النَّسَبُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ
أمَّا نَسَبُهُ -ﷺ- فَهُوَ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ عَلَى الإطْلَاقِ، فَلِنَسَبِهِ مِنَ الشَّرَفِ أعَلَى ذُرْوَةٍ، وأعْدَاؤُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا شَهِدَ بهِ عَدُوُّهُ إذْ ذَاكَ أبُو سفْيَانَ (١) بَيْنَ يَدَيْ هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، فأشْرَفُ القَوْمِ قَوْمُهُ، وأشْرَفُ القَبَائِلِ قَبِيلتهُ، وأشْرَفُ الأفْخَاذِ فَخِذُهُ -ﷺ-.
فهُوَ: مُحَمَّدُ (٢) -ﷺ- بنُ عَبْدِ اللَّهِ، بنِ عَبْدِ المطلبِ، بنِ هَاشِمِ، بنِ عَبْدِ مَنَافِ، بنِ قُصَيِّ، بنِ كِلابِ، بنِ مُرَّةَ، بنِ كَعْبِ، بنِ لُؤَيِّ، بنِ غَالِبِ، بنِ فِهْرِ، بنِ مَالِكِ، بنِ النَّضْرِ، بنِ كِنَانَةَ، بنِ خُزَيْمَةَ، بنِ مدْرِكَةَ، بنِ إلْيَاسَ، بنِ مُضَرَ، بنِ نِزَارِ، بنِ مَعْدِ، بنِ عَدْنَانَ (٣).
_________________
(١) جاء في حديث هِرَقْلَ مع أبي سُفْيَان أنَّهُ سأله كيفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ فقال أبو سفيان: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. رواه البخاري في صحيحه - باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول -ﷺرقم الحديث (٧) - ومسلم في صحيحه -رقم الحديث (١٧٧٣).
(٢) قال القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٧/ ٢٤٦): وتسمِيَتُهُ مُحَمَّدًا وقعتْ في القُرآنِ العَظِيمِ، وذلك أنَّهُ حَمِدَ ربَّهُ قبلَ أن يَحْمَدَهُ الناسُ، وكذلك في الآخرةِ يَحْمِدُ ربَّهُ فيُشَفِّعُهُ، فيَحْمَدُهُ الناسُ، وقد خُصَّ بسورة الحَمْدِ، وبِلِوَاءَ الحَمْدِ، وبالمَقَامِ المَحْمُودِ، وشُرعَ له الحَمْدُ بعدَ الأكل، وبعدَ الشُّربِ، وبعدَ الدُّعاءِ، وبعدَ القُدُومِ من السَّفرِ، وسُمِيَتْ أُمّتهُ الحَمَّادُونَ، فجُمِعَتْ لهُ مَعَانِي الحَمْدِ وأنْوَاعُهُ -ﷺ-.
(٣) أخرج هذا القدر من نسبه الشريف -ﷺ-: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مبعث النبي -ﷺ- وانظر طبقات ابن سعد (١/ ٢٣ - ٢٤) - زاد المعاد (١/ ٧٠) - =
[ ١ / ٤٣ ]
هَذَا هُوَ القَدْرُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ نَسَبِ الرَّسُولِ -ﷺ- ولا خِلَافَ فِيهِ البَتَّةَ (١).
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ في شَرْحِ السُّنَّةِ: ولا يَصحُّ حِفْظُ النَّسَبِ فَوْقَ عَدْنَانَ (٢)
* أَصَالَةُ نَسَبِ النَّبِيِّ -ﷺ-:
اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ -ﷺ- مِنْ خَيْرِ القُرُونِ، وأزْكَى القَبَائِلِ، وأفْضَلِ البُطُونِ فكَانَ -ﷺ- أوْسَطَ قَوْمِهِ نَسَبًا، وأعْظَمَهُمْ شَرَفًا.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ ﵀: وأمَّا شَرَفُ نَسَبِهِ، وكَرَمُ بَلَدِهِ، ومَنْشَؤُهُ فَمِمَّا لا يَحْتَاجُ إِلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، ولا بَيَانِ مُشْكِلٍ، ولا خَفِيٍّ مِنْهُ، فَإِنَّهُ نُخْبَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وسُلَالَةُ قُرَيْشٍ وصَمِيمُهَا، وأشْرَفُ العَرَبِ، وأعَزُّهُمْ نَفَرًا مِنْ قبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ ومِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ أكْرَمِ بِلَادِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ وعَلَى عِبَادِهِ (٣).
روَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدم قَرْنًا فَقَرْنًا، حتَّى كُنْتُ مِنَ القَرْنِ الذِي كُنْتُ مِنْهُ" (٤).
_________________
(١) = تاريخ الطبري (١/ ٤٩٧) - البداية والنهاية (٢/ ٦٥٣) - دلائل النبوة للبيهقي (١/ ١٨١).
(٢) انظر زاد المعاد (١/ ٧٠).
(٣) انظر شرح السنة (١٣/ ١٩٣).
(٤) انظر كتاب الشفا للقاضي عياض (١/ ٧٧).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب صفة النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٥٥٧) - وأخرجه الإِمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٩٣٩٢).
[ ١ / ٤٤ ]
وجَاءَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ -﵁- أنَّهُ سَأله: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟
فقَالَ أبُو سُفْيَانَ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ (١).
ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ -﵁- قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ اصْطفَى كنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، واصْطفَى قُرَيْشًا مِنْ كنَانَةَ، واصْطفَى مِنْ قُريْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصْطفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ" (٢).
وأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عنِ المُطَّلِبِ بنِ أَبِي ودَاعَةَ -﵁- قَالَ: جاءَ العَبَّاسُ -﵁- إِلَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وكَأَنَّهُ سمعَ شَيْئًا، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: "مَنْ أنَا؟ " قَالُوا: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَقَالَ -ﷺ-: "أنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَق الخَلْقَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرْقتَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ قَبِيلةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فأنّا خَيْرُكُمْ بَيْتًا، وخَيْرُكُمْ نَفْسًا" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول -ﷺ- رقم الحديث (٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل - رقم الحديث (١٧٧٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب فضل نسب النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٢٧٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٩٨٧).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٨٨) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب فضل النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٣٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (٦٣٣٨).
[ ١ / ٤٥ ]
طَهَارَةُ نَسَبِ النَّبِيِّ -ﷺ-
ولَمْ يَزَلِ الرَّسُولُ -ﷺ- يَتَنَقَّلُ مِنْ أصْلَابِ الآبَاءَ الطَّاهِرِينَ إِلَى أرْحَامِ الأُمَّهَاتِ الطَّاهِرَاتِ لَمْ يَمَسَّ نَسَبُهُ الشَّرِيفَ شَيْءٌ مِنْ سِفَاحِ وأدْرَانِ الجَاهِلِيَّةِ، بلْ هُوَ -ﷺ- مِنْ سُلَالَةٍ كُلُّهُمْ سَادَةٌ أشْرَافٌ أطْهَارٌ.
رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بالشَّوَاهِدِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، ولَمْ أخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدم إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وأُمِّي، لَمْ يُصِبْنِي مِنْ سِفَاحِ الجَاهِلِيَّةِ شَيءٌ" (١).
قَالَ الدُّكْتُورْ مُحَمَّد أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذَا كَانَ اللَّهُ ﷾ جَرَتْ سُنَّتُهُ أَنْ لا يَبْعَثَ نَبِيًّا إلَّا في وَسَطٍ مِنْ قَوْمِهِ شَرَفًا، ونَسَبًا، فَقَدْ كَانَ في الذُّرْوَةِ مِنْ هَذِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -ﷺ-، فَمَا مِنْ آبَائِهِ إلَّا كَانَ غَنِيًّا بالفَضَائِلِ والمَكَارِمِ، ومَا مِنْ أُمٍّ مِنْ أُمَّهَاتِهِ إلَّا وَهِيَ أَفْضَلُ نِسَاءِ قَوْمِهَا نَسَبًّا ومَوْضِعًا، ولَمْ
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ٥٧)، وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى ص ٤٢، وأورده الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١/ ٦٥٨)، وقال: هذا مرسل جيد. قلتُ: وللحديثِ شَوَاهدٌ عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة ﵃ يَرْتَقِي بها إلى الحَسَنِ -وانظر صحيح الجامع للألباني ﵀- رقم الحديث (٣٢٢٥).
