ ]
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَقَامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁-، سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ (١)، فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ.
فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ -﵁-، وَهُوَ ابنُ عَمِّ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ -﵁-، فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ -﵁-: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَكَثْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ (٢) لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا (٣) لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، يَظُنَّانِ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقُ كَبِدِي، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ
_________________
(١) قال ابن التين فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٩/ ٤١٣): أي لم يتقدَّم منه ما يتعلَّق بالوقُوف مع أنفة الحَمِيَّة، ولم ترد أنَّه ناضَل عن المنافقين.
(٢) لا يَرْقأ: أي لا ينقطع. انظر النهاية (٢/ ٢٢٦).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤١٤): أي الليلة التي أخبرتها فيها أم مسطح الخَبَر، واليوم الذي خَطَب فيه النبي -ﷺ- النَّاس، والليلةَ التي تليه.
[ ٣ / ١١٦ ]
فِي شَأْنِي. قَالَتْ: فتَشَهَّدَ (١) رَسُولُ اللَّهِ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا (٢)، فَإِنْ كنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ (٣)، وَإنْ كنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّه وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ".
قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَقَالَتَهُ قَلَصَ (٤) دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا قَالَ.
قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا قَالَ.
قَالَتْ أُمِّي: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآن (٥): إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٧٥٧) قالت عائشة ﵂: فحمد اللَّه وأثنى عليه.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤١٥): هو كناية عما رُميت به من الإفك، ولم أرَ فِي شيء من الطرق التَّصريح.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤١٥): أي بِوَحْي ينزله بذلك قرآنًا أو غيره.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤١٦): قَلَص: بفتح القاف والام: أي استمسك نُزُوله فانقطع.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤١٦): قالت عائشة ﵂ هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر إسم يعقوب ﵇ كما سيأتي.
[ ٣ / ١١٧ ]
قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا -وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبٍ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ- إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١).
قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّه يُبَرِّئُنِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّه مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى (٢)، وَلَشَأَنْي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ (٤)، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ (٥) مِنَ العَرَقِ، وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ (٦).
_________________
(١) سورة يوسف آية (١٨).
(٢) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٢٩): قالت ﵂: يقرأ به فِي المساجد، ويُصلى به.
(٣) رام: أي فارق. انظر النهاية (٢/ ٢٦٣).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٤١٧): البرحاء: بضم الموحدة وفتح الراء: هي شدة الحمى، وقيل شدة الكرب، وقيل شدة الحر. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٠): فسُجي بثوبه وَوُضِعَتْ تحت رأسه وسادة من أدم.
(٥) الجُمان: بضم الجيم وتخفيف الميم، هو اللؤللؤ. انظر النهاية (١/ ٢٩١).
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ - رقم الحديث (٤٧٥٠).
[ ٣ / ١١٨ ]
قَالَتْ: فَأَمَّا أَنَا حِينَ رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ، فَوَاللَّهِ مَا فَزِعْتُ وَلَا بَالَيْتُ، قَدْ عَرَفْتُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّه ﷿ غَيْرُ ظَالِمِي، وَأَمَّا أَبَوَايَ، فَوَالذِي نَفْسُ عَائِشَةَ بِيَدِهِ مَا سُرِّيَ (١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَخْرُجَنَّ أَنْفُسُهُمَا، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ تَحْقِيقُ مَا قَالَ النَّاسُ.
فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللَّهُ ﷿ فَقَدْ بَرَّأَكِ" (٢).
فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ.
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ ﷿.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ (٣) عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤) (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤١٨): سُرِّي: بضم السين وتشديد الراء المكسورة: أي كشف.
(٢) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٠).
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تفسيره (٦/ ٢٥): أي بالكذب والبهت والافتراء.
(٤) هو عبد اللَّه بن أُبي بن سلول قبحه اللَّه.
[ ٣ / ١١٩ ]
عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
* إِقَامَةُ الحَدِّ عَلَى مَنْ أَشَاعَ حَدِيثَ الإِفْكِ:
فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ ﵂، خرج رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَسْجِدِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ القُرْآنِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ، وَحَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانُوا مِمَّنْ أَفْصَحَ بِالفَاحِشَةِ، فَضُرِبُوا حَدَّ القَذْفِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ، وَتَلَا القُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ، فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ (٢).
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . فَأَمَرَ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَةً، فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ، وَهُمْ:
_________________
(١) الآيات من سورة النور من آية (١١ - ١٩)
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٠٦٦) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الحدود - باب في حد القذف - رقم الحديث (٤٧٤٤).
[ ٣ / ١٢٠ ]
حَسَّانُ، وَمِسْطَحُ، وَحَمْنَةُ (١).
* تَرْكُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ:
وَتُرِكَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقُ، وَلمْ يُحَدَّ، مَعَ أَنَّهُ رَأْسُ أَهْلِ الإِفْكِ، فَقِيلَ: لِأَنَّ الحُدُودَ تَخْفِيفٌ عَنْ أَهْلِهَا وَكَفَّارَةٌ، وَالخَبِيثُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ بِالعَذَابِ العَظِيمِ فِي الآخِرَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَسْتَوْشِي (٣) الحَدِيثَ، وَيَجْمَعُهُ وَيَحْكِيهِ، وَيُخْرِجُهُ فِي قَوَالِبَ مَنْ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ (٤).
* اعْتِذَارُ حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ -﵁-:
وَقَدِ اعْتَذَرَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ -﵁- لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، قُلْتُ -القَائِلُ مَسْرُوقٌ-: أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا؟
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٩٦٣)، وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الحدود - باب في حد القذف - رقم الحديث (٤٤٧٥) عن محمَّد بن إسحاق بهذا الحديث إِلَّا أنَّه لم يذكر عائشة.
(٢) انظر زاد المعاد (٣/ ٢٣٦).
(٣) يستوشي: أي يستخرج الحديث بالبحث عنه. انظر النهاية (٥/ ١٦٥).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب (١٢) - رقم الحديث (٤٧٥٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب فِي حديث الإفك - رقم الحديث (٢٧٧٠) (٥٨) من حديث عائشة ﵂.
[ ٣ / ١٢١ ]
قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟
فَقَالَ حَسَّانٌ -﵁- يَمْدَحُ عَائِشَةَ ﵂:
حَصَانٌ (١) رَزَانٌ (٢) مَا تُزَنُّ (٣) بَرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى (٤) مِنْ لُحُومِ الْغَوافِلِ (٥)
عَقِيلةُ (٦) حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بنِ غَالِبٍ كِرَامِ المَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيْمَهَا (٧) وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
حَلَيْلَةُ خَيْرِ الخَلْقِ دِينًا وَمَنْصِبًا نَبِيِّ الهُدَى وَالمَكْرُمَاتِ الفَوَاضِلِ
رَأَيْتُكِ وَلْيَغْفِرْ لَكِ اللَّهِ حُرَّةً مِنَ المُحْصَنَاتِ غَيْرَ ذَاتِ الغَوَائِلِ (٨)
_________________
(١) الحصان: بفتح الحاء المرأة العفيفة. انظر النهاية (١/ ٣٨٢). ومنه قوله تَعَالَى فِي سورة النساء آية (٢٤): ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
(٢) يُقال: امرأة رزان بالفتح، ورزينة، إذا كانت ذات ثبات ووقار وسكون. انظر النهاية (٢/ ٢٠١).
(٣) ما تُزَن: أي ما تتهم. انظر النهاية (٢/ ٢٨٥).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٢٩): غَرثى: بفتح الغين وسكون الراء: أي خميصة البطن أي لا تغتاب أحد.
(٥) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٢٩): الغوافل: جمع غافلة، وهي الغافلة عن الشر، والمراد تبرئتها من اغتياب النَّاس بأكل لحومهم من الغيبة. إِلى هذا القدر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ - رقم الحديث (٤٧٥٥).
(٦) العقيلة من النساء: الكريمة. انظر لسان العرب (٩/ ٣٣٠).
(٧) الخِيْم: بكسر الخاء: الأصل. انظر فتح الباري (٩/ ٤٣٠).
(٨) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٣٤).
[ ٣ / ١٢٢ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ (١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ -ﷺ-: "كَيْفَ بِنَسَبِي؟ ".
قَالَ حَسَّانُ -﵁-: لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ (٢).
* شِدَّةُ وَرَعِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂:
أَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵂ فَقَدْ عَصَمَهَا اللَّهُ (٣) بِلِسَانِهَا، فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ. . . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنْ أَمْرِي فَقَالَ: "يَا زَيْنَبُ، مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيتِ؟ ".
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَهِيَ التِي كَانَتْ تُسَامِينِي (٤) مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ، وَطَفِقَتْ (٥) أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا (٦)، فَهَلَكَتْ
_________________
(١) ينافح: يدافع. انظر النهاية (٥/ ٧٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث الإفك - رقم الحديث (٤١٤٥).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٢٠): عصمها اللَّه: أي حفظها ومنعها.
(٤) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ٩٥): تساميني: أي تفاخرني وتشاهيني بجمالها ومكانها عند النَّبي -ﷺ-.
(٥) طَفِقت: بكسر الفاء: أي جعلت. انظر لسان العرب (٨/ ١٧٤).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٢٠): تحارب لها: أي تجادل لها وتتعصب لها.
[ ٣ / ١٢٣ ]
فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الإِفْكِ (١)
* حِفْظُ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁- لِسَانَهُ:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ عِنْدَمَا سَمِعَ هَذِهِ الفِرْيَةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَعَ عِنْدَ ابنِ إِسْحَاقَ (٣) أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ فِي طُرُقِ حَدِيثِ الإِفْكِ، مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الخُرَسَانِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ - رقم الحديث (٤٧٥٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب في حديث الإفك - رقم الحديث (٢٧٧٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الإعتصام - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ - رقم الحديث (٧٣٧٠).
(٣) قال ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٠): أَنَّ أَبا أَيُّوب خالد بن زيد -﵁-، قالت له امرأته أم أيوب: يَا أَبا أَيُّوب، ألا تسمع ما يقول النَّاس فِي عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت يَا أم أَيُّوب فاعلة؟ قالت: لا، واللَّه ما كنت لأفعله؟ قال: فعائشة واللَّه خير منك.
(٤) انظر فتح الباري (١٥/ ٢٨٨).
[ ٣ / ١٢٤ ]
* أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- يُمْسِكُ النَّفَقَةَ عَنْ مِسْطَحٍ ثُمَّ يُرْجِعُهَا:
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ (١) وَفَقْرِهِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عُذْرَ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْفَعُهُ بِنَفْعٍ أَبَدًا، بَعْدَ الذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، وَأَدْخَلَ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ (٢) أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ التِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ -﵁-: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبْدًا (٤).
وَفِي هَذَا المَوْقِفِ نَطَّلِعُ عَلَى أُفُقٍ عَالٍ مِنْ آفَاقِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ، التِي تَطَهَّرَتْ بِنُورِ اللَّهِ. . . أُفُقٌ يُشْرِقُ فِي نَفْسِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، أَبِي بَكْرٍ الذِي سَمِعَ حَدِيثَ الإِفْكِ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِهِ، وَالذِي احْتَمَلَ مَرَارَةَ الِاتِّهَامِ لِبيْتِهِ وَعِرْضِهِ، فَمَا يَكَادُ يَسْمَعُ دَعْوَةَ رَبِّهِ إِلَى العَفْوِ، وَمَا يَكَادُ يَلْمَسُ وُجْدَانَهُ ذَلِكَ السُّؤَالُ
_________________
(١) أم مسطح تكون بنت خالة أبي بكر الصديق -﵁-. انظر الإصابة (٦/ ٧٤).
(٢) ولا يأتل: أي ولا يحلف. انظر تفسير ابن كثير (٦/ ٣١).
(٣) سورة النور آية (٢٢).
(٤) أخرج قصة إعادة نفقة أبي بكر الصديق -﵁- على مسطح -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ - رقم الحديث (٤٧٥٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب فِي حديث الإفك - رقم الحديث (٢٧٧٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣١٧).
[ ٣ / ١٢٥ ]
المُوْحِي: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾؟ حَتَّى يَرْتَفِعَ عَلَى الْآلَامِ، وَيَرْتَفِعُ عَلَى مَشَاعِرِ الإِنْسَانِ، وَيَرْتَفِعُ عَلَى مَنْطِقِ البِيئَةِ، وَحَتَّى تَشُفَّ رُوحُهُ وَتَرُفَّ وَتُشْرِقَ بِنُورِ اللَّهِ، فَإِذَا هُوَ يُلَبِّي دَاعِيَ اللَّهِ فِي طُمَأْنِينَةٍ وَصِدْقٍ يَقُولُ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، وَيُعِيدُ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ التِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَيَحْلِفُ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.
ذَلِكَ مُقَابِلَ مَا حَلَفَ: وَاللَّهِ لَا أَنْفَعُهُ بِنَافِعَةٍ أَبَدًا.
وَبِذَلِكَ يُزِيلُ اللَّهُ تَعَالَى الآلَامَ عَنْ ذَلِكَ القَلْبِ الكَبِيرِ، وَيَغْسِلُهُ مِنْ أَوْضَارِ (١) المَعْرَكَةِ، لِيَبْقَى أَبَدًا نَظِيفًا طَاهِرًا زَكِيًّا مُشْرِقًا بِالنُّورِ. . . (٢).
* هَلْ نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فِي المُرَيْسِيعِ؟:
وَقِيلَ إِنَّ فِي غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَدْ فَقَدَتْ عَائِشَةُ ﵂ عِقْدَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، فَاحْتَبَسَ المُسْلِمُونَ فِي طَلَبِهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ (٣) حَتَّى إِذَا كُنَّا
_________________
(١) أوضار المعركة: أي شدة المعركة. انظر لسان العرب (٨/ ٤٥).
(٢) انظر في ظلال القرآن لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٤/ ٢٥٠٥).
(٣) قال ابن عبد البر في التمهيد فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١/ ٥٧٤): يُقال: إن ذلك =
[ ٣ / ١٢٦ ]
بِالبَيْدَاءِ (١) -أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي (٢)، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟، أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- والنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ (٣) وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعَنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ -ﷺ- حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
_________________
(١) = كان في غزوة بني المصطلق، وجزم بذلك فِي "الاستذكار"، وسبقه إِلى ذلك ابن سعد وابن حبان، وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أَيضًا. قال الحافظ: فإن كان ما جزموا به ثابتًا حمل على أنَّه سقط منها العقد فِي تلك السفرة مرتين لاختلاف القصتين كما هو مبين فِي سياقها.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٧٥): البيداء: موضع بين مكة والمدينة.
(٣) قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٧٥): العقد: القلادة. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٣٦) قالت عائشة ﵂: أنها إستعارت قلادة من أسماء يعني أختها، فهلكت: أي ضاعت. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٥٧٨): والجمع بينهما أن إضافة القلادة إِلَى عائشة لكونها فِي يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٥٧٦): والنكتة فِي قول عائشة: "فعاتبني أبو بكر"، ولم تقل أبي؛ لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغاير لذلك فِي الظاهر، فلذلك أنزلته منزل الأجنبي فلم تقل أبي.
[ ٣ / ١٢٧ ]
تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ (١) ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾.
فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ -﵁-: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ (٢)، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ (٣).
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ العِقْدِ التِي نَزَلَ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِهَا بَعْدَ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَكِنْ فِيهَا كَانَتْ قِصَّةُ الإِفْكِ بِسَبَبِ فَقْدِ العِقْدِ وَالْتِمَاسِهِ، فَالْتَبَسَ عَلَى بَعْضِهِمْ إِحْدَى القِصَّتَيْنِ بِالأُخْرَى (٤).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الإِفْكِ (٥).
_________________
(١) آية التيمم هي الآية رقم (٦) من سورة المائدة وهي قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
(٢) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري رقم الحديث (٣٣٦) قال أسيد بن حضير -﵁- لعائشة: جزاك اللَّه خيرًا، فواللَّه ما نزل بك أمر تكرهينه إِلَّا جعل اللَّه ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التيمم - رقم الحديث (٣٣٤) - وأخرجه مسلم فِي صحيحه - كتاب الحيض - باب التيمم - رقم الحديث (٣٦٧) - وأخرجه الإِمام أحمد فِي مسنده - رقم الحديث (٢٥٤٥٥).
(٤) انظر زاد المعاد لابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٣/ ٢٣١).
(٥) انظر فتح الباري (١/ ٥٧٨).
[ ٣ / ١٢٨ ]
قُلْتُ: وَالذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ أَنَّ آيَةَ التَّيَمُّمِ نَزَلَتْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الغَزْوَةِ لِمُخَالَفَتِهَا قِصَّةَ الإِفْكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* الفَوَائِدُ التِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا حَادِثَةُ الإِفْكِ:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي قِصَّةِ الإِفْكِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ الحَدِيثِ عَنْ جَمَاعَةٍ مُلَفَّقًا مُجْمَلًا.
٢ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ حَتَّى بَيْنَ النِّسَاءِ وَفِي المُسَافَرَةَ بِهِنَّ، وَالسَّفَرُ بِالنِّسَاءِ حَتَّى فِي الغَزْوِ.
٣ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ التَّوْطِئَةِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الكَلَامِ.
٤ - وَأَنَّ الهَوْدَجَ يَقُومُ مَقَامَ البَيْتِ فِي حَجْبِ المَرْأَةِ.
٥ - وَفِيهِ جَوَازُ رُكُوبِ المَرْأَةِ الهَوْدَجَ عَلَى ظَهْرِ البَعِيرِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ حَيْثُ يَكُونُ مُطِيقًا لِذَلِكَ.
٦ - وَفِيهِ خِدْمَةُ الأَجَانِبِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ.
٧ - وَجَوَازُ تَسَتُّرِ المَرْأَةِ بِالشَّيْءَ المُنْفَصِلِ عَنِ البَدَنِ.
٨ - وَفِيهِ تَوَجُّهُ المَرْأَةِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا وَبِغَيْرِ إِذْنٍ خَاصٍّ مِنْ زَوْجِهَا، بَلِ اعْتِمَادًا عَلَى الإِذْنِ العَامِّ المُسْتَنِدِ إِلَى العُرْفِ العَامِّ.
٩ - وَفِيهِ جَوَازُ تَحَلِّي المَرْأَةِ فِي السَّفَرِ بِالقِلَادَةِ وَنَحْوِهَا.
[ ٣ / ١٢٩ ]
١٠ - وَفِيهِ صِيَانَةُ المَالِ، وَلَوْ قَلَّ؛ لِلنَّهْي عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ (١)، فَإِنَّ عِقْدَ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا جَوْهَرٍ.
١١ - وَفِيهِ شُؤْمُ الحِرْصِ عَلَى المَالِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُطِلْ فِي التَّفْتِيشِ لَرَجَعَتْ بِسُرْعَةٍ، فَلَمَّا زَادَ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ أَثَّرَ مَا جَرَى.
١٢ - وَفِيهِ تَوَقُّفُ رَحِيلِ العَسْكَرِ عَلَى إِذْنِ الأَمِيرِ.
١٣ - وَاسْتِعْمَالُ بَعْضِ الجَيْشِ سَاقَةً (٢) يَكُونُ أَمِينًا؛ لِيَحْمِلَ الضَّعِيفَ، وَيَحْفَظَ مَا يَسْقُطُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المَصَالِحِ.
١٤ - وَفِيهِ الِاسْتِرْجَاعُ عِنْدَ المُصِيبَةِ.
١٥ - وَفِيهِ تَغْطِيَةُ المَرْأَةِ وَجْهَهَا عَنْ نَظَرِ الأَجْنَبِيِّ، وَإِطْلَاقُ الظَّنِّ عَلَى العِلْمِ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ.
١٦ - وَفِيهِ إِغَاثَةُ المَلْهُوفِ، وَعَوْنُ المُنْقَطِعِ، وَإِنْقَاذُ الضَّائِعِ.
١٧ - وَفِيهِ إِكْرَامُ ذَوِي القَدْرِ، وَإِيثَارُهُمْ بِالرُّكُوبِ وَتَجَشُّمُ (٣) المَشَقَّةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
_________________
(١) أخرج الإِمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٤٧٧) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٢/ ١١) (٥٩٣) عن المغيرة بن شعبة -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "إن اللَّه كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".
(٢) الساقة: جمع سائق، وهم الذين يسوقون جيش الغزاة، ويكونون من ورائه يحفظونه. انظر النهاية (٢/ ٣٨١).
(٣) تجشم الأمر: إذا تكلفه. انظر النهاية (١/ ٢٦٥).
[ ٣ / ١٣٠ ]
١٨ - وَفِيهِ حُسْنُ الأَدَبِ مَعَ الأَجَانِبِ خُصُوصًا النِّسَاءِ، لَاسِيَّمَا فِي الخَلْوَةِ.
١٩ - وَفِيهِ المَشْيُ أَمَامَ المَرْأَةِ؛ لِيَسْتَقِرَّ خَاطِرُهَا، وَتَأْمَنَ مِمَّا يَتَوَهَّمُ مِنْ نَظَرِهِ لِمَا عَسَاهُ يَنْكَشِفُ مِنْهَا فِي حَرَكَةِ المَشْي.
٢٠ - وَفِيهِ مُلَاطفَةُ الزَّوْجَةِ، وَحُسْنُ مُعَاشَرَتِهَا، وَالتَّقْصِيرُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ إِشَاعَةِ مَا يَقْتَضِي النَّقْصَ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ تَتَفَطَّنَ لِتَغْيِيرِ الحَالِ فَتَعْتَذِرَ أَوْ تَعْتَرِفَ.
٢١ - وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ المَرِيضِ أَنْ يُعْلِمُوهُ بِمَا يُؤْذِي بَاطِنَهُ؛ لِئَلَّا يَزِيدَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ.
٢٢ - وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ المَرِيضِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى مَرَاتِبِ الهُجْرَانِ بِالكَلَامِ وَالمُلَاطَفَةِ، فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ مُحَقَّقًا فَيُتْرَكُ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا فَيُخَفَّفُ، وَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ، أَوْ مُحْتَمَلًا فَيَحْسُنُ التَّقْلِيلُ مِنْهُ لَا لِلْعَمَلِ بِمَا قِيلَ، بَلْ لِئَلَّا يُظَنَّ بِصَاحِبِهِ عَدَمُ المُبَالَاةِ بِمَا قِيلَ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ.
٢٣ - وَفِيهِ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا خَرَجَتْ لِحَاجَةٍ تَسْتَصْحِبُ مَنْ يُؤْنِسُهَا أَوْ يَخْدِمُهَا مِمَّنْ يُؤَمَنُ عَلَيْهَا.
٢٤ - وَفِيهِ ذَبُّ المُسْلِمِ عَنِ المُسْلِمِ خُصُوصًا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ،
[ ٣ / ١٣١ ]
وَرَدْعِ مَنْ يُؤْذِيهِمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ بِسَبِيلٍ.
