ـ[المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي]ـ
المؤلف: محمد (أو عبد الله) بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن حسن الأنصاري، أبو عبد الله، جمال الدين ابن حديدة (المتوفى: ٧٨٣هـ)
المحقق: محمد عظيم الدين
الناشر: عالم الكتب - بيروت
سنة النشر:
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[ ١ / ١ ]
خطْبَة الْكتاب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين
الْحَمد لله الْملك الديَّان ذِي الْعِزَّة وَالسُّلْطَان قاهر الْجَبَابِرَة ذَوي التيجان كقيصر وكسرى أنوشروان باعث سيدنَا وَنَبِينَا مُحَمَّد بأشرف الْأَدْيَان إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود من إنس وجان فَأَجَابَهُ وَاتبعهُ قبل مولده بِأَلف عَام تبع الأول ملك الأَرْض من ولد قحطان وطغى وتجبر أبرويز صَاحب الإيوان فَدَعَا عَلَيْهِ فمزق ملكه وَذَهَبت عبَادَة
[ ١ / ٥ ]
النيرَان ﷺ عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه ذَوي النجدة الشجعان الَّذين شدّ بهم أزره وَأَعْلَى بهم ذكره فشاد الدّين وَارْتَفَعت لَهُ الْأَركان وَرَضي الله عَنْهُم وَعَن التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان
أما بعد نور الله قُلُوبنَا بِنور مَعْرفَته وأبهج بصائرنا بلوامع رحموتيته فَإِنِّي نظرت فِيمَا وَقع لي من مكاتباته ﷺ إِلَى مُلُوك الأَرْض حِين أمره الله تَعَالَى بتبليغ رسَالَته فَرَأَيْت فِيمَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار رَحمَه الله تَعَالَى فِي مُسْنده من إرْسَاله ﷺ دحْيَة الْكَلْبِيّ ﵁ إِلَى قَيْصر وَرَوَاهَا عَنهُ فاستحسنتها لكَونهَا مروية عَن الْمُرْسل بِخِلَاف مَا وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ للإمامين الحافظين أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَمُسلم بن الْحجَّاج الْقشيرِي رحمهمَا الله تَعَالَى فَإِنَّهُمَا رويا قصَّة الْكتاب عَن ابْن عَبَّاس عَن أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب فألقي فِي روعي أَن أثْبته وأضيف إِلَيْهِ مَا وَقع فِي مصنفات الْعلمَاء ﵃ من مكاتباته ﷺ وَمن كتب لَهُ من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وَمَا يتَعَلَّق بذلك من فَوَائِد كوفيات بعض من وَقع ذكره من الصَّحَابَة وَابْتِدَاء إِسْلَامه وَمَا يحْتَاج إِلَى بَيَانه من غَرِيب لُغَة أَو نادرة تتَعَلَّق بِبَعْض مراسلاته ﷺ إِلَى مُلُوك الأَرْض وَغَيره مِمَّن آمن بِهِ وَمن لم يُؤمن واستخرجته من دواوين كَثِيرَة بطرق مُتعَدِّدَة
[ ١ / ٦ ]
إِذْ فِي كل طَرِيق مِنْهَا فَائِدَة لم تتضمنها الْأُخْرَى فَجمعت الطّرق وأوردتها لفائدتها وَمَا ظهر من خضوع مُلُوك الأَرْض لَهُ ﷺ مَعَ عَظِيم سلطانهم وَكَثْرَة عساكرهم وأتباعهم وإقرارهم لَهُ بالرسالة وتواضعهم لَهُ وَهُوَ إِذْ ذَاك وَأَصْحَابه قَلِيل عَددهمْ يسير مددهم لَا يخطرون لأحد من الْمُلُوك ببال لما كَانُوا عَلَيْهِ من الْفقر وَقلة ذَات الْيَد وَقَوله ﷺ إِذا ذهب كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده وَإِذا ذهب قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده ولتنفقن كنوزهما فِي سَبِيل الله ﷿ كَمَا سَيَأْتِي مُبينًا فِي موَاضعه من هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وعزيت كل مَا أوردته إِلَى من ذكره من الْعلمَاء أَصْحَاب المصنفات الْمَشْهُورَة بَين عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن وحذفت أسانيدها خشيَة الإطالة إِلَّا مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ من ذكر الصَّحَابِيّ وَبَعض التَّابِعين مِمَّن رُوِيَ عَنهُ وسميته ب الْمِصْبَاح الْمُضِيّ فِي كتاب النَّبِي الْأُمِّي وَرُسُله إِلَى مُلُوك الأَرْض من عَرَبِيّ وعجمي
وَجَعَلته قسمَيْنِ الْقسم الأول فِي كِتَابه وَالْقسم الثَّانِي فِي رسله ومكاتباته إِلَى الْمُلُوك ﷺ
ورتبت أَسمَاء الصَّحَابَة على حُرُوف المعجم بعد ذكر الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃
وابتدأت فِي صدر الْقسم الأول فِي التَّعْرِيف بنسبه الشريف ﷺ وَالْكَلَام عَلَيْهِ تبركا بِهِ إِذْ هُوَ سيد الْكل وَقَائِدهمْ وإيانا إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَى جنَّات النَّعيم
وَالَّذِي حداني على البدأة بنسبه الشريف هُوَ
[ ١ / ٧ ]
مَا وجدته لِابْنِ مُنِير الْحلَبِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي شَرحه لمختصر السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي الجماعيلي قَرْيَة بَين الْقُدس ونابلس
قَالَ ذكر لي جمَاعَة من الْعلمَاء أَن سَبَب تأليف عبد الْغَنِيّ لمختصر السِّيرَة أَنه خرج وَمَعَهُ بعض أَصْحَابه إِلَى أَن قربا من دير فَقعدَ الْمُؤلف على جنب نهر وَقصد صَاحبه الدَّيْر فطرقه فَخرج إِلَيْهِ رَاهِب فَقَالَ مَا دينك فَقَالَ مُسلم فَقَالَ من تتبع فَقَالَ مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ اذكر لي نسبه وحاله فَلم يكن عِنْده علم فَقَالَ مَا أقريك شَيْئا فَرجع صَاحب الْمُؤلف إِلَيْهِ وَقَالَ مَا قَالَ لَهُ الراهب فَقَالَ لَهُ الْمُؤلف شَيْئا من نسب النَّبِي ﷺ وأحواله فَرجع إِلَى الراهب وَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ الراهب هَذَا مَا هُوَ مِنْك هَذَا من ذَلِك الشَّيْخ الْجَالِس على النَّهر وَكَانَ الراهب رأى الشَّيْخ فأعجبه حَاله فجَاء إِلَيْهِ فَذكر لَهُ شَيْئا كثيرا من أَحْوَال سيدنَا رَسُول الله ﷺ ومعجزاته فَأسلم الراهب وَحسن إِسْلَامه فأملى الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ ﵀ مُخْتَصر السِّيرَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة
فتأملت هَذِه الْوَاقِعَة وَمَا فِيهَا من الْفَوَائِد من هِدَايَة الراهب وَتَعْلِيم صَاحب الشَّيْخ وتأليفه لسيره وأحواله ﷺ وَالِانْتِفَاع بِهِ فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته ﵀
فَبَدَأت بنسبه الشريف
[ ١ / ٨ ]
لذَلِك وَمن الله تَعَالَى أسأَل التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة إِلَى أقوم طَرِيق وَأَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم
وَأَنا أقدم إِلَيْك أَيهَا النَّاظر فِي كتابي هَذَا من الِاعْتِذَار مَا ختم بِهِ الشاطبي ﵀ قصيدته الموسومة بحرز الْأَمَانِي إِذْ يَقُول
(وَلكنهَا تبغي من النَّاس كفأها أَخا ثِقَة يعْفُو ويغضي تجملا)
(وَلَيْسَ لَهَا إِلَّا ذنُوب وَليهَا فيا طيب الأنفاس أحسن تأولا)
(وَقل رحم الرَّحْمَن حَيا وَمَيتًا فَتى كَانَ للانصاف والحلم معقلا)
(عَسى الله يدني سَعْيه بِجَوَازِهِ وَإِن كَانَ زيفا غير خَافَ مزللا)
(فيا خير غفار وَيَا خير رَاحِم وَيَا خير مأمول جدي وتفضلا)
(أقل عثرتي وانفع بهَا وبقصدها حنانيك يَا الله يَا رَافع الْعلَا)
وَهَذَا حِين ابْتَدَأَ بحول الله وقوته وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
[ ١ / ٩ ]
بَاب فِي التَّعْرِيف بنسبه الشريف ﷺ وَالْكَلَام عَلَيْهِ
روينَا فِي كتاب السِّيرَة عَن ابْن هِشَام أَنه ﷺ مُحَمَّد بن عبد الله فمحمد اسْم علم مَنْقُول من صفة من قَوْلهم رجل مُحَمَّد أَي كثير الْخِصَال المحمودة والمحمد فِي اللُّغَة هُوَ الَّذِي يحمد حمدا بعد حمد مرّة بعد مرّة فِيهِ معنى الْمُبَالغَة والتكرار وَهُوَ فِي معنى مَحْمُود فاسمه مُطَابق لمعناه وَالله تَعَالَى سَمَّاهُ بِهِ قبل أَن يُسمى فَهَذَا علم من أَعْلَام نبوته إِذْ كَانَ اسْمه صَادِقا عَلَيْهِ فَهُوَ ﵇ مَحْمُود فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي الدُّنْيَا بِمَا نفع بِهِ من الْعلم وَالْحكمَة وَفِي الْآخِرَة بِشَفَاعَتِهِ ﷺ فقد تكَرر معنى الْحَمد
ثمَّ إِنَّه لم يكن مُحَمَّدًا حَتَّى كَانَ أَحْمد حمد ربه فنبأه وشرفه فَلذَلِك تقدم اسْم أَحْمد على مُحَمَّد فَذكره عِيسَى ﵇ فِي قَوْله ﴿وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾ فبأحمد ذكر قبل أَن يذكر بِمُحَمد لِأَن حَمده
[ ١ / ١١ ]
لرَبه كَانَ قبل حمد النَّاس لَهُ فَلَمَّا وجد وَبعث كَانَ مُحَمَّدًا بِالْفِعْلِ
وَكَذَلِكَ فِي الشَّفَاعَة يحمد ربه بالمحامد الَّتِي يفتحها عَلَيْهِ فَيكون أَحْمد النَّاس لرَبه ثمَّ يشفع فيحمد على شَفَاعَته
فَانْظُر كَيفَ ترَتّب هَذَا الِاسْم الآخر فِي الذّكر والوجود فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وروى ابْن عبد الْبر أَن جده سَمَّاهُ مُحَمَّدًا يَوْم سابعه
وروى أَن آمِنَة أمرت وَهِي حَامِل بِهِ أَن تسميه أَحْمد
وروى أَن آدم ﵇ قَالَ إِنِّي لسَيِّد الْبشر يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا رجلا من ذريتي نَبِي من الْأَنْبِيَاء يُقَال لَهُ مُحَمَّد فضل عَليّ بِاثْنَتَيْنِ زَوجته أعانته فَكَانَت لَهُ عونا يَعْنِي خَدِيجَة وَالله أعلم وَكَانَت زَوْجَتي عَليّ عونا وَالله أَعَانَهُ على شَيْطَانه فَأسلم وَكفر شيطاني رَوَاهُ الدولابي عَن يُونُس
ثمَّ من عجائب هَذَا الِاسْم أَنه لم يتسم بِهِ أحد قبله يَعْنِي أَحْمد
وكنيته ﷺ أَبُو الْقَاسِم قيل كني بِهِ لِأَنَّهُ يقسم الْجنَّة بَين الْخلق يَوْم الْقِيَامَة وَقيل كني ببكر وَلَده من خَدِيجَة وَهُوَ الْقَاسِم وَلما ولد لَهُ إِبْرَاهِيم من مَارِيَة كناه جِبْرِيل ﵇ بِأبي إِبْرَاهِيم وَقيل كنيته فِي التَّوْرَاة أَبُو الأرامل ﷺ
ابْن عبد الله معنى عبد الله الخاضع لله وكنيته أَبُو قثم وَقيل أَبُو مُحَمَّد وَقيل أَبُو أَحْمد وَلَا عقب لعبد الله أصلا وَلم يُولد لَهُ غير رَسُول الله ﷺ لَا ذكر وَلَا أُنْثَى
[ ١ / ١٢ ]
وَكَذَلِكَ آمِنَة قَالَه ابْن مُنِير الْحلَبِي فِي المورد العذب الهني فِي الْكَلَام على السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ ابْن عبد الْمطلب وَاسم عبد الْمطلب شيبَة سمى بذلك لِأَنَّهُ ولد وَفِي رَأسه شيبَة عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة ذكرت خَبره مَعَ سيف بن ذِي يزن وبشراه لَهُ برَسُول الله ﷺ فِيمَا يَأْتِي من هَذَا الْكتاب ابْن هَاشم وَاسم هَاشم عَمْرو ذكر السُّهيْلي فِي اشتقاقه أقوالا مِنْهَا أَنه مَنْقُول من الْعُمر وَهُوَ اسْم لنخل يُقَال لَهُ السكر ذكره العسكري فِي أَجنَاس التَّمْر وَبِذَلِك سمى الرجل عمرا وَقَالَ كَانَ ابْن أبي ليلى يستاك بعسيب الْعُمر
ابْن عبد منَاف واسْمه الْمُغيرَة لِأَنَّهُ كَانَ يُغير على الْأَعْدَاء وَكَانَ يلقب قمر الْبَطْحَاء
ابْن قصي واسْمه زيد وَهُوَ تَصْغِير قصي أَي بعيد لِأَنَّهُ بعد عَن عشيرته فِي بِلَاد قضاعة ابْن كلاب مَنْقُول من الْمصدر فِي معنى المكالبة أَو من الْكلاب جمع كلب قيل لبَعض الْعَرَب لم تسمون أبناءكم بشر الْأَسْمَاء وعبيدكم بِأَحْسَن الْأَسْمَاء فَقَالَ نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا ابْن مرّة مَنْقُول من وصف الحنظلة والعلقمة وَكَثِيرًا مَا يسمون بهما فَيكون مَنْقُولًا
[ ١ / ١٣ ]
من وصف الرجل بالمرارة ابْن كَعْب كَعْب مَنْقُول من كَعْب الْقدَم لثُبُوته وَهُوَ أول من جمع يَوْم الْعرُوبَة وسماها الْجُمُعَة وَقيل غير ذَلِك وَكَانَت قُرَيْش تَجْتَمِع إِلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْم فيخطبهم وَيذكرهُمْ بمبعث النَّبِي ﷺ وَيُعلمهُم أَنه من وَلَده وَيَأْمُرهُمْ باتباعه وَالْإِيمَان بِهِ وينشد أبياتا مِنْهَا
(يَا لَيْتَني شَاهد فحواء دَعوته إِذا قُرَيْش تبغي الْحق خذلانا)
ابْن لؤَي تَصْغِير اللأي وَهُوَ الثور وَقيل الْبَقَرَة وَفِي الحَدِيث من قَول أبي هُرَيْرَة ﵁ أحب إِلَيّ من شَاءَ وَلَاء وَهُوَ الثور قَالَ أَبُو ذَر فِي شرح السِّيرَة لِابْنِ هِشَام هُوَ الثور الوحشي ابْن غَالب بن فهر واسْمه قُرَيْش وفهر لقب وَقيل عَكسه والفهر من الْحِجَارَة الطَّوِيل قَالَ أَبُو ذَر هُوَ على مِقْدَار ملْء الْكَفّ وَقيل غير ذَلِك ابْن مَالك بن النَّضر قَالَ أَبُو ذَر هُوَ الذَّهَب الْأَحْمَر ابْن كنَانَة بن خُزَيْمَة تَصْغِير خزمة والخزم مثل الدوم يتَّخذ من سعفه
[ ١ / ١٤ ]
الحبال وَله ثَمَر تَأْكُله الْغرْبَان ابْن مدركة واسْمه عَامر ابْن الياس وَقيل إلْيَاس بِكَسْر الْهمزَة مُوَافقا لاسم إلْيَاس النَّبِي ﵇ وَقيل سمي بضد الرَّجَاء وَاللَّام فِيهِ للتعريف والهمزة همزَة وصل يذكر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تسبوا الياس فَإِنَّهُ كَانَ مُؤمنا وَهُوَ أول من أهْدى الْبدن إِلَى الْبَيْت وَكَانَ يسمع فِي صلبه تَلْبِيَة النَّبِي ﷺ ابْن مُضر وَمُضر الْأَبْيَض مُشْتَقّ من اللَّبن الماضر والمضيرة شَيْء يصنع من اللَّبن قيل هُوَ أول من سنّ للْعَرَب حداءا لإبل وَكَانَ أحسن النَّاس صَوتا
وَفِي الحَدِيث لَا تسبوا مُضر وَلَا ربيعَة فَإِنَّهُمَا كَانَا مُؤمنين وَرَبِيعَة أَخُوهُ ابْن نزار النزر الْقَلِيل كَانَ أَبوهُ حِين ولد لَهُ وَنظر إِلَى النُّور بَين عَيْنَيْهِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ ينْتَقل فِي الأصلاب إِلَى مُحَمَّد ﷺ فَرح فَرحا شَدِيدا وَنحر وَأطْعم وَقَالَ إِن هَذَا كُله نزر لحق هَذَا الْمَوْلُود فَسُمي نزارا ابْن معد من تمعدد إِذا اشْتَدَّ وتمعدد أبعد فِي الذّهاب قَالَه أَبُو ذَر وَقيل هُوَ من الْمعد بِسُكُون الْعين وَهُوَ الْقُوَّة وَمِنْه اشتقاق الْمعدة ابْن عدنان وَهُوَ مَأْخُوذ من عدن فِي الْمَكَان إِذا أَقَامَ فِيهِ وَمِنْه ﴿جنَّات عدن﴾ أَي جنَّات إِقَامَة وخلود
قَالَ السُّهيْلي وَمَا بعد عدنان من الْأَسْمَاء
[ ١ / ١٥ ]
مُضْطَرب فِيهِ وَالَّذِي صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه لما بلغ عدنان قَالَ كذب النسابون
وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ إِنَّمَا ننتسب إِلَى عدنان وَمَا فَوق ذَلِك لَا نَدْرِي مَا هُوَ وَأَصَح شَيْء رُوِيَ فِيمَا بعد مَا ذكره الدولابي عَن أم سَلمَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ معد ابْن عدنان بن أدد بن زند بن اليرى ابْن اعراق الثرى قَالَت أم سَلمَة ﵂ فزند هُوَ الهميسع واليرى هُوَ نبت واعراق الثرى هُوَ إِسْمَاعِيل ﵇ لِأَنَّهُ ابْن إِبْرَاهِيم ﵇ وَإِبْرَاهِيم لم تَأْكُله النَّار كَمَا أَن النَّار لَا تَأْكُل الثرى
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لَا نَعْرِف زندا يَعْنِي بالنُّون إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث وزند بن الجون وَهُوَ أَبُو دلامة الشَّاعِر
قَالَ السُّهيْلي وَهَذَا الحَدِيث عِنْدِي لَيْسَ بمعارض لما تقدم من قَوْله كذب النسابون وَلَا لقَوْل عمر ﵁ لِأَنَّهُ حَدِيث متأول يحْتَمل أَن يكون قَوْله ابْن اليرى بن اعراق الثرى كَمَا قَالَ كلكُمْ بَنو آدم وآدَم من تُرَاب لَا يُرِيد أَن الهميسع وَمن دونه ابْن لإسماعيل لصلبه وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل أَو غَيره لِأَن أَصْحَاب الْأَخْبَار لَا يَخْتَلِفُونَ فِي بعد الْمدَّة مَا بَين عدنان وَإِبْرَاهِيم ويستحيل فِي
[ ١ / ١٦ ]
الْعَادة أَن يكون بَينهمَا أَرْبَعَة آبَاء أَو سَبْعَة كَمَا ذكر ابْن إِسْحَاق أَو عشرَة أَو عشرُون فَإِن الْمدَّة أطول من ذَلِك كُله وَذَلِكَ أَن معد بن عدنان كَانَ فِي مُدَّة بخت نصر ابْن ثِنْتَيْ عشرَة سنة قَالَه الطَّبَرِيّ وَذكر أَن الله أوحى فِي ذَلِك الزَّمَان إِلَى إرميا بن حلقيا أَن اذْهَبْ إِلَى بخت نصر فَأعلمهُ أَنِّي قد سلطته على الْعَرَب واحمل معدا على الْبراق كي لَا تصيبه النقمَة فيهم فانى مستخرج من صلبه نَبيا كَرِيمًا أختم بِهِ الرُّسُل
فَاحْتمل معدا على الْبراق إِلَى أَرض الشَّام فَنَشَأَ مَعَ بني إِسْرَائِيل وَتزَوج هُنَاكَ امْرَأَة اسْمهَا معانة بنت جوشن من بني دب بن جرهم
وَمن ثمَّ وَقع فِي كتب الإسرائيليين نسب معد ثبته فِي كتبه رخيا وَهُوَ بورخ كَاتب إرميا وَبَينه وَبَين إِبْرَاهِيم فِي ذَلِك النّسَب نَحْو من أَرْبَعِينَ جدا وَقد ذكرهم المَسْعُودِيّ على اضْطِرَاب فِي الْأَسْمَاء وتغيير فِي الْأَلْفَاظ وَلذَلِك وَالله أعلم أعرض النَّبِي ﷺ عَن رفع نسب عدنان إِلَى إِسْمَاعِيل لما فِيهِ من التَّغْيِير وعواصة تِلْكَ الْأَسْمَاء
وَذكر الطَّبَرِيّ نسب عدنان إِلَى إِسْمَاعِيل من وُجُوه ذكر فِي أَكْثَرهَا نَحوا من أَرْبَعِينَ أَبَا باخْتلَاف فِي الْأَلْفَاظ لِأَنَّهَا