[ ١ / ٤٦ ]
تَزَلْ هَذِهِ الفَضَائِلُ، والكَمَالَاتُ البَشَرِيَّةُ تَنْحَدِرُ مِنَ الأُصُولِ إِلَى الفُرُوعِ حتَّى تَجَمَّعَتْ كُلُّهَا في سُلَالَةِ وَلَدِ آدم ومُصَاصَةِ (١) بَنِي إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ ﵉، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ -ﷺ- (٢).
* * *
_________________
(١) يقال: فُلانٌ مُصَاصُ قَومِهِ: أي أخْلَصُهُمْ نَسَبًا. انظر لسان العرب (١٣/ ١٢٣).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (١/ ١٨٥) للدكتور محمَّد أبو شهبة ﵀.
[ ١ / ٤٧ ]
أُسْرَةُ النَّبِيِّ -ﷺ-
تُعْرَفُ أُسْرَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- بالأُسْرَةِ الهَاشِمِيَّةِ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وسَنَذْكُرُ فِيمَا يَلِي شَيْئًا مِنْ أخْبَارِ هَاشِمٍ ومَنْ بَعْدَهُ.
* هَاشِمُ بنُ عَبْدِ مَنَافٍ:
كَانَ هَاشِمٌ -واسْمُهُ عَمْرٌو- رَجُلًا مُوسِرًا ذَا شَرَفٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَوَلَّى هَاشِمٌ السِّقَايَةَ (١) والرِّفَادَةَ (٢) مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ حِينَ تَقَاسَمَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وبَنُو عَبْدِ الدَّارِ المَنَاصِبَ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
وسُمِّيَ هَاشِمًا لِأَنَّهُ أوَّلُ مَنْ هَشَمَ الثَّرِيدَ (٣) لِقَوْمِهِ بِمَكَّةَ وأطْعَمَهُ، وهُوَ أوَّلُ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشِ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ والصَّيْفِ، وَكَانَ يُطْعِمُ الحُجَّاجَ أوَّلَ مَا يُطْعِمُ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ بِمَكَّةَ، وبِمِنًى، والمُزْدَلِفَةِ، وعَرَفَةَ، وكَانَ يَثْرُدُ لَهُمُ الخُبْزَ واللَّحْمَ، والخُبْزَ والسَّمْنَ، والسَّوِيقَ (٤) والتَّمْرَ، ويَجْعَلُ لَهُمُ المَاءَ
_________________
(١) السِّقَايَةُ: هي جَمْعُ المَاءِ مِنْ آبَار مكَّةَ المُخْتَلِفَةِ، ووضْعُهَا قُرْبَ الكَعْبَةِ، وقَدْ تُحَلَّى بشَيْءٍ من التَّمْرِ أو الزَّبِيبِ فيَشْرَبُ الحَجِيجُ منها. انظر النهاية (٢/ ٢٢٠).
(٢) الرِّفَادَةُ: هو طعامٌ يُوضَعُ للحُجَّاجِ على سَبِيلِ الضِّيَافَةِ. النهاية (٢/ ٢٢٠).
(٣) قال الحافظ في الفتح: (١٠/ ٦٩١): الثَّرِيدُ: بفتح الثاء وكسر الراء هو خَلْطُ الخُبْزِ بِمَرَقِ اللَّحْمِ، وهشَمَ: أي كسَرَ الخُبْزَ.
(٤) السَّوِيق: هو قمح أو شعير يُقلى ثم يُطْحن، فيتزوَّد به، ملتويًا بماء أو سمن =
[ ١ / ٤٨ ]
فَيَسْقُونَ بِمِنًى إِلَى أَنْ يَصْدُرُوا (١) مِنْهَا فتَنْقَطِعَ الضِّيَافَةُ.
وفِيهِ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزِّبَعْرَى:
عَمْرُو الذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ورِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ (٢) عِجَافُ
سُنَّتْ إلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا سَفَرُ الشِّتَاءِ ورِحْلَةُ الأصْيَافِ
ومِنْ حَدِيثِ هَاشِمٍ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ تَزَوَّجَ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو أحَدِ بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، وكانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أُحَيْحَةَ بنِ الجَلَّاحِ مِنَ الأَوْسِ، وكَانَ مِنْ عِظَمِ شَرَفِهَا أَنَّ العِصْمَةَ بِيَدِهَا (أيْ هِيَ التِي تُطَلِّقُ) إذَا كَرِهَتْ رَجُلًا فَارَقَتْهُ، فَخَطَبَها هَاشِمٌ فَعَرَفَتْ شَرَفَهُ ونَسَبَهُ فزَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا، وأقَامَ عِنْدَهَا أيّامًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، وهِيَ عِنْدَ أهْلِهَا قَدْ حَمَلَتْ بِشَيْبَةَ، فمَاتَ هَاشِمٌ بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، ووَلَدَتْ امْرَأتُهُ سَلْمَى طِفْلًا وَسَمَّتْهُ شَيْبَةَ، وكَانَ لِهَاشِمٍ أرْبَعُ بَنِينَ وهُمْ: شَيْبَةُ، وأَسَدٌ، وأبُو صَيْفِيٍّ، ونَضْلَةُ، وخَمْسُ بَنَاتٍ هُنَّ: الشَّفَّاءُ، وخَالِدَةُ، وضعِيفَةُ، ورقَيَّةُ، وَحَيَّةُ، وفي رِوايَةٍ حَنَّةُ (٣).
* عَبْدُ المُطَّلِبِ بنُ هَاشِمٍ:
أوْصَى هَاشِمٌ عِنْدَ وَفَاتِهِ إِلَى أخِيهِ المُطَّلِبِ فَصَارَتِ السِّقَايَةُ والرِّفَادَةُ إلَيْهِ مِنْ
_________________
(١) = أو عسل. انظر شرح المواهب (٢/ ٣٥٣) - لسان العرب (٦/ ٤٣٨).
(٢) صَدَرَ: رجَعَ. انظر لسان العرب (٧/ ٣٠١).
(٣) مسنتون: أي أصابتهم السَّنة، والسَّنة هي الجَدْبُ، يقال: أخذتهم السَّنةُ إذا أجدبوا وأُقحطوا. انظر النهاية (٢/ ٣٧١).
(٤) انظر تفاصيل ذلك في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٣٤) - تاريخ الطبري (١/ ٥٠٤) - البداية والنهاية (٢/ ٦٥٥).
[ ١ / ٤٩ ]
بَعْدِهِ، وكَانَ ذَا شَرَفٍ في قَوْمِهِ، وَفَضْلٍ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ: الفَيْضَ لِسَخَائِهِ وفَضْلِهِ.
ولَمَّا صَارَ شَيْبَةُ بنُ هَاشِمٍ وَصِيفًا (١) أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ سَمعَ بِهِ، المُطَّلِبُ فَرَحَلَ في طَلَبِهِ فَلَمَّا رَآه عَرَفَ شَبَهَ أبِيهِ فِيهِ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وضَمَّهُ إلَيْه، وَكَسَاهُ حُلَّةً، وأَرْدَفه عَلَى رَاحِلَتِهِ فَقَالَ شَيْبَةُ لِعَمِّهِ: لَسْتُ بِمُفَارِقٍ أمِّي إلَّا أَنْ تأْذَنَ لِي، فَسَألهَ المُطَّلِبُ أَنْ تُرْسِلَهُ مَعَهُ فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: إنِّي غَيْرُ مُنْصَرِفٍ حتَّى أخْرُجَ بِهِ مَعِي، إِنَّ ابنَ أخِي قَدْ بَلَغَ وهُوَ غَرِيبٌ في غَيْرِ قَوْمِهِ، ونَحْنُ أهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ فِي قَوْمِنَا، نَلِي كَثِيرًا مِنْ أَمْرِهِمْ، وقَوْمُهُ وبَلَدُهُ وعَشِيرتُهُ خَيْر لَهُ مِنَ الإقَامَةِ في غَيْرِهِمْ، فَأَذِنَتْ له فَاحْتَمَلَهُ فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ مُرْدِفَهُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هذا المُطَّلِبُ اشْترَى عَبْدًا فُسُمِّيَ شَيْبَةُ عَبْدَ المُطَّلِبِ.
