وِلادَةُ النَّبِيِّ -ﷺ-
وَفِي نَهَارِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ عَامِ الْفِيلِ وُلِدَ سَيِّدُ الْخَلْقِ مُحَمَّدٌ -ﷺ- فِي شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا هُوَ المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ فَقَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ" (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ -﵁- قَالَ: وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الْفِيلِ (٣).
وَكَوْنُهُ -ﷺ- وُلِدَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ فِيهِ حِكَمٌ مِنْهَا:
١ - مَا فِي شَرْعِهِ -ﷺ- مِنْ شَبَهِ زَمَنِ الرَّبِيعِ، فَإِنَّهُ أَعْدَلُ الْفُصُولِ، وَشَرْعُهُ أَعْدَلُ الشَّرَائِعِ.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (١/ ٦٦٣).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الصوم - باب استحباب صيام ثلاثةِ أيَّام من كُلِّ شهر وصوم يوم عَرَفة وعاشُوراء والاثنين والخميس - رقم الحديث (١١٦٢) (١٩٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٨٩١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٩٦٨) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٨٧٧٢).
[ ١ / ٧٢ ]
٢ - وَلِأَنَّ فِي ظُهُورِهِ فِيهِ إِشَارَةٌ لِمَنْ تَفَطَّنَ لَهَا إِلَى اشْتِقَاقِ لَفْظَةِ رَبِيعٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفَاؤُلًا حَسَنًا بِبِشَارَةِ أُمَّتِهِ، فَالرَّبِيعُ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَمَّا في بَطْنِهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، ومَوْلِدُهُ -ﷺ- فِي رَبِيعٍ إِشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ إِلَى التَّنْوِيهِ بِعَظِيمِ قَدْرِهِ، وأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ (١).
* عَلَامَاتٌ ظَهَرَتْ عِنْدَ وِلَادَتِهِ -ﷺ-:
ظَهَرَتْ بَعْضُ الْعَلَامَاتِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ -ﷺ- مِنْ ذَلِكَ:
* ظُهُورُ نُورٍ مِنْ أُمِّهِ -ﷺ- أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ والحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ س عَنِ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ بِخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ ﵇ لَمُنْجَدِلٌ (٢) في طِينَتِهِ، وسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ: دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ (٣)، وبِشَارَةُ أخِي عِيسَى (٤)، ورُؤْيَا أُمِّي التِي رَأَتْ حِينَ
_________________
(١) انظر شرح المواهب (١/ ٢٤٩).
(٢) أي مُلقى على الجدالة، وهي الأرض. انظر النهاية (١/ ٢٤٠).
(٣) قال اللَّه تَعَالَى في سورة البقرة آية (١٢٩) على لسان إبراهيم وإسماعيل ﵉ وهما يبنيان الكعبة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
(٤) قال اللَّه تَعَالَى في سورة الصف آية (٦) على لسان عيسى ﵇، وهو يُبَشِّر بنِي إسرائيل بِبِعْثَةِ الرسول -ﷺ-: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
[ ١ / ٧٣ ]
وَضَعَتْنِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ" (١).
ورَوَى الحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ، عَنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُمْ قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ؟
فقَالَ -ﷺ-: "دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وبُشْرَى عِيسَى، ورَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أضَاءَتْ لَهُ بُصْرَى، وبُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ" (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وتَخْصِيصُ الشَّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ -ﷺ- إشَارَةٌ إِلَى اسْتِقْرَارِ دِيِنِهِ وَثُبُوتِهِ بِبِلَادِ الشَّام، ولِهَذَا تَكُونُ الشَّامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَعْقِلًا لِلْإِسْلَامِ وأهْلِهِ، وبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ ﵇ إِذَا نَزَلَ بِدِمَشْقَ بِالْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ البَيْضَاءِ مِنْهَا (٣)، ولِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ -ﷺ-: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ".
وفي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ، قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّامِ (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (١٧١٦٣) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٦٤٠٤) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٣٦١٩ - ٤٢٣٠).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٢٣٠) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٧٣٠)، وقال: إسناده جيد.
(٣) أخرج نزول عيسى ﵇ بدمشق عند المَنَارة البيضاء: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الفتن وأشْرَاطُ الساعة - باب ذكر الدجال - رقم الحديث (٢٩٣٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الاعتصام - باب قول النبي -ﷺ-: "لا تزالُ طائِفَةٌ من أمَّتِي ظَاهِرِينَ على الحقِّ" - رقم الحديث (٧٣١١) - وأخرجه في كتاب التوحيد - باب =
[ ١ / ٧٤ ]
قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ: هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ (١).
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ (٢).
وقاَل النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: ويُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مُفَرَّقَةٌ بَيْنَ أنْوَاعِ المُؤْمِنِينَ، مِنْهُمْ: شُجْعَانٌ مُقَاتِلُونْ، ومِنْهُمْ فُقَهَاءُ، ومِنْهُمْ مُحَدِّثُونَ، ومِنْهُمْ زُهَّادُ، وآمِرُونَ بالمَعْرُوفِ ونَاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، ومِنْهُمْ أَهْلُ أنْوَاعٍ أُخْرَى مِنَ الْخَيْرِ، ولا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ، بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ في أَقْطَارِ الأَرْضِ (٣).
قُلْتُ: وَالَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ.
* ظُهُورُ النَّجْمِ:
رَوَى ابنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ -﵁- قَالَ: واللَّهِ إنِّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ (٤) ابنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ، أعْقِلُ كُلَّ مَا سَمِعْتُ، إذْ سَمِعْتُ
_________________
(١) = قول اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠]- رقم الحديث (٧٤٥٩) (٧٤٦٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب قوله -ﷺ-: "لا تزالُ طائفةٌ من أمتِي ظاهِرِينَ على الحَقِّ" - رقم الحديث (١٩٢٠) (١٩٢١). وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٤٤).
(٢) انظر صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - باب قول النبي -ﷺ-: "لا تزالُ طائفةٌ من أمتِي ظاهِرِينَ على الحَقِّ".
(٣) أخرجه الحاكم في علوم الحديث، فيما قاله الحافظ في الفتح (١٥/ ٢٢٧): وإسناده صحيح.
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٣/ ٥٧).
(٥) أيْفَعَ الغُلامُ: إذا شَارَفَ الاحْتِلَامَ ولمَّا يَحْتَلِمْ. انظر النهاية (٥/ ٢٥٨).
[ ١ / ٧٥ ]
يَهُودِيًّا يَصْرَخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أُطُمٍ (١) بِيَثْرِبَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، حتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، قَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ مَالَكَ؟، قَالَ: طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدَ الذِي وُلِدَ بِهِ (٢).
* وَقَعَ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ:
رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمِّ الرَّسُولِ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: . . . ثُمَّ وَضَعْتُهُ، فَمَا وَقَعَ كَمَا يَقَعُ الصِّبْيَانُ، وَقَعَ وَاضِعًا يَدَهُ بِالْأَرْضِ، رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ (٣).
* عَلَامَاتٌ مَشْهُورَةٌ لَكِنَّهَا غَيرُ صَحِيحَةٍ:
وَهَذِهِ العَلَامَاتُ لَمْ تَثْبُتْ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّهَا مَشْهُورَةٌ، فَمِنْهَا:
١ - أَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ -ﷺ- ارْتَجَّ إِيْوَانُ كِسْرَى.
٢ - سَقَطَتْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً مِنْ إيوَانِ كِسْرَى.
٣ - خَمَدَتِ النَّارُ التِي كَانَ يَعْبُدُهَا المَجُوسُ.
٤ - غَاصَتْ بُحَيْرَةُ "سَاوَة".
٥ - انْهَدَمَتِ المَعَابِدُ التِي كَانَتْ حَوْلَهَا -أيْ حَوْلَ بُحَيْرَةِ "سَاوَة"- (٤).
_________________
(١) الأُطُمُ: بضم الهمزة: بنَاءٌ مُرتفعٌ كالحُصُونِ. انظر النهاية (١/ ٥٧).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ١٩٦).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٦٣٣٥) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٠٢).
(٤) أخرج ذلك الإمام الذهبي في السيرة النبوية (١/ ٤٤) وقال: هذا حديث منكر غريب - =
[ ١ / ٧٦ ]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي ﵀ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذِهِ الآثَارَ الضَّعِيفَةَ: وهَذَا الكَلَامُ تَعْبِيرٌ غَلَطٌ عَنْ فِكْرَةٍ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّ مِيلَادَ الرَّسُولِ -ﷺ- كَانَ حَقًّا إِيذَانًا بِزَوَالِ الظُّلْمِ وانْدِثَارِ (١) عَهْدِهِ، وانْدِكَاكِ مَعَالِمِهِ. . . فَلَمَّا أحَبَّ النَّاسُ -بَعْدَ انْطِلَاقِهِمْ مِنْ قُيُودِ الْعَسْفِ (٢) - تَصْوِيرَ هذِهِ الحَقِيقَةِ، تَخَيَّلُوا هَذِهِ الإِرْهَاصَاتِ (٣)، وأَحْدَثُوا لَهَا الرِّوَايَاتِ الوَاهِيَةِ، ورَسُولُ اللَّه -ﷺ- غَنِيٌّ عَنْ هَذَا كُلِّهِ، فإنَّ نَصِيبَهُ الضَّخْمَ مِنَ الوَاقِعِ المُشَرِّفِ يُزَهِّدُنَا في هذِهِ الرِّوَايَاتِ وأشْبَاهِهَا (٤).
قَالَ أَحْمَد شَوْقِي ﵀:
تَجَلى مَوْلِد الْهَادِي وَعَمَّتْ بَشَائِرُهُ الْبَوَادِيَ وَالْقِصَابَا
وَأَسْدَتْ لِلْبَرِيَّةِ بِنْتُ وَهْبٍ يَدًا بَيْضاءَ طَوَّقَتِ الرِّقابا
لَقَدْ وَضَعَتْهُ وَهَّاجًا مُنِيرًا كَمَا تَلِدُ السَّمَاوَاتُ الشِّهَابَا
فَقَامَ عَلَى سَمَاءِ الْبَيْتِ نُورًا يُضِيءُ جِبَالَ مَكَّةَ وَالنِّقَابَا
* * *
_________________
(١) = والبيهقيُّ في دلائل النبوة (١/ ١٢٦ - ١٢٧). قال الدكتور عبد المعطي قلعه جي محقق دلائل النُّبوَّة للبيهقي: "وهذا حديثٌ ليس بصحيح".
(٢) اندَثَرَ: أي بَلِي. انظر لسان العرب (٤/ ٢٨٩).
(٣) العَسْفُ: الظُّلْمُ. انظر لسان العرب (٩/ ٢٠٦).
(٤) إرهَاصَاتٌ: أي مُقَدِّمات. انظر لسان العرب (٥/ ٣٤٣).
(٥) انظر فقه السيرة ص (٥٨ - ٥٩) للشيخ محمد الغزالي ﵀.
[ ١ / ٧٧ ]
خِتَانُ (١) رسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
وَأَمَّا خِتَانُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ جَدَّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَتَنَهُ يَوْمَ سَابِعِهِ عَلَى عَادَةِ العَرَبِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي الاسْتِيعَابِ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ خَتَنَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَوْمَ سَابِعِهِ، وجَعَلَ لَهُ مَأْدُبَةً (٢).
وَمَالَ كَمَالُ الدِّينِ بنُ الْعَدِيمِ (٣)، وابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٤) إِلَى هَذَا، مِنْ أَنَّهُ -ﷺ- خُتِنَ يَوْمَ سَابِعِهِ عَلَى يَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا الأحَادِيثُ التِي تَذْكُرُ أَنَّ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وُلِدَ مَخْتُونًا، فكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، فَمِنْهَا:
ما رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥٣٠): الخِتَان بكسر الخاء وفتح التاء مصدر خَتَنَ: أي قَطَعَ، والخَتْنُ: بفتح الخاء قَطْعُ بعضٍ مَخْصُوص مِنْ عُضْوٍ مَخْصُوص. وقال الماوردي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١١/ ٥٣٠): خِتَانُ الذَّكر قطعُ الجِلْدَة التي تُغَطِّي الحَشَفة.
(٢) انظر الاستيعاب (١/ ١٥١).
(٣) انظر زاد المعاد (١/ ٨١).
(٤) انظر الاستيعاب (١/ ١٥١).
[ ١ / ٧٨ ]
قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مِنْ كَرَامَتِي عَلَى رَبِّي أَنِّي وُلِدْتُ مَخْتُونًا ولَمْ يَرَ أَحَدٌ سَوْأَتِي" (١).
ورَوَى ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عنِ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَخْتُونًا مَسْرُورًا (٢)، قَالَ: فَأَعْجَبَ ذَلِكَ عَبْدَ المُطَّلِبِ وحَظِيَ عِنْدَهُ، وَقَالَ: لَيَكُونَنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ (٣).
قَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ولَيْسَ إسْنَادُ حَدِيثِ العَبَّاسِ هَذَا بِالقَائِمِ (٤).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ حَدِيثِ العَبَّاسِ: وهَذَا الحَدِيثُ في صِحَّتِهِ نَظَرٌ. . .، وقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ صِحَّتَهُ، لِمَا وَرَدَ لَهُ مِنَ الطُّرُقِ حتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ، وفي هَذَا كُلِّهِ نَظَرٌ (٥).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: ويُقَالُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وُلِدَ مَخْتُونًا مَسْرُورًا، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، ذَكَرَهُ أَبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزِيِّ في "المَوْضُوعَاتِ"
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ١٥٤) - والحلية - رقم الحديث (٣٠٢٦) وانظر ضعيف الجامع للألباني ﵀ - رقم الحديث (٥٣١٠) - والسلسلة الضعيفة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٦٢٧٠).
(٢) أي مَقْطُوعُ الحَبْلِ السِّرِّي.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٤٨) - وانظر السلسلة الضعيفة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٦٢٧٠).
(٤) انظر الاستيعاب (١/ ١٥١).
(٥) انظر البداية والنهاية (١/ ٦٦٨).
[ ١ / ٧٩ ]
ولَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ، ولَيْسَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ -ﷺ-، فإنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُولَدُ مَخْتُونًا (١). . . وقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاضِلَيْنِ، صَنَّفَ أَحَدُهُمَا مُصَنَّفًا في أَنَّهُ -ﷺ- وُلِد مَخْتُونًا، وأَجْلَبَ فِيهِ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي لَا خِطَامَ لَهَا وَلا زِمَامَ، وهُوَ كَمَالُ الدِّينِ بنُ طَلْحَةَ، فَنَقَضَهُ عَلَيْهِ كَمَالُ الدِّينِ بنُ العَدِيمِ، وبَيَّنَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خُتِنَ عَلَى عَادَةِ العَرَبِ، وكَانَ عُمُومُ هَذِهِ السُّنَّةِ لِلْعَرَبِ قَاطِبَةً مُغْنِيًا عَنْ نَقْلٍ مُعَيَّنٍ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
وَأَمَّا مَا قَالَهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ: وقَدْ تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وُلِدَ مَخْتُونًا، مَسْرُورًا (٣)، فَقَدْ تَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ في تَلْخِيصِهِ بِقَوْلِهِ: لا أعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُتَوَاتِرًا.
* فَرَحُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بِوِلَادَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
ولَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ آمِنَةُ، أرْسَلَتْ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ تُخْبِرُهُ بِوِلادَةِ حَفِيدِهِ، فَفَرِحَ عبدُ المُطَّلِبِ بِحَفِيدِهِ -ﷺ- واسْتَبْشَرَ بِهِ.
_________________
(١) قلتُ: ممن وُلِدَ مختونًا: ابن صياد، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (٣٨٦٨٣) بسند صحيحٍ عن أم سلمة - ﵂ - قالت: ولدته أمه مسرورًا مختونًا. يعني ابن صياد. وروى عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه - رقم الحديث (٢٠٨٣١) بسند صحيح عن عروة بن الزبير قال: وُلِدَ ابن صيَّادٍ أعور مختتنًا.
(٢) انظر زاد المعاد (١/ ٨٠).
(٣) انظر المستدرك للحاكم (٣/ ٤٩٨).
[ ١ / ٨٠ ]
قَالَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ (١) -﵁- يَمْدَحُ الرَّسُولَ -ﷺ-:
وأنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتْ الأرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
فَنَحْنُ في ذَلِكَ الضِّيَاءِ وَفِي النُّورِ وَسُبُلِ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ
* خِتَانُ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ سَابِعِهِ وتَسْمِيَتُهُ مُحَمَّدًا:
وَلَمَّا كَانَ اليَومُ السَّابعُ مِنْ وِلادَتِهِ -ﷺ- خَتَنَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلَى عَادَةِ العَرَبِ، وعَقَّ عَنْهُ بِكَبْشٍ، وجَعَلَ لَهُ مَأْدُبَةً، وسَمَّاهُ مُحَمَّدًا (٢) -ﷺ- ولَمْ يَكُنِ العَرَبُ يَأْلَفُونَ هَذَا الاِسْمَ، فَاسْتَغْرَبَهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، وسَأَلُوا عَبْدَ المُطَّلِبِ فَقَالُوا: لِمَ رَغِبْتَ بهِ عَنْ أَسْمَاءِ أهْلِ بَيْتِهِ؟ فَأَجَابَهُمْ: أرَدْتُ أَنْ يَحْمَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ وخَلْقُهُ فِي الأَرْضِ (٣).
وقِيلَ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ مُحَمَّدًا: أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ كَانَ مُسَافِرًا إِلَى الشَّامِ مَعَ
_________________
(١) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم عَمُّ النبي -ﷺ-، وُلِدَ قبل الرسول -ﷺ- بسنتين، وكان -﵁- من أطْوَلِ الرجال، وأحسنِهِم صُورة، وأبْهَاهُم، وأجْهَرِهِم صَوتًا، مع الحلم الوافر، والسُؤْدَة، وكان قد وُكِلَ إليه في الجاهلية السِّقَاية والعِمَارة، وحضَرَ بيعَةَ العَقَبَة مع الأنصار قَبْلَ أن يُسْلِم، وأسلم -﵁- قبل الفتح، ومات -﵁- بالمدينة سنة ٣٢ هـ. انظر أسد الغابة (٢/ ٥٤٣).
(٢) قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٦٦٩): قال بعض العلماء: ألهَمَهُمُ اللَّه ﷿ أن سمُّوه محمدًا؛ لما فيه من الصِّفات الحَمِيدة؛ ليَلْتَقِي الاسم والفعل، ويتطابَقَ الاسم والمُسَمَّى في الصُّورة والمعنى، كما قال حسَّان بن ثابت -﵁-: وشَقَّ لهُ مِنِ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ فذُو العرشِ مَحْمُودٌ وهذا محمدُ
(٣) انظر دلائل النبوة للبيهقي (١/ ١١٣).
[ ١ / ٨١ ]
ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لِلتِّجَارَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الشَّامِ الْتَقَوْا بِرَاهِبٍ، فَسَأَلَهُمْ: مِنْ أيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ بِلَادَكُمْ سَيَخْرُجُ مِنْهَا نَبِيٌّ، فَسَأَلُوهُ مَا اسْمُ النَّبِيِّ قَالَ: "اسْمُهُ مُحَمَّدٌ"، ولَمْ يَكُنْ اسْمُ مُحَمَّدٍ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ.
فَلَمَّا رَجَعَ هَؤُلَاءَ الأَرْبَعَةُ عَزَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنْ رُزِقَ بِمَوْلُودٍ يُسَمِّيهِ مُحَمَّدًا.
عَبْدُ المُطَّلِبِ كَبُرَ، فَلَمَّا رُزِقَ ابْنُهُ عبدُ اللَّهِ وَلَدًا سَمَّاهُ مُحَمَّدًا -ﷺ-، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَهُمْ: سُفْيَانُ بنُ مُجَاشِعٍ سَمَّى ابْنَهُ مُحَمَّدًا، وأُحَيْحَةُ بنُ الْجَلَّاحِ سَمَّى ابْنَهُ مُحَمَّدًا، وحِمْرَانُ بنُ رَبِيعَةَ سَمَّى ابْنَهُ مُحَمَّدًا، هَؤُلَاءِ أوَّلُ مَنْ سَمَّى مُحَمَّدًا فِي العَرَبِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ (١).
قَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ -﵁-:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذَا مُحَمَّدُ
نَبِيُّ أتَانَا بَعْدَ يَأْسٍ وَفَتْرَةٍ مِنَ الرُّسْلِ وَالأَوْثَانُ فِي الْأَرْضِ تُعْبَدُ
_________________
(١) انظر الروض الأنف (١/ ٨٢٠) وتعقَّبه الحافظ في الفتح (٧/ ٢٤٧) بقوله: وهذا حَصْرٌ مردُود، وقد جَمَعْتُ أسماء من تسمى بذلك في جزءٍ مفرَدٍ، فبلغوا نحوَ العِشْرين لكنْ مع تَكَرُّرٍ في بعضهم ووهمٍ في بعض فيتلخَّص منهم خمسَةَ عشر نَفْسًا.
[ ١ / ٨٢ ]
فَأَمْسَى سِرَاجًا مُسْتَنِيرًا وَهَادِيًا يَلُوحُ كَمَا لَاحَ الصَّقِيلُ المُهَنَّدُ
وأنْذَرَنَا نَارًا وَبَشَّرَ جَنَّةً وعَلَّمَنَا الإسْلَامَ فَاللَّهَ نَحْمَدُ
وأنْتَ إِلَهُ الْخَلْقِ رَبِّي وخَالِقِي بِذَلِكَ مَا عَمَّرْتُ في النَّاسِ أَشْهَدُ
تَعَالَيْتَ رَبَّ النَّاسِ عَنْ قَوْلِ مَنْ دَعَا سِوَاكَ إِلَهًا أَنْتَ أَعَلَى وأَمْجَدُ
لَكَ الخَلْقُ والنَّعْمَاءُ والأَمْرُ كُلُّهُ فَإِيَّاكَ نَسْتَهْدِي وإيَّاكَ نَعْبُدُ (١)
* * *
_________________
(١) انظر ديوان حسان بن ثابت -﵁- ص ٥٤.
[ ١ / ٨٣ ]
رَضَاعُ النَّبِيِّ -ﷺ-
كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ أَرْضَعَتْهُ -ﷺ- هِيَ أُمُّهُ آمِنَةُ، قِيلَ أرْضَعَتْهُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، وقِيلَ سَبْعًا، وقِيلَ تِسْعًا. ثُمَّ أرْضَعَتْهُ ثُوَيْبَةُ (١) لَبَنَ ابنٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ "مَسْرُوحٌ" (٢)، أَرْضَعَتْهُ أَيَّامًا، قَبْلَ أَنْ تَقْدُمَ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ، وكانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْ قَبْلَهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ (٣) -﵁-، وأرْضَعَتْ بَعْدَهُ أبَا سَلَمَةَ بنَ عَبْدِ الأسَدِ المَخُزوِمِيَّ (٤) -﵁-.
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٨١): ثويبةُ مَوْلاةُ أبي لهَبٍ، ذكرها ابن منده في الصحابة، وقال: اختلف في إسلامِهَا. وقال في الإصابة (٨/ ٦٠): وفي باب من أرضع النبي -ﷺ- من طبقات ابن سعد (١/ ٥١) ما يدلُّ على أنها لم تُسْلِم، ولكن لا يدفع قول ابن منده بهذا. وقال أبو نعيم: لا نعلمُ أحدًا ذكر إسلامَهَا غيره. وقال ابن الجوزيِّ في صفة الصفوة (١/ ٣١): ولا نعلم أحدًا ذكر أنَّها أسلمت.
(٢) قال الحافظ في الإصابة (٨/ ٦١): لم أقف في شيء من الطرق على إسلام ابنها مسروح، وهو محتمل.
(٣) هو حمزةُ بن عبدِ المطلب أبو عمَارَة، القُرشي الهاشمي، عَمُّ النبي -ﷺ-، وأخوه من الرَّضاعة، أرضعتهما ثُويبةُ مولاة أبي لهب، وُلِدَ قبل النبي -ﷺ- بسنتين، وقيل: بأربع، وأسلم في السنة الثانية من البِعْثة ولازَمَ نَصْرَ رسول اللَّه -ﷺ-، وهاجر معه، وشَهِدَ بدرًا، وقُتِلَ -﵁- على يَدِ وحشِيِّ بن حَرْبٍ في غزوة أُحد، وذلك في شوال من السنة الثالثة للهجرة، ودُفِنَ هو وعبد اللَّه بن جحش في قبرٍ واحِدٍ. انظر الإصابة (٢/ ١٠٥).
(٤) هو عبد اللَّه بن عبد الأسدِ المخزومي السَّيد الكبير، من السابقين الأولين إلى الإِسلام، أسلم بعد عشرة أنفس، وكان أخو النبي -ﷺ- من الرَّضاعةِ، وهو ابنُ عَمَّةِ النبي -ﷺ- أمه بَرَّة بنتِ =
[ ١ / ٨٤ ]
فَكانَ الرَّسُولُ -ﷺ-، وعَمُّهُ حَمْزَةُ، وأبُو سَلَمَةَ إِخْوَةً مِنَ الرَّضَاعَةِ.
روَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵂ قَالَتْ: . . . قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إنَّا نُحَدَّثُ أنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ " (١)، قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: "لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي (٢) في حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أرْضَعَتْنِي وأبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةٌ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ ولَا أَخَوَاتِكُنَّ" (٣).
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: ألَا تَتَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ؟
فقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إنَّهَا لا تَحِلُّ لِي، إنَّهَا ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، ويَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (٤).
_________________
(١) = عبد المطلب، شَهِدَ بَدْرًا وأُحدًا وماتَ بعدَ أُحُدٍ بشَهْر، في جمادى الآخرة سنة ٣ هجرية. انظر أسد الغابة (٤/ ٤٧٥).
(٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٧٩): هو استفهامُ اسْتِثْبَاتٍ لرَفْعِ الإِشْكَالِ، أو استفهامُ إنْكَارٍ، والمعنى أنها إنْ كَانَ بنت أبي سلمة مِنْ أمِّ سلمة، فيكون تحريمها مِنْ وَجْهَيْن: الأوَّل أنها رَبِيبَتُهُ -ﷺ-، والثاني أنها ابْنَةُ أَخِيهِ منَ الرَّضَاعَةِ.
(٣) الرَّبِيبَةُ: بنت الزوجة من زوجٍ آخر. انظر النهاية (٢/ ١٦٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب (٢١) - رقم الحديث (٥١٠١).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الشهادات - باب الشهادة على الأنساب. . . - رقم الحديث (٢٦٤٥) - وأخرجه في كتاب النكاح - باب (٢١) - رقم الحديث (٥١٠٠) - =
[ ١ / ٨٥ ]
* اسْتِرْضَاعُهُ -ﷺ- في بَنِي سَعْدٍ:
ثُمَّ الْتَمَسَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَرَاضِعَ عَلَى عَادَةِ أهْلِ مَكَّةَ الذِينَ كَانُوا يُؤْثِرُونَ إِذَا وُلِدَ لَهُمْ وَلَدٌ أَنْ يَلْتَمِسُوا لَهُ مُرْضِعَةً مِنَ البَادِيَةِ، وسَبَبُ الْتِمَاسِ المَرَاضِعِ لِأَوْلَادِهِمْ أُمُورٌ، ذكَرَهَا الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ فَمِنْهَا:
١ - لِيَنْشَأَ الطِّفْلُ في الأَعْرَابِ، فَيَكُونَ أفْصَحَ لِلِسَانِهِ.
٢ - لِيَكُونَ أجْلَدَ (١) لِجِسْمِهِ، وأجْدَرَ أَنْ لا يُفَارِقَ الهَيْئَةَ المَعَدِّيَةَ، كمَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- اخْشَوْشِنُوا، وَاخْشَوْشِبُوا (٢)، واخْلَوْلِقُوا، وتَمَعْدَدُوا (٣) كَأَنَّكُمْ مَعَدّ (٤)، وإيَّاكُمْ والتَّنَعُّمَ (٥).
٣ - حتَّى يَكُونَ أنْجَبَ لِلْوَلَدِ وأصْفَى لِلذِّهْنِ (٦).
قَالَ الشَّيْخُ محمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وتَنْشِئَةُ الأوْلَادِ في البَادِيَةِ
_________________
(١) = ومسلم في صحيحه - كتاب الرضاعة - باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة - رقم الحديث (١٤٤٧) (١٢) (١٣).
(٢) الجَلَدُ: بفتح الجيم: القُوَّة. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٣) اخشَوْشَبَ الرجل: إذا كان صُلبًا خَشِنًا في دينه، ومَلْبسه، ومَطْعمه، وجَميع أحواله. انظر النهاية (٢/ ٣١).
(٤) يُقال: تَمَعْدَدَ الغُلام: إذا شَبَّ وغَلُظ. انظر النهاية (٤/ ٢٩١).
(٥) مَعدّ: بفتح الميم وتشديد الدال: هي قبيلة معروفة، وكان أهلها أهل غِلَظ، وقَشَف. انظر النهاية (٤/ ٢٩١).
(٦) أخرج قول عمر -﵁-: الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥/ ٣٣٩) - وإسناده صحيح.
(٧) انظر الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٨٧).
[ ١ / ٨٦ ]
لِيَمْرَحُوا في كَنَفِ الطَّبِيعَةِ، ويَسْتَمْتِعُوا بِجَوِّهَا الطَّلْقِ وشُعَاعِهَا المُرْسَلِ، أدْنَى إِلَى تَزْكِيَةِ الفِطْرَةِ، وإنْمَاءِ الأَعْضَاءِ والمَشَاعِرِ، وإطْلَاقِ الأَفْكَارِ والعَوَاطِفِ، . . . وكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّرْبِيَةِ يَوَدُّ لَوْ تَكُونُ الطَّبِيعَةُ هِيَ المَعْهَدُ الأَوَّلُ لِلطِّفْلِ حتَّى تَتَّسِقَ مَدَارِكُهُ مَعَ حَقَائِقِ الكَوْنِ الذِي وُجِدَ فِيهِ (١).
قَالَ أحْمَد شَوْقِي ﵀:
يا أفْصَحَ النَّاطِقِينَ الضَّادَ قَاطِبَةً حَدِيثُكَ الشَّهْدُ عِنْدَ الذَّائِقِ الفَهِمِ
حُلِّيتَ مِنْ عُطْلٍ جِيدَ البَيَانُ بِهِ فِي كُلِّ مُنْتَثِرٍ في حُسْنِ مُنْتَظِمِ
بِكُلِّ قَوْلٍ كَرِيمٍ أَنْتَ قَائِلُهُ تُحْيِي القُلُوبَ وتُحْيِي مَيِّتَ الهِمَمِ
* إقْبَالُ المَرَاضِعِ:
أقْبَلَتِ المَرَاضِعُ مِنَ البَادِيَةِ يَلْتَمِسْنَ تَرْبِيَةَ أَوْلَادِ الأَشْرَافِ، فَاسْتَرْضَعَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لِحَفِيدِهِ -ﷺ- امْرَأَةً مِنْ قَبِيلَةِ سَعْدِ بنِ بَكْرٍ، وهِيَ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّةُ (٢)، وزَوْجُهَا الحَارِثُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، المُكَنَّى بِأَبِي كَبْشَةَ مِنْ نَفْسِ القَبِيلَةِ.
_________________
(١) فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي ص ٦٠.
(٢) هي حَلِيمة بنتُ أبي ذؤيب السَّعدية من مُضَر، أرضعَتْ رسول اللَّه -ﷺ- ثمَّ قَدِمت مع زوجها على النبي -ﷺ- عَقِبَ حنين، فقام إليها، وبَسَطَ لها رِدَاءَهُ فجلست عليه، وأسلمت هي وزوجها الحارث ﵄. انظر الإصابة (٨/ ٨٧).
[ ١ / ٨٧ ]
* قِصَّةُ حَلِيمَةَ في اسْتِرْضَاعِهِ -ﷺ-:
تَذْكُرُ حَلِيمَةُ قِصَّةَ رَضَاعِهَا لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فتَقُولُ: خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وابنٍ لَهَا صَغِيرٍ تُرْضِعُهُ، في نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ بِمَكَّةَ، قالَتْ: وذَلِكَ في سَنَةٍ شَهْبَاءَ (١)، لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ عَلَى أتَانٍ (٢) لِي قَمْرَاءَ (٣)، مَعَنَا شَارِفٌ (٤) لنَا وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ (٥)، ومَا نَنَامُ لَيْلَنَا أجْمَعَ مِنْ صَبِيِّنَا الذِي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ منَ الجُوعِ، ومَا فِي ثَدْيَيَّ مَا يُغْنِيهِ، ومَا فِي شَارِفِنا ما يُغَذِّيهِ ولَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الغَيْثَ، والفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أتَانِي تِلْكَ فَلَقَدْ أدَمْتُ الرَّكْبَ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وعَجَفًا (٦)، حتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إلَّا وقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَتَأْبَاهُ، إِذَا قِيلَ لَهَا أَنَّهُ يَتِيمٌ، وذَلِكَ أنَّا إِنَّمَا كُنَّا نَرْجُو المَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ، ومَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أمُّهُ وَجَدُّهُ؟ فكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ، فَمَا بَقِيَتِ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الاِنْطِلَاقَ، والذَّهَابَ، قُلْتُ لِصَاحِبِي: وَاللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي، ولَمْ
_________________
(١) سَنَةٌ شَهْبَاءُ: أي ذاتُ قَحْطٍ، وجَدْب، والشَّهْباء هي الأرض البَيْضاء التي لا خُضْرَة فيها لِقِلَّةِ المَطَر. النهاية (٢/ ٤٥٧).
(٢) الأتانُ: الحمارَة الأنثى خاصة. النهاية (١/ ٢٥).
(٣) القَمْرَاءُ: أي الشديدُ البياض. النهاية (٤/ ٩٣).
(٤) الشَّارِفُ: هي الناقة المُسِنَّةُ. النهاية (٢/ ٤١٥).
(٥) ما تَبِضُّ بقَطْرَةٍ: أي ما يَقْطُرُ منها لبن. النهاية (١/ ١٣١).
(٦) العَجَفُ: أي الهُزَالُ. النهاية (٣/ ١٦٩).
[ ١ / ٨٨ ]
آخُذْ رَضِيعًا، وَاللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ اليَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ، قَالَ: لا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً.
قَالَتْ: فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فأخَذْتُهُ، ومَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إلَّا أنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ.
قالَتْ: فَلَمَّا أَخَذْتُهُ، رَجَعْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ في حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حتَّى رَوِيَ، وشَرِبَ مَعَهُ أخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، ثُمَّ نَامَا، ومَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا هِيَ حَافِلٌ (١) فَحَلَبَ مِنْهَا وشَرِبَ، وشَرِبْتُ مَعَهُ حتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، قَالَتْ: يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أصْبَحْنَا: تَعْلَمِي واللَّهِ يا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قالَتْ: فقُلْتُ واللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ، قالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا ورَكِبْتُ أتَانِي، وحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا مَعِي، فَوَاللَّهِ لَقَطَعْتُ بِالرَّكْبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ حتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَيْحَكِ أَرْبِعِي عَلَيْنَا (٢)، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أتَانُكِ التِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟
فأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاللَّهِ، إنَّهَا لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا.
قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ، ومَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ (٣) مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ حِينَ قَدِمْنَا بهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبّنًا،
_________________
(١) نَاقَةٌ حَافِلٌ: أي كثيرة اللبن. النهاية (١/ ٣٩٣).
(٢) أرْبِعِي: أي ارفُقِي واقْتَصِري. النهاية (٢/ ١٧٢).
(٣) يُقال أرضٌ جَدْبَاء: أي لا نَبَات بها. انظر النهاية (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ٨٩ ]
فَنَحْلِبُ ونَشْرَبُ، ومَا يَحْلِبُ إنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، ولَا يَجِدُهَا في ضَرْعٍ، حَتَّى كَانَ الحَاضِرُونَ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمْ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ فَتَرُوحُ أغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبّنًا (١).
فَهَذِهِ مِنْ بَرَكَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، وزَوْجِهَا الحَارِثِ.
ولَمْ يَزَلِ الرَّسُولُ -ﷺ- عِنْدَ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ حتَّى مَضَتْ سَنَتَاهُ -ﷺ- وفَطَمَتْهُ
_________________
(١) أخرج قِصَّةَ استِرْضَاعِ رسول اللَّه -ﷺ- في بادِيَةِ بَنِي سعد: ابن حبَّان في صحيحه - رقم الحديث (٦٣٣٥) بإسناد منقطع - وابن إسحاق في السيرة (١/ ١٩٩) وجَوّد إسناده الذهبي في سيرته (١/ ٥٢). وضعف الألباني هذا الخبر في كتابه "دِفَاعٌ عن الحديثِ النَّبوي والسيرة". قُلت: وهناك شواهد كثيرة وثابتة، تدل على استرضاع الرسول -ﷺ- في بادية بني سعد منها: * ما رواه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٦٢) (٢٦١) - في قصة شقِّ صدره -ﷺ- وهو غُلام، وهي تتفق مع رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٦٤٨) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٢٨٨) - وابن إسحاق (١/ ٢٠١) بسند حسن في شق صدره -ﷺ- وهو مُسْتَرضَعٌ في بادية بني سعد. * ومنها ما رواه ابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٠٣) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٦٧٩) بَسَندٍ جيِّد قَوِي، عن خالد بن مَعْدان، عن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- قالوا: يا رسول اللَّه أخبرنا عن نفسك؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "نَعم أنا دَعْوة أَبِي إبراهيم، وبُشرى عِيسى ﵇، ورأتْ أمِّي حيثُ حَمَلت بي أنَّه خرَج منها نُورٌ أضاءَتْ لهُ قُصُور الشَّام، واستُرْضِعْتُ في بَنِي سعدِ بن بَكْرٍ. . .". * ومنها ما رواه ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٤١) بسند حسن في قِصَّة قُدُوم وفْدِ هَوَازِن إلى الرسول وهو بالجِعرانة مُنْصَرَفَهُ من حُنين، ولفظه: . . . فقام رجل من هَوَازن، ثُمَّ أَحَدُ بني سعد بن بكر، فقال: يا رسول اللَّه، إنَّما في الحَظَائِرِ -أي الأسر- عَمَّاتُكَ وخَالاتُكَ وحَوَاضِنُكَ اللاتي كُنَّ يَكْفَلْنَكَ.
[ ١ / ٩٠ ]
وَكَانَ -ﷺ- يَشِبُّ شَبَابًا لا يُشْبِهُ الغِلْمَانَ فَلَمْ تَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حتَّى كَانَ غُلَامًا كَأَنَّهُ ابنُ أرْبَعِ سِنِينَ.
قَالَتْ حَلِيمَةُ ﵂: فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى يُرِيَنَا البَرَكَةَ ونَتَعَرَّفُهَا، حتَّى بَلَغَ -ﷺ- سَنَتَيْنِ، فَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لا يَشِبُّهُ الغِلْمَانُ (١).
وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: فَكَانَ -ﷺ- يَشِبُّ في يَوْمِهِ شَبَابَ الصَّبِيِّ في الشَّهْرِ ويَشِبُّ في الشَّهْرِ شَبَابَ الصَّبِيِّ في سَنَةٍ (٢).
قَالَ البَرْدُونِيُّ:
وَشَبَّ طِفْلُ الْهُدَى المَنْشُودِ مُتَّزِرًا بِالْحَقِّ مُتَّشِحًا (٣) بِالنُّورِ وَالنَّارِ
فِي كَفِّهِ شُعْلَةٌ تَهْدِي وفِي فَمِهِ بُشْرَى وفِي عَيْنَيْهِ إِصْرَارُ أَقْدَارِ
وفِي مَلَامِحِهِ وَعْدٌ وفِي دَمِهِ بُطُولَةٌ تَتَحَدَّى كُلَّ جَبَّارِ (٤)
قالَتْ حَلِيمَةُ: فَقَدِمْنَا بهِ عَلَى أُمِّهِ زَائِرِينَ لَهَا، ونَحْنُ أحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا، لِمَا كُنَّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ، فكَلَّمْنَا أُمَّهُ، وقُلْتُ لَهَا: لَوْ تَرَكْتِ بُنَيَّ عِنْدِي حتَّى يَغْلَظَ، فإنِّي أخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب صفته -ﷺ- وأخباره - رقم الحديث (٦٣٣٥) - وإسناده منقطع، لكن للقصَّة شواهد كثيرةٌ ثابتةٌ صحيحةٌ كما مَرَّ قبل قليل.
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للذهبي (١/ ٥١).
(٣) تَوَشَّحَ الرجل بِثَوبِهِ: إذا لبسه. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٠٦).
(٤) انظر ديوان البردوني ص ٥٠٧.
[ ١ / ٩١ ]
قَالَتْ حَلِيمَةُ: فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حتَّى رَدَّتْهُ مَعَنَا (١).
وَهَكَذَا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى بَادِيَةِ بَنِي سَعْدٍ.
* * *
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٠١) - السِّيرة النَّبوِيَّة للذهبي (١/ ٥١) - وجود الذهبي إسناده.
[ ١ / ٩٢ ]
حَادِثَةُ شَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ -ﷺ-
وَقَعَتْ حَادَثِةُ شَقِّ صَدْرِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وهُوَ فِي بَادِيَةِ بَنِي سَعْدٍ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في المُسْنَدِ، والحَاكِمِ فِي المُسْتَدْرَكِ عَنْ عُتْبَةَ بنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ أوَّلُ شَأْنِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
فقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَانَتْ حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ، فَانْطَلَقْتُ أنَا وابْنٍ لَهَا فِي بَهْمٍ (١) لنَا، ولَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَادًا، فَقُلْتُ: يا أَخِي، اذْهَبْ فَأْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا (٢)، فَانْطَلَقَ أَخِي، ومَكَثْتُ عِنْدَ الْبَهْمِ، فَأَقْبَلَ طَيْرَانِ أبْيَضَانِ، كَأَنَّهُمَا نَسْرَانِ، فقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَقْبَلَا يَبْتَدِرَانِي (٣)، فَأَخَذَانِي فَبَطَحَانِي إِلَى القَفَا، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي، فَشَقَّاهُ، فأخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ، فقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ائْتِنِي بِمَاءِ ثَلْجٍ، فَغَسَلَا بِهِ جَوْفِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِمَاءِ بَرَدٍ، فَغَسَلَا بِهِ قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِالسَّكِينَةِ، فَذَرَّاهَا (٤) فِي قَلْبِي، ثُمَّ
_________________
(١) البَهْمُ: بفتح الباء: جَمْع بَهْمَة، وهي ولد الضَّأْنِ الذكر والأنثى. انظر النهاية (١/ ١٦٥).
(٢) هي حَلِيمة السعدية ﵂.
(٣) تَبَادَرَ القَوْم: أسْرَعُوا. انظر لسان العرب (١/ ٣٤٠).
(٤) ذَرَّاها: أي نَثَرها.
[ ١ / ٩٣ ]
قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حُصْهُ، فَحَاصَهُ (١)، وخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، . . . ثُمَّ انْطَلَقَا وتَرَكَانِي، وَفَرِقْتُ (٢) فَرَقًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا بِالذِي لَقِيتُهُ، فأشْفَقَتْ عَلَيَّ أَنْ يَكُونَ أُلْبِسَ (٣) بِي، قَالَتْ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ، فَرَحَلَتْ بَعِيرًا لَهَا، وَحَمَلَتْنِي عَلَى الرَّحْلِ، ورَكِبَتْ خَلْفِي حتَى بَلَغْنَا إِلَى أُمِّي، فقَالَتْ: أَوَأَدَّيْتُ أَمَانَتِي وذِمَّتِي؟ وحَدَّثَتْهَا بِالذِي لَقِيتُ، فَلَمْ يَرُعْهَا ذَلِكَ، وقَالَتْ: إنِّي رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ" (٤).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أتَاهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءَ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ (٥)، ثُمَّ أَعَادَهُ في مَكَانِهِ، وجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرِهِ (٦)، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلْ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وهُوَ مُنْتَقِعُ (٧) اللَّوْنِ.
_________________
(١) حَاصَهُ: خَاطَهُ. انظر لسان العرب (٣/ ٣٩٤).
(٢) الفَرَقُ: بالتَّحريك الخوف والفزع. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
(٣) أُلْبِسَ: أي خُولِطْتُ في عَقْلي. انظر النهاية (٤/ ١٩٦).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٦٤٨) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٢٨٨) - وأورد الإمام الذهبي في سيرته (١/ ٥٢) - وصحح إسناده - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٠٣) عن خالد بن معدان بسند حسن، وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٦٧٩) - وقال: وهذا إسناده جيد قوي.
(٥) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٨٧): أي جمعه وضمَّ بعضه على بعض.
(٦) الظِّئْرُ: المُرْضِعَةُ غير ولدها. انظر النهاية (٣/ ١٤٠).
(٧) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٨٧): مُنْتَقِعُ اللون: أي مُتَغَيِّر اللون.
[ ١ / ٩٤ ]
قَالَ أنَسٌ: وقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ المَخِيطِ فِي صَدْرِهِ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: والحِكْمَةُ مِنْ شَقِّ صَدْرِهِ -ﷺ- وهُوَ صَغِيرٌ: نَزْعُ العَلَقَةِ السَّوْدَاءَ التِي مِنْ حَظِّ الشَّيْطَانِ مِنْ كُلِّ بَشَرٍ، ثُمَّ إِخْرَاجُهَا بَعْدَ خَلْقِهَا كَرَامَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، فَهُوَ أَدَلُّ عَلَى مَزِيدٍ مِنَ الرِّفْعَةِ وَالكَرَامَةِ، وبِنَزْعِهَا مِنْهُ نَشَأَ -ﷺ- عَلَى أَكْمَلِ الأَحْوَالِ مِنَ العِصْمَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ (٢).
* عُمُرُ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَمَا شُقَّ صَدْرُهُ:
ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَنَّ عُمُرَ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَمَا شُقَّ صَدْرُهُ الشَّرِيفُ، ابْنُ سَنَتَيْنِ، ولَفْظُهُ: قالَتْ حَلِيمَةُ: فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا (٣).
وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: أَنَّ عُمُرَهُ -ﷺ- عِنْدَمَا شُقَّ صَدْرُهُ الشَّرِيفُ، أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ، ولَفْظُهُ: قَالَتْ حَلِيمَةُ: وَلَمَّا بَلَغَ أرْبَعَ سِنِينَ كَانَ يَغْدُو مَعَ أَخِيهِ وأُخْتِهِ فِي الْبَهْمِ. . . (٤).
قَالَ الزَّرْقَانِيُّ في شَرْحِ المَوَاهِبِ: والرَّاجِحُ أَنَّ شَقَّ صَدْرِهِ -ﷺ- كَانَ فِي
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- إلى السموات - رقم الحديث (١٦٢) (٢٦١).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٦٠٤).
(٣) استَجْفَرَ الصَّبِيُّ: إذا قَوِي على الأكل، وأصله في أوْلَادِ المَعْزِ إذا بلغَ أربعةَ أشْهُرٍ، وفُصِل عن أمِّهِ، وأخذ في الرعي، قيل له: جَفْر. انظر النهاية (١/ ٢٦٨). وانظر الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٢٠١).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٥٣).
[ ١ / ٩٥ ]
الرَّابِعَةِ، كمَا جَزَمَ بهِ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ في نَظْمِ السِّيرَةِ (١)، وتِلْمِيذُهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في سِيرَتِهِ، وهِيَ صَغِيرَةٌ مُفِيدَةٌ (٢).
* تَكْرَارُ شَقِّ الصَّدْرِ:
وقَدْ تَكَرَّرَ شَقُّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ -ﷺ- غَيْرَ هَذِهِ المَرَّةِ، فَمِنْهَا:
* المَرَّةُ الثَّانِيَةُ: وهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ -ﷺ-:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁-: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁- كَانَ جَرِيئًا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَوَّلُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟
فَاسْتَوَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسًا، فَقَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ أبَا هُرَيْرَةَ، إنِّي لَفِي صَحْرَاءٍ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وأشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا لِخَلْقٍ قَطُّ، وأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ، فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَضُدِي (٣)، لَا أَجِدُ لِأَخْذِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا
_________________
(١) ولفظهُ: أَقامَ في سَعْدِ بنِ بَكْر عِندَهَا أَربعةً سنينَ تَجْنِي سَعْدَهَا وَحينَ شَقَ صَدَرهُ جِبريلُ خَافَتْ عَليهِ حَدثًا يَؤُولُ
(٢) انظر شرح المواهب (١/ ٢٨٢).
(٣) العَضُدُ: ما بين الكتف والمرفق. انظر النهاية (٣/ ٢٢٨).
[ ١ / ٩٦ ]
لِصَاحِبِهِ: افْلُقْ (١) صَدْرَهْ، فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي، فَفَلَقَهَا فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجْ الغِلَّ والحَسَدَ، فأخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ العَلَقَةِ، ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الذِي أَخْرَجَ يُشْبِهُ الفِضَّةَ، ثُمَّ هَزَّ إبْهَامَ رِجْلِيَ اليُمْنَى، فَقَالَ: اغْدُ وَاسْلَمْ، فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو بِهِ رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ ورَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" (٢).
* المَرَّةُ الثَّالِثَةُ: عِنْدَ المَبْعَثِ:
روَى الطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . هَبَطَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى الأَرْضِ، فَسَلَقَنِي لِحَلَاوَةِ القَفَا (٣)، وشَقَّ عَنْ بَطْنِي، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أعَادَهُ فِيهِ، ثُمَّ كَفَأَنِي كَمَا يَكْفَأُ الإِنَاءَ، ثُمَّ خَتَمَ فِي ظَهْرِي حَتَّى وَجَدْتُ مَسَّ الخَاتَمِ، ثُمَّ قَالَ لِي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ولَمْ أَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ" (٤).
* المَرَّةُ الرَّابِعَةُ: عِنْدَ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وأنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا
_________________
(١) الفَلْقُ: الشَّقُّ. انظر النهاية (٣/ ٤٢٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٢٦١).
