الفَتْحُ الأَعْظَمُ فَتْحُ مَكَّةَ
هَذَا الفَتْحُ الذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ دِينَهُ، وَرَسُولَهُ، وَجُنْدَهُ، وَحِزْبَهُ الأَمِينَ، وَاسْتَنْقَذَ بِهِ بَلَدَهُ وَبَيْتَهُ الذِي جَعَلَهُ هُدًى لِلْعَالَمِينَ مِنْ أَيْدِي الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ، وَهُوَ الفَتْحُ الذِي اسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءَ، وَضُرِبَتْ أَطْنَابُ عِزِّهِ عَلَى مَنَاكِبِ الجَوْزَاءَ، ودَخَلَ النَّاسُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَأَشْرَقَ بِهِ وَجْهُ الأَرْضُ ضِيَاءً وَابْتِهَاجًا (١).
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الفَتْحَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ (٢) وَقَاتَلَ (٣) أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤).
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٣/ ٣٤٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٨/ ١٢): الجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٨/ ١٢): أي: لا يستوي هذا -أي الذي أنفق وقاتل قبل الفتح- ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدًا، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، ولهذا قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.
(٤) سورة الحديد آية (١٠).
[ ٤ / ٧ ]
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١).
* سَبَبُ الفَتْحِ:
وَكَانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الفَتْحِ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ الرَّسُولِ -ﷺ- وَبَيْنَ قُرَيْشٍ كَانَ فِي أَحَدِ بُنُودِ الصُّلْحِ: أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، وأَنَّ القَبِيلَةَ التِي تَنْضَمُّ إِلَى أَيِّ الفَرِيقَيْنِ تُعْتَبَرُ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الفَرِيقِ، فَأَيُّ عُدْوَانٍ تتعَرَّضُ لَهُ أَيٌّ مِنْ تِلْكَ القَبَائِلِ يُعْتَبَرُ عُدْوَانًا عَلَى ذَلِكَ الفَرِيقِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ- فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَهْدِهِ، وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرِ بنِ عَبْدِ مَنَاةَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ.
* الحُرُوبُ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ قَدِيمَةٌ:
وَكَانَ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ عَدَاوَاتٌ وَحُرُوبٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ، وَوَقَعَتِ الهُدْنَةُ، وَأَمِنَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الآخَرِ، اغْتَنَمَ بَنُو بَكْرٍ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْ خُزَاعَةَ ثَأْرَهُمُ القَدِيمَ.
فَخَرَجَ نَوْفَلُ بنُ مُعَاوِيَةَ الدَّيْلِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ حَتَّى بَيَّتُوا (٢)
_________________
(١) سورة النصر بكاملها.
(٢) بَيَّته: جاءه ليلًا. انظر النهاية (١/ ١٦٧).
[ ٤ / ٨ ]
خُزَاعَةَ لَيْلًا وَهُمْ آمِنُونَ، عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، يُقَالُ لَهُ: "الوَتِيرُ"، وَكَانَ مِنْهُمُ الْمُصَلِّي وَمِنْهُمُ النَّائِمُ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَاقْتَتَلُوا إِلَى أَنْ دَخَلُوا الحَرَمَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ لِنَوْفَلِ بنِ مُعَاوِيَةَ: يَا نَوْفَلُ! إنَّا قَدْ دَخَلْنَا الحَرَمَ، إِلَهَكَ، إِلَهَكَ.
فَقَالَ نَوْفَلٌ كَلِمَةً عَظِيمَةً: لَا إِلَهَ اليَوْمَ يَا بَنِي بَكْرٍ! أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّكُمْ لَتَسْرِقُونَ فِي الحَرَمِ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ؟ .
فَانْطَلَقَتْ هَذِهِ المَجْمُوعَةُ مِنْ خُزَاعَةَ هَارِبِينَ، وَبَنُو بَكْرٍ وَرَاءَهُمْ بِالسُّيُوفِ، حَتَّى لَجَؤُوا إِلَى دَارِ بُدَيلِ بنِ وَرْقَاءَ -سَيِّدِ خُزَاعَةَ- فَوَجَدُوا البَابَ مُغْلَقًا، فَقَتَلَتْهُمْ بَنُو بَكْرٍ عِنْدَ بَابِ بُدَيلِ بنِ وَرْقَاءَ سَيِّدِ خُزَاعَةَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا، وَشَارَكَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي قَتْلِ خُزَاعَةَ، مِنْهُمْ: صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَحُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، وَمِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، وَعِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو.
وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ.
* نَدَمُ قُرَيْشٍ:
ثُمَّ نَدِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مَا صَنَعَتْ مِنْ مُسَاعَدَةِ بَنِي بَكْرٍ فِي قَتْلِ خُزَاعَةَ، وَعَلِمُوا أَنَّ هَذَا نَقْضٌ وَاضِحٌ لِصُبْحِ الحُدَيْبِيَةِ الذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَجَاءَ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا فَعَلَ القَوْمُ، فَقَالَ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَلَمْ أَغِبْ عَنْهُ، وَإِنَّهُ لَشَرٌّ، وَوَاللَّهِ لَيَغْزُونَا مُحَمَّدٌ (١).
_________________
(١) أخرج ذلك كله: ابن حبان في صحيحه - كتاب الجنايات - باب القصاص - رقم الحديث =
[ ٤ / ٩ ]
* خُزَاعَةُ تَسْتَنْجِدُ بِالرَّسُولِ -ﷺ-:
وَلَمَّا انْقَضَى القِتَالُ خَرَجَ عَمْرُو بنُ سَالِمٍ الخُزَاعِيُّ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ:
يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا (١)
قَدْ كُنْتُمُ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدًا (٢) ثمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَعْتَدَا (٣) وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا أَبْيَضَ مِثْلَ البَدْرِ يَسْمُو صُعُدَا
فِي فَيْلَقٍ كَالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ (٤) رُصَّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالوَتِيرِ هُجَّدَا (٥) وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا
_________________
(١) = (٥٩٩٦) - وإسناده حسن - وأخرجه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٦) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣٧ وما بعدها) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٥ وما بعدها).
(٢) الأتْلَدَا: القديم. انظر النهاية (١/ ١٨٩).
(٣) قال السُهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٤/ ١٤٦): يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك: قُصي بن كلاب أمه: فاطمة بنت سعد الخزاعية، والوُلد بمعنى الوَلد.
(٤) أعتدا: أي حاضرا. انظر لسان العرب (٩/ ٣١).
(٥) كَداء: بفتح الكاف: هي الثنية العليا بمكة مما يلي المقابر: وهو المعلا. انظر النهاية (٤/ ١٣٦).
(٦) المُتَهجد: هو المصلي بالليل، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الإسراء آية (٧٩): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ انظر النهاية (٥/ ٢١١).
[ ٤ / ١٠ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بنَ سَالِمٍ"، فَمَا بَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْب".
ثُمَّ خَرَجَ بدَيلُ بنُ وَرْقَاءَ -سَيِّدُ خُزَاعَةَ- فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، فَأَخْبَرُوهُ تَفَاصِيلَ الخَبَرِ، وَأَنَّ قُرَيْشًا سَاعَدَتْ بَنِي بَكْرٍ عَلَى قتلِ رِجَالِ خُزَاعَةَ، ثُمَّ خَرَجَ هَذَا الوَفْدُ مِنْ خُزَاعَةَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ (١).
* خُرُوجُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى المَدِينَةِ لِيُجَدِّدَ الصُّلْحَ:
وَلَمَّا نَدِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى نَقْضِهِمُ العَهْدَ وَتَخَوَّفُوا سُوءَ صَنِيعِهِمْ، عَقَدَتْ مَجْلِسًا اسْتِشَارِيًّا، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَبْعَثَ قَائِدَهَا أَبَا سُفْيَانَ مُمَثِّلًا لَهَا؛ لِيَقُومَ بِتَجْدِيدِ الصُّلْحِ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِمَا سَتَفْعَلُهُ قُرَيْشٌ إِزَاءَ غَدْرِهِمْ، فَقَالَ: "كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ لِيَشُدَّ العَقْدَ، وَيَزِيدَ فِي المُدَّةِ"، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِعُسْفَانَ لَقِيَ بُدَيلَ بنَ وَرْقَاءَ وَأَصْحَابَهُ رَاجِعِينَ مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا بُدَيلُ؟ -وَظَنَّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: سِرْتُ فِي خُزَاعَةَ فِي هَذَا السَّاحِلِ، وَفِي بَطْنِ هَذَا الوَادِي، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَوَ مَا جِئْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لَا.
_________________
(١) أخرج ذلك كله: ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٣) وإسناده صحيح.
[ ٤ / ١١ ]
فَلَمَّا رَاحَ بُدَيلُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَئِنْ جَاءَ بُدَيلُ المَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ (١) بِهَا النَّوَى (٢)، فَأَتَى مَبْرَكَ رَاحِلَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا، فَفَتَّهُ، فَرَأَى فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ، لَقَدْ جَاءَ بُدَيلٌ مُحَمَّدًا.
* مَوْقِفُ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵂:
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ رَمْلَةَ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّهُ! أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الفِرَاشِ، أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي؟
قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ يَا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اشْدُدِ العَقْدَ، وَزِدْنَا فِي المُدَّةِ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "وَلِذَلِكَ قَدِمْتَ! هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ قِبَلَكُمْ؟ ".
قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، نَحْنُ عَلَى عَهْدِنَا وَصُلْحِنَا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، لَا نُغَيِّرُ وَلَا نُبَدِّلُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
* طَلَبُ أَبِي سُفْيَانَ الشَّفَاعَةَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ:
فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ-، ذَهَبَ.
_________________
(١) علف: هو ما تأكله الماشية. انظر النهاية (٣/ ٢٦٠).
(٢) النَّوَى: جمع نواة التمر. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٤٤).
[ ٤ / ١٢ ]
إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، فَكَلَّمَهُ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁-، فكلَّمَهُ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِتَجْدِيدِ العَقْدِ، وَزِيَادَةِ المُدَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: أَأَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا الذَّرَّ (١) لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ (٢).
وَفِي رِوَايَةِ البَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: قَالَ لَهُ عُمَرُ -﵁-: مَا كَانَ مِنْ حِلْفِنَا جَدِيدًا فَأَخْلَقَهُ (٣) اللَّهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مُثْبَتًا فَقَطَعَهُ اللَّهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مَقْطُوعًا فَلَا وَصَلَهُ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: جُزِيتَ مِنْ ذِي رَحِمٍ سُوءًا (٤).
ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ -﵁- فكَلَّمَهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: جِوَارِي فِي جِوَارِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَعِنْدَهَا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ غُلَامٌ يَدِبُّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ أَمَسُّ القَوْمِ بِنَا رَحِمًا، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكَ فِي حَاجَةٍ فَلَا أَرْجِعَنَّ كَمَا جِئْتُ خَائِبًا، فَاشْفَعْ لِي إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ.
فَالْتَفَتَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا ابْنَةَ مُحَمَّدٍ! هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي
_________________
(١) الذَّرُّ: النمل الأحمر الصغير، واحدتها: ذَرَّة. انظر النهاية (٢/ ١٤٥).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٤٤ - ٤٥) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٨).
(٣) الشيء الخَلِق: البالي. انظر لسان العرب (٤/ ١٩٥).
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ١٠).
[ ٤ / ١٣ ]
بُنَيَّكِ هَذَا فَيُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَكُونَ سَيِّدَ العَرَبِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ .
فَقَالَتْ ﵂: وَاللَّهِ مَا بَلَغَ بُنَيَّ ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَحِينَئِذٍ أَظْلَمَتِ الدُّنْيَا أَمَامَ عَيْنَيْ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ -﵁- فِي يَأْسٍ وَقُنُوطٍ: يَا أَبَا حَسَنٍ! إِنِّي أَرَى الأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ، فَانْصَحْنِي.
فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ لَكَ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ الْحَقْ بِأَرْضِكَ.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَوَ ترَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا؟ .
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا أَظُنُّهُ، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا أَيُّها النَّاسُ! إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ أَنْ يُخْفِرَنِي (١) أَحَدٌ، وَلَا يَرُدَّ جِوَارِي أَحَدٌ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ"، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ وَانْطَلَقَ إِلَى مَكَّةَ.
* تَجَمُّعُ قُرَيْشٍ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ:
فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى قُرَيْشٍ، قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ هَلْ جِئْتَ بِكِتَابٍ مِنْ مُحَمَّدٍ أَوْ عَهْدٍ؟ .
_________________
(١) خَفَرْتُ الرجل: أجرته وحفظته. انظر النهاية (٢/ ٥٠).
[ ٤ / ١٤ ]
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَقَدْ أَبَى عَلَيَّ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ أَصْحَابَهُ، فَمَا رَأَيْتُ قَوْمًا لِمَلِكٍ عَلَيْهِمْ أَطْوَعَ مِنْهُمْ لَهُ، فَجِئْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْرًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ الخَطَّابِ فَوَجَدْتُهُ أَعْدَى العَدُوِّ، ثُمَّ جِئْتُ عَلِيًّا فَوَجَدْتُهُ أَلْيَنَ القَوْمِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيَّ بِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا أَمْ لَا؟ .
قَالُوا: بِمَ أَمَرَكَ؟ .
قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَالَ لِي: لِمَ تَلْتَمِسُ جِوَارَ النَّاسِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَلَا تُجِيرُ أَنْتَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِكَ، وَأَنْتَ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وَأَكْبَرُهَا، وَأَحَقُّهَا أَنْ يُخْفَرَ جِوَارُهُ، فَفَعَلْتُ.
قَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟
قَالَ: لَا، وَإِنَّمَا قَالَ: "أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ ".
فَقَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ! وَاللَّهِ إِنْ زَادَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِكَ، وَجِئْتَنَا بِمَا لَا يُغْنِي عَنْكَ وَلَا عَنَّا شَيْئًا.
قَالَ: وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ (١).
* تَهَيُّؤُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِلْغَزْوِ وَكِتْمَانُهُ الأَمْرَ:
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَائِشَةَ ﵂ أَنْ تُعِدَّ لَهُ جَهَازَهُ (٢)، وَلَا
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٤٤) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٩ - ١٠).
(٢) تجهيزُ الغازي: إعدادُ ما يحتاج إليه في غزوه. انظر النهاية (١/ ٣١٠).
[ ٤ / ١٥ ]
تُعْلِمَ أَحَدًا أَيْنَ يُرِيدُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالجَهَازِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ تُعِدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَهَازَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَيْ بُنَيَّةُ! أَأَمَرَكِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تُجَهِّزُوهُ؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟، فَصَمَتَتْ.
فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ بَنِي الأَصْفَرَ -وَهُمُ الرُّومُ-، فَصَمَتَتْ.
فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَهْلَ نَجْدٍ، فَصَمَتَتْ.
فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ قُرَيْشًا، وَإِنَّ لَهُمْ مُدَّةً؟ فَصَمَتَتْ ﵂.
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ مَخْرَجًا؟
قَالَ: "نَعَمْ".
قَالَ: لَعَلَّكَ تُرِيدُ بَنِي الأَصْفَرَ؟
قَالَ: "لَا".
قَالَ: أَتُرِيدُ أَهْلَ نَجْدٍ؟
قَالَ: "لَا".
قَالَ: فَلَعَلَّكَ تُرِيدُ قُرَيْشًا؟
قَالَ: "نَعَمْ".
[ ٤ / ١٦ ]
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَليْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُدَّةً؟
قَالَ -ﷺ-: "أَلَمْ يَبْلُغْكَ مَا صَنَعُوا بِبَنِي كَعْبٍ؟ ".
وَلَمْ يُسَمِّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلنَّاسِ الجِهَةَ التِي يَقْصِدُهَا، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالجِدِّ وَالتَّهَيُّؤِ، فتَجَهَّزَ النَّاسُ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَهْلِ البَادِيَةِ وَمَنْ حَوْلَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ بِأَنْ يَتَجَهَّزُوا مَعَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ وَافَاهُ بِالمَدِينَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَحِقَهُ بِالطَّرِيقِ كَبَنِي سُلَيْمٍ، فَمِنَ القَبَائِلِ التِي قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ: أَسْلَمُ، وَغِفَارٌ، وَمُزَيْنَةُ، وَأَشْجَعُ، وَجُهَيْنَةُ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ -ﷺ- عَشْرَةُ آلَافِ رَجُلٍ (١).
* دُعَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اللَّه ﷿ بِأَخْذِ العُيُونِ:
وَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَبَّهُ أَنْ يُعْمِيَ عَنْ قُرَيْشٍ خَبَرَهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ! خُذِ العُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا (٢) فِي بِلَادِهَا" (٣).
وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالأَنْقَابِ (٤)، وَأَوْقَفَ عَلَى كُلِّ نَقَبٍ جَمَاعَةً، وَقَالَ
_________________
(١) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).
(٢) البَغْتة: الفجأة. انظر النهاية (١/ ١٤١).
(٣) أخرج هذا الحديث ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٦) - وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٦٧٧).
(٤) الأنْقَاب: جمع نقب: وهو الطريق بين الجبلين. انظر النهاية (٥/ ٨٩).
[ ٤ / ١٧ ]
لَهُمْ: "لَا تَدَعُوا أَحَدًا يَمُرُّ بِكُمْ تُنْكِرُونَهُ إِلَّا رَدَدْتُمُوهُ" (١).
* بَعْثُ سَرِيَّةِ إِضَمٍ:
وَزِيَادَةً فِي الإِخْفَاءِ وَالتَّعْمِيَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَرِيَّةَ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- إِلَى بَطْنِ إِضَمٍ، لِيَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى هُنَاكَ -وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ فِيمَا مَضَى-.
* كِتَابُ حَاطِبٍ -﵁- إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ:
وَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ -﵁- كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا (٢) عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيٍّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ وَأَبَا مِرْثَدٍ الغَنَوِيَّ (٣) وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأَتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ (٤) فَإِنَّ بِهَا
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٤٦) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٧).
(٢) الجعل: أي أجرة. انظر النهاية (١/ ٢٦٧).
(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٢٧٤): المقداد بدل أبي مرثد الغنوي. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٣١٢): يحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر.
(٤) روضةُ خاخ: موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٢/ ٨٢).
[ ٤ / ١٨ ]
امْرَأةً (١) مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَهَا صَحِيفَةٌ (٢) مِنْ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ، فَأْتُونِي بِهَا".
قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الكِتَابُ الذِي مَعَكِ؟
قَالَتْ: مَا مَعِيَ كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَقَالَ صَاحِبَايَ: مَا نَرَى مَعَهَا الكِتَابَ، فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُمَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَالذِي أَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجِي الكِتَابَ لَأُجَرِّدَنَّكِ (٣)، فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا (٤)، وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَانْطَلَقْنَا
_________________
(١) وقع عند ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٧): أن اسمها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب. قال الحافظ في الفتح (١٤/ ٣١٧): وقد اختُلِفَ هل كانت مسلمة أو على دين قومها، فالأكثر على الثاني، فقد عُدَّت فيمن أهدر النبي -ﷺ- دمهم يوم الفتح -كما سيأتي- لأنها كانت تُغني بهجائه -ﷺ-، وهجاء أصحابه.
(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٢٧٤): كتاب.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٤/ ٣١٦): أي أنزع ثيابك حتى تَصيري عريانة.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٠٩): الحُجْزة: بضم الحاء وسكون الجيم: معقد الإزار والسراويل. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٢٧٤): فأخرجته -أي الكتاب- من عِقَاصِها. والعِقَاص: جمع عِقْصة أو عَقِيصَة، وهي الضفيرة من الشعر إذا لويت وجُعلت مثل الرمانة، أو لم تلو، والمعنى: أخرجت الكتاب من ضفائرها المعقوصة. انظر جامع الأصول (٨/ ٣٦١) - النهاية (٣/ ٢٥٠). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٠٩): ويجمع بينهما بأن تكون عَقِيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها، فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها.
[ ٤ / ١٩ ]
بِهَا (١) إِلَى لرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ- لِحَاطِبٍ: "يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".
قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، -أَيْ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا-، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقكُمْ" (٢).
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ
_________________
(١) أي بالصحيفة.
(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٩٨٣) قال رسول اللَّه -ﷺ-: "صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا".
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٦٢٥): إنما قال ذلك عُمَر -﵁- مع تصديقِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عند عمر -﵁- من القوة في الدين، وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رَسُول اللَّهِ -ﷺ- استحق القتل، لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقًا؛ لكونه أبطن خلاف ما أظهر.
[ ٤ / ٢٠ ]
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١).
وَأَوَّلُ مَا يَقِفُ الإِنْسَانُ أَمَامَهُ هُوَ فِعْلَةُ حَاطِبٍ -﵁-، وَهُوَ المُسْلِمُ المُهَاجِرُ، وَهُوَ أَحَدُ الذِينَ أَطْلَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى سِرِّ الْحَمْلَةِ. . . وَفِيهَا مَا يَكْشِفُ عَنْ مُنْحَنيَاتِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ العَجِيبَةِ، وَتَعَرُّضِ هَذِهِ النَّفْسِ لِلَحَظَاتِ الضعْفِ البَشَرِيِّ مَهْمَا بَلَغَ مِنْ كَمَالِهَا وَقُوَّتِهَا، وَأَنْ لَا عَاصِمَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ، فَهُوَ الذِي يُعِينُ عَلَيْهَا.
ثُمَّ يَقِفُ الإِنْسَانُ مَرَّةً أُخْرَى أَمَامَ عَظَمَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَهُوَ لَا يَعْجَلُ حَتَّى يَسْأَلَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ" فِي سَعَةِ صَدْرٍ وَعَطْفٍ عَلَى لَحْظَةِ الضَّعْفِ الطَّارِئَةِ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَإِدْرَاكٍ مُلْهَمٍ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ صَدَقَ، وَمِنْ ثَمَّ يَكُفُّ الصَّحَابَةَ عَنْهُ: "صَدَقَ وَلَا تَقُوُلُوا إِلَّا خَيْرا. . . " لِيُعِينَهُ وَيَنْهَضَهُ مِنْ عَثْرَتِهِ، فَلَا
_________________
(١) سورة الممتحنة آية (١). وقصة حاطب -﵁- أخرجها: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة - رقم الحديث (٣٠٨١) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدرًا - رقم الحديث (٣٩٨٣) - وباب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة -﵁- إلى أهل مكة - رقم الحديث (٤٢٧٢) - وأخرجه في كتاب استتابة المرتدين - باب ما جاء في المتأولين - رقم الحديث (٦٩٣٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة - رقم الحديث (٢٤٩٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٠٠) - (٨٢٧) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٤٣٦).
[ ٤ / ٢١ ]
يُطَارِدُهُ بِهَا وَلَا يَدَعَ أَحَدًا يُطَارِدُهُ. . . بَيْنَمَا نَجِدُ الإِيمَانَ الجَادَّ الحَاسِمَ الجَازِمَ، فِي شِدَّةِ عُمَرَ -﵁-: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، . . . فَعُمَرُ -﵁- إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى العَثْرَةِ ذَاتِهَا فَيَثُورُ لَهَا حِسُّهُ الحَاسِمُ وَإِيمَانُهُ الجَازِمُ.
أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا مِنْ خِلَالِ إِدْرَاكِهِ الوَاسِعِ الشَّامِلِ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَمِنْ كُلِّ جَوَانِبِهَا، مَعَ العَطْفِ الكَرِيمِ المُلْهَمِ الذِي تُنْشِئُهُ المَعْرِفَةُ الكُلِّيَّةُ. فِي مَوْقِفِ المُرَبِّي الكَرِيمِ العَطُوفِ المُتَأَنِّي النَّاظِرِ إِلَى جَمِيعِ المُلَابَسَاتِ وَالظُّرُوفِ. . . (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ حَاطِبٍ -﵁- مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ المُؤْمِنَ وَلَوْ بَلَغَ بِالصَّلَاحِ أَنْ يُقْطَعَ لَهُ بِالجَنَّةِ لَا يُعْصَمُ مِنَ الوُقُوعِ فِي الذَّنْبِ؛ لِأَنَّ حَاطِبًا -﵁- دَخَلَ فِيمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ، وَوَقَعَ مِنْهُ مَا وَقَعَ.
٢ - وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ المُسْلِمَ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ، وَعَلَى مَنْ جَزَمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ، وَعَلَى مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُعَذَّبَ.
٣ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْخَطَأُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ، بَلْ يَعْتَرِفَ وَيَعْتَذِرَ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ ذَنْبَيْنِ.
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٦/ ٣٥٣٨).
[ ٤ / ٢٢ ]
٤ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّشْدِيدِ فِي اسْتِخْلَاصِ الحَقِّ، وَالتَّهْدِيدِ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ المُهَدِّدُ تَخْوِيفًا لِمَنْ يَسْتَخْرِجُ مِنْهُ الحَقَّ.
٥ - وَفِيهِ هَتْكُ سِتْرِ الجَاسُوسِ.
٦ - وَفِيهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ إِطْلَاعُ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ -ﷺ- عَلَى قِصَّةِ حَاطِبٍ مَعَ المَرأَةِ.
٧ - وَفِيهِ إِشَارَةُ الكَبِيرِ عَلَى الإِمَامِ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ العَائِدِ نَفْعُهُ عَلَى المُسْلِمِينَ وَيَتَخَيَّرُ الإِمَامُ فِي ذَلِكَ.
٨ - وَفِيهِ جَوَازُ العَفْوِ عَنِ العَاصِي.
٩ - وَفِيهِ أَنَّ العَاصِيَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الأَجْنَبِيَّةَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، وَلَوْلَا أَنَّهَا لِعِصْيَانِهَا سَقَطَتْ حُرْمَتُهَا مَا هَدَّدَهَا عَلِيٌّ -﵁- بِتَجْرِيدِهَا.
١٠ - وَفِيهِ جَوَازُ غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الجَائِزَةِ الوُقُوعِ عَمَّنْ شَاءَ اللَّهُ خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ.
١١ - وَقَدِ اسْتُشْكِلَ إِقَامَةُ الحَدِّ عَلَى مِسْطَحٍ -﵁- بِقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ فِي حَادِثَةِ الإِفْكِ مَعَ أَنَّ مِسْطَحًا -﵁- مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَلَمْ يُسَامَحْ بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْكَبِيرَةِ، وَسُومِحَ حَاطِبٌ، وَعُلِّلَ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَالجَوَابُ: أَنَّ مَحَلَّ العَفْوِ عَنِ البَدْرِيِّ فِي الأُمُورِ التِي لَا حَدَّ فِيهَا.
[ ٤ / ٢٣ ]
١٢ - وَفيهِ جَوَازُ غُفْرَانِ مَا تَأخَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِهِ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ.
١٣ - وَفيهِ تَأَدُّبُ عُمَرَ -﵁-، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِقَامَةُ الحَدِّ وَالتَّأْدِيبِ بِحَضْرَةِ الإِمَامِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ.
١٤ - وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعُمَرَ -﵁- وَلِأَهْلِ بَدْرٍ كُلِّهِمْ.
١٥ - وَفِيهِ البُكَاءُ عِنْدَ السُّرُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ -﵁- بَكَى حِينَئِذٍ لِمَا لَحِقَهُ مِنَ الخُشُوعِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا قَالَه فِي حَقِّ حَاطِبٍ -﵁- (١).
* خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المَدِينَةِ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ مِنَ المَدِينَةِ، مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ، وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلَمْ يتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَكَانُوا صِيَامًا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي ضبْطِ اليَوْمِ الذِي خَرَجَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المَدِينَةِ، وَالذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السِّيَرِ وَالمَغَازِي أَنَّهُ خَرَجَ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ، وَدَخَلَ مَكَّةَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْهُ (٢).
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٤/ ٣١٩).
(٢) انظر فتح الباري (٤/ ٦٩١) - سيرة ابن هشام (٤/ ٤٨) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).
[ ٤ / ٢٤ ]
وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ (١) بنَ الحُصَيْنِ الغِفَارِيَّ -﵁-.
* مُرُورُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قَبْرِ أُمِّهِ:
وَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بالْأَبْوَاءِ أَوْ وَدَّانَ، نَزَلَ فزَارَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ بريْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فنَزَلَ بِنَا (٢) وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (٣)، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، فَفَدَّاهُ بِالأَبِ وَالأُمِّ يَقُولُ: مَالَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنَ النَّارِ" (٤).
_________________
(١) هذه رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٩٢) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٦٥٧٦) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٨) وإسناده حسن - وفي رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٧): عبد اللَّه بن أم مكتوم. قلتُ: يمكن الجمع بأن يكون أبا رُهم -﵁- خلفه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ليحكم المدينة، وعبد اللَّه بن أم مكتوم خلفه -ﷺ- للصلاة.
(٢) وقع في رواية الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٢٣٠١٧) تحديد المكان الذي نزل فيه رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فعن بُريدة -﵁- قال: خرجتُ مع النبي -ﷺ- حتى إذا كُنَّا بودَّان. ووقع في رواية أخرى في المسند - رقم الحديث (٢٣٠٣٨) تحديد هذا السفر، قال بريدة -﵁-: أن رَسُول اللَّهِ غزا غزوة الفتح، وذكر الحديث.
(٣) ذَرَفَت العين: إذا جرى دمعها. انظر النهاية (٢/ ١٤٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠٠٣) - وأخرجه ابن حبان في =
[ ٤ / ٢٥ ]
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ: جَوَازُ زِيَارَةِ المُشْرِكِينَ فِي الحَيَاةِ وَقُبُورِهِمْ بَعْدَ الوَفَاةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَتْ زِيَارَتُهُمْ بَعْدَ الوَفَاةِ، فَفِي الحَيَاةِ أَوْلَى، وَفيهِ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ (١).
* إِسْلَامُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ الحَارِثِ وَعَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أُمَيَّةً:
أَكَمْلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَبِيقِ العُقَابِ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، لَقِيَهُ أَبُو سُفْيَانَ بنَ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ابْنُ عَمِّ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَأَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مِنْ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ، ابْنُ عَمَّةِ الرَّسُولِ -ﷺ- عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَخُو أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ الرَّسُولِ -ﷺ- لِأَبِيهَا.
أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ فَقَدْ كَانَ يَأْلَفُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ النُّبوَّةِ، فَلَمَّا بُعِثَ عَادَاهُ وَهَجَاهُ وَهَجَا أَصْحَابَهُ بِقَصَائِدَ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ -﵁- شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الخَفَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
هَجَوْتُ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ (٢)
_________________
(١) = صحيحه - كتاب الأشربة - باب في الأشربة - رقم الحديث (٥٣٩٠) - وأصل الحديث في صحيح مسلم - كتاب الجنائز - باب استئذان النبي -ﷺ- ربه ﷿ في زيارة قبر أمه - رقم الحديث (٩٧٦).
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ٣٩).
(٣) أخرج هجاء حسان -﵁- بهذه الأبيات: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة -=
[ ٤ / ٢٦ ]
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِيذَاءً لِلرَّسُولِ -ﷺ- بَعْدَ النُّبُوَّةِ (١)، فَلَمَّا لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْرَضَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمَا كَانَ يَلْقَى مِنْهُمَا مِنْ شِدَّةِ الأَذَى، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فكَلَّمَتْهُ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ فِيهِمَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا يَكُنِ ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ أَشْقَى النَّاسِ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الذِي قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ".
فَلَمَّا بَلَغَ الخَبَرُ إِلَيْهِمَا، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَعَهُ ابْنُهُ جَعْفَر: وَاللَّهِ لَيَأْذَننَّ لِي أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْنِي هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا أَوْ جُوعًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَقَّ لَهُمَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمَا، وَقَالَ عَلِيٌّ -﵁- لِأَبِي سُفْيَانَ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْ لَه مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ ﵇: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (٢)، فَإِنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ قَوْلا مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣).
_________________
(١) = باب فضائل حسان بن ثابت -﵁- رقم الحديث (٢٤٩٠) - وانظر ديوان حسان بن ثابت -﵁- ص ٢٠.
(٢) ذكرنا إيذاءهما لرَسُول اللَّه -ﷺ- في بداية أمر البعثة، فراجعه.
(٣) سورة يوسف آية (٩١).
(٤) سورة يوسف آية (٩٢). أخرج قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب مناقب أبي سفيان بن الحارث - رقم الحديث (٥١٥٧) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٤٩) - وإسناده صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٣٣٤١).
[ ٤ / ٢٧ ]
فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَقَبِلَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُمَا إِسْلَامَهُمَا، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمَا، وَثَبَتَ أَبُو سُفْيَانَ -﵁- ثَبَاتًا عَظِيمًا مَعَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ -كَمَا سَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ -.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَدْ شَهِدَ مَعَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةَ الْفَتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَاسْتُشْهِدَ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ -﵁-.
* إِفْطَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَنُزُولُهُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ:
وَاصَلَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ صَائِمٌ، وَالنَّاسُ صِيَامٌ مَعَهُ، وَقَدْ صَبَّ رَسُول اللَّه -ﷺ- المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ مِنْ شِدَّةِ العَطَشِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ المَدِينَةِ، وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ، يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ (١) -وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ (٢) - أَفْطَرَ وَفَطِرُوا (٣).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٦٩٠): الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال: مكان معروف وقع تفسيره في نفس الحديث بأنه بين عُسْفان وقُديد. ووقع في رواية مسلم - رقم الحديث (١١١٤) من حديث جابر ﵄ قال: حتى بلغ كُراع الغميم، وهو بضم الكاف، والغميم بفتح الغين، وهو اسم واد أمام عسفان. قال القاضي عِياض رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فيه، والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عمل عُسفان.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٦٩٠): قُديد: بضم القاف على التصغير.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصيام - باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر -=
[ ٤ / ٢٨ ]
وَرَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَأِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِالعَرْجِ (١) يَصُبُّ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ العَطَشِ، أَوْ مِنَ الحَرِّ، ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالكَدِيدِ، دَعَا بِقَدَحٍ، فَشَرِبَ (٢)، فَأَفْطَرَ النَّاسُ (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَفْطَرُوا حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، وَافْتَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ (٤).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مَكَّةَ، وَنَحْنُ صِيَامٌ، فنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
_________________
(١) = رقم الحديث (١٩٤٤) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة الفتح في رمضان - رقم الحديث (٤٢٧٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر - رقم الحديث (١١١٣).
(٢) العَرْج: بفتح العين وسكون الراء: قرية جامعة من عمل الفُرع، على أيام من المدينة. انظر النهاية (٣/ ١٨٤).