[ ١ / ١٧ ]
نقلت من كتب عبرانية وَذكر من وَجه قوي أَن نسب عدنان يرجع إِلَى قيذر بن إِسْمَاعِيل
وَكَانَ رُجُوع معد إِلَى أَرض الْحجاز بعد مَا رفع الله بأسه عَن الْعَرَب وَرجعت بقاياهم الَّتِي كَانَت فِي الشواهق إِلَى محالهم ومياههم بعد أَن دوخ بِلَادهمْ بخت نصر وَخرب الْمَعْمُور واستأصل أهل حُضُور وهم الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿وَكم قصمنا من قَرْيَة كَانَت ظالمة﴾ الْآيَة
وَذَلِكَ لقتلهم شُعَيْب بن ذِي مهدم نَبيا أرسل إِلَيْهِم وقبره بصنين جبل بِالْيمن وَلَيْسَ بشعيب الأول صَاحب مَدين ذَلِك شُعَيْب بن عيفي وَيُقَال فِيهِ ابْن صيفون وَكَذَلِكَ أهل عدن قتلوا نَبيا لَهُم اسْمه حَنْظَلَة بن صَفْوَان فَكَانَت سطوة الله بالعرب لذَلِك نَعُوذ بِاللَّه من غَضَبه وأليم عِقَابه
عدنا إِلَى تَمام النّسَب الشريف قَالَ ابْن إِسْحَاق بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح ابْن يعرب بن يشجب بن نابت بن
[ ١ / ١٨ ]
إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن بن تارح وَهُوَ آزر بن ناحور بن ساروح بن راعو ابْن فالخ بن عيبر بن شالخ بن ارفخشد بن سَام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ وَهُوَ إِدْرِيس النَّبِي فِيمَا يَزْعمُونَ وَالله أعلم وَكَانَ أول نَبِي أعطي النُّبُوَّة والخط بالقلم ابْن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شِيث بن آدم ﷺ هَكَذَا سَاقه ابْن إِسْحَاق وَرُوِيَ فِيهِ غير ذَلِك
قَالَ السُّهيْلي إِبْرَاهِيم مَعْنَاهُ أَب رَاحِم
قَالَ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق إِن إِبْرَاهِيم ﵇ ولد بالغوطة بقرية لَهَا يُقَال لَهَا بَرزَة قَالَ وَالصَّحِيح أَنه ولد بكوثا من إقليم بابل من الْعرَاق كوثى بِضَم أَوله وبالثاء الْمُثَلَّثَة مَقْصُور على وزن فعلى قَالَه الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا
[ ١ / ١٩ ]
استعجم ولد على رَأس ألفي سنة من خلق آدم ﵇ وَكَانَ بَين نوح وآدَم عشرَة قُرُون وَبَين نوح وَإِبْرَاهِيم عشرَة قُرُون
وآزر قيل مَعْنَاهُ يَا أَعْوَج وَقيل هُوَ اسْم صنم وَقيل هُوَ اسْم لِأَبِيهِ كَانَ يُسمى تارح وآزر
وَأمه نونا وَيُقَال اسْمهَا ليوثي
وَمَا بعد إِبْرَاهِيم أَسمَاء سريانية فسر أَكْثَرهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ابْن هِشَام وَذكر أَن فالغ مَعْنَاهُ القسام وشالخ مَعْنَاهُ الرَّسُول أَو الْوَكِيل
وَذكر أَن إِسْمَاعِيل تَفْسِيره مُطِيع الله
وَذكر الطَّبَرِيّ أَن بَين فالغ وعابر أَبَا اسْمه قينن أسقط اسْمه فِي التَّوْرَاة لِأَنَّهُ كَانَ ساحرا
وأرفخشد قَالَ النَّوَوِيّ بالراء الساكنة ثمَّ فَاء مَفْتُوحَة ثمَّ خاء مُعْجمَة سَاكِنة ثمَّ شين مُعْجمَة وَذكرهَا الْمصْرِيّ بِالْفَتْح وذال مُعْجمَة
أمه من بَنَات الْمُلُوك عَاشَ أرفخشد أَرْبَعمِائَة عَام وَثَلَاثَة أَعْوَام وَهُوَ وَصِيّ أَبِيه تَفْسِيره مِصْبَاح مضيء وشاد مخفف بالسُّرْيَانيَّة الضياء وَمِنْه جم شاد وَهُوَ رَابِع الْمُلُوك بعد جيومرث وَقد سميت بِهِ كتابي هَذَا تبركا بِهِ
قَالَ ابْن عبد الحكم فِي فتوح مصر إِن نوحًا ﵇ سَأَلَ الله تَعَالَى أَن يرزقه الْإِجَابَة فِي وَلَده وَذريته فوعده ذَلِك فَنَادَى وَلَده وهم نيام عِنْد السحر فَنَادَى ساما فَأَجَابَهُ يسْعَى وَصَاح سَام فِي وَلَده فَلم يجبهُ إِلَّا أرفخشد فَانْطَلق بِهِ مَعَه حَتَّى أَتَيَاهُ فوصع نوح يَمِينه على سَام وشماله على أرفخشد بن سَام
[ ١ / ٢٠ ]
وَسَأَلَ الله تَعَالَى ﷿ أَن يُبَارك فِي سَام وَأَن يَجْعَل الْملك والنبوة فِي ولد أرفخشد ثمَّ نَادَى حاما فَلم يجبهُ وَلم يقم إِلَيْهِ هُوَ وَلَا أحد من وَلَده فَدَعَا الله تَعَالَى نوح أَن يَجْعَل وَلَده أذلاء وَأَن يجعلهم عبيدا لولد سَام
فَعَاشَ سَام مُبَارَكًا حَتَّى مَاتَ وعاش ابْنه أرفخشد بن سَام مُبَارَكًا حَتَّى مَاتَ وَكَانَ الْملك الَّذِي يُحِبهُ الله والنبوة وَالْبركَة فِي ولد أرفخشد بن سَام
وَقَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن يُوسُف بن الْعَطَّار فِي تأليفه نظم الدُّرَر فِي نسب سيد الْبشر
(لما بدا نور النَّبِي المرشد حَيا ببهجته فَحَيَّا أرفخشد)
(أهْدى لَهُ سَام الْبَهَاء وَإِنَّمَا أهْدى الْبَهَاء ممجد لممجد)
(وكساه من حلل السِّيَادَة حلَّة موشية بسنا النَّبِي مُحَمَّد)
(بالمجد من بَين البرايا خصّه وحباه أَحْمد بالثناء الأحمد)
وَآخر الأبيات
(منا السَّلَام عَلَيْهِ يحمل طيبه ريح الصِّبَا هبت على روض شدي)
[ ١ / ٢١ ]
وَاسم نوح ﵇ عبد الْغفار سمي نوحًا لنوحه وَأَخُوهُ صابيء وَإِلَيْهِ ينْسب دين الصابئين ولامك وَقيل لمك وَهُوَ أول من اتخذ الْعود للغناء لسَبَب يطول ذكره وَاتخذ مصانع المَاء ومتوشلخ وَقيل متوشلخ بِضَم الْمِيم وَفتح التَّاء وَالْوَاو سَاكِنة قَالَه السُّهيْلي تَفْسِيره مَاتَ الرَّسُول لِأَن أَبَاهُ كَانَ رَسُولا وَهُوَ خنوخ وَهُوَ إِدْرِيس ﵇ وَإِدْرِيس بن يزدْ وَتَفْسِيره الضَّابِط ابْن مهلائيل يَعْنِي الممدوح وَفِي زَمَنه كَانَ بَدْء عبَادَة الْأَصْنَام ابْن قينان وَتَفْسِيره المستوي ابْن أنوش وَتَفْسِيره الصَّادِق وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ آنش وَهُوَ أول من غرس النَّخْلَة وَبَوَّبَ الْكَعْبَة وبذر الْحبَّة وشيث وَهُوَ بالسُّرْيَانيَّة شاث وَتَفْسِيره عَطِيَّة الله وآدَم ﵇ قيل هُوَ سرياني وَقيل أفعل من الأدمة وَقيل أَخذ من لفظ الْأَدِيم لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ النَّضر بن شُمَيْل سمي آدم لبياضه من قَوْلهم ظَبْي آدم إِذا كَانَ نَاصح بَيَاض الْبَطن مسكي الظّهْر
وَذكر ثَعْلَبَة بن سَلامَة نسابة الأندلس أَنه كَانَ طول آدم ﵇ يَوْم خلقه الله مِائَتي ذِرَاع بذراعه فَلَمَّا خلقت مِنْهُ حَوَّاء ﵍ أنقص مِنْهُ مائَة ذِرَاع
[ ١ / ٢٢ ]
وَكَانَ إِذا قعد فِي الأَرْض لم يخف عَلَيْهِ من أَرْكَانهَا شَيْء كَمَا لَا يخفى على أحدكُم أَرْكَان بَيته إِذا جلس فِي وَسطه
وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه كَانَ طول آدم سِتِّينَ ذِرَاعا وَعرضه سَبْعَة أَذْرع
وَكَانَ لَهُ لحية سَوْدَاء عرض شبر فِي شبر
وَقَالَ عبد الله بن قُتَيْبَة فِي المعارف كَانَ أَمْرَد وَإِنَّمَا نَبتَت اللحى لوَلَده بعده وَلما احْتضرَ اشْتهى قطفا من قطف الْجنَّة فَانْطَلق بنوه ليطلبوه لَهُ فلقيتهم الْمَلَائِكَة فَقَالُوا ارْجعُوا فقد كفيتموه فَانْتَهوا إِلَيْهِ فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وَصلى عَلَيْهِ جِبْرِيل وَالْمَلَائِكَة خلف جِبْرِيل وَبَنوهُ خلف الْمَلَائِكَة ودفنوه وَقَالُوا هَكَذَا سنتكم فِي مَوْتَاكُم يَا بني آدم
قَالَ وهب وحفر لَهُ فِي مَوضِع من أبي قبيس يُقَال لَهُ غَار الْكَنْز فَلم يزل آدم فِي ذَلِك الْغَار حَتَّى كَانَ زمَان الْغَرق استخرجه نوح وَحمله فِي تَابُوت مَعَه فِي السَّفِينَة فَلَمَّا نضب المَاء
[ ١ / ٢٣ ]
وبدت الأَرْض لأهل السَّفِينَة رده نوح إِلَى مَكَانَهُ
قَالَ وَوجدت فِي التَّوْرَاة أَنه عَاشَ تِسْعمائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة
وَقَالَ وهب ألف سنة
قَالَ السُّهيْلي وَإِنَّمَا رفعنَا هَذِه الْأَنْسَاب وتكلمنا عَلَيْهَا على مَذْهَب من رأى ذَلِك وَلم يكرههُ كَابْن إِسْحَاق والطبري وَالْبُخَارِيّ والزبيريين وَغَيرهم من الْعلمَاء
وَأمه ﷺ آمِنَة بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة وَلم يكن لَهَا أَخ فَيكون خالا للنَّبِي ﷺ وَلَكِن بَنو زهرَة يَقُولُونَ نَحن أَخْوَاله لِأَن آمِنَة مِنْهُم
ولد ﷺ يَوْم الأثنين فِي شهر ربيع الأول من عَام الْفِيل قيل فِي ثَانِي عشر وَقيل غير ذَلِك
وَكَانَ قدوم الْفِيل فِي نصف الْمحرم وَهلك أَصْحَابه يَوْم الْأَحَد وَبَين الْفِيل وَبَين مولده ﷺ خَمْسَة وَخَمْسُونَ يَوْمًا حملت بِهِ أمه فِي أَيَّام التَّشْرِيق عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى وَلَيْلَة ميلاده انْشَقَّ إيوَان كسْرَى حَتَّى سمع صَوته وَسَقَطت مِنْهُ أَربع عشرَة شرافة وخمدت نَار فَارس وَلم تخمد قبل ذَلِك بِأَلف عَام
توفّي أَبوهُ وَهُوَ حمل قيل وَله شَهْرَان وَمَاتَتْ أمه وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين وكفله جده عبد الْمطلب
ذكر أَسْمَائِهِ ﷺ
قَالَ أَنا مُحَمَّد وَأَنا أَحْمد والحاشر والمقتفي وَنَبِي الرَّحْمَة والماحي والخاتم وَالْعَاقِب وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الْمَلَاحِم وَالشَّاهِد
[ ١ / ٢٤ ]
والمبشر والنذير والضحوك والقتال والمتوكل والفاتح والأمين والمصطفى وَالرَّسُول وَالنَّبِيّ والأمي والقثم والمقفى
والضحوك صفته فِي التَّوْرَاة وَذَلِكَ أَنه كَانَ طيب النَّفس فكها وَكَانَ أَجود الْخلق وَله عدَّة أَسمَاء نطق بهَا الْكتاب الْعَزِيز فصلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب الْعلم الْمَشْهُور وَأغْرب مَا رَأَيْت فِيمَا قَالَه ابْن عَطاء قَالَ الْفجْر مُحَمَّد ﷺ لِأَن الْإِيمَان تفجر مِنْهُ
فَلَمَّا بلغ ثَمَان سِنِين وشهرين وَعشرَة أَيَّام توفّي عبد الْمطلب فَوَلِيه عَمه أَبُو طَالب
وَلما بلغ اثْنَتَيْ عشرَة سنة وشهرين وَعشرَة أَيَّام خرج مَعَ عَمه أبي طَالب إِلَى الشَّام فَرَآهُ بحيرا فَعرفهُ بِصفتِهِ فَأخذ بِيَدِهِ وَقَالَ هَذَا رَسُول رب الْعَالمين
وَتزَوج خَدِيجَة وعمره خمس وَعِشْرُونَ سنة وشهران وَعشرَة أَيَّام
وَلما بلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة شهد بُنيان الْكَعْبَة وَوضع الْحجر الْأسود بِيَدِهِ قبل موت رَسُول الله بِثمَانِيَة وَعشْرين سنة
فَلَمَّا بلغ أَرْبَعِينَ سنة وَيَوْما بَعثه الله بشيرا وَنَذِيرا وَأَتَاهُ جِبْرِيل بِغَار حراء فَنزل عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٥ ]
﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾
وَكَانَ مبدأ النُّبُوَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن شهر ربيع الأول فصدع بِأَمْر الله وَبلغ الرسَالَة ونصح الْأمة ثمَّ حاصره أهل مَكَّة فِي الشّعب فَأَقَامَ محصورا دون الثَّلَاث سِنِين هُوَ وَأهل بَيته وَخرج من الْحصار وَله تسع وَأَرْبَعُونَ سنة وَبعد ذَلِك بِثمَانِيَة أشهر وَأحد وَعشْرين يَوْمًا مَاتَ عَمه أَبُو طَالب وَمَاتَتْ خَدِيجَة بعده بِثَلَاثَة أَيَّام
وَلما بلغ خمسين سنة وَثَلَاثَة أشهر قدم عَلَيْهِ جن نَصِيبين فأسلموا
وَلما بلغ خمسين سنة وَتِسْعَة أشهر أسرِي بِهِ إِلَى السَّمَاء قبل مَوته باثنتي عشرَة سنة وشهرين
وَلما بلغ ثَلَاثًا وَخمسين سنة هَاجر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمان خلون من ربيع الأول وَدخل الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ فَأَقَامَ بهَا عشر سِنِين
وَتُوفِّي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة
وَفِي بعض هَذِه التواريخ خلاف بَين أهل النَّقْل مَعْرُوف لم نذكرهُ خشيَة الإطالة
[ ١ / ٢٦ ]
بَاب فِي ذكر من كتب لَهُ من الصَّحَابَة وَالْكَلَام على كِتَابه ﷺ فِي صلح الْحُدَيْبِيَة
روينَا عَن الإِمَام أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الْخَثْعَمِي ثمَّ السُّهيْلي ﵀ فِي الرَّوْض الْأنف وَقد تكلم على كتاب رَسُول الله ﷺ فِي صلح الْحُدَيْبِيَة وَأَنه ﷺ محا اسْمه وَهُوَ رَسُول الله حِين قَالَ لَهُ سُهَيْل بن عمر وَلَو شهِدت أَنَّك رَسُول الله لم أقاتلك وَلَكِن اكْتُبْ اسْمك وَاسم أَبِيك فَكتب هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله لِأَنَّهُ قَول حق كُله فَظن بعض النَّاس أَنه كتب بِيَدِهِ وَفِي البُخَارِيّ كتب وَهُوَ لَا يحسن الْكِتَابَة فَتوهم أَن الله تَعَالَى أطلق يَده بِالْكِتَابَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَة خَاصَّة
وَقَالَ هِيَ آيَة فَيُقَال لَهُ كَانَت تكون آيَة لَا تنكر لَوْلَا أَنَّهَا مناقضة لآيَة أُخْرَى وَهُوَ كَونه أُمِّيا لَا يكْتب وبكونه أُمِّيا فِي أمة أُميَّة قَامَت الْحجَّة وأفحم الجاحد وانحسمت الشُّبْهَة فَكيف يُطلق الله ﷿ يَده فَيكْتب لتَكون آيَة وَإِنَّمَا الْآيَة أَن لَا
[ ١ / ٢٧ ]
يكْتب والمعجزات يَسْتَحِيل أَن يدْفع بَعْضهَا بَعْضًا وَإِنَّمَا معنى كتب أَمر أَن يكْتب وَكَانَ الْكَاتِب فِي ذَلِك الْيَوْم عَليّ ابْن أبي طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ
وَقد كتب لَهُ عدَّة من أَصْحَابه ﷺ مِنْهُم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَعبد الله بن الأرقم ومعيقيب بن أبي فَاطِمَة وخَالِد بن سعيد وَأَخُوهُ أبان وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن أبي بن سلول وَأبي بن كَعْب الْقَارئ وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بعد عَام الْفَتْح وَكتب لَهُ أَيْضا الزبير بن الْعَوام والمغيرة بن شُعْبَة وشرحبيل ابْن حَسَنَة وخَالِد بن الْوَلِيد وَعَمْرو بن العَاصِي وجهيم بن الصَّلْت وَعبد الله بن رَوَاحَة وَمُحَمّد ابْن مسلمة وَعبد الله بن سعد بن أبي سرح وحَنْظَلَة بن الرّبيع الأسيدي والْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ ذكرهم عمر بن شبة فِي كتاب الْكتاب لَهُ فَجَمِيعهمْ ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ
وَقد تتبعت مَا أغفله ابْن شبة ﵀ فبلغت بهم نَحوا من أَرْبَعَة وَأَرْبَعين كَاتبا مَعَ الَّذين ذكرهم خرجتهم من مصنفات عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن تراهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى مرتبَة أَسمَاؤُهُم على الْحُرُوف بعد الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃
[ ١ / ٢٨ ]
١ - أَبُو بكر الصّديق ﵁
كَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة عبد الْكَعْبَة فَسَماهُ رَسُول الله ﷺ عبد الله ابْن أبي قُحَافَة واسْمه عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة قرشي تيمي وَأمه أم الْخَيْر بنت صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة وَاسْمهَا سلمى
هَاجر مَعَه ﷺ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ مؤنسه فِي الْغَار وَهُوَ أول من أسلم من الرِّجَال قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ غَيره ولد فِي السّنة الثَّانِيَة من مولد رَسُول الله ﷺ
فصل فِي سَبَب إِسْلَامه ﵁
روى ابْن الْأَثِير فِي مُعْجم الصَّحَابَة والماليني فِي مُعْجم
[ ١ / ٢٩ ]
شُيُوخه من طَرِيق زيد بن وهب الْجُهَنِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ أَبُو بكر إِنَّه خرج إِلَى الْيمن قبل أَن يبْعَث النَّبِي ﷺ قَالَ فَنزلت على شيخ من الأزد عَالم قد قَرَأَ الْكتب وَعلم من علم النَّاس علما كثيرا وأتى عَلَيْهِ أَرْبَعمِائَة سنة إِلَّا عشر سِنِين
فَلَمَّا رَآنِي قَالَ أحسبك حرميا قلت نعم قَالَ وأحسبك قرشيا قلت نعم قَالَ وأحسبك تيميا قلت أَنا من تيم بن مرّة أَنا عبد الله بن عُثْمَان من ولد كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة قَالَ بقيت لي فِيك وَاحِدَة قلت وَمَا هِيَ قَالَ تكشف عَن بَطْنك قلت لَا أفعل أَو تُخبرنِي لم ذَاك قَالَ أجد فِي الْعلم أَن نَبيا يبْعَث فِي الْحرم يعاون على أمره فَتى وكهل فَأَما الْفَتى فخواض غَمَرَات ودافع معضلات وَأما الكهل فأبيض نحيف على بَطْنه شامة وعَلى فَخذه الْيُسْرَى عَلامَة قَالَ أَبُو بكر فَكشفت عَن بَطْني فَرَأى شامة سَوْدَاء فَوق سرتي فَقَالَ أَنْت هُوَ وَرب الْكَعْبَة ثمَّ قَالَ إياك والميل عَن الْهدى وَتمسك بالطريقة الْوُسْطَى ثمَّ قَالَ احْمِلْ عني أبياتا من الشّعْر قلتهَا فِيهِ
فَلَمَّا قدمت مَكَّة جَاءَنِي صَنَادِيد قُرَيْش فَقلت نابتكم نائبة أَو ظهر فِيكُم أَمر قَالُوا يَتِيم أبي طَالب يزْعم أَنه نَبِي مُرْسل وَلَوْلَا أَنْت مَا انتظرنا بِهِ قَالَ أَبُو بكر فَسَأَلت عَنهُ فَقيل هُوَ فِي بَيت خَدِيجَة فَجئْت فقرعت الْبَاب فَخرج فَقلت يَا مُحَمَّد فقدت من منَازِل أهلك وَتركت دين آبَائِك وأجدادك قَالَ
[ ١ / ٣٠ ]
يَا أَبَا بكر إِنِّي رَسُول الله إِلَيْك وَإِلَى النَّاس كلهم فَآمن بِاللَّه فَقلت وَمَا دليلك على ذَلِك قَالَ الشَّيْخ الَّذِي لَقيته بِالْيمن قلت وَكم من شيخ لقِيت بِالْيمن قَالَ الشَّيْخ الَّذِي قَالَ لَك وأعطاك الأبيات قلت وَمن خبرك بِهَذَا يَا حَبِيبِي قَالَ الْملك الْعَظِيم الَّذِي يَأْتِي الْأَنْبِيَاء قبلي قلت مد يدك فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله
فَانْصَرَفت وَمَا بَين لابتيها أَشد سُرُورًا من رَسُول الله ﷺ بِإِسْلَامِي
وروى ابْن إِسْحَاق أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا دَعَوْت أحدا إِلَى الْإِسْلَام إِلَّا كَانَت فِيهِ كبوة وَتردد وَنظر إِلَّا أَبَا بكر مَا تردد فِيهِ
تَفْسِير
قَوْله صَنَادِيد قُرَيْش قَالَ الْجَوْهَرِي الصنديد السَّيِّد الشجاع وغيث صنديد عَظِيم الْقطر والصناديد الدَّوَاهِي وَمِنْه قَول الْحسن نَعُوذ بِاللَّه من صَنَادِيد الْقدر
فصل فِي إِسْلَام أَبِيه وَأمه
قَالَ ابْن إِسْحَاق لما دخل رَسُول الله ﷺ عَام الْفَتْح مَكَّة وَدخل
[ ١ / ٣١ ]
الْمَسْجِد أَتَى أَبُو بكر بِأَبِيهِ يَقُودهُ وَكَانَ قد كف بَصَره فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله ﷺ قَالَ هلا تركت الشَّيْخ فِي بَيته حَتَّى أكون أَنا آتيه فِيهِ قَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله هُوَ أَحَق أَن يمشي إِلَيْك من أَن تمشي إِلَيْهِ أَنْت فأجلسه بَين يَدَيْهِ ثمَّ مسح صَدره ثمَّ قَالَ لَهُ أسلم فَأسلم
قَالَ عبد الْكَرِيم وَأمه يَعْنِي أَبَا بكر أم الْخَيْر سلمى
قَالَ مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي قلت لِابْنِ دَاب من أم أبي بكر فَقَالَ أم الْخَيْر هَذَا اسْمهَا وَهِي ابْنة عَم أبي بكر وَأمّهَا من خُزَاعَة
وَعَن عَائِشَة أَن أَبَا بكر قَالَ يَا رَسُول الله هَذِه أُمِّي وَأَنت مبارك فَادع الله لَهَا وادعها إِلَى الْإِسْلَام فَدَعَا لَهَا رَسُول الله ﷺ فَأسْلمت
وَكَانَ إسْلَامهَا قَدِيما مَعَ ابْنهَا أبي بكر وَتوفيت بعد أبي بكر وَقبل أبي قُحَافَة زَوجهَا وَكِلَاهُمَا ورثا أَبَا بكر وَمَاتَا بعده
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ أسلمت أم أبي بكر وَأم عُثْمَان وَأم طَلْحَة وَأم الزبير وَأم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَدِيما مَعَ إِسْلَام أبي بكر ﵃
ولي أَبُو بكر الْخلَافَة بعد رَسُول الله ﷺ سنتَيْن وَنصف على خلاف فِي ذَلِك عَاشَ ﵁ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة سنّ رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ٣٢ ]
قَالَ عبد الْكَرِيم ذكر ابْن شهَاب أَن أَبَا بكر والْحَارث بن كلدة كَانَا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر فَقَالَت الْحَارِث وَكَانَ طَبِيبا ارْفَعْ يدك يَا خَليفَة رَسُول الله وَالله إِن فِيهَا لسم سنة وَأَنا وَأَنت نموت فِي يَوْم وَاحِد فَرفع يَده فَلم يَزَالَا عليلين حَتَّى مَاتَا فِي يَوْم وَاحِد عِنْد انْقِضَاء سنة
وَهُوَ أول خَليفَة وَرثهُ أَبَوَاهُ ﵁
وَذكر مُحَمَّد بن ظفر فِي كتاب خير الْبشر خبر الشَّيْخ الْأَزْدِيّ بِزِيَادَة فِيهِ فَقَالَ روى عبد الله بن مَسْعُود عَن أبي بكر الصّديق ﵄ أَنه قَالَ خرجت إِلَى الْيمن فِي تِجَارَة قبل مبعث النَّبِي ﷺ فَنزلت على شيخ من الأزد عَالم قد قَرَأَ الْكتب وحوى علما كثيرا وأتى عَلَيْهِ من السن ثَلَاثمِائَة وَتسْعُونَ سنة قَالَ فتأملني وَقَالَ أحسبك حرميا فَقلت نعم أَنا من أهل الْحرم قَالَ أحسبك تيميا قلت نعم أَنا من تيم بن مرّة أَنا عبد الله بن عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم قَالَ بقيت لي فِيك وَاحِدَة قلت مَا هِيَ قَالَ اكشف لي عَن بَطْنك قلت لَا أفعل أَو تُخبرنِي
[ ١ / ٣٣ ]
لم ذَاك قَالَ إِنِّي أجد فِي الْعلم الصَّحِيح الصَّادِق أَن نَبيا يبْعَث من الْحرم يعاونه على أمره فَتى وكهل أما الْفَتى فخواض غَمَرَات وكشاف معضلات وَأما الكهل فأبيض نحيف على بَطْنه شامة وعَلى فَخذه الْيُسْرَى عَلامَة فَلَا عَلَيْك أَن تريني مَا خَفِي عَليّ قَالَ فَكشفت لَهُ عَن بَطْني فَرَأى شامة سَوْدَاء فَوق سرتي فَقَالَ هُوَ أَنْت وَرب الْكَعْبَة وَإِنِّي مُتَقَدم إِلَيْك فِي أَمر فاحذره فَقلت وَمَا هُوَ فَقَالَ إياك والميل عَن الْهدى وَتمسك بالطريقة المثلى وخف الله فِيمَا أَعْطَاك وخولك
قَالَ أَبُو بكر ﵁ فَقضيت بِالْيمن أربي ثمَّ أتيت الشَّيْخ لأودعه فَقَالَ أحامل أَنْت مني أبياتا إِلَى ذَلِك النَّبِي فَقلت نعم فَأَنْشَأَ يَقُول
(ألم تَرَ أَنِّي قد سميت معاشري وَنَفْسِي وَقد أَصبَحت فِي الْحَيّ راهنا)
(حييت وَفِي الْأَيَّام للمرء عِبْرَة ثَلَاث مئين ثمَّ تسعين آمنا)
(وصاحبت أحبارا أناروا بعلمهم غياهب جهل مَا ترى فِيهِ طابنا)
(وَكم عفشليل رَاهِب فَوق قَائِم لقِيت وَمَا غادرت فِي الْبَحْث كَاهِنًا)
(فكلهمو لما تعطمست قَالَ لي بِأَن نَبيا سَوف تَلقاهُ دائنا)
[ ١ / ٣٤ ]
(بِمَكَّة والأوثان فِيهَا عزيزة فيركسها حَتَّى ترَاهَا كوامنا)
(فَمَا زلت أَدْعُو الله فِي كل حَاضر حللت بِهِ سرا وجهرا معالنا)
(وَقد خمدت مني شرارة قوتي وألفيت شَيخا لَا أُطِيق الشواجنا)
(وَأَنت وَرب الْبَيْت تلقى مُحَمَّدًا بعامك هَذَا قد أَقَامَ البراهنا)
(فيا لَيْتَني أَدْرَكته فِي شبيبتي فَكنت لَهُ عبدا وَإِلَّا العجاهنا)
(عَلَيْهِ سَلام الله مَا ذَر شارق فألق هفافا من النُّور هافنا)
(فحي رَسُول الله عني فانني على دينه أحيى وَإِن كنت واهنا)
(وَمَا نسجت بالجلهتين وشيحة وَمَا خلد الطود المتالع عادنا)
قَالَ أَبُو بكر ﵁ فَحفِظت وَصيته وشعره وقدمت مَكَّة فَجَاءَنِي شيبَة وَأَبُو جهل بن هِشَام وَأَبُو البخْترِي وَعقبَة بن أبي معيط وَرِجَال من قُرَيْش يسلمُونَ عَليّ فَقلت هَل حدث أَمر قَالُوا
[ ١ / ٣٥ ]
حدث أعظم الخطوب هَذَا مُحَمَّد بن عبد الله يزْعم أَنه نَبِي أرْسلهُ الله إِلَى النَّاس وَلَوْلَا أَنْت مَا انتظرنا بِهِ فاذ جِئْت فَأَنت البغية النهية قَالَ فأظهرت تَعَجبا وصرفتهم فِي حس مس وَذَهَبت أسأَل عَن رَسُول الله ﷺ فَقيل لي هُوَ فِي منزل خَدِيجَة فقرعت الْبَاب عَلَيْهِ فَخرج إِلَيّ عر فَقلت يَا مُحَمَّد فقدت فِي نَادِي قَوْمك واتهموك بالغيبة وَتركت دين آبَائِك قَالَ يَا أَبَا بكر إِنِّي رَسُول الله إِلَيْك وَإِلَى النَّاس كلهم فَآمن بِاللَّه قلت وَمَا آيتك قَالَ الشَّيْخ الَّذِي لَقيته بِالْيمن فَقلت وَكم من شيخ لقِيت وبعت مِنْهُ وشريت وَأخذت وَأعْطيت قَالَ الشَّيْخ الَّذِي أخْبرك عني وأفادك الأبيات قلت وَمن أخْبرك بِهَذَا يَا حَبِيبِي قَالَ الْملك الْعَظِيم الَّذِي كَانَ يَأْتِي الْأَنْبِيَاء قبلي قلت أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله
قَالَ أَبُو بكر وانصرفت وَمَا أجد أَشد سُرُورًا من رَسُول الله ﷺ بِإِسْلَامِي قَالَ ابْن ظفر فَهَذَا أيدك الله نمط عُجاب زاخر الْعباب وَقد أتحفتكم مِنْهُ بلباب هَذَا الْبَاب وَالله المسدد للصَّوَاب
شرح غَرِيب مَا فِي الشّعْر
قَوْله راهنا الرَّاهِن الْمُقِيم
قَوْله طابنا الطابن
[ ١ / ٣٦ ]
الْعَارِف الفطن
قَوْله عفشليل هُوَ الرجل الجافي الثقيل
قَوْله تعطمست خَاتم خلقي
قَوْله دائنا يَعْنِي طَائِعا
قَوْله فاركسها الركس رد الشَّيْء مقلوبا وَكَانَ ذَلِك يَوْم فتح مَكَّة
قَوْله كوامنا أَي مختفية وَمِنْه الكمين فِي الْحَرْب
قَوْله الشواجنا الشواجن الطّرق الْمُخْتَلفَة وَيَعْنِي بهَا السّير فِيهَا أَرَادَ أَنه لَا يُطيق السّير فِي الأَرْض وَالرحم شجنة وتشاجن الأغصان وَالْعُرُوق تداخلها
والوهن الضعْف
قَوْله عجاهنا هُوَ الَّذِي يتلهى بحَديثه ويضحك مِنْهُ وَكَانَ من عَادَة الْعَرَب أَن يحضر عرس الْجَارِيَة الْبكر رجل يتلهى مِنْهُ فَإِذا خلا بهَا زَوجهَا شدّ ذَلِك الرجل وَضرب ضربا خَفِيفا وينال مِنْهُ فيستغيث بالجارية وَيذكر كلَاما يضْحك مِنْهُ فيتمكن مِنْهَا بَعْلهَا بذلك فيفتضها فيسمونه العجاهن
قَوْله فألق أَي لمع
والهفاف الرَّقِيق
والهافن الضَّعِيف
قَوْله الجلهتين جانبا الْوَادي
قَوْله الوشيحة
عروق الشّجر الملتفة المتداخلة
قَوْله الطود المتالع بِرَفْع الْمِيم وَكسر اللَّام اسْم جبل قَالَه الْبكْرِيّ والجوهري وَقيل المتالع المتعالي وَمِنْه التلع وَهُوَ طول
[ ١ / ٣٧ ]
الْعُنُق
قَوْله عادنا أَي مُقيما وَمِنْه جنت عدن أَي جنَّات إِقَامَة
ذكر ابْن إِسْحَاق من حَدِيث سراقَة بن مَالك لما خرج رَسُول الله ﷺ مُهَاجرا وتبعهم سراقَة فساخت قَوَائِم فرسه ثَلَاث مَرَّات فَقَالَ انظروني أكلمكم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ قل لَهُ مَا تبغي فَقَالَ أَبُو بكر لَهُ فَقَالَ تكْتب لي كتابا يكون آيَة بيني وَبَيْنك فَكتب لَهُ أَبُو بكر كتابا فِي عظم أَو فِي رقْعَة أَو فِي خرقَة
قَالَ ابْن عبد الْبر ذكره ابْن شبة فِي كتاب الْكتاب وأذكر حَدِيث سراقَة بأتم من هَذَا فِيمَا بعد من هَذَا الْكتاب
وروى مُحَمَّد بن ظفر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ اجْتمع الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ وعيشك يَا رَسُول الله مَا سجدت لصنم قطّ فَغَضب عمر بن الْخطاب وَقَالَ تَقول وعيشك يَا رَسُول الله إِنِّي لم أَسجد لصنم قطّ وَقد كنت فِي الْجَاهِلِيَّة كَذَا وَكَذَا سنة فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ إِنِّي لما ناهزت الْحلم أَخَذَنِي وَالِدي أَبُو قُحَافَة وَانْطَلق بِي إِلَى مخدع فِيهِ الْأَصْنَام فَقَالَ لي هَذِه آلهتك الشم العلى فاسجد لَهَا وخلاني وَذهب فدنوت من الصَّنَم فَقلت أَنا جَائِع فأطعمني فَلم يجبني فَقلت إِنِّي عطشان فاسقني فَلم يجبني فَقلت إِنِّي عَار فاكسني فَلم يجبني
[ ١ / ٣٨ ]
فألقيت عَلَيْهِ صَخْرَة فَقلت إِنِّي ملق عَلَيْك هَذِه الصَّخْرَة فَإِن كنت إِلَهًا فامنع نَفسك فَلم يجبني فألقيت عَلَيْهِ الصَّخْرَة فَخر لوجهه
فَأقبل وَالِدي وَقَالَ مَا هَذَا فَقلت هَذَا الَّذِي ترى فأنطلق أبي إِلَى أُمِّي فَأَخْبرهَا فَقَالَت هَذَا الَّذِي ناجاني الله بِهِ
فَقلت يَا أُمَّاهُ وَمَا الَّذِي ناجاك بِهِ فَقَالَت لَيْلَة أصابني الْمَخَاض لم يكن عِنْدِي أحد فَسمِعت هاتفا يَهْتِف أسمع الصَّوْت وَلَا أرى الشَّخْص وَهُوَ يَقُول
(يَا أمة الله على التَّحْقِيق أَبْشِرِي بِالْوَلَدِ الْعَتِيق)
(اسْمه فِي السَّمَاء صديق لمُحَمد صَاحب ورفيق)
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ فَلَمَّا انْقَضى كَلَامه نزل جِبْرِيل ﵇ على رَسُول الله ﷺ فَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ صدق أَبُو بكر فَصدقهُ ثَلَاث مَرَّات
بُويِعَ لَهُ بالخلافة فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة روى ابْن دحْيَة عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ كَانَ رُجُوع الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة بِكَلَام قَالَه عمر بن الْخطاب نشدتكم الله هَل تعلمُونَ أَن رَسُول الله ﷺ أَمر أَبَا بكر أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالُوا اللَّهُمَّ نعم قَالَ فَأَيكُمْ تطيب نَفسه أَن يُزِيلهُ عَن مقَام أَقَامَهُ فِيهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا كلنا لَا تطيب نَفسه ونستغفر الله وَمكث فِي الْخلَافَة سنتَيْن إِلَّا خمس لَيَال وَقيل غير ذَلِك
توفّي يَوْم الْجُمُعَة لسبع لَيَال بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وَله من الْعُمر ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة على خلاف فِي ذَلِك
[ ١ / ٣٩ ]
روى ابْن إِسْحَاق فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل وَكَانَ أميرها عَمْرو بن الْعَاصِ وأمده رَسُول الله ﷺ بِأبي عُبَيْدَة بن الْجراح فِي الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين فيهم أَبُو بكر وَعمر قَالَ وَكَانَ من الحَدِيث فِي هَذِه الْغُزَاة أَن رَافع بن أبي رَافع الطَّائِي وَهُوَ رَافع بن عميرَة الَّذِي كَلمه الذِّئْب كَانَ يحدث قَالَ كنت امْرَءًا نَصْرَانِيّا وَسميت سرجس فَكنت أدل النَّاس وأهداه بِهَذَا الرمل كنت أدفن المَاء فِي بيض النعام بنواحي الرمل فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ أغير على إبل النَّاس فَإِذا أدخلتها الرمل غلبت عَلَيْهَا فَلم يسْتَطع أحد أَن يطلبني فِيهِ حَتَّى أَمر بذلك المَاء الَّذِي خبأت فِي بيض النعام فأستخرجه فأشرب مِنْهُ
قَالَ ابْن عبد الْبر يُقَال إِنَّه قطع مَا بَين الْكُوفَة ودمشق فِي خمس لَيَال لمعرفته بالمفاوز قَالَ فَلَمَّا أسلمت خرجت فِي تِلْكَ الْغَزْوَة الَّتِي بعث فِيهَا رَسُول الله ﷺ عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى ذَات السلَاسِل فَقلت وَالله لأختارن لنَفْسي صاحبا قَالَ فصحبت أَبَا بكر فَكنت مَعَه فِي رحْلَة
قَالَ فَكَانَت عَلَيْهِ عَبَايَة لَهُ فَدَكِيَّة فَكَانَت إِذا نزلنَا بسطها وَإِذا ركبنَا لبسهَا ثمَّ شكها عَلَيْهِ بخلال لَهُ قَالَ وَذَلِكَ الَّذِي يَقُول لَهُ أهل نجد حِين ارْتَدُّوا كفَّارًا نَحن نُبَايِع ذَا العباية قَالَ فَلَمَّا دنونا من الْمَدِينَة قافلين قَالَ قلت يَا أَبَا بكر إِنَّمَا صحبتك لينفعني الله بك فانصحني وَعَلمنِي قَالَ لَو لم تَسْأَلنِي ذَلِك لفَعَلت قَالَ آمُرك أَن توَحد الله و
[ ١ / ٤٠ ]
لَا تشرك بِهِ شَيْئا وَأَن تقيم الصَّلَاة وَأَن تؤتي الزَّكَاة وَأَن تَصُوم رَمَضَان وتحج هَذَا الْبَيْت وتغتسل من الْجَنَابَة وَلَا تتأمر على رجلَيْنِ من الْمُسلمين أبدا
قَالَ قلت يَا أَبَا بكر أما أَنا وَالله فَإِنِّي أَرْجُو أَن لَا أشرك بِاللَّه شَيْئا أبدا وَأما الصَّلَاة فَلَنْ أتركها أبدا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الزَّكَاة فَإِن يَك لي مَال أؤدها إِن شَاءَ الله وَأما رَمَضَان فَلَنْ أتركه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الْحَج فَإِن أستطع أحج إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الْجَنَابَة فأغتسل مِنْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الْإِمَارَة فَإِنِّي رَأَيْت النَّاس يَا أَبَا بكر لَا يشرفون عِنْد رَسُول الله ﷺ وَعند النَّاس إِلَّا بهَا فَلم تنهاني عَنْهَا قَالَ إِنَّمَا استجهدتني لأجهد لَك وسأخبرك عَن ذَلِك إِن شَاءَ الله تعلم أَن الله ﵎ بعث مُحَمَّدًا ﷺ بِهَذَا الدّين فَجَاهد عَلَيْهِ حَتَّى دخل النَّاس فِيهِ طَوْعًا وَكرها فَلَمَّا دخلُوا فِيهِ كَانُوا عواذا لله وجيرانه وَفِي ذمَّته فإياك لَا تخفر الله فِي جِيرَانه فيتبعك الله فِي خفرته فَإِن أحدكُم يخفر فِي جَاره فيظل ناتئا عضله غَضبا لجاره إِن أُصِيبَت لَهُ شَاة أَو بعير فَالله أَشد غَضبا لجاره
قَالَ ففارقته على ذَلِك فَلَمَّا قبض رَسُول الله ﷺ وَأمر أَبُو بكر على النَّاس قَالَ قدمت عَلَيْهِ فَقلت لَهُ يَا
[ ١ / ٤١ ]
أَبَا بكر ألم تَكُ نهيتني أَن أتأمر على رجلَيْنِ من الْمُسلمين قَالَ بلَى وَأَنا الْآن أَنهَاك عَن ذَلِك قَالَ فَقلت فَمَا حملك على أَن تلِي أَمر النَّاس قَالَ لَا أجد من ذَلِك بدا خشيت على أمة مُحَمَّد الْفرْقَة ﷺ
تَفْسِير غَرِيب
قَوْله عواذا يَعْنِي ملتجئين إِلَيْهِ ﷾ عائذين بِهِ قَالَه القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله تَعَالَى
قَوْله لَا تخفر الله بِضَم التَّاء أخفرت الرجل لم تف بِذِمَّتِهِ وغدرته وخفرته ثلاثي وخفرته أجرته والخفير المجير والخفارة بِالضَّمِّ الذِّمَّة والخفرة والخفر الذِّمَّة والعهد
قَوْله فيتبعك الله يُقَال تبِعت الرجل بحقي أتبعه تباعة إِذا طلبته بِهِ فَأَنا لَهُ تبيع قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثمَّ لَا تَجدوا لكم علينا بِهِ تبيعا﴾ أَي مطالبا تَابعا قَالَ الْخطابِيّ والمحدثون يَرْوُونَهُ بالتثقيل وَهُوَ خطأ
قَوْله ناتئا عضله غَضبا قَالَ
[ ١ / ٤٢ ]
الْجَوْهَرِي العضل جمع عضلة السَّاق وكل لحْمَة مجتمعة مكتثرة فِي عصبَة فَهِيَ عضلة وَقد عضل الرجل فَهُوَ عضل بَين العضل إِذا كَانَ كثير العضل كَأَنَّهُ أَرَادَ ﵁ أَن الرجل إِذا غضب انتفخ عضله
وَقَالَ ابْن فَارس فِي مجمله نتأ الشَّيْء إِذا خرج عَن مَوْضِعه من غير أَن يبين ونتأت القرحة ورمت ونتأ بِالشَّرِّ أَي استعد لَهُ
٢ - عمر بن الْخطاب ﵁
هُوَ أَبُو حَفْص عمر بن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى بن ريَاح بِالْيَاءِ بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا ابْن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كَعْب يلتقي مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي كَعْب
