أُسُسُ بنَاءِ المُجْتَمَع الإِسْلامِيِّ في المَدِينَةِ
أَوَّلًا: بِنَاءُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ (١)
أوَّلُ عَمَلٍ قَامَ بِهِ الرَّسُولُ -ﷺ- بَعْدَ نُزُولِهِ في بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ -﵁- هُوَ بِنَاءُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ نَاقَةَ الرَّسُولِ -ﷺ- بَرَكَتْ في مِرْبَدٍ لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وسَهْلٍ، غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وكَانَ الذِي يَكْفُلُهُمَا أسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁- (٢).
_________________
(١) قال الشَّيخ علي الطنطاوي في كِتابه رجال من التاريخ ص ١٩: نحنُ الآنَ مع الرسول -ﷺ- في المدينةِ. إنه يُؤَسِّس الدولة الحديثة، فَبِمَ ترَوْنَهُ يبدأ؟ بمِهرجان فَخْمٍ يبايعونه فيه بالملك؟ إنه لا يُريد الملك، يَبني ثَكَنة -الثَّكنة: هي مراكز الأجنادِ على راياتهم- باحتفالٍ عظيمٍ ويُجيش جيشًا؟ إنه لا يَبْتغي العُلُوَّ في الأرض، يَفْرِضُ الضَّرَائب؟ لا، ولكن يبدأ بِعِمارة المسجد. إنها ظاهرةٌ عَظيمة يَحْسُنُ أن يقِف القارئ عندها. يبدأ بالمسجد، كما بَدَأ الوحي بآية (القِراءة) و(التَّعْليم) بالقلم. بدأ بالمسجدِ، والمسجدُ في الإِسلام، هو مكان العبادةِ (رمز) الإيمان، وهو البَرْلَمَانُ (رمز) العدل، وهو المَدْرَسَة (رمز) العلم. ولم يَغْصُبْهُ، بل شَراه بالمال، وذلك (رمزُ) الإنصاف، ولم يأمُر ببنائه ويَقْعد، بل شَارك أصحابه العمل، وحَمَل الحجارةَ بيدهِ الشريفة -ﷺ- وهذا (رمز) التواضُع، وبَنَاه من اللَّبِن والطين، بلا زخارف ولا نُقُوش، وهذا (رمز) البَسَاطة. فكان من هذه (الرموز) الإيمان والعدل والعلم والأنصاف والتواضع والبساطة مجموعة شعائر الإِسلام.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦).
[ ٢ / ١٥٨ ]
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بالمِرْبَدِ لِيَتَّخذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا بَلْ نَهَبُهُ (١) لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا حتَّى ابْتَاعَهُ (٢) مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا (٣).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ -ﷺ- عِنْدَمَا أَمَرَ ببنَاءِ المَسْجِدِ، أرْسَلَ إلى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا، فَقَالَ لَهُمْ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي (٤) بِحَائِطِكُمْ (٥) هَذَا".
فَقَالُوا: لا وَاللَّهِ، لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ (٦).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وظَاهِرُ الحَدِيثِ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ ثَمَنًا، وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ (٧) أَنَّهُ -ﷺ- اشْترَاهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ أخَذَهُمَا مِنْ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-.
_________________
(١) الهِبَة: هي العَطِيّة الخَالِيَةُ عن الأعواض والأغراض. انظر النهاية (٥/ ٢٠٠).
(٢) ابتَاعَ الشيء: اشترَاهُ. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦).
(٤) ثَامِنُوني: أي قَرِّرُوا معي ثَمَنَهُ وبِيعُونِيه بالثَّمن. انظر النهاية (١/ ٢١٧).
(٥) الحَائِطُ: هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجِدَار. انظر النهاية (١/ ٤٤٤). قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٨٣): تقدم أنَّه كان مربدًا، فلعله كان أولًا حَائطًا ثم خِرَب فصار مربدًا، ويؤيدُه قوله كما سيأتي: إنه كان فيه نخلٌ وخِرَب.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأَنصار - باب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٣٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب ابتناء مسجد النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٢٤).
(٧) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١١٥).
[ ٢ / ١٥٩ ]
ولا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فيجْمَعُ بِأنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَمَّنْ يَخْتَصُّ بِمُلْكِهِ مِنْهُمْ فَعَيَّنُوا لَهُ الغُلَامَيْنِ فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، فَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الذِينَ قَالُوا لَهُ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَحَمَّلُوا عَنْهُ لِلْغُلَامَيْنِ بِالثَّمَنِ (١).
* كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي؟:
وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يصَلِّي قَبْلَ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، ويُصَلِّي في مَرَابِضِ الغَنَمِ (٢).
وَكَانَ في ذَلِكَ المِرْبَدِ قُبُورٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وفيهِ خِرَبٌ (٣) ونَخْلٌ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فنبِشَتْ، وبالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، وَكَانَتِ القِبْلَةُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ (٤) حِجَارَةً (٥).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٢/ ٩١) (٧/ ٦٥٨).
(٢) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٥/ ٨): هي مَبَاركها ومواضع مَبِيتِهَا ووضعها أجسادها على الأرض للاستِرَاحة. وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب أبوالِ الإبل والدوابِّ والغنمِ ومَرَابِضِهَا - رقم الحديث (٢٣٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب ابتِنَاء مسجد النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٢٤) (١٠).
(٣) الخِرَب: بكسر الخاء وفتح الراء، وهو الموضع المَحْرُوث للزراعة. انظر النهاية (٢/ ١٨).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٨٤): عِضَادَتَيْهِ بكسر العين وتخفيف المعجمة ثَنِيَّةُ عِضَادَة، وهي الخَشَبة التي على كتفِ الباب، ولكل باب عِضَادَتَانِ.
(٥) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٢٨) (٣٩٣٢) - وأخرجه مسلم - رقم الحديث (٥٢٤) (٩).
[ ٢ / ١٦٠ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتحِ: وفي الحَدِيثِ:
١ - جَوَازُ التَّصَرُّفِ في المَقْبَرَةِ المَمْلُوكَةِ بِالهِبَةِ والبَيْعِ.
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ نَبْشِ القُبُورِ الدَّارِسَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُحْتَرَمَةً.
وهَذَا الحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّ المُشْرِكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ حَيًّا ولَا مَيْتًا.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ في مَقَابِرِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ نَبْشِهَا، وإخْرَاجِ مَا فِيهَا.
٤ - وجَوَازُ بِنَاءِ المَسَاجِدِ في أمَاكِنِهَا.
٥ - وَقِيلَ: فِيهِ جَوَازُ قَطْعِ الأشْجَارِ المُثْمِرَةِ لِلْحَاجَةِ؛ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: وأمَرَ بالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُثْمِرُ، إمَّا بِأَنْ يَكُونَ ذُكُورًا، وإمَّا أَنْ يَكُونَ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا قَطَعَ ثَمَرَتَهُ (١).
* مُشَارَكَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- في بِنَاءِ المَسْجِدِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ (٢) والحِجَارَةَ في بُنْيَانِهِ، وهُوَ يَقُولُ -ﷺ-:
هَذَا الحِمَالُ (٣) لَا حِمَالَ خَيْبَرِ هَذَا أَبرّ رَبِّنَا وَأَطْهَرِ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٢/ ٩٢).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٨): اللبِنُ: هو الطُّوب المعمول من الطِّين.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٨): أي هذا المحمول من اللبن (أبَرّ) عند اللَّه، أي أبقى ذُخرًا وأكثر ثَوابًا، وأدوم منفعةً، وأشدّ طهارةً من حِمَال خيبر، أي التي يُحمل منها التمر والزبيب ونحو ذلك.
[ ٢ / ١٦١ ]
ويَقُولُ -ﷺ- أَيْضًا:
اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ فَارْحَمِ الأَنْصَارَ والمُهَاجِرَهْ
فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ ﵃ الرَّسُولَ -ﷺ- يَعْمَلُ مَعَهُمْ، قَالَ قَائِلُهُمْ:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ لَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ
وكَانُوا يُنْشِدُونَ وهُمْ يَعْمَلُونَ:
اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ
فَيُجِيبُهُمُ الرَّسُولُ -ﷺ-:
اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ (١)
* أَعْطُوا طَلْقَ اليَمَامِيَّ المِسْحَاةَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَدِّمُ في العَمَلِ مَنْ يُجِيدُ جَانِبًا مِنْهُ، ويُشَجِّعُ المَوَاهِبَ، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ اليَمَامِيِّ الحَنَفِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: جِئْتُ إلى النَّبِيِّ -ﷺ-
_________________
(١) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦) - وباب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٣٢) - مسلم في صحيحه - كتاب المساجد - باب ابتناء مسجد النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٢٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢١٧٨) (١٣٢٠٨) (١٣٥٦١).
[ ٢ / ١٦٢ ]
وأصْحَابُهُ يَبْنُونَ المَسْجِدَ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ عَمَلُهُمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ المِسْحَاةَ (١)، فَخَلَطْتُ بِهَا الطِّينَ، فكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ أَخْذِي المِسْحَاةَ وَعَمَلِي، فَقَالَ -ﷺ-: "دَعُوا الحَنَفِيَّ وَالطِّينَ، فَإِنَّهُ أضْبَطُكُمْ لِلطِّينِ" (٢).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ -ﷺ-: "قَدِّمُوا اليَمَامِيَّ مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّهُ أحْسَنكُمْ لَهُ مَسًّا، وأشَدُّكُمْ مِنْكَبًا" (٣).
وكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- يَقُولُ:
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ المَسَاجِدَا يَدْأَبُ فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدا
وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائِدًا (٤)
* شِدَّةُ عَمَّارٍ -﵁- في العَمَلِ:
وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَحْمِلُونَ لَبِنَة لَبِنَةً، وجَعَلَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ -﵁- يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ (٥)، وكَانَ رَجُلًا ضَابِطًا (٦)، فَرَآهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَجَعَلَ يَنْفُضُ
_________________
(١) المِسْحَاة: هي المِجْرَفَة من الحديد. انظر النهاية (٤/ ٢٨٠).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٠٠٩/ ٣١).
(٣) المِنكب: هو ما بين الكتفِ والعنقِ، أَرادَ -ﷺ- قوّته على التحمل. انظر النهاية (٥/ ٩٩). والحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٠٠٩/ ٢٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب نَواقض الوضوء - رقم الحديث (١١٢٢).
(٤) أورد ذلك الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٩).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١١٢): فيه جوازُ ارتكابِ المَشَقَّة في عَمَل البِرّ.
(٦) الضَّابِطُ: الشديدُ البَطْشِ والقوةِ والجِسْم. انظر لسان العرب (٨/ ١٦) - النهاية (٣/ ٦٧).
[ ٢ / ١٦٣ ]
التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ (١) وهُوَ يَقُولُ: "يَا عَمَّارُ ألَا تَحْمِلُ مَا يَحْمِلُ أصْحَابُكَ؟ " قَالَ: إنِّي أُرِيدُ الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "ابْنَ سمَيَّةَ، لِلنَّاسِ أَجْرٌ وَلَكَ أجْرَانِ، وآخِرُ زَادِكَ شَرْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ (٢)، وتَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" (٣).
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ -ﷺ- لمَّا رَأَى عَمَّارَ بنَ يَاسِرٍ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ: "وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُله الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إلى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلى النَّارِ" (٤).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١١٢): فيه إكرامُ العاملِ في سبيل اللَّه والإحسان إليه بالفعل والقول.
(٢) أخرج الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٨٨٠) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٥٧٠٩) - والحديث صحيح - عن أبي البختري قال: قال عمَّار يوم صِفِّين: ائتُوني بشَربَةِ لبَنٍ، فإن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قال: "آخر شَرْبَةٍ تشربها من الدنيا شَرْبة لَبَنٍ"، فأُتِيَ بشربةِ لَبَنٍ، فشربها، ثم تَقَدَّم فَقُتِل.
(٣) أورد هذا الحديث الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٣) وقال: هذا إسناد على شرط الصحيحين. قلتُ: وقع في صحيح مسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتَّى يَمُرُّ الرَّجل بقبرِ الرَّجل - رقم الحديث (٢٩١٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٤٨٢) - أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قال لعمارٍ -﵁-، حين جعل يَحْفِرُ الخندقَ: "تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ". والإشكال هنا قوله: يحفِرُ الخندق. قال البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٤٩): يُشبه أن يكون ذِكْر الخَنْدق وهمًا، أو كان قد قال له ذلك عند بناء المسجد، وقالها يوم الخندقِ، واللَّه أعلم. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٣): حَمْلُ اللبن في حَفْرِ الخندقِ لا معنى له، والظاهر أنَّه اشتَبَه على النَّاقل، واللَّه أعلم.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١١٢): فإن قِيل كان قَتْلُ عمار -﵁- بِصِفِّين سنة (٣٦ هـ) وهو مع علي -﵁-، والذين قتَلوه مع معاوية -﵁-، وكان معه جماعة من الصَّحَابَة، فكيف يجوزُ عليهم الدعاء إلى النَّار؟ =
[ ٢ / ١٦٤ ]
فَقَالَ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ (١).
* قَوْلَةُ جَمِيلةٌ لِلْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ:
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: . . . وَقَدْ كَانَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ صِفِّينَ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنَ السَّبِّ، السَّيْفُ، فَإِنْ صَحَّ شَيءٌ، فَسَبِيلُنَا الْكَفُّ وَالِاسْتِغْفَارُ لِلصَّحَابَةِ، وَلَا نُحِبُّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ (٢).
* كَمِ اسْتَغْرَقَ بِنَاءُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ؟:
واسْتَغْرَقَ بِنَاءُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا (٣)، وكَانَ في أبْسَطِ صُورَةٍ، فِرَاشُهُ الرِّمَالُ، وأعْمِدَتُهُ جُذُوعُ النَّخْلِ، وسَقْفُهُ جَرِيدُ النَّخْلِ (٤)، وطُولُهُ
_________________
(١) = فالجوابُ: أنَّهم كانوا ظانين أنَّهم يدعون إلى الجنة، وهم مجتهدون لا لَوْم عليهم في اتباع ظُنُونهم، فالمرادُ بالدعاء إلى الجنةِ الدُّعاء إلى سَبَبِها، وهو طاعةُ الإِمام، وكذلك كان عمَّار -﵁- يَدْعوهم إلى طاعة علي -﵁- وهو الإِمام الواجِبُ الطاعَةِ إِذْ ذَاك، وكانوا هم يَدعون إلى خلافِ ذلك، لكنهم مَعْذُورُونَ للتأويل الذي ظهَر لهم.
(٢) أخرج قِصَّةَ بناءِ المسجدِ النبوي: البخاري في صحيحه - كتاب فضائل الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦) - وباب مقدم الرسول -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٣٢) - وأخرجها في كتاب الصلاة - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية - رقم الحديث (٤٢٨) - باب التعاون في بناء المسجد - رقم الحديث (٤٤٧) - وأخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب ابتناء مسجد النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٢٤) - وأخرجها في كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتَّى يمر الرَّجل بقبر الرَّجل - رقم الحديث (٢٩١٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢١٧٨) - (٢٦٥٦٣).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٩).
(٤) جاء ذلك في رواية عبد اللَّه بن الزبير عند البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٩).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب بنيان المسجد - رقم الحديث (٤٤٦) =
[ ٢ / ١٦٥ ]
مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ إلى مُؤَخِّرِهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ، والجَانِبَانِ مِثْلُ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ (١).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَسْجِدَ، جَاءَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ -﵁- بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ -﵁- بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَؤُلَاءِ وُلَاةُ الأَمْرِ مِنْ بَعْدِي" (٢).
فهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ.
* بِنَاءُ الحُجُرَاتِ:
وبَعْدَ الفَرَاغِ مِنْ بِنَاءِ المَسْجِدِ، بُنِيَتِ الحُجُرَاتُ لِأَزْوَاجِ الرَّسُولِ -ﷺ- حَوْلَ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، وسُقِّفَتْ بِالجَرِيدِ، وجُذُوعِ النَّخْلِ؛ لِتَكُونَ مَسَاكِنَ لرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وأهْلِهِ، فكان لسَوْدَةَ بِنتِ زَمْعَةَ بَيْت ﵂، وآخَرُ لِعَائِشَةَ ﵂؛ لأَنَّهُ -ﷺ- لَمْ يَكُنْ تَزَوَّجَ في ذَلِكَ الوَقْتِ إِلَّا سَوْدَةَ وعَائِشَةَ ﵄ (٣).
_________________
(١) = - وأخرجه في كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإِسلام - رقم الحديث (٣٥٨٥).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١١٥).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب إخباره -ﷺ- بولاة الأمر من بعده - رقم الحديث (٤٣٤١) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٣٢) - وقال: غريب جدًا بهذا السياق - وانظر السلسلة الضعيفة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٦١٩١).
(٤) انظر شرح المواهب (٢/ ١٨٥) - البداية والنهاية (٣/ ٢٣٤).
[ ٢ / ١٦٦ ]
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ دَاوُدَ بنِ قَيْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ الحُجُرَاتِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، مُغَشَّيًا مْن خَارجٍ بِمُسُوحِ (١) الشَّعْرِ، وأظُنُّ عَرَضَ البَيْتَ مِنْ بَابِ الحُجْرَةِ إلى بَابِ البَيْتِ نَحْوًا مِنْ سِتِّ أَوْ سَبْعِ أذْرُعٍ، وأَحْرِزَ البَيْتَ الدَّاخِلَ عَشْرَ أذْرُعٍ، وأظُنُّ سُمْكَهُ بَيْنَ الثَّمَانِ والسَّبْعِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَوَقَفْتُ عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَقْبِلٌ المَغْرِبَ (٢).
ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ كَذَلِكَ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ هِلَالٍ: أَنَّهُ رَأَى حُجَرَ أزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ جَرِيدٍ مَسْتُورَةٍ بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ بَيْتِ عَائِشَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ بَابُهُ مِنْ وِجْهَةِ الشَّامِ.
فَقُلْتُ لَهُ: مِصْرَاعًا كَانَ أَوْ مِصْرَاعَيْنِ؟
قَالَ: كَانَ بَابًا وَاحِدًا.
قُلْتُ: مِنْ أيِّ شَيْءٍ كَانَ؟
قَالَ: مِنْ عَرْعَرٍ أَوْ سَاجٍ (٣).
وَكَانَتْ مَسَاكِنَ قَصِيرَةَ البِنَاءِ، فَقَدْ روى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ
_________________
(١) مُسُوح الشعر: جمع مِسْح بكسر الميم: وهو الكساء من الشعر. انظر لسان العرب (١٣/ ١٠١).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٤٥١).
(٣) السَّاج: خشب يُجلب من الهند، واحدتها ساجة. انظر لسان العرب (٦/ ٤١٩). أخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٧٧٦).
[ ٢ / ١٦٧ ]
بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀ قَالَ: كُنْتُ أدْخُلُ بُيُوتَ أزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- في خِلَافَةِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ -﵁-، فَأَتَنَاوَلُ سَقْفُهَا بِيَدِي (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ ﵀ كَانَ ضَخْمًا طِوَالًا (٢).
وَقَدْ أُضِيفَتْ هَذِهِ البُيُوتُ إلى المَسْجِدِ بَعْدَ مَوْتِ أزْوَاجِ الرَّسُولِ -ﷺ- (٣).
* تَوْسِعَةُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ:
وَظَلَّ المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ عَلَى حَالِهِ الذِي بَنَاهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى كَثُرَ النَّاسُ وضَاقَ المَسْجِدُ، وذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، فَأَدْخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الأَرْضَ التِي اشْتَرَاهَا عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁- بِعِشْرِينَ أَلْفا أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا.
أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أشْرَفَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁-، وهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ يُوَسِّعْ لَنَا بِهَذَا البَيْتِ في المَسْجدِ بِبَيْتٍ لَهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٤٥٠).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٣٤).
(٣) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٣٤).
[ ٢ / ١٦٨ ]
فِي الجَنَّةِ؟ "، فَابْتَعْتُهُ (١) مِنْ مَالِي فَوَسَّعْتُ بِهِ المَسْجِدَ (٢).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ الْأَحْنَفُ بنُ قَيْسٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ -﵁- قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا؟ فَأَتيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهُ: قَدِ ابْتَعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: "اجْعَلْهُ في مَسْجِدِنَا وأَجْرُهُ لَكَ" (٣).
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بَسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ ثُمَامَةَ بنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: . . . قَالَ عُثْمَانُ -﵁-: . . . أَنْشُدُكُمُ اللَّه وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ المَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ، فَيَزِيدُهَا في المَسْجدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا في الجَنَّةِ؟ " فَاشْترَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي (٤).
* تَوْسِعَةُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ في زَمَنِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ:
وظَلَّ المَسْجِدُ كَذَلِكَ مُدَّةَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ
_________________
(١) ابتاع الشيء: اشتراه. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٢٠).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب معرفة اللَّه ﷻ لعثمان بن عفان -﵁ - رقم الحديث (٦٩٢٠).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعة - كتاب المناقب - باب مناقب عثمان بن عفان -﵁- رقم الحديث (٤٠٣٦) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب الأحباس - باب وقف المساجد - رقم الحديث (٦٤٠٢).
[ ٢ / ١٦٩ ]
شَيْئًا، وَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، وَسَّعَهُ وَزَادَ فِيهِ، وبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- باللَّبِنِ والجَرِيدِ، وأعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا (١).
وَقَدْ نَهَى عُمَرُ -﵁- عَنْ زَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْغِلُ النَّاسَ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِه عَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ -عِنْدَمَا أَمَرَ ببنَاءِ الْمَسْجِدِ-: أَكِنَّ (٢) النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فتَفْتِنَ النَّاسَ (٣).
ثُمَ لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ -﵁- غَيَّرَهُ، وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالقَصَّةِ (٤)، وجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَة مَنْقُوشَةٍ، وسَقْفَهُ مِنْ سَاجٍ (٥).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: زَادَهُ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁- مُتَأَوِّلًا
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب بُنيان المسجد - رقم الحديث (٤٤٦).
(٢) الكِنُّ: وقاء كل شيء وستره. انظر لسان العرب (١٢/ ١٧٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا - كتاب الصلاة - باب بُنيانِ المسجد.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١١٠): القَصَّة بفتح القاف وتشديد الصاد، وهي الجِصُّ بلغةِ أهل الحجاز.
(٥) السَّاجُ: خشب يُجلب من الهند، واحدتها ساجة. انظر لسان العرب (٦/ ٤١٩). وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب بنيان المسجد - رقم الحديث (٤٤٦).
[ ٢ / ١٧٠ ]
قَوْلَهُ -ﷺ-: "مَنْ بَنَى للَّهِ مَسْجِدًا كمِفْحَصِ (١) قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ" (٢). وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ المَوْجُودُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ بَعْدَهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلِ العُلَمَاءِ أَنَّ حُكْمَ الزِّيَادَةِ حُكْمَ المَزِيدِ، فتَدْخُلُ الزِّيَادَةُ في حُكْمِ سَائِرِ المَسْجِدِ مِنْ تَضْعِيفِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَشَدِّ الرِّحَالِ إلَيهِ (٣).
* مَكَانَةُ المَسْجِدِ فِي الإِسْلَامِ:
وَلَمْ يَكُنِ المَسْجِدُ مَوْضِعًا لِأَدَاءَ الصَّلَاةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ جَامِعَةً يَتَلَقَّى فِيهَا المُسْلِمُونَ تَعَالِيمَ الإِسْلَامِ وَتَوْجِيهَاتِهِ، ومُنْتَدى تَلْتَقِي فِيهِ العَنَاصِرُ القَبَلِيَّةُ المُخْتَلِفَةُ التِي طَالَمَا نَافَرَتْ بَيْنَهَا النَّزعَاتُ الجَاهِلِيَّةُ وحُرُوبُهَا، وقَاعِدَةً لِإِدَارَةِ جَمِيعِ الشُّؤُونِ، وبَثِّ الِانْطِلَاقَاتِ، وبَرْلَمَانًا لِعَقْدِ المَجَالِسِ الِاسْتِشَارِيَّةِ والتَّنْفِيذِيَّةِ.
وَكَانَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ دَارًا يَسْكُنُ فِيهَا عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ
_________________
(١) المِفْحَصُ: هو موضعُ القَطَاةِ الذي تَجْثُمُ فيه وتَبِيض، كأنها تَفْحَصُ عنه التُّرابَ: أي تكشِفُه، والفَحْصُ: البَحْثُ والكَشْفُ، والقَطَاة: هو طائرٌ معروفٌ بخِفَّةِ الحَرَكة. انظر النهاية (٣/ ٣٧٢).
(٢) أخرج هذا الحديث ابن ماجه في سننه - كتاب المساجد - باب من بني للَّه مسجدًّا - رقم الحديث (٧٣٨) - والطحاوي في شرح المشكل - رقم الحديث (١٥٥٧) - وإسناده صحيح.
(٣) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٣٠).
[ ٢ / ١٧١ ]
اللَّاجِئِينَ، الذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هُنَاكَ دَارٌ، وَلَا مَالٌ، وَلَا أهْلٌ، وَلَا بَنُونَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُجَالِسُهُمْ ويَأْنَسُ بِهِمْ، وكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَهْلَ الصُّفَّةِ (١).
قَالَ الشَّيْخُ محمَّد الغَزَالي ﵀: وتَمَّ بِنَاءُ المَسْجِدِ في حُدُودِ البَسَاطَةِ، فراشه الرمال والحصباء (٢)، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، ورُبَّمَا أمْطَرَتِ السَّمَاءُ فَأَوْحَلَتْ (٣) أرْضُهُ (٤)، وَقَدْ تَفْلُتُ الكِلَابُ إِلَيْهِ فَتَغْدُو وتَرُوحُ (٥)
_________________
(١) الصُّفَّةُ: هو موضعٌ مُظَلَّلٌ في المسجد النبوي كان تَأْوِي إليه الفقراء والمساكين من لم يكن له منهم منزل. انظر النهاية (٣/ ٣٥). قال الحافظ في الفتح (٧/ ٢٩٦): كانت الصفة في مؤخر المسجد معدَّةٌ لفقراء أصحابه -ﷺ- غير المتأهلين، وكانوا يكثرون تارة حتَّى يبلغوا المائتين، ويقلون أخرى لإرسالهم في الجهاد وتعليم القرآن.
(٢) الحصباء: الحصى الصغار. انظر النهاية (١/ ٣٧٨).
(٣) الوَحَلُ: بالتحريك هو الطِّينُ الرَّقِيقُ. انظر النهاية (٥/ ١٤٢).
(٤) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٢٠١٦) من حديث أبي سلمة، قال: سأَلتُ أَبا سعيد - وكان لي صَدِيقًا - فقال: . . . قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "إنِّي أُريت ليلةَ القَدْر ثم أُنسِيتها -أو نُسِّيتها- فالتَمِسُوها في العشْرِ الأوَاخِرِ في الوِتْر، وإني رأيتُ أني أسْجُدُ في مَاءٍ وطِينٍ، فمَنْ كان اعتَكَف مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فليرجِعْ"، فرجَعْنا، وما نرَى في السَّماء قزَعَةً -بفتح القاف والزاي أي قطعةٌ من سحَابٍ رَقِيقة-، فجاءت سحَابة فمَطرت حتَّى سَال سَقْفُ المَسْجِدِ، وكان من جَرِيد النخلِ، وأُقيمت الصلاة، فرأيتُ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يَسْجُدُ في الماء والطين، حتَّى رأيتُ أثَرَ الطينِ في جَبْهَتِهِ.
(٥) أخرج البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٧٤) عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: كانت الكِلابُ تُقْبِل وتُدْبِرُ في المسجدِ في زمانِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فلم يَكُونُوا يَرُشُّونَ شيئًا من ذلك. قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٧٣): والأقرب أن يُقال: إن ذلك كان في ابتِدَاء الحالِ على أصلِ الإباحة، ثمَّ ورَدَ الأمرُ بتكريمِ المَسَاجد وتَطْهِيرها وجَعْلِ الأبوابِ عليها.
[ ٢ / ١٧٢ ]
هَذَا البِنَاءُ المُتَوَاضِعُ، هُوَ الذِي رَبَّى مَلَائِكَةَ البَشَرِ، ومُؤَدِّبِي الجَبَابِرَةِ، ومُلُوكَ الدَّارِ الآخِرَةِ.
إِنَّ مَكَانَةَ المَسْجِدِ في المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، تَجْعَلُهُ مَصْدَرَ التَّوْجِيهِ الرُّوحِيِّ والمَادِّيِّ، فَهُوَ سَاحَةٌ لِلْعِبَادَةِ، ومَدْرَسَةٌ لِلْعِلْمِ، ونَدْوَةٌ لِلْأَدَبِ، وَقَدِ ارْتَبَطَتْ بِفَرِيضَةِ الصَّلَاةِ وصُفُوفِهَا أخْلَاقٌ وتَقَالِيدُ هِيَ لُبَابُ الإِسْلامِ (١).
* بِنَاءُ المِنْبَرِ:
وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ النَّاسَ مُسْتَنِدًا إلى جِذْعِ نَخْلَةٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ -وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ- قَالَ لَهُ أصْحَاُبهُ: لَوِ اتَّخَذْتَ شَيْئًا تَقُومُ عَلَيْهِ إِذَا خَطَبْتَ حَتَّى يَرَاكَ النَّاسُ، فَأَمَرَ ببنَاءَ المِنْبَرِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ، وقَامَ عَلَيْهِ حَنَّ (٢) ذَلِكَ الجِذْعُ إِلَيْهِ، وَسُمعَ لَهُ صِيَاحٌ كَصِيَاحِ الصَّبِيِّ، أَوْ صَوْتٌ كَصَوْتِ العِشَارِ (٣)، حَتَّى أتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَمَسَحَ عَلَيْهِ فَسَكَنَ.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحهِ عَنْ جَابرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ (٤)، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ
_________________
(١) انظر فقه السيرة ص ١٧٨ للشيخ محمَّد الغزالي ﵀.
(٢) حَنَّ: أي نَزَعَ واشتَاقَ، وأصلُ الحنينِ تَرْجِيعُ النَّاقَةِ صَوْتها إثْرَ وَلَدها. انظر النهاية (١/ ٤٣٥).
(٣) العِشَارُ: جمع عُشَراء بضم العين وفتح الشين، هي الناقة التي أتى على حَمْلِها عَشَرَةُ أشهر. انظر النهاية (٣/ ٢١٧).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٠٦): هو شكٌّ من الراوي، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق وكيع عن عبد الواحد "فقامَ إلى نَخْلَةٍ" ولم يشك.
[ ٢ / ١٧٣ ]
مِنَ الأَنْصَارِ -أَوْ رَجُلٌ (١) -: يَا رَسُولَ اللَّهِ ألَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا (٢)؟
قَالَ: "إِنْ شِئْتُمْ" فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبرًا.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ دُفِعَ إلى المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذِي يُسَكَّنُ. قَالَ: كَانَتْ تَبْكِي مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا (٣).
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ: كَانَ المَسْجِدُ مَسْقُوفًا جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إلى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ فَكَانَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ العِشَارِ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَسَكَنَتْ (٤).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٠٦): شَكٌّ من الراوي والمعتمدُ الأول -أي امرأة-.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١١٤): فإن قِيلَ ظاهرُ سِيَاق حديث جابر هذا مُخَالف لسِياق حديث سَهْلٍ الذي أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٩١٧): أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أرسلَ إلى امرأةٍ من الْأَنصار فقال لها: مُرِي غُلامك النَّجَّار. لأنَّ في حديث جابر أن المرأة هي التي ابتدأت بالعَرْض، وفي حديث سهل أنَّه هو -ﷺ- الذي أرسل إليها يَطْلُبُ ذلك. أجابَ ابن بَطال: باحتمالِ أن تكون المرأةُ ابتدَأت بالسؤالِ مُتَبَرِّعَةً بذلك، فلما وصَل لها القَبُولُ أمكن أن يبطِيَّ الغلام بِعَمله، فأرسل يَسْتَنْجِزُهَا إتمَامَهُ لعلمِهِ بِطِيبِ نفسها بما بَذَلَتْهُ، ويمكنُ إرساله إليها ليعرفها بِصِفَةِ ما يَصْنَعُهُ الغلامُ من الأعْوَادِ، وأن يكون ذلك مِنْبرًا.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإِسلام - رقم الحديث (٣٥٨٤). وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٢٠٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإِسلام - رقم الحديث (٣٥٨٥).
[ ٢ / ١٧٤ ]
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابنُ مَاجَه والطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ؛ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (١).
* قَوْلَةٌ جَمِيلةٌ للحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀:
رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثَ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، الخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إلى لِقَائِهِ (٢).
* مَصِيرُ الجِذْعِ:
رَوَى الدَّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ بريْدَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِلْجِذْعِ بَعْدَ أَنْ هَدَّأَهُ: "اخْتَرْ أَنْ أغْرِسَكَ في المَكَانِ الذِي كُنْتَ فِيهِ فتَكُونَ كَمَا كنْتَ -يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ جِذْعًا- وَإنْ شِئْتَ أَنْ أَغْرِسَكَ في الجَنَّةِ؛ فتَشْرَبَ مِنْ أنْهَارِهَا فَيَحْسُنُ نَبْتُكَ، وتُثْمِرُ، فَيَأْكُلُ مِنْكَ أوْلِيَاءُ اللَّهِ"، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "اختَارَ أَنْ أغْرِسَهُ في الجَنَّةِ" (٣).
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٣٦). وابن ماجه في سننه - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء في بدء شأن المنبر - رقم الحديث (١٤١٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤١٧٧).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب المعجزات - رقم الحديث (٦٥٠٧).
(٣) أورده الحافظ في الفتح (٧/ ٣٠٧)، وعزاه إلى الدارمي في مسنده.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وعِنْدَ ابنِ مَاجَه، والطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . فَلَمَّا هُدِمَ المَسْجِدُ وَغُيِّرَ، أَخَذْتُ ذَلِكَ الجِذْع، فَلَمْ يَزلْ عِنْدِي في بَيْتِي حَتَّى بَلِيَ، فَأَكَلَتْهُ الْأَرَضَةُ، وعَادَ رُفَاتًا (١).
قَالَ الحَافِظُ: وَهَذَا -أيْ قَوْلُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ -﵁- لَا يُنَافِي مِنْ أَنَّهُ دُفِنَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ظَهَرَ بَعْدَ الهَدْمِ عِنْدَ التَّنْظِيفِ، فَأَخَذَهُ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ﵁ (٢).
* فَضَائِلُ المِنْبَرِ:
جَاءَتْ أحَادِيثُ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ هَذَا المِنْبَرِ فَمِنْ ذَلِكَ: مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "قَوَائِمُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ (٣) في الجَنَّةِ" (٤).
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والنَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء في بدء شأن المنبر - رقم الحديث (١٤١٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤١٧٦).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٣٠٧).
(٣) قال الإِمام السندي في شرح المسند (١٤/ ٤٢٢): الرُّتُوبُ: الثُّبُوتُ والدَّوام، والرَّوَاتب جمع رَاتِبَة، وهذا إما كِنَاية عن ثُبُوت المِنْبَرِ له في الجنةِ، أو بيان أن مِنْبره الذي كان له في الدنيا يُنقلُ إلى الجنة.
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٤٧٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل المدينة - رقم الحديث (٣٧٤٩).
[ ٢ / ١٧٦ ]
عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مِنْبَرِي هَذَا عَلَى تُرْعَةٍ (١) مِنْ تُرَع الجَنَّةِ" (٢).
وَروَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي" (٣).
قَالَ الْحَافِظُ في الفتْحِ: أَيْ كَرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ في نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُصُولِ السَّعَادَةِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ مُلازَمَةِ حِلَقِ الذِّكْرِ لَا سِيَّمَا في عَهْدِهِ -ﷺ- فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ أَدَاةٍ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا تُؤَدِّي إلى الْجَنَّةِ فَيَكُونُ مَجَازًا، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَوْضَةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِأَنْ يَنتقِلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِعَيْنِهِ في الْآخِرَةِ إلى الْجَنَّةِ (٤).
_________________
(١) التُرْعَةُ في الأصل: الرَّوضة على المكان المُرْتَفِعِ خَاصَّةً. قال القتَيْبِي: معناهُ أن الصلاةَ والذِّكْرَ في هذا المَوْضِع يُؤَدِّيَان إلى الجنة، فكأنَّه قِطْعَة منها. انظر النهاية (١/ ١٨٣).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٧٢١) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - بابُ المنبر - رقم الحديث (٤٢٧٤).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٤/ ٥٨٩): قوله -ﷺ-: "ومِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي": أي يُنْقَلُ يوم القيامةِ فيُنْصَبُ على الحوضِ، وقال الأكثرُ: المراد مِنبري بِعَينه الذي قال هذه المَقالة وهو فَوْقه، وقيل: المراد المِنبر الذي يوضعُ له يوم القيامة، والأول أظهر. والحديثُ أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة - باب (١٢) - رقم الحديث (١٨٨٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب ما بين القبر والبيت روضة من رياض الجنة - رقم الحديث (١٣٩١).
(٤) انظر فتح الباري (٤/ ٥٨٩).
[ ٢ / ١٧٧ ]
* فَضَائِلُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ:
أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "صَلَاةٌ في مَسْجدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ" (١).
وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ والإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ خَيْرَ مَا رُكبَتِ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ (٢)، مَسْجدِي هَذَا، والبَيْتُ العَتِيقُ" (٣).
وأخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنِّي آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجدِي آخِرُ المَسَاجِدِ" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة - رقم الحديث (١١٩٠). وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة - رقم الحديث (١٣٩٤).
(٢) الرَّاحِلَة منَ الإبل: هو البَعير القوي في الأسْفَارِ والأحْمَال، والذَّكر والأنثى فيه سَواء. انظر النهاية (٢/ ١٩١).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب المساجد - رقم الحديث (١٦١٦). وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٨٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٦).
(٤) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة - رقم الحديث (١٣٩٤) (٥٠٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب المساجد - رقم الحديث (١٦٢١).
[ ٢ / ١٧٨ ]
قَالَ الإِمَامُ السِّنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ: أيْ آخِرُ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ المَشْهُودِ لَهَا بِالفَضْلِ، أَوْ آخِرُ مَسَاجِدِ الأنْبِيَاءَ، أَوْ أَنَّهُ يَبْقَى آخِرَ المَسَاجِدِ، ويَتَأَخَّرُ عَنِ المَسَاجِدِ الأُخَرِ في الفَنَاءَ.
وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ الرَّسولِ -ﷺ- (١)، ومَسْجِدِ الأَقْصَى" (٢).
* * *
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٣٨٥/ ٣): وفي العُدُول عن مسجدي إشَارة إلى التَّعظيم، ويحتمل أن يكون ذلك من تَصَرُّف الرواة، ويُؤَيِّدُهُ قوله في حديث أبي سعيد: "ومَسْجدِي".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة - رقم الحديث (١١٨٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل المساجد الثلاثة - رقم الحديث (١٣٩٧).
[ ٢ / ١٧٩ ]
ثَانِيًا: المُؤَاخَاةُ (١) بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ
العَمَلُ الثَّانِي الذِي قَامَ بِهِ الرَّسُولُ -ﷺ- بَعْدَ بِنَائِهِ المَسْجِدَ هُوَ عَقْدُ المُؤَاخَاةِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، وذَلِكَ أَنَّ المُهَاجِرِينَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، لِأَنَّهُمْ ترَكُوا أمْوَالَهُمْ خَلْفَهُمْ، فَأَرَادَ الرَّسُولُ -ﷺ- حَلَّ هَذِهِ الأَزْمَةِ المَادِّيَّةِ التِي اجْتَاحَتِ المُهَاجِرِينَ.
وعُقِدَتِ المُؤَاخَاةُ في دَارِ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- (٢).
_________________
(١) قال الشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في فقه السيرة ص ١٧٩: ومعنى هذا الإخَاء أن تَذُوب عَصَبِيَّات الجاهلية، فلا حَمِيَّة إِلَّا للإسلام. وقال الشيخ أبو الحسن النَّدْوي في كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة ص ١٩٨: وكان هذا الإخاءُ أساسًا لإِخَاءٍ إسلامي عالَمِي فريدٍ من نوعه، ومقدمةً لنَهْضَة أمةٍ ذات دَعوة ورسالة، تنطلق لصِيَاغة عالمٍ جديد، قائِمٍ على عقائِدَ صحيحة معينة، وأهدافٍ صالحة مُنْقِذَةٍ للعالم من الشَّقاء والتَّنَاحُر والانتحار، وعلى علاقات جديدة من الإيمان والإخَاء المعنوي والعمل المشترك، وكان هذا الإخاء المَحْدُود بين المهاجرين والأَنْصار طَلِيعَةً وشَرِيطَةً لاستئناف حياةٍ جديدة للعالم والإنسانية.
(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الكفالة - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ - رقم الحديث (٢٢٩٤) - وأخرجه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب ما ذَكَر النبي -ﷺ-. . . - رقم الحديث (٧٣٤٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب مؤاخاة النبي -ﷺ- بين أصحابه ﵃ - رقم الحديث (٢٥٢٩) (٢٠٤) (٢٠٥).
[ ٢ / ١٨٠ ]
وفِي رِوَايَةٍ أَنَّ المُؤَاخَاةَ عُقِدَتْ في المَسْجِدِ (١).
وكَانُوا تِسْعِينَ رَجُلًا، نِصْفُهُمْ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ونِصْفُهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ، وقِيلَ كَانُوا مِائَةً، فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَهُمْ عَلَى الحَقِّ وَالمُوَاسَاةِ، ويَتَوَارَثُونَ بَعْدَ المَمَاتِ دُونَ ذَوِي رَحِمٍ (٢).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٣)، قَالَ -﵁-: كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ التِي آخَى النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ (٤).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: هَكَذَا وَقَعَ في هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ نَاسِخَ مِيرَاثِ الحَلِيفِ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، ورَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ
_________________
(١) قاله أبو سعيد في "شَرَف المصطفى" فيما نقله الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩٠)، وقد جمع بينهما الحافظ في الفتح (٤/ ٧٢٧) فقال: ويمكن الجَمْع على أن ابتداء المؤاخاة كان في أوائل قدومه -ﷺ- المدينة، واستمَرَّ يجددِّها بحسب من يَدخل الإِسلام أو يَحْضُرُ إلى المدينة، وهَلُمَّ جَرًّا، وليس باللازم أن تكون المُؤَاخاةُ وقَعَتْ دُفْعَةً واحدة.
(٢) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١١٠).
(٣) سورة النساء آية (٣٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب (٧) - رقم الحديث (٤٥٨٠) - وأخرجه في كتاب الفرائض - باب ذوي الأرحام - رقم الحديث (٦٧٤٧).
[ ٢ / ١٨١ ]
أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فنَسَخَ ذَلِكَ الأَنْفَالُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١)، ومِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءَ كَذَلِكَ، وهَذَا هُوَ المُعْتَمَدُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الأُوْلَى حَيْثُ كَانَ المُعَاقِدُ يَرِثُ وَحْدَهُ دُونَ العَصَبَةِ فنَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ فَصَارُوا جَمِيعًا يَرِثُونَ، وَعَلَى هَذَا يتَنَزَّلُ حَدِيثُ ابنِ عَبَّاس، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ آيةُ الأَحْزَابِ، وَخُصَّ المِيرَاثُ بِالعَصَبَةِ، وبَقِيَ للمُعَاقِدِ النَّصْرُ والإِرْفَادُ ونَحْوُهُمَا، وَعَلَى هَذَا يتَنَزَّلُ بَقِيَّةُ الآثَارِ (٢).
* قَوْلَةٌ جَمِيلةٌ لِلْإِمَامِ السُّهَيْلِيِّ:
قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: آخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ أَصْحَابِهِ حِينَ نَزَلُوا المَدِينَةَ؛ لِيُذْهِبَ عَنْهُمْ وَحْشَةَ الغُرْبَةِ وَيُؤْنِسَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ الأَهْلِ والعَشِيرَةِ، ويَشُدَّ أَزْرَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا عَزَّ الإِسْلَامُ واجْتَمَعَ الشَّمْلُ، وذَهَبَتِ الوَحْشَةُ، أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٣) أعْنِي في المِيرَاثِ، ثُمَّ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ إِخْوَةً، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٤) يَعْنِي في التَّوَادِّ وَشُمُولِ الدَّعْوَةِ (٥).
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٧٥) - والخبر أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الفرائض - باب نسخ ميراث العقد بميراث الرَّحم - رقم الحديث (٢٩٢١).
(٢) انظر فتح الباري (٩/ ١٢٢) - (١٣/ ٥١٧).
(٣) سورة الأنفال آية (٧٥).
(٤) سورة الحجرات آية (١٠).
(٥) انظر الرَّوْض الأُنُف (٢/ ٣٥٠).
[ ٢ / ١٨٢ ]
وَقَدْ شَدَّدَ اللَّهُ ﷾ عَقْدَ نَبِيِّهِ -ﷺ- وأَحْكَمَهُ بِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: ذَكَرَ تَعَالَى أصْنَافَ المُؤْمِنِينَ، وقَسَمَهُمْ إلى مُهَاجِرِينَ، خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وأمْوَالِهِمْ، وجَاؤُوا لِنَصْرِ اللَّهِ ورَسُولهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، وبَذَلُوا أمْوَالَهُمْ وأنْفُسَهُمْ في ذَلِكَ، وَإِلَى أنْصَارٍ، وهُمُ المُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ إِذْ ذَاكَ، آوَوْا إخْوَانَهُمْ المُهَاجِرِينَ في مَنَازِلهِمْ، ووَاسَوْهُمْ في أمْوَالِهِمْ، ونَصَرُوا اللَّه وَرَسُولَهُ بِالقِتَالِ مَعَهُمْ، فَهَؤُلَاءَ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ، أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمْ أَحَقُّ بِالآخَرِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ؛ وَلِهَذَا آخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، كُلُّ اثْنَيْنِ أخَوَانِ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ إِرْثًا مُقَدَّمًا عَلَى القَرَابَةِ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالمَوَارِيثِ (٢).
* كَمْ مَرَّةً حَدَثَتِ المُؤَاخَاةُ؟:
ذَكَرَ أصْحَابُ المَغَازِي أَنَّ المُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ:
_________________
(١) سورة الأنفال الآيات (٧٢ - ٧٤).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٩٥).
[ ٢ / ١٨٣ ]
* المَرَّةُ الأُولَى:
قَبْلَ الهِجْرَةِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى المُوَاسَاةِ والنُّصْرَةِ؛ لأنَّ بَعْضَ المُهَاجِرِينَ كَانَ أقْوَى مِنْ بَعْضٍ بِالمَالِ والعَشِيرَةِ والقُوَى، فَآخَى بَيْنَ الْأَعْلَى والأَدْنَى لِيَرْتَقِي الأدْنَى بِالْأَعَلَى، ويَسْتَعِينَ الأَعْلَى بالأدْنَى، وبِهَذَا تَظْهَرُ مُؤَاخَاتُهُ -ﷺ- لِعَلِيٍّ -﵁- (١)؛ لأنَّهُ هُوَ الذِي كَانَ يَقُومُ بِهِ مِنْ عَهْدِ الصِّبَا، مِنْ قَبْلِ البِعْثَةِ، واسْتَمَرَّ إلى مَا بَعْدَهَا، وكَذَا مُؤَاخَاةُ حَمْزَةَ وزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ؛ لأنَّ زَيْدًا مَوْلَاهُمْ، وَقَدْ ثَبَتَتْ أُخُوُّتُهُمَا في الصَّحِيحِ وَهُمَا مِنَ المُهَاجِرِينَ (٢)، وأخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، والبُخَارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عن أَبِي
_________________
(١) قلتُ: أنكَرَ ابنُ القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زاد المعاد (٣/ ٥٧) أخُوَّة الرسول -ﷺ- لعَلِيٍّ -﵁-. قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩٠) بعدَ أن سَاقَ بعض الآثار فيها مُؤَاخَاةُ الرسول -ﷺ- لعلي -﵁- قال رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وإذا انْضَمَّ هذا إلى ما تقَدَّمَ تَقْوَّى به. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٤): أما مُؤَاخَاةُ النبي -ﷺ- وعلي -﵁-، فإن منَ العُلَمَاء من يُنْكِرُ ذلك ويَمْنع صِحَّته، ومُسْتَنَدُهُ في ذلك أن هذه المُؤاخاة إنما شُرِعت لأجلِ ارْيفَاقِ بعضهم من بعض، وليتألفَ قُلوب بعضهم على بعضٍ، فلا مَعْنى لِمُؤاخاة النبي -ﷺ- لأحدٍ منهم، ولا مُهَاجري لِمُهَاجري آخر كما ذكره من مُؤَاخاة حَمْزة وزيد بن حَارِثَةَ، اللهم إِلَّا أن يكون النبي -ﷺ- لم يجعل مَصْلَحَة علي -﵁- إلى غيره، فإنَّه كان مِمَّن ينفق عليه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من صِغَره في حياةِ أَبيه أبي طالب، وكذلك يكونُ حَمْزَةُ قد الْتَزَم بمصالحِ مولاهم زيدِ بن حارثةَ، فآخاهُ بهذا الاعتبارِ، واللَّه أعلم.
(٢) أخرج قصَّة مؤاخاة حمزة -﵁- وزيد بن حارثة: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب عمرة القضاء - رقم الحديث (٤٢٥١).
[ ٢ / ١٨٤ ]
الشَّعْثَاءِ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَ الزُّبَيْرِ وابنِ مَسْعُودٍ (١) وهُمَا مِنَ المُهَاجِرِينَ.
* المَرَّةُ الثَّانِيَةُ:
ثُمَّ آخَى بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ، وذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ (٢).
وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ عَدَدًا كَبِيرًا مِمَّنْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَهُمْ فَقَالَ: وآخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فقال -ﷺ-: "تَآخُوا في اللَّهِ أَخَوَيْنِ أخَوَيْنِ":
١ - فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- مَعَ خَارِجَةَ بنِ زَيْدٍ -﵁- أخَوَيْنِ.
٢ - وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- مَعَ عِتْبَانَ بنِ مَالِكٍ -﵁- أخَوَيْنِ (٣).
٣ - وأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ -﵁- مَعَ أَبِي طَلْحَةَ -﵁- أخَوَيْنِ (٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب كان ابن مسعود سادس ستة في الإِسلام - رقم الحديث (٥٤٢٣) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٤٤٢)
(٢) انظر فتح الباري (٤/ ٧٢٧) (٧/ ٦٩٠).
(٣) هذا هو الصحيح، وبه جزم الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٥١)
(٤) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٥٢٨) ولفظه عن أنس -﵁- قال: أَنَّ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- آخى بين أبي عبيدة بن الجراح -﵁-، وبَيْن أبي طلحة -﵁-. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٤): والذي رواه مسلم أصَحُّ مما ذكره =
[ ٢ / ١٨٥ ]
٤ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁- مَعَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ -﵁- أخَوَيْنِ (١).
٥ - وجَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- مَعَ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ -﵁- أخَوَيْنِ (٢).
٦ - ومُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-، مَعَ أَبِي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ -﵁- أخَوَيْنِ (٣).
٧ - وأَبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ -﵁- مَعَ المُنْذِرِ بنِ عَمْرٍو -﵁- أخَوَيْنِ (٤).
٨ - وسَلْمَان الفَارِسِيَّ -﵁- مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- أخَوَيْنِ (٥).
_________________
(١) = ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١١٩) من مُؤَاخاة أبي عبيدة -﵁-، وسعدِ بن مُعَاذ -﵁-، واللَّه أعلم.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب كيف آخى النبي -ﷺ- بين أصحابه - رقم الحديث (٣٩٣٧).
(٣) هذا ما ذكر ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١١٩): وتعقَّبه ابنُ هشام فقال: إن جعفرَ بن أبي طالب -﵁- يومئذٍ غائبًا بأرضِ الحَبَشة، وإنما قدم جعفرُ المدينةَ في فَتْحِ خَيْبَرَ في أول سنة سبع من الهجرة.
(٤) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك عن الواقدي - كتاب معرفة الصحابة - باب مناقب أبي أَيُّوب الأنصاري - رقم الحديث (٥٩٨٣) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١١٩).
(٥) هذا ما ذكره ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١١٩) - وتعقبه الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩٠): بأن أَبا ذَرٍّ -﵁- تأخرتْ هِجْرَتُهُ حتَّى ذهبَتْ بَدْرٌ وأُحُدٌ والخَنْدَقُ.
(٦) هذا ما ذكره ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١١٩). وهو في صحيح البخاري - كتاب مناقب الأَنصار - باب كيف آخى النبي -ﷺ- بين أصحابه - وأخرجه في كتاب الصوم - باب من أقسَمَ على أخيه لِيُفْطِرَ في التطوع - رقم الحديث (١٩٦٨) من حديث أبي جُحَيفة -﵁- قال: آخى النبي -ﷺ- بين سَلْمَان -﵁-، وأبي الدَّرداء -﵁- قلتُ: أنكرَ الواقِدِيُّ فيما حكاه ابن سعد في طبقاته (٤/ ٣٦١) أن سلمان -﵁- إنما أسلم بعد وقعَةِ أُحد، وأول مشاهِدِه الخندق، وتعقَّبه الحافظ في الفتح (٤/ ٧٢٧) فقال =
[ ٢ / ١٨٦ ]
٩ - وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁- مَعَ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أخَوَيْنِ.
١٠ - والزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ -﵁- مَعَ سَلَمَةَ بنِ سَلَامَةِ بنِ وَقْشٍ -﵁- أخَوَيْنِ.
١١ - وبِلالُ بنُ رَبَاحٍ -﵁- مَعَ أَبِي رُوَيْحَةَ الخَثْعَمِيِّ -﵁- أخَوَيْنِ (١).
وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ التَّآخِّي إِلَّا بَيْنَ هَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أوَّلُ مَا آخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، وصَارَ يُجَدِّدُهَا بِحَسَبِ مَنْ يَأْتِي إلى المَدِينَةِ مُهَاجِرًا، ومَنْ دَخَلَ في الإِسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ.
* مَآثِرُ الأَنْصَارِ الخَالِدَةُ:
وَكَانَتْ عَوَاطِفُ الإِيثَارِ والمُوَاسَاةِ والمُؤَانَسَةِ تَمْتَزِجُ في هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وتَمْلَأُ المُجْتَمَعَ الجَدِيدَ بأرْوَعِ الأمْثِلَةِ (٢).
حَرِصَ الأَنْصَارُ ﵃ عَلَى الحَفَاوَةِ بإخْوَانِهِمُ المُهَاجِرِينَ، فَمَا نَزَلَ مُهَاجِرِيُّ عَلَى أنْصَارِيٍّ إِلَّا بِقُرْعَةٍ، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ العَلَاءِ الأنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ
_________________
(١) = والجوابُ أن ابتداءَ المُؤَاخاة كان في أوائلِ قُدُومه -ﷺ- المدينة، ثم كان النبي -ﷺ- يُؤَاخي بين مَنْ يأتي بعد ذلك، وهلُمَّ جَرًّا، وليس باللازم أن تكون المؤاخاةُ وقعتْ دُفعَةً واحدةً، حتَّى يُرَدَّ هذا التعقبُ، فصحَّ ما قاله ابن إسحاق - من مؤاخاة سلمان -﵁- وأبي الدرداء -﵁- وأيَّده هذا الخبر الذي في الصحيح، وارتَفَعَ الإشكالُ بهذا التقدير، وللَّه الحمد.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١١٩).
(٣) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللْهُ تَعَالَى ص ١٨٠.
[ ٢ / ١٨٧ ]
اقْترَعَتِ الأَنْصَارُ عَلَى سَكَنِهِمْ (١).
ولقدْ ضَرَبَ الأَنْصَارُ ﵃ أرْوَعَ الأمْثِلَةِ في الإيثَارِ لِإِخْوَانِهِمُ المُهَاجِرِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ -أي المُهَاجِرُونَ- آخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ: إنِّي أكْثَرُ الأَنْصَارِ مالًا، فَاقْسِمْ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِيَ امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقُهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فتَزَوَّجْهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁-: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ في أهْلِكَ وَمَالِكَ (٢)، أيْنَ سُوقُكُمْ؟ .
فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنقَاعَ (٣)، فَمَا انْقَلَبَ (٤) إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ (٥) وسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ (٦)، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ (٧)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٢٩) - وأخرجه في كتاب التعبير - باب العين الجارية في المنام - رقم الحديث (٧٠١٨). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٤٥٨).
(٢) قال الشَّيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة ص ١٨٠: . . . وقد قَدَّر المهاجرون هذا البَذْل الخَالِصَ فما استَغَلُّوه، ولا نالوا منه إِلَّا بَقْدِر ما يتوَجَّهُون إلى العَمَل الحُرِّ الشَّريف.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٧): بنو قَيْنُقَاع: بفتح القاف: هي قَبِيلَةُ من اليهودِ نُسِبَ السُّوق إليهم.
(٤) فما انقَلَبَ: أي فما رَجَع. انظر النهاية (٤/ ٨٥).
(٥) الأقِطُ: هو لَبَنٌ مُجَفَّف يابِسٌ. انظر النهاية (١/ ٥٩).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٧): أي داومُ الذهَابِ إلى السُّوق للتِّجارة.
(٧) قال الحافظ (١٠/ ٢٩٢): المُرَادُ بالصُّفْرَةِ صُفْرَةُ الخَلُوقِ، والخَلُوق طِيبٌ يُصنع من زَعْفَرَان وغيره.
[ ٢ / ١٨٨ ]
"مَهْيَمْ؟ " (١) قَال: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ -ﷺ-: مَا سُقْتَ فِيهَا؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ (٢) مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ -ﷺ-: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" (٣)
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - مَنْقَبَةٌ لِسَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ في إيثَارهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا ذَكَرَ.
٢ - ولعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ في تَنَزُّهِهِ عَنْ شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ الحَيَاءُ والمُرُوءَةُ اجْتِنَابَهُ، ولَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ.
٣ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُؤَاخَاةِ وَحُسْنُ الْإِيثَارِ مِنَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ حَتَّى بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ.
٤ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ ترَكَ ذَلِكَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ.
٥ - وفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكَسُّبِ.
٦ - وَأَنْ لا نَقْصَ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ.
٧ - وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ قَبُولِ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الذُّلُّ مِنْ هِبَةٍ وغَيْرِهَا.
_________________
(١) قال الحافظ (١٠/ ٢٩٢): مَهْيَم: هي كلِمَةُ استِفْهَام، ومعناها: ما شأنُك، أو ما هذا؟
(٢) النُّوَاةُ: اسم لخَمْسَةِ دَرَاهِمَ. انظر النهاية (٥/ ١١٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب إخاء النبي -ﷺ- بين المهاجرين والأنصار- رقم الحديث (٣٧٨٠) (٣٧٨١) - ومسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب الصداق - رقم الحديث (١٤٢٧).
[ ٢ / ١٨٩ ]
٨ - وَفِيهِ أَنَّ العَيْشَ مِنْ عَمَلِ المَرْءِ بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الأَخْلَاقِ مِنَ العَيْشِ بِالْهِبَةِ ونَحْوِهَا.
٩ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ.
١٠ - وَفِيهِ سُؤَالُ الْإِمَامِ وَالْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَأَتْبَاعَهُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْهَدْ.
١١ - وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى المَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (١).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وإعْجَابُ المَرْءِ بِسَمَاحَةِ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ -﵁- لا يَعْدِلُهُ إِلَّا إعْجَابُهُ بِنُبْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنَ بنِ عَوْفٍ -﵁-، هَذَا الذِي زَاحَمَ اليَهُودَ في سُوقِهِمْ، وبَزَّهُمْ (٢) في مَيْدَانِهِمْ، واسْتَطَاعَ -﵁- بَعْدَ أيَّامٍ أَنْ يَكْسِبَ مَا يَعُفُّ بِهِ نَفْسَهُ، ويَحْصِنُ بِهِ فَرْجَهُ! ! إِنَّ عُلوّ الهِمَّةِ مِنْ خَلَائِقِ الإيمَانِ، وقبَّحَ اللَّهُ وُجُوهَ أقْوَامٍ انْتسَبُوا لِلإِسْلَامِ فَأَكَلُوهُ، وأكَلُوا بِهِ حَتَّى أضَاعُوا كَرَامَةَ الحَقِّ في هَذَا العَالَمِ (٣).
ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ ولَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ يَعْنِي شَيْئًا، وكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٢٩٤).
(٢) بَزَّهُمْ: غَلَبَهُم. انظر لسان العرب (١/ ٣٩٨).
(٣) انظر فقه السيرة ص ١٨٠.
[ ٢ / ١٩٠ ]
الأَرْضِ والعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ ويَكْفُوهُمُ العَمَلَ والمَؤُونَةَ (١).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ عن أَبِي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: اقْسِمْ بَيْنَنَا وبَيْنَ إخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: "لَا" فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَؤُونَةَ (٢) ونُشْرِكُكُمْ في الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (٣).
قَالَ الحَافِظُ: وفي الحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلأَنْصَارِ ﵃ (٤).
وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- الأَنْصَارَ إلى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمُ البَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إنَّكُمْ سَترَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً (٥)، فَاصْبِرُوا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الهبة وفضلها - باب فضل المنيحة - رقم الحديث (٢٦٣٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٧٣): المؤونة: أي العمل في البساتين من سقيها، والقيام عليها.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحرث والمزارعة - باب إذا قال اكفني مؤونة النخل - رقم الحديث (٢٣٢٥) - وأخرجه في كتاب مناقب الأنصار - باب إخاء النبي -ﷺ- بين المهاجرين والأنصار - رقم الحديث (٣٧٨٢).
(٤) انظر فتح الباري (٧/ ٤٨٧).
(٥) الأَثرَةُ: بفتح الهمزة هي الإنفِرَادُ بالشَّيْءِ. انظر النهاية (١/ ٢٦). قال الحافظ في الفتح (٥/ ٣٢٥): أشارَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بذلِكَ إلى ما وَقَعَ من استِئْثَارِ المُلُوك من قريش عن الأنصَارِ بالأموَالِ والتَّفْضِيلِ في العَطَاءَ وغير ذلك، فهو مِنْ أعْلامِ نُبُوته -ﷺ-.
[ ٢ / ١٩١ ]
حتَّى تَلقوْنِي عَلَى الحَوْضِ" (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ، والمُرَادُ بإِقْطَاعِهَا لِلْأَنْصَارِ تَخْصِيصُهُمْ بِمَا يَتَحَصَّلُ مِنْ جِزيَتِهِمْ وخَرَاجِهِمْ، لَا تَمْلِيكَ رَقَبَتِهَا؛ لِأَنَّ أرْضَ الصُّلْحِ لَا تُقْسَمُ وَلَا تُقْطَعُ (٢).
وفي هَذَا الحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْأَنْصَارِ لِتَوَقُّفِهِمْ عَنِ الاسْتِئْثَارِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا دُونَ المُهَاجِرِينَ (٣).
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ (٤) فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٥) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المساقاة - باب القطائع - رقم الحديث (٢٣٧٦) - وأخرجه في كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي -ﷺ- للأنصار: "اصبروا حتَّى تلقوني على الحوض"- رقم الحديث (٣٧٩٢) (٣٧٩٣) (٣٧٩٤).
(٢) انظر فتح الباري (٦/ ٤٠٤).
(٣) انظر فتح الباري (٥/ ٣٢٥).
(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٨/ ٦٩): ولا يجِدُون -أي الأنصار- في أنفُسِهم حَسَدًا للمهاجرين فيما فضَّلهم اللَّه به من المَنْزِلة والشَّرف، والتَّقدِيم في الذِّكْرِ والرُّتْبَةِ.
(٥) الخَصَاصَةُ: أي الجُوع والضَّعْفُ، وأصلها الفَقْرُ والحَاجَةُ إلى الشيء. انظر النهاية (٢/ ٣٦).
(٦) سورة الحشرة آية (٩).
[ ٢ / ١٩٢ ]
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: فَحَصَلُوا في الفَضْلِ عَلَى ثَلاثِ مَرَاتِبَ:
١ - إيثَارُهُمْ عَلَى أنْفُسِهِمْ.
٢ - مُوَاسَاتُهُمْ لِغَيْرِهِمْ.
٣ - والاسْتِئْثَارُ عَلَيْهِمْ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: قَالَ تَعَالَى مَادِحًا لِلأَنْصَارِ، ومُبيِّنًا فَضْلَهُمْ، وشَرَفَهُمْ، وكَرَمَهُمْ، وعَدَمَ حَسَدِهِمْ، وإيثَارَهُمْ مَعَ الحَاجَةِ (٢).
وَلَمْ يَعْرِفْ تَارِيخُ البَشَرِيَّةِ كُلِّهِ حَادِثًا جَمَاعِيّا كحَادِثِ اسْتِقْبَالِ الأَنْصَارِ للمُهَاجِرِينَ. . . بِهَذَا الحُبِّ الكَرِيمِ، وبهَذَا البَذْلِ السَّخِيِّ، وبهَذِهِ المُشَارَكَةِ الرَّضِيَّةِ، وبِهَذَا التَّسَابُقِ إِلَى الإيوَاءِ واحْتِمَالِ الأعْبَاءِ. . . لَوْلَا أَنَّهَا وقَعَتْ بِالفِعْلِ، لَحَسِبَهَا النَّاسُ أحْلَامًا طَائِرَةً، ورُؤًى مُجْنَحَة، ومُثُلًا عُلْيَا، قَدْ صَاغَهَا خَيَالٌ مُحَلِّقٌ (٣).
وأخرج الإِمَامُ أحمَدُ في مُسْنَدِهِ وأَبُو دَاودُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قال: قَالَ المُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أحْسَنَ بَذْلًا مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا أحْسَنَ مُوَاسَاةً في قَلِيلٍ، قَدْ كَفَوْنَا
_________________
(١) انظر فتح الباري (٥/ ٣٢٥).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٨/ ٦٨).
(٣) انظر في ظلال القرآن (٨/ ٣٥٢٦).
[ ٢ / ١٩٣ ]
المُؤْنَةَ، وأشْرَكُونَا في المَهْنأِ (١)، فَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بالأجْرِ كُلِّهِ. قال: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَلَّا".
وفي رِوَايَةٍ قَالَ: "لا، مَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ بِهِ، ودَعَوْتُمُ اللَّه لَهُمْ" (٢).
* آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ في فَضْلِ الأَنْصَارِ (٣):
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ رِضَاهُ عَنِ السَّابِقِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والتَّابِعِينَ لَهُمْ بإِحْسَانٍ، ورِضَاهُمْ عَنْهُ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ. . . فَيَا وَيْلَ مَنْ أبْغَضَهُمْ أَوْ سَبَّهُمْ، أَوْ أبْغَضَ أَوْ سَبَّ بَعْضَهُمْ، ولَا سِيَّمَا سَيِّدُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الرَّسُولِ -ﷺ- وخَيْرُهُمْ وأفْضَلُهُمْ، أعْنِي الصِّدِّيقَ الأَكْبَرَ والخَلِيفَةَ الأَعْظَمَ أبَا بَكْرِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ -﵁-، فَإِنَّ الطَّائِفَةَ المَخْذُولة مِنَ الرَّافِضَةِ يُعَادُونَ أفْضَلَ الصَّحَابَةِ
_________________
(١) المَهْنَأُ: كل أمْرٍ يأتِيك من غير تَعَبٍ فهو هَنِيءٌ. انظر النهاية (٥/ ٢٣٩).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٠٧٥) - (١٣١٢٢) - وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب في شكر المعروف - رقم الحديث (٤٨١٢).
(٣) قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٧): قد ثبت لِجميع مَنْ أسلم من أهل المدينة، وهم الْأَنصار الشَّرف والرِّفْعَةُ في الدنيا والآخرة.
(٤) سورة التوبة آية (١٠٠).
[ ٢ / ١٩٤ ]
ويبغِضُونَهُمْ ويَسُبُّونَهُمْ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُقُولَهُمْ مَعْكُوسَةٌ، وقُلُوبَهُمْ مَنْكُوسَةٌ، فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنَ الإيمَانِ بِالقُرْآنِ، إِذْ يَسُبُّونَ مَنْ ﵃؟ .
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ يَترَضَّوْنَ عَمَّنْ ﵁، ويَسُبُّونَ مَنْ سَبَّهُ اللَّهُ ورَسُوله، ويُوَالُونَ مَنْ يُوَالِي اللَّه، ويُعَادُونَ مَنْ يُعَادِي اللَّه، وَهُمْ مُتَّبِعُونَ لَا مُبْتَدِعُونَ، ويَقْتَدُونَ وَلَا يَبْتَدُونَ، وَلِهَذَا هُمْ حِزْبُ اللَّهِ المُفْلِحُونَ وَعِبَادُهُ المُؤْمِنُونَ (١).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)
* أَمَّا الأَحَادِيثُ التِي وَرَدَتْ في فَضْلِ الأَنْصَارِ فكَثِيرَةٌ جِدًّا:
رَوَى الشَّيْخَان في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "آيَةُ (٣) الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وآيَةُ النَفَّاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ" (٤).
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٣).
(٢) سورة التوبة آية (١١٧).
(٣) الآية: العَلامَةُ. انظر النهاية (١/ ٨٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب علامة الإيمان حب الأنصار - رقم الحديث (١٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان- باب الدليل على أن حب الأنصار وعليّ ﵃ من الإيمان - رقم الحديث (٧٤).
[ ٢ / ١٩٥ ]
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ البَرَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الأَنْصَارُ لا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أحَبَّهُمْ أحَبَّهُ اللَّهُ، ومَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ" (١).
ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا يُبغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ" (٢).
وفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لا يُبغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. أَوْ: إِلَّا أبْغَضَهُ اللَّهُ وَرَسولُهُ" (٣).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: ومَعْنَى هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَرْتَبَةَ الأَنْصَارِ، ومَا كَانَ مِنْهُمْ في نُصْرَةِ دِينِ الإِسْلَامِ، وَالسَّعْيِ في إظْهَارِهِ، وإيوَاءِ المُسْلِمِينَ وقِيَامِهِمْ في مَهَمَّاتِ دِينِ الإِسْلَامِ حَقَّ القِيَامِ، وحُبِّهِمُ النَّبِيَّ -ﷺ- وحُبِّهِ إيَّاهُمْ، وبَذْلِهِمْ أمْوَالَهُمْ وأنْفُسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وقِتَالهِمْ ومُعَادَاتِهِمْ سَائِرَ النَّاسِ إيثَارًا لِلْإِسْلَامِ، ثُمَّ أحَبَّهُمْ لِهَذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ صِحَّةِ إيمَانِهِ وصِدْقِهِ في إِسْلَامِهِ؛
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب حب الأنصار من الإيمان - رقم الحديث (٣٧٨٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدليل على أن حب الأنصار وعليّ ﵃ من الإيمان - رقم الحديث (٧٥).