(٣) في رواية الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١١١٤) (٩٠) من حديث جابر -﵁- قال: ثم دعا بقدح من ماء فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرب.
(٤) أخرجه الإمام مالك في الموطأ - كتاب الصيام - باب ما جاء في الصيام في السفر - رقم الحديث (٢٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٤٥٩٦) - وأصله في صحيح مسلم - رقم الحديث (١١١٤) (٩٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٩٩٤).
[ ٤ / ٢٩ ]
"إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ"، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ -ﷺ-: "إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوَّكُمْ، وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا"، وَكَانَتْ عَزْمَةً (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ -﵁-: آذَنَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالرَّحِيلِ عَامَ الفَتْحِ فِي لَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْنَا صُوَّامًا، حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الكَدِيدَ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالفِطْرِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ مِنْهُمُ الصَّائِمُ، وَمِنْهُمُ المُفْطِرُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَدْنَى مَنْزِلٍ تِلْقَاءَ العَدُوِّ أَمَرَنَا بِالفِطْرِ، فَأَفْطَرْنَا أَجْمَعِينَ (٢).
* جَنْيُ (٣) الكَبَاثِ (٤) وَانْكِشَاف سَاقِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-:
ثُمَّ أَخَذَ الصَّحَابَةُ ﵃وَهُمْ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ- يَجْنُونَ ثَمَرَ الكَباثِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَجْنِي الكَبَاثَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ"، قَالَ: فَقُلْنَا: أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل - رقم الحديث (١١٢٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٨٢٥).
(٣) جَنَى الثمرة: تناولها من شجرتها. انظر لسان العرب (٢/ ٣٩٣).
(٤) الكَباث: بفتح الكاف والباء الخفيفة: هو النضيج من ثمر الأراك. انظر فتح الباري (٧/ ١٠٠) - النهاية (٤/ ١٢١).
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ١٠٠): وإنما قال له الصحابةُ ﵃: أكنتَ ترعى =
[ ٤ / ٣٠ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا" (١).
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ -﵁- فِيمَنْ يَجْتَنِي، فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَصَابَ حَبَّةً طَيِّبَةً قَذَفهَا فِي فِيهِ، وَكَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى دِقَّةِ سَاقَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، وَهُوَ يَرْقَى فِي الشَّجَرَةِ، فَيَضحَكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ " قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَﷺ-: "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ" (٢)، وَكَانَ ابنُ مَسْعُودٍ -﵁- مَا اجْتَنَى مِنْ شَيْءٍ جَاءَ بِهِ وَخِيَارُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
* إِشْعَالُ النِّيرَانِ:
وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَرِّ الظَّهْرَانِ عِشَاءً، إِذْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِيقَادِ النِّيرَانِ، فَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ، فَكَانَ مَنْظَرًا مَهِيبًا، النِّيرَانُ مِلْءَ الأَرْضِ، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الحَرَسِ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ -﵁-.
_________________
(١) = الغنم؟؛ لأن في قوله -ﷺ- لهم: "عليكم بالأسود منه" دلالة على تمييزه بين أنواعه، والذي يميز بين أنواع ثمر الأراك غالبًا من يلازم رعي الغنم على ما ألفوه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ - رقم الحديث (٣٤٠٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأشربة - باب فضيلة الأسود من الكباث - رقم الحديث (٢٠٥٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٩٧).
(٣) أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٩٩١) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٥٣) - وإسناده حسن. ووقع في رواية البيهقي في دلائله (٥/ ٢٩) أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قال هذا الحديث في ابن مسعود -﵁- وهم في مسيرهم إلى فتح مكة.
[ ٤ / ٣١ ]
* هِجْرَةُ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-:
وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الجُحْفَةَ لَقِيَهُ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- مُهَاجِرًا بِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَمَا كَانَ يَعْلَمُ عَنْ أَمْرِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِهِ فَرَحًا عَظِيمًا (١).
وَهُوَ آخِرُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ؛ لِأَنَّ بَعْدَهُ تَمَّ فتحُ مَكَّةَ، وَالرَّسُولُ -ﷺ- قَالَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ" (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: اخْتُلِفَ فِي الوَقْتِ الذِي أَسْلَمَ فِيهِ العَبَّاسُ -﵁-، فَقِيلَ: أَسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وَأَقَامَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَهُ فِي ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ (٣) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ الكَلْبِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَيَرُدُّهُ أَنَّ العَبَّاسَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، وَقَدْ فَدَى نَفْسَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي راَفِعٍ -﵁- (٤) فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: "كَانَ الإِسْلامُ دَخَلَ عَلَيْنَا أَهْلَ البيْتِ" (٥)، فَلَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِ العَبَّاسِ حِينَئِذٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفَدَى نَفْسَهُ وَعَقِيلًا ابْنَ أَخِيهِ أَبِي
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٤٨).
(٢) هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب لا هجرة بعد الفتح - رقم الحديث (٣٠٧٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها وخلاها - رقم الحديث (١٣٥٣).
(٣) في طبقاته (٤/ ٣٢٣).
(٤) أبو رافع -﵁-: هو مولى العباس -﵁-، ثم مولى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٥) أخرج قول أبي رافع هذا: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٦٤) - وإسناده ضعيف.
[ ٤ / ٣٢ ]
طَالِبٍ، وَالمَشْهُورُ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الحَجَّاجِ بنِ عِلَاطٍ (١).
وَلِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ قَبْلَ الفَتْحِ لَمْ يُدْخِلْهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- فِي أَهْلِ الشُّورَى مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِفَضْلِهِ وَاسْتِسْقَائِهِ بِهِ (٢).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا:
قُلْتُ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَدْرٍ وَمَعَهُ عَمُّهُ العَبَّاسُ، قَالَ لَه: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَذِنْتَ لِي فَخَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ فَهَاجَرْتُ مِنْهَا، أَوْ قَالَ: فَأُهَاجِرُ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَمُّ اطْمَئِنَّ فَإِنَّكَ خَاتَمُ المُهَاجِرِينَ فِي الهِجْرَةِ، كَمَا أنا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فِي النُّبوَّة" (٣).
فَهَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، فِي سَنَدِهِ أَبُو مُصْعَبٍ إِسْمَاعِيلُ بنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ.
_________________
(١) حديث الحجاج بن عِلاط -﵁- أخرجه: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٤٠٩) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤٥٣٠) وإسناده صحيح -وقد ذكرناه في غزوة خيبر- فراجعه.
(٢) حديثُ استسقاء عُمر بن الخطاب -﵁- بالعباس -﵁- أخرجه: البخاري في صحيحه - كتاب الاستسقاء - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا - رقم الحديث (١٠١٠). وانظر كلام الحافظ في الفتح (٣/ ٥٨٤) (٧/ ٤٤٢).
(٣) أخرجه الامام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٨١٢).
[ ٤ / ٣٣ ]
وَأَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ وَاهٍ (١).
وَلقدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْعَبَّاسِ -﵁- وَوَلَدِهِ بِالمَغْفِرَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- العَبَّاسَ فَقَالَ: "إِذَا كَانَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ فَائْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ"، قَالَ: فَغَدَا وَغَدَوا مَعَهُ، قَالَ: فَأَلْبَسَنَا كِسَاءً لَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلعَبَّاسِ وَلِوَلدِهِ مَغفِرَةً ظاهِرَةً بَاطِنةً لا تُغَادِرُ ذَنْبًا، اللَّهمَّ اخْلُفْهُ فِي وَلدِهِ" (٢).
* تَحَسُّسُ قُرَيْشٍ الأَخْبَارَ وَإِسْلَامُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ:
وَكَانَ اللَّهُ ﷾ قَدْ أَخَذَ العُيُونَ عَنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، فَبَعَثُوا أبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ يتَحَسَّسُ الأَخْبَارَ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَخُذْ لَنَا مِنْهُ أَمَانًا.
فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ، وَمَعَهُ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ، يَلْتَمِسُونَ الأَخْبَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
* أَرْبَعَةٌ أَرْبَأُ (٣) بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَيْلَةَ قُرْبِهِ مِنْ مَكَّةَ: "إِنَّ بِمَكَّةَ لَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيشٍ أَرْبَأُ بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَأغَبُ لَهُمْ فِي الإِسْلَامِ"، فَقِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٨٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٧٩٥).
(٣) يُقال: إني لأربَأُ بك عن ذلك الأمر: أي أرفعك عنه. انظر لسان العرب (٥/ ٩٤).
[ ٤ / ٣٤ ]
اللَّهِ؟ قَالَ: "عَتَّابُ بنُ أَسِيدٍ، وَجبيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو" (١).
فَأَقْبَلَ هَؤُلَاءِ النَّفرُ الثَّلَاثَةُ -وَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ- حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَثِيرَةٍ، فَفَزِعُوا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ نِيرَانًا قَطُّ وَلَا عَسْكَرَ، فَقَالَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ: هَذِهِ وَاللَّهِ خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا (٢) الحَرْبُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَذَلُّ وَأَقَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانُهَا وَعَسْكَرُهَا (٣).
فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ كَانَ العَبَّاسُ -﵁- يَلْتَمِسُ أَحَدًا يُخْبِرُ قُرَيْشًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى تَسْتَسْلِمَ وَلَا تُقَاتِلَ، فَعَرَفَ العَبَّاسُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَتَحَدَّثُ مَعَ بُدَيْلِ بنِ وَرْقَاءَ، فنَادَا، قَالَ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ!
فَعَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ صَوْتَ العَبَّاسِ، فَقَالَ: أَبَا الفَضْلِ! مَا وَرَاءَكَ.
فَقَالَ العَبَّاسُ: وَيْحَكَ يَا أبَا سُفْيَانَ! هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّاسِ (٤)، وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ! .
_________________
(١) أخرج هذا الحديث: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر عتاب بن أسيد - رقم الحديث (٦٥٨٢) - وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٧) وإسناده ضعيف: فيه مجهول وضعيفان.
(٢) حَمَشْتُها: جمعتها. انظر لسان العرب (٣/ ٣٢٤).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي -ﷺ- الراية يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٨٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥٠).
(٤) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٥١). وفي رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٧) قال: هذا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في عشرة آلاف.
[ ٤ / ٣٥ ]
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَمَا الحِيلَةُ؟
قَالَ العَبَّاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظفَرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَارْكَبْ فِي عَجُزِ (١) هَذِهِ البَغْلَةِ -بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْتَأْمِنُهُ لَكَ.
فَرَكِبَ أَبُو سُفْيَانَ خَلْفَ العَبَّاسِ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ إِلَى مَكَّةَ.
قَالَ العَبَّاسُ -﵁-: فَجِئْتُ بِهِ، كُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ المُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهَا، قَالُوا: عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى بَغْلَتِهِ، حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدَّابَّةِ قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللَّهِ؟ الحَمْدُ للَّهِ الذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، ثُمَّ أَخَذَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رَسولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢)، وَرَكَضَتِ البَغْلَةُ، فَسَبَقَتْهُ فَاقْتَحَمْتُ (٣) عَنِ البَغْلَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسولِ اللَّهِ -ﷺ- وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسولَ اللَّهِ! هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ أَجَرتُهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قُلْتُ: مَهْلًا يَا عُمَرُ! فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي
_________________
(١) العَجُز: هو مؤخرة الشيء. انظر النهاية (٣/ ١٦٨).
(٢) كان سببُ اشتدادِ عُمر -﵁- إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ليطلب منه الإذن في قتل أبي سفيان، وقد يحصل على الإذن، ففطن العباس -﵁- لذلك فاشتدَّ على البغلة إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ليستأمن من رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لأبي سفيان.
(٣) يُقال: اقتحم عن الدابة: إذا رمى بنفسه عنها. انظر النهاية (٤/ ١٧).
[ ٤ / ٣٦ ]
عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ مَا قُلْتَ هَذَا، وَلَكِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: مَهْلًا يَا عَبَّاسُ! فَوَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ (١).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اذْهَبْ بِهِ (٢) يَا عَبَّاسُ إِلَى رَحْلِكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ".
قَالَ العَبَّاسُ -﵁-: فَذَهَبْتُ بِأَبِي سُفْيَانَ إِلَى رَحْلِي، فَباتَ عِنْدِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَآه رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "وَيْحَكَ يَا أبا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ".
فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! وَاللَّهِ لقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ غَيْرُهُ لقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا بَعْدُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَيْحَكَ يَا أبا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ".
قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! أَمَّا هَذِهِ فَإِنَّ فِي النَّفْسِ مِنْهَا حَتَّى الآنَ شَيْئًا.
فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: وَيْحَكَ! أَسْلِمْ، وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
_________________
(١) أخرج ذلك كله أبو داود في سننه - كتاب الخراج والفيء - باب ما جاء في فتح مكة - رقم الحديث (٣٠٢٢) -وهو حديث صحيح لغيره- وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥١) - وإسناده صحيح.
(٢) أي بأبي سفيان.
[ ٤ / ٣٧ ]
رَسُولُ اللَّهِ، قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ، فَشَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ شَهَادَةَ الحَقِّ فَأَسْلَمَ.
ثُمَّ قَالَ العَبَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ" (١).
* تَحَرُّكُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ إِلَى مَكَّةَ:
ثُمَّ غَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَأَمَرَ العَبَّاسَ -﵁- أَنْ يَحْبِسَ أبَا سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الوَادِي عِنْدَ خَطْمِ (٢) الجَبَلِ، حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا (٣)، فَحَبَسَهُ العَبَّاسُ حَيْثُ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺمُنَادِيًا فنَادَى: لِتُصْبِحْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عِنْدَ رَايَةِ صَاحِبِهَا وَتُظْهِرْ مَا مَعَهَا مِنَ الأَدَاةِ وَالعُدَّةِ، وَبَدَأَتِ القَبَائِلُ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، وَكُلَّمَا مَرَّتْ قَبِيلَةٌ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ! مَنْ هَذِهِ؟
فَيَقُولُ: سُلَيْمٌ، فَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: مَالِي وَسُلَيْمٍ؟، ثُمَّ تَمُرُّ القَبِيلَةُ، فَيَقُولُ: يَا عَبَّاسُ! مَنْ هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: هَذِهِ غِفَارٌ، فَيَقُولُ: مَالِي وَلغِفَارٍ؟، ثُمَّ مَرَّتْ أَسْلَمُ،
_________________
(١) أخرج ذلك مختصرًا الإمام مسلم - رقم الحديث (١٧٨٠) (٨٦) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (٣٠٢١) (٣٠٢٢) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥١) وإسناده صحيح.
(٢) خطم الجبل: رَعْنُ الجبل، وهو الأنفُ النادر منه. انظر النهاية (١/ ٣٨٨).
(٣) لعل أمر رَسُول اللَّهِ -ﷺ- للعباس أن يوقف أبا سفيان حتى يرى جُند المسلمين حتى لا يُفكّر في القتال ويُسلم مكة؛ لأن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لا يريد قِتالًا، بل يريد أن تستسلم مكة.
[ ٤ / ٣٨ ]
ثُمَّ مُزَيْنَةُ، ثُمَّ جُهَيْنَةُ، ثُمَّ أَشْجَعُ، حَتَّى مَرَّتْ كُلُّ القَبَائِلِ، مَا تَمُرُّ قَبِيلَةٌ إِلَّا سَأَلَ العَبَّاسَ عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرَهُ قَالَ: مَالِي وَلبَنِي فُلَانٍ (١)؟
* مُرُورُ الكَتِيبَةِ الخَضْرَاءِ:
ثُمَّ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ فِي كَتِيبَتِهِ الخَضْرَاءِ (٢)، فِيهَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَلَا أَحَدَ مَعَهُمْ، لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الحَدَقُ (٣) مِنَ الحَدِيدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ، وَرَايَةُ المُهَاجِرِينَ مَعَ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ -﵁-، وَرَايَةُ الأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ -﵁-، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا عَبَّاسُ! مَنْ هَؤُلَاءَ؟ .
قَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلَاءِ قبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أبَا الفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابنِ أَخِيكَ اليَوْمَ عَظِيمًا.
فَقَالَ العَبَّاسُ -﵁-: وَيْحَكَ يَا أبَا سُفْيَانُ! إِنَّهَا النُّبُوَّةُ.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: نَعَمْ (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي -ﷺ- الراية يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٨٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥٢) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٣٥).
(٢) يُقال: كَتِيبة خضراء: إذا غلب عليها لبسُ الحديد، شُبّه سواده بالخضرة، والعرب تطلق الخضرة على السواد. انظر النهاية (٢/ ٤٠).
(٣) الحَدَق: العيون. انظر النهاية (١/ ٣٤١).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٢) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٥).
[ ٤ / ٣٩ ]
* نَزْعُ الرَّايَةِ مِنْ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ -﵁-:
فَلَمَّا مَرَّتِ الأَنْصَارُ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ صَرَخَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁- وَكَانَتْ رَايَةُ الأَنْصَارِ مَعَهُ-: يَا أَبَا سُفْيَانَ اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ (١)، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ، اليَوْمَ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ (٢)، فَلَمَّا حَاذَى (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا سُفْيَانَ نَادَاهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَرْتَ بِقَتْلِ قَوْمِكَ؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا قَالَ؟ "، قَالَ: قَالَ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَذَبَ (٤) سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى (٥) فِيهِ الكَعْبَةُ".
ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ -﵁- فنَزَعَ الرَّايَةَ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهَا بِيَدِ ابْنِهِ قَيْسٍ (٦).
_________________
(١) المَلْحَمة: الحرب والقتال الذي لا مخلص منه. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٨/ ٣٦٦).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٢٠): الذِّمار: بكسر الذال أي الهلاك.
(٣) يُقال: حاذيت موضعًا: إذا صرت بجانبه. انظر لسان العرب (٣/ ٩٨).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٢١): كذب: أي أخطأ.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٢١): المراد باليوم الزمان، كما قال يوم الفتح، فأشار النبي -ﷺ- إلى أنه هو الذي يكسوها في ذلك العام، ووقع ذلك.
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي -ﷺ- الراية يوم =
[ ٤ / ٤٠ ]
* الرَّايَةُ تُعْطَى الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ -﵁-:
فكَلَّمَ سَعْدٌ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَأْخُذَ الرَّايَةَ مِنِ ابْنِهِ قَيْسٍ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي خَطَأٍ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَأَعْطَاهَا الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ -﵁-.
فَقَدْ أَخْرَجَ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ قَيْسٌ فِي مُقَدِّمَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، فكَلَّمَ سَعْدٌ النَّبِيَّ -ﷺ- أَنْ يَصْرِفه عَنِ المَوْضِعِ الذِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى شَيْءٍ، فَصَرَفه عَنْ ذَلِكَ (١).
وَجَزَمَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ فِي المَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ: بِأنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى الزُّبَيْرِ -﵁- (٢).
* ذَهَابُ أَبِي سُفْيَانَ لِمَكَّةَ وَأَمْرِهِمْ بِالِاسْتِسْلَامِ:
ثُمَّ قَالَ العَبَّاسُ لِأَبِي سُفْيَانَ: النَّجَاءَ (٣) إِلَى قَوْمِكَ، فَأَسْرَعَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، وَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ زَوْجَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَأَخَذَتْ بِلِحْيَتهِ فَقَالَتْ: اقْتُلُوا الحَمِيتَ (٤) الدَّسِمَ (٥)
_________________
(١) = الفتح - رقم الحديث (٤٢٨٠) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٤٥).
(٢) أورده الحافظ في الفتح (٨/ ٣٢١) وعزاه إلى البزار، وصحح إسناده.
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٣٢٠).
(٤) النجاء: السرعة. انظر النهاية (٥/ ٢١).
(٥) الحميت: هو الوعاء الذي يكون فيه السَّمْن ونحوه، فأرادت أن تنسبه إلى الضخم والسمن. انظر النهاية (١/ ٤١٩) - الرَّوْض الأُنُف (٤/ ١٥٨).
(٦) الدسم: الأسود الدنيء. انظر النهاية (٢/ ١١٠).
[ ٤ / ٤١ ]
الأَحْمَسَ (١)، قُبِّحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ.
فَقَالَ لَهَا أَبُو سُفْيَانَ: وَيْلَكِ! جَاءَ بِالحَقِّ، فَاسْكُتِي وَادْخُلِي بَيْتَكِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنْ لَمْ تُسْلِمِي لَتُضْرَبَنَّ عُنُقُكِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: وَيْلَكُمْ! لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنَ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، قَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ! وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ؟
قَالَ: وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى المَسْجِدِ (٢).
* نُزُولُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ بِذِي طُوَى (٣):
وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَيْرِهِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذِي طُوَى، وَهُنَاكَ أَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ تَنْظِيمَ وَتَرْتِيبَ جَيْشِهِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بنَ الوَليدِ -﵁- عَلَى المَجْنَبَةِ (٤) اليُمْنَى، وَمَعَهُ أَسْلَمُ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ كُدَيٍّ (٥)، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ -﵁- عَلَى المَجْنَبَةِ اليُسْرَى، وَمَعَهُ المُهَاجِرُونَ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ الرَّسُولِ -ﷺ-.
_________________
(١) الأحمس هنا: الذي لا خير فيه انظر الرَّوْض الأُنُف (٤/ ١٥٨).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).
(٣) ذي طُوى: بضم الطاء وفتح الواو المخففة: موضع عند باب مكة. انظر النهاية (٣/ ١٣٣).
(٤) مجنبة الجيش: هي التي تأخذ في الميمنة والميسرة. انظر النهاية (١/ ٢٩٢).
(٥) كُدَيّ: بضم الكاف وتشديد الياء: موضع بأسفل مكة. انظر النهاية (٤/ ١٣٦).
[ ٤ / ٤٢ ]
وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ (١)، وَأَنْ يُعَزِّزَ رَايَتَهُ بِالحَجُونِ (٢)، وَلَا يَبْرَحَ (٣) حَتَّى يَأْتِيَهُ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- علَى مُقَدِّمَتِهِ قَيْسَ بنَ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵄، وَمَعَهُ الأَنْصَارُ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجرَّاحِ -﵁- عَلَى الرَّجَّالَةِ (٤).
وَعَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأُمَرَائِهِ: "لَا تُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَكُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَأَنْ لَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَتْبَعُوا مُدْبِرًا" (٥).
_________________
(١) كَداء: بفتح الكاف: هي الثنية العليا بمكة مما يلىِ المقابر. انظر النهاية (٤/ ١٣٦).
(٢) الحَجُون: بفتح الحاء وضم الجيم: هو مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة. انظر فتح الباري (٨/ ٣٢١).
(٣) لا يبرح: لا يفارق. انظر لسان العرب (١/ ٣٦١).
(٤) الرجالة: بفتح الراء: وهم المشاة. انظر النهاية (٢/ ١٨٨). وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٨٠): البَيَاذِقة: وهو بفتح الباء وكسر الذال وهم الرجالة، واللفظة فارسية معربة، وقيل: سُمّوا بذلك لخفة حركتهم، وأنهم ليس معهم ما يثقلهم. انظر النهاية (١/ ١٦٨). وفي رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٧٨٠)، ومسند الإمام أحمد - رقم الحديث (١٠٩٤٨) قال: الحُسر. بضم الحاء: وهو جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مغفر. انظر النهاية (١/ ٣٦٩). وأخرج ذلك كله: مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فتح مكة - رقم الحديث (١٧٨٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٩٤٨) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥٤) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤١).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٧) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).
[ ٤ / ٤٣ ]
* عَشَرَةٌ لَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا أَمَانٌ:
وَاسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَشَرَةً مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الأَمَانِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، وَهُمْ:
١ - عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ: لِشِدَّةِ عَدَاوَتهِ لِلْإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَمَا أَلْحَقَهُ مِنْ أَذًى شَدِيدٍ بِالمُسْلِمِينَ.
٢ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ: وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَتَبَ الوَحْيَ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِالكُفَّارِ (١).
٣ - مِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ (٢): وَكَانَ أَخَاهُ قُتِلَ خَطَأً عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَأُعْطِيَ الدِّيَةَ، ثُمَّ عَدَا مِقْيَسُ عَلَى الأَنْصَارِيِّ فَقتَلَهُ وَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا (٣).
٤ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ (٤): وَكَانَ مُسْلِمًا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ أَحَدِ الأَنْصَارِ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ مَعَهُمَا مَوْلًى لَهُ مُسْلِمٌ يَخْدُمُهُ، فَعَدا عَلَى المَوْلَى
_________________
(١) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الحدود - باب الحكم فيمن ارتد - رقم الحديث (٤٣٥٨) وإسناده حسن.
(٢) مِقْيَس بن صُبابة: بكسر الميم وسكون القاف وفتح الياء، وصُبابة: بضم الصاد.
(٣) ذكرنا قصة قتله في غزوة بني المصطلق فراجعها.
(٤) قلتُ: وقع في بعض الروايات أن اسمه عبد العزى بن خطل. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٤/ ٦٩٣): يحتمل أنه كان كذلك، ثم لما أسلم سُمي عبد اللَّه.
[ ٤ / ٤٤ ]
فَقتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ لَهُ طَعَامًا، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَأَخَذَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بالشِّعْرِ.
٥ - الحُوَيْرِثُ بنُ نُقَيْذٍ (١): وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلرَّسُولِ -ﷺ- بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بشِعْرِهِ.
٦ - هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ: وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدِ اعْترَضَ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَمَا هَاجَرَتْ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتْ حَامِلًا، فَضَرَبَ بَعِيرَهَا، فَهَاجَ البَعِيرُ وَسَقَطَتْ زَيْنَبُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَسَقَطَ حَمْلُهَا (٢).
٧ - هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ: وَكَانَتْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ التِي بَقَرَتْ (٣) بَطْنَ حَمْزَةَ -﵁- يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَثَّلَتْ بِهِ.
٨ - سَارَةُ: مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهِيَ التِي أَخَذَتْ كِتَابَ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ -﵁- لِتُوصِلَهُ إِلَى المُشْرِكِينَ.
٩ - ١٠ - قَيْنَتَانِ (٤) لِابْنِ خَطَلٍ، وَكَانتا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
وَذَكَرَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَهْدَرَ كَذَلِكَ دَمَ:
١١ - كَعْب بنِ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى الشَّاعِرُ المَشْهُورُ صَاحِبُ قَصِيدَةِ "بَانَتْ سُعَادُ".
_________________
(١) الحُوَيرث بن نُقَيْذ: بضم الحاء، ونُقَيذ: بضم النون مصغرًا. انظر فتح الباري (٤/ ٥٣٨).
(٢) ذكرنا قصة ذلك فيما تقدم.
(٣) البَقْر: بفتح الباء وسكون القاف: الشق. انظر النهاية (١/ ١٤٣).
(٤) القَيْنة: هي الأمة المغنية. انظر النهاية (٤/ ١١٨).
[ ٤ / ٤٥ ]
١٢ - وَحْشِيِّ بنِ حَرْبٍ: الذِي قتَلَ حَمْزَةَ -﵁- (١).
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأتَيْنِ، وَقَالَ: "اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ: عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ، وَمِقْيسُ بنُ صُبَابةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ" (٢).
وأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ -﵁-، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: لَئِنْ كَانَ لَنَا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ المُشْرِكِينَ، لَنُرْبِيَنَّ (٣) عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الفَتْحِ، قَالَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمِنَ الأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا، نَاسًا سَمَّاهُمْ" (٤).
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في فتح الباري (٤/ ٥٣٨ - ٥٣٩) - سيرة ابن هشام (٤/ ٥٨) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب قتل الأسير ولا يعرض على الإسلام - رقم الحديث (٢٦٨٣) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٥٠٦) - (٤٥٢١) - والحاكم في المستدرك - كتاب البيوع - باب ذكر تأمين الناس يوم فتح مكة إلا أربعة نفر - رقم الحديث (٢٣٧٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٤٩).
(٣) لنُربينّ: أي لنزيدن ولنضاعفن. انظر النهاية (٢/ ١٧٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٢٢٩) - والترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة النحل - رقم الحديث (٣٣٩٥) - والنسائي في السنن الكبرى =
[ ٤ / ٤٦ ]
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا آل إِلَيْهِ أَمْرُ هَؤُلَاءِ العَشَرَةِ.
* أَوْبَاشُ قُرَيْشٍ:
فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ قَامَتْ قُرَيْشٌ وَوَبَّشَتْ أَوْبَاشًا (١) لَهَا، وَأَتْبَاعًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ وَبَنِي الحَارِثِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ وَهُذَيْلٍ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَكُوُنوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، وَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الذِي سُئِلْنَا، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- نَادَى أبَا هُرَيْرَةَ -﵁-.
فَقَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: "اهْتِفْ لِي بِالأَنْصَارِ، وَلَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: فَهَتَفْتُ بِهِمْ، فَجَاؤُوا فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُريْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ، احْصُدُوهُمْ حَصْدًا، حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا" (٢).
* دُخُولُ المُسْلِمِينَ مَكَّةَ وَشَأْنُ أَهْلِ الخَنْدَمَةِ (٣):
وَتَحَرَّكَتْ كُلُّ كَتِيبَةٍ مِنَ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ عَلَى الطَّرِيقِ التِي كُلِّفَتِ الدُّخُولَ مِنْهَا، وَلَمْ تَلْقَ أَيَّةَ مُقَاوَمَةٍ تُذْكَرُ، إِلَّا خَالِدَ بنَ الوَليدِ -﵁-، فَقَدْ مَضَى
_________________
(١) = - كتاب التفسير - باب سورة النحل - رقم الحديث (١١٢١٥).
(٢) وبشت: أي جمعت جموعًا من قبائل شتى. انظر النهاية (٥/ ١٢٧).
(٣) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فتح مكة - رقم الحديث (١٧٨٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٩٤٨).
(٤) الخندمة: جبل معروف بمكة. انظر النهاية (٢/ ٧٨).
[ ٤ / ٤٧ ]
حَتَّى دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَلَقِيَهُ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو (١) بِالخَنْدَمَةِ، فِي جَمْعٍ مِنْ أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهَا، فَمَنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، وَشَهَرُوا السِّلَاحَ، وَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدٌ -﵁-، فَقتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَانْهَزَمُوا، وَاسْتَمَرَّ خَالِدٌ -﵁- يَدْفَعُهُمْ حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ القَتْلُ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَلَمَّا رَاَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، صَاحَ بِهِمْ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَ الدُّورَ، وَيُغْلِقُونَ أَبْوَابَهَا عَلَيْهِمْ (٢).
* شَأْنُ حِمَاسِ (٣) بنِ قَيْسٍ:
وَكَانَ مِنْ بَيْنِ الذِينَ انْهَزَمُوا حِمَاسُ بنُ قَيْسٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ دُخُولِ المُسْلِمِينَ يُعِدُّ سِلَاحَهُ وَيُصْلِحُهُ لِقِتَالِ المُسْلِمِينَ.
فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: لِمَاذَا تُعِدُّ سِلَاحَكَ؟ قَالَ: لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ.
قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَرَى يَقُومُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ.
قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَكِ بَعْضَهُمْ.
فَلَمَّا انْهَزَمَ حِمَاسٌ وَفرَّ، دَخَلَ بَيْتَهُ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي.
قَالَتْ: فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟
قَالَ:
_________________
(١) كل هؤلاء ﵃ أسلموا، وحسن إسلامهم.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٥) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٤١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).
(٣) قال الحافظ في الإصابة (٢/ ١٠٢): حِماس: بكسر الحاء.
[ ٤ / ٤٨ ]
إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الخَنْدَمَهْ إِذْ فَرَّ صَفْوَان وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدَ (١) قَائِمٌ كَالمُؤْتَمَهْ (٢) وَاسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ المُسْلِمَهْ
يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ضَرْبًا فَلا يُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ
لَهم نَهِيتٌ (٣) خَلْفَنا وَهَمْهَمَهْ لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ (٤)
* قَتلَى خَيْلِ خَالِدٍ -﵁-:
وَقَدْ قُتِل مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ -﵁- رَجُلَانِ شَذَّا عَنْهُ، فَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ، فَقُتِلَا جَمِيعًا، وَهُمَا: كُرْزُ (٥) بنُ جَابِرٍ الفِهْرِيُّ، وَحبيْشُ بنُ الأَشْعَرِ (٦) الخُزَاعِيُّ، وَهُوَ أَخُو أُمِّ مَعْبَدَ التِي مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُهَاجِرًا (٧).
* فَزَعُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ:
وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُبِيحَتْ (٨)
_________________
(١) هو سُهيل بن عمرو.
(٢) يُقال: أيتمت المرأة فهي موتم وموتمة: إذا كان أولادها أيتامًا. انظر النهاية (٥/ ٢٥٢).
(٣) النهيت: صوت يخرج من الصدر عند المشقة. انظر النهاية (٥/ ١١٧) - لسان العرب (١٤/ ٣٠٠).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٦) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٤٧).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٢٢): كُرْز: بضم الكاف وسكون الراء.
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٢٢): الأشعر لقب، واسمه خالد.
(٧) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي -ﷺ- الراية يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٨٠).
(٨) في رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٧٨٠) (٨٦): أُبيدت. =
[ ٤ / ٤٩ ]
خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشٌ بَعْدَ اليَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ ألقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ" (١).
ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى خَالِدٍ -﵁- يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ عَنِ القَتْلِ، فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَامَهُ رَسُولُ اللَّهﷺ-، وَقَالَ لَه: "لِمَ قَاتَلْتَ، وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ القِتَالِ؟ ".
فَقَالَ: هُمْ بَدَؤُونَا بِالقِتَالِ، وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاحَ، وَأَشْعَرُونَا بِالنَّبْلِ، وَقَدْ كَفَفْتُ يَدِيَ مَا اسْتَطَعْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كُفُّوا عَنِ السِّلَاحِ إِلَّا خُزَاعَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ"، فَأُذِّنَ لَهُمْ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كفُّوا السِّلَاحَ" (٢).
* التَّجَمُّعُ فِي الخَيفِ (٣):
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ الصَّحَابَةَ ﵃ أَنْ يَتَجَمَّعُوا فِي الخَيْفِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ
_________________
(١) = قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٠٨) وهما متقاربان أي استؤصلت قريش بالقتل، وأفنيت، وخضراؤهم بمعنى جماعتهم.
(٢) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فتح مكة - رقم الحديث (١٧٨٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٩٤٨).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٦٨١) وإسناده حسن.
(٤) الخَيف: بفتح الخاء وسكون الياء هو المُحصب، وهو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومِنى، ومعنى الخيف: ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل، ومسجد منى يُسمى الخيف؛ لأنه في سفح جبلها. انظر النهاية (١/ ٣٧٩) (٢/ ٨٨).