٢٥ - وَفِيهِ بَيَانُ مَزِيدِ فَضِيلَةِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَإِطْلَاقُ السَّبِّ عَلَى لَفْظِ الدُّعَاءَ بِالسُّوءِ عَلَى الشَّخْصِ.
٢٦ - وَفِيهِ البَحْثُ عَنِ الأَمْرِ القَبِيحِ إِذَا أُشِيعَ وَتَعَرُّفُ صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ بِالتَّنْقِيبِ عَلَى مَنْ قِيلَ فِيهِ هَلْ وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يُشْبِهُهُ أَوْ يَقْرُبُ مِنْهُ، وَاسْتِصْحَابُ حَالِ مَنِ اتُّهِمَ بِسُوءٍ إِذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا بِالخَيْرِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ بِالبَحْثِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
٢٧ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ قَوِيَّةٌ لِأُمِّ مِسْطَحٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُحَابِ وَلَدَهَا فِي وُقُوعِهِ فِي حَقِّ عَائِشَةَ ﵂، بَلْ تَعَمَّدَتْ سَبَّهُ عَلَى ذَلِكَ.
٢٨ - وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ -ﷺ- عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (١)، وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ المُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الذُّنُوبَ تَقَعُ مِنْهُمْ لَكِنَّهَا مُقْرُونَةٌ بِالمَغْفِرَةِ تَفْضيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ.
٢٩ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ سَمَاعِ مَا يَعْتَقِدُ السَّامِعُ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَتَوْجِيهُهُ هُنَا أَنَّهُ ﷾ يُنَزَّهُ أَنْ يَحْصُلَ لِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَدْنِيسٌ،
_________________
(١) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدرًا - رقم الحديث (٣٩٨٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أهل بدر ﵃ - رقم الحديث (٢٤٩٤).
[ ٣ / ١٣٢ ]
فَيُشْرَعُ شُكْرُهُ بِالتَّنْزِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا.
٣٠ - وَفِيهِ تَوَقُّفُ خُرُوجِ المَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهَا عَلَى إِذْنِ زَوْجِهَا، وَلَوْ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا.
٣١ - وَفِيهِ البَحْثُ عَنِ الأَمْرِ المَقُولِ مِمَّنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقُولُ فِيهِ، وَالتَّوَقُّفُ فِي خَبَرِ الوَاحِدِ، وَلَوْ كَانَ صَادِقًا، وَطَلَبُ الِارْتِقَاءِ مِنْ مَرْتَبَةِ الظَّنِّ إِلَى مَرْتَبَةِ اليَقِينِ، وَأَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ إِذَا جَاءَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ أَفَادَ القَطْعَ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: "لَأَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا"، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ.
٣٢ - وَفِيهِ اسْتِشَارَةُ الْمَرْءِ أَهْلِ بِطَانَتِهِ مِمَّنْ يَلُوذُ بِهِ بِقَرَابَةٍ وَغَيْرِهَا، وَتَخْصِيصُ مَنْ جُرِّبَتْ صِحَّةُ رَأْيِهِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَبَ، وَالبَحْثُ عَنْ حَالِ مَنِ اتُّهِمَ بِشَيْءٍ، وَحِكَايَةُ ذَلِكَ لِلْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَةً.
٣٣ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ "لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا" فِي التَّزْكِيَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي حَقِّ مَنْ سَبَقَتْ عَدَالَتُهُ مِمَّنْ يَطَّلِعُ عَلَى خَفِيِّ أَمْرِهِ.
٣٤ - وَفِيهِ التَّثَبُّتُ فِي الشَّهَادَةِ، وَفِطْنَةُ الإِمَامِ عِنْدَ الحَادِثِ المُهِمِّ، وَالِاسْتِنْصَارُ بِالأَخِصَّاءِ عَلَى الأَجَانِبِ، وَتَوْطِئَةُ العُذْرِ لِمَنْ يُرَادُ إِيقَاعَ العِقَابِ بِهِ أَوِ العِتَابِ لَهُ، وَاسْتِشَارَةُ الأَعْلَى لِمَنْ هُوَ دُونَهُ، وَاسْتِخْدَامُ مَنْ لَيْسَ فِي الرِّقِّ، وَأَنَّ مَنِ اسْتَفْسَرَ عَنْ حَالِ شَخْصٍ، فَأَرَادَ بَيَانَ مَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ، فَلْيُقَدِّمْ ذِكْرَ عُذْرِهِ فِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ يَعْلَمُهُ، كَمَا قَالَتْ بَرِيرَةُ فِي عَائِشَةَ، حَيْثُ عَابَتْهَا بِالنَّوْمِ
[ ٣ / ١٣٣ ]
عَنِ العَجِينِ، فَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ.
٣٥ - وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺكَانَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الوَحْي؛ لِأَنَّهُ -ﷺ- لَمْ يَجْزِمْ فِي القِصَّةِ بِشَيْءٍ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْي.
٣٦ - وَفِيهِ أَنَّ الحَمِيَّةَ للَّهِ وَرَسُولِهِ -ﷺ- لَا تُذَمُّ.
٣٧ - وَفِيهِ فَضَائِلُ جَمَّةٌ لِعَائِشَةَ، وَلِأَبَوَيْهَا، وَلصَفْوَانَ، وَلعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ، وَسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، وأُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ ﵃ أَجْمَعِينَ.
٣٨ - وَفِيهِ أَنَّ التَّعَصُّبَ لِأَهْلِ البَاطِلِ يُخْرِجُ عَنِ اسْمِ الصَّلَاحِ.
٣٩ - وَفِيهِ جَوَازُ سَبِّ مَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْبَاطِلِ وَنِسْبَتُهُ إِلَى مَا يَسُوءُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الحَقِيقَةِ فِيهِ، لَكِنْ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ جَازَ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا لَهُ.
٤٠ - وَفِيهِ إِطْلَاقُ الكَذِبِ عَلَى الخَطَأِ، وَالقَسَمِ بِلَفْظِ لَعَمْرُ اللَّهِ.
٤١ - وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى قَطْعِ الخُصُومَةِ.
٤٢ - وَفِيهِ تَسْكِينُ ثَائِرَةِ الفِتْنَةِ، وَسَدِّ ذَرِيعَةِ ذَلِكَ، وَاحْتِمَالِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ بِزَوَالِ أَغْلَظِهِمَا.
٤٣ - وَفِيهِ فَضْلُ احْتِمَالِ الأَذَى.
٤٤ - وَفِيهِ مُبَاعَدَةُ مَنْ خَالَفَ الرَّسُولَ -ﷺ-، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا حَمِيمًا.
[ ٣ / ١٣٤ ]
٤٥ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ آذَى النَّبِيَّ -ﷺ- بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ -﵁- أَطْلَقَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ -ﷺ-.
٤٦ - وَفِيهِ مُسَاعَدَةُ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ بَلِيَّةٌ بِالتَّوَجُّعِ وَالبُكَاءِ وَالحُزْنِ.
٤٧ - وَفِيهِ تَثَبُّتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- فِي الأُمُورِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ مَعَ تَمَادِي الحَالِ فِيهَا شَهْرًا كَلِمَةً فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا مَا وَرَدَ عَنْهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا قِيلَ لَنَا هَذَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فكَيْفَ بَعْدَ أَنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرانِّي.
٤٨ - وَفِيهِ ابْتِدَاءُ الكَلَامِ فِي الأَمْرِ المُهِمِّ بِالتَّشَهُّدِ وَالحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، وَقَوْلِ: أَمَّا بَعْدُ.
٤٩ - وَفِيهِ تَوْقِيفُ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ ذَنْبٌ عَلَى مَا قِيلَ فِيهِ بَعْدَ البَحْثِ عَنْهُ، وَأَنَّ قَوْلَ كَذَا وَكَذَا يُكْنَى بِهَا عَنِ الأَحْوَالِ كَمَا يُكْنَى بِهَا عَنِ الأَعْدَادِ وَلَا تَخْتَصُّ بِالأَعْدَادِ.
٥٠ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّوْبَةِ، وَأَنَّهَا تُقْبَلُ مِنَ المُعْتَرِفِ المُقْلِعِ المُخْلِصِ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِرَافِ لَا يُجْزِئُ فِيهَا.
٥١ - وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِمَا لَمْ يَقَعْ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ عَرَفَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُؤَاخَذُ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اعْتِرَافِهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ الحَقَّ أَوْ يَسْكُتَ.
[ ٣ / ١٣٥ ]
٥٢ - وَفِيهِ أَنَّ الصَّبْرَ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ وَيُغْبَطُ صَاحِبُهُ.
٥٣ - وَفِيهِ تَقْدِيمُ الكَبِيرِ فِي الكَلَامِ، وَتَوَقُّفُ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأَمْرُ فِي الكَلَامِ.
٥٤ - وَفِيهِ تَبْشِيرُ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ نِقْمَةٌ.
٥٥ - وَفِيهِ الضَّحِكُ وَالفَرَحَ وَالِاسْتِبْشَارُ عِنْدَ ذَلِكَ.
٥٦ - وَفِيهِ مَعْذِرَةُ مَنِ انْزَعَجَ عِنْدَ وُقُوعِ الشِّدَّةِ لِصِغَرِ سِنٍّ وَنَحْوِهِ.
٥٧ - وَفِيهِ إِدْلَالُ المَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَأَبَوَيْهَا.
٥٨ - وَفِيهِ تَدْرِيجُ مَنْ وَقَعَ فِي مُصِيبَةٍ فزَالَتْ عَنْهُ لِئَلَّا يَهْجُمَ عَلَى قَلْبِهِ الفَرَحُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَيُهْلِكَهُ، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنِ ابْتِدَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- بَعْدَ نُزُولِ الوَحْي بِبَرَاءَةِ عَائِشَةَ بِالضَّحِكِ، ثُمَّ تَبْشِيرِهَا، ثُمَّ إِعْلَامِهَا بِبَرَاءَتِهَا مُجْمَلَةً، ثُمَّ تِلَاوَتِهِ الآيَاتِ عَلَى وَجْهِهَا، وَقَدْ نَصَّ الحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ لَا يُمَكَّنُ مِنَ المُبَالَغَةِ فِي الرَّيِّ فِي المَاءِ لِئَلَّا يُفْضِي بِهِ ذَلِكَ إِلَى الهَلَكَةِ، بَلْ يُجَرَّعُ قَلِيلًا قَلِيلًا.
٥٩ - وَفِيهِ أَنَّ الشِّدَّةَ إِذَا اشْتَدَّتْ أَعْقَبَهَا الفَرَجُ.
٦٠ - وَفِيهِ فَضْلُ مَنْ يُفَوِّضُ الأَمْرَ لِرَبِّهِ، وَأَنَّ مَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ خَفَّ عَنْهُ الهَمُّ وَالغَمُّ، كَمَا وَقَعَ فِي حَالَتَيْ عَائِشَةَ قَبْلَ اسْتِفْسَارِهَا عَنْ حَالِهَا وَبَعْدَ جَوَابِهَا بِقَوْلهَا: "وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ".
[ ٣ / ١٣٦ ]
٦١ - وَفِيهِ الحَثُّ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الخَيْرِ خُصوصًا فِي صِلَةِ الرَّحِمِ.
٦٢ - وَفِيهِ وُقُوعُ المَغْفِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ أَوْ صَفَحَ عَنْهُ.
٦٣ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ الحَنْثُ (١).
٦٤ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِآيِ القُرْآنِ فِي النَّوَازِلِ.
٦٥ - وَفِيهِ التَّأَسِّي بِمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
٦٦ - وَفِيهِ التَّسْبِيحُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَاسْتِعْظَامِ الأَمْرِ.
٦٧ - وَفِيهِ ذَمُّ الغِيبَةِ، وَذَمُّ سَمَاعِهَا، وَزَجْرُ مَنْ يَتَعَاطَاهَا لَا سِيَّمَا إِنْ تَضَمَّنَتْ تُهْمَةَ المُؤْمِنِ بِمَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ.
٦٨ - وَفِيهِ ذَمُّ إِشَاعَةِ الفَاحِشَةِ.
٦٩ - وَفِيهِ تَحْرِيمُ الشَّكِّ فِي بَرَاءَةِ عَائِشَةَ.
٧٠ - وَفِيهِ تَأْخِيرُ الحَدِّ عَمَّنْ يُخْشَى مِنْ إِيقَاعِهِ بِهِ الفِتْنَةَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابنُ بَطَّالٍ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، كَانَ مِمَّنْ قَذَفَ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الحَدِيثِ أنَّهُ مِمَّنْ حُدَّ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قَذَفَ، بَلِ الذِي ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَخْرِجُهُ، وَيَسْتَوْشِيهِ (٢).
_________________
(١) الحنث فِي اليمين: نقضها. انظر النهاية (١/ ٤٣١).
(٢) انظر هذه الفوائد في فتح الباري (٩/ ٤٢١ - ٤٢٤). =
[ ٣ / ١٣٧ ]
* انْتِهَاءُ المِحْنَةِ:
وَهَكَذَا، وَبَعْدَ شَهْرٍ تَقَشَّعَتْ (١) سَحَابَةُ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ (٢)، وَالقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ عَنْ جَوِّ المَدِينَةِ، وَافْتُضِحَ رَأْسُ المُنَافِقِينَ افْتِضَاحًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (٣).
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ -أَي ابْنُ سَلُولٍ- إِذَا أَحْدَثَ الحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمُ الذِينَ يُعَاتِبُونَهُ، وَيَأْخُذُونَهُ، وَيُعَنِّفُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قتَلْتَهُ يَوْمَ قُلْتَ لِي: أَقْتُلُهُ، لَأُرْعِدَتْ (٤) لَهُ أُنُفٌ، وَلَوْ أَمَرْتُهَا اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ".
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: قَدْ وَاللَّهِ عَلِمْتُ لَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي (٥).
_________________
(١) = وأخرج حديث الإفك: الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ - رقم الحديث (٤٧٥٠) - وكتاب المغازي - باب حديث الإفك - رقم الحديث (٤١٤١) - والإمام مسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب في حديث الإفك - رقم الحديث (٢٧٧٠) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣١٧) (٢٥٦٢٣) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب القسم - رقم الحديث (٤٢١٢) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب حديث الإفك - رقم الحديث (٨٨٨٢) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٢٥) - والبيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٦٣ - ٧٧).
(٢) تَقشّع السحاب: أي تصدع وأقلع. انظر النهاية (٤/ ٥٨).
(٣) الريب: الشك. انظر النهاية (٢/ ٢٦٠).
(٤) انظر الرحيق المختوم ص ٣٣٣.
(٥) الرِّعْدَةُ: الاضطِرَاب. انظر لسان العرب (٥/ ٢٤٢).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٢١).
[ ٣ / ١٣٨ ]
غَزْوَةُ الخَنْدَقِ (١)
وَتُسَمَّى غَزْوَةَ الأَحْزَابِ (٢)، وَكَانَتْ فِي شَوَّالَ مِنْ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ (٣).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ مَعْرَكَةَ الأَحْزَابِ لَمْ تَكُنْ مَعْرَكَةَ خَسَائِرٍ، بَلْ مَعْرَكَةَ أَعْصَابٍ (٤).
* سَبَبُهَا:
وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِ الأَحْزَابِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَشْرَافِ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ، الذِينَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٤٨): فَأمَّا تسميتُها الخندقَ فلأجلِ الخندقِ الذي حُفِرَ حولَ المدينةِ بأمرِ النَّبيِّ -ﷺ-، وَكَانَ الذي أشارَ بذلكَ سلمانُ الفارسيُّ -﵁- فيما ذكرَ أصحابُ المغازِي. وَقَالَ الإِمَامُ السُّهيليُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّوْضِ الأُنُفِ (٣/ ٤١٦): وحفرُ الخندقِ لم يكنْ من عادةِ العربِ، ولكنَّهُ من مَكَايِدِ الفُرْسِ وحُروبِها.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٤٨): وَأَمَّا تسميتُهَا الأحزابَ فلاجتماعِ طوائفٍ من المشركينَ على حربِ المسلمينَ، وهم قريشٌ وغطفانُ واليهودُ ومَنْ تبعهُم.
(٣) هذا قولُ الجُمهورِ، وهوَ الصَّحيحُ كما قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البِدايةِ والنِّهايةِ (٤/ ٤٧٦). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٤٩): وهو المعتمدُ.
(٤) انظر فِقْهَ السِّيرةِ ص ٢٩٧ للشَّيخ محمَّد الغزاليِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ١٣٩ ]
كَانُوا قَدْ أَجْلَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ المَدِينَةِ إِلَى خَيْبَرَ، مِنْهُمْ سَلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ، وَسَلَّامُ بنُ أَبِي الْحُقَيقِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ، وَغَيْرُهُمْ، خَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ، وَاجْتَمَعُوا بِأَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَحَرَّضُوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَلَّبُوهُمْ (١) عَلَيْهِ، وَوَعَدُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِم النَّصْرَ وَالإِعَانَةَ، فَقَالُوا: إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ.
فَأَجَابَتْهُمْ قُرَيْشٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ الأَوَّلِ وَالعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟
قَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالحَقِّ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَهَذَا لَعْنٌ لَهُمْ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُمْ لَا نَاصِرَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا ذَهَبُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا قَالُوا لَهُمْ ذَلِكَ لِيَسْتَمِيلُوهُمْ إِلَى نَصْرِهِمْ، وَقَدْ أَجَابُوهُمْ، وَجَاؤُوا مَعَهُمْ يَوْمَ الأَحْزَابِ، حَتَّى حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ
_________________
(١) أَلَّبُوهُمْ عليه: جَمَّعُوهُمْ عليهِ. انظر النهاية (١/ ٦١).
(٢) سورة النساء آية (٥٢) - والخبر في سيرة ابن هشام (٣/ ٢٣٧).
[ ٣ / ١٤٠ ]
الخَنْدَقَ، فكَفَى اللَّهُ شَرَّهُمْ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (١).
فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ سَرَّهُمْ وَنَشَّطَهُمْ لِمَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَتَعَاهَدُوا عَلَى قِتَالِهِ، وَوَعَدُوهُمْ لِذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ اليَهُودُ إِلَى غَطَفَانَ فَدَعَوْهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُمْ أَيْضًا.
* خُرُوجُ الْأَحْزَابِ وَعِدَّتُهُمْ:
خَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي أَحَابِيشِهَا، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ العَرَبِ مِنْ كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، فَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَعَقَدُوا اللِّوَاءَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَحَمَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَادُوا مَعَهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ فَرَسٍ، وَكَانَ مَعَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ بَعِيرٍ، وَخَرَجُوا يَقُودُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَوَافَقَهُمْ بَنُو سُلَيْمٍ بَمَرِّ الظَّهْرَانِ (٢) وَهُمْ سَبْعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ حَلِيفُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَخَرَجَتْ مَعَهُمْ بَنُو أَسَدٍ يَقُودُهُمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَخَرَجَتْ قَبَائِلُ غَطفانَ: بَنُو فزَارَةَ وَهُمْ أَلْفٌ يَقُودُهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَبَنُو مُرَّةَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ الحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَبَنُو أَشْجَعَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ مِسْعَرُ بْنُ زُخَيْلَةٍ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَكَانَ جَمِيعُ الذِينَ وَافَوُا الخَنْدَقَ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَهُمُ الْأَحْزَابُ الذِينَ
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٢٥) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٣٥).
(٢) مَرُّ الظَّهْرَانِ: هو وادٍ بينَ مكَّةَ وعُسْفَانَ، واسم القريةِ المضافَةِ إليهِ: مَرُّ: بفتحِ الميمِ وتشديدِ الرَّاء. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
[ ٣ / ١٤١ ]
سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنَاجُ (١) الْأَمْرِ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَاتَّجَهُوا نَحْوَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيعَادٍ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ (٢).
* مُشَاوَرَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ وَحَفْرُ الخَنْدَقِ:
وَقَبْلَ خُرُوجِ الْأَحْزَابِ وَتَوَجُّهِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ خُزَاعَةَ الْمَدِينَةَ وَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمْرَ الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَحْزَابُ مِنَ الْأَمْرِ، دَعَا النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُمْ، وَشَاوَرَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ -﵁- بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ حُرٌّ (٣)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا بِفَارِسَ إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-.
وَكَانَتْ خُطَّةً حَكِيمَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَبَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى تَنْفِيذِ هَذِهِ الخُطَّةِ، فَأَمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ -وَهِيَ عَوْرَةُ الْمَدِينَةِ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُهَاجِمُونَ نَفَاذًا إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَّا مِنْهَا- بَيْنَ حَرَّتَيِّ (٤) وَاقِمٍ وَالْوَبْرَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ مُشَبَّكَةً بِالْبُنْيَانِ وَمُحَاطَةً
_________________
(١) عِنَاجُ الأمرِ: أي أَنَّهُ كَانَ صاحبَهُمْ ومُدَبِّرَ أمرِهم، والقائِمَ بشؤونهِمْ. انظر النهاية (٣/ ٢٧٨).
(٢) انظرِ التَّفاصيلَ فِي: سيرةِ ابنِ هشامٍ (٣/ ٢٣٨) - دلائلِ النُّبوَّةِ للبيهقي (٣/ ٣٩٨). الطبَّقَاتِ الكُبْرى لابنِ سعد (٢/ ٢٨٢) - شرحِ المواهب (٣/ ٢١) - تفسيرِ ابن كثير (٦/ ٣٨٤).
(٣) انظر خبر رقه -﵁- وكيف أُعتق عند الكلام على نزول الرسول -ﷺ- قباء لما قدم المدينة.
(٤) الحَرَّةُ: هي أرضٌ بظاهرِ المدينةِ بها حجارةٌ سودٌ كثيرةٌ. انظر النِّهاية (١/ ٣٥١).
[ ٣ / ١٤٢ ]
بِالْحَرَّاتِ وَبَسَاتِينِ النَّخِيلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ سِوَى الشَّمَالِ، فَاتُّخِذَ الخَنْدَقُ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ.
وَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لكُلِّ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا.
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
وَلَمَّا قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لكُلِّ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، قَالَتِ الْمُهَاجِرُونَ: سَلْمَانُ مِنَّا، وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ" (١).
* الْبَدْءُ فِي حَفْرِ الخَنْدَقِ:
وَشَرَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي حَفْرِ الخَنْدَقِ فِي جَوٍّ بَارِدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَحْفِرُ مَعَهُمْ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ، وَيَحْمِلُ التُّرَابَ بِنَفْسِهِ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَجْرِ وَتَنْشِيطًا لَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ (٢) وَالْجُوعِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ".