(٢) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدليل على أن حب الأنصار وعليّ ﵃ من الإيمان - رقم الحديث (٧٦).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٨١٨).
[ ٢ / ١٩٦ ]
لِسُرُورِهِ بِظُهُورِ الإِسْلَامِ، والقِيَامِ بِمَا يُرْضِي اللَّه ﷾ ورَسُولَهُ -ﷺ-، ومَنْ أبْغَضَهُمْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نِفَاقِهِ، وفَسَادِ سَرِيرَتِهِ (١).
ورَوى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ (٢)، ولَوْ سلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وسلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا؛ لَسَلَكْتُ وَادِي الأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ" (٣).
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: مَا ظَلَمَ بِأَبِي وأُمِّي، لَقَدْ آوَوْهُ ونَصَرُوهُ (٤).
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٥٥/ ٢).
(٢) قال الإِمام الخطابي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٣٧٤/ ٨): أراد رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بهذا الكلام تَأَلُّفَ الْأَنصار، واسْتِطَابَةَ نُفُوسهم والثَّنَاء عليهم في دِينِهم حتَّى رَضِيَ أن يكون وَاحِدًا منهم، لولا ما يَمْنَعُهُ من الهجرة التي لا يَجُوزُ تَبْدِيلُهَا. . . ولا شَكَّ أنَّه -ﷺ- لم يُرِدِ الانتقال عن نَسَبِ آبائه؛ لأنه مُمْتَنِعٌ قَطْعًا، . . . كيفَ وأنه أفضَلُ منهم نَسَبًا وأكرمُهُم أصلًا.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٨٦): أراد -ﷺ- بذلك حُسْنَ موافقتِهِمْ أنَّه لما شَاهَدَهُ من حُسْنِ الجِوَارِ والوَفَاء بالعَهْدِ، وليس المرادُ أنَّه يَصِيرَ تَابعًا لهم، بل هو المَتْبُوعُ المُطَاعُ المُفْتَرَضُ الطاعَةِ على كل مؤمن.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي -ﷺ-: "لَوْلا الهِجْرَة لكنتُ امْرأً من الْأَنصار" - رقم الحديث (٣٧٧٩) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (٤٣٣٠) - وأخرجه في كتاب التمني - باب ما يجوز من اللو - رقم الحديث (٧٢٤٤).
[ ٢ / ١٩٧ ]
اللَّهِ -ﷺ- المِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ (١)، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالأنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كَرْشِي (٢) وعَيْبَتِي (٣)، وَقَدْ قَضَوا الذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الذِي لَهُمْ (٤)، فاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ" (٥).
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنسٍ -﵁- قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ومَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فكَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فقَالَ: "والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكُمْ أحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ". مَرَّتَيْنِ (٦).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٩٩): تبيَّن مِنْ حديث أنس أن ذلك كان في مَرَضِ موته -ﷺ-.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٩٨): أي بِطَانَتِي وخَاصَّتِي الذين أثِقُ بهم وأعْتَمِدُهُمْ في أمُورِي.
(٣) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٦/ ٥٧): العَيْبَةُ: وِعَاءٌ معروفٌ يَحْفَظُ الإنسانُ فيها ثِيَابَهُ وفاخِرَ مَتَاعِهِ، ويَصُونُهَا، ضَرَبَهَا -ﷺ- مثلًا لأنهم أهلُ سِرِّهِ وخَفِيِّ أحْوَالِهِ.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٩٨): يُشير -ﷺ- إلى ما وقع لهم ليلَةَ العقبة من المُبَايعة، فإنهم بايعوا على أن يُؤْوُوا النبي -ﷺ- وينصُرُوه على أَنَّ لهم الجنة، فَوَفَوْا بذلك.
(٥) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٦/ ٥٧): والمرادُ بذلك فيما سِوَى الحُدُودِ. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي -ﷺ-: "اقبَلوا من مُحْسِنِهِمْ، وتَجَاوَزُا عن مُسِيئِهم" - رقم الحديث (٣٧٩٩) - (٣٨٠١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأنصار - رقم الحديث (٢٥١٠).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي -ﷺ- للأنصار: "أنتُم أَحَبُّ الناسِ إليّ" - رقم الحديث (٣٧٨٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأنصار - رقم الحديث (٢٥٠٩).
[ ٢ / ١٩٨ ]
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَنَسٌ -﵁-: رَأَى النَّبِيُّ -ﷺ- النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مِنَ الأَنْصَارِ مُقْبِلِينَ، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- مُمْثِلًا (١) فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ" قَالَهَا ثَلَاثًا مِرَارًا (٢).
وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا ضَرَّ امْرَأة نَزَلَتْ بَيْنَ بَيْتَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ" (٣).
وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: -وَهُوَ يُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وهَذَا الكَلَامُ قَالَهُ -﵁- لَمَّا طُعِنَ-: . . . وَأُوصِيهِ بِالأنْصَارِ خَيْرًا، الذِينَ تَبوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ (٤).
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٦/ ٥٦): مُمْثِلًا: هو بضم الميم الأولى وإسكان الثانية وكسر الثاء: أي مُنتصِبًا قَائمًا- وانظر النهاية (٤/ ٢٥١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل الأنصار - باب قول النبي -ﷺ- للأنصار: "أنتم أحَبُّ الناسِ إليّ" - رقم الحديث (٣٧٨٥). وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأنصار - رقم الحديث (٢٥٠٨).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن تَحَنُّنَ الأنصار على المسلمين وأولادِهِم كتَحَنُّنِ الوَالِدِ على وَلَدِهِ - رقم الحديث (٧٢٦٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قِصَّة البيعة - رقم الحديث (٣٧٠٠).
[ ٢ / ١٩٩ ]
وأخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ قَوِي عَنِ الحَارِثِ بنِ زِيَادٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "والذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُحِبُّ الأَنْصَارَ رَجُلٌ حَتَّى يَلْقَى اللَّه ﷿، إِلَّا لَقِيَ اللَّه ﷿ وَهُوَ يُحِبُّهُ، وَلَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ حَتَّى يَلْقَى اللَّه ﷿، إِلَّا لَقِيَ اللَّه ﷿ وَهُوَ يُبْغِضُهُ" (١).
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ مَاجَه في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أنسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ المُهَاجِرُونَ والأَنْصَارُ في الصَّلَاةِ (٢).
وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ زَيْدِ بنِ أرْقَمٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ" (٣).
وفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وأبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وأبْنَاءَ أبْنَاءَ الأَنْصَارِ" (٤).
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٦٣٧).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٩٦٣) - وابن ماجه في سننه - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب من يُستحبُّ أن يَلِيَ الإِمام - رقم الحديث (٩٧٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب وللَّه خزائن السموات والأرض - رقم الحديث (٤٩٠٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأنصار - رقم الحديث (٢٥٠٦).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٧٣٠).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
ثَالِثًا: كِتَابَةُ الصَّحِيفَةِ
أَمَّا العَمَلُ الثَّالِثُ الذِي قَامَ بِهِ الرَّسُولُ -ﷺ- في المَدِينَةِ فَهُوَ: كِتَابَةُ الصَّحِيفَةِ.
أخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: كتَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى كُلِّ بَطْنٍ (١) عُقُولَهُ (٢).
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ - لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ الذِي قَبْلَهُ - عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كتَبَ كِتَابًا بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، عَلَى أَنْ يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُمْ، وَيَفْدُوا عَانِيَهُمْ (٣) بِالمَعْرُوفِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (٤).
_________________
(١) البَطْنُ: هو ما دُونَ القَبِيلة وفَوْقَ الفَخِذِ، أي كتَبَ عليهم ما تَغْرَمُهُ العاقِلَة من الدِّيَاتِ، فبيَّن ما على كل قوم منها، ويُجمع على أبْطُنٍ وبُطُونٍ. انظر النهاية (١/ ١٣٧).
(٢) العُقُولُ: هي الدِّيَاتُ، واحِدُهَا عَقْلٌ، وأصلهُ. أن القاتِلَ كان إذا قتَل قَتيلًا جَمَعَ الدية من الإبل فَعَقَلَهَا بفَنَاء أوليَاءِ المَقْتُولِ: أي شدَّها في عُقُلِها ليُسْلِمَهَا إليهم ويَقْبِضوهَا منه، فسُمِّيت الدِّيَةُ عَقْلًا بالمَصْدَرِ. انظر النهاية (٣/ ٢٥٢). والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب العتق - باب تحرِيمِ تَوَلِّي العِتْيِق غير مَوَاليه - رقم الحديث (١٥٠٧) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٨٥١).
(٣) العَانِي: الأسِيرُ، وكل مَن ذَلّ واسْتَكَانَ وخَضَعَ فقد عَنَا يَعْنُو، وهو عَانٍ، والمرأةُ عَانيَةٌ، وجمعها: عَوَانٍ. انظر النهاية (٣/ ٢٨٤).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٩٠٤).
[ ٢ / ٢٠١ ]
أ - بُنُودُ الصَّحِيفَةِ المُتَعَلّقَةِ بِالمُسْلِمِينَ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ -ﷺ-، بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْمَدِينَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ:
١ - أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ.
٢ - المُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبَاعَتِهِمْ يتعَاقَلُونَ (١) بَيْنَهُمْ، وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بالمَعْرُوفِ، وَالقِسْطِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ (٢) مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الأُولَى.
٣ - أَنَّ المُؤْمِنِينَ لَا يترُكُونَ مُفْرَحًا (٣) بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالمَعْرُوفِ في فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ.
٤ - أَنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ (٤) ظُلْمٍ،
_________________
(١) على رِبَاعَتِهِمْ يتعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ: أي على شأنِهِم وعَادَاتهم من أحكامِ الدِّيات والدِّمَاء التي كانت في الجاهلية، يُؤدُّونها كما كانوا يُؤدُّونها في الجاهلية. انظر لسان العرب (٥/ ١١٩) - النهاية (٢/ ١٧٤).
(٢) أي كل فخذ من الأنصار.
(٣) قال ابن هشام في السيرة (٢/ ١١٦): المُفْرَح: المُثْقَل بالدَّين والكثير العِيَال.
(٤) الدَّسْعُ: الدَّفْعُ. انظر النهاية (٢/ ١٠٩)، والدَّسِيعَةُ: أي العَطِية. انظر النهاية (٢/ ١٠٩)، ومعنى ابتغى دَسِيعةَ ظُلم: أي طَلَبَ دَفْعًا على سبيل الظلم، فأضافه إليه، وهي إضافة بمعنى من، ويجوز أن يُراد بالدَّسيعة العَطِيَّة، أي ابتغى منهم أن يدفعوا إليه عَطية على وجهِ ظُلمهم: أي كونهم مَظْلُومين أو أضافها إلى ظلمة؛ لأنه سبب دفعهم لها. انظر النهاية (٢/ ١١٠).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
أَوْ إِثْمٍ، أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ أيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أحَدِهِمْ.
٥ - أَنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ، يُجِيرُ (١) عَلَى المُسْلِمِينَ أدْنَاهُمْ (٢).
٦ - المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ.
٧ - مَنْ تَبعَ المُؤْمِنِينَ مِنْ يَهُودٍ، فَإِنَّهُ له النَّصْرُ والأُسْوَةُ، غَيْرَ مَظْلُومِينَ ولَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ.
٨ - أَنَّ المُؤْمِنِينَ يُبِئ (٣) بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ.
٩ - مَنِ اعْتَبَطَ (٤) مُؤْمِنًا قتلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ بِهِ، إِلَّا أَنْ يَرْضى وليُّ المَقْتُولِ.
_________________
(١) يُجِير عليهم أدْنَاهُم: أي إذا أجَار واحد من المسلمين -حُرٌّ أو عبدٌ أو أمة- واحدًا أو جَمَاعَةً من الكفار، وخَفَرَهُم وأمَّنهم جاز ذلك على جميعِ المسلمين، لا يُنْقَضُ عليه جِواره وأمانُه. انظر النهاية (١/ ٣٠١).
(٢) هذا الحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٧٨٠) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٢٤٤) وإسناده حسن.
(٣) البَوَاءُ: السَّوَاء، وفلان بَوَاء فلان: أي كُفْؤُهُ إن قُتِل به. انظر لسان العرب (١/ ٥٣٠).
(٤) من اعتَبَطَ مُؤمنًا قتلًا فإنه قَوَدٌ به: أي قتله بلا جِنَاية كانت منه ولا جَرِيرَة تُوجبُ قتله، فإن القاتل يُقاد به ويُقتل. انظر النهاية (٣/ ١٥٦). والقَوَد: القِصَاص. انظر النهاية (٤/ ١٠٤).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
١٠ - أَنَّ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةً، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إِلَّا قِيَامٌ عَلَيْهِ.
ب - بُنُودُ الصَّحِيفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُشْرِكِينَ:
١ - لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ، وَلَا نَفْسًا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ.
٢ - لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا.
٣ - لِقُرَيْشٍ وَحُلفائِهَا حَقُّ الصُّلْحِ إِذَا طَلَبُوهُ، إِلَّا مَنْ حَارَبَ مِنْهُمُ الإِسْلَامَ.
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يُلاحَظُ أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- في هَذِهِ المُعَاهَدَةِ أشَارَ إلى العَدَاوَةِ القَائِمَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، وأعْلَنَ رَفْضَهُ الحَاسِمَ لِمُوَالَاتِهِمْ، وحَرَّمَ إسْدَاءَ أيِّ عَوْنٍ لَهُمْ، وَهَلْ يُنتظَرُ إِلَّا هَذَا المَوْقِفُ مِنْ قَوْمٍ لَا تَزَالُ جُرُوحُهُمْ تَقْطُرُ دَمًا لِبَغْي قُرَيْشٍ، وَأَحْلَافِهَا عَلَيْهِمْ؟ (١).
ج- بُنُودُ الصَّحِيفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاليَهُودِ (٢):
١ - يُنْفِقُ اليَهُودُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ.
_________________
(١) انظر فقه السيرة ص ١٨٥.
(٢) قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه فقه السيرة ص ١٥٣: إِنَّ هذِهِ الوثيقَة تدُلُّ على مدى العَدَالَةِ التي اتَّسَمَتْ بها مُعاملة النبي -ﷺ- لليهود، ولقد كان بالإمكان أن تُؤْتي هذه المسألة العَادِلَة ثِمارها فيما بين المسلمين واليهود، لو لم تَتَغَلَّبْ على اليهود طبيعتهم من حُبٍّ للمَكر، والغَدْرِ، والخَدِيعَة، فما هي إلا فترةٌ وجيزةٌ حتى ضَاقُوا ذَرْعًا بما تضمَّنَتْه بنُودُ هذه الوثيقَةِ التي التزمُوا بها، فخرجوا على الرسول -ﷺ- والمسلمين بألوانٍ من الغَدْرِ والخِيَانَةِ كما سنفصِّل ذلك، فكان المسلمون بذلك في حِلٍّ بما التزموا به تِجَاهَهُم.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
٢ - يَهُودُ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَللْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وأنْفُسُهُمْ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُهْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ، وَأَهْلَ بَيْتهِ.
٣ - لِبَقِيَّهِ اليَهُودِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَبَنِي الحَارِثِ، وَبَنِي سَاعِدَةَ، وَبَنِي جُشَمٍ، وَبَنِي الأَوْسِ، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ، وَجَفْنَةَ، وَبَنِي الشُّطَيبَةِ، مِثْلُ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وأَنَّ بِطَانَةَ يَهُودٍ كَأَنْفُسِهِمْ.
٤ - لَا يَخْرُجُ مِنْ يَهُودٍ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-.
٥ - عَلَى اليَهُودِ نَفَقَتُهُمْ، وَعَلَى المُسْلِمِينَ نَفَقَتُهُمْ، وَإِنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النُّصْحَ والنَّصِيحَةَ، وَالبِرَّ دُونَ الإِثْمِ (١).
د- بُنُودُ الصَّحِيفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقَوَاعِدِ العَامَّةِ:
١ - المَدِينَةُ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ الجَارَ كَالنَّفْسِ، غَيْرُ مُضَارٍّ (٢)، وَلَا آثِمٍ، وإنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إِلَّا بِإذْنِ أَهْلِهَا.
٢ - مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ (٣) أَوِ اشْتِجَارٍ (٤) يُخَافُ
_________________
(١) قال السهيلي في الروض الأنف (٢/ ٣٥٠): أي إن البِرَّ والوفَاء ينبغي أن يكون حَاجزًا عن الإثم.
(٢) يُقالُ: ضَارَرْتُ الرجل ضِرَارًا ومُضَارَّة: إذا خَالفتُهُ. انظر لسان العرب (٨/ ٤٧).
(٣) الحَدَثُ: الأمر الحَادِثُ المُنْكَرُ الذي ليس بِمُعْتَاب ولا معروف. انظر النهاية (١/ ٣٣٨).
(٤) الاشْتِجَارُ: الاختِلاف. انظر النهاية (٢/ ٣٩٩).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فَسَادُهُ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
٣ - أَنَّ بَيْنَهُمْ -أيْ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ- النَّصْرُ عَلَى مَنْ دَهَمَ (١) الْمَدِينَةَ.
٤ - مَنْ خَرَجَ آمِنٌ، وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالمَدِينَةِ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ، وَإِنَّ اللَّه جَارٌ لِمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى، ومُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
بِهَذِهِ الحِكْمَةِ، وبِهَذِهِ الحَذَاقَةِ (٣) أرْسَى رَسُولُ اللَّه -ﷺ- قَوَاعِدَ مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ، وَكَانَتْ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ أَثَرًا لِلْمَعَانِي التِي كَانَ يَتَمَتَّعُ بِهَا أُولَئِكَ الأَمْجَادُ بِفَضْلِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَعَهَّدُهُمْ بِالتَّعْلِيمِ، والتَّرْبِيَةِ وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، والحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، ويُؤَدِّبُهُمْ بِآدَابِ الوُدِّ والإِخَاءَ والمَجْدِ والشَّرَفِ والعِبَادَةِ والطَّاعَةِ. . . وبِجَانِبِ هَذَا كَانَ -ﷺ- يَحُثُّ حَثًّا شَدِيدًا عَلَى الِاسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ، ويَذْكُرُ فَضَائِلَ الصَّبْرِ والقَنَاعَةِ، وَكَانَ يَعُدُّ المَسْأَلَةَ كُدُوحًا (٤) أَوْ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا في وَجْهِ السَّائِلِ (٥)، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا، كَمَا كَانَ -ﷺ- يُحَدِّثُ لَهُمُ بِمَا في
_________________
(١) دَهَمَهُمْ أمْرٌ: إذا غَشِيَهُمْ. انظر لسان العرب (٤/ ٤٣١).
(٢) انظر تفاصيل هذه الصحيفة في: سيرة ابن هشام (٢/ ١١٥) - البداية والنهاية (٣/ ٢٣٨) - الرَّوْض الأُنُف (٢/ ٣٥٠) - سبل الهدى والرشاد (٣/ ٣٨٢).
(٣) الحَذَاقَةُ: المَهَارَة في كل عمل. انظر لسان العرب (٣/ ٩٤).
(٤) الكُدُوحُ: الخُدُوشُ، وكل أثَرٍ من خَدْشٍ أو عَضٍّ فهو كَدْح. انظر النهاية (٤/ ١٣٥).
(٥) أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح على شرط الشيخين - رقم الحديث (٥٦٨٠) - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يقول: "المسألةُ كُدُوحٌ في وجهِ صاحبها يوم القيامة". =
[ ٢ / ٢٠٦ ]
العِبَادَاتِ مِنَ الفَضَائِلِ، والأَجْرِ وَالثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ، وكَانَ -ﷺ- يَرْبِطُهُمْ بِالوَحْيِ النَّازِلِ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ رَبْطًا مُوثَقًا يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ، وَيَقْرَؤُونَهُ، لِتَكُونَ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ إِشْعَارًا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حُقُوقِ الدَّعْوَةِ، وتَبِعَاتِ الرِّسَالَةِ، فَضْلًا عَنْ ضَرُورَةِ الفَهْمِ وَالتَّدَبُّرِ.
وهَكَذَا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعْنَوِيَّاتِ ومَوَاهِبَ الصَّحَابَةِ ﵃، وزَوَّدَهُمْ بِأعْلَى القِيَمِ والأَقْدَارِ والمُثُلِ، حَتَّى صَارُوا صُورَةً لِأَعْلَى قِمَّةٍ مِنَ الكَمَالِ عُرِفَتْ في تَارِيخِ البَشَرِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الرَّسُولَ القَائِدَ الأَعْظَمَ -ﷺ- كَانَ يَتَمَتَّعُ مِنَ الصِّفَاتِ المَعْنَوِيَّةِ والظَّاهِرَةِ، ومِنَ الكَمَالَاتِ والمَوَاهِبِ والأَمْجَادِ والفَضَائِلِ ومَكَارِمِ الأَخْلَاقِ ومَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، بِمَا جَعَلَتْهُ تَهْوِي إِلَيْهِ الأَفْئِدَةُ، وتَتَفَانَى عَلَيْهِ النُّفُوسُ، فَمَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إِلَّا ويبادِرُ صَحَابَتُهُ -﵃- إلى امْتِثَالِهِ، ومَا يَأْتِي بِرُشْدٍ وتَوْجِيهٍ إِلَّا ويَتَسَابَقُونَ إلى التَّحَلِّي بِهِ.
بِمِثْلِ هَذَا اسْتَطَاعَ الرَّسُولُ -ﷺ- أَنْ يَبْنِيَ في المَدِينَةِ مُجْتَمَعًا جَدِيدًا، أرْوَعَ وأشْرَفَ مُجْتَمَعٍ عَرَفَهُ التَّارِيخُ، وَأَنْ يَضَعَ لِمَشَاكِلِ هَذَا المُجْتَمَعِ حَلًّا تَتَنَفَّسُ لَهُ
_________________
(١) = وأخرج البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٤٧٤) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٠٤٠) (١٠٤) عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال النبي -ﷺ-: "ما يزَالُ الرجُل يسألُ الناس، حتى يأتِي يوم القيامة، ليس في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ". مُزْعَةٌ: بضم الميم أي قِطْعَة. انظر النهاية (٤/ ٢٧٧).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الإِنْسَانِيَّةُ الصُّعَدَاءَ (١)، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَعِبَتْ في غَيَاهِبِ الزَّمَانِ ودَيَاجِيرِ (٢) الظُّلُمَاتِ (٣).
* * *
_________________
(١) تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ: النَّفَسُ إلى فَوْقٍ مَمْدُود، وقيل هو النَّفَسُ بِتَوَجُّع. انظر لسان العرب (٧/ ٣٤٣).
(٢) الدَّيَاجِيرُ: جمع دُيْجُورٍ، وهو الظَّلام. انظر لسان العرب (٤/ ٢٩٣).
(٣) انظر الرحيق المختوم ص ٨٨
[ ٢ / ٢٠٨ ]
مَشْرُوعِيَّةُ الأَذَانِ (١)
الأَذَانُ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ (٢) الإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، ولَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ كَانَ لِلسُّلْطَانِ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا مَا أخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا -واللَّفْظُ لِمُسْلِم- عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُغِيرُ (٣) إذا طَلَعَ الفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أمْسَكَ، وإلَّا أغَارَ (٤).
_________________
(١) الأَذَانُ: لغة الإعلام. انظر لسان العرب (١/ ١٠٥)، قال اللَّه تَعَالَى في سورة التوبة آية (٣):) ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. وشَرْعًا: هو الإعلامُ بِوَقت الصلاة بألفاظ مَخْصُوصَةٍ. انظر النهاية (١/ ٣٧). قال الإمام القُرطبي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٢/ ٢٧٧): الأذانُ على قِلَّةِ ألفَاظِهِ مُشْتَمِلٌ على مسائل العقيدة؛ لأنه بَدَأ بالأكبَرِيَّة وهي تتضمن وُجُودَ اللَّه وكماله، ثم ثَنَّى بالتوحيد ونَفْي الشريك، ثم بإثباتِ الرِّسالة لمحمدٍ -ﷺ-، ثم دَعَا إلى الطاعةِ المَخْصُوصَةِ عقب الشهادَةِ بالرسالة؛ لأنها لا تعرف إلا من وجهةِ الرسول، ثم دعا إلى الفلاحِ وهو البَقَاءُ الدائم، وفيه الإشارة إلى المَعَادِ، ثم أعادَ ما أعَادَ تَوْكِيدًا.
(٢) الشَّعَائِرُ: جمعُ شَعِيرَةٍ، وهي المَعَالِمُ التي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهَا، وأمَر بالقيام عليها. انظر النهاية (٢/ ٤٢٩).
(٣) يُقال: أغَارَ يُغِيرُ إذا أسْرَعَ في العَدْوِ. انظر النهاية (٣/ ٣٥٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب دعا النبي -ﷺ- الناس إلى الإِسلام - رقم الحديث (٢٩٤٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب =
[ ٢ / ٢٠٩ ]
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَذَانَ يَمْنَعُ الإِغَارَةَ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ المَوْضعِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إسْلَامِهِمْ (١).
* مَتَى شُرعَ الأذانُ؟
شُرعَ الأَذَانُ في السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ (٢)، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ (٣) الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فتَكَلَّمُوا يَوْمًا في ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ، اتَّخِذُوا نَاقُوسًا (٤) مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا (٥) مِثْلَ بُوقِ اليَهُودِ (٦).
وفي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بنِ أنسٍ عَنْ
_________________
(١) = الإمساك عن الإغَارَةِ على قَوْمٍ في دَارِ الكُفْرِ إذا سُمع فيهم الأذان - رقم الحديث (٣٨٢).
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ٧٣).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٢٧٨): الراجِحُ أن ذلك كان في السنة الأولى للهجرة.
(٤) يَتَحَيَّنونَ: أي يَقْدِرُونَ أحْيانًا لِيَأْتُوا إليها، والحِينُ الوقت والزمان. انظر النهاية (١/ ٤٥١) - فتح الباري (٢/ ٢٨١).
(٥) النَّاقُوسُ: هي خَشَبة طويلة تُضْرَبُ بخَشَبَةٍ أصْغَرَ منها، والنصارى يُعْلِمُون بها أوقاتَ صَلاتهم. انظر النهاية (٥/ ٩٢).
(٦) البُوقُ: هو الذي يُنْفَخُ فيه. انظر لسان العرب (١/ ٥٤٠).
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب بدء الأذان - رقم الحديث (٦٠٤). ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب بدء الأذان - رقم الحديث (٣٧٧).
[ ٢ / ٢١٠ ]
عُمُومَتِهِ مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا: اهْتَمَّ النَّبِيُّ -ﷺ- لِلصَّلَاةِ، كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا؟
فَقِيلَ لَهُ: انْصُبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ -ﷺ- ذَلِكَ (١).
* رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ -﵁-:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ -﵁-: بَيْنَمَا أنْتا نَائِمٌ، إِذْ طَافَ بِي مِنَ اللَّيْلِ طَائِفٌ، وَاَنا نَائِمٌ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أخْضَرَانِ، وَفي يَدهِ نَاقُوسٌ يَحْمِلهُ، فَقُلْتُ: يَا عبد اللَّهِ، أتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: أدْعُو بِهِ إلى الصَّلَاةِ. قَالَ: أفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، اللَّهُ أكْبَرْ، اللَّهُ أكْبَرْ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه.
ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إِذَا أقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللَّهُ أكبَرْ، اللَّهُ أكبَرْ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الفَلَاح، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاة، اللَّهُ أكبَرُ، اللَّهُ أكبَرْ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه (٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب بدء الأذان - رقم الحديث (٤٩٨) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (٣٣٥٣).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٢٨٧): قيل الحكمةُ في تَثْنِيَةِ الأذَانِ وإفرادِ الإقامة أن الأذان =
[ ٢ / ٢١١ ]
قَالَ: فَلَمَّا أصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ -ﷺ-: "إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قُمْ فَأَلْقِ عَلَى بِلَالٍ (١) مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ، فَإِنَّهُ أنْدَى (٢) صَوْتًا مِنْكَ".
فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِي عَلَيْهِ ويُؤَذِّنُ بِذَلِكَ، فَسَمِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- وهُوَ في بَيْتِهِ، فَقَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَلِلَّهِ الحَمْدُ" (٣).
* كَمْ مُؤَذِّنًا لِلرَّسُولِ -ﷺ-؟
وكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ: بِلَالُ بنُ رَبَاحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أُمِّ
_________________
(١) = لإِعلامِ الغَائِبِين فيُكَرَّرُ؛ ليكون أوْصَلَ إليهم، بِخِلافِ الإقامَةِ فإنها للحَاضِرِينَ، ومِنْ ثَمَّ استُحِبَّ أن يكون الأذان في مكان عَالٍ بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرْفَعَ منه في الإقامة، وأن يكون مُرَتَّلًا والإقامة مُسْرعةً، وكَرَّرَ "قدْ قامَتِ الصلاة"؛ لأنها المَقْصُودَة من الإقامة بالذاتِ.
(٢) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٤/ ٦٧): أما السَّبب في تَخْصِيصِ بلال -﵁- بالنِّداء والإعلام؛ لأنه أنْدَى صوتًا، فيؤُخَذُ منه استِحْبَابُ كونِ المؤذن رَفِيعَ الصَّوت وحَسَنه، وهذا متفقٌ عليه، قال أصحابنا: فلو وَجَدْنَا مُؤَذِّنًا حسنَ الصوت يطلب على أذَانِهِ رِزْقًا، وآخرُ يتبرَّعُ بالأذانِ لكِنَه غير حسَنِ الصَّوْتِ، فأيهما يؤخَذُ؟ فيه وجهانِ: أصحُّهما يُرْزَقُ حسَنُ الصَّوْتِ.
(٣) أنْدَى: أي أرْفَع وأعْلَى، وقيل: أحسَنُ وأعْذَب. انظر النهاية (٥/ ٣٢).
(٤) أخرج حديث عبد اللَّه بن زيد في رؤياه للأذان: ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (١٦٧٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٤٧٧) (١٦٤٧٨) - وأبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب كيف الأذان - رقم الحديث (٤٩٩) وإسناده حسن.
[ ٢ / ٢١٢ ]
مَكْتُومٍ، وأَبُو مَحْذُورَةَ (١)، وسَعْدُ القَرَظُ (٢) ﵃ أَجْمَعِينَ.
أخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُؤَذِّنانِ: بِلَالٌ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى (٣).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُؤَذِّنَانِ، يَعْنِي بِالمَدِينَةِ، وَفِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ مُؤَذِّنًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ، وسَعْدُ القَرَظُ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِقُبَاءَ (٤).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ -﵁- قَالَ: خَرَجْتُ في نَفَرٍ، فكنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ، فَقَفَلَ (٥) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ حُنَيْنٍ، فَلَقِيَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَمِعْنَا صَوْتَ المُؤَذِّنِ،
_________________
(١) قال الإِمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣/ ١١٧): أبو مَحْذُورَةَ الجُمَحِيّ، مؤذِّن المسجد الحرام، وصاحب النبي -ﷺ-. . . وكان -﵁- من أنْدَى الناس صَوتًا وأطْيَبِه.
(٢) هو سعدُ بن عَائِذٍ المؤذن، مَوْلى عمَّار بن ياسر -﵁- المعروف بِسَعْدِ القَرَظِ، وإنما قيل له ذلك؛ لأنه كان يَتَّجِرُ فيه، والقَرَظُ: هو وَرَقُ السَّلمِ -وهو نوع من الأشجار- ومَسَحَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رأسَهُ، وبَرّك عليه، وجعَلَه مؤذن مسجدِ كباء، وخَلِيفَةَ بلال إذا غابَ، ثم استخلفه بلال على الأذان بمسجد رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في خِلافة أبي بكر وعمر ﵄، لمَّا سار إن الشام، فلم يزَل الأذان في عَقِبِهِ. انظر أسد الغابة (٢/ ٢٩٩).
(٣) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد - رقم الحديث (٣٨٠).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ٧١).
(٥) قَفَلَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٤/ ٨١).
[ ٢ / ٢١٣ ]
فَصَرَخْنَا نَحْكِيهِ، ونَسْتَهْزِئُ بِهِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّوْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا إِلى أَنْ وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أيُّكُمُ الذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ؟ "، فَأَشَارَ القَوْمُ كُلُّهُمْ إِلَيَّ وَصَدَقُوا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ"، فَقُلْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَلْقَى إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ التَّأذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ. . . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِالتَّأذِينِ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: "قَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ". . . فَقَدِمْتُ عَلَى عَتَّابِ بنِ أَسِيدٍ، عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ، فَأَذَّنْتُ مَعَهُ بِالصَّلَاةِ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
ورَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ عَنْ حَفْصِ بنِ عُمَرَ بنِ سَعْدِ القَرَظِ المُؤَذِّنِ، قَالَ: أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُؤَذِّنُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لأَهْلِ قُباءَ، حَتَّى انتقَلَ بِهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- في خِلَافَتِهِ، فَأَذَّنَ لَهُ بِالمَدِينَةِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
* فَضْلُ الأَذَانِ:
جَاءَ في فَضْلِ الأَذَانِ أحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٨٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (١٦٨٠) - وأصله في صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب صفة الأذان - رقم الحديث (٣٧٩).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦٠٨٥).
[ ٢ / ٢١٤ ]
أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ -﵁- قَالَ له: إنِّي أرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ في غَنَمِكَ -أَوْ بَادِيَتكَ- فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاء، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنّ وَلَا إِنْسٌ ولَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ له يَوْمَ القِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ له مَا لَمْ يَجْهَدْهُ أَوْ يتأَذَى بِهِ.
٢ - وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الغَنَمِ وَالبَادِيَةِ، وَلَاسِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَدِّي، ومُسَاكَنَةِ الأَعْرَابِ، ومُشَارَكَتِهِمْ في الأَسْبَابِ بِشَرْطِ حَظٍ مِنَ العِلْمِ، وَأَمْنِ غَلَبَةِ الجَفَاءَ.
٤ - وَفيهِ أَنَّ أذَانَ الفَذِّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ في قَفْرٍ (٢)، وَلَوْ لَمْ يَرْتَجِ حُضُورَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاءُ المُصَلِّينَ، فَلَمْ يَفُتْهُ اسْتِشْهَادُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب رفع الصوت بالنداء - رقم الحديث (٦٠٩).
(٢) يقال: أقفرَ فُلان من أهْلِهِ إذا انْفَرَدَ، والمكانُ من سُكّانه إذا خَلا. انظر النهاية (٤/ ٧٩).
(٣) انظر فتح الباري (٢/ ٢٩٣).
[ ٢ / ٢١٥ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "المُؤَذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ" (١).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالخَلَفُ في مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أكْثَرُ النَّاسِ تَشَوُّفًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ المُتَشَوِّفَ يُطِيلُ عُنقَهُ إِلَى مَا يَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ، فَمَعْنَاهُ كَثْرَةُ مَا يَرَوْنَهُ مِنَ الثَّوَابِ.
وَقَالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْل: إِذَا أَلْجَمَ النَّاسَ العَرَقُ يَوْمَ القِيَامَةِ طَالَتْ أعْنَاقُهُمْ لِئَلَّا يَنَالَهُمْ ذَلِكَ الكَرْبُ والعَرَقُ، وقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَادَةٌ، ورُؤَسَاءُ، والعَرَبُ تَصِفُ السَّادَةَ بِطُولِ العُنُقِ (٢).
وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ: كَانَ المُؤَذِّنُونَ فِيمَا كَانُوا يُعَانُونَهُ مِنْ أَذَانِهِمْ في الدُّنْيَا، ورَفْعِ أصْوَاتهمْ بِهِ فَوْقَ مَا غَيْرَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ سِوَاهُ في مُعَانَاتِهِمْ إيَّاهُمْ كَانَتْ في الدُّنْيَا، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُوُنوا بِعُلُوِّ أصْوَاتِهِمْ في أذَانِهِمْ الذِي كَانُوا يُعَانُونَهُ في الدُّنْيَا، ومُدَاوَمَتِهِمْ عَلَيْهِ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وإِتْبَاعِهِمْ ذَلِكَ إِقَامَاتِ الصَّلَوَاتِ، واجْتِهَادِهِمْ في ذَلِكَ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب فضل الأذان وهروب الشيطان عند سماعه - رقم الحديث (٣٨٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (١٦٦٩).
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ٧٩).
[ ٢ / ٢١٦ ]
بِأَصْوَاتِهِمْ، واسْتِعْلَائِهِمْ عَلَى الأَمْكِنَةِ التِي يَأْتُونَ بِالأَذَانِ فِيهَا مَعَ مَا في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ التِي لَا خَفَاءَ بِهَا جَعَلُوا ذَلِكَ في طُولِ أعْنَاقِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى ثَوَابِهِمْ عَلَيْهِ فَوْقَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الأَعْمَالِ بِطَاعَاتِ اللَّهِ سِوَاهُ في انْتِظَارِ الثَّوَابِ له، والجَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلَمْ نَجِدْ في تَأْوِيلِ هَذَا الحَدِيثِ مِمَّا قَالَ النَّاسُ فِيهِ أحْسَنَ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ الذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ بِمَا أرَادَهُ رَسُوله -ﷺ- في ذَلِكَ (١).
وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ (٢) والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتهموا (٣) عَليْه، لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" (٤).
قَالَ الإِمَامُ النَوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا فَضِيلَةَ الأذَانِ، وقَدْرَهَا، وعَظِيمَ جَزَائِهِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا يُحَصِّلُونَهُ بِهِ لِضِيقِ الوَقْتِ مِنْ أذَانٍ بَعْدَ أذَانٍ أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُؤَذِّنُ لِلْمَسْجِدِ إِلَّا وَاحِدٌ لَاقْترَعُوا في تَحْصِيلِهِ (٥).
_________________
(١) انظر شرح مشكل الآثار (١/ ٢٠٠).
(٢) قال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٣٢): النِّدَاءُ: هو الأذَانُ.
(٣) قال الإِمام البغوي في شرح السنة (٢/ ٢٣٠): الاسْتِهَامُ: الاقْتِرَاعُ، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الصافات آية (١٤١) عن يونس ﵇: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب الاستهام في الأذان - رقم الحديث (٦١٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها - رقم الحديث (٤٣٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (١٦٥٩).
(٥) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٤/ ١٣٢).
[ ٢ / ٢١٧ ]
وأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى (١) صَوْتِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ" (٢).
وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: ويذْكَرُ أَنَّ أقْوَامًا اخْتَلَفُوا في الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- (٣).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شُبرُمَةَ قَالَ: تَشَاحَّ (٤) النَّاسُ في الأذَانِ بِالقَادِسِيَّةِ (٥)، فاخْتَصَمُوا إلى سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، فأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ.
وهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ وصَلَهُ سَيْفُ بنُ عُمَرَ في الفُتُوحِ والطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شُبْرُمَةَ عَنْ شَقِيق -وهُوَ أَبُو وَائِلٍ- قَالَ: افتتَحْنَا القَادِسِيَّةَ صَدْرَ النَّهَارِ، فترَاجَعْنَا وَقَدْ أُصِيبَ المُؤَذِّنُ، وهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُمِّ مَكْتُومٍ -﵁-،
_________________
(١) المَدَى: الغَايَة: أي يَسْتَكْمِلُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ إذا اسْتَنْفَدَ وُسْعَهُ في رفعِ صوته، فيبلُغُ الغايَةَ في المَغْفِرَةِ إذا بلغ الغايَة في الصوت. انظر النهاية (٤/ ٢٦٥).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٥٤٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (١٦٦٦).
(٣) علَّقَهُ البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب الاستِهَام في الأذان.
(٤) الشُّحُّ: أشَدُّ البُخْلِ. انظر النهاية (٢/ ٤٠١).
(٥) أي في معركة القادِسِية، والقادسِيَّة مكانٌ بالعراق معروف، وكانت به وَقْعة للمسلمين مشهُورة مع الفُرْسِ، وذلك في خلافة عمر -﵁- سنة خمس عشرة للهجرة، وكان سَعد بن أبي وقاص -﵁- قائدَ المسلمين في هذه المعركة، وقد انتصَرَ فيها المسلمون انْتِصَارًا بَاهِرًا.
[ ٢ / ٢١٨ ]
فَذَكَرَهُ وزَادَ: فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَذَّنَ (١).
ورَوَى ابنُ مَاجَه في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ أذَّنَ ثِنْتَي عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ في كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، ولِكُلِّ إقَامَةٍ ثَلَاثُونَ حَسَنةً" (٢).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، والإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "الإِمَامُ ضَامِنٌ (٣)، والمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ (٤)، فَأَرْشَدَ اللَّهُ الأَئِمَّةَ، وغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ" (٥).
ورَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ وابْنُ أَبِي شَيبةَ في مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أُطِيقُ الأَذَانَ مَعَ الخِلَافَةِ لَأَذَّنْتُ (٦).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٢/ ٣٠٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الأذان والسنة فيها - باب فضل الأذان وثواب المؤذنين - رقم الحديث (٧٢٨).
(٣) ضَامِنٌ: أَرَادَ بالضَّمان هاهنا الحِفْظ والرِّعاية؛ لأنه يحفظ على القومِ صَلاتهم، وقيل: إن صلاة المُقْتَدِينَ به في عُهدته، وصِحَّتُها مقرونة بصحة صلاته، فهو كالمُتَكَفِّلِ لهم صحة صلاتهم. انظر النهاية (٣/ ٩٤).
(٤) مُؤْتَمَنٌ: أي الذي يثقُونَ إليه ويتخِذُونَهُ أمِينًا حَافظًا، يعني أن المؤذن أمينُ الناس على صلاتهم وصيامهم. انظر النهاية (١/ ٧٢).
(٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (١٦٧٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧١٦٩).
(٦) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥/ ٤٤٤) - وابن أبي شيبة في مصنَّفه - رقم الحديث (٢٣٤٨) - وأورده الحافظ في الفتح (٢/ ٢٧٧) - وصحح إسناده.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ (١) صَوْتهِ، ويُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْب ويَابِسٍ" (٢).
* رِوَايَاتٌ ضَعِيفَةٌ وَوَاهِيَةٌ:
قَالَ الْحَافِظُ في الفتْحِ: وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ شُرعَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، مِنْهَا:
١ - لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ الأَذَانَ، فنَزَلَ بِهِ فَعَلَّمَهُ بِلَالًا، وَفِي إِسْنَادِهِ طَلْحَةُ بنُ زَيْدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ.
٢ - وَللدَّارَقُطْنِيِّ في الأَطْرَافِ مِنْ حَدِيثِ أنسٍ -﵁- أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَمَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- بِالْأَذَانِ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
٣ - وَلِابْنِ مَرْدَوَيْه مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: لَمَّا أُسْرِيَ بِي أَذَّنَ جِبْرِيلُ فَظَنَّتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُ يُصَلِّي بِهِمْ فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ. وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ. . . ثُمَّ سَاقَ الْحَافِظُ آثَارًا، فَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهَا: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ
_________________
(١) المَدُّ: القَدْرُ، يريد به قَدْرَ الذُّنُوب، أي يغفر له ذلك إن مُنتهى مَدِّ صوته، وهو تمثيل لسَعَةِ المغفرة. انظر النهاية (٤/ ٢٦٣).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥٠٦) - والنسائي في السنن الكبرى - باب الأذان - رقم الحديث (١٦٢٢).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ حَاوَلَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأنفِ (١) الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فتَكَلَّفَ وَتَعَسَّفَ، وَالْأَخْذُ بِمَا صَحَّ أَوْلَى (٢).
* * *
_________________
(١) انظر الروض الأنف (٢/ ٣٥٦).
(٢) انظر فتح الباري (٢/ ٢٧٩).
[ ٢ / ٢٢١ ]
إسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلامٍ -﵁-
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ -﵁- عَالِمًا مِنْ عُلَمَاءَ اليَهُودِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ كَبَّرَ، وَكَانَ في رَأْسِ نَخْلَةٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ (١) لَهُمْ، فَسَمِعَتْ تَكْبِيرَتُهُ عَمَّتُهُ خَالِدَةُ بِنْتُ الحَارِثِ، فَقَالَتْ لَهُ: خَيَبكَ اللَّهُ! وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بنِ عِمْرَانَ ﵇، قَادِمًا مَا زِدْتَ، قَالَ: أيْ عَمَّةُ! هُوَ وَاللَّهِ أخُو مُوسَى بنُ عِمْرَانَ ﵇، وَعَلَى دِينهِ، بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ، فَقَالَتْ: أي ابْنَ أَخِي! أهُوَ النَّبِيُّ الذِي كُنَّا نُخْبَرُ أنَّهُ يبعَثُ مَعَ نَفَسِ (٢) السَّاعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: فَذَاكَ إِذًا (٣).
_________________
(١) يَخْتَرِفُ: يَجْتَنِي من ثِمَارِ النَّخْلِ. انظر النهاية (٢/ ٢٤).
(٢) أخرج الترمذي في جامعه - كتاب الفتن - باب ما جاء في قول النبي -ﷺ-: "بُعِثْتُ أنا والسَّاعة كهَاتيْنِ" - رقم الحديث (٢٢١٣) - وإسناده ضعيف - عن المُسْتَوْرد بن شَدَّاد الفِهْرِي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "بُعِثْتُ في نَفَسِ الساعة، فسَبَقْتُهَا كما سَبَقَتْ هذه هذه". لِأُصْبُعَيْهِ السبابة والوسطى. قوله -ﷺ-: "نَفَسِ السَّاعة" أي بُعثْتُ وَقَدْ حان قيَامها، وقَرُب، إلا أن اللَّه تَعَالَى أخَرَّها قليلًا، فبَعَثَنِي في ذلك النفس، فأطلق النفس على القُرْب. وقيل معناه: أنه جعل للساعَةِ نَفَسًا كنَفَسِ الإنسان، أَرَادَ إني بُعِثْتُ في وقتٍ قريبٍ منها أُحِسُّ فيه بنَفَسِهَا، كما يُحس بنفس الإنسان إذا قَرُب منه، يعني بُعثتُ في وقت بانَتْ أشراطُهَا فيه وظهَرَت علامَاتُهَا. انظر النهاية (٥/ ٨١).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٣٠) - البداية والنهاية (٣/ ٢٢٤).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَاجَه في السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- المَدِينَةَ انْجَفَلَ (١) النَّاسُ عَلَيْهِ (٢)، فكنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ (٣)، فَكَانَ أوَّلُ شَيءً سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَا أيُّهَا النَّاسُ أفْشُوا السَّلَامَ، وأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ" (٤).
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ -﵁-: فَأَتَيْتُ الرَّسُولَ -ﷺ- فَقُلْتُ لَهُ: إنِّي سَائِلُكَ عَنْ
_________________
(١) انْجَفَلَ: أي ذَهَبوا مُسْرِعِينَ نحوه. انظر النهاية (١/ ٢٧٠).
(٢) قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٢٤): مقتضى هذا السِّياق يَقْتَضِي أنه سمع بالنبي -ﷺ- ورآه أوَّل قدومه حين أناخَ بِقُبَاء في بني عمرو بن عوف، وجاء في رواية أنس -﵁- أنه اجتمع به حيثُ اناخَ عند دار أبي أيوب عند ارتحَالِهِ من قباء إلى دار بني النَّجَّارِ، فلعله رآه أول ما رآه بقُبَاء، واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النجار، واللَّه أعلم.
(٣) قال الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة ص ١٩٩: إن أضواءَ الباطِنِ تَنْضُحُ على الوجه فتقرأ في أسارِيرِهِ آيات الطهر، وقد ذهب عبدُ اللَّه بن سلام أنَّه يَسْتَطْلعُ أخبَارَ هذا الزَّعيم المُهَاجر -ﷺ-، فنَظَر إليه يُحَاوِلُ استكشافَ حَقِيقَتِهِ، فكان أوَّل ما اطمأن إليه بعد التَثبُّت من أحواله أن هذا ليس بِكاذب، والمَلامِحُ العَقْلِيَّة والخَلْقِيَّة لشخص ما لا تُعرف بِنَظْرَةٍ خَاطِفَةٍ، ولكن الطابع المادي الذي يُضْفِي على الروح الكبير كثيرًا ما يكون عُنْوانًا صَادِقًا على ما وَرَاءَهُ.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٧٨٤) - والترمذي في جامعه - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع - باب في إفشاء السلام - رقم الحديث (٢٦٥٣) - وابن ماجه - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء في قيام الليل - رقم الحديث (١٣٣٤).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أوَّلُ أشْرَاطِ (١) السَّاعَةِ، وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُله أَهْلُ الجَنَّةِ، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزعُ الوَلَدُ إلى أبِيهِ، وَمِنْ أيِّ شَيْءٍ يَنْزعُ إلى أخْوَالِهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَبَّرَني بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ"، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَّا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وَأَمَّا أوَّلُ طَعَامٍ يَأْكله أَهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ (٣)، وَأَمَّا الشِّبَهُ في الوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلِ إِذَا غَشِيَ المَرْأة فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشِّبَهُ لَهُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشِّبَهُ لَهَا".
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ -﵁-: فَقُلْتُ لِلرَّسُولِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ (٤)، وإنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي. يَبْهَتُونِي عِنْدَكَ، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ
_________________
(١) الأشْرَاطُ: العلامَات، واحدها شَرَط بالتحريك. انظر النهاية (٢/ ٤١٢).
(٢) سببُ كراهية اليهود لجبريل ﵇، أنه كان ينزل عليهم بالعذابِ، فقد أخرج الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٨٣) بسند حسن عن ابن عباس ﵄ قال: أقبلت يهود إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فقالوا: يا أبا القَاسم، إنا نسألُكَ عن خَمْسَةِ أشياء، فان أنْبَأْتَنَا بهن، عرَفنا أنك نَبِيّ. . . قالوا: إنما بَقِيَتْ واحدة وهي التي نُبَايِعُكَ إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نَبِيٍّ إلا له ملك يأتيه بالخَبَرِ، فأخبرنا من صَاحِبُكَ؟ قال -ﷺ-: "جِبْرِيل ﵇". قالوا: جِبريل ذاك الذي يَنْزِلُ بالحرب والقِتَال والعَذَابِ عَدُوُّنَا. . . الحديث.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩٢): زيادَةُ كَبِدِ الحُوتِ: هي القِطْعَةُ المُنْفَرِدَةُ المُعَلقة في الكبِدِ، وهي في المَطْعَمِ في غَايَةِ اللذة.
(٤) البُهْتُ: الكَذِب والافْتِرَاء. انظر النهاية (١/ ١٦٢).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
عَنِّي: أيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَيُّ رَجُل عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ " قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَعَالِمُنَا وابْنُ عَالِمَنَا، وَأَفْقَهُنَا وَابْنُ أَفْقَهِنَا.
فَقَالَ -ﷺ-: "أرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ؟ ".
قَالُوا: أعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: مِثْلَ ذَلِكَ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فَقَالَ: أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وجَاهِلُنَا وَابْنُ جَاهِلِنَا.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ -﵁-: هَذَا الذِي كُنْتُ أَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ (١).
وَنَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ -﵁- قَوْلهُ تَعَالَى مُخَاطِبا الْيَهُودَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
* فَضَائِلُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ -﵁-:
أخْرَج الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: مَا
_________________
(١) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب خلق آدم وذريته - رقم الحديث (٣٣٢٩) - وأخرجه في كتاب مناقب الأنصار - باب (٥١) - رقم الحديث (٣٩٣٨) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٥٧).
(٢) سورة الأحقاف آية (١٠).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ (١)، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (٢).
وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، والحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ بِقَصْعَةٍ، فَأَصَبْنَا مِنْهَا، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ -ﷺ-: "يَطْلُعُ رَجُلٌ مِنْ هَذَا الفَجِّ (٣) يَكلُ هَذِهِ الْفَضْلةَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فَقَالَ سَعْدٌ: وَكُنْتُ تَرَكْتُ أخِي عُمَيْرًا يَتَطَهَّرُ، فَقُلْتُ: هُوَ أَخِي، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّه بنُ سَلَامٍ فَأَكَلَهَا (٤).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٠٨): اسُتْشِكَل بأنه -ﷺ- قد قال لِجَمَاعة إنهم من أهل الجنة غيرَ عبد اللَّه بن سلام -﵁-، ويبعد أن لا يَطَّلع سَعْدٌ -﵁- على ذلك، وأجيبَ بأنه كره تزكِيَةَ نفسه؛ لأنه أحدُ العَشَرة المبَشَّرة بذلك، وتُعُقَب بأنه لا يستلزم ذلك أن يَنْفِي سماعه مثل ذلك في حق غيره، ويظهر لي في الجواب أنه قال ذلك بعد موتِ المبشرين؛ لأن عبد اللَّه بن سلام -﵁- عاشَ بعدهم ولم يتأخر معه من العشرة غيرُ سعد -﵁-، وسعيد بن زيد -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مناقب عبد اللَّه بن سلام -﵁- رقم الحديث (٣٨١٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عبد اللَّه ابن سلام -﵁- رقم الحديث (٢٤٨٣).
(٣) الفَجُّ: هو الطَّرِيقُ الوَاسِعُ. انظر النهاية (٣/ ٣٧٠).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر إثبات الجنة لعبد اللَّه بن سلام -﵁- رقم الحديث (٧١٦٤) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل من كبر - رقم الحديث (٥٨١٤) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٨).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ يَزِيدَ بنِ عُمَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ -﵁- المَوْتُ، قِيلَ لَهُ: يَا أبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَوْصِنَا، قَالَ: أَجْلِسُونِي، فَقَالَ: إِنَّ العِلْمَ والإِيمَانَ مَكَانَهُمَا، مَنِ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا -يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَالْتَمِسُوا العِلْمَ عِنْدَ أرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرَ أَبِي الدَّرْدَاءَ، وعِنْدَ سَلْمَانَ الفَارِسِيَّ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ الذِي كَانَ يَهُودِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّهُ عَاشِرُ عَشَرَةٍ في الجَنَّةِ" (١).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا في حَلَقَةٍ في مَسْجِدِ المَدِينَةِ، فِيهَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا، فَلَمَّا قَامَ، قَالَ القَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هَذَا، قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَتْبعَنَّهُ فَلَأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتَهُ، قَالَ: فتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ المَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟
قُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ القَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ، لَمَّا قُمْتَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هَذَا، فأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ، قَالَ: اللَّهُ أعْلَمُ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢١٠٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن عبد اللَّه بن سلام -﵁- عاشر من يدخل الجنة - رقم الحديث (٧١٦٥).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
بِأَهْلِ الجَنَّةِ (١)، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ، إنِّي بَيْنَمَا أنْا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَإِذَا أنْا بَجَوَادَّ (٢) عَنْ شِمَالِي، فَأَخَذْتُ لآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي: لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّها طُرُقُ أصْحَابِ الشِّمَالِ، قَالَ: فَإِذَا جَوَادٌّ مَنْهَجٌ (٣) عَنْ يَمِينِي، قَالَ لِي: خُذْ هَاهُنَا، فَأَتَى بِي جَبَلًا، فَقَالَ لِي: اصْعَدْ، فَجَعَلْتُ إِذَا أرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ، خَرَرْتُ عَلَى إسْتِي (٤) حَتَّى فَعَلْتُهُ مِرَارًا، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا، رَأْسُهُ في السَّمَاءِ، وأسْفَلُهُ في الأَرْضِ، وَفِي أَعْلَاهُ حَلَقَةٌ، فَقَالَ لِي: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ أصْعَدُ هَذَا، وَرَأْسُهُ في السَّمَاءَ؟ فَأَخَذَ بِيَدِي فزَحَلَ (٥) بِي، فَإِذَا أنْتا مُتَعَلِّقٌ بِالحَلَقَةِ، ثُمَّ ضَرَبَ العَمُودَ، فَخَرَّ (٦)، وبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالحَلَقَةِ حَتَّى أصْبَحْتُ، فَأتيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَمَّا الطَّرِيقُ الذِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طَرِيقُ أصْحَابِ الشِّمَالِ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الذِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طَرِيقُ أصْحَابِ اليَمِينِ (٧)، وَأَمَّا الجَبَلُ فَهُوَ مَنَازِلُ الشُّهَدَاءَ، وَلَنْ تَنَالَهُ، وأَمَّا العَمُودُ
_________________
(١) في رواية النسائي، قال عبد اللَّه بن سلام -﵁-: الجنَّة للَّه يُدْخِلُهَا مَنْ يشاء.
(٢) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٣٦): الجَوَادُّ: جمع جَادَّة، وهي الطريق البَيِّنَةُ المَسْلُوكَةُ.
(٣) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٣٦): جَوَادٌّ مَنْهَج: أي طرق واضِحَةٌ بَيِّنة مُستقيمة، والنَّهْجُ الطريق المُستقيم.
(٤) إسْتِي: أي مَقْعَدَتِي. انظر لسان العرب (٦/ ١٧٠).
(٥) يُقال: زَحَل الرجل عن مَقَامه، وتَزَحَّل: إذا زَال عنه. انظر النهاية (٢/ ٢٧٠).
(٦) خَرَّ: إذا سَقَطَ من علو. انظر النهاية (٢/ ٢١).
(٧) في رواية النسائي قال -ﷺ-: "أما الطريق التي عرضت عن شمالك، فطرِيق أهل النار، ولستَ من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك، فطريق أهل الجنة".
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَأَمَّا العُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُسْتَمْسِكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ" (١)
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفي الحَدِيثِ:
١ - مَنْقَبَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ -﵁-.
٢ - وفِيهِ مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مَعْرِفَةُ اخْتِلَافِ الطُّرُقِ.
٣ - وَفِيهِ تَأْوِيلُ العَمُودِ وَالجَبَلِ وَالرَّوْضَةِ الخَضْرَاءِ وَالعُرْوَةِ.
٤ - وَفِيهِ مِنْ أعْلَامِ النُّبُوَّةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ -﵁- لَا يَمُوتُ شَهِيدًا فَوَقَعَ كَذَلِكَ، مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ في أوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ -﵁- بِالمَدِينَةِ (٢).
وتُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ -﵁- بِالمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁- (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مناقب عبد اللَّه بن سلام -﵁- رقم الحديث (٣٨١٣) - وأخرجه في كتاب التعبير - باب الخضر في المنام - رقم الحديث (٧٠١٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عبد اللَّه بن سلام -﵁- رقم الحديث (٢٤٨٤) (١٥٠) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التعبير - باب صعود الجبل الزلق - رقم الحديث (٧٥٨٦).
(٢) انظر فتح الباري (١٤/ ٤٣١).
(٣) انظر تهذيب التهذيب (٢/ ٣٥١) - أسد الغابة (٢/ ٦١٣).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
شِرَاءُ عُثْمَانَ -﵁- لِبئْرِ رُومَةَ (١)
أخْرَجَ البَغَوِيُّ في مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بنِ بَشِيم الأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ اسْتَنْكَرُوا المَاءَ، وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يكالُ لَهَا: رُومَةَ، وَكَانَ يَبِيعُ مِنْهَا القِرْبَةَ (٢) بِمُدٍّ (٣) فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "تَبِيعُنِيهَا بِعَيْنٍ (٤) في الجَنَّةِ؟ ".
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي وَلَا لِعِيَالِي غَيْرُهَا، فبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانُ -﵁- فَاشْترَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: أتجْعَلُ لِي فِيهَا مَا جَعَلْتَ له؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ جَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ (٥).
وفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ في جَامِعِهِ، والطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، والإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، ولَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ، فَقَالَ
_________________
(١) بِئْرُ رُومَةَ: بضم الراء: بئر بالمدينة اشتراها عثمان -﵁- وسَبَّلَها: أي جعلها وقفًا. انظر النهاية (٢/ ٢٥٤).
(٢) القِرْبَةُ: يُسْتَسْقَى بها، وتكُونُ مصنوعةً من اللَّبِن. انظر لسان العرب (١١/ ٨٦).
(٣) المُدُّ: أصل المُدِّ مقدّرٌ بأن يمُدَّ الرجل يديه فيَمْلَأَ كَفَّيْهِ طعامًا. انظر النهاية (٤/ ٢٦٣).
(٤) العَيْنُ: هي ينبُوع الماء الذي يَنْبُعُ من الأرض ويجري. انظر لسان العرب (٩/ ٥٠٦).
(٥) أخرجه البغوي في معجم الصحابة - والطبراني في المعجم الكبير - رقم الحديث (١٢٢٦).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةٍ، فَيَجْعَلَ دَلْوُهُ مَعَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا في الجَنَّةِ"، فَاشْترَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُثْمَانَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّة" فَحَفَرْتُهَا (٢).
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذَا وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَالمَعْرُوفُ أَنَّ عُثْمَانَ -﵁- اشْتراهَا لَا أَنَّهُ حَفَرَهَا.
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: هُوَ المَشْهُورُ في الرِّوَايَاتِ فَقَدْ أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بنِ أَبِي أُنيْسَةَ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ فَقَالَ فِيهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُومَةَ لَمْ يَكُنْ يُشْرَبُ مِنْ مَائِهَا إِلَّا بِالثَّمَنِ، لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الوَهْمُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَغَوِيُّ في مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ (٣) مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بنِ بَشِيرٍ الأَسْلَمِيِّ عَنْ أبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ. . . -الحَدِيثَ نَفْسَهُ الذِي ذَكَرتُهُ قَبْلَ قَلِيلٍ-. . . ثُمَّ قَالَ الحَافِظُ: وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلًا عَيْنًا فَلا مَانِعَ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا عُثْمَانُ -﵁- بِئْرًا، وَلَعَلَّ العَيْنَ كَانَتْ تَجْرِي إلى بِئْرٍ فَوَسَّعَهَا، وطَوَاهَا فَنُسِبَ حَفْرُهَا إِلَيْهِ (٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب مناقب عثمان بن عفان -﵁- رقم الحديث (٤٠٣٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٠١٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٢٠) (٥١١) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوصايا - باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا - رقم الحديث (٢٧٧٨).
(٣) انظر معجم الصحابة للبغوي (١/ ٢٩٣).
(٤) انظر فتح الباري (٦/ ٦٧).
[ ٢ / ٢٣١ ]
زِيَادَةُ الصَّلَاةِ
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ (١)، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- ففُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: كان أوَّلُ مَا افترِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فيها الصَّلَاةُ: رَكعَتَانِ رَكْعَتَانِ (٣)، إِلَّا المَغْرِبَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أتمَّ اللَّهُ الظُّهْرَ والعَصْرَ والعِشَاءَ الآخِرَةَ أَرْبَعًا في الحَضَرِ، وَأَقَرَّ الصَّلَاةَ عَلَى فَرْضِهَا لأَوَّلِ في السَّفَرِ (٤).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَالِذي يَظْهَرُ لِي، وَبِهِ تَجْتَمعُ الأَدِلَّةُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا المَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ إِلَّا
_________________
(١) كان هذا أوَّل ما فُرِضتِ الصلاة في الإسراءِ والمعراج، كما تقدم.
(٢) أي رَكعتين كما فُرضت في الإسراء والمعراج، أي أن المُسَافر يَقْصُرُ الصلاة الرُّبَاعِية إلى ركعتين. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب التاريخ، من أين أرَّخُوا التاريخ؟ - رقم الحديث (٣٩٣٥).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١١): كرِّرت لفظ ركعتين لتُفِيد عُمُوم التَّثْنِيَةِ لكل صلاة.
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٣٨).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
الصُّبْحَ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ والحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا أقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالمَدِينَةِ، زِيدَ في صَلَاةِ الحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وتُرِكَتْ صَلَاةُ الفَجْرِ لِطُولِ القِرَاءَةِ، وصَلَاةُ المَغْرِبِ لأنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب فصل في صلاة السفر - رقم الحديث (٢٧٣٨) - وانظر كلام الحافظ في فتح الباري (٢/ ١١).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
خَوْفُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَنْ تَعْرَى (١) المَدِينَةُ
ولَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ (٢) أَنْ يَتْرُكُوا ديَارَهُمْ، وكَانَتْ في أطْرَافِ المَدِينَةِ، بَعِيدَةً عَنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ويَقْتَرِبُوا مِنَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تَعْرَى المَدِينَةُ، فَنَهَاهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَتْ ديَارُنَا نَائِيَةً (٣) عَنِ المَسْجِدِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا، فنَقْتَرِبَ مِنَ المَسْجِدِ، فنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: "إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوةٍ دَرَجَةٌ" (٤).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إلى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ" (٥)، فَقَالُوا: مَا كَانَ
_________________
(١) تَعْرَى: أي تَخْلُو وتَصِيرُ عَرَاء، وهو الفضاء من الأرض. انظر النهاية (٣/ ٢٠٤).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٣٥٦): بني سَلِمَةَ: بكسرِ اللام، وهم بَطْن كَبِيرٌ من الأنصار، ثم من الخزرج.
(٣) نَائِيَةٌ: أيّ بَعِيدَة. انظر لسان العرب (١٤/ ٧).
(٤) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد - رقم الحديث (٦٦٤).
(٥) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٥/ ١٤٤): معنَاهُ الزَمُوا دِيَارَكُم، فإنكم إذا لزِمْتُمُوهَا كتبتْ آثاركم، وخُطَاكُم الكثيرة إلى المسجد.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا (١).
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في بَنِي سَلِمَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ أعْمَالَ البِرِّ إِذَا كَانَتْ خَالِصَةً تكتَبُ آثارُهَا حَسَنَاتٍ.
٢ - وَفيهِ اسْتِحْبَابُ السُّكْنَى قُرْبَ المَسْجِدِ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ بِهِ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى، أَوْ أَرَادَ تَكْثِيرَ الأَجْرِ بِكَثْرَةِ المَشْي مَا لَمْ يَحْمِلْ عَلَى نَفْسِهِ.
٣ - وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ اسْتِحْبَابَ قَصْدِ المَسْجِدِ البَعِيدِ، وَلَوْ كَانَ بِجَنْبِهِ مَسْجِدٌ قَرِيبٌ، وإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَهَابِهِ إلى البَعِيدِ هَجْرُ القَرِيبِ، وإِلَّا فَإِحْيَاؤُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَى، وَكَذَا إِذَا كَانَ في المَسْجِدِ البَعِيدِ مَانِعٌ مِنَ الكَمَالِ كَأَنْ يَكُونَ إِمَامُهُ مُبْتَدِعًا (٣).
_________________
(١) أخرجه الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب احتساب الآثار - رقم الحديث (٦٥٥) (٦٥٦) - من حديث أنس -﵁- ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب فضل كثرة الخطأ إلى المساجد - رقم الحديث (٦٦٥).
(٢) سورة يس آية (١٢) - وأخرج نُزُولَ هذه الآية في بني سَلِمة: ابن ماجه في سننه - كتاب المساجد والجَمَاعات - باب البعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا - رقم الحديث (٧٨٥) عن ابن عباس ﵄وهو صحيح لغيره- وأورده الحافظ في الفتح (٢/ ٣٥٨) وقوى إسناده. وعلقه الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب احتساب الآثار - عن مجاهد.
(٣) انظر فتح الباري (٢/ ٣٥٨).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
عِدَاءُ اليَهُودِ
لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ كَانَ فِيهَا يَهُود، وَكَانُوا ثَلَاثَ قبائِلَ مَشْهُورَةً: بَنُو قَيْنقاعَ، وَكَانُوا حُلفاءَ الخَزْرَجِ، وَكَانَتْ دِيَارُهُمْ دَاخِلَ المَدِينَةِ، وبَنُو النَّضِيرِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانُوا حُلفاءَ الأَوْسِ، وَكَانَتْ دِيَارُهُمْ في عَوَالِي المَدِينَةِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ القَبَائِلُ اليَهُودِيَّةُ هِيَ التِي كَانَتْ تُثِيرُ الحُرُوبَ بَيْنَ الأَوْسِ والخَزْرَجِ، وَقَدْ كَانَ اليَهُودُ يَسْتَفْتِحُونَ (١) عَلَى الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ مَبْعَثِهِ -ﷺ- كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ في بَدْءِ إسْلَامِ الأَنْصَارِ- فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ العَرَبِ كَفَرُوا بِهِ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَلَمَةَ بنِ سَلَامَةَ بنِ وَقْشٍ -﵁- وَكَانَ مِنْ أصْحَابِ بَدْرٍ- قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودٍ في بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيتهِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِيَسِيرٍ، فَوَقَفَ عَلَى مَجْلِسِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، قَالَ سَلَمَةُ: وأَنا يَوْمَئِذِ أحْدَثُ (٢) مَنْ فِيهِ سِنًّا، عَلَيَّ بُرْدَةٌ (٣)
_________________
(١) يَسْتَفْتِحُونَ: أي يَسْتَنْصِرُون. انظر النهاية (٣/ ٣٦٥).
(٢) حَدَاثَةُ السِّنِّ: كنايةٌ عن الشَّبَابِ وأوَّل العمر. انظر النهاية (١/ ٣٣٨).
(٣) البُرْدَةُ: نوعٌ من الثِّيَاب معروف. انظر النهاية (١/ ١١٦).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
مُضْطَجِعًا فِيهَا بِفِنَاءِ (١) أهْلِي، فَذَكَرَ البَعْثَ والقِيَامَةَ وَالحِسَابَ وَالمِيزَانَ والجَنَّةَ والنَّارَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ، أصْحَابَ أوْثَانٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ المَوْتِ، فَقَالُوا له: وَيْحَكَ يَا فُلانُ، تَرَى هَذَا كَائِنًا أَنَّ النَّاسَ يبعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ، يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟
قَالَ: نَعَمْ وَالذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوَدَّ أَنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أعْظَمُ تَنُّورٍ في الدُّنْيَا يُحَمُّونَهُ، ثُمَّ يدْخِلُونَهُ إيَّاهُ فيطْبَقُ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَنْجُو مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا.
قَالُوا له: وَيْحَكَ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَبِيٌّ ويُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ البِلَادِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَاليَمَنِ.
قَالُوا: وَمَتَى تَرَاهُ؟
قَالَ: فنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا مِنْ أحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدْ (٢) هَذَا الغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ.
قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاللَّهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ -ﷺ- وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا.
فَقُلْنَا: وَيْلَكَ يَا فُلَانُ! أَلسْتَ بِالذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ؟
قَالَ: بَلَى وَلَيْسَ بِهِ (٣).
_________________
(١) الفِنَاء: هو المُتَّسَعُ أمامَ الدار. انظر النهاية (٣/ ٤٢٨).
(٢) نَفِدَ الشيء: فَنِي وذهب. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٢٨).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٨٤١).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَل، وبِشْرَ بنَ البَرَاءِ بنَ مَعْرُورٍ ﵄ قَالَا لِيَهُودٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ، اتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنتمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- ونَحْنُ أَهْلَ شِرْكٍ، وتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ.