[ ٤ / ٥٠ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْزُلنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِذَا فَتَحَ اللَّهُ، الخَيْفُ حَيْثُ تَقَاسَمُوا (١) عَلَى الكُفْرِ" (٢).
قَالَ العُلَمَاءُ: وَكَانَ نُزُولُه -ﷺ- هُنَا شُكْرًا للَّهِ تَعَالَى عَلَى الظُّهُورِ بَعْدَ الاخْتِفَاءِ، وَعَلَى إِظْهَارِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
وَلَمْ يَنْزِلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دَارَهُ التِي كَانَتْ فِي مَكَّةَ؛ لِأَنَّ عَقِيلَ بنَ أَبِي طَالِبٍ بَاعَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ زَمَنَ الفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ، فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَهَلْ ترَكَ عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ؟ ".
وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ ﵄؛ لِانَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ (٤).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٢٨): يعني قريشًا لما تحالفوا على أن لا يبايعوا بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يؤوهم وحصروهم في الشعب. قلتُ: ذكرنا حصار قريش لبني هاشم فيما تقدم، فراجعه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز رَسُول اللَّهِ -ﷺ- الراية يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٨٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر - رقم الحديث (١٣١٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٢٧٨).
(٣) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٩/ ٥٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب توريث دور مكة - رقم الحديث (١٥٨٨) وكتاب المغازي - باب أين ركز النبي -ﷺ- الراية يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٤٨) -=
[ ٤ / ٥١ ]
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الحُكْمِ -أَيْ عَدَمِ تَوْرِيثِ المُسْلِمِ الكَافِرَ- فِي أَوَائِلِ الإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الهِجْرَةُ لَمَّا وَقَعَتْ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ وَطَالِبٌ عَلَى مَا خَلَّفهُ أَبُو طَالِبٍ -وَكَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ الهِجْرَةِ- وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَا خَلَفهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ الرَّسُولِ -ﷺ-؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَهُ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الهِجْرَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ طَالِبٌ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ عَقِيلٍ، اسْتَوْلَيَا عَلَى مَا خَلَّفَ أَبُو طَالِبٍ، وَمَاتَ طَالِبٌ قَبْلَ بَدْرٍ، وَتَأَخَّرَ عَقِيلٌ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُ الإِسْلَامِ بِتَرْكِ تَوْرِيثِ المُسْلِمِ مِنَ الكَافِرِ، اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَقِيلٍ، فَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ عَقِيلٌ قَدْ بَاعَ تِلْكَ الدُّورَ كُلَّهَا.
وَفِي قَوْلِهِ -ﷺ-: "هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟ "، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ بَيْعٍ لَنَزَلَ فِيهَا (١).
* أَوَّلُ مَنْ وَصَلَ الزُّبَيْرُ -﵁-:
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَصَلَ إِلَى الخَيْفِ هُوَ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ -﵁-، وَنَصَبَ عِنْدَهَا رَايَتَهُ، وَضَرَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قُبَّةً مِنْ أَدَمٍ (٢).
* دُخُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- مَكَّةَ:
ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ فِي كَتِيبتِهِ الخَضْرَاءِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ ﵃، وَذَلِكَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ لِعَشْرِ
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب النزول بمكة للحاج - رقم الحديث (١٣٥١).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٣٢٧).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٨).
[ ٤ / ٥٢ ]
لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ رَاكِبٌ نَاقَتَهُ القَصْوَاءَ مُرْدِفًا أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ خَلْفَهُ، عَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ (١)، وَاضِعًا رَأْسَهُ الشَّرِيفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ تَوَاضُعًا للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ، حَتَّى إِنَّ لِحْيَتَهُ لَتَكَادُ تَمَسُّ وَسَطَ رَحْلِهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ يُرَجِّعُ (٢) بِهَا صَوْتَهُ (٣).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا الفَتْحَ المُبِينَ لَيُذَكِّرُهُ بِمَاضٍ طَوِيلِ الفُصُولِ، كَيْفَ خَرَجَ مُطَارَدًا؟، وَكَيْفَ يَعُودُ اليَوْمَ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا. . .؟ ! وَأَيُّ كَرَامَةٍ عُظْمَى حَفَّهُ اللَّهُ بِهَا فِي هَذَا الصَّبَاحِ المَيْمُونِ! وَكُلَّمَا اسْتَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَذه النَّعْمَاءَ ازْدَادَ للَّهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ خُشُوعًا وَانْحِنَاءً، وَيبدُو أَنَّ هُنَاكَ عَوَاطِفُ أُخْرَى كَانَتْ تَجِيشُ (٤) فِي بَعْضِ الصُّدُورِ (٥).
* اغْتِسَالُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي دَارِ أمِّ هَانِئٍ ﵂:
وَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دَارَ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ
_________________
(١) المِغْفر: هو ما يلبسه الدارع على رأسه. انظر النهاية (٣/ ٣٣٦). وفي رواية أخرى في صحيح مسلم- رقم الحديث (١٣٥٨) قال جابر ﵄: وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
(٢) التَّرْجيع: هو ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان. انظر النهاية (٢/ ١٨٥).
(٣) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من أين يخرج من مكة - رقم الحديث (١٥٧٨) (١٥٧٩) - وكتاب المغازي - باب أين ركز النبي -ﷺ- الراية يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٨١) (٤٢٨٦) - وكتاب التفسير - باب ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ - رقم الحديث (٤٨٣٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب جواز دخول مكة بغير إحرام - رقم الحديث (١٣٥٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٦٨).
(٤) تَجِيش: أي تفيض. انظر لسان العرب (٢/ ٤٣٥).
(٥) انظر فقه السيرة ص ٣٨٠ للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٤ / ٥٣ ]
اللَّهُ عَنْهَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي بَيْتِهَا، وَذَلِكَ ضُحًى.
قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: لم أَرَهُ -ﷺ- صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أنهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ (١).
قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَتْ هَذِهِ صَلَاةَ الفَتْحِ، وَكَانَ أُمَرَاءُ الإِسْلَامِ إِذَا فتَحُوا حِصْنًا أَوْ بَلَدًا، صَلُّوا عُقَيْبَ الفَتْحِ هَذِهِ الصَّلَاةَ اقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه -ﷺ-، وَفِي القِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بِسَبَبِ الفَتْحِ شُكْرًا للَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا (٢).
قُلْتُ: وَقَدْ صَلَّى سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- يَوْمَ فَتْحِ المَدَائِنِ فِي إِيوَانِ كِسْرَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: إِنَّمَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أُمِّ هَانِئٍ؛ لِيَغْتَسِلَ وَيُصَلِّيَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَيْثُ ضُرِبَتْ خَيْمَتُهُ فِي الخَيْفِ عِنْدَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب منزل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٩٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - رقم الحديث (٣٣٦).
(٢) انظر زاد المعاد (٣/ ٣٦١).
(٣) انظر البداية والنهاية (٤/ ٦٩٥). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٤/ ٦٩٥): وجاء التصريحُ بأنه -ﷺ- كان يُسلم من كل ركعتين، وهو يرد على السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٤/ ١٦٩) وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانية ركعات بتسليمة واحدة.
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ٣٣٣).
[ ٤ / ٥٤ ]
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ -﵁- قَالَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَتَتْهُ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلةٌ، فنَاوَلَهَا فَشَرِبَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ فَعَلْتُ شَيْئًا مَا أَدْرِي يُوَافِقُكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ يَا أُمَّ هَانِئٍ؟ "، قَالَتْ: كُنْتُ صَائِمَةً، فكَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ فَضْلَكَ، فَشَرِبْتُهُ، قَالَ: "تَطَوُّعًا أَوْ فَرِيضَةً؟ "، قَالَتْ: بَلْ تَطَوُّعًا، فَقَالَ -ﷺ-: "فَإِنَّ الصَّائِمَ الْمُتَطَوِّعَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإنْ شَاءَ أَفْطَرَ" (١).
فَهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، لِاضْطِرَابِ إِسْنَادِهِ (٢) وَنَكَارَةِ مَتْنِهِ (٣)، قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَهُ: وَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.
* إِجَارَةُ أُمِّ هَانِئٍ لِقَرِيبَيْنِ لَهَا:
وَأَجَارَتْ أُمُّ هَانِئٍ ﵂، رَجُلَيْنِ مِنْ أَقَارِبِهَا (٤)، كَانَا فَرَّا إِلَيْهَا،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٣٨٥) - والترمذي في جامعه - كتاب الصوم - باب ما جاء في إفطار الصائم المتطوع - رقم الحديث (٧٤٠) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب الصيام - باب الرخصة للصائم المتطوع أن يفطر - رقم الحديث (٣٢٨٨).
(٢) ممن أعلَّ هذا الحديث بالاضطراب: النسائي في السنن الكبرى (٣/ ٣٦٨).
(٣) قال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ١١١): ومما يدلُّ على غلط سِماك -أحد الرواة- فيه أنه قال في بعض الروايات عنه أن ذلك كان يوم الفتح، ويوم الفتح كان في رمضان، فكيف يُتصوّر قضاء رمضان في رمضان؟
(٤) وقع في رواية الحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٥٢٦٠) التصريح باسم الرجلين وهما: الحارث بن هشام بن المغيرة، وعبد اللَّه بن أبي ربيعة. ورجح ذلك الحافظ في الفتح (٢/ ١٩).
[ ٤ / ٥٥ ]
وَكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- يَتْبَعُهُمَا، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْترهُ بِثَوْبٍ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ هَذِهِ؟ ".
قُلْتُ: أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَرْحَبًا يَا أُمَّ هَانِئٍ"، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، . . . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرتُهُ، فُلَانُ بنُ هُبَيْرَةَ (١).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" (٢).
* طَوَاف رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالبَيْتِ وَتَطْهِيرُهُ مِنَ الأَصْنَامِ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخَلْفَهُ وَحَوْلَهُ، يُهَلِّلُونَ وَيُكَبِّرُونَ، فَأَقْبلَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنٍ (٣) في يَدِهِ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ سَبْعَّاَ عَلَى رَاحَلِتِه، وَحَوْلَ البَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا مَشْدُودَةٌ بِالحَدِيدِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا دَنَا مِنْ صَنَمٍ يَطْعَنُهَا بِمِحْجَنِهِ،
_________________
(١) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٨٩٢) بسند صحيح - قالت ﵂: يا رسول اللَّه، أجرت حَمَوَيْنِ لي من المشركين.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به - رقم الحديث (٣٥٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب استحباب صلاة الضحى - رقم الحديث (٣٣٦) (٨٢) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب الغسل - رقم الحديث (١١٨٨).
(٣) المِحْجن: عصا معقفة الرأس. انظر النهاية (١/ ٣٣٥).
[ ٤ / ٥٦ ]
وَيَقُولُ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١)، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (٢).
فَمَا يُشِيرُ عَلَى صَنَمٍ مِنْهَا فِي وَجْهِهِ إِلَّا وَقَعَ لِقَفَاهُ، وَلَا يُشِيرُ إِلَى قَفَاهُ إِلَّا وَقَعَ لِوَجْهِهِ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهَا صَنَمٌ إِلَّا وَقَعَ (٣).
* دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الكَعْبَةَ وَتَطْهِيرُهَا مِنَ الصُّوَرِ:
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُثْمَانَ بنَ طَلْحَةَ -﵁- حَاجِبَ (٤) الكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ: "ائْتِنِي بِالمِفْتَاحِ"، فَذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطيَهُ المِفْتَاحَ فِي بِدَايَةِ الأَمْرِ، ثُمَّ إِنَّهَا أَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ بَابَ الكَعْبَةِ، وَأَمَرَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- أَنْ يَدْخُلَ، فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، فَلَمْ يَدْخُلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى مُحِيَتْ كُلُّ صُورَةٍ فِيهَا (٥).
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٨١).
(٢) سورة سبأ آية (٤٩).
(٣) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي -ﷺ- الراية يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٨٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب إزالة الأصنام من حول الكعبة - رقم الحديث (١٧٨١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٥٨٤) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٦٥).
(٤) حِجَابَة الكعبة: هي سِدانتها، وتولي حفظها، وهم الذين بأيديهم مفتاحها. انظر النهاية (١/ ٣٢٨).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من كبّر في نواحي الكعبة - رقم الحديث (١٦٠١) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب دخول النبي -ﷺ- من أعلى مكة - رقم الحديث (٤٢٨٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره - رقم الحديث (١٣٢٩) (٣٩٠) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه =
[ ٤ / ٥٧ ]
ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الكَعْبَةَ، فَوَجَدَ حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ، فكَسَرَهَا بِيَدهِ، ثُمَّ طَرَحَهَا (١)، وَوَجَدَ بَعْضَ الآثَارِ لِلصُّوَرِ، فَوَجَدَ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ (٢)، وَوَجَدَ أَيْضًا صُورَةً لِمَرْيَمَ ﵍، فَقَالَ -ﷺ-: "قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلَامِ قَطُّ".
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَقِيَّةِ تِلْكَ الصُّوَرِ فَمَحَاهَا (٣).
وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ أُسَامَةُ -﵁- قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَجَعَلَ يَمْحُوهَا، وَيَقُولُ: "قَاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ" (٤).
_________________
(١) = كتاب الحظر والإباحة - باب الصور والمصورين - رقم الحديث (٥٨٥٧).
(٢) ذِكْر الحَمامة وكَسْرها -ﷺ- بِيَده الشريفة هي رواية ابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب من استلم الركن بمحجنه - رقم الحديث (٢٩٤٧) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر صفية بنت شيبة - رقم الحديث (٧٠٢٢) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٦٠) وإسناده حسن.
(٣) الأزْلَام: هي القِداحُ التي كانت في الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهي، افعل ولا تفعل، كان الرجل منهم يضعها في وعاء له، فإذا أراد سفرًا أو زواجًا أو أمرًا مهمًا، أدخل يده فأخرج منها زلمًا، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النهي كف عنه ولم يفعله. انظر النهاية (٢/ ٢٨١).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ - رقم الحديث (٣٣٥١) - وكتاب المغازي - باب أين ركز النبي -ﷺ- الراية يوم الفتح - رقم الحديث (٤٢٨٨) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحظر والإباحة - باب الصور والمصورين - رقم الحديث (٥٨٥٨).
(٥) أخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٦٥٧) - وجوده إسناده الحافظ في الفتح (٤/ ٢٦٨).
[ ٤ / ٥٨ ]
ذَكَرْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ قَدْ أَمَرَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- بِمَسْحِ الصُّوَرِ، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ الذِي مَسَحَهَا.
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ -﵁- مَحَا مَا كَانَ مِنَ الصُّوَرِ مَدْهُونًا مَثَلًا، وَأَخْرَجَ مَا كَانَ مَخْرُوطًا، وَأَمَّا مَسْحُ النِّبِيِّ -ﷺ- لِلصُّوَرِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ خَفِيَ عَلَى مَنْ مَحَاهَا أَوّلًا (١).
* إِغْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيهِ بَابَ الكَعْبَةِ:
ثُمَّ أَغْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَابَ الكَعْبَةِ (٢)، وَمَا كَانَ مَعَهُ فِي هَذَا المَكَانِ العَظِيمِ الطَّاهِرِ إِلَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَبِلَالُ بنُ رَبَاحٍ، وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ، وَقِيلَ الفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ -وَفِيهِ نَظَرٌ- (٣)، ﵃، فَمَكَثَ فِيهِ طَوِيلًا، فَجَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيْتُ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٣٣١).
(٢) قال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح صحيح مسلم (٩/ ٧٢): إنما أغلقها عليه رَسُول اللَّهِ -ﷺ-؛ ليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه، ولئلا يجتمع الناس ويدخلوا ويزدحموا فينالهم ضرر ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم، واللَّه أعلم. الهوش: الاختِلَاط، أي يدخل بعضهم في بعض.
(٣) جاء ذكر دخول الفضل بن العباس ﵄ معهم في رواية النسائي في السنن الكبرى - كتاب المواقيت - باب دخول الكعبة - رقم الحديث (٣٨٧٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤٦٤). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٢٦٧): لم يثبت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة أخرجها الإمام أحمد في مسنده.
[ ٤ / ٥٩ ]
يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ اسْتَبَقَ النَّاسُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ ﵄ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَوَجَدَ بِلَالًا وَرَاءَ البَابِ قَائِمًا، فَسَأ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ .
فَأَشَارَ لَهُ إِلَى المَكَانِ الذِي صَلَّى فِيهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فنَسِيتُ أَنْ أَسْأله كَمْ صَلَّى مِنْ سَجْدَةٍ؟ (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - رِوَايَةُ الصَّاحِبِ عَنِ الصَّاحِبِ.
٢ - سُؤَالُ المَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الأَفْضَلِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهِ.
٣ - وَالحُجَّةُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ.
٤ - وَفيهِ اخْتِصَاصُ السَّابِقِ بِالبُقْعَةِ الفَاضِلَةِ.
٥ - وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ العِلْمِ وَالحِرْصُ عَلَيهِ.
٦ - وَفِيهِ فَضِيلَةُ ابنِ عُمَرَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ آثارِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِيَعْمَلَ بِهَا.
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب إغلاق البيت، ويصلي في أي نواحي البيت شاء - رقم الحديث (١٥٩٨) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب دخول النبي -ﷺ- من أعلى مكة - رقم الحديث (٤٢٨٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج - باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره - رقم الحديث (١٣٢٩) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الصلاة في الكعبة - رقم الحديث (٣٢٠٣) (٣٢٠٣).
[ ٤ / ٦٠ ]
٧ - وَفيهِ أَنَّ الفَاضِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ كَانَ يَغِيبُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ الفَاضِلَةِ، وَيَحْضُرُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَيَطَّلِعَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بِلَالٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ.
٨ - وَفيهِ مَشْرُوعِيَّهُ الأَبْوَابِ وَالْغَلْقِ لِلْمَسَاجِدِ.
٩ - وَفيهِ أَنَّ السُّتْرَةَ إِنَّما تُشْرَعُ حَيْثُ يُخْشَى المُرُورُ، فَإِنَّهُ -ﷺ- صَلَّى بَيْنَ العَمُودَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ ترَكَ ذَلِكَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالقُرْبِ مِنَ الجِدَارِ.
١٠ - وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ العُلَمَاءِ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ الحَرَامِ الطَّوَافُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ دَاخِلِ الكَعْبَةِ لِكَوْنِهِ -ﷺ- جَاءَ فَأَنَاخَ عِنْدَ البَيْتِ، فَدَخَلَهُ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ إِمَّا لِكَوْنِ الكَعْبَةِ كَالمَسْجِدِ المُسْتَقِلِّ، أَوْ هُوَ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ العَامِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١١ - وَفيهِ اسْتِحْبَابُ دُخُولِ الكَعْبَةِ (١).
* خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِأَهْلِ مَكَّةَ وَعَفْوُهُ عَنْهُمْ:
ثُمَّ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- علَى بَابِ الكَعْبَةِ، وَقَدِ اسْتَكْفَّ (٢) لَهُ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ مَاذَا يَصْنَعُ؟ فَأَخَذَ بِعَضَادَتِيِ البَابِ وَهُمْ تَحْتَهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ،
_________________
(١) انظر فتح الباري (٤/ ٢٦٤).
(٢) استكفَّ له الناس: أحاطوا به واجتمعوا حوله. انظر النهاية (٤/ ١٦٥).
[ ٤ / ٦١ ]
وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى مِنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ تَحْتَ قَدَمِي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الحَاجِّ، وَسِدَانَةِ البَيْتِ، أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الخَطَأِ شِبْهَ العَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا، فَفِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً: مِائَهٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً (١)، فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا" (٢).
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبَيَّةَ (٣) الجَاهِلِيَّةِ، وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، النَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كرِيمٌ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدمَ، وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنَ الْجِعْلَانِ (٤) التِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ" (٥).
"أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ (٦) فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ الإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ
_________________
(١) الخَلِفة: بفتح الخاء وكسر اللام: هي الحوامل من النوق. انظر النهاية (٢/ ٦٥).
(٢) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الديات - باب في الخطأ شبه العمد - رقم الحديث (٤٥٤٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الديات - باب ذكر وصف الدية في قتيل الخطأ - رقم الحديث (٦٠١١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩٤٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٤٨٨) - وإسناده صحيح.
(٣) عُبية: بضم العين وتشديد الباء والياء: يعني الكبر. انظر النهاية (٣/ ١٥٤).
(٤) الجُعلُ: حيوان معروف كالخنفساء. انظر النهاية (١/ ٢٦٨).
(٥) أخرج ذلك الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الحجرات - رقم الحديث (٣٢٧٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٧٣٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٨٢١٥) - وهو حديث حسن.
(٦) أصلُ الحلف: المُعَاقَدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في =
[ ٤ / ٦٢ ]
إِلَّا شِدَّةً، وَلَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ" (١).
وَقَالَ -ﷺ-: "مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَهُ مِثْلُ الذِي لَنَا، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الذِي عَلَيْنَا، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَلَهُ مِثْلُ الذِي لَنَا، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الذِي عَلَيْنَا" (٢).
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِل بِكُمْ؟ ".
قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإخْوَتهِ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (٣)، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلقاءُ" (٤).
_________________
(١) = الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله -ﷺ-: "لا حلف في الإسلام"، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام، فذلك الذي قال فيه رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"، يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. انظر النهاية (١/ ٤٠٧).
(٢) أخرج ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٦١٨) (٥٩٩٢) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٥٧٠) - وإسناده حسن.
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٢٣٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٧١) - وإسناده حسن. قلتُ: وقع في رواية الطحاوي أن ذلك كان في حجة الوداع وليس يوم فتح مكة، ورواية الإمام أحمد في مسنده: أن ذلك كان يوم فتح مكة، فلعله -ﷺ- قال ذلك مرتين يوم الفتح، وفي حجة الوداع، واللَّه أعلم.
(٤) سورة يوسف آية (٩٥).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٦١) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٥٨).
[ ٤ / ٦٣ ]
فَعَفَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُمْ جَمِيعًا، وَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ.
* دَفْعُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِفْتَاحَ الكَعْبَةِ إِلَى أَهْلِهِ:
ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي المَسْجِدِ، وَمِفْتَاحُ الكَعْبَةِ فِي يَدِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْمَعْ لَنَا الحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيْنَ عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ؟ ".
فَدُعِيَ له، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ! اليَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاءٍ" (١).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعُثْمَانَ: "خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ تَالِدَةً خَالِدَةً، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ" (٢).
وَنَزَلَ فِي هَذَا المَوْقِفِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: وَهَذَا مِنَ المَشْهُورَاتِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ -أَيْ فِي شَأْنِ عُثْمَانَ بنِ طَلْحَةَ -﵁- (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٦١).
(٢) أخرج ذلك ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٨).
(٣) سورة النساء آية (٥٨).
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤١).
[ ٤ / ٦٤ ]
قُلْتُ: وَلَا يَزَالُ مِفْتَاحُ الكَعْبَةِ فِي بَنِي شَيْبَةَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَإِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولهِ -ﷺ-.
* أَبُو سُفْيَانَ يُفَكِّرُ فِي قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
أَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَأَى أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِي وَالنَّاسُ يَطَؤُونَ عَقِبَهُ، فَقَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ: لَوْ عَاوَدْتُ هَذَا الرَّجُلَ القِتَالَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: لَوْ جَمَعْتُ لِمُحَمَّدٍ جَمْعًا.
قَالَ: فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، إِذْ ضَرَبَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَالَ: "إِذًا يُخْزِيكَ اللَّهُ".
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا تَفَوَّهْتُ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا أَيْقَنْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَتَّى السَّاعَةَ (١)
* بِلَالٌ -﵁- يُؤَذِّن فَوْقَ الكَعْبَةِ:
وَحَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِلَالًا -﵁- أَنْ يَصْعَدَ فيؤَذِّنَ فَوْقَ الكَعْبَةِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، وَعَتَّابُ بنُ أَسِيدٍ، وَالحَارِثُ بنُ هِشَامٍ جُلُوسٌ بِفَنَاءِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتَّابٌ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَسِيدًا أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا فَيَسْمَعَ مِنْهُ مَا يُغِيظُهُ، وَقَالَ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ مُحِقٌّ
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ١٠٢) - والطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٤٨٤).
[ ٤ / ٦٥ ]
لَا تَّبَعْتُهُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا أَقُولُ شَيْئًا، لَوْ تَكَلَّمْتُ لَأَخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الحَصَى (١).
فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمْ: "قَدْ عَلِمْتُ الذِي قُلْتُمْ"، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقَاَل الحَارِثُ وَعَتَّابٌ: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا اطَّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا، فَنَقُولَ أَخْبَرَكَ (٢).
* صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ:
وَفِي يَوْمِ الفَتْحِ صَلَّى رَسُولُ اللَّه -ﷺ- جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد عَنْ بريْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الفَتْحِ، تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ" (٣).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ
_________________
(١) وإنما قال ذلك أبو سفيان بسبب ما حدث له مع رَسُول اللَّه -ﷺ- عندما فكّر بقتال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فأخبره رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ما بنفسه.
(٢) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٦٢) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٧٨ - ٧٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الطهارة - باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد - رقم الحديث (٢٧٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠٢٩).
[ ٤ / ٦٦ ]
-ﷺ- كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الوُضُوءَ لِكُلِّ صلَاةٍ عَمَلًا بِالأَفْضَلِ، وَصَلَّي الصَّلَوَاتِ فِي هَذَا اليَوْمِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، كَمَا قَالَ -ﷺ-: "عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ".
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ جَوَازُ سُؤَالِ المَفْضُولِ الفَاضِلَ عَنْ بَعْضِ أَعْمَالِهِ التِي فِي ظَاهِرِهَا مُخَالفَةً لِلْعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونَ عَنْ نِسْيَانٍ فَيَرْجعُ عَنْهَا، وَقَدْ تَكُونَ تَعَمُّدًا لِمَعْنًى خَفِيٍّ عَلَى المَفْضُولِ، فَيَسْتَفِيدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
* إِسْلَامُ أَبِي قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄:
وَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي المَسْجِدِ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- وَجَاءَ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ -﵁-: "هَلَّا تَرَكْتَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ"، وَذَلِكَ إِكْرَامًا لِأَبي بَكْرٍ -﵁-، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِي إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَيْهِ أَنْتَ.
فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ، وَقَالَ له: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ"، فَأَسْلَمَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، وَكَانَ رَأْسُ أَبِي قُحَافَةَ وَلحْيَتُهُ يَوْمَ الفَتْحِ كَالثُّغَامَةِ (٢) بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَاد" (٣).
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ١٥٢).
(٢) الثغامة: هو نبت أبيض الزهر والثمر، يُشبّه به الشيب. انظر النهاية (١/ ٢٠٨).
(٣) أخرج قِصة إسلام أبي قحافة: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٦٣٥) (٢٦٩٥٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أبي =
[ ٤ / ٦٧ ]
* إِسْلَامُ السَّائِبِ بنِ أَبِي السَّائِبِ -﵁-:
كَذَلِكَ جِيءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يوْمَ الفَتْحِ بِالسَّائِبِ بنِ أَبِي السَّائِبِ، وَكَانَ شَرِيكًا لَهُ -ﷺ- فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَرَحَّبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَجَعَلَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁- وَآخَرُونَ يُثْنُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُعَلِّمُونِي بِهِ، قَدْ كَانَ صَاحِبِي فِي الجَاهِلِيَّةِ".
فَقَالَ السَّائِبُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنِعْمَ الصَّاحِبُ كُنْتَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا سَائِبُ! انْظُرْ أَخْلَاقَكَ التِي كنْتَ تَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَاجْعَلْهَا فِي الإِسْلَامِ، أَقْرِ (١) الضَّيْفَ، وَأَكْرِمِ اليَتِيمَ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ" (٢)
* إِسْلَامُ فُضَالة بنَ عُمَيْرٍ -﵁-:
وَهَمَّ فُضَالَةُ بنُ عُمَيْرِ بنِ المُلَوَّحِ أَنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَطُوفُ
_________________
(١) = قحافة عثمان بن عامر -﵁- رقم الحديث (٧٢٠٨) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٥٣) - وإسناده صحيح كما قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٣٧٥) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب اللباس والزينة - باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة - رقم الحديث (٢١٠٢) مختصرًا على قصة تغير الشيب.
(٢) قَرَى الضيف: أضافه. انظر لسان العرب (١١/ ١٤٩).
(٣) أخرج هذا الحديث: ابن ماجه في سننه - كتاب التجارات - باب الشركة والمضاربة - رقم الحديث (٢٢٨٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٤٠٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٠٠) وإسناده ضعيف لاضطرابه للخلاف في من هو شريك الرسول -ﷺ- في الجاهلية، وقد ذكرنا ذلك مفصلًا عند ذكر تجارة الرسول -ﷺ- في الجاهلية.
[ ٤ / ٦٨ ]
بِالبَيْتِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ لَهُ: "أَفُضَالَةُ؟ ".
قَاَلَ: نَعَمْ، فُضَالَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَاذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟ "
قَالَ: لَا شَيْءَ، كُنْتُ أَذْكُرُ اللَّهَ.
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اسْتَغْفِرِ اللَّهَ"، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ عَلَى صَدْرِهِ، فَسَكَنَ قَلْبُهُ، فَكَانَ فُضَالَةُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتَّى مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ (١).
* خَبَرٌ لَا يَصِحُّ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ الوَليدِ بنِ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ، جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُمْ بِالبَرَكَةِ، وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ، فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ، وَأَنَا مُخَلَّقٌ (٢) فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الخَلُوقِ (٣).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٦٥) - زاد المعاد (٣/ ٣٦٣).
(٢) أي عليه الخَلُوق، وهو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره. انظر النهاية (٢/ ٦٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٣٧٩) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الترجل - باب في الخلوق للرجال - رقم الحديث (٤١٨١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٨٧٩).
[ ٤ / ٦٩ ]
وهَذَا الحَدِيثُ مُضْطَرِبُ الإِسْنَادِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ الوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ صَغِيرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَهُ سَاعِيًا إِلَى بَنِي المُصْطَلِقِ (١)، وَشَكَتْهُ زَوْجُتُهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وَرُوِيَ أَنَّ الوَليدَ وَأَخُوهُ عُمَارَةُ بنُ عُقْبَةَ خَرَجَا لِيَرُدَّا أُخْتَهُمَا أُمَّ كُلْثُومٍ عَنِ الهِجْرَةِ، وَكَانَتْ هِجْرتُهَا فِي هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ (٢).
* مُتَابَعَةُ العَشَرَةِ الذِينَ أَهْدَرَ دَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَهْدَرَ دَمَ عَدَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ حَتَّى لَوْ وُجِدُوا مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَفَى، ثُمَّ أَسْلَمَ، كَمَا سَيَأْتِي:
١ - إِسْلَامُ عِكْرِمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ -﵁-:
لَمَّا انْهَزَمَ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ أَمَامَ خَالِدِ بنِ الوَليدِ -﵁-، فَرَّ خَارجَ مَكَّةَ، وَذَهَبَ إِلَى جُدَّةَ، وَرَكِبَ البَحْرَ، فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ (٣)، فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا، فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ، لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنَ البَحْرِ إِلَّا الإِخْلَاصُ، ما يُنَجِّينِي فِي البَرِّ غَيْرِهِ، اللَّهُمَّ! إِنَّ لَكَ عَلَيَّ
_________________
(١) سيأتي خبر بعثه إلى بني المصطلق.
(٢) ذكرنا ذلك في صلح الحديبية فراجعه.
(٣) أي رِيحٌ عاصف شديدة الهبوب. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٨/ ٣٧٦).
[ ٤ / ٧٠ ]
عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، أَنْ اَتِيَ مُحَمَّدًا، حَتَّى أَضَعَ يَدِيَ فِي يَدِهِ، فَلَأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا (١).
* رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ:
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ مِنْ أَنَّ عِكْرِمَةَ -﵁- هَرَبَ إِلَى اليَمَنِ فَلَحِقَتْهُ زَوْجَتُهُ وَدَعَتْهُ إِلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، فَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ (٢).
* إِسْلَامُ عِكْرِمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ -﵁-:
فَلَمَّا دَنَا عِكْرِمَةُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "يَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْل مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ المَيِّتِ يُؤْذِي الحَيَّ، وَلَا يَبْلُغُ المَيِّتَ".
فَلَمَّا وَصَلَ عِكْرِمَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ لَهُ: "مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ المُهَاجِرِ" (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك: النسائي في السنن الكبرى - كتاب المحاربة - باب الحكم في المرتد - رقم الحديث (٣٥١٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٥٠٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٤٩) وإسناده حسن.
(٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ - كتاب النكاح - باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله - رقم الحديث (٤٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٠٨٦).
(٣) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مناقب عكرمة بن. أبي جهل -﵁- رقم الحديث (٥١٠٣) (٥١٠٧) - والترمذي في جامعه - كتاب الاستئذان والآداب - باب ما جاء في مرحبا - رقم الحديث (٢٩٣٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٤٨٦٠) - وإسناده ضعيف. قال الترمذي في جامعه: هذا حديث ليس إسناده بصحيح.
[ ٤ / ٧١ ]
وَأَسْلَمَ عِكْرِمَةُ -﵁-، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُطَأْطِئٌ (١) رَأْسَهُ اسْتِحْيَاءً: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اسْتِغْفِرْ لِي كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَيْتُكَهَا، أَوْ مَوْكِبٍ أَوْضَعْتُ فِيهِ أُرِيدُ فِيهِ إِظْهَارَ الشِّرْكِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِعِكْرِمَةَ كُلَّ عَدَاوَوة عَادَانِيهَا أَوْ مَوْكِبٍ أَوْضَعَ فِيهِ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّ عَنْ سَبِيلِكَ" (٢).
وَهَكَذَا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ -﵁- وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ -﵁- يَوْمَ مَعْرَكَةِ أَجْنَادِينَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-
٢ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ -ﷺ-:
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ فَإِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ، اخْتَفَى وَذَهَبَ إِلَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ -﵁-، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا هَدَأَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا، اسْتَأْمَنَ لَهُ عُثْمَانُ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ أَتَى بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَايعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَهُ، فنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ، أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حِينَ رَآنِي كفَفْتُ يَدِيَ عَنْ بَيْعَتِهِ، فَيَقْتُلَهُ؟ ".
قَالُوا: مَا دَرَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ، فَهَلَّا أَوْمَأْتَ (٣) إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ .
_________________
(١) طأطأ رأسه: خفضه. انظر النهاية (٣/ ١٠١).