_________________
(١) أخرجهُ الحاكمُ فِي المُسْتَدْرَكِ - كتاب معرفة الصَّحابة - باب ذكر سلمان الفارسي -﵁- رقم الحديث (٦٦٠٠) -وإسنادُهُ ضعيفٌ- وأورده الذهبيُّ فِي السير (١/ ٥٤٠) - وقال: كثير -وهو أحد الرواةِ- متروكٌ.
(٢) النَّصَبُ: التَّعَبُ. انظر النِّهاية (٥/ ٥٣).
[ ٣ / ١٤٣ ]
فَقَالُوا ﵃ مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا (١)
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ، وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى (٢) عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ (٣) وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ (٤)، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهُوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَوَلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الْأُلَى (٥) قَدْ بَغَوْا عَليْنَا وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا (٦).
_________________
(١) أخرج ذلكَ البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (٤٠٩٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسِّيَرِ - باب غزوة الأحزاب - رقم الحديث (١٨٠٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٧٣٢) - وأخرجه الطحاوي في شرح مُشْكِلِ الآثارِ - رقم الحديث (٣٣٢٤).
(٢) وَريْتُ الشَّيْءَ: أَخْفَيْتُهُ. انظر لِسَانَ العربِ (١٥/ ٢٨٣).
(٣) في رواية الإِمام مسلم قال البراء -﵁-: ولقد وارى التُّرابُ بياضَ بطنِهِ.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٥٩): ظاهرُ هذا أَنَّهُ -ﷺ- كَانَ كثيرَ شعرِ الصَّدرِ، وليسَ كذلكَ فإنَّ فِي صفتِهِ -ﷺ- أَنَّهُ كان دقيقَ الْمَسْرُبَةِ أي الشَّعرِ الذي فِي الصَّدرِ إِلَى البطنِ، فيمكن أَنْ يُجمَعَ بأنَّهُ كان معَ دِقَّتِهِ كثيرًا أي لم يكنْ مُنْتَشِرًا، بل كَانَ مُستَطيلًا واللَّه أعلمُ.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٥٩): الأُلى بمعنى: الذين
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث =
[ ٣ / ١٤٤ ]
وَلَا تَسَلْ عَمَّا كَانَتْ تَصْنَعُهُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمُؤْمِنَةُ العِذَابُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ مُضَاعَفَةِ الجُهْدِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِالنَّصَبِ وَالتَّعَبِ (١).
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا نَسِيتُ قَوْلَهُ -ﷺ- يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يُعَاطِيهِمُ اللَّبِنَ (٢)، وَقَدِ اغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
"اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخْرَةِ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ"
قَالَتْ: فَرَأَى عَمَّارًا، فَقَالَ لَهُ: "وَيْحَهُ ابْنُ سُمَيَّةَ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" (٣).
* وَهْمٌ فِي الرِّوَايَةِ:
قُلْتُ: الْمَشْهُورُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِعَمَّارٍ -﵁-: "تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" عِنْدَمَا بَنَى الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي الدَّلَائِلِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَنْدَقِ وَهْمًا، أَوْ
_________________
(١) = (٤١٠٥) - وأخرجه مسلمٌ في صحيحِهِ - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (١٨٠٣) - وأخرجه الطحاوي في شرح مُشْكِلِ الآثار - رقم الحديث (٣٣٢٦) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٤٨٦).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة فِي ضَوْءِ القرآنِ والسُّنَّة للدكتور محمد أبو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٢/ ٢٧٨).
(٣) اللَّبِنُ: بفتح اللّام وكسرِ الباءِ: هي التي يُبْني بِهَا الجدارُ. انظر النهاية (٤/ ١٩٨).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفِتَنِ وأشراطِ السَّاعة - باب لا تقومُ السَّاعةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجلُ بقَبْرِ الرَّجل - رقم الحديث (٢٩١٥) (٢٩١٦) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٤٨٢).
[ ٣ / ١٤٥ ]
كَانَ قَدْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: حَمْلُ اللَّبِنِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاقِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ، وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
"اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ" (٣)
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَحْسَبَنَّ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْخَنْدَقِ وَقَذْفَ أَتْرِبَتِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِ الذِي يُحْسِنُهُ بَعْضُ الزُّعَمَاءَ، كَلَّا، كَلَّا.
إِنَّ الرُّجُولَةَ الْكَادِحَةَ الْجَادَّةَ فِي أَنْبَلِ صُوَرِهَا كَانَتْ تُقْتَبَسُ فِي مَسْلَكِ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ، يَقُولُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ -﵁-: لَقَدْ وَارَى عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ -ﷺ-، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ.
أَجَلْ إِنَّهُ اسْتَغْرَقَ فِي الْعَمَلِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَالرُّجُولَةُ الصَّادِقَةُ لَا تَعْرِفُ التَّمْثِيلَ. . . (٤).
_________________
(١) انظر دلائلَ النُّبوَّة للبيهقي (٢/ ٥٤٩).
(٢) انظر البِدايةَ والنِّهايةَ (٣/ ٢٣١).
(٣) أخرجه البخاري - كتاب المغازي - بابُ غزوةِ الخندقِ - رقم الحديث (٤٠٩٨) - وأخرجه مسلم - كتابُ الجِهادِ والسِّيَرِ - باب غزوة الأحزاب - رقم الحديث (١٨٠٤).
(٤) انظر فِقْهَ السِّيرةِ ص ٢٩٥ للشَّيخ محمَّد الغزاليِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ١٤٦ ]
* شِدَّةُ الْجُوعِ الذِي أَصَابَهُمْ:
وَاصَلَ الْمُسْلِمُونَ عَمَلَهُمْ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ مُسْتَعْجِلِينَ يُبادِرُونَ قُدُومَ الْعَدُوِّ، فَكَانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ طَوَالَ النَّهَارِ وَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ فِي الْمَسَاءَ، وَقَدْ كَانُوا يُقَاسُونَ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، وَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى رَبَطُوا عَلَى بُطُونِهِمُ الْحِجَارَةَ مِنَ الْجُوعِ.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قال: إِنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ فعرَضتْ كُدْيَةٌ (١) شدِيدةٌ فجَاءُوا النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: "أَنَا نَازِلٌ"، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ (٢)، وَلبِثْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمِعْوَل، فَضَرَبَ فِي الْكُدْيَةِ، فَعَادَ كَثِيبًا (٣) أَهْيَلَ (٤) أَوْ أَهْيَمَ (٥).
_________________
(١) كُدْيَةٌ بِضَمِّ الكافِ، وهي قِطعةٌ غليظةٌ صَلْبَةٌ لا تعملُ فيها الفَأْسُ. انظر النِّهاية (٤/ ١٣٦).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٧٢٤) (١٣/ ٧٠): وفائدةُ شَدِّ الحجرِ: أنه يُقيم الصُّلْبَ؛ لأنَّ البطنَ إذا خلا رُبَّما ضعَّفَ صاحبَهُ عن القيامِ لانثناءِ بطنِهِ عليهِ، فإذا ربطَ عليه الحجرَ اسْتدَّ وقَوِيَ صاحبُهُ على القيام، أو المنعُ من كثرةِ التَّحَلُّلِ من الغذاءِ الذي في البَطْنِ؛ لكونِ الحجرِ بقدْرِ البطنِ فيكون الضعفُ أقلَّ، أو لتقليلِ حرارةِ الجوعِ بِبَرْدِ الحجرِ، أو لأنَّ فيهِ الإشارةَ إلى كَسْرِ النَّفْسِ.
(٣) الكثِيبُ: الرَّمْلُ. انظر النِّهاية (٤/ ١٣٢).
(٤) أَهْيَلُ: أيْ يسيلُ، والمعنى صارَ رَمْلًا يسيلُ ولا يتماسَكُ. انظر النِّهاية (٥/ ٢٤٩) - فتح الباري (٨/ ١٥٣).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوةِ الخندقِ - رقم الحديث (٤١٠١).
[ ٣ / ١٤٧ ]
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ -﵁-: . . . يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفَّيْ مِنَ الشَّعِيرِ فيصْنَعُ (١) لَهُمْ بِإِهَالَةٍ (٢) سَنِخَةٍ (٣) تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْقوْمِ، وَالْقَوْمُ جِيَاعٌ، وَهِيَ بَشِعَةٌ (٤) فِي الْخَلْقِ، وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ (٥).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الرُّغْمِ مِنَ الْهَوْلِ الْمُرْعِبِ وَالضِّيقِ الْمُجْهِدِ، مَثَابَةَ الْأَمَانِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَصْدَرَ الثِّقَةِ وَالرَّجَاءِ وَالِاطْمِئْنَانِ، وَإِنَّ دِرَاسَةَ مَوْقِفِهِ -ﷺ- فِي هَذَا الْحَادِثِ الضَّخْمِ لَمِمَّا يَرْسَمُ لِقَادَةِ الْجَمَاعَاتِ وَالْحَرَكَاتِ طَرِيقَهُمْ، وَفِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَتَطْلُبُ نَفْسُهُ الْقُدْوَةَ الطَّيِّبَةَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَلَا يَنْسَاهُ (٦).
* تَخَاذُلُ الْمُنَافِقِينَ:
أَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ كَانُوا يَتَأَخَّرُونَ فِي الْعَمَلِ، وَيُثَبِّطُونَ عَزَائِمَ الْمُسْلِمِينَ
_________________
(١) فَيُصْنَعُ: أَيْ يُطْبَخُ. انظر فتح الباري (٨/ ١٥١).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٥١): الإِهَالَةُ: بكسرِ الهمزةِ وتخفيفِ الهاءِ: الدُّهْنُ الذِي يُؤْتَدَمُ به سواءٌ كَانَ زَيْتًا أو سَمْنًا أو شَحْمًا.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٥١): سَنِخَةٌ: أَيْ تغيَّرَ طَعْمُهَا ولونُها من قِدَمِهَا، ولهذا وصفَهَا بكونِها بَشِعَةً.
(٤) بَشِعَةٌ: أي خَشِنَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ. انظر النِّهاية (١/ ١٢٩).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (٤١٠٠) - وأخرجه الطحاوي في شرح مُشْكِلِ الآثارِ (١٠/ ١٩٦).
(٦) في ظِلالِ القرآنِ لسيِّد قُطْب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٥/ ٢٨٤١).
[ ٣ / ١٤٨ ]
وَيَتَخَاذَلُونَ، وَيَتَسَلَّلُونَ مِنَ الْعَمَلِ وَيَذْهَبُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَلَا إِذْنٍ (١).
* ظُهُورُ الْمُعْجِزَاتِ:
وَقَدْ ظَهَرَتْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ الْعَظِيمَةِ مُعْجِزَاتٌ لِلرَّسُولِ -ﷺ-، مِنْهَا:
* تَكْثِيرُ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- خَمَصًا (٢) شَدِيدًا، فَانْكَفَأْتُ (٣) إِلَى امْرَأَتِي (٤) فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَمْصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا (٥) فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ (٦) فَذَبَحْتُهَا
_________________
(١) انظر سيرةَ ابنِ هِشام (٣/ ٢٣٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٤٢٠ - ٤٣٥).
(٢) الخَمَصُ: الجوعُ. انظر النهاية (٢/ ٧٦).
(٣) فَانْكَفَأْتُ: أي رَجَعْتُ، وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤١٠١) قال جابر -﵁- عندما رأى الجوعَ الذي أصابَ الرَّسولَ -ﷺ-، قال: قلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائذن لي إلى البيتِ.
(٤) قَالَ الحَافِظ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٥٤): اسمُها سُهَيْلَةُ بنتُ مُسعودٍ الأنصاريةُ ﵂.
(٥) الجِرَابُ: بكسر الجيم: وهو الوِعَاءُ. انظر لِسانَ العربِ (٢/ ٢٢٨).
(٦) الدَّاجِنُ: هي الشَّاةُ التي يَعْلِفُهَا النَّاسُ في منارلهم، ولا تُفْلَتُ للمرعى، ومِن شأنِها أَنْ تَسْمَنَ. انظر فتحَ الباري (٨/ ١٥٤) - النِّهاية (٢/ ٩٦). وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤١٠١) قالت زوجةُ جابرٍ: عندي شَعيرٌ وعَناقٌ. -والعَنَاقُ: بفتح العينِ وتخفيفِ النُّونِ هي الأنثى من الْمَعْزِ-. انظر فتح الباري (٨/ ١٥٤). وفي رواية الإمام أحمد في مسنده قال جابر ﵄: وكانت عندي شُوَيْهَةٌ.
[ ٣ / ١٤٩ ]
وَطَحَنْتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ (١) إِلَى فَرَاغِي (٢)، وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبِمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا (٣) بُهَيْمَةً (٤) لَنَا، وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فتَعَالَ أَنْتَ، وَنَفَرٌ مَعَكَ (٥) فَصَاحَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: "يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤْرًا (٦) فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ".
زَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ جَابِرٌ -﵁-: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لجَابِرٍ: "لَا تُنْزِلَنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزَنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ".
قَالَ جَابِرٌ: فَجِئْتُ (٧) وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ (٨) فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الذِي قُلْتِ، فَأَخْرَجَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) فَرَغَت: عَمَدْتُ وَقَصَدْتُ. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٤٢).
(٢) الفَراغُ: الإناءُ. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٤٢). أي أَفْرَغْتُ الشَّعيرَ في إِنَاءِ جابرٍ -﵁-.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٥٤): فالذي ذبح جابر، وامرأته هي التي طبخت.
(٤) في روايةِ الإمام أحمد في مسنده قال جابر -﵁-: صَنَعْتُ لك شُوَيْهَةً كَانَتْ عندَنا.
(٥) في روايةٍ أُخْرى في صحيحِ البخاري - رقم الحديث (٤١٠١) قال جابر: فقلْتُ: فَقُمْ أنتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، ورَجُلٌ أو رَجُلانِ.
(٦) قال النَّوَوِيُّ في شرحِ مسلم (١٣/ ١٨٤): السُّؤْرُ: بضم السِّين وإِسْكَانِ الواوِ، وهو الطَّعامُ الذي يُدْعَى إليهِ، وقيل: الطَّعام مُطْلَقًا، وهي لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ.
(٧) زاد البخاري في روايةٍ أخرى - رقم الحديث (٤١٠١): وقلت لامرأتي: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبيُّ -ﷺ- بالمهاجرين والأنصارِ، ومَنْ معهم.
(٨) قال النَّوويُّ في شرح مسلم (١٣/ ١٨٥): أي ذَمَّتْهُ ودَعَتْ عليهِ، وقيل: معناه بِكَ تُلْحَقُ الفَضيحَةُ، وبِكَ يَتَعَلَّقُ الذَّمُّ.
[ ٣ / ١٥٠ ]
عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا، فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ معِي (١) وَاقدحِي (٢) مِنْ برْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلوهَا"، وَهُمْ ألْفٌ.
قَالَ جَابِرٌ: فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ، وَانْحَرَفُوا (٣)، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ (٤) كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ (٥).
* مُعْجِزَةٌ أُخْرَى:
وَمِنَ الْمُعْجِزَاتِ التِي ظَهَرَتْ فِي الْخَنْدَقِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: مَكَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَصْحَاُبهُ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ ثَلَاثًا، لَمْ يَذُوقُوا طَعَامًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَاهُنَا كُدْيَةً مِنَ الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: رُشُّوهَا بِالْمَاءَ، فَرَشُّوهَا، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ (٦) أَوِ الْمِسْحَاةَ (٧)، ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَضَرَبَ ثَلَاثًا، فَصَارَتْ كَثِيبًا يُهَالُ (٨)، قَالَ جَابِرٌ: فَكَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ، فَإِذَا
_________________
(١) هذه رواية الإمام البخاري في صحيحه - وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه: "مَعَكِ".
(٢) اقْدَحِي: أي اغْرُفِي. انظر النِّهاية (٤/ ١٩).
(٣) انْحَرُفوا: أي مَالُوا عن الطَّعامِ. انظر فتحَ الباري (٨/ ١٥٧).
(٤) لَتَغِطُّ: بكسرِ الغَيْنِ وتشديد الطَّاءِ: أي تَغْلِي وتَفُورُ. انظر فتحَ الباري (٨/ ١٥٧).
(٥) أخرجه البخاري - كتاب المغازي - باب غزوةِ الخندق - رقم الحديث (٤١٠٢) - وأخرجه مسلم - كتاب الأَشْرِبَةِ - باب جوازِ استتباعِهِ غيرَهُ إلى دارِ مَنْ يَثِقُ برضاه بذلكَ - رقم الحديث (٢٠٣٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٨).
(٦) المِعْوَلُ: بكسر الميمِ: الفَأْسُ. انظر لسان العرب (٩/ ٤٨٢).
(٧) المِسْحَاةُ: الْمَجْرَفَةُ من الحديدِ. انظر النِّهاية (٤/ ٢٨٠).
(٨) كثيبًا يُهَالُ: أي صَارَ رملًا يسيلُ ولا يتماسكُ. انظر فتح الباري (٨/ ١٥٣).
[ ٣ / ١٥١ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ شَدَّ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا (١).
* مُعْجِزَةٌ أُخْرَى:
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَحْفِرَ الْخَنْدَقَ، عَرَضَ لَنَا فِيهِ حَجَرٌ لَا يَأْخُذُ فِيهِ الْمِعْوَلَ (٢)، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَلْقى ثَوْبَهُ، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَضَرَبَ ضَرْبَةً فكَسَرَ ثُلُثَ الصَّخْرَةِ، قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ الْآنَ مِنْ مَكَانِي هَذَا"، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" وَكَسَرَ ثُلُثًا آخَرَ، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ الْآنَ"، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَقَطَعَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ بَابَ صَنْعَاءَ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي السُّنَنِ الكُبْرَى لِلنَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، عَرَضَتْ لَهُمْ صَخْرَةٌ
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (٤١٠١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٢١١).
(٢) قوله -﵁-: لا يأخذُ فيه المعول: أي لا تُؤَثِّرُ فيه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٦٩٤) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب حفر الخندق - رقم الحديث (٨٨٠٧) - وحَسَّنَ إسنادَهُ الحافظُ في الفتح (٨/ ١٥٤).
[ ٣ / ١٥٢ ]
حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَفْرِ، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ، وَضَرَبَ وَقَالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) فنَدَرَ (٢) ثُلُثُ الْحَجَرِ، وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ قَائِمٌ يَنْظُرُ، فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَرْقَةٌ (٣)، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، وَقَالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فنَدَرَ الثُّلُثُ الْآخَرُ، فَبرَقَتْ بَرْقَةٌ يَرَاهَا سَلْمَانُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فنَدَرَ الثُّلُثُ البَاقِي، وَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَجَلَسَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ، لَا تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلَّا كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا سَلْمَانُ، رَأَيْتَ ذَلِكَ؟ " قَالَ: إِي وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ -ﷺ-: "فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى، رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ كسْرَى وَمَا حَوْلَهَا وَمَدَائِنُ كَثِيرةٌ، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنِي"، فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا ذَرَارِيَهُمْ، وَيُخَربَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِذَلِكَ.
قَالَ -ﷺ-: "ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ وَمَا
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١١٥).
(٢) نَدَرَ: سَقَطَ ووقعَ. انظر النِّهاية (٥/ ٣٠).
(٣) بَرَقَ: لَمَعَ. انظر النهاية (١/ ١٢٠).
[ ٣ / ١٥٣ ]
حَوْلَهَا، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنِي"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا ذَرَارِيَهُمْ، وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
قَالَ -ﷺ-: "ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ، فرفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنِي" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ: "دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ" (١).
* تَحَقُّقُ الْمُعْجِزَاتِ:
وَقَدْ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا قَالَ، وَلَمْ يَمْضِ عَلَى هَذهِ الْحَادِثَةِ إِلَّا نَحْوُ رُبْعِ قَرْنٍ حَتَّى فُتِحَتْ هَذِهِ الْبِلَادُ كُلُّهَا، فَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ هَذَا الْحَادِثِ بِتِسْعِ سِنِينٍ وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ الْيَرْمُوكِ الْعَظِيمَةُ وَالتِي قَادَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ -﵁- وَهُزِمَ فِيهَا الرُّومُ، وَفُتِحَتْ الشَّامُ.
وَفِي السَّنَةِ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ هَذَا الْحَادِثِ بِعَشْرِ سِنِينٍ، وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ القادِسِيَّةِ الْعَظِيمَةُ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، وَهُزِمَ فِيهَا الْفُرْسُ هَزِيمَةً نَكْرَاءَ، وَفُتِحَتْ فِيهَا بِلَادُ الْعِرَاقِ.
* مَوْقِفُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ بِشَارةِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
أَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَإِنَّهُ لَمَّا بَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ بِالْفتْحِ، قَالُوا: أَلَا
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب غزوة الترك والحبشة - رقم الحديث (٤٣٧٠) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٤١٧) - وأورده ابن الأَثِيرِ في جامعِ الأُصولِ - رقم الحديث (٨٩٣٢).
[ ٣ / ١٥٤ ]
تَعْجَبُونَ يُحَدِّثُكُمْ وَيُمَنِّيكُمْ وَيَعِدُكُمْ بِالبَاطِلِ، يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بَصُرَ مِنْ يَثْرِبَ قُصُورَ الْحِيرَةِ، وَمَدَائِنَ كِسْرَى، وَأَنَّهَا تُفْتَحُ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَحْفِرُونَ الْخَنْدَقِ، وَلَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَبْرُزُوا (١).
* الانْتِهَاءُ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ:
وَاصَلَ الْمُسْلِمُونَ عَمَلَهُمْ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى تَكَامَلَ الْخَنْدَقُ حَسَبَ الْخُطَّةِ الْمَنْشُودَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ جَيْشُ الْكُفَّارِ الْعَرَمْرَمُ إِلَى أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ التِي اسْتُغْرِقَ فِيهَا حَفْرُ الْخَنْدَقِ:
فَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: أَنَّهُمْ فَرَغُوا مِنْ حَفْرِهِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (٢).
وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ: أَنَّهُمْ أَقَامُوا فِي عَمَلِهِ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً.
وَعِنْدَ الْوَاقِدِي: أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ.
وَفِي الرَّوْضَةِ لِلنَّوَوِيِّ: خَمْسَةَ عَشَرَةَ يَوْمًا (٣).
وَعِنْدَ ابْنِ القيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ قَالَ: أَقَامُوا شَهْرًا.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِأَنْ تَكُونَ أَوَّلُ مَجْمُوعَةٍ مِنَ
_________________
(١) انظر دلائلَ النُّبوةِ للبيهقي (٣/ ٤٢٠).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٢).
(٣) انظر فتحَ الباري (٨/ ١٥٠).
[ ٣ / ١٥٥ ]
الْمَجْمُوعَاتِ التِي وَزَّعَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَرَغَتْ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ اسْتَغْرَقَ مَعَهُمْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَآخِرُ مَجْمُوعَةٍ فَرَغَتْ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ أَخَذَ مَعَهَا شَهْرًا كَامِلًا، وَبِذَلِكَ تُجْمَعُ الْأَقْوَالُ.