قَالَ ابْن عبد الْبر أمه حنتمة بنت هَاشم بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم
وَقَالَت طَائِفَة حنتمة بنت هِشَام بن الْمُغيرَة من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ وَلَو كَانَت كَذَلِك لكَانَتْ أُخْت أبي جهل ابْن هِشَام وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هِيَ بنت عَمه لِأَن هاشما وهشاما ابْني الْمُغيرَة أَخَوان فهاشم وَالِد حنتمة أم عمر وَهِشَام وَالِد أبي جهل وهَاشِم جد عمر لأمه كَانَ يُقَال لَهُ ذُو الرمحين
[ ١ / ٤٣ ]
روى ابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ قَالَ أول من كناني رَسُول الله ﷺ بِأبي حَفْص
قَالَ الْجَوْهَرِي الحفص زبيل من جُلُود وَولد الْأسد أَيْضا وَأم حَفْصَة الدَّجَاجَة
ولد بعد الْفِيل بِثَلَاث عشرَة سنة وَكَانَ من أَشْرَاف قُرَيْش أسلم بعد تِسْعَة وَثَلَاثِينَ رجلا وَإِلَيْهِ كَانَت السفارة فِي الْجَاهِلِيَّة وَذَلِكَ أَن قُريْشًا كَانَت إِذا وَقعت بَينهم حَرْب أَو بَينهم وَبَين غَيرهم بعثوه سفيرا وَإِن نافرهم منافر أَو فاخرهم بعثوه منافرا ومفاخرا وَرَضوا بِهِ
فصل فِي إِسْلَامه
روى ابْن إِسْحَاق عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أمه أم عبد الله بنت أبي حثْمَة ﵂ قَالَت إِنَّا وَالله لنترحل إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَقد ذهب عَامر فِي بعض حاجاتنا إِذْ أقبل عمر بن الْخطاب حَتَّى وقف عَليّ وَهُوَ على شركه قَالَت وَكُنَّا نلقى مِنْهُ الْبلَاء أَذَى لنا وَشدَّة علينا فَقَالَ إِنَّه للانطلاق يَا أم عبد الله قَالَت فَقلت نعم وَالله لَنخْرجَنَّ فِي أَرض الله آذيتمونا
[ ١ / ٤٤ ]
وقهرتمونا حَتَّى يَجْعَل الله لنا مخرجا قَالَت فَقَالَ صحبكم الله وَرَأَيْت لَهُ رقة لم أكن أَرَاهَا ثمَّ انْصَرف وَقد أحزنه فِيمَا أرى خروجنا
قَالَت فجَاء عَامر بحاجته تِلْكَ فَقلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله لَو رَأَيْت عمر آنِفا ورقته وحزنه علينا قَالَ أطمعت فِي إِسْلَامه قَالَت قلت نعم قَالَ لَا يسلم الَّذِي رَأَيْت حَتَّى يسلم حمَار الْخطاب قَالَت يأسا مِنْهُ لما كَانَ يرى من غلظته وقسوته عَن الْإِسْلَام
قلت وَقد جَاءَ إِسْلَام عمر ﵁ من طرق رَوَاهَا الْعلمَاء من الْمُحدثين وَأَصْحَاب السّير وَأَنا أورد من ذَلِك طرقا مِمَّا وَقع فِي مروياتي وَغير ذَلِك
روى ابْن عبد الْبر عَن زيد بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه قَالَ نظر رَسُول الله ﷺ إِلَى عمر وَأبي جهل وهما يتناجيان فَقَالَ اللَّهُمَّ أعز الْإِسْلَام بأحبهما إِلَيْك
قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَ إِسْلَامه أَن أُخْته فَاطِمَة زَوْجَة سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل أسلمت هِيَ وَزوجهَا سعيد وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر وَكَانَ نعيم بن عبد الله النحام رجل من قومه من بني عدي ابْن كَعْب قد أسلم وَكَانَ مستخفيا بِإِسْلَامِهِ فرقا من قومه وَكَانَ خباب بن الْأَرَت يخْتَلف إِلَى فَاطِمَة بنت الْخطاب يقرئها الْقُرْآن
فَخرج عمر يَوْمًا متوشحا بِسَيْفِهِ يُرِيد رَسُول الله ﷺ ورهطا من
[ ١ / ٤٥ ]
أَصْحَابه ذكرُوا لَهُ أَنهم قد اجْتَمعُوا فِي بَيت عِنْد الصَّفَا وهم قريب من أَرْبَعِينَ من بَين رجال وَنسَاء وَمَعَ رَسُول الله ﷺ عَمه حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَأَبُو بكر وَعلي فِي رجال من الْمُسلمين ﵃ مِمَّن كَانَ أَقَامَ مَعَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة وَلم يُهَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَكَانَ حَمْزَة أسلم قبل عمر بِثَلَاثَة أَيَّام فَلَقِيَهُ نعيم بن عبد الله النحام فَقَالَ أَيْن تُرِيدُ يَا عمر قَالَ أُرِيد مُحَمَّدًا هَذَا الصابيء الَّذِي فرق أَمر قُرَيْش وسفه أحلامها وَعَابَ دينهَا وَسَب آلهتها فَأَقْتُلهُ
قَالَ ابْن عبد الْبر فَقَالَ لَهُ بئس الممشى مشيت وَأَرَادَ أَن يصرفهُ عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ عمر لَو أعلم أَنَّك صَبَأت لبدأت بك
قَالَ ابْن إِسْحَاق فَقَالَ لَهُ نعيم وَالله لقد غرتك نَفسك من نَفسك يَا عمر أَتَرَى بني عبد منَاف تاركيك تمشي على الأَرْض وَقد قتلت مُحَمَّدًا أَفلا ترجع إِلَى أهل بَيْتك فتقيم أَمرهم قَالَ وَأي أهل بَيْتِي قَالَ ختنك وَابْن عمك سعيد بن زيد وأختك فَاطِمَة بنت الْخطاب فقد وَالله أسلما وتابعا مُحَمَّدًا على دينه فَعَلَيْك بهما
قَالَ فَرجع عمر عَامِدًا إِلَى أُخْته وَخَتنه وَعِنْدَهُمَا خباب بن الْأَرَت مَعَه صحيفَة فِيهَا طه يقرئهما إِيَّاهَا فَلَمَّا سمعُوا حس عمر تغيب خباب فِي مخدع لَهُم وَأخذت فَاطِمَة الصَّحِيفَة فجعلتها تَحت فَخذهَا وَقد سمع عمر حِين دنا إِلَى الْبَيْت قِرَاءَة خباب عَلَيْهِمَا
فَلَمَّا دخل قَالَ مَا هَذِه الهينمة الَّتِي سَمِعت قَالَا لَهُ مَا سَمِعت شَيْئا قَالَ بلَى وَالله وَقد أخْبرت أنكما تابعتما مُحَمَّدًا ﷺ على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد فَقَامَتْ إِلَيْهِ أُخْته فَاطِمَة لتكفه عَن زَوجهَا فضربها فشجها
فَلَمَّا فعل ذَلِك قَالَت لَهُ
[ ١ / ٤٦ ]
أُخْته وَخَتنه نعم قد أسلمنَا وآمنا بِاللَّه وَرَسُوله فَاصْنَعْ مَا بدا لَك وَلما رأى عمر مَا بأخته من الدَّم نَدم على مَا صنع فارعوى وَقَالَ لأخته أعطيني هَذِه الصَّحِيفَة الَّتِي سمعتكم تقرؤون آنِفا أنظر مَا هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد وَكَانَ عمر كَاتبا فَلَمَّا قَالَ ذَلِك قَالَت لَهُ أُخْته إِنَّا نخشاك عَلَيْهَا
قَالَ لَا تخافي وَحلف لَهَا بآلهته ليردنها إِلَيْهَا إِذا قَرَأَهَا
فَلَمَّا قَالَ ذَلِك لَهَا طمعت فِي إِسْلَامه فَقَالَت لَهُ يَا أخي إِنَّك نجس على شركك فَإِنَّهُ لَا يَمَسهَا إِلَّا طَاهِر فَقَامَ عمر فاغتسل فَأَعْطَتْهُ الصَّحِيفَة وفيهَا طه فقرأها فَلَمَّا قَرَأَ مِنْهَا صَدرا قَالَ مَا أحسن هَذَا الْكَلَام وأكرمه فَلَمَّا سمع خباب ذَلِك خرج إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا عمر وَالله إِنِّي لأرجو أَن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فَإِنِّي سمعته أمس يَقُول اللَّهُمَّ أيد الْإِسْلَام بِأبي الحكم بن هِشَام أَو بعمر بن الْخطاب فَالله الله يَا عمر فَقَالَ لَهُ عمر عِنْد ذَلِك فدلني على مُحَمَّد حَتَّى آتيه فَأسلم فَقَالَ لَهُ خباب هُوَ فِي بَيت عِنْد الصَّفَا مَعَه فِيهِ نفر من أَصْحَابه
فَأخذ عمر سَيْفه فتوشحه ثمَّ عمد إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه فَضرب عَلَيْهِم الْبَاب فَلَمَّا سمعُوا صَوته قَامَ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَنظر من خلل الْبَاب فَرَآهُ متوشحا السَّيْف فَرجع إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فزع فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا عمر بن الْخطاب متوشحا السَّيْف فَقَالَ حَمْزَة بن عبد الْمطلب فَأذن لَهُ فَإِن جَاءَ يُرِيد خيرا بذلناه لَهُ وَإِن كَانَ يُرِيد شرا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ائْذَنْ لَهُ فَأذن لَهُ الرجل ونهض إِلَيْهِ رَسُول الله
[ ١ / ٤٧ ]
ﷺ حَتَّى لقِيه فِي الْحُجْرَة فَأَخذه بحجزته أَو بمجمع رِدَائه ثمَّ جبذه بِهِ جبذة شَدِيدَة وَقَالَ مَا جَاءَ بك يَا ابْن الْخطاب فوَاللَّه مَا أرى أَن تَنْتَهِي حَتَّى ينزل الله بك قَارِعَة وَفِي رِوَايَة مَا أَرَاك منتهيا حَتَّى يصنع الله بك مَا صنع بالوليد وَفُلَان وَفُلَان فَضَحِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ أهده قَالَ ابْن إِسْحَاق فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله جئْتُك لأؤمن بِاللَّه وبرسوله وَبِمَا جَاءَ من عِنْد الله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ فَكبر رَسُول الله ﷺ تَكْبِيرَة علم أهل الْبَيْت من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَن عمر قد أسلم وَفِي رِوَايَة كبر أهل الدَّار تَكْبِيرَة سَمعهَا من وَرَاء الدَّار
فَتفرق أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من مكانهم وَقد عزوا فِي أنفسهم حِين أسلم عمر مَعَ إِسْلَام حَمْزَة وَعرفُوا أَنَّهُمَا سيمنعان رَسُول الله ﷺ وينتصفون بهما من عدوهم
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ حِين أسلم
(الْحَمد الله ذِي الْمَنّ الَّذِي وَجَبت لَهُ علينا أياد مَا لَهَا غير)
(وَقد بدأنا فكذبنا فَقَالَ لنا صدق الحَدِيث نَبِي عِنْده الْخَبَر)
(وَقد ظلمت ابْنة الْخطاب ثمَّ هدى رَبِّي عَشِيَّة قَالُوا قد صبا عمر)
(وَقد نَدِمت على مَا كَانَ من زلل بظلمها حِين تتلى عِنْدهَا السُّور)
(لما دعت رَبهَا ذَا الْعَرْش جاهدة والدمع من عينهَا عجلَان يبتدر)
(أيقنت أَن الَّذِي تَدعُوهُ خَالِقهَا فكاد تسبقني من عِبْرَة دُرَر)
(فَقلت أشهد أَن الله خالقنا وَأَن أَحْمد فِينَا الْيَوْم مشتهر)
(نَبِي صدق أَتَى بِالْحَقِّ من ثِقَة وافي الْأَمَانَة مَا فِي عوده خور)
[ ١ / ٤٨ ]
ثمَّ قَالَ عمر فلنظهرن بِمَكَّة دين الله فَإِن أَرَادَ قَومنَا بغيا علينا ناجزناهم وَإِن قَومنَا أنصفونا قبلنَا مِنْهُم
فَخرج عمر وَالصَّحَابَة فجلسوا فِي الْمَسْجِد فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش إِسْلَام حَمْزَة وَعمر سقط فِي أَيْديهم
وروى ابْن إِسْحَاق أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ كنت لِلْإِسْلَامِ مباعدا وَكنت صَاحب خمر فِي الْجَاهِلِيَّة أحبها وأشربها وَكَانَ لنا مجْلِس يجْتَمع فِيهِ رجال من قُرَيْش بالحزورة
قَالَ فَخرجت ذَات لَيْلَة أُرِيد جلسائي أُولَئِكَ فجئتهم فَلم أجد فِيهِ مِنْهُم أحدا
قَالَ فَقلت لَو أَنِّي جِئْت فلَانا الْخمار وَكَانَ بِمَكَّة يَبِيع الْخمر لعَلي أجد عِنْده خمرًا فأشرب مِنْهَا قَالَ فَجئْت فَلم أَجِدهُ
قَالَ فَقلت فَلَو أَنِّي جِئْت الْكَعْبَة فطفت بهَا سبعا أَو سبعين قَالَ فَجئْت الْمَسْجِد أُرِيد أَن أَطُوف بِالْكَعْبَةِ فَإِذا رَسُول الله ﷺ قَائِم يُصَلِّي وَكَانَ إِذا صلى اسْتقْبل الشَّام وَجعل الْكَعْبَة بَينه وَبَين الشَّام وَكَانَ مُصَلَّاهُ بَين الرُّكْن الْأسود والركن الْيَمَانِيّ
قَالَ فَقلت حِين رَأَيْته وَالله لَو أَنِّي استمعت الْآن لمُحَمد اللَّيْلَة حَتَّى أسمع مَا يَقُول فَقلت لَئِن دَنَوْت مِنْهُ لأروعنه فَجئْت من قبل الْحجر وَدخلت تَحت ثِيَابهَا فَجعلت أَمْشِي رويدا وَرَسُول الله ﷺ قَائِم يُصَلِّي يقْرَأ الْقُرْآن حَتَّى قُمْت فِي قبلته مستقبله مَا بيني وَبَينه إِلَّا ثِيَاب الْكَعْبَة
[ ١ / ٤٩ ]
قَالَ فَلَمَّا سَمِعت الْقُرْآن رق لَهُ قلبِي وبكيت ودخلني الْإِسْلَام فَلم أزل قَائِما فِي مَكَاني ذَلِك حَتَّى قضى رَسُول الله ﷺ صلَاته ثمَّ انْصَرف وَكَانَ مَسْكَنه فِي الدَّار الرقطاء الَّتِي كَانَت بيَدي مُعَاوِيَة
قَالَ فتبعته حَتَّى إِذا دخل الْمَسْعَى بَين دَار الْعَبَّاس وَدَار ابْن أَزْهَر أَدْرَكته فَلَمَّا سمع حسي عرفني فَظن إِنَّمَا اتبعته لأؤذيه فنهمنى وَقَالَ مَا جَاءَ بك يَا ابْن الْخطاب هَذِه السَّاعَة قَالَ قلت جِئْت لأؤمن بِاللَّه وَرَسُوله وَبِمَا جَاءَ من عِنْد الله تَعَالَى فَحَمدَ الله رَسُول الله ﷺ وَقَالَ قد هداك الله يَا عمر ثمَّ مسح صَدْرِي ودعا لي بالثبات ثمَّ انصرفنا عَن رَسُول الله ﷺ وَدخل بَيته قَالَ ابْن إِسْحَاق فَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ
وَذكر ابْن ظفر فِي بشائر الْجِنّ بمبعث مُحَمَّد ﷺ قَالَ فَمن ذَلِك مَا تضمنه حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي سَبَب إِسْلَام عمر ﵄ وَأَنه توجه لما ضمنه لقريش من قتل رَسُول الله ﷺ فَمر بِقوم من خُزَاعَة وَقد اعتمدوا صنما لَهُم يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَيْهِ فَقَالُوا لعمر ادخل مَعنا لتشهد الحكم فَدخل مَعَهم
فَلَمَّا مثلُوا بَين يَدي الصَّنَم سمعُوا مِنْهُ هاتفا يَقُول شعرًا
(يَا أَيهَا النَّاس ذَوي الْأَجْسَام مَا أَنْتُم وطائش الأحلام)
(ومسندي الحكم إِلَى الْأَصْنَام أَصْبَحْتُم كراتع الْأَنْعَام)
[ ١ / ٥٠ ]
(أما ترَوْنَ مَا أرى أَمَامِي من سَاطِع يجلو دجى الظلام)
(قد لَاحَ للنَّاظِر من تهام وَقد بدا للنَّاظِر الشآم)
(مُحَمَّد ذُو الْبر وَالْإِكْرَام أكْرمه الرَّحْمَن من إِمَام)
(قد جَاءَ بعد الشّرك بِالْإِسْلَامِ يَأْمر بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام)
(وَالْبر والصلات للأرحام ويزجر النَّاس عَن الآثام)
(فبادروا سبقا إِلَى الْإِسْلَام بِلَا فتور وَبلا إحجام)
قَالَ فَتفرق الْقَوْم عَن الصَّنَم وَلم يحضرهُ يَوْمئِذٍ أحد إِلَّا أسلم
ثمَّ أَتَى عمر إِلَى بَيت أُخْته فَبَاتَ فِيهِ ثمَّ أصبح فَسَأَلَ عَن النَّبِي ﷺ فَقيل لَهُ إِنَّه فِي منزل عَمه حَمْزَة فَخرج وَاضِعا سَيْفه على عَاتِقه فَلَقِيَهُ رجال من سليم قد سافروا إِلَى صنم لَهُم ليحكم بَينهم وَكَانَ اسْم الصَّنَم ضمار فدعوا عمر إِلَى الدُّخُول ليحضر الحكم فَفعل
فَلَمَّا وقفُوا بَين يَدي الصَّنَم سمعُوا هاتفا يَقُول
(أودي الضمار وَكَانَ يعبد مرّة قبل الْكتاب وَقبل بعث مُحَمَّد)
(إِن الَّذِي ورث النُّبُوَّة وَالْهدى بعد ابْن مَرْيَم من قُرَيْش مهتدي)
(سَيَقُولُ من عبد الضمار وَمثله لَيْت الضمار وَمثله لم يعبد)
(أبشر أَبَا حَفْص بدين صَادِق تهدي إِلَيْهِ وبالكتاب المرشد)
(واصبر أَبَا حَفْص قَلِيلا إِنَّه يَأْتِيك عز فَوق عز بني عدي)
(لَا تعجلن فَأَنت نَاصِر دينه حَقًا يَقِينا بِاللِّسَانِ وباليد)
[ ١ / ٥١ ]
قَالَ فتعجب الْقَوْم وَتَفَرَّقُوا وأذهب الله مَا كَانَ فِي نفس عمر من الْعَدَاوَة ثمَّ ذهب فَأسلم
قَالَ ابْن إِسْحَاق وحَدثني نَافِع مولى عبد الله بن عمر عَن عبد الله قَالَ لما أسلم أبي عمر قَالَ أَي قُرَيْش أنقل للْحَدِيث قَالَ قيل لَهُ جميل ابْن عمر الجُمَحِي قَالَ فغدا عَلَيْهِ قَالَ عبد الله فَغَدَوْت أتبع أَثَره وَأنْظر مَا يفعل وَأَنا غُلَام أَعقل كل مَا رَأَيْت حَتَّى جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ أعلمت يَا جميل أَنِّي قد أسلمت وَدخلت فِي دين مُحَمَّد قَالَ فوَاللَّه مَا رَاجعه حَتَّى قَامَ يجر رِدَاءَهُ وَاتبعهُ عمر وَاتَّبَعت أبي حَتَّى إِذا قَامَ على بَاب الْمَسْجِد صرخَ بِأَعْلَى صَوته يَا معشر قُرَيْش وهم فِي أَنْدِيَتهمْ حول الْكَعْبَة أَلا إِن ابْن الْخطاب قد صَبأ
قَالَ يَقُول عمر من خَلفه كذب وَلَكِنِّي أسلمت لله وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله
وثاروا إِلَيْهِ فَمَا برح يقاتلهم ويقاتلونه حَتَّى قَامَت الشَّمْس على رؤوسهم
قَالَ وطلح فَقعدَ قَالَ الْجَوْهَرِي طلح الْبَعِير أعيا وطلحت الْإِبِل بِالْكَسْرِ اشتكت بطونها
قَالَ وَقَامُوا على رَأسه وَهُوَ يَقُول افعلوا مَا بدا لكم
فأحلف بِاللَّه أَن لَو كُنَّا ثَلَاثمِائَة رجل لقد تركناها لكم أَو تَرَكْتُمُوهَا لنا
قَالَ فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذْ أقبل شيخ من قُرَيْش عَلَيْهِ
[ ١ / ٥٢ ]
حلَّة حبرَة وقميص موشى حَتَّى وقف عَلَيْهِم فَقَالَ مَا شَأْنكُمْ قَالُوا صَبأ عمر قَالَ فَمه رجل اخْتَار لنَفسِهِ أمرا فَمَاذَا تُرِيدُونَ أَتَرَوْنَ بني عدي بن كَعْب يسلمُونَ لكم صَاحبهمْ هَكَذَا خلوا عَن الرجل قَالَ فوَاللَّه لكَأَنَّمَا كَانُوا ثوبا كشط عَنهُ
قَالَ فَقلت لأبي بعد أَن هَاجر إِلَى الْمَدِينَة يَا أَبَت من الرجل الَّذِي زجر عَنْك الْقَوْم بِمَكَّة يَوْم أسلمت وهم يقاتلونك جزاه الله خيرا قَالَ ذَاك الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي لَا جزاه الله خيرا
قَالَ وَعَن بعض آل عمر قَالَ قَالَ عمر لما أسلمت تِلْكَ اللَّيْلَة تذكرت أَي أهل مَكَّة أَشد عَدَاوَة لرَسُول الله ﷺ حَتَّى آتيه فَأخْبرهُ أَنِّي أسلمت
قَالَ قلت أَبُو جهل بن هِشَام وَكَانَ عمر لحنتمة بنت هَاشم بن الْمُغيرَة
قَالَ فَأَقْبَلت حِين أَصبَحت حَتَّى ضربت عَلَيْهِ بَابه قَالَ فَخرج إِلَيّ أَبُو جهل فَقَالَ مرْحَبًا وَأهلا بِابْن أُخْتِي مَا جَاءَ بك قَالَ جِئْت لأخبرك أَنِّي قد آمَنت بِاللَّه وبرسوله مُحَمَّد ﷺ وصدقت بِمَا جَاءَ بِهِ