فَقَالَ سَلامُ بنُ مِشْكَمٍ، أحَدُ بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفه، وَمَا هُوَ بِالذِي كُنَّا نَذْكُرُهُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمْ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وَقَالَ رافِعُ بنُ حُريْمِلَةَ، وَوَهْبُ بنُ يَهُوذَا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا قَطُّ، ومَا أنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَلَا أرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بَعْدَهُ، فَاَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمَا: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ (٢) مِنَ
_________________
(١) سورة البقرة آية (٨٩) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٦٠).
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٧٠): يقول اللَّه تَعَالَى مُخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى: إنه قد أَرْسل إليهم رسوله محمدًا -ﷺ- خاتم النبيين، الذي لا نَبِيَّ بعده ولا رسول، بل هو المُعَقِّبُ لجميعهم؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي بعدَ مُدَّة مُتَطَاوِلَةٍ ما بين إرساله -ﷺ- وعيسى ابن مريم ﵇. وقد اختَلَفوا في مِقْدَارِ هذه الفترَةِ، كم هي؟ والصحيحُ أنها كانت سِتُّمِائة سنة، كما روى ذلك البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٩٤٨) عن سَلْمان الفارسي -﵁-، . . . والمقصودُ أن اللَّه تَعَالَى بعثَ محمدًا -ﷺ- على فَتْرَةٍ من الرسل، وطُمُوسٍ من السُبُل، وتَغَيُّرِ الأديَانِ، وكثرةِ عِبادة الأوثَانِ والنيرانِ والصُّلْبَانِ، فكانت النعمة به أتمّ النعم، والحاجة إليه أمر عمم.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ ﵂: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إِلَيْهِ، وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، لَمْ ألقهُمَا قَطُّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا إِلَّا أخَذَانِي دُونَهُ.
قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، ونَزَلَ قبَاءَ، في بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، غَدَا (٢) عَلَيْهِ أَبِي، حُيَيُّ بنُ أخْطَبٍ (٣)، وعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بن أَخْطَبٍ (٤)، مُغَلِّسَيْنِ (٥).
قَالَتْ: فَلَمْ يَرْجِعَا حَتَّى كَانَا مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَتْ: فَأَتَيَا كَالَّيْنِ (٦) كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الهُوَيْنَى (٧). قَالَتْ: فَهَشَشْتُ (٨) إلَيْهِمَا كَمَا كُنْتُ
_________________
(١) سورة المائدة آية (١٩) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٧٦).
(٢) الغَدْوَةُ: بفتح الغين هو سَيْرُ أوَّل النهار. انظر النهاية (٣/ ٣١١).
(٣) قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٢٦): أما حُيَيُّ بن أخطَب، فشرِبَ عَدَاوَةَ النبي -ﷺ- وأصحابه، ولم يَزَل كذلك دَأْبُهُ لعنه اللَّه حتى قُتِل صَبْرًا بين يدي رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يوم قتَلَ مُقَاتِلَةَ بني قُرَيْظَةَ.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩٥) بعد أن سَرَدَ عَدَدًا من رُؤَساء اليهود، ومن بينهم أبو ياسِر بن أخْطَب قال: فهؤلاء لم يَثْبُتْ إسلامُ أحَدٍ منهم.
(٥) الغَلَسُ: ظُلْمَةُ آخرِ الليل إذ"ختَلَطَتْ بضوءِ الصباح. انظر النهاية (٣/ ٣٣٩).
(٦) الكَلُّ: بفتح الكاف هو الثقلُ من كل ما يُتُكَلف. انظر النهاية (٤/ ١٧٢).
(٧) يَمْشِي الهُوَيْنَا: تَصْغِيرُ الهُونَى، والهُونُ: الرِّفق واللينُ. انظر النهاية (٥/ ٢٤٥).
(٨) يقال: هَشَّ لهذا الأمرِ يَهُشّ هَشَاشَة: إذا فَرحَ به، واستَبْشَرَ وارتاحَ له. انظر النهاية (٥/ ٢٢٨).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
أصْنَعُ، فَوَاللَّهِ مَا التَفَتَ إِلَيَّ واحد مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنَ الغَمِّ. قَالَتْ: وسَمِعْتُ عَمِّي أبَا يَاسِرٍ، وهُوَ يَقُولُ لِأَبِي حييِّ بنِ أخْطَبٍ: أهُوَ هُو؟
قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: أتعْرِفه وتُثْبِتُهُ؟ . قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا في نَفْسِكَ مِنْهُ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ (١).
* مُجَاهَرَةُ اليَهُودِ بِالعِدَاءِ وَبَعْضُ أخْبَارِهِمْ:
لَمَّا رَأَى اليَهُودُ انْتِشَارَ الإِسْلَامِ في المَدِينَةِ حَتَّى لَمْ تبقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا أَسْلَمَ أَهْلُهَا، أظْهَرُوا الحِقْدَ والحَسَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ونَصَبُوا العَدَاوَةَ له وَلِأَصْحَابِهِ.
وانْضَافَ إِلَيْهِمْ رِجَالٌ مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، مِمَّنْ كَانَ عَسَا (٢) عَلَى جَاهِلِيَّتهِ، فَكَانُوا أَهْلَ نِفَاقٍ (٣) عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ مِنَ الشِّرْكَ والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ، إِلَّا أَنَّ الإِسْلَامَ قَهَرَهُمْ بِظُهُوره، واجْتِمَاعِ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِ، فتَظَاهَرُوا بِالإِسْلَامِ، واتَّخَذُوهُ جُنَّةً (٤) مِنَ القَتْلِ، ونَافَقُوا في السِّرِّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ يَهُودٍ لِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَجُحُودِهِمُ الإِسْلَامَ (٥).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٣٢).
(٢) عَسَا: كَبِرَ وأسَنَّ، وعسَا عَسْوَا: غلُظَ واشتَدَّ. انظر لسان العرب (٩/ ٢١٣).
(٣) لم يَظهَر النفاق في المدينة إلا بعدَ غزوة بدر الكبرى كما سيأتي.
(٤) جُنَّة: أي وِقَايَةٌ، ومنه قوله -ﷺ- كما في الصحيحين في الصوم: "الصَّومُ جُنّة" أي يَقِي صاحبَهُ ما يُؤذيهِ من الشَّهوات. انظر النهاية (١/ ٢٩٧).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٢٧).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
* أشَدُّ يَهُودٍ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
فَمِنْ هَؤُلَاءَ اليَهُودِ الذِينَ نَصَبُوا العَدَاوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابِهِ، وَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ كَيْدًا: حُيَيُّ بنُ أخْطَب وأَخُوهُ أَبُو يَاسِرٍ، وَسَلامُ بنُ مِشْكَمٍ، وَكِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ، وكَعْبُ بنُ الأَشْرَفِ، وكَعْبُ بنُ أَسَدٍ، وعَمْرُو بنُ جَحَّاشٍ، ورِفَاعَةُ بنُ يَزِيدَ بنِ التَّابُوتِ (١).
ومِنْهُمْ: ابنُ صَلُوبَا الفَطْيُونِيُّ الذِي قَالَ لِرَسُول اللَّهِ -ﷺ-: يا مُحَمَّدُ! مَا جِئتنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفهُ، ومَا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَةٍ بينة فنَتْبَعَكَ لَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ (٢) وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
ومِنْهُمْ رَافِعُ بنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بنُ زَيْدٍ، قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا مُحَمَّدُ!
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩): هؤلاء لم يَثْبت إسلام أحَدٍ منهم.
(٢) قال الإِمام ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٤٨): أي أنزلنا إليك يا محمَّد عَلامَاتٍ واضِحَاتٍ دَالاتٍ على نبوتك، وتلك الآيات هي ما حَوَاه كتاب اللَّه من خَفَايَا عُلُوم اليهودِ، ومكنُون سَرَائِر أخبارِهِم، وأخبارِ أوائلهم من بني إسرائيل، والنَّبَأُ عما تضَمَّنَتْهُ كتُبُهم التي لم يكن يَعْلَمُهَا إلا أحبَارُهُم وعلماؤُهُم، وما حَرَّفه أوائِلُهم وأواخِرُهم وبدَّلوه من أحكامهم، التي كانت في التوراة، فأطْلَعها اللَّه في كتابه الذي أنزله على نبيه محمَّد -ﷺ-، فكان في ذلك من أمره الآياتِ البيناتِ لِمَن أنصَفَ نفسه، ولم يدعه إلى إهلاكها الحَسَد والبغي، إذ كان في فِطْرة كل ذِي فِطرة صحيحةٍ تصديقُ من أتى بمثلِ ما جاء به محمَّد -ﷺ- الآيات البيناتِ التي وَصَفت، من غيرِ تَعَلُّمٍ تَعَلم من بَشَرٍ، ولا أخذَ شيئًا منه عن آدمي.
(٣) سورة البقرة آية (٩٩) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٦١).
[ ٢ / ٢٤١ ]
ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنْزِله عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءَ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أنْهَارًا نتبَعُكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمَا: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الَايَةِ: والمُرَادُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَمَّ مَنْ سَأَلَ الرَّسُولَ -ﷺ- عَنْ شَيءٍ، عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالِاقْتِرَاحِ، كَمَا سَألَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ مُوسَى ﵇، تَعَنُّتًا وتَكْذِيبًا وَعِنَادًا (٢).
ومِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا الأَعْوَرُ (٣)، وَقَدْ كَانَ مِنْ أحْبَارِ اليَهُودِ ورُؤَسَائِهِمْ، ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَلَّمَ رُؤَسَاءَ يَهُودٍ، فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهُ بنُ صُورِيَا، وَكَعْبُ بنُ أَسَدٍ (٤)، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ! اتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ.
قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ، فَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا، وأصَرُّوا عَلَى الكُفْرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٠٨) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٦١).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٣٨١).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩٦): ولم أرَ لعبد اللَّه بن صوريا إسلامًا من طريقٍ صحيح.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩٥) بعد أن سرد عددًا من رؤساء اليهود، ومن بينهم: كعب بن أسد، قال: فهؤلاء لم يثبت إسلام أحدٍ منهم.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١).
وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَعَا يَهُودَ فَسَألهُمْ عَنْ شَيْءٍ فكتَمُوهُ إيَّاهُ، وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَألهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَهْدِيدٌ لِأَهْلِ الكِتَابِ، الذِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ عَلَى ألْسِنَةِ الأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ -ﷺ-، وَأَنْ يُنَوِّهُوا (٣) بِذِكْرِهِ في النَّاسِ لِيَكُوُنوا عَلَى أُهْبَةٍ (٤) مِنْ أمْرِهِ، فَإِذَا أرْسَلَهُ اللَّهُ تَابَعُوهُ، فكتَمُوا ذَلِكَ وتَعَوَّضُوا عَمَّا وَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِالدُّونِ الطَّفِيفِ، والحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ السَّخِيفِ، فَبِئْسَتِ الصَّفْقَةُ صَفْقَتُهُمْ، وبِئْسَتِ البَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ.
_________________
(١) سورة النساء آية (٤٧) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٧٣).
(٢) سورة آل عمران آية (١٨٧) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا - رقم الحديث (٤٥٦٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٧٨).
(٣) نَوَّه فلان بِفلان: إذا رفَعَه وطَيَّر به وقَوَّاه. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٤٢).
(٤) تَاَصَّبَ: استَعَدَّ. انظر لسان العرب (١/ ٢٥٢).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وفِي هَذَا تَحْذِيرٌ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَهُمْ فيصِيبَهُمْ مَا أصَابَهُمْ، ويُسْلَكَ بِهِمْ مَسْلَكَهُمْ، فَعَلَى العُلَمَاءِ أَنْ يبذُلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ العِلْمِ النَّافِعِ، الدَّالِّ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا يَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئًا، فَقَدْ وَرَدَ في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فكتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" (١).
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- لِفِنْحَاصٍ (٢) -وكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ اليَهُودِ وأحْبَارِهِمْ-: اتَّقِ اللَّه وَأَسْلِمْ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، جَاءَكُمْ بِالحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ في التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلَ. فَقَالَ فِنْحَاصٌ: يَا أبَا بَكْرٍ، وَاللَّهِ مَا بِنَا إلى اللَّهِ ﷿ مِنْ فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنَا لَيَفْتَقِرُ، وَمَا نتضَرَّعُ إِلَيْهِ كَمَا يتضَرَّعُ إلَيْنَا، وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ، ولَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا لمَا اسْتَقْرَضَنَا أمْوَالَنَا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ (٣)، يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا ويُعْطِينَاهُ! ولَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا أعْطَانَا الرِّبَا.
_________________
(١) هذا الحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٥٧١) - وابن ماجه في سننه في المقدمة - باب من سُئِلَ عن علمٍ فكتمه - رقم الحديث (٢٦٦) - وإسناده صحيح - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٨٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٩٥) بعد أن سرد عددًا من رؤساء اليهود، ومن بينهم: فِنْحاص، قال: فهؤلاء لم يثبت إسلام أحدٍ منهم.
(٣) صَاحِبُكُمْ: أي الرَّسول -ﷺ-.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ، فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصٍ، فَأَخْبَرَ فِنْحَاصٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي بَكْرٍ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ " فَأْخَبَرُه، فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصٌ، وَقَالَ: مَا قُلْتُ ذَلِكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (١).
* قَصْدُهُمُ الفِتْنَةَ:
قَالَ ابنُ إسْحَاقٍ: قَالَ كَعْبُ بنُ أَسَدٍ، وابْنُ صَلُوبَا، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا، وشَأْسُ بنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إلى مُحَمَّدٍ؛ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأتوْهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أحْبَارُ (٢) يَهْودٍ وأشْرَافُهُمْ وسَادَاتُهُمْ، واَّنا إنِ اتبعناك اتَّبعَتْكَ يَهُودٌ، وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَأَنَّ بَيْنَنَا وبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةٌ، أفنحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، ونُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ؟ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنْزَلَ اللَّه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٨١). وأخرج هذه القصة: ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٧١) بدون سند - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٨٣٠) وإسناده حسن - وأوردها الحافظ في الفتح (٩/ ٩٩) وحسّن إسنادها.
(٢) الأحبَارُ: جمعُ حَبر بفتح الحاء، وهم العلماء. انظر النهاية (١/ ٣١٧).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا (١) لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢).
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ اليَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وأصْحَابِهِ غُدْوَةً (٣) ونَكْفُرُ بِهِ عَشِيَّةً (٤)، حَتَّى نُلَبِسَ (٥) عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَصْنَعُونَ كَمَا نَصْنَعُ، ويَرْجِعُونَ عَنْ دِينهِ، فَاَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ (٦) أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ
_________________
(١) قال الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٣/ ١٣١): أي: ومَنْ أعدَلُ من اللَّه في حكمه لِمن عَقَلَ عن اللَّه شَرعه، وآمن به وأيقَنَ وعَلِم أنه تَعَالَى أحكَمُ الحاكمينَ، وأرحَم بخلقِهِ من الوَالدَةِ بِوَلَدِهَا، فإنه تَعَالَى هو العالمُ بكلِّ شيءٍ، القادرُ على كل شيء، العادِلُ في كل شيء.
(٢) سورة المائدة آية (٤٩ - ٥٠) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٧٩).
(٣) الغُدْوَةُ بالضم: ما بين صلاة الغَدَاة -أي الفجر- وطلوعِ الشمس. انظر النهاية (٣/ ٣١١).
(٤) العَشِيُّ: هو الوقتُ من بعدَ الزوالِ -أي زوال الشمس- إلى المغرب. انظر النهاية (٣/ ٢١٩).
(٥) اللَّبْسُ: هو الخَلْط. انظر النهاية (٤/ ١٦٩).
(٦) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٦٠): أي هو الذي يَهْدِي قلوبَ المؤمنين إلى أتَمِّ الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله محمَّد -ﷺ- من الاياتِ البيناتِ، والدلائل القَاطِعَاتِ، والحُجَجِ الواضِحَاتِ، وإن كتَمْتُمْ -أيُّها اليهود- ما بأيدِيكُم من صِفَةِ =
[ ٢ / ٢٤٦ ]
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (١) وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
* نَهَى اللَّهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ عَنْ مُوَادَّتِهِمْ:
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِفَاعَةُ بنُ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ، وسُوَيْدُ بنُ الحَارِثِ قَدْ أظْهَرَا الإِسْلَامَ ونَافَقَا، كَانَ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا (٣)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (٤).
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكانَ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنَ اليَهُودِ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الجِوَارِ والحِلْفِ (٥) في الجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ
_________________
(١) = محمدٍ -ﷺ- في كتبكم التي نَقَلتُمُوها عن الأنبياء الأقدَمين.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٦٠): أي الأمور كلها تحت تَصْرِيفه، وهو المُعْطِي المانع، يَمُنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصوُّر التام، ويُضل من يشاء ويُعمي بصره وبَصِيرته، ويَخْتم على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غِشَاوَةَ، وله الحُجَّةُ والحِكمة.
(٣) سورة آل عمران آية (٧١ - ٧٣)، والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٦٦).
(٤) الوِدُّ: بكسر الوَاو: الصَّدِيق. انظر النهاية (٥/ ١٤٥).
(٥) سورة المائدة آية (٥٧ - ٦١)، والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٨١).
(٦) أصل الحَلِفِ: المُعَاقَدَةُ والمعاهدة على التَعَاضُدِ والتسَاعُدِ والاتفاق. انظر النهاية (١/ ٤٠٧).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
يَنْهَاهُمْ عَنْ مباطَنَتِهِمْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً (١) مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ (٢) مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: يَقُولُ ﵎ نَاهِيًا عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ المُنَافِقِينَ بِطَانَةً، أيْ يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سَرَائِرِهِمْ وَمَا يُضْمِرُونَهُ (٤) لِأَعْدَائِهِمْ، والمُنَافِقُونَ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ لَا يَأْلُونَ المُؤْمِنِينَ خَبَالًا، أيْ: يَسْعَوْنَ في مُخَالفَتِهِمْ ومَا يَضُرُّهُمْ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وبِمَا يَسْتَطِيعُونَهُ مِنَ المَكْرِ والخَدِيعَةِ، ويَوَدُّونَ مَا يُعْنِتُ (٥) المُؤْمِنِينَ ويُخْرِجُهُمْ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ (٦).
* أسْئِلَتُهُمُ الرَّسُولَ -ﷺ- ومَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فِيهِمْ:
وكَانَ اليَهُودُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَا لِيَعْرِفُوا الحَقَّ، وَإِنَّمَا تَكَبُّرًا
_________________
(١) بِطَانَةُ الرجل: خاصَّتُهُ، وصاحب سِرِّه وداخلةُ أمره الذي يُشاوره في أحواله. انظر النهاية (١/ ١٣٥).
(٢) الأنامِلُ: هي رؤوس الأصابع. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٩٥).
(٣) سورة آل عمران آية (١١٨ - ١١٩) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٧١).
(٤) أضْمَرْتُ الشيء: أخْفَيْتُهُ. انظر لسان العرب (٨/ ٨٥).
(٥) العَنَتُ: المشَقَّة والفساد والهَلاك. انظر النهاية (٣/ ٢٧٧).
(٦) انظر كلام الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٢/ ١٠٦).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
واسْتِهْزَاءً، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ بَيْنَا أنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَرْثٍ (١) وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ (٢)، إِذْ مَرَّ اليَهُودُ (٣) فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ فَقَالُوا: مَا رَابَكُمْ (٤) إلَيْه؟
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقَامِي، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥).
_________________
(١) قال النووي في شرح مسلم (١٧/ ١١٣): هو موضعُ الزَّرْعِ. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (١٢٥) قال: في خِرَب المدينة. والخِرَبُ بكسر الخَاءَ جمعُ خِرْبة، والخِرَبُ ضد العَامِر. قال الحافظ في الفتْح (٩/ ٣١٨): والأول أصوب فقد أخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٧٩٤) (٣٤) عن ابن مسعود بلفظ: كان في نخل.
(٢) العَسِيبُ: هو جَرِيدَةُ النَّخْلِ. انظر النهاية (٣/ ٢١٢).
(٣) وفي بقيةِ الروايات في كتاب العلم - رقم الحديث (١٢٥) - وكتاب الاعتصام رقم الحديث (٧٢٩٧) - وكتاب التوحيد - رقم الحديث (٧٤٥٦) في صحيح البخاري، وكذا عند مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٧٩٤) قال: ". . . إذ مرّ بنفر من اليهود". قال الحافظ في الفتح (٩/ ٣١٩): يحمل هذا الاختلاف على أن الفَرِيقين تَلاقوا، فيَصْدُق أن كُلًا مرّ بالآخر.
(٤) ما رَابَكُمْ إليه: أي ما حَاجَتُكُمْ إلى سُؤَاله. انظر النهاية (٢/ ٢٦٠).
(٥) قلتُ: هذا يدل على أن نزولَ آية الروح وقع بالمدينة، لكن روى الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠٩) - والترمذي في جامعه - كتاب تفسير القرآن - باب ومن سورة بني إسرائيل - رقم الحديث (٣٤٠٧) بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: =
[ ٢ / ٢٤٩ ]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ قُلْنَا لَكُمْ لَا تَسْأَلُوهُ (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ سُؤَالِ العَالِمِ فِي حَالِ قِيَامِهِ وَمَشْيِهِ إِذَا كَانَ لَا يَثْقُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
٢ - وَفيهِ أَدَبُ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، والعَمَلُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ.
٣ - وَفِيهِ التَّوَقُّفُ عَنِ الجَوَابِ بِالِاجْتِهَادِ لِمَنْ يَتَوَقَّعُ النَّصَّ.
٤ - وفيهِ أَنَّ بَعْضَ المَعْلُومَاتِ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ حَقِيقَةً.
٥ - وَفيهِ أَنَّ الأَمْرَ يَرِدُ لِغَيْرِ الطَّلَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدٍ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتِ اليَهُودُ: أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا، أُوتِينَا التَّوْرَاةَ، وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ،
_________________
(١) = قالت قريش لليهود: أعطُونَا شيئا نَسْأَل هذا الرجل، فقالوا: سَلُوهُ عن الروح، فسألوه، فأنزل اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال الحافظُ في الفتح (٩/ ٣١٩): ويُمكِنُ الجمعُ بان يتعدَّد النزول بحمل سكوتهِ في المرة الثانية على توقُّعِ مزيدِ بيَانٍ في ذلك، وإن سَاغَ هذا، وإلا فمَا في الصَّحِيحِ أصَحُّ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ - رقم الحديث (١٢٥) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب ويسألونك عن الروح - رقم الحديث (٤٧٢١) - ومسلم في صحيحه - كتاب صفاتِ المنافقين وأحكامهم - بابُ سُؤال اليهود النبي -ﷺ- عن الروح - رقم الحديث (٢٧٩٤).
(٣) انظر فتح الباري (٩/ ٣٢٣).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فَقَدْ أُوْتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ مَاءُ البَحْرِ مِدَادًا (٢) لِلْقَلَمِ الذِي تُكْتَبُ بِهِ كَلِمَاتُ رَبِّي وَحِكَمُهُ وآيَاتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ أيْ لفَرَغَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَغَ مِنْ كِتَابَةِ ذَلِكَ ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ البَحْرِ آخَرٌ، ثُمَّ آخَرٌ، وَهَلُمَّ جَرًّا، بُحُورٌ تُمِدُّهُ ويُكْتَبُ بِهَا، لَمَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده، والطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ (٤) مِنَ اليَهُودِ يَوْمًا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا أبَا القَاسِمِ، حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ (٥) نَسْأَلُكَ عَنْهَا، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ.
فَقَالَ -ﷺ-: "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ (٦)، ومَا أَخَذَ يَعْقُوبُ ﵇ عَلَى بَنِيهِ، لَئِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوهُ، لَتُتَابِعُنِّي عَلَى الإِسْلَامِ".
_________________
(١) سورة الكهف آية (١٠٩) - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠٩) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب العلم - رقم الحديث (٩٩).
(٢) المِدَادُ: هو الحِبْر الذي يُكتب به. انظر لسان العرب (١٣/ ٥٢).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٢٠٤).
(٤) العِصَابَةُ: هم الجَمَاعَةُ من الناس من العَشَرَةِ إلى الأرْبَعين. انظر النهاية (٣/ ٢٢٠).
(٥) الخِلَالُ: الخِصَالُ. انظر لسان العرب (٤/ ٢٠١).
(٦) الذِّمَّةُ: هي العَهْدُ والضَّمَان. انظر النهاية (٢/ ١٥٥).
[ ٢ / ٢٥١ ]
قَالُوا: فَذَلِكَ لَكَ.
قَالَ: "فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ".
قَالُوا: أخْبِرْنَا عَنْ أرْبَعِ خِلَالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهَا: أخْبِرْنَا عَنِ الطَّعَامِ الذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ (١) عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، وَأَخْبِرْنَا عَنْ مَاءَ المَرْأَةِ مِنْ مَاءَ الرَّجُلِ، وكَيْفَ يَكُونُ مِنْهُ الذَّكَرُ حَتَّى يَكُونَ ذَكَرًا، وَكَيْفَ تَكُونُ مِنْهُ الأُنْثَى حَتَّى تَكُونَ أُنْثَى، وأَخْبِرْنَا كَيْفَ هَذَا النَّبِيُّ فِي النَّوْمِ، وَمَنْ وَليُّكَ مِنَ المَلَائِكَةِ؟
قَالَ -ﷺ-: "فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أنا حَدَّثْتُكُمْ لَتبايِعُنِّي؟ "
فَأَعْطَوهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ.
قَالَ -ﷺ-: "أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا (٢)، وَطَالَ سُقْمُهُ (٣)، فنذَرَ للَّهِ نَذْرًا لَئِنْ
_________________
(١) إسرائِيلُ: هو يَعْقُوب ﵇.
(٢) المرَضُ الذي أصابَ يعقوبَ ﵇: هو عِرْقُ النِسَا، فقد أخرج الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الرعد - رقم الحديث (٣٣٨٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٨٣) بسند حسن عن ابن عباس ﵄ قال: أقبلتْ يَهُود إلى رَسُول -ﷺ-، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألكَ عن خمسةِ أشياء. . . قالوا: أخبِرْنا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسه؟ قال -ﷺ-: "كَانَ يشتَكِي عِرْقَ النِسَا، فلم يَجِد شيئًا يُلائِمُهُ إلا لحُوم الابل وألبانها، فلذلك حَرَّمها. . . " الحديث. قال ابن القيم في زاد المعاد (٤/ ٦٦): عِرْقُ النِسَا: هو وجَعٌ يبتدِئ من مِفْصَل الوَرْكِ، وينزلُ من خَلْف على الفَخِذِ، وربما على الكَعْبِ، وكلَّما طالت مُدَّتُهُ، زاد نُزُولُهُ، وتَهزُلُ معه الرِجلُ والفَخِذُ.
(٣) السُّقْمُ: المَرَض. انظر النهاية (٢/ ٣٤٢).
[ ٢ / ٢٥٢ ]
شَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سُقْمِهِ، لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُ الإِبِلِ، وَأَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الإِبِلِ؟ ".
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ".
قَالَ: "فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظ أَبْيَضُ، وَأَنَّ مَاءَ المَرْأَةِ رَقِيق أصْفَرُ، فَأَيُّهُمَا عَلَا كَانَ لَهُ الوَلَدُ وَالشِّبَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإنْ عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ كَانَ ذَكَرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإنْ عَلَا مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ كَانَتْ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ؟ ".
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ".
قَالَ: "فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ؟ " (١).
_________________
(١) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٥٦٩) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٧٣٨) (١٢٥) - عن عائشة ﵂: قالت: قلت: يا رَسُول اللَّهِ أتنَامُ قبلَ أن تُوتِرَ؟ فقال -ﷺ-: "إن عَيْنِي تنامُ ولا يَنَامُ قلبي". وفي رواية عند البخاري في الصحيح - رقم الحديث (٣٥٧٠) عن أنس -﵁- قال: . . . والنبي -ﷺ- نَائِمَة عيناه ولا يَنام قلبه، وكذلك الأنبياء تَنَام أعيُنُهم ولا تَنَام قُلُوبهم. قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (٦/ ١٩): وهذا من خصائص الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ".
قَالُوا: أَنْتَ الآنَ، حَدِّثْنَا: مَنْ وَليُّكَ مِنَ المَلَائِكَةِ؟ فَعِنْدَهَا نُجَامِعُكَ أَوْ نُفَارِقُكَ.
قَالَ: "وَلِيِّي جِبْرِيلُ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ ﷿، نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَهُوَ وَلِيُّهُ".
قَالُوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ، لَوْ كَانَ وَليُّكَ غَيْرُهُ مِنَ المَلَائِكَةِ لَبَايَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ.
قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُصَدِّقُوهُ؟ "
قَالُوا: إِنَّهُ عَدُوُّنَا مِنَ المَلَائِكَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) إِلَى آخِرِ الآيَةِ، ونَزَلَتْ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ (٢).
* اسْتِفْتَاؤُهُمُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ حُكْمِ الرَّجْمِ:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرُوا له أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا،
_________________
(١) سورة البقرة آية (٩٧).
(٢) سورة البقرة آية (٩٠) - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥١٤) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٨٥٤).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ".
فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ ويُجْلَدُونَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ -﵁- وهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ -﵁-: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ.
قَالوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَة الرَجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فرجِمَا (١).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، والإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: مُرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِيَهُودِي مُحَمَّمٍ (٢) مَجْلُودٍ، فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: "أَهَكَذَا تَجدُونَ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِكُمْ؟ ".
فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ:
"أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِكُمْ؟ ".
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحدود - باب أحكام أهل الذمة - رقم الحديث (٦٨٤١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحدود - باب رجم اليهود "أهل الذّمة في الزنى" - رقم الحديث (١٦٩٩).
(٢) مُحَمَّمٌ: أي مُسَوَّدُ الوجهِ، من الحُمَمَةِ: وهي الفَحْمَة. انظر النهاية (١/ ٤٢٧).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ أنْشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أخَذْنَا الشَّرِيفَ، تركْنَاهُ، وَإِذَا أخَذْنَا الضَّعِيفَ، أقَمْنَا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا حَتَّى نَجْعَلَ شَيْئًا نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالجَلْدِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَنْ أحْيَا أمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ".
قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (١).
يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإِنْ أفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالجَلْدِ، فَخُذُوهُ، وَإِنْ أفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ، فَاحْذَرُوا. إِلَى قَوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).
وَقَالَ تَعَالَى في اليَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
قَالَ: هِيَ فِي الكُفَّارِ كُلُّهَا (٤).
_________________
(١) سورة المائدة آية (٤١).
(٢) سورة المائدة آية (٤٤).
(٣) سورة المائدة آية (٤٧).
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحدود - باب رجم اليهود أهل الذمة في =
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَذِهِ أحَادِيثٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَكَمَ بِمُوَافَقَةِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الإِلْزَامِ بِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ الشَّرْعِ المُحَمَّدِيِّ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنْ هَذَا بِوَحْيٍ خَاصٍّ مِنَ اللَّهِ ﷿، إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وسُؤَالُهُ إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيُقَرِّرَهُمْ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَرَاضَوْا عَلَى كِتْمَانِهِ وَجَحْدِهِ، وعَدَمِ العَمَلِ بِهِ تِلْكَ الدُّهُورِ الطَّوِيلَةِ، فَلَمَّا اعْترَفُوا بِهِ مَعَ عَمَلِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ، بِأَنَّ زَيْغَهُمْ وعِنَادَهُمْ وتَكْذِيبَهُمْ لِمَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الكِتَابِ الذِي بِأَيْدِيهِمْ، وعُدُولهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ الرَّسُولِ -ﷺ- إِنَّمَا كَانَ عَنْ هَوًى مِنْهُمْ وشَهْوَةٍ لِمُوَافَقَةِ آرَائِهِمْ، لَا لِاعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ. مَا يَحْكُمُ بِهِ؛ لِهَذَا قَالُوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾، والتَّحْمِيمَ ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقْبَلُوهُ، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أيْ: مِنْ قَبُولهِ واتِّبَاعِهِ (١).
* سُؤَالُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ حُكْمِ الدِّيَةِ:
كَمَا سَأَلُوا الرَّسُولَ -ﷺ- عَنْ حُكْمِ الدِّيَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ، وَكَانَتِ النَّضِيرُ أشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ
_________________
(١) = الزنى - رقم الحديث (١٧٠٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥٢٥).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ١١٦).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
قُرَيْظَةَ وُدِيَ (١) مِئَةَ وَسْقٍ (٢) مِنْ تَمْرٍ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ -ﷺ- قتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلُهُ، فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَأَتَوْهُ فنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٣)
وَالقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٤).
وفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ، وأبِي دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥). قَالَ: كَانَ بَنُو النَّضِيرِ إِذَا قَتَلُوا قَتِيلًا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، أَدُّوا إِلَيْهِمْ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِذَا قتَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ قَتِيلًا، أَدُّوا إلَيْهِمُ الدِّيَةَ كَامِلَة، فَسَوَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَهُمُ الدِّيَةَ (٦).
_________________
(١) وُدِيَ: أي أُعْطِيَ دِيَتَهُ. انظر النهاية (٥/ ١٤٨).
(٢) الوِسْقُ: سِتُّون صاعًا. انظر النهاية (٥/ ١٦١).
(٣) سورة المائدة آية (٤٢).
(٤) سورة المائدة آية (٥٠) - والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب القضاء - باب الإخبار عن السبب الذي من أجله أنزل اللَّه جل وعلا ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ - رقم الحديث (٥٠٥٧) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الديات - باب النفس بالنفس - رقم الحديث (٤٤٩٤).
(٥) سورة المائدة آية (٤٢).
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٤٣٤) - وأبو داود في سننه - كتاب الأقضية - باب الحكم بين أهل الذمة - رقم الحديث (٣٥٩١).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
مَوْقِفُ مُشرِكِي المَدِينَةِ مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ-
أَقَامَ بَعْضُ أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَى شِرْكِهِمْ، وأَبَوْا الدُّخُولَ في الإِسْلَامِ حَتَّى الْتَحَقَ بَعْضُهُمْ بِقُرَيْشٍ وَرَاحَ يُؤَّلِّبُ (١) عَلَى الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، ومِنْ أشْهَرِهِمْ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ.
أَمَّا أَبُو عَامِرٍ فَهُوَ عَمْرُو بنُ صَيْفِيٍّ أحَدُ بَنِي ضُبَيْعَةَ بنِ زَيْدٍ مِنَ الأَوْسِ، وَهُوَ وَالِدُ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ المَلَائِكَةِ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَقَرَأَ عِلْمَ أَهْلِ الكِتَابِ، وكَانَ فِيهِ عِبَادَةٌ في الجَاهِلِيَّةِ، ولَهُ شَرَفٌ فِي الخَزْرَجِ كَبِيرٌ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُهَاجِرًا إِلَى المَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وصَارَتِ لِلْإِسْلَامِ كَلِمَة عَالِيَةٌ، وأظْهَرَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، شَرِقَ -أيْ غَصَّ- اللَّعِينُ أَبُو عَامِرٍ بِرِيقِهِ، وَبَارَزَ بِالعَدَاوَةِ، وَظَاهَرَ بِهَا، وَخَرَجَ فَارًّا إِلَى كُفَّارِ مَكَّةَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَأَلَّبَهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَاجْتَمَعُوا بِمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أحْيَاءِ العَرَبِ، وَقَدِمُوا عَامَ أُحُدٍ، فَكَانَ مِنْ أمْرِ المُسْلِمِينَ مَا كَانَ، وَامْتَحَنَهُمُ اللَّهُ، وَكَانَتِ العَاقِتةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَكَانَ هَذَا الفَاسِقُ قَدْ حَفَرَ حَفَائِرَ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَوَقَعَ فِي إحْدَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأُصِيبَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَجُرِحَ فِي وَجْهِهِ
_________________
(١) التألِيبُ: التَّحْرِيضُ. انظر لسان العرب (١/ ١٧٧).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ اليُمْنَى السُّفْلَى، وشُجَّ رَأْسُهُ -ﷺ-، ومَاتَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ لَعَنَهُ اللَّهُ (١)
* شَأْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ:
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ (٢) لَعَنَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ بَنِي الحُبْلَى مِنَ الخَزْرَجِ، وكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ فِي شَرَفِهِ مِنْ قَوْمِهِ اثْنَانِ، وَلَمْ تَجْتَمعِ الأَوْسُ والخَزْرَجُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحَدِ الفَرِيقَيْنِ غَيْرَهُ، وَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَظَمُوا له الخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، ثُمَّ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولهِ -ﷺ- وهُمْ عَلَى ذلِكَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَوْمُهُ عَنْهُ إِلَى الإِسْلَامِ ضَغِنَ (٣)، ورَأَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِ اسْتَلَبَهُ مُلْكًا، وَأَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَمَّا رَأَى قَوْمَهُ قَدْ أَبَوْا إِلَّا الإِسْلَامَ دَخَلَ فِيهِ كَارِهًا مُصِرًّا عَلَى نِفَاقٍ وَضِغْنٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٧).
(٢) هو عبدُ اللَّه بن أُبي بن سلولٍ الخَزْرَجِيّ، أبو الحُبَاب، بضم الحاء، المشهور بابن سلول، وسلولٌ جَدَّتُهُ لأبيهِ، رأسُ المنافقين في الإسلام، من أهل المدينة، كان سَيِّد الخزرج في آخر جاهليتهم، وأظهَرَ الإسلام بعد وَقعة بدر، تُقْيَةً، وكان كلما حَلَّتْ بالمسلمين نازِلَةٌ شَمِتَ بهم، وكلما سَمِعَ بسَيِّئَةٍ نَشَرَهَا، وله في ذلك أخبار، ولما مَاتَ لعنه اللَّه تقدَّم النبي -ﷺ- فصلى عليه، فنزل قوله تَعَالَى سورة التوبة آية (٨٤): ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، ومات على نِفَاقِهِ، وكان ضَخْمًا، يركبُ الفرس، فتَخُطُّ رِجْلاهُ في الأرض. انظر كتاب الأعلام للزركلي (٤/ ٦٥). قال الذهبي في السير (١/ ٣٢٣): ولا حَصَّل دُنْيَا، ولا آخِرَة، نسأل اللَّهَ العَافية.
(٣) الضِّغْنُ: الحِقْدُ والعَداوة والبَغْضاء. انظر لسان العرب (٨/ ٦٨).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٦ - ١٩٧).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ (١)، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ -﵁- فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ (٢) قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ (٣) عَبْدُ اللَّهُ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أخْلَاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَاليَهُودِ، وفي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁-، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسُ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ (٤)، خَمَّرَ (٥) عَبْدُ اللَّهُ بنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ (٦) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ، فنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهُ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ: أيُّهَا المَرْءُ، إِنَّهُ لَا أحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، ارْجعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ.
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠٠): قَطِيفَة فدَكِيَّة: أي كِسَاء غليظٌ مَنْسُوب إلى فَدَك بفتح الفاء والدال، وهي بلا مشهور على مرحلتين من المدينة.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠٠): أي في مَنازل بني الحارث، وهم قومُ سعدِ بن عُبادة.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠٠): أي قبلَ أن يُظهِرَ إسلامَهُ.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠٠): عَجَاجَةُ الدَّابّةِ: أي غُبَارها.
(٥) خَمَّرَ: غَطى. انظر النهاية (٢/ ٧٣).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠٠): يؤخَذُ منه جَوَازُ السلام على المسلمين إذا كان معهم كُفَّار، وينوي حينئذٍ بالسلام المُسلمين، ويحتمل أن يكون الذي سَلَّم به عليهم صِيغَةِ عموم فيها تخصِيصٌ كفوله: "السلام على من اتَّبَع الهدى".
[ ٢ / ٢٦١ ]
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁-: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاغْشِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ.
فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ واليَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ (١)، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ -ﷺ- يُخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ -ﷺ- دَابتهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ -﵁-.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبابٍ (٢)؟ -يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ- قَالَ: كَذَا كَذَا".
فَقَالَ سَعْدٌ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ، لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالحَقِّ الذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلقدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذه البُحَيْرَةِ (٣) عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فيعَصِّبُونَهُ بِالعِصَابَةِ (٤)، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠١): أي يتَوَاثَبُونَ، أي قارَبُوا أن يثبَ بعضهم على بعض فيقْتَتِلُوا. وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه قال: حتى هَمُّوا أن يَتَوَاثبُوا.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠١) (١٢/ ٢٣٦): بضم الحاء، وهي كُنية عبد اللَّه بن أُبي، وكنَّى النبي -ﷺ- في تلك الحالة لكونِهِ كان مَشْهورًا بها أو لِمَصْلَحَةِ التألفِ، وكان حينئذٍ لم يُظهر الإسلام كما هو بَيِّن من سِيأتى الحديث.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠١): هذا اللفظ يُطلَقُ على القَرْيَةِ وعلى البَلَدِ، والمرادُ به هنا المدينة النبوية.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠١): يعني يُرَئِّسُوه عليهم ويُسَؤَدُوه، وسُمِّي الرئيس مُعَصَّبًا لما يَعْصُبُ برأسه من الأمور، أو لأنهم يَعْصِبُون رؤوسَهم بعِصَابةٍ لا تَنْبَغِي لغيرِهم يمتَازُون بها. وفي رواية إسحاق في السيرة (٢/ ١٩٧): لقد جاءَنا اللَّه بكَ وإنا لنَنْظُم له الخَرَزَ لنُتَوِّجَهُ.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
الذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ (١) بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- وأصْحَابهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأَهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، ويَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣). وَكَانَ النَّبيُّ -ﷺ- يَتَأَوَّلُ في العفو ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أذِنَ اللَّهُ فيهم (٤).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَان في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- وَرَكِبَ حِمَارًا،
_________________
(١) شَرِقَ: أي غَصَّ به، وهو مجازٌ فيما نالَ من أمرِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وحَلّ به، حتى كأنه شيءٌ لم يقدر على إسَاغَتِهِ وابتلاعِهِ فغَصَّ به. انظر النهاية (٢/ ٤١٨).
(٢) سورة آل عمران آية (١٨٦). قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية (٢/ ١٨٠): فَكَانَ مَنْ قام بِحَقٍّ، أو أمرَ بمعروف، أو نهى عن منكم، فلابد أن يُؤْذَى، فما له دواءٌ إلا الصَّبر في اللَّه، والاستِعَانةُ باللَّه، والرُّجوع إلى اللَّه ﷿.
(٣) سورة البقرة آية (١٠٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ - رقم الحديث (٤٥٦٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في دعاء النبي -ﷺ-، وصبره على أذى المنافقين - رقم الحديث (١٧٩٨).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وَانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ، وَهِيَ أرْضٌ سَبْخَةٌ (١)، فَلَمَّا أتاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ (٢) حِمَارِكَ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَا (٣)، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ (٤) وَالنِّعَالِ وَالأَيْدِي، فَبَلَغَنَا (٥) أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (٦)﴾ (٧).
_________________
(١) الأرضُ السَّبْخَةُ: هي الأرض التي تَعْلُوهَا المُلُوحَةُ، ولا تكادُ تُنبتُ إلا بعضَ الشَّجر. انظر النهاية (٢/ ٣٠٠).
(٢) النتنُ: الرائِحَة الكَرِيهة. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٦).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦٣٧): فشَتَمَا: أي شَتَمَ كلُّ واحد منهما الآخر.
(٤) الجَرِيدَةُ: السَّعْفَة. انظر النهاية (١/ ٢٤٩).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦٣٧): القائَلُ هو أنسُ بن مالك -﵁- راوِي الحديث.
(٦) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦٣٧): وقد استشكَلَ ابن بطال نزولَ الآية المذكورة، وهي قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ﴾ في هذه القصة؛ لأن المُخَاصَمَة وقعت بينَ مَن كان مع النبي -ﷺ- من أصحابِه وبين أصحابِ عبد اللَّهِ بن أُبي، وكانوا إذ ذَاكَ كفَّارًا فكيف ينزل فيهم ﴿طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا سيما إن كانت قِصَّة أنس وأسامة مُتَّحدة -قصة أسامة ذكرتها في الحديث الذي قبل هذا الحديث-، فإن في رِواية أسامة: فاستَبَّ المسلمون والمشركون. ويمكن أن يُحمل على التغلِيبِ، مع أن فيها إشْكالًا من جِهَةٍ أخرى وهي أن حديثَ أُسَامة صريحٌ في أن ذلك كان قبلَ وقعَةِ بدرٍ، وقبل أن يُسلم عبد اللَّه بن أُبي وأصحابه، والآية المذكورة في الحجرات، ونزولها متأخِّر جدًا وقت مَجِيءِ الوُفُود، لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاحِ نزلت قديمًا فيَنْدَفِع الإشكال.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلح - باب ما جاء في الإصلاح بين الناس - =
[ ٢ / ٢٦٤ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنَ الصَّفْحِ والحِلْمِ والصَّبْرِ عَلَى الأَذَى فِي اللَّهِ.
٢ - وَفيهِ الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ وَتَأْلِيفُ القُلُوبِ عَلَى ذَلِكَ.
٣ - وَفيهِ أَنَّ رُكُوبَ الحِمَارَ لَا نَقْصَ فِيهِ عَلَى الكِبَارِ.
٤ - وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَالأَدَبِ مَعَهُ والمَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ، وَأَنَّ الذِي يُشِيرَ عَلَى الكَبِيرِ بِشَيْءٍ يُورِدُهُ بِصُورَةِ العَرْضِ عَلَيْهِ لَا الجَزْمِ.
٥ - وَفِيهِ جَوَازُ المُبَالَغَةِ فِي المَدْحِ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أطْلَقَ أَنَّ رِيحَ الحِمَارِ أطْيَبُ مِنْ رِيحِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى ذَلِكَ (١).
* اسْتِغْلَالُ قُرَيْشٍ مُشْرِكِي المَدِينَةِ:
وَقَدِ اسْتَغَلَّتْ قُرَيْشٌ هَذَا الأَمْرَ، وَوَجَدَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ضَالَّتَهُمْ فِي ابْنِ سَلُولٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلَّتِهِمْ، فكَاتَبُوهُ لِيَكِيدَ لِلْمُسْلِمِينَ، ويَقُومَ بِالدَّوْرِ الذِي كَانُوا يَقُومُونَ بِهِ ضِدَّ الرَّسُولِ -ﷺ- وأصْحَابِهِ فِي مَكَّةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ
_________________
(١) = رقم الحديث (٢٦٩١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في دعاء النبي -﵁-، وصبره على أذى المنافقين - رقم الحديث (١٧٩٩).
(٢) انظر فتح الباري (٥/ ٦٣٨).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كتَبُوا إِلَى ابنِ أُبَيٍّ ومَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الأوْثَانَ مِنَ الأَوْسِ والخَزْرَجِ، ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ باللَّهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ، ونَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ- لَقِيَهُمْ، فَقَالَ: "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ المَبَالِغَ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أبْنَاءَكمْ وإخْوَاكُمْ"، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- تَفَرَّقُوا (١).
* حِرَاسَةُ الرَّسُولِ -ﷺ-:
واحْتِرَازًا مِنْ مَكَائِدِ قُرَيْشٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَبِيتُ إِلَّا سَاهِرًا، أَوْ فِي حِرَاسَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَقْدَمَهُ المَدِينَةَ، لَيْلَةً، فَقَالَ: "لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَة"، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ (٢) سِلَاحٍ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَنْ هَذَا؟ ".
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب في خبر النضير - رقم الحديث (٣٠٠٤).
(٢) الخشْخَشَةُ: حركَةٌ لها صوت كصَوْتِ السلاح. انظر النهاية (٣٢١٢).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
قَالَ: سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا جَاءَ بِكَ؟ ".
قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجِئْتُ أحْرُسُهُ (١)، فَدَعَا له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ نَامَ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - الأَخْذُ بِالحَذَرِ والاحْتِرَاسُ مِنَ العَدُوِّ.
٢ - وَأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحْرُسُوا سُلْطَانَهُمْ خَشْيَةَ القَتْلِ.
٣ - وفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَبَرَّعَ بِالخَيْرِ وتَسْمِيَتُهُ صَالِحًا، وَإِنَّمَا عَانَى النَّبِيُّ -ﷺ- ذَلِكَ مَعَ قُوَّةِ تَوَكُّلِهِ لِلِاسْتِنَانِ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ (٣) يَوْمَ أُحُدٍ، ولَبِسَ عَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرَ، وأقْعَدَ الرُّمَاةَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ، وخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اشْتَدَّ البَأْسُ كَانَ أمَامَ الكُلِّ -ﷺ-، . . . وتَعَاطَى أسْبَابَ الأَكْلِ والشُّرْبِ، وادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ، وَلَمْ يَنْتظِرْ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٤٨): قال العلماء: كان هذا الحديث قبل نزول قوله تَعَالَى في سورة المائدة آية (٦٧): ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ لأنه -ﷺ- ترَكَ الاحتِرَاس حين نزلت هذه الآية، وأمر أصحابه بالانصرافِ عن حِرَاسته.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الحِراسة في الغزو في سبيل اللَّه - رقم الحديث (٢٨٨٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل سعد بن أبي وقاص -﵁- رقم الحديث (٢٤١٠) (٤٠).
(٣) ظَاهَرَ بينَ دِرْعَيْنِ: أي جَمَع ولَبِسَ أحدهما فوق الآخر. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
السَّمَاءَ، وهُوَ أحَقُّ الخَلْقِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ، وأيْضًا فَالتَّوَكُّلُ لا يُنَافِي تَعَاطِي الأَسْبَابِ؛ لأَنَّ التَّوَكُّلَ عَمَلُ القَلْبِ وهِيَ عَمَلُ البَدَنِ، وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١)، وَقَالَ الذِي سَأَلهُ، أعْقِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟
قَالَ -ﷺ-: "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ" (٢)، فأشَارَ إِلَى أَنَّ الِاحْتِرَازَ لَا يَدْفَعُ التَّوَكُّلَ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (٣).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ أبَيِّ بنِ كَعْبٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابُهُ المَدِينَةَ، وآوَتْهُمُ الأَنْصَارُ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، كَانُوا لا يَبِيتُونَ إِلَّا بِالسِّلَاحِ، ولا يُصْبِحُونَ إلَّا فِيهِ (٤).
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: ثُوِّبَ (٥) بالصَّلَاةِ يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي وهُوَ
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٦٠).
(٢) حديث صحيح أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع - باب (٥٠) - رقم الحديث (٢٦٨٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الرقائق - باب الورع والتوكل - رقم الحديث (٧٣١).
(٣) انظر فتح الباري (٦/ ١٧٦) - (١١/ ٣٧٣).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب شأن نزول آية ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ - رقم الحديث (٣٥٦٤) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٦).
(٥) التَّثْوِيبُ في صلاةِ الفَجْرِ: هو أن يَقُولَ المؤذن: "الصَّلاةُ خيرٌ منَ النَّوم" مرتين. انظر النهاية (١/ ٢٢١).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
يَلْتَفِتُ (١) إِلَى الشِّعْبِ.
قَالَ أَبُو دَاودَ: وَكَانَ أرْسَلَ فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ (٢).
وَأَخْرَجَ الترمذي في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُحْرَسُ حتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ (٣) مِنَ النَّاسِ﴾ (٤)، فأخْرَجَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: "يا أيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ" (٥).
* مُحَاوَلة قُرَيْشٍ مَنْعَ الأَنْصَارِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ:
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحَاوِلُ بِكُلِّ الوَسَائِلِ أَنْ تَضُرَّ المُهَاجِرِينَ أَوِ الأَنْصَارَ الذِينَ آوَوا المُهَاجِرِينَ، فَقَدْ حَاوَلَتْ صَدَّ الأَنْصَارِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَقَدْ ظَهَرَ هَذَا
_________________
(١) قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٢٤٣)، فهذا الالتفاتُ من الاشتِغَال بالجهادِ في الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات، كصلاة الخوفِ، وقريبٌ منه قول عمرَ -﵁-: إني لأجهِّزُ الجيش وأنا في الصلاة، فهذا جمعٌ بين الجهادِ والصلاة. أخرج هذا الأثر عن عمر -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب العمل في الصلاة - باب يُفكر الرجل الشيء في الصلاة -معلقًا- ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (٨٠٣٤) - وإسناده صحيح كما قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤١٨).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب النظر في الصلاة - رقم الحديث (٩١٦).
(٣) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٥١): أي بلِّغ أنت رِسَالتي، وأنا حافِظُكَ وناصِرُكَ ومؤيِّدك على أعدائك ومُظْفِرُك بهم، فلا تَخَفْ ولا تحزن، فلن يَصِلَ أحد منهم إليك بسوءً يُؤذيك، وقد كان النبي -ﷺ- قبل نزول هذه الآية يُحرَس.
(٤) سورة المائدة آية (٦٧).
(٥) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة المائدة - رقم الحديث (٣٠٤٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (٢/ ١١٨) - وحسن إسناده الحافظ في الفتح (٦/ ١٧٦).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
جَلِيًّا فِي قِصَّةِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ -﵁- وأَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود -﵁- قَال: انْطَلَقَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- مُعْتَمِرًا، فنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِالمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ -﵁-، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ -﵁-: أَلَا انتظِرْ حَتَّى إِذَا انتصَفَ النَّهَارُ وغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ؟
فَبَيْنَا سَعْدٌ -﵁- يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الذِي يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ؟
فَقَال سَعْدٌ -﵁-: أَنَا سَعْدٌ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: تَطُوفُ بِالكَعْبَةِ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وأصْحَابَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، فَتَلَاحَيَا (١) بَيْنَهُمَا، . . . فَقَالَ سَعْدٌ -﵁-: وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ لَأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ.
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: قَال سَعْدٌ -﵁-: أمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ، طَرِيقَكَ عَلَى المَدِينَةِ.
فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ -﵁-: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الحَكَمِ، فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الوَادِي، فَغَضِبَ سَعْدٌ -﵁-، وَقَالَ لِأُمَيَّةَ: دَعْنَا عَنْكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ، قَال: إيَّايَ، قَالَ: نَعَمْ (٢)، قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٤/ ٨٠١): الملاحَاةُ: هي المُخَاصمَةُ والمُنَازَعَةُ والمُشَاتَمَةُ.
(٢) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري -قال سعدٌ لِأُمَيَّة: لقد سَمِعت رَسُول اللَّهِ -ﷺ- =
[ ٢ / ٢٧٠ ]
حَدَّثَ. . .، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قتَلَهُ اللَّهُ ﷿ بِبَدْرٍ (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وفي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِد:
١ - مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- ظَاهِرَةٌ.
٢ - وفيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- مِنْ قُوَّةِ النَّفْسِ وَاليَقِينِ.
٣ - وفِيهِ أَنَّ شَأْنَ العُمْرَةِ كَانَ قَدِيمًا.
٤ - وفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ مَأْذُونًا لَهُمْ فِي الِاعْتِمَارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْتَمِرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِخِلَافِ الحَجِّ، واللَّهُ أعْلَمُ (٢).
* * *
_________________
(١) = يقول: "إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ"، قال بمكةَ، قال: لا أدري، ففزعَ لذلك أُمية فزَعًا شَدِيدًا.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ذكر النبي -ﷺ- من يقتل ببدر - رقم الحديث (٣٩٥٠) - وأخرجه في كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٦٣٢).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ١٠).
[ ٢ / ٢٧١ ]
تَشْرِيعُ الجِهَادِ (١)
أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ؛ لِيُعْبَدَ اللَّهُ ﷿ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالفَنِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢).
قَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَأَمَّا نَبِيُّ المَلْحَمَةِ (٣)، فَهُوَ الذِي بُعِثَ بِجِهَادِ أعْدَاءِ اللَّهِ، فَلَمْ
_________________
(١) الجِهَادُ: مُحَارَبة الكفار، وهو المبالغة واستِفْرَاغُ ما في الوُسْعِ والطاقَةِ من قولٍ أو فعلٍ. يُقال: جهد الرجل في الشيءِ: أي جَدَّ فيه وبَالغ، وجَاهَدَ في الحربِ مُجَاهدَةً وجِهَادًا. انظر النهاية (١/ ٣٠٨).
(٢) عَلّقه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما قيل في الرِّماح - ووصلهُ الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٣١) وإسناده قوي - وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٠٩) وقال: إسناده صالح.
(٣) أخرج ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخِ - باب صفته -ﷺ- وأخباره - رقم الحديث (٦٣١٤) بسند صحيح على شرط الشيخين عن أبي موسى -﵁- قال: كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يُسمِّي لنا نفسَهُ أسماءً، فقال: "أنا محمدٌ، وأحمد، والمقَفِّي، والحَاشِر، ونبِيُّ الرحمةِ، ونَبِيُّ الملحَمَةِ". وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب في أسمائه -ﷺ- رقم الحديث (٢٣٥٥) دون ذكر ونبي الملحمة.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
فَلَمْ يُجَاهِدْ نَبِيٌّ وَأُمَّتُهُ قَطُّ مَا جَاهَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأُمَّتُهُ، والمَلَاحِمُ (١) الكِبَارُ التِي وَقَعَتْ وَتَقَعُ بَيْنَ أُمَّتِهِ وبَيْنَ الكُفَّارِ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا قَبْلَهُ، فإنَّ أُمَّتَهُ يَقْتُلُونَ الكُفَّارَ فِي أقْطَارِ الأَرْضِ عَلَى تَعَاقُبِ الأَعْصَارِ، وَقَدْ أَوْقَعُوا بِهِمْ مِنَ المَلَاحِمِ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ أُمَّةٌ سِوَاهُمْ (٢).
قَالَ أحْمَد شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
قَالُوا غَزَوْتَ، وَرُسْلُ اللَّهِ مَا بُعِثُوا لِقَتْلِ نَفْسٍ وَلَا جَاؤُوا لِسَفْكِ دَمِ
جَهْلٌ وتَضْلِيلُ أحْلَامٍ وَسَفْسَطَةٌ فتَحْتَ بِالسِّيْفِ بَعْدَ الفَتْحِ بِالقلَمِ
لَمَّا أتَى لَكَ عَفْوًا كُلُّ ذِي حَسَبٍ تَكَفَّلَ السَّيفُ بالْجُهَّالِ والعَمَمِ (٣)
والشَّرُّ إِنْ تَلْقَهُ بِالْخَيرِ ضِقْتَ بِهِ ذَرْعًا وإنْ تَلْقَهُ بِالشَّرِّ يَنْحَسِمِ
* * *
_________________
(١) المَلْحَمَةُ: هي الحَرْبُ وموضعُ القِتَال، والجمعُ المَلاحِمُ، مأخوذٌ من اشتِبَاكِ الناسِ واختِلاطِهِمْ فيها. انظر النهاية (٤/ ٢٠٦).
(٢) انظر زاد المعاد (١/ ٩٣).
(٣) العماعم: الجماعات المتفرقة. انظر لسان العرب (٩/ ٤٠٧).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
مَرَاتِبُ الجِهَادِ
إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَالجِهَادُ أرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النَّفْسِ، وجِهَادُ الشَّيْطَانِ، وجِهَادُ الكُفَّارِ، وجِهَادُ المُنَافِقِينَ.
* فَجِهَادُ النَّفْسِ أرْبَعُ مَرَاتِبَ أَيْضًا:
إحْدَاهَا: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى تَعَلُّمِ الهُدَى، ودِينَ الحَقِّ الذِي لَا فَلَاحَ لَهَا، وَلَا سَعَادَةَ فِي مَعَاشِهَا ومَعَادِهَا إِلَّا بِهِ، ومَتَى فَاتَهَا عِلْمُهُ، شَقِيَتْ فِي الدَّارَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى العَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ العِلْمِ بِلَا عَمَلٍ إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا لَمْ يَنْفَعَهَا.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وتَعْلِيمِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وإلَّا كَانَ مِنَ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الهُدَى وَالبَيَناتِ، وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ، وَلَا يُنَجِّيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَأَذَى الخَلْقِ، ويَتَحَمَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ للَّهِ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ المَرَاتِبَ الأَرْبَعَ، صَارَ مِنَ
[ ٢ / ٢٧٤ ]
الرَّبَّانِيِّينَ، فَإِنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ العَالِمَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى رَبَّانِيًّا (١) حَتَّى يَعْرِفَ الحَقَّ، ويَعْمَلَ بِهِ، ويُعَلِّمَهُ، فَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ فَذَاكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ.
* وَأَمَّا جِهَادُ الشَّيْطَانِ: فَمَرْتَبَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقَى إِلَى العَبْدِ مِنَ الشُّبُهَاتِ والشُّكُوكِ القَادِحَةِ في الإِيمَانِ.
الثَّانِيَةُ: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنَ الإِرَادَاتِ الفَاسِدَةِ والشَّهَوَاتِ.
فَالجِهَادُ الأَوَّلُ: يَكُونُ بَعْدَهُ اليَقِينِ، والثَّانِي بَعْدَهُ الصَّبْرُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢) فَأَخْبَرَ ﷾ أَنَّ إِمَامَةَ الدِّينِ، إِنَّمَا تُنَالُ بِالصَّبْرِ واليَقِينِ، فَالصَّبْرُ يَدْفَعُ الشَّهَوَاتِ وَالإِرَادَاتِ الفَاسِدَةَ، واليَقِينُ يَدْفَعُ الشُّكُوكَ والشُّبُهَاتِ.
* وَأَمَّا جِهَادُ الكُفَّارِ والمُنَافِقِينَ، فَأَرْبَعُ مَرَاتِبَ:
بِالقَلْبِ، واللِّسَانِ، والمَالِ، والنَّفْسِ، وجِهَادُ الكُفَّارِ أخَصُّ بِاليَدِ، وجِهَادُ المُنَافِقِينَ أَخَصُّ بِاللِّسَانِ.
_________________
(١) الرَّباني: هو العالِمُ الرَّاسخُ في العِلْم والدين، أو الذي يَطْلُبُ بعلمه وجهَ اللَّه تَعَالَى. انظر النهاية (٢/ ١٦٧).
(٢) سورة السجدة آية (٢٤).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
* وَأَمَّا جِهَادُ أرْبَابِ الظُّلْمِ، والبِدع، والمُنْكَرَاتِ، فَثَلَاثُ مَرَاتِبَ:
بِالْيَدِ إِذَا قَدَرَ، فَإِنْ عَجَزَ، انتقَلَ إِلَى اللِّسَانِ، فَإِنْ عَجَزَ، جَاهَدَ بِقَلْبِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَرْتَبةً مِنَ الجِهَادِ، "وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ذم من مات ولم يحدث نفسه بالغزو - رقم الحديث (١٩١٠) - وانظر زاد المعاد (٣/ ٩ - ١٠).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
كَمْ غَزْوَةً غَزَاهَا الرَّسُولُ -ﷺ-؟
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي إسْحَاقَ قَالَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ زَيْدِ بنِ أرْقَمٍ فَقِيلَ له: كَمْ غَزَا النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ غَزْوَةٍ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ (١)، قِيلَ: كَمْ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٥): كذا قال ومُرَاده الغزَوَات التي خرجَ النبي -ﷺ- فيها بنفسِهِ سواءً قاتَلَ أو لم يقاتل، لكن روى أبو يَعلى من طريقِ أبي الزُّبير عن جابرٍ أن عَدد الغزواتِ إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٨١٣) - فعلى هذا فَفَات زيد بن أرقم ذِكر ثِنتين منها، ولعلهُمَا الأبواءُ وبُوَاطٌ، وكأن ذلك خَفِيَ عليه لِصِغَرِهِ، ويؤيد ما قلتُهُ ما وقع عند مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٢٥٤) بلفظ: قلت: فما أوَّل غزوة غَزَاها؟ قال: ذاتُ العُشَيْرِ أو العُشيرة. والعُشيرة: الغزوةُ الثَّالثة. وأما قول ابن التين: يُحملُ قولُ زيدِ بن أرقم على أن العُشَيْرَة أول ما غزا هو، أي زيد بن أرقم، فقلت: ما أول غزوةٍ غزاها -أي وأنت معهُ-؟ قال: العُشَيْرُ، فهو محتمل أيضًا، ويكون قد خَفِيَ عليه ثنتان مما بعد ذلك، أو عَدَّ الغزوتين واحدة، فقد قال موسى بن عُقبة: قاتل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بنفسه في ثمانٍ: بدرٍ، ثم أُحد، ثم الأحزاب، ثم المُصْطَلق، ثم خَيبر، ثم مكة، ثم حنين، ثم الطائف. وأهمل غزوةَ قريظة؛ لأنه ضمَّها إلى الأحزاب لكونها في أثَرِها، وأفردَهَا غيره لوُقُوعها منفردَةً بعد هَزِيمة الأحزاب، وكذا وقَعَ لغيرهِ عَدُّ الطائف وحنين واحدةً لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر ﵄. وقد توسَّع ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٥١) فبلغ عِدّة المغازي التي خَرج فيها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بنفسه سبغا وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو مطابِق لما عده ابن إسحاق إلا أنه لم يُفرد وادِي القرى من خَيْبر، أشار إلى ذلك السُّهيلي، وكأن السِّتة الزائدة من هذا =
[ ٢ / ٢٧٧ ]
غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلُ؟ قَالَ: العُسَيْرَةُ أَوِ العُشَيْرُ، فَذَكَرْتُ لِقتَادَةَ فَقَالَ: العُشَيْرَةُ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ بريْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ -﵁- قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ (٢).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَعَلَّ بُرَيْدَةَ أراد بقوله: قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ إِسْقَاطَ غَزْوَةَ الفَتْحِ، وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ أنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، كَمَا قَاله الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ (٣).
* الغَزَوَاتُ الكِبَارُ التِي نَزَلَ فِيهَا القُرْآنُ:
أَمَّا الغَزَوَاتُ الكِبَارُ الأُمَّهَاتُ فَهُنَّ سَبْع: بَدْوٌ، وَأُحُدٌ، وَالخَنْدَقُ، وخَيْبَرٌ،
_________________
(١) = القبيل، وعلى هذا يُحمل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: غَزَا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أربعًا وعشرين، وأخرجه يعقوب بن سُفيان عن سلمة بن شَبِيب عن عبدِ الرزاق فيه أن سَعِيدًا قال: أوَّلًا ثمَاني عشرة، ثم قال: أرْبعًا وعشرين. قال الزهري: فلا أدرِي أَوَهِم أو كان شَيْئًا سَمِعَهُ بعدُ. قال الحافظ: وحملُهُ على ما ذكرته يدفع الوهْمَ ويجمعُ الأقوال، واللَّه أعلم.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة العشيرة أو العسيرة - رقم الحديث (٤٩٤٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب عدد غزوات النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢٥٤).
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب عدد غزوات النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٨١٤) - والمرادُ بقوله -﵁- قاتلَ في ثمانٍ منهن: هي بدرٌ، وأُحُد، والأحزاب، وقُرَيظة، والمُصْطلق، وخَيبرُ، وحُنَيْن، والطائف.
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١٦٤).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
والفَتْحُ، وحُنَيْن، وتَبَوكَ. وفِي شَأْنِ هَذِهِ الغَزَوَاتِ نَزَلَ القُرْآنُ:
١ - فَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ نَزَلَ كَثِيرٌ مِنْ سُورَةِ الأنْفَالِ.
٢ - وَفي غَزْوَةِ أُحُدٍ نَزَلَ آخِرُ آلِ عِمْرَانَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. . .﴾ إلى قبيل آخِرِهَا بِيَسِيرٍ.
٣ - وفي قِصَّةِ الخَنْدَقِ وقُريظَةَ نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ الأَحْزَابِ.
٤ - وفِي قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ وخَيبرٍ نَزَلَ سُورَةُ الفَتْحِ، وَأُشِيرَ فِيهَا إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ.
٥ - وَذُكِرَ فتحُ مَكَّةَ فِي سُورَةِ النَّصْرِ.
٦ - وفي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ نَزَلَ آيَات مِنْ سُورَةِ التَّوْبةِ.
٧ - وفِي غَزْوَةِ تبوكَ نَزَلَ سُورَةُ التَّوْبَةِ.
وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ إِلَّا فِي هَذِهِ الغَزَوَاتِ السَّبْعِ، بَلْ نَزَلَ القُرْآنُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الغَزَوَاتِ، مِثْلَ: غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَنُزُولِ سُورَةِ الحَشْرِ فِيهَا، وَغَيْرِهَا.
وجُرِحَ -ﷺ- مِنْ هَذِهِ الغَزَوَاتِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَقَطْ، وقَاتَلَتْ مَعَهُ المَلَائِكَةُ مِنْهَا فِي بَدْرٍ، وحُنَيْنٍ، وَأُحُدٍ عَلَى خِلَافٍ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي غَزْوَتهَا، ونَزَلَتِ المَلَائِكَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَزَلْزَلُوا المُشْرِكِينَ وَهَزَمُوهُمْ، ورَمَى
[ ٢ / ٢٧٩ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالحَصْبَاءَ فِي وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فَهَرَبُوا، فَكَانَ الفَتْحُ فِي غَزْوَتَيْنِ، بَدْرٍ وحُنَيْنٍ، وقَاتَلَ بِالمَنْجَنِيقِ فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الطَّائِفُ، وتَحَصَّنَ بِالخَنْدَقِ فِي غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الأَحْزَابُ، أشَارَ بِهِ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ -﵁- (١).
* الإِذْنُ بِالقِتَالِ:
مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ينْذِرُ بِالدَّعْوَةِ بِغَيْرِ قِتَالٍ صَابِرًا هُوَ وأصْحَابُهُ عَلَى كَيْدِ المُشْرِكِينَ وأذَاهُمْ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، وَالكَفِّ، وَالعَفْوِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٣).
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: . . . كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ وأهْلُهَا أخْلَاطٌ مِنْهُمْ المُسْلِمُونَ، والمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الأوْثَانَ، واليَهُودُ، وَكَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ -ﷺ- وأصْحَابَهُ، فَأَمَرَ اللَّهُ ﷿ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ والعَفْوِ (٤).
وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: . . . وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- وأصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ
_________________
(١) انظر سبل الهدى والرشاد (٤/ ٩).
(٢) سورة الحجر آية (٩٤).
(٣) سورة البقرة آية (١٠٩).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة والفئ - باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة - رقم الحديث (٣٠٠٠).
[ ٢ / ٢٨٠ ]
اللَّهُ، ويَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢).
وكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يتأَوَّلُ العَفْوَ مَا أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ -أي فِي القِتَالِ- (٣).
فَلَمَّا قَوِيتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ واشْتَدَّ سَاعِدُهُمْ بِإِسْلَامِ الأَنْصارِ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الإِذْنَ بِالقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ.
أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، والنَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ -﵁- وأَصْحَابًا له أَتَوا النَّبِيَّ -ﷺ- بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا فِي عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ -ﷺ-: "إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا"، فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى المَدِينَةِ، أُمِرَ بِالقِتَالِ (٤).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٨٦).