* لَا هِجْرَةَ لِلْأَنْصَارِ ﵃:
فِي هَذِهِ الْفتْرَةِ جَاءَ الْحَارِثُ بْنُ زِيَادٍ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيُّ -﵁- بِابْنِ عَمٍّ لَهُ لِيُبَايعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْهِجْرَةِ، فَامْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعَتِهِ، لأنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ -﵁-: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ يُبَايعُ النَّاسَ عَلَى الْهِجَرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ هَذَا. قَالَ -ﷺ-: "وَمَنْ هَذَا؟ "، قَالَ: ابْنُ عمِّي حَوْطُ بْنُ يَزِيدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا أُبايِعُكَ، إِنَّ النَّاسَ يُهَاجِرُونَ إِلَيْكُمْ، وَلَا تُهَاجِرُونَ إِلَيْهِمْ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُحِبُّ رَجُلٌ الْأَنْصَارَ حَتَّى يَلقى اللَّهَ ﵎، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ يُحِبُّهُ، وَلَا يُبْغِضُ رَجُلٌ الْأَنْصَارَ حَتَّى يَلقى اللَّهَ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ يُبْغِضُهُ" (١).
* وُصُولُ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ:
وَمَا إِنْ فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ حَتَّى أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فنَزَلَتْ أَعَالِي أَرْضِ الْمَدِينَةِ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةٍ بَيْنَ الْجَرْفِ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٤٠) - والطحاوي في شرح مشكلِ الآثار - رقم الحديث (٢٦٣٦).
[ ٣ / ١٥٦ ]
وَزَغَابَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطفانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ حَتَّى نَزَلُوا بِذَنَبِ نَقْمَى إِلَى جَانِبِ جَبَلِ أُحُدٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (١).
* خُرُوجُ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَدُهُمْ:
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى جَبَلِ سَلْعٍ، وَوَجُوهَهُمْ إِلَى نَحْوِ الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هُنَالِكَ عَسْكَرَهُ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ ثَلَاثَةَ آلَافِ رَجُلٍ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالذَّرَارِي وَالنِّسَاءِ فَجُعِلُوا فِي الْآطَامِ (٢).
وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ (٣)، وَأَعْطَى لِوَاءَ الْمُهَاجِرِينَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَلِوَاءَ الْأَنْصَارِ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ -﵁-، وَأَوْصَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا بَيَّتَهُمُ الْعَدُوُّ (٤) أَنْ يَكُونَ شِعَارُهُمْ: "حَم لَا يُنْصَرُونَ" (٥).
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (١٠) - انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٤٢) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٤٠٠).
(٢) الآطَامُ: جمع الأُطُمِ بضم الهمزةِ: هو بِنَاءٌ مرتفعٌ. انظر النهاية (١/ ٥٧).
(٣) كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- كثيرًا ما يُخلِفُ ابنَ أمِّ مكتومٍ على المدينة للصَّلاة بالنّاس، وكان -﵁- أعمى، فقد أخرج أبو داود في سننه - رقم الحديث (٥٩٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (٥/ ٥٨٢) بسند حسن عن أنس بن مالك -﵁-: أَنَّ النبي -ﷺ- استخلف ابنَ أمِّ مكتوم يَؤُمُّ الناسَ وهو أعمى.
(٤) تَبْيِيتُ العدوِّ: هو أَنْ يُقصَدَ في الليلِ من غيرِ أَنْ يَعْلَمَ فَيُؤْخَذُ بَغْتَةً، وهو البَيَاتُ. انظر النهاية (١/ ١٦٧).
(٥) أخرج ذلك الترمذي في جامعه - كتاب الجهاد - باب ما جاء في الشِّعارِ - رقم الحديث =
[ ٣ / ١٥٧ ]
* مَنْزِلُ الرَّسُولِ -ﷺ- وَقُدُومُ الأَحْزَابِ:
وَضُرِبَتْ لِلرَّسُولِ -ﷺ- قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ (١)، وَجُعِلَ عَلَى حِرَاسَتِهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ: عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ -﵁-، فَكَانُوا يَحْرُسُونَهُ كُلَّ لَيْلَيةٍ، وَفِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ قَدِمَ الْأَحْزَابُ بِجَيْشٍ ضَخْمٍ جِدًّا قِوَامُهُ كَمَا ذَكَرْنَا عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذهِ الْآيَةِ: أَيْ: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الابْتِلَاءَ وَالاخْتِبَارِ وَالامْتِحَانِ الذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ الْقَرِيبُ، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ -ﷺ- (٣).
* دَهْشَةُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْخَنْدَقِ وَمُنَاوَشَاتُهُمْ:
وَلَمَّا أَرَادَ الْمُشْرِكُونَ مُهَاجَمَةَ الْمُسْلِمِينَ وَاقْتِحَامَ الْمَدِينَةِ، وَجَدُوا خَنْدَقًا عَرِيضًا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، فَدُهِشُوا وَعَجِبُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ، مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا فَلَجَؤُوا إِلَى فَرْضِ الْحِصَارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
_________________
(١) = (١٧٧٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٦١٥) - وإسناده صحيح. قال الإمام البغوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح السنة (١١/ ٥٢): وإذا وقع البيات واختلط المسلمون بالعدو، فيجعل الإمام للمسلمين شعارًا يقولونه يتميّزُون به عن العدوِّ.
(٢) الْأَدَمُ: الجِلْدُ. انظر لسان العرب (١/ ٩٦).
(٣) سورة الأحزاب آية (٢٢).
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٢).
[ ٣ / ١٥٨ ]
وَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ يَدُورُونَ حَوْلَ الْخَنْدَقِ، يَتَحَسَّسُونَ نُقْطَةً ضَعِيفَةً، لِيَنْحَدِرُوا مِنْهَا، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا، فَأَخَذُوا يُنَاوِشُونَ (١) الْمُسْلِمِينَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ وِجَاهَهُمْ يَحْرُسُونَ خَنْدَقَهُمْ وَيَتَطَلَّعُونَ إِلَى جَوْلَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَرْشُقُونَهُمْ (٢) بِالنَّبْلِ، حَتَّى لَا يَجْتَرِئُوا عَلَى الاقْتِرَابِ مِنْهُ.
وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْب إِلَّا الرَّمْيُ بِالنَّبْلِ، وَالحِصَارُ (٣).
* نَقْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ الْعَهْدَ:
ثُمَّ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب كَلَّمَ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْأَلُهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ الذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَيَكُوُنوا مَعَهُمْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ حَتَّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيَّ -سَيِّدَ بَنِي قُرَيْظَةَ- فَأَغْلَقَ كَعْبٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ حِصْنِهِ، وَأَبَى أَنْ يُقَابِلَ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ، لَكِنَّ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ أَلَحَّ عَلى كَعْبِ بْنِ أَسَد وَأَخَذَ يَضْربُ عَلَى بَابِه وَيُنَاديه: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ! افتحْ لِي، فَقَالَ كَعْبٌ: وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ إِنَّكَ امْرُؤٌ مَشْؤُومٌ، وَإِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ مُحَمَّدًا فَلَسْتُ بِنَاقِضٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إِلَّا وَفَاءً وَصِدْقًا.
فَقَالَ حُيَيٌّ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ! افتحْ لِي أُكَلِّمْكَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَقَالَ
_________________
(١) الْمُنَاوَشَةُ في القتالِ: تَدانِي الفَريقينِ. انظر النهاية (٥/ ١١٢).
(٢) الرَّشْقُ: الرَّمْيُ. انظر النهاية (٢/ ٢٠٦).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٣).
[ ٣ / ١٥٩ ]
حُيَيٌّ: وَاللَّهِ مَا أَغْلَقْتَ الْحِصْنَ دُونِي إِلَّا تَخَوُّفَكَ مِنْ أَنْ آكُلَ مِنْ جَشِيشَتِكَ (١)، فَفَتَحَ لَهُ البَابَ، وَدَخَلَ حُيَيٌّ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا كُعْبُ! جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ وَبِبَحْرٍ طَامٍ (٢)، جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، وَقَدْ عَاهَدُونِي عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا (٣) حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: جِئتُنِي وَاللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ وَبِجَهَامٍ (٤) قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ فَهُوْ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا صِدْقًا وَوَفَاءً، وَاللَّهِ مَا أَكْرَهَنَا عَلَى دِينٍ، وَلَا غَصَبَنَا مَالًا، وَلَا نَنْقِمُ (٥) مِنْ مُحَمَّدٍ وَعَمَلِهِ شَيْئًا، وَأَنْتَ تَدْعُو إِلَى الْهَلَكَةِ، فَنُذَكِّرُكَ اللَّهَ إِلَّا مَا أَعْفَيْتَنَا مِنْ نَفْسِكَ.
وَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي الْقُرَظِيُّ فَذَكَرَ وَفَاءَ الرَّسُولِ -ﷺ- وَمُعَاهَدَتَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! إِنَّكُمْ قَدْ حَالفتُمْ مُحَمَّدًا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ أَنْ لَا تَخُونُوهُ وَلَا تَنْصُرُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَأَنْ تَنْصُرُوهُ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، فَأَوْفُوا عَلَى مَا عَاهَدْتُمُوهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ وَاعْتَزِلُوهُمْ.
وَلَكِنَّ حُيَيًّا مَا زَالَ بِكَعْبٍ يَفْتِلُهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالغَارِبِ (٦)، حَتَّى سَمَحَ لَهُ
_________________
(١) الجَشِيشَةُ: هي نوعٌ من أنواع الطعام: وهي أَنْ تُطْحَنَ الحِنْطَةُ طَحْنًا جَلِيلًا، ثم تُجْعَلَ في القُدورِ ويُلقى عليها لَحْمٌ أو تَمر وتُطْبَخُ. انظر النهاية (١/ ٢٦٤).
(٢) طَمَا البحرُ: ارتفعَ بأمواجِهِ. انظر النهاية (٣/ ١٢٦).
(٣) بَرِحَ مكانَهُ: أي زَالَ عنهُ. انظر لسان العرب (١/ ٣٦١).
(٤) الجَهَامُ: بفتح الجيم السَّحابُ الذي لا ماءَ فيهِ. انظر النهاية (١/ ٣١١).
(٥) نَقِمَ الشَّيْءَ: أنكرَهُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٧٢).
(٦) الغَارِبُ: مُقَدَّمُ السِّنانِ وهو الرُّمْحُ، والذُّرْوَةُ: أعلاهُ، أراد أَنَّهُ ما زالَ يُخادِعُهُ ويتلطَّفُ =
[ ٣ / ١٦٠ ]
عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ عَهْدًا وَمِيثَاقًا، لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي حِصنِهِ يُصِيبُهُ مَا يُصِيبُ بَنِي قُرَيْظَةَ، فنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ وَبَرِئَ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
ثُمَّ قَامَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَمَزَّقَتِ الصَّحِيفَةَ التِي كَانَ فِيهَا العَقْدُ، وَدَخَلَتْ بَنُو قُريْظَةَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فِي مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ (١).
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ حِرْصَ بَنِي قُرِيْظَةَ الْأَوَّلَ عَلَى الْتِزَامِ الْعَهْدِ كَانَ خَوْفًا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ فَقَطْ، فَلَمَّا ظَنَّتْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُحِيطَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِب وَأَنَّهَا لَنْ تُؤَاخَذَ عَلَى خِيَانَةٍ، أَسْفَرَتْ عَلَى خِيَانَتِهَا وَانْضَمَّتْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُهَاجِمِينَ (٢).
* الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ -﵁- يَتَأَكَّدُ مِنْ خَبَرِ نَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
فَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُ نَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ الْعَهْدَ مَعَ الرَّسُولِ -ﷺ- بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ -﵁- لِيَتَأَكَّدَ مِنْ صِحَةِ هَذَا الْخَبَرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ جُعِلْتُ أنَّا وَعَمْرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ، فنَظَرْتُ (٣) فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ
_________________
(١) = حتى أجابَهُ. انظر النهاية (٣/ ٣١٥).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٤٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٤٢٩).
(٣) انظر فِقْه السِّيرةِ للشَّيخِ محمَّدٍ الغزاليِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٣٠٠.
(٤) في روايةِ الإمام مسلم في صحيحه، والطحاوي في شرح مُشْكِلِ الآثارِ قال عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ ﵄: فكان عمر بن أبي سلمة يُطَأْطِئُ -أي يَخْفِضُ ظَهْرَهُ- لي مَرَّةً فأنظرُ، وأُطَأْطِئُ له مرةً فينظرُ إلى القتال.
[ ٣ / ١٦١ ]
تَخْتَلِفُ (١) إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ، قَالَ: وَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِنِي بِخَبَرِهِمْ؟ ".
فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: "فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْأَحْزَابِ: "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ (٣) وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ" (٤).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ:
١ - وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِلزُّبَيْرِ وَقُوَّةُ قَلْبِهِ وَصِحَّةُ يَقِينِهِ.
_________________
(١) يَخْتَلِفُ: أي يَذهبُ ويجيءُ. انظر فتح الباري (٧/ ٤٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الفضائل - باب مناقب الزبير بن العوام -﵁- رقم الحديث (٣٧٢٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل طلحةَ والزبيرِ ﵄ - رقم الحديث (٢٤١٦) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٦٢٠).
(٣) الحَوَارِيُّ: أي خَاصَّتِي مِنْ أصحابِي وناصرِي. انظر النهاية (١/ ٤٤٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (٤١١٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل طلحة والزبير ﵄ - رقم الحديث (٢٤١٥).
[ ٣ / ١٦٢ ]
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ سَفَرِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ السَّفَرِ وَحْدَهُ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ (١).
* السَّعْدَانِ ﵄ يَتَأَكَّدَانِ أَكثَرَ مِنْ خَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السَّعْدَانِ: سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، سَيِّدَ الْأَوْسِ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ﵄، وَمَعَهُمَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵄، وَقَالَ لَهُمْ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا أَحَقّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحِنُوا لِي لَحْنًا (٢) أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا (٣) فِي أَعْضَاءِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ".
فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْهُمْ، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ، وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالُوا: لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَلَا عَقْدَ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْمُوَادَعَةِ وَتَجْدِيدِ الْحِلْفِ، فَقَالُوا: الْآنَ وَقَدْ كُسِرَ جَنَاحُنَا -يُرِيدُونَ بِجَنَاحِهِمْ الْمَكْسُورَةِ بَنِي النَّضِيرِ- فَشَاتَمَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -﵁-، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: دَعْ عَنْكَ مُشَاتَمَتَهُمْ فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى (٤) مِنَ الْمُشَاتَمَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ١٤٠).
(٢) قوله -ﷺ-: "فَالْحَنَا لِي لَحَنًا": يعني أشِيرا إليَّ ولا تُفْصِحَا، وعَرِّضا بما رأيتُما، أمرَهما بذلك؛ لأنَّهما ربما أخبَرَا عن العدو بِبَأْسٍ وقُوة، فأحب ألا يقف عليه المسلمون. انظر النهاية (٤/ ٢٠٨).
(٣) يُقال: كَلَّمَهُ بشيء فَفَتَّ في سَاعِدِهِ: أي أضعفَهُ وأَوْهَنَهُ. انظر لسان العرب (١٠/ ١٧٠).
(٤) أَرْبَى: أي أَكْبَرُ وأَزْيَدُ. انظر لسان العرب (٥/ ١٢٦).
[ ٣ / ١٦٣ ]
السَّعْدَانِ وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالُوا: عَضْلٌ وَالْقَارَةُ -أَيْ كَغَدْرِ قَبِيلَةِ عَضْلٍ، وَقَبِيلَةِ القارَةِ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ أَكبَرُ، أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ"، ثُمَّ تَقَنَّعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِثَوْبِهِ فَاضْطَجَعَ وَمَكَثَ طَوِيلًا، فَاشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ وَالْخَوْفُ حِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اضْطَجَعَ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَمْ يَأتِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ خَيْرٌ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "أَبْشِرُوا بِفَتْحِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ" (١).
* اشْتِدَادُ الْخَوْفِ وَظُهُورُ النِّفاقِ:
وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَضَاقَ الْأَمْرُ وَخِيفَ عَلَى الذَّرَارِي وَالنِّسَاءِ، وَأَتَاهُمْ الْأَحْزَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، وَزَاغَتِ الْأَبْصَارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، حَتَّى ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٢).
وَهَذَا الْمَقْطُعُ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ يَتَوَلَّى تَشْرِيحَ حَدَثٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ الضَّخْمَةِ فِي تَارِيخِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِي تَارِيخِ الْجَمَاعَةِ الْمسْلِمَةِ، وَيَصِفُ مَوْقِفًا مِنْ مَوَاقِفِ الامْتِحَانِ الْعَسِيرَةِ، وَهُوَ غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ. . . وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا النَّصَ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٤٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٤٢٩).
(٢) سورة الأحزاب آية (١٠ - ١١).
[ ٣ / ١٦٤ ]
الْقُرْآنِيَّ، وَطَرِيقَةَ عَرْضِهِ لِلْحَادِثِ، وَأُسْلُوبَهُ فِي الْوَصْفِ وَالتَّعْقِيبِ وَوُقُوفَهُ أَمَامَ بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَالْحَوَادِثِ، وَالْحَرَكَاتِ وَالْخَوَالِجِ، وَإِبْرَازَهُ لِلْقِيَمِ وَالسُّنَنِ. . . مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ نُدْرِكُ كَيْفَ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُرَبِّي هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْأَحْدَاثِ وَالْقُرْآنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ (١).
أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: قَالَ فَتًى مِنَّا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -﵁-: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَصَحِبْتُمُوهُ؟
قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي. قَالَ: فكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟
قَالَ حُذَيْفَةُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَلَجَعَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ -﵁-: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْخَنْدَقِ. . .، فَقَالَ: "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجعُ -يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرَّجْعَةَ- أَسْأل اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ"، فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ القوْمِ، مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَشِدَّةِ الْجُوعِ، وَشِدَّةِ الْبَرْدِ (٢).
وَنَجَمَ (٣) النِّفَاقُ، وتَكَلَّمَ الذِينَ فِي قلوبِهِمْ مَرضٌ بِمَا فِي نُفُوسِهِم حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا
_________________
(١) في ظِلالِ القرآن (٥/ ٢٨٣٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٣٣٤) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٥٥).
(٣) نَجَمَ: ظَهَرَ. انظر النهاية (٥/ ٢٠).
[ ٣ / ١٦٥ ]
يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى قَضَاءَ حَاجَتِهِ.
* مَقُوَلةُ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ:
وَقَالَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ فنَرْجعُ إِلَى دَارِنَا فَإِنَّهَا خَارجَ الْمَدِينَةِ، نَخْشَى عَلَيْهَا السَّرِقَةَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَسْتَأْذِنُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَذِنَ لَهُ، وَفِي هَؤُلَاءِ نزلَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (١).
وَجَدَ هَؤُلَاءَ الْمُنَافِقُونَ فِي الْكَرْبِ الْمُزَلْزِلِ، وَالشِّدَّةِ الْآخِذَةِ بِالْخِنَاقِ فُرْصَةً لِلْكَشْفِ عَنْ خَبِيئَةِ نُفُوسِهِمْ وَهُمْ آمِنُونَ مِنْ أَنْ يَلُومَهُمْ أَحَدٌ، وَفُرْصَةً لِلتَّوْهِينِ وَالتَّخْذِيلِ وَبَثِّ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ فِي وَعْدِ اللَّهِ وَوَعْدِ رَسُولِهِ -ﷺ-، وَهُمْ مُطْمَئِنُّونَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ أَحَدٌ بِمَا يَقُولُونَ. فَالْوَاقِعُ بِظَاهِرِهِ يُصَدِّقُهُمْ فِي التَّوْهِينِ وَالتَّشْكِيكِ، وَهُمْ مَعَ هَذَا مَنْطِقِيُّونَ مَعَ أَنْفُسِهِمْ وَمَشَاعِرِهِمْ، فَالْهَوْلُ قَدْ أَزَاحَ عَنْهُمْ ذَلِكَ السِّتَارَ الرَّقِيقَ مِنَ التَّجَمُّلِ، وَرَوَّعَ نُفُوسَهُمْ تَرْوِيعًا لَا يَثْبُتُ لَهُ إِيمَانُهُمْ الْمُهَلْهَلُ! فَجَهَرُوا بِحَقِيقَةِ مَا يَشْعُرُونَ غَيْرَ مُبْقِينَ وَلَا مُتَجَمِّلِينَ!
وَمِثْلُ هَؤُلَاءَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْجِفِينَ قَائِمُونَ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ، وَمَوْقِفُهُمْ فِي
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (١٢ - ١٣).
[ ٣ / ١٦٦ ]
الشِّدَّةِ هُوَ مَوْقِفُ إِخْوَانِهِمْ هَؤُلَاءِ، فَهُمْ نَمُوذَجٌ مُكَرَّرٌ فِي الْأَجْيَالِ وَالْجَمَاعَاتِ عَلَى مَدَارِ الزَّمَانِ (١).
* حَالُ الرَّسُولِ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ الصَّادِقِينَ:
أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْكَرْبِ جَعَلَ يُبَشِّرُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيُفَرَّجَنَّ عَنْكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ، وِإنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ آمِنًا، وَأَنْ يَدْفَعَ اللَّهُ ﷿ إِلَيَّ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللَّهُ كسْرَى وَقَيْصَرُ، وَلَتُنْفَقَنَّ كنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿" (٢).
* حِرَاسةُ الْمَدِينَةِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَبْعَثُ سَلَمَةَ بْنَ أَسْلَمَ -﵁- فِي مِائتَيْ رَجُلٍ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ -﵁- فِي ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ يَحْرُسُونَ الْمَدِينَةَ، وَيُظْهِرُونَ التَّكْبِيرَ، تَخَوُّفًا عَلَى الذَّرَارِي وَالنِّسَاءِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ أَهْلُ الْآطَامِ (٣) مَا كَانُوا يَنَامُونَ إِلَّا عُقَبًا (٤) خَوْفًا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ (٥).
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٥/ ٢٨٣٨).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٤٠٢).
(٣) الأُطُمُ بالضمِّ: بِناءٌ مرتفعٌ. انظر النهاية (١/ ٥٧).
(٤) ينامُون عُقَبًا: أي نُوبًا، تنامُ طائفةٌ بعد طائفةٍ يتناوبون في ذلك. انظر لسان العرب (٩/ ٣٠٤).
(٥) انظر الطبَّقَاتِ الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٣).