فَقَالَ المُطَّلِبُ: وَيْحَكُمْ! إنَّمَا هُوَ ابْنُ أخِي هَاشِمٍ قَدِمْتُ بِهِ مِنَ المَدِينَةِ (٢).
* وفَاةُ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ:
فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ المُطَّلِبِ مُقِيمًا بِمَكَّةَ حَتَّى تَرَعْرَعَ ثُمَّ إِنَّ المُطَّلِبَ بنَ عَبْدِ مَنَافٍ خَرَجَ تَاجِرًا فَهَلَكَ في مَنْطِقَةِ رَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ اليَمَنِ، فَوَليَ بَعْدَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ السِّقَايَةَ، والرِّفَادَةَ فَأَقَامَهَا لِلنَّاسِ، وأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ
_________________
(١) الوَصِيفُ: هُوَ الغُلَامُ دُونَ المُرَاهِقِ. لسان العرب (١٥/ ٣١٦).
(٢) انظر تاريخ الطبري (١/ ٥٠١، ٥٠٢) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٣٧) - الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٣).
[ ١ / ٥٠ ]
قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أمْرِهِمْ، وكَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ جَسِيمًا أبْيَضَ، وَسِيمًا طِوَالًا فَصِيحًا، مَا رَآهُ أَحَدٌ قَطُّ إلَّا أَحَبَّهُ، وَشَرُفَ في قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ، وأحَبَّهُ قَوْمُهُ، وعَظُمَ خَطَرُهُ فَيهِمْ حَتَّى عُرِفَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ: "بِشَيْبَةَ الحَمْدِ" لِكَثْرَةِ حَمْدِ النَّاسِ إيَّاهُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: "الفَيَّاضُ" لِجُودِهِ، ويُقَالُ لَهُ: "مُطْعِمُ طَيْرِ السَّمَاءِ"؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ مِنْ مَائِدَتِهِ لِلطَّيْرِ والوُحُوشِ عَلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ.
ومِمَّا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بِالكَرَمِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ والطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ -﵁- قَالَ: جَاءَ حُصَيْنٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، كَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ خَيْرًا لِقَوْمِهِ مِنْكَ: كَانَ يُطْعِمُهُمُ الكَبِدَ والسَّنَامَ. . . (١).
هذَا ولَمْ يَكُنْ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَظِيمًا عِنْدَ قُرَيْشٍ فَحَسْبُ وَإِنَّمَا كَانَ عَظِيمًا كَذَلِكَ في جَمِيعِ أنْحَاءِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ إِلَى اليَمَنِ مُهَنِّئًا بِالمُلْكِ عِنْدَمَا تَوَلَّى مَعْدِيكَرِبَ سَيْفُ بنُ ذِي يَزَنٍ عَرْشَ اليَمَنِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ كَانَ ذُو مَكَانَةٍ عِنْدَ مُلُوكِ العَرَبِ كَمَا يَدُلُّ في الوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى مَكَانَتِهِ عِنْدَ قُرَيْشٍ حتَّى أنَّهُ كَانَ رَئِيسًا لِوَفْدِهَا فِي هَذِهِ المُهِمَّاتِ العَظِيمَةِ (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٩٩٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٢٥) - وأورده الحافظ في الإصابة (٢/ ٧٦) وصحح إسناده.
(٢) انظر شرح المواهب (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٥١ ]
أَهَمُّ الأحْدَاثِ فِي حَيَاةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
ومِنْ أهَمِّ الأحْدَاثِ التِي وَقَعَتْ فِي حَيَاةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أمْرَانِ: حَفْرُ بِئْرِ زَمْزَمَ، وحَادِثُ الفِيلِ.
* أمَّا زَمْزَمُ (١):
فَكَانَتْ سُقْيَا مِنَ اللَّهِ، وخُلَاصَةُ أمْرِهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنِّي لَنَائِمٌ في الحِجْرِ إذْ أتَانِي آتٍ (٢) فقَالَ لِي: احْفِرْ طَيْبَةَ (٣) قَالَ: قُلْتُ: ومَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجِعِي، فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي، فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ (٤)
_________________
(١) زَمْزَمُ: هي البِئْرُ المعرُوفَةُ في مكَّةَ المُكَرَّمة. انظر النهاية (٢/ ٢٨٢). وجاء في فضلِ مائِهَا أحاديثُ كثِيرةٌ منها: روى مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٤٧٣) عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّها مُبَارَكَةٌ، إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ". قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٦): أي أنَّها تُشْبعُ شَارِبَهَا كمَا يُشْبِعُهُ الطَّعَامُ.
(٢) أي في المَنَامِ.
(٣) قال السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٥٨): لأنها للطيِّبِيَن والطيِّباتِ مِنْ ولَدِ إبرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ ﵉.
(٤) قال السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٥٨): وهو اسمٌ صَادِقٌ عليها أيضًا لأنَّهَا فاضَتْ للأبرارِ، وغاضَتْ عَنِ الفُجَّارِ.
[ ١ / ٥٢ ]
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا بَرَّةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجِعِي، فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرِ المَضْنُونَةَ (١) قَالَ: قُلْتُ: ومَا المَضْنُونَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجِعِي، فَنِمْتُ فِيهِ، فجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ (٢) قَالَ: قُلْتُ: ومَا زَمْزَمُ؟ قال: لَا تُنْزَفُ (٣) أبَدًا، ولَا تُذَمُّ (٤) تَسْقِي الحَجِيجَ الأعْظَمَ، وهِيَ بَيْنَ الفَرْثِ (٥) والدَّمِ، عِنْدَ نَقْرَةِ الغُرَابِ الأَعْصَمِ (٦) عِنْدِ قَرْيَةِ النَّمْلِ (٧).
قَالَ: فَلَمَّا بُيِّنَ لَهُ شَأْنَهَا، وَدُلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وعَرَفَ أنَّهُ قَدْ صَدَقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ، ومَعَهُ ابْنُهُ الحَارِثُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ولَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ، فَحَفَرَ فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ المُطَّلِبِ الطَّيَّ، كَبَّرَ فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أنَّهُ قَدْ أدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا
_________________
(١) قال السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩): لأنها ضُنَّ بها على غَيْرِ المُؤْمِنين، فلا يَتَضَلَّعُ منها مُنَافِقٌ، والتَّضَلُّعُ يعنِي مَنْ أكْثَرَ مِنَ الشُّربِ حتى تَمَدَّدَ جَنْبُهُ وأضْلَاعُهُ، فقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن آيةَ ما بيننا وبين المنافقينَ، أنهم لا يتضلَّعونَ من زمزم" رواه ابن ماجه في سننه - رقم الحديث (٣٠٦١) وإسناده ضعيف.
(٢) زمزَم: سُميت بذلك لكَثْرَةِ مائِهَا. انظر النهاية (٢/ ٢٨٢).
(٣) لا تُنْزَفُ: بضم التاء وفتح الزاي: أي لا يَفْنَى ماؤُهَا على كثرةِ الاسْتِقَاءِ. النهاية (٥/ ٣٦).
(٤) لا تُذَمُّ: أي لا تُعَابُ. انظر النهاية (٢/ ١٥٦).
(٥) الفَرْثُ: الكَرْشُ وما فِيهَا. لسان العرب (١٠/ ٢٠٨).
(٦) الغُرَابُ الأعْصَمُ: الذي في جنَاحَيْهِ بَيَاضٌ. انظر النهاية (٣/ ٢٢٦).
(٧) قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٦١): أما قرية النَّمْلِ، ففيها مِنَ المُشاكَلَةِ أيضًا والمُنَاسَبَةِ: أَنَّ زمزمَ هيَ عَيْنُ مكَّةَ التي يَرِدُهَا الحَجيجُ، والعُمَّارُ مِنْ كُلِّ جانِبٍ، فيَحْمِلُونَ إليها البُرَّ والشَّعِيرَ، وغير ذلك وهي لا تُحْرَثُ ولا تُزْرعُ، وقريةُ النَّملِ لا تُحْرَثُ ولا تُبْذَرُ وتَجْلِبُ الحُبُوبَ إلى قَرْيَتِهَا مِنْ كُلِّ جانِبٍ.