(٢) سورة البقرة آية (١٠٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ - رقم الحديث (٤٥٦٦).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجهاد - رقم الحديث (٢٤٢٤)، وقال الحاكم: =
[ ٢ / ٢٨١ ]
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الحَرْبِ، وَلَمْ تُحَلَّلْ لَهُ الدِّمَاءُ، إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدّعَاءَ إِلَى اللَّهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، وَالصَّفْحِ عَنِ الجَاهِلِ، وكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ اضْطَهَدَتْ مَنِ اتَّبعَهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ حَتَّى فتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، ونَفَوْهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَهُمْ مِنْ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ، وَمِنْ مُعَذَّب في أيْدِيهِمْ، وبَيْنَ هَارِبٍ فِي البِلَادِ فِرَارًا مِنْهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، ومِنْهُمْ مَنْ بِالمَدِينَةِ، وفِي كُلِّ وَجْهٍ.
فَلَمَّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللَّهِ ﷿، ورَدُّوا عَلَيْهِ مَا أرَادَهُمْ بِهِ مِنَ الكَرَامَةِ، وكَذَّبُوا نَبِيَّهُ -ﷺ-، وعَذَّبُوا ونَفَوْا مَنْ عَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ، وصَدَّقَ نَبِيَّهُ -ﷺ-، واعْتَصَمَ بِدِينِهِ، أَذِنَ اللَّهُ ﷿ لِرَسُولِهِ -ﷺ- فِي القِتَالِ، والِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي إِذْنِهِ لِهُ فِي الحَرْبِ، وإحْلَالِهِ لَهُ الدِّمَاءَ، والقِتَالَ، لِمَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، قَوْله تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ (١)
_________________
(١) = هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب الجهاد - باب وجوب الجهاد - رقم الحديث (٤٢٧٩).
(٢) الصَّوْمَعَةُ: هي المَعَابِدُ الصغار للرُّهْبَانِ، وهي للنَّصارى. انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٥).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وَبِيَعٌ (١) وَصَلَوَاتٌ (٢) وَمَسَاجِدُ (٣) يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: وَإِنَّمَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى الجِهَادَ، فِي الوَقْتِ الأَلْيَقِ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا بِمَكَّةَ كَانَ المُشْرِكُونَ أكْثَرَ عَدَدًا، فَلَوْ أَمَرَ المُسْلِمِينَ، وهُمْ أَقَلُّ مِنَ العُشْرِ، بِقِتَالِ البَاقِين لَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ يَثْرِبَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وكَانُوا نَيِّفًا (٥) وثَمَانِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ألَا نَمِيلُ عَلَى أَهْلِ الوَادِي -يَعْنُونَ أَهْلَ مِنَى- لَيَالِيَ مِنَى فَنَقْتُلَهُمْ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِهَذَا" (٦).
_________________
(١) البِيَع: هي أوسَعُ من الصَّوْمَعَةِ، وأكثر عابدينَ فيها، وهي للنصارى أيضًا. انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٥).
(٢) الصَلَوَات: كَنَائِسُ اليهود. انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٥).
(٣) المَسَاجد: هي للمسلمين. انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٥).
(٤) سورة الحج آية (٣٩ - ٤١) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ٨٠ - ٨١).
(٥) يقال: نافَ الشيء ينوف: إذا طال وارتفع، ونيِّفب على السبعين في العمر: إذا زاد. انظر النهاية (٥/ ١٢٤).
(٦) تقدَّم الكلامُ بالتفصيل على بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثانية فراجعه.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فَلَمَّا بَغَى المُشْرِكُونَ، وأَخْرَجُوا النَّبِيَّ -ﷺ- مِنْ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، وشَرَّدُوا أصْحَابَهُ شَذَرَ مَذَرَ (١)، فَذَهَبَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِلَى الحَبَشَةِ، وآخَرُونَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا بِالمَدِينَةِ، وَوَافَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، واجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وقَامُوا بِنَصْرِهِ، وَصَارَتْ لَهُمْ دَارَ إسْلَامٍ، وَمَعْقِلًا يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ -شَرَعَ- اللَّهُ جِهَادَ الأَعْدَاءِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَ مَا نَزَل فِي ذَلِكَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢).
أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيجهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ، قال أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إنَّا للَّهِ وإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ، فنَزَلَتْ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣).
قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَتَكُونُ قِتَال. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أوَّلُ آيَة نَزَلَتْ فِي القِتَالِ (٤).
_________________
(١) شَذَرَ مَذَرَ: أي فَرَّقَهُ وبدَّدَهُ في كل وجه. انظر النهاية (٢/ ٤٠٧).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٤).
(٣) سورة الحج آية (٣٩).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٦٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب فرض الجهاد - رقم الحديث (٤٧١٠) - والترمذي في جامعه - كتاب =
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتَالِ كَمَا أخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١).
فَكَانَ هَذَا الإِذْنُ بِالقِتَالِ لِإِزَالَةِ البَاطِلِ وَدَحْرِ (٢) بَغْيِ وَظُلْمِ قُرَيْشٍ عَنِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ الإِذْنِ بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ مِنَ الحِكْمَةِ إزَاءَ هَذِهِ الظُّرُوفِ -التِي مَبْعَثُهَا الوَحِيدُ هُوَ قُوَّةُ قُرَيْشٍ وَتَمَرُّدُهَا-، أَنْ يبسُطَ المُسْلِمُونَ سَيْطَرَتَهُمْ عَنْ طَرِيقِ قُرَيْش التِّجَارِيِّ المُؤَدِّيةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ، واخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِبَسْطِ هَذِهِ السَّيْطَرَةِ خُطَّتَيْنِ:
الأُولَى: إرْسَالُ البُعُوثِ والسَّرَايَا، واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى لِمُهَاجَمَةِ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ.
الثَّانِيَةُ: السَّعْيُ إِلَى عَزْلِ قُرَيْشٍ بِالدُّخُولِ فِي مُعَاهَدَاتٍ دِفَاعِيَّةٍ، وعَدَمِ اعْتِدَاءً مَعَ القَبَائِلِ المُحِيطَةِ بِالمَدِينَةِ، وَالتِي تَخْتَرِقُ قَوَافِلُ قُرَيْشٍ أرَاضِيهَا، وَهِيَ فِي طَرِيقِهَا إِلَى الشَّامِ، وَقَدْ عُقِدَتْ مُعَاهَدَاتٌ أثْنَاءَ دَوْرِيَّاتِهِ -ﷺ- العَسْكَرِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي (٣).
_________________
(١) = التفسير - باب ومن سورة الحج - رقم الحديث (٣٤٤٤).
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة الحج - رقم الحديث (١١٢٨٣) وأورده الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الفتح (٥/ ٨) وصحح إسناده.
(٣) الدَّحْرُ: هو الدَّفْعُ بعُنْفب على سبيل الإهانَةِ والإذْلالِ. انظر النهاية (٢/ ٩٧).
(٤) انظر الرحيق المختوم ص ١٩٦.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
السَّرَايَا (١) والغَزَوَاتُ (٢) قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكبْرَى سَرِيَّةُ سِيْفِ البَحْر (٣)
وكَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ في رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ -ﷺ- (٤)، وكَانَتْ بِقِيَادَةِ حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- في ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنَ المُهَاجِرِينَ (٥)، وعَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِوَاءً أبْيَضَ، وَهُوَ أَوَّلُ لِوَاءٍ (٦) عُقِدَ فِي الإِسْلَامِ، وحَمَلَهُ أَبُو مِرْثَدٍ كَنَّازُ بنُ الحُصَيْنِ الغَنَوِيُّ -﵁-.
_________________
(١) السَرِيَّة: هي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تُبعث إلى العدو، وجمعها السَّرَايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونونَ خلاصَةَ العسكر وخِيَارهم، من الشيء السّري النَّفِيس، وقيل: سُمُّوا بذلك، لأنهم يَنْفُذُون سِرًّا وخُفْيَة. انظر النهاية (٢/ ٣٢٦).
(٢) الغَزْوُ: هو السيرُ إلى قِتَالِ العَدُوِّ. انظر لسان العرب (١٠/ ٦٧). قلتُ: جَرَتْ عادةُ المحدثين وأهلُ السير والمغازِي أن يُسمُّوا كل عسكم حضَرَهُ الرسول -ﷺ- بنفسه الشَّريفة غزوة، وما لم يَحْضُرْه، بل أرسل بَعضًا من أصحابه إلى العدو سَرِية وبَعْثًا.
(٣) سِيفُ البَحْرِ: بكسر السين أي سَاحله. انظر النهاية (٢/ ٣٩٠).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ١).
(٥) قال ابن سعد في طبقاته (٢/ ١): لم يبعث رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أحدًا من الأنصار مبعثًا حتى غزا بدرًا، وذلك أنهم شرطوا له أنهم يمنعونَه في دارِهم، وهذا الثَّبت عندنا.
(٦) ذكر ابن سعد في طبقاته (٢/ ١): أن أول لِوَاءً عَقَده الرسول -ﷺ- كان لِحمزة بن عبد المطلب -﵁-.=
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وخَرَجَ حَمْزَةُ -﵁-، والهَدَفُ اعْتِرَاضُ عِيرٍ (١) لِقُرَيْشٍ جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ تُرِيدُ مَكَّةَ، وفِيهَا أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فبلَغُوا سِيفَ البَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ العِيصِ (٢)، فَالْتَقَوْا حَتَّى اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَمَشَى مَجْدِيُّ بنُ عَمْرٍو الجُهَنِيُّ، وكَانَ حَلِيفًا لِلْفَرِيقَيْنِ (٣) جَمِيعًا، إِلَى هَؤُلَاءَ وَإِلَى هَؤُلَاءِ، حَتَّى حَجَزَ (٤) بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَقْتَتِلُوا، فتَوَجَّهَ أَبُو جَهْلٍ فِي أَصْحَابِهِ وَعِيرِهِ إِلَى مَكَّةَ، وانْصَرَفَ حَمْزَةُ -﵁- وأصْحَابُهُ إِلَى المَدِينَةِ (٥).
* * *
_________________
(١) = وقال ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٠٧): وكانت رَايَةَ عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب أول رَايَةٍ عقدها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في الإسلام. قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٣٥٣): ويمكنُ الجمعُ على رأيِ من يُغَايِرُ بينَ الرَّاية واللِّوَاء، واللَّه أعلم.
(٢) العِيرُ: هي الإبل بأحمالها. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
(٣) العِيصُ: اسم موضِع قرب المدينة على ساحل البحر. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
(٤) قلتُ: يفهم من هذا أن الرسول -ﷺ- كان قد عَقَدَ حِلْفًا مع جُهَيْنَةَ في وقت مُبَكِّرٍ من قدومه المدينة، ويُسْتَأْنَسُ بما أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٩) بسند ضعيف عن سعد بن أبي وقاصٍ -﵁- قال: لما قَدِمَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- المدينة جاءته جُهَيْنَةُ، فقالوا: إنك قد نزلتَ بين أظهُرِنَا، فأوْثِقْ لنا حتى نَأتِيكَ وتَؤُمَّنَا، فأوثَقَ لهم، فاسْلَمُوا.
(٥) الحَجْزُ: الفصلُ بين الشَّيئين. انظر لسان العرب (٣/ ٦١).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٠٧) - الطبقات لابن سعد (٢/ ٢٠١).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
سَرِيَّةُ عُبَيْدَةَ بنِ الحَارِثِ -﵁- إِلَى رَابِغٍ
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عبَيْد بنَ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- وهُوَ ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ (١) فِي شَوَّالَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، عَقَدَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِوَاءً أَبْيَضَ كَانَ الذِي حَمَلَهُ مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ -﵁- فِي سِتِّينَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَلَيس فِيهِمْ أنْصَارِيٌّ، فَلَقِيَ أبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ -﵁- (٢) وَكَانَ مُشْرِكًا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَهُوَ فِي مِائتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ عَلَى مَاءٍ يقَالُ له: أَحْيَاءُ مِنْ بَطْنِ رَابِغٍ عَلَى عَشَرَةِ أمْيَالٍ مِنَ الجُحْفَةِ، فترَامَى الفَرِيقَانِ بِالنَّبْلِ، وَلَمْ يَسُلُّوا السُّيُوفَ وَلَمْ يَصْطَلِحُوا لِلْقِتَالِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بَيْنَهُمُ المُنَاوَشَةُ (٣)، فَرَمَى سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوَّلَ سَهْمٍ رُمِيَ بِهِ فِي الإِسْلَامِ، ثُمَّ انْصَرَفَ الفَرِيقَانِ عَلَى حَامِيَتِهِمْ (٤).
_________________
(١) رَابِغٌ: هيَ مِيقات أهلِ الشام ومصر وتركيا ومن سَلَك طَريقهم، وتبعُد عن مكة اليوم (١٨٣) كم، وكانت الجُحْفة هي الميقات فانْدَثَرَت وأصبحَ يُحْرَم اليوم من رَابغٍ.
(٢) هذه رواية ابن سعد في طبقاته (١/ ٢٥٢)، وذكر ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٠٤) أن على القوم عِكْرِمة بن أبي جهل -﵁-، وكان يومئذٍ مُشْركًا، ولم يُسْلِم إلا في فَتْحِ مَكَّة، فاللَّه أعلم.
(٣) المُنَاوَشَةُ في القتال: تَدَاني الفريقين، وأخذ بعضهم بعضًا. انظر النهاية (٥/ ١١٢).
(٤) يُقال: فلانٌ على حامِيَةِ القومِ: أي آخر من يَحْمِيهم في انهِزَامهم. انظر لسان العرب (٣/ ٣٤٨).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وَفَرَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إِلَى المُسْلِمِينَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو -﵁- (١) حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وعُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ المَازِنِيُّ -﵁-، وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَكِنَّهُمَا خَرَجَا لِيَتَوَصَّلَا (٢) بِالكُفَّارِ (٣).
قُلْتُ: ذَكَرَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي الفَتْحِ أَنَّ بَعْثَ سَرِيَّةِ عُبَيْدَةَ بنِ الحَارِثِ -﵁- كَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ الأَبْوَاءَ، فَقَالَ: ذَكَرَ أَبُو الأَسْوَدِ فِي مَغَازِيهِ عَنْ عُرْوَةَ وَوَصَلَهُ ابنُ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا وَصَلَ إِلَى الأَبْوَاءِ بَعَثَ عُبَيْدَةَ بنَ الحَارِثِ -﵁- فِي سِتِّينَ رَجُلًا، فَلَقُوا جَمْعًا مِنْ قُرَيْشٍ فَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ، فَرَمَى سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِسَهْمٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٤).
وَإِذَا صَحَّ هَذَا، فَالرَّاجِحُ مَا قَالَهُ أَبُو الأَسْوَدِ وَابْنُ عَائِذٍ، لَكِنْ يَبْقَى الإِشْكَالُ فِي حَمْلِ المِقْدَادِ بنِ عَمْرٍو لِوَاءَ المُسْلِمِينَ فِي سَرِيَّةِ الخَرَّارِ كَمَا سَيَأْتِي، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَهْمًا مِنِ ابْنِ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ويُعرف كذلك بالمقداد بن الأسوَد -﵁-، لأن الأسود بن عبدِ يَغُوث كان قد تبّنَّاه في الجاهلية فصارَ يُنسب إليه، وغَلَبت عليه، واشتهر بذلك، فلمَّا نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ سورة الأحزاب آية (٥) قيل له: المِقداد بن عمرو.
(٢) لِيَتَوَصَّلا: أي أَرَيَاهُم أنهما معهم، حتى خرَجَا إلى المسلمين، وتوصَّلا: بمعنى تَوصَّلا وتَقَرَّبا. انظر النهاية (٥/ ١٦٨).
(٣) انظر تفاصيل هذه السَّرية في: سيرة ابن هشام (٢/ ٢٠٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٢٥٢) - البداية والنهاية (٣/ ٢٥٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٩).
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ٤).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
سَرِيَّةُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- إِلَى الخَرَّارِ (١)
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- إِلَى الخَرَّارِ فِي ذِي القَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَعَقَدَ له لِوَاءً أَبْيَضَ حَمَلَهُ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو -﵁-، وَبَعَثَهُ فِي عِشْرِينَ (٢) رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ؟ لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ لَا يُجَاوِزَ الخَرَّارَ، فَخَرَجُوا عَلَى أقْدَامِهِمْ يَكْمُنُونَ (٣) بِالنَّهَارِ، وَيَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى صَبَّحُوهَا، فَوَجَدُوا العِيرَ (٤) قَدْ مَرَّتْ بِالأَمْسِ، فَانْصَرَفُوا إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا (٥).
* * *
_________________
(١) الخَرَّارُ: بفتح الخاء وتشديد الراء الأولى: موضع قُربَ الجُحْفة. انظر النهاية (٢/ ٢١).
(٢) هذا ما ذكره ابن سعد في طبقاته (١/ ٢٥٢) - وذكر ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢١٢): أنهم كانوا ثمانية رَهْط، فاللَّه أعلم.
(٣) كَمَنَ: اختفَى. انظر لسان العرب (١٢/ ١٦٠).
(٤) العِير: الإبل بأحْمَالها. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
(٥) انظر الطبقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٢٥٢) - سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٢) - البداية والنهاية (٣/ ٢٤٨).
[ ٢ / ٢٩٠ ]
الوَفِيَاتُ فِي السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ
كَانَ أَوَّلَ مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فِي المَدِينَةِ كُلْثُومُ بنُ الهِدْمِ (١) -﵁-.
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا أَسْلَمَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، وَنَزَلَ بِقُبَاءَ نَزَلَ فِي مَنْزِلِ كُلْثُومِ بنِ الهِدْمِ -﵁- (٢).
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ أسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁-، عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أشْهُرٍ مِنَ الهِجْرَةِ، أَخَذَهُ وَجَعٌ فِي حَلْقِهِ، يُقَالُ له: الذَّبَحَةُ (٣)، فَمَاتَ مِنْهَا.
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بَعْضِ أصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: كَوَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أسْعَدَ بنَ زُرَارَةَ في حَلْقِهِ مِنَ الذَّبَحَةِ (٤).
_________________
(١) قال الحافظ في الإصابة (٥/ ٤٦٢): الهِدْم: بكسر الهاء وسُكُون الدال.
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٤٤) - والإصابة (٥/ ٤٦٢).
(٣) الذَّبَحَة: بفتح الباء وقد تُسكّن: وجعٌ يَعرِض في الحَلْق من الدم، وقيل هي قَرْحةٌ تظهر فيه فيَنْسَدُّ معها وينقَطِع النَّفَسُ فتَقْتُلُ. انظر النهاية (٢/ ١٤٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٢٠٧) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الطب - باب ما جاء في الرخصة في التداوي بالكيِّ - رقم الحديث (٢١٧٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٥٦٨٧).
[ ٢ / ٢٩١ ]
وفِي رِوَايَةِ ابنِ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ: فكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ فَمَاتَ (١).
ثُمَّ حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غُسْلَهُ، وَكَفَّنَهُ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ مِنْهَاُ برْدٌ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَمَشَى أمَامَ جَنَازَتِهِ، وَدَفنَهُ بِالبَقِيعِ -﵁-، وهُوَ أوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالبَقِيعِ مِنَ الأنصَارِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: اتَّفَقَ أَهْلُ المَغَازِي وَالتَّوَارِيخِ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى (٣).
قُلْتُ: وَأَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁- قَدِيمُ الإِسْلَامِ، وَشَهِدَ العَقَبَتَيْنِ، وَكَانَ نَقِيبًا عَلَى قَبِيلَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي النُّقَبَاءَ أصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ صَلَّى الجُمُعَةَ فِي المَدِينَةِ قَبْلَ مَقْدَمِ الرَّسُولِ -ﷺ- كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
* سَبَبُ قِلَّةِ الوَفِيَّاتِ مِنَ المُسْلمِينَ:
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالسَّبَبُ فِي قِلَّةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذَا العَامِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ السِّنِينَ، أَنَّ المُسْلِمِينَ كَانُوا قَلِيلِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّ الإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِبَعْضِ الحِجَازِ، أَوْ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، وَفِي خِلَافَةِ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الطب - باب من اكتوى - رقم الحديث (٣٤٩٢).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن مسعد (٣/ ٣٠٩) - وسيرة ابن هشام (٢/ ١٢١) - البداية والنهاية (٣/ ٢٤٣).
(٣) انظر الإصابة (١/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٢٩٢ ]
عُمَرَ -﵁- بَلْ وَقَبْلَهَا- انْتَشَرَ الإِسْلَامُ فِي الأَقَالِيمِ، فَبِهَذَا ظَهَرَ لَكَ سَبَبُ قِلَّةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي صَدْرِ الإِسْلَامِ، وَسَبَبُ كَثْرَةِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ (١).
* * *
_________________
(١) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للذهبي (١/ ٢٩٤).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
السَّنَةِ الثَّانِيَةُ لِلْهِجْرَةِ
غَزْوَةُ الأَبْوَاءَ أَوْ (وَدَّانٍ) (١)
وَهِيَ أوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صحِيحِهِ: وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ: أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ -ﷺ- الأَبْوَاءَ، ثُمَّ بُوَاطَ، ثُمَّ العُسَيْرَةَ (٢).
وَكَانَتْ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَى عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ النَّبِيِّ -ﷺ- المَدِينَةَ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- وَكَانَ لِوَاءً أبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ -﵁- وَخَرَجَ -ﷺ- فِي سَبعِينَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ لَيْسَ
_________________
(١) الأبْوَاء: بفتح الهمزة وسكون الباء، هو جبَل بين مكة والمدينة، وعنده بلدٌ يُنسب إليه، بينه وبين الجُحْفة مما يَلي المدينة ثلاثةٌ وعشرون مِيلًا، وسُمِّيت الأبواء: لِتَبَوُّءَ السُّيول بها. انظر معجم البلدان (١/ ٧٣) - النهاية (١/ ٢٤). أما وَدَّان: فهي قريةٌ بين مكة والمدينة من نواحي الفُرع، بينها وبين الأبْوَاء نحو من ثمانية أمْيَال، قريبة من الجحفة. انظر معجم البلدان (٨/ ٤٤٨). قال الحافظ في الفتح (٨/ ٤): الأبْوَاء ووَدّان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال أو ثمانية، ولهذا وقع في حديث الصَّعْبِ بن جثّامة قال: وهو بالأبواء أو ودَّان. قلتُ: حديثُ الصَّعبِ بن جثَّامة أخرجه: البخاري في صحيحه - كتاب جزاء الصيد - باب إذا أهدى للمحرم حِمَارًا وَحْشيًا حَيًا لم يقبل - رقم الحديث (١٨٢٥).
(٢) عَلَّقه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة العُشيرة أو العُسيرة.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فِيهِمْ أنْصَارِيٌ، حَتَّى بَلَغَ الْأَبْوَاءَ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِخْشِيَّ بنَ عَمْرٍو الضَّمْرِيَّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي ضَمْرَةَ فِي زَمَانِهِ، عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَ بَنِي ضَمْرَةَ وَلَا يَغْزُوهُ، وَلَا يُكَثِّرُوا عَلَيْهِ جَمْعًا، وَلَا يُعِينُوا عَدُوًّا، وَكتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا.
وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ -ﷺ- فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً (١).
* * *
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٥٢) - سيرة ابن هشام (٢/ ٢٠٣) - شرح المواهب (٢/ ٢٢٩) - البداية والنهاية (٣/ ٢٥٧).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
غَزْوَةُ بُوَاطٍ (١)
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ فِي مِائتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وحَمَلَ لِوَاءَهُ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، وَكَانَ لِوَاءً أبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ: سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ (٢)، وَقِيلَ: السَّائِبَ بنَ عُثْمَانِ بنِ مَظْعُونٍ (٣)، يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا: أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ (٤) وَمِائَةُ رَجُلٍ منْ قُرَيْشٍ، وَأَلفانِ وَخَمْسُمِائَةِ بَعِيرٍ، فبلَغَ بُوَاطَ منْ نَاحِيَةِ رَضْوَى (٥)، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ (٦).
* * *
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٤): أما بُوَاطٌ: فبفتح الباء وقد تُضم وتخفيف الواو: وهو جبل من جبال جُهَيْنَةَ بقرب يَنْبُع.
(٢) هذا ما ذكره ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٥٣).
(٣) هذا ما ذكره ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢١٠).
(٤) قُتِل هذا الرجل في غزوة بدر الكبرى كافرًا.
(٥) رَضْوى: بفتح الراء وسكون الضاد: جبَلٌ مشهور عظيم بِيَنْبُع. انظر معجم البلدان (٤/ ٤٠٩).
(٦) انظر الطبقات لابن سعد (٢/ ٢٥٣) - سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٠) - شرح المواهب (٢/ ٢٣١) - البداية والنهاية (٣/ ٢٦٠).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
غَزْوَةُ العُشَيْرَةِ
وَهِيَ الغَزْوَةُ الثَّالِثَةُ (١) لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ (٢) عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ -ﷺ-، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، وَكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ، واسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ أبَا سَلَمَةَ بنَ عَبْدِ الأَسَدِ المَخْزُومِيَّ -﵁-، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي خَمْسِينَ ومِائَةٍ، وَيُقَالُ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ المُهَاجِرِينَ مِمَّنْ دَعَاهُمْ، وَلَمْ يُكْرِهْ أحَدًا عَلَى الخُرُوجِ، وخَرَجُوا
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه -تعليقًا- كتاب المغازي - باب غزوة العُشَيرة أو العُسَيرة: وقال ابن إسحاق: أول ما غَزَا النبي -ﷺ- الأبْوَاء ثم بُوَاط ثم العُشيرة. لكن روى الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب عددِ غَزَوات النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢٥٤) عن زيد بن أرقم -﵁- أنه سُئل: ما أول غزوة غَزَاها رَسُول اللَّهِ -ﷺ-؟ قال: ذات العُسَيْر أو العُشَيْر. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٣/ ٢٦١): وهذا الحديث ظاهرٌ في أَنَّ أول الغزوات العُشَيرة، اللهم إلا أن يكون المرادُ غَزْوة شهدها مع النبي -ﷺ- زيدُ بن أرقم العُشَيرة، وحينئذٍ لا ينفِي أن يكون قبلها غيرها لم يشهدْ زيدُ بن أرقم -﵁-، وبهذا يحصل الجَمْعُ بين ما ذكره محمد بن إسحاق وبين هذا الحديث، واللَّه أعلم. قلتُ: ويؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (١٩٢٨٢) عن أبي إسحاق قال: سألت زيد بن أرقم: كم غزا النبي -ﷺ-؟ قال: تسع عشرة، وغزوت معه سبع عشرة، وسبقني بغزاتين.
(٢) هذا ما ذكره ابن سعد في طبقاته (١/ ٢٥٣) - وذكر ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢١١): أنها كانت في أواخر جُمَادى الأولى، وجعل رُجُوعه -ﷺ- منها في جمادى الآخرة.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
عَلَى ثَلَاثِينَ بَعِيرًا يَعْتَقِبُونَهَا (١)، يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ذَاهِبَةً إِلَى الشَّامِ، وكَانَ قَدْ جَاءَهُ الخَبَرُ بِخُرُوجِهَا مِنْ مَكَّةَ فِيهَا أمْوَالُ قُرَيْشٍ، فبلَغَ ذَا العُشَيْرَةِ، فَوَجَدَ العِيرَ قَدْ مَضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَهَذِهِ العِيرُ هِيَ التِي خَرَجَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَيْضًا يُرِيدُهَا حِينَ رَجَعَتْ مِنَ الشَّامِ، فَكَانَ بِسَبَبِهَا حَدَثَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى.
وفِي هَذِهِ الغَزْور وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بنِيُ مدْلِجٍ (٢) وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ.
* هَلْ كَنَّى الرَّسُولُ -ﷺ- عَلِيًّا -﵁- بِأَبِي تُرَابٍ فِي هَذِهِ الغَزْوة؟:
وَقِيلَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ كَنَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أَبَا تُرَابٍ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَفِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، والطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ وَابْنُ إِسْحَاق فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَمَّارَ بنِ يَاسِرٍ -﵁- قَالَ: كُنْتُ أنَا وَعَلِيُّ رَفيقَيْنِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ العُشَيْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَقَامَ بِهَا، رَأَيْنَا نَاسًا مِنْ بَنِيُ مدْلِجٍ يَعْمَلُونَ فِي عَيْنٍ لَهُمْ فِي نَخْلٍ، فَقَالَ لِي عَلِيٌّ: يَا أبَا اليَقْظَانِ (٣)! هَلْ لَكَ أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلَاءَ، فنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ؟
_________________
(١) اعتَقَبْتُ فُلانًا منَ الرُّكوب: أي نزَلْتُ فَرَكِبَ. انظر لسان العرب (٩/ ٣٠٤).
(٢) تقدَّمَ في غزوَةِ ودَّانٍ أو الأبْوَاء أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وادَعَ بنِي ضَمْرَة فلعلها تأكيدًا للأولى، أو أن حُلَفَاء بَنِي مُدْلِج كانوا خَارِجِينَ عن بني ضَمْرَة لأمرٍ ما، وبسببه حالفوا بَنِي مُدْلِج، فكان ابتداءَ صُلْحٍ لبني مُدْلِج. انظر شرح المواهب (٢/ ٢٣٤).
(٣) أبو اليَقْظَانِ: هي كنيَةُ عمَّار بن ياسر -﵁-.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
فَجِئْنَاهُمْ، فنَظَرْنَا إِلَى عَمَلِهِمْ سَاعَةً، ثُمَّ غَشِيَنَا (١) النَّوْمُ، فَانْطَلَقْتُ أنَا وَعَلِيٌّ، فَاضْطَجَعْنَا في صَوْرٍ مِنَ النَّخْلِ (٢) في دَقْعَاءَ (٣) مِنَ التُّرَابِ، فَنِمْنَا، فَوَاللَّهِ مَا أَهَبَّنَا (٤) إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ، وَقَدْ تَتَرَّبْنَا (٥) مِنْ تِلْكَ الدِّقْعَاءِ، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ: "يَا أبَا تُرَابٍ" لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ التُّرابِ (٦).
* الصَّحِيحُ أَنَّ أبَا تُرَابٍ كُنِّيَ بِهَا -﵁- بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ:
قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّ أَوَّلَ يَوْمٍ كَنَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- بِأَبِي تُرَابٍ كَانَ بَعْدَ نِكَاحِهِ فَاطِمَةَ ﵂، وَكَانَ نِكَاحُهَا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى.
فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا في البَيْتِ.
فَقَالَ: "أيْنَ ابنُ عَمِّكِ؟ ".
_________________
(١) غَشِيَ الشيءَ: إذا لابَسَه. انظر لسان العرب (١٠/ ٧٧).
(٢) صَوْرٌ مِنَ النخل: أي الجَمَاعة من النخل. انظر النهاية (٣/ ٥٥).
(٣) الدَّقْعَاءُ: عامَّة التراب، وقيل: التراب الدَّقِيق علي وجهِ الأرض. انظر لسان العرب (٤/ ٣٧٨).
(٤) ما أهَبَّنَا: أي ما أيْقَظَنَا. انظر النهاية (٥/ ٢٠٧).
(٥) تَتَرَّب: لَزِقَ به التراب. انظر لسان العرب (٢/ ٢٣).
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٣٢١) - وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١١٧٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٨١١).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ (١) عِنْدِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لإِنْسَانٍ (٢): "انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟ ".
فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ في المَسْجِدِ رَاقِدٌ.
فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُضْطَجعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحِ: وَامْتَلَأَ ظَهْرُهُ تُرَابًا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُهُ (٣) عَنْهُ، وَيَقُولُ: "قُمْ أبَا تُرَابٍ، قُمْ أبَا تُرَابٍ" (٤).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا (٥) -أَيْ تَكْنِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) يَقِل: بفتح الياء وكسر القاف: من القَيْلُولة، وهي نوم نِصْف النهار. انظر فتح الباري (٢/ ١٠٤).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٠٤): يظهر لي أنَّه سَهْل رواي الحديث؛ لأنه لم يذكر أنَّه كان مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- غيره.
(٣) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري قال: فجعَل النبي -ﷺ- يمسَحُ التُّراب عن ظهره.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب نوم الرجال في المسجد - رقم الحديث (٤٤١) - وأخرجه في كتاب الأدب - باب التكَنِّي بأبي تراب - رقم الحديث (٦٢٠٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عليّ بن أبي طالب -ﷺ- رقم الحديث (٢٤٠٩).
(٥) قول الحافظ: فإن كان مَحْفُوظًا إشارة إلى تَوقفه فيه، فإن الحديث إسناده لا يخلُو من مَقَال. انظر شرح المواهب (٢/ ٢٣٥). قلت: الحديث تفرَّد به ابن إسحاق في روايته، ولم يتابعه عليه أحد، وهو لم =
[ ٢ / ٣٠٠ ]
عَلِيًّا -﵁- في غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ أبَا تُرَابٍ- أمْكَنَ الجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ -ﷺ- في حَقِّ عَلِيٍّ -﵁-. . . وَالمُعْتَمَدُ في ذَلِكَ كُلِّهِ حَدِيثُ سَهْلٍ (١) في البَابِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (٢).
* فَرَحُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- بِهَذِهِ الكُنْيَةِ:
وَكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِب -﵁- لَيَفْرَحُ بِهَذِهِ الكُنْيَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ -﵁- اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، وَمَا سَمَّاهُ أبَا تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ -ﷺ- (٣).
* أشْقَى الآخِرِينَ الذِي يَقْتُلُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁-:
وَفِي غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ هَذِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ وَعَمَّارٍ ﵄: "أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ؟ ".
_________________
(١) = يجزم بصحة هذا الحديث في السيرة (٢/ ٢١٢)، فإنه بعد أن ذكر الحديث أورد قصة أخرى في تسمية علي -﵁- بأبي تراب -وهي التي رواها الشيخان في صحيحيهما- ثم قال: فاللَّه أعلم أي ذلك كان.
(٢) الَّذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما والذي مضَى قبل قليل.
(٣) انظر فتح الباري (١٢/ ٢٣٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأدب - باب التكنِّي بأبي تراب - رقم الحديث (٦٢٠٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عليّ بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٢٤٠٩).
[ ٢ / ٣٠١ ]
قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: "أُحَيْمِرُ (١) ثَمُودَ الذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ"، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ (٢)، "حَتَّى يَبُلَّ مِنْهَا هَذِهِ"، يَعْنِي لِحْيَتَهُ (٣).
وفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الحَاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِعَلِيٍّ -﵁-: "إِنَّكَ سَتُضْرَبُ ضَرْبَةً هَاهُنَا وَضَرْبَةً هَاهُنَا". وَأَشَارَ إِلَى صُدْغَيْهِ (٤)، "فَيَسِيلُ دَمُهَا حَتَّى تَخْتَضِبَ (٥) لِحْيَتُكَ، ويَكُونُ صَاحِبُهَا أشْقَاهَا، كَمَا كَانَ عَاقِرُ النَّاقَةِ أشْقَى ثَمُودَ" (٦).
قُلْتُ: قُتِلَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- لَيْلَةَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ،
_________________
(١) واسمُهُ: قُدَارُ بنُ سَالِفٍ، وكان رَجُلًا عَزيرًا في قومه، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٩٤٢) - ومسلمٌ في صحيحه - رقم الحديث (٢٨٥٥) - عن عبد اللَّه بن زَمْعَة أنَّه سمع النبي -ﷺ- يخطب وذكَرَ الناقةَ والذي عَقَرَ، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ انبعَثَ لها رجُلٌ عزِيزٌ عارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ". عارِمٌ: أي خبِيثٌ شِرِّير. انظر النهاية (٣/ ٢٠١).
(٢) قَرْنُ الرَّجُل: حَدُّ رأسِهِ وجانِبُه. انظر لسان العرب (١١/ ١٣٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٣٢١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٨١١) وهو حديث صحيح - وانظر السلسلة الصحيحة للألباني - رقم الحديث (١٠٨٨).
(٤) الصُّدْغُ: هو ما بين العين إلى شحمة الأذن. انظر النهاية (٣/ ١٧).
(٥) تختَضِبُ: تَبتَلّ. انظر النهاية (٢/ ٣٨).
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب إخباره -ﷺ- بشهادة عليّ -﵁- رقم الحديث (٤٦٤٧).
[ ٢ / ٣٠٢ ]
سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وَقتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُلْجِمٍ الخَارِجِيُّ (١) قبَّحَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا (٢).
* * *
_________________
(١) قال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٥٩٢): عبدُ الرحمن بن مُلْجِم المُرَادي ذاك المُعثّر الخارجي ليس بأهل لأن يروى عنه، وما أظن له رواية، وكان عَابِدًا قَانتًا للَّه، لكنَّه خُتِمَ له بِشَرٍّ، فقتل أمير المؤمنين عليًّا -﵁- مُتَقَرِّبًا إلى اللَّه بدَمِهِ بزعمه، فقُطِعَت أربعَتُه، وسملت عيناه، ثم أُحْرِق، نسأل اللَّه العفو والعافية.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٠) - طبقات ابن سعد (٢/ ٢٥٣) - الرَّوْض الأُنُف (٣/ ٣٨) - البداية والنهاية (٣/ ٢٦٠) - شرح المواهب (٢/ ٢٣٢).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
غَزْوَةُ سَفَوَانَ (١) أَوْ بَدْرٌ الأولَى
لَمْ يَقُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ إِلَّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ لَا تَبْلُغُ العَشْرَ حَتَّى أَغَارَ كُرْزُ بنُ جَابِرٍ الفِهْرِيُّ (٢) عَلَى سَرْحِ (٣) المَدِينَةِ، فَاسْتَاقَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَاسْتَخْلَفَ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ -﵁-، فَطَلَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: سَفَوَانُ مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كُرْزُ بنُ جَابِرٍ فَلَمْ يَلْحَقْهُ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ (٤).
* * *
_________________
(١) سَفَوان: بفتح السين والفاء وادٍ من ناحية بدر، بلغ إليه رسول اللَّه -ﷺ- في طلب كُرز بن جابر الفهري لما أغارَ على سرح المدينة. انظر النهاية (٢/ ٣٣٨).
(٢) هو كُرزُ بن جابِرٍ الفِهْرِي كان من رُؤَساء المشركين، ثم أسلم وصَحِبَ، وبعثه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في آثار العُرَنِيِّين في عِشرين فارسًا، واستعمله عليهم، واستشهد -﵁- في فتح مكة. انظر الإصابة (٥/ ٤٣٤).
(٣) السَّرْحُ: بفتح السين وسكون الراء وهي الإبل والمواشي التي تسرَحُ للرَّعي. انظر النهاية (٢/ ٣٢٢).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٣) - وعند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٥٣): أنها كانت قبل غزوة العُشَيرة.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ -﵁- إِلَى نَخْلَةٍ (١)
وَفِي رَجَبَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ -﵁- إِلَى نَخْلَةٍ وَمَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا (٢)، وَقِيلَ في ثَمَانِيَةٍ (٣) مِنَ المُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَانُوا كُلَّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبَانِ بَعِيرًا.
وَكتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ، فَيَمْضِيَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلَا يَسْتَكْرِهْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا.
فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ الكِتَابَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَإِذَا فِيهِ: "إِذَا نَظَرْتَ في كتَابِي هَذَا، فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةً، بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، فتَرَصَّدْ (٤) بِهَا قُرَيْشًا، وَتَعَلَّمْ لَنَا مِنْ أخْبَارِهِمْ".
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁-: سَمْعًا وَطَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَمْضِيَ إِلَى نَخْلَةٍ، أَرْصُدُ بِهَا قُرَيْشًا، حَتَّى آتِيَهُ
_________________
(١) نخلة: هو موضع بالحجاز قريب من مكة، فيه نخل وزرع. انظر معجم البلدان (٨/ ٣٨١).
(٢) هذا ما ذكره ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٥٣).
(٣) هذا ما ذكره ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢١٣).
(٤) الترَصُّد: الترقُب. انظر لسان العرب (٥/ ٢٢٣).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
مِنْهُمْ بِخَبَرٍ، وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أحَدًا مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجعْ، فَأَمَّا أنَا فَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَمَضَى وَمَضَى مَعَهُ أصْحَابُهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَسَلَكَ عَلَى الحِجَازِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَعْدِن، فَوْقَ الفُرُعِ، يُقَالُ لَهُ: بُحْرَانِ، أَضَلَّ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وعُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ ﵄، بَعِيرًّا لَهُمَا كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ، فتَخَلَّفا عَلَيْهِ في طَلَبِهِ.
وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁- وبَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ نَخْلَةً، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا (١) وَأُدْمًا (٢) وتِجَارَةً مَنْ تِجَارَةِ قُرَيْشٍ، فِيهَا عَمْرُو بنُ الحَضْرَمِيِّ، وَعُثْمَانُ ونَوْفَلُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ المُغِيرَةِ، وَالحَكَمُّ بَنُ كَيْسَانَ مَوْلَى هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ، فَلَمَّا رَآهُمُ القَوْمُ هَابُوهُمْ وأنْكَرُوا أمْرَهُمْ، وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَةُ بنُ مُحْصِنٍ -﵁-، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، لِيُطَمْئِنَ القَوْمَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمِنُوا، وَقَالُوا: هُمْ عُمَّارٌ، لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَسَرَّحُوا (٣) رِكَابَهُمْ (٤)، وَصَنَعُوا طَعَامًا، وَتَشَاوَرَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبَ -وهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ- فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُمْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلَنَّ الحَرَمَ،
_________________
(١) الزبِيبُ: هو العِنَبُ المُجَفَّف. انظر لسان العرب (٦/ ٨).
(٢) الأُدْمُ: بضم الهمزة وسكون الدال ما يُؤكل مع الخُبز أي شيء كان. انظر النهاية (١/ ٣٥).
(٣) سَرَحْت الماشيةِ: أي أخرجتها بالغَداة إلى المرعى. انظر لسان العرب (٦/ ٢٢٩).
(٤) الرِّكاب: الإبل التي تَحمِل القوم. انظر لسان العرب (٥/ ٢٩٦).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
فَلَيَمْتَنِعُنَّ بِهِ مِنْكُمْ، وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلُنَّهُمْ في الشَّهْرِ الحَرَامِ، فتَرَدَّدَ القَوْمُ، وَهَابُوا الإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدِرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ، فَرَمَى وَاقِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقتَلَهُ، وَشَدَّ (١) المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَاسْتُأْسِرَ عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالحَكَمُ بنُ كَيْسَانَ، وَأَفْلَتَ نَوْفَلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْجَزَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁- لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِمَّا غَنِمْنَا الخُمُسُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ تَعَالَى الخُمُسَ مِنَ المَغَانِمِ، فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خُمُسَ العِيرِ، وَقَسَّمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁- بِالعِيرِ وَالأَسِيرينِ إِلَى المَدِينَةِ. فَكَانَ في هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَوَّلَ خُمُسٍ في الإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْكُفَّارِ فيِ الإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ أَسِيرَيْنِ في الإِسْلَامِ.
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ قَالَ لَهُمْ: "مَا أمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ في الشَّهْرِ الحَرَامِ"، وَتَوَقَّفَ الرَّسُولُ -ﷺ- في التَّصَرُّفَ في العِيرِ وَالأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا.
فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سُقِطَ في أيْدِي القَوْمِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وعَنَّفَهُمْ إخْوَانُهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا، وَاتَّخَذَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّا حَدَثَ وَسِيلَةً لِلطَّعْنِ في المُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ.
_________________
(١) شَدَّ في العَدْو: أسرَعَ وعَدا. انظر لسان العرب (٧/ ٥٥).
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وَأَرْجَفَ (١) اليَهُودُ في المَدِينَةِ، قَصْدَ إِشْعَالِ الفِتْنَةِ، فَلَمَّا أكْثر النَّاسُ في ذَلِكَ مِنَ العِتَابِ وَالإِرْجَافِ مِنَ الأَعْدَاءَ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ (٢) وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (٣) وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ فَرِحَ المُسْلِمُونَ، وَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ وَالهَمِّ (٥)، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَبَضَ العِيرَ وَالأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ
_________________
(١) أرجَفَ القوم: إذا خاضُوا في الأخبار السيِّئَة وذِكر الفتن. انظر لسان العرب (٥/ ١٥٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (١/ ٥٧٦): أي إن كنتم قَتَلتم في الشهر الحرام فقد صَدُّوكم عن سبيلِ اللَّه مَعَ الكُفْرِ به، وعن المسجد الحرامِ، وإخرَاجكم منه وأنتم أهله أكبَرُ عند اللَّه من قتل مَنْ قتلتم منهم.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (١/ ٥٧٦): أي قد كانوا يَفْتِنون المسلم في دينه، حَتَّى يَرُدوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبرُ عند اللَّه من القتل.
(٤) سورة البقرة آية (٢١٧).
(٥) قال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زاد المعاد (٣/ ١٥٢): والمقصودُ أَنَّ اللَّه ﷾ حَكَم بين أوليائه وأعدائه بالعدلِ والإنصافِ، ولم يُبَرِّئ أولياءَهُ من ارتكاب الإثم بالقتالِ في الشهرِ الحرام، بل أخبر أنَّه كبيرٌ، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبَرُ وأعظَمُ من مُجَرَّد القتال في الشهر الحرام، فهم أحَق بالذمِّ والعيب والعقوبةِ، لا سيما وأولياؤه =
[ ٢ / ٣٠٨ ]
قُرَيْشٌ في فِدَاءِ عُثْمَانَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالحَكَمِ بنِ كَيْسَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا نَفْدِيكُمُوهُمَا حَتَّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا" -يَعْنِي سَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةَ بنَ غَزْوَانٍ ﵄، وكَانَا قَدْ تَخَلَّفَا عَنِ القَوْمِ قَبْلَ وُصُولهِمْ نَخْلَةً، بَحْثًا عَنْ بَعِيرِهِمُ الذِي أضَلَّاهُ- فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ.
فَقَدِمَ سَعْدٌ وعُتْبَةُ ﵄، فَفَدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُمْ، فَأَمَّا الحَكَمُ بنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وأقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا (١).
وَبَعْدَ وُقُوعِ مَا وَقَعَ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ -﵁- تَحَقَّقَ خَوْفُ
_________________
(١) = كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك، أو مقَصِّرِين نوعَ تقصيرٍ يغفره اللَّه لهم في جَنبِ ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرةِ مع رسوله -ﷺ-، وإيثارِ ما عِند اللَّه، فهم كما قيل: وإذا الحبيبُ أتَى بِذَنْبٍ واحِدٍ جاءَتْ مَحَاسِنُهُ بألْفِ شَفِيع فكيفَ يُقاس بِبَغِيض عدوٍ جاء بكل قَبِيح، ولم يأتِ بشَفِيعٍ واحدٍ من المحاسِنِ.
(٢) أخرج قِصَّة سرية عبد اللَّه بن جحش -﵁-: النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب البكاء عند التشييع - رقم الحديث (٨٧٥٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٨٨٠) - (٤٨٨١) - وابن سعد طبقاته (٢/ ٢٥٣) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢١٣) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٧) - والطبراني بإسناد حسن كما قال الحافظ في الفتح (١/ ٢٠٩)، ثم قال الحافظ: ثم وجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس عند الطبري في التفسير، فبمجموع هذه الطرق يكون صَحيحًا. قُلتُ: أشارَ البخاري في صحيحه إلى هذه السَّرِية: فقد أخرج في كتاب العلم - باب ما يذكر في المناولة: واحتجَّ بعض الحجاز في المُنَاولة بحديث النبي -ﷺ- حيث كتَبَ لأمِير السرية كِتابًا وقال: لا تَقْرأه حَتَّى تبلُغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قَرَأه علي الناس، وأخبرهم بأمر النبي -ﷺ-.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
المُشْرِكِينَ، وتَجَسَّدَ أمَامَهُمُ الخَطَرُ الحَقِيقِيُّ، وَوَقَعُوا فِيمَا كَانُوا يَخْشَوْنَ الوُقُوعَ فِيهِ، وَعَلِمُوا أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ في غَايَةٍ مِنَ التَّيَقُّظِ والتَّرَبُّصِ، تَترَقَّبُ كُلَ حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكَاتِهِمُ التِّجَارِيَّةَ، وَأَنَّ المُسْلِمِينَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَزْحَفُوا إِلَى (٤٠٠) كيلو مِترٍ تَقْرِيبًا، ثُمَّ يَقْتُلُوا ويَأْسِرُوا رِجَالَهُمْ، وَيَأْخُذُوا أمْوَالَهُمْ، ويَرْجِعُوا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وشَعَرَ هَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ بِأَنَّ تِجَارَتَهُمْ إِلَى الشَّامِ أمَامَ خَطَرٍ دَائِمٍ، لَكِنَّهُمْ بَدَلَ أَنْ يَفِيقُوا عَنْ غَيِّهِمْ ويَأْخُذُوا طَرِيقَ الصَّلَاحِ والمُوَادَعَةِ ازْدَادُوا حِقْدًا وَغَيْظًا، وَصَمَّمَ صَنَادِيدُهُمْ وكُبرَاؤُهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يُوعِدُونَ وَيُهَدِّدُونَ بِهِ مِنْ قَبْلُ، مِنْ إبَادَةِ المُسْلِمِينَ في عُقْرِ دَارِهِمْ، وهَذَا هُوَ الطَّيْشُ الذِي جَاءَ بِهِمْ إِلَى بَدْرٍ (١).
* * *
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ٢٠١.
[ ٢ / ٣١٠ ]
تَحْوِيلُ القِبْلَةِ
وَفِي النِّصْفِ مِنْ رَجَبَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ (١).
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا (٢)، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الكَعْبَةِ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابُهُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا،
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١/ ١٣٤): كان تحويلُ القِبْلة في نصف شهر رجب من السنة الثانية علي الصحيح، وبه جزم الجمهور.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ١٣٤): والجمعُ بين الروايتين سهلٌ -أي بين من قال ستّة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا- بأن يكون من جزم بستة عشر لفَّق من شهر القُدُوم وشهرِ التحويل شهرًا وألغَى الزَّائد، ومن جزمَ بسبعة عشر شهرًا عَدَّهُما معًا، ومن شكَّ تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الصلاة من الإيمان - رقم الحديث (٤٠) - وأخرجه في كتاب الصلاة - باب التوجه نحو القِبْلة حيث كان - رقم الحديث (٣٩٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة - رقم الحديث (٥٢٥) (١٢).
[ ٢ / ٣١١ ]
ثُمَّ صُرِفَتِ القِبْلَةُ بَعْدُ (١).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ (٢) قِبْلَةَ أبِيهِ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَلذَلِكَ كَانَ -ﷺ- حِينَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فيصِيبُ القِبْلَتَيْنِ مَعًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَالكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَمَا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إلَى الكَعْبَةِ (٣).
فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَعُدْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الكَعْبَةِ وَبَيْتِ المَقْدِسِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ ﷿، فَكَانَ مِمَّا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وطَرْفَه إِلَى السَّمَاءَ سَائِلًا اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٤) وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٥)، فتَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوَ الكَعْبَةِ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٢).
(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب التوجه نحو القبلة - رقم الحديث (٣٩٩) - عن البراء بن عازب -﵁- قال: . . . وكان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يُحبُّ أن يُوجَّه إلى الكعبة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٩٩١).
(٤) أخرج النسائي في السنن الكبرى بسند حسن - رقم الحديث (٥٦٧٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٥٩٤٧) عن ابن عباس ﵄ قال: "أوَّل ما نُسِخ من القُرآن القِبْلة".
(٥) سورة البقرة آية (١٤٤).
[ ٢ / ٣١٢ ]
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ أوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وأنَّهُ صَلَّى قَبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ صَلَّى أوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: المَشْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الكَعْبَةِ صَلَاةُ العَصْرِ، وَلهَذَا تَأَخَّرَ الخَبَرُ عَنْ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ (٢).
* وُصُولُ خَبَرِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأَهْلِ قُبَاءَ:
وَوَصَلَ خَبَرُ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأَهْلِ قُبَاءَ، وَهُمْ خَارجَ المَدِينَةِ في صَلَاةِ الفَجْرِ مِنَ اليَوْمِ الثَّانِي.
فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ -﵁- قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ (٣) إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أُنْزِلَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الصلاة من الإيمان - رقم الحديث (٤٠).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٤٦٠).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٦٥): وهذا فيه مغايرة لحديث البراء الآتي فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر، والجواب أن لا منافاة بين الخبرين، لأن الخبرَ وصَلَ وقتَ العَصْر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارِثَة وذلك في حديث البراء الآتي، ووصل الخبرُ وقثَ الصُّبح إلى من هو خارج المدينة، وهم بنُو عمرو بن عوف أهل قباء وذلك في حديث ابن عمر هذا.
[ ٢ / ٣١٣ ]
عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: . . . فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ في صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وأنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ طَاعَتِهِمْ -أي الصَّحَابَةُ- للَّهِ وَرَسُولِهِ -ﷺ-، وانْقِيَادِهِمْ لِأَوَامِرِ اللَّهِ ﷿، ﵃ أجْمَعِينَ (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي أحَادِيثِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - الرَّدُّ عَلَى المُرْجِئَةِ في إنْكَارِهِمْ تَسْمِيَةَ أعْمَالِ الدِّينِ إيمَانًا.
٢ - وفِيهِ بَيَانُ شَرَفِ المُصْطَفَى -ﷺ- وَكَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ لإِعْطَائِهِ لَهُ مَا أَحَبَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب ما جاء في القبلة - رقم الحديث (٤٠٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد - باب تحويل القبلة - رقم الحديث (٥٢٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب التوجه نحو القبلة - رقم الحديث (٣٩٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٧٠٧).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٤٥٧).
[ ٢ / ٣١٤ ]
مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالسُّؤَالِ.
٣ - وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَنَسْخِ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ بِطَرِيقِ القطْعِ لِمُشَاهَدَتِهِمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى جِهَتِهِ، وَوَقَعَ تَحَوُّلُهُمْ عَنْهَا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ.
٤ - وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَثْبُتُ في حَقِّ المُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالإِعَادَةِ مَعَ كَوْنِ الأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الكَعْبَةِ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ فَالفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ.
٥ - وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ فِيهَا.
٦ - وَفِيهِ أَنَّ اسْتِمَاعَ المُصَلِّي لِكَلَامِ مَنْ لَيْسَ في الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ (١).
* رَدَّةُ فِعْلِ النَّاسِ لَمَّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ:
وَلَمَّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إِلَى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ حَصَلَ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ والرَّيْبِ، مِنَ الكَفَرَةِ وَمِنَ اليَهُودِ ارْتِيَابٌ وَزَيْغٌ عَنِ الهُدَى وتَخَبِيطٌ
_________________
(١) انظر فتح الباري (١/ ١٣٦) (٢/ ٦٦).
[ ٢ / ٣١٥ ]
وَشَكٌّ، وَقَالُوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أيْ: مَا لِهَؤُلَاءِ تَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا، وَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا؟ (١).
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ (٢) مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: هُوَ المَالِكُ المُتَصَرِّفُ الحَاكِمُ الذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، الذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ في خَلْقِهِ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ في شَرْعِهِ، وَهُوَ الذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ عَنِ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، وَلَهُ في ذَلِكَ الحِكْمَةُ التِي يَجِبُ لَهَا الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ (٤).
أَمَّا المُسْلِمُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ حَالُنَا بِصَلَاتِنَا إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ وَكَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنْ إخْوَانِنَا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٤٥٤).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيرة (١/ ٤٥٢): قيل المرادُ بالسفهاء هاهنا: المُشركون، مُشْرِكو العرب، وقيل أحبارُ يَهُود، وقيل المُنَافقون، والآية عامَّةٌ في هؤلاء كلهم، واللَّه أعلم.
(٣) سورة البقرة (١٤٢).
(٤) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩).
[ ٢ / ٣١٦ ]
اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (١) إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَلهَذَا كَانَ مَنْ ثَبَتَ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ -ﷺ- واتِّبَاعِهِ في ذَلِكَ، وَتَوَجَّهَ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ، مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ هُمُ الذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ (٣).
* حِقْدُ اليَهُودِ:
وَبَعْدَ أَنْ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، امْتَلَأَتْ قُلُوبُ اليَهُودِ حِقْدًا وَحَسَدًا عَلَى المُسْلِمِينَ، بِهَذا الفَضْلِ الذِي أعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ هِدَايَتُهُمْ لِلْكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، وَصَدَقَ الرَّسُولُ -ﷺ- عِنْدَمَا قَالَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الذِي أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: ". . . إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ التِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنَّها، وَعَلَى القِبْلَةِ الِتي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلنَا خَلْفَ الإِمَامِ: آمِينَ" (٤).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (١/ ٤٥٨) أي: صلاتكم إلى بيتِ المَقْدِس قبل ذلك، لا يضِيع ثوابها عند اللَّه.
(٢) سورة البقرة آية (١٤٣) - وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الصلاة من الإيمان - رقم الحديث (٤٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٩١).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٤٥٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٢٩).
[ ٢ / ٣١٧ ]
صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ صِيَامِهِمْ هَذَا اليَوْمِ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى مِنْ فِرْعَونَ، فَقَالَ -ﷺ-: "نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسَى ﵇ مِنْكُمْ" فَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "
قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إسْرَائيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى (١)، فَقَالَ -ﷺ-: "فَأَنَا أحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فَصامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ظَاهِرُ الخَبَرِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ وَجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَإِنَّمَا قَدِمَ المَدِينَةَ في رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَالجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ المُرَادَ أَنَّ أوَّلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَسُؤَالِهِ عَنْهُ كَانَ بَعْدَ
_________________
(١) زاد مسلم في روايته: شُكْرًا للَّه تَعَالَى فنحنُ نَصُومُه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصيام - باب صوم يوم عاشوراء - رقم الحديث (٢٠٠٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب صوم يوم عاشوراء - رقم الحديث (١١٣٠).
[ ٢ / ٣١٨ ]
أَنْ قَدِمَ المَدِينَةَ لَا أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَهَا عَلِمَ ذَلِكَ، وغَايَتُهُ أَنَّ في الكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- المَدِينَةَ فَأَقَامَ عَاشُورَاءَ، فَوَجَدَ اليَهُودَ فِيهِ صِيَامًا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ اليَهُودُ كَانُوا يَحْسِبُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، بِحِسَابِ السِّنِينِ الشَّمْسِيَّةِ فَصَادَفَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بِحِسَابِهِمْ اليَوْمَ الذِي قَدِمَ فِيهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، وهَذَا التَّأوِيلُ مِمَّا يَتَرَجَّحُ بِهِ أَوْلَوِيَّةُ المُسْلِمِينَ وَأَحَقِيَّتهُمْ بِمُوسَى ﵇ لإِضْلَالِهِمْ اليَوْمَ المَذْكُورَ وَهِدَايَةِ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ لَهُ، وَلَكِنَّ سِيَاقَ الأَحَادِيثِ تَدْفَعُ هَذَا التَّأوِيلَ، والِاعْتِمَادُ عَلَى الأَوَّلِ، ثُمَّ وَجَدْتُ في المُعْجَمِ الكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ مَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ المَذْكُورَ أَوَّلًا، وَهُوَ مَا أخْرَجَهُ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ -﵁- مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ أبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ بنِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: لَيْسَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بِاليَوْمِ الذِي يَقُولُهُ النَّاسُ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، وَكَانَ يَدُورُ في السَّنَةِ، وَكَانُوا يَأْتُونَ فُلَانًا اليَهُودِيَّ -يَعْنِي لِيَحْسِبَ لَهُمْ- فَلَمَّا أتَوْا زَيْدَ بنَ ثَابِتَ سَأَلُوهُ، وسَنَدُهُ حَسَنٌ، أيْ أَنَّ جَهَلَةَ اليَهُودِ يَعْتَمِدُونَ في صِيَامِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ حِسَابَ النُّجُومِ، فَالسَّنَةُ عِنْدَهُمْ شَمْسِيَّةٌ لَا هِلَالِيَّةٌ (١).
رَوَى ابنُ مَاجَهْ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ صَيْفِيٍّ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ عَاشُورَاءَ: "مِنْكُمْ أَحَدٌ طَعِمَ الْيَوْمَ؟ " قُلْنَا: مِنَّا طَعِمَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَطْعَمْ، قَالَ -ﷺ-: "فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، مَنْ كَانَ طَعِمَ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْ، وَأَرْسِلُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ فَلْيُتمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ".
_________________
(١) انظر فتح الباري (٤/ ٧٧٤).
[ ٢ / ٣١٩ ]
قَالَ: يَعْنِي أَهْلَ العَرُوضِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ (١).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الجَاهِلِيَّةِ (٢)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وأمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ (٣).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ (٤) وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِيمَا يُخَالِفُ فِيهِ أَهْلَ الأَوْثَانِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ واشْتَهَرَ أمْرُ الإِسْلَامِ أحَبَّ مُخَالفَةَ أَهْلِ الكِتَابِ أَيْضًا، كَمَا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ (٥)، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ، فَوَافَقَهُمْ أَوَّلًا، وَقَالَ: "نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه - كتاب أبواب الصيام - باب صيام يوم عاشوراء - رقم الحديث (١٧٣٥).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٤/ ٧٧٣): أما صيامُ قريش لعاشُورَاء فلعلهم تلقَّوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظِّمونه بكسوَةِ الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيتُ في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عِكرِمة أنَّه سئل عن ذلك فقال: أذنَبَتْ قريش ذَنبًا في الجاهلية فعَظُمَ في صدورهم فقيل لهم: صُومُوا عاشُورَاء يُكفَّر ذلك عنكم.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصيام - باب صوم يوم عاشوراء - رقم الحديث (٢٠٠٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب صوم يوم عاشوراء - رقم الحديث (١١٢٥).
(٤) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - كتاب اللباس - باب الفَرق - رقم الحديث (٥٩١٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب في سدل النبي -ﷺ- شعره - رقم الحديث (٢٣٣٦) - عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي -ﷺ- يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أهلِ الكتاب فيما لم يُؤْمر فيه.
(٥) أخرج الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٣٠٢) عن أنس -﵁- قال: أن اليهود =
[ ٢ / ٣٢٠ ]
ثُمَّ أحَبَّ مُخَالفَتَهُمْ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ يَوْمٌ قَبْلَهُ، وَيَوْمٌ بَعْدَهُ خِلَافًا لَهُمْ. . . وَعَلَى هَذَا فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: أدْنَاهَا أَنْ يُصَامَ وَحْدَهُ، وفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَهُ، وفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ والحَادِي عَشَرَ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (١).
* فَضْلُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ:
أَمَّا فَضْلُ صِيَامِ عَاشُورَاءَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ" (٢).
_________________
(١) = كانوا إذا حاضَتِ المرأةُ فيهم، لم يُؤَاكِلُوهَا، ولم يُجَامعوهن في البيوت، فسألَ أصحابُ النبي -ﷺ-، فأنزل اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ سورة البقرة آية (٢٢٢)، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "اصنَعُوا كل شيءٍ إلا النِّكَاحَ" فبلغَ ذلك اليهودَ، فقالوا: ما يُريد هذا الرجل أن يَدَعَ مِنْ أمرنا شَيْئًا إلا خالفَنَا فيه؟ . قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥٥٧): . . . والذي جزم به القرطبي أنَّه -ﷺ- كان يُوَافقهم -أي أهل الكتاب- لمَصْلَحَةِ التأليف محتمل، ويحتمل أيضًا، وهو أقربُ، أن الحالةَ التي تدُورُ بين الأمرينِ لا ثالثَ لهما إذا لم ينزِل علي النبي -ﷺ- شيء كان يعمل فيه بموافَقَة أهل الكتاب؛ لأنهم أصحابُ شَرْع بخلاف عبَدَةِ الأوثَانِ، فإنهم ليسوا على شريعةٍ، فلما أسلم المُشركون انحصَرَت المخالفة في أهل الكتاب فأمر بِمُخَالفتهم، . . . وقد زادت الأحاديث بِمُخَالفة أهل الكتاب علي الثلاثين حُكمًا، فمنها: صوم عاشُوراء، ومنها استقبَال القبلة، ومنها مخالفتهم في مُخَالطة الحائضِ، ومنها النهيُ عن صوم يومِ السَّبت منفردًا؛ لأنه عيد لليهود، ومنها فَرْقَ شعر ناصية، وغيرها.
(٢) انظر فتح الباري (٤/ ٧٧٢).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر - رقم الحديث (١١٦٢) (١٩٧).
[ ٢ / ٣٢١ ]
فَرْضُ صِيَامِ رَمَضَانَ
فُرِضَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ في شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إِلَى الكَعْبَةِ بِشَهْر، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَدْ صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ (١).
وَقَدْ مَرَّ فَرْضُ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ:
* المَرْحَلة الأُولَى:
كَانَ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ صِيَامِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢).
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁- قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الَآيَةُ التِي بَعْدَهَا فنَسَخَتْهَا (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁- قَالَ:
_________________
(١) انظر الطبقات لابن سعد (١/ ١٢١) - زاد المعاد (٢/ ٢٩).
(٢) سورة البقرة آية (١٨٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب (٢٦) - رقم الحديث (٤٥٠٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب بيان نسخ قوله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ رقم الحديث (١١٤٥).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أفْطَرَ، فَافْتدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، حَتَّى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١).
وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: وَقَالَ ابنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثنَا الأَعْمَشُ حَدَّثنَا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ حَدَّثنَا ابنُ أَبِي لَيْلَى حَدَّثنَا أصْحَابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ-: نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ في ذَلِكَ، فنَسَخَتْهَا: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَأُمُرُوا بِالصَّوْمِ (٢).
* المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ:
هِيَ صِيَامُهُ، لَكِنْ إِذَا أفْطَرَ أحَدُهُمْ إِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ الأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالجِمَاعُ إِلَى صَلَاةِ العِشَاءِ، أَوْ يَنَامَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَتَى نَامَ أَوْ صَلَّى العِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ والجِمَاعُ إِلَى اللَّيْلَةِ القَابِلَةِ، فَوَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةً كَبِيرَةً (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ رقم الحديث (١١٤٥) (١٥٠).
(٢) علقه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾. قال الحافظ في الفتح (٤/ ٦٩٩): وصله أبو نعيم في المستخرج والبيهقي من طريقه.
(٣) انظر زاد المعاد (٢/ ٣٠) - تفسير ابن كثير (١/ ٥١٠).
[ ٢ / ٣٢٣ ]
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: كَانَ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الإِفْطَارَ، فنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ أبَا قَيْسٍ صِرْمَةَ بنَ أَبِي أنَسٍ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَآتَهُ فَقَالَ لَهَا: أعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ (١)، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةٌ (٢) لَكَ، فَأَصْبَحَ صَائِمًا، فَلَمَّا انتصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّاسُ في رَمَضَانَ إِذَا صَامَ الرَّجُلُ فَأَمْسَى، فنَامَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ حَتَّى يُفْطِرَ مِنَ الغَدِ، فَرَجَعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ سَهِرَ عِنْدَهُ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ نَامَتْ، فَأَرَادَهَا، فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ نِمْتُ، قَالَ: مَا نِمْتِ، ثُمَّ وَقَعَ بِهَا، وَصَنَعَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ،
_________________
(١) فغلبَتْهُ عينَاهُ: أي نَام.
(٢) الخَيبَةُ: الحِرْمَانُ والخُسْرَانُ. انظر لسان العرب (٤/ ٢٥٦).
(٣) سورة البقرة آية (١٨٧) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - باب قوله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - رقم الحديث (١٩١٥) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصوم - باب السحور - رقم الحديث (٣٤٦٠) (٣٤٦١).
[ ٢ / ٣٢٤ ]
فَغَدَا عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (١).
* المَرْحَلَة الثَّالِثَةُ:
وهِيَ التِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢).
* هَدْيُ الرَّسُولِ -ﷺ- في رَمَضَانَ:
كَانَ مِنْ هَدْيِهِ -ﷺ- في شَهْرِ رَمَضَانَ الإِكْثَارُ مِنْ أنْوَاعِ العِبَادَاتِ، فَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يُدَارِسُهُ القُرْآنَ في رَمَضَانَ (٣)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا لَقِيَهُ
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٨٧) - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٩٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٩).
(٢) سورة البقرة آية (١٨٧).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٦٢٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة ﵂ - رقم الحديث (٢٤٥٠) (٩٨) - وأخرجه الطحاوي في =
[ ٢ / ٣٢٥ ]
جِبْرِيلُ أجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ، وَكَانَ أجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ (١)، يُكْثِرُ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالإِحْسَانِ، وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَكَانَ يَخُصُّ رَمَضَانَ مِنَ العِبَادَةِ بِمَا لَا يَخُصُّ غَيْرَهُ بِهِ مِنَ الشُّهُورِ (٢).
* * *
_________________
(١) = شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٦٢٥).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصيام - باب أجودُ ما كان النبي -ﷺ- يكون في رمضان - رقم الحديث (١٩٠٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب كان النبي -ﷺ- أجود الناس - رقم الحديث (٢٣٠٨).
(٣) انظر زاد المعاد (٢/ ٣٠).
[ ٢ / ٣٢٦ ]
فَرْضُ زَكَاةِ الفِطْرِ
وَفِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ فُرِضَتْ زَكَاةُ الفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ زَكَاةُ الأَمْوَالِ (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نُعْطِي صَدَقَةَ الفِطْرِ (٢) قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ (٣).
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ خَطِيبًا، فَأَمَرَ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعَ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ قَالَ: عَنْ كُلِّ رَأْسٍ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، والحُرِّ وَالعَبْدِ (٤).
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٢٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٤/ ١٣٩): أُضِيفَتِ الصدَقَةُ للفِطْر لكونِهَا تجِبُ في الفِطْر من رمضان.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٤٠) (٢٣٨٤٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٢٥٨).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٤١٢) - وأبو داود في سننه - كتاب الزكاة - باب من روى نصف صاع من قمح - رقم الحديث (١٦١٩).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ والأُنْثَى، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب فرض صدقة الفطر - رقم الحديث (١٥٠٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب زكاة الفطر - رقم الحديث (٩٨٤).
[ ٢ / ٣٢٨ ]
غَزوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى (١)
* تَارِيخُهَا:
كَانَتْ في نَهَارِ يَوْمَ الجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ (٢).