(٢) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مناقب عكرمة بن أبي جهل -﵁- رقم الحديث (٥١٠٥) - وإسناده ضعيف - لكن له شواهد يتقوى بها.
(٣) الإيماء: الإشارة بالأعضاء كالرأس واليد والعين والحاجب. انظر النهاية (١/ ٨٢).
[ ٤ / ٧٢ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ" (١).
وَهَكَذَا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ -﵁-، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَتْ لَهُ مَوَاقِفُ مَحْمُودَةٌ فِي الفُتُوحِ الإِسْلَامِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ الذِي فَتَحَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَتُوُفِّيَ -﵁- سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ (٢).
رَوَى البَغَوِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ إِلَى الرَّمْلَةِ (٣)، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ عَمَلِي الصُّبْحَ، فتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى، فَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهُ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ (٤).
٣ - مِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ:
وَأَمَّا مِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ، فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ، فَقتَلُوهُ (٥).
_________________
(١) خائنة الأعين: أي يُضمر فِي نفسه غير ما يُظهره. انظر النهاية (٢/ ٨٤). والخبرُ أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٥٠٦) (٤٥٢١) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام - رقم الحديث (٢٦٨٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٤٩) - وإسناده حسن.
(٢) انظر الإصابة (٤/ ٩٥) - وسير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣).
(٣) الرملة: اسم قرية. انظر معجم البلدان (٤/ ٤٢١).
(٤) أورده الحافظ في الإصابة (٤/ ٩٦) وصحح إسناده.
(٥) أخرج ذلك النسائي في السنن الكبرى - كتاب المحاربة - باب الحكم في المرتد - رقم الحديث (٣٥١٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٥٠٦) - وإسناده حسن.
[ ٤ / ٧٣ ]
وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ الذِي قَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثيُّ -﵁- (١).
٤ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ:
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ خَطَلٍ، فَقتَلَهُ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ -ﷺ-، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ (٢).
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَفِي أَمْرِهِ -ﷺ- بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الحَرَمَ لَا يَعْصِمُ مِنْ إِقَامَةِ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ عَلَى إِنْسَانٍ، وَلَا يُوجِبُ تَأْخِيرَهَا (٣).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٩).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام - رقم الحديث (١٨٤٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب جواز دخول مكة بغير إحرام - رقم الحديث (١٣٥٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل مكة - رقم الحديث (٣٧١٩). ولم تعين رواية البخاري ومسلم وابن حبان اسم قاتل عبد اللَّه بن خطل، ووقع عند ابن أبي شيبة فِي مصنفه "أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة". قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٥٣٩): وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك فِي "البر والصلة" من حديث أبي برزة نفسه، ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم البلاذري وغيره من أهل العلم بالأخبار. قلت: لكن وقع عند النسائي فِي السنن الكبرى - رقم الحديث (٣٥١٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٥٠٦): أن سعيد بن حُريث وعمار بن ياسر هما اللذين قتلا ابن خطل. وإسناده حسن. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٥٣٩): تحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا قتله، فكان المباشر له منهم أبو برزة الأسلمي -﵁-، ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه.
(٣) انظر شرح السنة (٧/ ٣٠٥).
[ ٤ / ٧٤ ]
٥ - الحُوَيْرِث بن نُقَيْذٍ:
وَأَمَّا الحُوَيْرِثُ بنُ نُقَيْذٍ، فَأَدْرَكَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- فَقَتَلَهُ (١).
٦ - هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ:
وَأَمَّا هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ، فَهَرَبَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (٢).
وَقَدْ ذَكَرْنَا -فِيمَا تَقَدَّمَ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِحَرْقِ هَبَّارِ بنِ الأَسْوَدِ بِالنَّارِ لِمَنْ قَدِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَخَسَ بَعِيرَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَمَا أَرَادَتِ الهِجْرَةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَسَقَطَتْ مِنَ البَعِيرِ، وَسَقَطَ مَا فِي بَطْنِهَا.
٧ - هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ:
وَأَمَّا هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، زَوْجُ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنَّهَا اخْتَفَتْ يَوْمَ الفَتْحِ، ثُمَّ إِنَّهَا أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا سَيَأْتِي-.
٨ - سَارَةُ مَوْلَاةُ بَنِي عَبْدِ المُطلِبِ:
وَأَمَّا سَارَةُ فَهِيَ التِي أَعْطَاهَا حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ -﵁- كِتَابَهُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَإِنَّهَا اخْتَفَتْ يَوْمَ الفَتْحِ، فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا (٣).
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٦٣) - سيرة ابن هشام (٤/ ٥٩).
(٢) انظر الإصابة (٦/ ٤١١) - زاد المعاد (٣/ ٣٦٢).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٩) - فتح الباري (١٤/ ٣١٧).
[ ٤ / ٧٥ ]
٩ - ١٠ - قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ:
وَأَمَّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ، فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا، وهَرَبَتِ الأُخْرَى، حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَسْلَمَتْ (١).
وَأَمَّا وَحْشِيٌّ بنُ حَرْبٍ، وَكَعْبُ بنُ زُهَيْرٍ، فَإِنَّهُمَا أَسْلَمَا، وَسَتَأْتِي قِصَّةُ إِسْلَامِهِمَا.
* تَخَوُّفُ الأَنْصَارِ مِنْ بَقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ:
وَلَمَّا تَمَّ فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهِيَ بَلَدُهُ وَوَطَنُهُ وَمَوْلدُهُ، قَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، أَتَرَوْنَ إِذْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ يُقِيمُ بِهَا؟ .
فنَزَلَ الوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا ذَكَرَ الأَنْصَارُ، فَلَمَّا انْقَضَى الوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ"، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ".
قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ.
فَقَالَ -ﷺ-: "كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ".
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٩).
[ ٤ / ٧٦ ]
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ! مَا قُلْنَا الذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ (١) بِاللَّهِ وَبِرَسُولهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: فَوَاللَّهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بَلَغَ نَحْرَهُ بِالدُّمُوعِ (٢).
* بَيْعَةُ أَهْلِ مَكَّةَ:
وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَلَسَ لَهُمْ عَلَى الصَّفَا، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّاب -﵁- تَحْتَهُ، أَسْفَلَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ، فَجَاءَهُ الكِبَارُ وَالصِّغَارُ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الأَسْوَدِ بنِ خَلَفٍ، قَالَ: أَنَّ أَبَاهُ الأَسْوَدَ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- يُبَايِعُ النَّاسَ يَوْمَ الفَتْحِ، قَالَ: جَلَسَ عِنْدَ قَرْنِ مَسْفَلَةٍ (٣)، فَبَايَعَ النَّاسَ عَلَى الإِسْلَامِ وَالشَّهَادَةِ، قُلْتُ: وَمَا الشَّهَادَةُ؟
قَالَ: بَايَعَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوله (٤).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مُجَاشِعٍ بنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيِّ قَالَ:
_________________
(١) الضِّن: بكسر الضاد: أي بخلًا به وشحًا أن يُشاركنا فيه غيرنا. انظر النهاية (٣/ ٩٥).
(٢) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فتح مكة - رقم الحديث (١٧٨٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٩٤٨) - والحاكم فِي المستدرك - كتاب البيوع - باب مكة مناخ لا يباع رباعه - رقم الحديث (٢٣٧٥).
(٣) قال السندي في شرح المسند (٨/ ٢٩٠): قَرْنِ مَسْفَلة: فِي "القاموس" في مادة السين والفاء: المسفلة: محلة بأسفل مكة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤٣١).
[ ٤ / ٧٧ ]
أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِأَخِي بَعْدَ الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَهَبَ أَهْلُ الهِجْرَةِ بِمَا فِيهَا"، فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟
قَالَ -ﷺ-: "أُبايِعُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالإِيمَانِ، وَالجِهَادِ" (١)
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ -﵁- قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِي أُمَيَّةُ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلْ أُبَايِعُهُ عَلَى الجِهَادِ، فَقَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ" (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا -وَاللَّفْظُ لِابْنِ حِبَّانَ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، أَوْ قَالَتْ: بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَفِرُّونَ بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولهِ مِنْ أَنْ يُفْتَنُوا (٣)، وَقَدْ أَفْشَى اللَّهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي - باب مقام النبي -ﷺ- بمكة زمن الفتح - رقم الحديث (٤٣٠٥) (٤٣٠٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب المبايعة بعد فتح مكة علي الإسلام - رقم الحديث (١٨٦٣) (٨٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٩٥٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٦٢١) (٢٦٢٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٢١٤) - وأورد طرق هذا الحديث الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ٢٦٨) وقال: وهذه أسانيد يُقوِّي بعضها بعضًا.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ٦٣٥): أشارت عائشة ﵂ إلى بيان مشروعية الهجرة وأن سببها خوف الفتنة.
[ ٤ / ٧٨ ]
الإِسْلَامَ، فَحَيْثُ شَاءَ العَبْدُ عَبَدَ رَبَّهُ" (١).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْفتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ (٢)، وَلَكِنْ جِهَاد وَنيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذ الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الهِجْرَةَ إِمَّا الكَامِلَةُ أَوْ مُطْلَقًا قَدِ انْقَطَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَظَهَرَ الإِسْلَامُ، وَثَبُتَتْ أَرْكَاُنهُ وَدَعَائِمُهُ، فَلَمْ تَبْقَ هِجْرَةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْرِضَ حَالٌ يَقْتَضِي الهِجْرَةَ، بِسَبَبِ مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الحَرْبِ، وَعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ عِنْدَهُمْ، فتَجِبُ الهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَمَاءِ، وَلَكِنْ هَذِهِ الهِجْرَةُ لَيْسَتْ كَالهِجْرَةِ قَبْلَ الفَتْحِ، كَمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَشْرُوعٌ، وَرُغِّبَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الهجرة - رقم الحديث (٤٨٦٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ١٢٢): والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة علي الأعيان إلى المدينة انقطعت، إِلَّا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب وجوب النفير - رقم الحديث (٢٨٢٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها - رقم الحديث (١٣٥٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٩١).
[ ٤ / ٧٩ ]
كَالإِنْفَاقِ وَلَا الجِهَادِ قَبْلَ الفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١).
* بَيْعَةُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ:
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَيْعَةِ الرِّجَالِ، بَايَعَ النِّسَاءَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ التِي أَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دمَهَا، وَكَانَتْ مُتَنَقِّبَةً مُتَنَكِّرَةً خَوْفًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَعْرِفَهَا، فَلَمَّا دَنَوْنَ مِنْهُ، قَالَ لَهُنَّ -ﷺ-: "تُبَايِعْنَنِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا؟ ".
فَقَالَتْ هِنْدٌ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيْنَا أَمْرًا مَا تَأْخُذُهُ عَلَى الرِّجَالِ، وَسَنُؤْتيكَهُ.
قَالَ -ﷺ-: "وَلَا تَسْرِقْنَ".
فَقَالَتْ هِنْدٌ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الهَنَةَ (٢) وَالهَنَةَ، وَمَا أَدْرِي أَكَانَ ذَلِكَ حِلًّا لِي أَمْ لَا؟ .
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَانَ شَاهِدًا: أَمَّا مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى فَأَنْتِ مِنْهُ فِي حِلٍّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَإِنَّكِ لَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ؟ ".
_________________
(١) سورة الحديد آية (١٠) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٧١٦).
(٢) الهنة: الحاجة. انظر النهاية (٥/ ٢٤١).
[ ٤ / ٨٠ ]
قَالَتْ: نَعَمْ، فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَلَا تَزْنِينَ".
قَالَتْ هِنْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ".
فَقَالَتْ هِنْدٌ: قَدْ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا، وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ! فَضَحِكَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- مِنْ قَوْلهَا حَتَّى اسْتَغْرَبَ (١)، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "وَلَا تَأتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ".
فَقَالَتْ هِنْدٌ: وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ البُهْتَانِ لَقَبِيحٌ، وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ، وإِنَّكَ مَا تَأْمُرُنَا إِلَّا الرُّشْدَ، وَمَكَارِمَ الأَخْلَاقِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَلَا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ".
فَقَالَتْ هِنْدٌ: مَا جَلَسْنَا هَذَا المَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ.
فَبَايَعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ هِنْدٌ مِنْ بَيْنِ النِّسَاءَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نُصَافِحُكَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ (٢)، إِنَّمَا قَوْلي لِامْرَأَةٍ، قَوْلي
_________________
(١) استغرب: بالغ في الضحك، وقيل: هو القهقهة. انظر النهاية (٣/ ٣١٦).
(٢) ثبت في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٨٩١) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٨٦٦) (٨٨) (٨٩) أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يصافح النساء أبدًا، فعن عائشة ﵂ قالت: واللَّه! ما مست يد رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يد امرأة قط، غير أنَّه يبابعهن بالكلام، فإذا أخذ عليها فأعطته، قال: "اذهبي فقد بايعتكِ".
[ ٤ / ٨١ ]
لِمِائَةِ امْرَأَةٍ" (١).
فَلَمَّا رَجَعَت هِنْدٌ إِلَى بَيْتِهَا عَمَدَتْ إِلَى صَنَمٍ كَانَ عِنْدَهَا، فَجَعَلَتْ تَكْسِرُهُ، وَتَقُولُ: كُنَّا مِنْكَ فِي غُرُورٍ (٢).
* سُؤَالُ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ عَنِ النَّفَقَةِ:
ثُمَّ إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةٍ ذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ (٣) أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلَ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَأَيْضًا وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ".
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ" (٤).
_________________
(١) وقوله -ﷺ-: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة، قولي لمئة امرأة". أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٠٠٦) وإسناده صحيح.
(٢) أخرج بيعة رسول اللَّه -ﷺ- لنساء قريش: ابن سعد فِي الطبَّقَات الكُبْرى (٨/ ٣٦٨) وإسناده صحيح، إِلا أنه مرسل - وانظر فتح الباري (١٠/ ٦٣٩).
(٣) الخِباء: بكسر الخاء: هو أحد بيوت العرب من وبر أو صوف، وقد تستعمل في المنازل والمساكن. انظر النهاية (٢/ ٩).
(٤) قلت: ذكرنا قبل قليل أن هند بنت عتبة ﵂ سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن أخذها المال من زوجها أبي سفيان -وكان حاضرًا- فقال لها: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه فِي حِلٍّ. وهذه المرة الثانية تسأل رسول اللَّه -ﷺ-. قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٦٣٩): يمكن أن تكون فهمت من الأول إحلال أبي سفيان لما مضى فسألت المرة الثانية عما يستقبل. =
[ ٤ / ٨٢ ]
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى وُفُورِ عَقْلِ هِنْدٍ ﵂، وَحُسْنِ تَأْتِّيهَا فِي المُخَاطَبَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ صَاحِبَ الحَاجَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ اعْتِذَارًا، إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الذِي يُخَاطِبُهُ عَلَيْهِ مَوْجِدَةٌ، وَأَنَّ المُعْتَذِرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ صِدْقُهُ عِنْدَ مَنْ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ هِنْدًا قَدَّمَتِ الِاعْتِرَافَ بِذِكْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ البُغْضِ؛ لِيَعْلَمَ صِدْقَهَا فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنَ المَحَبَّةِ (١).
* إِسْلَامُ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ:
لَمْ يَكُنْ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ مِمَّنْ أُهْدِرَ دَمُهُ، لَكِنَّهُ كَانَ زَعِيمًا كَبِيرًا مِنْ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ القَتْلَ، فَهَرَبَ خَارجَ مَكَّةَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ ابنُ عَمِّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ (٢)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَدْرِكِ ابْنَ عَمِّكَ فَهُوَ آمِنٌ".
فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطِنِي آيَةً (٣) يَعْرِفُ بِهَا أَمَانَكَ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ردَاءَ (٤) الذِي دَخَلَ بِهِ مَكَّةَ.
_________________
(١) = والخبر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النفقات - باب إذا لم ينفق الرجل. . . - رقم الحديث (٥٣٦٤) - وأخرجه فِي كتاب الأيمان والنذور - باب كيف كانت يمين النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٦٤١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأقضية - باب قضية هند - رقم الحديث (١٧١٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٨٨).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٥٢٤).
(٣) هذه رواية جُلّ أهل المغازي والسير من أن عمير بن وهب هو الذي جاء صفوان بن أمية بأمان رسول اللَّه -ﷺ-، وذكر الإمام مالك فِي الموطأ عن ابن شهاب الزهري -بلاغًا- أن الذي جاء بأمان رسول اللَّه -ﷺ- لصفوان بن أمية هو وهب بن عمير، قاله أعلم.
(٤) الآية: العلامة. انظر النهاية (١/ ٨٨).
(٥) هذه رواية الإمام مالك في الموطأ. =
[ ٤ / ٨٣ ]
فَلَحِقَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ حَتَّى أَدْرَكَ صَفْوَانَ بِجُدَّةَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ البَحْرَ، فَقَالَ لَهُ: يَا صَفْوَانُ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ أَنْ تُهْلِكَهَا، فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ جِئْتُكَ بِهِ.
فَقَالَ صَفْوَانٌ: وَيْحَكَ! اغْرُبْ عَنِّي فَلَا تُكَلِّمْنِي.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَيْ صَفْوَانُ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَفْضَلِ النَّاسِ، وَأَبَرِّ النَّاسِ، وَأَحْلَمِ النَّاسِ، وَخَيْرِ النَّاسِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّكَ عِزُّهُ عِزُّكَ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ، وَمُلْكُهُ مُلْكُكَ.
فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي.
فَقَالَ عُمَيْر: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْرَمُ، فَرَجَعَ صَفْوَانُ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ رِدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَادَاهُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ هَذَا عُمَيْرَ بنَ وَهْب جَاءَنِي بِرِدَائِكَ، وَزَعَمَ أَنَّكَ قَدْ أَمَّنْتَنِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَ انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ".
فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي، وَاجْعَلْنِي فِيهِ بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلْ أَنْتَ بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيكَ".
فنَزَلَ، ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَهُوَ مُشْرِك، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ (١).
_________________
(١) = وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٦٦): عمامته.
(٢) أخرج قصة إسلام صفوان بن أمية -﵁-: =
[ ٤ / ٨٤ ]
* مَهَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُبَايِعَهُ، فَأَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ مِنْ مَهَابَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّما أَنَّا ابْنُ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَأكُلُ القَدِيدَ (١) بِمَكَّةَ" (٢).
* خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَدَاةَ يَوْمِ الفَتحٍ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ -﵁- قَالَ: أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الفَتْحِ فِي قِتَالِ بَنِي بَكْرٍ حَتَّى أَصَبْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَنَا، وَهُوَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِرَفْعِ السَّيْفِ، فَلَقِيَ رَهْطٌ
_________________
(١) = الإِمَامُ مالك فِي الموطأ بلاغًا عن الإمام ابن شهاب الزهري - كتاب النكاح - باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله - رقم الحديث (٤٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٠٨٥) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٦٦) - والبيهقي فِي دلائل النبوة (٥/ ٤٦) - وإسناده منقطع. قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهلها، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده إن شاء اللَّه، وقد روى بعضه مسلم.
(٢) القَديد: بفتح القاف: هو اللحم المَمْلُوح المجفَّف فِي الشمس. انظر النهاية (٤/ ٢٠).
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه - كتاب الأطعمة - باب القديد - رقم الحديث (٣٣١٢) - وأخرجه الحاكم فِي المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب دخول الناس في دين اللَّه أفواجًا - رقم الحديث (٤٤٢٣) - وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٨٥ ]
مِنَّا الغَدَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ فِي الحَرَمِ يَؤُمُّ (١) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِيُسْلِمَ، وَكَانَ قَدْ وَتَرَهُمْ (٢) الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَهُ، فَقَتَلُوهُ، وَبَادَرُوا أَنْ يَخْلُصَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَيَأْمَنَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ غَضَبًا أَشَدَّ مِنْهُ، . . . فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- العَصْرَ، قَامَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ ﷿ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ ﷿ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ مِنْ حَرَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ (٣) بِهَا شَجَرًا، لَمْ تَحْلُلْ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ يَكُونُ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلُلْ لِي إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ (٤)، غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا، أَلَا ثُمَّ قَدْ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، أَلَا فَلْيُبَلَغِّ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ، فَمَنْ قَالَ لَكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ قَاتَلَ بِهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَحْلُلْهَا لَكُمْ.
يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، ارْفَعُوا أَيْدِيكُمْ عَنِ القَتْلِ، فَقَدْ كَثُرَ أَنْ يَقَعَ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ
_________________
(١) يَؤُمُّه: يقصده. انظر لسان العرب (١/ ٢١٢).
(٢) يُقَال: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلًا وأخذت له مالًا. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٠٦).
(٣) يَعْضِد: أي يقطع. انظر النهاية (٣/ ٢٢٧).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٥١٨): يستفاد منه أن قتل من أذن النبي -ﷺ- في قتلهم -كابن خطل- وقع في الوقت الذي أُبيح للنبي -ﷺ- فيه القتال، وهو من طلوع الشمس إلى صلاة العصر.
[ ٤ / ٨٦ ]
قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ، فَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا فَأَهْله بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاؤُوا فَدَمُ قَاتِلِهِ، وَإِنْ شَاؤُوا فَعَقْلُهُ" (١)، ثُمَّ وَدَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرَّجُلَ الهُذَلِيَّ الذِي قتَلَتْهُ خُزَاعَةُ (٢).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي الحَرَمِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ (٣) الجَاهِلِيَّةِ، لَا دِعْوَةَ (٤) فِي الإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الجَاهِلِيَّةِ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ (٥) الأَثْلَبُ"، قَالُوا: وَمَا الأَثْلَبُ؟ قَالَ -ﷺ-: "الحَجَرُ، وَفِي الأَصَابِعُ عَشْرٌ عَشْرٌ، وَفِي المَوَاضِحِ (٦) خَمْسٌ خَمْسٌ، لَا صَلَاةَ بَعْدَ الغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا
_________________
(١) العَقْل: الدية، وأصله: أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء المقتول، أي شدَّها فِي عُقُلها ليُسلمها إليهم ويقبضوها منه، فسُميت الدية عَقْلًا بالمصدر. انظر النهاية (٣/ ٢٥٢).
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٢٤٢) (١٦٣٧٦) (١٦٣٧٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩٠١) (٤٩٠٣)، وأصله في صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ليبلغ الشاهد الغائب - رقم الحديث (١٠٤) - وباب كتابة العلم - رقم الحديث (١١٢) - وكتاب جزاء الصيد - باب لا يعضد شجر الحرم - رقم الحديث (١٨٣٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها وخلاها - رقم الحديث (١٣٥٥) (٤٤٨).
(٣) الذَّحل: فتح الذال المشددة: العداوة. انظر النهاية (٢/ ١٤٤).
(٤) الدِّعْوَةُ: بكسر الدال وسكون العين هو أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته، وقد كانوا يفعلونه، فنهى عنه، وجعل الولد للفراش. انظر النهاية (٢/ ١١٤).
(٥) العاهر: الزاني. انظر النهاية (٣/ ٢٩٤).
(٦) المواضح: جمع موضحة: وهي التي تُبدي وضح العظم: أي بياضه، والتي فُرض فيها خمس من الإبل، هي ما كان منها في الرأس والوجه. انظر النهاية (٥/ ١٧٠).
[ ٤ / ٨٧ ]
تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّة إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا" (١).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ (٢)، وَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، يَدُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ (٣)، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَدِيَةُ الكَافِرِ كنِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ، أَلَا وَلَا شِغَارَ (٤) فِي الإِسْلَامِ، وَلَا جَنَبَ (٥) وَلَا جَلَبَ (٦)، وتُؤْخَدُ صَدَقَاتُهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٦٨١) - وأبو داود في سننه - كتاب البيوع - باب في عطية المرأة بغير إذن زوجها - رقم الحديث (٢٢٧٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٢٤٤) - وأورده الحافظ في الفتح (١٣/ ٥٢٣) وحسن إسناده.
(٢) تقدم قبل قليل معنى الحلف في الجاهلية والإسلام.
(٣) تتكافأ دماؤهم: أي تتساوى فِي القصاص والديات. انظر النهاية (٤/ ١٥٦).
(٤) نِكاح الشغار: هو نكاح معروف فِي الجاهلية، كان الرجل يقول للرجل: شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك، أو من تلي أمرها، حَتَّى أزوجك أختي أو بنتي أو من أبي أمرها، ولا يكون بينهما مهرًا. انظر النهاية (٢/ ٤٣٢).
(٥) الجَنَب: بالتحريك في الزكاة: أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تجنب إليه، أي تُحضر، فنهوا عن ذلك. انظر النهاية (١/ ٢٩٢).
(٦) الجلب في الزكاة: هو أن يقدم المصدق على أهل الزكاة فينزل موضعًا، ثم يُرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنُهي عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم. انظر النهاية (١/ ٢٧٢).
[ ٤ / ٨٨ ]
عَلَى المُسْلِمِينَ أَقْصَاهُمْ" (١).
فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، قَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اكْتبوا لِأَبِي شَاهٍ" (٣).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا (٤) بَعْدَ هَذَا اليَوْمِ، إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (٥).
قَالَ العُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ الإِعْلَامُ بِأَنَّ قُرَيْشًا يُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ وَلَا يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَمَا ارْتَدَّ غَيْرُهُمْ بَعْدَهُ -ﷺ- مِمَّنْ حُورِبَ وَقُتِل صَبْرًا، وَلْيَس المُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ ظُلْمًا صَبْرًا، فَقَدْ جَرَى عَلَى قُرَيْشٍ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ (٦).
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٠١٢) - وإسناده حسن.
(٢) قال الإمام البخاري في صحيحه (١/ ٢٧٨): أي أكتب لي هذه الخطبة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب كتابة العلم - رقم الحديث (١١٢) - وأخرجه فِي كتاب الديات - باب من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين - رقم الحديث (٦٨٨٠) - وأحرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها وخلاها - رقم الحديث (١٣٥٥).
(٤) كلُّ من قُتل في غير معركة ولا حرب، ولا خطأ فإنه مقتول صبرًا. انظر النهاية (٣/ ٨).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب لا يقتل قرشي صَبرًا بعد الفتح - رقم الحديث (١٧٨٢) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل مكة - رقم الحديث (٣٧١٨).
(٦) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١١٣).
[ ٤ / ٨٩ ]
* إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ وَأَعْمَالُهُ فِيهَا:
أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- تِسْعَةَ عَشَرَ (١) يَقْصُرُ (٢).
وَخِلَالَ هَذِهِ الأَيَّامِ رَسَّخَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ، وَأَخَذَ يُفَقِّهُ النَّاسَ بِأَمْرِ دِينِهِمْ، وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَمِيمَ بنَ أُسَيْدٍ الخُزَاعِيَّ؛ لِيُجَدِّدَ أَنْصَابَ الحَرَمِ (٣).
كَمَا بَثَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَرَايَاهُ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ، وَلِكَسْرِ الأَوْثَانِ التِي
_________________
(١) ولأبي داود أيضًا في سننه - كتاب الصلاة - باب متى يُتِم المسافر؟ - رقم الحديث (١٢٢٩) عن عمران بن حصين -﵁- قال: غَزَوْتُ مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إِلَّا ركعتين. ذكر الحافظ في الفتح (٣/ ٢٦٩): الاختلاف في مقدار المدة التي أقام فيها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في مكة يقصر الصلاة، وقال: واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهوية، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب تقصير الصلاة - باب ما جاء في التقصير - رقم الحديث (١٠٨٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٥٨).
(٣) أنْصَابُ الحرم: حدوده وعلاماته. انظر لسان العرب (١٤/ ١٥٥). أخرج تجديد أنصاب الحرم على يد تميم بن أسيد: ابن سعد في طبقاته (٤/ ٤٦٦) - وأورده الحافظ فِي الإصابة (١/ ٤٨٧) وحسن إسناده.
[ ٤ / ٩٠ ]
كَانَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ، فكُسِرَتْ كُلُّهَا، وَنَادَى مُنَادِيهِ بِمَكَّةَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَدَع فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كسَرَهُ" (١).
* السَّرَايَا وَالبُعُوث التِي بَعَثَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَثْنَاءَ وُجُودِهِ بِمَكَّةَ:
١ - سَرِيَّةُ سَعْدِ بنِ زَيْدٍ -﵁- إِلَى مَنَاةَ (٢):
أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَعْدَ بنَ زَيْدٍ الأَشْهَلِيَّ -﵁- فِي عِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى مَنَاةَ لِيَهْدِمَهَا، وَكَانَتْ بِالمُشَلَّلِ (٣)، وَذَلِكَ لَسِتِّ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ العَامِ الثَّامِنِ لِلْهِجْرَةِ، فَلَمَّا انْتهَى سَعْدٌ إِلَيْهَا، قَالَ لَهُ سَادِنُهَا (٤): مَا تُرِيدُ؟ .
قَالَ: هَدْمَ مَنَاةٍ!
قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَأَقْبَلَ سَعْدٌ يَمْشِي إِلَيْهَا، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ سَوْدَاءُ ثَائِرَةُ الرَّأْسِ، تَدْعُو بِالوَيْلِ، وَتَضْرِبُ صَدْرَهَا، فَقَالَ لَهَا السَّادِنُ: مَنَاةُ دُونَكِ بَعْضُ غَضَبَاتِكِ! فَضَرَبَهَا سَعْدٌ -﵁- فَقتَلَهَا، وَأَقْبَلَ إِلَى بَيْتِهَا وَإِلَى الصَّنَمِ مَعَ أَصْحَابِهِ
_________________
(١) أورد هذا الحديث ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٦٤).
(٢) مَناة: بفتح الميم والنون، صنم كان لهذيل وخزاعة فِي منطقة قُديد -بالتصغير- بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٤/ ٣١٣). وقد ذكر اللَّه تَعَالَى هذا الصنم فِي القرآن الكريم، فقال سبحانه فِي سورة النجم آية (٢٠): ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٣٠٧): المُشلَّل: بضم الميم وفتح الشين واللام الأولى المشددة.
(٤) السَّادن: هو الخادم والمتولي أمرها. انظر النهاية (٢/ ٣٢٠).
[ ٤ / ٩١ ]
فَهَدَمُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا فِي خِزَانَتِهِ شَيْئًا، وَانْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
٢ - سَرِيَّةُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ -﵁- إِلَى العُزَّى (٢):
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَالِدَ بنَ الوَليدِ -﵁- فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنَ الصَّحَابَةِ لِهَدْمِ العُزَّى، وَذَلِكَ لِخَمْسِ لَيَالي بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ بِنَخْلَةٍ (٣)، وَهِيَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ -﵁-، وَكَانَتْ عَلَى ثَلَاثِ سَمُرَاتٍ (٤)، فَقَطَعَ السَّمُرَاتِ، وَهَدَمَ البَيْتَ الذِي كَانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ارْجعْ، فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا"، فَرَجَعَ خَالِدٌ، فَلَمَّا بَصُرَتْ بِهِ السَّدَنَةُ، وَهُمْ حَجَبَتُهَا، أَمْعَنُوا (٥) فِي الجَبَلِ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا عُزَّى يَا عُزَّى، فَأَتَاهَا خَالِدٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا، تَحْتَفِنُ (٦) التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا، فَعَمَّمَهَا خَالِدٌ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهَا، وَهُوَ يَقُولُ:
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٣).
(٢) العُزَّى: هو صنم لقريش وجميع بني كنانة، وقد كانت قريش تعظمه، ولهذا لما انتهت غزوة أُحد، صرخ أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لأصحابه: "قولوا: اللَّه مولانا، ولا مولى لكم". وقد ذكرنا ذلك في غزوة أُحد مفصلًا، فراجعه. وذكر اللَّه تَعَالَى هذا الصنم فِي القرآن الكريم، فقال ﷾ فِي سورة النجم آية (١٩): ﴿أَفَرَءَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾.
(٣) نخلة: هو موضع بالحجاز قريب من مكة، فيه نخل وزروع. انظر معجم البلدان (٨/ ٣٨١).
(٤) السَمُرات: واحدتها سَمُرة بفتح السين وضم الميم: هو نوع من أنواع الشجر. انظر النهاية (٢/ ٣٥٩).
(٥) أمعن فِي الجبل: أي جدّ وابعد فِي صعوده فِي الجبل. انظر النهاية (٤/ ٢٩٣).
(٦) الحَفْنَة: هي ملءُ الكف. انظر النهاية (١/ ٣٩٣).
[ ٤ / ٩٢ ]
يَا عِزُّ كُفْرَانِكِ لَا سُبْحَانَكِ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ
ثُمَّ رَجَعَ خَالِدٌ -﵁- إِلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "تِلْكَ العُزَّى" (١).
٣ - سَرِيَّةُ عَمْرِو بنِ العَاصِ -﵁- إِلَى سُوَاعَ (٢):
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَمْرَو بنَ العَاصِ -﵁-، إِلَى سُوَاعَ لِهَدْمِهِ، وَكَانَ بِرُهَاطٍ (٣) مِنْ أَرْضِ يَنْبُعَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ.
قَالَ عَمْرٌو -﵁-: فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَعِنْدَهُ السَّادِنُ، قَالَ: مَا تُرِيدُ؟
قُلْتُ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَهْدِمَهُ.
قَالَ: لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ.
_________________
(١) أخرج ذلك النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة النجم - رقم الحديث (١١٤٨٣) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٨٦) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٢٢) - وإسناده حسن.
(٢) سُواع: هو بضم السين، وأصل هذا الصنم كان لقوم نوح ﵇، فتوارثته العرب إلى أن وصل إلى هذيل. فقد روى الإمام البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ - رقم الحديث (٤٩٢٠) عن ابن عباس ﵄ قال: صارت الأوثان التي كانت فِي قوم نوح فِي العرب بعد، أما وَدّ كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع كانت لهذيل. . .
(٣) رُهاط: بضم الراء: موضع بِيَنبع على ثلاث ليال من مكة. انظر معجم البلدان (٤/ ٤٥٠).
[ ٤ / ٩٣ ]
قُلْتُ: وَلِمَ؟
قَالَ: تُمْنَعُ!
قُلْتُ: حَتَّى الآنَ أَنْتَ فِي البَاطِلِ، وَيْحَكَ! وَهَلْ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ؟
قَالَ عَمْرٌو: فَدَنَوْتُ مِنْهُ فكَسَرتُهُ، وَأَمَرْتُ أَصْحَابِي فَهَدَمُوا بَيْتَ خِزَانَتِهِ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، ثُمَّ قُلْتُ لِلسَّادِنِ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ .
قَالَ: أَسْلَمْتُ للَّهِ (١).