[ ١ / ٥٣ ]
إلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ المُطَّلِبِ إنَّهَا بِئْرُ أبِينَا إسْمَاعِيلَ، وإنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا، فَقَالَ: مَا أنَا بِفَاعِلٍ، إِن هَذَا الأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فأنْصِفْنَا فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ، قَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ "هُذَيْمٌ" قَالَ: نَعَمْ، وكَانَتْ فِي مَنْطِقَةِ مَعَانٍ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ، فَخَرَجَوُا إلَيْهَا، وخَرَجَ مَعَ عَبْدِ المُطَّلِبِ عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وخَرَجَتْ قُرَيْشٌ بِعِشْرِينَ رَجلٍ مِنْ قَبَائِلِهَا فَلَمَّا كَانُوا بِالفَقِيرِ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ أَوْ حَذْوِهِ فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأصْحَابِهِ، فَظَمِئُوا حتَّى أيْقَنُوا بالهَلَكَةِ، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إنَّا بِمَفَازَةٍ، ونَحْنُ نَخْشَى عَلَى أنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أصَابَكُمْ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ المُطَّلِبِ مَا صَنَعَ القَوْمُ، ومَا يَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِهِ وأصْحَابِهِ، قَالَ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إلَّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَإِنِّي أرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمُ الآنَ مِنْ الْقُوَّةِ، فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمَّ وَارُوهُ، حتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، فَحَفَرُوا القُبُورَ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ المَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ إلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الأرْضِ ولَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا، لَعَجْزٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ البِلَادِ، ارْتَحِلُوا، وَقَامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ، انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّر عَبْدُ المُطَّلِبِ، وَكَبَّرَ
[ ١ / ٥٤ ]
أصْحَابُهُ، وشَرِبُوا جَمِيعًا، واسْتَقَوْا ثُمَّ دَعَا القَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالَ لَهُمْ: هَلُمُّوا إِلَى المَاءِ، فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ، فَشَرِبُوا واسْتَقَوْا، وعَرَفُوا فَضْلَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ وَاللَّهِ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا المَاءَ بِهَذِهِ الفَلَاةِ لَهُوَ الذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجعْ إِلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا، فَرَجَعَ ورَجَعُوا مَعَهُ، ولَمْ يَصِلُوا إِلَى الكَاهِنَةِ، وخَلُّوا بَيْنَهُ وبَيْنَ زَمْزَمَ (١).
وحِينَئِذٍ نَذَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لَئِنْ آتَاهُ اللَّهُ عَشَرَةَ أبْنَاءٍ وبَلَغُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ، لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهُمْ عِنْدَ الكَعْبَةِ.
* رِوَايَاتٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ:
وأمَّا مَا ذَكَرَهُ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (٢): مِنْ أنَّهُ لَمَّا حَفَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ زَمْزَمَ، وَجَدَ فِيهَا غَزَالًا، وسِلَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَكُلُّهَا رِوَايَاتٌ ضَعِيفَةٌ، لَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا شَيْءٌ.
* * *
_________________
(١) أخرج قصة حفر زمزم على يد عبد المطلب: البيهقي في دلائل النبوة (١/ ٩٣).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٣٨).
[ ١ / ٥٥ ]
حَدِيثُ الفِيلِ
وَأَمَّا حَادِثُ الفِيلِ فَهُوَ حَادِثٌ عَظِيمٌ، لَمْ يَحْدُثْ مِثْلُهُ فِي تَارِيخِ العَرَبِ، وكَانَ دلِيلًا عَلَى ظُهُورِ حَادِثٍ أكْبَرَ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ بِالعَرَبِ خَيْرًا، وَأَنَّ لِلْكَعْبَةِ شَأْنًا لَيْسَ لِغَيْرِهَا مِنْ بُيُوتِ الدُّنْيَا، ومَرَاكِزِ العِبَادَةِ، وقَدْ نِيطَتْ بِهَا رِسَالَةٌ ودَوْرٌ فِي تَارِيخِ الدِّيَانَاتِ، ومَصِيرِ الإِنْسَانِيَّةِ، لابُدَّ أَنْ تُؤَدِّيَهُ، وَأَنْ تَقُومَ بِهِ (١).
وكَانَ مِنْ خَبَرِ هَذَا الحَادِثِ أَنَّ أَبْرَهَةَ الأَشْرَمَ عَامِلُ النَّجَاشِيِّ عَلَى اليَمَنِ بَنَى بِصَنْعَاءَ كَنِيسَةً عَظِيمَةً، لَمْ يُرَ مِثْلُهَا في زَمَانِهَا بِشَىْءٍ مِنَ الأَرْضِ، سَمَّاهَا القُلَّيْسَ (٢)، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ: إنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ أيُّهَا المَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكٍ كَانَ قَبْلَكَ، ولَسْتُ بِمُنْتَهٍ حتَّى أَصْرِفَ إلَيْهَا حَجَّ العَرَبِ.
فلَمَّا تَحَدَّثَتِ العَرَبُ بِكِتَابِ أبْرَهَةَ ذَلِكَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، سَمِعَ رَجُلٌ مِنْ
_________________
(١) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٧٧.
(٢) قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ١١٢): . . . وكان أبرَهةُ قد اسْتَذَلَّ أهلَ اليَمَنِ في بُنْيَانِ هذهِ الكَنِيسَةِ الخَسِيسَة، وكان ينقلُ إليها العدد من الرُّخام المُجَزَّع، والحِجَارة المَنْقوشة بالذَّهب من قَصْرِ بلقيس صاحِبَةِ سليمان ﵇، ونَصَبَ فيها صُلْبانًا من الذَّهب والفضة، وكان أراد أن يرفع في بِنَائِها حتى يُشرف منها على عَدَن، وكان حكمه في العامل إذا طَلَعَتْ عليه الشمس ولم يُكمل عَمَلَهُ أن يَقْطع يَدَهُ.
[ ١ / ٥٦ ]
كِنَانَةَ فَعَزَّ عَلَيْهِ الأَمْرُ، وهُوَ مِنَ العَرَبِ الذِينَ رَضَعُوا بِلِبَانِ حُبِّ الكَعْبَةِ وتَعْظِيمِهَا، لَا يَعْدِلُونَ بِهَا بَيْتًا، وَلَا يَرَوْنَ عَنْهَا بَدِيلًا، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الكَنِيسَةَ فَدَخَلَهَا لَيْلًا فَلَطَّخَ قِبْلَتَهَا بِالعَذِرَةِ وَجَمَعَ جِيَفًا فَأَلْقَاهَا فِيهَا.
فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أبْرَهَةُ وحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى البَيْتِ حَتَّى يَهْدِمَهُ، ثُمَّ سَارَ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ، وخَرَجَ مَعَهُ بِتِسْعَةِ فِيَلَةٍ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فِيلًا، واخْتَارَ لِنَفْسِهِ فِيلًا مِنْ أَكْبَرِ الفِيَلَةِ، وكَانَ اسْمُهُ "مَحْمُودًا"، وسَمِعَتْ بِذَلِكَ العَرَبُ، فنَزَلَ عَلَيْهِمْ كَالصَّاعِقَةِ، وأَعْظَمُوهُ، ورَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، حِينَ سَمِعُوا بِأَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الكَعْبَةِ بَيْتَ اللَّهِ الحَرَامَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ وكَانَ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ اليَمَنِ، ومُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ: (ذُو نَفَرٍ)، فَدَعَا قَوْمَهُ، وَمَنْ أجَابَهُ مِنْ سَائِرِ العَرَبِ إِلَى حَرْبِ أبْرَهَةَ، وجِهَادِهِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ، ومَا يُرِيدُ مِنْ هَدْمِهِ وإخْرَابِهِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فَقَاتَلَهُ، فَهُزِمَ (ذُو نَفَرٍ) وأصْحَابُهُ، وأُخِذَ لَهُ (ذُو نَفَرٍ) فَأُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَرَادَ أبْرَهَةُ قَتْلَهُ قَالَ لَهُ (ذُو نَفَرٍ): أيُّهَا المَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَائِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِنْ قَتْلِي، فَتَرَكَهُ مِنَ القَتْلِ وحَبَسَهُ عِنْدَهُ فِي وَثَاقٍ، ثُمَّ مَضَى أبْرَهَةُ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ يُرِيدُ مَا خَرَجَ لَهُ، حتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ خَثْعَمٍ عَرَضَ لَهُ (نُفَيْلُ بنُ حَبِيبٍ الخَثْعَمِيُّ) فِي قَبِيلَتَيْ خَثْعَمَ: شَهْرَانِ، ونَاهِسٍ، ومَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَبَائِلِ العَرَبِ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ أبْرَهَةُ، وأُخِذَ لَهُ نُفَيْلٌ أسِيرًا، فَأُتِيَ بِهِ إِلَى أبْرَهَةَ، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ، قَالَ لَهُ نُفَيْلٌ: أيُّهَا المَلِكُ لا تَقْتُلْنِي فَإِنِّي دَلِيلُكَ بِأَرْضِ العَرَبِ، وهَاتَانِ يَدَايَ لَكَ عَلَى قَبِيلَتَيْ خَثْعَمٍ: شَهْرَانِ وَنَاهِسٍ بِالسَّمْع والطَّاعَةِ،
[ ١ / ٥٧ ]
فَخَلَّى سَبِيلَهُ، وخَرَجَ بِهِ مَعَهُ يَدُلُّهُ، حتَّى إذَا مَرَّ بالطَّائِفِ خَرَجَ إِلَيْهِ مَسْعُودُ بنُ مُعَتِّبٍ الثَّقَفِيُّ فِي رِجَالٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَقَالُوا لَهُ: أيُّهَا المَلِكُ، إِنَّمَا نَحْنُ عَبِيدُكَ سَامِعُونَ لَكَ مُطِيعُونَ، لَيْسَ عِنْدَنَا لَكَ خِلَافٌ، ولَيْسَ بَيْتُنَا هَذَا البَيْتَ الذِي تُرِيدُ -يَعْنُونَ اللَّاتَ، وهُوَ بَيْتٌ لَهُمْ بِالطَّائِفِ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ نَحْوَ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ-، إِنَّمَا تُرِيدُ البَيْتَ الذِي بِمَكَّةَ، ونَحْنُ نَبْعَثُ مَعَكَ مَنْ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ، فَبَعَثُوا مَعَهُ رَجُلًا هُوَ أَبُو رِغَالٍ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّة، فَخَرَجَ أبْرَهَةُ، ومَعَهُ الدَّلِيلُ حَتَّى أنْزَلَهُ المُغَمَّسَ (١)، وهُنَاكَ أمَرَ أبْرَهَةُ أصْحَابَهُ بالغَارَةِ عَلَى نَعَمِ النَّاسِ، فبَعَثَ رَجُلًا مِنَ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ (الأَسْوَدُ بنُ مَقْصُودٍ) عَلَى خَيْلٍ لَهُ، حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَكَّةَ، فَسَاقَ إِلَيْهِ أَمْوَالَ قُرَيْشٍ، وغَيْرَهُمْ، فأَصَابَ مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمٍ جَدِّ النَّبِيِّ -ﷺ-، وهُوَ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وسَيِّدُهَا، فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ، وكِنَانَةُ، وهُذَيْلٌ، ومَنْ كَانَ بِذَلِكَ الحَرَمِ بِقِتَالِهِ، ثُمَّ عَرَفُوا أنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، فَتَرَكُوا ذَلِكَ.
وبَعَثَ أبْرَهَةُ (حُنَاطَةَ الحِمْيَرِيَّ) إِلَى مَكَّةَ، وقَالَ لَهُ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ أهْلِ هذَا البَلَدِ وشَرِيفِهَا، ثُمَّ قُلْ لَهُ: إِنَّ المَلِكَ يَقُولُ لَكَ: إنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ، إِنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا البَيْتِ، فَإنْ لَمْ تَعْرِضُوا لَنَا دُونَهُ بِحَرْبٍ، فَلَا حَاجَةَ لِي فِي دِمَائِكُمْ، فَإنْ هو لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ (حُنَاطَةُ) مَكَّةَ، واجْتَمَعَ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ أخْبَرَهُ بِمَا أمَرَهُ بِهِ أبْرَهَةُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ: واللَّهِ مَا نُرِيدُ
_________________
(١) المُغَمَّسُ: مَوضِعٌ قُربَ مكَّةَ، في طَريقِ الطَّائِفِ. انظر معجم البلدان (٥/ ١٨٨).
[ ١ / ٥٨ ]
حَرْبَهُ، ومَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ طَاقَةٍ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الحَرَامُ، وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَوَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا دَفْعٌ عَنْهُ، فَقَالَ حُنَاطَةُ: فَانْطَلِقْ مَعِيَ إِلَيْهِ، فانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ، ومَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ، حتَّى أتَى العَسْكَرَ فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفَرٍ، وكَانَ لَهُ صَدِيقًا، حتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ وهُوَ فِي مَحْبَسِهِ، فقَالَ لَهُ: يَا ذَا نَفَرٍ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ غَنَاءٍ فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ لَهُ ذُو نَفَرٍ: ومَا غَنَاءُ رَجُلٍ أسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ غُدُوًّا أَوْ عَشِيًّا؟ مَا عِنْدِي غَنَاءٌ في شَيْءٍ مِمَّا نَزَلَ بِكَ، إلَّا أَنَّ (أُنَيْسًا) سَائِقَ الفِيلِ صَدِيقٌ لِي، وسَأُرْسِلُ إِلَيْهِ فأُوصِيهِ بِكَ، وأُعْظِمُ عَلَيْهِ حَقَّكَ، وأسْأَلَهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلَى المَلِكِ، فَتُكَلِّمَهُ بِمَا بَدَا لَكَ، ويَشْفَعُ لَكَ عِنْدَهُ بِخَيْرٍ إنْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: حَسْبِي، فَبَعَثَ ذُو نَفَرٍ إِلَى (أُنَيْسٍ) فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وصَاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ، يُطْعِمُ النَّاسَ بِالسَّهْلِ، والوُحُوشَ فيِ رُؤُوسِ الجِبَالِ، وقَدْ أَصَابَ لَهُ المَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فاسْتَأْذِنْ لَهُ عَلَيْهِ، وانْفَعْهُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَطَعْتَ.
* دُخُولُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَى أبْرَهَةَ الحَبَشِيِّ:
فَفَعَلَ أُنَيْسٌ، وَأَذِنَ أبْرَهَةُ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ بِالدُّخُولِ عَلَيْه، وكَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أوْسَمَ النَّاسِ، وأجْمَلَهُمْ، وأعْظَمَهُمْ، فلَمَّا رَآهُ أبْرَهَةُ أَجَلَّهُ، وأعْظَمَهُ، وأكْرَمَهُ عَنْ أَنْ يُجْلِسَهُ تَحْتَهُ، وكَرِهَ أَنْ تَرَاهُ الحَبَشَةُ يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، فَنَزَلَ أبْرَهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطِهِ، وأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ:
[ ١ / ٥٩ ]
قُلْ لَهُ حَاجَتَكَ؟ فقَالَ لهُ ذَلِكَ التَّرْجُمَانُ، فقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ المَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصَابَهَا لِي، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ أبْرَهَةُ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: قَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ قَدْ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي، أتُكَلِّمُنِيُ فِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصَبْتُهَا لكَ وتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ ودِينُ آبَائِكَ، قَدْ جِئْتُ لِأَهْدِمَهُ، لَا تُكَلِّمُنِي فِيهِ؟
فقَالَ لَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنِّي أنَا رَبُّ الإِبِلِ، وإِنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَمْنَعُهُ، فَقَالَ أبْرَهَةُ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنِّي، قاَل: أنْتَ وذَاكَ.