[ ٣ / ١٦٧ ]
* بُطُولَةُ صَفِيَّةَ عَمَّةِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَفِعْلًا قَامَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ بِمُهَاجَمَةِ أُطُمٍ مِنْ تِلْكَ الْآطَامِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لِانْقِطَاعِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْخَنْدَقِ جَعَلَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ فِي أُطُمٍ، وَكَانَ مَعَهُمْ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ -﵁-، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَقَدْ حَارَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَقَطَعَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَيْسَ بَيْنَنَا أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنَّا، ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالْمُسْلِمُونَ فِي نُحُورِ عَدُوِّهِمْ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ إِلَيْنَا إِنْ أتَانَا آتٍ، فَقُلْتُ: يَا حَسَّانُ! إِنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ كَمَا تَرَى يَطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَتِنَا مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ يَهُودَ، وَقَدْ شُغِلَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ، فَانْزِلْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ يَا ابْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتِ مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا (١).
_________________
(١) قال الإِمَامُ السُّهَيْلِيِّ في الرَّوْضِ الأُنُف (٣/ ٤٣٣): حمل بعض الناس هذا الموقف من حسان بن ثابت -﵁- على أَنَّهُ كَانَ جَبَانًا شديدَ الجُبْنِ، وهذا غيرُ صحيح، لأن هذا الخبر منقطع الإسناد، ولو صحَّ هذا لَهُجِيَ به حسان، فإنه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزِّبعرى وغيرِهما، وكانوا يُناقِضونَهُ ويَرُدُّونَ عليه، فما عَيَّرهُ أحدٌ منهم بِجُبْنٍ، ولا وَسَمَهُ به. =
[ ٣ / ١٦٨ ]
قَالَتْ: فَلَمَّا لَمْ أَرَ عِنْدَهُ شَيْئًا احْتَجَزْتُ (١)، ثُمَّ أَخَذْتُ عَمُودًا، ثُمَّ نَزَلْتُ مِنَ الْحِصْنِ إِلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالْعَمُودِ حَتَّى قتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْحِصْنِ، فَقُلْتُ: يَا حسَّانُ انْزِلْ إِلَيْهِ فَاسْلُبْهُ (٢) فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعُنِي مِنْ سَلْبِهِ إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ، قَالَ: مَا لِي بِسَلْبِهِ مِنْ حَاجَةٍ (٣).
* اشْتِدَادُ الْحِصَارِ وَسَعْيُ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى مُصَالَحَةِ غَطفانَ:
وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ وَالْحِصَارُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ
_________________
(١) = وقال ابنُ عبد البرِّ في الاستيعاب (١/ ٤٠٥): وقال أكثرُ أهل الأَخبارِ والسِّيَرِ: إِنَّ حسانًا كان من أجبنِ النَّاس، وذكروا من جُبْنِهِ أشياءً مُسْتَشْنَعَةً، كَرِهْتُ ذِكْرَهَا لِنَكَارَتِها، ولَوْ كان حقًّا ما قَالُوا من أنَّه كَانَ جَبَانًا لهُجِيَ به. قلتُ: وَأَمَّا مَوْقِفُهُ -﵁- هذا معَ صفيَّةَ وعَدَمُ قتلِهِ لليهودي، فإنَّ ذلك كان بسببِ عجزِهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ -﵁-. قال ابن إسحاق: إن النبي -ﷺ- قدمَ المدينةَ ولِحَسَّانٍ سِتونَ سنةً، فيكون عمره خمسة وستون سنة يوم الخندق. وقال الحافظ في الإصابة (٢/ ٥٦): والجمهور على أنه عاش مائة وعشرين سنة.
(٢) احْتَجَزَ الرجلُ بالإِزَارِ: إذا شَدَّهُ على وَسَطِهِ. انظر النهاية (١/ ٣٣٢).
(٣) السَّلْبُ: هو ما يأخذُهُ أحدُ القَرينَيْنِ في الحربِ من قَرينِهِ ممَّا يكون عليه ومعه مِنْ سِلاح وثياب ودابة وغيرِها، انظر النهاية (٢/ ٣٤٨).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر شجاعة صفية يوم الخندق - رقم الحديث (٦٩٥٢) - وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: عُرْوَةُ لم يُدْرِكْ صَفِيَّةَ - وأورده الحافظ في الفتح (٦/ ٣٧٨) - وقوى إسناده، وعزَاهُ إلى الإمام أحمد في المسند، ولم أجده في المسند المطبوع - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٥٢) - وابن سعد في طبقاته (٨/ ٢٦٣) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٤٤٢).
[ ٣ / ١٦٩ ]
حِصْنٍ الفزَارِيِّ وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ الْمُرِيِّ -وَهُمَا قَائِدَا غَطفانَ- لِيُصَالِحَهُمَا عَلَى إِعْطَائِهِمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَبِلَا وَجَرَتِ الْمُرَاوَضَةُ (١) عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَى السَّعْدَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵄، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْرًا تُحِبُّهُ فنَصْنَعُهُ؟ أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لابُدَّ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ؟ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟
فَقَالَ -ﷺ-: "بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِأنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ (٢) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ (٣) إِلَى أَمْرٍ مَا".
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءَ الْقوْمِ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأَكُلُوا مِنْهَا ثمَرَةَ إِلَّا قِرًى (٤) أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ
_________________
(١) المُرَاوَضَةُ: هو أَنْ تواصِفَ الرَّجُلَ بالسِّلْعَةِ ليسَتْ عِندَكَ. انظر النهاية (٢/ ٢٥١).
(٢) يُقالُ: هم يَتَكَالَبُونَ على كذا: أي يَتَوَاثَبُونَ عليه. انظر لسان العرب (١٢/ ١٣٦).
(٣) الشَّوْكَةُ: شِدَّةُ البَأْسِ. انظر لسان العرب (٧/ ٢٤٠).
(٤) قَرَى الضَّيْفَ: أَضَافَهُ. انظر لسان العرب (١١/ ١٤٩).
[ ٣ / ١٧٠ ]
نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا؟ وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَأَنْتَ وَذَاكَ" (١).
* اقتِحَامُ نَفَرٍ مِنَ الْمُشرِكِينَ الْخَنْدَقَ:
لَا يَزَالُ الرَّسُولُ -ﷺ- وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى الْخَنْدَقِ، وَعَدُوُّهُمْ يُحَاصِرُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ إِلَّا الرَّمْيُ بِالنِّبَالِ، حَتَّى خَرَجَتْ فَوَارِسٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى خَيْلهِمْ بَعْدَ أَنْ تَلَبَّسُوا لِلْقِتَالِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ، وَعِكْرَمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا تَعْنِقُ (٢) بِهِمْ خَيْلُهُمْ، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، ثُمَّ تيَمَّمُوا (٣) مَكَانًا ضَيِّقًا فَاقْتَحَمُوا مِنْهُ، وَجَالَتْ (٤) بِهِمْ خَيْلُهُمْ فِي أَرْضٍ سَبْخَةٍ (٥) بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ (٦)، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَخَذُوا عَلَيْهِمْ الثَّغْرَةَ التِي اقْتَحَمُوا مِنْهَا خَيْلَهُمْ.
_________________
(١) أخرج ذلك البَزَّار والطبراني بإسنادَينِ كِلاهُما حسن، وانظر مَجْمَعَ الزوائدِ (٦/ ١٣٢). وانظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٤٦) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٦) - زاد المعاد (٣/ ٢٤٤) - الرَّوْض الأُنُف (٣/ ٤١٧).
(٢) تَعْنِقُ: تُسْرعُ. انظر النهاية (٣/ ٢٨٠).
(٣) يُقال: يَمَّمْتُهُ وتَيَّمَّمْتُهُ: إذا قَصَدْتُهُ. انظر النهاية (٥/ ٢٥٩).
(٤) يُقال: جَالَ واجْتَالَ: إذا ذَهَبَ وجَاءَ، ومنه الجَوَلَانُ في الحربِ. انظر النهاية (١/ ٣٦٠).
(٥) الأرض السَّبْخَةُ: هي الأرضُ التي تعلُوها المُلُوحَةُ، ولا تكاد تُنبِتُ إلا بعضَ الشَّجرِ. انظر النهاية (٢/ ٣٠٠).
(٦) سَلْعٌ: بفتح السِّين وسُكُونِ اللامِ: جَبَلٌ معروفٌ بالمدينة. انظر فتح الباري (٣/ ١٩٤).
[ ٣ / ١٧١ ]
* قَتْلُ عَمْرِو بْنِ وُدٍّ:
وَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ يَدْعُو إِلَى البِرَازِ (١)، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَشْجَعِ فُرْسَانِ الْعَرَبِ.
وَكَانَ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلَمًا (٢) لِيُرَى مَكَاُنهُ، فَلَمَّا نَادَى مَنْ يُبَارِزُ؟، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب -﵁-: أنَا لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "اجْلِسْ، فَإِنَّهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ"، فنَادَى مَرَّةً ثَانِيَةً عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ -ﷺ-: "اجْلِسْ فَإِنَّهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ"، فنَادَى عَمْرُو بْنُ وُدٍّ ثَالِثَة: مَنْ يُبَارِزُ؟
فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ وَعَمَّمَهُ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ" فَمَشَى إِلَيْهِ عَلِيٌّ -﵁- وَهُوَ يَقُولُ:
لَا تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَا كَ مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرَ عَاجِزْ
دُو نُبْهَةٍ (٣) وَبَصِيرَةٍ وَالصِّدْقُ مَنْجَا كُلِّ فَائِزْ
فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: وَمَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: أنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
_________________
(١) البِرَازُ: بكسرِ الباء: الْمُبَارَزَةُ في الحربِ. انظر النهاية (١/ ١١٨).
(٢) خرجَ مُعْلَمًا: أي جعلَ لنفسِهِ علامةً ليُعرَفَ بِهَا. انظر النهاية (٣/ ٢٦٤).
(٣) ذو نُبْهَةٍ: أي ذُو فِطْنَةٍ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٩).
[ ٣ / ١٧٢ ]
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: عِنْدَكَ مِنْ أَعْمَامِكَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ، وَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ نَدِيمًا (١) لِي، فَلَا أُحِبُّ قِتَالَكَ فَانْصَرِفْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: يَا عَمْرُو! إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ عَاهَدْتَ اللَّهَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى إِحْدَى خُلَّتَيْنِ إِلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَجَل.
قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولهِ، وَإلى الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النِّزالِ (٢)، فَقَالَ لَهُ: لِمَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: وَلَكِنْ وَاللَّهِ أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَحَمِيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ عِنْدَ ذَلِكَ فَاقْتَحَمَ (٣) عَنْ فَرَسِهِ وَسَلَّ سَيْفَهُ، فَعَقَرَ (٤) فَرَسَهُ وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيٍّ -﵁- مُغْضَبًا، وَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيٌّ -﵁- بِدُرْقَتِهِ (٥) فَضَرَبَهُ عَمْرٌو فِي الدُّرْقَةِ فَقَدَّهَا (٦) وَأَثْبَتَ فِيهَا السَّيْفَ، وَأَصَابَ رَأْسَهُ فَشَجَّهُ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ -﵁- عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ (٧) فَسَقَطَ وَثَارَ العَجَاجُ (٨) وَكَبَّرَ، فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ قَدْ قتَلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ
_________________
(١) النَّديمُ: الذي يُرافِقُكَ ويُشَارِبُكَ. انظر لسان العرب (١٤/ ٩٥).
(٢) النِّزالُ: بكسر النُّونِ: هو تَقَابُلُ القَرِينَيْنِ للقتالِ. انظر النهاية (٥/ ٣٧).
(٣) اقْتَحَمَ: أي رمى بنفسه عن الفرسِ ونزلَ منه. انظر لسان العرب (١١/ ٤٧).
(٤) عَقَرَ: قتَلَ. انظر النهاية (٣/ ٢٤٦).
(٥) الدُّرْقَةُ: التِّرْسُ من الجُلُودِ. انظر لسان العرب (٤/ ٣٣٣).
(٦) القَدُّ: القَطْعُ والشَّقُّ. انظر النهاية (٤/ ١٩).
(٧) العَاتِقُ: ما بين المَنْكِبِ والعُنُقِ. انظر لسان العرب (٩/ ٣٨).
(٨) العَجَاجُ: الغُبَارُ. انظر لسان العرب (٩/ ٥٤).
[ ٣ / ١٧٣ ]
عَلِيٌّ -﵁- نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَوَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ.
وَوَلَّى الْبَاقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُنْهَزِمِينَ فَاقْتَحَمُوا بِخَيْلِهِمْ الْخَنْدَقِ هَارِبِينَ، وَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الرُّعْبُ إِلَى أَنْ أَلْقَى عِكْرَمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رُمْحَهُ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ (١).
قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ الْعَطَارِدِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ آدَمَ يَقُولُ: مَا شَبَّهْتُ قتلَ عَلِيٍّ عَمْرًا إِلَّا بِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ (٢).
* مَقْتَلُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:
وَأَقْبَلَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ يُرِيدُ أَنْ يَجْتَازَ الْخَنْدَقَ، فَوَقَعَ فِيهِ فَصُرعَ، وَقِيلَ حَمَلَ عَلَيْهِ (٣) الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ -﵁- بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا بِجَسَدِهِ -أَيْ بِجَسَدِ عَمْرِو بْنِ وُدٍّ قبَّحَهُ اللَّهُ- وَنُعْطِيكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا حَاجَةَ لَنَا فِي جَسَدِهِ وَلَا بِثَمَنِهِ"، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "ادْفَعُوا إِلَيْهِمْ جِيفَتَهُمْ، فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ، خَبِيثُ الدِّيَةِ، وَلَا نَأْكُلُ
_________________
(١) أخرج قصة قتل علي بن أبي طالب -﵁- عمرو بن ود: الحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٣٨٥) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٤٨) - بدون سند. قال الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٥٧٧): قصة مبارزة علي -﵁- لعمرو بن وُدّ وقتله إيَّاه لا أعرف لها طريقًا مسندًا صحيحًا، وإنما هي من المراسيل والمعاضيل.
(٢) سورة البقرة آية (٢٥١) - والخبر في المستدرك (٣/ ٥٧٦).
(٣) حَمَلَ عليه: شَدَّ عليه شَدَّةً منكرة. انظر لسان العرب (٣/ ٣٣٦).
[ ٣ / ١٧٤ ]
ثَمَنَ الْمَوْتَى" فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ (١).
* الصَّحَابِيُّ الذِي قَتَلَتْهُ حَيَّةٌ:
لَا تَزَالُ الْمُنَاوَشَاتُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ قَائِمَةً، وَكَانَ بعَضْ الصَّحَابَةِ يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي الذَّهَابِ إِلَى بَيْتِهِ لِيَرَى أَحْوَالَ أَهْلِهِ وَيَرْجعُ، فَاسْتَأْذَنَ فَتى مِنْ فِتْيَانِ الْأَنْصَارِ إِلَى بَيْتِهِ فَوَجَدَ حَيَّةً فِي بَيْتِهِ فَرَمَاهَا بِالرُّمْحِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فَقتَلَتْهُ وَمَاتَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ: كَانَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَتى شَابٌّ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلَكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- فِي أَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنهُ يَوْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ"، فَأَخَذَ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةٌ، فَأَهْوَى (٢) إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اُكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ (٣)، وَادْخُلْ
_________________
(١) أخرج قصة قتل الزبير بن العوام -﵁- لنوفل بن عبد اللَّه بن المغيرة: البيهقي في دلائله (٣/ ٤٣٧) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٨٣). وأخرج الإمام أحمد في مسنده بسند ضعيف - رقم الحديث (٢٢٣٠) عن ابن عباس ﵄ قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلًا من المشركين، فأعطوا بجيفته مالًا، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ادفعوا إليهم جيفتهم، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية"، فلم يقبل منهم شيئًا.
(٢) هَوَتْ يَدِي للشَّيْءِ: امتَدَّتْ وارْتفعَتْ. انظر لسان العرب (١٥/ ١٦٧).
(٣) اكْفُفْ عليكَ رُمْحَكَ: أي اجْمَعْهُ. انظر لسان العرب (١٢/ ١٢٤).
[ ٣ / ١٧٥ ]
الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مُنْطَوَيةٌ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانتظَمَهَا بِهِ (١)، ثُمَّ خَرَجَ، فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَوِ الْفَتَى، فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ ﷿ يُحْيِيهِ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينهِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (٢).
* إِصَابَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁-:
اسْتَمَرَّتِ الْمُنَاوَشَاتُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، فَرَمَى حِبَّانُ بْنُ العَرِقَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ -﵁- بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ بِأَكْحَلِهِ (٣).
فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَقْفُو (٤) آثَارَ النَّاسَ، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁-، وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، يَحْمِلُ مِجَنَّةً (٥)، فَجَلَسْتُ
_________________
(١) انْتَظَمَ الصَّيْدَ: إذا طَعَنَهُ أو رماهُ حتى يُنْفِذَهُ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٩٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب قتل الحيات وغيرها - باب قتل الحيات - رقم الحديث (٢٢٣٦) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٩٣٨).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٧٤): الأَكْحَل: بفتح الهمزة والمهملة بينهما كاف ساكنة وهو عِرْقٌ في وَسَطِ الذِّرَاعِ.
(٤) أَقْفُوا: أَتْبَعُ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٦٣).
(٥) المِجَنُّ: التِّرْسُ. انظر النهاية (٤/ ٢٥٦).
[ ٣ / ١٧٦ ]
فَجَلَسْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا أَطْرَافُهُ، فَأنَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أَطْرَافِ سَعْدٍ، قَالَتْ: وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلهِمْ، فَمَرَّ وَهُوَ يَرْتَجِزُ يَقُولُ:
لَبِّثْ قَلِيلًا يُدْرِكُ الْهَيْجَا (١) حَمَلْ مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ
قَالَتْ ﵂: . . . وَرَمَى سَعْدًا رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ بِسَهْمٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ، فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ، فَقَطَعَهَا (٢).
وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ -﵁- عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحِ، وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ جَابِرٌ -﵁-: . . . فَحَسَمَهُ (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّارِ، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فتَرَكَهُ، فنَزَفَهُ الدَّمُ، فَحَسَمَهُ أُخْرَى، فَانْتفَخَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ ذَلِكَ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي (٤) حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي (٥) مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ،
_________________
(١) الْهَيْجَا: الحُرُوبُ. انظر النهاية (٥/ ٢٤٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب مناقب الصحابة - باب ذكر وصف دعاء سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٧٠٢٨).
(٣) قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٦٤): حَسَمَهُ: أي كَوَاهُ ليقطعَ دَمَهُ، وأَصْلُ الحَسْمِ القَطْعُ.
(٤) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧٠٢٨) قالت عائشة ﵂ قال سعد: اللهم لا تمتني.
(٥) تُقِرَّ عَيْنِي: أي تُسِرَّها بذلك وتُفْرِحَهَا، وقيل معنى أَقَرَّ اللَّهُ عينَكَ: بَلَّغَكَ أُمْنِيَتَكَ حتى ترضى نفسُك وتسكن عينُك. انظر النهاية (٤/ ٣٥).
[ ٣ / ١٧٧ ]
وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ وَمَوَالِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ (١)، فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ -﵁- (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ وَليِّهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁- فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَقرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، فَحَكَمَ فِيهِمْ بِقُدْرَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ، وَجَعَلَهُمْ هُمُ الذِينَ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَحَكَمَ بِقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ فَوْقَ سَبْعِ أَرْقِعَةٍ" (٣).
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَنْ يُحْمَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -﵁- إِلَى الْمَسْجِدِ لِيُطَبَّبَ فِيهِ، وَليَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ: رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ (٤).
_________________
(١) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧٠٢٨) قالت عائشة ﵂: فَبَرِأَ كَلْمُهُ. والكَلْمُ: الجُرْحُ. انظر النهاية (٤/ ١٧٣).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب لكل داء دواء - رقم الحديث (٢٢٠٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٥٧٩).
(٣) انظر البداية والنهاية (٤/ ٤٩٢) - وقوله -ﷺ-: "أَرْقِعَةٍ" يعني سبعَ سمواتٍ، وكل سَماءٍ يُقال لها رَقِيعٌ، والجمع: أَرْقِعَةُ. انظر النهاية (٢/ ٢٢٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب - رقم الحديث (٤١٢٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب جواز قتال من نقض العهد - رقم الحديث (١٧٦٩).
[ ٣ / ١٧٨ ]
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَتْ ﵂: لِتَقْرُبَ عَلَيْهِ عِيَادَتُهُ (١).
* رُفَيْدَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ ﵂ تُدَاوِي الْجَرْحَى:
وَكَانَتِ التِي تُدَاوِي الْجَرْحَى رُفَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ ﵂، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ أَكْحَل سَعْدٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَثقُلَ، حَوَّلُوهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ، يُقَالُ لَهَا: رُفَيْدَةُ، وَكَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى (٢).
* اسْتِمْرَارُ الْقِتَالِ وَفَوَاتُ الصَّلَاةِ:
وَلَمَّا طَالَ الْمُقَامُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ اتَّعَدُوا (٣) أَنْ يَغْدُوا (٤) جَمِيعًا وَلَا يَتَخَلَّفَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَبَاتُوا يُعَبِّؤُونَ (٥) أَصْحَابَهُمْ، ثُمَّ وَافَوا (٦) الْخَنْدَقَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَخَذُوا يُفَرِّقُونَ كَتَائِبَهُمْ حَوْلَهُ، فَعَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَوَعَدَهُمُ النَّصْرَ إِنْ صَبَرُوا، فَأَحْدَقَ (٧) الْمُشْرِكُونَ بِكُلِّ وَجْهٍ مِنَ الْخَنْدَقِ،
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٠٠٧).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٦٣) - وأخرجه ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٢٧).
(٣) اتَّعَدُوا: أي تَوَاعَدُوا. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٤٢).
(٤) الْغُدْوَةُ: هو السَّيْرُ أولَ النَّهار. انظر النهاية (٣/ ٣١١).
(٥) عَبَّأْتُ الجَيْشَ: أي رَتَّبْتُهُم في مواضِعِهم وهَيَّأتُّهم للحربِ. انظر لسان العرب (٩/ ٦).
(٦) يُقال: وَفِيَ الشَّيْءُ، ووفَّى: إذا تَمَّ وكَمُلَ. انظر النهاية (٥/ ١٨٣).
(٧) كلُّ شيء استدارَ بشيء وأحاط به، فقد أَحْدَقَ به. انظر لسان العرب (٣/ ٨٧).