قَالَ فَضرب الْبَاب فِي وَجْهي وَقَالَ قبحك الله وقبح مَا جِئْت بِهِ
وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ كَانَ إِسْلَام عمر فتحا وهجرته نصرا وإمامته رَحْمَة وَلَقَد رَأَيْتنَا وَلم نستطع أَن نصلي فِي
[ ١ / ٥٣ ]
الْبَيْت حَتَّى أسلم عمر فَلَمَّا أسلم قَاتلهم حَتَّى تركونا نصلي
وَذكر أَن عمر لما أسلم نزل جِبْرِيل فَقَالَ استبشر أهل السَّمَاء بِإِسْلَام عمر
وَكَانَ إِسْلَامه فِي السّنة الْخَامِسَة من الْبعْثَة وَقيل فِي السَّادِسَة وَاتَّفَقُوا على تَسْمِيَته بالفاروق قيل سَمَّاهُ الله بذلك وَقيل سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ
وَهُوَ أحد أَصْهَار رَسُول الله ﷺ وَكتابه قَالَه ابْن عبد الْبر وَغَيره
هَاجر إِلَى الْمَدِينَة جَهرا فَقدم رَسُول الله ﷺ فِي جمَاعَة وَشهد مَعَه الْمشَاهد كلهَا وَكَانَ شَدِيدا على الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَكَانَ زاهدا فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا سيق إِلَيْهِ من خَزَائِن مُلُوك الأَرْض فِي خِلَافَته
روقنا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر
وروى الأقليشي فِي فَضَائِل الصَّحَابَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لم يبْعَث الله نَبيا قطّ إِلَّا كَانَ فِي أمته مُحدث فَإِن يكن أحد فِي أمتِي فَهُوَ عمر قيل يَا رَسُول الله وَكَيف يحدث قَالَ تكلم الْمَلَائِكَة على لِسَانه
وَلِهَذَا رُوِيَ أَن عمر كَانَ يخْطب يَوْم جُمُعَة بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ فِي خطبَته يَا سَارِيَة بن
[ ١ / ٥٤ ]
زنيم الْجَبَل الْجَبَل فَالْتَفت النَّاس بَعضهم لبَعض فَلم يفهموا مُرَاده فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ لَهُ عَليّ ﵁ مَا هَذَا الَّذِي قلته قَالَ أَو سمعته قَالَ نعم وكل أهل الْمَسْجِد قَالَ وَقع فِي خلدي أَن الْمُشْركين هزموا إِخْوَاننَا وركبوا أَكْنَافهم يَمرونَ بجبل فَإِن عدلوا إِلَيْهِ قَاتلُوا من وجدوا وظفروا وَإِن جاوزوه هَلَكُوا فَخرج مني هَذَا الْكَلَام فجَاء البشير بعد شهر فَذكر أَنهم سمعُوا فِي ذَلِك الْيَوْم وَتلك السَّاعَة حِين جاوزوا الْجَبَل صَوتا يشبه صَوت عمر فعدلنا إِلَيْهِ فَفتح الله رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر بِسَنَد رِجَاله كلهم ثِقَات
قَالَ قَالَ السمنطاري وَقد عبرت فِي أَرض وطئة بَين جبال بِقرب نهاوند فَأرَانِي بعض أهل تِلْكَ النَّاحِيَة مَوضِع الْقِتَال وأخبروني أَن الْمُشْركين يَوْمئِذٍ أوقدوا نَارا فِي خَنْدَق هُنَاكَ أشاروا إِلَيّ بموضعه ليكيدوا الْمُسلمين بالإنهزام إِلَيْهِ كي يقعوا فِي تِلْكَ النَّار فأنجى الله سَارِيَة وَأَصْحَابه بِصَوْت عمر ﵁ وأدال لَهُم على الْمُشْركين فوقعوا فِي تِلْكَ النَّار الَّتِي وقدوها بِأَيْدِيهِم واحترقوا فِيهَا وَفتح الله على الْمُسلمين بنهاوند هَذَا نَحْو مَا أخبروني بِهِ هُنَاكَ على مَا توارثوه فيهم
وَذكر ابْن ظفر فِي كتاب خير الْبشر عَن عمر ﵁ أَنه
[ ١ / ٥٥ ]
قَالَ لكعب يَا كَعْب أدْركْت النَّبِي ﷺ وَقد علمت أَن مُوسَى بن عمرَان تمنى أَن يكون فِي أَيَّامه فَلم تسلم على يَدَيْهِ ثمَّ أدْركْت أَبَا بكر وَهُوَ خير مني فَلم تسلم على يَدَيْهِ ثمَّ أسلمت فِي أيامي قَالَ لَا تعجل عَليّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي كنت أتلبث حَتَّى أنظر الْأَمر كَيفَ هُوَ فَوَجَدته كَالَّذي هُوَ فِي التَّوْرَاة
فَقَالَ عمر وَكَيف هُوَ قَالَ رَأَيْت فِي التَّوْرَاة أَن سيد الْخلق والصفوة من ولد آدم وَخَاتم النَّبِيين يظْهر من جبال فاران من منبت الْفَرْض من الْوَادي الْمُقَدّس فَيظْهر التَّوْحِيد وَالْحق ثمَّ ينْتَقل إِلَى الطّيبَة فَتكون حروبه وأيامه فِيهَا ثمَّ يقبض فِيهَا ويدفن بهَا
قَالَ عمر ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ يَلِي من بعده الشَّيْخ الصَّالح قَالَ عمر ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ يَمُوت مُتبعا قَالَ عمر ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ يَلِي الْقرن الْحَدِيد فَقَالَ عمر وادفراه ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ يقتل شَهِيدا قَالَ عمر ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ يَلِي صَاحب الْحيَاء وَالْكَرم قَالَ عمر ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ يقتل مَظْلُوما قَالَ عمر ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ يَلِي صَاحب المحجة الْبَيْضَاء وَالْعدْل والسواء صَاحب الشّرف التَّام وَالْعلم الْجَام قَالَ عمر هُوَ أَبُو الْحسن ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ يَمُوت شَهِيدا سعيدا قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ كَعْب ثمَّ ينْتَقل الْأَمر إِلَى الشَّام فَقَالَ عمر حَسبك يَا كَعْب
[ ١ / ٥٦ ]
تَفْسِير
الدفر بِالدَّال الْمُهْملَة النتن وَالْحَدِيد دفر وَقصد التَّوَاضُع فَذكر رَائِحَة الْحَدِيد وَأعْرض عَن أَوْصَافه الْحَسَنَة من الْقُوَّة وَالْقطع وَمِنْه تسمى الدُّنْيَا أم دفر
وَكَانَ ﵁ شَدِيد التخشع
رُوِيَ أَنه كَانَ فِي وَجهه خطان أسودان من الْبكاء
قَالَ ابْنه عبد الله صليت وَرَاءه فَسمِعت حنينه من وَرَاء ثَلَاثَة صُفُوف
ختم الله لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَكَانَ سَببهَا طعنه أَبُو لؤلؤة فَيْرُوز غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي الصُّبْح بسكين مَسْمُومَة ذَات طرفين وَذَلِكَ لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَكَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء
وَكَانَت خِلَافَته عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر على خلاف فِي ذَلِك توفّي وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَهُوَ الصَّحِيح
وَفتح بَاب الْفِتْنَة بعد على مَا ورد فِي الصَّحِيح روى مُحَمَّد بن الْحسن الشعري فِي كِتَابه الملامح والمعاريض عَن أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا فتْنَة﴾ قَالَ عَن أبي ذَر ﵁ إِن عمر ﵁ أَخذ بِيَدِهِ يَوْمًا فغمزها فَقَالَ خل يَدي يَا قفل الْفِتْنَة فَقَالَ عمر مَا قَوْلك قفل الْفِتْنَة فَقَالَ إِنَّك جِئْت
[ ١ / ٥٧ ]
ذَات يَوْم فَجَلَست فِي آخر الْقَوْم فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تصيبكم فتْنَة مَا دَامَ هَذَا فِيكُم
وروى الشعري أَيْضا عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ أَنا وَعُثْمَان فتْنَة لهَذِهِ الْأمة
وَشَرحه فِيمَا روى معَاذ بن جبل ﵁ عَن النَّبِي ﷺ لَا يزَال بَاب الْفِتْنَة مغلقا عَن أمتِي مَا عَاشَ فيهم عمر بن الْخطاب فَإِذا هلك تَتَابَعَت عَلَيْهِم الْفِتَن
٣ - عُثْمَان بن عَفَّان ﵁
قَالَ ابْن عبد الْبر عُثْمَان بن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف يلتقي مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي عبد منَاف وَأمه أورى بنت كريز بن ربيعَة بن حبيب بن عبد شمس وَأمّهَا أم حَكِيم الْبَيْضَاء بنت عبد الْمطلب
وكنيته أَبُو عَمْرو وَقيل أَبُو عبد الله وَقيل أَبُو ليلى
كَانَ إِسْلَامه قَدِيما قبل دُخُول النَّبِي ﷺ دَار الأرقم دَعَاهُ أَبُو بكر إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم وَهَاجَر الهجرتين إِلَى الْحَبَشَة وَالْمَدينَة
وَتزَوج ابْنَتي رَسُول الله ﷺ وَكَانَ من كِتَابه ذكره عمر بن شبة فِي كِتَابه ﷺ
قَالَ مُحَمَّد بن سعد وَكتب رَسُول الله
[ ١ / ٥٨ ]
ﷺ لنهشل بن مَالك الوائلي من باهلة كتابا كتبه عُثْمَان ﵁ يَأْتِي ذكره فِيمَا بعد من كتابي هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ الأقليشي قيل للمهلب بن أبي صفرَة لم قيل لعُثْمَان ذُو النورين قَالَ لِأَنَّهُ لَا نعلم أحدا أرسل سترا على ابْنَتي نَبِي غَيره
قَالَ ابْن مُنِير الْحلَبِي فِي الشَّرْح ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ سَأَلت رَبِّي ﷿ أَن لَا يدْخل النَّار أحدا صاهر إِلَيّ أَو صاهرت إِلَيْهِ
وَسِيَاق سَنَده إِلَى سهل بن سعد قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ هَل فِي الْجنَّة برق قَالَ نعم إِن عُثْمَان يتَحَوَّل من منزل إِلَى منزل فتبرق الْجنَّة رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَزَاد غَيره برقين فَلذَلِك سمي ذَا النورين
قَالَ الأقليشي روينَا عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن النَّبِي ﷺ صعد أحدا وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ فَرَجَفَ بهم فَضَربهُ بِرجلِهِ وَقَالَ اسكن أحد فَإِن عَلَيْك نَبيا وصديقا وشهيدين
وَعَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لعُثْمَان يَا عُثْمَان أَنْت وليي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَعَن أم كُلْثُوم بنت ثُمَامَة قَالَت سَأَلت عَائِشَة ﵂ عَن عُثْمَان ﵁ قَالَت لقد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ وَاضِعا رَأسه على فَخذي وَعُثْمَان عَن يَمِينه وَجِبْرِيل يوحي إِلَيْهِ قَالَت وَرَسُول الله ﷺ يَقُول اكْتُبْ عُثْمَان فَمَا كَانَ الله ينزل تِلْكَ الْمنزلَة إِلَّا كَرِيمًا على الله تَعَالَى وعَلى رَسُوله ﷺ
وَعَن
[ ١ / ٥٩ ]
أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ رمقت النَّبِي ﷺ ذَات لَيْلَة رَافعا يَدَيْهِ من أول اللَّيْل إِلَى أَن طلع الْفجْر يَدْعُو لعُثْمَان ﵁ وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ عُثْمَان رضيت عَنهُ فارض عَنهُ
بذل فِي طَاعَة الله تَعَالَى الْأَمْوَال فنال من الثَّوَاب مَا نَالَ
وَعَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ جَاءَ عُثْمَان إِلَى النَّبِي ﷺ بِأَلف دِينَار حِين جهز جَيش الْعسرَة فنثرها فِي حجره قَالَ فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ يقلبها فِي حجره وَيَقُول مَا ضرّ عُثْمَان مَا عمل بعد الْيَوْم مرَّتَيْنِ
وَعَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ حمل عُثْمَان بن عَفَّان فِي غَزْوَة تَبُوك على تِسْعمائَة بعير وَأَرْبَعين بَعِيرًا ثمَّ جَاءَ بستين فرسا فَأَتمَّ بهَا الْألف
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قحط الْمَطَر على عهد أبي بكر الصّديق ﵁ فَاجْتمع النَّاس إِلَى أبي بكر فَقَالُوا السَّمَاء لم تمطر وَالْأَرْض لم تنْبت وَالنَّاس فِي شدَّة شَدِيدَة فَقَالَ أَبُو بكر انصرفوا واصبروا فانكم لَا تمشون حَتَّى يفرج الله الْكَرِيم عَنْكُم فَمَا لبثنا إِلَّا قَلِيلا إِذْ جَاءَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ من الشَّام مائَة رَاحِلَة برا أَو قَالَ طَعَاما فَاجْتمع النَّاس إِلَى بَابه وقرعوا عَلَيْهِ الْبَاب فَخرج إِلَيْهِم عُثْمَان فِي مَلأ من النَّاس فَقَالَ مَا تشاؤون فَقَالُوا الزَّمَان قحط وَالسَّمَاء لم تمطر وَالْأَرْض لم تنْبت وَالنَّاس فِي شدَّة شَدِيدَة وَقد بلغنَا أَن عنْدك طَعَاما فبعنا حَتَّى نوسع على فُقَرَاء الْمُسلمين قَالَ عُثْمَان حبا وكرامة ادخُلُوا فاشروا فَدخل التُّجَّار فَإِذا الطَّعَام
[ ١ / ٦٠ ]
مَوْضُوع فِي دَار عُثْمَان ﵁
فَقَالَ معشر التُّجَّار كم تربحونني على شرائي من الشَّام قَالُوا للعشرة اثْنَا عشر قَالَ عُثْمَان قد زادوني قَالُوا للعشرة أَرْبَعَة عشر قَالَ عُثْمَان زادوني قَالُوا للعشرة خَمْسَة عشر قَالَ عُثْمَان قد زادوني قَالَ التُّجَّار يَا أَبَا عَمْرو مَا بَقِي فِي الْمَدِينَة تجار غَيرنَا فَمن ذَا الَّذِي زادك قَالَ زادني الله ﷿ بِكُل دِرْهَم عشرا أعندكم زِيَادَة قَالُوا اللَّهُمَّ لَا قَالَ فَإِنِّي أشهد الله أَنِّي قد جعلت هَذَا الطَّعَام صَدَقَة على فُقَرَاء الْمُسلمين
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فَرَأَيْت فِي لَيْلَتي رَسُول الله ﷺ يَعْنِي فِي الْمَنَام وَهُوَ على برذون أبلق عَلَيْهِ حلَّة من نور فِي رجلَيْهِ نَعْلَانِ من نور وَبِيَدِهِ قضيب من نور وَهُوَ مستعجل قلت يَا رَسُول الله قد اشْتَدَّ شوقي إِلَيْك وَإِلَى كلامك فَأَيْنَ تبادر قَالَ يَا ابْن عَبَّاس إِن عُثْمَان بن عَفَّان تصدق بِصَدقَة وَإِن الله تَعَالَى قد قبلهَا مِنْهُ وزوجه بهَا عروسا فِي الْجنَّة وَقد دعينا إِلَى عرسه
فَأكْرم بِمَال يُوصل صَاحبه هَذِه الرُّتْبَة وينيله هَذِه الخصوصية والقربة
وَلَقَد رُوِيَ عَنهُ ﵁ أَنه كَانَ يطعم النَّاس طَعَام الْإِمَارَة وَيدخل بَيته فيأكل الْخلّ وَالزَّيْت
وَعَن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد قَالَ رَأَيْت عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر وَعَلِيهِ إِزَار عدني غليظ يُسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم أَو خَمْسَة وريطة كوفية ممشقة
الريطة الملاءة إِذا كَانَت قِطْعَة وَاحِدَة وَلم تكن لفقتين قَالَه
[ ١ / ٦١ ]
الْجَوْهَرِي
والممشق اللبيس وَقيل الْمَصْبُوغ
وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَنه قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي حَائِط فَاسْتَفْتَحَ رجل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ افْتَحْ لَهُ وبشره بِالْجنَّةِ فَإِذا أَبُو بكر ﵁ واستفتح آخر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ افْتَحْ لَهُ وبشره بِالْجنَّةِ ففتحت لَهُ وبشرته بِالْجنَّةِ فَإِذا عمر ﵁ ثمَّ استفتح آخر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ افْتَحْ لَهُ وبشره بِالْجنَّةِ على بلوى تصيبه ففتحت لَهُ وبشرته بِالْجنَّةِ وَإِذا هُوَ عُثْمَان بن عَفَّان فَأَخْبَرته بِالَّذِي قَالَ فَقَالَ الله الْمُسْتَعَان
وَعَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ أُتِي النَّبِي ﷺ بِجنَازَة رجل يُصَلِّي عَلَيْهِ فَلم يصل عَلَيْهِ فَقيل يَا رَسُول الله مَا رَأَيْنَاك تركت الصَّلَاة على أحد قبل هَذَا قَالَ إِنَّه كَانَ يبغض عُثْمَان فَأَبْغضهُ الله
وَعَن الْحسن بن عَليّ ﵄ أَنه قَالَ مَا كنت لأقاتل بعد رُؤْيا رَأَيْتهَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ مُتَعَلقا بالعرش وَرَأَيْت أَبَا بكر وَاضِعا يَده على منْكب النَّبِي ﷺ وَرَأَيْت عمر وَاضِعا يَده على منْكب أبي بكر وَرَأَيْت عُثْمَان وَاضِعا يَده على منْكب عمر وَرَأَيْت دونهم دَمًا فَقلت مَا هَذَا فَقيل هَذَا دم عُثْمَان الله يطْلب بِهِ
وَقَالَ الأقليشي ﵀ فِي عُثْمَان ﵁ يمدحه وضمنها من قَول حسان ﵁
[ ١ / ٦٢ ]
(حوى الْفَضَائِل ذُو النورين عُثْمَان إِذْ حل فِي قلبه نور وإيقان)
(صهر الرَّسُول على بنتيه قدستا وَلم يحز مثل هَذَا قبل إِنْسَان)
(ولي أَحْمد فِي الدُّنْيَا وآخرة لَهُ صَلَاح وإيمان وإحسان)
(أما الْحيَاء فَفِي خديه مؤتلق وَفِي الْفُؤَاد لَهُ نور وبرهان)
(أما السخاء فوصف كَانَ يَصْحَبهُ فوجهه بضياء الْجُود يَزْدَان)
(كم سد من خلل بِمَا لَهُ جلل وَصد من علل وَالله منان)
(كَانَت ولَايَته بِالْعَدْلِ قَائِمَة حَتَّى استطار من الْفُسَّاق طغيان)
(فَقَتَلُوهُ اعتداء وسط منزله كَأَنَّمَا هُوَ للفجار قرْبَان)
(ضحوا بأشمط عنوان السُّجُود بِهِ فليله الدَّهْر تَسْبِيح وَقُرْآن)
(قد رَاح روح شَهِيد الدَّار مؤتلقا وَعَمه فِي العلى روح وَرَيْحَان)
قَالَ ابْن عبد الْبر كَانَ عُثْمَان ﵁ ربعَة لَيْسَ بالقصير
[ ١ / ٦٣ ]
وَلَا بالطويل حسن الْوَجْه رَقِيق الْبشرَة كَبِير اللِّحْيَة عظيمها أسمر اللَّوْن كثير الشّعْر ضخم الكراديس بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ
بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم السبت غرَّة الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين بعد دفن عمر بن الْخطاب ﵁ بِثَلَاثَة أَيَّام باجتماع النَّاس عَلَيْهِ
وَقتل بِالْمَدِينَةِ يَوْم الْجُمُعَة لثمان عشرَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَهُوَ ابْن تسعين سنة وَدفن بِالبَقِيعِ وَقيل غير ذَلِك
ولي الْخلَافَة اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَّا عشرَة أَيَّام
وَفِي هَذِه التواريخ خلاف ذكرهَا ابْن عبد الْبر فِي استيعابه وَغَيره