فَأَمَرَ أبْرَهَةُ أَنْ يُرَدَّ إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَبَضَهَا قَلَّدَها (١) النِّعَالَ وأشْعَرَهَا (٢) وجَعَلَهَا هَدْيًا، وَبَثَّهَا فِي الحَرَمِ كَيْ يُصَابَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَغْضَبَ رَبُّ الحَرَمِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ وَيَسْتَنْصِرُهُ، وهُوَ آخِذٌ بِحَلَقَةِ بَابِ الكَعْبَةِ ويَقُولُ:
لَاهُمَّ إِنَّ المَرْءَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ومَحَالُهُمْ غَدْوًا مَحَالَكْ
إنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وقِبْلَتَنَا فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكْ
وأشَارَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلَى قَوْمِهِ بالتَّفَرُّقِ في الشِّعَابِ، والتَّحَرُّزِ في رُؤُوسِ الجِبَالِ، تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الجَيْشِ (٣)؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِأَبْرَهَةَ
_________________
(١) تقْلِيدُ البُدْنِ: أن يُجعل في عُنُقِها شِعار يُعلم به أنها هَدْيٌ. لسان العرب (١١/ ٢٧٦).
(٢) أشَعْرَ البَدَنَةَ: أعلَمَهَا، وهو أن يشُقَّ جلدها أو يطعنَهَا في أسْمِنَتِهَا في أحد الجانِبَين حتى يَظهَرَ الدَّمُ ويعرف أنها هَدْي. انظر لسان العرب (٧/ ١٣٥).
(٣) مَعَرَّةُ الجَيْشِ: أي أذَى الجَيْشِ. انظر النهاية (٤/ ٢٩١).
[ ١ / ٦٠ ]
وجُنُودِهِ، وَأَنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَحْمِيهِ.
وتَهَيَّأَ أبْرَهَةُ لِدُخُولِ مَكَّةِ، وعَبَّأَ جَيْشَهُ (١)، وهَيَّأَ فِيلَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي وَادِي (مُحَسِّرٍ) بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى بَرَكَ الفِيلُ، ولَمْ يَقُمْ لِيَقْدَمَ إِلَى الكَعْبَةِ، ويُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا وجَّهُوا الفِيلَ إِلَى مَكَّةَ أقْبَلَ نُفَيْلُ بنُ حَبِيبٍ الخَثْعَمِيُّ حتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِ الفِيلِ، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ، فَقَالَ: ابْرُكْ مَحْمُودُ، فَإِنَّكَ في بَلَدِ اللَّهِ الحَرَامِ، ثُمَّ أرْسَلَ أُذُنَهُ، فبَرَكَ الفِيلُ، وخَرَجَ نُفَيْلٌ يَشْتَدُّ حتَّى أَصْعَدَ في الجَبَلِ، وضَرَبُوا الفِيلَ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَضَرَبُوا رَأْسَهُ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهِ إِلَى الشَّامِ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ووَجَّهُوهُ إِلَى المَشْرِقِ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ووجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ.
* وُصُولُ الطَّيْرِ الأَبَابِيلِ:
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبَابِيلَ (٢) مِنَ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طَائِرٍ مِنْهَا: ثَلَاثَةُ أحْجَارٍ، حَجَرٌ في مِنْقَارِهِ، وحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، وحَجْمُ الحِجَارَةِ كحَجْمِ الحُمُّصِ أَوِ العَدَسِ، لَا يُصِيبُ مِنْهُمْ أحَدًا إلَّا صَارَ تَتَقَطَّعُ أعْضاؤُهُ ويَهْلَكُ، ولَيْسَ كُلُّهُمْ أصَابَتْ، وخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّريقَ الذِي مِنْهُ جَاؤُوا، ويَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بنِ حَبِيبٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأَى مَا أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ:
_________________
(١) عَبَّأَ جَيْشَهُ: أي رتَّبَهم في مواضعِهِم وهيَّأهُمْ للحَرْبِ. انظر النهاية (٣/ ١٥٣).
(٢) أبَابِيلُ: أي جَمَاعَاتٌ يتبع بعضُهَا بَعضًا. تفسير ابن كثير (٨/ ٤٨٧).
[ ١ / ٦١ ]
أيْنَ المَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ والأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغَالِبُ
وقَالَ أيْضًا:
ألَا حُيِّيتِ عَنَّا يَا رُدَيْنَا نَعَمْنَاكُمْ مَعَ الإِصْبَاحِ عَيْنَا
رُدَينَةُ، لَوْ رَأَيْتِ فَلَا تُرِيهِ لَدَى جَنْبِ المُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا
إذًا لَعَذَرْتِنِي وَحَمِدْتِ أمْرِي ولَمْ تَأْسَيْ عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَنَا
حَمِدْتُ اللَّهَ إذْ أَبْصَرْتُ طَيْرًا وَخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا
وكُلُّ القَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنًا
فَخَرَجُوا يَتَسَاقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، ويَهْلَكُونَ بِكُلِّ مَهْلَكٍ.
* هَلَاكُ أبْرَهَةَ الأشْرَمِ:
وَأَمَّا أبْرَهَةُ فبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَاءً تَسَاقَطَتْ بِسَبَبِهِ أنَامِلُهُ (١)، أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، ولَمْ يَصِلْ إِلَى صَنْعَاءَ إلَّا وَهُوَ مِثْلُ فَرْخِ الطَّائِرِ، وانْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، فَمَاتَ شَرَّ مِيتَةٍ.
يقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٢).
فلمَّا رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى الْحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، وأصَابَهُمْ بِمَا أصَابَهُمْ بِهِ مِنَ النِّقْمَةِ
_________________
(١) الأنَامِلُ: هي رؤُوسُ الأصَابعِ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٩٥).
(٢) سورة الفيل آية (١ - ٥).
[ ١ / ٦٢ ]
أعْظَمَتِ العَرَبُ قُرَيْشًا، وقَالُوا: هُمْ أهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ اللَّهُ عَنْهُمْ وكَفَاهُمُ العَدُوَّ، وازْدادُوا تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ الحَرَامِ، وإيمَانًا بِمَكَانِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وقَالُوا في ذَلِكَ أشْعَارًا يَذْكُرُونَ فِيهَا مَا صَنَعَ اللَّهُ بِالحَبَشَةِ، ومَا رَدَّ عَنْ قُرَيْشٍ مِنْ كَيْدِهِمْ، مِنْهَا مَا قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزِّبَعْرَي:
تَنَكَّلُوا عَنْ بَطْنِ مَكَّةَ إنَّهَا كَانَتْ قَدِيمًا لَا يُرَامُ حَرِيمُهَا
لَمْ تُخْلَقِ الشِّعْرَى لَيَالِيَ حُرِّمَتْ إذْ لَا عَزِيزَ مِنَ الأَنَامِ يَرُومُهَا
سَائِلْ أمِيرَ الجَيْشِ عَنْهَا مَا رَأَى ولَسَوْفَ يُنْبِي الجَاهِلِينَ عَلِيمُهَا
سِتُّونَ ألْفًا لَمْ يَؤُوبُوا أرْضَهُمْ بَلْ لَمْ يَعِشْ بَعْدَ الإِيَابِ سَقِيمُهَا
دَانَتْ بِهَا عَادٌ وجُرْهُمُ قَبْلَهُمْ واللَّهُ مِنْ فَوْقِ العِبَادِ يُقِيمُهَا
وقَدْ وَقَعَ هَذَا الحَادِثُ في شَهْرِ المُحَرَّمِ قَبْلَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ بِخَمْسِينَ أَوْ بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا، وَكَانَ ذَلِكَ آيَةً مِنَ اللَّهِ، ومُقَدِّمَةً لِبِعْثَةِ نَبِيٍّ يُبْعَثُ فِي مَكَّةَ ويُطَهِّرُ الكَعْبَةَ مِنَ الأوْثَانِ، ويُعِيدُ إلَيْهَا مَا كَانَ لَهَا مِنْ رِفْعَةٍ وشَأْنٍ، وتَكُونُ لِدِينِهِ صِلَةٌ عَمِيقَةٌ دَائِمَةٌ بهَذَا البَيْتِ.
واسْتَعْظَمَ العَرَبُ هَذَا الحَادِثَ فَأرَّخُوا بِهِ، وقَالُوا: وَقَعَ هَذَا فِي عَامِ الفِيلِ، ووُلِدَ فُلَانُ في عَامِ الفِيلِ، ووَقَعَ هَذَا بَعْدَ عَامِ الفِيلِ بِكَذَا مِنَ السِّنِينَ (١).