(٣) سَلَقَنِي لِحَلَاوَةِ القَفَا: أي أضْجَعَني على وسط القَفَا، لم يَمِلْ بي إلى أحَدِ الجَانِبَيْنِ. انظر النهاية (١/ ٤١٨).
(٤) أخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٦٤٣).
[ ١ / ٩٧ ]
فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ. . ." وذَكَرَ حَدِيثَ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: ثُمَّ وَقَعَ شَقُّ الصَّدْرِ عِنْدَ إِرَادَةِ العُرُوجِ بِهِ -ﷺ- إِلَى السَّمَاءِ لِيَتَأَهَّبَ لِلْمُنَاجَاةِ (٢).
ويَتَرَجَّحُ لَدَيْنَا -بَعْدَ دِرَاسَةِ أسَانِيدِ هَذِهِ الأحَادِيثِ- أَنَّ الذِي صَحَّ فِي هَذِهِ الحَادِثَةِ -أَيْ حَادِثَةِ شَقِّ الصَّدْرِ- أَنَّهَا وَقَعَتْ لَهُ -ﷺ- مَرَّتَيْنِ:
الأُولَى: وهُوَ صَغِيرٌ عِنْدَ ظِئْرِهِ فِي بَنِي سَعْدٍ، كَمَا فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ -﵁-.
والثَّانِيَةُ: فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، ومَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄ (٣).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وجَمِيعُ مَا وَرَدَ فِي شَقِّ الصَّدْرِ، واسْتِخْرَاجِ القَلْبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ مِمَّا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ دُونَ التَّعَرُّضِ لِصَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِصَلَاحِيَةِ القُدْرَةِ، فَلَا يَسْتَحِيلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب كيف فُرضت الصلوات في الإسراء؟ - رقم الحديث (٣٤٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- إلى السماوات - رقم الحديث (١٦٣). ورواه البخاري في صحيحه من طريق مالك بن صعصعة -﵁- كتاب مناقب الأنصار - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- إلى السماوات - رقم الحديث (١٦٤).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٦٠٤).
(٣) انظر الموسوعة الحديثية (١٩/ ٢٥٢).
(٤) انظر فتح الباري (٧/ ٦٠٥).
[ ١ / ٩٨ ]
وَلَعَلَّ أحَادِيثَ شَقِّ الصَّدْرِ تُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الحَصَانَاتِ التِي أَضْفَاهَا اللَّهُ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ-، فَجَعَلَتْهُ مِنْ طُفُولَتِهِ بِنَجْوَةٍ قَصِيَّةٍ عَنْ مَزَالِقِ الطَّبْعِ الإِنْسَانِيِّ، ومَفَاتِنِ الحَيَاةِ الأَرْضِيَّةِ (١).
* خَاتَمُ النُّبُوَّةِ:
وهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قِطْعَةِ لَحْمٍ نَاتِئَةٍ، عَلَيْهَا شَعْرٌ عِنْدَ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ -ﷺ-، حَجْمُهَا قَدْرُ بَيْضَةِ الحَمَامَةِ (٢).
وهَذَا الخَاتَمُ الذِي يُعْرَفُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، هُوَ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِهِ -ﷺ- النَّبَوِيَّةِ في الكُتُبِ السَّابِقَةِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قِصَّةُ بَحِيرَا الرَّاهِبِ، وَقِصَّةُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ -﵁-، كَمَا سَيَأْتِي.
وهَذَا الخَاتَمُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ وُلِدَ -ﷺ-، وَإِنَّمَا تَكَوَّنَ بَعْدَ الوِلَادَةِ، وأنَّهُ عَلَى الأَصَحِّ كَانَ بَعْدَ حَادِثَةِ شَقِّ الصَّدْرِ، وهُوَ صَغِيرٌ -ﷺ- (٣).
قَالَ العُلَمَاءُ: والسِّرُّ في وَضْعِ الخَاتَمِ عِنْدَ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ -ﷺ- أَنَّ القَلْبَ فِي تِلْكَ الجِهَةِ؛ ولِأَنَّهُ -ﷺ- مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وذَلِكَ المَوْضِعُ يَدْخُلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ (٤).
_________________
(١) انظر فقه السيرة ص ٦٣ للشيخ محمد الغزالي ﵀.
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٢٥٤).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٢٥٥).
(٤) انظر فتح الباري (٧/ ٢٥٦) - الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٩٤) - صحيح مسلم بشرح النووي (٨/ ٨٠).
[ ١ / ٩٩ ]
رَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيِحِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ العَوَقِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ -﵁- عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَعْنِي خَاتَمَ النُّبُوَّةِ- فَقَالَ: كَانَ فِي ظَهْرِهِ بِضْعَةٌ نَاشِزَةٌ (١).
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ -﵁- قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، ودَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ (٢).
ورَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ خَاتَمًا فِي ظَهْرِ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامٍ (٣).
وأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَرْجَسٍ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا. أَوْ قَالَ: ثَرِيدًا، . . . قَالَ: ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ،
_________________
(١) بِضْعَةٌ ناشِزَةٌ: أي قِطْعَةُ لَحْمٍ مُرْتَفِعَةٌ عنِ الجِسْمِ. انظر النهاية (٥/ ٤٨). والحديث أخرجه الترمذي في: الشمائل - رقم الحديث (٢٢) - وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٢٠٩٣).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨/ ٨٠): الحَجَلَةُ: واحدة الحِجال، وهي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعُرى هذا هو الصواب المشهور الذي قاله الجمهور. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب خاتم النبوة - رقم الحديث (٣٥٤١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب إثبات خاتم النبوة وصفته - رقم الحديث (٢٣٤٥).
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب إثبات خاتم النبوة وصفته - رقم الحديث (٢٣٤٥).
[ ١ / ١٠٠ ]
فنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، عِنْدَ نَاغِضِ (١) كَتِفِهِ اليُسْرَى، جُمْعًا (٢) عَلَيْهِ خِيَلَانُ (٣) كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ (٤).
ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اقْتَرِبْ مِنِّي"، فَاقْتَرَبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: "أَدْخِلْ يَدَكَ، فَامْسَحْ ظَهْرِي".
قَالَ: فَأَدْخَلْتُ يَدِيَ فِي قَمِيصِهِ، فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ، فَوَقَعَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ إِصْبَعِي، قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ؟
فَقَالَ: شَعَرَاتٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
وفِي رِوَايَةِ الحَاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ: قَالَ -﵁-: شَعَرٌ مُجْتَمِعُ عِنْدَ كَتِفَيْهِ (٥).
* رِوَايَاتٌ ضَعِيفَةٌ:
روَى ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄،
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨٠/ ١٥): الناغِضُ: هو أَعْلى الكَتِفِ.
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨٠/ ١٥): جُمْعًا: فمعناه كجمعِ الكَفِّ وهو صُورته بعد أَنْ تُجْمَعَ الأصابعُ وتَضُمها.
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨٠/ ١٥): الخِيَلان: جمع خَالٍ وهوَ الشَّامَةُ في الجسد.
(٤) الثَّآليلُ: جمعُ ثُؤْلُولٍ: وهوَ هذهِ الحَبَّةُ التي تَظْهَرُ في الجلد كالحمّصَة فما دونها. انظر النهاية (١/ ٢٠٠). والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب إثبات خاتم النبوة وصفته - رقم الحديث (٢٣٤٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٧٧٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٧٣٢) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٢٥٤).
[ ١ / ١٠١ ]
قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فِي ظَهْرِ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِثْلَ البُنْدُقَةِ مِنْ لَحْمٍ، عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (١).
قال الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهَا -يُرِيدُ الخَاتَمَ- كَانَتْ كَأَثَرِ مِحْجَمٍ (٢)، أَوْ كَالشَّامَةِ السَّوْدَاءَ، أَوِ الخَضْرَاءِ، أَوْ مَكْتُوب عَلَيْهَا: "مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ"، أَوْ "سِرْ فَأَنْتَ مَنْصُورٌ"، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا شَيْءٌ، ولَا تَغْتَرَّ بِمَا وَقَعَ مِنْهَا فِي صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ، فَإِنَّهُ غَفَلَ حَيْثُ صَحَّحَ ذَلِكَ، واللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* عَوْدَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى أُمِّهِ الحَنُونِ آمَنَةَ:
وَبَعْدَ حَادِثِ شَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ -ﷺ- خَشِيَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَرَدَّتْهُ إلَى أُمِّهِ، وكَانَ قَدْ بَلَغَ -ﷺ- مِنَ العُمُرِ خَمْسَ سَنَوَاتٍ.
قَالَتْ حَلِيمَةُ: قَالَ لِي أَبُوهُ (أيْ زَوْجُهَا الحَارِثُ): يا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ، فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ.
قالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ آمِنَةُ لِحَلِيمَةَ: مَا أَقْدَمَكِ بِهِ،
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب صفة رسول اللَّه -ﷺ- وأخباره - رقم الحديث (٦٣٠٢).
(٢) المِحْجَمُ: بكسر الميم: الآلةُ التي يجتمع فيها دَمُ الحِجَامة عند المَصِّ. انظر النهاية (١/ ٣٣٥).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٢٥٦).
[ ١ / ١٠٢ ]
وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ، وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ حَلِيمَةُ: إنَّهُ قَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الذِي عَلَيَّ، وتَخَوَّفْتُ الأَحْدَاثَ عَلَيْهِ، فَأَدَّيْتُهُ إِلَيْكِ كَمَا تُحِبِّينَ، فَقَالَتْ آمِنَةُ: مَا هَذَا شَأْنُكِ، فَأَصْدِقِينِي خَبَرَكِ.
قالَتْ حَلِيمَةُ: فَلَمْ تَدَعْنِي حتَّي أَخْبَرتُهَا، فقَالَتْ آمِنَةُ: أَفتَخَوَّفْتِ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟
قالَتْ حَلِيمَةُ: نَعَمْ، فَقَالَتْ آمِنَةُ: كَلَّا، وَاللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، وَإِنَّ لِابْنِي لَشَأْنًا دَعِيهِ عَنْكِ (١)
* وَفَاةُ آمِنَةَ أُمِّ النَّبِيِّ -ﷺ-:
ولَمَّا بَلَغَ -ﷺ- سِتَّ سِنِينَ تُوُفِّيَتْ وَالِدَتُهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ بِالْأَبْوَاءَ (٢)، وهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ زِيَارَةٍ قَامَتْ بِهَا مَعَهُ -ﷺ- إلَي أَخْوَالِ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، بِالْمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ (٣).
_________________
(١) أخرج قصة استرضاع رسول اللَّه -ﷺ- عند حليمة السعدية: ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٦٣٣٥) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٠٢) - وسندها منقطع، لكن للقِصَّة شواهد صحيحة -كما ذكرنا- تدل علي صحة القصة.
(٢) الأبْوَاءُ: سُمِّيت بذلك: لتَبَوُّءَ السُّيُول بها، وهي قَرْيَةٌ مِنْ أعمال الفُرع من المدينة، بينها وبين الجُحْفَةِ مما يَلِي المدينة ثلاثة وعشرون مِيلًا، وقيل: الأبواء جَبَل على يَمين آرَةَ، ويمين الطريق للمصعد إلى مكة من المدينة، وهناك بلد يُنْسب إلى هذا الجبل. انظر معجم البلدان (١/ ٧٣).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٠٤).
[ ١ / ١٠٣ ]
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ -ﷺ- آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ ولَهُ مِنَ العُمُرِ سِتُّ سِنِينَ (١).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ولا خِلَافَ أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ "بِالْأَبْوَاءِ" مُنْصَرَفَهَا مِنَ المَدِينَةِ مِنْ زِيَارَةِ أَخْوَالِهِ، ولَمْ يَسْتَكْمِلْ إِذْ ذَاكَ سَبْعَ سِنِينَ (٢).
* زِيَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَبْرَ أمِّهِ:
وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَزُورُ قَبْرَ أُمِّهِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي" (٣).
ورَوَي الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فنَزَلَ بِنَا، ونَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، وعَيْنَاهُ
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٨/ ٤٢٦).
(٢) انظر زاد المعاد (١/ ٧٥).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب استئذان النبي -ﷺ- ربه ﷿ في زيارة قبر أمه - رقم الحديث (٩٧٦) - وأخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٩٦٨٨).
[ ١ / ١٠٤ ]
تَذْرِفَانِ (١) فَقَامَ إلَيهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، فَفَدَّاهُ بِالْأَبِ والأُمِّ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ؟
قال -ﷺ-: "إنِّي سَأَلْتُ رَبِّي في الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنَ النَّارِ" (٢).
* * *
_________________
(١) ذَرَفَتِ العَيْنُ: إذا جرى دمعها. انظر النهاية (٢/ ١٤٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠٠٣).
[ ١ / ١٠٥ ]
كَفَالَةُ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
لَمَّا تُوُفِّيَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ أُمُّ النَّبِيِّ -ﷺ- رَجَعَتْ أُمُّ أَيْمَنَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى مَكَّةَ، فَضَمَّهُ، وَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ، ورَقَّ عَلَيْهِ رِقَّةً لَمْ يَرِقَّهَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَكَانَ يُقَرِّبُهُ مِنْهُ ويُدْنِيهِ، ويَدْخُلُ عَلْيِه إِذَا خَلَا، وَإِذَا نَامَ، وَكَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا قَالَ: عَلَيَّ بِابْنِي فَيُؤْتَى بِهِ -ﷺ- إِلَيْهِ (١).
* قِصَّة تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِلرَّسُولِ -ﷺ-:
رَوَي الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ كِنْدِيرِ بنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَجَجْتُ في الجَاهِلِيَّةِ، فَإِذَا أنَا بِرَجُلٍ يَطُوفُ بالبَيْتِ، وهُوَ يَرْتَجِزُ، ويَقُولُ:
رَبِّ رُدَّ إِلَيَّ رَاكِبِي مُحَمَّدَا رُدَّهُ إِلَيَّ وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
فقَالُوا: عَبْدُ المُطَّلِبِ بنُ هَاشِمٍ، بَعَثَ بِابْنِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ، ولَمْ يَبْعَثْهُ فِي حَاجَةٍ إِلَّا أَنْجَحَ (٢) فِيهَا، وقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ مُحَمَّدٌ والْإِبِلُ، فَاعْتَنَقَهُ، وقَال: يَا بُنَيَّ لَقَدْ جَزِعْتُ عَلَيْكَ جَزَعًا لَمْ أَجْزَعْهُ عَلَى شَيْءٍ قَطُّ،
_________________
(١) انظر الطبقات لابن سعد (١/ ٥٥).
(٢) أنْجَحْتَ حَاجَتَهُ: إذا قَضَيْتَهَا له. انظر لسان العرب (١٤/ ٤٤).
[ ١ / ١٠٦ ]
وَاللَّهِ لا أَبْعَثُكَ فِي حَاجَةٍ أَبَدًا، وَلَا تُفَارِقُنِي بَعْدَ هَذَا أبدًا (١)
* جُلُوسُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى فِرَاشِ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
وكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ، فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، فكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ فِرَاشِهِ ذَلِكَ حتَّى يَخْرُجَ إِلَيْهِ، ولا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إجْلَالًا لِعَبْدِ المُطَّلِبِ فكَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- يَأْتِي وهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ، حتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذَهُ أعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ عَنْهُ، فيَقُولُ عَبْدُ المُطَّلِبِ: دَعُوا ابْنِي يَجْلِسُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لَشَأْنًا، ثُمَّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ، وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، وَيَسُرُّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ (٢).
* وَفَاةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
ولَمَّا بَلَغَ الرَّسُولُ -ﷺ- ثَمَانِي سَنَوَاتٍ تُوُفِّيَ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ.
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ كَانَ -ﷺ- في كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، إلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ العُمُرِ -ﷺ- ثَمَانِ سِنِينَ (٣).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَفِلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ، وتُوُفِّيَ ولرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوُ ثَمَانِ سِنِينَ (٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٢٤٠) - وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرج ذلك: البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٢) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٠٥) - وإسناده حسن.
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٨/ ٤٢٦).
(٤) انظر زاد المعاد (١/ ٧٥).
[ ١ / ١٠٧ ]
* كَفَالَةُ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-:
أَوْصَى عَبْدُ المُطَّلِبِ وَلَدَهُ أبَا طَالِبٍ بِكَفَالَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَحِفْظِهِ، وحِيَاطَتِهِ؛ وذَلِكَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهَ وَالِدَ الرَّسُولِ -ﷺ- وأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بنِ عَائِذٍ، فقَامَ أَبُو طَالِبٍ بِحَقِّ ابْنِ أَخِيهِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَضَمَّهُ إِلَى وَلَدِهِ، بَلْ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمْ (١).
رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ المُطَّلِبِ قَبَضَ أَبُو طَالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِ، فكَانَ يَكُونُ مَعَهُ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ لَا مَالَ لَهُ، وَكَانَ يُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حُبًّا شَدِيدًا لَا يُحِبُّهُ وَلَدَهُ، وَكَانَ لَا يَنَامُ إِلَّا إِلَى جَنْبِهِ، وَيَخْرُجُ فَيَخْرُجُ مَعَهُ، وَكَانَ يَخُصُّهُ بالطَّعَامِ، وَكَانَ إِذَا أَكَلَ عِيَالُ أَبِي طَالِبٍ جَمِيعًا، أَوْ فُرَادَى لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَبِعُوا، فكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغْذِيَهُمْ قَالَ: كَمَا أنْتُمْ حَتَّى يَحْضُرَ ابْنِي، فَيَأْتِي رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَأْكُلَ مَعَهُمْ (٢).
* سَفَرُ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى الشَّامِ مَعَ عَمِّهِ:
رَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا (٣)
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢١٦).
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١/ ٥٦) - وسندها ضعيف، لكن لِحُبِّ أبي طالب لرسول اللَّه -ﷺ- قصصًا صحيحة، منها ما ظَهَرَ في قِصَّةِ بَحيرا الراهب، كما سيأتي.
(٣) شَارَفَ الشَّيْءَ: دنَا منه وقَارَبَ أن يَظْفَرَ به. انظر لسان العرب (٧/ ٩١).
[ ١ / ١٠٨ ]
عَلَى الرَّاهِبِ (١) -يَعْنِي بَحِيرَا (٢) - هَبَطُوا (٣)، فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ، فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ العَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟
قَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ العَقَبَةِ (٤)، لَمْ تَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، ولَا يَسْجُدَانِ إلَّا لِنَبِيٍّ، وإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ (٥) كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أتَاهُمْ بِهِ، وكَانَ هُوَ -أَي الرَّسُولُ -ﷺ- فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ -أيْ إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ- فَأَقْبَلَ -ﷺ- وعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ القَوْمِ، وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ (٦)
_________________
(١) قال السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٣١٣): وقع في سيرة الإمام الزهري: أن بَحِيرا كان حَبْرًا من أحبَارِ يَهُودِ تَيْمَاء. وتعقبه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٦٩١) وقال: الذي يظهر من سِيَاقِ القِصَّةِ، أنه كان راهبًا نَصْرَانِيًّا، واللَّه أعلم.
(٢) قال الحافظ في الإصابة (١/ ٤٠٥): بَحِيرا بفتح الباء وكسر الحاء. قلت: جَزَم الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ٢٢٢)، في ترجمة سعيد بن عقبة: بأن بَحِيرا لم يُدْرِكِ البِعْثَةَ، وأقره علي ذلك الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٢٨٣).
(٣) هَبَطُوا: أي نَزَلُوا. انظر لسان العرب (١٥/ ١٨).
(٤) العَقَبَةُ: الطَّرِيقُ في الجَبَل. انظر لسان العرب (٩/ ٣٠٦).
(٥) غُضْرُوفُ الكَتِفِ: هو رأس لَوْحِه. انظر النهاية (٣/ ٣٣٣).
(٦) الفَيْءُ: الظِّلُّ. انظر لسان العرب (١٠/ ٣٦٠).
[ ١ / ١٠٩ ]
الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فقَالَ بَحِيرَا: انْظُرُوا إِلَي فَيْءَ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِم عَلَيْهِمْ، وهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟
قَالُوا: جِئْنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ في هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيق إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وإنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ، فَبُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا، فقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟
قالُوا: إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا.
قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ، هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟
قالُوا: لَا، قَالَ: فَبَايَعُوهُ، وأَقَامُوا مَعَهُ عِنْدَهُ.
قَالَ: فَقَالَ الرَّاهِبُ بَحِيرَا: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَيكُّمْ وَليُّهُ؟
قال أَبُو طَالِبٍ: فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وبَعَثَ مَعَهُ أبَا بَكْرٍ وَبِلَالًا ﵄، وزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الكَعْكِ والزَّيْتِ (١).
* اخْتِلَافُ العُلَمَاءِ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الحَدِيثِ:
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ في تَصْحِيحِ هذَا الحَدِيثِ، فَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ الحَافِظُ في الإِصَابَةِ، والحَاكِمُ، والأَلْبَانِيُّ.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب ما جاء في نبوة النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٨).
[ ١ / ١١٠ ]
قَالَ الحَافِظُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ القَسطَلَّانيُّ في المَوَاهِبِ: الحَدِيثُ رجَالُهُ ثِقَاتٌ، ولَيْسَ فِيهِ مُنْكَرٌ سِوَى هَذِهِ اللَّفْظَةٌ -وهِيَ ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ ﵄- فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ فِيهِ مُقْتَطَعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ، وَهْمًا مِنْ أَحَدِ رُواتِهِ (١).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَقَعَ فِي كتَابِ التِّرْمِذِيِّ، وغَيْرِهِ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُ بِلَالًا -﵁-، وهُوَ مِنَ الغَلَطِ الوَاضِحِ، فإِنَّ بِلَالًا -﵁- إِذْ ذَاكَ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُن مَوْجُودًا، وإنْ كَانَ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَ عَمِّهِ، وَلَا مَع أَبِي بَكْرٍ -﵁- (٢)
* إِنْكَارُ الإِمَامِ الذَّهَبِيِّ لِهَذِهِ القِصَّةِ:
أمَّا الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فَقَدْ أَنْكَرَ الحَدِيثَ، فَقَال: وهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا، وأَيْنَ كَانَ أَبُو بَكرٍ؟ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، فَإِنَّهُ أصْغَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ، وأَيْنَ كَانَ بِلَالٌ فِي هَذَا الوَقْتِ؟ فإنَّ أبَا بَكْرٍ لَم يَشْتَرِهِ إِلَّا بَعْدَ المَبْعَثِ، ولَمْ يَكُنْ وُلِدَ بَعْدُ، وأيْضًا، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَمِيلَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ؟
لِأَنَّ ظِلَّ الغَمَامَةِ يَعْدِمُ فَيْءَ الشَّجَرَةِ التِي نَزَلَ تَحْتَهَا، "ولَمْ نَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- ذَكَّر أبَا طَالبٍ قَطُّ بِقَوْلِ الراهِبِ، ولَا تَذَاكَرَتْهُ قُرَيْشٌ، ولا حَكَتْهُ أُولَئِكَ الأَشْيَاخُ، مَعَ تَوَفُّرِ هِمَمِهِمْ ودَوَاعِيهِمْ عَلَى حِكَايَةِ مِثلِ ذَلِكَ، فَلَوْ وَقَعَ لَاشْتَهَرَ
_________________
(١) انظر شرح المواهب (١/ ٣٧٦).
(٢) انظر زاد المعاد (١/ ٧٥).
[ ١ / ١١١ ]
بَيْنَهُمْ أَيَّمَا اشْتِهَارٍ، ولَبَقِيَ عِنْدَهُ -ﷺ- حِسُّ النُّبُوَّةِ، ولَمَا أَنْكَرَ مَجِيءَ الوَحْيِ إِلَيْهِ أَوَّلًا بِغَارِ حِرَاءٍ، وأتَى خَدِيجَةَ ﵂ خَائِفًا عَلَى عَقْلِهِ. . . وأَيْضًا فَلَوْ أَثَّر هَذَا الخَوْفُ فِي أَبِي طَالِبٍ وَرَدَّهُ، كَيْفَ كَانَتْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ
السَّفَرِ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا لِخَدِيجَةَ؟
وفِي الحَدِيثِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ، تُشْبِهُ ألْفَاظَ الطُرُقِيَّةِ (١)، مَعَ أَنَّ ابْنَ عَائِذٍ قَدْ رَوَى مَعْنَاهُ فِي مَغَازِيهِ دُونَ قَوْلهِ: وبَعَثَ مَعَهُ أبَا بَكْرٍ وَبِلَالًا (٢).
قُلْتُ: وَقَعَ عِنْدَ ابنِ إِسْحَاقَ (٣) بِنَحْوِ سِيَاقِ التِّرْمِذِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ ﵄، ولَكِنَّهَا بِدُونِ سَنَدٍ، فَيُسْتَأْنَسُ بِرِوَايَتِهِ لِإِمَامَتِهِ في المَغَازِي.
ورَحِمَ اللَّهُ أَحْمَد شَوْقِي حَيْثُ قَالَ:
لَمَّا رَآهُ بَحِيرَا قَالَ نَعْرِفُهُ بِمَا حَفِظْنَا مِنَ الْأَسْمَاءَ وَالسِّيَمِ (٤)
* رَعْيُهُ -ﷺ- للْغَنَمِ:
قَالَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: وكَانَ أَبُو طَالِبٍ لَا مَالَ لَهُ (٥).