٤ - عَليّ بن أبي طَالب ﵁
ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَأَبُو طَالب أَخُو عبد الله وَالِد رَسُول الله ﷺ قرشي هاشمي يكنى أَبَا الْحسن وَأَبا تُرَاب وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ كنية ثَالِثَة وَهُوَ أَبُو قَصم
قَالَ ابْن دحْيَة فِي تأليفه مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين وَيُقَال لعَلي أَبُو القصم قَالَ ذَلِك يَوْم أحد فِي مبارزته لأبي سعيد بن أبي طَلْحَة
والقصم جمع قصمة وَهِي العضلة الْمهْلكَة وَيجوز أَن يكون جمع قصماء وَهِي الداهية الَّتِي تقصم قَالَ الْجَوْهَرِي وقصم مثل قثم يحطم مَا لَقِي
[ ١ / ٦٤ ]
قَالَ ابْن إِسْحَاق وَقد حَدثنِي بعض أهل الْعلم أَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا سمى عليا أَبَا تُرَاب إِنَّه كَانَ إِذا عتب على فَاطِمَة فِي شَيْء لم يكملها وَلم يقل لَهَا شَيْئا تكرههُ إِلَّا أَنه يَأْخُذ تُرَابا فيضعه على رَأسه قَالَ فَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رأى عَلَيْهِ التُّرَاب يعرف أَنه عَاتب على فَاطِمَة فَيَقُول مَالك يَا أَبَا تُرَاب وَسَماهُ وَالِده عليا
روى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك إِن اسْم عَليّ أَسد وَذَلِكَ أَن أمه لما وَلدته سمته أسدا باسم أَبِيهَا وأبى أَبُو طَالب وَقَالَ سميه عليا فَهُوَ حَيْثُ يَقُول يَوْم خَيْبَر
(أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدره )
وَلم يقل سماني أبي
والحيدرة الْأسد
وَفِي سنه حِين أسلم أَقْوَال مِنْهَا أَنه أسلم وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة وَقيل عشرَة قَالَه ابْن إِسْحَاق
وروينا فِي جَامع التِّرْمِذِيّ بعث رَسُول الله ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ وَأسلم عَليّ يَوْم الثُّلَاثَاء
[ ١ / ٦٥ ]
قَالَ ابْن إِسْحَاق ثمَّ إِن عليا جَاءَ بعد ذَلِك الْيَوْم يَعْنِي بعد إِسْلَام خَدِيجَة وصلاتها مَعَه فوجدهما يصليان فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دين الله الَّذِي اصْطفى لنَفسِهِ وَبعث بِهِ رسله
أَدْعُوك إِلَى الله وَإِلَى عِبَادَته وَكفر بِاللات والعزى فَقَالَ حَتَّى أحدث أَبَا طَالب فكره رَسُول الله ﷺ أَن يفشى سره فَقَالَ لعَلي إِن لم تسلم فاكتم ثمَّ أوقع الله الْإِسْلَام فِي قلبه فَأصْبح حَتَّى جَاءَهُ فَأسلم وَكَانَ مِمَّا أنعم الله بِهِ على عَليّ أَن كَانَ فِي حجر رَسُول الله ﷺ وَهُوَ صَغِير
قَالَ القَاضِي عِيَاض خرج الطَّحَاوِيّ فِي مُشكل الحَدِيث عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُوحى إِلَيْهِ وَرَأسه فِي حجر عَليّ ﵁ فَلم يصل الْعَصْر حَتَّى غربت الشَّمْس فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أصليت يَا عَليّ قَالَ لَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ إِنَّه كَانَ فِي طَاعَتك وَطَاعَة رَسُولك فاردد عَلَيْهِ الشَّمْس قَالَت أَسمَاء فرأيتها غربت ثمَّ رَأَيْتهَا طلعت بَعْدَمَا غربت ووقفت على الْجبَال وَالْأَرْض وَذَلِكَ بالصهباء فِي خَيْبَر
قَالَ وَهَذَا الحَدِيث ثَابت وَرُوَاته ثِقَات
وَحكى الطَّحَاوِيّ أَن أَحْمد بن صَالح كَانَ يَقُول لَا يَنْبَغِي لمن سَبيله الْعلم التَّخَلُّف عَن حفظ حَدِيث أَسمَاء لِأَنَّهُ من عَلَامَات النُّبُوَّة
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات وَعين
[ ١ / ٦٦ ]
وَاضعه وَقَالَ ثَبت فِي الصَّحِيح عَنهُ ﵇ إِن الشَّمْس لم تحبس لأحد إِلَّا ليوشع
وَذكر الشَّيْخ ضِيَاء الدّين أَبُو النجيب السهرودي فِي كتاب آدَاب المريدين لخدمة رب الْعَالمين زواج عَليّ لفاطمة ﵄ قَالَ وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لما هم بتزويج فَاطِمَة ﵂ من عَليّ ﵁ قَالَ لَهُ تكلم لنَفسك خَطِيبًا وَقد اجْتمع الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَقَالَ الْحَمد لله حمدا يبلغهُ ويرضيه وَصلى الله على مُحَمَّد صَلَاة تزلفه وتحظيه وَالنِّكَاح مِمَّا أَمر الله بِهِ ورضيه واجتماعنا فِيمَا أذن الله فِيهِ وَقدره وَهَذَا مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ زَوجنِي ابْنَته فَاطِمَة ﵂ على صدَاق مبلغه خَمْسمِائَة دِرْهَم وَقد رضيت فَاسْأَلُوهُ واشهدوا
وَقَالَ عَليّ ﵁ مَا كَانَ لنا إِلَّا إهَاب كَبْش نبيت عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ ونعلف عَلَيْهِ الناضح بِالنَّهَارِ
وروى مُحَمَّد بن ظفر فِي كتاب أنباء نجباء الْأَبْنَاء أَن أَبَا طَالب ابْن عبد الْمطلب قَالَ لفاطمة بنت أَسد وَهِي زَوجته أم أَوْلَاده يَا فَاطِمَة مَا لي لَا أرى عليا يحضر طعامنا فَقَالَت إِن خَدِيجَة بنت خويلد قد تألفته فَقَالَ أَبُو طَالب لَا أحضر طَعَاما غَابَ عَنهُ عَليّ
[ ١ / ٦٧ ]
فَأرْسلت إِلَيْهِ وَلَدهَا جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ وَقَالَت جئني بِهِ وحدثها مَا قَالَ أَبوهُ فَانْطَلق جَعْفَر إِلَى خَدِيجَة فأعلمها وَأخذ عليا وَانْطَلق بِهِ إِلَى أَهله وَأَبُو طَالب على غذائه فَلَمَّا رَآهُ بشر بِهِ وَأَجْلسهُ على فَخذه وَوضع كَفه على رَأسه وَجعل لقْمَة فِي فِيهِ فلاكها ثمَّ لَفظهَا وَبكى فَقَالَ أَبُو طَالب يَا فَاطِمَة خذي إِلَيْك هَذَا الطِّفْل فانظري مَا شَأْنه فَأَخَذته أمه ولاطفته وسكتته وَسَأَلته فَقَالَ أتكتمين عَليّ فَقَالَت نعم فَقَالَ يَا أُمَّاهُ إِنِّي أجد لكف مُحَمَّد بردا ولطعامه قداوة وَإِنِّي وجدت لكف أبي حرا ولطعامه وخاصة وتفلا فَقَالَت لَهُ لَا تفه بِهَذَا وَإِن سَأَلَك أَبوك فَقل إِنِّي مغست
وَلما فرغ أَبُو طَالب من غذائه قَالَ يَا فَاطِمَة مَا بَال ابْني فَقَالَت إِنَّه كَانَ مغس فَقَالَ كلا وهبل مَا بِهِ إِلَّا إِيثَار مُحَمَّد علينا فالحقيه بِهِ وَلَا تعرضي لَهُ بعد فيوشك أَن يهصر بِهِ مُحَمَّد ﷺ أصلاب قُرَيْش
تَفْسِير مَا فِي هَذَا الْخَبَر من الْغَرِيب
اللوك المضغ
وَاللَّفْظ إِلْقَاء الشَّيْء من الْفَم
قداوة أَي طيب ريحة قدي اللَّحْم يقدى قديا
وتفلا التفل تغير الرَّائِحَة وفسادها
ومغس أَي أَصَابَهُ المغس وَهُوَ دَاء مَعْرُوف
قَوْله فيوشك
[ ١ / ٦٨ ]
مَعْنَاهُ يسْرع والوشيك السَّرِيع
وَقَوله يهصر أَي يعْطف ويثنى ليكسر
وَقَوله كلا وهبل صنم كَانُوا يعظمونه أقسم بِهِ وَكَانَ دَاخل الْكَعْبَة وَهُوَ الَّذِي ذكره أَبُو سُفْيَان فِي غَزْوَة أحد فِي قَوْله اعْل هُبل قَالَ النَّبِي ﷺ أَلا تجيبوه قَالُوا مَا نقُول فَقَالَ قُولُوا الله أَعلَى وَأجل
قلت وَأَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا المكيين أَنه مَوْجُود بِمَكَّة مَعْرُوف عِنْدهم يَبُولُونَ عِنْده وَأَنه ألقِي هُوَ وَغَيره من الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت حول الْكَعْبَة وَكَانَت نَحْو الثلاثمائة وَسِتِّينَ صنما قد شدها إِبْلِيس لَهُم بالرصاص ذكره الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخ مَكَّة وَقَالَ وَهُوَ مَا روينَاهُ عَنهُ بِسَنَدِهِ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ دخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة يَوْم الْفَتْح وحول الْكَعْبَة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ صنما فَجعل يطعنها وَيَقُول ﴿جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ بيد رَسُول الله ﷺ قضيب وَهُوَ يطوف على رَاحِلَته بِالْكَعْبَةِ وَيُشِير إِلَيْهَا فَمَا مِنْهَا صنم أَشَارَ إِلَى وَجهه إِلَّا وَقع على دبره وَلَا أَشَارَ إِلَى دبره إِلَّا وَقع على وَجهه حَتَّى وَقعت كلهَا وَأمر بهَا فَجمعت ثمَّ حرقت بالنَّار وَكسرت
فَفِي ذَلِك يَقُول فضَالة بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ فِي ذكر يَوْم الْفَتْح
(لَو مَا رَأَيْت مُحَمَّدًا وَجُنُوده بِالْفَتْح يَوْم تكسر الْأَصْنَام)
[ ١ / ٦٩ ]
(لرأيت نور الله أصبح بَيْننَا والشرك يغشى وَجهه الأظلام)
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ الْآيَة
قَالَ الْبَغَوِيّ قَرَأَهَا عَليّ حطب جَهَنَّم
عود وانعطاف لما نَحن بصدده وَأمه ﵁ فَاطِمَة بنت أَسد بن هَاشم بن عبد منَاف وَهِي أول هاشمية ولدت هاشميا أسلمت وَهَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة وَمَاتَتْ فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ
وَهِي أم عَليّ وَعقيل وجعفر وطالب أَوْلَاد أبي طَالب
قَالَ صَاحب المورد العذب رُوِيَ أَنه ﷺ ألبسها قَمِيصه وَصلى عَلَيْهَا وَكبر عَلَيْهَا سبعين واضطجع فِي قبرها وجزاها خيرا فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ كَانَت أُمِّي بعد أُمِّي وَلم يكن بعد أبي طَالب أبر بِي مِنْهَا
وَكَانَ عَليّ ﵁ هُوَ الْكَاتِب لعهوده ﷺ إِذا عهد وصلحه إِذا صَالح
بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم الْجُمُعَة الَّذِي قتل فِيهِ عُثْمَان ﵄
وَكَانَت خِلَافَته أَربع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَقتل وَله من الْعُمر ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَقيل غير ذَلِك
قَتله أَشْقَى النَّاس عبد الرَّحْمَن بن ملجم بِسيف مَسْمُوم وَذَلِكَ لَيْلَة الْجُمُعَة ثمَّ توفّي بِالْكُوفَةِ لَيْلَة الْأَحَد
[ ١ / ٧٠ ]
التَّاسِع عشر من شهر رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ
قيل دفن برحبة الْكُوفَة وَقيل بطرِيق الْحيرَة وَقيل حمل إِلَى الْمَدِينَة فَدفن عِنْد فَاطِمَة وَقيل حمل فِي تَابُوت على جمل وَإِن الْجمل تاه وَوَقع فِي بِلَاد طَيئ وَقيل جهل مَوضِع قَبره ﵁
٥ - أبي بن كَعْب
ابْن قيس بن عبيد بن زيد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن النجار والنجار هُوَ تيم اللات بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو ابْن الْخَزْرَج الْأَكْبَر المعاوي وَبَنُو مُعَاوِيَة بن عَمْرو يعْرفُونَ ببني جديلة وَهِي أمّهم قيل سمي النجار لِأَنَّهُ نجر وَجه رجل بالقدوم وَقيل غير ذَلِك
كناه النَّبِي ﷺ بِأبي الْمُنْذر وكناه عمر بِأبي الطُّفَيْل
قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا الْمُنْذر أَي آيَة مَعَك فِي كتاب الله أعظم فَقلت ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ قَالَ فَضرب فِي صَدْرِي وَقَالَ ليهنئك الْعلم يَا أَبَا الْمُنْذر
شهد الْعقبَة الثَّانِيَة وَبَايع فِيهَا ثمَّ شهد بَدْرًا
وَكَانَ أحد فُقَهَاء الصَّحَابَة وأقرأهم لكتاب الله ﷿ وَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ سُورَة ﴿لم يكن﴾ وَقَالَ إِن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ
[ ١ / ٧١ ]
عَلَيْك قَالَ آللَّهُ سماني لَك قَالَ نعم فَجعل أبي يبكي قَالَه ابْن عبد الْبر
وَرُوِيَ عَن أبي محجن الثَّقَفِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أرْحم أمتِي بأمتي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان وأقضاهم عَليّ وأقرؤهم أبي وأفرضهم زيد بن ثَابت وأعلمهم بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل وَمَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء على ذِي لهجة أصدق من أبي ذَر وَلكُل أمة أَمِين وَأمين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح
وَكَانَ أبي مِمَّن كتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ قبل زيد بن ثَابت وَمَعَهُ أَيْضا
قَالَ ابْن عبد الْبر وروى الْوَاقِدِيّ عَن أشياخه قَالَ أول من كتب لرَسُول الله ﷺ مقدمه الْمَدِينَة أبي بن كَعْب
وَهُوَ أول من كتب فِي آخر الْكتاب وَكتب فلَان
قَالَ وَكَانَ أبي إِذا لم يحضر دَعَا رَسُول الله زيد بن ثَابت فَكَانَ زيد وَأبي يكتبان الْوَحْي بَين يَدي رَسُول الله ﷺ ويكتبان كتبه إِلَى النَّاس وَمَا يقطع وَغير ذَلِك
مَاتَ أبي فِي خلَافَة عمر سنة تسع عشرَة وَقيل فِي صدر خلَافَة عُثْمَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ
وَقَالَ عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ مَاتَ الْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَأبي بن كَعْب قَرِيبا بَعضهم من بعض وَقيل غير ذَلِك وَالْأَكْثَر على أَنه مَاتَ فِي خلَافَة عمر
[ ١ / ٧٢ ]
يعد فِي أهل الْمَدِينَة روى عَنهُ عبَادَة بن الصَّامِت وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن خباب وَابْنه الطُّفَيْل بن أبي وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵃ أَجْمَعِينَ
٦ - أبان بن سعيد ابْن الْعَاصِ بن أُميَّة
ابْن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي قَالَه ابْن عبد الْبر
قَالَ وَتَأَخر إِسْلَامه بعد إِسْلَام أَخَوَيْهِ خَالِد وَعَمْرو ثمَّ أسلم وَحسن إِسْلَامه
وَقَالَ ذكره ابْن شبة فِي كِتَابه ﷺ وَذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَات أَيْضا
وَهُوَ الَّذِي أَجَارَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ حِين بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى قُرَيْش عَام الْحُدَيْبِيَة وَحمله على فرس حَتَّى دخل مَكَّة وَقَالَ لَهُ شعر
(أقبل وَأدبر وَلَا تخف أحدا بَنو سعيد أعزة الْحرم)
وَكَانَ إِسْلَامه بَين الْحُدَيْبِيَة وخيبر
قَالَ ويروى عَن الْحسن أَنه قَالَ قدم أبان بن سعيد على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا أبان كَيفَ تركت أهل مَكَّة قَالَ تَركتهم وَقد جيدوا يَعْنِي الْمَطَر وَتركت الْإِذْخر وَقد
[ ١ / ٧٣ ]
أعذق وتكرت الثمام وَقد خَاص قَالَ فاغرورقت عينا رَسُول الله ﷺ وَقَالَ أَنا أفصحكم ثمَّ أبان بعدِي
وَاسْتَعْملهُ ﷺ على الْبَحْرين إِذْ عزل الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ عَنْهَا فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن توفّي رَسُول الله ﷺ
وَكَانَ هُوَ الَّذِي تولى إملاء مصحف عُثْمَان على زيد بن ثَابت أَمرهمَا بذلك عُثْمَان
قَالَ ذكر ذَلِك ابْن شهَاب عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن أَبِيه
وَاخْتلف فِي وَقت وَفَاة أبان بن سعيد قَالَ ابْن إِسْحَاق قتل أبان وَعَمْرو ابْنا سعيد بن الْعَاصِ يَوْم اليرموك وَلم يُتَابع عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس مضين من رَجَب سنة خمس عشرَة فِي خلَافَة عمر
وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة قتل يَوْم أجنادين وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم وَقيل يَوْم مرج الصفر
وَكَانَت وقْعَة أجنادين فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث عشرَة فِي خلَافَة أبي بكر قبل وَفَاته بِدُونِ شهر ووقعة مرج الصفر فِي صدر خلَافَة عمر سنة أَربع عشرَة ﵃ أَجْمَعِينَ
٧ - الأرقم بن أبي الأرقم
قَالَ ابْن عبد الْبر اسْم أبي الأرقم عبد منَاف بن أَسد بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي
وَأمه من بني سهم بن
[ ١ / ٧٤ ]
عَمْرو بن هصيص اسْمهَا أُمَيْمَة بنت عبد الْحَارِث وَيُقَال تماضر بنت حذيم من بني سهم
يكنى أَبَا عبد الله
كَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين قديم الْإِسْلَام كَانَ سَابِع سَبْعَة وَقيل أسلم بعد عشرَة أنفس
يعد فِي أهل بدر
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ مستخفيا من قُرَيْش بِمَكَّة فِي دَاره على الصَّفَا
قلت وَهِي الَّتِي تسمى فِي زمننا دَار الخيزران
كَانَ ﷺ يَدْعُو النَّاس فِيهَا إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى تكاملوا أَرْبَعِينَ رجلا وَكَانَ آخِرهم إسلاما عمر بن الْخطاب ﵃ أسلم فِي دَاره كبار الصَّحَابَة فَلَمَّا تكاملوا أَرْبَعِينَ خَرجُوا
توفّي الأرقم بن أبي الأرقم سنة خمس وَخمسين بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ ابْن بضع وَثَمَانِينَ سنة وَأوصى أَن يصلى عَلَيْهِ سعيد بن أبي وَقاص وَكَانَ غَائِبا فِي العقيق فانتظره بِهِ ابْنه عبيد الله حَتَّى جَاءَ فصلى عَلَيْهِ
وَمَات أَبوهُ أَبُو الأرقم يَوْم مَاتَ أَبُو بكر الصّديق ﵄
ذكره ابْن سعد فِيمَن كتب لَهُ ﷺ وَيَأْتِي ذكر من ذَلِك فِي كتبه ﷺ إِلَى الْمُلُوك
قَالَ صَاحب المورد العذب الهنيء فِي شَرحه للسيرة لعبد الْغَنِيّ
[ ١ / ٧٥ ]
إِن ابْن ابْن عَسَاكِر وَابْن عبد الْبر وَابْن عبد ربه ذَكرُوهُ فِي كِتَابه ﷺ