* قَالُوا عَنْهَا:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ ذَلِكَ -أيْ وُقُوعُ غَزْوَةِ بَدْرٍ- يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَافَقَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الفُرْقَانِ الذِي أعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَدَمَغَ (٣) فِيهِ الشِّرْكَ وَخَرَّبَ
_________________
(١) ويُقَال لها بَدْرٌ العُظْمى، وبدرُ القِتَال، ويوم الفُرْقان؛ لأن اللَّه تَعَالَى فرَق فيها بين الحقِّ والباطِلِ، وبدرٌ هي قريةٌ مشهُورةٌ، ويُقال بدرٌ: اسمُ البئرِ التي بها، سُميت بذلك لاستدَارَتِهَا، أو لصَفَاء مائها، فكان البَدْرُ يُرى فيها، وقيل: نِسبَةً إلى رجُلٍ حَفَرَها يقال له: بدرُ بن النازين - انظر فتح الباري (٨/ ١١) - تفسير ابن كثير (٢/ ١١٢). قلتُ: وتبعُد بدر عن المسجد النبوي اليوم (١٥٠ كم).
(٢) انظر طبقات ابن سعد (١/ ٢٥٨) - البداية والنهاية (٣/ ٢٨٣) - تفسير ابن كثير (٢/ ١١١) - سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٨) - صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ٧٢).
(٣) دمَغَ الحقُّ الباطلَ: أي غلَبَه. انظر لسان العرب (٤/ ٤٠٥).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
مَحِلَّهُ، هَذَا مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ. . . فَأَعَزَّ اللَّهُ رَسُولَهُ، وأظْهَرَ وَحْيَهُ وتَنْزِيلَهُ، وَبَيَّضَ وَجْهَ النَّبِيِّ -ﷺ- وقَبِيلَهُ، وَأَخْزَى الشَّيْطَانَ وجِيلَهُ (١).
وَقَالَ الشَّيخُ أَبُو الحَسَنِ النَّدْوِيُّ: وفِي رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى، وَهِيَ المَعْرَكَةُ الحَاسِمَةُ التِي بِهَا تَقَرَّرَ مَصِيرُ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَمَصِيرُ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَعَلَيْهَا يَتَوَقَّفُ مَصِيرُ الإِنْسَانِيَّةِ المَعْنَوِيّ، فكلُّ مَا حَدَثَ مِنْ فُتُوحٍ وَانْتِصَارَاتٍ، وَكُلُّ مَا قَامَ مِنْ دُوَلٍ وَحُكُومَاتٍ، مَدِينٌ لِلْفَتْحِ المُبِينِ في مَيْدَانِ بَدْرٍ، وَلذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ هَذِهِ المَعْرَكَةَ: "يَوْمَ الفُرْقَانِ"، فَقَالَ ﷾: ﴿. . . إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (٢).
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَن حبَنَّكَة المَيْدَانِي: كَانَتْ نتائِجُ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ الدُّفْعَةَ الأُولَى مِنْ عَطَاءَاتِ النَّصْرِ الرَّبَّانِيِّ المُؤَزَّرِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَالمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِمْ الوَسَائِلُ وَلَا القُدُرَاتُ المَادِيَّةُ لِاكْتِسَابِ النَّصْرِ.
لَقَدْ كَانَ انْتِصَارُ المُسْلِمِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ بِمَثَابَةِ مُعْجِزَةٍ رَبَّانِيَّةٍ، مَكَّنَ اللَّهُ بِهَا إيمَانَ المُؤْمِنِينَ، وَأَعْطَاهُمْ بِهَا دَلِيلًا مَادِّيًّا مَشْهُودًا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ (٣).
_________________
(١) جِيلُه: أي جِنْسه. انظر لسان العرب (٢/ ٤٣٦) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ١١١).
(٢) سورة الأنفال آية (٤١) - وانظر السِّيرة النَّبوِيَّة للندوي ص ٢١٣.
(٣) انظر كتاب الصيام ورمضان في السنة والقرآن للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني - ص ٣٨٢.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
* سَبَبُ الغَزوَةِ:
كَانَ سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ هُوَ: إقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ مِنَ الشَّامِ في عِيرٍ (١) لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ، فِيهَا أمْوَالٌ لَهُمْ، وَتِجَارَةٌ وَهِيَ نَفْسُ العِيرِ التِي أَفْلَتَتْ مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ- في غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ حِينَ ذَهَابِهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ (٢).
وَكَانَتْ عِيرُهُمْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَ المَالُ خَمْسِينَ ألْفَ دِينَارٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ أُوقِيَّةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، إِلَّا حُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، فَلِذَلِكَ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، وَكَانَ فِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا أَوْ أرْبَعُونَ، مِنْهُمْ: مَخْرَمَةُ بنُ نَوْفَلٍ، وعَمْرُو بنُ العَاصِ (٣).
* تَهَيُّأُ الرَّسُولِ -ﷺ- وخُروجُهُ إِلَى بَدْرٍ:
فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَبِي سُفْيَانَ مُقْبِلًا مِنَ الشَّامِ في تِجَارَةٍ لِقُرَيْشٍ، نَدَبَ (٤) المُسْلِمِينَ إِلَيْهَا، وَقَالَ لَهُمْ: "هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ، فِيهَا أمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنْفِلُكُمُوهَا" (٥).
_________________
(١) العِيرُ: هي الإبِلُ بأحمالها. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٨).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٨) - البداية والنهاية (٣/ ٢٧١) - زاد المعاد (٣/ ١٥٣).
(٤) يقالُ ندَبْتُهُ فانتَدَب: أي بعثتُهُ ودعَوْتُه فأجاب. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
(٥) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢١٨) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي أيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ونَحْنُ في المَدِينَةِ: "إنِّي أُخْبِرْتُ (١) عَنْ عِيرِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهَا مُقْبِلةٌ، فهَلْ لَكُمْ أَنْ نَخْرُجَ قِبَلَ هَذِهِ العِيرِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِمْنَاهَا؟ " قُلْنَا: نَعَمْ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ (٢).
وَلَمْ يَسْتَنْفِرِ الرَّسُولُ -ﷺ- كُلَّ النَّاسِ، بَلْ طَلَبَ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ (٣) حَاضِرًا، فَانْتَدَبَ النَّاسَ، فَخَفَّ بَعْضُهُمْ وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ، فتَخَلَّفَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ لِأنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَلْقَى حَرْبًا، إِنَّمَا خَرَجَ لِلْعِيرِ (٤).
أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ
_________________
(١) أخبره بذلك بَسْبَسَةُ بن عمرو الجهني -﵁-، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (١٩٠١) عن أنس بن مالك -﵁- قال: بعثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بُسَيْسَةَ، عينًا ينظرُ ما صَنَعتْ عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحدٌ غيري وغير رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فحدَّثه الحديث. . . قلتُ: هكذا ورَدَ اسم بَسْبَسة في صحيح مسلم مصغرًا بلفظ: بُسَيْسَة. ووقع عند ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٢٩): بلفظ: بسبس، وصوَّب الحافظ في الإصابة (١/ ٤٢٠) الأول: أي: بَسْبَسَةُ.
(٢) أورد ذلك الهيثمي في المجمع (٦/ ٧٣ - ٧٤) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٧).
(٣) الظهْرُ: الإبل التي يُحمل عليها ويُركب. انظر النهاية (٣/ ١٥٢) - جامع الأصول (٨/ ١٨٢).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٩) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٢) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٢٥٤) - البداية والنهاية (٣/ ٢٧٢).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ لنَا طَلِبَةً (١)، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ (٢) حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا" فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ في ظُهْرَانِهِمْ في عُلْوِ المَدِينَةِ، فَقَالَ: "لَا، إِلَّا مَنْ كَانَ ظُهْرُهُ حَاضِرًا" (٣).
وَلذَلِكَ لَمْ يُعَاتِبْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ.
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكٍ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ (٤).
* تَارِيخُ خُرُوجِهِ -ﷺ- مِنَ المَدِينَةِ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، واسْتَعْمَلَ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ -﵁- عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَدَّ أبَا لُبَابَةَ
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٣/ ٤٠): طَلِبه: بفتح الطاء وكسر اللام: أي شيئًا نطلبه.
(٢) الظهر: الإبل التي يُحمل عليها وتُركب. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
(٣) أخرج الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنَّة للشهيد - رقم الحديث (١٩٠١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٩٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة تبوك - رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
-﵁- مِنَ الرَّوْحَاءِ (١)، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى المَدِينَةِ (٢) كَمَا سَيَأْتِي.
* عِدَّةُ المُسْلِمِينَ:
وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ خَرَجَ مَعَ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ (٣) عَشَرَ رَجُلًا، مِنَ المُهَاجِرِينَ: نَيِّفًا (٤) عَلَى سِتِّينَ، والأنْصَارِ: نَيِّفًا وأرْبَعِينَ وَمِائتَيْنِ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أصْحَابَ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ أصْحَابِ طَالُوتَ الذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ، وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ (٥).
_________________
(١) الروحَاءُ: موضعٌ بينهُ وبينَ المدينة ستة وثلاثين مِيلًا. انظر جامع الأصول لابن الأثير (٩/ ٣٧٩).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٧٥) - سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٤) - الطبقات لابن سعد (١/ ٢٥٤).
(٣) البِضْعُ في العدد بكسر الباء: ما بين الثلاث إلى التسع. انظر النهاية (١/ ١٣٣).
(٤) يُقال: نافَ الشيء يَنُوف: إذا طال وارتفع، ونيِّفٍ علي السبعين في العمر: إذا زاد. انظر النهاية (٥/ ١٢٤). وفي صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٠٢٦) عن عبد اللَّه قال: . . . فجميع من شهد بدرًا من قريش ممن ضُربَ له بسهمه أحدٌ وثمانون رجلًا. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٦٢): فيُجمع بين هذا الحديث وحديث البراء، بأن حديث البراء أورده فيمن شهدها حِسًّا، وحديث الباب فيمن شهدها حِسًّا وحُكمًا، ويحتمل أن يكون المراد بالعدد الأول الأحرَار، والثاني بانضمام مَوَاليهم وأتباعهم.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب عدة أصحاب بدر - رقم الحديث (٣٩٥٩).
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ -﵁- قَالَ: اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نيِّفًا عَلَى سِتِّينَ، وَالأَنْصَارُ نيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائتَيْنِ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَاُبهُ ثلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا (٢).
فَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ هَذِهِ تُفَسِّرُ مَعْنَى البِضْعِ الذِي في حَدِيثِ البَرَاءَ عِنْدَ البُخَارِيِّ بِأَنَّ عَدَدَ المُسْلِمِينَ في بَدْرٍ كَانَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَكَانَ الخَزْرَجُ أكْثَرَ مِنَ الأَوْسِ كَمَا ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ (٣) في السِّيرَةِ، وإِنَّمَا قَلَّ عَدَدُ الأَوْسِ عَنِ الخَزْرَجِ، وِإِنْ كَانُوا -أي الأَوْسُ- أشَدَّ مِنْهُمْ، وَأَقْوَى شَوْكَةً (٤)، وأصْبَرَ عِنْدَ اللِّقَاءَ؛ لِأَنَّ مَنَازِلَهُمْ كَانَتْ في عَوَالِي المَدِينَةِ، وَجَاءَ النَّفِيرُ (٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب عدة أصحاب بدر - رقم الحديث (٣٩٥٦).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر - رقم الحديث (١٧٦٣).
(٣) ذكر ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٣١٩): أن عدد الأوْسِ واحد وستون رجلًا، وعدد الخزرج مئة وسبعون رجلًا.
(٤) يقال: فلان ذو شوكة: أي ذو نكاية في العدو. انظر لسان العرب (٧/ ٢٤٠).
(٥) الاستِنْفَار: الاستِنْجَاد والاستِنْصَار: أي إذا طُلِبَ منكم النُّصرة فأجِيبوا وانفِرُوا خارجِينَ إلى الإعانة. انظر النهاية (٥/ ٧٩).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
بَغْتَةً (١)، وَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "لَا يَتْبَعْنَا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا"، فَاسْتَأْذَنهُ رِجَالٌ ظُهُورُهُمْ في عَلْوِ المَدِينَةِ أَنْ يَسْتَأْنِيَ بِهِمْ حَتَّى يَذْهَبُوا إِلَى ظُهُورِهِمْ، فَأَبَى (٢) وَلمْ يَكنْ عَزْمُهُمْ عَلَى اللِّقَاءَ، وَلَا أعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، وَلَا تَأهَّبُوا لَهُ أُهْبَتَهُ، وَلَكِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ (٣).
* مَنْ تَخَلَّفَ بِعُذْرٍ:
تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِعُذْرٍ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ، فَمِنْ هَؤُلَاءِ الذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ:
١ - عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁-: خَلَّفهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى امْرَأَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَأَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ ﵂.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ" (٤).
٢ و٣ - طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بنُ زَيْدٍ ﵄: بَعَثَهُمَا
_________________
(١) البَغْتَة: الفَجْأة. انظر النهاية (١/ ١٤١).
(٢) تقدم قبل قليل تخريج هذا الحديث.
(٣) انظر زاد المعاد (٣/ ١٦٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الخمس - باب إذا بعث الإمام رسولًا في حاجة - رقم الحديث (٣١٣٠).
[ ٢ / ٣٣٦ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يِتَحَسَّسَانِ (١) خَبَرَ العِيرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لمَّا تَحَيَّنَ (٢) انْصِرَافَ تِلْكَ العِيرِ مِنَ الشَّامِ، بَعَثَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدَ بنَ زَيْدٍ ﵄، يَتَحَسَّسَانِ خَبَرَهَا، . . . فَقَدِمَ طَلْحَةُ وسَعِيدٌ المَدِينَةَ لِيُخْبِرَا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- خَبَرَ العِيرَ، فَوَجَدَاهُ قَدْ أُخْبِرَ بِهَا وَخَرَجَ، فَلَحِقَاهُ حَتَّى لَقِيَاهُ بِتُرْبَانَ (٣) مُنْصَرِفًا مِنْ بَدْرٍ (٤).
٤ - أَبُو لُبَابَةَ بنُ عَبْدِ المُنْذِرِ الأَنْصَارِيُّ -﵁- رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الرَّوْحَاءِ، واسْتَخْلفهُ عَلَى المَدِينَةِ (٥) كَمَا سَيَأْتِي.
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ كلَّهُنَّ، حَتَّى حَدَّثَنَا أَبُو لُبَابَةَ بنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْبَدْرِيُّ (٦)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى
_________________
(١) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٩٧): التحسُّسُ: هو طلبُ معرفَةِ الأخبارِ الغائِبَةِ والأحوال.
(٢) تَحيَّن: انتظر. انظر لسان العرب (٣/ ٤٢٣).
(٣) تُربَان: موضع كثيرُ المياه، بينه وبين المدينة نحو خمسة فَرَاسخ، والفَرْسخ: ثلاثة أميالٍ أو ستة. انظر النهاية (١/ ١٨٢) - انظر لسان العرب (١٠/ ٢٢٣).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٢٥٤).
(٥) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أبي لبابة -﵁- رقم الحديث (٦٧١٦) - وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٤) - الطبقات لابن سعد (١/ ٢٥٤) (٢/ ٢٤١).
(٦) هذا هو الشاهد من هذا الحديث أنَّه بدري -﵁-، وهو لم يشهد الوقعة، لأن الرسول -ﷺ- ردَّه، استخلفه على المدينة.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
عن قَتْلِ جِنَّانِ (١) البُيُوتِ، فَأَمْسَكَ (٢)
٥ - أَبُو أُمَامَةَ بنُ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيُّ أَجْمَعَ عَلَى الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ خَالُهُ أبُو برْدَةَ بنُ نِيَارٍ (٣): أَقِمْ عَلَى أُمِّكَ يَا ابْنَ أُخْتِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: بَلْ أَنْتَ فَأَقِمْ عَلَى أُخْتِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَأَمَرَ أبَا أُمَامَةَ بِالمُقَامِ عَلَى أُمِّهِ، وَخَرَجَ بِأَبِي بُرْدَةَ، فَقَدِمَ الرَّسُولُ -ﷺ- مِنْ بَدْرٍ وَقَدْ تُوُفِّيَتْ فَصَلَّى عَلَيْهَا (٤).
٦ - عَاصِمُ بنُ عَدِيٍّ العَجْلَانِيُّ خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قُبَاءَ وَأَهْلِ العَالِيَةِ (٥) لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ عَاصِمِ بنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى بَدْرٍ خَلَّفَ عَاصِمَ بنَ عَدِيٍّ عَلَى قُبَاءَ وَأَهْلِ العَالِيَةِ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ (٦) فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ
_________________
(١) الجِنَّان: هي الحيات التي تكون في البيوتِ، واحدها جَانّ. انظر النهاية (١/ ٢٩٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب رقم (١٢) - رقم الحديث (٤٠١٦) (٤٠١٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب قتل الحيات - باب قتل الحيات - رقم الحديث (٢٢٣٣) (١٣٢).
(٣) هو أبو بُردة بن نِيارٍ، واسمه هَانِئٌ، شهد -﵁- العقبة، وبَدرًا، والمشاهد كلها مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وتوفي -﵁- في السنة الثالثة والخمسين من الهجرة. انظر أسد الغابة (٤/ ٣٨٥).
(٤) انظر أسد الغابة (٤/ ٣٧٥).
(٥) العالِيَة والعَوَالي: هي أماكن بأعلى أراضي المدينةِ، أدنَاها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جِهة نَجْد ثمانية أميال. انظر النهاية (٣/ ٢٦٧).
(٦) لم أقِفْ علي هذا الشيءِ الَّذي من أجلِه خَلَّف رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عاصمَ بن عَدِي العَجْلاني -﵁- على أهل قُباء وأهل العالِيَة، ولعله خلَّفه من أجل أن يَوُمَّ الناس أو يحكُمَ بينهم، =
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وَأَجْرِهِ فَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَهَا (١)
٧ - الحَارِثُ بنُ الصِّمَّةِ -﵁- وَقَعَ فكُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ، فَرَدَّهُ إِلَى المَدِينَةِ (٢).
٨ - خَوَّاتُ بنُ جُبَيْرٍ -﵁-: قَالَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ في مَغَازِيهِ: خَرَجَ خَوَّاتُ بنُ جُبَيْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَدْرٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الصَّفْرَاءَ (٣) أصَابَ سَاقَهُ حَجَرٌ فكُسِرَ، فَرَجَعَ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَهْمِهِ (٤).
٩ - حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ -﵁-: أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ -﵁- قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أنَي خَرَجْتُ أنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ (٥)، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنَا: مَا
_________________
(١) = لأنه -ﷺ- كان من عادته إذا خرج لغزوةٍ أن يُخَلِّف بعض من يَنُوب عنه في أمرِ الصلاة وغيرها.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مناقب عاصم بن عدي -﵁- رقم الحديث (٥٨٢٥) - وابن سعد في الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٢٥٤).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٢٥٤) - فتح الباري (٨/ ٢٠).
(٤) وادِي الصَّفْرَاء: هو وادٍ من ناحِيَة المدينة، وهو كثير النخل والزّرع في طريق الحاج، وسلكه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- غير مَرَّة. انظر معجم البلدان (٥/ ١٩٣).
(٥) انظر أسد الغابة (٢/ ١٣١) - الاستيعاب (٢/ ٣٨).
(٦) هو حُسَيْل بن جابرٍ والد حُذَيفة، وإنما قيل له اليَمان؛ لأنه أصاب دَمًا في قومه، فهرب إلى المدينة، وحالَفَ بني عبد الأشْهَلِ من الأنصار، فسمَّاه قومه اليمان؛ لأنه حالفَ الأنصار، وهم من اليَمَن، وهاجر إلى الرسول -ﷺ-، وشهد مع الرسول أحدًا فَقُتل خَطَأ، قتله المسلمون بسبَبِ الفَوْضى التي حدثت يوم أُحد. انظر الإصابة (٢/ ٦٦).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا المَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى المَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلَ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرْنَاهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: "انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهِدِهِمْ (١)، ونَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ" (٢).
١٠ - جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: كُنْتُ أَمْتِحُ (٣) لِأَصْحَابِي الْمَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ (٤).
وَقَدْ أنْكَرَ الوَاقِدِيُّ (٥) رِوَايَةَ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ هَذِهِ، وَقَالَ: هَذَا
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٢٢): أما قضِيَّةُ حذيفةَ وأبيه فإن الكفار استحلَفُوهُما لا يُقَاتلان مع النبي -ﷺ- في غزوةِ بَدْر فأمرهما النبي -ﷺ- بالوَفَاء، وهذا ليس للإِيجاب فإنه لا يجب الوفاء بِتَركِ الجهاد مع الإمام ونائِبِه، ولكن أراد النبي -ﷺ- أن لا يَشِيع عن أصحابه نقضُ العهدِ وإن كان لا يلزمهم ذلك، لأن المُشِيعَ عليهم لا يَذْكر تأويلًا.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الوفاء بالعهد - رقم الحديث (١٧٨٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٣٥٤).
(٣) المَاتِحُ: هو المُسْتَقِي من البئرِ بالدَلْو من أعلى البئر. انظر النهاية (٤/ ٢٤٨).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في المرأة والعبد يُحذيان من الغنيمة - رقم الحديث (٢٧٣١) - وصحح إسناده الحافظ في الفتح - والإصابة (١/ ٥٤٦).
(٥) هو محمد بن عمر بن واقِدٍ الأسلمي، وهو ضعيف، لكنه لا يُستغنى عنه في المغازي والسير. قال عنه الذهبي في السير (٩/ ٤٥٤): جَمَعَ، فأوعى، وخلط الغثَّ بالسمين، والخرَزَ بالدرِّ الثمين، فاطّرحوه لذلك، ومع هذا فلا يُستغنى عنه في المَغَازي، وأيامِ الصحابة وأخبارهم. وقال الإمام الذهبي في السير في موضع آخر (٩/ ٤٦٩): وقد تقرَّر أن الواقدي ضعيفٌ، يُحتاج إليه في الغزوات، والتاريخِ، ونُورِدُ آثاره من غير احتجاجٍ، أما في الفرائض، فلا ينبغي أن يُذكر.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وَهْمٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ.
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ مُعَلِّقًا عَلَى قَوْلِ الوَاقِدِيِّ في تَارِيخِهِ (١) بِقَوْلِهِ: صَدَقَ، فَإِنَّ زَكَرِيَّا بنَ إِسْحَاقَ رَوَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمْ أشْهَدْ بَدْرًا وَلَا أُحُدًا، مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ، لَمْ أَستخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْوَةٍ قَطُّ (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: ثَبَتَ عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّهُ كَانَ يَمْتِحُ المَاءَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا بِاتِّفَاقٍ (٣).
* مَنْ حَضَرَ بَدْرًا وَلَمْ يُبَاشِرِ القِتَالَ:
١١ - أَنَسُ بنُ مَالِكٍ -﵁-: أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ شَهِدْتَ بَدْرًا؟ فَقَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْ بَدْرٍ (٤).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ في خِدْمَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ
_________________
(١) انظر كلام الإمام الذهبي في حاشية سير أعلام النبلاء (٣/ ١٩١).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب عدد غزوات النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٨١٣).
(٣) انظر فتح الباري (٩/ ٤١١).
(٤) ذكر هذا الحديث الحافظ في الفتح (٨/ ١٩) ونسَبَه إلى الإمام أحمد في المسند وصحح إسناده، ولم أجده في المسند المطبُوع، وإنما وجدتُه في المستدرك للحاكم - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أنس بن مالك -﵁- رقم الحديث (٦٥٠٥).
[ ٢ / ٣٤١ ]
-﵁-؛ لِأَنَّهُ خَدَمَ الرَّسُولَ -ﷺ- عَشْرَ سِنِينَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَتِهِ لَهُ -ﷺ- حِينَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى بَدْرٍ، أَوْ خَرَجَ مَعَ عَمِّهِ زَوْجِ أُمِّهِ أَبِي طَلْحَةَ (١).
وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَمْ يَعُدَّ أصْحَابُ المَغَازِي أنَسَ بنَ مَالِكٍ في البَدْرِيِّينَ؛ لِكَوْنِهِ حَضَرَهَا صَبِيًّا مَا قَاتَلَ، بَلْ بَقِيَ في رِحَالِ الجَيْشِ، فَهَذَا وَجْهُ الجَمْعِ (٢).
١٢ - حَارِثَةُ بنُ سُرَاقَةَ -﵁-، وَأُمُّهُ هِيَ الرُبَيِّعُ -بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ اليَاءِ-: خَرَجَ -﵁- لِيَنْظُرَ أحْدَاثَ القِتَالِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقتَلَهُ، فَعُدَّ مِمَّنْ شَهِدَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ حَارِثَةَ ابنَ الرُبَيِّعِ، جَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَّارًا (٣)، وَكَانَ غُلَامًا، فَجَاءَ سَهْمٌ غَرْبٌ (٤) فَوَقَعَ فِي ثُغْرَهِ (٥) نَحْرِهِ (٦) فَقَتَلَهُ (٧).
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ في السُّنَنِ الْكُبْرَى قَالَ أَنَسٌ -﵁-: انْطَلَقَ حَارِثَةُ ابنُ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ١٩).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٩٧).
(٣) قال السندي في شرحه للمسند (٧/ ١٨٢): نَظَّارًا: أي يَنظر ما يَجْرِي بين الناس.
(٤) غَرْبٌ: أي لا يُعرف راميه. انظر النهاية (٣/ ٣١٥).
(٥) الثَّغْرَة: هي نُقْرَة النَّحْر فوقَ الصدر. انظر النهاية (١/ ٢٠٨).
(٦) النَّحر: هو أعلى الصدر. انظر النهاية (٥/ ٢٣).
(٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٥٢) - (١٣٨٧١).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
عَمَّتِي نَظَّارًا يَوْمَ بَدْرٍ، مَا انْطَلَقَ لِقِتَالٍ، فَأَصَابَهُ سَهْم، فَقتَلَهُ (١).
وَذَكَرَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ أسْمَاءَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَذَكَرَهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: حَارِثَةَ بنَ الرُبَيِّعِ الأَنْصَارِيَّ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ حَارِثَةُ بنُ سُرَاقَةَ كَانَ في النَّظَّارَةِ (٢).
* الِاخْتِلَافُ في شُهُودِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ -﵁- بَدْرًا:
١٣ - سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁-: اخْتُلِفَ في شُهُودِهِ غَزْوَةَ بَدْرٍ.
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: لَمْ يَشْهَدْ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁- بَدْرًا، وَإِنْ كَانَ يُعَدُّ فِيهِمْ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ (٣).
وَقَالَ الحَافِظُ في التَّهْذِيبِ: ذَكَرَ البُخَارِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ الحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ، أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا (٤).
قُلْتُ: وَقَعَ ذِكْرُهُ في رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عِنْدَمَا اسْتَشَارَ الرَّسُولُ -ﷺ- أَصْحَابَهُ في بَدْرٍ كَمَا سَيَأْتِي.
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب المناقب - باب حارثة بن سراقة -﵁- رقم الحديث (٨١٧٥).
(٢) ذكر ذلك في صحيحه - كتاب المغازي - باب تسميةِ مَن سُمي من أهل بدر.
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ١٤).
(٤) انظر تهذيب التهذيب (١/ ٦٩٥).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
* العَدَدُ الحَقِيقِيُّ لِمَنْ شَهِدَ القِتَالَ يَوْمَ بَدْرٍ:
إِذَا تَحَرَّرَ هَذَا الجَمْعُ فَلْيُعْلَمْ أَنَّ الجَمِيعَ لَمْ يَشْهَدُوا القِتَالَ، وإِنَّمَا شَهِدَهُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةِ رِجَالٍ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً (١)، وكَأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ فِيهِمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ رِجَالٌ آخَرُونَ مِنْ أكَابِرِ الصَّحَابَةِ مِنَ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ وَغَيْرِهِمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، لِأنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَلْقَى حَرْبًا أَوْ قِتَالًا حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ (٣).
* عَتَادُ المُسْلِمِينَ:
خَرَجَ المُسْلِمُونَ إِلَى بَدْرٍ وعَامَّتُهُمْ مُشَاةٌ عَلَى أقْدَامِهِمْ، وَكَانَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا يَتَعَاقَبُونَهَا كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو لُبَابَةَ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعْيرٍ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ (٤)، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-،
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٢٥٤).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ١٩).
(٣) انظر زاد المعاد (٣/ ١٦٩).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٣/ ٢٧٦): وهذا كان قبل أن يرد الرسول -ﷺ- أبا لُبَابة من الرَّوحاء، ثم كان زَمِيلاه -ﷺ- عليّ بن أبي طالب، ومِرْثد بن مرثد بدل أبا لُبَابة، وهي رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٢٥) واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قَالَ: وَكَانَتْ عَقَبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا أنْتُمَا أَقْوَى مِنِّي، وَلَا أنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا" (١).
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁- يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، وزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ -﵁-، وَأَبُو كَبْشَةَ -﵁- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا (٢).
* قَطْعُ الأَجْرَاسِ مِنْ أعْنَاقِ الإِبِلِ:
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بالْأَجْرَاسِ أَنْ تُقْطَعَ مِنْ أعْنَاقِ الإِبِلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِالأَجْرَاسِ أَنْ تُقْطَعَ مِنْ أعْنَاقِ الإِبِلِ يَوْمَ بَدْرٍ (٣).
قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَنِقَ الدَّابَّةُ بِهَا عِنْدَ شِدَّةِ الرَّكْضِ (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٩٠١) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب إباحة تعاقب الجماعة علي البعير الواحد - رقم الحديث (٤٧٣٣).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٥) - البداية والنهاية (٣/ ٢٧٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥١٦٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب التقليد والجرس للدواب - رقم الحديث (٤٦٩٩).
(٤) انظر فتح الباري (٦/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: نَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّوَابَّ تَتَأَذَّى بِذَلِكَ ويَضِيقُ عَلَيْهَا نَفَسُهَا وَرَعْيُهَا، ورُبَّمَا تَعَلَّقَتْ بِشَجَرَةٍ فَاخْتَنَقَتْ، أَوْ تَعَوَّقَتْ عَنِ السَّيْرِ (١).
وَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِيمَا أخْرَجَهُ عَنْهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: أُرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ العَيْنِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُؤَيِّدُ -أيْ قَولَ الإِمَامِ مَالِكٍ- قَوْلُهُ -ﷺ-: فِي الحَدِيثِ الذِي أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ -ﷺ-: "مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ" (٤).
وَالتَّمِيمَةُ: مَا عُلِّقَ مِنَ القَلَائِدِ خَشْيَةَ العَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إِذَا اعْتَقَدَ الذِي قَلَّدَهَا أَنَّهَا تَرُدُّ العَيْنَ فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرُدُّ القَدَرَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ (٥).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٢٤٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب اللباس والزينة - باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير - رقم الحديث (٢١١٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٤٢٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٤٠٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الرقى والتَّمَائم - باب ذكر الزجر عن تعليق التمائم - رقم الحديث (٦٠٨٦) - وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٠٢).
(٥) انظر فتح الباري (٦/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٣٤٦ ]
* كَمْ عَدَدُ فُرْسَانِ المُسْلِمِينَ؟:
وَكَانَ مَعَ المُسْلِمِينَ فَرَسٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ المِقْدَادِ (١)
قَالَ الحَافِظُ في التَّهْذِيبِ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِمَّنْ شَهِدَهَا فَارِسًا غَيْرُ المِقْدَادِ -﵁- (٢).
والمِقْدَادُ هُوَ ابنُ عَمْرٍو -﵁-، وَيُقَالُ لَهُ: المِقْدَادُ بنُ الأَسْوَدِ؛ لِأَنَّ الأَسْوَدَ بنَ عَبْدِ يَغُوثَ كَانَ قَدْ تَبَنَّاهُ في الجَاهِلِيَّةِ فَصَارَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وغَلَبَتْ عَلَيْهِ، وَاشْتُهِرَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣)، قِيلَ لَهُ: المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو -﵁- (٤).
* النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿:
وَمَعَ هَذِهِ القِلَّةِ التِي كَانَتْ في المُسْلِمِينَ في العَدَدِ وَالعُدَّةِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ ﷾ نَصَرَهُمْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، وَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٢٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب إباحة بكاء المرء في صلاته - رقم الحديث (٢٢٥٧).
(٢) انظر تهذيب التهذيب (٤/ ١٤٦).
(٣) سورة الأحزاب آية (٥).
(٤) انظر الإصابة (٦/ ١٦٠).
[ ٢ / ٣٤٧ ]
نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (١) فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ اليَرْمُوكَ (٣)، وَعَلَيْنَا خَمْسَةُ أُمَرَاءَ: أَبُو عُبَيْدةَ بنُ الجَرَّاحِ، ويَزِيدُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ، وشُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنَةَ، وخَالِدُ بنُ الوَليدِ، وَعِيَاضُ بنُ غَنْمٍ. . . فكَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: إِنِّي أدُلُّكُمْ عَلَى مَا هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا وَأَحْصَنُ جُنْدًا، اللَّهُ ﷿، فَاسْتَنْصِرُوهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- قَدْ نُصرَ يَوْمَ بَدْرٍ في أقَلَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ كَانَ لِلصَّحَابَةِ ﵃ في بَابِ الشَّجَاعَةِ والِائْتِمَارِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَامْتِثَالِ مَا أرْشَدَهُمْ إِلَيهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٨/ ١١): أي قليلونَ بالنسبة إلى من لَقِيَهم من المشركين، ومن جِهَة أنهم كانوا مُشَاة إلا القليل منهم، ومن جهة أنهم كانوا عَارِينَ من السلاح، وكان المشركون على العكس من ذلك. وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٢/ ١١١): أي قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند اللَّه، لا بكثرةِ العَدَدِ والعُدَدِ.
(٢) سورة آل عمران آية (١٢٣).
(٣) معركة اليَرْمُوك هي من أعظم المعارك الإسلامية التي انتَصَر فيها المسلمون على الروم، وكانت سنة خمس عشرة من الهجرة النبوية في خلافة عمر بن الخطاب -﵁-.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٤٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخروج وكيفية الجهاد - رقم الحديث (٤٧٦٦) - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ١١١) وصحح إسناده.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وَالقُرُونِ قَبْلَهُمْ، وَلَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُمْ بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أمَرَهُمْ، فتَحُوا القُلُوبَ وَالأَقَالِيمَ شَرْقًا وَغَرْبًا فِي المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُيُوشِ سَائِرِ الأَقَالِيمِ، مِنَ الرُّومِ وَالفُرْسِ وَالتُّرْكِ والصَّقَالِبَةِ وَالبَرْبَرِ وَالحُبُوشِ وَأَصْنَافِ السُّودَانِ والقِبْطِ، وطَوَائِفِ بَنِي آدَمَ، قَهَرُوا الجَمِيعَ حَتَّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَظَهَرَ دِينُهُ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ، وَامْتَدَّتِ المَمَالِكُ الإِسْلَامِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ أَجْمَعِينَ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ، إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ (١).
* اسْتِعْرَاضُ الرَّسُولِ -ﷺ- أصْحَابَهُ وَرَدُّهُ الصِّغَارَ:
خَرَجَ الرَّسُولُ -ﷺ-، وخَيَّمَ بِعَسْكَرِهِ عِنْدَ بِئْرِ أَبِي عِنبَةٍ (٢)، فَعَرَضَ أصْحَابَهُ، وَرَدَّ مَنِ اسْتَصْغَرَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ رَدَّهُ: أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، وَالبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ، وَرَافِعُ بنُ خَدِيج، وَأُسَيْدُ بنُ ظُهَيْرٍ، وَزَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵃ أَجْمَعِينَ (٣).
أَخْرَجَ إلإِمَامُ البُخَاريُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ:
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٧٢).
(٢) بِئر أبي عِنَبَة بكسر العين وفتح النون: بئرٌ معروفة بالمدينة، عندها عرض رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أصحابه لما سار إلى بدر. انظر النهاية (٣/ ٢٧٦).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٣٤٩ ]
اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ (١).
وفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ البَرَاءُ -﵁-: اسْتَصْغَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أنَا وَابْنُ عُمَرَ، فرُدِدْنَا يَوْمَ بَدْرٍ (٢).
وَرُدَّ عُمَيْرُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- فبَكَى، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ سَعْدٌ: رَأَيْتُ أَخِي عُمَيْرًا قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ يَتَوَارَى، فَقُلْتُ: مَالَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: إِنِّي أخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَسْتَصْغِرَنِي فَيَرُدَّنِي، وَأَنَا أُحِبُّ الخُرُوجَ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنِي الشَّهَادَةَ، قَالَ: فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاسْتَصْغَرَهُ، فَقَالَ: "ارْجعْ"، فبَكَى عُمَيْرٌ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ سَعْدٌ: فكُنْتُ أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ (٣) مِنْ صِغَرِهِ (٤).
وَقُتِلَ عُمَيْرٌ -﵁- في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَعُمُرُهُ لسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً (٥)، فَقَدْ أَخْرَجَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب عدة أصحاب بدر - رقم الحديث (٣٩٥٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٦٣٣).
(٣) حِمالة السيف: بكسر الحاء هو السير الذي يُقلّده المتقلد، والجمع حَمَائِل. انظر لسان العرب (٣/ ٣٣٤).
(٤) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب مناقب عمير بن أبي وقاص -﵁- رقم الحديث (٤٩١٦) - وإسناده حسن - وذكره الهيثمي في المجمع، وعزاه للطبراني والبزار، وقال: إن رجال الطبراني رجال الصحيح - وانظر سير أعلام النبلاء (١/ ٩٧).
(٥) انظر أسد الغابة (٣/ ٤٢٠) - الإصابة (٤/ ٦٠٣).
[ ٢ / ٣٥٠ ]
الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ (١).
وَكَانَ عُمَيْرٌ -﵁- قَدِيمَ الإِسْلَامِ، مُهَاجِرِيّ، أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ بِقَصْعَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَفَضَلَةٌ فَضْلَةٌ، فَقَالَ -ﷺ-: "يَجِيءُ رَجُلٌ مِنْ هَذَا الفَجِّ (٢) يَأْكُلُ هَذِهِ الفَضْلةَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ".
قَالَ سَعْدٌ: وَكُنْتُ تَرَكْتُ أَخِي عُمَيْرًا يَتَوَضَّأُ، قَالَ، فَقُلْتُ: هُوَ عُمَيْرٌ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فَأَكَلَهَا (٣).
* تَوْزِيعُ القِيَادَاتِ:
دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اللِّوَاءَ (٤) الأَعْظَمَ، وَكَانَ أبْيَضَ إِلَى مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ، وَقَسَّمَ جَيْشَهُ إِلَى كَتِيبَتَيْنِ:
١ - كَتِيبَةُ المُهَاجِرِينَ: وَأَعْطَى عَلَمَهَا عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁-.
٢ - كَتِيبَةُ الأَنْصَارِ: وَأَعْطَى عَلَمَهَا سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ -﵁-.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٦).
(٢) الفَجُّ: هو الطريق الواسع -انظر النهاية (٣/ ٣٧٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- من مناقب الصحابة - باب ذكر إثبات الجنة لعبد اللَّه بن سلام - رقم الحديث (٧١٦٤).
(٤) اللِّوَاءُ: الرَّاية، وهي التي يَجتَمع حولها الجيش. انظر النهاية (٤/ ٢٣٩).
[ ٢ / ٣٥١ ]
وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ عَلَى المَيْمَنَةِ، وَالمِقْدَادَ بنَ عَمْرٍو عَلَى المَيْسَرَةِ، وَجَعَلَ عَلَى السَّاقَةِ (١) قَيْسَ بنَ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَظَلَّتِ القِيَادَةُ العَّامَّةُ في يَدِ الرَّسُولِ -ﷺ- كَقَائِدٍ أَعْلَى لِلْجَيْشِ (٢).
وَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقْرَ المُسْلِمِينَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكسُهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ".
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو -﵄-: فَفَتَحَ اللَّه لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْقَلَبُوا (٣) حِينَ انْقَلَبُوا وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ، وَاكْتَسَوْا، وشَبِعُوا (٤).
* الرَّسُولُ -ﷺ- يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالفِطْرِ:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أمَرَ أصْحَابَهُ بِالإِفْطَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْنَا
_________________
(١) السَّاقَةُ: جمع سَائِقِ، وهم الذين يسوقُون جيش الغَزَاة، ويكونون من ورائه يحفَظونه. انظر النهاية (٢/ ٣٨١).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٤) - الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦) - البداية والنهاية (٣/ ٢٧٥).
(٣) الانقَلابُ: الرُّجوع. انظر النهاية (٤/ ٨٥).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في نفل السرية - رقم الحديث (٢٧٤٧) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب قسم الفيء - باب شأن نزول سورة الأنفال - رقم الحديث (٢٦٤٣) - (٢٦٨٩) - وأورده ابن الأثير جامع الأصول (٨/ ١٨٨) - وإسناده حسن.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَتَيْنِ في شَهْرِ رَمَضَانَ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ الفَتْحِ، فَأَفْطَرْنَا فِيهِمَا (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا المُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأفْطَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حسنٌ (٢).
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ المُسْلِمِينَ أَفْطَرُوا في هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، في قِصَّةِ عُمَيْرِ بنِ الحُمَامِ -﵁- عِنْدَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ".
فَقَالَ عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟ .
قَالَ: "نَعَمْ".
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٢) - وأخرجه الترمذي في سننه - كتاب الصوم - باب ما جاء في الرخصة للمحارب في الإفطار - رقم الحديث (٧٢٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر - رقم الحديث (١١١٦) (٩٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٠٨٣).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قَالَ: بَخٍ بَخٍ (١). . . فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ (٢)، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ -﵁- (٣).
* طَرِيقُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى بَدْرٍ:
سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في هَذَا الجَيْشِ غَيْرَ المُتَأَهِّبِ عَلَى الطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ المُؤَدِّي إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ عَلَى ذِي الحُلَيْفَةِ، حَتَّى بَلَغَ بِئْرَ الرَّوْحَاءِ، فنَزَلَ بِهَا، ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالمُنْصَرَفِ (٤)، تَرَكَ طَرِيقَ مَكَّةَ عَنْ يَسَاره، وانْحَرَفَ ذَاتَ اليَمِينِ عَلَى النَّازِيَةِ (٥) يُرِيدُ بَدْرًا، فَسَلَكَ في نَاحِيَةٍ مِنْهَا، حَتَّى جَزَعَ وَادِيًا (٦) يُقَالُ لَهُ: رُحْقَانٌ، بَيْنَ النَّازِيَةِ وبَيْنَ مَضِيقِ الصَّفْرَاءِ (٧)، ثُمَّ مَرَّ عَلَى
_________________
(١) بَخٍ بَخٍ: هي كلمة تُقال عند المَدح والرضى بالشيء، وتكرر للمبالغة، ومعناها تعظيم الأمر وتفخيمه. انظر النهاية (١/ ١٠١).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٣/ ٤١): قَرَنه: هو بقاف وراء مفتوحتين أي جَعْبَته.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (١٩٠١).
(٤) المُنْصَرَف: بضم الميم وفتح الراء: موضعٌ بين مكة وبدر، بينهما أربعة بُرد. انظر معجم البلدان (٨/ ٣٣٠).
(٥) النازِيَة: هي عين ماء علي طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصَّفْراء، وهي إلى المدينة أقرب. انظر معجم البلدان (٨/ ٣٦١).
(٦) جَزَعَ الوادي: أي قَطَعَهُ عرضًا. انظر النهاية (١/ ٢٦٠).
(٧) مَضِيقُ الصفراء: هو من ناحيةِ المدينة، وهو وادٍ كثيرُ النَّخل والزرع في طريق الحاج، وسلكه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- غير مرةٍ، وبينه وبين بدر مرحلة. انظر معجم البلدان (٥/ ١٩٣).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
المَضِيقِ، ثُمَّ انْصَبَّ (١) مِنْهُ، حَتَّى قَرُبَ مِنَ الصَّفْرَاءِ، وَهُنَالِكَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَسْبَسَة بنَ عَمْرٍو الجُهَنِيَّ، وعَدِيَّ بنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ ﵄ إِلَى بَدْرٍ يَتَحَسَّسَانِ لَهُ أخْبَارَ العِيرِ (٢).
* رَفْضُ الرَّسُولِ -ﷺ- الاسْتِعَانَةَ بِمُشْرِكٍ:
وَفِي الطَّرِيقِ وعِنْدَ حَرَّةِ الوَبْرَةِ (٣) أَدْرَكَ الرَّسُولَ -ﷺ- رَجَلٌ مُشْرِكٌ يَطْلُبُ اتِّبِاعَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الوَبْرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ (٤) وَنَجْدَهٌ (٥)، فَفَرِحَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: جِئْتُ لِأَتْبَعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ؟ ".
قَالَ: لَا.
قَالَ: "فَارْجعْ، فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ".
_________________
(١) انصَبَّ منه: أي مضى فيه منحَدِرًا ودَافِعًا. انظر النهاية (٣/ ٤).
(٢) ذكرنا فيما تقدم أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أرسل بَسْبَسة بن عمرو -﵁-، وعدي بن أبي الزّغباء -﵁- قبل أن يخرج من المدينة، فلما رَجَعا أخبراه بخبر العير، فاستنفَرَ رَسُولُ اللَّهِ الناس إليها، فيكون -ﷺ- بعثهما مرتين، مرة قبل الخروج من المدينة، وهذه المرة الثانية. انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٧٧) - وسيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٥).
(٣) حرَّة الوَبْرَة: موضعٌ من ناحية المدينة. انظر النهاية (٥/ ١٢٧).
(٤) الجُرْأة: الإقدام على الشيء. انظر النهاية (١/ ٢٤٦).
(٥) النَّجْدَة: الشدَّة. انظر النهاية (٥/ ١٦).
[ ٢ / ٣٥٥ ]
قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- كَمَا قَالَ أوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: "فَارْجعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ".
قَالَتْ: ثُمَّ رَجَعَ، فَأَدْرَكَهُ بِالبَيْدَاءِ (١)، فَقَالَ لَهُ -ﷺ- كَمَا قَالَ أوَّلَ مَرَّةٍ: "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ؟ ".
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ له الرَّسُولُ -ﷺ-: "فَانْطَلِقْ" (٢).
قَالَ الحَازِمِيُّ "في الِاعْتِبَارِ" بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الحَدِيثَ: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في هَذَا البَابِ، فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إِلَى مَنْعِ الِاسْتِعَانَةِ بِالمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، وتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ، وَقَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَمَا يُعَارِضُهُ لَا يُوَازِيهِ في الصِّحَّةِ والثُّبُوتِ، فتَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ بِهَذَا.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَغْزُوا مَعَهُ وَيَسْتَعِينَ بِهِمْ، وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ في المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، وَتَدْعُو الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُوُنوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، وَلَا يُخْشَى ثَائِرَتُهُمْ، فَمَتَى فُقِدَ هَذَانِ
_________________
(١) البَيْداء: موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (١/ ١٦٨).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر - رقم الحديث (١٨١٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥١٥٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٧٣).
[ ٢ / ٣٥٦ ]
الشَّرْطَانِ، لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمْ.
قَالُوا: وَمَعَ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ، وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَعَانَ بِصَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ في قِتَالِ هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ (١)، قَالُوا: وَتَعَيَّنَ المَصِيرُ إِلَى هَذَا؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا.
* أَبُو سُفْيَانَ يَسْتَنْفِرُ قُرَيْشًا:
كَانَ أَبُو سُفْيَانَ -وَهُوَ رَئيسُ العِيرِ- في غَايَةِ الحِيطَةِ وَالحَذَرِ، فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقَ مَكَّةَ مَحْفُوفٌ بِالأَخْطَارِ، وَكَانَ يَتَحَسَّسُ الأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنَ الرُّكْبَانِ، حَتَّى جَاءَهُ الخَبَرُ مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- قَدِ اسْتَنْفَرَ أصْحَابَهُ لِلْعِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَأْجَرَ أَبُو سُفْيَانَ ضَمْضَمَ بنَ عَمْرٍو الغِفَارِيَّ، وَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِي قُريْشًا فَيَسْتَنْفِرَهُمْ إِلَى أمْوَالهِمْ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- قَدْ عَرَضَ لَهَا في أَصْحَابِهِ، فَخَرَجَ ضَمْضَمُ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَصَرَخَ بِبَطْنِ الوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ جَدَعَ (٢) أنْفَ بَعِيرِهِ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ،
_________________
(١) أخرج استعانةَ الرسول -ﷺ- بصفوان بن أمية وهو مشرك يوم حنين: الحاكم في المستدرك - كتاب البيوع - باب لا يجوزُ لامرأة أمر في مالها - رقم الحديث (٢٣٤٧) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٤٥٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٠٢).
(٢) الجَدْعُ: القطع. انظر النهاية (١/ ٢٣٩).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اللَّطِيمَةَ (١) اللَّطِيمَةَ، أمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ في أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الغَوْثَ الغَوْثَ (٢).
* رُؤْيَا عَاتِكَةَ (٣):
وَقَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ ضَمْضَمٌ إِلَى مَكَّةَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -عَمَّةُ الرَّسُولِ -ﷺ- رُؤْيَا أخَافتهَا وَأَفْزَعَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى أخِيهَا العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي! وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا أفْظَعَتْنِي (٤) وَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ وَمُصِيبَةٌ، فَاكْتُمْ عَنِّي مَا أُحَدِّثُكَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: وَمَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، حَتَّى وَقَفَ بِالأَبْطَحِ (٥)، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتهِ: أَلَا انْفِرُوا يَا آلَ غُدْرٍ لِمَصَارِعِكُمْ في ثَلَاثٍ، فَأَرَى النَّاسَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلهُ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى ظَهْرِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ صَرَخَ بِمِثْلِهَا: أَلَا انْفِرُوا يَا آل غُدْرٍ
_________________
(١) أي أدرِكُوا اللطيمة، واللطيمةُ بفتح اللام هي الجِمَال التي تحمل العِطر والبَزّ. انظر النهاية (٤/ ٢١٧).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٩) - الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٢٥٥).
(٣) هي عاتِكَة بنت عبد المطلب، عمَّهَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وشقيقة أبي طالب، وعبد اللَّه والد الرسول -ﷺ-، أسلمت وهاجرت. قال الذهبي في السير (٢/ ٢٧٢): ولم نسمع لها بذكر في غير الرؤيا.
(٤) أفظَعَتْنِي: أكبرتُهَا وخِفْتُها. انظر النهاية (٣/ ٤١٢).
(٥) أبطُحِ مكة: مَسِيلُ وادِيهَا. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
لِمَصَارِعِكُمْ في ثَلَاثٍ،، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَة فَأَرْسَلَهَا (١)، فَأَقْبِلِتْ تهْوِي (٢) حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الجَبَلِ ارْفَضَّتْ (٣)، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ وَلَا دَارٌ إِلَّا دَخَلَتْهَا مِنْهُ فِلْقَةٌ.
فَقَالَ العَبَّاسُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا، وَأَنْتِ فَاكْتُمِيهَا، وَلَا تَذْكُرِيهَا لِأَحَدٍ.
ثُمَّ خَرَجَ العَبَّاسُ، فَلَقِيَ الوَليدَ بنَ عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، فَذَكَرَهَا لَهُ، وَاسْتَكْتَمَهُ إيَّاهَا، فَذَكَرَهَا الوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةُ، فَفَشَا (٤) الحَدِيثُ بِمَكَّةَ، حَتَّى تَحَدَّثَتْ بِهِ قُرَيْشٌ في أنْدِيَتِهَا.
قَالَ العَبَّاسُ: فَغَدَوْتُ لِأَطُوفَ بِالبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ في رَهْطٍ (٥) مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمَّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ: يَا أبَا الفَضْلِ! إِذَا فَرَغْتَ مِنْ طَوَافِكَ فَأَقْبِلْ إِلَيْنَا، فَلَمَّا فَرَغْتُ أقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَهُمْ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! مَتَى حَدَثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تِلْكَ الرُّؤْيَا التِي رَأَتْ عَاتِكَةُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا رَأَتْ؟ قَالَ: يَا بَنِى عَبْدِ المُطَّلِبِ! أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنبَأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَنبَأَ نِسَاؤُكُمْ، قَدْ زَعَمَتْ
_________________
(١) أرسلَ الشيءَ: أطلقه. انظر لسان العرب (٥/ ٢١٤).
(٢) يُقال: هوى يَهْوِي هويًا: إذا أسرع في السير. انظر النهاية (٥/ ٢٤٥).
(٣) ارفَضَّت: تفرقت. انظر النهاية (٢/ ٢٢٢).
(٤) فَشَا: أي انتَشَر. انظر النهاية (٣/ ٤٠٣).
(٥) الرَّهط من الرجال: ما دُون العشرة. انظر النهاية (٢/ ٢٥٧).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنَّهُ قَالَ: انْفِرُوا في ثَلَاثٍ، فَسَنَتَرَبَّصُ (١) بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ، وَإِنْ تَمْضِ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، كتَبْنَا عَلَيْكُمْ كِتَابًا أنَّكُمْ أكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ في العَرَبِ.
قَال العَبَّاسُ: فوَاللَّهِ مَا كان مِنِّي إِليْهِ كبِيرٌ، إِلا أَنِّي جحَدت (٢) ذلِكَ وَأَنْكَرْتُ أَنْ تَكُونَ رَأَتْ شَيْئًا، ثُمَّ تَفَرَّقْنَا.
قَالَ الْعَبَّاسُ -﵁-: فَلَمَّا أمْسَيْتُ، لَمْ تَبْقَ امْرَأَهٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إِلَّا أتَتْنِي، فَقَالَتْ: أقْرَرْتُمْ لِهَذَا الفَاسِقِ الخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ في رِجَالِكُمْ، ثُمَّ قَدْ تَنَاوَلَ النِّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ في ذَلِكَ غَيْرَةٌ لِشَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَ؟
قَالَ: فَقُلْتُ: قَدْ وَاللَّهِ فَعَلْتُ: مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ، وَأَيْمُ (٣) اللَّهِ لَأَتَعَرَّضَنَّ لَهُ، فَإِنْ عَادَ لَأَكْفِينَّكُنَّهُ.
قَالَ: فَغَدَوْتُ في اليَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضبٌ، أُرَى أَنِّي قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبُّ أَنْ أُدْرِكَهُ مِنْهُ، قَالَ، فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ فَرَأَيْتُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ أتَعَرَّضُهُ، لِيَعُودَ لِبَعْضِ مَا قَالَ فَأَقَعَ بِهِ، وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا، حَدِيدَ الوَجْهِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ، حَدِيدَ النَّظَرِ (٤). قَالَ: إِذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ المَسْجِدِ
_________________
(١) التَّرَبُّص: الانتظارُ. انظر لسان العرب (٥/ ١٠٩).
(٢) الجُحُودُ: الإنكارُ مع العلم. انظر لسان العرب (٢/ ١٨٢).
(٣) وأيْمُ اللَّه: من ألفاظِ القَسَم، كقولك لعَمْرُ اللَّه، وعَهْدُ اللَّه. انظر النهاية (١/ ٨٦).
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ١٦٩): حَدِيدُ البَصَر: أي قَوِيٌّ نَافذ.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
يَشْتَدُّ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: مَالَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ؟ أَكُلُّ هَذَا فَرَقٌ (١) مِنِّي أَنْ أُشَاتِمَهُ؟
وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ، صَوْتُ ضَمْضَمِ بنِ عَمْرٍو الغِفَارِيٍّ وَهُوَ يَصْرَخُ بِبَطْنِ الوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ جَدَعَ أَنْفَ بَعِيرِهِ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ في أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ، قَالَ العَبَّاسُ: فَشَغَلَنِي أَبُو جَهْلٍ عَنْهُ، وَشَغَلَهُ ضَمْضَم عَنِّي مَا جَاءَ مِنَ الأَمْرِ، وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ أشَدَّ الفَزَعِ، وَأَشْفَقُوا مِنْ قِبَلِ رُؤْيَا عَاتِكَةَ (٢).
* اسْتِعْدَادُ قُرَيْشٍ لِقِتَالِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
فتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا وَقَالُوا: أَيَظُنُّ مُحَمَّد وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ (٣)؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَيَعْلَمَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فنَفَرُوا عَلَى كُلِّ صَعْبٍ (٤) وَذَلُولٍ (٥)، وكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إِمَّا خَارج وَإِمَّا بَاعِثٌ مَكَانَهُ رَجُلًا، وَأَوْعَبَتْ قُرَيْشٌ (٦)، فَلَمْ
_________________
(١) الفَرَق بالتحريك: الخَوْف والفَزَع. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
(٢) أخرج حديث رؤيا عاتكة: الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي - باب رؤيا عاتكة - رقم الحديث (٤٣٥٣) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٩) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢١٩) بأسانيد ضعيفة، ولكن تتقوى بكثرة الروايات، فيرتفع الحديث إلى درجة الحسن لغيره.
(٣) عِيرُ ابن الحضرمي: هي العِيرُ التي أدرَكَها عبد اللَّه بن جحش -﵁- في سرية نَخْلَة، وقتل فيها عمرو بن الحضرمي، وأخذ كل ما فيها.
(٤) الصَّعبُ من الدَّوَابِّ: عكس الذَّلُول. انظر لسان العرب (٧/ ٣٤٠).
(٥) الدابة الذَّلُول: هي اللَّيِّنَةُ والسَّهْلة، وهو ضد الصُّعُوبة. انظر لسان العرب (٥/ ٥٥).
(٦) أوْعَبَ القومُ: إذا خرجُوا كلهم إلى الغَزْو. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٤٠).
[ ٢ / ٣٦١ ]
يَتَخَلَّفْ مِنْ أشْرَافِهَا أَحَدٌ، إِلَّا أَبُو لَهَبِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، تَخَلَّفَ وبَعَثَ مَكَانَهُ العَاصِي بنَ هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ لَاطَ (١) لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، أَفْلَسَ بِهَا، فَاسْتَأْجَرَهُ بِهَا عَلَى أَنْ يُجْزِيَ عَنْهُ بَعْثَهُ، فَخَرَجَ عَنْهُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو لَهَبٍ.
وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَتْرُكُوا كَارِهًا لِلْخُرُوجِ، وَلَا مُسْلِمًا يَعْلَمُونَ إسْلَامَهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا مَنْ لَا يتَّهِمُونَ، إِلَّا أخْرَجُوهُ مَعَهُمْ، فَكَانَ مِمَّنْ أُخْرِجَ كُرْهًا العَبَّاسُ بنُ عَبِدْ المُطَّلِبِ، ونَوْفَلُ بنُ الحَارِثِ، وَطَالِبٌ وَعَقِيل ابْنَا أَبِي طَالِبٍ.
وَأَرَادَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ القُعُودَ، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا (٢) ثَقِيلًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ، بِمِجْمَرَةٍ (٣) فِيهَا نَارٌ وَمُجْمَرٍ (٤) حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَيَّةُ! اسْتَجْمِرْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ، فَقَالَ -ﷺ- أُمَيَّةُ: قبَّحَكَ اللَّهُ وَقبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ (٥).
_________________
(١) لَاطَ له: أي أرْبَى له. قال أبو عبيد: وسُمي الرِّبا لِيَاطًا؛ لأنه ملصَقٌ بالبيعِ وليسَ ببيعٍ، وقيل: لأنه لاصقٌ بصاحبهِ لا يقضِيهِ ولا يُوضعُ عنه. انظر الرَّوْض الأُنُف (٣/ ٥١).
(٢) جَلِيل: أي مُسِنّ. انظر النهاية (١/ ٢٧٨).
(٣) المِجْمَر بكسر الميم: هو الذي يُوضع فيه النار للبخور. انظر النهاية (١/ ٢٨٣).
(٤) المُجْمَر بضم الميم: هو الذي يُتبَخَّر به وأُعِدّ له الجَمْرُ -وهو البخُور-. انظر النهاية (١/ ٢٨٣).
(٥) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٢٢): أن الذي حَثَّ أمية على الخروج هو عقبة بن أبي معيط، وفي رواية البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٩٥٠) - أن أبا جهل =
[ ٢ / ٣٦٢ ]
* سَبَبُ كَرَاهِيَةِ أُمَيَّةَ الخُرُوجَ:
وَكَانَ سَبَبُ كَرَاهِيَةِ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ عَنِ الخُرُوجِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ -ﷺ- المَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ سَعْدٌ لِأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أبَا صفْوانٍ (١) من هذا مَعَكَ؟
فَقَالَ: هَذَا سَعْدٌ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمُ الصُّبَاةَ (٢) وزَعَمْتُمْ أنَكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وتُعِينُونَهُمْ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانٍ مَا رَجَعْتَ إِلَى أهْلِكَ سَالِمًا.
فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ: أمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ
_________________
(١) = هو الذي حَثَّ أمية علي الخروج. قال الحافظ في الفتح (٨/ ٨): وكأن أبا جهل سلّط عقبة عليه حتى صنع به ذلك.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٨): هي كنيةُ أُمية: كني بابنهِ صفوانَ بن أمية.
(٣) يُقال: صبأَ فلانٌ: إذا خرج من دينٍ إلى دين غيره، وكانت العرب تُسمي النبي -ﷺ- الصَّابِئَ؛ لأنه خرج من دينِ قُريش إلى دين الإسلام. انظر النهاية (٣/ ٣). وفي رواية أخرى في صحيح البخاري قال أبو جهل: تطوفُ بالكعبة آمِنًا وقد آوَيْتُم محمدًا وأصحابه.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ، طَرِيقَكَ عَلَى المَدِينَةِ (١)، فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الوَادِي، فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ"، قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فزَعًا شَدِيدًا (٢)، فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أهْلِهِ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانٍ أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ، فَقَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ فكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أبَا صَفْوَانٍ إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ: أَمَّا إِذَا غَلَبْتَنِي فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي فَقَالَتْ لَهُ: يَا أبَا صَفْوَانَ وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أخُوكَ اليَثْرِبِيُّ! قَالَ: لَا مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قتَلَهُ اللَّهُ ﷿ بِبَدْرٍ (٣).
_________________
(١) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري قال سعدٌ: واللَّهِ لئن منعتَنِي أن أطوف بالبيت لأقطَعَنَّ مَتْجَرَك بالشام.
(٢) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري قال: واللَّه ما يكذبُ محمد إذا حَدَّث.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٦٣٢) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب ذكر النبي -ﷺ- من يقتل ببدر - رقم الحديث (٣٩٥٠).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- ظَاهِرَةٌ.
٢ - وَفيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -ﷺ- مِنْ قُوَّةِ النَّفْسِ وَاليَقِينِ.
٣ - وَفِيهِ أَنَّ شَأْنَ العُمْرَةِ كَانَ قَدِيمًا.
٤ - وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ مَأْذُونًا لَهُمْ في الِاعْتِمَارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْتَمِرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بخِلَافِ الحَجِّ، وَاللَّه أَعْلَمُ (١).
* عِدَّةُ المُشْرِكِينَ وَعَتَادُهُمْ:
وَكَانَ عِدَّةُ المُشْرِكِينَ أَلْف وثَلَاثُمِائَةٍ وتسْعَةَ عَشَرَ (٢) مُقَاتِلًا في بِدَايَةِ مَسِيرِهِمْ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائَةُ فَرَسٍ (٣) وسِتُّمِائَةِ دِرْعٍ، وَجِمَالٌ كَثِيرَ لَا يُعْرَفُ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ١٠).
(٢) هذه رواية الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر - رقم الحديث (١٧٦٣) - وعند ابن سعد في طبقاته (١/ ٢٥٩) أنهم كانوا ألف مقاتل- وعند البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٠٥): أنهم كانوا تسعمائة وخمسون مُقَاتلًا. ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأن المشركين لما خرجوا كانوا ألف وزيادة، وفي الطريق رَجَع أعداد منهم ولم يُشَارك في القتال إلا تِسعُمائة وخمسون رجلًا كما سيأتي.
(٣) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٧٨) - وعند البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٢): أن معهم مائتا فرس.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
عَدَدُهَا بِالضَّبْطِ، وَكَانُوا بِقِيَادَةِ أَبِي جَهْلِ بنِ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ (١).
* الثَّأْرُ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ:
وَلَمَّا فَرَغَتْ قُرَيْشٌ مِنْ جَهَازِهَا، وَأَجْمَعَتْ عَلَى المَسِيرِ، ذَكَرَتْ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ (٢)، فَقَالُوا: إنَّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، فكَادَ ذَلِكَ يُثْنِيهِمْ، فتَبَدَّى لَهُمْ إبْلِيسُ في صُورَةِ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجِيّ (٣)، وَكَانَ مِنْ أشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَكُمْ جَارٌ (٤) مِنْ أَنْ تَأْتِيكُمْ كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيءٍ تَكْرَهُونَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا المَوْقِفَ في القُرْآنِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٧٨) دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٢) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٢٥٩) - البداية والنهاية (٣/ ٢٧٥).
(٢) قال ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣): كانت الحرب التي وقعت بين قُريش وبين بَنِي بكر سببها: أن ابن لحفص بن الأخْيَفِ من بني عامر بن لؤي، قتَلَه رجلٌ من بني بكر بإشَارَة من عامر بن يزيد بن المُلَوَّح أحد بني بكر، ثم أخذ بثأرهِ أخُوه مِكْرَز بن حفص فقتل عامرًا وخاضَ بسيفه في بَطنِهِ، ثم جاء من الليل فعلَّقه بأستار الكعبة، فبينما هم في ذلك من حربهم حجز الإسلام بين الناس، فتشاغَلُوا به، حتى أجمَعَتْ قريشٌ المَسِير إلى بدر، فذكروا الذين بينهم وبين بني بكر فخافُوهُمْ بسبب ذلك.
(٣) سُرَاقة هذا هو الذي كان يتبَعُ الرسول -ﷺ- في الهجرة، وقد أسلمَ -﵁- في غزوةِ الطائف سنة ثمان من الهجرة.
(٤) والمُجِيرُ: هو الذي يَمْنَعُك. انظر لسان العرب (٢/ ٤١٥).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).
وَحِينَئِذٍ خَرَجُوا بِحَدِّهِمْ (٢) وَحَدِيدِهِمْ، يُحَادُّونَ (٣) اللَّهَ وَرَسُولهُ، وَمَعَهُمْ القِيَانُ (٤) يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ، ويُغَنِّينَ بِهِجَاءِ المُسْلِمِينَ، وَهُمْ في غَايَةِ البَطَرِ (٥) وَالكِبْرِ والخُيَلَاءِ (٦)، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ (٧) وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٨).
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، ومُجَاهِدُ، وقتَادَةُ، والضَّحَّاكُ، والسُّدِّيُّ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ قَالُوا: هُمُ المُشْرِكُونَ، الذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ (٩).
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٤٨).
(٢) الحَدُّ والحِدُّ: سواء من الغضب: أي أنهم خرجوا وهم في مُنتهى الغضب علي المسلمين. انظر النهاية (١/ ٣٤٠).
(٣) المُحَادَّاة: المُعَادَاة والمُخَالفة والمُنَازعة. انظر النهاية (١/ ٣٤٠). ومنه قوله تعالى في سورة المجادلة آية (٢٠): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾.
(٤) القِيَان: هن الإماء المُغَنِّيَات. انظر النهاية (٤/ ١١٨).
(٥) البَطَر: هو الطُّغْيَان عند النَّعْمَة وطُول الغِنَى. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
(٦) الخُيَلاءُ: الكِبْرُ والعُجْبُ. انظر لسان العرب (٤/ ٢٦٥).
(٧) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٧٢): رِئَاءَ النَّاس: هو المُفَاخَرَة والتكَبُّر عليهم.
(٨) سورة الأنفال آية (٤٧).
(٩) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٧٣).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
* المُطْعِمُونَ مِنْ قُرَيْشٍ:
وَكَانَ المُطْعِمُونَ لِجَيْشِ الكُفَّارِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَهُمُ: العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، الحَارِثُ بنُ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بنُ عَدِيٍّ، أَبُو البَخْتَرِيِّ بنَ هِشَامٍ، حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، نُبَيْهًا وَمُنبَّهًا ابْنَي الحَجَّاجِ بنِ عَامِرٍ، سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو.
وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةً أَوْ تِسْعَةً مِنَ الإِبِلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَحَرَ لَهُمْ حِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: رَوَى مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بنُ جُبيْرٍ، وَالحَكَمُ بنُ عُتْيْبَةَ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أَبْزِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ في أَبِي سُفْيَانَ وَنَفَقَتِهِ الأَمْوَالَ في أُحُدٍ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ في أَهْلِ بَدْرٍ.
ثُمَّ قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهِيَ عَامَّةٌ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُور لهَا خَاصًّا، فَقَدْ أخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الكُفَّارَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ اتِّباعِ طَرِيقِ الحَقِّ، فَسَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَذْهَبُ أمْوَالُهُمْ، ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٣٦) - وانظر الخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٧٦) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١٠٩ - ١١٠).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
حَسْرَةً﴾، أَيْ: نَدَامَةً، حَيْثُ لَمْ تُجْدِ (١) شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ وَظُهُورَ كَلِمَتِهِمْ عَلَى كَلِمَةِ الحَقِّ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ، ونَاصِرُ دِينِهِ، وَمُعْلِنُ كَلِمَتِهِ، وَمُظْهِرُ دِينِهِ عَلَى كُلِّ دِينٍ، فَهَذَا الخِزْيُ لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ، فَمَنْ عَاشَ مِنْهُمْ، رَأَى بِعَيْنِهِ وَسَمعَ بِأُذُنِهِ مَا يَسُوؤُهُ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ أَوْ مَاتَ، فَإِلَى الْخِزْيِ الْأَبَدِيِّ، وَالْعَذَابِ السَّرْمَدِيِّ (٢).
* طَرِيقُ المُشْرِكينَ:
تَحَرَّكَ المُشْرِكُونَ بِاتِّجَاهِ بَدْرٍ، وَمَرُّوا في طَرِيقِهِمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ (٣)، ثُمَّ سَلَكُوا وَادِي عُسْفَانَ (٤)، ثُمَّ قُدَيْدًا (٥)، ثُمَّ الجُحْفَةَ فنَزَلُوا بِهَا (٦).
* نَجَاةُ العِيرِ وَرِسَالَةُ أَبِي سُفيَانَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ:
وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَسِيرُ بِالعِيرِ عَلَى الطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ، وَكَانَ حَذِرًا مُتيَقِّظًا، وَاسْتَبْطَأَ ضَمْضَمًا وَالنَّفِيرَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ مَاءِ بَدْرٍ، لَقِيَ مَجْدِيَّ بنَ عَمْرٍو الجُهَنِيَّ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ أَحْسَسْتَ أَحَدًا مِنْ عُيُونِ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ
_________________
(١) لم تُجْدِ: أي لم تُغْنِ.
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٥٣).