[ ٣ / ١٧٩ ]
وَوَجَّهُوا عَلَى قُبَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ- كَتِيبَةً غَلِيظَةً فِيهَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ -﵁-، فَقَاتَلُوهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ اللَّيْلِ، مَا يَقْدِرُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَزُولُوا مَوَاضِعَهُمْ، وَلَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا أَصْحَابُهُ الْعَصْرَ إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ مُتَفَرِّقِينَ إِلَى مَنَازِلهِمْ وَعَسْكَرِهِمْ، وَانْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قُبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ -﵁- عَلَى الْخَنْدَقِ فِي مِائتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَرَّ (١) خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ -﵁- فِي خَيْلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ غِرَّةَ (٢) الْمُسْلِمِينَ، فَنَاوَشُوهُمْ (٣) سَاعَةً، فزَرَقَ (٤) وَحْشِيُ بْنُ حَرْبٍ الطُّفيْلَ بْنَ النُّعْمَانِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بِمِزْرَاقَةٍ (٥) فَقتَلَهُ، وَانْكَشَفُوا، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ قِتَالٌ حَتَّى انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ، لَكِنَّهُمْ لَا يَدَعُونَ الطَّلَائِعَ (٦) بِاللَّيْلِ يَطْمَعُونَ فِي الْغَارَةِ (٧).
فَلَمَّا صَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي قُبَّتِهِ جَمَعَ أَصْحَابَهُ فَصَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ، ثُمَّ الْمَغْرِبَ (٨).
_________________
(١) كَرَّ: رَجَعَ. انظر لسان العرب (١٢/ ٦٤).
(٢) الغِرَّةُ: الغَفْلَةُ. انظر النهاية (٣/ ٣١٩).
(٣) الْمُنَاوَشَةُ في القتال: تَداني الفَريقَيْنِ، وأَخْذُ بعضِهِمْ بَعْضًا. انظر النهاية (٥/ ١١٢).
(٤) زَرَقهُ: طَعَنَهُ أو رَمَاهُ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٩).
(٥) الْمِزْرَاقُ: الرُّمْحُ القصيرُ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٩).
(٦) الطَّلائعُ: هم القومُ الذين يُبعَثُونَ لِيَطَّلِعُوا على العدو كَالجَواسيسِ. انظر لسان العرب (٨/ ١٨٥).
(٧) الإِغَارُة: النَّهْبُ. انظر لسان العرب (١٠/ ١٤٢).
(٨) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٤٠٢).
[ ٣ / ١٨٠ ]
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا"، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ (١) فتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ (٢).
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوْ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى (٣) صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا"، أَوْ قَالَ: "حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا" (٤).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٢٦٧): بُطْحَانُ: بضمِّ أولِّهِ وسُكُونُ ثانيه: وَادٍ بالمدينةِ.
(٢) أخرجه البخاري - كتاب الصلاة - باب من صلى بالناس جماعةً بعد ذهاب الوقت - رقم الحديث (٥٩٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر - رقم الحديث (٦٣١) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف - رقم الحديث (٢٨٨٩) - والبغوي في شرح السنة - رقم الحديث (٣٩٦).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٥٥): وكونُ الصلاة الوسطى هي صلاة العصر هو المُعْتَمَدُ، وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه. وقال الترمذي في جامعه (١/ ٢٢٩): هو قول أكثر علماء الصحابة.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر - رقم الحديث (٦٢٨).
[ ٣ / ١٨١ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: ثُمَّ صَلَّاهَا -أَيْ صَلَاةَ الْعَصْرِ- بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءَ (١).
وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّ الذِي فَاتَهُمْ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ، وَأَنَّهُمْ صَلُّوهَا بَعْدَ هَوِيٍّ (٢) مِنَ اللَّيْلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٣)، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ بِلَالًا، فَأَقَامَ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهَا، وَأَحْسَنَ صَلَاتَهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ، فَصَلَّاهَا، وَأَحْسَنَ صَلَاتَهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، قَالَ: وَذَلِكُمْ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٤).
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدْ ضَعِيفٍ لِانْقِطَاعِهِ لَكِنَّهُ يَرْتَقِي إِلَى
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر - رقم الحديث (٦٢٧) (٢٠٥).
(٢) الْهَوِيُّ من اللَّيْلِ: الحينُ الطَّويل من الزَّمان، وقيل: هو مُخْتَصٌّ بالليل. انظر النهاية (٥/ ٢٤٥).
(٣) سورة الأحزاب آية (٢٥).
(٤) سورة البقرة آية (٢٣٩) - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٤٦٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف - رقم الحديث (٢٨٩٠).
[ ٣ / ١٨٢ ]
دَرَجَةِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ لِشَوَاهِدِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ -ﷺ- يوْمَ الْخَنْدَقِ عِنْ أَرْبَعِ (١) صَلَوَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ طَافَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ﷿ غَيْرُكُمْ" (٢).
* إِسْلَامُ نُعَيمِ بْنِ مَسْعُودٍ وَخِدَاعُهُ الْمُشْرِكِينَ:
وَبَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الشِّدَّةِ، وَهَذَا الْخَوْفِ الذِي وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٢٦٧): وفي قوله -﵁-: "أربع" تَجَوُّزٌ؛ لأنَّ العشاء لم تكن فاتت. قال اليعمري: من الناس من رجّح ما في الصحيحين، وصرح بذلك ابن العربي، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شُغِل عنها واحدة، وهي العصر. قلت (القائل الحافظ): ويؤيده حديث علي -﵁- في صحيح مسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر"، قال: ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال: وهذا أولى. قلت (القائل الحافظ): ويقربه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر -﵁-، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٥٥٥) - وأخرجه الترمذي في جامعه- كتاب الصلاة - باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ؟ - رقم الحديث (١٧٧) - وأخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٣١) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب أبواب قضاء الفوائت - باب كيف يقضي الفائت من الصلاة - رقم الحديث (١٦٠٢) - قال الترمذي: حديث عبد اللَّه ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد اللَّه. قلت: لكنه يتقوى بكثرة شواهده، منها حديث أبي سعيد الخدري -﵁- الذي مرَّ قبل قليل.
[ ٣ / ١٨٣ ]
كِتَابِهِ، مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَرَمْيِهِمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ يُحْدِثُ اللَّهُ ﷾ أَمْرًا وَهُوَ: إِسْلَامُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ -﵁-.
وَدَعُونَا نَتْرُكُ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ -﵁- يُحَدِّثُنَا بِنَفْسِهِ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ -﵁-: لَمَّا سَارَتِ الْأَحْزَابُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، سِرْتُ مَعَ قَوْمِي وَأَنَا عَلَى دِينِي ذَلِكَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِي عَارِفًا، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ فكَتَمْتُ ذَلِكَ قَوْمِي، وَخَرَجْتُ حَتَّى أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَآنِي جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: "مَا جَاءَ بِكَ يَا نُعَيْمُ؟ ".
قُلْتُ: إِنِّي جِئْتُ أُصَدِّقُكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِي فِي الدَّلَائِلِ: قَالَ نُعَيْمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِي أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي فَمُرْنِي أَمْرَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ (١) عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ: فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ" (٢).
_________________
(١) تَخَاذَلَ القومُ: تَدَابَرُوا. انظر لسان العرب (٤/ ٤٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٦/ ٢٦٩): أَصْلُ الخَدْعِ: إِظْهَارُ أمرِ وإِضْمَارُ خلافِهِ، وفي هذا الحديث: التحريض على أخذ الحَذَرِ في الحرب، والندب إلى خِدَاعِ الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه، وفيه الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب. وقال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (١٢/ ٤٠): واتفقوا على جواز خِدَاعِ الكفار في الحرب كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. وقوله -ﷺ-: "الحرب خدعة" أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٠٣٠) - =
[ ٣ / ١٨٤ ]
قَالَ نُعَيْمٌ: وَلَكِنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ائْذَنْ لِي فَأَقُولُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُلْ مَا بَدَا لَكَ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ"، فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁- حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا (١) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ! قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إِيَّاكُمْ، وَخَاصَّةً مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: صَدَقْتَ، لَسْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَأَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تُحَوِّلُوا مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وِإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ قَدْ جَاؤُوا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ ظَاهَرتُمُوهُمْ (٢) عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، فَإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً (٣) أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا ببلَادِهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ بِبَلَدِكُمْ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ إِنْ خَلَا بِكُمْ، فَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا (٤) مِنْ أَشْرَافِهِمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمَّدًا، حَتَّى تُنَاجِزُوهُ (٥)، فقالوا له: لقد أَشَرْتَ بِالرَّأي.
ثُمَّ خَرَجَ نُعَيْمٌ -﵁-، حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَنْ
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٣٩).
(٢) النَّدِيمُ: هو الذي يُرافقُك ويُشاربُك. انظر لسان العرب (١٤/ ٩٥).
(٣) تَظَاهَرُوا عليه: تَعَاونوا. انظر لسان العرب (٨/ ٢٧٧).
(٤) النّهْزَةُ: الفُرْصَةُ، وانتهَزْتُهَا: اغْتَنَمْتُهَا. انظر النهاية (٥/ ١١٩).
(٥) الرَّهْنُ: ما وُضِعَ عند الإنسان مما ينوب منابَ مَا أُخِذَ منه. انظر لسان العرب (٥/ ٣٤٨).
(٦) الْمُنَاجَزَةُ في الحرب: الْمُبارَزَةُ. انظر النهاية (٥/ ١٨).
[ ٣ / ١٨٥ ]
مَعَهُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا، وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْتُ عَلَيَّ حَقًّا أَنْ أَبِلِّغَكُمُوهُ، نُصْحًا لَكُمْ، فَاكْتُمُوا عَنِّي، فَقَالُوا: نَفْعَلُ، قَالَ: تَعْلَمُوا أَنَّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ: إِنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَلْ يُرْضِيكَ أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنَ الْقَبِيلَتَيْنِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطفانَ، رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فنعْطِيكَهُمْ، فتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ نَكُونُ مَعَكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ: أَنْ نَعَمْ.
فَإِنْ بَعَثَتْ إِلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا.
ثُمَّ خَرَجَ نُعَيْمٌ -﵁- حَتَّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إِنَّكُمْ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَا أَرَاكُمْ تَتَّهِمُونِي، قَالُوا: صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، قَالَ: فَاكْتُمُوا عَنِّي، قَالُوا: نَفْعَلُ فَمَا أَمْرُكَ؟
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشٍ، وَحَذَّرَهُمْ مَا حَذَّرَهُمْ.
* وُقُوعُ الْخِلَافِ وَالْفُرْقَةِ بَيْنَ الْأَحْزَابِ:
وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَرُؤُوسُ غَطَفَانَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: عِكْرَمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فِي نَفَرَيْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّا لَسْنَا
[ ٣ / ١٨٦ ]
بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفُّ (١) وَالْحَافِرُ (٢)، فَاغْدُوا (٣) لِلْقِتَالِ حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، وَنَفْرَغَ مِمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ: إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ وَهُوَ يَوْمٌ لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِ بَعْضُنَا حَدَثًا، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ (٤)، وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِالذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، يَكُوُنونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا، حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّا نَخْشَى إِنْ ضَرَّسَتْكُم (٥) الحَرْبُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَنْ تَنْشَمِرُوا (٦) إِلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا وَالرَّجُلُ فِي بَلَدِنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِذَلِكَ مِنْهُ.
فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطفانُ: وَاللَّهِ إِنَّ الذِي حَدَّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، فَأَرْسَلُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَدْفَعُ إِلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَالَ فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا، فَقَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، حِينَ انْتَهَتِ الرُّسُلُ إِلَيْهِمْ بِهَذَا: إِنَّ الذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، مَا يُرِيدُ القوْمُ إِلَّا أَنْ تُقَاتِلُوا فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتهَزُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ فِي بَلَدِكُمْ،
_________________
(١) أراد بالْخُفِّ: الْإِبِلَ. انظر النهاية (٢/ ٥٣).
(٢) الحَافِرُ: الخَيْلَ؛ لأنَّ الفرسَ بشدَّةِ دَوْسِهَا تَحْفُرُ الأرضَ. انظر النهاية (١/ ٣٩٠).
(٣) الغَدْوَةُ: سَيْرُ أولِ النَّهارِ. انظر النهاية (٣/ ٣١١).
(٤) الذي أصابهم هو أن حولهم اللَّه ﷾ إلى قردة وخنازير، كما ذكر ﷾ ذلك في سورة البقرة آية (٦٥ - ٦٦)، وسورة الأعراف آية (١٦٣ - ١٦٦).
(٥) ضَرَّسَتْهُ الحُرُوبُ تُضَرِّسُهُ ضَرَسًا: عضته. انظر لسان العرب (٨/ ٥١).
(٦) الانْشِمَارُ والاشْتِمَارُ: الْمُضِيُّ والنُّفُوذُ. انظر لسان العرب (٧/ ١٩١).
[ ٣ / ١٨٧ ]
فَأَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَخَذَّلَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَيَئِسَ هَؤُلَاءِ مِنْ نَصْرِ هَؤُلَاءَ، وَهَؤُلَاءَ مِنْ نَصْرِ هَؤُلَاءِ، وَاخْتَلَفَ أَمْرُهُمْ وَتَفَرَّقُوا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَيْ: لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى مُنَازَلَتِهِمْ وَمُبَارَزَتِهِمْ حَتَّى يُجْلُوهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، بَلْ كَفَى اللَّهُ وَحْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَلهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ" (٢).
* دُعَاءُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى الأَحْزَابِ:
وَفِي هَذِهِ الْغَمْرَةِ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمَخَاوِفِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ لَا يَنْفَكُّونَ عَنِ الدُّعَاءِ للَّهِ رَبِّ الَعَالَمِينَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: دَعَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٢٥) - وانظر تفاصيل قصة تخذيل نعيم بن مسعود -﵁- بين المشركين واليهود في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٤٥٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٧) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٥٣) - زاد المعاد (٣/ ٢٤٤).
(٢) أخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق وهى الأحزاب - رقم الحديث (٤١١٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الذكر والدعاء - باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل - رقم الحديث (٢٧٢٤) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٦/ ٣٩٦).
[ ٣ / ١٨٨ ]
الْأَحْزَابِ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الْأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ" (١).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ يَتَقَوَّى بِهَا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قُلْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ، فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ (٢)؛
فَقَالَ -ﷺ-: "نَعَمْ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا".
قَالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ ﷿ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ﷿ بِالرِّيحِ (٣).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّد سَعِيدُ رَمَضانَ الْبُوطِيُّ: كَيْفَ وَبِأَيِّ وَسِيلَةٍ انْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ؟ لَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّ الْوَسِيلَةَ التِي الْتَجَأَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَاُبهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، هِيَ نَفْسُهَا التِي الْتَجَأَ إِلَيْهَا فِي الْخَنْدَقِ. . إِنَّهَا وَسِيلَةُ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ بِالدُّعَاءِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (٤١١٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو- رقم الحديث (١٧٤٢) (٢١).
(٢) قال السِّندي في شرح المسند (٦/ ٣٣٤): أي كادتْ تخرُجُ من البَدَن، وتنشقُّ من شدة الخوف.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٩٩٦) - وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٢٠١٨).
[ ٣ / ١٨٩ ]
وَالِاسْتِغَاثَةِ، بَلْ لَقَدْ كَانَ هُوَ الْعَمَلُ المْتُكَرِّرُ الدَّائِمُ الذِي ظَلَّ يَفْزَعُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، كُلَّمَا لَقِيَ عَدُوًّا أَوْ سَارَ إِلَى جِهَادٍ، وِهَي الْوَسِيلَةُ التِي تَعْلُو فِي تَأْثِيرِهَا عَلَى كُلِّ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِلِ الْمَادِّيَّةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْوَسِيلَةُ التِي لَا تَصْلُحُ حَالُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا إِذَا قَامَتْ عَلَى أَسَاسِهَا بِعِنَايَةٍ كَامِلَةٍ (١).
* هَزِيمَةُ الْأَحْزَابِ:
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ ﷾ دُعَاءَ رَسُولهِ -ﷺ- وَالْمُؤْمِنِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَحْزَابِ رِيحًا شَدِيدَةً فِي لَيْلَةٍ شَاتيَةٍ بَارِدَةٍ، فَجَعَلَتْ تَكْفَأُ قُدُورَهُمْ، وَتُطْفِئُ نِيرَانَهُمْ، وَتَهْدِمُ خِيَامَهُمْ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَمْ يَكَدْ يَهْتَدِي إِلَى رَحْلِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا (٢)، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ" (٣).
وَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ تزلْزِلُهُمْ، وَتُلْقِي الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُ الْأَحْزَابِ رُعْبًا وَخَوْفًا وَهَلَعًا، وَفِي ذَلِكَ
_________________
(١) انظر فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص ٢٢٢.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢١٦): الصَّبَا: بِفَتْحِ الصَّادِ: هي الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ، ويُقَالُ لها القَبُولُ؛ لأنَّها تُقَابِلُ بابَ الكعبةَ إِذْ مَهَبُّهَا من مَشْرِقِ الشَّمْسِ، وضِدُّهَا الدَّبُورُ، وهي التي أُهْلِكَتْ بها قومُ عادٍ، ومن لطيف المناسبة كون القَبُولِ نَصَرَتْ أهلَ القَبولِ، وكون الدبور أهلكَتْ أهلَ الأدبار.
(٣) أخرجه البخاري - كتاب الاستسقاء - باب قول النبي -ﷺ-: "نصرت بالصبا" - رقم الحديث (١٠٣٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صلاة الاستسقاء - باب في ريح الصبا والدبور - رقم الحديث (٩٠٠).
[ ٣ / ١٩٠ ]
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا (١) وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَلَوْلَا أَنْ جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ -ﷺ- رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، لَكَانَتْ هَذِهِ الرِّيحُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ مِنَ الرِّيحِ الْعَقِيمِ عَلَى عَادٍ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٣) فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ هَوَاءً فَرَّقَ شَمْلَهُمْ، كَمَا كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمْ مِنَ الْهَوَى، وَهُمْ أَخْلَاطٌ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، أَحْزَابٌ وَآرَاءٌ، فنَاسَبَ أَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْهَوَاءُ الذِي فَرَّقَ جَمَاعَتَهُمْ، وَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ خَاسِرِينَ بِغَيْظِهِمْ وَخَنَقَهُمْ (٤)، لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا لَا فِي الدُّنْيَا، مِمَّا كَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الظَّفَرِ (٥) وَالْمَغْنَمِ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ بِمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الْآثَامِ فِي مُبارَزَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، بِالْعَدَاوَةِ، وَهَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ، وَاسْتِئْصَالِ جَيْشِهِ، وَمَنْ هَمَّ بِشَيْء، وَصَدَّقَ هَمَّهُ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَفَاعِلِهِ (٦).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٦/ ٣٨٥): هم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يابني فلان إليّ، فيجتمعون إليه فيقول: النجاء النجاء، لما ألقى اللَّه تَعَالَى في قلوبهم من الرعب.
(٢) سورة الأحزاب آية (٩).
(٣) سورة الأنفال آية (٣٣).
(٤) الْخَنْقُ: الْغَيْظُ. انظر النهاية (١/ ٤٣٤).
(٥) الظَّفَرُ: الفَوْزُ بالمطلوب. انظر لسان العرب (٨/ ٢٥٥).
(٦) انظر تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٥).
[ ٣ / ١٩١ ]
* بَعْثُ الرَّسُولِ -ﷺ- حُذَيْفَةَ -﵁- لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَحْزَابِ:
فَلَمَّا أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَحَزاب الرِّيحَ، أَرَادَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلًا؛ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَحْزَابِ، فَأَرْسَلَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ -﵁- فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قَالَ: قَالَ فَتًى مِنَّا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -﵁-: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَصَحِبْتُمُوهُ؟
قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَلَجَعَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْخَنْدَقِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ اللَّيْلِ هَويًّا (١)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ -يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ يَرْجعُ- أَدْخَلهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ (٢) "، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجعُ -يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرَّجْعَةَ- أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رِفِيقِي فِي الْجَنَّةِ"، فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَشِدَّةِ الْجُوعِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ يَكُنْ لِيُ بدٌّ مِنَ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: "يَا حُذَيْفَةُ! فَاذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَا يَفْعَلُونَ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا".
_________________
(١) الْهَوِيُّ: بالفتح: الحِينُ الطويلُ من الزَّمانِ، وهو مُخْتَصٌّ بالليلِ. انظر النهاية (٥/ ٢٤٥).
(٢) في رواية الإمام مسلم في صحيحه: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "جعله اللَّه معي يوم القيامة".
[ ٣ / ١٩٢ ]
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِي الْقَوْمِ (١)، وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللَّهِ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ، لَا تُقِرُّ لَهُمْ قِدْرًا وَلَا نَارًا وَلَا بِنَاءً، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لِيَنْظُرِ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الذِي إِلَى جَنْبِي، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ (٢)، وَأَخْلفتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمُ الذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، وَاللَّهِ مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ، وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ (٣) فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ عَلَى ثَلَاثٍ، فَمَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي"، ثُمَّ شِئْتُ لقتلْتُهُ بِسَهْمٍ (٤).
_________________
(١) في رواية الإمام مسلم في صحيحه: قال حذيفة -﵁-: فلما وليت من عنده جَعلتُ كأنما أمشي في حَمّام، حتى أتيتهم. قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٢٣): يعني أنه لم يجد البرد الذي يجده الناس من تلك الريح الشديدة شيئًا، بل عافاه اللَّه تَعَالَى منه ببركة إجابته للنبي -ﷺ- وذهابه فيما وجهه له، ودعائه -ﷺ- له.
(٢) الكُرَاعُ: اسم لجميعِ الخيلِ. انظر النهاية (٤/ ١٤٣).
(٣) مَعْقُولٌ: أي مَشْدُودٌ بالعِقَالِ، والعِقَالُ: هو الحَبْلُ الذي يُرْبَطُ بِهِ البَعِيرُ. انظر النهاية (٣/ ٢٥٤).
(٤) في رواية الإمام مسلم في صحيحه قال حذيفة -﵁-: فرأيت أبا سفيان يَصْلِي ظهرَهُ بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ولا تذعرهم عليّ" ولو رميته لأصبته.
[ ٣ / ١٩٣ ]
قَالَ حُذَيْفَةُ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ (١) لِبَعْضِ نِسَائِهِ مُرَحَّلٍ، فَلَمَّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إِلَى رَحْلِهِ، وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَإِنَّهُ لَفِيهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرتُهُ الْخَبَرَ (٢)، وَسَمِعَتْ غَطفانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فَانْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (٣).
* الرُّجُوعُ مِنَ الْخَنْدَقِ إِلَى إِلَى الْمَدِينَةِ:
فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ فتَحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ، وَأَقَرَّ أَعْيُنَهُمْ بِجَلَاءِ الْأَحْزَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ" (٤).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبوَّةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ فَصَدَّتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ الْبَيْتِ، وَوَقَعَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ نَقَضُوهَا فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ -ﷺ-.
_________________
(١) الْمِرْطُ: بكسر الميم: كِسَاءٌ من صُوفٍ. انظر النهاية (٤/ ٢٧٣).