_________________
(١) تفاصيل قِصَّةِ أصحاب الفيلِ انظرها في: البداية والنهاية (٢/ ٥٦٥) سيرة ابن هشام (١/ ٧٦) - الرَّوْض الأُنُف (١/ ١١٧) - دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ١٤٤) - دلائل النبوة للبيهقي (١/ ١١٥).
[ ١ / ٦٣ ]
نَذْرُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ذَبْحَ أحَدِ أَوْلادِهِ
رَأَيْنَا مَا لَقِيَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ مِنْ قُرَيْشٍ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يحْفِرَ بِئْرَ زَمْزَمَ، أحَسَّ بالضَّعْفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نَصِيرٌ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا ابْنُهُ الحَارِثُ، فَنَذَرَ للَّهِ تَعَالَى لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ، ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ حتَّى يَمْنَعُوهُ لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهُمْ عِنْدَ الكَعْبَةِ.
وفِعْلًا يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، ويُرْزَقُ عَشَرَةَ أَبْنَاءٍ غَيْرَ البَنَاتِ وهُمْ:
١ - الحَارِثُ وهُوَ أكْبَرُهُمْ وأمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ جُنْدُبٍ.
٢ - الزُّبَيْرُ وأمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بنِ عَائِذٍ المَخْزُومِيَّةُ.
٣ - حَمْزَةُ -﵁- وأمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ وُهَيْبٍ.
٤ - أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ العُزَّى وأمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ هَاجَرَ.
٥ - المُقَوَّمُ وأمُّهُ هَالَةُ.
٦ - ضِرَارٌ وهُوَ شَقِيقُ العَبَّاسِ وأمُّهُ نَتْلَةُ.
٧ - أَبُو طَالِبٍ وأمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بنِ عَائِذٍ المَخْزُومِيَّةُ.
٨ - عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ الرَّسُولِ -ﷺ- وهُوَ شَقِيقُ أَبِي طَالِبٍ والزُّبَيرِ.
[ ١ / ٦٤ ]
٩ - العَبَّاسُ -﵁- وأمُّهُ نَتْلَةُ.
١٠ - حَجَلٌ وأمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ وُهَيْبٍ.
وَأَمَّا البَنَاتُ فَسِتٌّ وهُنَّ: صَفِيَّةُ، وأمُّ حَكِيمٍ وهِيَ البَيْضَاءُ، وعَاتِكَةُ، وأُمَيْمَةُ، وأرْوَى، وبَرَّةُ (١).
فلَمَّا بَلَغَ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ عَشَرَةً، وعَرَفَ أنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ جَمَعَهُمْ ثُمَّ أخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ، ودَعَاهُمْ إِلَى الوَفَاءِ بالنَّذْرِ فَأَطَاعُوهُ، وقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قَدَحًا ثُمَّ يَكْتُبَ فِيهِ اسْمَهُ ثُمَّ ائْتُونِي، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ، فَدَخَلَ عَلَى (هُبَلٍ) وهُوَ صَنَمٌ في جَوْفِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ لِصَاحِبِ القِدَاحِ (٢): اضْرِبْ عَلَى بَنِيَّ هَؤُلَاءِ بِقِدَاحِهِمْ، وأخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الذِي نَذَرَ فَفَعَلَ الرَّجُلُ.
* خُرُوجُ القَدَحِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ:
وكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أحَبَّ وَلَدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ إِلَيْهِ، وكَانَ يَقُولُ: لَئِنْ صُرِفَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَنَا بِخَيْرٍ.
فَضَرَبَ بِالْقِدَاحِ فَخَرَجَ القَدَحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فأَخَذَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ بِيَدِهِ
_________________
(١) انظر الطبقات لابن سعد (١/ ٤١) - البداية والنهاية (٢/ ٦٥٠) - الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٧١).
(٢) الأقْدَاحُ: هي الأزْلَامُ التي كانت في الجاهلية عليها مكتوبٌ الأمرُ والنهيُ، افعل، ولا تفعل، كان الرجل منهم يضعها في وِعَاءٍ له، فإذا أراد سَفَرًا أو زَوَاجًا أو أمرًا مهمًّا أدخل يده، فأخرَجَ منها زلمًا، فإذا خرج الأمر مضى لشأنِهِ، وإن خرج النَّهي كَفَّ عنه، ولم يفعله. انظر النهاية (٢/ ٢٨١).
[ ١ / ٦٥ ]
وأَخَذَ الشَّفْرَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إِلَى الكَعْبَةِ لِيَذْبَحَهُ فَمَنَعَتْهُ قُرَيْشٌ، وَلَا سِيَّمَا إخْوَتُهُ وأخْوَالُهُ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.
فقَالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: فَكَيْفَ أصْنَعُ بِنَذْرِي؟ فأشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ عَرَّافَةً بِالحِجَازِ، فَيَسْتَأْمِرَهَا فذَهَبَ إِلَيْهَا عَبْدُ المُطَّلِبِ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا شَرَحَ لَهَا تَفَاصِيلَ القِصَّةِ، فَقَالَتْ: كَمِ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشَرَةٌ مِنَ الإِبِلِ، قَالَتْ: اضْرِبُوا القِدَاحَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وعَلَى عَشْرٍ مِنَ الإِبِلِ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَزِيدُوهَا عَشْرًا حتَّى يَرْضَى رَبُّهُ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ.
* فِدَاءُ عَبْدِ اللَّهِ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ:
فَلَمَّا رَجَعُوا قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ، وعَشْرًا مِنَ الإِبِلِ فَخَرَجَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا، فَخَرَجَتْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَزِيدُ مِنَ الإِبِلِ عَشْرًا عَشْرًا، ولَا تَقَعُ القُرْعَةُ إلَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنْ بَلَغَتِ الإِبِلُ مِائَةً (١) فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لَقَدْ رَضِيَ رَبُّكَ يا عَبْدَ المُطَّلِبِ، فَقَالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَا حَتَّى أَضْرِبَ عَلَيْهَا بِالقِدَاحِ ثَلَاثًا، فَفَعَلَ، وفِي كُلِّ مَرَّةٍ تَخْرُجُ القِدَاحُ عَلَى الإِبِلِ، ثُمَّ نُحِرَت وتُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إنْسَانٌ، ولَا طَيْرٌ ولَا سَبُعٌ (٢).
_________________
(١) روى ابن سعد في الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٤١) عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الدِّيَةُ يومئذٍ عَشْرًا من الإبلِ، وعبد المطلبِ أوَّلُ من سَنّ ديةَ النَّفْسِ مائةً من الإبل، فجَرَتْ في قريش والعرب مائة من الإبل، وأقرَّها رسول اللَّه -ﷺ- على ما كانت عليه.
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١/ ٤١) - البداية والنهاية (٢/ ٦٥٠) - الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٦٦ ]
* حَدِيثٌ وَاهٍ:
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: "أنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ"، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (١)، وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِقَوْلِهِ: إِسْنَادُهُ وَاهٍ.
وَأَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا (٢).
وَأَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْفَتَاوَى، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ (٣).
وَأَوْرَدَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ الضَّعِيفَةِ، وَقَالَ: لَا أَصْلَ لَهُ (٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب تواريخ المتقدِّمينَ من الأنبياء والمرسلين باب ذِكر من قال: إن الذَّبِيحَ إسحاق بن إبراهيم ﵇ - رقم الحديث (٤١٠٢).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٣٥).
(٣) أورده العجلوني في كشف الخفاء (١/ ١٩٩).
(٤) انظر السلسلة الضعيفة - رقم الحديث (٣٣١) (١٦٧٧).
[ ١ / ٦٧ ]
زَوَاجُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
ولَمَّا بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وكَانَ شَابًّا نَسِيبًا جَمِيلًا، وَسِيمًا غَضَّ الإِهَابِ، قَوِيَّ البُنْيَانِ أَرَادَ أبُوهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ، بنِ زُهْرَةَ، بنِ كِلَابِ، بنِ مُرَّةَ، وهِيَ يَوْمَئِذٍ أفْضَلُ امْرَأَةٍ في قُرَيْشٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا (١)، وأبُوهَا سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وشَرَفًا، فَبَنَى (٢) بِهَا عَبْدُ اللَّهِ في مَكَّةَ (٣).