٤ - سَرِيَّةُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ -﵁- إِلَى بَنِي جَذِيْمَةَ (٢):
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَالِدَ بنَ الوَليدِ -﵁- إِلَى بَنِي جَذِيْمَةَ (٣)، وَكَانُوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ عَلَى لَيْلَةٍ نَاحِيَةَ يَلَمْلَمَ (٤)، وَذَلِكَ فِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ خِلَالَ إِقَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ أَيَّامَ الفَتْحِ؛ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ.
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٨١) (١٢/ ٤٢٩): جَذيمة: بفتح الجيم وكسر الذال، بوزن عظيمة.
(٣) وقع عند ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٨٠): أن بني جذيمة أصابوا فِي الجاهلية الفاكه بن المغيرة عم خالد بن الوليد -﵁-، وعوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف -﵄-، وكانا أقبلا تاجرين من اليمن حَتَّى إذا نزلا بهم قتلوهما وأخذوا أموالهما.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٦٢): يَلملم: بفتح الياء واللام وسكون الميم، هو ميقات أهل اليمن.
[ ٤ / ٩٤ ]
فَخَرَجَ خَالِدٌ -﵁- وَمَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَبَنُو سُلَيْمٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ دَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: "صَبَأْنَا صَبَأْنَا" (١)، فَجَعَلَ خَالِدٌ -﵁- يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ السَّرِيَّةِ أَسِيرَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ خَالِدٌ -﵁- ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَسِيرَهُ، فَأَبَى جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ ﵄، حَيْثُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَخْبَرُوهُ بِمَا حَدَثَ، رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" مَرَّتَيْنِ (٢).
وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّ بَنِي سُلَيْمٍ هُمُ الذِينَ قَتَلُوا مَنْ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الأَسْرَى، أَمَّا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَأَطْلَقُوا أَسْرَاهُمْ (٣).
وَقَدْ وَدَى رَسُولُ اللَّهِ قتلَى بَنِي جَذِيْمَةَ (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: إِنَّمَا أَرَادَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ -﵁- نُصْرَةَ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ فِي أَمْرٍ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُمْ يَنْتَقِصُونَ الإِسْلَامَ بِقَوْلهِمْ صَبَأْنَا
_________________
(١) يُقال: صَبَأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره. انظر النهاية (٣/ ٣).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث النبي -ﷺ- خالد بن الوليد إلى بني جذيمة - رقم الحديث (٤٣٣٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٣٨٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٢٣٠).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٣).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٧٩) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٣).
[ ٤ / ٩٥ ]
صَبَأْنَا، وَلَمْ يَفْهَمْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فَقتَل طَائِفَةً كَثِيرَةً مِنْهُمْ وَأَسَرَ بَقِيَّتَهُمْ، وَقَتَلَ أَكْثَرَ الأَسْرَى أَيْضًا، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْزِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، بَلِ اسْتَمَرَّ بِهِ أَمِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبْرَّأَ مِنْهُ فِي صَنِيعِهِ ذَلِكَ، وَوَدَى مَا كَانَ جَنَاهُ خَطَأً فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَعْزِلْهُ الصِّدِّيقُ -﵁- حِينَ قَتَلَ مَالِكَ بنَ نويْرَةَ أَيَّامَ الرِّدَّةِ، وَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ مَا تَأَوَّلَ حِينَ ضَرَبَ عُنُقَهُ، وَاصْطفَى امْرَأَتَهُ أُمَّ تَمِيمٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: اعْزِلْهُ فَإِنَّ فِي سَيْفِهِ رَهَقًا (١)، فَقَالَ الصِّدِّيقُ -﵁-: لَا أُغْمِدُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى المُشْرِكِينَ (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّبَرُّؤَ مِنَ الفِعْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْمَ فَاعِلِهِ، وَلَا إِلْزَامَهُ الغَرَامَةَ، فَإِنَّ إِثْمَ المُخْطِئِ مَرْفُوعٌ، وَإِنْ كَانَ فِعْلَهُ لَيْسَ بِمَحمودٍ (٣).
* النِّزَاعُ بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵄:
وَوَقَعَ بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوَليدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵄، شَرٌّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁-: عَمِلْتَ بِأَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ.
فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ -﵁-: إِنَّمَا ثَأَرْتُ لِأَبِيكَ.
_________________
(١) رهقًا: عجلة. انظر النهاية (٢/ ٢٥٨).
(٢) انظر البداية والنهاية (٤/ ٧١٠).
(٣) انظر فتح الباري (١٥/ ٩٠).
[ ٤ / ٩٦ ]
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁-: كَذَبْتَ، قَدْ قتَلْتَ قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنَّكَ ثَأَرْتَ بِعَمِّكَ الفَاكِهِ بنِ المُغِيرَةِ.
فَسَبَّ خَالِدٌ -﵁- عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ -﵁-، فشَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁- خَالِدَ بنَ الوَليدِ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا خَالِدُ، لِمَ تُؤْذِي رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا لَمْ تُدْرِكْ عَمَلَهُ".
فَقَالَ خَالِدٌ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَقَعُونَ فِيَّ، فَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُؤْذُوا خَالِدًا، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ صَبَّهُ اللَّه عَلَى الكُفَّارِ" (١).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ (٢) رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ" (٣).
وَفِي رِوَايةٍ أُخْرَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي،
_________________
(١) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر خالد بن الوليد -﵁- رقم الحديث (٧٠٩١) - والإمام أحمد فِي فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٣) - وإسناده صحيح.
(٢) الغَدْوة: هو سير أول النهار. انظر النهاية (٣/ ٣١١).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٨٠). والرَّوْحَة: السير بعد الزوال. انظر النهاية (٢/ ٢٤٨).
[ ٤ / ٩٧ ]
فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ (١) أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ" (٢).
* سَبَبُ تَفْضِيلِ نَفَقَةِ الصَّحَابَةِ ﵃:
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَسَبَبُ تَفْضِيلِ نَفَقَتِهِمْ ﵃ أَنَّهَا كَانَتْ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَضِيقِ الحَالِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ إِنْفَاقَهُمْ كَانَ فِي نُصْرَتِهِ -ﷺ- وَحِمَايَتِهِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ بَعْدَهُ، وَكَذَا جِهَادُهُمْ وَسَائِرُ طَاعَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (٣)، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا كَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الشَّفَقَةِ وَالتَّوَدُّدِ وَالخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَالإِيثَارِ وَالجِهَادِ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَفَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ وَلَوْ لَحْظةً لَا يُوَازِيهَا عَمَلٌ وَلَا يَنَالُ دَرَجَتَهَا شَيْءٌ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (٤).
* شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ -﵁-:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) المد: بضم الميم: هو ربع الصاع. انظر النهاية (٤/ ٢٦٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ٣٨٧): النصيف: بوزن رغيف وهو النصف. وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا" - رقم الحديث (٣٦٧٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب تحريم سب الصحابة - رقم الحديث (٢٥٤١).
(٣) سورة الحديد آية (١٠).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ٧٦).
[ ٤ / ٩٨ ]
-ﷺ-: ". . . وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ (١) فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٢).
* بَعْضُ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَكَّةَ:
أَفْتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خِلَالَ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ فِي بَعْضِ الأُمُورِ، فَمِنْ ذَلِكَ:
١ - حُكْمُهُ -ﷺ- فِي ابْنِ وَلِيدَةَ (٣) زَمْعَةَ (٤):
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ (٥) بنُ أَبِي وَقَّاص عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ -﵁- أَنَّ ابنَ وَليدَةَ زَمْعَهَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ، أَخَذَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: ابنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ
_________________
(١) الأعتاد: هي آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها، والواحد عتاد بفتح العين. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ٤٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ رقم الحديث (١٤٦٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب فِي تقديم الزكاة ومنعها - رقم الحديث (٩٨٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٢٨٤).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٥٢٠): الوليدة فِي الأصل: المولودة، وتطلق على الأمة، وهذه الوليدة لم أقف على اسمها.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٥٢٠): زمعة: بفتح الزاي وسكون الميم: وهو ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة زوج النبي -ﷺ-.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٥٢١): عتبة بن أبي وقاص هو الَّذي شج وجه الرسول -ﷺ- في غزوة أُحد، وجزم ابن التين والدمياطي بأنه مات كافرًا لعنه اللَّه.
[ ٤ / ٩٩ ]
عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَليد أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فتَسَاوَقَا (١) إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابنُ أَخِي، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَليدَةَ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى شِبْهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ (٢) الحَجَرُ"، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ﵂: "احْتَجِبِي مِنْهُ"، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ (٣).
٢ - حُكْمُهُ -ﷺ- فِي المَرْأَةِ السَّارِقَةِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ (٤) المَرْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ (٥) التِي سَرَقَتْ (٦) فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ
_________________
(١) تساوقا: تتابعا. انظر لسان العرب (٦/ ٤٣٥).
(٢) العاهر: الزاني. انظر النهاية (٣/ ٢٩٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الفرائض - باب الولد للفراش حرة كانت أو أمة - رقم الحديث (٦٧٤٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الرضاع - باب الولد للفراش وتوقي الشبهات - رقم الحديث (١٤٥٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٨٣٩١).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٤/ ٤٠): أهمتهم: أي أجلبت إليهم هَمًّا، وسبب إعظامهم ذلك خشية أن تقطع يدها لعلمهم أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لا يرخص في الحدود.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٤/ ٤٠): اسم المرأة علي الصحيح فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومي، قُتِل أبوها يوم بدر كافرًا، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل، زوج أم سلمة ﵂.
(٦) جاء في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٣٠٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحدود - باب قطع السارق الشريف وغيره - رقم الحديث (١٦٨٨) =
[ ٤ / ١٠٠ ]
-ﷺ-، وَمَنْ يَجْتَرِئُ (١) عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ (٢) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟، فكلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (٣).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَتَشْفَعُ (٤) فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ".
فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَطَبَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهُمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَأَيْمُ اللَّهِ (٥)، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ (٦) بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لقطَعَ مُحَمَّد يَدَهَا"، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) = (٩) - أن ذلك وقع في غزوة الفتح، ولفظه: أن امرأة سرقت فِي عهد رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في غزوة الفتح.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٤/ ٤٦): يجترئ: بسكون الجيم وكسر الراء من الجرأة: بضم الجيم وسكون الراء وفتح الهمزة، والجرأة هي الإقدام.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٤/ ٤٦): حب: بكسر الحاء بمعنى محبوب.
(٤) زاد النسائي فِي السنن الكبرى - رقم الحديث (٧٣٤٦): فزبره رَسُول اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٤/ ٤٦): زبره بفتح الزاي: أي أغلظ له فِي النهي حَتَّى نسبه إلى الجهل.
(٥) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٣٠٤): "أتكلمني".
(٦) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٣٠٤) قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "والذِي نفس محمد بيده".
(٧) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٤/ ٤٨): وإنما خص رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فاطمة ابنته بالذكر، لأنها أعز أهله عنده؛ ولأنه لم يبق من بناته حينئذ غيرها، فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كل مكلف وترك المحاباة في ذلك، ولأن اسم السارقة وافق اسمها ﵂ فناسب أن يضرب المثل بها.
[ ٤ / ١٠١ ]
بِتِلْكَ المَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، ثُمَّ تَابَتْ، وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - مَنع الشَّفَاعَةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ.
٢ - وَفِيهِ دُخُولُ النِّسَاءَ مَعَ الرِّجَالِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ.
٣ - وَفِيهِ قَبُولُ تَوْبَةِ السَّارِقِ.
٤ - وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِأُسَامَةَ -﵁-.
٥ - وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂، عِنْدَ أَبِيهَا -ﷺ- فِي أَعْظَمِ المَنَازِلِ، فَإِنَّ فِي القِصَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا الغَايَةُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ -ﷺ-.
٦ - وَفِيهِ تَرْكُ المُحَابَاةِ فِي إِقَامَةِ الحَدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ وَلَدًا أَوْ قَرِيبًا، أَوْ كَبِيرَ القَدْرِ، وَالتَّشْدِيدُ فِي ذَلِكَ، وَالإِنْكَارُ عَلَى مَنْ رَخَّصَ فِيهِ، أَوْ تَعَرَّضَ لِلشَّفَاعَةِ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ.
٧ - وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ المَثَلِ بِالكَبِيرِ القَدْرِ لِلْمَبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الفِعْلِ وَمَرَاتِبُ ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي - باب (٥٤) - رقم الحديث (٤٣٠٤) - وأخرجه في كتاب الحدود - باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان - رقم الحديث (٦٧٨٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحدود - باب قطع السارق الشريف وغيره - رقم الحديث (١٦٨٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٢٩٧).
[ ٤ / ١٠٢ ]
٨ - وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ مُقَدَّرٍ يُفِيدُ القَطْعَ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ.
٩ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ لَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ أَوْ لَا يَفْعَلُهُ لَا يَحْنَثُ.
١٠ - وَفِيهِ الِاعْتِبَارُ بِأَحْوَالِ مَنْ مَضَى مِنَ الأُمَمِ، وَلَاسِيَّمَا مَنْ خَالَفَ أَمْرَ الشَّرْعِ (١).
٣ - تَحْرِيمُهُ -ﷺ- بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ:
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِمَكَّةَ عَنْ بَيْعِ الخَمْرِ، وَأَمَرَ بِإِهْرَاقِهِ وَكَسْرِ جِرَارِهِ، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الأَصْنَامِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ، وَهُوَ بِمَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ".
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ (٢) بِهَا النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا، هُوَ حَرَامٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ (٣)، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ" (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٤/ ٤٩).
(٢) يستصبح بها: أي يشعلون بها سرجهم. انظر النهاية (٣/ ٧).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ١٦٥): جملوه: بفتح الجيم والميم أي أذابوها.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب البيوع - باب بيع الميتة والأصنام - رقم الحديث =
[ ٤ / ١٠٣ ]
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: قَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: العِلَّةُ فِي مَنع بَيْعِ المَيْتَةِ وَالخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ النَّجَاسَةُ، فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلِّ نَجَاسَةٍ، وَالعِلَّةُ فِي مَنع بَيْعِ الأَصْنَامِ عَدَمُ المَنْفَعَةِ المُبَاحَةِ (١).
٤ - تَحْرِيمُهُ -ﷺ- نِكَاحِ المُتْعَةِ تَحْرِيمًا نِهَائِيًّا:
وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ أَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نِكَاحَ المُتْعَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَرَّمَهَا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ الفَتْحِ" (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بنِ سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاع مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (٣).
قَالَ المَازَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ثَبَتَ أَنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ كَانَ جَائِزًا فِي أَوَّلِ
_________________
(١) = (٢٢٣٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير - رقم الحديث (١٥٨١).
(٢) انظر فتح الباري (٥/ ١٧٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب نكاح المتعة - رقم الحديث (١٤٠٦) (٢٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٣٧).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب نكاح المتعة - رقم الحديث (١٤٠٦) (٢١).
[ ٤ / ١٠٤ ]
الإِسْلَامِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ نُسِخَ، وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ (١).
وَقَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ المُتْعَةِ، وَهُوَ كَالإِجْمَاع بَيْنَ المُسْلِمِينَ (٢).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءَ، فَقَالَتْ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، وَقَرَأَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣).
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ مَا زَوَّجَهُ اللَّهُ، أَوْ مَلَّكَهُ فَقَدْ عَدَا (٤).
وَرَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا وَليَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ -﵁-، خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثَةً، ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَتَمَتَّعُ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ، إِلَّا أَنْ يَأْتِنِي بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَحَلَّهَا بَعْدَ إِذْ حَرَّمَهَا (٥).
_________________
(١) انظر صحيح مسلم شرح النووي (٩/ ١٥٣).
(٢) انظر شرح السنة للإمام البغوي (٩/ ١٠٠).
(٣) سورة المؤمنون آية (٥ - ٦).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تحريم المتعة - رقم الحديث (٣٥٣٦).
(٥) أخرج ذلك ابن ماجة في سننه - كتاب النكاح - باب النهي عن نكاح المتعة - رقم =
[ ٤ / ١٠٥ ]
* قَوْلَةٌ جَمِيلَةٌ لِلشَّيْخِ مُحَمَّد الغَزَالِي ﵀:
وَفِي يَوْمِ الفَتْحِ قَدْ تَرْجعُ بِنَا الذِّكرَيَاتُ إِلَى رِجَالٍ لَمْ يَشْهَدُوا هَذَا النَّصْرَ المُبِينَ، وَلَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ بِلَالٍ -﵁- يَرِنُّ فَوْقَ ظَهْرِ الكَعْبَةِ بِشِعَارِ التَّوْحِيدِ، وَلَمْ يَرَوُا الأَصْنَامَ مَكْبُوبَةً عَلَى وُجُوهِهَا مُسَوَّاةً بِالرُّغَامِ (١)، وَلَمْ يَرَوْا عُبَّادَهَا الأَقْدَمِينَ وَقَدْ أَلْقَوُا السَّلَمَ وَاتَّجَهُوا إِلَى الإِسْلَامِ. . . إِنَّهُمْ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا إِبَّانَ المَعْرَكَةِ الطَّوِيلَةِ التِي نَشِبَتْ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ، وَلَكِنَّ النَّصْرَ الذِي يَجْنِي الأَحْيَاءُ ثِمَارَهُ اليَوْمَ لَهُمْ فِيهِ نَصِيبٌ كَبِيرٌ، وَجَزَاؤُهُمْ عَلَيْهِ مَكْفُولٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (٢).
* أَثَرُ فَتْحِ مَكَّةَ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفوَاجًا:
كَانَ لِفَتْحِ مَكَّةَ أَثَر عَمِيقٌ فِي نُفُوسِ العَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَبَّصُونَ (٣) نَتِيجَةَ الصِّرَاعِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَقُرَيْشٍ، فَلَمَّا انتصَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قُرَيْشٍ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ الجَرْمِيِّ (٤) -﵁- أَنَّهُ
_________________
(١) = الحديث (١٩٦٣) - وأخرجه بنحوه: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب في المتعة في الحج والعمرة - رقم الحديث (١٢١٧).
(٢) الرغام: التراب. انظر النهاية (٢/ ٢١٧).
(٣) انظر فقه السيرة ص ٣٨٥ للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٤) التربُّص: المكث والانتظار. انظر النهاية (٢/ ١٦٩).
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٣٨): الجرمي: بفتح الجيم وسكون الراء.
[ ٤ / ١٠٦ ]
قَالَ: كَانَتِ العَرَبُ تَلَوَّمُ (١) بِإِسْلَامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ (٢).
وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا كَانَتِ العَرَبُ تَرَبَّصُ بِالإِسْلَامِ أَمْرَ هَذَا الحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا إِمَامَ النَّاسِ وَهَادِيهِمْ، وَأَهْلَ البَيْتِ الحَرَامِ، وَصَرِيحَ (٣) وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉، وَقَادَةَ العَرَبِ لَا يُنْكَرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ التِي نَصَبَتْ (٤) لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَخِلَافِهِ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ مَكَّةُ، وَدَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، وَدَوَّخَهَا (٥) الإِسْلَامُ، وَعَرَفَتِ العَرَبُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا عَدَاوَتِهِ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿أَفَوَاجًا﴾ (٦)، يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (٧).
وَسَنُفَصِّلُ أَمْرَ دُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا عِنْدَ الحَدِيثِ عَنْ عَامِ الوُفُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٣٨): تلوّم: بفتح التاء واللام وتشديد الواو: أي تنتظر.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (٥٤) - رقم الحديث (٤٣٠٢).
(٣) الصَّرِيح: الخالص من كل شيء. انظر النهاية (٣/ ١٩).
(٤) يُقال: ناصبه الشر والحرب: أظهره له. انظر لسان العرب (١٤/ ١٥٦).
(٥) دَوَّخها: أذلها. انظر النهاية (٢/ ١٢٩).
(٦) الفوج: الجماعة من الناس. انظر النهاية (٣/ ٤٢٩).
(٧) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢١٤).
[ ٤ / ١٠٧ ]
غَزْوَةِ حُنَيْنٍ (١)
وَيُقَالُ لَهَا غَزْوَةُ أَوْطَاسٍ (٢)، وَهُوَ المَوْصعُ الذِي كَانَتْ بِهِ الوَقْعَةُ فِي آخِرِ الأَمْرِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: غَزْوَةُ هَوَازِنَ (٣).
* سَبَبُهَا:
وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، وخَضَعَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، خَافَ أَشْرَافُ هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ أَنْ يَغْزُوَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَحَشَدُوا وَعَزَمُوا عَلَى قِتَالِهِ (٤).
* جُمُوعُ هَوَازِنَ وَعَدَدُهُمْ:
وَاجْتَمَعَتْ إِلَى هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القَبَائِلِ وَهُمْ: نَصْرٌ وَسَعْدُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٤٣): حنين: بالتصغير، وادٍ إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات.
(٢) أوطاس: وادٍ فِي ديار هوازن، وهناك عسكروا هم وثقيف، ثم التقوا بحنين. انظر فتح الباري (٨/ ٣٦٢).
(٣) هَوازن: بفتح الهاء، وكسر الزاي قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون، سُمّيت الغزوة بها؛ لأنهم هم الذين أتوا لقتال النبي -ﷺ- وجمعوا لحربه. انظر شرح المواهب (٣/ ٤٩٧).
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ٣٤٣) - سيرة ابن هشام (٤/ ٨٧) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٤).
[ ٤ / ١٠٨ ]
بنُ بَكْرٍ -وَهُمُ الذِينَ اسْتُرْضِعَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَاس مِنْ هِلَالٍ، وَفِي بَنِي جُشْمٍ رَجُل يُقَالُ لَهُ "دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ" (١) شَيْخٌ كَبِير قَدْ عَمِيَ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا التَّيَمُّنُ (٢) بِرَأْيِهِ، ومَعْرِفَتُهُ بِالحَرْبِ، وَكَانَ شُجَاعًا مُجَرِّبًا، وَفِي ثَقِيفٍ سَيِّدَانِ لَهُمْ، فِي الأَحْلَافِ: قَارِبُ بنُ الأَسْوَدِ، وَفِي بَنِي مَالِكٍ: ذُو الخِمَارِ سُبَيْعُ بنُ الحَارِثِ، وَأَخُوهُ أَحْمَرُ بنُ الحَارِثِ، وَقَدْ بَلَغَ جَيْشُ الكُفَّارِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَكَانَ جِمَاعُ أَمْرِ النَّاسِ إِلَى مَالِكِ بنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ (٣)، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
فَلَمَّا أَجْمَعَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ السَّيْرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أمَرَ النَّاسَ أَنْ يَسُوقُوا مَعَهُمْ أَمْوَالَهُمْ، وَنِسَاءَهُمْ، وَأَبْنَاءَهُمْ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلُوا بِأَوْطَاسَ (٤).
* نَصِيحَةُ دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّةِ وَتَنْظِيمُ مَالِكٍ جَيْشَهُ:
وَلَمَّا نَزَلَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ بِأَوْطَاسَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَفِيهِمْ: دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ، فَقَالَ دُرَيْدٌ لِلنَّاسِ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ .
قَالُوا: بِأَوْطَاسَ، فَقَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الخَيلِ، لَا حَزْنَ (٥) ضِرْسٍ (٦)، وَلَا
_________________
(١) دُريد: بضم الدال، والصِمة: بكسر الصاد وتشديد الميم. انظر فَتح الباري (٨/ ٣٦٢).
(٢) التيمن: بتشديد الميم: أي الابتداء فِي أخذ رأيه. انظر لسان العرب (١٥/ ٤٥٧).
(٣) أسلم مالك بن عوف -﵁- بعد ذلك، وكان من المؤلفة قلوبهم، وصحب رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، ثم شهد القادسية، وفتح دمشق. انظر الإصابة (٥/ ٥٥٠).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٨٧) - زاد المعاد (٣/ ٤٠٨).
(٥) الحَزْن: ما غلظ من الأرض فِي ارتفاع. انظر لسان العرب (٣/ ١٥٩).
(٦) الضِّرس: بكسر الضاد وسكون الراء ما خشن من الآكام، والآكام: هو الموضع الذي أشد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا. انظر لسان العرب (١/ ١٧٣).
[ ٤ / ١٠٩ ]
سَهْلَ (١) دَهْسٍ (٢)، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ (٣) البَعِيرِ، وَنُهَاقَ الحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُغَارَ (٤) الشَّاءِ؟
قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَقَالَ: أَيْنَ مَالِكٌ؟ فَدُعِيَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مَالِكُ! إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ البَعِيرِ، وَنُهَاقَ الحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُغَارَ الشَّاءَ؟
فَقَالَ مَالِكٌ: سُقْتُ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.
قَالَ: ولمَ ذَاكَ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ.
فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ، وَهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟
إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلْتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ -وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ هَوَازِنَ- قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ.
_________________
(١) السهل من الأرض: نقيض الحَزْن. انظر لسان العرب (٦/ ٤١٢).
(٢) الدَهْس: الأرض السهلة يثقل فيها المشي. انظر لسان العرب (٤/ ٤٢٧).
(٣) الرُغاء: بضم الراء: صوت الإبل. انظر لسان العرب (٥/ ٢٦١).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٤/ ١٣): يُعار: بضم الياء، وهو صوت المَعْز.
[ ٤ / ١١٠ ]
فَقَالَ دُرَيْدٌ: غَابَ الحِدُّ وَالجِدُّ (١)، وَلَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مَالِكُ! إِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ البَيْضَةِ (٢) بَيْضَةِ هَوَازِنَ إِلَى نُحُورِ الخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهُمْ إِلَى مُتَمَنَّعِ بِلَادِهِمْ، وَعُلْيَاءِ قَوْمِهِمْ، ثُمَّ أَلْقِ الصُّبَاةَ (٣) عَلَى مُتُونِ الخَيْلِ، فإِنْ كَانَتْ لكَ لحِقَ بِكَ مِنْ وَرَائِكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَليْكَ أَلْفَاكَ (٤) ذَلِكَ، وَقَدْ أَحْرَزْتَ (٥) أَهْلَكَ وَمَالَكَ.
فَقَالَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، إِنَّكَ كَبِرْتَ وَكَبِرَ عَقْلُكَ، وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ، أَوْ لَأَتَّكِئَنَّ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي.
قَالُوا: أَطَعْنَاكَ، فَقَالَ دُرَيْدٌ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَلَمْ يَفُتْنِي.
ثُمَّ أَمَرَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ بِالخَيْلِ فَصُفَّتْ، ثُمَّ صُفَّتِ المُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ، ثُمَّ شُدُّوا عَلَيْهِمْ شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ (٦).
_________________
(١) الحِد: بكسر الحاء: الصلابة، والجد: بكسر الجيم: ضد الهزل. انظر النهاية (١/ ٣٤٠).
(٢) البيضة: جماعتهم وأصلهم. انظر النهاية (١/ ١٦٨).
(٣) يُقال: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره. انظر النهاية (٣/ ٣). ويقصد بالصباة المسلمون.
(٤) ألفاك: ألزمك. انظر لسان العرب (١/ ١٨٠).
(٥) يقال: أحرزت الشيء: إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. انظر لسان العرب (٣/ ١٢١).
(٦) أخرج قصة قدوم هوازن بالصبيان والنساء والإبل والنعم: =
[ ٤ / ١١١ ]
* اسْتِكْشَافُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَبَرَ هَوَازِنَ:
فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِاجْتِمَاعِ هَوَازِنَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ -﵁-، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النَّاسِ، فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَهُمْ، ثُمَّ يَأتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ -﵁-، فَدَخَلَ فِي هَوَازِنَ، فَأَقَامَ فِيهِمْ حَتَّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرَهُ الخَبَرَ (١).
* اسْتِعَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- السِّلَاحَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ:
وَبَعْدَ أَنْ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَعْلُومَاتِ العَسْكَرِيَّةَ المَطْلُوبَةَ عَنْ جَيْشِ هَوَازِنَ، اسْتَعَدَّ لِمُوَاجَهَتِهِمْ، فَاسْتَعَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ -وَكَانَ مَا زَالَ مُشْرِكًا- أَدْرَاعًا وَسِلَاحًا، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ .
قَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ"، فَأَعَارَ صَفْوَانُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِائَةَ دِرْعٍ (٢)
_________________
(١) = الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٣٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٩٧٧) - والطحاوي فِي شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٨٦) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢١٩٢) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٨٨) بدون سند.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٨٩).
(٣) أخرج استعارة رَسُول اللَّهِ -ﷺ- السلاح من صفوان بن أمية: =
[ ٤ / ١١٢ ]
* خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى حُنَيْنٍ:
وَبَعْدَ أَنْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا (١)، خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِسِتِّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ شَوَّالَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ، وَاسْتَعَمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ -﵁- أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ، وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ فِي الإِسْلَامِ عَلَى مَكَّةَ (٢).
وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ: عَشَرَةُ آلَافٍ الذِينَ جَاؤُوا مَعَهُ مِنَ المَدِينَةِ لِفَتْحِ مَكَّةَ، وَأَلْفانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمُ الطُّلَقَاءُ (٣)، وَأَكْثَرُهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالإِسْلَامِ، لَمْ يَتَمَكَّنِ الإِسْلَامُ مِنْ قُلُوبِهِمْ (٤)، وَخَرَجَ معَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَاسٌ كَثِير مِنَ المُشْرِكِينَ مِثْلَ: صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو، وَغَيْرِهُمْ.
_________________
(١) = الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٠٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٤٥٤) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ١٢١). وإسنادها حسن.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مقام النبي -ﷺ- بمكة زمن الفتح - رقم الحديث (٤٢٩٨) (٤٢٩٩).
(٣) أخرج استعمال رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عَتَّاب بن أَسِيد علي مكة: الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٣) - وأورده الحافظ في الإصابة (٤/ ٣٥٦) وحسن إسناده.
(٤) قال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالى في شرح مسلم (١٢/ ١٥٨): الطُّلقاء: بضم الطاء وفتح اللام، وهم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سموا بذلك؛ لأن النبي -ﷺ- مَنَّ عليهم وأطلقهم، وكان في إسلامهم ضعف.
(٥) سيأتي بعد قليل عند الحديث على شجرة ذات أنواط ما يدل على أن الإسلام لم يتمكن من قلوبهم.
[ ٤ / ١١٣ ]
وَيُعْتَبَرُ هَذَا الجَيْشُ أَكْبَرَ جَيْشٍ إِسْلَامِيٍّ يَخْرُجُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى ذَلِكَ الحِينِ، وَلهَذَا سَادَ شُعُورٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ (١) أَنَّهُمْ لَنْ يُغْلَبُوا (٢) مِنْ قِلَّةٍ (٣).
* قِصَّةُ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ:
فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الشُّعُورِ، وَهُوَ الِافْتِخَارُ بِكَثْرَتِهِمْ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا، قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ نَبِيًّا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَعْجَبَتْهُ أُمَّتُهُ، فَقَالَ: لَنْ يَرُومَ (٤) هَؤُلَاءِ شَيْءٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ خَيِّرْهُمْ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبِيحَهُمْ، أَوِ الجُوعَ، أَوِ المَوْتَ".
_________________
(١) قِيل: إن القائل: أبو بكر الصديق -﵁-، وقيل: العباس -﵁-، وقيل: سلمة بن وَقْش -﵁-، وكلها روايات ضعيفة.
(٢) أخرج الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٨٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٢) بسند حسن عن ابن عباس ﵄ قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُغلب اثنا عشر ألفًا من قلة". يعني: لا يهزم جش قِوامه اثنا عشر ألفًا، بسبب قلة عددهم إذا صبروا وصدقوا.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تفسيره (٤/ ١٢٥): ويوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئًا، فولوا مدبرين إِلا القليل منهم مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، ثم أنزل اللَّه نصره وتأييده على رسوله -ﷺ- وعلى المؤمنين الذين معه، ليعلمهم أن النصر من عنده ﷾ وحده وبإمداده، وإن قل الجمع، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
(٤) رام الشيء: طلبه. انظر لسان العرب (٥/ ٣٧٧).
[ ٤ / ١١٤ ]
قَالَ: فَقَالُوا: أَمَّا القَتْلُ أَوِ الجُوعُ، فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَلَكِنِ المَوْتُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَمَاتَ فِي ثَلَاثٍ سَبْعُونَ ألفًا" (١).
* شَجَرَةُ ذَاتُ أَنْوَاطٍ (٢):
وَفِي الطَّرِيقِ إِلَى حُنَيْنٍ رَأَوْا شَجَرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً يُقَالُ لَهَا: "ذَاتُ أَنْوَاطٍ"، كَانَتِ العَرَبُ تُعَلِّقُ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الطُّلَقَاءَ مِمَّنْ هُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالجَاهِلِيَّةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ أَكبَرُ، قُلْتُمْ وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، إِنَّهَا السُّنَنُ (٣)، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً" (٤).
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ قُلُوبَ هَؤُلَاءَ الطُّلقَاءِ لَمْ تَتَشَرَّبِ الإِسْلَامَ بَعْدُ؛ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ بِالجَاهِلِيَّةِ.
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٣٣) - والترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة البروج - رقم الحديث (٣٦٣٣) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) ذات أنواط: هو اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي يعلِّقونه بها، ويعكفون حولها. انظر النهاية (٥/ ١١٣).
(٣) السُّنة: الطريقة: أي ستتبعون طريقتهم. انظر النهاية (٢/ ٣٦٨).
(٤) أخرج هذا الحديث أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٨٩٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب اتباع هذه الأمة سنن من قبلهم من الأمم - رقم الحديث (٦٧٠٢) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٩٢) - وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٤ / ١١٥ ]
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مسِيرَهُ إِلَى حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبَ (١) السَّيْرَ حَتَّى كَانَتْ عَشِيَّةً، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ عَلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ (٢) بِظُعْنِهِمْ (٣) وَنَعْمِهِمْ (٤) وَنِسَائِهِمْ اجْتَمَعُوا فِي حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: "تِلْكَ غَنِيمَةُ المُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٥).
* فَضِيلَةٌ لِأنَسَ بنِ أَبِي مِرْثَدٍ -﵁-:
ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلةَ؟ ".
فَقَالَ أَنَسُ بنُ أَبِي مِرْثَدٍ الغَنَوِيُّ -﵁-: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَارْكَبْ"، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ (٦) حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ، وَلَا تَنْزِلْ مِنْ فَرَسكَ اللَّيْلةَ".
_________________
(١) أطنب فِي السير: إذا أبعد. انظر لسان العرب (٨/ ٢٠٦).