(٣) مَرُّ الظَّهْرَانِ: هو واد بين مكة وعُسْفَان، واسم القرية المضافة إليه: مَرّ، بفتح الميم وتشديد الرَّاء. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
(٤) عُسْفَان: بضم العين، هي قرية جامِعَةٌ بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٣/ ٢١٤).
(٥) قُدَيْد: مُصغرًا، هو موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٤/ ٢٠).
(٦) انظر دلائل النبوة للبيهقي (١٠٥/ ٣).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
أَحَدًا أُنْكِرُهُ، إِلَّا أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبيْنِ قَدْ أَنَاخَا (١) إِلَى هَذَا التَّلِّ، ثُمَّ اسْتَقَيَا في شَنٍّ (٢) لَهُمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا، وَأَشَارَ إِلَى مَنَاخِ بَسْبَسَةَ بنِ عَمْرٍو الجُهَنِيِّ -ﷺ-، وَعَدِيِّ بنِ أَبِي الزُّغْبَاءَ -﵁-، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ بَعَثَهُمَا إِلَى بَدْرٍ يَتَحَسَّسَانِ لَهُ أخْبَارَ العِيرِ -كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ- فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَنَاخِهِمَا، فَأَخَذَ مِنْ أبْعَارِ بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتَّهُ، فَإِذَا فِيهِ النَّوَى (٣)، فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ عَلَائِفُ (٤) يَثْرِبَ، وَهَذِهِ عُيُونُ مُحَمَّدٍ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ سَرِيعًا، فَضَرَبَ وُجُوهَ العِيرِ، وَاتَّجَهَ بِهَا نَحْوَ سَاحِلِ البَحْرِ، وَترَكَ الطَّرِيقَ الرَّئيسِيَّ الذِي يَمُرُّ بِبَدْرٍ عَلَى اليَسَارِ، ثُمَّ أسْرَعَ فنَجَا، وبِهَذَا نَجَا بِالقَافِلَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ (٥).
فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ قَدْ نَجَا بِالعِيرِ، أَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ: قَيْسَ بنَ امْرِئِ القَيْسِ بِرِسَالَةٍ يَقُولُ فِيهَا: إِنَّكُمْ إِنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ ورِجَالَكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، فَقَدْ نَجَّاهَا اللَّهُ، فَارْجِعُوا.
فَلَمَّا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ذَلِكَ، وَهُمْ مَا زَالُوا بِالجُحْفَةِ، هَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَقَالَ طَاغِيَةُ قُرَيْشٍ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: وَاللَّهِ لَا نَرْجعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا، فَنُقِيمَ بِهَا
_________________
(١) أناخَ الإبل: أبْرَكها فبركت. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٢١).
(٢) الشَّنُّ: القِرْبَة. انظر النهاية (٢/ ٤٥٣).
(٣) النَّوى: جمع نواة التمر. انظر النهاية (٥/ ١١٦).
(٤) العَلائِفُ: جمع عَلَف: وهو ما تأكله الماشية. انظر النهاية (٣/ ٢٦٠).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٠) - الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ثَلَاثًا، فنَنْحَرَ الجَزُورَ (١)، وَنُطْعِمَ الطَّعَامَ، ونَسْقِيَ الخَمْرَ، وتَعْزِفَ عَلَيْنَا القِيَانُ، حَتَّى تَسْمَعَ بِنَا العَرَبُ وبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا (٢).
وَلَكِنْ عَلَى رَغْمَ أَبِي جَهْلٍ قَامَ الأَخْنَسُ بنُ شُرَيْقٍ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ فَقَالَ: يَا بَنِي زُهْرَةَ! قَدْ نَجَّى اللَّهُ لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَخَلَّصَ لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بنَ نَوْفَلٍ، وَإِنَّمَا نَفَرتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ، فَاجْعَلُوا بِي جُبْنَهَا (٣) وارْجِعُوا، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ بِأَنْ تَخْرُجُوا في غَيْرِ ضَيْعَةٍ، لَا مَا يَقُولُ هَذَا، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، فَرَجَعُوا مِنَ الجُحْفَةِ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيٌّ وَاحِدٌ، وَكَانُوا حَوَالِي مِائَةِ رَجُلٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ (٤).
وَأَرَادَتْ بَنُو هَاشِمٍ الرُّجُوعَ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ أَبُو جَهْلٍ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُنَا هَذِهِ العِصَابَةُ (٥) حَتَّى نَرْجِعَ.
وَمَضَى المُشْرِكُونَ نَحْوَ بَدْرٍ حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهَا وَرَاءَ كَثِيبٍ (٦) يَقَعُ بِالعُدْوَةِ (٧) القُصْوَى، عَلَى حُدُودِ وَادِي بَدْرٍ (٨).
_________________
(١) الجَزُور: البعير ذَكَرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (١/ ٢٥٨).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٠) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١٠٨).
(٣) الجُبْنُ والجَبَان: هو ضِدُّ الشجاعة والشجاع. انظر النهاية (١/ ٢٣٠). كأنه يقول: إذا عُيِّرْتم بالإحْجَام عن القتال خَوفًا فاجعَلُوا مَردّ ذلك إليّ وإلى رَأْيِي.
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٢٥٥).
(٥) العِصَابة: هم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين. انظر النهاية (٣/ ٢٢٠).
(٦) الكَثِيب: هو الرَّمل المستطيل المُحْدَوْدِب. انظر النهاية (٤/ ١٣٢).
(٧) العُدْوة: بالضم والكسر جانب الوادي. انظر النهاية (٣/ ١٧٦).
(٨) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٢) - الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٣٧١ ]
* مُشَاوَرَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- أصْحَابَهُ (١):
وَبَلَغَ خَبَرُ خُرُوجِ قُرَيْشٍ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ لَا يَزَالُ -ﷺ- في الطَّرِيقِ بِوَادِي ذِفْرَانَ (٢)، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَجْلِسًا اسْتِشَارِيًّا، وَأَخْبَرَ الصَّحَابَةَ بِخُرُوجِ قُرَيْشٍ، فكَرِهَ بَعْضُهُمُ القِتَالَ، وَعَارَضَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعِدُّوا لِقِتَالٍ، إِنَّمَا خَرَجُوا لِمُلَاقَاةِ الفِئَةِ الضَّعِيفَةِ التِي تَحْرُسُ العِيرَ، فَلَمَّا أَنْ عَلِمُوا أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَفَرَتْ بِخَيْلِهَا وَرَجِلِهَا، وشُجْعَانِهَا وفُرْسَانِهَا، كَرِهُوا لِقَاءَهَا كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، هِيَ هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ التِي يَرْسُمُ التَّعْبِيرُ القُرْآنِيُّ صُورَتَهَا بِطَرِيقَةِ القُرْآنِ الفَرِيدَةِ (٣): ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ (٤) وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسير (٢/ ١٤٩): كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تَطْيِيبًا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنْشَطَ لهم.
(٢) ذِفْران بكسر الذال: هو وادٍ قُرْبَ وادي الصفراء. انظر النهاية (٢/ ١٤٩). ووادي الصفراء تقدم ذكره.
(٣) انظر في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٠).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٤/ ١٥): لما بَلَغَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- خروجَ النَّفِير، أوحى اللَّه إليه يَعِدُه إحدى الطائفتين: إما العِيرُ وإما النَّفِير، ورغِبَ كثير من المسلمين إلى العِيرِ؛ لأنه كَسْبٌ بلا قِتَال.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
فَأَيْنَ مَا أَرَادَتْهُ العُصْبَةُ المُسْلِمَةُ لِنَفْسِهَا مِمَّا أرَادَهُ اللَّهُ لَهَا؟ لَقَدْ كَانَتْ تَمْضِي -لَوْ كَانَتْ لَهُمْ غَيْرُ ذَاتِ الشَّوْكَةِ- قِصَّةَ غَنِيمَةٍ. . . قِصَّةَ قَوْمٍ أغَارُوا عَلَى قَافِلَةٍ فَغَنِمُوهَا! فَأَمَّا بَدْرٌ فَقَدْ مَضَتْ في التَّارِيخِ كُلِّهِ قِصَّةَ عَقِيدَةٍ. . . قِصَّةَ نَصْرٍ حَاسِمٍ وَفَرْقًا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ. . . قِصَّةَ انْتِصَارِ الحَقِّ عَلَى أَعْدَائِهِ المُدَجَّجِينَ بِالسِّلَاحِ، المُزَوَّدِينَ بِكُلِّ زَادٍ، وَأَهْلُ الحَقِّ في قِلَّةٍ مِنَ العَدَدِ، وضَعْفٍ في الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. . . قِصَّةُ انْتِصَارِ القُلُوبِ حِينَ تَتَّصِلُ بِاللَّهِ، وَحِينَ تَتَخَلَّصُ مِنْ ضَعْفِهَا الذَّاتِيِّ، بَلْ قِصَّةُ انْتِصَارِ حَفْنَةٍ مِنَ القُلُوبِ بَيْنَهَا الكَارِهُونَ لِلْقِتَالِ! وَلَكِنَّهَا بِبَقِيَّتِهَا الثَّابِتَةِ المُسْتَعْلِيَةِ عَلَى الوَاقِعِ المَادِّيِّ، وَبِيَقِينِهَا في حَقِيقَةِ القُوَى وَصِحَّةِ مَوَازِينِهَا، قَدِ انتصَرَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَانتصَرَتْ عَلَى مَنْ فِيهَا، وَخَاضَتِ المَعْرَكَةَ وَالكِفَّةُ رَاجِحَةٌ رُجْحَانًا ظَاهِرًا في جَانِبِ البَاطِلِ، فَقَلَبَتْ بِيَقِيِنهَا مِيزَانَ الظَّاهِرِ، فَإِذَا الحَقُّ رَاجِحٌ غَالِبٌ (٢).
* قَادَةُ الصَّحَابَةِ يَتَكَلَّمُونَ:
فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكَلَّمَ قَادَةُ المُهَاجِرِينَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، فَقَالَ وَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّهَا قُرَيْشٌ وَعِزُّهَا،
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٥ - ٧).
(٢) انظر في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٢).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
وَاللَّهِ مَا ذَلَّتْ مُنْذُ عَزَّتْ، وَلَا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ، وَاللَّهِ لَتُقَاتِلَنَّكَ، فتَأَهَّبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، وَأَعِدَّ لَهُ عُدَّتَهُ (١).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاسُ". فَقَامَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو -﵁-، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ -﵁-: شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بنِ عَمْرٍو مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ (٢) بِهِ، قَالَ المِقْدَادُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، فنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بِرْكِ الغُمَادِ (٣) لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ في الصَّحِيحِ قَالَ المِقْدَادُ -﵁-: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (١٣٢٩٦) - وانظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١٠٧) - سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٧).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ١٣): والمرادُ المُبالغة في عَظَمة ذلك المشهد، وأنه لو خُيِّر بين أن يكون صاحبه وبين أن يحصُلَ له ما يقابل ذلك كَائِنًا ما كان لكان حصوله له أحب إليه.
(٣) بِرْكُ الغُمَادِ: بفتح الباء وتكسر، وتُضم الغين وتُكسر: وهو اسم موضعٍ باليَمَن، وقيل هو موضع وراء مكة بخمس ليال. انظر النهاية (١/ ١٢١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ - رقم الحديث (٣٩٥٢) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ - رقم الحديث (٤٦٠٩) وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٢٧).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
قَوْمُ مُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، وَلَكُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَخَلْفَكَ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ المِقْدَادُ -﵁-: يَا اللَّهِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا البَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا (٢)، وَلَوْ أمَرتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا (٣) إِلَى بِرْكِ الغُمَادِ فَعَلْنَا، فَشَأْنُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٤).
يَقُولُ ابنُ مَسْعُودٍ -﵁-: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- أشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ قَوْلُ المِقْدَادِ (٥).
ثُمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاسُ"، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الأَنْصَارَ (٦)، فَفَهِمَتِ الأَنْصَارُ أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ، فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- سَيِّدُ الأَنْصَارِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ - رقم الحديث (٣٩٥٢).
(٢) أصل الخَوْض: المشي في الماءِ وتحريكه. انظر النهاية (٢/ ٨٣).
(٣) يُقال: فلان تُضرَب إليه أكْبَادُ الإبل: أي يُرحَلُ إليه. انظر لسان العرب (١٢/ ١٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٢٩٦).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ - رقم الحديث (٣٩٥٢).
(٦) قَالَ ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٢٧): وذلك لأن الأنصار كانوا عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رَسُول اللَّهِ إنا برآءُ من ذِمَامِكَ حتى تصلَ إلى ديارنا، فإذا وصلتَ إلينا فأنت في ذِمَّتِنَا نمنعُكَ مما نمنع منه أبناءنا ونِسَاءنا، فكان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يتخَوَّف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نَصْرَه إلا مِمَّن دَهَمَهُ -أي غَشِيَهم- بالمدينة من عدُوِّه، وأن ليس عليهم أن يَسِير بهم إلى عدو من بلادهم.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ -ﷺ-: "أَجَلْ"، فَقَالَ سَعْدٌ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ، صُدُقٌ في اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُرِيَكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ (١).
فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَوْلِ سَعْدٍ -﵁-، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: "سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ ﷿، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي الآنَ أنْظُرُ إِلَى مَصَارع القَوْمِ" (٢).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٧). ووقع في صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة بدر - رقم الحديث (١٧٧٩) - أن المتكلم نِيابة عن الأنصار هو سعد بن عبادة -ﷺ-، وقد اختلف في شهوده بدر كما تقدم. قال الحافظ في الفتح (٨/ ١٤): ويمكِنُ الجَمْع بأن النبي -ﷺ- استَشَارهم في غزور بدرٍ مرتين: الأولى وهو بالمدينة أول ما بلغَهُ خبَرُ العِيرِ مع أبي سفيان، وذلك بيِّنٌ في رواية مسلم، ولفظه: أن النبي -ﷺ- شاوَرَ حين بلغه إقبال أبي سفيان، والثانية كانت بعد أن خرج.
(٢) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٢٧) وإسناده صحيح. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٧٨): هكذا رواه ابن إسحاق، وله شواهد كثيرة.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
* إِخْبَارُ الرَّسُولِ -ﷺ- أصْحَابَهُ بِمَصَارعِ المُشْرِكينَ:
ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُخْبِرُهُمْ بِمَصَارعِ القَوْمِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُرِينَا مَصَارعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالأَمْسِ، يَقُولُ: "هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّه، هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غدًا، إِنْ شَاءَ اللَّه"، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا أَخْطَؤُوا الحُدُودَ التِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١).
* نزولُ الرَّسُولِ -ﷺ- بالعُدْوَةِ الدُّنْيَا:
ثُمَّ ارْتَحَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- مِنْ وَادِي ذِفْرَانَ، حَتَّى نَزَلَ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيَا، قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا (٢) وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى (٣) وَالرَّكْبُ (٤) أَسْفَلَ مِنْكُمْ (٥) وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب عرض مقعد الميت في الجنة أو النار عليه - رقم الحديث (٢٨٧٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٢).
(٢) العُدْوَةُ: جَانِبُ الوادي، أي إذ أنتُم نزولٌ بِعُدوة الوادي الدنيا القَرِيبة من المدينة. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٦٦).
(٣) أي الكفار بالعُدْوة القُصْوى، وهي البعيدة التي من ناحية مكة. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٦٦).
(٤) الرَّكْب: هي العِير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٦٦).
(٥) أسفَلَ منكم: أي مما يلي سِيفَ البحر -أي ساحله-. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٦٦) - النهاية (٢/ ٣٩٠).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا جَمَعَكُمْ مَعَ عَدُوِّكُمْ في مَكَانٍ وَاحِدٍ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، لِيَنْصُرَكُمْ عَلَيْهِمْ، ويَرْفَعَ كَلِمَةَ الحَقِّ عَلَى البَاطِلِ؛ لِيَصِيرَ الأَمْرُ ظَاهِرًا، وَالحُجَّةُ قَاطِعَةً، وَالبَرَاهِينُ سَاطِعَةً، وَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ حُجَّةٌ وَلَا شُبْهَةٌ، فَحِينَئِذٍ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ﴾ أيْ: يَسْتَمِرُّ في الكُفْرِ مَنِ اسْتَمَرَّ فِيهِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ، لِقِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ أَيْ: يُؤْمِنَ مَنْ آمَنَ. ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أَيْ: حُجَّةٍ وَبَصِيرَةٍ، وَالإِيمَانُ هُوَ حَيَاةُ القُلُوبِ (٢).
* الرَّسُولُ -ﷺ- يَقُومُ بِعَمَلِيَّةٍ اسْتِكْشَافِيَّةٍ:
وَهُنَاكَ وَقَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِعَمَلِيَّةِ اسْتِكْشَافٍ مَعَ رَفِيقِهِ في الغَارِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، يَسْأَلَانِ عَنْ قُرَيْشٍ، فَوَقَفَا عَلَى شَيْخٍ مِنَ العَرَبِ، يُقَالُ لَهُ: سُفْيَانُ الضَّمْرِيُّ، فَسَأَلهُ الرَّسُولُ -ﷺ- عَنْ قُرَيْشٍ وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا أَخْبَرْتَنَا أخْبَرْنَاكَ" قَالَ: أَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ -ﷺ-: "نَعَمْ"، قَالَ الشَّيْخُ: فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٤٢).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٦٩).
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الذِي أَخْبَرَنِي، فَهُمُ اليَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذِي بِهِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمُ اليَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذِي بِهِ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ، قَال: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "نَحْنُ مِنْ مَاءٍ" (١)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، قَالَ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ؟ أَمِنْ مَاءِ العِرَاقِ؟ ثُمَّ رَجَعَ رَسُول اللَّهِ إِلَى أَصْحَابِهِ (٢).
وَفِي مَسَاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ بَعَثَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ، وَسَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ، في نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ يَلْتَمِسُونَ خَبَرَ قُرَيْشٍ، فَوَجَدُوا رَوَايَا (٣) قُرَيْشٍ، وفِيهِمْ غُلَامٌ لِبَنِي الحَجَّاجِ أَسْوَدُ، فَأتَوْا بِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وَرَسُول اللَّهِ -ﷺ- قَائِم يُصَلِّي، فَسَأَل أصْحَابُ الرَّسُول -ﷺ- غُلَامَ بَنِي الحَجَّاجِ عَنْ قَافِلَةِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، فَقَال: أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ، فَلَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذِهِ قُرَيْشٌ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، قَدْ جَاءَتْ، فَيَضْرِبُونَهُ، فَإِذَا ضَرَبُوهُ قَالَ: نَعَمْ هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ فَقَال: مَالِي بِأَبِي سُفْيَانَ مِنْ عِلْمٍ، وَلكْن هَذِهِ قُرَيْش قَدْ جَاءَتْ، وَرَسُول
_________________
(١) هذه تَوْرِيَةٌ من الرسول -ﷺ-، والتورِيَة: هي أن يذكر شيئًا ويُريد غيره، يقال: ورَّيْت الخبر أُورَّيه توريةً: إذا سترته وأظهرت غيره. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٨٣). قلتُ: وإنما قصد الرسول -ﷺ- بقوله: (من ماء) أنه مَخْلُوق من ماء، وليس في هذا خلاف الحقيقة.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٨).
(٣) الرَّوَايَا من الإبل: هي الحَوَامِلُ للماء، واحدتُهَا رَاوية، وراوِيَة لقريش: أي إبلهم التي كانوا يَسْتَقُون عليها. انظر النهاية (٢/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، فَقَالَ -ﷺ- بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ: "إنَّكُمْ لَتَضْرُبونَهُ إِذَا صَدَقكُمْ، وَتَدَعُونَهُ إِذَا كَذَبَكُمْ" (١)
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: . . . فَوَجَدْنَا فِيهَا -أيْ عِنْدَ بَدْرٍ- رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَوْلًى لِعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَمَّا القُرَشِيُّ فَانْفَلَتَ، وَأَمَّا مَوْلَى عُقْبَةَ فَأَخَذْنَاهُ، فَجَعَلْنَا نَقُولُ لَهُ: كَمِ القَوْمُ؟ فَيَقُولُ: هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ (٢)، حَتَّى انتهَوْا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ له -ﷺ-: "كَمِ القَوْمُ؟ " قَالَ: هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، فَجَهِدَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يُخْبِرَهُ كَمْ هُمْ، فَأبَى، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَأَلهُ: "كَمْ يَنْحَرُونَ مِنَ الجُزُرِ؟ " قَالَ: عَشْرًا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "القَوْمُ آلفٌ، كُلُّ جَزُورٍ لِمِائَةٍ وَتَبَعِهَا" (٣).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلرَّجُلَيْنِ -أَيْ غُلَامِ بَنِي الْحَجَّاجِ، وَمَوْلَى عُقْبَةَ بنِ
_________________
(١) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة بدر - رقم الحديث (١٧٧٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٢٩٦) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٢٨).
(٢) في رواية أنس الماضية أن الصحابة ضَرَبُوه؛ لأنه قال من قريش، وكلتا الروايتين تدل على أن المسلمين كانوا كارهين للقتال، وودوا لو كانت القافلة، كما قال تَعَالَى في سورة الأنفال آية (٧): ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
أَبِي مُعَيْطٍ-: "فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أشْرَافِ قُرَيْشٍ؟ " قَالَا: عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ هِشَامٍ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَنَوْفَلُ بنُ خُوَيْلِدٍ، وَالحَارِثُ بنُ عَامِرِ بنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بنُ عَدِيٍّ، وَالنَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، وَزَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهُ وَمُنَبِّهُ ابْنَا الحَجَّاجِ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بنُ عَبْدِ وُدٍّ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ ألقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ (١) أكْبَادِهَا" (٢).
* نُزُولُ المَطَرِ:
نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعِيدًا عَنِ المَاءِ، فَأَصَابَ المُسْلِمِينَ عَطَشٌ شَدِيدٌ، وَأَصَابَهُمْ ضَعْفٌ شَدِيدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، وَكَانَ مَطَرًا خَفِيفًا (٣)، فَطَهَّرَهُمْ بِهِ، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وَتَطَهَّرُوا، وَأَذْهَبَ عَنْهُمْ رِجْسَ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ الوَادِي دَهْسًا (٤)، فَلَمَّا أصَابَهُ المَاءُ لَبَّدَ الأَرْضَ (٥) تَحْتَ الأَقْدَامِ
_________________
(١) أَرَادَ صَمِيم قريش ولُبَابَها، وأشرَافَها، لأن الكَبِدَ من أشْرَفِ الأعضاء، وأفْلَاذُ: جمع فِلْذَة، وهي القطعة المقطوعة طُولًا. انظر النهاية (٣/ ٤٢٢).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٩).
(٣) أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (٩٤٨) - عن عليّ بن أبي طالب قال: . . . ثم إنه أصابنا من الليل طَشٌّ من مطرٍ، فانطلقنا تحت الشجر والحَجَفِ -وهي الترس- نستظلُّ تحتها، من المطر. والطَّشّ: هو المطر الضعيف القليل. انظر النهاية (٣/ ١١٣).
(٤) الدَّهْسُ: ما سَهُلَ ولان من الأرض، ولم يبلغ أن يكون رَمْلًا. انظر النهاية (٢/ ١٣٤).
(٥) لَبَّدت الأرض: أي جَعَلَتْها قوية لا تَسُوخُ فيها الأرجل. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٢٢).
[ ٢ / ٣٨١ ]
فَثَبُتَتِ الأَقْدَامُ، وَنَزَلَ المَطَرُ شَدِيدًا عَلَى المُشْرِكِينَ، فَكَانَ بَلَاءً وَنِقْمَةً عَلَيْهِمْ مَنَعَهُمْ مِنَ التَّقَدُّمِ (١)، وَفِي هَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ (٢) بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ (٣) وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ (٤) وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (٥).
قَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَطَرَ قَبْلَ النُّعَاسِ، فَأَطْفَأَ بِالمَطَرِ الغُبَارَ، وَتَلَبَّدَتْ بِهِ الأَرْضُ، وَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ، وَثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ (٦).
هَذِهِ المَعْرَكَةُ كُلُّهَا تُدَارُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَتَدْبِيرِهِ وقَدَرهِ، وَتَسِيرُ بِجُنْدِ اللَّهِ وتَوْجِيهِهِ. . . وَهِيَ شَاخِصةٌ بِحَرَكَاتِهَا وَخَطَرَاتِهَا مِنْ خِلَالِ العِبَارَةِ القُرْآنِيَّةِ المُصَوَّرَةِ المُتَحَرِّكَةِ المُحْيِيَةِ لِلْمَشْهَدِ الذِي كَانَ، كَأَنَّهُ يَكُونُ الآنَ (٧)! .
* تَحَرُّكُ المُسْلِمِينَ وسَيْطَرَتُهُمْ عَلَى مَاءِ بَدْرٍ:
ثُمَّ تَحَرَّكَ الرَّسُولُ -ﷺ- بِجَيْشِهِ نَحْوَ مَاءِ بَدْرٍ؛ لِيَسْبِقَ المُشْرِكِينَ إِلَيْهِ،
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٢).
(٢) أي: من حَدَث أصغر وأكبر، وهو تطهِيرُ الظاهر. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٤).
(٣) أي: من وسوَسَةٍ أو خاطرٍ سَيِّئ، وهو تطهير الباطن. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٤).
(٤) أي: بالصبر والإقدام علي مُجَالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن، ويُثَبت به الأقدام، وهو شجاعة الظاهر. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٤).
(٥) سورة الأنفال آية (١١).
(٦) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٤).
(٧) انظر في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٣).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَفْضَلِ بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَدْرٍ.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: . . . سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَدْرٍ، وَبَدْر بِئْرٌ، فَسَبَقْنَا المُشْرِكِينَ إِلَيْهَا (١).
* رِوَايَةٌ مَشْهُورَة ضَعِيفَةٌ:
وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الحُبابَ بنَ المُنْذِرِ -﵁- قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أرَأَيْتَ هَذَا المَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نتقَدَّمَهُ، وَلَا نتأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالحَرْبُ والمَكِيدَةُ؟ .
قَالَ -ﷺ-: "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالحَرْبُ وَالمَكِيدَةُ".
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ القَوْمِ، فنَنْزِلهُ، ثُمَّ نُغَوِّرَ (٢) مَا وَرَاءَهُ مِنَ القُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ القَوْمَ، فنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ -ﷺ-: "لَقَدْ أَشرْتَ بِالرَأْيِ" (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨).
(٢) غَارَ الماء: أي ذهب في الأرض وسَفَلَ فيها. انظر لسان العرب (١٠/ ١٤٠). ومنه قوله تعالى في سورة الملك آية (٣٠): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾.
(٣) أخرج قصة مشُورة الحباب بن المنذر -﵁-: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب ذكر مناقب الحباب بن المنذر -﵁- رقم الحديث (٥٨٥٦) =
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ -رَغْمَ شُهْرَتِهَا- ضَعِيفَةٌ مِنْ حَيْثُ السَّنَدِ، وَمُخَالِفَة لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ التِي أخْرَجَهَا الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ الذِي اخْتَارَ النُّزُولَ عَلَى أفْضَلِ مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بِئْرِ بَدْرٍ أَوَّلَ مَا نَزَلَ.
* بِنَاءُ العَرِيشِ (١):
وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى المَاءِ وَاسْتَقَرَّ أمْرُهُمْ، قَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- لِلرَّسُولِ -ﷺ-: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! ألا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا تَكُونُ فِيهِ، وَنُعِدُّ عِنْدَكَ رَكَائِبكَ (٢)، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتِ الأُخْرَى، جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ لَكَ حُبًّا مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُون مَعَكَ.
فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ.
ثُمَّ بُنِيَ العَرِيشُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدٍ (٣)، فَوْقَ تَلٍّ مُشْرِفٍ (٤) عَلَى المَعْرَكَةِ،
_________________
(١) = (٥٨٥٧) - قال الذهبي: هذا حديث منكر، وسنده واه - وأخرجها ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٣٢) بإسناد منقطع - والأموى كما عند ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٨٣) وفي سنده الكلبي وهو متروك - وأوردها الحافظ في الإصابة (٢/ ٩) وضعَّفَ إسنادها.
(٢) العَرِيشُ: هو خيمةٌ من خَشَب أو عِيدان تُنْصب ويُظلل عليها. انظر لسان العرب (٩/ ١٣٤).
(٣) الرَّكَائِبُ: هي الإبل التي تَحْمل القوم. انظر لسان العرب (٥/ ٢٩٦).
(٤) الجَرِيدَةُ: هي السَّعْفَة. انظر النهاية (١/ ٢٤٩).
(٥) المُشْرِف: المكان الذي تُشرف عليه وتعلوه. انظر لسان العرب (٧/ ٩٠).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فَدَخَلَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- (١).
وَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ في نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: فَهَذِهِ خُصُوصِيَّة لِلصِّدِّيقِ -ﷺ- حَيْثُ هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في العَرِيشِ، كَمَا كَانَ مَعَهُ في الغَارِ ﵁ وَأَرْضَاهُ (٣).
وَهَذِهِ الفِكْرَةُ التِي أشَارَ بِهَا سَعْدٌ -﵁- هِيَ مِنْ أدَقِّ فُنُونِ الحَرْبِ، فَالقَائِدُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِمَنْأَى عَنْ مَيْدَانِ القِتَالِ؛ حَتَّى يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّوْجِيهِ وَالإِشَارَةِ بِمَا يَرَاهُ مِنْ أسَالِيبِ القِتَالِ، وَحَتَّى لَا يُصَابَ فَيَنْفَرِطَ بِإِصَابَتِهِ عِقْدُ الجَيْشِ، فَيَكُونَ مَاَلَهُ الفَشَلُ والهَزِيمَةُ (٤).
_________________
(١) جاء ذكر العريش في صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ - رقم الحديث (٤٨٧٧) - من حديث ابن عباس ﵄ وفيه: أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قال وهو في قبة له يوم بدر. . . - ورواه الأموي من حديث ابن إسحاق كما في البداية والنهاية (٣/ ٢٩٣): أن النبي -ﷺ- خَفَقَ خفقةً في العريش، -يقال خفقَ فلان خفقةً: إذا نام نومة خفيفة-، ثم انتبه، فقال: "أبْشِر يا أبا بكر أتَاك نصرُ اللَّه، هذا جبريل، آخذ بِعِنَانِ فرسه، يقوده علي ثنايَاه النَّقْع"، وإسناده حسن كما قال الألباني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تعليقه علي فقه السيرة ص ٢٢٦ للغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٣٩) بدون سند.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٠).
(٣) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٨٨).
(٤) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٢/ ١٣٥).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
أَخْرَجَ البَزَّارُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: يَا أيُّها النَّاسُ مَنْ أشْجَعُ النَّاسِ؟ فَقَالُوا: أَنْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أمَا إِنِّي مَا بَارَزَنِي أَحَدٌ إِلَّا انْتَصَفْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، إنَّا جَعَلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَرِيشًا، فَقُلْنَا مَنْ يَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنَّا أحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ شَاهِرًا بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، لَا يَهْوِي إِلَيْهِ أحَدٌ إِلَّا أَهْوَى عَلَيْهِ، فَهَذَا أشْجَعُ النَّاسِ (١).
* تَعْبِئَةُ (٢) الرَّسُولِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ وَقَضَاؤُهُ اللَّيْلَ مُصَلِّيًا:
ثُمَّ صَفَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أصْحَابَهُ، وعَبَّاَهُمْ لَيْلًا أحْسَنَ تَعْبِئَةٍ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ السَّاجَ عَشَرَ مِنْ رَمَضانَ، وَجَعَلَ يَمْشِي في مَوْضِعِ المَعْرَكَةِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ في أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، وَيَقُولُ: "هَذَا مَصْرَعُ (٣) فُلَانٍ غَدًا، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شاءَ اللَّهُ (٤)، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، هَهُنَا وَهَهُنَا". قَالَ أنَسٌ
_________________
(١) أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٨٧) - والحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٥٦٠).
(٢) يُقال: عبَّأتُ الجيش: أي رتبتهم في مواضعهم وهَيَّأتهم للحرب. انظر النهاية (٣/ ١٥٣).
(٣) المَصْرَع: هو موضع القتل. انظر جامع الأصول (٨/ ١٨١).
(٤) ذكرنا فيما تقدم أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أخبر أصحابه بمقتلِ رُؤُوس الكفار قبل ذلك. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٣/ ٢٩٢): ولا مانع من الجمع بين ذلك، بأن يُخبر به قبل بيوم وأكثرَ، وأن يُخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة، واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
-﵁-: فَوَاللَّهِ مَا أمَاطَ (١) رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِ كَفَّيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
وَأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: صَفَفْنَا يَوْمَ بَدْرٍ، فنَدَرَتْ مِنَّا نَادِرَةٌ (٣) أمَامَ الصَّفِّ، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "مَعِي (٤) مَعِي" (٥).
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ الحَدِيثُ الذِي قَبْلَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁- قَالَ: عَبَّأَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- بِبَدْرٍ لَيْلًا (٦).
* نزولُ النُّعَاسِ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃:
وَأَصَابَ المُسْلِمِينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِنَ اللَّهِ، فنَامُوا جَمِيعًا، فَكَانَتْ لَيْلَةً هَادِئَةً غَمَرَتْ قُلُوبَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِالثِّقَةِ، وَأَخَذُوا
_________________
(١) ما أمَاطَ: أي ما زَال وما بَعُد، والمَيْطُ: هو المَيْلُ والعُدُول. انظر جامع الأصول (٨/ ١٨١).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة بدر - رقم الحديث (١٧٧٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٢٩٦).
(٣) فنَدَرَتْ مِنَّا نَادِرَة: أي تقدّم منا بعضُ المُقَاتلة أمام الصف. انظر لسان العرب (١٤/ ٩٠).
(٤) قال السندي في شرح المسند (١٣/ ٤٧٥): قوله -ﷺ-: "مَعِي، مَعِي" أي كونوا معي، أي: في الموقف الذي أختَاره لكم بلا تقدّم وتأخّر عن ذلك.
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٥٦٧) - وحسن إسناده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٨٧).
(٦) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الجهاد - باب ما جاء في الصف والتعبئة عند القتال - رقم الحديث (١٧٧٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٠٢١).
[ ٢ / ٣٨٧ ]
مِنَ الرَّاحَةِ قِسْطَهُمْ (١).
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿. . . يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (٢).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ المِقْدَادِ، وَلقدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ أبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ -﵁- قَالَ: غَشِيَنَا النُّعاسُ وَنَحْنُ في مَصَافِّنَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: كُنْتُ فِيمَنْ غَشِيَهُ النُّعَاسُ يَوْمَئِذٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ (٤).
وَأَمَّا قِصَّةُ النُّعَاسِ الذِي غَشِيَ المُسْلِمِينَ قَبْلَ المَعْرَكَةِ فَهِيَ قِصَّةُ حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ عَجِيبَةٍ، لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَتَدْبِيرِهِ. . . لَقَدْ فَزعَ المُسْلِمُونَ وَهُمْ يَرَوْنَ أنْفُسَهُمْ قِلَّةً في مُوَاجَهَةِ خَطَرٍ لَمْ يَحْسِبُوا حِسَابَهُ وَلَمْ يَتَّخِذُوا لَهُ عُدَّتَهُ. . .
_________________
(١) القِسْطُ: الحِصّة والنَّصيب. انظر لسان العرب (١١/ ١٥٩).
(٢) سورة الأنفال آية (١١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٢٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب إباحة بكاء المرء في صلاته - رقم الحديث (٢٢٥٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٣٥٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أبي طلحة الأنصاري -﵁- رقم الحديث (٧١٨٠).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
فَإِذَا النُّعَاسُ يَغْشَاهُمْ، ثُمَّ يَصْحَوْنَ مِنْهُ وَالسَّكِينَةُ تَغْمُرُ نُفُوسَهُمْ، وَالطُّمَأْنِينَةُ تَفِيضُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. . . وَلقدْ كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى هَذِهِ الآيَاتِ، وَأَقْرَأُ أخْبَارَ هَذَا النُّعَاسِ، فَأُدْرِكُهُ كَحَادِثٍ وَقَعَ، يَعْلَمُ اللَّه سِرَّهُ، وَيُحْكَى لَنَا خَبَرُهُ. . . ثُمَّ إِذَا بِي أَقَعُ في شِدَّةٍ، وَتَمُرُّ عَلَيَّ لَحَظَاتٌ مِنَ الضَّيْقِ المَكْتُومِ، والتَّوَجُّسِ القَلِقِ، في سَاعَةِ غُرُوبٍ. . . ثُمَّ تُدْرِكُنِي سِنَة مِنَ النَّوْمِ لَا تَتَعَدَّى بِضْعَ دَقَائِقَ. . . وَأَصْحُو إِنْسَانًا جَدِيدًا غَيْرَ الذِي كَانَ. . . سَاكِنَ النَّفْسِ. . . مُطْمَئِنَّ القَلْبِ، مُسْتَغْرِقًا في الطُّمَأْنِينَةِ الوَاثِقَةِ العَمِيقَةِ. . . كَيْفَ تَمَّ هَذَا؟ كَيْفَ وَقَعَ هَذَا التَّحَوُّلُ المُفَاجِئُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! وَلَكِنِّي بَعْدَهَا أُدْرِكُ قِصَّةَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ. أُدْرِكُهَا في هَذِهِ المَرَّةِ بِكَيَانِي كُلِّهِ لَا بِعَقْلِي، وَأسْتَشْعِرُهَا حَيَّةً في حِسِّي لَا مُجَرَّدَ تَصَوُّرٍ. . . لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الغَشْيَةُ، وَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةُ، مَدَدًا مِنْ أَمْدَادِ اللَّهِ لِلْعُصْبَةِ المُسْلِمَةِ يَوْمَ بَدْرٍ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَكَأَنَّ ذَلِكَ -أَي النُّعاسَ- كَانَ سَجِيَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ شِدَّةِ البَأْسِ؛ لِتَكُونَ قُلُوُبهُمْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً بِنَصْرِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ (٢).
* صَلَاةُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِاللَّيْلِ:
أَمَّا الرَّسُولُ -ﷺ- فَقَدْ بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُصَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ، يَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ ﷾، وَيَبْكِي، وَيُكْثِرُ في سُجُودِهِ قَوْلَ: "يَا حَيُّ يَا قيّومُ"، يُكَرِّرُ ذَلِكَ
_________________
(١) في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٤).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
حَتَّى أصْبَحَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ المِقْدَادِ، وَلقدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِم، إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي، وَيَبْكِي، حَتَّى أصْبَحَ (١).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا أصْبَحَ بِبَدْرٍ مِنَ الغَدِ أحْيَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا (٢).
* صَلَاةُ الفَجْرِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الفُرْقَانِ:
فَلَمَّا طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ الجُمُعَةِ السَّابعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الفُرْقَانِ، يَوْمَ التْقَى الجَمْعَانِ، نَادَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الصَّلَاةُ عِبَادَ اللَّهِ" فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ تَحْتِ الشَّجَرِ وَالحَجَفِ (٣)، -وَكَانُوا قَدِ اسْتَظَلُّوا تَحْتَهَا مِنَ المَطَرِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى- فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَحَرَّضَ عَلَى القِتَالِ ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "إِنَّ جَمْعَ قُريْشٍ تَحْتَ هَذِهِ الضِّلع (٤) الحَمْرَاءِ مِنَ الجَبَلِ" (٥).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٢٣) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب إباحة بكاء المرء في صلاته - رقم الحديث (٢٢٥٧).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر ما يستحب للإمام إذا أراد موقعة للأعداء - رقم الحديث (٤٧٥٩).
(٣) الحَجَفُ: جمعُ جَحَفَةٍ وهِيَ التُّرْسُ. النهاية (١/ ٣٣٣).
(٤) الضِّلع: هو الجُبَيْل الصغير الذي ليس بالطويل. انظر لسان العرب (٨/ ٧٧).
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
* تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَتَوْجِيهَاتٌ في كيْفِيَّةِ القِتَالِ:
ثُمَّ صَفَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أصْحَابَهُ صَبَاحَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ قُريْشٌ إِلَى الوَادِي، وَأَخَذَ يُعَدِّلُ صُفُوفَهُمْ بِقِدْحٍ (١) في يَدِهِ، يُشِيرُ إِلَى هَذَا تَقَدَّمْ وَإِلَى هَذَا تَأَخَّرْ، فَمَرَّ بِسَوَادِ بنِ غَزِيَّةَ (٢) -﵁-، حَلِيفِ بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ (٣) مِنَ الصَّفِّ، فَطَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في بَطْنِهِ بِالقِدْحِ، وَقَالَ: "اسْتَوِ يَا سَوَادُ"، فَقَالَ سَوَاد: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْجَعْتَنِي، وَقَدْ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ فَأَقِدْنِي (٤)، فكشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَطْنِهِ الشَّرِيفِ، وَقَالَ: "اسْتَقِدْ"، فَاعْتَنَقَهُ، فَقَبَّلَ بَطْنَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَادُ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ العَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِخَيْرٍ (٥).
وَبَعْدَ ذَلِكَ أمَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- أصْحَابَهُ فَقَالَ: "لَا تَبْدَؤُا القِتَالَ حَتَّى آذَنكُمْ"، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: . . . وَجَاءَ المُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدٌ
_________________
(١) القِدْحُ: هو السهم قبل أن يُراشَ ويُرَكَّب نَصْله. انظر النهاية (٤/ ١٨).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٥/ ١٤٧): سَوَادٌ: بفتح السين وتخفيف الواو، وغَزِيَّة: بفتح الغين وتشديد الياء بوزن عطية.
(٣) استَنْتَل: تقدم. انظر النهاية (٥/ ١٢).
(٤) القَوَد: القصاص. انظر النهاية (٤/ ١٠٤).
(٥) أخرج قصة سواد بن غزية -﵁-: ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٣٨) - وإسناده حسن - وانظر الإصابة (٣/ ١٨٠) - السلسلة الصحيحة للألباني - رقم الحديث (٢٨٣٥).
[ ٢ / ٣٩١ ]
مِنْكُمْ إِلَى شَيءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُوذِنُهُ" (١).
ثُمَّ وَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أصْحَابَهُ إِلى كَيْفِيَّةِ القِتَالِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ (٢) فَارْمُوهُمْ، وَاسْتَبِقُوا (٣) نَبْلَكُمْ" (٤).
وفي رواية أبي داود قال -ﷺ-: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ، وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ" (٥).
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (١٩٠١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٩٨).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٦/ ١٨٩): أي إذا دنوا منكم، وقد استشكل بأن الذي يليق بالدُّنُو المُطَاعنة بالرمح والمُضَاربة بالسيف، . . . فظهرَ أن معنى الحديث الأمر بترك الرمي والقتال حتى يقربوا؛ لأنهم إذا رموهم علي بعد قد لا تصل إليهم وتذهب في غير منفعة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "واستبقوا نَبْلكم".
(٣) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٨): والذي يظهرُ لي أن معنى قوله -ﷺ-: "واستبقوا نَبْلكم" لا يتعلق بقوله: "ارمُوهم"، وإنما هو كالبيان للمراد بالأمر بتأخير الرمي حتى يقربوا منهم، أي إنهم إذا كانوا بعيدًا لا تصيبهم السِّهام غالبًا، فالمعنى استبقوا نَبْلكم في الحالة التي إذا رميتم بها لا تصيب غالبًا، وإذا صاروا إلى الحالة التي يمكن فيها الإصابة غالبًا فارموا.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب التحريض علي الرمي - رقم الحديث (٢٩٠٠) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب (١٠) - رقم الحديث (٣٩٨٥).
(٥) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في سل السيوف عند اللقاء - رقم الحديث (٢٦٦٤) - وإسناده ضعيف.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ -ﷺ-: "إِنِ اكتَنَفَكُمُ (١) القَوْمُ فَانْضَحُوهُمْ (٢) عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ" (٣).
* نُزُولُ جَيْشِ قُرَيْشٍ إِلَى وَادِي بَدْرٍ وَوُقُوعُ الِانْشِقَاقِ فِيهِ:
أَمَّا قُرَيْشٌ فَقَضَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ في مُعَسْكَرِهَا بِالعُدْوَةِ القُصْوَى، فَلَمَّا رَاَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تنْحَدِرُ مِنَ الكَثِيبِ إِلَى وَادِي بَدْرٍ قَالَ: "اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ (٤) وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فنصْرَكَ الذِي وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ أَحِنْهُمُ (٥) الغَدَاةَ" (٦).
فَلَمَّا اطْمَأنَّتْ قُرَيْشٌ بَعَثَتْ عُمَيْرَ بنَ وَهْبٍ الجُمَحِيَّ طَلِيعَةً (٧) لِيَحْزِرَ (٨) أصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَيَأْتِيَهُمْ بِعَدَدِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ، فَاسْتَجَالَ (٩) عُمَيْرٌ بِفَرَسِهِ حَوْلَ العَسْكَرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم، فَقَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، وَلَكِنْ
_________________
(١) إن اكتَنَفَكُم: أي أحاطوا بكم. انظر النهاية (٤/ ١٧٨).
(٢) يُقال: نَضَحُوهُم بالنبل: إذا رَمَوْهم. انظر النهاية (٥/ ٦٠).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٧) - البداية والنهاية (٣/ ٢٩٠).
(٤) المُحَادَاة: المُعَادَاة والمُخَالَفة والمنازعة. انظر النهاية (١/ ٣٤٠).
(٥) أحِنَه: أي أهلكه. انظر لسان العرب (٣/ ٤٢٣).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٣).
(٧) طَلِيعة الجيش: هو الذي يَطْلُع من الجيش يُبعَثُ ليطَّلع طلع العدو. انظر لسان العرب (٨/ ١٨٥).
(٨) حَزَرَهُ: قَدَّره. انظر لسان العرب (٣/ ١٥٠).
(٩) التِّجْوَال: التِّطْوَاف. انظر لسان العرب (٢/ ٤٢٤).
[ ٢ / ٣٩٣ ]
أمْهِلُونِي حَتَّى أنْظُرَ أَلِلْقَوْمِ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ، فَضَرَبَ (١) في الوَادِي حَتَّى أبْعَدَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَكِنِّي قَدْ رَأَيْتُ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، البَلَايَا (٢) تَحْمِلُ المَنَايَا، نَوَاضِحُ (٣) يَثْرِبَ تَحْمِلُ السُّمَّ النَاقِعَ (٤)، أَمَا ترَوْنَهُمْ خُرْسًا لَا يَتَكَلَّمُونَ، يَتَلَمَّظُونَ (٥) تَلَمُّظَ الأَفَاعِي، وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِذَا أصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ العَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَرَوْا رَأْيَكُمْ (٦).
فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى في النَّاسِ، فَأَتَى عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ فَقَالَ: يَا أبَا الوَليدِ! إِنَّكَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، المُطَاعُ فِيهَا، هَلْ لَكَ إِلَى خَيْرٍ تُذْكَرُ بِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، أَوْ قَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَذْهَبَ بِشَرَفِ هَذَا اليَوْمِ مَا بَقِيتَ؟ .
قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا حَكِيمُ؟ قَالَ: تَرْجعُ بِالنَّاسِ، وَتَحْمِلُ أَمْرَ حَلِيفِكَ عَمْرِو
_________________
(١) ضَرَب في الوادي: أي أسْرَع الذهاب. انظر النهاية (٣/ ٧٢).
(٢) البَلَايَا: جمعُ بَلِيَّة: وهي الناقة أو الدابة التي كانت تُعقل -أي تُقيّد- في الجاهلية، تُشدّ عند قبر صاحبها لا تُعلَفُ ولا تُسقى حتى تموت، كانوا يقولون أن صاحبها يُحْشر عليها. انظر لسان العرب (١/ ٤٩٩).
(٣) النَّوَاضِحُ: هي الإبل التي يُستقى عليها. انظر النهاية (٥/ ٥٩).
(٤) النَّاقِعُ: القاتل. انظر النهاية (٥/ ٩٥).
(٥) التَّلَمُّظُ: التذوُّق. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٢٧).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٤).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
بنِ الحَضْرَمِيِّ (١)، أَوْ قَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا دَمَ ابنِ الحَضْرَمِيِّ، وَهُوَ حَلِيفُكَ فتَحَمَّلْ دِيَتَهُ وَتَرْجعَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، أَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ حَلِيفِي، فَعَلَيَّ عَقْلُهُ (٢)، وَمَا أُصِيبَ مِنْ مَالِهِ (٣).
ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ لِحَكِيمِ بنِ حِزَامٍ: فَأْتِ ابنَ الحَنْظَلِيَّةِ -يَعْنِي أبَا جَهْلٍ- فَإِنِّي لَا أخْشَى أَنْ يَشْجُرَ (٤) أمْرَ النَّاسِ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ خَطِيبًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي أَرَى قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِمْ وَفِيكُمْ خَيْرٌ، يَا قَوْمِ اعْصُبُوهَا اليَوْمَ بِرَأْسِي (٥)، وَقُولُوا: جَبُنَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي لَسْتُ بِأَجْبَنِكُمْ (٦).
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَ مَا رَأَى الكُفَّارَ: "إِنْ يَكْنُ في القَوْمِ أَحَدٌ يَأْمُرُ بِخَيْرٍ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الجَمَلِ الأَحْمَرِ، وَكانَ عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ"، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: . . . فَلَمَّا دَنَا القَوْمُ مِنَّا وصَافَفْنَاهُمْ، إِذَا رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى جَمَلٍ أحْمَرَ يَسِيرُ في
_________________
(١) عمرُو بن الحَضْرَمي: هو أول قَتِيل يقتله المُسْلِمون، قُتِلَ في سرية عبد اللَّه بن جحش -﵁- في سرية نخلة.
(٢) العَقْلُ: الدِّيَة. انظر النهاية (٣/ ٢٥٢).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٤) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٥٦).
(٤) اشتَجَر القومُ: إذا تنازَعُوا واختلفوا. انظر النهاية (٢/ ٣٩٩).
(٥) اعصِبُوها اليومَ بِرَأسي: يُريد السُّبَّة التي تلحَقُهم بتَرْكِ الحَرْب، والجُنُوحِ إلى السلم، أي اقرُنُوا هذه الحال بي وانسُبُوها إليّ وإن كانت ذميمة. انظر النهاية (٣/ ٢٢١).
(٦) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
القَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَلِيُّ، نَادِ لِي حَمْزَةَ -وَكَانَ أقْرَبَهُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ-: مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ الأَحْمَرِ، وَمَاذَا يَقُولُ لَهُمْ"؟ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنْ يَكُنْ في القَوْمِ أَحَدٌ يَأْمُرُ بِخَيْرٍ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ"، فَجَاءَ حَمْزَةُ فَقَالَ: هُوَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَهُوَ يَنْهَى عَنِ القِتَالِ (١).
فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو جَهْلٍ عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وَهُوَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ القِتَالِ قَالَ: أَنْتَ تَقُولُ هَذَا؟ وَاللَّهِ لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا لَأَعْضَضْتُهُ (٢)، قَدْ مَلَأَتْ رِئَتُكَ جَوْفَكَ رُعْبًا (٣).
وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: انتفَخَ وَاللَّهِ سَحْرُهُ (٤) حِينَ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، كَلَّا وَاللَّهِ لَا نَرْجعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ مُحَمَّدًا وأَصْحَابَهُ أَكْلَةُ جَزُورٍ (٥)، وَفيهِم ابْنُهُ، فَقَدْ تَخَوَّفكُمْ عَلَيْهِ (٦).
فَقَالَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ لِأَبِي جَهْلٍ: إِيَّايَ تُعَيِّرُ يَا مُصَفَّرَ اسْتِهِ (٧)؟ سَتَعْلَمُ
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨).
(٢) العَضِيض: اللزوم، يُقال: عَضَّ عليه يَعَضُّ عَضِيضًا: إذا لَزِمه. انظر النهاية (٣/ ٢٢٩).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨) وإسناده صحيح.
(٤) انتَفَخَ سَحْرُه: أي رِئَتُكَ يقال ذلك للجَبَان. انظر النهاية (٢/ ٣١٢).
(٥) أرادَ لعنه اللَّه أن المعركة مع المسلمين سهلَةٌ كما تُأكل الجزور وهي الناقة.
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٥).
(٧) اسْتُهُ: أي مقعَدَتُه. انظر لسان العرب (٦/ ١٧٠) -وهذه الكلمة يا مصفَّر استِهِ: تقال للمُتَنَعِّم المُتْرف الذي لم تُحنكه التجارب والشدائد. انظر النهاية (٣/ ٣٤).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
اليَوْمَ أَيُّنَا الجَبَانُ (١).
وَتَعَجَّلَ أَبُو جَهْل لَعَنَهُ اللَّهُ، وَبَعَثَ إِلَى عَامِرٍ الحَضْرَمِيِّ -أخِي عَمْرٍو الحَضْرَمِيِّ المَقْتُولِ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ -﵁- فَقَالَ لَهُ: هَذَا حَلِيفُكَ -أَيْ عُتْبَةُ- يُرِيدُ أَنْ يَرْجعَ بِالنَّاسِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَكَ بِعَيْنِكَ، فَقُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ (٢)، وَمَقْتَلَ أخِيكَ، فَقَامَ عَامِرٌ يَصْرَخُ: وَاعَمْرَاهُ، وَاعَمْرَاهُ، فَحَمِيَ القَوْمُ، وَحَقِبَ (٣) أمْرُهُمْ، وَاسْتَوْسَقُوا (٤) عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، وَأَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ الرَّأْيَ الذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ عُتْبَةُ (٥). وَهَكَذَا تَغَلَّبَ الطَّيْشُ عَلَى الحِكْمَةِ.
* بَدْءُ القِتَالِ وَأَوَّلُ قَتِيلٍ في المَعْرَكَةِ:
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجَ الأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ المَخْزُومِيُّ (٦)، وَكَانَ رَجُلًا شَرِسًا (٧) سَيِّئَ الخُلُقِ، فَقَالَ: أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ، أَوْ لَأَهْدِمَنَّهُ، أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ، خَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، فَلَمَّا الْتَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَأَطَنَّ قَدَمَهُ (٨) بِنِصْفِ سَاقِهِ، وَهُوَ دُونَ الحَوْضِ، فَوَقَع
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨) وإسناده صحيح.
(٢) الخَفْرَة: الذِّمَّة. انظر النهاية (٢/ ٥٠).
(٣) حَقِب أمرُ الناس: فَسَدَ. انظر النهاية (١/ ٣٩٥).
(٤) استَوْسَقُوا: استَجْمَعُوا وانْضَمُّوا. انظر النهاية (٥/ ١٦١).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٥).
(٦) هذا الرجل أخو أبي سلمة بن عبدِ الأسد -﵁- زوج أم سلمة ﵂ التي تزوجها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بعد ذلك.
(٧) يُقال: قوم فيهم شَرَس: أي نُفُور وسُوء خلق. انظر النهاية (٢/ ٤١١).
(٨) أطن قدمه: قطعها. انظر لسان العرب (٨/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٣٩٧ ]
عَلَى ظَهْرِهِ تَشْخُبُ (١) رِجْلُهُ دَمًا، ثُمَّ حبَا إِلَى الحَوْضِ حَتَّى اقْتَحَمَ فِيهِ، يُرِيدُ أَنْ يَبَرَّ يَمِينَهُ، وَلَكِنَّ حَمْزَةَ -﵁- ضَرَبَهُ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَقتَلَهُ وَهُوَ دَاخِلَ الحَوْضِ (٢). فَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَوَّلَ قَتِيلٍ في المَعْرَكَةِ.
* المُبَارَزَةُ:
ثُمَّ خَرَجَ ثَلَاثَةٌ مِنْ خِيرَةِ فُرْسَانِ قُرَيْشٍ يَطْلُبُونَ المُبَارَزَةَ، وَهُمْ: عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَخُوهُ شَيْبَةُ، وَابْنُهُ الوَلِيدُ، فَلَمَّا انْفَصَلُوا مِنَ الصَّفِّ طَلَبُوا المُبَارَزَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ أفْضَلِ شَبَابِ الأَنْصَارِ وَهُمْ: عَوْفٌ، وَمُعَاذٌ ابْنَا الحَارِثِ -وَأُمُّهُمَا عَفْرَاءُ (٣) - وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵃ أجْمَعِينَ، فَقَالُوا مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: رَهْطٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالُوا: أَكْفَاءٌ (٤) كِرَامٌ، مَا لَنَا بِكُمْ حَاجَةٌ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ بَنِي عَمِّنَا، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ: يَا مُحَمَّدُ! أَخْرِجْ لَنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ، قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ"، فَلَمَّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ، قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ (٥)؟ فَأَخْبَرُوهُمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ أكْفَاءٌ كِرَامٌ،
_________________
(١) تَشْخب دمًا: تَسِيل دمًا، والشخب: السيلان. انظر النهاية (٢/ ٤٠٣).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢٣٦/ ٢).
(٣) قال الحافظ في الإصابة (٨/ ٢٤٠): عفراء هذه لها خصيصة لا توجد لغيرها، وهي أنها تزوجت بعد الحارث، البكير بن ياليل الليثي، فولدت له أربعة: إياس، وعاقلًا، وخَالِدًا، وعامرًا، وكلهم شهدوا بدرًا، وكذلك إخوتهم لأمهم بنو الحارث وهم: مُعَاذ، ومُعَوذ، وعوف، فانتَظَم من هذا أنها امرأة صحابية لها سبعة أولاد شهدوا كلهم بدرًا مع النبي -ﷺ-.
(٤) الكُفْءُ: النظِير والمُسَاوي. انظر لسان العرب (١٢/ ١١٢).
(٥) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٣/ ٢٨٩): وفي هذا دليل أنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
فبارَزَ عُبَيْدَةُ -وَكَانَ أَسَنَّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المُسْلِمِينَ- عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَليدَ بنَ عُتْبَةَ (١)، فَأَمَّا حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِلَا صَاحِبَيْهِمَا أَنْ قَتَلَاهُمَا، وَأَمَّا عُبَيْدَةُ فَاخْتَلَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ ضَرْبَتَانِ، فأثْخَنَ (٢) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ كَرَّ (٣) حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ عَلَى عُتْبَةَ فَقتَلَاهُ، وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ، فَجَاؤُوا بِهِ إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ-، وَقَدْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، وَهُوَ يَنْزِفُ دَمًا، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَدَّ عُبَيْدَةَ -﵁- عَلَى قَدَمِهِ الشَّرِيفَةِ، فَقَالَ عُبَيْدَةُ لِرَسُولِ اللَّه -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا لَعَلِمَ أَنِّي أَحَقُّ بِقَوْلهِ:
وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصْرَعُ دُونَهُ وَنُذْهَلَ عَنْ أبْنَائِنَا وَالحَلَائِلِ
_________________
(١) قِصَّة المبارزة أخرجها الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٣٧) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٥٧) وإسنادها صحيح. لكن روى أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في المبارزة - رقم الحديث (٢٦٦٥) - بسند صحيح، أن عبيدة بن الحارث بارَزَ الوليد بن عتبة، وحمزة بارز عتبة، وعليّ بارز شيبة. قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٧) عن رواية أبي داود هذه: وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السير من أن الذي بارزه عليّ هو الوليد هو المشهور وهو اللائق بالمقامِ؛ لأن عُبَيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف عليّ والوليد فكانا شابين. وقد روى الطبراني بسند حسن عن عليّ -﵁- قال: أعَنْتُ أنا وحَمْزة عبيدة بن الحارث علي الوليد بن عتبة، فلم يَعِبِ النبي -ﷺ- ذلك علينا، وهذا مُوَافق لِرِواية أبي داود، فاللَّه أعلم.
(٢) الإثْخَانُ في الشيء: المُبَالغة فيه والإكثار منه، يُقال: أثخَنَه المرض إذا أثقَلَه ووهنه. انظر النهاية (١/ ٢٠٣).
(٣) الكَرُّ: الرجوع. انظر لسان العرب (١٢/ ٦٤).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
ثُمَّ مَاتَ ﵁ وَأَرْضَاه (١).
وَفِي هَؤُلَاءَ السِّتَّةِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (٢).
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ فِي سِتَّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ: عَلِيٍّ، وَحَمْزَةَ، وَعُبْيَدَةَ بنِ الحَارِثِ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَالوَليدِ بنِ عُتْبَةَ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: أنا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو (٤) بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَقَالَ قَيْسُ بنُ عَبَّادٍ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ الذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وعُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ،
_________________
(١) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب مناقب عبيدة بن الحارث -﵁- رقم الحديث (٤٩١٤) وإسناده صحيح - وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٧) - فتح الباري (٨/ ٢٧) - الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٢٥٧).
(٢) سورة الحج آية (١٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبو جهل - رقم الحديث (٣٩٦٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب التفسير - باب في قوله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ - رقم الحديث (٣٠٣٣).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٦): يَجْثُو: أي يقعد علي ركبتيه مُخَاصمًا، والمراد بهذه الأولية تقييده بالمُجَاهدين من هذه الأمة، لأن المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في الإسلام.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وَعُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَالوَليدُ بنُ عُتْبَةَ (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ المُبَارَزَةِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ المُبَارَزَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهَا كَالحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَشَرَطَ الأَوْزَاعِيُّ والثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِلْجَوَازِ إِذْنَ الأَمِيرِ عَلَى الجَيْشِ.
٢ - وَجَوَازُ إِعَانَةِ المبارِزِ رَفِيقَهُ.
٣ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِحَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بنِ الحَارِثِ ﵃ (٢).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ: تَأَمَّلْ أسْمَاءَ السِّتَّةِ المُتَبَارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَيْفَ اقْتَضَى القَدَرُ مُطَابَقَةَ أَسْمَائِهِمْ لِأَحْوَالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَكَانَ الكُفَّارُ: شَيبةَ، وَعُتْبَةَ، وَالوَليدَ، ثَلَاثَةُ أسْمَاءٍ مِنَ الضَّعْفِ، فَالوَليدُ له بِدَايَةُ الضَّعْفِ، وَشَيْبَةُ له نِهَايَةُ الضَّعْفِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (٣)، وَعُتْبَةُ مِنَ العَتْبِ، فَدَلَّتْ أسْمَاؤُهُمِ عَلَى عَتَبٍ يَحِلُ بِهِمْ، وَضَعْفٍ يَنَالُهُمْ (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبو جهل - رقم الحديث (٣٩٦٥).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٢٧).
(٣) سورة الروم آية (٥٤).
(٤) انظر زاد المعاد (٢/ ٣١٠).
[ ٢ / ٤٠١ ]
* الهُجُومُ العَامُّ وَنُشُوبُ الحَرْبِ:
كَانَتْ نِهَايَةُ هَذِهِ المُبَارَزَةِ بِدَايَةً سَيِّئَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى المُشْرِكِينَ، فَقَدُوا ثَلَاثَةً مِنْ خِيرَةِ فُرْسَانِهِمْ وَقَادَتِهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَاسْتَشَاطُوا غَضَبًا، وَكَرُّوا عَلَى المُسْلِمِينَ كَرَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ (١).
* تَسَاقُطُ الشُّهَدَاءِ:
ثُمَّ تَزَاحَفَ النَّاسُ، وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَشَدَّ الكُفَّارُ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَنَشَبَتِ الحَرْبُ، فَرُمِيَ مِهْجَعٌ (٢)، مَوْلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- بِسَهْمٍ فَقتَلَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ (٣).
ثُمَّ رُمِيَ حَارِثَةُ بنُ سُرَاقَةَ -﵁- وَكَانَ فِي النَّظَّارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا- وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الحَوْضِ، بِسَهْمٍ غَرْبٍ (٤) فَأَصَابَ نَحْرَهُ (٥) فَقتَلَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الأَنْصَارِ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ أَتَتَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ- فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ٢١٧.
(٢) قال الحافظ في الإصابة (٦/ ١٨٢): قال ابن هشام: مِهْجع مولى عمر بن الخطاب، كان من السابقين إلى الإسلام، وشهد بدرًا، واستشهد بها.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٩).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٦/ ١٠٧): أي لا يُعرف رَامِيه، أو لا يُعرف من أين أتى.
(٥) النَّحْرُ: أعلى الصدر. انظر النهاية (٥/ ٢٣).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ (١)، فَقَالَ -ﷺ-: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ -ﷺ- لِأُمِّ حَارِثَةَ: "وَيْحَكِ (٣) أَوَهَبِلْتِ (٤)؟ أَوَجَنَّة وَاحِدَةٌ هِيَ، إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى" (٥).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَفي هَذَا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَإِنَّ هَذَا الذِي لَمْ يَكُنْ فِي بُحَيْحَةِ (٦) القِتَالِ، وَلَا فِي حَوْمَةِ الوَغَى (٧)، بَلْ كَانَ مِنَ النَّظَّارَةِ مِنْ بَعِيدٍ، وَإِنَّمَا أصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الحَوْضِ، وَمَعَ هَذَا أصَابَ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٦/ ١٠٨): وكان ذلك قبل تحرِيم النَّوْحِ، فإن تحريمه كان عَقِبَ غزوة أُحد، وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب من أتاه سهم غرب فقتله - رقم الحديث (٢٨٠٩).
(٣) وَيْح: كلمة تَرحُّم وتوجّع، تُقال لمن وَقَع في هلكة لا يستحقها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب. انظر النهاية (٥/ ٢٠٤).
(٤) هَبِلْتِ: هو بفتح الهاء وكسر الباء، وقد استعاره هاهنا لِفَقْدِ المَيْز والعقل مما أصابها من الثكل بولدها، كأنه قال: أفقدت عقلك بفقد ابنك، حتى جعلت الجنان جنة واحدة. انظر النهاية (٥/ ٢٠٩).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدر - رقم الحديث (٣٩٨٢).
(٦) بُحَيحَة القتال: أي ساحتها. انظر لسان العرب (١/ ٥٣٤).
(٧) حَوْمَة القتال: مُعْظَمُه وأشد موضعٍ فيه. انظر لسان العرب (٣/ ٤٠٧) - والوغى: الحرب نفسها. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٥٣).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
بِهَذَا المَوْقِفِ الفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى التِي هِيَ أَعْلَى الجِنَانِ وَأَوْسَطُ الجَنَّةِ (١)، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أنْهَارُ الجَنَّةِ التِي أَمَرَ الشَّارعُ أُمَّتَهُ إِذَا سَأَلُوا اللَّهَ الجَنَّةَ أَنْ يَسْألوهُ إيَّاهَا (٢)، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ هَذَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ كَانَ وَاقِفًا فِي نَحْرِ العَدُوِّ، وَعَدُوُّهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أضْعَافِهِمْ عَدَدًا، وَعُدَدًا (٣).
وَلَمَّا اشْتَدَّ القِتَالُ اسْتَفْتَحَ (٤) أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفْ، فَأَحْنِهِ (٥) الغَدَاةَ (٦)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ
_________________
(١) المراد بأوسط الجنة هنا: الأعدل والأفضل. انظر النهاية (٥/ ١٦٠). ومنه قوله تَعَالَى في سورة البقرة آية (١٤٣): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. . .﴾.
(٢) يشير الحافظ ابن كثير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب درجات المجاهدين في سبيل اللَّه - رقم الحديث (٢٧٩٠) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "إن في الجنة مِائة درجة أعدّها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوسَ، فإنه أوسَط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرشُ الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
(٣) انظر كلام الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالى في البداية والنهاية (٣/ ٣٤٨).
(٤) استفْتَحَ: أي استنصر. انظر النهاية (٣/ ٣٦٥).
(٥) أحْنِهِ: أي أهلِكْه. انظر لسان العرب (٣/ ٤٢٣).
(٦) أخرج استفتاح أبي جهل لعنه اللَّه تَعَالَى: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٦١) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ - رقم الحديث (١١١٣٧) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب شأن نزول: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ - رقم الحديث (٣٣١٧) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ (١) وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فتَطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ أَنْ يَفْتَحَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُهْلِكَ أَضَلَّ الفَرِيقَيْنِ وَأَقْطَعَهُمَا لِلرَّحِمِ. . . فَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ، فَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْكُمْ تَصْدِيقًا لِاسْتِفْتَاحِكُمْ! لَقَدْ دَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى أَضَلِّ الفَرِيقَيْنِ وَأَقْطَعَهُمَا لِلرَّحِمِ! وَلقدْ عَلِمْتُمْ -إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْلَمُوا- مَنْ هُمْ أَضَلُّ الفَرِيقَيْنِ وَأَقْطَعُهُمَا لِلرَّحِمِ!
وَعَلَى ضَوْءِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ، وَفي ظِلِّ هَذَا الإِيحَاءَ، يُرَغِّبُهُمْ فِي الانْتِهَاءِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَالحَرْبِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالمُشَاقَّةِ للَّهِ وَرَسُولهِ -ﷺ- (٣).
* مُنَاشَدَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- رَبَّهُ ﷾:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- منْذُ رُجُوعِهِ بَعْدَ تَعْدِيلِ الصُّفُوفِ إِلَى العَرِيشِ يُنَاشِدُ رَبَّهُ ﷾ مَا وَعَدَهُ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ (٤)، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِير في تفسيره (٤/ ٣٣): أي ولو جمعتم من الجُمُوع ما عسى أن تَجْمَعوا، فإن من كان اللَّه معه فلا غالب له، فإن اللَّه مع المؤمنين، وهم الحِزْب النبوي، والجَنَابُ المصطفوي.
(٢) سورة الأنفال آية (١٩).
(٣) في ظلال القرآن (٣/ ١٤٩١).
(٤) الظَّفَر: الفَوْزُ بالمطلوب. انظر لسان العرب (٨/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٤٠٥ ]
اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ (١) مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ" (٢)، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ (٣)، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ -ﷺ-، فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (٤) -﵁-، فَجَعَلَ -﵁- يَلْتَزِمُهُ (٥) مِنْ وَرَائِهِ، وَيَسَوِّي عَلَيْهِ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: حَسْبُكَ (٦) يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ (٧).
_________________
(١) العِصَابَةُ: هم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين. انظر النهاية (٣/ ٢٢٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ١٥ - ١٦): وإنما قال ذلك رَسُول اللَّهِ -ﷺ-؛ لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هَلَك هو ومن معه حينئذٍ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستَمَرَّ المشركون يعبدون غير اللَّه، فالمعنى لا يعبد في الأرض بهذه الشريعة.
(٣) أخرج النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب الصلاة عند اللقاء - رقم الحديث (٨٥٧٤) - والطبراني بإسناد حسن، حسنه الحافظ في الفتح (٨/ ١٥) عن ابن مسعود -﵁- قال: ما سمعنا مُنَاشدًا يَنْشُدُ ضَالَّة أشد مُنَاشدة من محمد -ﷺ- لربه يوم بدر.
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٣/ ٢٨٨): وكان -﵁- رقيقَ القلب، شَدِيد الإشفَاقِ على رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٥) الالْتِزَام: الاعتناق. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٧٣).