_________________
(١) الطُّرُقِيَّة: هم الصُّوفِية.
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للإمام الذهبي (١/ ٥٨).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢١٧).
(٤) السيّم: جمع سيمة، وهي العلامة. انظر لسان العرب (٦/ ٤٤١). ومنه قوله تَعَالَى في سورة الفتح آية (٢٩): ﴿. . .سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
(٥) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٥٦).
[ ١ / ١١٢ ]
فَلَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ بَدَأَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَقَدِ اشْتَغَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي صِبَاهُ بِرَعْي الغَنَمِ، وَرَعَاهَا لِبَعْضِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَبِذَلِكَ ضَرَبَ مَثَلًا عَالِيًا مِنْ صِغَرِهِ فِي اكْتِسَابِ الرِّزْقِ بِالْكَدِّ، وَالتَّعَبِ.
قَالَ أَحْمَد شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي شَبَابِهِ لَا يَدَعُ الرِّزْقَ وَطَرْقَ بَابِهِ
أَيُّ رسُولٍ أَوْ نَبِيٍّ قَبْلَهُ لَمْ يَطْلُبِ الرِّزْقَ وَيَبْغِ سُبْلَهُ؟
مُوسَى الكَلِيمُ اسْتُؤْجِرَ اسْتِئْجَارًا وَكَانَ عِيسَى (١) فِي الصِّبَا نَجَّارًا
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ"، فقَالَ أصْحَاُبهُ: وأنْتَ؟ فقَالَ: "نَعَمْ، كنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ (٢) لِأَهْلِ مَكَّةَ" (٣).
ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ والطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ حَزْنٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بُعِثَ مُوسَى وَهْوُ رَاعِي غَنَمٍ،
_________________
(١) لم يَثْبُتْ أَنَّ عيسى ﵇ كان نَجارًا، وإنما كان كما قال اللَّه تَعَالَى في كتابه الكريم عنه: أنه يَشْفي المَرضى، ويُبْرِئُ الأكمه، ويُحْيِي الموتى بإذن اللَّه. وثبت في صحيح مسلم - رقم الحديث (٢٣٧٩) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "كَانَ زَكَرِيَّا نجارًا".
(٢) قال الحافظ في الفتح (٥/ ١٩٩): القِيرَاطُ: هو جُزْءٌ من الدِّينارِ والدِّرهم.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب السلم - باب الإجارة رقم الحديث (٢٢٦٢).
[ ١ / ١١٣ ]
وبُعِثَ دَاوُدُ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وبُعِثْتُ أَنَا، وأنَا أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِي بِأَجْيَادَ" (١).
* الحِكْمَةُ فِي رَعْيِ الأَنْبِيَاءِ ﵈ لِلْغَنَمِ:
قَالَ العُلَمَاءُ: الحِكْمَةُ فِي إِلْهَامِ الأَنْبِيَاءَ مِنْ رَعْيِ الغَنَمِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أمُورٌ، مِنْهَا:
١ - أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمُ التَّمَرُّنُ بِرَعْيِهَا عَلَى ما يَكْفُلُونَهُ مِنَ القِيَامِ بِأَمْرِ أُمَّتِهِمْ.
٢ - أَنَّ فِي مُخَالَطَتِهَا مَا يُحَصِّلُ لَهُمْ الحِلْمَ والشَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَعْيِهَا وَجَمْعِهَا بَعْدَ تَفَرُّقِهَا فِي المَرْعَى، وَنَقْلِهَا مِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَسْرَحٍ، ودَفع عَدُوِّهَا مِنْ سَبُعٍ وَغَيْرِهِ كالسَّارِقِ، وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعِهَا، وشدَّةَ تَفَرُّقِهَا مَعَ ضَعْفِهَا، وَاحْتِيَاجِهَا إِلَى المُعَاهَدَةِ أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْرَ عَلَى الأُمَّةِ، وعَرَفُوا اخْتِلَافَ طِبَاعِهَا وتَفَاوُتَ عُقُولهَا فَجَبَرُوا كَسْرَهَا، ورَفَقُوا بِضَعِيفِهَا، وأحْسَنُوا التَّعَاهُدَ لَهَا، فَيَكُونُ تَحَمُّلُهُمْ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ أسْهَلُ مِمَّا لَوْ كُلِّفوا القِيَامَ بِذَلِكَ مِنْ أوَّلِ وَهْلَةٍ، لِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ التَّدْرِيجِ عَلَى ذَلِكَ بِرَعْيِ الغَنَمِ.
٣ - خُصَّتِ الغَنَمُ بِذَلِكَ؛ لِكَوْنِهَا أَضْعَفَ مِنْ غَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّ تَفَرُّقَهَاَ أَكْثَرُ مِنْ تَفَرُّقِ الإِبِلِ والبَقَرِ؛ لِإِمْكَانِ ضبْطِ الإِبِلِ والبَقَرِ بِالرَّبْطِ دُونَهَا فِي العَادَةِ المَأْلُوفَةِ، ومَعَ أكْثَرِيَّةِ تَفَرُّقِهَا، فَهِيَ أَسْرَعُ انْقِيَادًا مِنْ غَيْرِهَا.
_________________
(١) أَجْيَادٌ: بفتح الهمزة وسكون الجيم، جَبَلٌ بِمَكَّةَ. انظر النهاية (١/ ٣١). والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٤٥٠) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٤٠٧).
[ ١ / ١١٤ ]
٤ - أَنَّ فِيهِ كَسْبًا مَادِّيًّا مِنْ عَمَلِ اليَدِ، وأفْضَلُ الكَسْبِ مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ اليَدِ.
فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ المِقْدَامِ بنِ مَعْدِي كَرِبَ الكِنْدِيِّ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قال: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا (١) مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" (٢).
٥ - وفِي ذِكْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ كَوْنُهُ أَكْرَمَ الخَلْقِ عَلَى اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ عَظيمِ التَّوَاضُعِ لِرَبِّهِ، والتَّصْرِيحِ بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ، وعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَال الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي الحَدِيثِ:
١ - فَضْلُ العَمَلِ بِالْيَدِ، وتَقْدِيمُ مَا يُبَاشِرُهُ الشَّخْصُ بِنَفْسِهِ عَلَى ما يُبَاشِرُهُ بِغَيْرِهِ.
٢ - والحِكْمَةُ في تَخْصِيصِ دَاوُدَ ﵇ بِالذِّكْرِ، أَنَّ اقْتِصَارَهُ فِي أَكْلِهِ عَلَى مَا يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الحَاجَةِ؛ لِأنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ، كَمَا
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٦): المراد بالخَيْرِيَّةِ ما يَسْتَلْزِمُ العمل باليدِ مِنَ الغنى عن الناس.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب البيوع - باب كسب الرجل وعمله بيده - رقم الحديث (٢٠٧٢).
(٣) انظر فتح الباري (٥/ ٢٠٠).
[ ١ / ١١٥ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١)، وَإِنَّمَا ابْتَغَى الأَكْلَ مِنْ طَرِيقِ الأَفْضَلِ، ولِهَذَا أَوْرَدَ النَّبِيُّ -ﷺ- قِصَّتَهُ في مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ خَيْرَ الكَسْبِ عَمَلُ اليَدِ، وهَذَا بَعْدَ تَقْرِيرِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لنَا، ولاسِيَّمَا إِذَا وَرَدَ في شَرْعِنَا مَدْحُهُ وتَحْسِينُهُ مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢).
٣ - وفِيهِ أَنَّ التَّكَسُّبَ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ.
٤ - وفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ أَوْقَعُ فِي نَفْسِ سَامِعِيهِ (٣).
* شُهُودُ النَّبِيِّ -ﷺ- حَرْبَ الفِجَارِ (٤):
وَلَمَّا بَلَغَ الرَّسُولُ -ﷺ- خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَقِيلَ عِشْرُونَ سَنَةً، هَاجَتْ حَرْبُ الفِجَارِ، وكَانَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ، وَمَنْ مَعَهَا مِنْ كِنَانَةَ، وبَيْنَ قَيْسٍ وَأحْلَافِهَا، وكَانَ قَائِدُ قُرَيْشٍ، وكِنَانَةَ: حَرْبُ بنُ أُمَيَّةَ، وَكَانَ الظَّفَرُ فِي أوَّلِ النَّهَارِ لِقَيْسٍ عَلَى قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ، حتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ كَانَ الظَّفَرُ لِقُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ عَلَى قَيْسٍ، وَقَدْ شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْضَ أيَّامِهِ، وكَانَ يَنْبُلُ عَلَى عُمُومَتِهِ: أيْ يُجَهِّزُ لَهُمُ النَّبْلَ لِلرَّمْي، وقِيلَ يَرُدُّ عَنْهُمْ نَبْلَ عَدُوِّهِمْ (٥).
_________________
(١) في سورة "ص" آية (٢٦).
(٢) سورة الأنعام آية (٩٠).
(٣) انظر فتح الباري (٥/ ٢٧).
(٤) الفِجَارُ: بكسر الفاء علي وزن قِتَال، سُمِّيت بذلك لِوُقُوعِهَا في الأشهرِ الحُرُمِ التي حرم اللَّه فيها القتال. انظر النهاية (٣/ ٣٧١).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٢١) بدون إسناد - وانظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٦٠).
[ ١ / ١١٦ ]
* شُهُودُ النَّبِيِّ -ﷺ- حِلْفَ الفُضُولِ:
قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ: كَانَ حِلْفُ الفُضُولِ أَكْرَمَ حِلْفٍ سُمعَ بِهِ، وأشْرَفَهُ في العَرَبِ (١).
وكَانَ هَذَا الحِلْفُ في ذِي القَعْدَةِ في شَهْرٍ حَرَامٍ، بَعْدَ حَرْبِ الفِجَارِ بِشَهْرٍ وقِيلَ بَأَرْبَعِ أَشْهُرٍ.
وسَبَبُ هَذَا الحِلْفِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ (زُبَيْدٍ) بِالْيَمَنِ قَدِمَ مَكَّةَ ببضَاعَةٍ فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ العَاصُ بنُ وَائِلٍ، وأَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ، فَاستَدْعَى عَلَيْهِ الزُّبَيْدِيُّ الأَحْلَافَ: عَبْدَ الدَّارِ، ومَخْزُومًا، وجُمَحًا، وَسَهْما، وَعَدِيَّ بنَ كَعْبٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُوهُ عَلَى العَاصِ بنِ وَائِلٍ، وَانْتَهَرُوهُ.
فلَمَّا رَأَى الزُّبَيْدِيُّ الشَّرَّ، صَعِدَ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقُرَيْشٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ، وَنَادَى بِأَبْيَاتِهِ المَشْهُورِةِ، يَصِفُ فِيهَا ظُلَامَتَهُ، رَافِعًا صَوْتَهُ:
يَا آلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومٍ بِضاعَتَهُ بِبَطْنِ مَكَّةَ نَائِي الدَّارِ وَالنَّفَرِ
ومُحْرِمٌ أَشْعَثُ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ يَا لَلرِّجَالِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ والَحَجَرِ
إِنَّ الحَرَامَ لِمَنْ تَمَّتْ كَرَامَتُهُ ولَا حَرَامَ لِثَوْبِ الفَاجِرِ الغَدِرِ
فَقَامَ الزُّبَيْرُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَقَالَ: مَا لِهَذَا مَتْرُوكٌ فَاجْتَمَعَتْ بَنُو هَاشِمٍ، وَزُهْرَةُ، وبَنُو تَيْمِ بنِ مُرَّةَ، في دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَدْعَانَ
_________________
(١) انظر الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٤٢).
[ ١ / ١١٧ ]
وتَعَاقَدُوا، وتَحَالفوا بِاللَّهِ، لَيَكُونُنَّ يَدًا وَاحِدَةً مَعَ المَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ، حتَّى يُرَدَّ عَلَيْهِ حَقُّهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ هَذَا الحِلْفَ (حِلْفَ الفُضُولِ) وقَالُوا: لَقَدْ دَخَلَ هَؤُلَاءَ في فَضْلٍ مِنَ الأَمْرِ، ثُمَّ مَشَوْا إِلَى العَاصِ بنِ وَائِلٍ، فَانتزَعُوا مِنْهُ سِلْعَةَ الزُّبَيْدِيِّ فَدَفَعُوهَا إِلَيْهِ.
وقِيلَ: سُمِّيَ حِلْفَ الفُضُولِ، لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ دُعِيَ إِلَيْهِ، ثَلَاثَةٌ، كُلُّهُمُ اسْمُهُ الفَضْلُ، وهُمْ: الفَضْلُ بنُ فُضَالة، والفَضْلُ بنُ وَدَاعَةَ، والفَضْلُ بنُ الحَارِثِ (١).
وقَدْ شَهِدَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هذَا الحِلْفَ، فَقَدْ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرٍ قَالَا: قَالَ رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "لَقَدْ شَهِدْتُ في دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَدْعَانَ (٢) حِلْفًا، لَوْ دُعِيتُ بِهِ في الإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ" (٣).
ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ١٦٩) - الروض الأنف (٢/ ٢٤٢).
(٢) عبدُ اللَّهِ بنُ جَدْعَان: رجُلٌ من بني تَميم بن تَيْمِ بن مُرَّة، في قريش، وهو ابنُ عَمِّ والد أبي بكر الصديق -﵁-، وكان شَريفًا من أشْرَافها، وكان أحد الأجْوَاد المَشْهُورين في الجاهلية، وكان كثير الطعام، أدرَكَ رسول اللَّه -ﷺ- قبْلَ البِعْثَةِ. انظر كتاب الأعلام للزركلي (٤/ ٧٦). روى الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢١٤) عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ابن جدعان، كان في الجاهلية يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المسكين، فهل ذاك يَنْفعُهُ؟، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يَنْفَعُهُ، إنه لمْ يَقُلْ يومًا: رَبِّ اغفِرْ لِي خَطِيئَتِي يومَ الدِّينِ".
(٣) أخرجه الحُمَيدي فيما نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٦٩٦) - وإسناده صحيح.
[ ١ / ١١٨ ]
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "شَهِدْتُ حِلْفَ المُطيَّبِينَ (١) مَعَ عُمُومَتِي، وأَنا غُلَامٌ، فمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ (٢)، وإنِّي أَنْكُثُهُ" (٣).
* * *
_________________
(١) قال البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٩): زعم بعض أهلُ السِّيَر أنه أراد حلف الفضول، فإن النبي -ﷺ- يُدْرِك حِلْفَ المُطيَّبِينَ. وعلَّق الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٦٩٦) على كلام البيهقي بقوله: وهذا لا شكَّ فيه، وذلك أن قريشًا تحالفُوا بعدَ موتِ قُصَيٍّ، وتنازعوا في الذي كان جعله قُصَيٌّ لابنه عَبْدِ الدار من السِّقَاية، والرِّفادة، واللِّواء، والنَّدْوة، والحِجَابة، وقامت مع كل طائفة من قبائل قريش، وتحالفوا علي النُّصْرَة لحِزْبِهِمْ، فأحضَرَ أصحاب بني عبد مناف جَفْنَةً فيها طِيبٌ، فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا، فلما قامُوا مسحوا أيديهم بأركانَ البيتِ، فسُمُّوا المُطيَّبِينَ، وكان هذا قديمًا. قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٤٠٨): وإنما سَمَّى رسول اللَّه -ﷺ- حِلْفَ الفُضُول بالمُطَيبين، مع أنه -ﷺ- لم يَشْهَدْ حلف المُطَيَّبين؛ لأنه كان شَبِيهًا به في التَّنَاصح، والأخذ للضعيفِ من القَوِيِّ، وللغريب من القاطن.
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٤٥): حُمر النعم هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٥) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٤٤١) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤٣٧٣).
[ ١ / ١١٩ ]
خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- بتِجَارَةِ خَدِيجَةَ ﵂
وفِي الخَامِسَةِ والعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ المُبَارَكِ خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- تاجِرًا إِلَي الشَّامِ في مَالِ خَدِيجَةَ ﵂.
وكانَتْ خَدِيجَةُ نِجْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَة تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ، وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ في مَالِهَا وتُضَارِبُهُمْ (١) إيَّاهُ، بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ.
فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- ما بَلَغَهَا مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ، وعِظَمِ أمَانَتِهِ وكَرَمِ أخْلَاقِهِ، بَعَثَتْ إِلَيْهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالِهَا إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا وتُعْطِيَهُ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنَ التُّجَّارِ، فَقَبِلَهُ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهَا.
وفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أنَا رَجُلٌ لَا مَالَ لِي، وقَدِ اشْتَدَّ الزَّمَانُ عَلَيْنَا، وهَذِهِ عِيرُ قَوْمِكَ وقَدْ حَضَرَ خُرُوجُهَا إِلَي الشَّامِ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ تَبْعَثُ رِجَالًا مِنْ قَوْمِكَ فِي عِيرَاتِهَا (٢)، فَلَوْ جِئتهَا فَعَرَضْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهَا لَأَسْرَعَتْ إِلَيْكَ، لِمَا يَبْلُغُهَا عَنْكَ مِنْ طَهَارَتِكَ، وفَضْلِكَ عَلَى غَيْرِكَ، فَبَلَغَ خَدِيجَةَ الخَبَرُ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وقَالَتْ لَهُ: أنَا أُعْطِيكَ ضِعْفَ مَا أُعْطِي رَجُلًا مِنْ
_________________
(١) المُضَاربَةُ: هيَ أن تُعْطِي مَالًا لغَيْرِكَ يتَّجِرُ فيه فيكون له سَهْمٌ معلومٌ من الرِّبْحِ، وهي مفاعلةٌ مِنَ الضَّرْبِ في الأرض، السَّيْر فيها للتِّجَارَةِ. انظر النهاية (٣/ ٧٢).
(٢) عِيرَاتُهَا: جمعُ عِيرٍ، وهي الإبل بأحْمَالِهَا. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
[ ١ / ١٢٠ ]
قَوْمِكَ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: هَذَا رِزْقٌ قَدْ سَاقه اللَّهُ إِلَيْكَ.
فَخَرَجَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَالِهَا، وخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا "مَيْسَرَةُ" (١) وجَعَلَ عُمُومَتُهُ يُوصُونَ بِهِ أَهْلَ العِيرِ، حتَّى قَدِمَا "بُصْرَى" مِنَ الشَّامِ، فنَزَلَا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنَ الرُّهْبَانِ يُقَالُ لَهُ "نَسْطُورٌ" فَاطَّلَعَ الرَّاهِبُ إِلَى مَيْسَرَةَ فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟
فَقَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: هذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الحَرَمِ، فقَالَ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قَطُّ إِلَّا نَبِيٌّ (٢).
ثُمَّ قَالَ لِمَيْسَرَةَ: أَفِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا تُفَارِقُهُ، فقَالَ: هُوَ نَبِيٌّ وَهُوَ آخِرُ الأَنْبِيَاءَ.
ثُمَّ بَاعَ النَّبِيُّ -ﷺ- سِلْعَتَهُ التِي خَرَجَ بِهَا، فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مُلَاحَاةٌ (٣)، فقَالَ لَهُ: احْلِفْ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطُّ، وإِنِّي لَأَمُرُّ فَأُعْرِضُ عَنْهُمَا"، فَقَالَ الرَّجُلُ: القَوْلُ قَوْلُكَ، ثُمَّ اشْترَى رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ، وأَقْبلَ قَافِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ.
_________________
(١) قال الحافظ في الإصابة (٦/ ١٨٩): لم أقِفْ علي رِوَايةٍ صريحةٍ بأنه بَقِيَ إلي البعثة.
(٢) قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٣٢٣): يُرِيدُ ما نزل تحتَهَا هذه السَّاعة إلا نَبِي، ولم يُرِد ما نزل تحتها قَطُّ إلا نبي، لبُعْدِ العَهْدِ بالأنبياء قبل ذلك، والشَّجَرَةُ لا تُعَمَّر في العَادَةِ هذا العُمُر الطويل حتى يَدْري أنه لم يَنْزِل تحتها إلا عِيسَى ﵇، أو غَيْرُهُ من الأنبياء.
(٣) المُلَاحَاةُ: المُلَاومَةُ والمُبَاغَضَهُ، ثم كثر ذلك حتى جعلت كل ممانعة ومدافعة، ملاحاة. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٥٩).
[ ١ / ١٢١ ]
وكَانَ اللَّهُ قَدْ أَلْقَى عَلَيْهِ -ﷺ- المَحَبَّةَ مِنْ مَيْسَرَةَ، فكَانَ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ، فَلَمَّا كَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، قَالَ مَيْسَرَةُ: يَا مُحَمَّدُ انْطَلِقْ إِلَى خَدِيجَةَ فَأَخْبِرْهَا بِمَا صَنَعَ اللَّهُ لَهَا عَلَى وَجْهِكَ، فَإِنَّهَا تَعْرِفُ ذَلِكَ لَكَ، فَتَقَدَّمَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، حتَّى دَخَلَ مَكَّةَ فِي سَاعَةِ الظَّهِيرَةِ، وخَدِيجَةُ فِي عِلِّيَّةٍ (١) لَهَا فَرَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، ومَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ، فَأَرَتْهُ نِسَاءَهَا فَعَجِبْنَ لِذَلِكَ، ودَخَلَ عَلَيْهَا رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَبَّرَهَا بِمَا رَبِحُوا فِي وَجْهِهِمْ، فَسُرَّتْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ مَيْسَرَةُ عَلَيْهَا أخْبَرَتْهُ بِمَا رَأَتْ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ هَذَا مُنْذُ خَرَجْنَا مِنَ الشَّامِ، وأخْبَرَهَا بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ "نَسْطُورٌ"، ثُمَّ بَاعَتْ خَدِيجَةُ مَا جَاءَ بِهِ -ﷺ- مِنْ تِجَارَةٍ فَرَبِحَتْ ضِعْفَ مَا كَانَتْ تَرْبَحُ، وأَضْعَفَتْ لَهُ ضعْف مَا كَانَتْ تُعْطِي رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ (٢).
* رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لِاضْطِرَابِهَا:
روَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَه فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لِاضْطِرَابِهِ عَنِ السَّائِبِ بنِ أَبِي السَّائِبِ قَالَ: جِيءَ بِي إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُعَلِّمُوني بهِ، قَدْ كَانَ صَاحِبِي فِي الجَاهِلِيَّةِ".
_________________
(١) العِلِّيَّةُ: الغُرْفَةُ في الطابق الثاني من الدَّارِ فوقه، وجمعها عَلَالِي. انظر النهاية (٣/ ٢٦٧).
(٢) أخرج قِصة خُروج الرسول -ﷺ- في مالِ خديجة ﵂: ابن سعد في طبقاته (١/ ٦١ - ٦٢) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٢٤) بدون إسناد - وأوردها الإمام الذهبي في سيرته (١/ ٦٢) من طريق المحاملي، عن عبد اللَّه بن شبيب، وهو واه، ثم قال بعد أَنْ سَاقَ القصة: وهو حديث منكر.
[ ١ / ١٢٢ ]
قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنِعْمَ الصَّاحِبُ كُنْتَ.
فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا سَائِبُ، انْظُرْ أَخْلَاقَكَ التِي كنْتَ تَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَاجْعَلْهَا فِي الإِسْلَامِ، أَقْرِ (١) الضَّيْفَ، وأَكْرِمِ اليَتِيمَ، وأحْسِنْ إِلَى جَارِكَ" (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: وهَذَا الحَدِيثُ فِيمَنْ كَانَ شَرِيكُهُ -ﷺ- مُضْطَرِبٌ جِدًّا (٣)، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ لِلسَّائِبِ بنِ أَبِي السَّائِبِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ لِأَبِيهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ لِقَيْسِ بنِ السَّائِبِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بنَ السَّائِبِ-، وهَذَا اضْطِرَابٌ شَدِيدٌ.
وذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ السَّائِبَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا (٤)، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وبَايَعَ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وحَسُنَ إسْلَامُهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ (٥).
* * *
_________________
(١) قَرى الضَّيْفَ: أضَافَهُ. انظر لسان العرب (١١/ ١٤٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٠٠) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (٤٨٣٦) - وابن ماجه في سننه - رقم الحديث (٢٢٨٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٣٢١٦).
(٣) ممن أعلَّ هذا الحديث بالاضطراب: ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ١٤١) - والسُهيلي في الروض الأنف (٣/ ١٧٢).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٥).
(٥) انظر تهذيب التهذيب (١/ ٦٨٢).
[ ١ / ١٢٣ ]
زَوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ خَدِيجَةَ (١) ﵂
كَانَتْ خَدِيجَةُ ﵂ تُسَمَّى سَيِّدَةَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وتُسَمَّى الطَّاهِرَةَ وذَلِكَ لِشِدَّةِ عَفَافِهَا، وكانَتْ نَقِيَّةً ذَاتَ عَقْلٍ وَاسِعٍ، وَحَسَبٍ، ومَالٍ.