٨ - بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ
قَالَ ابْن عبد الْبر هُوَ بُرَيْدَة بن الْحصيب بن عبد الله بن الْحَارِث بن الْأَعْرَج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مَازِن بن الْحَارِث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر يكنى أَبَا عبد الله وَقيل أَبَا سهل وَقيل أَبَا الْحصيب وَقيل أَبَا ساسان
أسلم قبل بدر وَلم يشهدها وَشهد الْحُدَيْبِيَة وَبَايع بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة
وَلما هَاجر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة فَانْتهى إِلَى الغميم أَتَاهُ بُرَيْدَة بن الْحصيب فَأسلم هُوَ وَمن مَعَه وَكَانُوا زهاء
[ ١ / ٧٦ ]
ثَمَانِينَ بَيْتا
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يتطير وَلَكِن يتفاءل فَركب بُرَيْدَة فِي سبعين رَاكِبًا من أهل بَيته من بني سهم فَتَلقاهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ نَبِي الله من أَنْت قَالَ أَنا بُرَيْدَة فَالْتَفت إِلَى أبي بكر فَقَالَ برد أمرنَا يَا أَبَا بكر وَصلح
قَالَ ثمَّ قَالَ لي مِمَّن أَنْت قلت من أسلم قَالَ لأبي بكر سلمنَا
ثمَّ قَالَ من بني من قلت من بني سهم قَالَ خرج سهمك
وَرُوِيَ عَن وَلَده عبد الله قَالَ مَاتَ وَالِدي بمرو وقبره بالحصن وَهُوَ قَائِد أهل الْمشرق ونورهم لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَيّمَا رجل مَاتَ من أَصْحَابِي ببلدة فَهُوَ قائدهم ونورهم يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ ابْن مُنِير الْحلَبِي روى هِلَال بن سراج بن مجاعَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ أعطَاهُ أَرضًا بِالْيمن فَكتب لَهُ عَنهُ بُرَيْدَة من مُحَمَّد رَسُول الله لمجاعة بن مرَارَة من بني سليم إِنِّي أَعطيتك الغورة فَمن حاجه فِيهَا فَليَأْتِنِي وَكتب بُرَيْدَة
قَالَ ابْن عبد الْبر مجاعَة بن مرَارَة الْحَنَفِيّ اليمامي كَانَ من رُؤَسَاء بني حنيفَة وَله خبر فِي الرِّدَّة مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد وَهُوَ الَّذِي صَالح خَالِد بن الْوَلِيد يَوْم الْيَمَامَة فِي قصَّة يطول ذكرهَا
مِنْهَا أَنه كَانَ موثوقا مَعَ خَالِد فَرَأى خَالِد أَصْحَاب
[ ١ / ٧٧ ]
مُسَيْلمَة وَقد انتضوا سيوفهم فَقَالَ يَا مجاعَة فشل قَوْمك قَالَ لَا وَلكنهَا اليمانية رَوَاهُ سيف الهندوانية لَا تلين متونها حَتَّى تشرق الشَّمْس عَلَيْهَا
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد أقطع مجاعَة أَرضًا بِالْيَمَامَةِ وَكتب لَهُ كتابا فَقَالَ قَائِلهمْ شعر
(ومجاع الْيَمَامَة قد أَتَانَا يخبرنا بِمَا قَالَ الرَّسُول)
(فأعطينا المقادة واستقمنا وَكَانَ الْمَرْء يسمع مَا يَقُول)
روى عَنهُ ابْنه سراج وَلم يرو عَنهُ غَيره وَالله أعلم
٩ - ثَابت بن قيس بن شماس
ابْن ظهير بن مَالك ابْن امْرِئ الْقَيْس بن مَالك الْأَغَر بن ثَعْلَبَة بن كَعْب بن الْخَزْرَج وَأمه امْرَأَة من طَيئ يكنى أَبَا مُحَمَّد بِابْنِهِ وَقيل أَبُو عبد الرَّحْمَن
قتل بنوه مُحَمَّد وَيحيى وَعبد الله يَوْم الْحرَّة
كَانَ ثَابت خطيب رَسُول الله ﷺ وخطيب الْأَنْصَار كَمَا أَن حسانا شَاعِر رَسُول الله ﷺ
شهد أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد
قتل
[ ١ / ٧٨ ]
يَوْم الْيَمَامَة فِي خلَافَة أبي بكر ﵁
قَالَ أنس لما انْكَشَفَ النَّاس يَوْم الْيَمَامَة قلت لِثَابِت أَلا ترى يَا عَم وَوَجَدته حسر عَن فَخذيهِ يتحنط فَقَالَ مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِل مَعَ رَسُول الله ﷺ بئس مل عودتم أَقْرَانكُم وَبئسَ مَا عودتم أَنفسكُم اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا يصنع هَؤُلَاءِ
ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل
وَقَالَ إِنَّه كَانَ بِهِ مس من الْجِنّ
وَلما أنزل الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ فأغلق عَلَيْهِ بَابه وطفق يبكي فَفَقدهُ رَسُول الله ﷺ فَأرْسل إِلَيْهِ فَأخْبرهُ وَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي أحب الْجمال وَأحب أَن أسود قومِي فَقَالَ لست مِنْهُم بل تعيش حميدا وَتقتل شَهِيدا وَتدْخل الْجنَّة
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْيَمَامَة خرج مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى مُسَيْلمَة الْكذَّاب فَلَمَّا الْتَقَوْا انكشفوا فَقَالَ ثَابت وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِل مَعَ رَسُول الله ﷺ ثمَّ حفر كل وَاحِد مِنْهُمَا حُفْرَة فثبتا وقاتلا حَتَّى قتلا وعَلى ثَابت يَوْمئِذٍ درع نفيسة فَمر بِهِ رجل من الْمُسلمين فَأَخذهَا فَبينا رجل من الْمُسلمين نَائِم أَتَاهُ ثَابت فِي مَنَامه فَقَالَ لَهُ إِنِّي أوصيك بِوَصِيَّة فإياك أَن تَقول هَذَا حلم فتضيعه إِنِّي لما قتلت أمس مر بِي رجل من الْمُسلمين فَأخذ دِرْعِي ومنزله فِي أقْصَى النَّاس وَعند خبائه فرس يستن فِي طوله
وَقد كفى على الدرْع
[ ١ / ٧٩ ]
برمة وَفَوق البرمة رجل فأت خَالِدا فمره أَن يبْعَث إِلَى دِرْعِي فيأخذها وَإِذا قدمت الْمَدِينَة على خَليفَة رَسُول الله ﷺ يَعْنِي أَبَا بكر ﵁ فَقل لَهُ إِن عَليّ من الدّين كَذَا وَكَذَا وَفُلَان رقيقي عَتيق وَفُلَان فَأتى الرجل خَالِدا فَأخْبرهُ فَبعث إِلَى الدرْع فَأتى بهَا وَحدث أَبَا بكر برؤياه فَأجَاز وَصيته
قَالَ وَلَا نعلم أحدا أجيزت وَصيته بعد مَوته غير ثَابت بن قيس ﵀ ذكره ابْن سعد فِي الْكتاب وَأَنه كتب لوفد ثمالة والحدان كتابا عَن رَسُول الله ﷺ
١٠ - جهيم بن الصَّلْت بن مخرمَة
ابْن الْمطلب بن عبد منَاف الْقرشِي المطلبي أسلم عَام خَيْبَر وَأَعْطَاهُ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثِينَ وسْقا من خَيْبَر ذكره ابْن عبد الْبر فِي كِتَابه ﷺ فِي تَرْجَمَة أبي بن كَعْب
وَهُوَ الَّذِي رأى الرُّؤْيَا بِالْجُحْفَةِ حِين نفرت قُرَيْش لتمنع عيرها ونزلوا بِالْجُحْفَةِ ليتزودوا من المَاء لَيْلًا فَغلبَتْ جهيما عينه فَرَأى فَارِسًا وقف عَلَيْهِ فنعى إِلَيْهِ أشرافا من
[ ١ / ٨٠ ]
أَشْرَاف قُرَيْش
١١ - جهم بن سعد
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي المورد العذب الهني شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ جهم بن سعد ذكره أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي بكر الْقُرْطُبِيّ فِي كتاب الْأَعْلَام فِي مولد النَّبِي ﷺ فِي كِتَابه ﷺ
قَالَ عبد الْكَرِيم ونقلته من خطه
وَقَالَ وَذكر الْقُضَاعِي وَكَانَ الزبير بن الْعَوام وجهم بن سعد يكتبان أَمْوَال الصَّدَقَة
قلت وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي بَابه فِي أَسمَاء الصَّحَابَة
١٢ - حَنْظَلَة بن الرّبيع بن صَيْفِي الْكَاتِب
الأسيدي التَّمِيمِي يكنى أَبَا ربعي وَمن بني أسيد بن عَمْرو بن تَمِيم من بطن يُقَال لَهُم بَنو شرِيف وَبَنُو أسيد ابْن عَمْرو بن تَمِيم من أَشْرَاف بني تَمِيم
أسيد بِكَسْر الْيَاء وتشديدها
قَالَ نَافِع بن الْأسود
[ ١ / ٨١ ]
التَّمِيمِي يفخر بقَوْمه شعر
(قومِي أسيد إِن سَأَلت ومنصبي وَلَقَد علمت معادن الأحساب)
وَهُوَ ابْن أخي أَكْثَم بن صَيْفِي حَكِيم الْعَرَب أدْرك مبعث النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن مائَة وَتِسْعين سنة وَلم يسلم وَكَانَ قد كتب إِلَى النَّبِي ﷺ فجاوبه رَسُول الله ﷺ فسر بجوابه وَجمع إِلَيْهِ قومه وندبهم إِلَى إتْيَان النَّبِي ﷺ وَالْإِيمَان بِهِ وَخَبره فِي ذَلِك عَجِيب فاعترضه مَالك بن نُوَيْرَة الْيَرْبُوعي وَفرق جمع الْقَوْم فَبعث أَكْثَم إِلَى رَسُول الله ﷺ ابْنه فِيمَن أطاعه من قومه فَاخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيق فَلم يصلوا
وحَنْظَلَة أحد الَّذين كتبُوا لرَسُول الله ﷺ وَيعرف بالكاتب
شهد الْقَادِسِيَّة وتخلف عَن عَليّ ﵁ يَوْم الْجمل
وَلما توفّي جزعت عَلَيْهِ امْرَأَته فنهتها جاراتها وقلن إِن هَذَا يحبط أجرك فَقَالَت
(تعجب الدَّهْر لمحزونة تبْكي على ذِي شيبَة شاحب)
(إِن تسأليني الْيَوْم مَا شقني أخْبرك قولا لَيْسَ بالكاذب)
[ ١ / ٨٢ ]
(إِن سَواد الْعين أودي بِهِ حزن على حَنْظَلَة الْكَاتِب)
تَفْسِير الشاحب الْهَالِك وأودي هلك أَيْضا قَالَه الْجَوْهَرِي
مَاتَ فِي إِمَارَة مُعَاوِيَة وَلَا عقب لَهُ قَالَه ابْن عبد الْبر فِي استيعابه
١٣ - حويطب بن عبد الْعُزَّى
ابْن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مَالك بن حسل الحسل فرخ الضَّب حِين يخرج من بيضته قَالَه الْجَوْهَرِي بِكَسْر أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه ابْن عَامر ابْن لؤَي الْقرشِي العامري
كَانَ من مسلمة الْفَتْح من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم أدْرك الْإِسْلَام وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة وَأعْطِي من غَنَائِم حنين مائَة بعير وَأمره عمر بتجديد الْحرم
وَكَانَ مِمَّن دفن عُثْمَان وَبَاعَ من مُعَاوِيَة دَارا بِالْمَدِينَةِ بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار فاستشرف النَّاس لذَلِك فَقَالَ مُعَاوِيَة وَمَا أَرْبَعُونَ ألف دِينَار لرجل لَهُ خَمْسَة من الْعِيَال
يكنى أَبَا مُحَمَّد وَقيل أَبَا الْأصْبع
وَقَالَ مَرْوَان بن الحكم بن الْعَاصِ يَوْمًا لحويطب تَأَخّر إسلامك أَيهَا الشَّيْخ حَتَّى سَبَقَك الْأَحْدَاث فَقَالَ حويطب الله الْمُسْتَعَان وَالله
[ ١ / ٨٣ ]
لقد هَمَمْت بِالْإِسْلَامِ غير مَا مرّة وكل ذَلِك يعوقني أَبوك عَنهُ وينهاني وَيَقُول تضع شرفك وَتَدَع دينك وَدين آبَائِك لدين مُحدث وَتصير تَابعا قَالَ فأسكت وَالله مَرْوَان وَنَدم على مَا كَانَ قَالَ لَهُ
ثمَّ قَالَ حويطب أما كَانَ أخْبرك عُثْمَان بِمَا لَقِي من أَبِيك حِين أسلم فازداد مَرْوَان غما
ثمَّ قَالَ حويطب مَا كَانَ فِي قُرَيْش أحد من كبرائها الَّذين بقوا على دين قَومهمْ إِلَى أَن فتحت مَكَّة أكره لما هُوَ عَلَيْهِ مني وَلَكِن الْمَقَادِير
ويروى عَنهُ أَنه قَالَ شهِدت بَدْرًا مَعَ الْمُشْركين فَرَأَيْت عبرا رَأَيْت الْمَلَائِكَة تقتل وتأسر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَلم أذكر ذَلِك لأحد
وَشهد مَعَ سُهَيْل بن عَمْرو صلح الْحُدَيْبِيَة وقصة الْكتاب وهما من جِهَة الْمُشْركين
وآمنه أَبُو ذَر يَوْم الْفَتْح وَمَشى مَعَه وَجمع بَينه وَبَين عِيَاله حَتَّى نُودي بالأمان ثمَّ أسلم يَوْم الْفَتْح وَشهد حنينا والطائف مُسلما
واستقرضه رَسُول الله ﷺ أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم فأقرضه إِيَّاهَا
مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخر إِمَارَة مُعَاوِيَة ﵁ وَقيل سنة أَربع وَخمسين وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي ذكره فِي كِتَابه ﷺ ابْن مسكويه ﵁
[ ١ / ٨٤ ]
١٤ - الْحصين بن نمير
لم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي بَابه وَذكره عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَذكره الْقُضَاعِي وَلم يرفع لَهُ نسبا
قَالَ الْحلَبِي ذكره أَبُو عبد الله الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه ﵇ ونقلته من خطه
وَقَالَ وَكَانَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَالْحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات وَالظَّاهِر أَنه نَقله من كتاب الْقُضَاعِي وَنَحْو ذَلِك
وَذكره أَبُو الْحسن بن عبد الْبر وَأَبُو عَليّ بن مسكويه
قلت وَوَجَدته أَنا فِي كتاب عُيُون المعارف وفنون أَخْبَار الخلائف للقضاعي كَمَا أوردهُ عَنهُ فَللَّه الْحَمد والْمنَّة
١٥ - حَاطِب بن عَمْرو
ابْن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر بن لؤَي أَخُو سُهَيْل بن عَمْرو
شهد بَدْرًا وَأسلم قبل دُخُول رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة الهجرتين جَمِيعًا
وَأول من قدم أَرض الْحَبَشَة فِي الْهِجْرَة
[ ١ / ٨٥ ]
الأولى قَالَه ابْن عبد الْبر وَقَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي ذكره ابْن مسكويه هُوَ وَأَبُو سُفْيَان ابْن حَرْب فِي كِتَابه ﷺ
١٦ - حُذَيْفَة بن الْيَمَان
قَالَ ابْن عبد الْبر اسْم الْيَمَان حسيل حسيل بِفَتْح أَوله وَكسر ثَانِيه قَالَ الْجَوْهَرِي الحسيل ولد الْبَقَرَة لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه
واليمان لقب لقب بِهِ لِأَنَّهُ أصَاب فِي قومه دَمًا فهرب إِلَى الْمَدِينَة فحالف بني عبد الْأَشْهَل من الْأَنْصَار فَسَماهُ قومه الْيَمَان لِأَنَّهُ حَالف اليمانية ابْن جَابر بن عَمْرو بن ربيعَة بن جروة بن الْحَارِث بن مَازِن بن قطيعة بن عبس الْعَبْسِي الْقطيعِي من بني عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان
وَأمه امْرَأَة من الْأَنْصَار من الْأَوْس من بني عبد الْأَشْهَل اسْمهَا الربَاب بنت كَعْب ابْن عدي بن عبد الْأَشْهَل
شهد حُذَيْفَة وَأَبوهُ حسيل وَأَخُوهُ صَفْوَان أحدا وَقتل أَبَاهُ يَوْمئِذٍ بعض الْمُسلمين وَهُوَ يحسبه من الْمُشْركين فَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يَدَيْهِ فَتصدق حُذَيْفَة بديته على الْمُسلمين فزاده عِنْد رَسُول الله ﷺ خيرا
[ ١ / ٨٦ ]
روى السُّهيْلي عَن ابْن عَبَّاس أَن الَّذِي قتل حسيلا خطأ عتبَة بن مَسْعُود أَخُو عبد الله بن مَسْعُود وَهُوَ أول من سمى الْمُصحف مُصحفا
كَانَ حُذَيْفَة من كبار أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الَّذِي بَعثه يَوْم الخَنْدَق ينظر إِلَى قُرَيْش فجَاء بِخَبَر رحيلهم
وَكَانَ أسر إِلَيْهِ أَسمَاء الْمُنَافِقين فَكَانَ عمر يسْأَله عَنْهُم وَهُوَ مَعْرُوف فِي الصَّحَابَة بِصَاحِب السِّرّ
وَكَانَ عمر فِي خِلَافَته ينظر إِلَيْهِ عِنْد موت من يَمُوت فَإِن لم يشْهد جنَازَته حُذَيْفَة لم يشهدها عمر
وَكَانَ يَقُول خيرني رَسُول الله ﷺ بَين الْهِجْرَة والنصرة فاخترت النُّصْرَة
وَشهد نهاوند فَلَمَّا قتل النُّعْمَان بن مقرن أَخذ الرَّايَة
وَكَانَ فتح همذان والري والدينور على يَدَيْهِ وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين
وَمَات بعد قتل عُثْمَان فِي أول خلَافَة عَليّ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَلم يدْرك الْجمل
وَقتل سعيد وَصَفوَان ابْنا حُذَيْفَة بصفين وَكَانَا قد بايعا عليا بِوَصِيَّة أَبِيهِمَا إيَّاهُمَا بذلك
سُئِلَ حُذَيْفَة أَي الْفِتَن أَشد قَالَ أَن يعرض عَلَيْك الْخَيْر وَالشَّر فَلَا تَدْرِي بِأَيِّهِمَا تَأْخُذ
وَقَالَ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يسود كل أمة منافقوها
[ ١ / ٨٧ ]
قَالَ صَاحب المورد العذب الهني حُذَيْفَة بن الْيَمَان ذكره فِي كِتَابه ﵇ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْبر وَأَبُو مَنْصُور عبد الْملك الثعالبي فِي لطائف المعارف وَأَبُو عبد الله الْقُرْطُبِيّ ونقلته من خطه كَانَ يكْتب خرص النّخل
١٧ - أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ
واسْمه خَالِد بن زيد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبد عَوْف من بني غنم بن مَالك بن النجار غلبت كنيته اسْمه أمه هِنْد بنت سعد بن عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن كَعْب بن الْخَزْرَج ابْن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأَكْبَر
شهد الْعقبَة وبدرا وَسَائِر الْمشَاهد
وَعَلِيهِ نزل رَسُول الله ﷺ فِي خُرُوجه حِين قدم الْمَدِينَة مُهَاجرا فَلم يزل عِنْده حَتَّى بنى مَسْجده وَبنى مساكنه ثمَّ انْتقل
وَعنهُ قَالَ نزل رَسُول الله ﷺ فِي بيتنا الْأَسْفَل وَكنت فِيمَن فِي الغرفة فاهريق مَاء الغرفة فَقُمْت أَنا وَأم أَيُّوب بقطيفة
[ ١ / ٨٨ ]
نتتبع المَاء شَفَقَة أَن يخلص إِلَى رَسُول الله ﷺ وَنزلت إِلَيْهِ وَقلت يَا رَسُول الله إِنَّه لَيْسَ يَنْبَغِي أَن نَكُون فَوْقك انْتقل إِلَى الغرفة فانتقل
مَاتَ ﵀ فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة من بِلَاد الرّوم فِي زمَان مُعَاوِيَة
وَكَانَت غزاته تَحت راية يزِيد هُوَ كَانَ أَمِيرهمْ وَذَلِكَ سنة خمسين أَو إِحْدَى وَخمسين
قَالَ وَلما ثقل فِي مَرضه قَالَ لأَصْحَابه إِذا أَنا مت فاحملوني فَإِذا صاففتم الْعَدو فادفنوني تَحت أقدامكم وَقيل إِن يزِيد أَمر بِالْخَيْلِ تقبل وتدبر على قَبره