(٦) هذه رواية البخاري - وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه قال أبو بكر -﵁-: يا نبي اللَّه! كذاكَ مناشدتك ربك. قال الإمام النووي: هكذا وفع لجماهير رواة مسلم كذاك بالذال، ولبعضهم كفاك بالفاء مناشدتك ربك.
(٧) أخرج مُناشدة الرسول -ﷺ- لربه يوم بدر: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قوله تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ - رقم الحديث (٣٩٥٣) - وأخرجه في كتاب الجهاد والسير - باب ما قيل في درع النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٩١٥) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ رقم الحديث (٤٨٧٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر - رقم الحديث =
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إِنَابَةِ نَبِيٍّ، وَإِلْحَاحِ عَبْدٍ، وَدُعَاءِ مُضْطَرٍّ، وَشَفِعَ لِهَذِهِ العِصَابَةِ فِي كَلِمَاتٍ صَرِيحَةٍ وَاضِحَةٍ، نيَرةٍ خَالِدَةٍ، هِيَ خَيْرُ تَعْرِيفٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وَبَيَان لِمَهَمَّتِهَا وَغَرَضِهَا الذِي خُلِقَتْ لَهُ. . . فَكَأَنَّمَا كَانَ بَقَاءُ المُسْلِمِينَ مَشْرُوطًا بِقِيَامِ حَيَاةِ العُبُودِيَّةِ بِهِمْ، وَقِيَامِهِمْ بِهَا، فَلَوِ انْقَطَعَتِ الصِّلَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العِبَادَةِ، وَرَوَاجِهَا وَازْدِهَارِهَا فِي العَالَمِ، انْقَطَعَتِ الصِّلَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَيَاةِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى اللَّهِ لَهُمْ حَقٌّ وَذِمَّةٌ، وَأَصْبَحُوا كَسَائِرِ الأُمَمِ خَاضِعِينَ لِنَوَامِيسِ الحَيَاةِ، وَسُنَنِ الكَوْنِ، بَلْ كَانُوا أَشَدَّ جَرِيمَةً، وَأَقَلَّ قِيمَةً مِنَ الأُمَمِ الأُخْرَى، إِذْ لَمْ يَشْتَرِطْ لِبَقَائِهَا وَحَيَاتِهَا مِثْلَ مَا اشْتَرَطَ لَهُمْ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (١).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ قَاتَلْتُ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، ثُمَّ جِئْتُ مُسْرِعًا لِأَنْظُرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، مَا فَعَلَ؟، فَجِئْتُ فَأَجِدُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ"، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى القِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى القِتَالِ، ثُمَّ
_________________
(١) = (١٧٦٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٨) - (٢٢١) - (٣٠٤٢) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب الصلاة عند الالتقاء - رقم الحديث (٨٥٧٤) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٣٩).
(٢) سورة الفرقان آية (٧٧) - وانظر كتاب إلى الإسلام من جديد ص ١٤. للشيخ أبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ (١).
وَفي هَذَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢).
* نُزُولُ المَلَائكَةِ:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ هَذَا الدُّعَاءَ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَغْفَى إِغْفَاءَةً (٣)، ثُمَّ انْتَبَهَ، فَقَالَ: "أَبْشِرْ يَا أبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعنَانِ (٤) فرَسِهِ يَقُودُهُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ" (٥).
وَفي رِوَايَةٍ قَالَ -ﷺ-: "هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الحَرْبِ" (٦).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الإمامة وصلاة الجماعة - باب تطويل الدعاء في سجود تلاوة القرآن - رقم الحديث (٨٤٠) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب عمل اليوم والليلة - باب الاستنصار عند اللقاء - رقم الحديث (١٠٣٧٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (٨/ ١٩٠).
(٢) مُرْدِفِين: أي بعضهم على أَثَر بعض. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠) - والآية في سورة الأنفال آية (٩).
(٣) أغْفَى إغْفَاءَة: أي نام نومة خفيفة. انظر النهاية (٣/ ٣٣٧).
(٤) العِنان: سَير اللجام. انظر النهاية (٣/ ٢٨٣).
(٥) النَّقْعُ: الغبار: انظر النهاية (٥/ ٩٥). أخرج ذلك الأموي فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٩٣)، وهو من رواية ابن إسحاق، وإسناده حسن، كما قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي ص ٢٢٦ - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٣٩) بدون سند.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب شهودِ الملائكة بدرًا - رقم الحديث (٣٩٩٥).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وَجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ، وَأَنْزَلَ جُنْدَهُ، وَأَيَّدَ رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى المَلَائِكَةِ ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (١).
إِنَّهُ الأَمْرُ الهَائِلُ. . . إنَّهَا مَعِيَّةُ اللَّهِ ﷾ لِلْمَلَائِكَةِ فِي المَعْرَكَةِ، وَاشْتِرَاكُ المَلَائِكَةِ فِيهَا مَعَ العُصْبَةِ المُسْلِمَةِ. . . هَذَا هُوَ الأَمْرُ الذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْغَلَنَا عَنْهُ أَنْ نَبْحَثَ: كَيْفَ اشْترَكَتِ المَلَائِكَةُ؟ وَلَا كَمْ قَتِيلًا قَتَلَتْ؟، وَلَا كَيْفَ قتَلَتْ؟ . . . إِنَّ الحَقِيقَةَ الكَبِيرَةَ الهَائِلَةَ فِي المَوْقِفِ هِيَ تِلْكَ الحَقِيقَةُ. . . إِنَّ حَرَكَةَ العُصْبَةِ المُسْلِمَةِ فِي الأَرْضِ بِهَذَا الدِّينِ أمْرٌ هَائِلٌ عَظِيمٌ. . . أمْرٌ يَسْتَحِقُّ مَعِيَّةَ اللَّهِ لِمَلَائِكَتِهِ فِي المَعْرَكَةِ، واشْتِرَاكَ المَلَائِكَةِ فِيهَا مَعَ العُصْبَةِ المُسْلِمَةِ (٢).
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ العَرِيشِ، وَهُوَ يَثبُ فِي الدِّرْعِ، وَيَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (٣).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أحمدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-
_________________
(١) سورة الأنفال آية (١٢).
(٢) في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٥).
(٣) سورة القمر آية (٤٥ - ٤٦) - وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ - رقم الحديث (٤٨٧٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٠٤٢).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِي وَلِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ: مَعَ أحَدِكُمَا جِبْرِيلُ، وَمَعَ الآخَرِ مِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ مَلَكٌ عَظِيمٌ يَشْهَدُ القِتَالَ، أَوْ قَالَ: يَشْهَدُ الصَّفَّ (١).
* كَمْ أَمَدَّ اللَّهُ تَعَالَى المُسْلِمين مِنَ المَلَائِكَةِ؟
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الوَعْدِ: هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ يَوْمَ أُحُدٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا -وَهُوَ الصَّحِيحُ-: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، ورُوِيَ هَذَا عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والرَّبِيعِ بنِ اصنسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ ابنُ جَرِيرٍ.
قَالَ عَبَّادُ بنُ مَنْصُورٍ: عَنِ الحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٥٧).
(٢) سورة آل عمران الآيات (١٢٣ - ١٢٦).
[ ٢ / ٤١٠ ]
وَرَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ: أَنَّ المُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْزَ بنَ جَابِرٍ يُمِدُّ المُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قتادَةَ قَالَ: أَمَدَّ اللَّه المُسْلِمِينَ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ.
وَعَنِ الرَّبِيعِ بنِ أَنَسٍ قَالَ: أمَدَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَلْفٍ، ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا ثَلَاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -عَلَى هَذَا القَوْلِ- وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّة بَدْرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١).
فَالجَوَابُ: أَنَّ التَّنْصيصَ عَلَى الأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الآلَافِ فَمَا فَوْقَهَا، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِمَعْنَى: يَرْدُفهُمْ غَيْرُهُمْ وَيَتْبَعُهُمْ أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ، وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آل عِمْرَانَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ المَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ قِتَالَ المَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: . . . وَقَدْ لَمَّحَ المُصَنِّفُ -أي البُخَارِيُّ-
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٩).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ١١٢).
[ ٢ / ٤١١ ]
بِالِاخْتِلَافِ فِي النُّزُولِ فَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (١) فِي غَزْوَةَ أُحُدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢)، وَذَكَرَ مَا عَدَا ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَهُوَ المُعْتَمَدُ (٣).
* تَحْرِيضُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ عَلَى القِتَالِ:
ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فجَعَلَ يُحَرِّضُ الصَّحَابَةَ ﵃ عَلَى القِتَالِ، وَيُبَشِّرُ النَّاسَ بِالجَنَّةِ، ويُشَجِّعُهُمْ بِنُزُولِ المَلَائِكَةِ، وَالنَّاسُ مَا زَالُوا عَلَى مَصَافِّهِمْ لَمْ يَحْمِلُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُمُ السَّكِينَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ، وَحَصَلَ لَهُمُ النُّعَاسُ الذِي هُوَ دَلِيل عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ وَالثَّبَاتِ وَالإِيمَانِ، فَقَالَ -ﷺ-: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يُقَاتِلُهُمُ اليَوْمَ رَجُلٌ فيقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، إِلَّا أدْخَله اللَّهُ الجَنَّةَ" (٤).
* قِصَّةُ عُمَيْرِ بنِ الحُمَامِ -﵁-:
ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ"، فَقَالَ عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَنَّة عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٢١).
(٢) سورة آل عمران آية (١٢٨).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ١١).
(٤) رواه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٣٩)، بدون سند، لكن يشهد له حديث الإمام مسلم الآتي.
[ ٢ / ٤١٢ ]
قَالَ: "نعم"، قَالَ: بَخٍ بَخٍ (١)، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ " قَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ -ﷺ-: "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا"، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ (٢)، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أنا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، وَأَخَذَ سَيْفهُ، ثُمَّ قَاتَلَ القَوْمَ حَتَّى قُتِلَ -﵁- (٣).
قَالَ الحَافِظُ: وَفي قِصَّةِ عُمَيْرِ بنِ الحُمَامِ -﵁- مِنَ الفَوَائِدِ: مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ نَصْرِ الإِسْلَامِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الشَّهَادَةِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ (٤).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَفِي قِصَّةِ عُمَيْرِ بنِ الحُمَامِ -﵁- جَوَازُ الِانْغِمَارِ فِي الكُفَّارِ، والتَّعَرُّضُ لِلشَّهَادَةِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَة عِنْدَ جَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ (٥).
* رَمْيُ الرَّسُولِ -ﷺ- المُشْرِكِينَ بِالحَصْبَاءِ وَالهُجُومُ عَلَيْهِمْ:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ حَفْنَةً (٦) مِنَ الحَصْبَاءِ (٧) فَاسْتَقْبَلَ بِهَا الكُفَّارَ،
_________________
(١) بَخٍ بَخٍ: هي كلمة تُقال عند المدح والرضى بالشيء وتكرر للمبالغة. انظر النهاية (١/ ١٠١).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٣/ ٤١): قَرَنه: هو بقاف وراء مفتوحتين أي جَعْبَته.
(٣) أخرج قصة عمير بن الحمام -﵁- الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (١٩٠١) - والإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (١٢٣٩٨).
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ٩٩).
(٥) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٣/ ٤١).
(٦) الحَفْنَة: هي ملء الكف. انظر النهاية (١/ ٣٩٣).
(٧) الحَصْبَاء: الحصى الصغار. انظر النهاية (١/ ٣٧٨).
[ ٢ / ٤١٣ ]
وَقَالَ: "شَاهَتِ الوُجُوهُ" ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي وَجْهِ القَوْمِ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحَصْبَاءَ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١).
* مُشَارَكَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي القِتَالِ:
وَقَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ (٢) بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى العَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا حَضَرَ البَأْسُ (٤) يَوْمَ بَدْرٍ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ، مَا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أقْرَبَ إِلَى المُشْرِكِينَ مِنْهُ (٥).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ
_________________
(١) روى ذلك الطبراني كما في المجمع (٦/ ٨٤) - وقال الهيثمي: إسناده حسن - وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٠) - وزاد المعاد (٣/ ١٦٣).
(٢) لاذَ به: إذا الْتَجَأَ إليه وانْضَمَّ واستَغَاثَ. انظر النهاية (٤/ ٢٣٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٥٤).
(٤) البَأْسُ: الشدة في الحرب. انظر لسان العرب (١/ ٣٠١).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٤٢).
[ ٢ / ٤١٤ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: "لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ" (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ قِتَالًا شَدِيدًا بِبَدَنِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- كَمَا كَانَا فِي العَرِيشِ يُجَاهِدَانِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، ثُمَّ نَزَلَ فَحَرَّضَا وَحَثَّا عَلَى القِتَالِ، وَقَاتَلَا بِالأَبْدَانِ جَمِيعًا بَيْنَ المَقَامَيْنَ الشَّرِيفَيْنِ (٢).
* بُطُولَاتُ الصَّحَابَةِ ﵃ أجْمَعِينَ:
أَمَّا الصَّحَابَةُ ﵃ فَقَدْ قَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ، وَظَهَرَتْ مِنْهُمْ بُطُولَاتٌ كَثِيرَةٌ.
* بُطُولَةُ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ -﵁-:
رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ فِي الزُّبَيْرِ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ، إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ (٣)، قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأُدْخِلُ أصَابِعِي فِيهَا، قَالَ: ضُرِبَ ثِنْتَينِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَوَاحِدَةٌ يَوْمَ اليَرْمُوكِ، قَالَ عُرْوَةُ: وَقَالَ لِي عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَرْوَانَ حِينَ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ: يَا عُرْوَةُ، هَلْ تَعْرِفُ سَيْفَ
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (١٩٠١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٩٨).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٩٥).
(٣) العَاتِقُ: ما بين المنكب والعنق. انظر لسان العرب (٩/ ٣٨).
[ ٢ / ٤١٥ ]
الزُّبَيْرِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِيهِ؟ قُلْتُ: فِيهِ فَلَّةٌ (١) فُلَّهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ: صَدَقْتَ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ (٢).
* بُطُولَةُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-:
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قِيلَ لِسَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-: مَتَى أُجِبْتَ الدَّعْوَةَ؟ قَالَ: يَوْمَ بَدْرٍ، كُنْتُ أَرْمِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَضَعُ السَّهْمَ فِي كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ زَلْزِلْ أقْدَامَهُمْ، وَأَرْعِبْ قُلُوبَهُمْ، وَافْعَلْ بِهِمْ وَافْعَلْ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ" (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَعْدًا يُقَاتِلُ يَوْمَ بَدْر قِتَالَ الفَارِسِ وَالرَّاجِلِ (٤).
_________________
(١) فَلّه: بفتح الفاء: أي كسرت قطعة من حده. انظر النهاية (٣/ ٣٢٤).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٠): هذا شطر من بيت مشهور من قصيدة مشهورةٍ للنابِغَة الذُّبْيَانِي يقول فيها: ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أن سُيُوفَهُم بِهِنَّ فُلُولٌ من قِرَاع الكَتَائِبِ وهو من المدح في معرض الذَمِّ؛ لأن الفَلَّ في السيف نَقْص حِسِّيٌّ، لكنه لما كان دليلًا على قُوَّةِ ساعد صاحبه كان من جملة كماله. والخبرُ أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبي جهل - رقم الحديث (٣٩٧٣).
(٣) أورده الهيثمي في المجتمع (٩/ ١٥٣) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٤) الرَّاجلُ: أي الماشي. انظر النهاية (٢/ ١٨٨). والخبر أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٣١٩).
[ ٢ / ٤١٦ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ، وَقَتَلْتُ سَعِيدَ بنَ العَاصِ (١) وَأَخَذْتُ سَيْفَهُ (٢).
* بُطُولَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ الجَرَّاحِ -﵁-:
أَخْرَجَ الحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَوْذَبَ، قَالَ: جَعَلَ أَبُو أَبِي عُبَيْدَةُ بنُ الجَرَّاحِ يَتَصَدَّى لِأَبِي عُبَيْدَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ (٣) عَنْهُ، فَلَمَّا أكْثَرَ الجَرَّاحُ قَصَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقتَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ، حِينَ قتلَ أبَاهُ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (٤) وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ
_________________
(١) كذا في هذا الخبر سعيد بن العاص، وهو وَهْم، والصحيح العاص بن سعيد، قال الشيخ محمود شاكر مُصَوّبًا في طبعته من تفسير الطبري (١٣/ ٣٧٤): فالذي جاء في الخبر هنا سَعِيد بن العاص، وَهْم، فإن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي مُتَأخر، قُبِض رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وله تسع سنين، وهو لم يُشرك قَطّ، وقُتل أبُوه العاص بن سعيد يوم بدر كافرًا، ويكون الصواب كما قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٦٠٣) في ترجمة عمير بن أبي وقاص: العاص بن سعيد بن العاص، ويكون الاختلاف إذن في الذي قتله: أهو علي بن أبي طالب -﵁- كما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٣٢٨)، أم سعد بن أبي وقاص -﵁- كما في المسند، فاللَّه أعلم.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٦).
(٣) حَايَدَه: أي جانبه. انظر لسان العرب (٣/ ٤١٢).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٨/ ٥٤): أي: من اتصف بأنه لا يواد من حاد اللَّه =
[ ٢ / ٤١٧ ]
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
وَلهَذَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، حِينَ جَعَلَ الأَمْرَ شُورَى بَعْدَهُ فِي أُولَئِكَ السِّتَّةِ (٢) قَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَيًّا لَاسْتَخْلَفْتُهُ (٣).
* بُطُولَةُ حَمْزَةَ بنِ عَبْد المُطَّلِبِ -﵁-:
رَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَأنا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ عَلِيٍّ آخُذُ بِأَيْدِيهِمَا: يَا عَبْدَ الإِلَهِ مَنِ الرَّجُلُ مِنْكُمُ المُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟، قُلْتُ: ذَاكَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: ذَاكَ الذِي فَعَلَ بِنَا الأَفَاعِيلَ (٤).
_________________
(١) = ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب اللَّه في قلبه الإيمان، أي: كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته.
(٢) سورة المجادلة آية (٢٢) - والخبر أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب حلية أبي عبيدة بن الجراح - رقم الحديث (٥٢٠١) - وأخرجه الطبراني كما قال الحافظ في الإصابة (٣/ ٤٧٦) - وجوَّد إسناده.
(٣) الستة الذين جَعَل عمر -﵁- الأمر إليهم لما طُعِنَ هم: عثمان بن عفان، عليّ بن أبي طالب، عبد الرحمن بن عوف، طلحة بن عبيد اللَّه، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص ﵃ أجمعين.
(٤) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب أبو عبيدة أمين هذه الأمة - رقم الحديث (٥٢١٤).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجهاد - باب شأن نزول آية السكينة - رقم الحديث (٢٥٩٤) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٤٣) بدون سند.
[ ٢ / ٤١٨ ]
* مُبَاشَرَةُ المَلَائِكَةِ فِي قَتْلِ وَأَسْرِ الكُفَّارِ:
أَمَّا المَلَائِكَةُ فَقَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ المَعْرَكَةِ، وَشَدُّوا عَلَى المُشْرِكِينَ، وَشَارَكُوا الصَّحَابَةَ ﵃ فِي قتلِ وَأَسْرِ المُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَاشِرِ المَلَائِكَةُ القِتَالَ فِي أَيِّ غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَّا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، أَمَّا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَقَدْ نَزَلَتْ لِحِمَايَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فنَزَلَتْ لِإِرْهَابِ الكُفَّارِ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُوُنونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (١).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتُ الفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فنَظَرَ إِلَى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ (٢) أنْفَهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ -أَي اخْضَرَّ لَوْنُهُ-، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ" (٣).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٥).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٧٤): الخَطمُ: الأثَرُ على الأنف.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة يوم بدر - رقم الحديث (١٧٦٣) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب غزوة بدر - رقم الحديث (٤٧٩٣).
[ ٢ / ٤١٩ ]
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إِلَى رَأْسِ المُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ المَازِنيِّ -﵁وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا- قَالَ: إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ، إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قتَلَهُ غَيْرِي (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: . . . فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (٣) قَصِيرٌ بِالعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسِيرًا، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أسَرَنِي، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ (٤) مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ (٥)، مَا أَرَاهُ فِي القَوْمِ، فَقَالَ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مناقب سهل بن حنيف - رقم الحديث (٥٧٩٠) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٧٧٨) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٤٥).
(٣) هو أبو اليَسَر بفتح الياء والسين، واسمه كعب بن عمرو الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا وأسر العباس، وهو آخر من مات بالمدينة من أهل بدر، توفي -﵁- سنة (٥٥ هـ). انظر الإصابة (٧/ ٣٨٠).
(٤) الأجْلَحُ من الناس: الذي انحَسَر الشعر عن جانِبَي رأسه. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٥) الأبْلَقُ: هو ارتفاع التَّحْجِيلِ إلى الفخذين، والتحْجِيل هو: بياضٌ يكون في يَدَي الفرس ورجليه. أي أن البياض بلغ بالفرس إلى الفخذين. انظر لسان العرب (١/ ٤٨٦) (٣/ ٦٥).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
الأَنْصَارِيُّ: أَنا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَلَكٍ كَرِيمٍ" (١).
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الذِي أَسَرَ العَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبِ أَبُو اليَسَرِ بنُ عَمْرٍو، وَهُوَ كَعْبُ بنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَيْفَ أَسرْتَهُ يَا أبَا اليَسَرِ؟ " قَالَ: لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ وَلَا قَبْلُ، هَيْئتهُ كَذَا، هَيْئتهُ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ" (٢).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ عَلَى الزُّبَيْرِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا (٣) بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ، فنَزَلَتِ المَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، عَلَى سِيمَا الزُّبَيْرِ (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: "مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ" -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- قَالَ:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٣١٠).
(٣) الاعتِجَارُ بالعمامة: هو أن يَلُفَّها على رأسه ويَرُدّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيء تحت ذقنِهِ. انظر النهاية (٣/ ١٦٨).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب أول غزوة في الإسلام بدر - رقم الحديث (٥٦٠٨) - وابن سعد في طبقاته (٣/ ٥٥).
[ ٢ / ٤٢١ ]
وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ (١)
* نُكُوصُ (٢) إِبْلِيسَ:
وَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ مَا تَفْعَلُ المَلَائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ فَرَّ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ -وَكَانَ قَدْ جَاءَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا- فتَشَبَّثَ بِهِ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ، وَهُوَ يَظُنُّهُ سُرَاقَةُ، فَقَالَ إِلَى أَيْنَ يَا سُرَاقَةُ؟ أَلمْ تَزْعُمْ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ لَا تُفَارِقُنَا، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ، ثمَّ دَفَعَ الحَارِثَ فَأَلْقَاهُ، وَخَرَجَ هَارِبًا حَتَّى أَلْقَى نَفْسَهُ فِي البَحْرِ (٣).
وَفِي هَذَا المَوْقِفِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤).
أَخْرَجَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ بِسَنَد مُرْسَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرَ، وَلَا أَدْحَرَ (٥)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب شهود الملائكة بدرًا - رقم الحديث (٣٩٩٢).
(٢) النُّكُوصُ: الرُّجوع إلى الوراء، وهو القَهْقَرى. انظر النهاية (٥/ ١٠١).
(٣) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٧٩) - سيرة ابن هشام (٢/ ٢٧٤).
(٤) سورة الأنفال آية (٤٨).
(٥) الدَّحْرُ: الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال. انظر النهاية (٢/ ٩٧).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وَلَا أَحْقَرَ، وَلَا أَغْيَظَ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ"، قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَد رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ (١) المَلَائِكَةَ" (٢).
* الهَزِيمَةُ السَّاحِقَةُ:
وَحِينَئِذٍ أَصْدَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- أَوَامِرَهُ الأَخِيرَةَ بِالهُجُومِ الكَاسِحِ فَقَالَ: "شُدُّوا" (٣)، فَبَدَأَ الصَّحَابَةُ بِالهُجُومِ فَجَعَلُوا يَقْلِبُونَ الصُّفُوفَ، وَيُقَطِّعُونَ الأَعْنَاقَ، وَزَادَهُمْ نَشَاطًا وَحِدَّةً لِمَا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَثِتُ فِي الدِّرْعِ، وَيَقُولُ فِي جَزْمٍ وَصَرَاحَةٍ: "سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" (٤)، فَقَاتَلَ المُسْلِمُونَ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَأَعَانَتْهُمُ المَلَائِكَةُ.
وَبَدَأَتْ أَمَارَاتُ (٥) الفَشَلِ وَالِاضْطِرَابِ فِي صُفُوفِ المُشْرِكِينَ، وَجَعَلَتْ
_________________
(١) الوازع: الذي يتقدَّم الصف فيصلحه ويُقدّم ويُؤخِّر. انظر جامع الأصول (٩/ ٢٦٤).
(٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ - في الحج - باب جامع الحج - رقم الحديث (٢٤٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٨٦٦).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٠).
(٤) سورة القمر آية (٤٥) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ - رقم الحديث (٣٩٥٣) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ - رقم الحديث (٤٨٧٥).
(٥) الأمَارَة: العلامة. انظر لسان العرب (١/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٤٢٣ ]
تَتَهَدَّمُ أَمَامَ حَمَلَاتِ المُسْلِمِينَ العَنِيفَةِ، وَاقْترَبَتِ المَعْرَكَةُ مِنْ نِهَايَتَهَا، وَأَخَذَتْ جُمُوعُ المُشْرِكِينَ فِي الفِرَارِ وَالِانْسِحَابِ، وَرَكِبَ المُسْلِمُونَ ظُهَورَهُمْ (١) يَأْسِرُونَ وَيَقْتُلُونَ حَتَّى تَمَّتْ عَلَيْهِمُ الهَزِيمَةُ (٢).
* نَهْيُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَنْ قَتْلِ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ:
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَئِذٍ عَنْ قَتْلٍ عَدَدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ فَقَالَ -ﷺ-: "إنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كُرْهًا، لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا البَخْتَرِيِّ بنَ هِشَامٍ (٣) فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ العَبَّاسَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا" (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ: "مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَأْسِرُوا مِنْ بَنِي
_________________
(١) الظَهرُ: هي الإبل التي يُحمل عليها وتُركب. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
(٢) انظر الرحيق المختوم ص ١٢٩.
(٣) قال ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٤١): وإنما نهى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عن قتل أبي البَخْتَري؛ لأنه كان أكفَّ القوم عن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقضِ الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب دعاء أبي حذيفة بالشهادة - رقم الحديث (٥٠٤٢) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٤٠) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٤٠) وإسناده حسن.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا كرْهًا" (١).
* مَوقِفُ أَبِي حُذَيْفَةَ بنِ عُتْبَةَ -﵁-:
وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالكَفِّ عَنْ هَؤُلَاءَ، قَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ -﵁-: أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وعَشِيرَتَنَا وَنَتْرُكُ العَبَّاسَ! وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأُلْحِمَنَّهُ (٢) السَّيْفَ، فَبَلَغَتْ مَقَالتهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: "يَا أبا حَفْصٍ أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالسَّيْفِ؟ " قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّانِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأبِي حَفْصٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنقهُ بِالسَّيْفِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ نَافَقَ.
فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ -﵁- يَقُولُ: مَا أنا بِآمِنٍ مِنْ تِلْكَ الكَلِمَةِ التِي قُلْتُ يَوْمَئِذٍ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا، إِلَّا أَنْ تُكَفِّرَهَا عَنِّيَ الشَّهَادَةُ، فَقُتِلَ -﵁- يَوْمَ اليَمَامَةِ شَهِيدًا، وَهُوَ ابنُ لسِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- (٣).
* مَقْتَلُ أَبِي البَخْتَرِيِّ بنِ هِشَامٍ:
وَلَمْ يُقْتَلْ أَحَدٌ مِنَ النَّفَرِ الذِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قَتْلِهِمْ، إِلَّا أَبَا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٧٦).
(٢) لُحِمَ: أي قُتِلَ. انظر النهاية (٤/ ٢٠٦).
(٣) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب دعاء أبي حذيفة بالشهادة - رقم الحديث (٥٠٤٢) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٤٠) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٤٠) وإسناده حسن.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
البَخْتَرِيِّ، وَاسْمُهُ العَاصُ بنُ هِشَامِ بنِ الحَارِثِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: أَنَّ المُجَذَّرَ بْنَ ذِيَادٍ البَلَوِيَّ لَقِيَ أبَا البَخْتَرِيِّ فِي المَعْرَكَةِ، وَمَعَهُ زَمِيلٌ لَهُ فَخَرَجَ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: جُنَادَةُ بنُ مُلَيْحَةَ اللَّيْثيُّ، فَقَالَ المُجَذَّرُ لِأَبِي البَخْتَرِيِّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ نَهَانَا عَنْ قتلِكَ، فَقَالَ: وَزَمِيلِي؟ قَالَ المُجَذَّرُ: لَا وَاللَّهِ، مَا نَحْنُ بِتَارِكِي زَمِيلِكَ، مَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا بِكَ وَحْدَكَ.
فَقَالَ أَبُو البَخْتَرِيِّ: لَا وَاللَّهِ، لَأَمُوتَنَّ أَنَا وَهُوَ جَمِيعًا، لَا تَتَحَدِّثُ عَنِّي نِسَاءُ مَكَّةَ أَنِّي تَرَكْتُ زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الحَيَاةِ، فَاقْتَتَلَا، فَقتَلَهُ المُجَذَّرُ بنُ ذِيَادٍ، ثُمَّ إن المُجَذَّرَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ جَهِدْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْسِرَ فَآتِيَكَ بِهِ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَنِي، فَقَاتَلْتُهُ، فَقتَلْتُهُ (١).
* مَصْرَعُ الطُّغَاةِ:
* مَقْتَلُ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ لعنَهُ اللَّهُ:
وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ مَنْ عَانَدَ الرَّسُولَ -ﷺ-، وَهُوَ الذِي كَانَ يُعَذِّبُ بِلَالًا -﵁- فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَقِصَّةُ قتلِهِ أخْرَجَهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ إسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁-، وَسَأَذْكُرُ رِوَايَةَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ لِأَنَّ فِيهَا تَفْصِيلًا أَكْثَرَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁-: كَانَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ لِي صَدِيقًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ اسْمِي عَبْدُ عَمْرٍو، فَتَسَمَّيْتُ حِينَ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤١) - البداية والنهاية (٣/ ٣٠٢).
[ ٢ / ٤٢٦ ]
أَسْلَمْتُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذْ نَحْنُ بِمَكَّةَ، يَقُولُ: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، أَرَغِبْتَ عَنِ اسْمٍ سَمَّاكَهُ أَبَوَاكَ؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَاجْعَلْ بَيْني وَبَيْنَكَ شَيْئًا أَدْعُوكَ بِهِ، أَمَّا أَنْتَ فَلَا تُجِيبُنِي بِاسْمِكَ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا أَنا فَلَا أَدْعُوكَ بِمَا لَا أَعْرِفُ، فَقُلْتُ له: يَا أَبَا عَلِيٍّ، اجْعَلْ مَا شِئْتَ، قَالَ: فَأَنْتَ عَبْدُ الْإِلَهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فكُنْتُ إِذَا مَرَرْتُ بِهِ، قَالَ: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ فَأُجِيبُهُ، فَأتَحَدَّثُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ مَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ ابْنِهِ عَلِيِّ بنِ أُمَيَّةَ، آخِذٌ بِيَدِهِ، وَمَعِي أدْرَاعٌ، قَدِ اسْتَلَبْتُهَا، فَأَنَا أحْمِلُهَا، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو! فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الإِلَهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ لَكَ فِيَّ؟ فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الأَدْرَاعِ التِي مَعَكَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَطَرَحْتُ الأَدْرَاعَ مِنْ يَدِي، وَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ خَرَجْتُ أَمْشِي بِهِمَا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَقُودُهُمَا إِذْ رَآه بِلَالٌ مَعِي -وَكَانَ أُمَيَّةُ يُعَذِّبُ بِلَالًا بِمَكَّةَ عَلَى تَرْكِ الإِسْلَامِ- فَقَالَ بِلَالٌ: رَأْسُ الكُفْرِ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، فَقُلْتُ: أَيْ بِلَالُ! أَبَأَسِيرِي، قَالَ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، ثُمَّ صَرَخَ بِلَالٌ فِي الأَنْصَارِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ، فَقتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يتبَعُونَا -وَكَانَ أُمَيَّةُ رَجُلًا ثَقِيلًا (١) - فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ، فبرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ، فتَجَلَّلُوهُ (٢) بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى
_________________
(١) رجلًا ثقيلًا: أي ضخم الجثة. انظر فتح الباري (٥/ ٢٤٨).
(٢) فتَجَلّلوه بالسيوف: أي علوه بالسيوف. انظر لسان العرب (٢/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ (١).
* مَقْتَلُ عُبَيْدَةَ بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ:
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ -﵁- قَالَ: لَقِيتُ يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةَ بنَ سَعِيدِ بنِ العَاصِ، وَهُوَ مُدَجَّجٌ (٢) لَا يُرَى منهُ إِلَّا عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُكْنَى: أبَا ذَاتِ الكِرْشِ، فَقَالَ: أنا أَبُو ذَاتِ الكِرْشِ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالعَنَزَةِ (٣)، فَطَعَنْتُهُ فِي عَيْنَيْهِ فَمَاتَ، قَالَ هِشَام: فَأُخْبِرْتُ أَنَّ الزُّبَيْرَ قَالَ: لَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي عَلَيْهِ، ثُمَّ تَمَطَّأْتُ (٤)، فَكَانَ الجَهْدُ أَنْ نَزَعْتُهَا وَقَدْ انْثَنَى طَرَفَاهَا، قَالَ عُرْوَةُ: فَسَأَلَهُ إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أخَذَهَا، ثُمَّ طَلَبَهَا أَبُو بَكْرٍ -﵁- فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- سَأَلَهَا إِيَّاهُ عُمَرُ -﵁- فَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا قُبِص عُمَرُ -﵁- أَخَدهَا، ثُمَّ طَلَبَهَا عُثْمَانُ -﵁- مِنْهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ -﵁-، وَقَعَتْ عِنْدَ آل عَلِيٍّ، فَطَلَبَهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ (٥).
_________________
(١) أخرج قصة مقتل أمية بن خلف البخاري في صحيحه - كتاب الوكالة - باب إذا وكّل المسلم حربيا في دار الحرب - رقم الحديث (٢٣٠١) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٤٢).
(٢) مُدَجَّج: أي عليه سلاحٌ تَامٌّ، سُمي به، لأنه يَدِجُّ: أي يمشي رُوَيدًا لثقله، وقيل: لأنه يتغطى به، من دَجَّجَت السماء: إذا تَغَيَّمَت. انظر النهاية (٢/ ٩٦).
(٣) العَنَزَةُ: هي عَصا قَدْرَ نصف الرُّمح أو أكبر شيئًا، فيها سِنَان مثل سنان الرمح. انظر النهاية (٣/ ٢٧٨).
(٤) تَمَطَّأت: أي تَمَدَّد، أراد أنه سحبها بقوة حتى تمدد. انظر النهاية (٤/ ٢٨٩).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (١٢) - رقم الحديث (٣٩٩٨).
[ ٢ / ٤٢٨ ]
* مَقْتَلُ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ:
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁- قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فنَظَرْتُ عَنْ يَمِيني وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا (١)، فَغَمَزَنِي (٢) أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمُّ! هَلْ تَعْرِفُ أَبا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ (٣) حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا (٤)، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ -﵁-: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ.
قَالَ: فَغَمَزَنِيَ الآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ (٥) أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الذِي تَسْأَلَانِي عَنْهُ، فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، حَتَّى قَتَلَاهُ (٦)، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَاهُ.
_________________
(١) أي بين رجلين أقوى من الرجلين اللذين كنت بينهما وأشَدّ. انظر النهاية (٣/ ٨٩).
(٢) الغَمْزُ: الإشارة بالعَيْن أو الحاجب أو اليد. انظر النهاية (٣/ ٣٤٦).
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٥٥): سَوَادِي سَوَاده: أي شخصي شخصه.
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٥٥): أي لا أفارقه حتى يموت أحدُنَا وهو الأقرب أجلًا.
(٥) فلم أنْشَبْ: أي فلم ألبث. انظر النهاية (٥/ ٤٥).
(٦) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - قال عبد الرحمن بن عوف -﵁-: فشَدَّا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه. قال الحافظ في الفتح (٨/ ٤٠): والصقر هو من سِبَاع الطير، وأحد الجوارح الأربعة =
[ ٢ / ٤٢٩ ]
فَقَالَ -ﷺ-: "أيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ ".
فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ.
فَقَالَ -ﷺ-: "هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ ".
قَالَا: لَا.
فنَظَرَ -ﷺ- فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: "كِلَاكُمَا قتَلَهُ" (١).
وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، وَكَانَ الفَتَيَانِ مُعَاذُ بنُ عَفْرَاءَ (٢)، وَمُعَاذُ بنُ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ (٣).
_________________
(١) = وهي: الصقر، والبازي، والشاهين، والعقاب، وشبههما به لما اشتهر عنه من الشجاعة والشهامة والإقدام على الصيد، ولأنه إذا تشَبَّث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٥): وإطلاقُ كونهما قَتَلَاه يخالفُ في الظاهر حديث ابن مسعود -﵁- أنه وجده وبه رَمَق، وهو محمولٌ على أنهما بلغا به بضربهما إياه بسيفيهما منزلة المقتول حتى لم يبقَ به إلا مثل حركة المذبوح، وفي تلك الحال لقيه ابن مسعود فضرب عنقه. واللَّه أعلم.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٥): وقع في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٩٦٢) - ومسند الإمام أحمد - رقم الحديث (١٢١٤٣) - عن أنس بن مالك قال: . . . فوجده ابن مسعود قد ضربه ابنا عفراء. وفي رواية ابن إسحاق (٢/ ٢٤٦): أن ابن عفراء هو معوذ، والذي في الصحيح أنه معاذ بن عفراء، وهما أخوان، فيحتمل أن يكون معاذ بن عفراء شَدّ عليه مع معاذ بن عمرو بن الجَمُوح كما في الصحيح، وضربه بعد ذلك معوذ بن عفراء حتى أثبته، ثم حَزَّ رأسه ابن مسعود، فتجمع الأقوال كلها.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب من لم يخمس الأسلاب - رقم الحديث (٣١٤١) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب (١٠) - رقم الحديث (٣٩٨٨) =
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وَرَوَى ابنُ إسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُعَاذِ بنِ الجَمُوحَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ القَوْمَ، وَأَبُو جَهْلٍ فِي مِثْلِ الحَرَجَةِ (١)، وَهُمْ يَقُولُونَ: أَبُو الحَكَمِ لَا يُخْلَصُ (٢) إِلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا جَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي، فَصَمَدْتُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَطَنَتْ (٣) قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ. . .، قَالَ: وَضَرَبَنِي عِكْرِمَةُ ابْنُهُ عَلَى عَاتِقِي، فَطَرَحَ يَدِي، فتَعَلَّقْتُ بِجِلْدَةٍ مِنْ جَنْبِي، وَأَجْهَضَنِيَ (٤) القِتَالُ عَنْهُ، فَلَقَدْ قَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي، وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عَلَيْهَا قَدَمِي، ثُمَّ تَمَطَّيْتُ (٥) بِهَا عَلَيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا (٦)، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ عَقِيرٌ (٧)، مُعَوِّذُ بنُ عَفْرَاءَ، فَضَرَبَهُ حَتَّى أثبتَهُ، فترَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ (٨)، وَقَاتَلَ مُعَوِّذٌ -﵁- حَتَّى قُتِلَ (٩).
_________________
(١) = وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب استحقاق القاتل سلب القتيل - رقم الحديث (١٧٥٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٧٣).
(٢) الحَرَجَة: مجتمعُ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ، شَبَّه شِدّة حراسة المشركين لأبي جهل به. انظر النهاية (١/ ٣٤٨).
(٣) لا يُخْلَص إليه: أي لا يصل إليه. انظر النهاية (٢/ ٥٩).
(٤) أطَنَ قدمه: قَطَعها. انظر لسان العرب (٨/ ٢٠٨).
(٥) أجهَضَنِي: أي منعني. انظر النهاية (١/ ٣١٠).
(٦) يَتَمَطَّطُ: أي يتمدد. انظر النهاية (٤/ ٢٨٩).
(٧) قال الإمام الذهبي في السير (١/ ٢٥١): هذه واللَّه الشجاعة، لا كآخر مِنْ خَدْشٍ بسهم ينقطع قلبه، وتخور قواه.
(٨) عَقِير: مقطوع الساق. انظر لسان العرب (٩/ ٣١٣).
(٩) وبه رَمَق: أي بقية الروح وآخر النفس. انظر النهاية (٢/ ٢٤٠).
(١٠) أخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٤٣١ ]
* عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ -﵁- يُجْهِزُ عَلَى أَبِي جَهْلٍ:
وَلَمَّا انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أبو جَهْلٍ؟ " (١).
فتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي طَلَبِهِ، فَوَجَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ -﵁- بِآخِرِ رَمَقٍ فَعَرَفَهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ -﵁-: حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى. . . وَجَدْتُهُ بِآخِرِ رَمَقٍ فَعَرَفْتُهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنقهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ ضَبَثَ بِي مَرَّةً بِمَكَّةَ -يَعْنِي قَتضَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ- فَآذَانِي وَلَكَزَنِي (٢)، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟
قَالَ: وَبِمَاذَا أَخْزَانِي! أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنِ الدَّائِرَةُ (٣) اليَوْمَ؟ قُلْتُ: للَّهِ وَلِرَسُولهِ. . . قَالَ: لقدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِيَّ الْغَنَمِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-: ثُمَّ احْتَزَزْتُ (٤) رَأْسَهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبي جهل - رقم الحديث (٣٩٦١) - (٣٩٦٢) - (٣٩٦٣) - وباب (١٢) - رقم الحديث (٤٠٢٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب قتل أبي جهل - رقم الحديث (١٨٠٠).
(٢) اللكزُ: الدَّفع في الصدر بالكف. انظر النهاية (٤/ ٢٣٠).
(٣) لمن الدائرة: أي الدولة والظَّفَر والنُّصرة. انظر النهاية (٢/ ٩٣).
(٤) الحَزُّ: القطع. انظر النهاية (١/ ٣٦٣).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
"آللَّهُ الذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، وَاللَّهِ الذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، فَحَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اللَّهَ تَعَالَى (١).
وَرَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى يَوْمَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ رَكْعَتَيْنِ (٢).
* قَتْلَى الفَرِيقَيْنِ:
وَهَكَذَا انْتَهَتْ هَذِهِ المَعْرَكَةُ العَظِيمَةُ بِهَزِيمَةٍ سَاحِقَةٍ لِلْكُفَّارِ، وَبِفَتْحٍ مُبِينٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ.
أَمَّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ لَحِقَتْهُمْ خَسَائِرُ فَادِحَةٌ، قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ، وَعَامَّتُهُمْ مِنَ القَادَةِ وَالزُّعَمَاءِ (٣).
أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَقتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٤٦) وإسناده حسن.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء في الصلاة والسجدة عن الشكر - رقم الحديث (١٣٩١).
(٣) انظر الرحيق المختوم (٢٢٤).
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر - رقم الحديث (١٧٦٣).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: . . . وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَصْحَابهُ أَصَابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَسَبْعِينَ قَتِيلًا (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: هَذَا هُوَ الحَقُّ فِي عَدَدِ القَتْلَى، وَأَطْبَقَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى أَنَّهُمْ خَمْسُونَ قَتِيلًا يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، سَرَدَهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ (٢) فَبَلَغُوا خَمْسِينَ، وَزَادَ الوَاقِدِيُّ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً، وَأَطْلَقَ كَثِير مِنْ أَهْلِ المَغَازِي أَنَّهُمْ بِضْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ أسْمَاءِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ أَنْ يَكُونُوا جَمِيعَ مَنْ قُتِلَ، وَقَوْلُ البَرَاءِ: إِنَّ عِدَّتَهُمْ سَبْعُونَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابنُ عَبَّاسٍ وَآخَرُونَ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ (٣)، وَاتفقَ أَهْلُ العلْمِ بِالتَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ المُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ أَهْلُ أُحُدٍ، وَأَنَّ المُرَادَ بِأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَعَلَى أَنَّ عِدَّةَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ سَبْعُونَ نَفْسًا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابنُ هِشَامٍ، وَاسْتَدَلَّ له بِقَوْلِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -﵁-:
فَأَقَامَ بِالطَّعْنِ المُطَعَّنِ مِنْهُمُ سَبْعُونَ عُتْبَة مِنْهُمْ وَالأَسْوَدُ
يَعْنِي عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ بنَ عَبْدِ شَمْسٍ، وَالأَسْوَدَ بنَ عَبْدِ الأَسَدِ بنَ هِلَالٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (١٠) - رقم الحديث (٣٩٨٦).
(٢) في السيرة (٢/ ٣٢١).
(٣) سورة آل عمران آية (١٦٥).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
المَخْزُومِيَّ قَتَلَهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-.
ثُمَّ سَرَدَ ابنُ هِشَامٍ أسْمَاءً أُخْرَى مِمَّنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ غَيْرَ مَنْ ذَكَرَهُ ابنُ إِسْحَاقَ فزَادُوا عَلَى السِّتِّينَ فَقَوِيَ مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
* طَرْحُ المُشْرِكِينَ فِي القَلِيبِ:
وَلَمَّا انتهَتِ المَعْرَكَةُ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ (٢) فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ (٣) مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخَبَّثٍ (٤).
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي القَلِيبِ، فَطُرِحُوا فِيهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، فَإِنَّهُ انتفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا، فَذَهَبُوا لِيُحَرِّكُوهُ، فتَزَايَلَ (٥)، فَأَقَرُّوهُ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٣٩).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٢): كأن الذين طُرحوا في القليب كانوا الرؤساء منهم، ثم من فريش، وطرح باقي القتلى في أمكنة أخرى.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٢): الطَوَيّ: هِي البئر التي طُوِيت وبُنِيت بالحجارة لتَثْبُتَ ولا تَنْهَار.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبي جهل - رقم الحديث (٣٩٧٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفة نعيمها - رقم الحديث (٢٨٧٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٣٥٩).
(٥) تَزَايَلَ: تَفَرَّق. انظر لسان العرب (٦/ ١٢٨).
[ ٢ / ٤٣٥ ]
وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مَا غَيَّبَهُ مِنَ التُّرَابِ وَالحِجَارَةِ (١).
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ -﵁-: . . . فَلَمَّا جَرُّوهُ -أَيْ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ- تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ (٢).
قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِإِلْقَائِهِمْ فِي البِئْرِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِرِيحِهِمْ، وَإِلَّا فَالحَرْبِيُّ لَا يَجِبُ دَفْنُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ البِئْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ معِينٌ (٣).
* مَوْقِفُ أَبِي حُذَيْفَةَ بنِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ -﵁-:
وَلَمَّا أُلْقِيَ الكُفَّارُ فِي القَلِيبِ، وَبَعْدَ أَنْ غُيِّبَ (٤) عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ وَالِدُ أَبِي حُذَيْفَةَ -﵁- بِالتُّرَابِ وَالحِجَارَةِ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَإِذَا هُوَ كَئِيبٌ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ -ﷺ-: "يَا أبا حُذَيْفَةَ! لَعَلَّكَ قَدْ دَخَلَكَ مِنْ شَأْنِ أَبِيكَ شَيْءٌ؟ " فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي اللَّهِ، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ مِنْ أَبِي رَأْيًا وَحِلْمًا (٥)
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٦١).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه عن ابن مسعود -﵁- كتاب الجزية والموادعة - باب طرح جيف المشركين في البئر - رقم الحديث (٣١٨٥).
(٣) الماء المَعِينُ: هو الماء الجاري. انظر تفسير ابن كثير (٨/ ١٨٣) - لسان العرب (١٣/ ١٤٧) - فتح الباري (١/ ٤٦٨).
(٤) غُيِّبَ: أي دُفِنَ في قبره. انظر لسان العرب (١٠/ ١٥١).
(٥) الحِلْمُ بكسر الحاء: الأنَاةُ والعَقْلُ. انظر لسان العرب (٣/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وَفَضْلًا (١)، فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ ذَلِكَ إِلَى الإِسْلَام، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا أصَابَهُ، وَذَكَرْتُ مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، بَعْدَ الذِي كُنْتُ أرْجُو لَهُ، أحْزَنَنِي ذَلِكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي حُذَيْفَةَ -﵁- بِخَيْرٍ (٢).
* الرَّسُولُ -ﷺ- يُنَادِي صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ فِي القَلِيبِ:
جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثَ لَيَالٍ (٣) فِي بَدْرٍ بَعْدَ انْتِهَاءَ الْمَعْرَكَةِ، فَلَمَّا كَانَ
_________________
(١) يَتَجلى حِلْمُ وعَقْلُ عُتبة بن ربيعة في أنه حاول إقناعَ قريش على عدم خَوْض المعركة مع المسلمين ونُصْحه الشديد لهم، لكن دُون جدوى، وهو الذي قال فيه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- كما تقدم: "إن يكن في القوم أحدٌ يأمرُ بخير، فعسى أن يكون صاحبَ الجمل الأحمر"، وكان عُتبة بن ربيعة، وهو الذي حاور رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في مكة، فقرأ عليه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- سورة فصلت، فعاد لقريش ينصحهم باتباع الرسول -ﷺ- أو بتركه ودعوته، فإن ظهر على العرب فهو من عزّ فريش -وقد تقدم ذكر ذلك في الفترة المكية، فراجعه-.
(٢) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة -﵁- رقم الحديث (٧٠٨٨) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب كلام النبي -ﷺ- مع أموات المشركين - رقم الحديث (٥٠٤٥) وإسناده جيد - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٣٥٢) بدون سند.
(٣) كان هذا من عادة الرسول -ﷺ- أن يُقيم في أرض المعركة بعد انتهائها ثلاث ليالٍ، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٠٦٥) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤٧٧٦) عن أبي طلحة -﵁- قال: كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إذا غلب قَومًا أحبَّ أن يُقِيم بعَرْصَتِهم ثلاثًا، وفي رواية البخاري قال: ثلاث ليال. قال الحافظ في الفتح (٦/ ٢٩٧): العَرْصَة: بفتح العين والصاد وسكون الراء: هي البُقْعة الواسعة بغير بِنَاء من دار وغيرها. وقال المُهَلَّب فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٦/ ٢٩٧): حكمة الإقامة لإراحة الظهر -وهي الإبل- والأنفُس، ولا يخفى أن محله إذا كان في أمن من عدو وطارِقٍ. =
[ ٢ / ٤٣٧ ]
بِبَدْرٍ اليَوْمُ الثَّالِثُ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ، فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَتَبِعَهُ أصْحَابَهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَاهُ يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرِّكيِّ (١)، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِم: "يَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ، وَفُلَانَ بنَ فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ ".
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ".
قَالَ قتادَةُ: أحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أسْمَعَهُمْ قَوْله، تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا، وَنَقِيمَةً وحَسْرَةً ونَدَمًا (٢).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: "يَا أبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، يَا عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ (٣)، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإنِّي
_________________
(١) = وقال ابن الجوزي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٦/ ٢٩٧): إنما كان يُقِيم ليظهر تأثير الغلبة فكأنه يقول: من كانتْ فيه قوة منكم فليرجعْ إلينا.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٢): شَفَةُ الرَّكيِّ: أي طرف البئر.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبي جهل - رقم الحديث (٣٩٧٦) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه - رقم الحديث (٢٨٧٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٣٥٩).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٣): وفي بعض مَن ذُكِرَ نَظَرٌ، لأن أمية بن خلف لم يكن =
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تنادِي قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا! قَالَ: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا" (١).
* خَطَأٌ فِي الرِّوَايَةِ:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢) أَنَّ مِنْ بَيْنِ الَّذِينَ نَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْوَليدَ بنَ عُقْبَةَ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ الوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: الْوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ بِالْقَافِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ غَلَطٌ، وَصَوَابُهُ الْوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ بِالتَّاءِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي شَيْبَةَ بَعْدَ هَذَا (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (٤) قَالَ: هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ. قَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ: وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- نِعْمَةُ اللَّهِ، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ
_________________
(١) = في القليب؛ لأنه كان ضَخْمًا فانتَفَخ، فلما سَحَبُوه تقطع، فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه، لكن يُجمع بينهما بأنه كان قريبًا من القليب فنُودِي فيمن نودي.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه - رقم الحديث (٢٨٧٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٢٠).
(٣) صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسِّير - باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين - رقم الحديث (١٧٩٤).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١٢٩).
(٥) سورة إبراهيم آية (٢٨).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الْبَوَارِ﴾ (١) قَالَ: النَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ (٢).
وَبَعْدَ انْتِهَاءِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ، وَأَخْذِ الأَسْرَى، قِيلَ لِلرَّسُولِ -ﷺ-: عَلَيْكَ بِالعِيرِ، لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ، فنَادَاهُ العَبَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لَهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "ولِمَ؟ " قَالَ العَبَّاسُ: لِأَنَّ اللَّهَ ﷿ إِنَّمَا وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ أَعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "صَدَقْتَ" (٣).
* مَكَّةُ تَتَلَقَّى أنْبَاءَ الهَزِيمَةِ ومَوْتُ أَبِي لَهَبٍ:
فَرَّ المُشْرِكُونَ مِنْ سَاحَةِ بَدْرٍ فِي صُورَةٍ غَيْرِ مُنَظَّمَةٍ، تَبَعْثَرُوا فِي الوِدْيَانِ وَالشِّعَابِ، وَاتَّجَهُوا صَوْبَ مَكَّةَ مَذْعُورِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَدْخُلُونَهَا خَجَلًا (٤).
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ بِمُصَابِ قُرَيْشٍ الحَيْسُمَانُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ الخُزَاعِيُّ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الحَكَمِ بنُ
_________________
(١) البَوَار: الهلاك. انظر لسان العرب (١/ ٥٣٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبي جهل - رقم الحديث (٣٩٧٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٢٢) - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٦). وقال: إسناده جيد، وصححه أحمد شاكر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه - كتاب التفسير - باب صورة تقسيم الغنائم - رقم الحديث (٣٣١٤) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الأنفال - رقم الحديث (٣٣٣٥) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) انظر الرحيق المختوم ص ٢٥٥.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَزَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الحَجَّاجِ، وَأَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ هِشَامٍ، فَلَمَّا أَخَذَ يُعَدِّدُ أشْرَافَ قُرَيْشٍ، قَالَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الحِجْرِ: وَاللَّهِ إِنْ يَعْقِلْ هَذَا، فَاسْأَلْوهُ عَنِّي، فَقَالُوا: وَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ؟ .
قَالَ: هَا هُوَ ذَاكَ جَالِسًا فِي الحِجْرِ، وَقَدْ وَاللَّهِ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتِلا (١).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ -﵁- مَوْلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَكَانَ الإِسْلَامُ قَدْ دَخَلَنَا أَهْلَ البَيْتِ، فَأَسْلَمَ العَبَّاسُ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الفَضْلِ، وَأَسْلَمْتُ، وَكَانَ العَبَّاسُ يَهَابُ قَوْمَهُ، وَيَكْرَهُ خِلَافَهُمْ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، فَبَعَثَ مَكَانَهُ العَاصَ بنَ هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ، . . . فَلَمَّا جَاءَهُ الخَبَرُ عَنْ مُصَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَبَتَهُ (٢) اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَوَجَدْنَا فِي أنْفُسِنَا قُوَّةً وَعِزًّا، وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، وَكُنْتُ أَعْمَلُ الأَقْدَاحَ (٣) أنْحَتُهَا فِي حُجْرَةِ زَمْزَمَ،
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٥٧).
(٢) كَبَتَهُ اللَّه: أي أذَلَّه وصَرَفه. انظر النهاية (٤/ ١٢١) - تفسير ابن كثير (٨/ ٤١). ومنه قوله تَعَالَى في سورة المجادلة آية (٥): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. . .﴾.
(٣) الأقْدَاح: هي جمع قَدَح، وهو الذي يُوكل فيه، وقيل: هي جمع قِدْح، وهو السهم الذي كانوا يستقسمون به، أو الذي يُرمى به عن القوس. انظر النهاية (٤/ ١٨).
[ ٢ / ٤٤١ ]
فَوَاللَّهِ إِنِّي لَجَالِسٌ فِيهَا أنْحَتُ أقْدَاحِي، وَعِنْدِي أُمُّ الفَضْلِ جَالِسَة، وَقَدْ سَرَّنَا مَا جَاءَنَا مِنَ الخَبَرِ، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو لَهَبٍ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ بِشَرٍّ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ (١) الحُجْرَةِ، فَكَانَ ظَهْرُهُ إِلَى ظَهْرِي، فبيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ، إِذَا قَالَ النَّاسُ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قَدْ قَدِمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: هَلُمَّ إِلَيَّ فَعِنْدَكَ لَعَمْرِيَ الخَبَرُ، قَالَ: فَجَلَسَ إِلَيْهِ، وَالنَّاسُ قِيَامٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! أخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ أمْرُ النَّاسِ؟ .
قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ لَقِينَا القَوْمَ فَمَنَحْنَاهُمْ أكْتَافنَا يَقْتُلُونَنَا كَيْفَ شَاؤُوا، وَأَيْمُ اللَّهِ مَعَ ذَلِكَ مَا لُمْتُ النَّاسَ، لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا، عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ، بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ، وَاللَّهِ مَا تُلِيقُ (٢) شَيْئًا، وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَرَفَعْتُ طُنُبَ الحُجْرَةِ بِيَدِي، ثُمَّ قُلْتُ: تِلْكَ وَاللَّهِ المَلَائِكَةُ، قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو لَهَبٍ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهِي ضَرْبَةً شَدِيدَةً، فَثَاوَرْتُهُ (٣) فَاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِيَ الأَرْضَ، ثُمَّ بَرَكَ عَلَيَّ يَضْرِبُنِي، وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، فَقَامَتْ أُمُّ الفَضْلِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِ الحُجْرَةِ فَأَخَذَتْهُ، فَضَرَبَتْهُ بِهِ ضَرْبَةً فَلقتْ (٤) فِي رَأْسِهِ شَجَّةً مُنْكَرَةً، وَقَالَتْ لِأَبِي لَهَبٍ: اسْتَضْعَفْتَهُ أَنْ غَابَ عَنْهُ سَيِّدُهُ؟ .
_________________
(١) الطُّنُبُ: وهو الطرف والناحية، ويُطلق أيضًا على الحبل الذي تشد به الخيمة. انظر النهاية (٣/ ١٢٧) - لسان العرب (٨/ ٢٠٥).
(٢) ما تُلِيقُ: لا يَثْبُتُ أمامها شيء. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٧٨).
(٣) المُثَاوَرَة: المُوَاثبة. انظر لسان العرب (٢/ ١٤٨).
(٤) الفَلْق بسكون اللام: الشّق. انظر النهاية (٣/ ٤٢٣).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
فَقَامَ أَبُو لَهَبٍ مُوَليًا ذَلِيلًا، فَوَاللَّهِ مَا عَاشَ إِلَّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتَّى رَمَاهُ اللَّهُ بِالعَدَسَةِ (١) فَقتَلَتْهُ.
قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَلَقَدْ تَرَكَهُ ابْنَاهُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا يَدْفِنَانِهِ حَتَّى أنْتَنَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِابْنَيْ أَبِي لَهَبٍ: أَلَا تَسْتَحِيَانِ إِنَّ أبَاكُمَا قَدْ أَنْتَنَ فِي بَيْتهِ؟ فَقَالَا: إنَّا نَخْشَى هَذِهِ القَرْحَةَ، وَكَانَتْ قُرَيْش تَتَّقِي العَدَسَةَ كَمَا تَتَّقِي الطَّاعُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ: انْطَلِقَا فَأَنَا مَعَكُمَا، فَوَاللَّهِ مَا غَسَلُوهُ إِلَّا قَذْفًا بِالمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ، ثُمَّ احْتَمَلُوهُ، فَقَذَفُوهُ فِي أَعْلَى مَكَّةَ إِلَى جِدَارٍ، وَقَذَفُوا عَلَيْهِ الحِجَارَةَ (٢).
وَهَكَذَا تَلَقَّتْ مَكَّةُ أنْبَاءَ الهَزِيمَةِ السَّاحِقَةِ فِي مَيْدَانِ بَدْرٍ، وَقَدْ أَثَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ أَثَرًا سَيِّئًا جِدًّا، حَتَّى مَنَعُوا النّيَاحَةَ (٣) عَلَى القَتْلَى، لِئَلَّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ هَذَا مِنْ تَمَامِ مَا عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ أحْيَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَهُوَ تَرْكُهُمُ النَّوْحَ عَلَى قتلَاهُمْ، فَإِنَّ البُكَاءَ عَلَى
_________________
(١) العدَسَة: هي بَثرَةٌ تُشبه العَدسة، تخرجُ في مواضع من الجَسَد، من جِنْسِ الطاعون، تقتُلُ صاحبها غَالئا. انظر النهاية (٣/ ١٧٢).
(٢) أخرج قصة أبي رافع مع أبي لهب: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٦٤) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر إسلام العباس -﵁- رقم الحديث (٥٤٥٤) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٥٨).
(٣) النُّوَّحُ: النساء يجتَمِعْنَ للحزن. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٢٠).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٥٩).
[ ٢ / ٤٤٣ ]
المَيِّتِ مِمَّا يَبُلُّ فُؤَادَ الحَزِينِ (١).
وَعِنْدَ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ قَالَ: لَمَّا وَصَلَ الخَبَرُ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَتَحَقَّقُوهُ، قَطَّعَتِ النِّسَاءُ شُعُورَهُنَّ، وَعُقِرَتْ خُيُولٌ كَثِيرَةٌ وَرَوَاحِلُ (٢).
* طُرْفَةٌ لِلْأَسْوَدِ بنِ عَبْدِ المُطلِبِ:
وَمِنَ الطَّرَائِفِ أَنَّ الأَسْوَدَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ أُصِيبَ له ثَلَاثَةٌ مِنْ أَبْنَائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ ضَرِيرَ البَصَرِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنَ اللَّيْلِ، فبعَثَ غُلَامَهُ، وَقَالَ له: انْظُرْ هَلْ أُحِلَّ النَّحْبُ (٣)؟ هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قتلَاهَا؟ لَعَلِّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حَكِيمَةَ -ابْنِهِ- فَإِنَّ جَوْفِي قَدِ احْترَقَ، فَرَجَعَ الغُلَامُ، وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أضَلَّتْهُ، فَلَمْ يتمالَكْ الأَسْوَدُ نَفْسَهُ، وَقَالَ:
أَتَبْكِي أَنْ يَضِلَّ لَهَا بَعِيرٌ وَيَمْنَعَهَا مِنَ النَّوْمِ السَّهُودِ (٤)
فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتِ الجُدُودِ (٥)
وَبَكَى إِنْ بُكِيَتْ عَلَى عَقِيلٍ وَبَكَى حَارِثًا أَسَدَ الأُسُودِ
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٨).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٧).
(٣) النحبُ: البكاء بصوت طويل ومَدّ. انظر النهاية (٥/ ٢٣).
(٤) السُّهُود أو السُّهَاد: الأرَقُ. انظر لسان العرب (٦/ ٤٠٨).
(٥) الجُدُود: جمع جَدّ: وهو الحظ. انظر النهاية (١/ ٢٣٧).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وَبَكْيَهُمْ وَلَا تُسَمَّى جَمِيعًا وَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ (١)
أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمُ رِجَالٌ وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا (٢)
* عَوْدَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ:
أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ببَدْرٍ، بَعْدَ انْتِهَاءِ المَعْرَكَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ -وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَتُهُ -ﷺ- كَمَا ذَكَرْنَا- ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، وَمَعَهُ الأُسَارَى مِنَ المُشْرِكِينَ، فِيهِمْ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ، وَالنَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، وَاحْتَمَلَ مَعَهُ النَّفَلَ (٣) الذِي أَصَابَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بنَ كَعْبٍ الأَنْصَارِيَّ -﵁- (٤).
* أَمْرُ الغَنَائِمِ:
وَقَبْلَ رَحِيلِ المُسْلِمِينَ مِنْ بَدْرٍ وَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ حَوْلَ الغَنَائِمِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا لَمْ يَكُنْ شُرعَ يَوْمَئِذٍ، وَاشْتَدَّ الخِلَافُ بَيْنَهُمْ حَتَّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ الأَنْفَالِ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ: عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ -﵁- عَنِ الأَنْفَالِ، فَقَالَ: فِينَا مَعْشَرَ أصْحَابِ بَدْرٍ
_________________
(١) النِد بالكسر: المِثْل والنظير. انظر النهاية (٥/ ٣٠).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٥٩) - البداية والنهاية (٣/ ٣٢٨).
(٣) النَّفَلُ: بالتحريك الغنيمة. انظر النهاية (٥/ ٨٦).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي الأَنْفَالِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أخْلَاقُنَا، فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أيْدِينَا، وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ، يَقُولُ: عَلَى السَّوَاءِ (١).
* سَبَبُ الِاخْتِلَافِ فِي غَنَائِم غَزْوَةِ بَدْرٍ:
وَكَانَ سَبَبُ الخِلَافِ فِي غنَائِمِ بَدْرٍ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ وابْنُ إسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فَالْتَقَى النَّاسُ فَهَزَمَ اللَّهُ العَدُوَّ، فَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ فِي آثَارِهِمْ يَهْزِمُونَ وَيَقْتُلُونَ، وَأَكَبَّتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَسْكَرِ يَحْوُونَهُ (٢) ويَجْمَعُونَهُ،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٧٤٧) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٥٣) - وحسن إسناده الحافظ في الفتح (٦/ ٣١٩). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٣/ ٣٢١): وقد زعم أبو عبيدٍ القاسم بن سلام ﵀ أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قَسم غنائم بدر على السَّوَاء بين الناس، ولم يُخَمِّسها، ثم نزل بيان الخمس بعد ذلك ناسخًا لما تقدم، وهكذا روى الوَالِبِي عن ابن عباس وبه قال مجاهد، وعكرمة، والسدي، وفي هذا نظر، واللَّه أعلم. فإن في سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها كلها في غزوة بدر، فيقتضي أن ذلك نَزَل جملة في وقت واحد غير مُتَفَاصِل بتأخيرٍ يقتضي نَسْخَ بعضه بعضًا، ثم في الصحيحين - البخاري (٣٠٩١) - ومسلم (١٩٧٩) عن عليّ بن أبي طالب -﵁- أنه قال: في قصة شَارِفَيْهِ اللذَيْن اجتب أسنمتها حمزة: إن إحداهما كانت من الخُمُس يوم بدر، ما يرد صريحًا على أبي عبيد أن غنائم بدر لم تُخمس، بل خمست كما هو قول البخاري وابن جرير وغيرهما، وهو الصحيح الراجح واللَّه أعلم. وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٥١): الجمهورُ على أن آية الخمس نزلت في قصة بدر.
(٢) حَوَى الشيء: جمعه وأحرَزَهُ. انظر لسان العرب (٣/ ٤٠٩).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وَأَحْدَقَتْ (١) طَائِفَة بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُصِيبُ العَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً (٢)، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ، وَفَاءَ (٣) النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ الذِينَ جَمَعُوا الغَنَائِمَ: نَحْنُ حَوَيْنَاهَا وَجَمَعْنَاهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا نَصِيبٌ، وَقَالَ الذِينَ خَرَجُوا فِي طَلَبِ العَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا، نَحْنُ نَفَيْنَا عَنْهَا العَدُوَّ وهَزَمْنَاهُمْ، وَقَالَ الذِينَ أحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا، نَحْنُ أحْدَقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَخِفْنَا أَنْ يُصِيبَ العَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً وَاشْتَغَلْنَا بِهِ، فنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٤).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ: "مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذَا وَكَذَا"، فتَقَدَّمَ الفِتْيَانُ (٥) وَلَزِمَ المَشْيَخَةُ (٦) الرَّايَاتِ فَلَمْ يَبْرَحُوهَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ المَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا (٧) لَكُمْ، لَوِ
_________________
(١) أحْدَقَ به: أحَاطَ. انظر لسان العرب (٣/ ٨٧).
(٢) الغِرَّة بكسر الغين: الغَفْلة. انظر النهاية (٣/ ٣١٨).
(٣) يقال فَاءَ يَفِيءُ: أي رجع. انظر النهاية (٣/ ٤٣٤).
(٤) سورة الأنفال آية (١) - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٧٦٢) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٥٣) - وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه - كتاب التفسير - باب صورة تقسيم الغنائم - رقم الحديث (٣٣١٢).
(٥) في رواية ابن حبان في صحيحه قال: فتَسَارَعَ الشُّبَّان.
(٦) في رواية ابن حبان في صحيحه قال: وبَقِيَ الشيوخ.
(٧) الرِدء: العون والناصر. انظر النهاية (٢/ ١٩٥). =
[ ٢ / ٤٤٧ ]
انْهَزَمْتُمْ لَفِئْتُمْ إِلَيْنَا، فَلَا تَذْهَبُوا بِالغُنْمِ وَنَبْقَى، فَأَبَى الفِتْيَانُ، وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١).
* سَبَبٌ آخَرُ:
وَوَرَدَ سَبَبٌ آخَرُ فِي نُزُولِ آيَةِ الأنْفَال وَهُوَ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ، وَقَتَلْتُ سَعِيدَ بنَ العَاصِ (٢) وَأَخَذْتُ سَيْفَهُ، وَكَانَ يُسَمَّى ذَا الكَتِيفَةِ، فَأتَيْتُ بِهِ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَاطْرَحْهُ فِي القَبَضِ" (٣).
قَالَ: فَرَجَعْتُ، وَبِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قتلِ أَخِي، وَأَخْذِ سَلَبِي، قَالَ: فَمَا جَاوَزْتُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) = ومنه قوله تعالى في سورة القصص آية (٣٤) على لسان موسى ﵇: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
(٢) سورة الأنفال آية (١) - والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلح - باب وأصلحوا ذات بينكم - رقم الحديث (٥٠٩٣) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في النفل - رقم الحديث (٢٧٣٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (٨/ ٢٠٦).
(٣) قوله -﵁-: سعيد بن العاص وَهْم، والصحيح العاص بن سعيد، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.