لَمَّا سَمِعَتْ ﵂ بِعَظِيمِ أمَانَةِ الرسُولِ -ﷺ-، وحُسْنِ أخْلاقِهِ،
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥١٢): خَدِيجةُ سيِّدةُ نِسَاءِ العالمين في زَمَانها أم القاسم القرشية الأسدية، وهي ممن كَمُل من النِّساء، وكانت عاقِلَةً جَلِيلةً دَيّنة مصونةً كَرِيمَةً: من أهل الجنة، وكان النبي -ﷺ- يُثنِي عليها، ويُفَضِّلُهَا على سائر أمَّهَات المؤمنين، ويُبَالِغُ في تَعْظِيمِهَا، وهي أوَّل مَنْ تزوَّجها النبي -ﷺ-، وهي بنتُ خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، تجتمعُ مع النبي -ﷺ- في قُصَيٍّ، وهي مِنْ أقرب نِسَائِهِ إليه في النَّسَبِ، ولم يتزوَّج من ذُرِّيَّةِ قُصي غيرها إلا أُمَّ حَبِيبَة، وكانت تُسَمى في الجاهلية الطَّاهرة، وقد تزَّوجها رسول اللَّه -ﷺ- قبلَ البِعْثَةِ بخمسَ عشْرَةَ سَنَة، وكانت مُوسِرَة، وولدت من رسول اللَّه -ﷺ- أولادَهُ كُلهم، إلا إبراهيم. وكانت أوَّل من آمنَ باللَّه ورسوله -ﷺ- وصَدَّق بما جاء به، فخَفَّفَ اللَّه بذلك عن رسول اللَّه -ﷺ-، فكان لا يَسْمع شيئًا يَكْرَهُهُ منَ الرَّدِّ عليه، فيرجع إليها إلا ثَبَّتَتْه وتُهَوِّن عليه أمْرَ الناس، وقد تقدَّم في أبواب بدءِ الوحْيِ بيان تَصْدِيقها للنبي -ﷺ- في أوَّل وهْلَةٍ، ومن ثباتها في الأمر ما يدل علي قوة يَقِينِها، ووفُورِ عَقْلِها، وصِحَّة عَزْمِها، لا جَرَم كانت أفضل نسائه على الراجح، روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- قال: أتى جبريل النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه هذه خديجة قد أتَتْ معها إنَاء فيه إدَام، أو طعَام، أو شَرَاب، فإذا هي أتَتْكَ، فاقرأ ﵍ من ربِّهَا، ومِنِّي، وبَشِّرْهَا ببيْتٍ في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لا صَخَبَ فيهِ ولا نَصَبَ.
[ ١ / ١٢٤ ]
وصِدْقِ حَدِيثِهِ، أَحَسَّتْ ﵂ أَنَّهَا وَجَدَتْ ضَالَّتَهَا المَنْشُودَةَ فِيهِ -ﷺ-، فَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهُ رَجُلٌ لا تَسْتَهْوِيهِ حَاجَةٌ، وأنَّهُ لا يَتَطَلَّعُ إِلَى مَالٍ، ولا إِلَى جَمَالٍ، فَحَدَّثَتْ بِمَا في نَفْسِهَا إلى صَدِيقَتِهَا نَفِيسَةَ بِنْتِ مُنَيَّةَ، فَذَهَبَتْ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ فَرَضِيَ -ﷺ- بِذَلِكَ.
وسَأَدَعُ نَفِيسَةَ بِنْتَ مُنَيَّةَ تَرْوِي لَنَا قِصَّةَ زَوَاجِ النبيِّ -ﷺ- مِنْ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂، قَالَتْ نَفِيسَةُ: كَانَتْ خَدِيجةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً حَازِمَةً جَلْدَةً، شَرِيفَةً، مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا مِنَ الكَرَامَةِ والخَيْرِ، وهِيَ يَوْمَئِذٍ أوْسَطُ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وأعْظَمَهُمْ شَرَفًا، وأكْثَرَهُمْ مَالًا، وَكُلُّ قَوْمِهَا حَرِيصٌ عَلَى نِكَاحِهَا لَوْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ، قَدْ طَلَبُوهَا وبَذَلُوا لَهَا الأَمْوَالَ، فأرْسَلَتْنِي دَسِيسًا (١) إلى مُحَمَّدٍ -ﷺ- بَعْدَ أَنْ رَجَعَ في عِيرِهَا مِنَ الشَّامِ، فقُلْتُ: يا مُحَمَّدُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ فقَالَ: مَا بِيَدِي مَا أَتَزَوَّجُ بهِ، قُلْتُ: فإنْ كُفِيتَ ذَلِكَ، ودُعِيتَ إلى الجَمَالِ، والمَالِ والشَّرَفِ، والكَفَاءَةِ ألَا تُجِيبُ؟ قَالَ: فَمَنْ هِيَ؟ قُلْتُ: خَدِيجَةُ، قَالَ: وكَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ عَلَيَّ، قَالَ: فأنَا أفْعَلُ، قَالَتْ نَفِيسَةُ: فَذَهَبْتُ فأخْبَرْتُ خَدِيجَةَ، فأرْسَلَتْ إِلَيْهِ أنِ ائْتِ لِسَاعَةِ كذَا وكذَا، وأرْسَلَتْ إلى عَمِّهَا عَمْرِو بنِ أَسَدٍ لِيُزَوِّجَهَا، فَحَضَرَ، لِأَنَّ أبَاهَا مَاتَ قَبْلَ حَرْبِ الفِجَارِ (٢).
_________________
(١) الدَّسِيسُ: مَن يُرسَلُ سِرًا ليأتي بالأخبار. انظر لسان العرب (٤/ ٣٤٥).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٦٢).
[ ١ / ١٢٥ ]
* خُطْبَةُ أَبِي طَالِبٍ:
ثُمَّ إِنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَعْمَامِهِ، فَأَقَرُّوا لَهُ ذَلِكَ، ورَضَوْهَا زَوْجَةً لَهُ -ﷺ-، فخَرَجَ مَعَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وعَمُّهُ حَمْزَةُ، حتَّى دَخَلُوا عَلَى عَمْرِو بنِ أَسَدٍ (١) عَمِّ خَدِيجَةَ ﵂، فَخَطَبُوا إِلَيْهِ ابْنَةَ أَخِيهِ، وحَضَرَ العَقْدَ رُؤَسَاءُ مُضَرَ، فقامَ أَبُو طَالِبٍ فَخَطَبَ فقَالَ: الحَمْدُ للَّهِ الذِي جَعَلَنَا مِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ، وزَرْعِ إسْمَاعِيلَ، وضِئْضِئِ (٢) مَعْدٍ، وجَعَلَنَا حَضَنَةَ بَيْتِهِ وسُوَّاسَ (٣) حَرَمِهِ، وجَعَلَ لنَا بَيْتًا مَحْجُوجًا، وحَرَمًا آمِنًا، وجَعَلَنَا الحُكَّامَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ إِنَّ ابنَ أخِي هَذَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ لا يُوزَنُ بِرَجُلٍ إِلَّا رَجَحَ بِهِ شَرَفًا، ونُبْلًا، وفَضْلًا، وعَقْلًا، فَإِنْ كَانَ في المَالِ قُلٌّ، فإنَّ المَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ، وأمْرٌ
_________________
(١) هذا هو قول الجمهور، من أن ولي خديجة ﵂ في زواجها من رسول اللَّه -ﷺ- هو: عمُّها عمرو بن أسد. قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٣٢٥): وهو الصحيح؛ لأن أباها خُوَيْلد كان قد هَلك قبْلَ حَرْبِ الفِجَار. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٧٠١): المُجْمَع عليه أن عمَّها عمرو بن أسد هو الذِي زوَّجَها من رسول اللَّه -ﷺ-.
(٢) الضِّئْضِئُ: الأصْلُ. انظر النهاية (٣/ ٦٤).
(٣) السِّياسَةُ: هي القِيَام علي الشيء بما يصلحه. انظر النهاية (٢/ ٣٧٨). ومنه قول الرسول -ﷺ- في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٤٥٥) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٨٤٢) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "كانت بَنُو إسرائيل تَسُوسُهُمُ الأنبِيَاءُ". أي تتولي أمورهم كما تفعل الأمَرَاءُ والوُلاة بالرَّعِيَّة. انظر النهاية (٢/ ٣٧٨).
[ ١ / ١٢٦ ]
حَائِلٌ، ومُحَمَّدٌ مِمَّنْ قَدْ عَرَفْتُمْ قَرَابَتَهُ، وقَدْ خَطَبَ إلَيْكُمْ رَاغِبًا كَرِيمَتَكُمْ خَدِيجَةَ، وقَدْ بَذَلَ لَهَا مِنَ الصَّدَاقِ مَا حَكَمَ عَاجِلُهُ، وآجِلُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا وَنَشًّا (١)، وهُوَ وَاللَّهِ بَعْدَ هَذَا لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وخَطَرٌ جَلِيلٌ جَسِيمٌ. فَكَانَ جَوَابُ وَلِيِّ خَدِيجَةَ: هَذَا البِضْعُ لَا يُقْرَعُ أَنْفُهُ (٢).
وبَنَى (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِخَدِيجَةَ ﵂، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا وَنَحَرَ جَزُورًا أَوْ جَزُورَيْنِ، وأطْعَمَ النَّاسَ، فكَانَتْ خَدِيجَةُ ﵂ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَها رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ولَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا، حتَّى مَاتَتْ ﵂ (٤).
قَالَ البُوصِيرِيُّ ﵀:
ورَأَتْهُ خَدِيجَةُ وَالتُّقَى وَالزُّهـ ـدُ فِيهِ سَجِيَّةٌ وَالْحَيَاءُ
وَأَتَاهَا أَنَّ الغَمَامَةَ وَالسَّرْحَ (٥) أَظَلَّتْهُ مِنْهُمَا أَفْيَاءُ
وَأَحَادِيثُ أَوْ وَعْدُ رَسُولِ اللَّهِ بِالْبَعْثِ حَانَ مِنْهُ الْوَفَاءُ
فَدَعَتْهُ إِلَى الزَّوَاجِ وَمَا أَحْسَنَ أَنْ يُبْلُغَ المُنَى الأَذْكِيَاءُ
_________________
(١) النَّشُّ: نِصْفُ الأُوقِيَّة، وهو عِشْرُونَ درهمًا. انظر النهاية (٥/ ٤٨).
(٢) يُرِيدُ أنه كفءٌ كريمٌ لا يُرَدُّ نكَاحُهُ. انظر النهاية (٤/ ٣٩).
(٣) لبِنَاءُ: الدُّخُولُ بالزَّوْجَةِ. انظر النهاية (١/ ١٥٦).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٢٦).
(٥) السَّرْحُ: هيَ الشَّجَرَةُ التي صَارَتْ أغْصَانُهَا تَتَدَلَّي عليه. انظر سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (٢/ ١٩١).
[ ١ / ١٢٧ ]
* رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدٌ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرَ خَدِيجَةَ، وَكَانَ أَبُوهَا يَرْغَبُ أَنْ يُزَوِّجَهُ (١)، فَصَنَعَتْ طَعَامًا وَشَرَابًا، فَدَعَتْ أَبَاهَا وَنَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَطَعِمُوا وَشَرِبُوا حَتَّى ثَمِلُوا (٢)، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ لِأَبِيهَا: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْطُبُنِي، فزَوِّجْنِي إِيَّاهُ، فزَوَّجَهَا إِيَّاهُ فَخَلَّقَتْهُ (٣) وَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالْآبَاءِ، فَلَمَّا سُرِّي (٤) عَنْهُ سُكْرُهُ، نَظَرَ فَإِذَا هُوَ مُخَلَّقٌ وَعَلَيْهِ حُلَّة، فَقَالَ: مَا شَأْنِي، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: زَوَّجْتَنِي مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَنَا أُزَوِّجُ يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ! لَا، لَعَمْرِي.
فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: أَمَا تَسْتَحِي! تُرِيدُ أَنْ تُسَفِّهَ نَفْسَكَ عِنْدَ قُرَيْشٍ؟ تُخْبِرُ النَّاسَ أَنَّكَ كُنْتَ سَكْرَانٌ؟ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ (٥).
قُلْتُ: أَوْرَدَ ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ، ثُمَّ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا غَلَطٌ وَوَهْلٌ، وَالثَّبْتُ عِنْدَنَا
_________________
(١) قال السندي في شرح المسند (٣/ ٩٧): قوله: يرغب أن يزوِّجه: أي عن أن يزوجه، لا في أن يزوجه كما يفيده النظر فيما بعد.
(٢) ثملوا: أي سكروا. انظر لسان العرب (٢/ ١٢٨).
(٣) فخلَّقته: بتشديد اللام أي وضعت عليه الخلوق، وهو نوع من الطيب. انظر النهاية (٢/ ٦٨).
(٤) قال السندي في شرح المسند (٣/ ٩٧): سُرِّي عنه: بضمِّ السين وتشديد الراء أي أزيل وكُشف عنه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٨٤٩).
[ ١ / ١٢٨ ]
الْمَحْفُوظُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَبَاهَا خُوَيْلِدَ بنَ أَسَدٍ مَاتَ قَبْلَ الْفِجَارِ، وَأَنَّ عَمَّهَا عَمْرَو بْنَ أَسَدٍ زَوَّجَهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (١).
قُلْتُ: وَبِهِ قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُ، ذَكَرَهُ ابنُ الْأَثِيرِ (٢)، وَبِهِ قَالَ أَيْضًا الْمُبرِّدُ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ (٣).
* عُمْرُ النَّبِيِّ -ﷺ- لَمَّا تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ:
وكَانَ عُمُرُ النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ ﵂ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ منَ الشَّامِ بِشَهْرَيْنِ، وكَانَ عُمُرُهَا ﵂ يَوْمَئِذٍ أرْبَعِينَ سَنَةً (٤).
وكانَتْ خَدِيجَةُ ﵂ قَدْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِرَجُلَيْنِ أَوَّلُهُمَا: عَتِيقُ بنُ عَائِدٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وجَارِيَةً اسْمَهَا: هِنْدٌ، فتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا صَيْفِيُّ بنُ أُمَيَّةَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا، وثَانِيهِمَا: أَبُو هَالَةَ بنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، واسْمُهُ هِنْدٌ، فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا اسْمُهُ هَالَةُ، وَوَلَدًا اسْمُهُ هِنْدٌ أَيْضًا، وجَارِيَةً اسْمُهُا زَيْنَبُ.
وقَدِ ابْتَنَى النَّبِيُّ -ﷺ- بِخَدِيجَةَ ﵂ فِي البَيْتِ الذِي كَانَتْ
_________________
(١) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٦٣).
(٢) انظر أسد الغابة (٥/ ٢٦١).
(٣) انظر الروض الأنف (١/ ٣٢٤).
(٤) قال الإمام الصالحي في سيرته الشامية (٢/ ١٦٦): وهو الصَّحِيحُ الذي عليه الجمهور.
[ ١ / ١٢٩ ]
تَسْكُنُهُ، وفِيهِ وَلَدَتْ جَمِيعَ أَوْلَادِهَا، وفِيهِ تُوُفِّيَتْ، ولَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ -ﷺ- سَاكِنًا فِيهِ حَتَّى خَرَجَ إِلَى المَدِينَةِ مُهَاجِرًا فَأَخَذَهُ عَقِيلُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (١).
* حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ:
رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الحَمْدُ للَّهِ الذِي أَطْعَمَنِي الخَمِيرَةَ، وأَلْبَسَنِي الحَرِيرَ، وزَوَّجَنِي خَدِيجَةَ، وكُنْتُ لَهَا عَاشِقًا" (٢).
فهَذَا الحَدِيثُ مَوْضُوعٌ، لا يَصِحُّ عَنِ المَعْصُومِ -ﷺ-.
* أَوْلَادُ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ خَدِيجَةَ ﵂:
وَلَدَتْ خَدِيجَةُ ﵂ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَوْلَادَهُ جَمِيعًا عَدَا إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ (٣) القِبْطِيَّةَ.
وكَانَ أَوَّلُ مَنْ وُلدَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ خَدِيجَةَ قَبْلَ البِعْثَةِ: القَاسِمُ، وبِهِ يُكَنَّى -ﷺ-، رَوَي ابْنُ مَاجَه في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ
_________________
(١) انظر تفاصيل زواج الرسول -ﷺ- من خديجة ﵂ في: سيرة ابن هشام (١/ ٢٢٤) الروض الأنف (١/ ٣٢٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٦٨ - وما بعدها) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٦٢).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٨٩٣).
(٣) هِيَ مَارِيَةُ بنتُ شَمْعُونَ أهْدَاهَا المُقَوْقِسُ صاحِبُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ إلى رسول اللَّه -ﷺ- في سنة سبع من الهجرة، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يَطَؤُهَا بِمِلْكِ اليَمِينِ، وضربَ عليها معَ ذلكَ الحِجَابَ، فحَمَلَتْ منهُ، ووَضَعَتْ ابنَهُ -ﷺ- إبراهيم، وتُوُفِّيَتْ ﵂ في خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخطاب -﵁-، وذلك في المحرم سنة ١٦ هـ. انظر الإصابة (٨/ ٣١٠).
[ ١ / ١٣٠ ]
قَالَ: لمَّا تُوُفِّيَ القَاسِمُ ابنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَتْ خَدِيجَةُ ﵂: يا رسُولَ اللَّهِ، دَرَّت لُبَيْنَةُ القَاسِمِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ أبْقَاهُ حتَّى يَسْتَكْمِلَ رَضَاعَهُ، فقَالَ -ﷺ-: "إِنَّ إتْمَامَ رَضَاعِهِ في الجَنَّةِ".
قَالَتْ: لَوْ أَعْلَمُ ذلِكَ يا رَسُولَ اللَّه، لَهَوَّنَ عَلَيَّ أَمْرَهُ.
فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهِ فَأُسْمِعَكِ صَوْتَهُ".
قَالَتْ: يا رسُولَ اللَّه، بَلْ أُصَدِّقُ اللَّهَ ورَسُولَهُ (١).
ثُمَّ زَيْنَبُ (٢)، ثمَّ رُقَيَّةُ (٣)، ثمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ (٤)، ثمَّ فَاطِمَةُ (٥)، ثُمَّ وُلِدَ لهُ فِي
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في الصَّلاة على ابنِ رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٥١٢).
(٢) هيَ زَيْنَبُ بنتُ الرسول -ﷺ-، وهي أكبَرُ بناتِهِ -ﷺ-، وأوَّل مَنْ تزوَّج منهُنَّ، تزوجها ابن خَالَتِهَا أَبُو العاص بنُ الرَّبِيع العَبْسِيُّ -﵁-، أمُّهُ هالةُ بنتُ خُويلد. أسلمَتْ زَيْنَبُ، وهاجَرَتْ مع أبيها -ﷺ-، وماتَتْ سنة (٨ هـ). انظر الإصابة (٨/ ١٥١).
(٣) هِيَ رُقَيَّةُ بنتُ رسول اللَّه -ﷺ- وُلدَت رُقَيَّةُ وعُمُرُ رسول اللَّه -ﷺ- ثَلَاثٌ وثَلَاثُونَ سَنَة، وتزوَّجَهَا عُثْمَانُ بنُ عفَّان -﵁- بمكة، وهاجرَتْ معه إلى أرضِ الحَبَشَةِ، وولَدَتْ لهُ هُنَاكَ ابْنًا فسمَّاهُ: عَبْدَ اللَّهِ، فكان عُثمان -﵁- يُكنّي به، وماتَتْ ﵂ يومَ وقْعَةِ بَدْرٍ، ودُفِنَتْ يومَ جَاءَ زَيْدُ بن حارثَةَ -﵁- بَشِيرًا بما فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يومَ بَدْرٍ. انظر أسد الغابة (٥/ ٢٨٥).
(٤) هيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بنتُ رسُولِ اللَّه -ﷺ﵂، وهيَ أكبَرُ من فَاطِمَةَ، وتزوَّجَها عثمانُ بن عفانَ -﵁- بعدَ وَفَاةِ أُخْتِهَا رُقَيّة، وهذا في جمادى الآخرة سنة (٣ هـ)، ولَمْ تَلِدْ مِنْ عُثْمَانَ وَلَدًا، وتُوُفيت سنة (٩ هـ)، وصلَّى عليها رسُولُ اللَّه -ﷺ-. انظر الاستيعاب (٤/ ٥٠٦).
(٥) هي فاطِمَةُ بنتُ رسُولِ اللَّه -ﷺ- سَيِّدَةُ نسَاءِ العَالَمِينَ في زَمَانِهَا، وهي أصْغَرُ بنَاتِ رسُول اللَّه -ﷺ-، وُلدَتْ ﵂ سنة إحدى وأربعين من مَوْلدِ النبي -ﷺ-، وتوفيت =
[ ١ / ١٣١ ]
الإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ بالطَّيِّبِ والطَّاهِرِ؛ لأَنَّهُ وُلدَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ﵃ أجْمَعِينَ.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ وُلِدَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهَلْ وُلِدَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَوْ قَبْلَهَا؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وصَحَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ وُلدَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وهَلْ هُوَ الطَّيِّبُ والطَّاهِرُ؟ أمْ هُمَا غَيْرُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: والصَّحِيحُ أنَّهُمَا لقبَانِ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
وقَدْ مَاتَ بَنُوهُ -ﷺ- وهُمْ صِغَارٌ، فَمَاتَ القَاسِمُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ سِنًّا تُمَكِّنُهُ مِنَ المَشْيِ، وقِيلَ سِنًّا تُمَكِّنُهُ مِنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ، ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ، وهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ.
وَأَمَّا بَنَاتُ الرَّسُولِ -ﷺ- فَكُلّهُنَّ أَدْرَكْنَ الإِسْلَامَ، وأَسْلَمْنَ، وعِشْنَ حَتَّى تَزَوَّجْنَ وَكُلُّهُنَّ مِتْنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، مَا عَدَا فَاطِمَةَ ﵂، فَقَدْ تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ (٢).
* تَعْيِيرُ المُشْرِكِينَ بِانْقِطَاعِ نَسَبِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَكَانَ المُشْرِكُونَ يُعَيِّرُونَ النَّبِيَّ -ﷺ- بِانْقِطَاعِ أَثَرِهِ، لِوَفَاةِ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ،
_________________
(١) = ﵂ بعد وفاة أبيها -ﷺ- بسِتَّةِ أشْهُرٍ، وكانت أوَّلَ أهْلِهِ لُحُوقًا به، وصلَّى عليها علىُّ بن أبي طالب -﵁-، وكان عُمُرُهَا لمَّا تُوُفِّيَتْ تِسْعًا وعِشْرِينَ سَنَة، وقيل: ثَلَاثِينَ سنة، وقِيلَ: خَمْسًا وثَلَاثِينَ سنة. انظر الإصابة (٨/ ٢٦٢).
(٢) زاد المعاد (١/ ١٠١).
(٣) انظر سبل الهدى والرَّشاد في سيرة خير العباد (١١/ ١٦) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٦٩) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٦٣).
[ ١ / ١٣٢ ]
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَاتَ القَاسِمُ، وهُوَ أَوَّلُ مَيْتٍ مِنْ وَلَدِهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ العَاصُ بنُ وَائِلٍ: لقدِ انْقَطَعَ وَلَدُهُ فَهوَ أَبْتَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١).
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وقَدْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ- أَنْ لَا يَعِيشَ لَهُ -ﷺ- أَحَدٌ مِنَ الذُّكُورِ، حَتَّى لا يَكُونَ ذَلِكَ مَدْعَاةً لِافْتِتَانِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِمْ، وَادِّعَائِهِمْ لَهُمُ النُّبُوَّةَ، فَأَعْطَاهُ الذُّكُورَ تَكْميلًا لِفِطْرَتِهِ البَشَرِيَّةِ، وقَضَاءً لِحَاجَاتِ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَلئَلَّا يَنْتَقِصَ النَّبِيَّ -ﷺ- في كَمَالِ رُجُولَتِهِ شَانِئٌ، أَوْ يَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ مُتَقَوِّلٌ، ثُمَّ أَخَذَهُمْ فِي الصِّغَرِ، وأَيْضًا لِيَكُونَ فِي ذَلِكَ عَزَاءٌ وَسَلْوَى لِلذِينَ لا يُرْزَقُونَ البَنِينَ، أَوْ يُرْزَقُونَهُمْ ثُمَّ يَمُوتُونَ، كَمَا أَنَّهُ لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ الِابْتِلَاءِ، وأشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، فَالْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ (٢).
* * *
_________________
(١) سورة الكوثر آية (٣) - والخبر في الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٦٣).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء الكتاب والسنّة (١/ ٢٢٤) للدكتور محمد أبو شهبة ﵀.
[ ١ / ١٣٣ ]
بِنَاءُ الكَعْبَةِ وَدَرْءُ فِتْنَةٍ عَظِيمَةٍ
الكَعْبَةُ (١) هِيَ أَوَّلُ بَيْتٍ بُنِيَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ ﷿ فِي الأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢).
رَوَى الشَّيْخَانِ في صحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: "المَسْجِدُ الحَرَامُ" (٣).