(٢) يُقال: جاء القوم علي بكرة أبيهم: إذا جاؤوا بأسرهم ولم يتخلف منهم أحد. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٨/ ٣٨٣).
(٣) الظعن: بضم الظاء: النساء، واحدتها: ظعينة. انظر النهاية (٣/ ١٤٣).
(٤) النَّعم: بفتح النون: الإبل والغنم. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٨/ ٣٨٤).
(٥) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب فِي فضل الحرس في سبيل اللَّه تَعَالَى - رقم الحديث (٢٥٠١) - والحاكم في المستدرك - كتاب الإمامة وصلاة الجماعة - باب الالتفات في الصلاة- رقم الحديث (٩٠٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٥٧) - وإسناده حسن، كما قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٤٣) - وقال في الإصابة (١/ ٢٨٠): إسناده على شرط الصحيح.
(٦) الشِّعب: بكسر الشين: ما انفرج بين جبلين. انظر لسان العرب (٧/ ١٢٨).
[ ٤ / ١١٦ ]
فَلَمَّا أَصْبَحُوا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مُصَلَّاهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْسَسْنَاهُ، فَثُوِّبَ (١) بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ يُصَلِّي يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَالَ: "أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ"، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ نزلْتَ اللَّيْلةَ؟ "، قَالَ: لَا، إِلَّا مُصَلِّيًا، أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ أَوْجَبْتَ (٢)، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا" (٣).
ثُمَّ أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بجَيْشِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى حُنَيْنٍ مَسَاءَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ.
_________________
(١) التثويب: إقامة الصلاة. انظر النهاية (١/ ٢٢٠).
(٢) يُقال: أوجب فلان: إذا فعل فعلًا وجبت له به الجنة، أو النار، والمراد به هاهنا: الجنة. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٨/ ٣٨٤).
(٣) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في فضل الحرس فِي سبيل اللَّه تَعَالَى - رقم الحديث (٢٥٠١) - والحاكم في المستدرك - كتاب الإمامة وصلاة الجماعة - باب الالتفات في الصلاة - رقم الحديث (٩٠٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٥٧) - وإسناده حسن، كما قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٤٣) - وقال في الإصابة (١/ ٢٨٠): إسناده على شرط الصحيح.
[ ٤ / ١١٧ ]
* تَعْبِئَةُ مَالِكِ بنِ عَوْفٍ جَيْشَهُ:
وَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ عَمِدَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَعَبَّأَهُمْ فِي وَادِي حُنَيْنٍ، وَكَانَ قَدْ سَبَقَ المُسْلِمِينَ إِلَيْهِ، وَفَرَّقَ النَّاسَ فِيهِ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَرْشُقُوا المُسْلِمِينَ بِالنَّبْلِ أَوَّلَ مَا يَطْلُعُونَ، ثُمَّ يَحْمِلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
* تَعْبِئَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ:
وَفِي السَّحَرِ عَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَيْشَهُ، وَعَقَدَ الأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ، وَرَتَّبَ جُنْدَهُ فِي هَيْئَةِ صُفُوفٍ مُنْتَظِمَةٍ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ -التِي أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بنُ نُفَاثَةَ الجُذَامِيُّ-، وَلَبِسَ دِرْعَيْنِ، وَالمِغْفَرَ وَالبَيْضَةَ، وَاسْتَقْبَلَ الصُّفُوفَ، وَطَافَ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَهُمْ وَحَضَّهُمْ عَلَى القِتَالِ، وَبَشَّرَهُمْ بِالفَتْحِ إِنْ صَبَرُوا وَصَدَقُوا.
وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى بَنِي سُلَيْمٍ خَالِدَ بنَ الوَليدِ -﵁-، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ حَتَّى وَرَدَ الجِعْرَانَةَ (١).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَنَسٌ -﵁-: وَعَلَى مَجْنَبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ -﵁- (٢)
* هَزِيمَةُ المُسْلِمِينَ وَفِرَارُهُمْ:
بَدَأَ المُسْلِمُونَ يَنْحَدِرُونَ فِي وَادِي حُنَيْنٍ -وَكَانَ مُنْحَدَرًا شَدِيدًا- وَذَلِكَ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٥).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٣٦).
[ ٤ / ١١٨ ]
فِي عِمَايَةِ الصُّبْحِ (١)، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ بِوُجُودِ كُمَنَاءَ العَدُوِّ فِي مَضَايِقِ هَذَا الوَادِي وَأَحْنَائِهِ (٢) وشِعَابِهِ، فَمَا رَاعَهُمْ (٣) وَهُمْ يَنْحَطُّونَ إِلَّا الكتَائِبُ قَدْ شَدَّتْ عَلَيْهِمْ شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَبَدَأَ الضَّرْبُ بِخَالِدِ بنِ الوَليدِ -﵁- حَتَّى سَقَطَ، وَانْكَشَفَتْ خَيْلُ بَنِي سُلَيْمٍ مُوَلِّيَةً، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَهُمُ الطُّلَقَاءُ، وَبَدَأَ الفِرَارُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ (٤).
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَوَاللَّهِ مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدُوا الأَسْرَى مُكَتَّفِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٥).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ -﵁-: فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاة لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ (٦) رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ (٧).
فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ هَزِيمَةَ المُسْلِمِينَ -وَكَانَ قَدِ اعْتَزَلَ هُوَ وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَرِجَالٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَرَاءَ تَلٍّ يَنْظُرُونَ
_________________
(١) عماية الصبح: بقية ظلمة الليل. انظر النهاية (٣/ ٢٧٦).
(٢) أحنَاء الوادي: منعطفه. انظر النهاية (١/ ٤٣٧).
(٣) فما راعهم: أي فما فاجأهم.
(٤) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخروج وكيفية الجهاد- رقم الحديث (٤٧٧٤) - وإسناده حسن.
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٧) - وإسناده حسن.
(٦) رشَقَهُ رشقًا: إذا رماه بالسهام. انظر النهاية (٢/ ٢٠٦).
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في غزوة حنين - رقم الحديث (١٧٧٦) (٧٨).
[ ٤ / ١١٩ ]
لِمَنْ يَكُونُ النَّصْرُ- فَقَالَ وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بالإِسْلَامِ: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ البَحْرِ، وَصَرَخَ كَلَدَةُ بنُ الحَنْبَلِ (١) وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ لِأُمِّهِ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ: أَلَا بَطَلَ السِّحْرُ اليَوْمَ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاَك (٢)، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَرُبَّنِي (٣) رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي رَجُل مِنْ هَوَازِنَ (٤).
* ثَبَاتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَانْحَازَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ اليَمِينِ، وَثَبَتَ مَعَهُ نَفَرٌ قَلِيلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ (٥)، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ،
_________________
(١) كان كَلَدَة بن الحَنْبل -﵁- فِي ذلك الوقت مُشركًا، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، روى الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤٢٥) - بسندٍ صحيح عن كَلَدَةَ بن الحنبل -﵁- قال: أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبَإٍ وجِدَايةٍ وضغابيس، والنبي -ﷺ- بأعلى الوادي، قال: فدخلتُ عليه، ولم أُسَلِّم ولم أستأذن، فقال النبي -ﷺ-: "ارجع فقل: السلام عليكم، آدخل؟ ". اللبأ: أول ما يحلب عند الولادة. انظر النهاية (٤/ ١٩٢). الجَذِاية: بفتح الجيم وكسرها ما بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر من أولاد الظباء ذكرًا كان أو أَنثى. انظر النهاية (١/ ٢٤١). الضغابيس: هي صغار القِثَّاء، واحدتها ضُغبوس. انظر النهاية (٣/ ٨٢).
(٢) فَضَّ اللَّه فاكَ: أي كسر أسنانك وأسقطها. انظر النهاية (٣/ ٤٠٦).
(٣) يَرُبَّنِي: أي يكون عليّ أميرًا وسيدًا. انظر النهاية (٢/ ١٦٦). وهذه رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار، وفي رواية ابن حبان في صحيحه قال: لأن يليني.
(٤) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخروج وكيفية الجهاد - رقم الحديث (٤٧٧٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار- (٤١٢١٦) - وإسناده حسن.
(٥) روى الترمذي في جامعه بسند حسن - رقم الحديث (١٧٨٤) عن ابن عمر ﵄ قال: لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الفئتين لمولِّيَتَيْن، وما مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مائة رجل. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٤٦): هذا أكثر ما وقفتُ عليه من عدد من ثبت يوم حنين، =
[ ٤ / ١٢٠ ]
وَالعَبَّاسُ، وَابْنُهُ الفَضْلُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ، وَرَبِيعَةُ بنُ الحَارِثِ، وَأَيْمَنُ بنُ عُبَيْدٍ، وَهُوَ ابنُ أُمِّ أَيْمَنَ حَاضِنَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُنَادِي: "إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمُّوا إِلَيَّ! أنَا رَسُولُ اللَّهِ، أنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ"، لَكِنْ لَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ (١).
ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَرْكُضُ بِبَغْلَتِهِ (٢) قِبَلَ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَّا النِّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ (٣)
_________________
(١) = وروى أحمد في مسنده بسند ضعيف - رقم الحديث (٤٣٣٦) عن ابن مسعود -﵁- قال: كنت مع النبي -ﷺ- يوم حنين فولى الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار. وهذا لا يُخالف حديث ابن عمر، فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبث أنهم كانوا ثمانين، وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنَّه ثبت معه اثنا عشر رجلًا فكأنه أخذه مما ذكر ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٩٣): أنهم كانوا عشرة، ووقع فِي شعر العباس بن عبد المطلب -﵁- أن الذين ثبتوا كانو عشرة فقط، ولعل هذا هو المثبت، ومن زاد علي ذلك يكون عجل فِي الرجوع فَعُدّ فيمن لم ينهزم.
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٧) (٢٢٤٦٧) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٩٤) - وإسناده حسن.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ١٦٨): ومما يُنبَه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فِي حُنَين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أَيْلة؛ لأن ذلك كان فِي تَبُوك، وغزوة حنين كانت قبلها، وقد وقع في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٧٧٥) أن البغلة التي كانت تحته -ﷺ- فِي حنين أهداها له فروة بن نُفَاثة الجُذامي، وهذا هو الصحيح. ووقع عند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٢٥): أن البغلة التي ركبها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يوم حنين هي "دُلْدُلْ" وهي التي أهداها له المُقَوقس، وهذا فيه نظر، والصحيح ما في صحيح مسلم.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٤٨): وأما نسبتُه -ﷺ- إلى عبد المطلب دون أبيه عبد اللَّه =
[ ٤ / ١٢١ ]
وَالعَبَّاسُ -﵁-، آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ -ﷺ-، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ آخِذٌ بِرِكَابِهَا يَكُفَّانِهَا عَنِ الإِسْرَاعِ نَحْوَ العَدُوِّ، وَهُوَ -ﷺ- لَا يَأْلُو يُسْرعُ نَحْوَ المُشْرِكِينَ (١).
وَهَذا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّجَاعَةِ التَّامَّةِ، إِنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ فِي حَوْمَةِ الوَغَى (٢)، وَقَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ جَيْشُهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى بَغْلَتِهِ، وَلَيْسَتْ سَرِيعَةَ الجَرْي، وَلَا تَصْلُحُ لِكَرٍّ وَلَا لِفَرِّ وَلَا لِهَرَبٍ، وَهُوَ مَعَ هَذَا أَيْضًا يُرْكِضُهَا إِلَى وُجُوهِهِمْ، وَيُنَوِّهُ بِاسْمِهِ لِيَعْرِفَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَمَا هَذَا كُلّهُ إِلَّا ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهٍ، وَعِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ سَيَنْصُرُهُ وَيُتِمُّ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، وَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ (٣).
* نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَغْلَتِهِ:
ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَغْلَتِهِ، فَاسْتَنْصَرَ رَبَّهُ ودَعَاهُ قَائِلًا: "اللَّهُمَّ! نَزِّلْ
_________________
(١) = فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس، لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد اللَّه فإنه مات شابًا، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضِمَام بن ثعلبة: أيكم ابن عبد المطلب؟ .
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ - رقم الحديث (٤٣١٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة حنين - رقم الحديث (١٧٧٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن منافب الصحابة - باب ذكر العباس بن عبد المطلب -﵁- رقم الحديث (٧٠٤٩).
(٣) حَوْمَة القتال: معظمه وأشد موضع فيه. انظر لسان العرب (٣/ ٤٠٧). والوَغَى: الحرب نفسها. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٥٣).
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ١٢٨).
[ ٤ / ١٢٢ ]
نَصرَكَ (١) اللَّهُمَّ إِنْ تَشْأْ أَنْ لَا تُعبَدَ بَعْدَ اليَوْمِ" (٢).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ بِكَ أُحَاوِلُ (٣)، وبِكَ أُصَاوِلُ (٤) وبِكَ أُقَاتِلُ" (٥).
وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَاتِلُ، وَالصَّحَابَةُ الذِينَ ثبتُوا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ، وَيَتَّقُونَ بِهِ لِشَجَاعَتِهِ وثَبَاتِهِ -ﷺ- كَعَادَتِهِم فِي مِثلِ هَذِهِ المَوَاقِفِ العَصِيبَةِ.
قَالَ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ -﵁-: كُنَّا، وَاللَّهِ إِذَا اخمَرَّ البَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعنِي النَّبِيَّ -ﷺ- (٦).
وَقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-: كُنَّا إِذَا احمَرَّ البَأْسُ، وَلَقِيَ القَوْمُ القَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدنى إِلَى القَوْمِ مِنْهُ (٧).
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة حنين - رقم الحديث (١٧٧٦) (٧٩).
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٢٠) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) أحاول: هو من المُفَاعلة، وقيل المحاولة: طلب الشيء بحيلة. انظر النهاية (١/ ٤٤٤).
(٤) هذه رواية الإمام أحمد في مسنده وفي رواية ابن حبان في صحيحه: "أصول". أصَاوِل: أي أسطو وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة. انظر النهاية (٣/ ٥٧).
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٣٣) وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخروج وكيفية الجهاد - رقم الحديث (٤٧٥٨) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٦) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في غزوة حنين - رقم الحديث (١٧٧٦) (٧٩).
(٧) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٤٧) - والحاكم في المستدرك - كتاب قسم الفئ - باب الرسل لا تقتل - رقم الحديث (٢٦٨٠) - وإسناده صحيح.
[ ٤ / ١٢٣ ]
* شَيْبَةُ بنُ عُثْمَانَ يُرِيدُ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَلَمَّا رَأَى شَيْبَةُ بنُ عُثْمَانَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ -وَقَدْ قُتِلَ أَبُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرًا- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَدِ انْهَزَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا، قَالَ: اليَوْمَ أُدرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمَّدٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ -وَهُمُ الطُّلَقَاءُ- وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غِرَّةً (١) فَيَثْأَرَ مِنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ العَرَبِ وَالعَجَمِ أَحَدٌ إِلَّا اتّبعَ مُحَمَّدًا مَا اتَّبعْتُهُ أبَدًا.
فَجَاءَ رَجُلٌ عَنْ يَمِينهِ -ﷺ-، فَإِذَا هُوَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، فَقَالَ: عَمُّهُ وَلَنْ يَخْذُله، ثُمَّ جَاءَهُ عَنْ يَسَاره فَإِذَا هُوَ بِأَبِي سُفْيَانَ بنِ الحَارِثِ -﵁-، فَقَالَ: ابنُ عَمِّهِ وَلَنْ يَخْذُله، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ إِذْ رُفِعَ له شُوَاظٌ (٢) مِنْ نَارٍ كَالبَرقِ كَادَ أَنْ يُخرِقَهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ وَمَشَى القَهْقَرَى (٣)، قَالَ شَيْبَةُ: فَعَلِمتُ أنَّهُ ممنُوع.
وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: "يَا شَيْبُ يَا شَيْبُ! ادنُ مِنِّي"، فَدَنَا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَدْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الشَّيْطَانَ".
قَالَ شَيْبَةُ: فَرَفَعْتُ إِلَيْهِ بَصَرِي، وَلَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي وَنَفْسِي، وَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ ليَّ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا شَيْبُ! قَاتِلِ الكُفَّارَ".
_________________
(١) الغِرَّة: الغفلة. انظر النهاية (٣/ ٣١٨).
(٢) الشُوَاظ: اللهب الذي لا دخان فيه. انظر لسان العرب (٧/ ٢٣٧).
(٣) القَهْقَرى: هو المشي إلى الخلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه. انظر النهاية (٤/ ١١٣).
[ ٤ / ١٢٤ ]
قَالَ شَيْبَةُ: فتَقَدَّمْتُ أَمَامَهُ، أَضْرِبُ بِسَيْفِي، واللَّهُ يَعلَمُ أنَي أُحِبُّ أَنْ أَقِيَهُ بِنَفْسِي، وَلَوْ لَقِيتُ تِلْكَ السَّاعَةَ أَبِي لَوْ كَانَ حَيًّا لَأَوْقَعتُ بِهِ السَّيْفَ، فَجَعَلْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-.
فَلَمَّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَدَخَلَ خِبَاءَهُ، دَخَلَ عَلَيْهِ شَيْبَةُ محبًا لِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ -ﷺ- وَسُرُورًا بِهِ، فَلَّما رَآه رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ له: "يَا شَيْبُ! الذِي أَرَادَ بِكَ اللَّه خَيْرًا مِمَّا أَرَدتَ بِنَفْسِكَ"، ثُمَّ حَدَّثَهُ شَيْبَةُ بِكُل مَا أَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ لِأَحَدٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ شَيْبَةُ: فَإِنِّي أَشْهدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ، وَأَنّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ -ﷺ-: استِغْفِر لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "غَفَرَ اللَّهُ لَكَ" (١).
* رُجُوعُ المُسْلِمِينَ وَانْهِزَامُ الكُفَّارِ:
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَمِّهِ العَبَّاسِ -﵁-، وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا (٢): "يا عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ" (٣).
_________________
(١) أخرج قِصَّة شيبة: ابن أبي خيثمة عن مصعب النميري - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٩٤) بمعناه - وكذا أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٥٠٩) عن الواقدي - وكذا ساقه البغوي بإسناد آخر عن شيبة - وأبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ١٩٥) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ١٤٥) وفي سنده أبو بكر الهذلي، وهو متروك.
(٢) صَيِّتًا: أي شديد الصوت عاليه. انظر النهاية (٣/ ٦٠).
(٣) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في غزوة حنين - رقم الحديث (١٧٧٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٥). قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٩٨): السَّمُرة: بفتح السين وضم الميم: وهي =
[ ٤ / ١٢٥ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ أَنَسٌ -﵁-: فنَادَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَالَ المُهاجِرِينَ! يَالَ المُهاجِرِينَ"، ثُمَّ قَالَ: "يَالَ الأَنْصَارِ! يَالَ الأَنْصَارِ" (١).
فَلَمَّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ نِدَاءَ العَبَّاسِ -﵁-، أَقْبَلُوا، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ.
وَيَذْهبُ الرَّجُلُ لِيُثْنِيَ بَعِيرَهُ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَأْخُذُ دِرعَهُ، فَيَقْذِفُهَا فِي عُنُقِهِ، ويَأْخُذُ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ، وَيَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ، ويُخَلِّي سَبِيلَهُ، فَيَؤُمُّ (٢) الصَّوْتَ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٣).
قَالَ العَبَّاسُ -﵁-: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ (٤)، حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي، عَطْفَةُ البَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا (٥).
لَقَدْ هَتَفَ العَبَّاسُ -﵁- بِأَصْحَابِ العَقَائِدِ، وَرِجَالِ الفِدَاءِ عِنْدَ الصِّدَامِ فَهُمْ وَحدَهُمْ الذِينَ تَنْجَحُ بِهِمُ الرِّسَالَاتُ وَتُفْرَجُ الكُرُوبُ، أَمَّا هَذَا الغُثَاءُ مِنَ العَوَامِّ
_________________
(١) = الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان، ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٣٦).
(٣) أَم: بفتح الهمزة: أي قصد. انظر النهاية (١/ ٧٠).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٩٥).
(٥) عطف عليه: رجع عليه. انظر لسان العرب (٩/ ٢٦٨).
(٦) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في غزوة حنين - رقم الحديث (١٧٧٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب أصحابه - باب ذكر العباس -﵁- رقم الحديث (٧٠٤٩).
[ ٤ / ١٢٦ ]
الحِرَاصِ عَلَى الدُّنْيَا، السُّعَاةِ إِلَى المَغَانِمِ، فَمَا يَقُومُ بِهِمْ أَمْرٌ، أَوْ يَثْبُتُ بِهِمْ قَدَمٌ (١).
وَتَجَالَدَ النَّاسُ مُجَالَدَةً شَدِيدَةً، وَأَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا يَنْظُرُ إِلَى قِتَالِهِم، ثُمَّ قَالَ: "الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ" (٢)، ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ (٣) فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوة الكُفَّارِ، وَقَالَ: "شَاهَتِ الوُجُوهُ"، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا امتَلَأَتْ عَيْنَاهُ، وَفَمُهُ تُرَابًا (٤).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "انْهَزَمُوا وَرَبِّ الكَعْبَةِ، انْهَزَمُوا وَرَبِّ الكَعبَةِ" (٥).
* نُزُولُ المَلَائِكَةِ:
ثُمَّ أَيَّدَ اللَّهُ ﷾ رَسُولَهُ -ﷺ- والمُؤْمِنِينَ بِأَنْ أَنْزَلَ مَلَائَكَتُه لِإرْهَابِ الكُفَّارِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ الذَّهبِيُّ فِي السِّيرَةِ بِسَندٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أُمِّ بُرثُنٍ، عَمَّنْ شَهِدَ حُنَيْنًا كَافِرًا، قَالَ: لَمَّا الْتَقَيَا وَالمُسْلِمُونَ لَمْ
_________________
(١) انظر فقه السيرة ص ٣٩٠ للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى.
(٢) حَمى الوَطِيس: أي حَمى الضِّراب وجَدَّت الحرب، واشتدت. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٣٦).
(٣) وفي رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٧٧٧) - ومسند الإمام أحمد - رقم الحديث (٢٢٤٦٧): . . . ثم قبض قبضة من تراب الأرض.
(٤) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في غزوة حنين - رقم الحديث (١٧٧٥) (٧٦) (٧٧) - (١٧٧٧) (٨١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٤٦٧).
(٥) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في غزوة حنين - رقم الحديث (١٧٧٥) (٧٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -﵁- عن مناقب أصحابه - باب ذكر العباس -﵁- رقم الحديث (٧٠٤٩).
[ ٤ / ١٢٧ ]
يَقُومُوا لَنَا حَلْبَ شَاةٍ، فَجِئْنَا نَهُشُّ سُيُوفَنَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى إِذَا غَشِينَاهُ إِذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رِجَالٌ حِسَانُ الوُجُوهِ، فَقَالُوا: شَاهتِ الوُجُوهُ، فَارجِعُوا، فَهُزِمْنَا (١).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ يَعلَى بنِ عَطَاءٍ قَالَ: . . . فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ، عَنْ آبَائِهِمْ، أَنَّهُمْ قَالُوا: . . . وَسَمِعْنَا صَلْصَلَةً (٢) بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ كَإِمرَارِ الحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ الحَدِيدِ، فَهزَمَهُمُ اللَّهُ (٣).
قُلْتُ: وَلَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ لِتَخْوِيفِ الكُفَّارِ، وَلَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ إِلَّا فِي غَزْوَةِ بدرٍ الكُبْرَى، فَقَدْ رَوَى ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدرٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (٤).
* مُتَابَعَةُ الكُفَّارِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ قَالَ يَوْمَئِذٍ: "مَنْ قتَلَ كافِرًا (٥) فَلَهُ سَلَبُهُ"، فَقتَلَ
_________________
(١) أورد ذلك الإمام الذهبي في سيرته (٢/ ٢٠٢) وجَوّد إسناده.
(٢) الصلصَلَة: صوت الحديد إذا حُرِّك. انظر النهاية (٣/ ٤٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٤٦٧) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٤٦٨).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٥) - تفسير البغوي (١/ ٤١٢).
(٥) في رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار: "مشركًا".
[ ٤ / ١٢٨ ]
أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ -﵁- يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَأَخَذَ أَسْلَابَهم (١)
* شَجَاعَةُ أُمِّ سُلَيْمٍ ﵂:
وَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ﵂وَالِدَةُ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁-، وَزَوْجِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَدْ خَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا، وَكَانَ مَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا، فَكَانَ مَعَها، فَرَآها أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَها خِنْجَرٌ، فَقَالَ لَهُا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا هَذَا الخِنْجَرُ؟ ".
قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ، إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بَقَرْتُ (٢) بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَضْحَكُ، ثُمَّ قَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْتُلُ مَنْ بَعدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! إِنَّ اللَّه قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ" (٣).
* قِصَّةُ صَاحِبِ الجَمَلِ الأَحْمَرِ:
قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: . . . وَكَانَ أَمَامَ هوَازِنَ رَجُلٌ ضَخْمٌ
_________________
(١) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الغنائم - رقم الحديث (٤٨٣٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٨٦) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) البَقْرُ: بفتح الباء وسكون القاف: الشق. انظر النهاية (١/ ١٤٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة النساء مع الرجال - رقم الحديث (١٨٠٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٠٤٩).
[ ٤ / ١٢٩ ]
عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فِي يَدهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمحٍ طَوِيلٍ لَهُ أَمَامَ النَّاسِ، وَهوَازِنُ خَلْفَهُ، فَإِذَا أَدْرَكَ طَعَنَ بِرُمحِهِ، وَإِذَا فَاتَهُ النَّاسُ رَفَعَ لِمَنْ وَرَاءه فَاتَّبَعُوهُ، فَرَصَدَ (١) له عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كِلَاهُمَا يُرِيدُهُ، فَضَرَبَ عَلِيٌّ -﵁- عُرقُوبَي (٢) الجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ (٣)، وَضَرَبَ الأَنْصَارِيُّ سَاقَهُ، فَطَرَحَ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَوَقَعَ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ حَتَّى كَانَتِ الهزِيمَةُ (٤).
* أَبُو قَتَادَةَ -﵁- وَقَتِيلُهُ:
وَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَئِذٍ أَبَا قتَادَةَ الحَارِثَ بنَ رِبْعِيٍّ -﵁-، سَلَبَ رَجُلٍ قتَلَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي قتَادَةَ -﵁- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا (٥) رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرتُ إِلَيْهِ حَتَّى آتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟، قُلْتُ: أَمرُ اللَّهِ ﷿، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ
_________________
(١) رَصَدَهُ: راقبه. انظر لسان العرب (٥/ ٢٢٣).
(٢) العُرْقُوبُ: هو الوَتَرُ الذي خلفَ الكعبينِ بين مفصل القدم والساق. انظر النهاية (٣/ ٢٠٠).
(٣) العَجُز: بفتح العين وضم الجيم: هو مؤخر الشيء. انظر النهاية (٣/ ١٦٨).
(٤) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخروج وكيفية الجهاد - رقم الحديث (٤٧٧٤) - وإسناده حسن.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٥٥): على: ظهر.
[ ٤ / ١٣٠ ]
رَجَعُوا (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ"، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّانِيَةَ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهدُ لِي؟، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ"؟، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ القَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-: لَا هَا اللَّهُ (٢) إِذًا لَا يَعْمَدُ (٣) إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ، وَعَنْ رَسُولهِ -ﷺ-، فيعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ".
قَالَ أَبُو قتَادَةَ: فَأَعْطَانِي، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ (٤) بِهِ مَخْرَفًا (٥) فِي بَنِي سَلِمَةَ (٦)، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ (٧) فِي الإِسْلَامِ (٨).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٥٦): في السياق حذف، بينته الرواية الثانية حيث قال: فتحلل ودفعته، ثم قتلته، وانهزم المسلمون، وانهزمت معهم، فإذا عمر بن الخطاب.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٥٧): المعنى: لا واللَّه.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٥٩): أي لا يقصد رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى رجل كأنه أسَدٌ في الشجاعة يُقاتل عن دين اللَّه ورسوله فيأخذ حقه ويعطيكه بغير طيبة من نفسه.
(٤) ابتَاعَ الشيءَ: اشتراه. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٦٠): المَخْرَف: بفتح الميم والراء: أي بستانًا.
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٦٠): سلِمة: بكسر اللام: وهم بطن من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة.
(٧) تأثلته: أي جمعته. انظر النهاية (١/ ٢٧).
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ =
[ ٤ / ١٣١ ]
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ قَتَلَ مُشْرِكًا فِي القِتَالِ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الغَانِمِينَ، وَأَنَّ السَّلَبَ لَا يُخَمَّسُ قَلَّ ذَلِكَ أَم كَثُرَ، وَرُوِيَ أَنَّ سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَعِ قَتَلَ مُشْرِكًا، فَجَاءَ بِجَمَلِهِ يَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ "، قَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (١). وَسَوَاءً نَادَى الإِمَامُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُنَادِ، وَسَوَاءً كَانَ القَاتِلُ بَارَزَ المَقْتُولَ، أَوْ لَمْ يبارِزْهُ؛ لِأَنَّ أبَا قَتَادَةَ قَتَلَ القَتِيلَ قَبْلَ قَوْلِ الرَّسُولِ -ﷺ-: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَله سَلَبُهُ"، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُبَارَزَةٌ، ثُمَّ جَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- جَمِيعَ سَلَبِهِ له، فَكَانَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنَ الرَّسُوِل -ﷺ- شَرعُ حُكْمٍ، وَهذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أصحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، ومَنْ بَعدَهُم، وَإِليْهِ ذَهبَ الأوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ (٢).
* شِدَّةُ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁-:
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁- قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ
_________________
(١) = أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ رقم الحديث (٤٣٢١) (٤٣٢٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب استحقاق القاتل سلب القتيل - رقم الحديث (١٧٥١) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٨٥).
(٢) أخرج هذا الحديث الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب استحقاق القاتل سلب القتيل - رقم الحديث (١٧٥٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الغنائم وقسمتها - رقم الحديث (٤٨٤٣) - وسيأتي بعد قليل.
(٣) انظر شرح السنة (١١/ ١٠٧).
[ ٤ / ١٣٢ ]
رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى (١) مَعَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ (٢)، ثُمَّ انْتَزَع طَلَقًا (٣) مِنْ حَقَبِهِ (٤) فَقَيَّدَ بِهِ الجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ القَوْمِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفينَا ضَعفَة وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ (٥)، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ، ثُمَّ أَناخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ، فَاشْتَدَّ بِهِ الجَمَلُ، وَهُوَ طَلِيعَةٌ (٦) لِلْكُفَّارِ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرقَاءَ (٧)، قَالَ سَلَمَةُ: فَاتَّبَعتُهُ أَعْدُو، فَكُنْتُ عِنْدَ وِرْكِ (٨) النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ، حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ (٩) الجَمَلِ فَانَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الأَرْضِ اخْترَطْتُ (١٠) سَيْفِيَ، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، فنَدَرَ (١١)، ثُمَّ
_________________
(١) نتَضَحّى: أي نتغدى. انظر النهاية (٣/ ٧٠).
(٢) أناخ الإبل: أبركها فبركت. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٢١).
(٣) الطَّلَق: بالتحريك: الحَبل من جلود. انظر النهاية (٣/ ١٢٢).
(٤) حقبه: أي الحبل المشدود على حقو البعير، أو من حقيبته، وهي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب، والوعاء الذي يجمع الرجل فيه زاده. انظر النهاية (١/ ٣٩٥).
(٥) الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب. انطر النهاية (٣/ ١٥١).
(٦) الطليعة: الجاسوس. انظر النهاية (٣/ ١٢١).
(٧) وَرْقاء: أي سمراء. انظر النهاية (٥/ ١٥٣).
(٨) الوَرِك: ما فوق الفخذ. انظر النهاية (٥/ ١٥٣).
(٩) خطام الناقة: أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتّان، فيجعل في أحد طرفيه حلقة، ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم تقاد النافة. انظر النهاية (٢/ ٤٨).
(١٠) اختَرَط سيفه: أي سله من غمده. انظر النهاية (٢/ ٢٣).
(١١) نَدَرَ: سقط ووقع. انظر النهاية (٥/ ٣٠).
[ ٤ / ١٣٣ ]
جِئْتُ بِالجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيْهِ رَحْلُهُ وسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ ".
قَالَ سَلَمَةُ: قُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَكَ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (١).
* الرَّسُولُ -ﷺ- يَبْحَثُ عَنْ خالِدِ بنِ الوَلِيد -﵁-:
ذَكَرْنَا فِي بِدَايَةِ أَمرِ حُنَيْنٍ هزِيمَةَ المُسْلِمِينَ، وَأَنَّ هوَازِنَ اسْتَطَاعَتْ مِنْ خِلَالِ الكَمَائِنِ أَنْ تَضْرِبَ مُقَدِّمَةَ المُسْلِمِينَ مِمَّا أَدَّى إِلَى فِرَارِهِم، وَمِنْ بَيْنِ الذِينَ جُرِحُوا وَسَقَطُوا مِنْ شِدَّةِ الجِرَاحِ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ -﵁-، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَفَرَّتْ هَوَازِنُ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْأَلُ عَنْ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ -﵁-، فَقَدْ رَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَزْهرٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ -﵁- خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَكَانَ عَلَى خَيْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَقَد رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ يَدُلُّ عَلَى رَحْلِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ؟ ".
قَالَ ابنُ الأَزهرِ: فَمَشَيْتُ، أَوْ قَالَ: سَعَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَا مُحتَلِمٌ أَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى رَحْلِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ؟
حَتَّى دُلِلْنَا عَلَى رَحْلِهِ، فَإِذَا هُوَ قَاعد مُسْتَنِدٌ إِلَى مُؤَخَّرِ رَحْلِهِ، فَأَتَاهُ
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب استحقاق القاتل سلب القتيل - رقم الحديث (١٧٥٤) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الغنائم وقسمتها - رقم الحديث (٤٨٤٣).
[ ٤ / ١٣٤ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَظَرَ إِلَى جُرْحِهِ، ونَفَثَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١).
وَظَلَّ المُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَ الكُفَّارَ حَتَّى تَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ -وَهُمُ الطُّلَقَاءُ- لِمَا رَأَوْا مِنْ نَصْرِ اللَّهِ ﷿ لِرَسُولِهِ -ﷺ-، وأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
وَهَكَذَا انهزَمَ الكُفَّارُ هزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَغَنِمَ المُسْلِمُونَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأَنْعَامَهُمْ.
* مُطَارَدَةُ الكُفَّارِ وَسَرِيَّةُ أَبِي عَامِرٍ -﵁- إَلى أَوْطَاسٍ:
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ هَوَازِنَ لَمَّا انْهَزَمَتْ ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ فِيهِمْ رَئِيسُهُم مَالِكُ بنُ عَوْفٍ النَّصرِيُّ، فَلَجَؤُوا إِلَى الطَّائِفِ، فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَسَارَتْ فِرقَةٌ، فَعَسْكَرُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ أَوْطَاسٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِم سَرِيَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ بِقِيَادَةِ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ -﵁-، وَهُوَ عَمُّ (٣) أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵀-،
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر خالد بن الوليد -﵁- رقم الحديث (٧٠٩٠).
(٢) سورة التوبة آية (٢٥ - ٢٦).
(٣) وقع عند ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٠٥): ابن عمه.
[ ٤ / ١٣٥ ]
فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ فَقُتِلَ (١) دُرَيْدٌ، وهزَمَ اللَّه أَصحَابَهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى -﵁-: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ (٢) بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ .
فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الذِي رَمَانِي، فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحِي أَلَّا تَثْبُتَ، فَكَفَّ، فَاخْتَلَفْنَا ضَربَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فنَزْعْتُهُ فَنَزَا (٣) مِنْهُ المَاءُ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِر لِي.
قَالَ أَبُو مُوسَى -﵁-: وَاسْتَعمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، ومَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إنَّه مَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى
_________________
(١) = قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٦٢) والأول -أي رواية الشيخين في صحيحيهما- أشهر.
(٢) اختلف في قاتِلِ دُرَيد بن الصِّمَّة: فعند ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٠٣): أنه ربيعة بن رفيع السُلمي. وأورد الحافظ في الفتح (٨/ ٣٦٢): بأن قاتله هو الزبير بن العوام -﵁-، وساق الحديث، وقد رواه البزار بإسناد حسن، وهو الصحيح.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٦٣): جُشمي: بضم الجيم وفتح الشين: أي رجل من جُشم.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٦٣): فنزا: أي انصب.
[ ٤ / ١٣٦ ]
سَرِيرٍ مُرمِلٍ (١)، وَعَلْيِه فِرَاشٌ، وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرتَهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وقُلْتُ له: قَالَ: قُلْ له يَسْتَغْفِر لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَاءٍ فتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعبيْدٍ، أَبِي عَامِرٍ" حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ! اجْعَلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ مِنَ النَّاسِ"، فَقُلْتُ: وَلي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا" (٢).
* قِصَّةُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ (٣) -﵁-:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ قَالَ: اغْتَسَلَ أَبِي سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ، فنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عليه يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ هزَمَ اللَّهُ العَدُوَّ، وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الجِسْمِ وَالجِلْدِ، إِلَيْهِ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ، وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ قَطُّ، وَلَا جَارِيَةً فِي سِتْرِها بِأَحْسَنَ جَسَدًا مِنْ جَسَدِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ (٤)،
_________________
(١) مُرْمل: أي معمول بالرمال، وهي حبال الحصر، ولم يكن على السرير وِطاء سوى الحصير. انظر فتح الباري (٨/ ٣٦٣) - النهاية (٢/ ٢٤١).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة أوطاس - رقم الحديث (٤٣٢٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعري ﵄ - رقم الحديث (٢٤٩٨).
(٣) حُنيف: بضم الحاء.
(٤) في رواية ابن حبان في صحيحه: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء.
[ ٤ / ١٣٧ ]
فوُعِكَ (١) سَهْلٌ مَكَانَهُ، وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ، فَأتيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ وُعِكَ، وَإِنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ، فَأتاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرُوهُ بِالذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ.
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟ ".
قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامِرًا، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: "عَلَام يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يُعجِبُهُ، فَلْيُبَرِّكْ، فَإِنَّ العَيْنَ حَقٌّ".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ: "اغْتَسِلْ لَهُ".
فَغَسَلَ وَجْههُ وَيَدَيْهِ، وَمِرفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ المَاءُ عَلَى سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ (٢).
_________________
(١) الوَعْك: الحُمى. انظر النهاية (٥/ ١٧٩). وفي رواية الإمام أحمد في مسنده: فَلُبِطَ بسهل. لُبِطَ: بضم اللام وكسر الباء: أي صُرع وسقط إلى الأرض. انظر النهاية (٤/ ١٩٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٩٨٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الرقى والتمائم - رقم الحديث (٦١٠٥) (٦١٠٦) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب وعك سهل لعين عامر بن ربيعة - رقم الحديث (٥٧٩٧).
[ ٤ / ١٣٨ ]
* جَمْعُ الغَنَائِمِ:
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالغَنَائِمِ، فَجُمِعَتْ، وَكَانَ السَّبْيُ سِتَّةَ آلَافٍ مِنَ النِّسَاءَ وَالأَطْفَالِ، وَالإِبِلُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَالغَنَمُ أَكْثَرُ مِنْ أَربَعِينَ أَلْفِ شَاةٍ، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ أُوقِيَّةِ فِضَّةٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهَا مَسْعُودَ بنَ عَمرٍو الغِفَارِيَّ -﵁-، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُبِسَتْ بِالجِعِرَانَةِ، وَلَمْ يَقْسِمْهَا حَتَّى انْصَرَفَ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ (١).
* شُهدَاءُ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ:
كَانَتْ خَسَارَةُ المُسْلِمِينَ طَفِيفَةً جِدًّا، فَقَدِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَهُمْ: أَيْمَنُ بنُ عُبَيْدٍ ابنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَيَزِيدُ بنُ زَمعَةَ الأَسَدِيُّ، وَسُرَاقَةُ بنُ الحَارِثِ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ ﵃ جَمِيعًا (٢).
وَجُرِحَ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أَوْفَى، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: رَأَيْتُ بِيَدِ ابْنِ أَبِي أَوْفى ضَربَةً، قَالَ: ضُرِبْتُهَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ (٣).
وَجُرِحَ كَذَلِكَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ -﵁- كَمَا تَقَدَّمَ.
* * *
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١١٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٦).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١١٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ رقم الحديث (٤٣١٤).
[ ٤ / ١٣٩ ]
غَزْوَةُ الطَّائِفِ
وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ فِي الْحَقِيقَةِ امْتِدَادٌ لِغَزْوَةِ حُنَيْنٍ (١)، وَذَلِكَ أَنَّ مُعْظَمَ فُلُولِ (٢) هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ دَخَلُوا الطَّائِفَ مَعَ قَائِدِهم مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ، وَتَحَصَّنُوا بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ حُنَيْنٍ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَان لِلْهِجْرَةِ.
وَكَانَتْ ثَقِيفٌ لَمَّا انْهَزَمُوا مِنْ حُنَيْنٍ وَأَوْطَاسٍ، تَحَصَّنُوا بِحُصُونِهِمُ الْمَنِيعَةِ فِي الطَّائِفِ.
* طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الطَّائِفِ:
تَحَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الطَّائِفِ، وَقَدْ جَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدَ بْنَ الْوَليدِ -﵁-، وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الطَّائِفِ بِقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ (٣)،
_________________
(١) وبعض المؤرخين يجعلها غزوة مستقلة عن حنين.
(٢) الفَلُّ: بفتح الفاءَ: القومُ الْمُنهزِمونَ، ورُبَّمَا قالوا: فُلُولٌ وفلَالٌ. انظر النهاية (٣/ ٤٢٥).
(٣) قَالَ الحَافِظ فِي الفَتْحِ (٧/ ٢٧): رِغَال: بكسر الراء وتخفيف الغين. قلت: وقع في السيرة لابن إسحاق في السيرة (١/ ٨١): أن أبا رغال بعثته ئقيف دليلًا لأبرهة الأشرم ليهدم الكعبة، حتى إذا أنزله الْمُغَمِّس -بضم الميم وفتح الغين وهو موضع قرب مكة في طريق الطائف- مات أبو رغال ودفن هناك، فَرَجَمَتْ قبرَهُ العربُ، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٢/ ٥٦٧): والجمع بين هذا -أي بين أبي =
[ ٤ / ١٤٠ ]
وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ، وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ قَوْمِ صَالِحٍ ﵇، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ، وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ، كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ التِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ، فَدُفِنَ فِيهِ، وَآيَةُ (١) ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهبٍ، إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أصَبْتُمُوهُ مَعَهُ"، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ (٢).
* حِصَارُ الطَّائِفِ وَإِصَابَةُ نَفَرٍ مِنَ المُسلِمِينَ:
ثُمَّ أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى الطَّائِفِ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ حِصْنِ
_________________
(١) = رغال ثمود- وبين ما ذكره ابن إسحاق في السيرة: أن أبا رغال هذا المتأخر، وافق اسمه اسم جده الأعلى، ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضًا واللَّه أعلم.
(٢) الآيَةُ: الْعَلَامَةُ. انظر النهاية (١/ ٨٨).
(٣) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب بدء الخلق - رقم الحديث (٦١٩٨) - وأبو داود في سننه - كتاب الخراج - باب نبش القبور العادية - رقم الحديث (٣٠٨٨) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٥٤) - والتفسير (٣/ ٤٤٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٥٢٢) - وإسناده ضعيف. قلت: خبر رجم العرب لقبر أبي رغال ثابت، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٦٣١) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤١٥٦) بسند صحيح عن سالم عن أبيه قال: أَنَّ غَيْلان بن سَلَمة الثقفي أسلم وتحته عَشْرُ نسوة، فقال له النبي -ﷺ-: "اختر منهنَّ أربعًا"، فلما كان في عهد عمر بن الخطاب -﵁- طلّق غَيْلَان بن سلمة الثقفي نساءه الأربع، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر -﵁-، فلقيه، فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك، فقذفه في نفسك، ولعلك أن لا تمكث إلا قليلًا، وأيم اللَّه، لتراجعن نساءك، ولترجعن في مالك، أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك، فيرجم كما رُجم قبر أبي رِغال.
[ ٤ / ١٤١ ]
الطَّائِفِ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ، وَفَرَضَ عَلَى أَهْلِها الْحِصَارَ (١)، وَأَشْرَفَتْ ثَقْيفٌ، وَأَقَامُوا يَرْمُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّبَالِ وَالْحِجَارَةِ رَمْيًا شَدِيدًا، حَتَّى أُصِيبَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحٍ، فَاضْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يرتَفِعَ بِعَسْكَرِهِ إِلَى مَسْجِدِ الطَّائِفِ الْيَوْمَ، فَعَسْكَرَ هُنَاكَ، وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ نِسَائِهِ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂.
* قِصَّةُ الْمُخَنَّثِ:
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، وَعِنْدَها أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةَ، وَمُخَنَّثٌ (٢) يُدْعَى هِيتًا (٣)، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ (٤). . . . .
_________________
(١) اختلف في مدة الحصار الذي أقامه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- على أهل الطائف، فعند موسى بن عقبة: أنها كانت بضعة عشرة ليلة، وفي رواية عروة بن الزبير: بضعًا وعشرون ليلة، وعند ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٣٤): بضعًا وعشرون ليلة. وفي صحيح مسلم - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٣٦): أنهم أقاموا عليهم أربعين ليلة. ورد الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٧٥٥) رواية الإمام مسلم من أنهم حاصروهم أربعين ليلة، وقال: وإنما حاصروهم قريبًا من شهر ودون العشرين ليلة، واللَّه أعلم.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٤١٩): الْمُخَنَّثُ: بكسر النون وبفتحها: هو من يشبه خِلْقَةَ النساءِ في حركاته وكلامه وغير ذلك، فإن كان من أصل الخلقة، لم يكن عليه لوم، وعليه أن يتكلف إزالة ذلك، كان كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم، ويطلق عليه اسم مخنث سواء فعل الفاحشة أو لم يفعل.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٦٥): هِيتًا: بكسر الهاء وسكون الياء.
(٤) اسمها: بَادِيَة، وقد أسلمت بعد ذلك والحمد للَّه. انظر الإصابة (٨/ ٤٥).
[ ٤ / ١٤٢ ]
غَيْلَانَ (١)، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا يَدْخُلَنَّ هؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ" (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ حَجْبُ النِّسَاءِ عَمَّنْ يَفْطَنُ لِمَحَاسِنِهِنَّ، وَهذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إِبْعَادِ مَنْ يُسْتَرَابُ (٤) بِهِ فِي أَمرٍ مِنَ الْأُمُورِ (٥).
* رَميُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَهْلَ الطَّائِفِ بِالْمَنْجَنِيقِ:
وَنَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ، وَقَذَفَ بِهِ الْقَذَائِفَ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٤٢٠): غَيْلَان بفتح الغين، وهو ابن سلمة الثقفي، وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي -ﷺ- أن يختار أربعًا. قلت: تقدم ذكر ذلك قبل قليل.
(٢) معناه: أن أَعكَانَهَا يَنْعَطِفُ بعضُها على بعضٍ، وهي في بطنها أربع طرائق، وتبلغ أطرافها إلى خاصرتها في كل جانب أربع، ولإرادة العُكَنِ ذكر الأربع والثمان، وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها عكن، وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء. انظر فتح الباري (١٠/ ٤٢٠). العُكْن والأَعكان: هي الأطواء في البطن من السمن. انظر لسان العرب (٩/ ٣٤٥).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٢٤) - وأخرجه في كتاب النكاح - باب ما يُنهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة - رقم الحديث (٥٢٣٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب - رقم الحديث (٢١٨٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٤٩٠).
(٤) يُسْتَرابُ: أي مِنَ الرَّيْبِ، وهو الشَّكُّ. انظر لسان العرب (٥/ ٣٨٤).
(٥) انظر فتح الباري (١٠/ ٤٢١).
[ ٤ / ١٤٣ ]
وَهذَا أَوَّلُ مَنْجَنِيقٍ يُرْمَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، كَمَا نَثَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْحَسَكَ (١) حَوْلَ الْحِصْنِ.
ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَحُثُّ أَصْحَابَهُ ﵃ عَلَى الرَّمْي، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ (٢) السُلَمِيِّ -﵁- قَالَ: حَاصَرنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- حِصْنَ الطَّائِفِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿ فَهُوَ لَهُ عَدلُ مُحَرَّرٍ (٣)، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قَالَ أَبُو نَجِيحٍ -﵁-: فَبَلَغْتُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا (٤).
وَلَمَّا كَانَ الْقِتَالُ تَرَاشُقًا بِالسِّهامِ عَنْ بُعْدٍ، اسْتَخْدَمَ الْمُسْلِمُونَ "الدَّبَابَةَ" (٥)؛ لِيَحْمُوا بِهَا أَنْفُسَهُم مِنَ السِّهامِ، حَتَّى يَصِلُوا إِلَى الْحِصْنِ، فَعِنْدَمَا
_________________
(١) الْحَسَكُ: بفتح الحاء والسين خمع حَسَكَة: وهي شَوْكَةٌ صُلْبَةٌ معروفة. انظر النهاية (١/ ٣٧١).
(٢) نَجِيح: بفتح النون، وكسر الجيم.
(٣) الْمُحَرَّرِ: أي أَجْرُ مَن أعتقَ رقبةً. انظر النهاية (١/ ٣٤٩).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٠٢٢) - والترمذي في جامعه - كتاب فضائل الجهاد - باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل اللَّه - رقم الحديث (١٧٣٣) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) الدَّبَّابَةُ: آلةٌ تُتَّخَذُ مِنْ جُلودٍ وخشبِ يدخل فيها الرجال ويُقرِّبونها من الحصن المحاصر لِيَنْقُبُوهُ، وتقيهم ما يرمون به من فوقهم. انظر النهاية (٢/ ٩١).
[ ٤ / ١٤٤ ]
رَأَتْهُمْ ثَقِيفٌ، أَلْقَتْ عَلَيْهِمْ قِطَعًا مِنْ حَدِيدٍ مُحَمَّاةً بِالنَّارِ، فَأَحْرَقَتِ "الدَّبَابَةَ" فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمُوهُمْ بِالنِّبَالِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا.
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ وَتَحْرِيقِهَا، فَقَطَعَها الْمُسْلِمُونَ قَطْعًا ذَرِيعًا، فَسَأَلَتْ ثَقِيفٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَدَعَها للَّهِ وَالرَّحِمِ، فَقَالُوا لَهُ: لِمَ تَقْطَعُ أَمْوَالَنَا؟ إِمَّا أَنْ تَأْخُذَهَا إِنْ ظَهَرْتَ عَلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا للَّهِ وَالرَّحِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنِّي أَدَعُهَا للَّهِ وَالرَّحِمِ" (١).
* إِسْلَامُ عَبِيدٍ مِنَ الطَّائِفِ:
ثُمَّ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ! فَنَزَلَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، فِيهِمْ: نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ، تَسَوَّرَ حِصْنَ الطَّائِفِ وَتَدَلَّى بِبَكْرَةٍ مُسْتَدِيرَةٍ، يُسْتَقَى عَلَيْهَا الْمَاءَ، فكَنَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَكْرَةَ، فَأَسْلَمَ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ ذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِم أَبَا بَكْرَةَ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: "هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ وَطَلِيقُ رَسُولِهِ"، وإنَ مَوْلى لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك: في سيرة ابن هشام (٤/ ١٣٥) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٩).
(٢) أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٢٦) (٤٣٢٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٢٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢٧٣).
[ ٤ / ١٤٥ ]
* رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَرَحِيلُ الْمُسْلِمِينَ:
ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا، وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أبا بَكْرٍ! إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ (١) مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا، فنَقَرَهَا دِيكٌ، فَهَرَاقَ مَا فِيهَا"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: مَا أَظُنُّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَكَ هَذَا مَا تُرِيدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ" (٢).
وَلَمَّا طَالَ حِصَارُ الطَّائِفِ وَاسْتَعْصَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِفَتْحِ الطَّائِفِ، قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-: "نَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّا قَافِلُونَ (٣) إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَنْكَرُوهُ، وَقَالُوا: نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ"، فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَسُرُّوا بِذَلِكَ وَأَذْعَنُوا، وَجَعَلُوا يَرحَلُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَضْحَكُ (٤).
_________________
(١) الْقَعبُ: القَدَحُ الضخمُ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٣٥).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٣٦).
(٣) قَفَلَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٤/ ٨١).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٢٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (١٧٧٨) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٧٤). وأخرج دعاء الرسول -ﷺ- لثقيف بالهداية: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٠٢) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب مناقب في ثقيف وبني حنيفة - رقم الحديث (٤٢٨٥) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٤ / ١٤٦ ]
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ ﷾ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَى بِثَقِيفٍ مُسْلِمِينَ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْجِعرَانَةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوُفُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
* إِسْلَامُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ الْجُعْشُمِيِّ:
غَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الطَّائِفَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجِعْرَانَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ لَقِيَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعْشُمِيُّ، فَدَخَلَ فِي كَتِيبَةٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَهُ بِالرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ: إِلَيْكَ إِلَيْكَ، مَاذَا تُرِيدُ؟
قَالَ سُرَاقَةُ: فَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ (١) كَأَنَّهَا جِمَارَةٌ (٢)، قَالَ: فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا كِتَابُكَ لِي (٣)، أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَوْمُ وَفَاءٍ وَبرٍّ، ادْنُهْ".
قَالَ سُرَاقَةُ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ تَذَكَّرتُ شَيْئًا أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُ فَمَا أَذْكُرُهُ، إِلَّا أَنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الضَّالَّةُ مِنَ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي،
_________________
(١) الْغَرْزُ: رِكَابُ كُورِ الْجَمَلِ إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: هو الكُورُ مطلقًا. انظر النهاية (٣/ ٣٢٢).
(٢) الْجِمَارَةُ: قَلْبُ النَّخْلَةِ، شَبَّة سَاقَهُ بِبَيَاضِهَا. انظر النهاية (١/ ٢٨٣).
(٣) هذا الكتاب هو كتاب الرسول -ﷺ- الذي أعطاه سراقة يوم الهجرة، وهو كتابُ أماني من رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لسراقة إن لم يخبر أحدًا بطريق رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يوم الهجرة، وقد فعل -﵁-.
[ ٤ / ١٤٧ ]
وَقَدْ مَلأْتُهَا لِإِبِلِي، هَلْ لِي مِنْ أَجْر فِي أَنْ أَسْقِيَها؟ .
قَالَ -ﷺ-: "نَعَمْ، فِي كلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى (١) أَجْرٌ".
قَالَ سُرَاقَةُ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي، فَسُقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَدَقَتِي (٢).
* قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ بِالْجِعْرَانَةِ:
ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْجِعْرَانَةَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِخَمسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، فَنَزَلَ بِهَا، وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَة لَا يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ، يَبْتَغِي أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَيَحْرِزُوا (٣) مَا أُصِيبَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَجِئْهُ أَحَدٌ أَمَرَ بِتَقْسِيمِ الْغَنَائِمِ.
* الْبَدْءُ بِالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (٤) وَهُمْ سَادَاتُ الْعَرَبِ:
أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْغَنَائِمِ هُمْ سَادَاتُ الْعَرَبِ، يَتَأَلَّفُهُمْ إِلَى
_________________
(١) كَبِدٍ حَرَّى: أي عَطْشَى، يريد أنها لشدة حرِّها قد عَطِشت ويبست من العطش، والمعنى أن في سقي كل ذي كبدٍ حَرَّى أجرًا. انظر النهاية (١/ ٣٥٠).
(٢) أخرج ذلك الإمام احمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٥٨١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب البر والإحسان - باب البر والإحسان - رقم الحديث (٥٤٢) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٤) - وإسناده صحيح.
(٣) يقَال: أَحْرَزْتُ الشيءَ: إذا حَفِظْتُهُ وضَمَمْتُهُ إليكَ، وصُنْتُهُ عنِ الأَخْذِ. انظر النهاية (١/ ٣٥٢).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٧٠): المراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلامًا ضعيفًا؛ ولم يتمكن الإسلام من قلوبهم.
[ ٤ / ١٤٨ ]
الْإِسْلَامِ، فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ (١).
وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ، ابْنَ عَمِّهِ -ﷺ-، مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفزَارِيَّ مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ (٢) مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعَبَّاسَ بْنَ مردَاسَ دُونَ ذَلِكَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيـ ـد (٣) بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
_________________
(١) أخرج إعطاء الرسول -ﷺ- أبا سفيان مئةً من الإبل: الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم - رقم الحديث (١٠٦٠) (١٣٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الغنائم وقسمتها - رقم الحديث (٤٨٢٧). قلتُ: وقع عند الواقدي في مغازيه - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٤٥) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٢٦): أن رسول اللَّه -ﷺ- أعطى معاوية بن أبي سفيان -﵁- مئة من الإبل يوم حنين، وفي هذا نظر. قال الإمام الذهبي ﵀ في السير (٣/ ١٢٢): الواقدي لا يعي ما يقول. . . ولو كان أعطاه رسول اللَّه -ﷺ- مئة من الإبل، لما قال -ﷺ- لفاطمة بنت قيس عندما خطبها معاوية -﵁-: ". . . أما معاوية فصعلوك لا مال له". وأخرج هذا الحديث: مسلم في صحيحه - كتاب الطلاق - باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها - رقم الحديث (١٤٨٠). وقصة خطب معاوية -﵁- لفاطمة بنت قيس كانت بعد غزوة حنين.
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٧/ ١٣٩): عُلَاثَة: بضم العين.
(٣) العُبَيْدُ: بضم العين وفتح الباء: اسمُ فَرَس للعباس بن مردَاس. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٢/ ٦٨٧).
[ ٤ / ١٤٩ ]
فَمَا كَانَ بدْرٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ (١).
وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ سَأَلهُ مِئَةً أُخْرَى، فَأَعْطَاهُ إِيَّاها، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ (٢)، ثُمَّ قَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوة نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْر مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى".
قَالَ حَكِيم: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ (٣) أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا.
فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ -﵁- دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: إِنِّي أُشْهِدُكم
_________________
(١) أخرج ذلك كُلَّهُ: مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم - رقم الحديث (١٠٦٠) (١٣٧) (١٣٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الغنائم وقسمتها - رقم الحديث (٤٨٢٧).
(٢) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٢١) - قال حكيم: سألت رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من المال فَأَلْحَفْتُ -أي بَالَغْتُ-.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٩٩): لا أَرْزَأُ: بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي: أي لا أُنْقِصُ مَالَهُ بالطلبِ منهُ.
[ ٤ / ١٥٠ ]
مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أَنِّي أَعْرِضُ عَليْهِ حَقَّهُ مِنْ هذا الْفَيْءِ (١)، فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَيْئًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى تُوُفِّيَ (٢).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا امْتَنَعَ حَكِيمٌ مِنْ أَخْذِ الْعَطَاءِ، مَعَ أَنَّهُ حَقُّهُ، لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَيَعْتَادُ الْأَخْذَ، فَتَتَجَاوَزُ بِهِ نَفْسُهُ إِلَى مَا لَا يُرِيدُهُ، فَفَطَمَهَا عَنْ ذَلِكَ، وَتَرَكَ مَا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُهُ (٣).
* فَوَائِدُ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -﵁-:
وَفِي حَدِيثِ حَكِيمٍ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - ضَربُ الْمَثَلِ لِمَا لَا يَعقِلُهُ السَّامِعُ مِنَ الْأَمثِلَةِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النَّاسِ لَا يَعرِفُ الْبَرَكَةَ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ، فَبَيَّنَ بِالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْبَرَكَةَ هِيَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَضَرَبَ لَهُمُ الْمَثَلَ بِمَا يَعهدُونَ، فَالآكِلُ إِنَّمَا يَأْكُلُ لِيَشْبَعَ، فَإِذَا أَكَلَ وَلَمْ يَشْبَعْ كَانَ عَنَاءً فِي حَقِّهِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَكَذَلِكَ الْمَالُ، لَيْسَتِ الفائِدَةُ فِي عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِمَا يَتَحَصَّلُ بِهِ مِنَ الْمَنَافِعِ، فَإِذَا كَثُرَ عِنْدَ الْمرْءِ بِغَيْرِ
_________________
(١) الفيْءُ: هو ما حَصَلَ للمسلمينَ مِنْ أموالِ الكفارِ مِنْ غيرِ حَرْبٍ، ولا جِهَادٍ. انظر النهاية (٣/ ٤٣٤).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب الاستعفاف عن المسألة - رقم الحديث (١٤٧٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى - رقم الحديث (١٠٣٥) (٩٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٧٤) - (١٥٣٢١).
(٣) انظر فتح الباري (٤/ ٩٩).
[ ٤ / ١٥١ ]
تحصِيلِ مَنْفَعَةٍ كَانَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ.
٢ - وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُبَيِّنَ لِلطَّالِبِ مَا فِي مَسْأَلتِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءَ حَاجَتِهِ لِتَقَعَ مَوْعِظَتُهُ لَهُ الْمَوْقِعَ؛ لِئَلَّا يَتَخَيَّلَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِمَنْعِهِ مِنْ حَاجَتِهِ.
٣ - وَفيهِ جَوَازُ تَكْرَارِ السُّؤَالِ ثَلَاثًا.
٤ - وَفِيهِ جَوَازُ الْمَنْعِ فِي الرَّابِعَةِ. واللَّه أَعْلَمُ (١).
وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ -وَكَانَ مَا زَالَ مُشْرِكًا- مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ مِئَةً ثَانِيَةً، ثُمَّ مِئَةً ثَالِثَةً.
قَالَ صَفْوَانُ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعطِينِي حَتَّى صَارَ وَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ (٢).
وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى سُهيْلَ بْنَ عَمرٍو مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ (٣)، وَأَعْطَى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ العُزَّى مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٤/ ٩٩).
(٢) أخرج ذلك الإمام مسلم - كتاب الفضائل - باب ما سئل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- شيئًا قط فقال: "لا" - رقم الحديث (٢٣١٣) (٥٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٠٤).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٥٧٤) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٤٦) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٢٦).
[ ٤ / ١٥٢ ]
وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- آخَرِينَ خَمْسِينَ خَمْسِينَ، وَأَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى شَاعَ فِي النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفقْرَ، فَازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ الْأَعْرَابُ يَطْلُبُونَ الْمَالَ حَتَّى اضْطَرُوهُ إِلَى سَمُرَةٍ (١)، فَخَطِفَتْ (٢) رِداؤُهُ -ﷺ-، فَقَالَ: "أَعْطُوني رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ (٣) نَعَمًا (٤) لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا" (٥).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - ذَمُّ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ الْبُخْلُ وَالْكَذِبُ وَالْجُبْنُ.
٢ - أَنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَصلُحُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خَصْلَةٍ مِنْهَا.
٣ - وَفِيهِ مَا كَانَ فِي النَّبِيِّ -ﷺ- منَ الْحِلْمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَسَعَةِ الْجُودِ وَالصَّبْرِ عَلَى جُفَاةِ الْأعرَابِ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٨٦): السَّمُرَةُ: بفتح السين وضم الميم: شَجَرَةٌ طَوِيلَةٌ قَلِيلَةُ الظِّلِّ صَغِيرَةُ الْوَرَقِ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ١١٨): فَخَطِفَتْ: بكسر الطاء.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ١١٨): الْعِضَاهُ: بكسر العين، هو شَجَرٌ ذُو شَوْكٍ.
(٤) النَّعَمُ: بفتح النون والعين: هي الْإِبِلُ والشَّاءُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢١٢).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الشجاعة في الحرب والجبن - رقم الحديث (٢٨٢١) - وأخرجه في كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي -ﷺ- يعطي المؤلفة قلوبهم - رقم الحديث (٣١٤٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٧٥٦).
[ ٤ / ١٥٣ ]
٤ - وَفِيهِ جَوَازُ وَصْفِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ بِالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، كَخَوْفِ ظَنِّ أَهْلِ الْجَهْلِ بِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْفخْرِ الْمَذْمُومِ.
٥ - وَفِيهِ رِضَا السَّائِلِ لِلْحَقِّ بِالْوَعْدِ إِذَا تَحَقَّقَ عَنِ الْوَاعِدِ التَّنْجِيزُ.
٦ - وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِ إِنْ شَاءَ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَرْبِ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ (١).
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَندٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ، فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّه ﷿ إِلَى قَوْمِهِ، فكَذَّبُوهُ وَشَجُّوهُ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ، وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ جَبْهَتَهُ، يَحْكِي الرَّجُلَ (٢).
* قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ:
وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَاءٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفقْرَ.
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٣٨٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٠٥٧) وأخرجه بنحوه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب (٥٤) - رقم الحديث (٣٤٧٧).
[ ٤ / ١٥٤ ]
قَالَ أَنَسٌ -﵁-: إِنَّ كَانَ الرَّجُلَ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا (١).
* قِصَّةٌ أُخْرَى:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلال، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَا تُنْجِز لِي مَا وَعدتَنِي؟ (٢).
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَبْشِرْ".
فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِر.
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ: "رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا".
قَالَا: قَبِلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ
_________________
(١) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب ما سئل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- شيئًا قط، فقال: "لا" - رقم الحديث (٢٣١٢) (٥٨) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخلافة والإمارة - رقم الحديث (٤٥٠٢) (٦٣٧٤).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٦٨): يحتمل أن الوعد كان خاصًا به، ويحتمل أن يكون عامًا، وكان طلبه أن يعجل له نصيبه من الغنيمة، فإنه -ﷺ- كان أمران تجمع غنائم حنين بالجعرانة، وتوجه هو بالعساكر إلى الطائف -كما تقدم- فلما رجع منها قسم الغنائم حينئذ بالجعرانة، فلهذا وقع في كثير ممن كان حديث عهد بالإسلام استبطاء الغنيمة واستنجاز قسمتها.
[ ٤ / ١٥٥ ]
قَالَ -ﷺ-: "اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا".
فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا، فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا، فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً (١).
* لَا تُوطَأُ الْحُبْلَى (٢) حَتَّى تَضَعَ:
وَلَمَّا فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السَّبَايَا، نَادَى مُنَادِيهِ: "لَا تُوطَأُ الْحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرَ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً" (٣).
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، يَوْمَ حُنَيْنٍ، بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَحَرَّجُوا مِنْ غَشَيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ (٤). . . . .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٢٨).
(٢) الحُبْلَى: بضم الحاء هي المرأة الحَامِلُ. انظر لسان العرب (٣/ ٣١).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٨٢٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٠٤٨) - وإسناده حسن.
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٠/ ٣١): المراد بالْمُحْصَنَاتِ هنا: الْمُزَوَّجَاتُ، ومعناه: والمزوجات حرام على غير أزواجهن إلا ما ملكتم بالسَّبْي، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ زوجِها الكافرِ، وتحل لكم إذا انقضى اسْتِبْرَاؤُها. =
[ ٤ / ١٥٦ ]
مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١)، أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ (٢) عِدَتُهُنَّ (٣)
* شَأْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلٌ، هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَاسْمُهُ حُرْقُوصُ (٤) بْنُ زُهيْرٍ السَّعْدِيُّ، يَعْتَرِضُ عَلَى قِسْمَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِالْجِعْرَانَةِ، مُنْصَرَفه مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْبِضُ مِنْهَا، يُعطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اعدِلْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعدِلُ؟، لَقَدْ خِبْتُ
_________________
(١) = الِاسْتِبْرَاءُ: اختبارُ الأَمَةِ بِحَيْضَةٍ قبلَ الوَطْءِ، وهو طلبُ البَرَاءَةِ مِنْ حَملٍ، ربما يكون معها. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٨/ ١١٨).
(٢) سورة النساء آية (٢٤).
(٣) قال النووي في شرح مسلم (١٠/ ٣١): المراد بقوله: إذا انقضت عدتهن: أي استبراؤهن، وهي بوضع الحمل عن الحامل، وبحيضة من الحائل، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الرضاع - باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء - رقم الحديث (١٤٥٦).
(٥) قال الحافظ في الإصابة (٢/ ٤٤): حُرْقُوصُ: بضم الحاء وسكون الراء وضم القاف. قلت: ولم تقع في رواية الشيخين في صحيحيهما تسمية هذا الرجل، وسَمَّاه الحافظ في الإصابة (٢/ ٤٤) - وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ١٤٨).
[ ٤ / ١٥٧ ]
وَخَسِرتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ".
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَقْتُلُ هَذَا الْمُنَافِقَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَؤُونَ الْقُرآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا، دَعُوهُ، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ (٢) يَتَعَمَّقُونَ (٣) فِي الدِّينِ، حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ، كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ (٤)، يَنْظُر فِي النَّصلِ (٥)، فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ، ثُمَّ فِي الْقِدْحِ (٦) فَلَا يُوجَدُ شَيْء، ثُمَّ فِي. . . . .
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب ذكر الخوارج وصفاتهم - رقم الحديث (١٠٦٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٨٠٤).