(٤) القَبَضُ: بالتحريك بمعنى المَقْبُوض، وهو ما جُمع من الغنيمة قبل أن تُقسم. انظر النهاية (٤/ ٦).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
"اذْهَبْ فَخُذْ سيْفَكَ" (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شَفَانِيَ اللَّهُ اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، لِي هَذَا السَّيْفَ، قَالَ: "إِنَّ هَذَا السَّيْفَ لَيْسَ لَكَ وَلَا لِي، ضَعْهُ"، قال: فَوَضَعْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، قُلْتُ: عَسَى أَنْ يُعْطِي هَذَا السَّيْفُ اليَوْمَ مَنْ لَمْ يُبْلَ بَلَائِي (٢)، قَالَ: إِذَا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِنْ وَرَائِي (٣)، قُلْتُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قال: "كُنْتَ سَأَلْتَنِي السَّيْفَ، وَلَيْسَ هُوَ لِي، وَإِنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِي، فَهُوَ لَكَ"، قال: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤).
وَظَاهِرُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ مَا فِيهَا كُلَّهَا أسْبَابٌ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ (٥)، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُسْتَنْكَرُ فَإِنَّ الجَمِيعَ أَخْبَرَ بِمَا شَاهَدَهُ أَوْ حَصَلَ لَهُ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَالأَسْبَابُ قَدْ تَتَعَدَّدُ كَمَا هُوَ مَعْلُوم.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٦) - وأصله في صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب الأنفال - رقم الحديث (١٧٤٨) (٣٤).
(٢) يُبْلَ بَلَائي: أي لم يعْمَل مثل عَمَلي في الحرب. انظر النهاية (١/ ١٥٤).
(٣) في رواية الترمذي في جامعه، قال: فجاءني الرسول -ﷺ-.
(٤) سورة الأنفال آية (١) - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٨) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الأنفال - رقم الحديث (٣٠٧٩) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأصله في صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب الأنفال - رقم الحديث (١٧٤٨) (٣٤).
(٥) الآية هي قوله تَعَالَى في سورة الأنفال آية (١): ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
* قِسْمَةُ الغَنَائِمِ:
فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مَنْطِقَةِ الصَّفْرَاءَ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى المَدِينَةِ، قَسَمَ هُنَالِكَ الغَنَائِمَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَأَخْرَجَ الخُمُسَ، وَقَسَمَ البَاقِي بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّحَابَةَ الذِينَ لَم يَشْهَدُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ بِسَبَبِ أعْذَارِهِمْ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁-؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمَرِّضُ زَوْجَتَهُ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الزُّبَيْرِ -﵁- قَالَ: ضُرِبَتْ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْمُهَاجِرِينَ بِمِائَةِ سَهْمٍ (٢).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: كَانَتْ لِي شارِفٌ (٣) مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمُسِ (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: نَفَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الخمس - باب إذا بعث الإمام رسولًا في حاجة - رقم الحديث (٣١٣٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (١٢) - رقم الحديث (٤٠٢٧).
(٣) الشَّارِفُ: هي الناقة المُسِنَّة. انظر النهاية (٢/ ٤١٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الخمس - باب فرض الخمس - رقم الحديث (٣٠٩١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأشربة - باب تحريم الخمر - رقم الحديث (١٩٧٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٢٤٦) - وأبو داود في سننه -كتاب =
[ ٢ / ٤٥٠ ]
* صَفِيُّ (١) الرَّسُولِ -ﷺ-:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ المَغَانِمِ شَيْءٌ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ فَرَسًا، أَوْ سَيْفًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَتَبِعَهُمَا عَلَى ذَلِكَ أكْثَرُ العُلَمَاءِ (٢).
فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ صَفِيَّةُ (٣) مِنَ الصَّفِيِّ (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي العَلَاءِ بنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُطَرِّفٍ فِي سُوقِ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ أعْرَابِيٌّ مَعَهُ قِطْعَةُ أَدِيمٍ (٥)، أو جِرَابٌ (٦)، فقال: مَنْ يَقرَأ؟، أَوْ فِيكمْ مَنْ يَقرَأ؟، قلتُ: نَعَمْ، فَأَخَذْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللَّهِ، لبنِي زُهَيْرِ
_________________
(١) = الجهاد - باب من أجاز على جَريح مُثْخَن يُنفل من سلبه - رقم الحديث (٢٧٢٢)
(٢) الصَّفِيُّ: ما كان يأخذه رَئيس الجيش ويَختَاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. انظر النهاية (٣/ ٣٧).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٦١).
(٤) هي صَفِيَّة بنت حيي بن أخطب، أم المؤمنين، من ذرية هارون ﵇، وكانت شريفة عاقلة، ذات حَسَب وجمال ودِينٍ، وحِلْم، ووَقَار، ﵂، وتوفيت سنة خمسين للهجرة. انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٣١).
(٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر ما خص اللَّه جل وعلا صفيه -ﷺ- رقم الحديث (٤٨٢٢) - وأبو داود في سننه - كتاب الخراج - باب ما جاء في سهم الصفي - رقم الحديث (٢٩٩٤).
(٦) الأدِيم: الجلد. انظر لسان العرب (١/ ٩٦).
(٧) الجِراب: بكسر الجيم هو وِعاء من جلد الشاء. انظر لسان العرب (٢/ ٢٢٨).
[ ٢ / ٤٥١ ]
بنِ أُقَيْشٍ -حَيٍّ مِنْ عُكْلٍ-: أَنَّهُمْ إِنْ شَهِدُوا أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَفَارَقُوا المُشْرِكِينَ، وَأَقَرُّوا بِالخُمْسِ فِي غَنَائِمِهِمْ، وَسَهْمِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَصَفِيِّهِ، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" (١).
* نَصِيبُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنَ الغَنَائِمِ:
فَكَانَ مِنْ نَصِيبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى، مَا أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَيْفَهُ ذَا الفِقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ (٢).
ثُمَّ صَارَ هَذَا السَّيْفُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ كَانَ أَهْدَى جَمَلَ أَبِي جَهْلٍ، الذِي كَانَ اسْتُلِبَ (٤) يَوْمَ بَدْرٍ فِي رَأْسِهِ بُرَّةٌ (٥) مِنْ فِضَّةٍ، عَامَ الحُدَيْبِيَةِ فِي هَدْيِهِ؛ لِيُغِيظَ بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ (٦).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٧٣٧) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب قسم الخمس - باب (١) - رقم الحديث (٤٤٣٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٤٥) - وابن ماجة في سننه - كتاب الجهاد - باب السلاح - رقم الحديث (٢٨٠٨).
(٣) انظر زاد المعاد (٣/ ٩٣).
(٤) السَّلَبُ: هو ما يأخذه أحد القَرْنَيْن في الحرب من قَرْنه مما يكون عليه ومعه من سلاح وثياب ودابَّة وغيرها. انظر النهاية (٢/ ٣٤٨).
(٥) البُرَّة: حلقة تُجعل في لَحْمِ الأنف. انظر النهاية (١/ ١٢٢).
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٢) - وابن ماجة - كتاب المناسك - باب الهدي من الإناث والذكور - رقم الحديث (٣١٠٠).
[ ٢ / ٤٥٢ ]
* مَقْتَلُ النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ:
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى المَدِينَةِ وَمَعَهُ الأَسْرَى، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مِنْطَقَةِ الصَّفْرَاءَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَتْلِ النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ، وَكَانَ حَامِلَ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ مُجْرِمِي قُرَيْشٍ، وَمِنْ أَشَدِّ النَّاسِ كَيْدًا لِلْإِسْلَامِ، وَإِيذَاءً لِلرَّسُولِ -ﷺ-، فَضَرَبَ عُنُقهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- فَقتَلَهُ (١).
وَعِنْدَمَا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عِرْقِ الظَّبْيَةِ أَمَرَ عَاصِمَ بنَ ثَابِتِ بنِ أَبِي الأَقْلَحِ، أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ الذِي وَضَعَ سَلَى الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ سَاجِدٌ (٢)، وَهُوَ الذِي وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَهُوَ سَاجِدٌ (٣).
فَقَالَ عُقْبَةُ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ -ﷺ-: "النَّارُ" (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٥٥) - البداية والنهاية (٣/ ٣٢٤).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر. . . - رقم الحديث (٢٤٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين - رقم الحديث (١٧٩٤) - وقد ذكرنا ذلك في الفترة المكية -فراجعه-.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب فضائل الأنصار- باب ما لقي النبي -ﷺ- وأصحابه من المشركين - رقم الحديث (٣٨٥٦) -وقد ذكرنا ذلك في الفترة المكية -فراجعه-.
(٤) أخرج مقتل عقبة بن أبي معيط: الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٥١٤) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في قتل الأسير صبرًا - رقم الحديث (٢٦٨٦) - والحاكم في المستدرك - كتاب الجهاد - باب اختيار أحوط الأميرين في أمر - رقم الحديث (٢٦١٨) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٢٤) - وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
قَوْلُ عُقْبَةَ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ: أَيْ مَنْ يَكْفُلُ الأَطْفَالَ ويُرَبِّيهِمْ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِعْطَافَ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ -ﷺ-: "النَّارُ"، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّارَ عِبَارَةٌ عَنِ الضَّيَاعِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الجَوَابَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمَ، أَيْ لَكَ النَّارُ، وَدَعْ أَمْرَ الصِّبْيَةِ، فَإِنَّ كَافِلَهُمْ هُوَ اللَّهُ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ -النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ- مِنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَكْثَرِهِمْ كُفْرًا وَعِنَادًا، وَبَغْيًا وَحَسَدًا، وَهِجَاءً لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ فَعَلَ (٢).
* تَبْشِيرُ أَهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْرِ:
ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، قَرِيرَ العَيْنِ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، وَمَعَهُ الأُسَارَى، وَالغَنَائِمُ الكَثِيرَةُ، وَقَدْ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ بَشِيرًا إِلَى المَدِينَةِ بِالفَتْحِ وَالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ عَلَى مَنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ، أَحَدُهُما: عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ، وَالثَّانِي: زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ.
أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَدْرٍ، بَعَثَ بَشِيْرَيْنِ إِلَى أَهْلِ المَدِينَةِ، بَعَثَ زَيْدَ بنَ
_________________
(١) انظر معالم السنن للخطابي (٣/ ٩٥).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٤).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
حَارِثَةَ -﵁- إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ -﵁- إِلَى أَهْلِ العَالِيَةِ، يُبَشِّرُونَهُمْ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ -ﷺ-، فَوَافَقَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ابْنَهُ أُسَامَةَ حِينَ سُوِّي التُّرَابُ عَلَى رُقيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقِيلَ له: ذَاكَ أَبُوكَ حِينَ قَدِمَ، قَالَ أُسَامَةُ: فَجِئْتُ وَهُوَ وَاقِف لِلنَّاسِ يَقُولُ: قُتِلَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، وَنُبِيهُ وَمُنبِّهُ ابْنَا الحَجَّاجِ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ أَحَقٌّ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ (١).
وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: . . . فَجَاءَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ عَلَى العَضْبَاءِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالبِشَارَةِ، قَالَ أُسَامَةُ: فَسَمِعْتُ الهَيْعَةَ (٢)، فَخَرَجْتُ، فَإِذَا زَيْدٌ قَدْ جَاءَ بِالبِشَارَةِ، فَوَاللَّهِ مَا صَدَّقْتُ حَتَّى رَأَيْتُ الأُسَارَى (٣).
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁- فَجَعَلَ يُنَادِي أَهْلَ العَالِيَةِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَبْشِرُوا بِسَلَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقتلِ المُشْرِكِينَ وأَسْرِهِمْ، قُتِلَ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَابْنَا الحَجَّاجِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَقُتِلَ زَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، قَالَ عَاصِمُ بنُ عَدِيٍّ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فنَحَوْتُهُ (٤)
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب كان زيد بن حارثة أحَبَّ القوم إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (٥٠١٢) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٥٤).
(٢) الهَيْعَة: الصوت الذي تَفْزَع منه وتَخَافه من عدو. انظر النهاية (٥/ ٢٤٨).
(٣) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٣٠) - وابن سعد في طبقاته (١/ ٢٥٨).
(٤) نَحَوْتُه: قَصَدْتُه. انظر النهاية (٥/ ٢٥).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
فَقُلْتُ: أَحَقًّا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟ فَقَالَ؛ إِي وَاللَّهِ، وَغَدًا يَقْدُمُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالأَسْرَى مُقَرَّنِينَ، ثُمَّ تَتبَعَ دُورَ الأَنْصَارِ بِالعَالِيَةِ يُبَشِّرُهُمْ دَارًا دَارًا، وَالصِّبْيَانُ يُنْشِدُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ: قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ الفَاسِقُ، حَتَّى انتهَى إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ (١).
قَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ -﵁-:
فَمَا نَخْشَى بِحَوْلِ اللَّهِ قَوْمًا وَإِنْ كَثُرُوا وَأَجْمَعَتِ الزُّحُوفُ
إِذَا مَا أَلَّبُوا (٢) جَمْعًا عَلَيْنَا كَفَانَا حَدَّهُمْ رَبٌّ رَؤُوفُ
سَمَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالعَوَالِي سِرَاعًا مَا تُضَعْضِعُنَا (٣) الحُتُوفُ (٤)
فَلَمْ تُرَ عُصْبَةً فِي النَّاسِ أَنْكَى لِمَنْ عَادَوْا إِذَا لَقِحَتْ كُشُوفُ
وَلَكِنَّا تَوَكَّلْنَا وَقُلْنَا مَآثِرُنَا وَمَعْقِلُنَا السُّيُوفُ
لَقِينَاهُمْ بِهَا لَمَّا سَمَوْنَا وَنَحْنُ عِصَابَة وَهُمُ أُلُوفُ (٥)
* تَهْنِئَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِالنَّصْرِ:
وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مِنْطَقَةِ الرَّوْحَاءِ لَقِيَهُ رُؤُوسُ المُسْلِمِينَ
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١٣٢).
(٢) ألَّبُوا: جمعوا. انظر لسان العرب (١/ ١٧٧).
(٣) الضَّعْضَعَة: الخضوع والتذلل. انظر لسان العرب (٨/ ٦١).
(٤) الحُتُوفُ: جمع حَتْفٍ وهو الموت. انظر لسان العرب (٣/ ٤١).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
يُهَنِّؤُونَهُ بِمَا فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ الحَمْدُ للَّهِ الذِي أَظْفَرَكَ وَأَقَرَّ عَيْنَكَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ تَخَلُّفِي عَنْ بَدْرٍ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ تَلْقَى عَدُوًّا، وَلَكِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهَا عِيرٌ، وَلَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ عَدُوٌّ مَا تَخَلَّفْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقْتَ" (١).
ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ مُؤَيَّدًا مُظَفَّرًا، قَدْ خَافه كُلُّ عَدُوٍّ لَهُ دَاخِلَ وَخَارجَ المَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَحِينَئِذٍ دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وَأَصْحَاُبهُ فِي الإِسْلَامِ نِفَاقًا.
* قَضِيَّةُ الأَسْرَى:
أَمَّا الْأَسْرَى، فَقَدْ فَرَّقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: "اسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا" (٢).
فَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃، يُطْعِمُونَ أَسْرَاهُمُ الخُبْزَ.
قَالَ أَبُو عَزِيزٍ أَخُو مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ -وَكَانَ أَسِيرًا-: كُنْتُ فِي رَهَطٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ أَوْ عَشَاءَهُمْ خَصُّونِي بِالخُبْزِ، وَأَكَلُوا التَّمْرَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِيَّاهُمْ بِنَا، حَتَّى مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١٣٣).
(٢) أخرج ذلك الطبراني في الصغير والكبير كما في المجمع (٦/ ٨٦) وقال الهيثمي: إسناده حسن.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
خُبْزٍ إِلَّا نَاوَلَنِي إِيَّاهَا، قَالَ: فَأَسْتَحْيِي، فَأَرُدُّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ، فَيَرُدُّهَا عَلَيَّ مَا يَمَسُّهَا (١).
* مَوْقِفٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، ﵂:
وَقَدْ دُهِشَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ﵂ لَمَّا رَأَتْ سُهَيْلَ بنَ عَمْرٍو وَيَدَاهُ مَعْقُودَتَانِ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ فَقَالَتْ: أَبَا يَزِيدَ، أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، أَلَا مُتُّمْ كِرَامًا!، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا سَوْدَةُ، أَعَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ تُحَرِّضِينَ؟ ".
فَقَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا مَلَكْتُ حِينَ رَأَيْتُ أبَا يَزِيدَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبلٍ أَنْ قُلْتُ مَا قُلْتُ (٢).
* اسْتِشَارَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ فِي شَأْنِ الأَسْرَى:
ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَشِيرُ أصْحَابَهُ فِي الأَسْرَى، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
_________________
(١) أخرج ذلك الطبراني في الصغير والكبير كما في المجمع (٦/ ٨٦)، وقال الهيثمي: إسناده حسن - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٥٦).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب مشاورة الرسول -ﷺ- أصحابه في أسارى بدر - رقم الحديث (٤٣٦١) - وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في الأسير يوثق - رقم الحديث (٢٦٨٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٠٤٠) - وإسناده حسن.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
عَنْهُمَا: "مَا ترَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هُمْ بَنُو العَمِّ وَالعَشِيرَةُ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا تَرَى يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ ".
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى الذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فنَضْرِبَ أعْنَاقَهُمْ، فتمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنقهُ، وَتُمَكِنِّي مِنْ فُلَانٍ -نَسِيبًا لِعُمَرَ- فَأَضْرِبَ عنقه، حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ (١) لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلَاءِ صَنَادِيدُهُمْ (٢) وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ.
فهَوِيَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-، وَلَمْ يَهْوَ مَا قَالَ عُمَرُ -﵁-، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الفِدَاءَ.
قَالَ عُمَرُ -﵁-: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يبكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَباكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الفِدَاءَ، لَقَدْ
_________________
(١) الهَوَادة: هي السُّكون والرُّخصَة والمُحَاباة. انظر النهاية (٥/ ٢٤٢).
(٢) صَنَادِيدُهُم: أي أشرافهم، وعُظَماؤهم، ورُؤَساؤهم، الواحد: صِنْدِيد بكسر الصاد. انظر النهاية (٣/ ٥١).
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٧٤): فَهَوِي: بكسر الواو أي أحَبَّ ذلك واستحسنه.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ" -شَجَرَةً قَرِيبَةً مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ (٢) لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الحَاكِمِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ -ﷺ- لِعُمَرَ: "كَادَ أَنْ يُصِيبَنَا
_________________
(١) الإثْخَانُ في الشيء: المبَالغة فيه والإكثار منه، والمراد به هاهنا المبالغة في قتل الكفار. انظر النهاية (١/ ٢٠٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٤/ ٩٠): والمراد بالكتاب الذي سبق إحلال الغنائم لهذه الأمة، وقد روي ذلك عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، والأعمش، وهو اختيار ابن جرير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ويستشهد لهذا القول ما رواه البخاري - رقم الحديث (٣٣٥) - ومسلم - رقم الحديث (٥٢١) في صحيحيهما عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "أُعطيت خمسًا، لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصِرْتُ بالرعْبِ مَسِيرة شهر، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تَحِلَّ لأحد قبلي، وأُعْطِيتُ الشفاعة، وكان النَّبيُّ يبعَثُ إلى قومهِ خَاصَّةً وبُعثتُ إلى النَّاس عامة".
(٣) سورة الأنفال (٦٧ - ٩٦) - وأخرج قصة استشارة الرسول -ﷺ- أصحابه بالأسرى: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر - رقم الحديث (١٧٦٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٨) (١٣٥٥٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب غزوة بدر - رقم الحديث (٤٧٩٣) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب شأن نزول قوله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ - رقم الحديث (٣٣٢٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٣٠٩).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
فِي خِلَافِكَ بَلَاءٌ" (١).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا الغَنَائِمَ، رَحْمَةً رَحِمَنَا بِهَا، وَتَخْفِيفًا خَفَّفَهُ عَنَّا لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَعْفِنَا" (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ اخْتِصَاصُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحِلِّ الغَنِيمَةِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَفِيهَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الغَنِيمَةَ، وَقَدْ ثبتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، لَكِنْ وَقَعَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ خُمِّسَتْ غَنِيمَةُ السَّرِيَّةِ التِي خَرَجَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁-، وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْر بِشَهْرَيْنِ، وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بِمَا ذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (٣): أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- أَخَّرَ غَنِيمَةَ تِلْكَ السَّرِيَّةِ حَتَّى رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ فَقَسَمَهَا مَعَ غَنَائِمِ بَدْرٍ (٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه - كتاب التفسير - باب شأن نزول قوله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ - رقم الحديث (٣٣٢٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب قول النبي -ﷺ-: "أحلت لكم الغَنَائم" - رقم الحديث (٣١٢٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة - رقم الحديث (١٧٤٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر تحليل اللَّه جل وعلا الغنائم لأمة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٤٨٠٧) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٠٧١) - والإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٨٢٠٠).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٢٥٤).
(٤) انظر فتح الباري (٦/ ٣٤٩).
[ ٢ / ٤٦١ ]
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَمْ تَحِلَّ الغَنَائِمُ لِأَحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ نَار فتَأْكُلَهَا"، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَسْرَعَ النَّاسُ فِي الغَنَائِمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١).
* تَرْجِيحُ ابْنِ القَيِّمِ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-:
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ، فِي أَيِّ الرَّأْيَيْنِ كَانَ أَصْوَبَ -رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ أَمْ عُمَرَ- فَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ، قَوْلَ عُمَرَ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ، لِاسْتِقْرَارِ الأَمْرِ عَلَيْهِ، وَمُوَافَقَتِهِ الكِتَابَ الذِي سَبَقَ مِنَ اللَّهِ بِإِحْلَالِ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلمُوَافَقَتِهِ الرَّحْمَةَ التِي غَلَبَتِ الغَضَبَ (٢)، وَلتَشْبِيهِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَهُ فِي ذَلِكَ بِإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى ﵉، وَتَشْبِيهِهِ لِعُمَرَ بِنُوحٍ وَمُوسَى (٣) ﵉، وَلحُصُولِ الخَيْرِ العَظِيمِ الذِي حَصَلَ بِإسْلَامِ
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٦٨ - ٦٩) والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر الوقت الذي أنزل اللَّه جل وعلا آية الأنفال - رقم الحديث (٤٨٠٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٤٣٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٣١٠).
(٢) أخرج البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٧٥٥٤) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٧٥١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٢٩٩) - (٨٩٥٨) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "إن اللَّه كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي"، وفي رواية: "إن رحمتي غلبت غضبي، فهو مكتوبٌ عنده فَوْق العرش".
(٣) أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند ضعيف لانقطاعه - رقم الحديث (٣٦٣٢) عن ابن =
[ ٢ / ٤٦٢ ]
أَكْثَرِ أُولَئِكَ الأَسْرَى، وَلخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلحُصُولِ القُوَّةِ التِي حَصلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالفِدَاءَ، وَلمُوَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي بَكْرٍ أَوَّلًا، وَلمُوَافَقَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ آخِرًا حَيْثُ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى رَأْيِهِ، وَلكَمَالِ نَظَرِ الصِّدِّيقِ -﵁-، فَإِنَّهُ رَأَى مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ آخِرًا، وَغَلَّبَ جَانِبَ الرَّحْمَةِ عَلَى جَانِبِ العُقُوبَةِ.
قَالُوا: وَأَمَّا بُكَاءُ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَإِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً لِنُزُولِ العَذَابِ لِمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ -ﷺ-، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَرَادَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، فَالفِتْنَةُ كَانَتْ تَعُمُّ، وَلَا تُصِيبُ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ خَاصَّةً، كَمَا هُزِمَ العَسْكَرُ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، وَبِإْعَجاِب كَثْرَتِهِمْ لِمَنْ أَعْجَبتْهُ مِنْهُمْ، فَهُزِمَ الجَيْشُ بِذَلِكَ فِتْنَةً وَمِحْنَةً، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى النَّصْرِ وَالظَّفَرِ وَاللَّه أَعْلَمُ (١).
* نسْخُ حُكْمِ الفِدَاءِ وَجَعْله لِلْإِمَامِ:
كَانَ أَخْذُ الفِدَاءِ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ جُعِلَ فِيمَا بَعْدُ الخِيَارُ لِلْإِمَامِ بَيْنَ القَتْلِ أَوِ الفِدَاءِ أَوِ المَنِّ مَا عَدَا الأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذْ لَا يَجُوزُ قتلُهُمْ، مَا دَامُوا
_________________
(١) = مسعود -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: ". . . وإن مَثَلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﵇، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ﵇، قال: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ".
(٢) انظر زاد المعاد (٣/ ١٠١).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
غَيْرَ مُحَارِبِينَ (١)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدِ اسْتَقَرَّ فِي الأَسْرَى عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ: أَنَّ الإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ: إِنْ شَاءَ قتلَ -كَمَا فَعَلَ -ﷺ- ببَنِي قُرَيْظَةَ- وَإِنْ شَاءَ فَادَى بِمَالٍ -كَمَا فَعَلَ -ﷺ- بِأَسْرَى بَدْرٍ- أَوْ بِمَنْ أُسِرَ مِنَ المُسْلِمِينَ -كَمَا فَعَلَ -ﷺ- فِي تِلْكَ الجَارِيَةِ وَابْنَتِهَا اللَّتَيْنِ كَانتا فِي سَبْيِ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، حَيْثُ رَدَّهُمَا وَأَخَذَ فِي مُقَابِلِتِهِمَا مِنَ المُسْلِمِينَ الذِينَ كَانُوا عِنْدَ المُشْرِكِينَ (٣)، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّ (٤) مَنْ أَسَرَ (٥).
وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ مِنَ القَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٦) مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ النَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ مَا قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فِي كِتَابِنَا أَنَّهُ مَا لَمْ يَجُزِ اجْتِمَاعُ حُكْمَيْهِمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مَا قَامَتِ الحُجَّةُ بِأَنَّ أحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلآخَرِ، وَغَيْرُ
_________________
(١) انظر المغني لابن قدامة (٨/ ٣٧٢).
(٢) سورة محمد آية (٤).
(٣) أخرج خبر الجارية وابنتها: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى - رقم الحديث (١٧٥٥).
(٤) اسْتَرَقّ: أي صار مملوكًا. انظر النهاية (٢/ ٢٢٨).
(٥) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٩١).
(٦) سورة محمد آية (٤).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ جَعْلُ الخِيَارِ فِي المَنِّ (١) وَالفِدَاءِ وَالقَتْلِ إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ-، وَإِلَى القَائِمِينَ بَعْدَهُ بِأَمْرِ الأُمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ القَتْلُ مَذْكُورًا فِي هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ بِقَتْلِهِمْ فِي آيَةٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٢)، بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ فِيمَنْ صَارَ أَسِيرًا فِي يَدِهِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، فَيَقْتُلُ بَعْضًا، وَيُفَادِي بِبَعْضٍ، وَيَمُنُّ عَلَى بعْضٍ، مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ قتلَ عُقْبَةَ بنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَقَدْ أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، وَقَتَلَ بَنِي قرَيْظَةَ (٣)، وَقدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ -﵁-، وَصَارُوا فِي يَدِهِ سِلْمًا، وَهُوَ عَلَى فِدَائِهِمْ وَالمَنِّ عَلَيْهِمْ قَادِرٌ، وَفَادَى بِجَمَاعَةٍ أُسَارَى المُشْرِكِينَ الذِينَ أُسِرُوا بِبَدْرٍ، وَمَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ الحَنَفِيِّ، وَهُوَ أَسِيرٌ فِي يَدِهِ (٤)، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ ثَابِتًا مِنْ سَيْرِهِ فِي أَهْلِ الحَرْبِ مِنْ لَدُنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِحَرْبِهِمْ، إِلَى أَنْ قبضَهُ إِلَيْهِ -ﷺ-، دَائِمًا ذَلِكَ فِيهِمْ (٥).
_________________
(١) مَنَّ عليه: أحسَنَ وأنْعَم. انظر لسان العرب (١٣/ ١٩٧).
(٢) سورة التوبة آية (٥).
(٣) أخرج قتل الرسول -ﷺ- بني قريظة: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب - رقم الحديث (٤١٢١) (٤١٢٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب جواز قتال من نقض العهد - رقم الحديث (١٧٦٨).
(٤) أخرج مَن الرسول -ﷺ- على ثُمَامَةَ بن أثالٍ: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال - رقم الحديث (٤٣٧٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ربط الأسير وحبسه - رقم الحديث (١٧٦٤).
(٥) انظر كلام الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (١١/ ٣٠٧).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ، بَعْدَ أَنْ سَاقَ أَقْوَالَ العُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الأَسِيرِ قَالَ: فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ الجُمْهُورِ: إِنَّ ذَلِكَ رَاجعٌ إِلَى رَأْي الإِمَامِ (١).
* فِدَاءُ (٢) الأُسَارَى:
جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِدَاءَ الأَسْرَى كُلٌّ عَلَى قَدْرِ مَالِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِدَاءٌ، وَيُحْسِنُ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ، جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِدَاءه أَنْ يُعَلِّمَ أَوْلَادَ الأَنْصَارِ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ، فَإِذَا حَذِقُوا (٣) فَهُوَ فِدَاؤُهُ، وَبَعْضُ الأَسْرَى لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ، فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فأَطْلقهُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ.
أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ سَبْعُونَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِدَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَةً ذَهَبًا (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الأَنْصَارِ الكِتَابَةَ (٥).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٢٦٢).
(٢) الفِدَاء بالكسر: فَكَاكُ الأسير. انظر النهاية (٣/ ٣٧٨).
(٣) حَذِقَ: أتْقَنَ. انظر النهاية (١/ ٣٤٣).
(٤) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٤٧٧) - وحسن إسناده الحافظ في الفتح (٨/ ٥٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢١٦).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَبُولُ النَّبِيِّ -ﷺ- تَعْلِيمَ القِرَاءَةِ والكِتَابَةِ بَدَلَ الفِدَاءِ فِي هَذَا الوَقْتِ الذِي كَانُوا فِيهِ بِأَشَدِّ الحَاجَةِ إِلَى المَالِ، يُرِيَنَا سُمُوَّ الإِسْلَامِ، فِي نَظْرَتِهِ إِلَى العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَإِزَالَةِ الأُمِّيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ مِنْ دِينٍ كَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١).
وَاسْتَفَاضَتْ فِيهِ نُصُوصُ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي التَّرْغِيبِ فِي العِلْمِ، وَبَيَانِ مَنْزِلَةِ العُلَمَاءِ، وَبِهَذَا العَمَلِ الجَلِيلِ يُعْتَبَرُ الرَّسُولُ -ﷺ- أوَّلَ مَنْ وَضَعَ حَجَرَ الأَسَاسِ فِي إِزَالَةِ الأُمِّيَّةِ، وَإِشَاعَةِ القِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ، وَأَنَّ السَّبْقَ فِي هَذَا لِلْإِسْلَامِ (٢).
* مَنُّ الرَّسُولِ -ﷺ- لِرِجَالٍ مِنْ قُرَيشٍ بِغَيْرِ فِدَاءٍ:
مِمَّنْ مَنَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ -ﷺ- فَأَطْلَقَهُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ: المُطَّلِبُ بنُ حَنْطَبٍ، وَصَيْفِيُّ بنُ أَبِي رِفَاعَةَ، وَأَمَّا أَبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ، فَقَدْ كَانَ فَقِيرًا، وَذُو بَنَاتٍ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ -ﷺ-: لَقَدْ عَرَفْتَ مَالِي مِنْ مَالٍ، وَإِنِّي لَذُو حَاجَةٍ وَذُو عِيَالٍ، فَامْنُنْ عَلَيَّ، فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ، وَلَا يُظَاهِرَ (٣)
_________________
(١) سورة العلق الآيات (١ - ٥).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (٢/ ١٦٤ - ١٦٥).
(٣) ظاهَرَ عليه: أعَان عليه. انظر لسان العرب (٨/ ٢٧٨).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
عَلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا يُكَثِّرَ عَلَيْهِ أَبَدًا، فَلَمْ يَفِ لَهُ بِشَيْءٍ، وَلَعِبَ المُشْرِكُونَ بِعَقْلِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ أُسِرَ أَيْضًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُنَّ عَلَيَّ، وَذَكَرَ فَقْرَهُ وَعِيَاله، فَقَالَ -ﷺ-: "لَا أَدَعُكَ تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: سخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، لَا يُلدغ المُؤْمنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ" (١)، وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ (٢).
* أَوَّلُ مَنِ افْتَدَى مِنَ الأَسْرَى:
أَوَّلَ أَسِيرٍ افتدِيَ مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ أَبُو وَدَاعَةَ الحَارِثُ بنُ ضُبَيْرَةَ السَّهْمِيُّ، فَدَاهُ ابْنُهُ المُطَّلِبُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ لَهُ بِمَكَّةَ ابْنًا كَيِّسًا (٣) تَاجِرًا ذَا مَالٍ، وَكَأَنَّكُمْ بِهِ قَدْ جَاءَكُمْ فِي طَلَبِ فِدَاء أَبِيهِ"، فَكَانَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَتْ قُرَيْش: لَا تَعْجَلُوا بِفِدَاءَ أَسْرَاكُمْ لَا يَأْرَبُ (٤) عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُطَّلِبُ بنُ أَبِي وَدَاعَةَ: صَدَقْتُمْ، لَا تَعْجَلُوا، وَانْسَلَّ (٥) مِنَ اللَّيْلِ، فَقَدِمَ
_________________
(١) أخرج لفظ: "لا يلدغ المُؤْمن من جُحْرِ مرتين": البخاري في صحيحه - كتاب الأدب - باب لا يلدغ المؤمن من جُحْرِ مرتين - رقم الحديث (٦١٣٣) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين - رقم الحديث (٢٩٩٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٩٦٤).
(٢) انظر قصة أبي عَزَّة الجمحي في: سيرة ابن هشام (٣/ ٦٩) - البداية والنهاية (٣/ ٣١٣).
(٣) الكيِّسُ: العاقل. انظر النهاية (٤/ ١٨٨). ومنه الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧١٢٣) - بسند ضعيف عن النبي -ﷺ- أنَّه قال: "الكَيِّسُ من دانَ نفسه، وعَمِلَ لما بعدَ الموت. . ".
(٤) يأرَبُ: أي يتشدد عليكم فيه. انظر النهاية (١/ ٤٠).
(٥) انْسَلّ: أسرع. انظر النهاية (٥/ ٤٢).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
المَدِينَةَ، فَفَدَى أَبَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَرَجَعَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ (١)
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ أَسِيرٍ فُدِيَ (٢).
* فِدَاءُ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو -﵁-:
مِنْ بَيْنِ الأُسَارَى سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، وَكَانَ خَطِيبًا مُصَقَّعًا مَفُوَّهًا، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دَعْنِي أَنْزع ثَنِيّتَي سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو يَدْلَعُ (٣) لِسَانَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالَ: "إِنَّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمُّهُ" (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا المَقَامُ الذِي قَامَهُ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو -﵁- كَانَ بِمَكَّةَ حِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ، وَنَجَمَ (٥) النِّفَاقُ بِالمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَامَ بِمَكَّةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَثَبَّتَهُمْ عَلَى الدِّينِ الحَنِيفِ (٦).
وَكَانَ الذِي افتدَى سُهَيْلَ بنَ عَمْرٍو، هُوَ مِكْرَزُ بنُ حَفْصِ بنِ الأَخْيَفِ (٧).
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٦٤) وإسناده ضعيف - وانظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٨) - سيرة ابن هشام (٢/ ٢٦٠).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٨).
(٣) يَدْلَع لسانه: أي يُخْرِجُهُ من فَمِهِ حَتَّى يَسْتَرْخِي. انظر لسان العرب (٤/ ٣٨٩).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٦٠) - البداية والنهاية (٣/ ٣٢٩) - الإصابة (٣/ ١٧٨).
(٥) نَجَمَ: طلع وظهر. انظر لسان العرب (١٤/ ٥٩).
(٦) انظر البداية والنهاية (٣/ ٣٢٩).
(٧) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٦٠) - البداية والنهاية (٣/ ٣٢٩).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
* فِدَاءُ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبيع -﵁-:
مِنَ الأَسْرَى كَذَلِكَ صِهْرُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَبُو العَاصِ بنُ الرَّبِيعِ -﵁-، زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَكَانَ مَا زَالَ مُشْرِكًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءَ أسْرَاهُمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي فِدَاءِ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ بِمَالٍ، وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ لِخَدِيجَةَ ﵂، أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي العَاصِ حِينَ بَنَى (١) عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: "إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الذِي لَهَا، فَافْعَلُوا"، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَطْلَقُوهُ، وَرَدُّوا عَلَيْهَا الذِي لَهَا (٢).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَخَذَ عَهْدًا عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ لِأنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةَ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ فِي مَكَّةَ لَمْ تُهَاجِرْ ﵂.
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، خَرَجَتِ ابْنَتُهُ مِنْ
_________________
(١) البِنَاءُ: الدخول بالزوجة. انظر النهاية (١/ ١٥٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٦٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٠٨) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في فداء الأسير بالمال - رقم الحديث (٢٦٩٢).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
مَكَّةَ مَع بَنِي كِنَانَةَ فَخَرَجُوا فِي أَثَرِهَا -وَكَانَتْ ﵂ حَامِلًا- فَأدْرَكَهَا هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ، فَلَمْ يَزَلْ يَطْعَنُ بَعِيرَهَا بِرُمْحِهِ حَتَّى صَرَعَهَا، فَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا وَاهْرِيقَتْ دَمًا، فَانْطَلَقَ بِهَا، وَاشْتَجَرَ فِيهَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو أُمَيَّةَ، فَقَالَ بَنُو أُمَيَّةَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهِمْ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَكَانَتْ عِنْدَ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ تَقُولُ لَهَا هِنْدٌ: هَذَا فِي سَبَبِ أَبِيكِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ: "ألا تَنْطَلِقُ فتَجِئُ بِزَيْنَبَ؟ " (١)، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ -ﷺ-: "فَخُذْ خَاتَمِي هَذَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ"، فَانْطَلَقَ زَيْدٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَلْطُفُ (٢) وَتَرَكَ بَعِيرَهُ حَتَّى أَتَى رَاعِيًا، فَقَالَ لَهُ: لِمَنْ تَرْعَى؟ قَالَ: لِأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: فَلِمَنْ هَذِهِ الغَنَمُ؟ قَالَ: لِزَيْنَبَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَسَارَ مَعَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا تُعْطِيَهَا إِيَّاهُ، وَلَا تَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعْطَاهُ الخَاتَمَ، فَانْطَلَقَ الرَّاعِي،
_________________
(١) قال الإمام الطحاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مشكل الآثار (١/ ١٣٥): تأمَّلنا ما كان من رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في هذا الحديث من إطلاقه لِزَيد السَّفر بزينب، فوجدنا زَيْدًا قد كان حِينَئِذٍ في تَبَنِّي رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إياه، حَتَّى كان يُقال له: زَيْدُ بن محمد، ولم يَزَل بعد ذلك كذلك إلى أن نسخ اللَّه ذلك، فأخرَجَهُ من بُنُوَّته، . . . فوقفنا على أن ما كان أمر به -ﷺ- زيدًا قبل ذلك في زينب وفي إباحته لها وله السفر من كل واحد منهما مع صاحبه، كان على الحكم الأول، وفي الحال التي كان زيدٌ فيها أَخًا لزينب، فكان بذلك مَحْرمًا لها، جائزًا له السفر بها، كما يَجُوز لأخ لو كان لها من النسب من السفر بها.
(٢) يُقال: يَلْطُف لطفًا: إذا رَفق، أي أنه كان -﵁- رَفِيقًا بِبَعِيره. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٨٣).
[ ٢ / ٤٧١ ]
فَأَدْخَلَ غَنَمَهُ، وَأَعْطَاهَا الخَاتَمَ فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَتْ: مَنْ أَعْطَاكَ هَذَا؟ قَالَ: رَجُلٌ، قَالَتْ: وَأَيْنَ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: مَكَانَ كَذَا وَكَذا، فَسَكَنَتْ حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا زَيْد: ارْكَبِي بَيْنَ يَدَيَّ، قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ ارْكَبْ أَنْتَ، فَرَكِبَ وَرَكِبتْ وَرَاءَهُ حَتَّى أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي (١) أُصِيبَت فِيَّ" (٢).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُثْنِي عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ -﵁- زَوْجِ زَيْنَبَ ﵂، فَيَقُولُ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي" (٣).
_________________
(١) قوله -ﷺ-: "أفْضَلُ بناتِي". قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٧٧): وَأَمَّا ما أخرجه الطحاوي وغيره من حديث عائشة ﵂ في قصة مَجِيء زيد بن حارثة بزينب بنت رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من مكة، وفي آخره قال: "هِيَ أفضلُ بناتي أُصِيبَتْ فِيَّ"، فقد أجاب عنه بعض الأئمة بتقدير ثُبُوته بأن ذلك كان مُتَقَدِّمًا، ثم وَهَبَ اللَّه تَعَالَى لفاطمة من الأحوال السَّنِيَّة والكمال ما لم يشاركها أحدٌ من نساء هذه الأمة مطلقًا، واللَّه أعلم.
(٢) أخرجه الطحاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٤٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب ذهاب زيد بن حارثة ليجئ بزينب من مكة - رقم الحديث (٦٩١٩) - وأورده الحافظ في الفتح (٧/ ٤٨١) وقال: إسناده جيد.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الفضائل - باب ذكر أصهار النبي -ﷺ-: منهم أَبُو العاص بن الربيع - رقم الحديث (٣٧٢٩) - وأخرجه في كتاب الشروط - باب الشروط في المهر - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة - رقم الحديث (٢٤٤٩) (٩٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩٨٧).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
* شَأْنُ هَبَّارِ بنِ الأَسْوَدِ:
وَأَمَّا هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ الذِي طَعَنَ بَعِيرَ زَيْنَبَ فَأَسْقَطَهَا مِنْهُ، فَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ أنهُ مَنْ وَجَدَهُ أَنْ يُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَعْثٍ فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ: "إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا" (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَوْلُهُ -ﷺ-: "إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ" (٢). هَكَذَا بِالإِفْرَادِ، فكأَنَّ إِفْرَادَ هَبَّارِ بنِ الْأَسْوَدِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ كَانَ الأَصْلَ فِي ذَلِكَ، وَالآخَرَ كَانَ تَبعًا له (٣).
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابنِ أَبِي نَجِيحٍ: أَنَّ هَبَّارَ بنَ الأَسْوَدِ أَصَابَ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِشَيْءٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَرِيَّةً فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَاجْعَلُوهُ بَيْنَ حَزْمَتَيْ حَطَب ثُمَّ أَشْعِلُوا فِيهِ النَّارَ"، ثُمَّ قَالَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب لا يعذب بعذاب اللَّه - رقم الحديث (٣٠١٦).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في كراهية حرق العدو بالنار - رقم الحديث (٢٦٧٣).
(٣) انظر فتح الباري (٦/ ٢٥٨).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
-ﷺ-: "إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ" (١).
فَلَمْ تُصِب هَذِهِ السَّرِيَّةُ هَبَّارَ بنَ الأَسْوَدِ، فَأَهْدَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- دَمَهُ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁- (٢).
* فِدَاء العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-:
مِنْ بَيْنِ الأَسْرَى العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، أَسَرَهُ أَبُو اليَسَرِ كَعْبُ بنُ عَمْرٍو الخَزْرَجِيُّ الأَنْصَارِيُّ -﵁- كَمَا ذَكَرْنَا.
وَكَانَ العَبَّاسُ -﵁- رَجُلًا طَوِيلًا (٣)، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى المَدِينَةِ طَلَبَتِ الأَنْصَارُ ثَوْبًا يُلْبِسُونَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا يَصْلُحُ لَهُ، إِلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقِ، فكَسَاهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ نَفْسُ القَمِيصِ الذِي كَفَّنَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلُولٍ المُنَافِقَ لَمَّا مَاتَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فنَظَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ يُقَدَرُ عَلَيْهِ، فكَسَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- إيَّاهُ،
_________________
(١) أورد الحافظ في الفتح (٦/ ٥٥٩ - وسكت عليه - وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٦٨).
(٢) انظر فتح الباري (٦/ ٢٥٩).
(٣) قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٧٩) في ترجمة العباس -﵁-: كان من أطوَلِ الرجال، وأحسَنِهِم صورة، وأبْهَاهُم، وأجْهَرِهِم صوتًا، مَعَ الحِلْمِ الوَافر، والسُّؤْدُدِ.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَمِيصهُ الذِي أَلْبَسَهُ (١).
أَمَّا فِدَاءُ العَبَّاسِ -﵁- فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْعَبَّاسِ: "يَا عَبَّاسَ، افْدِ نَفْسَكَ، وَابْنَ أَخِيكَ عَقِيلَ بنَ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفَلَ بنَ الحَارِثِ، وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بنَ جَحْدَمٍ"، أَحَدَ بَنِي الحَارِثِ بنِ فِهْرٍ، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا (٢)، وَلَكِنَّ القَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي، فَقَالَ رَسُولىُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ، إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا، فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ، فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَافْدِ نَفْسَكَ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٦/ ٢٥٢): أي لعبد اللَّه بن أُبي بن سلول عند دفنه. وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الكسوة للأسارى - رقم الحديث (٣٠٠٨).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥٨٤) (٧/ ٤٤٢): اخْتُلِف في الوقت الذي أسلم فيه العباس -﵁-، فقيل: أسلم قبل الهجرة، وأقام بأمرِ النبي -ﷺ- له في ذلك لمصلحة المسلمين، روى ذلك ابن سعد في طبقاته (٤/ ٣٢٣) من حديث ابن عباس، وفي إسناده الكلبي وهو متروك، ويرده أن العباس أسر ببدر، وقد فَدى نفسه، وَأَما قول أبي رافع -﵁- في قصة بدر: "كان الإسلام دخل علينا أهل البيت"، فلا يَدُلُّ على إسلام العباس حينئذ، فإنَّه كان ممن أسِرَ يوم بدر، وفدى نفسه وعَقِيلًا ابن أخيه أبي طالب، ولأجل أنَّه لم يُهَاجر قبل الفتح لم يدخله عمر -﵁- في أهل الشورى مع معرِفَتِهِ بفضله واستِسْقَائِهِ به، والمشهور أنَّه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس -﵁- في قصة الحجاج بن عِلاط. قلت: ستأتي قِصَّة الحجاج بن عِلاط في أحداث غزوة خيبر إن شاء اللَّه.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
قَدْ أَخَذَ مِنْهُ عِشْرِينَ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ (١)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْسِبْهَا مِنْ فِدَايَ، قَالَ: "لَا، ذَلِكَ شَيْءٌ أَعْطَانَاهُ اللَّهُ مِنْكَ"، فَقَالَ العَبَّاسُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لِي مَالٌ، فَقَالَ -ﷺ-: "فَأيْنَ المَالُ الذِي وَضَعْتَهُ بِمَكَّةَ، حَيْثُ خَرَجْتَ، عِنْدِ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ (٢)، وَلَيْسَ مَعَكُمَا أَحَدٌ غَيْرُكُمَا؟، فَقُلْتَ: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَلِلْفَضْلِ كَذَا، وَلِقُثَمٍ كَذَا، وَلِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا"، فَقَالَ العَبَّاسُ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا عَلِمَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي وَغَيْرَهَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ (٣).
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْر أُسِرَ سَبْعُونَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِدَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة ذَهَبًا، وَجَعَلَ عَلَى عَمِّهِ العَبَّاسِ مِائَةً، وَعَلَى عَقِيلٍ ثَمَانِينَ (٤).
* مَوْقِفُ الأَنْصَارِ مِنَ العَبَّاسِ -﵁-:
وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَتْرُكَ فِدَاءَ العَبَّاسِ -﵁-، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ
_________________
(١) الأوقِيَّة: أربعون درهمًا. انظر النهاية (١/ ٨١).
(٢) أم الفَضْل: هي زوجة العباس ﵄، واسمها لُبَابة بنت الحارث الهلالية، وقد أسلمت، وهي أُخت ميمونة زوج الرسول -ﷺ-. انظر الإصابة (٨/ ٤٤٩).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٣١٠) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر فداء العباس يوم بدر - رقم الحديث (٥٤٦٠) - وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٤٠٩).
(٤) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٤٧٧) - وأورده الحافظ في الفتح (٨/ ٥٨) وحسن إسناده.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
-﵁- أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا (١) عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ، قَالَ -ﷺ-: "وَاللَّهِ لَا تَذَرُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا" (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَالحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ -ﷺ- لَمْ يُعْفِ العَبَّاسَ مِنَ الفِدَاءَ؛ لِأنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةً له؛ لِكَوْنِهِ عَمَّهُ لَا لِكَوْنِهِ قَرِيبَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ فَقَطْ، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ القَرِيبَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَظَاهَرَ بِمَا يُؤْذِي قَرِيبَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي البَاطِنِ يَكْرَهُ مَا يُؤْذِيهِ، فَفِي تَرْكِ قَبُولِ مَا يَتَبَرَّعُ لَهُ الأَنْصَارُ بِهِ مِنَ الفِدَاءَ تَأْدِيبٌ لِمَنْ يَقَعُ له مِثْلُ ذَلِكَ (٣).
* نُزُولُ آيَةٍ:
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
_________________
(١) قولهم: لابن اختنا عباس: قال الحافظ في الفتح (٨/ ٥٧) (٥/ ٤٧٤): أي ابن عبد المطلب، وأم العباس ليست من الأنصار، بل جَدَّته أم عبد المطلب هي الأنصاربة، فأطلقوا على جدَّة العباس أُخْتًا لكونها منهم، وعلى العباس ابنها؛ لكونها جدته، وهي سَلْمى بنت عمرو بن زيد بن النجار من بني الخزرج، وهذا من قُوَّة الذكاء، وحُسْنِ الأدب في الخطاب، وإنما امْتَنَعَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من إجابتهم لِئَلا يكون في الدِّين نوع مُحَاباة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (١٢) - رقم الحديث (٤٠١٨).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٥٨).
(٤) سورة الأنفال آية (٧٠).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
قَالَ العَبَّاسُ -﵁- لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أَعْطَانِي اللَّهُ مَكَانَ العِشْرِينَ أُوقِيَّةً فِي الإِسْلَامِ عِشْرِينَ عَبْدًا، كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ، مَعَ مَا أَرْجُو مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ ﷿ (١).
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ العَبَّاسُ -﵁- لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنِّي أضْعَافَهَا، فَآتَانِيَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ فَقَالَ -ﷺ-: "انْثُرُوهُ (٣) فِي المَسْجِدِ"، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ -ﷺ-: "خُذْ"، فَحَثَا (٤) فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ (٥)، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: "لَا"، قَالَ:
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر فداء العباس يوم بدر - رقم الحديث (٥٤٦٠) - وإسناده حسن.
(٢) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٤٧٧).
(٣) انْثروهُ: أي صُبُّوه. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٧).
(٤) حَثَا: رمى. انظر النهاية (١/ ٣٢٧).
(٥) يُقِلُّه بضم الياء وتشديد اللام: أي يرفعه ويحمله. انظر لسان العرب (١١/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا"، فنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ: "لَا" قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا"، فنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ (١). ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ -حَتَّى خَفَى عَلَيْنَا- عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - بَيَانُ كَرَمِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ إِلَى المَالِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
٢ - وَفِيهِ أَنَّ الإِمَامَ يَنْبَغِي له أَنْ يُفَرِّقَ مَالَ المَصَالِحِ فِي مُسْتَحِقِّيهَا وَلَا يُؤَخِّرَهُ.
٣ - وَفِيهِ أَنَّ سَهْمَ القُرْبَى مِنَ الفَيْءِ لَا يَخْتَصُّ بِفَقِيرِهِمْ؛ لِأَنَّ العَبَّاسَ كَانَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ.
٤ - وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ وَضْعِ مَا يَعُمُّ نَفْعُهُ فِي المَسْجِدِ، كَالمَاءَ لِشُرْبِ مَنْ يَعْطَشُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
_________________
(١) الكَاهِلُ: أعلى الظهر. انظر النهاية (٤/ ١٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب القسمة وتعليق القِنْو في المسجد - رقم الحديث (٤٢١).
(٣) انظر فتح الباري (٢/ ٧٩) - (٦/ ٤٠٥).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
* إِجْلَالُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِعَمِّهِ العَبَّاسِ -﵁-:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُجِلُّ (١) عَمَّهُ العَبَّاسَ -﵁-، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُجَهِّزُ بَعْثًا فِي مَوْضِعِ سُوقِ النَّخَّاسِينَ اليَوْمَ، إِذْ طَلَعَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا العَبَّاسُ عَمُّ نَبِيَكُمْ، أَجْوَدُ قُريْشٍ كفًّا (٢) وَأَوْصَلُهَا" (٣).
* وُقُوعُ الإِسْلَامِ فِي قَلْبِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ:
قَدِمَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ -﵁- عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ- فِي المَدِينَةِ لِيَفْدِيَ أَسْرَاهُ، فَوَافَقَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي صَلَاةِ المَغْرِبِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الطُّورِ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ وُقُوعِ الإِسْلَامِ فِي قَلْبِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمْتُ فِي فِدَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يُصلِّي بِالنَّاسِ المَغْرِبَ، وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (٤).
_________________
(١) يُجلّ: يُعظم. انظر النهاية (١/ ٢٧٨).
(٢) الكَفُّ: اليد: أي كان -﵁- كريمًا جوادًا. انظر لسان العرب (١٢/ ١٢٤).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦١٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب وصف المصطفى -ﷺ- عمه العباس بالجود والوصل - رقم الحديث (٧٠٥٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فداء المشركين - رقم الحديث (٣٠٥٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب القراءة في الصبح - رقم الحديث (٤٦٣).
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (١)، قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطيرَ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جُبَيْرٌ -﵁-: وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي (٣).
قَالَ جُبَيْرٌ -﵁-: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ صَلَاتِهِ، كَلَّمْتُهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِي حَيًّا فكلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى (٤) لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ" (٥) يَعْنِي أُسَارَى بَدْرٍ.
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِهِ -ﷺ- ذَلِكَ، لِأَنَّ المُطْعِمَ بنَ عَدِيٍّ أَجَارَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ، وَكَانَ أَحَدَ الذِينَ قَامُوا فِي
_________________
(١) سورة الطور آية (٣٥ - ٣٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الطور - رقم الحديث (٤٨٥٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (١٢) - رقم الحديث (٤٠٢٣).
(٤) قال ابن الأثير في النهاية (٥/ ١٢): النتْنَى: يعني أسارى بدر، سماهم نَتْنَى لكفرهم. والنَّتْنُ: الرائحة الكريهة. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٦).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (١٢) - رقم الحديث (٤٠٢٤) - وأخرجه في كتاب فرض الخمس - باب ما منّ النبي -ﷺ- على الأسارى من غير أن يُخمس - رقم الحديث (٣١٣٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٧٣٣).
[ ٢ / ٤٨١ ]
نَقْضِ الصَّحِيفَةِ التِي كَتَبَتهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حِينَ حَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْبِ (١).
وَقَدْ مَاتَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ وَالِدُ جُبَيْرٍ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِنَحْوِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى كُفْرِهِ (٢).
وَأَسْلَمَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ بَيْنَ الحُدَيْبِيَةِ وَالفَتْحِ، وَقِيلَ أَسْلَمَ فِي الفَتْحِ (٣).
* إِسْلَامُ عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ -﵁-:
وَكَانَ له قَدْرٌ وَشرَفٌ فِي قُرَيْشٍ، وَهُوَ ابنُ عَمِّ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ المُشْرِكِينَ كَافِرًا، وَهُوَ الذِي حَرَّشَ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ مِنْ أَبْطَالِ المُشْرِكِينَ وَشَيَاطِينِهِمْ، فَلَمَّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، كَانَ عُمَيْرٌ فِيمَنْ نَجَا، وَأُسِرَ ابْنُهُ وَهْبُ بنُ عُمَيْرٍ يَوْمَئِذٍ، فَجَلَسَ يَوْمًا مَعَ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ فِي الحِجْرِ -حِجْرِ إِسْمَاعِيلَ ﵇- بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِيَسِيرٍ، فتَذَاكَرَ أَصْحَابَ القَلِيبِ وَمُصَابَهُمْ، فَقَالَ صَفْوَانُ: وَاللَّهِ مَا فِي العَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَيْسَ له عِنْدِي قَضَاءٌ، وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ بَعْدِي، لَرَكِبْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَإِنَّ لِي قِبَلَهُمْ عِلَّةً (٤)، ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ، فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ: عَلَيَّ دَيْنُكَ، أَنَا
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٦٠).
(٢) انظر أسد الغابة (١/ ٣١٠).
(٣) انظر الإصابة (١/ ٥١٧) - أسد الغابة (١/ ٣١٠).
(٤) العِلَّةُ: الحَدَث يَشْغَلُ صاحبه عن حاجته، كأن تلك العِلَّة صارت شُغلًا ثانيًا مَنَعَه عن =
[ ٢ / ٤٨٢ ]
أَقْضِيهِ عَنْكَ، وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزُ عَنْهُمْ، فَقَالَ له عُمَيْرٌ: فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأنْكَ، قَالَ: أَفْعَلُ، ثُمَّ أَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ، فَشُحِذَ (١) لَهُ، وَسُمَّ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَبَيْنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، فِي نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَمَا أَرَاهُمْ بِهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إِذْ نَظَرَ عُمَرُ -﵁- إِلَى عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ حِينَ أنْاخَ (٢) عَلَى بَابِ المَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا (٣) السَّيْفَ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: هَذَا الكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ، وَاللَّهِ مَا جَاءَ إِلَّا لِشَرٍّ، وَهُوَ الذِي حَرَّشَ (٤) بَيْنَنَا وَحَزَرَنَا (٥) لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ -﵁- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ قَدْ جَاءَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، قَالَ -ﷺ-: "فَأَدْخِلْهُ عَلَيَّ" فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتَّى أَخَذَ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ (٦) فِي عُنُقِهِ فَلَبَّبَهُ (٧) بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالٍ مِمَّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الأَنْصَارِ: ادْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الخَبِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) = شُغْله الأول. انظر لسان العرب (٩/ ٣٦٧).
(٢) يُقال: شَحَذْت السيف والسكين: إذا حدَدْتُه بالمسن. انظر النهاية (٢/ ٤٠٢).
(٣) أنَاخَ الإبل: أبْرَكَها فبركت. انظر لسان العرب (١٤/ ٣١٢).
(٤) توَشَّحَ الرجلُ بِسَيفه: أي لَبِسَه. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٠٦).
(٥) حرَّشَ بينهم: أفْسَدَ وأغْرَى بعضهم ببعض. انظر لسان العرب (٣/ ١٢٣).
(٦) حَزَرَه: قَدَّرَه. انظر لسان العرب (٣/ ١٥٠).
(٧) حمالة السيف: عِلّاقته. انظر لسان العرب (٣/ ٣٣٤).
(٨) لَبَّبْتُ الرجلَ: إذا جعلتُ في عُنُقِه ثوبًا أو غيره وجَرَرْتُه به. انظر النهاية (٤/ ١٩٤).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
-ﷺ-، وَعُمَرُ -﵁- آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، قَالَ: "أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، ادْنُ يَا عُمَيْرُ"، فَدَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَنْعِمُوا صَبَاحًا -وَكَانَتْ تَحِيَّةَ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ بَيْنَهُمْ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ أَكرَمَنَا اللَّهُ بِتَحِيَّةٍ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتكَ يَا عُمَيْرُ، بِالسَّلَامِ، تَحِيَّةِ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ بِهَا لَحَدِيثَ عَهْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الأَسِيرِ الذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنُقِكَ؟ " قَالَ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا؟
فَقَالَ -ﷺ-: "اصْدُقْنِي، مَا الذِي جِئْتَ لَهُ؟ " قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَلِكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ فِي الحِجْرِ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ القَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قُلْتَ: لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْتُلَ مُحَمَّدًا، فتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ بِدَيْنِكَ وَعِيَالِكَ عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ".
فَقَالَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتَ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنَ الوَحْي، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا أَنَا وَصَفْوَانُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إِلَّا اللَّهُ، فَالحَمْدُ للَّهِ الذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، وَسَاقَنِي هَذَا المَسَاقَ، ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ، فَفَرِحَ المُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "فَقِّهُوا أَخَاكمْ فِي دِينِهِ، وَأَقْرِئُوهُ القُرْآنَ، وأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ"، فَفَعَلُوا.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
ثُمَّ قَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ جَاهِدًا عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، شَدِيدَ الأَذَى لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ اللَّهِ ﷿، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَقْدِمَ مَكَّةَ، فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى رَسُولهِ -ﷺ-، وَإِلَى الإِسْلَامِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ، وَإِلَّا آذَيْتُهُمْ فِي دِينِهِمْ كَمَا كُنْتُ أُوذِي أَصْحَابَكَ فِي دِينِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ حِينَ خَرَجَ عُمَيْرٌ، يَقُولُ: أَبْشِرُوا بِوَقْعَةٍ تَأْتِيكُمُ الآنَ فِي أَيَّامٍ، تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ، وَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْهُ الرُّكْبَانَ، حَتَّى قَدِمَ رَاكِبٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ إِسْلَامِ عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ، فَحَلَفَ صَفْوَانُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ عُمَيْرًا أَبَدًا، وَلَا يَنْفَعَهُ بِنَفْعٍ أَبَدًا.
فَلَمَّا قَدِمَ عُمَيْرٌ مَكَّةَ أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إِلَى الإِسْلَامِ، وَيُؤْذِي مَنْ خَالفَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ (١).
قُلْتُ: وَقَدْ أَسْلَمَ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَسْرَى عَلَى فتَرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَبَعْدَهَا.
* فَرَحُ النَّجَاشِيِّ بِنَصْرِ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي بَدْرٍ:
وَلَمَّا بَلَغَ النَّجَاشِيَّ نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِبَدْرٍ، فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا، فَقَدْ
_________________
(١) أخرج قصة إسلام عمير بن وهب -﵁-: ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٧٢) بسند صحيح مرسل. قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٦٠): قال موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب مرسلًا، وذكر قصة عمير بن وهب -﵁-، وجاء من وجهٍ آخر موصولًا أخرجه ابن مندة.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
رَوَى البَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ: أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَرْسَلَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى جَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ، عَلَيْهِ خِلْقَانٌ (١) جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ. فَقَالَ جَعْفَرٌ: فَأَشْفَقْنَا مِنْهُ حِينَ رَأَيْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِنَا، قَالَ: إِنِّي أُبَشِّرُكُمْ بِمَا يَسُرّكُمْ، إِنَّهُ جَاءَنِي مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمْ عَيْنٌ (٢) لِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ نَصَرَ نَبِيَّهُ -ﷺ- وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُ، وَأُسِرَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَقُتِلَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، الْتَقَوْا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: بَدْرٌ، كَثِيرُ الأَرَاكِ (٣)، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، كُنْتُ أَرْعَى بِهِ لِسَيِّدِي، رَجُلٌ مِنْ ضَمْرَةَ إِبِلَهُ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: مَا بَالُكَ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ لَيْسَ تَحْتَكَ بِسَاطٌ، وَعَلَيْكَ هَذِهِ الأَخْلَاقُ؟ قَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى ﵇ أَنَّ حَقًّا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُحْدِثُوا للَّهِ ﷿ تَوَاضُعًا عِنْدَمَا أَحْدَثَ لَهُمْ نِعْمَةً، فَلَمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ ﷿ لِي نَصْرَ نَبِيِّهِ -ﷺ- أَحْدَثْتُ له هَذَا التَّوَاضُعَ (٤).
* فَضْلُ مَنْ شَهِدَ غَزْوَةَ بَدْرٍ الكُبْرَى:
جَاءَ فِي فَضْلِ مَنْ شَهِدَ غَزْوَةَ بَدْرٍ الكُبْرَى أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:
_________________
(١) خِلْقَان: جمع خَلِق، وثوبٌ خَلِق: أي بَالِي. انظر لسان العرب (٤/ ١٩٥).
(٢) العين: الجَاسُوس. انظر النهاية (٣/ ٢٩٩).
(٣) الأرَاك: هو شَجَرٌ معروف. انظر النهاية (١/ ٤٣).
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١٣٤) - سبل الهدى والرشاد (٤/ ٦٨) - البداية والنهاية (٣/ ٣٢٦).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
مَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُعَاذِ بنِ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: "مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ" -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ (١).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- جِبْرِيلُ أَوْ مَلَكٌ، فَقَالَ: كَيْفَ أَهْلُ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "هُمْ عِنْدَنَا أَفَاضِلُ النَّاسِ"، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ عِنْدَنَا مِنْ المَلَائِكَةِ (٢).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- فِي قِصَّةِ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ -﵁- عِنْدَمَا أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ كِتَابًا يُخْبِرُهُمْ عَزْمَ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ. . . فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُول وَالمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عنقه، فَقَالَ -ﷺ-: "أَليْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّة" أَوْ "فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ قَالَ -ﷺ-: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب شهود الملائكة بدرًا - رقم الحديث (٣٩٩٢).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن أهل بدر هم أفضل الصحابة - رقم الحديث (٧٢٢٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٨٢٠).
[ ٢ / ٤٨٧ ]
يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ -﵁- وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُول أَعْلَمُ (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفي هَذَا الحَدِيثِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ بَدْرٍ لَمْ تَقَعْ لِغَيْرِهِمْ (٢).
* اسْتِشْكَالُ حَدِيثٍ:
وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ -ﷺ-: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ" فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ خِلَافُ عَقْدِ الشَّرْعِ، قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذَا الخِطَابَ خِطَابُ إِكْرَامٍ وَتَشْرِيفٍ، تَضمَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءَ حَصَلَتْ لَهُمْ حَالَة غُفِرَتْ بِهَا ذُنُوبُهُمُ السَّالِفَةُ، وتَأَهَّلُوا أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ مَا يُسْتَأْنَفُ مِنَ الذُّنُوبِ اللَّاحِقَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الصَّلَاحِيَةِ لِلشَّيْءِ وُقُوعُهُ، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَ رَسُولِهِ -ﷺ- فِي كُلِّ مَنْ أَخْبَرَ عَنه بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا عَلَى أَعْمَالِ الجَنَّةِ إِلَى أَنْ فَارَقُوا الدُّنْيَا، وَلَوْ قُدِّرَ صُدُورُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِهِمْ لَبَادَرَ إِلَى التَّوْبَةِ وَلَازَمَ الطَّرِيقَ المُثْلَى، وَيَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ بِالقَطْعِ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى سِيَرِهِمْ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدرًا - رقم الحديث (٣٩٨٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أهل بدر ﵃ - رقم الحديث (٢٤٩٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٠٠) (٧٩٤٠).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٣٧).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٣٧) - (٩/ ٦٢٦).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَوْلُه -ﷺ- عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ المُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الذُّنُوبَ تَقَعُ مِنْهُمْ -كَمَا وَقَعَ مِسْطَحٌ -﵁- فِي حَقِّ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ الإِفْكِ، وَكَمَا شَرِبَ قُدَامَةُ بنُ مَظْعُونٍ -﵁- الخَمْرَ- مُتَأَوِّلًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (١) فَقَالَ له عُمَرُ: أَخْطَأْتَ التَّأوِيلَ، فَحَدَّهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- (٢) لَكِنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالمَغْفِرَةِ تَفْضِيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ -مَشْهَدِ بَدْرٍ- (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبَ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ -﵁- جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالحُدَيْبِيَةَ" (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءُ البَدْرِيِّينَ
_________________
(١) سورة المائدة آية (٩٣).
(٢) انظر الإصابة (٥/ ٣٢٤) - وانظر سير أعلام النبلاء (١/ ١٦١).
(٣) انظر فتح الباري (٩/ ٤٢٢).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أهل بدر ﵃ - رقم الحديث (٢٤٩٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٨٤) - (٢٧٠٤٢).
[ ٢ / ٤٨٩ ]
خَمْسَةَ آلَافٍ، خَمْسَةَ آلَافٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ (١).
وَأَخْرَجَ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لَأَرْجُو (٢) أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٣).
وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ -﵁- عِنْدَمَا قُتِلَ وَكَانَ فِي النَّظَّارَةِ، وَقَوْلِ الرَّسُولِ -ﷺ- لأُمِّهِ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى" (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعَلِّقًا عَلَى حَدِيثِ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ -﵁- قَالَ: وَفي هَذَا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَإِنَّ هَذَا الذِي لَمْ يَكُنْ فِي بُحَيْحَةِ القِتَالِ (٥)، وَلَا فِي حَوْمَةِ الوَغَى (٦)، بَلْ كَانَ مِنَ النَّظَّارَةِ مِنْ بَعِيدٍ، وَإِنَّمَا أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الحَوْضِ، وَمَعَ هَذَا أَصَابَ بِهَذَا المَوْقِفِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (١٢) - رقم الحديث (٤٠٢٢).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٧): قال العلماء: إن الترجي في كلام اللَّه، وكلام رسوله -ﷺ- موقوع.
(٣) أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٣٤٩)، وقال: تفرد البزار بهذا الحديث، ولم يخرجوه، وهو على شرط الصحيح - واللَّه أعلم.
(٤) تقدم تخريج هذا الحديث.
(٥) بُحَيحة القتال: أي سَاحَتُها. انظر لسان العرب (١/ ٥٣٤).
(٦) حَوْمَة القتال: أي مُعْظَمُهُ وأشدُّ موضع فيه. انظر لسان العرب (٣/ ٤٠٧) - والوغى: الحرب نفسها. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٥٣).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الفِرْدَوْسَ التِي هِيَ أَعْلَى الجِنَانِ وَأَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الجَنَّةِ التِي أَمَرَ الشَّارعُ أُمَّتَهُ إِذَا سَأَلُوا اللَّهَ الجَنَّةَ أَنْ يَسْأَلُوهُ إِيَّاهَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ هَذَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ كَانَ وَاقِفًا فِي نَحْرِ العَدُوِّ، وَعَدَدُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْعَافِهِمْ عَدَدًا وَعُدَدًا (١).
* مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ:
وَحَوْلَ مَوْضُوعِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ نَزَلَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ الأَنْفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ (٢).
وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا انْقَضَى أَمْرُ بَدْرٍ، أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِيهِ مِنَ القُرْآنِ الأَنْفَالَ بِأَسْرِهَا (٣).
* * *
_________________
(١) انظر كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٣٤٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الأنفال - رقم الحديث (٤٦٤٥).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٧٨).
[ ٢ / ٤٩١ ]