وقَدْ تَعَرَّضَتِ الكَعْبَةُ لِلْعَوَادِي التِي زَعْزَعَتْ بُنْيَانَهَا، وَصَدَّعَتْ جُدْرَانَهَا، وَقَبْلَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِخَمْسِ سِنِينَ (٤) جَرَفَ مَكَّةَ سَيْلٌ عَرِمٌ انْحَدَرَ إِلَى البَيْتِ الحَرَامِ، فَأَوْشَكَتِ الكَعْبَةُ مِنْهُ عَلَى الِانْهِيَارِ، وكَانَ قَدْ أَصَابَهَا مِنْ قَبْلُ حَرِيقٌ
_________________
(١) كلُّ شيءٍ عَلا وارْتَفَعَ فهو كَعْبٌ، ومنه سُمِّيَت الكَعْبَة، للبيتِ الحرامِ، وقيلَ: سُمِّيَتْ به لتَكَعُّبِهَا أي تَرْبِيعِهَا. انظر النهاية (٤/ ١٥٥).
(٢) سورة آل عمران آية (٩٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأنبياء - رقم الحديث (٣٣٦٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - رقم الحديث (٥٢٠).
(٤) اختلف في وقتِ بِنَاءِ الكعبةِ، فروى عبد الرزاق في "مصنفه" رقم الحديث (٩١٠٣) عن ابن جريج عن مُجَاهد قال: . . حتى إذا كان قبل مبعث النبي -ﷺ- بخمسة عشر سنة، بنته قريش. . وبه جزم موسى بن عُقبة في مَغَازِيهِ، والذي جزم به ابن إسحاق أَنَّ بُنْيَانَ الكعبةِ كان قَبْلَ المَبْعَثِ بخمْسِ سِنِينَ. قال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٣٣): وقول ابن إسحاق أشهر، ويُمكنُ الجَمْعُ بينهما بأنْ يكُونَ الحَريقُ تقدَّم وقتُهُ على الشُّرُوعِ في البِنَاءِ.
[ ١ / ١٣٤ ]
بِسَبَبِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُجَمِّرُهَا، وكَانَتِ الكَعْبَةُ رَضْمًا (١) فَوْقَ القَامَةِ، فَاضْطُرَّتْ قُرَيْشٌ إِلَى تَجْدِيدِ بِنَائِهَا حِرْصًا عَلَى مَكَانَتِهَا، وحِفَاظًا عَلَى حُرْمَتِهَا، وقَدِ اتَّفَقَتْ قُرَيْشٌ عَلَى أَنْ لَا يُدْخِلُوا في بِنَاءِ الكَعْبَةِ مِنْ كَسْبِهِمْ إِلَّا طَيِّبًا، فَلَا يُدْخِلُوا فِيهَا مَهْرَ بغِيٍّ (٢) ولا بَيع رِبًا، وَلَا مَظْلَمَةَ أَحَدٍ مِنَ النَّاس (٣).
فَلَمَّا أَرَادَتْ قُرَيْشٌ هَدْمَهَا تَهَيَّبُوا، وخَافُوا مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ أذًى، لِأَنّ أَكْثَرَهُمْ شَاهَدَ مَا الذِي حَدَثَ لِأَبْرَهَةَ الحَبَشِيِّ عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يَهْدِمَ الكَعْبَةَ، فَقَالَ لَهُمُ الوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ: أتُرِيدُونَ بِهَدْمِهَا الإِصْلَاحَ، أمِ الإِسَاءَةَ؟ قَالُوا: بَلِ الإِصْلَاحَ، فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ المُصْلِحِينَ، وأَخَذَ المِعْوَلَ، وشَرَعَ يَهْدِمُ، فَقَالَ الوَليدُ: قُومُوا سَاعِدُونِي، فقَالُوا: لَا، نَنْتَظِرُ إلى الغَدِ، فَإِنْ أُصِيبَ الوَليدُ لَنْ نَهْدِمَ مِنْهَا شَيْئًا، وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ، وإنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ صُنْعَنَا فهَدَمْنَا.
فَأَصْبَحَ الوَليدُ مِنْ لَيْلَتِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَهَدَمُوا مَعَهُ، وهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنَّا لَا نُرِيدُ إِلَّا خَيْرًا، حَتَّى إِذَا انتهَى الهَدْمُ بِهِمْ إِلَى الأَسَاسِ، أَسَاسِ إبْرَاهِيمَ ﵇ أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ (٤) آخِذ بَعْضهَا بِبَعْضٍ.
_________________
(١) الرَّضْمُ: أن تُنَضَّدَ الحجارَةُ بَعْضُهَا علي بعضٍ مِنْ غيرِ مِلَاطٍ. انظر الرَّوْض الأُنُف (١/ ٣٣٦).
(٢) البَغِيُّ: هي المُسْتَعْمَلَةُ بالزِّنَا. انظر النهاية (١/ ١٤٣).
(٣) قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة (١/ ٢٢٧): هذا يَدُلُّ علي أَنَّ العربَ كان الكَثِيرونَ منهم يَتَحَرَّونَ المَكَاسِبَ الحَلَالَ، وَأَنَّ الرِّبَا كان طَارِئًا عليهِمْ مِنَ اليَهُودِ.
(٤) الأسْنِمَةُ: جمع سَنَامٍ وهو أَعْلى الظَّهْرِ، وأرادَ أَنَّ الحِجَارَةَ دخلَ بعضُهَا في بعضٍ كما تَدْخُلُ عِظَامُ السَّنَامِ بعضُهَا في بَعْضٍ، فشَبَّهَهَا بِهَا. انظر النهاية (٢/ ٣٦٧).
[ ١ / ١٣٥ ]
فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا، وأَدْخَلَ عَتَلَةً (١) بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيَقْلَعَ بِهَا أَحَدَهُمَا، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الحَجَرُ تَنَقَّصَتْ (٢) مَكَّةُ بِأَسْرِهَا، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الأَسَاسِ.
وقَدِ اشْترَكَ سَادَةُ مَكَّةَ، ورِجَالَاتُهَا في أَعْمَالِ الهَدْمِ والبِنَاءِ، فَقَسَمُوا الكَعْبَةَ وجَعَلُوا لِكُلِّ قَبِيلَةٍ جُزْءًا مِنْهَا، فكَانَ شِقُّ البَابِ (٣) لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وزُهْرَةَ، وكَانَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ، وَالرُّكْنِ اليَمَانِيِّ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ، وكَانَ ظَهْرُ الكَعْبَةِ لِبَنِي جُمَحٍ، وسَهْمٍ ابْنَيْ عَمْرِو بنِ هَصِيصِ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ، وكَانَ شِقُّ الحِجْرِ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بنِ قُصَيٍّ، ولبَنِي أَسَدِ بنِ العُزَّى بنِ قُصَىٍّ، ولبَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ، وَهُوَ الحَطِيمُ (٤).
وقدْ شَارَكَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ أعْمَامِهِ في البِنَاءِ، ونَقْلِ الحِجَارَةِ، وكَانَ عُمُرُهُ -ﷺ- إذْ ذَاكَ خَمْسًا وثَلَاثِينَ سَنَةً (٥).
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- يُحَدِّثُ: أَنَّ
_________________
(١) العَتَلَةُ: حَدِيدَةٌ كَبِيرَةٌ يُقْلَعُ بها الشَّجَرُ والحَجَرُ. النهاية (٣/ ١٦٣).
(٢) تَنَقَّصَتْ: اهْتَزَّتْ.
(٣) الشِّقُّ: النَّاحيةُ والجَانبُ. انظر لسان العرب (٧/ ١٦٦).
(٤) الحَطِيمُ: على خِلافٍ فيهِ، لكنْ أشهَرُها أنه حِجْرُ إسماعيل ﵇، وسُمِيَ الحَطِيم لاِزْدِحَامِ الناس فيه حتى يَحْطِمَ بعضُهُم بعضًا، وقِيل: لأنَّ العربَ كَانَتْ تَطْرَحُ فيهِ ثِيَابَهَا التي تَطُوفُ فيها، وتتركها حتى تَتَحَطَّمَ وتَفْسُدَ بِطُولِ الزمان. انظر النهاية (١/ ٣٨٨).
(٥) هذا هُوَ الصَّحِيحُ في عُمُرِ الرسول -ﷺ- حينَ بُنِيَت الكعبةُ، وقد ثبت ذلك في مصنف عبد الرزاق الصنعاني - رقم الحديث (٩١٠٦) - وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٣٦ ]
رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: يا ابنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحِجَارَةِ، قَالَ: فَحَلَّهُ، فجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيانًا -ﷺ- (١).
وفِي لفظٍ: لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- وعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ، فقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَكبتِكَ، فَخَرَّ إلى الأَرْضِ، وطَمَحَتْ (٢) عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "أَرِنِي إِزَارِي، فَشَدَّهُ عَلَيْهِ" (٣).
فَلَمَّا بَلَغَتِ القَبَائِلُ في البُنْيَانِ مَوْصعَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ (٤) تَنَازَعُوا فِيمَنْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب كراهية التعري في الصلاة - رقم الحديث (٣٦٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحيض - باب الاعتناء بحفظ العورة - رقم الحديث (٣٤٠) (٧٧).
(٢) طَمَحَ: أي امْتَدَّ وعَلَا. انظر النهاية (٣/ ١٢٥).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٢٥): وفي الحديث أنه -ﷺ- كان مَصُونًا عَمَّا يُسْتَقْبَحُ قَبْلَ البعثةِ وبعدها، وفيه النهي عن التَّعَرِّي بحضْرَةِ النَّاسِ. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل مكة وبنيانها - رقم الحديث (١٥٨٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحيض - باب الاعتناء بحفظ العورة - رقم الحديث (٣٤٠).
(٤) الحَجَرُ الأسْوَدُ: هو أفضَلُ وأطْهَرُ الأحْجَارِ على وَجْهِ الأَرْضِ، وقد وَرَدَ في فَضْلِ تَقْبِيلِهِ أحاديثُ كَثِيرَة منها: ما رواه ابن حبان في صحيحه بسند صحيح - رقم الحديث (٣٧١١) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إِنَّ لهذَا الحَجَرِ لِسَانًا وشَفَتَيْنِ يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ يوم القِيَامَةِ بِحَقٍّ". وروى ابن حبان في صحيحه بسند قوي - رقم الحديث (٣٦٩٨) عن ابن عمر ﵄ قال: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "مَسْحُ الحَجَرِ والرُّكْنِ اليَمَانِي يَحُطُّ الخَطَايَا حَطًّا".
[ ١ / ١٣٧ ]
يَضَعُهُ، فَكُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَحْظَى بِهَذَا الشَّرَفِ، حتَّى كَادَتِ الحَرْبُ أَنْ تَشْتَعِلَ بَيْنَهُمْ في أَرْضِ الحَرَمِ، فَهُنَا قَامَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ، وقَرَّبُوا جَفْنَةً مَمْلُوءَةً بِالدَّمِ وتَعَاقَدَتْ هِيَ وبَنُو عَدِيِّ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ عَلَى المَوْتِ، وأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي تِلْكَ الجَفْنَةِ فَسُمُّوا (لَعْقَةَ الدَّمِ).
فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أرْبَعَ لَيَالٍ، أَوْ خَمْسًا، حتَّى أَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدَ عُقَلَائِهِمْ وَهُوَ (أَبُو أُمَيَّةَ بنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ)، وَالِدُ أمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، وَكَانَ عَامَئِذٍ أَسَنَّ رَجُلٍ في قُرَيْشٍ، فقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُريشٍ اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ (١) فَرَضُوا وقَبِلُوا هَذَا الرَّأْيَ جَمِيعًا.
* صَاحِبُ العَقْلِ الكَبِيرِ:
فَأَشْخَصُوا أبْصَارَهُمْ إلى بَابِ المَسْجِدِ، واشْرَأَبَّتِ (٢) الأَعْنَاقُ إِلَى مَنْ يَا تُرَى يَكُونُ هَذَا الدَّاخِلُ، فَإِذَا بهِ الصَّادِقُ الأَمِينُ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، كَأَنَّ اللَّهَ ﷾ أَرْسَلَهُ لِيُخَلِّصَ قُرَيْشًا مِنْ هَذَا الشَّرِّ المُسْتَطِيرِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الأَمِينُ رَضِينَا، هَذَا مُحَمَّدٌ.
فَلَمَّا انتهَى إِلَيْهِمْ أخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فَلَمْ يَلْبَثْ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- حَتَّى أَعْطَاهُمُ
_________________
(١) المعروفُ اليوم ببابِ السَّلام.
(٢) اشْرَأَبَّتْ: أي ارتفعَتْ. انظر النهاية (٢/ ٤٠٨).
[ ١ / ١٣٨ ]
الحَلِّ العَظِيمِ، فقَالَ -ﷺ-: "هَلُمَّ إِلَيَّ ثَوْبًا"، فَأُتِيَ بِهِ فَأَخَذَ الحَجَرَ الأَسْوَد فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: "لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا"، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ (١).
وهَكَذَا دَرَأَ (٢) رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الحَرْبَ عَنْ قُرَيْشٍ، بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ فَوْقَهَا حِكْمَةٌ، وكَانَتْ مُقَدِّمَةُ دَرْئِهِ لِلْحُرُوبِ، والشُّرُورِ عَنِ الشُّعُوبِ، وَالأُمَمِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، بِحِكْمَتِهِ وتَعَالِيمِهِ ورِفْقِهِ، وتَلَطُّفِهِ في الأُمُورِ، والإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَكُونُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، كَمَا كَانَ رَحْمَةً لِلْمُتَخَاصِمِينَ، والمُتَحَارِبِينَ فِي قَوْمٍ بُسَطَاءَ أُمِّيِّينَ (٣).
* ضِيقُ النّفَقَةِ الحَلَالِ:
ومَعَ جُهْدِ قُرَيْشٍ في بِنَاءَ الكَعْبَةِ، فَقَدْ ضَاقَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ الطَّيِّبَةُ عَنْ إتْمَامِ البَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ﵇، فَاضْطُرُّوا إِلَى أنِ يَقْتَطِعُوا مِنْهُ قِطْعَةً مِنْ جِهَتِهِ الشَّمَالِيَّةِ، وبَنَوْا عَلَى هَذَا الجُزْءَ الذِي احْتَجَزُوهُ جِدَارًا قَصِيرًا لِلْإِعْلامِ أَنَّهُ
_________________
(١) أخرج تفاصيل تحكيم رسول اللَّه -ﷺ- في وضع الحجر الأسود: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٠٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٥٩٦) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١١٥) - والحاكم في المستدرك رقم الحديث (١٧٢٦) (١٧٢٧) - وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه - رقم الحديث (٩١٠٦) - وإسناده صحيح.
(٢) دَرَأَ: دَفَعَ. انظر لسان العرب (٤/ ٣١٤).
(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١١٢.
[ ١ / ١٣٩ ]
مِنَ البَيْتِ، وهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالحِجْرِ (١).
وَكَانَ ارْتِفَاعُ الكَعْبَةِ تِسْعَةَ أذْرُعٍ عَلَى عَهْدِ إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ ﵉، وَكَانَ لهَا بَابَانِ: بابٌ شَرْقِيٌّ، وبابٌ غَرْبِيٌّ لِيَدْخُلَ النَّاسُ منْ بَابٍ ويَخْرُجُوا منَ البَابِ الآخَرِ، فلمَّا بَنَتْهَا قُرَيْشٌ زَادُوا في ارْتِفَاعِهَا تِسْعَةَ أذْرُعٍ أُخْرَى، واقْتَصَرُوا عَلَى بَابٍ وَاحِدٍ، ورَفَعُوا بابَهَا عَنِ الأَرْضِ، فَصَارَ لا يُصْعَدُ إِلَيْهَا إِلَّا عَلَى سُلَّمٍ لِيُدْخِلُوا مَنْ يَشَاؤُونَ، ويَمْنَعُوا مَنْ يَشَاؤُونَ.
رَوَى الشَّيخانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لهَا: "يا عَائِشَةُ! لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بالبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وأَلْزَقْتُهُ بالأَرْضِ، وجَعَلْتُ لهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وبَابًا غَرْبيًّا فَبَلَغْتُ بهِ أسَاسَ إبْرَاهِيمَ" (٢).
ورَوَى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْجَدْرِ (٣) أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ٧٨): وهوَ مِنَ البَيْتِ، ولذلك لا يَصِحُّ الطَّوَافُ إلا مِنْ ورائِهِ، وسُمِّيَ بذلك لأنَّهُ حُجِرَ، أي اقْتُطِعَ مِنَ الكَعْبَةِ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل مكة وبنيانها - رقم الحديث (١٥٨٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب نقض الكعبة وبنائها - رقم الحديث (١٣٣٣).
(٣) الجَدْرُ: بفتح الجيم وسكون الدال، هُوَ الحِجْرُ لِمَا فيهِ من أصُولِ حائِطِ البيْتِ، وهو اسمُ الحائِطِ المُسْتَدِيرِ إلى جانبِ الكَعْبَةِ الغَرْبيّ. انظر النهاية (١/ ٢٣٩) - فتح الباري (٤/ ٢٣٥).
[ ١ / ١٤٠ ]
يُدْخِلُوهُ في البَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ"، قلتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا، ويَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوا، ولَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالجَاهِلِيَّةِ فأخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ في البَيْتِ، وَأنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ" (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفي حَدِيثِ بِنَاءِ الكَعْبَةِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - اجْتِنَابُ وَليِّ الأَمْرِ ما يَتَسَرَّعُ النَّاسُ إلى إنْكَارِهِ، وما يَخْشَى مِنْهُ تَوَلُّدَ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ في دِينٍ أَوْ دُنْيَا.
٢ - وفِيهِ تَألُّفُ قُلُوبِهِمْ بمَا لا يُتْرَكُ فِيهِ أمْرٌ وَاجِبٌ.
٣ - وفِيهِ تَقْدِيمُ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ مِنْ دَفع المَفْسَدَةِ، وجَلْبِ المَصْلَحَةِ، وأنَّهُمَا إِذَا تَعَارَضَا بُدِئَ بِدَفع المَفْسَدَةِ.
٤ - وفِيهِ أَنَّ المَفْسَد إِذَا أَمِنَ وُقُوعُهَا عَادَ اسْتِحْبَابُ عَمَلِ المَصْلَحَةِ.
٥ - وفيهِ حَدِيثُ الرَّجُلِ مَعَ أهْلِهِ في الأُمُورِ العَامَّةِ.
٦ - وفيهِ حِرْصُ الصَّحَابَةِ عَلَى امْتِثَالِ أوَامِرِ النَّبِيِّ -ﷺ- (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل مكة وبنيانها - رقم الحديث (١٥٨٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب جدر الكعبة وبابها - رقم الحديث (١٣٣٣) (٤٠٥).
(٢) انظر فتح الباري (٤/ ٢٤٢).
[ ١ / ١٤١ ]
حِفْظُ اللَّهِ تَعَالَى، نَبِيَّهُ -ﷺ- مِنْ أَدْرَانِ (١) الجَاهِلِيَّةِ
ظَلَّتْ حَيَاةُ الرَّسُولِ -ﷺ- إلى البِعْثَةِ حَيَاةً فَاضِلَةً شَرِيفَةً، لَمْ تُعْرَفْ لَهُ فِيهَا هَفْوَةٌ، ولَمْ تُحْصَ عَلَيْهِ فِيهَا زَلَّةٌ، لَقَدْ شَبَّ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَحُوطُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِنَايَتِهِ، ويَحْفَظُهُ مِنْ أقْذَارِ الجَاهِلِيَّةِ، لِمَا يُرِيدُهُ لهُ مِنْ كَرَامَتِهِ ورِسَالَتِهِ، حتَّى صَارَ أفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وأحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وأكْرَمَهُمْ حَسَبًا، وأحْسَنَهُمْ جِوَارًا، وأعْظَمَهُمْ حِلْمًا، وأصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وأعْظَمَهُمْ أمَانَةً، وأبْعَدَهُمْ مِنَ الفُحْشِ والأَخْلَاقِ التِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ، حتَّى صَارَ مَعْرُوفًا "بالأَمِينِ" -ﷺ- (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلَى عَبْدِهِ ورَسُولهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى. .﴾ وذَلِكَ أَنَّ أبَاهُ تُوُفِّيَ، وهُوَ حَمْلٌ في بَطْنِ أُمِّهِ ﵇، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، وله مِنْ العُمُرِ سِتُّ سِنِينَ، ثُمَّ كَانَ في كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، إلى أَنْ
_________________
(١) الدَّرَنُ: الوَسَخُ. انظر النهاية (٢/ ١٠٨). ومنه حديثُ الرَّسُولِ -ﷺ- الذي أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٢٨) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٦٦٧) - ولفظه: "أَرَأَيْتُمْ لوْ أَنَّ نَهْرا ببابِ أحَدِكم يغْتَسِلُ منهُ كُلَّ يومٍ خَمْسَ مرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ ". قالوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شيءٌ. قال رسول اللَّه -ﷺ-: "فذلكَ مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بهِنَّ الخَطَايَا".
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ١٤٢ ]
تُوُفِّيَ، وله مِنَ العُمُرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فكَفِلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، ثمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ ويَنْصُرُهُ ويَرْفَعُ مِنْ قَدْرر ويُوَقِّرُهُ، ويَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، هذَا وأبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وكُلّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، إلى أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فأقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وَجُهَّالُهُمْ، فاخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى لَه الهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الأَنْصَارِ مِنَ الأَوْسِ والخَزْرَجِ، كَمَا أجْرَى اللَّهُ تَعَالَى سُنَّتَهَ عَلَى الوَجْهِ الأَتَمِّ والأَكْمَلِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوْهُ، وَنَصَرُوهُ، وحَاطُوهُ، وقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، ﵃ أجْمَعِينَ، وكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى لَه وَكَلَاءَتِهِ وعِنَايَتِهِ بِهِ -ﷺ- (١).
* بُغّضَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الأصْنَامُ:
ونَشَأَ -ﷺ- سَلِيمَ العَقِيدَةِ، صَادِقَ الإيمَانِ، عَمِيقَ التَّفَكُّرِ، غَيْرَ خَاضِعٍ لِتُرَّهَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، فَمَا عُرِفَ عَنْهُ أَنَّهُ سَجَدَ لِصَنَمٍ قَطُّ، أَوْ تَمَسَّحَ بِهِ، أَوْ ذَهَبَ إلى عَرَّافٍ أَوْ كَاهِنٍ، بَلْ بُغِّضَ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، والتَّمَسُّحُ بِهَا، رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَارٌ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂، أَنَّهُ سَمعَ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يَقُولُ لِخَدِيجَةَ: "أَيْ خَدِيجَةُ، وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ اللَّاتَ، وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ العُزَّى أَبَدًا". قَالَ: فتَقُولُ خَدِيجَةُ ﵂: خَلِّ اللَّاتَ، خَلِّ العُزَّى (٢).
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٨/ ٤٢٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٩٤٧).
[ ١ / ١٤٣ ]
ولَمَّا لَقِيَ بَحِيرَا الرَّاهِبَ، قَالَ لَهُ بَحِيرَا: أسْأَلُكَ بِاللَّاتِ والعُزَّى إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أسْأَلُكَ عَنْهُ، وكَانَ بَحِيرَا سَمعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا، فقَالَ لهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "لَا تَسْأَلْنِي بِحَقِّ اللَّاتِ والعُزَّى شَيْئًا، فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضِي لَهُمَا" (١).
وَرَوَى النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁- قَالَ: . . . كَانَ صَنَمَانِ مِنَ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا: إسَافٌ، وَنَائِلَةُ يَتَمَسَّحُ بهِمَا المُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا (٢)، فَطَافَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وطُفْتُ مَعَهُ، فلَمَّا مَرَرْتُ، مَسَحْتُ بِهِ، فقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَمَسَّهُ"، قَالَ زَيْدُ: فَطُفْنَا، فَقُلْتُ في نَفْسِي: لَأَمَسَّنَّهُ حتَّى أَنْظُرَ ما يَكُونُ، فَمَسَحْتُهُ، فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَمَسَّهُ، أَلمْ تُنْهَ؟ ".
قَالَ زَيْدٌ: فَوَالَّذِي أكْرَمَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ ما اسْتَلَمَ صَنَمًا قَطُّ حتَّى أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بالذِي أَكْرَمَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ (٣).
* بُغِّضَ إلى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الشِّعْرُ:
وكَذَلِكَ بُغِّضَ إِلَيْهِ -ﷺ- قَوْلُ الشِّعْرِ (٤) فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ شِعْرًا، أَوْ
_________________
(١) تقدَّم تخريج حديث بَحِيرا الرَّاهِب، وأنه صحيح.
(٢) يعنِي حَوْلَ الكَعْبَةِ.
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبري - كتاب المناقب - باب زيد بن عمرو بن نفيل - رقم الحديث (٨١٣٢) - والذهبي في السيرة النبوية (١/ ٧٣) وقال: هذا حديث حسن - وأورده الحافظ في الفتح (٤/ ٣٠٨) - وقوى إسناده.