(٢) الشِّيعَةُ: أي الْأَنْصَارُ. انظر النهاية (٢/ ٤٦٤).
(٣) الْمُتَعَمِّقُ: الْمُبَالِغُ في الأمرِ الْمُتَشَدِّدُ فيه، الذي يطلبُ أقصى غَايتِهِ. انظر النهاية (٣/ ٢٧١).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ٣٢٥): شَبَّة مُرُوقَهُم مِنَ الدِّينِ بالسهم الذي يُصيبُ الصَّيْدَ، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومِنْ شِدَّةِ سُرعَةِ خُرُوجِهِ -لقوة الرامي- لا يعلقُ مِنْ جَسَدِ الصَّيْدِ شَيْءٌ.
(٥) النَّصلُ: الْحَدِيدَةُ التي في السَّهْمِ والرُّمْحِ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٦٧).
(٦) الْقِدحُ: بكسر القاف وسكون الدال: عُودُ السَّهمِ قبل أَنْ يُرَاشَ ويُنْصَلَ. انظر لسان العرب (١١/ ٥١).
[ ٤ / ١٥٨ ]
الفُوْقِ (١)، فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ (٢) وَالدَّمَ" (٣).
* قِصَّةٌ أُخْرَى شَبِيهَةٌ بِهَا:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٤) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ -﵁- قِصَّةٌ أُخْرَى شَبِيهَةٌ بقِصَّةِ حُرْقُوصٍ، عِنْدَمَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَكَانَ الْمَقْسُومُ فِيهَا ذَهبًا، بَعَثَهُ عَلِيٌّ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَخَصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ وَهُمْ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَزَيْدُ الْخَيْلِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا فِي وَقْتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنْكَارُ القَائِلِ، وَصَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ.
_________________
(١) الفُوْق: بضم الفاء: وهو مَوْضعُ الوَتْرِ منَ السهمِ. انظر النهاية (٣/ ٤٣٢).
(٢) سَبَقَ الفرثَ والدَّمَ: أي مَرَّ سَريعًا في الرَّمِيَّةِ، وخرجَ منها، لم يَعلَقْ منها بشيء منْ فَرْثِها ودَمِها لِسُرْعَتِهِ، شبَّهَ به خُرُوجَهُم منَ الدِّينِ، ولم يعلقوا بشيء منه. انظر النهاية (٢/ ٣٠٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٠٣٨) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٤٩) - وأورده الحافظ في الفتح (١٤/ ٢٩٦) - وحسن إسناده.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٦١٠) - وكتاب المغازي - باب بعث عليّ بن أبي طالب، وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن - رقم الحديث (٤٣٥١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب ذكر الخوارج وصفاتهم - رقم الحديث (١٠٦٤) (١٤٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١١٠٠٨).
[ ٤ / ١٥٩ ]
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ قِسْمَةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ، وَعِنْدَ قِسْمَةِ الذَّهَبِ الذِي بَعَثَهُ عَلِيٌّ -﵁- (١).
* قُدُومُ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ-:
قَدْ قَدِمَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ ﵂ أُمُّ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنَ الرَّضَاعَةِ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِالْجِعِرَانَةِ، فَأَكْرَمها رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْسِمُ لَحمًا بِالْجِعْرَانَةِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ أَحْمِلُ عُضْوَ الْبَعِيرِ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ بَدَوِيَّةٌ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-، بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: أُمُّهُ التِي أَرضَعَتْهُ (٢).
* عَتْبُ الْأَنْصَارِ وَخُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِمْ:
أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّ النَّاسِ مِنَ الْغَنَائِمِ إِلَّا الْأَنْصَارَ ﵃ أَجْمَعِينَ، فَوَجَدُوا (٣) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي أَنْفُسِهِم، حَتَّى إِنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ -ﷺ- قَالَ قَصِيدَةً فِي ذَلِكَ يَقُولُ فِيهَا:
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٤/ ٢٩٦).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٢٠٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الرضاع - باب ما يستحب للمرء إكرام من أرضعته في صباه - رقم الحديث (٤٢٣٢) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (٥١٤٤).
(٣) وَجِدَ: حَزِن. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٢٠).
[ ٤ / ١٦٠ ]
زَادَتْ هُمُومٌ هَمَاءُ الْعَينِ يَنْحَدِرُ سَحًّا (١) إِذَا حَفّلتَهُ (٢) عَبْرَةٌ (٣) دِرَرُ (٤)
وَجْدًا بِشَعْثَاءَ (٥) إِذْ شَعْثَاءُ بَهْكنَةٌ (٦) هيْفَاءُ (٧) لَا دَنَسٌ (٨) فِيهَا وَلَا خَوَرُ (٩)
دَعْ عَنْكَ شَعْثَاءَ إِذْ كَانَتْ مَوَدَّتُهَا نَزْرًا (١٠) وَشَرُّ وِصَالِ الْوَاصِلِ النَزْرُ
وَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْ يَا خَيْرَ مُؤْتَمَنٍ لِلْمُؤْمِنِينَ إِذَا مَا عُدِّلَ الْبَشَرُ
عَلَامَ تُدْعَى سُلَيْمٌ وَهِيَ نَازِحَةٌ أَمَامَ قَوْمٍ هُمُ آوَوْا وَهُمْ نَصَرُوا
سَمَّاهُمُ اللَّهُ أَنْصَارًا لِنَصْرِهِمِ دِينَ الهُدَى وَعَوَانُ الْحَرْبِ تَسْتَعِرُ
_________________
(١) سَحًّا: أي دَائِمَةَ الصَّبِّ والْهَطَلِ. انظر النهاية (٢/ ٣١١).
(٢) حفلته: أي مُمْتَلِئَةٌ. انظر النهاية (١/ ٣٩٣).
(٣) الْعَبرَةُ: بفتح العين: الدَّمْعَةُ. انظر لسان العرب (٩/ ١٨).
(٤) دِرَرٌ: سَالَ. انظر لسان العرب (٤/ ٣٢٥).
(٥) قال الحافظ في الإصابة (٨/ ٢٠١): الشَّعْثَاءُ هي امرأةُ حسان بن ثابت -﵁-، وهي التي كان يُشَبِّبُ بِهَا في غَزَلِ قَصَائِدهِ.
(٦) امرأة بهكنة: غَضَّةٌ، وهي ذَاتُ شَبَابٍ، بَهْكَن: أي غَضٍّ. انظر لسان العرب (١/ ٥٢١).
(٧) الْهيْفُ: رِقَّةُ الْخَصْرِ، وضُمُورُ الْبَطْنِ، يقال: امرأةٌ هيفَاءُ. انظر لسان العرب (١٥/ ١٨١).
(٨) الدَّنَسُ في الثِّيابِ: الوَسَخُ ونحوه، وحتى في الأخلاق. انظر لسان العرب (٤/ ٤١٦).
(٩) الْخَوَرُ: بالتحريك: الضَّعْفُ. انظر النهاية (٢/ ٨٢).
(١٠) النَّزْرُ: القَلِيلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٠٤).
[ ٤ / ١٦١ ]
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْترَفُوا لِلنَّائِبَاتِ فَمَا خَامُوا (١) وَمَا ضَجِرُوا
وَالنَّاسُ أَلْبٌ (٢) عَلَيْنَا ثَمَّ لَيْسَ لَنَا إِلَّا السُّيُوفُ وَأَطْرَافُ القَنَا (٣) وَزَرُ (٤)
وَلَا يَهُرُّ (٥) جَنَابَ الْحَرْبِ مَجْلِسُنَا وَنَحْنُ حِينَ تَلَظَّى نَارُها سُعُرُ
كَمَا رَدَدْنَا بِبَدْرٍ دُونَ مَا طَلَبُوا أَهْلَ النِّفَاقِ وَفِينَا أُنْزِلَ الظَّفَرُ
وَنَحْنُ جُنْدُكَ يَومَ النَعْفِ (٦) مِنْ أُحُدٍ إِذْ حَزَّبَتْ بَطَرًا (٧) أَشْيَاعَها مُضَرُ
فَمَا وَنَيْنَا (٨) وَمَا خِمْنَا وَمَا خَبَرُوا مِنَّا عِثَارًا (٩) وَجُلُّ الْقَوْمِ قَدْ عَثَرُوا (١٠)
_________________
(١) الْخَائِمُ: الْجَبَانُ، وخَامَ عَنِ القِتَالِ: جَبُنَ عَنْهُ. انظر لسان العرب (٤/ ٢٧٠).
(٢) تَأَلَّبُوا عليه: إذا تَضَافروا واجْتَمَعُوا عليه. انظر لسان العرب (١/ ١٧٧).
(٣) الْقَنَا: الرِّمَاحُ. انظر لسان العرب (١١/ ٣٣٠).
(٤) يقال: وَزَرَ يَزِرُ فهو وَازِرٌ: إذا حَمَلَ ما يثقِلُ ظَهْرَهُ من الأشياءِ الْمُثْقَلَةِ. انظر النهاية (٥/ ١٥٦)
(٥) هَرَّ: كَرِهَ. انظر لسان العرب (١٥/ ٧٢).
(٦) نَعَفُ أحُدٍ: أَسْفَلُهُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٠٥).
(٧) الْبَطَرُ: الْكِبْرُ. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
(٨) الْوَنُ: الضَّعْفُ. انظر لسان العرب (١٥/ ٤١٠).
(٩) الْعَثْرَةُ: الزَّلَّةُ. لسان العرب (٩/ ٤٥).
(١٠) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٥٠) - والقصيدة موجودة كذلك في ديوان حسان بن ثابت -﵁-، ص ١٢٠.
[ ٤ / ١٦٢ ]
وَقَالَ أَحْدَاثُهُمْ (١): يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ (٢).
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالُوا: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فنَحْنُ نُدْعَى، وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنا (٣)، وَكثُرَتْ فِيهمُ القَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُم: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَوْمَهُ (٤).
فَانْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -﵁- سَيِّدُ الْأَنْصَارِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الفيْءِ الذِي أَصَبْتَ، فَقَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قبائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ ".
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَنَا إِلَّا امرُؤٌ مِنْ قَوْمِي (٥).
_________________
(١) الحَدَث: هو الشَّابُّ. انظر لسان العرب (٣/ ٧٦).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٣١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٣٢).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٣٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٣٥).
(٤) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٧٣٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٥٢) - وإسناده حسن.
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٧٣٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٥٢) - وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٦٣ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ".
فَخَرَجَ سعدٌ، فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ.
فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَحَمِدَ اللَّه، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالذِي هُو له أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَمُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟، وَعَالَةً (١) فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ ".
قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُوله أَمَنُّ وَأَفْضَلُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ ".
قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، وَللَّهِ وَلرَسُولهِ الْمَنُّ وَالفَضْلُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُم لَقُلْتُم فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآويْنَاكَ، وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ".
ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "أَوَجِدتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ (٢) مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟
_________________
(١) العَالَةُ: الْفُقَرَاءُ. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٨/ ٣٩٠).
(٢) لُعَاعَةٌ مِنَ الدنيا: أي شَيْءٌ يسيرٌ من الدنيا. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٩٠).
[ ٤ / ١٦٤ ]
فَوَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعبا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ (١)، وَالنَّاسُ دِثَارٌ (٢)، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ".
فَبَكَى الْأَنْصَارُ ﵃ حَتَّى أَخْضَلُوا (٣) لِحَاهُم، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُول اللَّهِ قِسْمًا وَحظًّا (٤).
* تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ رَتَّبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلَى يَدِهِ مِنَ النِّعَمِ تَرْتِيبًا بَالِغًا، فبَدَأَ بِنِعْمَةِ الْإِيمَانِ التِي لَا يُوَازِيها شَيْءٌ مِنْ أَمرِ الدُّنْيَا، وَثَنَّى بِنِعْمَةِ الْأُلفةِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَةِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَموَالَ تُبْذَلُ فِي تَحْصِيلِها، وَقَدْ لَا تُحَصَّلُ، وَقَدْ كَانَتِ الْأَنْصَارُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي غَايَةِ التَّنَافُرِ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٧٥): الشِّعَارُ: بكسر الشين هو: الثَّوْبُ الذِي يَلِي الْجِلْدَ من الْجَسَدِ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٧٥): الدِّثَارُ: بكسر الدال: هو الذي فوق الشعار، وهي استعارة لطيفة لفرط قربهم منه -ﷺ-، وأراد أيضًا أنهم بطانته وخاصته، وأنهم أَلْصَقُ به وأقربُ إليه من غيرهم.
(٣) خَضَل لحيته: بَلَّها بالدموع. انظر النهاية (٢/ ٤٢).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٣٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٠٦١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٢١) (١١٧٣٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٥٢).
[ ٤ / ١٦٥ ]
وَالتَّقَاطُعِ، فَزَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ وَإِفْحَامُهُ بِالْحَقِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
٢ - وَفِيهِ حُسْنُ أَدَبِ الْأَنْصَارِ فِي تَركِهِمُ الْمُمَارَاةَ (٢).
٣ - وَالْمبالَغَةُ فِي الْحَيَاءِ.
٤ - وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الذِي نَقَلَ عَنْهُمْ إِنَّمَا كَانَ عَنْ شَبَابِهمْ لَا عَنْ شُيُوخِهِمْ وَكُهُولِهِمْ.
٥ - وَفِيهِ مَنَاقِبُ عَظِيمَةٌ لَهُمْ لِمَا اشْتَمَلَ مِنْ ثَنَاءِ الرَّسُولِ -ﷺ- الْبَالِغِ عَلَيْهِمْ.
٦ - وَفِيهِ الْمُعَاتَبةُ وَاسْتِعْطَاف الْمُعَاتَبِ وَإِعتَابهُ عَنْ عَتْبِهِ بِإِقَامَةِ حُجَّةِ مَنْ عَتَبَ عَلَيْهِ.
٧ - وَفِيهِ الِاعتِذَارُ وَالِاعتِرَافُ.
٨ - وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ تَفْضِيلَ بعضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فِي مَصَارِفِ الفيْءِ، وَأَنَّ له أَنْ يُعطِيَ الْغَنِيَّ مِنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ.
٩ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ حَقَّهُ مِنَ الدُّنْيَا لَا عَتَبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٦٣).
(٢) الْمُمَارَاةُ: الْمُجَادَلَةُ على مذهبِ الشَّكَ والرِّيبَةِ. انظر النهاية (٤/ ٢٧٥).
[ ٤ / ١٦٦ ]
١٠ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْأَمرِ الذِي يَحْدُثُ سَوَاءً كَانَ خَاصًّا أَمْ عَامًّا.
١١ - وَفِيهِ جَوَازُ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْخُطْبَةِ.
١٢ - وَفِيهِ تَسْلِيَةُ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا مِمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ ثَوَابِ الآخِرَةِ.
١٣ - وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى طَلَبِ الْهِدَايَةِ وَالْأُلفةِ وَالْغِنَى.
١٤ - وَفِيهِ أَنَّ الْمِنَّةَ للَّهِ وَرَسُولهِ -ﷺ- علَى الْإِطْلَاقِ.
١٥ - وَفِيهِ تَقْدِيمُ جَانِبِ الآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا، وَالصَبْرُ عَمَّا فَاتَ مِنْهَا؛ لِيدَّخَرَ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ فِي الآخِرَةِ، وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١).
* الْحِكْمَةُ مِنْ إِعطَاءِ الْمُؤَلَفةِ قُلُوبُهم:
وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُمْ الْحِكْمَةَ فِي إِعطَاءِ هَذِهِ الْأموَالِ الْعَظِيمَةِ لِسَادَاتِ الْعَرَبِ، وَحِرمَانِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي أُعْطِي قَوْمًا أَخَافُ ظَلَعَهُم (٢) وَجَزَعَهُمْ، وَأَكِلُ (٣) أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِم مِنَ الْخَيْرِ وَالْغِنَى، مِنْهُمْ: عَمْرُو بْنُ تَغْلِبٍ" (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٣٧٣ - ٣٧٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٨٥): ظَلعَهُم: بفتح الظاء: أي اعْوِجَاجُهُم.
(٣) أَكِلُ: بفتح الهمزة وكسر الكاف وضم اللام: أي أَلْجَأُ وأَعْتَمِدُ. انظر النهاية (٥/ ١٩٢).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي -ﷺ- يعطي المؤلفة قلوبهم - رقم الحديث (٣١٤٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٦٧٢).
[ ٤ / ١٦٧ ]
قَالَ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبٍ (١) -﵁-: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُمُرَ النَّعَمِ (٢).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لأُعطِي رِجَالًا حَدِيثُ عَهْدِهِم بِكُفْرٍ" (٣).
وَفي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإنِّي أَرَدتُ أَنْ أَجْبُرَهم وَأَتَأَلَّفَهُم" (٤).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَا وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ (٥) بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاع الْأَرْضِ (٦)، كلُّهُم مِثْلُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَع بْنِ حَابِسٍ، وَلَكِنِّي تَأَلَفْتُهُمَا لِيُسْلِمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى إِسْلَامِهِ -﵁-" (٧).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٨٥) تَغْلِب: بفتح التاء وسكون الغين وكسر اللام.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٥/ ٤٩٠): أي ما أحب أن في بدل كلمته -ﷺ- النعم الحمر؛ لأن الصفة المذكورة تدل على قوة إيمانه المفضي به لدخول الجنة، وثواب الآخرة خير وأبقى.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي -ﷺ- يعطي المؤلفة قلوبهم - رقم الحديث (٣١٤٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٣٢).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٣٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (١٠٥٩) (١٣٣).
(٥) جُعَيل: بضم الجيم وفتح العين، وكان -﵁- من فقراء المسلمين، أسلم قديمًا، وأصيبت عينه يوم بني قريظة، وكان دميمًا قبيح الوجه، وأثنى عليه رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، ووكله إلى إيمانه -﵁-. انظر أسد الغابة (١/ ٣٢٤).
(٦) طِلَاعُ الأرضِ: بكسر الطاء: مَا يَملَؤها حتى يَطْلُعَ عَنها ويَسيلُ. انظر النهاية (٣/ ١٢١).
(٧) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٤٩) بإسناد مرسل صحيح، وله شاهد =
[ ٤ / ١٦٨ ]
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: فَظَهرَتْ بِهذَا الْحِكْمَةُ فِي حِرمَانِ جُعَيْلِ بْنِ سُرَاقَةَ -﵁-، وَإِعْطَاءَ غَيْرِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِمَصلَحَةِ التَّأْلِيفِ (١).
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَانَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى سِيَاسَةٍ حَكِيمَةٍ، فَإِنَّ فِي الدُّنْيَا أَقْوَامًا كَثِيرِينَ يُقَادُونَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ بُطُونِهِمْ لَا مِنْ عُقُولِهِمْ، فَكَمَا تُهْدَى الدَّوَابُّ إِلَى طَرِيقِهَا بِحِزْمَةِ برسِيمٍ تَظَلُّ تَمُدُّ إِلَيْهَا فَمَهَا حَتَّى تَدْخُلَ حَظِيرَتَها آمِنَةً، فكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ مِنَ الْبَشَرِ تَحْتَاجُ إِلَى فُنُونٍ مِنَ الْإِغْرَاءَ حَتَّى تَسْتَأْنِسَ بِالْإِيمَانِ، وَتَهُشَّ له، وَقَدْ خَفِيَتْ هَذِهِ الْحِكْمَةُ أَوَّلَ الْأَمْرِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَتَّى قَالَتِ الْأَنْصَارُ مَا قَالَتْ، وَحَتَّى قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- مَا قَالَ فِي جُعَيْلِ بْنِ سُرَاقَةَ -﵁-، فَلَمَّا اسْتَبَانَ لَهُمُ الْأَمْرُ صَارُوا بِالذِي سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَقَرَّ عَيْنًا، وَأَشَدَّ اغْتِبَاطًا مِنْهُمْ بِالْمَالِ (٢).
* قِصَّةُ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ -﵁-، وَحَدِيثُ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ":
رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ -﵁- قَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَأَخِي مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِ حُنَيْنٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ:
_________________
(١) = موصول صحيح، أورده الحافظ في الإصابة (١/ ٥٩٦) - والفتح (١/ ١١٤) - وإسناده صحيح - وأصله في صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة - رقم الحديث (٢٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه - رقم الحديث (١٥٠) (٢٣٧).
(٢) انظر فتح الباري (١/ ١١٤).
(٣) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ص ٣٩٤.
[ ٤ / ١٦٩ ]
"يَا عَاصِمُ مَا ذِئْبَانِ عَادِيَانِ أَصَابَا فَرِيسَةَ غَنَمٍ أَضَاعَهَا رَبُّهَا (١) بِأَفْسَدَ فِيهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ" (٢).
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرصِ الْمَرء عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ" (٣).
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ ﵀: فَهَذَا مَثَلٌ عَظِيمٌ جِدًّا ضَرَبَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- لِفَسَادِ دِينِ الْمُسْلِمِ بِالْحِرصِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ فَسَادَ الدِّينِ بِذَلِكَ لَيْسَ بِدُونِ فَسَادِ الْغَنَمِ بِذِئْبَيْنِ جَائِعَيْنِ ضَارِيَيْنِ بَاتَا فِي الْغَنَمِ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُها لَيْلًا، فَهُمَا يَأْكُلَانِ فِي الْغَنَمِ وَيَفْتَرِسَانِ فِيهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنَ الْغَنَمِ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ إِلَّا قَلِيلٌ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنَّ حرصَ الْمرءَ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ إِفْسَادٌ لِدِينِهِ، لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ لهذه الْغَنَمِ (٤).
_________________
(١) الرَّبُّ: يُطْلَقُ في اللغة على الْمَالك والسَّيِّدِ، والْمُدَبِّرِ، والْمُرَبِّي. انظر النهاية (٢/ ١٦٥).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب مذمة حب المال - رقم الحديث (٥٨٢٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٨٤) - والترمذي في جامعه - كتاب الزهد - باب ما جاء في أخذ المال - رقم الحديث (٢٥٣٣) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) انظر كلام ابن رجب ﵀ في رسالة له في شرح هذا الحديث ص ٢١ - تحقيق: محمد صبحي حَلَّاق.
[ ٤ / ١٧٠ ]
* نَذْرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، بَعْدَ أَنْ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ (١)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (٢) أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَيْفَ تَرَى؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا".
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَعْطَاهُ جَارِيَةً (٣) مِنَ الْخُمُسِ، فَلَمَّا أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَبَايَا النَّاسِ، سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- أَصْوَاتَهُمْ يَقُولُونَ: أَعْتَقَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: مَا هَذَا؟ قَالُوا: أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَبَايَا النَّاسِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ فَخَلِّ سَبِيلَهَا (٤).
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٣٢٠): لما قفلنا -أي رجعنا- من حنين.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٤٤٣): المراد بقول عمر -﵁- في الجاهلية: قبل إسلامة، لأن جاهلية كل أحد بحسبه، ووَهِم من قال: الجاهلية في كلامه زمن فترة النبوة، والمراد بها هنا ما قبل بعثة نبينا -ﷺ-، فإن هذا يتوقف على النقل، وقد تقدم أنه نذر قبل أن يُسلم، وبين البعثة وإسلامه مدة.
(٣) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (٦٤١٨): غلام.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٢٠) - كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي -ﷺ- يعطي المؤلفة قلوبهم - رقم =
[ ٤ / ١٧١ ]
* قُدُومُ وَفْدِ هَوَازِنَ:
وَبَعْدَ أَنْ قُسِمَتِ الْغَنَائِمُ قَدِمَ وَفْدُ هوَازِنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَرَأْسُهُم: زُهيْرُ بْنُ صُردٍ، فبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، فَمُنَّ عَلَيْنَا، مَنَّ اللَّه عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، وَقَالَ زُهيْرُ بْنُ صُردٍ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ (٢) عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللَّاتِي كُنَّ يَكْفَلْنَكَ، ثُمَّ سَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِم أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ".
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ (٣) مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلبنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ، فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ، فَقُوُلُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي نِسَائِنَا وَأَبْنَائِنَا".
_________________
(١) = الحديث (٣١٤٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأيمان - باب نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم - رقم الحديث (١٦٥٦) (٢٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٩٢٢) (٦٤١٨).
(٢) وهم قوم حليمة السعدية مرضعة رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٣) الْحَظِيرَةُ: هي الْمَوْضِعُ الذي يُحَاطُ عليه، ويَقْصِدُ الأسرى. انظر النهاية (١/ ٣٨٩).
(٤) قَفَلَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٤/ ٨٢).
[ ٤ / ١٧٢ ]
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، قَامُوا فتَكَلَّمُوا بِالذِي أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ ﷿ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ".
وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: مَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلبَنِي فزَارَةَ، فَلَا، وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ، فَلَا، وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ، فَلَا، فَقَالَتِ الْحَيَّانِ: كَذَبْتَ، بَلْ هُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَمَنْ تَمْسَّكَ بِشَيءٍ مِنَ الْفَيءِ، فَلَهُ عَلَيْنَا سِتَّةُ فَرَائِضٍ (١) مِنْ أوّلِ شَيْءٍ يُفِيئُهُ اللَّهُ عَلَيْنَا"، فَرَدَّ النَّاسُ عَلَى هَوَازِنَ جَمِيعَ السَّبْيِ (٢).
_________________
(١) الفَرَائِضُ: جمع فَرِيضَةٍ، وهو البعير المأخوذ من الزكاة، سُمي فريضة؛ لأنه فرض واجب على رب المال، ثم اتسع فيه حَتَّى سُمي البعيرُ فريضةً في غير الزكاة. انظر النهاية (٣/ ٣٨٧).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ - رقم الحديث (٤٣١٨) (٤٣١٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٧٢٩) (١٨٩١٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٥٠٩) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٤١).
[ ٤ / ١٧٣ ]
* إِسْلَامُ مَالِكٍ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ:
وَقَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ رَئِيسُ هَوَازِنَ فَأَسْلَمَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَأَلَ وَفْدَ هَوَازِنَ عَنْ مَالِكٍ بْنِ عَوْفٍ مَا فَعَلَ؟ .
فَقَالُوا: هُوَ بِالطَّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحَبْسِ أَهْلِهِ عِنْدَ عَمَّتِهِمْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِوَفْدِ هَوَازِنَ: "أَخْبِرُوا مَالِكًا أَنَّهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ".
فَلَمَّا أُخْبِرَ مَالِكٌ بِذَلِكَ، أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَهُيِّئَتْ لَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الطَّائِفِ لَيْلًا، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَدْرَكَهُ بِالْجِعْرَانَةِ، وَقِيلَ: بِمَكَّةَ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، فَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِمْ ثَقِيفًا، لَا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ (١) إِلَّا أَغَارَ عَلَيْهِ حَتَّى ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ (٢).
* اعْتِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْجِعْرَانَةِ:
وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ في الْجِعْرَانَةِ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ تُسَمَّى عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ في
_________________
(١) السَّرْحُ: بفتح السين: الْماشيةُ. انظر النهاية (٢/ ٣٢٢).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٤٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ١٩٨).
[ ٤ / ١٧٤ ]
جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَرِّشٍ (١) الْكَعْبِيِّ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا، فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا، فَقَضَى عُمْرَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْغَدِ، خَرَجَ في بَطْنِ سَرِفٍ (٢) حَتَّى جَاءَ مَعَ الطَّرِيقِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خَفِيَتْ عُمْرَتُهُ عَلَى النَّاسِ (٣).
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا (٤) بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى (٥).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ قَتادَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أنَسًا -﵁-: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ-؟
قَالَ: أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلّهُنَّ في ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا التِي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ (٦) في ذِي
_________________
(١) مُحَرِّش: بضم الميم وتشديد الراء المكسورة.
(٢) سَرِف: بفتح السين وكسر الراء: موضع من مكة على عشرة أميال. انظر النهاية (٢/ ٣٢٦).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥١٣) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء في العمرة من الجعرّانة - رقم الحديث (٩٥٣).
(٤) الرَّمَلُ: الْمَشْيُ السَّرِيعُ وهَزُّ الْكَتِفَيْنِ. انظر النهاية (٢/ ٢١٤).
(٥) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب الاضْطِبَاعِ في الطواف - رقم الحديث (١٨٨٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٤٣٢).
(٦) وهي عمرة القضاء.
[ ٤ / ١٧٥ ]
القعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ مِنْ قَابِلٍ، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ، وَعُمْرَتَهُ التِي مَعَ حَجَّتِهِ (٢).
* اسْتِخْلَافُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ -﵁- عَلَى مَكَّةَ:
اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يَرْجعَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ -﵁- عَلَى مَكَّةَ، وَعُمْرُهُ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ في الْإِسْلَامِ عَلَى مَكَّةَ (٣).
* قِصَّةُ أَبِي مَحْذُورَةَ -﵁-:
وَفي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمَدِينَةِ لَقِيَهُ أَبُو مَحْذُورَةَ -﵁-، فَأَسْلَمَ، وَلَهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العمرة - باب كم اعتمر النبي -ﷺ-؟ - رقم الحديث (١٧٧٨) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٤٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان عدد عمر النبي -ﷺ- وزمانهن - رقم الحديث (١٢٥٣).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٢٢١١) - وابن حبان في صحيحه - باب ما جاء في حج النبي -ﷺ- واعتماره - رقم الحديث (٣٩٤٦).
(٣) أخرج استخلافَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَتَّابَ بنَ أَسيد -﵁- على مكة: الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٣) - وحَسّن إسناده الحافظ في الإصابة (٤/ ٣٥٦).
[ ٤ / ١٧٦ ]
قِصَّةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ -﵁- قَالَ: خَرَجْتُ في نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ، فَقَفَلَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ حُنَيْنٍ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، في بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَمِعْنَا الصَّوْتَ وَنَحْنُ مُتَنَكِّبُونَ (٢) عَنِ الطَّرِيقِ، فَصَرَخْنَا نَحْكِيهِ، وَنَسْتَهْزِئُ بِهِ، فَسَمعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّوْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا إِلَى أَنْ وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيَّكُمُ الذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ؟ "، فَأَشَارَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ إِلَيَّ، وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَحَبَسَنِي عِنْدَهُ، وَلَا شَيْءَ أَكْرَهُ إِلَيَّ مِمَّا يَأْمُرُنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَرَنِي بِالْأَذَانِ، وَأَلْقَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيَّ نَفْسُهُ الْأَذَانَ، فَقَالَ: "قُلْ: اللَّهُ كبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ كبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، ثُمَّ قَالَ لِي: "ارْجعْ وَامْدُدْ صَوْتَكَ"، ثُمَّ قَالَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".
قَالَ أَبُو مَحْذُورَةَ -﵁-: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ التَّأْذِينِ، دَعَانِي رَسُولُ اللَّه -ﷺ- فَأَعْطَانِي صُرَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى نَاصِيَتِي (٣)، ثُمَّ أَمَارَّهَا
_________________
(١) قَفَلَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٤/ ٨٢).
(٢) نَكَبَ عن الطريق: إذا عَدَلَ عنهُ، وتجنبه. انظر النهاية (٥/ ٩٨).
(٣) الناصِيَةُ: مُقَدِّمُ الرأسِ، وهي الْجَبْهَةُ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٦٩).
[ ٤ / ١٧٧ ]
عَلَى وَجْهِي مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ عَلَى كَبِدِي، ثُمَّ بَلَغَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سُرَّتِي، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ" (١).
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِالتَّأْذِينِ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ"، وَذَهَبَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ كَرَاهِيَةٍ، وَعَادَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدِمْتُ عَلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ، فكنْتُ أُأَذِّنُ بِمَكَّةَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
وَكَانَ عُمْرُ أَبِي مَحْذُورَةَ -﵁- سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَذَّنَ بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةً تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَتَوَارَثَ وَلَدُهُ، وَوَلَدُ وَلَدِهِ الْأَذَانَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٣).
قَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِبَعْضِهِمْ:
أَمَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَةْ وَمَا تَلَا مُحَمَّدٌ مِنْ سُورَهْ
وَالنَّغَمَاتُ مِنْ أَبِي مَحْذُورَةْ لَأَفْعَلَنَّ فِعْلَةً مَذْكُورَهْ (٤)
_________________
(١) في رواية ابن حبان: "اللهم بارك فيه وبارك عليه".
(٢) أخرج قصة أبي محذورة -﵁-: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٨٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (١٦٨٠) - وأخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الأذان - باب الترجيح في الأذان - رقم الحديث (٧٠٨) - وأصل القصة في صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب صفة الأذان - رقم الحديث (٣٧٩).
(٣) انظر تهذيب التهذيب (٤/ ٥٨٢) للحافظ ابن حجر - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٥/ ٣١٢).
(٤) انظر تهذيب التهذيب (٤/ ٥٨٢).
[ ٤ / ١٧٨ ]
* رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمَدينَةِ:
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَقَدِمَهَا لِسِتِّ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةً ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (١).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: للَّهِ مَا أَفْسَحَ الْمَدَى بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْبَةِ (٢) الظَّافِرَةِ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّ اللَّهُ هَامَتَهُ بِالفتْحِ الْمُبِينِ، وَبَيْنَ مَقْدِمِهِ إِلَى هَذَا الْبَلَدِ النَّبِيلِ مُنْذُ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ؟
لَقَدْ جَاءَهُ مُطَارَدًا يَبْغِي الْأَمَانَ، غَرِيبًا مُسْتَوْحِشًا يَنْشُدُ الْإِيلَافَ (٣) وَالْإِيْنَاسَ، فَأَكْرَمَ أَهْلُهُ مَثْوَاهُ، وَآوَوْهُ وَنَصَرُوهُ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، وَاسْتَخَفُّوا بِعَدَاوَةِ النَّاسِ جَمِيعًا مِنْ أَجْلِهِ، وَهَا هُوَ ذَا بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ التِي اسْتَقْبَلَتْهُ مُهَاجِرًا خَائِفًا لِتَسْتَقْبِلَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ دَانَتْ لَهُ مَكَّةُ، وَأَلْقَتْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ كِبْرِيَاءَهَا وَجَاهِلِيَّتَهَا، فَأَنْهَضَهَا لِيُعِزَّهَا بِالْإِسْلَامِ، وَعَفَا عَنْ خَطِيئَاتِهَا الْأُولَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٥٤).
(٢) الْأَوْبَةُ: الرُّجُوعُ. انظر لسان العرب (١/ ٢٥٨).
(٣) أَلِفْتُ الشيءَ: إذا أَنِسْتُ به. انظر لسان العرب (١/ ١٨٠).
(٤) سورة يوسف آية (٩٠) - وانظر كلام الشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في فقه السيرة، ص ٤٠٠.
[ ٤ / ١٧٩ ]