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فكَانَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- أوْسَطَ قَوْمِهِ نَسَبًا، وأعْظَمَهُمْ شَرَفًا مِنْ قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ (٤).
* قِصَّةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ومُنْكَرَةٌ:
رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ، وابْنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ: أَنَّ امْرَأَةً تعَرَّضَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والِدِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وأرَادَتْ مِنْهُ أَنْ يَزْنِيَ بِهَا، وذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهَا رَأَتْ في وَجْهِ عَبْدِ اللَّهِ نُورًا سَاطِعًا، فَلَمَّا تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أُمَّ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَوَقَعَ بِهَا، ذَهَبَ ذَلِكَ النُّورُ الذِي كَانَ في وَجْهِ عَبْدِ اللَّهِ،
_________________
(١) أفضلُ امرَأةٍ من قُريش نسبًا مِنْ جهة الأب، ومَوْضعًا مِنْ جهة الأم. انظر شرح الزرقاني على المواهب (١/ ١٠٣).
(٢) البِنَاءُ: هو الدُّخولُ بالزوجة. انظر النهاية (١/ ١٥٦).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ١٩٣).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ١٩٤).
[ ١ / ٦٨ ]
ثُمَّ رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى المَرْأَةِ، وَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ فِي الذِي عَرَضْتِ عَلَيَّ؟
فَقَالَتْ: لَا، مَرَرْتَ وفي وَجْهِكَ نُورٌ سَاطِعٌ، ثُمَّ رَجَعْتَ ولَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ النُّورُ، فَلَيْسَ لِي بِكَ اليَوْمَ حَاجَةٌ (١).
وهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُنْكَرَةٌ سَنَدًا وَمَتْنًا، ومَنْ يَقْرَأُ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةَ عَنْهَا يُدْرِكُ مَدَى الاخْتِلَافِ والاضْطِرَابِ في سَوْقِهَا سَوَاءً في تَعْيِينِ المَرْأَةِ، إذْ مَرَّةً هِيَ خَثْعَمِيَّةٌ، وأخْرَى أسَدِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ، اسْمُهَا قُتَيْلَةُ، وثَالِثَةً عَدَوِيَّةٌ اسْمُهَا لَيْلَى، وكَذَلِكَ فِي صِفَةِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَمَا الْتَقَتْهُ، فَمَرَّةً هُوَ مُطَيَّنُ الثِّيَابِ، وأُخْرَى هُوَ في زِينَتِهِ (٢).
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة ﵀: وفِي الحَقِّ أنِّي فِي شَكٍّ مِنْ هَذَا العَرْضِ (٣)، . . . واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ (٤).
* وفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ إِلَى الشَّامِ في عِيرٍ (٥) مِنْ عِيرَاتِ قُرَيْشٍ يَحْمِلُونَ تِجَارَاتٍ، فَفَرَغُوا مِنْ تِجَارَاتِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَمَرُّوا بالمَدِينَةِ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ، فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أنَا أتَخَلَّفُ عِنْدَ
_________________
(١) أخرج ذلك ابن سعد في طبقاته (١/ ٤٤) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ١٩٢) - والبيهقي في دلائل النبوة (٠١/ ١٠٧).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة الصحيحة (١/ ٩٥) للدكتور أكرم العمري.
(٣) أي عَرْضِ هذه المرأةِ نفسهَا على عبدِ اللَّه والدِ الرَّسول -ﷺ-.
(٤) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (١/ ١٦٤) للدكتور محمَّد أبو شهبة ﵀.
(٥) العِيرُ: هي الإبِل التي كانوا يُتَاجِرون عليها. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
[ ١ / ٦٩ ]
أخْوَالِي بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، فأقَامَ عِنْدَهُمْ مَرِيضًا شَهْرًا، ومَضَى أصْحَابُهُ فَقَدِمُوا مَكَّةَ، فَسَأَلَهُمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالُوا: خَلَّفْنَاهُ عِنْدَ أخْوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، وهُوَ مَرِيضٌ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ أكْبَرَ وَلَدِهِ الحَارِثَ فَوَجَدَهُ قَدْ تُوُفِّي ودُفِنَ في دَارِ النَّابِغَةِ، وهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، فَرَجَعَ الحَارِثُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ إِلَى أبِيهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فأخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَدْ تُوُفِيَ، فَوَجِدَ (١) عَلَيْهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ، وإخْوَتُهُ وأخَوَاتُهُ وَجْدًا شَدِيدًا (٢).
* وُلِدَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتِيمَ الأَبِ:
ولَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ الرَّسُولِ -ﷺ-، كَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَمْلًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ابنَ شَهْرَيْنِ، فَقَدْ رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ عَنْ قَيْسِ (٣) بنِ مَخْرَمَةَ -﵁- قَالَ: تُوُفِّيَ أبُوهُ وأُمُّهُ حُبْلَى (٤) بِهِ (٥).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَقْصُودُ أَنَّ أُمَّهُ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ -ﷺ-، تُوُفِّيَ أبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وهُوَ حَمْلٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ عَلَى المَشْهُورِ (٦).
_________________
(١) وَجِدَ: بكسر الجيم وفتحها أي حَزِنَ. لسان العرب (١٥/ ٢١٩).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٤٦) - زاد المعاد (١/ ٧٥) - الرَّوْض الأُنُف (١/ ٢٨٣) - السِّيرة النَّبوِيَّة للذهبي (١/ ٦٦٥).
(٣) هو قيسُ بنُ مَخْرَمَةَ بن المُطَّلِبِ القرشِي المُطَّلِبي، وُلِدَ هو ورسول اللَّه -ﷺ- في عام واحد، وكان من المؤلَّفَةِ قلوبهم، وكان مِمَّنْ حَسُنَ إسلامه. انظر الإصابة (٥/ ٣٧٩).
(٤) امرأةٌ حُبْلَى: أي حَامل. انظر لسان العرب (٣/ ٣١).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التاريخ - باب زيارته -ﷺ- قبر أمه - رقم الحديث (٤٢٤٧) - وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
(٦) انظر البداية والنهاية (٢/ ٦٦٥).
[ ١ / ٧٠ ]
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ: واخْتُلِفَ فِي وَفَاةِ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، هَلْ تُوُفِّيَ ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَمْلٌ، أَوْ تُوُفِّيَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ؟
عَلَى قَولَيْنِ: أصَحُّهُمَا أنَّهُ تُوُفِّيَ ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَمْلٌ (١).
* كَمْ كَانَ عُمُرُ عَبْدِ اللَّهِ لَمَّا تُوُفِّيَ؟
وتُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: هَذَا هُوَ أَثْبَتُ الْأَقَاوِيلِ (٢).
* مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَبِيهِ:
وَجَمِيعُ مَا خَلَّفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَمْسَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَقِطْعَةَ غَنَمٍ، وَجَارِيَةً حَبَشِيَّةً اسْمُهَا: "بَرَكَةُ" وَهِيَ أُمُّ أَيْمَنَ (٣) ﵂ (٤).
* * *
_________________
(١) انظر زاد المعاد (١/ ٧٥).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٤٦) - شرح المواهب (١/ ٢٠٤).
(٣) هيَ أمُّ أيمنَ الحَبَشِيَّةُ حاضِنَةُ رسول اللَّه -ﷺ- أسلَمَتْ قديمًا، وهاجرتْ إلى الحبشةِ، وإلى المدينة، زوَّجها رسول اللَّه -ﷺ- زيد بن حارثة -﵁-، فرُزِقَتْ منه ابنها أسامة ﵄، وتوفيت ﵂ في خلافة عثمان بن عفان -﵁-. انظر الإصابة (٨/ ٣٥٨). روى الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٧١): عن ابن شهاب الزهري قال: وكان مِنْ شأن أُمِّ أيمن، أُم أسامة بن زيد، أنها كانت وَصيفَةً -أي أمَةً- لعبد اللَّه بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما وَلَدَتْ آمنة رسول اللَّه -ﷺ-، بعدما توفي أبوه، فكانت أمُّ أيمن تحضنه، حتى كبر رسول اللَّه -ﷺ-، فأعتَقَهَا.
(٤) الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٤٦).
[ ١ / ٧١ ]