(٤) روي الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٢٠) - والطيالسي في مسنده - رقم =
[ ١ / ١٤٤ ]
أَنْشَأَ قَصِيدَةً، أَوْ حَاوَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لا يَتَلاءَمُ ومَقَامُ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَكُنِ الشُّعَرَاءُ بِذَوِي الأخْلَاقِ، والسِّيرَةِ المَرْضِيَّةِ، فَلا عَجَبَ أَنْ نَزَّهَهُ اللَّهُ ﷾ عَنِ الشِّعْرِ، والرِّسَالَةُ تَقْتَضِي انْطِلَاقًا في الأُسْلُوبِ والتَّعْبِيرِ، والشِّعْرُ تَقَيُّدٌ والْتِزَامٌ، وصَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (١).
ومَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ -ﷺ- يتَذَوَّقُ ما فِي الشِّعْرِ مِنْ جَمَالٍ، وَحِكْمَةٍ، ورَوْعَةٍ، ويَسْتَنْشِدُهُ أصْحَابَهُ أحْيَانًا (٢)، ولا عَجَبَ فَهُوَ القَائِلُ -ﷺ-: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا، وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حَكْمَةً" (٣).
_________________
(١) = الحديث (١٥٩٣) بسند صحيح علي شرط الشيخين عن أبي نوفلِ بنِ أبي عَقْرب قال: سألتُ عائشةَ: هل كَانَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- يُتَسَامَعُ عِنْدَهُ الشِّعْرُ؟ قَالَتْ ﵂: كَانَ أبْغَضَ الحَدِيثِ إليهِ.
(٢) سورة يس آية (٦٩).
(٣) روى الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٢٥٥) عن الشَّريدِ بن سُوَيدٍ الثَّقَفي -﵁- قال: رَدِفْتُ رسُولَ اللَّه -ﷺ- يَومًا، فقال -ﷺ-: "هَلْ معكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصِّلْتِ شَيئًا؟ "، قلتُ: نَعَمْ قال: "هِيه" فأنشَدْتُهُ بَيتًا، فَقَالَ: "هِيه" ثم أنشَدْتُهُ بيتًا، فَقَالَ: "هِيه" حتَّى أنشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ. قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٠): ومقصودُ الحديثِ أَنَّ النبيَّ -ﷺ- استَحْسَنَ شِعْرَ أُميَّة، واستزادَ مِنْ إنشادِهِ؛ لِمَا فيهِ من الإقْرَارِ بالوَحْدَانِيَّةِ والبَعْثِ، ففيهِ جوازُ إنشادِ الشِّعْر الذي لا فُحْشَ فيه وسَمَاعُهُ، سَواءً شِعْرُ الجاهليّة وغيرهم، وَأَنَّ المَذْمُومَ منَ الشِّعر الذي لا فُحْشَ فيه إنما هو الإكثار مِنْهُ، وكَوْنه غَالبًا علي الإنْسَانِ، فأمَّا يَسِيرُهُ فلا بأسَ بإنْشَادِهِ، وسَمَاعِهِ، وحِفْظِهِ.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح باب الخطبة - رقم الحديث (٥١٤٦) - وأخرجه في كتاب الأدب - باب (٩٠) - رقم الحديث (٦١٤٥).
[ ١ / ١٤٥ ]
وهُوَ القَائِلُ لِحَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ -﵁- (١): "اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ" (٢).
* لَمْ يَشْرَبْ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْرًا، وَلَا قَرُبَ مِنْ فَاحِشَةٍ:
ولَمْ يَشْرَبْ خَمْرًا قَطُّ -ﷺ-، ولا اقْتَرَفَ فَاحِشَةً، ولا انْغَمَسَ فِيمَا كَانَ يَنْغَمِسُ فيهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ حِينَئِذٍ مِنَ اللَّهْوِ، واللَّعِبِ، والمَيْسِرِ، ومُصَاحبَةِ الأشْرَارِ ومُعَاشَرَةِ القِيَانِ (٣)، . . . عَلَى ما كَانَ عَلَيْهِ مِنْ فتوَّةٍ وشَبَابٍ، وشَرَفٍ ونَسَبٍ، وعِزَّةِ قَبِيلَةٍ، وكَمَالٍ، وجَمَالٍ، وغَيْرِهَا مِنْ وَسَائِلِ الإغْرَاءِ.
ولقَدْ كَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُ ذلكَ، وهُوَ كَبِيرٌ، ويَعُدُّهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيهِ، وعِصْمَتِهِ لَهُ، فقدْ رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ والحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "ما هَمَمْتُ بِقَبِيحٍ مِمَّا يَهُمُ بهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ، كِلْتَاهُمَا عَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا، قُلْتُ لَيْلَةً لِفَتًى كَانَ مَعِيَ منْ قُرَيْشٍ بِأَعْلَى مَكَّةَ في غَنَمٍ لِأَهْلِنَا
_________________
(١) هو حسَّانُ بنُ ثابتِ بنِ المُنْذِرِ الأنصاريُّ الخَزْرَجِيُّ -﵁-، شاعرُ النَّبِيِّ -ﷺ- وسيِّدُ الشُّعَرَاءِ المُؤْمِنِينَ، والمؤيَّدُ بِرُوحِ القُدُسِ، كان يَضَعُ لهُ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْبرًا في المَسْجِدِ يقُومُ عليهِ يُنَافِحُ عنهُ، عاشَ -﵁- سِتِّينَ سنَةً في الجاهليَّةِ، وسِتِّينَ سنةً في الإسلامِ، وماتَ -﵁- في خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ سنةَ أربعٍ وخَمْسِين منَ الهجرة. انظر الإصابة (٢/ ٥٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرجعِ النبي -ﷺ- مِنَ الأحزاب - رقم الحديث (٤١٢٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل حسان بن ثابت -﵁- رقم الحديث (٢٤٨٦).
(٣) القِيَانُ: الإِمَاءُ المُغَنِّيَاتُ. انظر النهاية (٤/ ١١٨).
[ ١ / ١٤٦ ]
نَرْعَاهَا: أبْصِرْ لِي غَنَمِي حتَّى أسْمُرَ (١) هذِهِ اللَّيْلةَ كَمَا يَسْمُرُ الفِتْيَانُ، قَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجْتُ، فلَمَّا جِئْتُ أدْنَى دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ، سَمِعْتُ غِنَاءً وصَوْتَ دُفُوفٍ ومَزَامِيَر، قُلْتُ: ما هَذَا؟
قالُوا: فُلَانٌ تَزَوَّجَ فُلَانَةً، لِرَجُلٍ منْ قُرَيْشٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَهَوْتُ بذَلِكَ الغِنَاءَ وبذَلِكَ الصَّوْتِ حتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنِمْتُ، فمَا أيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، فَرَجَعْتُ إلى صَاحِبِي، فقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟
فأخْبَرْتُهُ، ثُمَّ فَعَلْتُ لَيْلَة أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ، فَسَمِعْتُ مِثْلَ ذلكَ، فَقِيلَ لِي مِثْلَ ما قِيلَ لِي، فسَمِعْتُ كَمَا سَمِعْتُ، حتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فمَا أيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى صَاحِبِي، فَقَالَ لِي: مَا فَعَلْتَ؟
فقُلْتُ: مَا فَعَلْتُ شَيْئًا".
قَالَ رسُول اللَّهِ -ﷺ-: "فَوَاللَّهِ ما هَمَمْتُ بَعْدَهُمَا بِسُوءِ مِمَّا يَعْمَلُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ حتى أكْرَمَنِي اللَّهُ بِنُبُوَّتهِ" (٢).
* كَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقِفُ بِعَرَفَةَ معَ النَّاسِ:
وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقِفُ مَعَ النَّاسِ بَعَرَفَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وذَلِكَ
_________________
(١) السَّمَرُ: همُ القومُ الذينَ يَسْمَرُونَ بالليلِ أي يَتَحَدَّثُونَ. انظر النهاية (٢/ ٣٥٩).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب بدء الخلق - رقم الحديث (٦٢٧٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب التوبة والإنابة - باب عصمة النبي -ﷺ- من عمل الجاهلية قبل النبوة - رقم الحديث (٧٦٩٣).
[ ١ / ١٤٧ ]
مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ -ﷺ-، ولا يَصْنَعُ ما تَصْنَعُ قُرَيْشٌ مِنْ عَدَمِ وُقُوفِهَا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ، ووُقُوفُهَا بِالمُزْدَلِفَةِ، فَقَدْ رَوى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جبيْرِ بنِ مُطْعِمٍ -﵁- قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَدَخَلْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ. . . (١).
* كَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعْرُوفًا بالأَمَانَةِ:
وَكَانَ -ﷺ- مَحَلَّ ثِقَةِ النَّاسِ وأمَانَاتِهِمْ، لا يَأْتَمِنُهُ أَحَدٌ عَلَى وَدِيعَةٍ مِنَ الوَدَائِعِ إِلَّا أدَّاهَا لَهُ، ولا يَأْتَمِنُهُ أَحَدٌ عَلَى سِرٍّ أَوْ كَلامٍ إِلَّا وَجَدَهُ عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ بهِ، فلا عَجَبَ أَنْ كَانَ مَعْرُوفًا في قُرَيْشٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بالأمِينِ.
* كَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ:
وَكَانَ الصِّدْقُ مِنْ صِفَاتِهِ -ﷺ- البَارِزَةِ، شَهِدَ لهُ بِذَلِكَ العَدُوُّ والصَّدِيقُ، ولمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى النَّاسِ جَمِيعًا، وأمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الأقْرَبِينَ، صارَ يُنَادِي بُطُونَ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا حضَرُوا قَالَ لَهُمْ: "أرَأَيْتُكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ، أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَطُّ (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الوقوف بعرفة - رقم الحديث (١٦٦٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب في الوقوف. . . - رقم الحديث (١٢٢٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ - رقم الحديث (٤٧٧٠) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ - رقم الحديث (٤٩٧١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ - رقم الحديث (٢٠٨).
[ ١ / ١٤٨ ]
ولمَّا قَالَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ لِأَبِي سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ -وَكَانَ لَمْ يَزَلْ مُشْرِكًا-: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا، فقَالَ هِرَقْلُ: فَقَدْ عَرَفْتُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ويَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ (١).
قَالَ أحْمَد شَوْقي ﵀:
بِسِوَى الأَمَانَةِ في الصِّبَا والصِّدْقِ لَمْ يَعْرِفْهُ أَهْلُ الصِّدْقِ والأُمَنَاءُ
يا مَنْ لَهُ الأَخْلَاقُ مَا تَهْوَى الْعُلَا مِنْهَا ومَا يَتَعَشَّقُ الكُبَرَاءُ
لَوْ لَمْ تَقُمْ دِينًا لَقَامَتْ وَحْدَهَا دِينًا تُضِيءُ بِنُورِهِ الآنَاءُ
زَانَتْكَ فِي الخُلُقِ العَظِيمِ شَمَائِلٌ يُغْرَى بِهِنَّ ويُولَعُ الكُرَمَاءُ
* كان رسُوُل اللَّهِ -ﷺ- وَصُولًا للرَّحِمِ:
وَكَانَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- إلى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصُولًا لِلرَّحِمِ، عَطُوفًا عَلَى الفُقَرَاءِ، وذَوِي الحَاجَةِ، ويُقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينُ الضَّعِيفَ، ويَمْسَحُ بِيَدَيْهِ بُؤْسَ البَائِسِينَ، ويُفَرِّجُ كَرْبَ المَكْرُوبِينَ، وقَدْ وَصَفَتْهُ بهَذَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ ﵂ في بَدْءِ الوَحْيِ، فقالتْ: كَلَّا وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ (٢)، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول -ﷺ- رقم الحديث (٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل. . - رقم الحديث (١٧٧٣).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ١٧٤): الكَلُّ: بفتح الكاف، وأصلُهُ الثِّقَلُ، ويدخل في حَمْلِ الكَلِّ الإنفاقُ علي الضَّعِيفِ، واليتيمِ والعِيَالِ، وغير ذلك.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - باب رقم (٣) - رقم الحديث (٣) - =
[ ١ / ١٤٩ ]
ومِنْ هَذَا العَرْضِ المُوجَزِ نَرَى أَنَّ حيَاةَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَبْلَ البِعْثَةِ كَانَتْ أمْثَلَ حيَاةٍ وأكْرَمَهَا، وأحْفَلَهَا بِمَعَانِي الإِنْسَانِيَّةِ، والشَّرَفِ، والكَرَامَةِ، وعَظَمَةِ النَّفْسِ، ثُمَّ نَبَأَهُ اللَّهُ تَعَالَى وبَعَثَهُ، فنَصَتْ هَذِهِ الفَضَائِلُ وترَعْرَعَتْ، وما زَالَتْ تَسْمُو فُرُوعُهَا، وتَرْسُخُ أُصُولُهَا، وتَتَّسِعُ أفْيَاؤُهَا حتَّى أضْحَتْ فَرِيدَةً في تَارِيخِ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.
إِنَّ هذِهِ الحَيَاةَ الفَاضِلَةَ المُثْلَى لَمِنْ أكْبَرِ الدَّلَائِلِ عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ -ﷺ-، فَمَا سَمِعْنَا في تَارِيخِ الدُّنْيَا قَدِيمِهَا، وحَدِيثِهَا أَنَّ حَيَاةً كُلَّهَا فَضْلٌ وكَمَالٌ، وهُدًى ونُورٌ، وحَقٌّ وخَيْرٌ، كحَيَاةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -ﷺ-، ولَمْ يُعْهَدْ في تَارِيخِ البَشَرِ أَنَّ شَخْصًا يَسْمُو عَلَى كُلِّ مُجْتَمَعِهِ وهُوَ يَعِيشُ فيهِ، ويَنْشَأُ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ نَقَائِصِهِ ومَثَالِبِهِ، وهُوَ نَابِعٌ مِنُه، ولا أَنَّ نُورًا يَنْبَعِثُ مِنْ وَسَطِ ظُلُمَاتٍ، ولا طَهَارَةً تَنْبُعُ مِنْ وَسَطِ أدْنَاسٍ، وأرْجَاسٍ، ولا أَنَّ عِلْمًا يكُونُ مِنْ بَيْنِ جَهَالَاتٍ وخُرَافَاتٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لحِكْمَةٍ، وأَمْرًا جَرَى عَلَى غَيْرِ المَعْهُودِ والمَأْلُوفِ، ومَا ذَلِكَ إِلَّا لِإِعْدَادِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِلنُّبُوَّةِ (١).
قَالَ البُوصِيرِيُّ:
كَفَاكَ بِالعِلْمِ في الأُمِّيِّ مُعْجِزَةً في الجَاهِلِيَّةِ والتَّأْدِيبِ في الْيُتْمِ
_________________
(١) = ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٠).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للدكتور محمد أبو شهبة (١/ ٢٣٩).
[ ١ / ١٥٠ ]
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فَشَبَّ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، واللَّهُ تَعَالَى يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ، ويَحُوطُهُ مِنْ أقْذَارِ الجَاهِلِيَّةِ، لِمَا يُرِيدُ بهِ مِنْ كَرَامَتِهِ ورِسَالَتِهِ، حتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا، وأفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وأحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وأكْرَمَهُمْ حَسَبًا، وأحْسَنَهُمْ جِوَارًا، وأعْظَمَهُمْ حِلْمًا، وأصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وأعْظَمَهُمْ أمَانةً، وأبْعَدَهُمْ مِنَ الفُحْشِ والأَخْلَاقِ التِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ، تَنَزُّهًا وتَكَرُّمًا، حتَّى مَا اسْمُهُ في قَوْمِهِ إِلَّا "الأمِينُ"، لِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الصَّالِحَةِ (١).
وَقَالَ القَاضِي عِياضٌ: وَكَانَ -ﷺ- مَجْبُولًا عَلَيْهَا -أيْ الأخْلَاقِ الحَمِيدَةِ- في أصْلِ خِلْقَتِهِ وَأَوَّلِ فِطْرَتِهِ، لمْ تَحْصُلْ لهُ بِاكْتِسَابٍ ولا رِيَاضَةٍ إِلَّا بِجُودٍ إلَهِيٍّ وخُصُوصِيَّهٍ رَبَّانِيَّةٍ (٢).
وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والذِي لا رَيْبَ فيهِ: أَنَّ المُصْطَفَى -ﷺ- كان مَعْصُومًا قَبْلَ الوَحْي، وبَعْدَهُ، وقَبْلَ التَّشْرِيعِ مِنَ الزِّنَى قَطْعًا، ومِنَ الخِيَانَةِ والكَذِبِ، والسُّكْرِ، والسُّجُودِ لِوَثَنٍ، والاسْتِقْسَامِ بالأزْلَامِ، ومِنَ الرَّذَائِلِ، والسَّفَهِ وبَذَاءِ اللِّسَانِ، وكَشْفِ العَوْرَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يطُوفُ عُرْيَانًا، ولا كَانَ يَقِفُ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ قَوْمِهِ بِمُزْدَلِفَةٍ، بلْ كَانَ يَقِفُ بِعَرَفَةَ، وبِكُلِّ حالٍ لَوْ بَدَا مِنْهُ شَيْءٌ منْ ذَلِكَ لَمَا كَانَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ لِأَنَّهُ كَانَ لا
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٢٠).
(٢) انظر الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١/ ٨٩).
[ ١ / ١٥١ ]
يَعْرِفُ، ولَكِنْ رُتْبَةُ الكَمَالِ تَأْبَى وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْهُ -ﷺ- (١).
وَقَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ قَرَأْنَا سِيَرَ الحُكَمَاءِ والفَلاسِفَةِ، والعَبَاقِرَةِ، والمُصْلِحِينَ، وأَصْحَابَ النِّحَلِ، والمَذَاهِبِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، فمَا وَجَدْنَا حَيَاةَ أحَدٍ مِنْهُمْ تَخْلُو مِنَ الشُّذُوذِ عنِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، والتَّفْكِيرِ الصَّحِيحِ، والخُلُقِ الرَّضِيِّ، إمَّا مِنْ نَاحِيَةِ العَقِيدَةِ والتَّفْكِيرِ، وإمَّا مِنْ نَاحِيَةِ السُّلُوكِ والأخْلَاقِ، وغَايَةُ مَا يُقَالُ في أسْمَاهُمْ وأزْكَاهُمْ: كَفَى المَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ! حَاشَا الأنْبِيَاءَ والمُرْسَلِينَ، فَقَدْ نَشَّأَهُمُ اللَّهُ ﷾ عَلَى أكْمَلِ الأَحْوَالِ، وعَظِيمِ الأخْلَاقِ، وقدْ بَلَغَ الذُّرْوَةَ في الكَمَالِ خَاتَمُهُمْ وسَيِّدُ البَشَرِ كُلِّهِمْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -ﷺ- (٢).
* قَلَقٌ غَامِضٌ وَعَدَمُ تَرَقُّبٍ لِنُبُوَّةٍ أَوْ رِسَالَةٍ:
وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجِدُ في نَفْسِهِ قَلَقًا غَامِضًا لا يَعْرِفُ مَصْدَرُهُ ولَا مَصِيرَهُ، ومَا كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِ لَحْظَةً، مَا اللَّهُ مُكْرِمُهُ بِهِ مِنَ الوَحْي والرِّسَالَةِ، ولا يَحْلُمُ بِذَلِكَ في يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ١٣٠، ١٣١).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للدكتور محمد أبو شهبة (١/ ٢٤٠).
(٣) سورة الشورى آية (٥٢).
[ ١ / ١٥٢ ]
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ (١).
إِنَّ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَكُنْ يَسْتَشْرِفُ للنُّبُوَّةِ، ولا يَحْلُمُ بهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُلْهِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى الخَلْوَةَ لِلْعِبَادَةِ تَطْهِيرًا، وإعْدَادًا رُوحِيًّا لَتَحَمُّلِ أعْبَاءِ الرِّسَالَةِ، ولَوْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَسْتَشْرِفُ للنُّبُوَّةِ لَمَا فَزعَ مِنْ نُزُولِ الوَحْي عَلَيْهِ، ولَمَا نَزَلَ إلى خَدِيجَةَ يَسْتَفْسِرُهَا عَنْ سِرِّ تِلْكَ الظَّاهِرَةِ التِي رَآهَا في غَارِ حِرَاءٍ، ولَمْ يَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّهُ رسُولٌ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الوَحْي عَلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْي (٢).
وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وتَرْبِيَتِهِ، أَنْ نَشَأَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَكَانَ أبْعَدَ عَنْ تُهَمَةِ الأَعْدَاءِ، وَظِنَّةِ المُفْتَرِينَ، وإلى ذَلِكَ أشَارَ القُرْآنُ الكَرِيمُ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣).
وقَدْ لَقَّبَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ بِالأُمِّيِّ فقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٤).
* * *
_________________
(١) سورة القصص آية (٨٦).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة دروس وعبر ص ٤٨ للدكتور مصطفى السباعي.
(٣) سورة العنكبوت آية (٤٨).
(٤) سورة الأعراف آية (١٥٧).
[ ١ / ١٥٣ ]
إِرْهَاصَات (١) البِعْثَةِ
* حَجْبُ الشَّيَاطِينِ عَنِ اسْتِرَاقِ (٢) السَّمْعِ عِنْدَ قُرْبِ مَبْعَثِهِ -ﷺ-:
قال ابنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا تَقَارَبَ أمْرُ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وحَضَرَ مَبْعَثُهُ، حُجِبَتِ الشَّيَاطِينُ عَنِ السَّمْعِ، وحِيلَ (٣) بَيْنَهَا وبَيْنَ المَقَاعِدِ التِي كَانَتْ تَقْعُدُ لِاستِرَاقِ السَّمْعِ فِيهَا، فَرُمُوا بالنُّجُومِ، فَعَرَفَتِ الجِنُّ أَنَّ ذلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي العِبَادِ، يقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -ﷺ- حِينَ بَعَثَهُ، وهُوَ يَقُصُّ علَيْهِ خَبَرَ الجِنِّ إذْ حُجِبُوا عَنِ السَّمْع، فَعَرَفُوا ما عَرَفُوا، ومَا أنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ حِينَ رَأَوْا مَا رَأَوْا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
_________________
(١) الإرهَاصَاتُ: أي المُقَدِّمَاتُ. انظر لسان الرب (٥/ ٣٤٣).
(٢) تَسْتَرِقُ السَّمْعَ: من السَّرِقَةِ، أي أنها تَسْتَمِعُ الخبرَ مِنَ السَّماءِ مُخْتَفِيَةً كَمَا يفعلُ السَّارقُ. انظر النهاية (٢/ ٣٢٦).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٦٧٤): حِيلَ: بكسر الباء أي حُجِرَ ومُنِعَ.
(٤) سورة الجن آية (١ - ٦).
[ ١ / ١٥٤ ]
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (١).
فَلَمَّا سَمِعَتِ الجِنُّ القُرْآنَ عَرَفَتْ أَنَّهَا إِنَّمَا مُنِعَتْ مِنَ السَّمْعِ قَبْلَ ذلِكَ، لِئَلَّا يَشْكُلَ الوَحْيُ بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَيَلْتَبِسَ عَلَى أهْلِ الأَرْضِ ما جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فيهِ، لِوُقُوعِ الحُجَّةِ، وقَطْعِ الشُّبْهَةِ، فآمَنُوا وصَدَّقُوا، ثُمَّ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
* مَتَى حَدَثَ هَذَا الرَّصدُ (٣)؟:
اخْتُلِفَ في هَذَا الرَّصْدِ هَلْ كَانَ قَبْلَ البِعْثَةِ أمْ بَعْدَهَا؟ وهَلْ كَانَ مُسْتَمِرًّا أمْ عَلَى فَتَرَاتٍ؟
رَوَى الشَّيْخانِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا قَرَأَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- عَلَى الجِنِّ وَمَا رَآهُمْ (٤)، انْطَلَقَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ
_________________
(١) سورة الجن آية (٩ - ١٠).
(٢) سورة الأحقاف آية (٢٩ - ٣٠) - وانظر الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٣) التَّرَصُّدُ: التَّرَقُّبُ. انظر لسان العرب (٥/ ٢٢٣).
(٤) قال البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٢٧): وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ إنما هو في أوَّل ما سمعت الجنّ قِراءة النبي -ﷺ-، وعلِمَتْ بحَالِهِ، وفي ذلك الوقتِ لمْ يَقْرَأ عليهم، ولم يَرَهُمْ، كما حكاه، ثم أتَاهُ داعِي الجِنِّ مرَّة أُخرى، فذهب معهُ، وقرأ عليهمُ القُرْآن، كما حكاه عبدُ اللَّه بن مسعودٍ -﵁-، ورأى آثارهُمْ، وآثَارَ نِيرَانِهِمْ، واللَّهُ أعلمُ.=
[ ١ / ١٥٥ ]
عَامِدِينَ (١) إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءَ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا ما هَذَا الذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَانْطَلَقَ الذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وهُوَ بِنَخْلَةٍ (٢) عَامِدًا إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ (٣)، فلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ، اسْتَمَعُوا لَهُ، وقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءَ، قَالَ: فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ الآية، فأنْزَلَ اللَّهُ
_________________
(١) = وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٥٦٢): فيُجْمَعُ بين ما نَفَاهُ، وما أثْبَتَةُ ابنُ عبَّاسٍ، وغيره بتعدُّدِ وُفُودِ الجِنِّ على النبي -ﷺ-، فأمَّا ما وَقَعَ بمكَّةَ فكان لِاسْتِمَاعِ القرآن، والرُّجُوعِ إلى قَوْمِهِمْ مُنذرينَ كما وقعَ في القرآن، وَأَمَّا في المدينةِ فَلِلسُّؤَالِ عنِ الأحكامِ، وذلكَ بَيِّنٌ في الحَدِيثَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ويحتمل أَنْ يَكُونَ القُدُومُ الثاني كَانَ أيضًا بِمَكَّةَ، وهو الذي يَدُلُّ عليه حديثُ ابنِ مسعودٍ، وأما حديث أبي هُريرة فليسَ فيه تَصْرِيحٌ بأن ذلك وقعَ بالمدينةِ، ويحتملُ تَعَدُّدَ القُدُومِ بمكَّةَ مرتين، وبالمدينة أيضًا.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٦٧٤): عَامِدِينَ: أي قَاصِدِينَ.