(٢) في رواية الإمام مسلم قال حذيفة -﵁-: فلم أزل نائمًا حتى أصبحت، فلما أصبحت قال -ﷺ-: "قم يا نَوْمَانُ".
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٣٣٤) - وأخرجه مختصرًا الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (١٧٨٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر حذيفة بن اليمان -﵁- رقم الحديث (٧١٢٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (٤١٠٩) (٤١١٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٣٠٩).
[ ٣ / ١٩٤ ]
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَقَدْ جَمَعُوا لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً: "لَا يَغْزُوَنَّكُمْ بَعْدَ هَذَا أبَدًا، وَلَكِنْ أَنْتُمْ تَغْزُونَهُمْ" (١).
ثُمَّ أَذِنَ الرَّسُولُ -ﷺ- لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِانْصِرَافِ إِلَى مَنَازِلهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ.
وَكَانُوا قَدْ أَقَامُوا بِالْخَنْدَقِ مُحَاصَرِينَ فِي شِتَاءٍ بَارِدٍ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فَرَجَعُوا مَجْهُودِينَ، وَوَضَعُوا السِّلَاحَ، وَكَانَ انْصِرَافُهُمْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ لِسَبْعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ (٢).
* * *
_________________
(١) أورده الحافظ في الفتح (٨/ ١٦٥) وعزاه إلى البزار في مسنده -وحسن إسناده.
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٤٠٧) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٤) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٥٧).
[ ٣ / ١٩٥ ]
غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ
قَالَ ابْنُ الْقيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قُرَيْظَةُ، فَكَانَتْ أَشَدَّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَغْلَظَهُمْ كُفْرًا، وَلِذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى إِخْوَانِهِمْ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَالنَّضِيرِ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ مِنَ الْبَأْسِ الشَّدِيدِ، مَعَ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَنَقْضِهِمُ الْعُهُودَ التِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَمُمَالَأَتِهِمُ الْأَحْزَابَ عَلَيْهِ، فَمَا أَجْدَى (٢) ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولهِ، وَالصَّفَقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (٣).
ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ نَقَضُوا الْعَهْدَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَتَآمَرُوا مَعَ الْأَحْزَابِ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَأْدِيبِهِمْ عَلَى هَذَا الْغَدْرِ.
فَفِي الْيَوْمِ الذِي رَجَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْخَنْدَقِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٣/ ١١٧).
(٢) فَمَا أَجْدَى: أي فما أَغْنَى. انظر لسان العرب (٢/ ٢١٥).
(٣) انظر البداية والنهاية (٤/ ٤٩٩).
[ ٣ / ١٩٦ ]
وَوَضَعُوا السِّلَاحَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِصُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ -﵁- يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنَ الْخَنْدَقِ، وَوَضَعَ السِّلَاحَ، وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ.
فَقَالَ -ﷺ-: "فَإِلَى أَيْنَ؟ " قَالَ: هَهُنَا وَأَشَارَ إِلَى قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْهِمْ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَأَنَّي أَنْظُرُ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇ مِنْ خَلَلِ (٢) الْبَابِ قَدْ عَصَبَ (٣) رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ (٤).
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ عِنْدَهَا فَسَلَّمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَنَحْنُ فِي الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَزِعًا فَقُمْتُ فِي أَثَرِهِ فَإِذَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ (٥)، فَقَالَ -ﷺ-: "هَذَا جِبْرِيلُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب - رقم الحديث (٤١١٧).
(٢) الخَلَلُ: الفُرْجَةُ بينَ الشيئَيْنِ، والخَلَّةُ: الثُّقْبَةُ الصَّغيرةُ. انظر لسان العرب (٤/ ١٩٩).
(٣) عَصَبَ رأسَهُ من الغُبَارِ: أي رَكِبَهُ وعَلِقَ بِهِ. انظر النهاية (٣/ ٢٢١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٩٩٤).
(٥) هو دحية بن خليفة الكلبي -﵁- صحابي مشهور، أول مشاهده أُحد، ولم يشهد بدرًا، =
[ ٣ / ١٩٧ ]
يَأْمُرُنِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ" (١).
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: "أَلَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ".
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ "الظُّهْرَ"، بَدَلَ "الْعَصْرَ" مَعَ اتِّفَاقِ الْبَخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ (٢).
* اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي أَمْرِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
فَأَخَذَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَلَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ حَتَّى جَاؤُوا بَنِي
_________________
(١) = وكان يُضرب به المثل في حسن الصورة، وكان جبريل ﵇ كثيرًا ما يأتي رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بصورته -﵁-. وعاش دحية الكلبي -﵁- إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان -﵁-. انظر الإصابة (٢/ ٣٢١).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب نزول جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي -﵁- رقم الحديث (٤٣٨٨) - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٩). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٤/ ٥٠١): ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها.
(٣) قال الإمام الذهبي في السِّيرة النَّبوِيَّة (١/ ٥٠٦): كأنه وَهْم. وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٦٩): جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان قد صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى الظهر، وقيل للطائفة التي بعدها العصر. قال الحافظ: وكلاهما جمع لا بأس به.
[ ٣ / ١٩٨ ]
قُرَيْظَةَ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَقَالَ الْبَعْضُ الْآخَرُ: إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْإِسْرَاعَ، وَصَلُّوا الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- لَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ (١).
* أَيُّ الطَّائِفَتَيْنِ أَصْوَبُ؟:
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيُّهُمَا كَانَ أَصْوَبَ؟
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: الذِينَ أَخَّرُوهَا هُمُ الْمُصِيبُونَ وَلَوْ كُنَّا مَعَهُمْ، لَأَخَّرْنَاهَا كَمَا أَخَّرُوهَا، وَلَمَا صَلَّيْنَاهَا إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَتَرْكًا لْلتَّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لِلظَّاهِرِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ: بَلِ الذِينَ صَلُّوهَا فِي الطَّرِيقِ فِي وَقْتِهَا حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ (٢)، وَكَانُوا أَسْعَدَ بِالْفَضِيلَتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ بَادَرُوا إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ -ﷺ- فِي الْخُرُوجِ، وَبَادَرُوا إِلَى مَرْضَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ بَادَرُوا إِلَى اللَّحَاقِ بِالْقَوْمِ، فَحَازُوا فَضِيلَةَ الْجِهَادِ، وَفَضِيلَةَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَفَهِمُوا مَا يُرادُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا أَفْقَهَ مِنَ الْآخِرِينَ، وَلَاسِيَّمَا تِلْكَ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ وَلَا مَطْعَنَ فِيهِ (٣)، وَمَجِيءُ السُّنَّةِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا،
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب - رقم الحديث (٤١١٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب المبادرة بالغزو - رقم الحديث (١٧٧٠).
(٢) يُقال: حَازَ قَصَبَ السَّبْقِ: أي استولى على الأمر. انظر لسان العرب (١١/ ١٧٩).
(٣) أخرج الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٦٢٧) (٢٠٥) عن علي -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر".
[ ٣ / ١٩٩ ]
وَالتَّبْكِيرِ بِهَا (١)، وَأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ، فَقَدْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ (٢)، أَوْ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (٣)، فَالذِي جَاءَ فِيهَا أَمْرٌ لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهَا، وَأَمَّا الْمُؤَخِّرُونَ لَهَا، فَغَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ، بَلْ مَأْجُورُونَ أَجْرًا وَاحِدًا لِتَمَسُّكِهمْ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَقَصْدِهِمْ امْتِثَالَ الْأَمْرِ، وَالذِينَ صَلُّوا فِي الطَّرِيقِ، جَمَعُوا بَيْنَ الْأَدِلِّةِ، وَحَصَّلُوا الْفَضِيلَتَيْنِ فَلَهُمْ أَجْرَانِ (٤).
* خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ -﵁-، وَأَعْطَى الرَّايَةَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَجَالِسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْظَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: "هَلْ مَرَّ بِكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ "، قَالُوا: مَرَّ عَلَيْنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ تَحْتَهُ قَطِيفَةُ دِيبَاجٍ، فَقَالَ -ﷺ-: "لَيْسَ ذَلِكَ بِدِحْيَةَ وَلَكِنَّهُ جِبْرِيلُ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُزَلْزِلَهُمْ، وَيَقْذِفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ" (٥).
_________________
(١) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٥٣) عن بُرَيْدَةَ -﵁- قال: بكِّروا بصلاة العصر.
(٢) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٥٢)، والإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٦٢٦) عن ابن عمر ﵄ أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قال: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِر أهله وماله".
(٣) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٥٣) عن بريدة -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله".
(٤) زاد المعاد (٣/ ١١٨ - ١١٩).
(٥) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب نزول جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي -﵁- رقم الحديث (٤٣٨٨) - وأخرجه البيهقي في =
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا (١) فِي زُقَاقِ (٢) بَنِي غَنْمٍ (٣) مَوْكِبِ جِبْرِيلَ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ (٤).
* وُصُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ:
فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِصْنِهِمْ، وَكَانُوا فِي أَعْلَاهُ نَادَى بِأعَلَى صَوْتِهِ نَفَرًا مِنْ أَشْرَفِهَا حَتَّى أَسْمَعَهُمْ: "يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ"!، قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! مَا كُنْتَ جَهُولًا وَلَا فَحَّاشًا (٥).
_________________
(١) = دلائل النبوة (٤/ ٩) - قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٤/ ٥٠١): ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها.
(٢) سَاطِعًا: أي مُرْتَفِعًا. انظر فتح الباري (٨/ ١٦٨).
(٣) الزُّقَاقُ: بالضم: الطَّرِيقُ. انظر النهاية (٢/ ٢٧٧) - وفي رواية الإمام أحمد في مسنده قال أنس: في سِكَّةِ بني غَنْمٍ.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٤٥٥): بني غَنْمٍ: بفتح الغين وسكون النون بَطْنٌ من الخزرجِ، وهم بنو غَنْمِ بنِ مالكِ بنِ النَّجَارِ، منهم أبو أيوب الأنصاري -﵁- وآخرون.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة ﵈ - رقم الحديث (٣٢١٤) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب - رقم الحديث (٤١١٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٢٢٩).
(٦) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب نزول جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي - رقم الحديث (٤٣٨٨) - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٩). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٤/ ٥٠١): ولهذا الحديث طرق جِيدة عن عائشة وغيرها.
[ ٣ / ٢٠١ ]
فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً (١) حَتَّى اشْتَدَّتْ بِهِمُ الْحَالُ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتَّى يُنَاجِزَهُمْ (٢)، فَقَالَ لَهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: يَا قَوْمُ! قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا (٣) ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ، قَالُوا: مَا هِيَ؟
قَالَ: نُتَابعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ إِنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، وَإِنَّهُ الذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى، وَإِنَّكُمْ لَتَعْرِفُونَ صِفَتَهُ، فتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ثُمَّ نَخْرُجْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ مُسْتَمِيتِينَ فِي الْقِتَالِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنْ نَهْلِكْ لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا شَيْئًا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَغْلِبْ فَلَنْ نُعْدَمَ النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، وَقَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ؟ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ .
قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُون
_________________
(١) هذا هو الراجح في مدة حصار بني قريظة، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٧٠٢٨) - وجَوَّدَ إسنادَهُ الحافظُ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٥٠٨).
(٢) الْمُنَاجَزَةُ في الحربِ: الْمُبَارَزَةُ. انظر النهاية (٥/ ١٨).
(٣) خِلَالُ: خِصَالٌ. انظر لسان العرب (٤/ ٢٠١).
[ ٣ / ٢٠٢ ]
مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمَّنُونَا فِيهَا فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً (١)، فَأَبَوْا ذَلِكَ، وَقَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَ اللَّهُ فِي الذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ مِنَ الْمَسْخِ (٢)، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الدَّهْرِ حَازِمًا (٣).
* مَوْقِفُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِي القُرَظِي:
وَقَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ إِنَّكُمْ قَدْ حَالَفْتُمْ مُحَمَّدًا عَلَى مَا حَالَفْتُمُوهُ عَلَيْهِ، أَلَّا تَنْصُرُوا عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ تَنْصُرُوهُ مِمَّنْ دَهَمَهُ (٤)، فَنَقَضْتُمْ ذَلِكَ الْعَهْدَ الذِي كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَلَمْ أَدْخُلْ فِيهِ، وَلَمْ أُشْرِكْكُمْ فِي غَدْرِكُمْ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا مَعَهُ فَاثْبُتُوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَأَعْطُوا الْجِزيةَ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي يَقْبَلُهَا أَمْ لَا، قَالُوا: نَحْنُ لَا نُقِرُّ لِلْعَرَبِ بِخَرَاجٍ (٥) فِي رِقَابِنَا يَأْخُذُونَهَا بِهِ، القتْلُ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ!
قَالَ: فَإِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ، وَخَرَجَ (٦).
_________________
(١) الغِرَّةُ: الغَفْلَةُ. انظر النهاية (٣/ ٣١٩).
(٢) الْمَسْخُ: هو قَلْبُ الخِلْقَةِ مِنْ شيءٍ إلى شيء. انظر النهاية (٤/ ٢٨٠).
(٣) انظر التفاصيل في: البداية والنهاية (٤/ ٥٠٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ١٥).
(٤) دَهَمَهُمْ: غَشِيَهُمْ. انظر لسان العرب (٤/ ٤٣١).
(٥) الْخَرَاجُ: هو شيءٌ يُخْرِجُهُ القومُ في السَّنَةِ من مِالهِمْ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ. انظر لسان العرب (٤/ ٥٤).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦٢) - سيأتي بعد قليل خبر نجاة عمرو بن سعدي من الذبح بسبب وفاءه.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ إِلَّا الْحَلْقَةَ (١)، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ ثَانِيَةً بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْأَمْوَالِ لَا مِنَ الْحَلْقَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ.
فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَرَادُوا أَنْ يَتَّصِلُوا بِبَعْضِ حُلفائِهِمْ مِنَ الْأَوْسِ لَعَلَّهُمْ يَتَعَرَّفُونَ مَاذَا سَيَحِلُّ بِهِمْ إِذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ -ﷺ-.
* اسْتِشَارَتُهُمْ أَبَا لُبَابَةَ -﵁- (٢):
فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ، وَجَهَشَ (٣) إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، يَعْنِي الذَّبْحَ، قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَوَاللَّهِ مَا
_________________
(١) الحَلْقَةُ: بفتح الحاء وسكون اللام: السِّلَاحُ، انظر النهاية (١/ ٤١٠).
(٢) أخرج إرسال أبي لبابة -﵁- إلى بني قريظة: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٧٠٢٨) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٦١) وإسنادها حسن - وأوردها الحافظ ابن كئير في البداية والنهاية (٤/ ٥٠٨) وجود إسنادها.
(٣) الْجَهْشُ: أَنْ يفزعَ الإنسانُ إلى الإنسانِ ويلجأَ إليه، وهو مع ذلك يريد البكاء، كما يفزع الصبي إلى أمه وأبيه. انظر النهاية (١/ ٣١٠).
[ ٣ / ٢٠٤ ]
زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -ﷺ-.
فقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أُحْدِثَ للَّهِ ﷿، تَوْبَةً نَصُوحًا يَعْلَمُهَا اللَّهُ مِنْ نَفْسِي، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ إِلَى سَارِيَةٍ (١) مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ -وَكَانَتْ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ-، وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ (٢) مَكَاني هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، فنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَبَرَهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ جَاءَني لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إِذْ فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِالذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَأَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ -﵁-، مَرْبُوطًا بِالْجِذْع سِتَّ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ، تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فتحِلُّهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُرْبَطُ بِالْجِذْعِ، حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
_________________
(١) هذه السارية موجودة اليوم بالمسجد النبوي، معروفة باسم اسطوانة التوبة.
(٢) لا أَبْرَحُ: لا أُفَارِقُ. انظر لسان العرب (١/ ٣٦١).
(٣) سورة الأنفال آية (٢٧). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٤/ ٤٠): قال عبد اللَّه بن أبي قتادة، والزهري: أنزلت في لبابة بن عبد المنذر -﵁-، حين بعثه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٤) سورة التوبة آية (١٠٢). =
[ ٣ / ٢٠٥ ]
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدٌ أَبُو شَهْبَةَ: وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقْفَةً تُرِينَا مَبْلَغَ قُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَتَذَكُّرِ الْقَلْبَ، وَيَقْظَةَ الضَّمِيرِ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، الذِينَ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَسُرْعَانَ مَا يَتُوبُونَ، وَمَبْلَغَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْمُجْتَمَعُ الْإِسْلَامِيُّ حِينَئِذٍ مِنْ حَيَاءٍ مِنَ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ، وَتَقْدِيرٍ لِلْقِيَمِ الْخُلُقِيَّةِ، وَالْمَعَانِي الرُّوحِيَّةِ، وَاسْتِهَانَةٍ بِالنَّفْسِ وَالْوَلَدِ وَالْمَالِ فِي سَبِيلِ رِضَاءِ اللَّهِ وَرَسُولهِ -ﷺ-، وَأَنَّ هَذَا الْمُجْتَمَعَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَيُّ مُجْتَمَع مُتَحَضِّرٍ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا (١).
* نُزُولُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَلَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَذْعَنُوا (٢) وَرَضُوا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ
_________________
(١) = قال مجاهد في سبب نزول هذه الآية فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٠٦)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ٤٦٢): إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه. وقال ابن عباس ﵄ فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٠٦) نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع النبي -ﷺ- من غزوته، ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فلما أنزل اللَّه هذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، أطلقهم النبي -ﷺ- وعفا عنهم. قال الإمام ابن جرير الطبري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٦/ ٤٦٢): وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وتركهم الجهاد معه، والخروج لغزو الروم، حين شَخَصَ -أي ذهب- إلى تبوك، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لُبابة.
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٤٠٨) للدكتور محمد أبو شهبه رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٣) أَذْعَنَ: خَضَعَ وَذَلَّ. انظر لسان العرب (٥/ ٤٥).
[ ٣ / ٢٠٦ ]
الرَّسُولِ -ﷺ-، بِالرُّغْمِ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو لُبَابَةَ -﵁- أنَّهُ الذَّبْحُ، فَقَدْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ، وَأَخَذَتْ مَعْنَوِيَّاتُهُمْ تَنْهَارُ، وَبَلَغَ هَذَا الْانْهِيَارُ غَايَتَهُ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، مِنْ حِصْنِهِمْ وَصَاحَ: يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ! ثُمَّ تَقَدَّمَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ -﵁-، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَذُوقَنَّ مَا ذَاقَ حَمْزَةُ أَوْ لَأَفْتَحَنَّ حِصْنَهُمْ، فَأَذْعَنُوا حِينَئِذٍ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَكُتِفُوا وَجُعِلُوا نَاحِيَةً، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ سَبْعَمِائَةٍ، وَجُعِلَتِ النِّسَاءُ وَالذَّرَارِي بِمَعْزِلٍ عَنِ الرِّجَالِ فِي نَاحِيَةٍ.
فَتَوَاثَبَتِ الْأَوْسُ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُمْ كَانُوا مَوَالِينَا وَحُلَفَاءَنَا، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، يَعْنُونَ بَنِي قَيْنقَاعَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إِيَّاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَوَهَبَهُمْ لَهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَظَنَّتِ الْأَوْسُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَهَبَ لَهُمْ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا وَهَبَ بَنِي قَيْنُقَاعَ لِلْخَزْرَجِ، فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ الْأَوْسُ أَبَى -ﷺ- أَنْ يَفْعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ مَا فَعَلَ بِبَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ ".
قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ -ﷺ-: "فَذَاكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ".
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -﵁-، يَوْمَئِذٍ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، يُطَبَّبُ مِنْ جُرْحِهِ الذِي أُصِيبَ بِهِ فِي الْخَنْدَقِ.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
فَأَرْسَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁- فَأُتِيَ بِسَعْدٍ -﵁- عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ (١) مِنْ لِيفٍ، قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَحَفَّ (٢) بِهِ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو! حُلَفَاؤُكَ وَمَوَالِيكَ وَأَهْلُ النِّكَايَةِ (٣) وَمَنْ قَدْ عَلِمْتَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ رَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَنُعِيَ إِلَيْهِمْ رِجَالُ بَنِي قُرَيْظَةَ (٤).
* وُصُولُ سَعْدٍ -﵁- إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ- وَحُكْمُهُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:
فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ -﵁- إِلَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْأَنْصَارِ: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ، فَأَنْزِلُوهُ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ، فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلُوهُ (٥)، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ".
_________________
(١) الْإِكَافُ: الحَبْلُ. انظر النهاية (٤/ ١٦٧).
(٢) حَفَّ القومُ بالشيء: أَحْدَقُوا به واستدَاروا حَوْلَهُ. انظر لسان العرب (٣/ ٢٤٤).
(٣) نَكَّلَ بِهِ: إذا جعله عِبْرَةً لغيره، والنَّكَالُ: العُقُوبَةُ التي تُنَكِّلُ الناسَ عن فِعل ما جُعِلَتْ له جَزَاءً. انظر النهاية (٥/ ١٠٢).
(٤) أخرج مجيء سعد بن معاذ -﵁- إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ليحكم في بني قريظة: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب - رقم الحديث (٤١٢٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب جواز قتال من نقض العهد - رقم الحديث (١٧٦٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٧٠٢٨).
(٥) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٦/ ٣٩٨): فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظامًا وإكرامًا واحترامًا له في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
فَقَالَ سَعْدٌ -﵁-: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، وَتُقَسَّمُ أَمْوَالُهُمْ. فَقَال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ".
وَفِي رِوَايَةٍ "أَرْقِعَةٍ" (١).
* تَنْفِيذُ الْحُكْمِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بالْأُسَارَى فَجُمِعُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ (٢) امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ، وَقِيلَ: دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ جُعِلُوا فِي بَيْتَيْنِ (٤).
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تُحْفَرَ لَهُمُ الْخَنَادِقُ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ بَعَثَ
_________________
(١) سبع أَرْقِعَةٍ: يعني سبع سموات، وكل سماء يقال لها رَقِيعٌ، والجمع: أَرْقِعَةٌ. انظر النهاية (٢/ ٢٢٨). وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب - رقم الحديث (٤١٢٢) - مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب جواز قتال من نقض العهد - رقم الحديث (١٧٦٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٧٠٢٨) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناقب - باب سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٨١٦٦) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٦٤) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٨٧).
(٢) هذه رواية ابن اسحاق في السيرة (٣/ ٢٦٥).
(٣) هذه رواية أبي الأسود عن عروة. انظر فتح الباري (٨/ ١٧٥).
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ١٧٥).
[ ٣ / ٢٠٩ ]
إِلَيْهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ أَرْسَالًا (١) تُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ عَلَى الْأَرْجَحِ (٢)، وَفِي رِوَايِةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَوْ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ (٣).