(٣) نخلة: هو موضع بالحجاز قريب من مكة، فيه نخل وزرع. انظر معجم البلدان (٨/ ٣٨١).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٦٧٥): ولا يُعَكّر على ذلك إلا قوله في هذا الخبر إنهم رأوْهُ يُصلي بأصحابه صَلاةَ الفَجْرِ. . . فيكونُ إطلاقُ صَلاةِ الفَجْرِ في حديث الباب باعتبارِ الزَّمَانِ، لا لكونِهَا إحدى الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ لَيْلَةَ الإسْرَاءِ، فتكونُ قصَّةُ الجِنَّ متقدِّمةً مِنْ أوَّلِ المَبْعَثِ.
[ ١ / ١٥٦ ]
عَلَى نَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ. . .﴾، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ (١).
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والإمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ فيَسْتَمِعُونَ الكَلِمَةَ فَيَزِيدُونَ فِيهَا عَشْرًا، فَيَكُونُ مَا سَمِعُوا حَقًّا، ومَا زَادُوهُ بَاطِلًا، وَكَانَتِ النُّجُومُ لا يُرْمَى بهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ -ﷺ- كَانَ أحَدُهُمْ لا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إِلَّا رُمِيَ بِشِهَابٍ يُحْرِقَ ما أصَابَ، فشَكَوْا ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ، فقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا مِنْ أمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَبَثَّ جُنُودَهُ، فإذا هُمْ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْ نَخْلَةٍ، فأتَوْهُ فأخْبَرُوهُ، فقَالَ: هَذَا الحَدَثُ الذِي حَدَثَ في الأَرْضِ (٢).
قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ: ذَكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ، في تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الرَّمْي بِالنُّجُومِ: أكَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ إذْ جَاءَ الإِسْلَامُ غُلِّظَ وَشُدِّدَ (٣).
وفي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب الجهر بقراءة صلاة الفجر - رقم الحديث (٧٧٣) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قال ابن عباس: لِبَدًا أعوانًا - رقم الحديث (٤٩٢١) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن - رقم الحديث (٤٤٩).
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب تفسير القرآن - باب ومن سورة الجن - رقم الحديث (٣٦١٣)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٢٤٨٢).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٦٧٦): وهذا جمعٌ حسن.
[ ١ / ١٥٧ ]
وَشُهُبًا﴾، ولَمْ يَقُلْ: حُرِسَتْ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ شَيْءٌ، فلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ -ﷺ- مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا، وذَلِكَ لِيَنْحَسِمَ أمْرُ الشَّيَاطِينِ، وتَخْلِيطُهُمْ، ولتَكُونَ الآيَةُ أَبْيَنَ، والحُجَّةُ أقْطَعَ، وإِنْ وُجِدَ اليَوْمَ كَاهِنٌ، فَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ بِمَا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَرْدِ الشَّيَاطِينِ عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ التَّغْلِيظَ والتَّشْدِيدَ كَانَ زَمَنَ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ بَقِيَتْ مِنْهُ، أعْنِي مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ بَقَايَا يَسِيرَةٌ بِدَلِيلِ وُجُودِهِمْ عَلَى النُّدُورِ في بَعْضِ الأزْمِنَةِ، وفِي بَعْضِ البِلَادِ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ فَمَعْنَاهُ الشُّهُبُ كَانَتْ تَرْمِي فَتُصِيبُ تَارَةً ولا تُصِيبُ تَارَةً أُخْرَى، وبَعْدَ البِعْثَةِ أصَابَتْهُمْ إصَابَةً مُسْتَمِرَّةً فَوَصَفُوهَا لِذَلِكَ بالرَّصْدِ، لأَنَّ الذِي يَرْصُدُ الشَّيْءَ لا يُخْطِئُهُ، فيَكُونُ المُتَجَدِّدُ دَوَامُ الإِصَابَةِ لا أصْلُهَا، وَأَمَّا قَوْلُ السُّهَيْلِيِّ: لَوْلَا أَنَّ الشِّهَابَ قَدْ يُخْطِئُ الشَّيْطَانَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَجَوَابُهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّضُ مَعَ تَحَقُّقِ الإِصَابَةِ لِرَجَاءَ اخْتِطَافِ الكَلِمَةِ، وإلْقَائِهَا قَبْلَ إصَابَةِ الشِّهَابِ، ثُمَّ لا يُبَالِي المُخْتَطِفُ بِالإِصَابَةِ لِمَا طُبعَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ (٢).
* هَلْ انْقَطَعَ هَذَا الرَّمْيُ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ- أمْ لَا؟:
فإنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الرَّمْيُ غُلِّظَ وشُدِّدَ بِسَبَبِ نُزُولِ الوَحْي، فَهَلِ انْقَطَعَ
_________________
(١) انظر الرَّوْض الأُنُف (١/ ٣٥٦)
(٢) انظر فتح الباري (٩/ ٦٧٧).
[ ١ / ١٥٨ ]
بِانْقِطَاعِ الوَحْي -أَيْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَمْ لَا. .؟ .
فالجَوَابُ: يُؤْخَذُ منْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ المُتَقَدِّمِ، فَفِيهِ: قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، ومَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فإنَّهَا لا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، ولَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ. . . قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ بَعْضًا، حتَّى يَبْلُغ الخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطِفُ الجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ. . . " (١).
فيؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّغْلِيظِ والحِفْظِ لَمْ يَنْقَطِعْ لِمَا يَتَجَدَّدُ مِنَ الحَوَادِثِ التِي تُلْقَى بِأَمْرِهِ إِلَى المَلَائِكَةِ، فإنَّ الشَّيَاطِينَ مَعَ شِدَّةِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ لَمْ يَنْقَطِعْ طَمَعُهُمْ في اسْتِرَاقِ السَّمْعِ في زَمَن النَّبِيِّ -ﷺ- فكيْفَ بِمَا بَعْدَهُ.
وقدْ قَالَ عُمَرُ -﵁- لِغَيْلَانَ بنِ سَلَمَةَ -﵁- لَمَّا طَلَّقَ نِسَاءَهُ: إنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمعَ بِمَوْتِكَ، فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ. . (٢).
فهَذَا ظَاهِرٌ في أَنَّ اسْتِرَاقَهُمُ السَّمْعَ اسْتَمَرَّ بَعْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فكَانُوا يَقْصِدُونَ اسْتِمَاعَ الشَّيْءِ مِمَّا يَحْدُثُ فَلا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ، إِلَّا إنِ اخْتَطَفَ أحَدُهُمْ بِخِفَّةِ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان - رقم الحديث (٢٢٢٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٦٣١) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤١٥٦) - وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٥٩ ]
حَرَكَتِهِ خَطْفَةً، فَيَتْبَعُهُ الشِّهَابُ، فَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا لِأَصْحَابِهِ فَأَتَتْ وإِلَّا سَمِعُوهَا، وتَدَاوَلُوهَا، وهَذَا يَرِدُ عَلَى قَوْلِ الإِمَامِ السُّهَيْلِيِّ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ (١).
* وَهْمُ ابْنِ إسْحَاقَ وابنِ سَعْدٍ:
قُلْتُ: ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ (٢)، وابْنُ سَعْدٍ (٣): أَنَّ إسْلَامَ الجِنِّ والْتِقَائَهُمْ بالنَّبِيِّ -ﷺ- وهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ -لِأَوَّلِ مَرَّةٍ- كَانَ بَعْدَ رُجُوعِهِ -ﷺ- مِنَ الطَّائِفِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ، وخَدِيجَةَ ﵂، وهَذَا فِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ قِصَّةَ خُرُوجِ النَّبِيِّ -ﷺ- إلى الطَّائِفِ، ودُعَائِهِ إيَّاهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿، وإبَائِهِمْ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِطُولِهَا، وأورَدَ ذَلِكَ الدُّعَاءَ الحَسَنَ: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وقِلَّةَ حِيلَتِي. . إِلَى آخِرِهِ". قَالَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ بَاتَ بِنَخْلَةٍ، فَقَرَأَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ القُرْآنِ، فَاسْتَمَعَهُ الجِنُّ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ.
وهَذَا صَحِيحٌ، ولَكِنْ قَوْلُهُ: إِنَّ الجِنَّ كَانَ اسْتِمَاعُهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الجِنَّ كَانَ اسْتِمَاعُهُمْ في ابْتِدَاءِ الإيحَاءَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٩/ ٦٧٧).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٥).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ١٠٢).
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٢٩٠).
[ ١ / ١٦٠ ]
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: والذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الحَدِيثِ (١) الذِي فِيهِ المُبَالَغَةُ في رَمْيِ الشُّهُبِ لِحِرَاسَةِ السَّمَاءِ مِنِ اسْتِرَاقِ الْجِنِّ السَّمْعَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ المَبْعَثِ النَّبَوِيِّ، وإنْزَالِ الوَحْي إلى الأَرْضِ، فَكَشَفُوا ذَلِكَ إِلَى أَنْ وَقَفُوا عَلَى السَّبَبِ، ثُمَّ لمَّا انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ، وأسْلَمَ مَنْ أسْلَمَ، قَدِمُوا فَسَمِعُوا، فأسْلَمُوا، ثُمَّ تَعَدَّدَ مَجِيئُهُمْ حَتَّى فِي المَدِينَةِ (٢).
وَقَالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الفَتْحِ: والذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ في أوَّلِ البِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ فَتَكُونُ قِصَّةُ الجِنِّ مُتَقَدِّمَةً مِنْ أوَّلِ المَبْعَثِ، وهَذَا المَوْضِعُ مِمَّا لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلامِهِمْ في شَرْحِ هَذَا الحَدِيثِ (٣).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
وَأَمَّا مَا أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ، وأبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الجِنِّ: "مَا فِي إِدَاوَتِكَ (٤)؟، أَوْ رَكْوَتِكَ؟ " (٥).
_________________
(١) هو حديثُ ابن عباس ﵄ الذِي ذكَرْنَاهُ قَبْلَ قَلِيلٍ مِنْ أمْرِ التِبَاسِ الأمْرِ على الجِنِّ، وبسَبَبِ إرسَالِ الشُّهُبِ عليهم.
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٥٦٣).
(٣) انظر فتح الباري (٩/ ٦٧٤).
(٤) الإدَاوَةُ: بكَسْرِ الهمزةِ إنَاءٌ صَغِيرٌ من جِلْدٍ يُتَّخَذُ للمَاءِ. انظر النهاية (١/ ٣٦).
(٥) الرَّكْوَةُ: بفتحِ الرَّاء إناءٌ صغيرٌ مِنْ جِلدٍ يُشْرَبُ فيهِ الماءُ. انظر النهاية (٢/ ٢٣٧).
[ ١ / ١٦١ ]
قلتُ: نَبِيذٌ، قَالَ رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، ومَاءٌ طَهُورٌ"، فتَوَضَّأَ مِنْهُ (١).
فهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، فإنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ لَيْلَةَ لِقَائِهِ بِالجِنِّ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
قال الحافِظُ في الفَتْحِ: هذَا الحَدِيثُ أطْبَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى تَضْعِيفِهِ (٢).
قُلْتُ: وقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ -﵁-: أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ الرَّسُولِ -ﷺ- أَوَّلَ مَرَّةٍ-، ولَفْظُهُ: قَالَ عَلْقَمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-: هَلْ صَحِبَ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟
فقَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ، ولَكِنَّا قَدْ فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنَا: أُغْتِيلَ؟ اسْتُطِيرَ (٣)؟ مَا فَعَلَ؟
قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ -أَوْ قَالَ فِي السَّحَرِ- إِذَا نَحْنُ بهِ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، فقُلْنَا: يا رسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرُوا الذِي كَانُوا فِيهِ.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الطهارة - باب الوضوء بالنبيذ - رقم الحديث (٨٨) - وأبو داود في سننه - كتاب الطهارة - باب الوضوء بالنبيذ - رقم الحديث (٨٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٧٨٢) (٣٨١٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٥٠٤٧).
(٢) انظر فتح الباري (١/ ٤٧١).
(٣) قال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٤١): معنى استُطِير: أي طارت به الجنّ.
[ ١ / ١٦٢ ]
فقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إنَّهُ أتَانِي دَاعِي الجِنِّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ".
قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ -﵁-: فانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانِي آثَارَهُمْ، وآثَارَ نِيرَانِهِمْ (١).
* تَعَدُّدُ وفُودِ الجِنِّ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ-:
ثَبَتَ تَعَدُّدُ وُفُودِ الجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَإِنَّ الذِينَ جَاؤُوا أَوَّلًا كَانَ سَبَبُ مَجِيئِهِمْ مَا ذُكِر في الحَدِيثِ مِنْ إرْسَالِ الشُّهُبِ، وسَبَبُ مَجِئِ الذِينَ في قِصَّةِ ابنِ مَسْعُودٍ (٢) أَنَّهُمْ جَاؤُوا لِقَصْدِ الإسْلَامِ، وسَمَاعِ القُرْآنِ، والسُّؤَالِ عَنْ أَحْكَامِ الدِّينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (٣)، وهُوَ مِنْ أَقْوَى الأَدِلَّةِ عَلَى تَعَدُّدِ القِصَّةِ، فإنَّ أبَا هُريرَةَ إِنَّمَا أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، والقِصَّةُ الأُولَى كَانَتْ عَقِبَ المَبْعَثِ (٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الجَهْرِ بالقرآن في الصبح والقراءة على الجنّ - رقم الحديث (٤٥٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤١٤٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن - رقم الحديث (٤٥٠) (١٥٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤١٤٩).
(٣) حديث أبي هريرة -﵁- أخرجه: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب ذكر الجن - رقم الحديث (٣٨٦٠).
(٤) انظر فتح الباري (٩/ ٦٧٨).
[ ١ / ١٦٣ ]
مُقَدِّماتُ نُزُول الْوَحْي
فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ بَدَأَتْ تَلُوحُ آثَارُ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِ -ﷺ-، فَمِنْ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ وَالْآثَارِ:
* أَوَّلًا: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ:
أوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ (١)، فكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا فِي نَوْمِهِ إِلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ (٢)، حَتَّى مَضَتْ عَلَى ذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بُدِئَ بِالْوَحْيِ -ﷺ-.
روَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَاُ بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ (٣).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٤) بُدِئَ بالرُّؤيَا الصَّادقَةِ ليكُونَ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لليَقَظَةِ. وفي رواية أخرى في الصَّحيح: الرُّؤيا الصَّالِحَة. قال الحافظ في الفتح (١٤/ ٣٧٧): وهُمَا بمعنى واحِدٍ بالنِّسبةِ إلى أمُورِ الآخِرَةِ في حقِّ الأنبياءِ، وأما بالنِّسبَةِ إلى أمُورِ الدُّنْيَا فالصَّالحَةُ في الأصلِ أخَصُّ، فرُؤْيَا النَّبِيِّ كلّهَا صَادِقَةٌ وقدْ تكُونُ صَالِحَةً وهي الأكثرُ، وغيرُ صالِحَةٍ بالنِّسْبَةِ للدُّنْيَا كَمَا وقعَ في الرُّؤْيَا يَوْمَ أحُدٍ.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٤): المُرَادُ بِفَلَقِ الصُّبْحِ ضِيَاؤُهُ، وخُصَّ بالتَّشْبِيهِ لِظُهُورِهِ الواضِحِ الذي لا شَكَّ فيهِ.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - باب رقم (٣) - رقم الحديث (٣) =
[ ١ / ١٦٤ ]
* ثَانِيًا: حُبُّ النَّبِيِّ -ﷺ- لِلْخَلْوَةِ:
وَلَمَّا تَقَارَبَتْ سِنُّ النَّبِيِّ -ﷺ- الْأَرْبَعِينَ حَبَّبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ وَحْدَهُ، فكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَهْجُرُ مَكَّةَ كُلَّ عَامٍ لِيَقْضيَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي غَارِ حِرَاءٍ (١)، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَحَنَّثُ (٢) بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
_________________
(١) = - وأخرجه في كتاب التفسير - باب (١) - رقم الحديث (٤٩٢٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٠).
(٢) حِراءٌ: بكسر الحاء، غارٌ صَغيرٌ في جبَلٍ من جِبَالِ مكَّةَ، يُعرف بجبَلِ النُّورِ. انظر النهاية (١/ ٣٦٢). قال ابن أبي جَمْرَةَ فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١٤/ ٣٧٧): الحكمةُ في تَخْصِيصِهِ -ﷺ- بالتَّخَلِّي في غَارِ حِرَاءٍ أَنَّ المُقِيمَ فيه كان يُمْكِنُهُ رُؤيةُ الكعبةِ، فيجتَمِعُ لِمنْ يَخْلُو فيه ثلاثُ عِبَادَاتٍ: الخَلْوة، والتَّعَبُّدُ، والنَّظَرُ إلى البيتِ.
(٣) يَتَحَنَّثُ: أي يَتَعَبَّدُ. انظر النهاية (١/ ٤٣٢). قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٣٦): . . . وهذا يلتفت إلى مَسْألةٍ أُصُوليّةٍ، وهو أنه -ﷺ- هَلْ كَانَ قبلَ أَنْ يُوحى إليهِ مُتَعبدًا بشريعةِ نَبِيٍّ قَبْلَهُ؟ . قال الجمهور: لا؛ لأنه لو كان تَابعًا لاسْتَبْعَدَ أن يكونَ مَتْبُوعًا، ولأنَّه لو كَانَ لنُقِل مَنْ كان ينسب إليه، وقِيل: نَعَمْ، واختلَفُوا في تعِيينه على ثمَانِيَةِ أقوالٍ: أحدُها آدم ﵇، والثَّاني نوحٌ ﵇، والثالث إبراهيم ﵇ ذهب إليه جماعةٌ واستدلوا بقوله تَعَالَى في سورة النحل آية (١٢٣): ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا. . .﴾، والرَّابعُ مُوسى ﵇، والخامسُ عِيسى ﵇، والسادس بكلّ شيء بلغَهُ عن شَرْعِ نبيٍّ من الأنبياء وحجته قوله تَعَالَى في سورة الأنعام آية (٩٠): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والسَّابع الوقفُ، ولا تَخْفى قوة الثالثِ، ولاسيما مع ما نُقِلَ من ملازمته -ﷺ- الحج والطَّواف، ونحو ذلك مما بَقِيَ عندهم من شريعةِ إبراهيم ﵇، واللَّه أعلم.
[ ١ / ١٦٥ ]
وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَزَوَّدُ لِخَلْوَتِهِ لِبَعْضِ لَيَالِي الشَّهْرِ، فَإِذَا نَفَدَ ذَلِكَ الزَّادُ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَزَوَّدُ قَدْرَ ذَلِكَ، فَيُقِيمُ فِي حِرَاءَ شَهْرًا مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَيَقْضِي وَقْتَهُ فِي التَّفْكِيرِ فِيمَا حَوْلَهُ مِنْ مَشَاهِدِ الْكَوْنِ، وَفِيمَا وَرَاءَهَا مِنْ قُدْرَةٍ مُبْدِعَةٍ، حَتَّى وَصَلَ مِنَ الصَّفَاءَ وَالْإِشْرَاقِ إِلَى مَرْتَبَةٍ عَالِيَةٍ انْعَكَسَتْ فِيهَا أَشِعَّةُ الْغُيُوبِ عَلَى صفْحَةِ قَلْبِهِ الْمَجْلُوَّةِ، فَأَصْبَحَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ (١).
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَاُ بدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ. . . ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ (٢).
وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَضَى جِوَارَهُ (٣) مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ إِذَا انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ الْكَعْبَةَ، فَيَطُوفُ بِهَا سَبْعًا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجعُ إِلَى بَيْتِهِ.
_________________
(١) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي ص ٨٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بَدْءِ الوحي - باب (٣) - رقم الحديث (٣) - وأخرجه في كتاب التعبير - باب أوَّلُ ما بُدِئَ به رسُولُ اللَّه -ﷺ- من الوحي- رقم الحديث (٦٩٨٢) - ومسلم في صحيحه- كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٠).
(٣) الجِوَارُ: الاعْتِكَافُ. انظر النهاية (١/ ٣٠٢). قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٤٠٠): والفرقُ بينَ الجِوَار والاعتِكافِ، أن الاعتكاف لا يكُونُ إلا داخِلَ المَسْجِدِ، وأما الجِوَارُ فإنه قَدْ يكُونُ خارِجَهُ.
[ ١ / ١٦٦ ]
وَظَلَّ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ إِلَى أَنْ جَاءَهُ الْوَحْيُ وَهُوَ فِي إِحْدَى خَلَوَاتِهِ تِلْكَ (١).
* ثَالِثًا: تَسْلِيمُ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-:
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ" (٢).
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ والْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ، وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣).
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِالنُّبُوَّةِ، كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتَّى تَحَسَّرَ (٤)
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - باب رقم (٣) - رقم الحديث (٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب فضل نسب النبي -ﷺ- وتسليم الحجر عليه قبل النبوة - رقم الحديث (٢٢٧٧).
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب ما جاء في آيات نبوة النبي -ﷺ - رقم الحديث - (٣٩٥٤) - والحاكم في المستدرك - كتاب آيات رسول اللَّه -ﷺ- باب سلام الأشجَارِ والجِبَال عليه -ﷺ- رقم الحديث (٤٢٩٦).
(٤) حسَرَ: انْكَشَفَ. انظر لسان العرب (٣/ ١٦٨).
[ ١ / ١٦٧ ]
عَنْهُ الْبُيُوتُ، وَيُفْضِي إِلَى شِعَابِ (١) مَكَّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرُّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٢)، قَالَ: فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَوْلَهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ، وَخَلْفِهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا الشَّجَرَ وَالْحِجَارَةَ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ، وَهُوَ بِحِرَاءٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (٣).
* رَابِعًا: سَمَاعُ النَّبِيِّ -ﷺ- الصَّوْتَ وَرُؤْيَتُهُ الضَّوْءَ:
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَرَى الضَّوْءَ (٤) سَبْعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى شَيْئًا، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ (٥).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ
_________________
(١) الشِّعْبُ: ما انْفَرَجَ بينَ جَبَلَيْنِ. انظر لسان العرب (٧/ ١٢٦).
(٢) قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٣٩٩): وهذا التَّسْليمُ الأظهَرُ فيه أَنْ يَكونَ حَقِيقةً، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى أنْطَقَهُ إنْطاقًا كما خَلَقَ الحَنِينَ في الجِذْعِ. أخرج قصة حنين الجذع: البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٥٨٣) (٣٥٨٤) (٣٥٨٥).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٧١).
(٤) قال القاضي عياض في شرح مسلم (٨/ ٨٥): أي صَوْتُ الهَاتِفِ به مِنَ المَلائِكَةِ، ويرى الضَّوْءَ أي نُورَ المَلائِكَةِ، ونُورَ آياتِ اللَّه تَعَالَى حتى رَأى المَلَكَ بَعَيْنِهِ، وشَافَهَهُ بِوَحْيِ اللَّه تَعَالَى.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب كم أقام النبي -ﷺ- بمكة والمدينة - رقم الحديث (٢٣٥٣) (١٢٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِخَدِيجَةَ "إِنِّي أَرَى ضَوْءًا وَأَسْمَعُ صَوْتًا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جُنُنٌ"، فَقَالَتْ ﵂: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ! ثُمَّ أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُ صَادِقًا، فَإِنَّ هَذَا نَامُوسٌ (١) مِثْلُ نَامُوسِ مُوسَى، فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيٌّ فَسَأُعَزِّرُهُ (٢)، وَأَنْصُرُهُ، وَأُومِنُ بِهِ (٣).
* * *
_________________
(١) النَّامُوسُ: صَاحِبُ سِرِّ الخَيْرِ، أَرَادَ بهِ جِبْرِيلَ ﵇؛ لأنَّ اللَّه تَعَالَى خصَّهُ بالوَحْيِ والغَيْبِ اللَّذَيْنِ لا يَطَّلعُ عليهمَا غيرُه. انظر النهاية (٥/ ١٠٤).
(٢) التَّعْزِيرُ: هاهُنَا معناهُ الإعَانةُ، والتَّوْقِيرُ، والنَّصْرُ مرَّةً بعد مرَّةٍ. انظر النهاية (٣/ ٢٠٦). ومنه قوله تَعَالَى في سورة الأعراف آية (١٥٧): ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٨٤٥).
[ ١ / ١٦٩ ]