فَلَمَّا أُخِذُوا لِلْقَتْلِ فِرَقًا يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعَضًا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِسَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ: يَا كَعْبُ! مَا ترَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟
قَالَ كَعْبٌ: أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجعُ، هُوَ وَاللَّهِ الْقَتْلُ، فَلَمْ يَزَلْ يُؤْتَى بِهِمْ جَمَاعَاتٍ حَتَّى فَرغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْهُمْ (٤).
* مَقْتَلُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ:
وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ
_________________
(١) أَرْسَالًا: أَفْوَاجًا، وفِرَقًا مُتَقَطِّعَةً يَتْبَعُ بعضُهُمْ بَعْضًا. انظر النهاية (٢/ ٢٠٢).
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٧٠٢٨) (٤٧٨٤) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب السير - باب ما جاء في النزول على الحكم - رقم الحديث (١٦٧٣) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٤/ ٥٠٨): إسناده جيد.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦٥).
(٤) انظر التفاصيل في: سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦٥) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ١٩ - ٢٠) - والطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٧) - البداية والنهاية (٤/ ٥٠٨) - شرح المواهب (٣/ ٨٦ - ٨٧).
[ ٣ / ٢١٠ ]
دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ حَيْثُ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ؟ ".
قَالَ حُيَيٌّ: لَقَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ، أَمَا وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهُ يُخْذَلُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيّها النَّاسُ! إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كتَبَهَا اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ ضُرِبَ عُنُقُهُ لَعَنَهُ اللَّهُ (١).
* لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا وَاحِدَةٌ:
وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- امْرَأَةً قَطُّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً، وَاللَّهِ إِنَّها لَعِنْدِي تَضْحَكُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَيَقْتُلُ رِجَالَهُمْ بِالسُّيُوفِ إِذْ يَقُولُ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةٌ؟ فَقَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُكِ؟، قَالَتْ: أُقْتَلُ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَلِمَ؟، قَالَتْ: لِحَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ (٢)، فَانْطُلِقَ بِهَا فَضُرِبَ عُنُقُهَا (٣).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦٦) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٣) - البداية والنهاية (٤/ ٥٠٩).
(٢) قال ابن هشام في السيرة (٣/ ٢٦٦): وهي التي طَرحَتِ الرَّحَا -الرَّحَا هي التي يُطْحَنُ بها- على خَلاّد بن سويد، فقتلته.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب قتل امرأة من بني قريظة - رقم الحديث (٤٣٩٠) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في قتل النساء - رقم الحديث (٢٦٧١) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٦٦).
[ ٣ / ٢١١ ]
* نَجَاةُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ:
وَكَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ أَنْبَتَ (١) مِنْهُمْ، وَتَرْكِ مَنْ لَمْ يَنْبُتْ، فَكَانَ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ مِمَّنْ لَمْ يَنْبُتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلُهُ وَأُلْحِقَ بِالسَّبْي، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالتَّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَكَمَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَشَكُّوا فِيَّ: أَمِنَ الذُّرِّيَّةِ أَمْ مِنَ الْمَقَاتِلَةِ؟ .
فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "انْظُرُوا، فَإِنْ كَانَ أَنْبَتَ الشَّعْرُ فَاقْتُلُوهُ، وَإِلَّا فَلَا تَقْتُلُوهُ".
فَفَتَّشُونِي، فَوَجَدُونِي لَمْ أُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلِي (٢).
* قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِي الْقُرَظِيِّ:
وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي الْقُرَظِيُّ، فَمَرَّ بِحَرَسِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟
قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ سَعْدِي، وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِالرَّسُولِ -ﷺ- كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- وَقَالَ لَهُمْ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ
_________________
(١) أَنْبَتَ: أَرَادَ نَبَاتَ شَعْرِ العَانَةِ، فجعله -ﷺ- علامةَ البُلُوغِ. انظر النهاية (٥/ ٤).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر العلامة التي بها يفرق بين السبي وبين غيرهم - رقم الحديث (٤٧٨١) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب السير - باب ما جاء في النزول على الحكم - رقم الحديث (١٥٨٤) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٣ / ٢١٢ ]
أَبَدًا، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ عَرَفَهُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي إِقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى بَاتَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ -ﷺ- بالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ تَوَجَّهَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَأْنُهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ" (١).
* تَقْسِيمُ غَنَائِمِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِتَوْزِيعِ غَنَائِمِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَدْ أَمَرَ أَنْ يُجْمَعَ مَا وُجِدَ فِي حُصُونِهِمْ مِنَ السِّلَاحِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، فَوُجْدَ فِي حُصُونِهِمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ سَيْفٍ وَثَلَاثُمِائَةِ دِرْعٍ، وَأَلْفُ رُمْحٍ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ تُرْسٍ، وَوَجَدُوا جِمَالًا نوَاضِحَ وَمَاشِيَةً كَثِيرَةً، فَأُخْرِجَ الْخُمُسُ، ثُمَّ قُسِمَ الْبَاقِي عَلَى الْغَانِمِينَ، فَجُعْلَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَأُسْهِمَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ (٢).
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَنِي النَّضيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (٣).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦٢) - السيرة النبوة للذهبي (١/ ٥١٣).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦٩) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث بني النضير - رقم الحديث =
[ ٣ / ٢١٣ ]
وَصَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ (١) وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ (٢) وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا (٣) وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (٤)
* اصْطِفَاءُ رَيْحَانَةَ:
وَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَبَتْ إِلَّا الْيَهُودِيَّةَ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي نَفْسِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ، فَقَالَ: "هَذَا ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ (٥) يُبَشِّرُني بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ"،
_________________
(١) = (٤٠٢٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب إجلاء اليهود من الحجاز - رقم الحديث (١٧٦٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٣٦٧).
(٢) صَيَاصِيهِمْ: أي حُصُونُهُمْ. انظر تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٨).
(٣) يعني: مَزَارعَ ومَغَارِسَ ودِيَارَ بَنِي قريظة. انظر تفسير الطبري (١٠/ ٢٨٧).
(٤) قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٨٨): والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إن اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ أخبرَ أنه أورث المؤمنين من أصحاب رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أرض بني قريظة وديارهم وأموالهم، وأرضا لم يطئوها يومئذ، ولم تكن مكة ولا خيبر ولا أرض فارس والروم ولا اليمن، مما كان وطئوه يومئذ، ثم وطئوا ذلك بعد، وأورثهموه اللَّه، وذلك كله داخل في قوله تَعَالَى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾؛ لأنه تَعَالَى ذكره لم يخصص من ذلك بعضًا دون بعض.
(٥) سورة الأحزاب آية (٢٦ - ٢٧).
(٦) قال الحافظ في الإصابة (١/ ٥١٩): ثعلبة بن سَعية، أحد من أسلم من اليهود.
[ ٣ / ٢١٤ ]
فَبَشَّرَهُ وَعَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مُلْكِكَ، فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ، فَتَرَكَهَا (١).
وَذَكَر ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَتْ رَيْحَانَةُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -ﷺ-، وَكَانَتْ جَمِيلَةً وَسِيمَةً، فَلَمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا وَقَعَتْ فِي السَّبْي، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاخْتَارَتِ الْإِسْلَامَ، فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَغَاَرَتْ عَلَيْهِ غَيْرَةً شَدِيدَةً فَطَلَّقَهَا، فَشُقَّ عَلَيْهَا وَأَكْثَرَتِ الْبُكَاءَ، فَرَاجَعَهَا، فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَتْ قَبْلَ وَفَاتِهِ (٢).
* شُهَدَاءُ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
اسْتَشْهَدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ رَجُلَانِ، وَهُمْ: خَلَّادُ بْنُ سُوَيْدٍ الذِي طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحًى، فَشَدَخَتْ رَأْسَهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَمَاتَ، فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "إِنَّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ"، وَقَدْ أَمَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- بِقَتْلِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ التِي طَرَحَتْ عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ الرَّحَى، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ قَبْلَ قَلِيلٍ.
وَالشَّهِيدُ الْآخَرُ هُوَ: أَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصنٍ أَخُو عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، مَاتَ ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ (٣).
* ذِلَّةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا:
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ذَلَّتْ يَهُودُ، وَضَعُفَتْ حَرَكَةُ النِّفَاقِ فِي الْمَدِينَةِ، وَطَأْطَأَ
_________________
(١) هذا ما ذكره ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٦٩).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لأبي سعد (٨/ ٣١١).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧٩) - الإصابة (٧/ ١٦٣).
[ ٣ / ٢١٥ ]
الْمُنَافِقُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَجَبُنُوا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَانُوا يَأْتُونَ، وَتَبعَ هَذَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَعُودُوا يُفَكِّرُونَ فِي غَزْوِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ هُمُ الذِينَ يَغْزُونَهُمْ، حَتَّى كَانَ فتحُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ هُنَاكَ تَلَازُمٌ بَيْنَ حَرَكَاتِ الْيَهُودِ وَحَرَكَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَحَرَكَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّ طَرْدَ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ قَدْ أَنْهَى هَذَا التَّلَازُمَ، وَإِنَّهُ كَانَ فَارِقًا وَاضِحًا بَيْنَ عَهْدَيْنِ فِي نَشْأَةِ الدَّوْلَةِ الْإسَلَامِيَّةِ وَاسْتِقْرَارِهَا (١).
وَبِالْقَضَاءِ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ تَخَلَّصَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ آخِرِ شَوْكَةٍ فِي ظُهُورِهِمْ، وَأَصْبَحَتْ كُلُّهَا -مَا عَدَا الْمُنَافِقِينَ- عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَوْئِلَ الْإِسْلَامِ، وَحِصْنَهُ الْحَصِينَ (٢).
* وَفَاةُ السَّيِّدِ الْكَبِيرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁-:
فَلَمَّا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -﵁- فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْي، وَأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَشَفَى صَدْرَهُ مِنْهُمْ، انْفَجَرَ جُرْحُهُ -﵁- فَمَاتَ.
وَكَانَ سَعْدٌ -﵁- قَدْ دَعَا اللَّهَ ﷿ أَنْ لَا يُمِيتَهُ حَتَّى يُقِرَّ عَيْنَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَذَلِكَ حِينَ نَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْعُهُودِ، وَالْمَوَاثِيقِ، وَالذِّمَامِ، وَمَالُوا عَلَيْهِ مَعَ الْأَحْزَابِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . وَرَمَى
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص (٥/ ٢٨٤٩).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٤٠٩) للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ٢١٦ ]
سَعْدًا رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ العَرِقَةِ، بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ فِي أَكْحَلِهِ فَقَطَعَهَا، فَدَعَا سَعْدٌ اللَّهَ ﷿، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ قُرَيْظَةَ (١).
وَفِي رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ قَالَ جَابِرٌ -﵁-: رُمِيَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَطَعُوا أَبْجَلَهُ (٢)، فَحَسَمَهُ (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّارِ، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَتَرَكَهُ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَحَسَمَهُ أُخْرَى، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ ذَلِكَ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ، فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. . . فَلَمَا فَرَغَ مِنْ قتلِهِمُ انْفَتَقَ (٤) عِرْقُهُ فَمَاتَ (٥)
* إِخْبَارُ جِبْرِيلَ ﵇ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِوَفَاةِ سَعْدٍ -﵁-:
فَلَمَّا مَاتَ -﵁- نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَ الرَّسُولَ -ﷺ- بوَفَاتِهِ، فَقَدْ
_________________
(١) أخرجه الإمام احمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر وصف دعاء سعد بن معاذ - رقم الحديث (٧٠٢٨) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٥٠٨) وقال: وهذا الحديث إسناده جيد.
(٢) الْأَبْجَل: عِرْقٌ في بَاطِنِ الذِّرَاعِ. انظر النهاية (١/ ٩٨).
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٤/ ١٦٤): أي كَوَاهُ لِيَقْطَعَ دَمَهُ، وأَصْلُ الحَسْمِ القَطْعُ.
(٤) أَصْلُ الْفَتْقِ: الشَّقُّ والْفَتْحُ. انظر النهاية (٣/ ٣٦٧).
(٥) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٥٧٩).
[ ٣ / ٢١٧ ]
أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الذِي مَاتَ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءَ، وَتَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ؟ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -﵁- (١).
وَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى سَعْدٍ -﵁- خَرَجَ مُسْرِعًا خَشْيَةَ أَنْ تُغَسِّلَهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ أَكْحَلُ سَعْدٍ -﵁- يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَثَقُلَ، حَوَّلُوهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: رُفَيْدَةُ، وَكَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، فَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا مَرَّ بِهِ يَقُولُ: "كَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ "، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: "كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ "، فَيُخْبِرُهُ، حَتَّى كَانَتِ اللَّيْلَةُ التِي نَقَلَهُ قَوْمُهُ فِيهَا فَثَقُلَ، فَاحْتَمَلُوهُ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَى مَنَازِلهِمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: قَدِ انْطَلَقُوا بِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ شُسُوعُ (٢) نِعَالِنَا، وَسَقَطَتْ أَرْدِيَتُنَا عَنْ أَعْنَاقِنَا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتْعَبْتَنَا فِي الْمَشْي، فَقَالَ -ﷺ-: "إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَسْبِقَنَا الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهِ فتغَسِّلَهُ كَمَا غَسَّلَتْ حَنْظَلَة".
فَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْبَيْتِ، وَسَعْدٌ يُغَسَّلُ وَأُمُّهُ تَبْكِي، وَهِيَ تَقُولُ:
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤١٧٣).
(٢) الشِّسْعُ: هو أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ، وهو الذي يُدْخَلُ بَيْنَ الأُصْبُعَيْنِ. انظر النهاية (٢/ ٤٢٣).
[ ٣ / ٢١٨ ]
وَيْلَ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدًا حَزَامَةً (١) وَجِدًّا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كُلُّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ إِلَّا أُمُّ سَعْدٍ" (٢).
ثُمَّ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَ سَعْدٍ -﵁- فِي حِجْرِهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ سَعْدًا قَدْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِكِ، وَصَدَّقَ رُسُلَكَ، وَقَضَى الذِي عَلَيْهِ، فَاقْبَلْ رُوحَهُ بِخَيْرِ مَا تَقَبَّلْتَ بِهِ الْأَرْوَاحَ" (٣).
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَقَدْ هَبَطَ يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَهْبِطُوا قَبْلَ ذَلِكَ" (٤).
* اهْتِزَازُ الْعَرْشِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁-:
رَوَى النَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا الذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ ألفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً (٥)،
_________________
(١) الْحَيْزُومُ: هو الصَّدْرُ، وهذا الكلام كناية عن التَّشْمِيرِ للأمرِ والاستعدادِ لَهُ. انظر لسان العرب (٣/ ١٥٦).
(٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٢٧) - وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (١١٥٨) وصحح إسناده.
(٣) أخرج ذلك الإمام في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٤٩٩) وإسناده صحيح.
(٤) أورد الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٥١٢) وعزاه إلى البزار، وقال: وهذا إسناد جيد.
(٥) قال الإمام الذهبي في السير (١/ ٢٩٠): هذه الضَّمَّةُ ليسَتْ من عذاب القبر في شيء، =
[ ٣ / ٢١٩ ]
ثُمَّ فرَجَ عَنْهُ"، يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (١)
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -﵁- صَاحَتْ أُمُّهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا يَرْقَأُ (٢) دَمْعُكِ وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ، فَإِنَّ ابْنَكِ أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ" (٣).
_________________
(١) = بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألمَ فقدِ ولدِهِ وحميمِهِ في الدنيا، وكما يجد مِنْ أَلَمِ مَرَضِهِ، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك، فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد، وماهي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق اللَّه به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه، قال تَعَالَى في سورة مريم آية (٣٩): ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، وقال تَعَالَى في سورة غافر آية (١٨): ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾، فنسأل اللَّه تَعَالَى العفو واللطف الخفى، ومع هذه الهزات، فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء -﵁-.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب الجنائر - باب ضَمَّةِ القبرِ - رقم الحديث (٢١٩٣) - وابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٢٨) - وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٤٩٧).
(٣) يُقَالُ رَقَأَ الدَّمْعُ: إذا سَكَنَ وانْقَطَعَ. انظر النهاية (٢/ ٢٢٦).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٥٨١) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب أول من ضحك اللَّه إليه: سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٤٩٧٨) - وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤١٧٠) - وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٠٩)، وقال: رجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: جَاءَ حَدِيثُ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁- عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١)، فَلَا مَعْنى لِإِنْكَارِهِ (٢).
وَقَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: وَالْعَرْشُ خَلْقٌ للَّهِ مُسَخَّرٌ إِذَا شَاءَ أَنْ يَهْتَزَّ اهْتَزَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَجَعَلَ فِيهِ شُعُورًا لِحُبِّ سَعْدٍ -﵁-، كَمَا جَعَلَ تَعَالَى شُعُورًا فِي جَبَلِ أُحُدٍ،، بِحُبِّهِ النَّبِيَّ -ﷺ- (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤)، وَقَالَ ﷾: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ (٥)، ثُمَّ عَمَّمَ ﷾ فَقَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٦)، وَهَذَا حَق، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ (٧)، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ سَبِيلُهُ الْإِيمَانُ (٨).
_________________
(١) في صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب مناقب سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٣٨٠٣) - وصحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٢٤٦٦).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٥٠٢).
(٣) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٠٨٣) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٣٩٣) عن أنس -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ".
(٤) سورة سبأ آية (١٠).
(٥) سورة الإسراء آية (٤٤).
(٦) سورة الإسراء آية (٤٤).
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٥٧٩).
(٨) انظر كلام الإمام الذهبي ﵀ في سِيَرِ أعلامِ النبلاء (١/ ٢٩٧).
[ ٣ / ٢٢١ ]
* جَهَازُ سَعْدٍ -﵁- وَدَفْنُهُ:
وَلَمَّا فُرغَ مِنْ جَهَازِ سَعْدٍ -﵁-، احْتَمَلَهُ النَّاسُ، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلًا ضَخْمًا، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ مَعَهُمْ" (١).
* حُزْنٌ شَدِيدٌ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁-:
وَقَدْ حَزِنَ الْمُسْلِمُونَ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁- حُزْنًا شَدِيدًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَشَدَّ فَقْدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَصَاحِبَيْهِ (٢) أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ سَعْدٍ (٣).
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ سَعْدٌ بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، حَتَّى عَرَفْتُ بُكَاءَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بُكَاءَ عُمَرَ، وَبُكَاءَ عُمَرَ مِنْ بُكَاءِ أَبِي بَكْرٍ (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر طعن المنافقين في جنازة سعد لخفتها - رقم الحديث (٧٠٣٢) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب مناقب سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٤١٨٤) - وإسناده صحيح. وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٤/ ٥١٣): إسناده جيد.
(٢) تعني ﵂ بصاحبيه: أبي بكر وعمر ﵄.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٤٩٣).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكلة الآثار - رقم الحديث (٤١٧٢) - والإمام أحمد في =
[ ٣ / ٢٢٢ ]
* حَدِيثٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -﵁-:
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمَسُونَهَا، وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ -ﷺ-: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ لينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ" (١).
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -﵁- أَبْيَضَ، طِوَالًا، جَمِيلًا، حَسَنَ الْوَجْهِ، أَعْيَنَ (٢) حَسَنَ اللِّحْيَةِ، عَاشَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً (٣).
أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى سَعْدٍ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلهِمْ (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَكَانَتْ وَفَاةُ سَعْدٍ -﵁- بَعْدَ انْصِرَافِ الْأَحْزَابِ بِنَحْوٍ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً (٥).
_________________
(١) = مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٩٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر وصف دعاء سعد بن معاذ - رقم الحديث (٧٠٢٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب مناقب سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٣٨٠٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٢٤٦٨).
(٣) أَعْيَنُ: أي وَاسِعُ العَيْنِ. انظر النهاية (٣/ ٣٠٠).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ٢٩٦).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٤٩٥).
(٦) انظر البداية والنهاية (٤/ ٥١٤).
[ ٣ / ٢٢٣ ]
* مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي قِصَّةِ الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ:
آخِرُ مَا نَتَكَلَّمُ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ، هُوَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرآنِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ الْعَظِيمَةِ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ سُورَةَ الْأَحْزَابِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ، وَأَمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةَ الْأَحْزَابِ، ذَكَرَ فِيهَا ﷾ مَا نَزَلَ مِنَ الْبَلَاءِ وَنِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَكِفَايَتَهُ إِيَّاهُمْ حِينَ فرَجَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَعْدَ مَقَالَةِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النَفاقِ، فَقَالَ ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ
[ ٣ / ٢٢٤ ]
دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (١).
* * *
_________________
(١) سورة الأحزاب الآيات من (٩ - ٢٧) - وانظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧٠).
[ ٣ / ٢٢٥ ]
قُدُومُ وَفْدِ أَشْجَعَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ: قَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ- وَفْدٌ مِنْ أَشْجَعَ، وَكَانُوا مِائَةً عَلَى رَأْسِهِمْ: مَسْعُودُ بْنُ رُخَيْلَةَ (١)، فنَزَلُوا شِعْبَ (٢) سَلْعٍ (٣)، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَمَرَ لَهُمْ بِأَحْمَالِ التَّمْرِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ قَوْمِنَا أَقْرَبَ دَارًا مِنْكَ مِنَّا، وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا، وَقَدْ ضِقْنَا بِحَرْبِكَ وَحَرْبِ قَوْمِكَ، فَجِئْنَا نُوَادِعُكَ، فَوَادَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَكتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ كِتَابًا (٤).
ثُمَّ إِنَّهُمْ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ -﵁- قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ -ﷺ-: "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ ".
وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! .
فَقَالَ -ﷺ-: "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ ".
قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِينَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلَامَ نُبَايْعُكَ؟ .
_________________
(١) قال الحافظ في الإصابة (٦/ ٧٧): رُخَيْلة بالخاء المعجمة مُصغَّرًا.
(٢) الشِّعْبُ: بكسر الشِّينِ: ما انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. انظر لسان العرب (٧/ ١٢٨).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٣/ ١٩٤): سَلْعٌ: بفتح السين وسُكُونِ اللام: جبَلٌ معروف بالمدينة.
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٤٨).
[ ٣ / ٢٢٦ ]
قَالَ -ﷺ-: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطْيعُوا، وَأَسَرَّ كلِمَةً خَفِيَّةً، وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا".
قَالَ عَوْفٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب كراهية المسألة للناس - رقم الحديث (١٠٤٣) - وأخرجه أبو دواد في سننه - كتاب الزكاة - باب كراهية المسألة - رقم الحديث (١٦٤٢).
[ ٣ / ٢٢٧ ]
السَّنَةُ السَّادِسَةُ لِلْهِجْرَةِ