فَقَالَت الرّوم للْمُسلمين فِي صَبِيحَة دفنهم لأبي أَيُّوب لقد كَانَ لكم اللَّيْلَة شَأْن عَظِيم فَقَالُوا هَذَا رجل من كبار أَصْحَاب نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وأقدمهم إسلاما وَقد دفناه حَيْثُ رَأَيْتُمْ وَالله لَئِن نبش لَا ضرب لكم بناقوس أبدا فِي بِلَاد الْعَرَب مَا كَانَت لنا مملكة
قَالَ فَكَانُوا إِذا أمحلوا كشفوا عَن قَبره فَمُطِرُوا
وَرُوِيَ أَنه لما مرض فِي غزوته تِلْكَ فَدخل عَلَيْهِ يزِيد يعودهُ وَقَالَ لَهُ أوصني قَالَ إِذا مت فكفنوني ثمَّ مر النَّاس فليركبوا ثمَّ يَسِيرُوا فِي أَرض الْعَدو حَتَّى إِذا لم تَجدوا مساغا فادفنوني فَفَعَلُوا ذَلِك
قَالَ وَكَانَ يَقُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ فَلَا
[ ١ / ٨٩ ]
أجدني إِلَّا خَفِيفا أَو ثقيلا قَالَه ابْن عبر الْبر
وَقَالَ عبد الْكَرِيم ذكره فِي كِتَابه ﷺ أَبُو الْخطاب بن دحْيَة فِي كِتَابه المفاضلة بَين أهل صفّين
١٨ - خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ
ابْن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي يكنى أَبَا سعيد أسلم بعد أبي بكر
وَكَانَ أول من كتب لرَسُول الله ﷺ وَقيل أول من كتب ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَكَانَ ثَالِث الْإِسْلَام وَقيل رَابِعا وَقيل خَامِسًا
هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَولد لَهُ بهَا ابْنه سعيد
ثمَّ قدم وَرَسُول الله ﷺ بِخَيْبَر وَشهد مَعَه عمْرَة الْقَضَاء وَمَا بعْدهَا وَبَعثه رَسُول الله ﷺ على صدقَات الْيمن فَتوفي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ بهَا
وَكَانَ سَبَب إِسْلَامه أَنه رأى فِي الْمَنَام أَنه وقف على شَفير جَهَنَّم وَكَانَ أَبَاهُ يَدْفَعهُ فِيهَا وَرَسُول الله ﷺ آخذ بحقويه لَا يَقع فِيهَا فَفَزعَ وَقَالَ أَحْلف بِاللَّه أَنَّهَا لرؤيا حق فلقي أَبَا بكر فَقَالَ لَهُ ذَلِك فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر أُرِيد بك الْخَيْر فلقي رَسُول الله ﷺ بأجياد فَأسلم فَعلم
[ ١ / ٩٠ ]
وَالِده بذلك فَضَربهُ بمقرعة كَانَت فِي يَده حَتَّى كسرهَا على رَأسه ثمَّ قَالَ اتبعت مُحَمَّدًا وَأَنت ترى خِلَافه قومه وَمَا جَاءَ بِهِ فَغَضب أَبُو أحيحة ونال مِنْهُ وَشَتمه وَقَالَ اذْهَبْ يَا لكع حَيْثُ شِئْت وَالله لأمنعنك الْقُوت فَقَالَ خَالِد إِن منعتني فَالله يَرْزُقنِي
فَأخْرجهُ وَقَالَ لِبَنِيهِ لَا يكلمهُ أحد مِنْكُم إِلَّا صنعت بِهِ مَا صنعت بِهِ
فَانْصَرف خَالِد إِلَى رَسُول الله ﷺ فَكَانَ يلْزمه ويعيش مَعَه ويتغيب عَن أَبِيه فِي نواحي مَكَّة حَتَّى خرج أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَى أَرض الْحَبَشَة مُهَاجِرين فَكَانَ أول من خرج
وَمرض أَبوهُ فَقَالَ لَئِن رفعني الله من مرضِي هَذَا لَا يعبد إِلَه ابْن أبي كَبْشَة بِمَكَّة أبدا فَقَالَ ابْنه خَالِد اللَّهُمَّ لَا ترفعه فَتوفي فِي مَرضه ذَلِك
قتل خَالِد بأجنادين يَوْم السبت سنة ثَلَاث عشرَة قبل وَفَاة أبي بكر بِأَرْبَع وَعشْرين لَيْلَة
وَقيل بمرج الصفر سنة أَربع عشرَة فِي صدر خلَافَة عمر
وَأهْدى لرَسُول الله ﷺ خَاتمه الَّذِي نقش عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله وَوَقع فِي بِئْر أريس من يَد عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَلم يُوجد
وَكتب خَالِد بن سعيد كتابا عَن رَسُول الله ﷺ إِلَى بني عَمْرو ذِي حمير يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام قَالَه ابْن عبد الْبر وَالله أعلم
[ ١ / ٩١ ]
١٩ - خَالِد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة
ابْن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي أَبُو سُلَيْمَان وَقيل أَبُو الْوَلِيد
أمه لبَابَة الصُّغْرَى بنت الْحَارِث بن حزن الْهِلَالِيَّة أُخْت مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ
كَانَ خَالِد أحد أَشْرَاف قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة وَإِلَيْهِ كَانَت الْقبَّة والأعنة فِي الْجَاهِلِيَّة
فَأَما الْقبَّة فَإِنَّهُم كَانُوا يضربونها ثمَّ يجمعُونَ إِلَيْهَا مَا يجهزون بِهِ الْجَيْش
وَأما الأعنة فَإِنَّهُ كَانَ يكون على خُيُول قُرَيْش فِي الحروب وَيَأْتِي خبر إِسْلَامه وهجرته عِنْد ذكر النَّجَاشِيّ مَعَ عَمْرو بن الْعَاصِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلم يزل من حِين أسلم يَجعله رَسُول الله ﷺ على أَعِنَّة الْخَيل
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ فِي سنة تسع إِلَى أكيدر دومة فَهُوَ كَاتب وَرَسُول وَيَأْتِي ذكره مَعَ الرَّسُول وَمَعَ أكيدر صَاحب دومة الجندل فِيمَا بعد أَيْضا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَرُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ ذكر خَالِد بن الْوَلِيد فَقَالَ نعم عبد الله وأخو الْعَشِيرَة وَسيف من سيوف الله سَله الله على الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ
أمره أَبُو بكر الصّديق ﵁ على الجيوش فِي قتال أهل الرِّدَّة وَوَجهه إِلَى الْعرَاق ثمَّ وَجهه إِلَى الشَّام فَفتح دمشق ومواقفه مَعْرُوفَة مَشْهُورَة فِي فتوح الشَّام وَغَيره
وَقَالَ ابْن عبد الْبر لما حضرت خَالِدا الْوَفَاة قَالَ لقد شهِدت مائَة زحف أَو زهاءها وَمَا فِي جَسَدِي من شبر إِلَّا وَفِيه ضَرْبَة أَو طعنة أَو رمية ثمَّ هَا أَنا أَمُوت على
[ ١ / ٩٢ ]
فِرَاشِي كَمَا يَمُوت العير وَهُوَ الْحمار الوحشي فَلَا نَامَتْ أعين الْجُبَنَاء
توفّي بحمص سنة إِحْدَى وَعشْرين وَدفن بقرية على ميل مِنْهَا فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ وَأوصى إِلَيْهِ فَكَانَ وَصِيّه
قَالَ وَبلغ عمر أَن نسْوَة من نسَاء بني الْمُغيرَة يبْكين عَلَيْهِ فَقَالَ وَمَا عَلَيْهِنَّ أَن يبْكين أَبَا سُلَيْمَان مَا لم يكن نقع أَو لقلقَة أَرَادَ ﵁ بالنقع حثي التُّرَاب على رؤوسهن عِنْد المصائب وَاللَّقْلَقَة أَرَادَ بِهِ النِّيَاحَة
قَالَ وَلم تبْق امْرَأَة من بني الْمُغيرَة إِلَّا وضعت لمتها على قبر خَالِد يَقُول حلقت شعرهَا
ذكره ابْن شبة فِي كِتَابه ﷺ
قَالَه ابْن عبد الْبر فِي تَرْجَمَة أبي بن كَعْب ﵃
٢٠ - زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ
النجاري بن الضَّحَّاك بن زيد بن لوذان بن عَمْرو بن عبد عَوْف بن غنم بن مَالك بن النجار وَأمه النوار بنت مَالك بن مُعَاوِيَة بن عدي بن عَامر بن غنم يكنى أَبَا سعيد وَقيل أَبَا عبد الرَّحْمَن وَقيل أَبَا خَارِجَة بِابْنِهِ خَارِجَة
[ ١ / ٩٣ ]
كَانَ يكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ وَغَيره
وَكَانَت ترد على رَسُول الله ﷺ كتب بالسُّرْيَانيَّة فَأمر زيدا فتعلمها وَأمره أَن يتَعَلَّم كتاب الْيَهُود وَقَالَ لَا آمن أَن يتعلموا كتابي
وَكتب لأبي بكر وَعمر واستخلفه عمر على الْمَدِينَة ثَلَاث مَرَّات فِي حجه وَفِي خُرُوجه إِلَى الشَّام وَكتب لَهُ من الشَّام إِلَى زيد بن ثَابت من عمر بن الْخطاب
وَكَانَ عُثْمَان يستخلفه إِذا حج
وَكَانَ أحد فُقَهَاء الصَّحَابَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أفرض أمتِي زيد بن ثَابت
قَالَ زيد أول هَدِيَّة دخلت على رَسُول الله ﷺ هَدِيَّة دخلت بهَا أَنا قَصْعَة مثرود فِيهَا خبز وَسمن وَلبن فَقلت أرْسلت بهَا أُمِّي فَقَالَ بَارك الله فِيك ودعا أَصْحَابه فَأَكَلُوا فَلم أرم الْبَاب حَتَّى دخلت قَصْعَة سعد بن عبَادَة ثريد وعراق
قَالَ القَاضِي عِيَاض قَالَ الْخَلِيل الْعرَاق الْعظم بِلَا لحم فَإِذا كَانَ عَلَيْهِ لحم فَهُوَ عرق الأول بِرَفْع الْعين وَالثَّانِي بِفَتْحِهَا وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ
قَالَ زيد وَمَا كَانَ من لَيْلَة إِلَّا وعَلى بَاب رَسُول الله ﷺ الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة يحملون الطَّعَام حَتَّى تحول من منزل أبي أَيُّوب وَكَانَ مقَامه بِهِ سَبْعَة أشهر
قَالَ ابْن قدامَة إِنَّه نزل الْمَدِينَة عَشِيَّة الْجُمُعَة سنة ثَلَاث وَخمسين من عَام الْفِيل
[ ١ / ٩٤ ]
وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ قد أَمر زيدا بِجمع الْقُرْآن فِي الصُّحُف فَكَتبهُ فِيهَا فَلَمَّا اخْتلف النَّاس فِي الْقِرَاءَة زمَان عُثْمَان وَاتفقَ رَأْيه وَرَأى الصَّحَابَة ﵃ على أَن يرد الْقُرْآن إِلَى حرف وَاحِد وَقع اخْتِيَاره على حرف زيد فَأمره أَن يمليه على قوم من قُرَيْش جمعهم إِلَيْهِ فكتبوه على مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم بأيدي النَّاس وَالْأَخْبَار بذلك متواترة الْمَعْنى وَإِن اخْتلفت ألفاظها
توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين وَهُوَ ابْن سِتّ وَخمسين سنة على خلاف فِي ذَلِك
وَصلى عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم ﵁
٢١ - الزبير بن الْعَوام
ابْن خويلد بن أَسد ابْن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي يكنى أَبَا عبد الله
أمه صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب ابْن هَاشم عمَّة رَسُول الله ﷺ
أسلم هُوَ وَعلي بن أبي طَالب وهما ابْنا ثَمَانِي سِنِين وَقيل غير ذَلِك
وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ الزبير بن الْعَوام ابْن عَمَّتي وَحَوَارِيي من أمتِي
وروى ابْن عبد الْبر أَن الزبير أول رجل سل سَيْفا فِي
[ ١ / ٩٥ ]
سَبِيل الله ﷿ وَذَلِكَ أَنه نفخت نفخة من الشَّيْطَان أَخذ رَسُول الله ﷺ فَأقبل الزبير يشق النَّاس بِسَيْفِهِ وَالنَّبِيّ ﷺ بِأَعْلَى مَكَّة فَقَالَ النَّبِي ﷺ مَالك يَا زبير قَالَ أخْبرت أَنَّك أخذت
قَالَ فصلى عَلَيْهِ ودعا لَهُ ولسيفه
قَالَ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي سَأَلت مَجْلِسا فِيهِ أَكثر من عشْرين رجلا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من أكْرم النَّاس على رَسُول الله ﷺ قَالُوا الزبير وَعلي
وَكَانَ تَاجِرًا وَله ألف مَمْلُوك يؤدون إِلَيْهِ الْخراج فَمَا يدْخل بَيته مِنْهَا درهما وَاحِدًا يتَصَدَّق بذلك كُله
وَقَالَ فِيهِ حسان يمدحه ويفضله
(أَقَامَ على عهد النَّبِي وهديه حواريه وَالْقَوْل بِالْفِعْلِ يعدل)
(أَقَامَ على منهاجه وَطَرِيقه يوالي ولي الْحق وَالْحق أعدل)
(هُوَ الْفَارِس الْمَشْهُور والبطل الَّذِي يصول إِذا مَا كَانَ يَوْم محجل)
(وَإِن امْرَءًا كَانَت صَفِيَّة أمه وَمن أَسد فِي بَيته لمرفل)
[ ١ / ٩٦ ]
(لَهُ من رَسُول الله قربى قريبَة وَمن نصْرَة الْإِسْلَام مجد مؤثل)
(فكم كربَة ذب الزبير بِسَيْفِهِ عَن الْمُصْطَفى وَالله يُعْطي ويجزل)
(إِذا كشفت عَن سَاقهَا الْحَرْب حشها بأبيض سباق إِلَى الْمَوْت يرفل)
(فَمَا مثله فيهم وَلَا كَانَ قبله وَلَيْسَ يكون الدَّهْر مَا دَامَ يذبل)
تَفْسِير
المرفل الْمُعظم قَالَه الْجَوْهَرِي
والمحشة حَدِيدَة تحرّك بهَا النَّار وَمِنْه قيل للرجل الشجاع نعم محش الكتيبة
الْأَبْيَض السَّيْف
يرفل يخْطر فِي مَشْيه قَالَه أَيْضا
ويذبل بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيَة بعده بَاء مُعْجمَة بِوَاحِدَة ثَانِي الْحُرُوف جبل طرف مِنْهُ لبني عَمْرو بن كلاب وبقيته لباهلة يُقَال لَهُ يذبل الْجُوع لِأَنَّهُ أبدا مجدب قَالَه الْبكْرِيّ فِي المعجم
شهد الزبير الْجمل فقاتل فِيهِ سَاعَة فناداه عَليّ وَانْفَرَدَ بِهِ فَذكره أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ وَقد وجدهما يضحكان بعضهما لبَعض أما إِنَّك ستقاتل عليا وَأَنت
[ ١ / ٩٧ ]
لَهُ ظَالِم فَذكر ذَلِك الزبير فَانْصَرف عَن الْقِتَال نَادِما مفارقا للْجَمَاعَة الَّتِي خرج فِيهَا منصرفا إِلَى الْمَدِينَة فَرَآهُ ابْن جرموز واسْمه عميرَة فَقَالَ أَتَى يورش بَين النَّاس ثمَّ تَركهم وَالله لَا تركته فَتَبِعَهُ هُوَ وفضالة بن حَابِس ونفيع فِي غواة بني تَمِيم وركبوا فِي طلبه فَلحقه عميرَة بن جرموز وَهُوَ على فرس لَهُ ضَعِيفَة فطعنه طعنة خَفِيفَة وَحمل عَلَيْهِ الزبير وَهُوَ على فرس لَهُ يُقَال لَهُ ذُو الْخمار حَتَّى إِذا ظن أَنه قَاتله نَادَى صَاحِبيهِ فحملوا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ
وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس لعشر خلون من جُمَادَى الأول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَفِي ذَلِك الْيَوْم كَانَت وقْعَة الْجمل
وَكَانَ عمره سبعا وَسِتِّينَ سنة وَقيل غير ذَلِك
وَدفن بوادي السبَاع
قَالَ وَلما أُتِي عَليّ ﵁ بِسيف الزبير فَقَالَ طَال مَا جلا بِهِ عَن وَجه رَسُول الله ﷺ وَبكى وَقَالَ أَشْكُو إِلَى الله عجري وبجري
قَالَ الْجَوْهَرِي العجرة بِالضَّمِّ الْعقْدَة فِي عروق الْجَسَد والبجر بِالتَّحْرِيكِ خُرُوج السُّرَّة وغلظها
أَرَادَ ﵁ أَشْكُو إِلَى الله عيوبي وأمري كُله
وَقَالَ بشروا قَاتل ابْن صَفِيَّة بالنَّار يَعْنِي الزبير ﵁
وروينا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عبد الله بن الزبير ﵄ قَالَ لما وقف الزبير يَوْم الْجمل دَعَاني فَقُمْت إِلَى جنبه فَقَالَ يَا بني إِنَّه لَا يقتل الْيَوْم إِلَّا ظَالِم أَو مظلوم وَإِنِّي لَا أَرَانِي إِلَّا سأقتل الْيَوْم مَظْلُوما وَإِن من أكبر همي لديني أفترى ديننَا يبقي من مالنا شَيْئا ثمَّ قَالَ يَا بني بِعْ مالنا واقض ديني وأوص بِالثُّلثِ وَثلثه لِبَنِيهِ يَعْنِي لبني عبد الله قَالَ فَإِن فضل من مالنا بعد قَضَاء
[ ١ / ٩٨ ]
الدّين شَيْء فثلثه لولدك
قَالَ عبد الله بن الزبير فَجعل يوصيني بِدِينِهِ وَيَقُول يَا بني إِن عجزت عَن شَيْء مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بمولاي قَالَ فوَاللَّه مَا دَريت مَا أَرَادَ حَتَّى قلت يَا أَبَت من مَوْلَاك قَالَ الله قَالَ فوَاللَّه مَا وَقعت فِي كربَة من دينه إِلَّا قلت يَا مولى الزبير اقْضِ عَنهُ دينه فيقضيه
قَالَ فَقتل الزبير وَلم يدع دِينَارا وَلَا درهما إِلَّا أَرضين مِنْهَا الغابة وَإِحْدَى عشرَة دَارا بِالْمَدِينَةِ ودارين بِالْبَصْرَةِ ودارا بِالْكُوفَةِ ودارا بِمصْر
قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ دينه الَّذِي عَلَيْهِ أَن الرجل كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فيستودعه إِيَّاه فَيَقُول الزبير لَا وَلكنه سلف إِنِّي أخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَة
وَمَا ولي إِمَارَة قطّ وَلَا جباية وَلَا خراجا وَلَا شَيْئا إِلَّا أَن يكون فِي غَزْوَة مَعَ رَسُول الله ﷺ أَو مَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان
قَالَ عبد الله بن الزبير فحسبت مَا كَانَ عَلَيْهِ من الدّين فَوَجَدته ألفي ألف ومائتي ألف
قَالَ فلقي حَكِيم بن حزَام عبد الله بن الزبير فَقَالَ يَا ابْن أخي كم على أخي من الدّين قَالَ فكتمته وَقلت مائَة ألف فَقَالَ حَكِيم وَالله مَا أرى أَمْوَالكُم تسع هَذِه قَالَ فَقَالَ عبد الله أرأيتك إِن كَانَت ألفي ألف ومائتي ألف فَقَالَ مَا
[ ١ / ٩٩ ]
أَرَاكُم تطيقون هَذَا فَإِن عجزتم عَن شَيْء مِنْهُ فاستعينوا بِي
قَالَ وَكَانَ الزبير قد اشْترى الغابة بسبعين وَمِائَة ألف فَبَاعَهَا عبد الله بِأَلف ألف وسِتمِائَة ألف
ثمَّ قَامَ فَقَالَ من كَانَ لَهُ عِنْد الزبير شَيْء فليوافنا بِالْغَابَةِ قَالَ فَأَتَاهُ عبد الله بن جَعْفَر وَكَانَ لَهُ على الزبير أَرْبَعمِائَة ألف فَقَالَ لعبد الله إِن شِئْتُم تركتهَا لكم فَقَالَ عبد الله لَا قَالَ فَإِن شِئْتُم جعلتموها فِيمَا تؤخرون إِن أخرتم فَقَالَ عبد الله لَا قَالَ فَاقْطَعُوا لي قِطْعَة قَالَ فَقَالَ عبد الله لَك من هَهُنَا إِلَى هَهُنَا قَالَ فَبَاعَ عبد الله مِنْهَا فَقضى دينه وأوفاه وَبَقِي مِنْهَا أَرْبَعَة أسْهم وَنصف
قَالَ فَقدم على مُعَاوِيَة وَعِنْده عَمْرو بن عُثْمَان وَالْمُنْذر بن الزبير وَابْن زَمعَة قَالَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة كم قومت الغابة قَالَ كل سهم مائَة ألف قَالَ كم بَقِي مِنْهَا قَالَ أَرْبَعَة أسْهم وَنصف فَقَالَ الْمُنْذر بن الزبير قد أخذت مِنْهَا سَهْما بِمِائَة ألف
وَقَالَ عَمْرو بن عُثْمَان قد أخذت سَهْما بِمِائَة ألف
وَقَالَ ابْن زَمعَة قد أخذت سَهْما بِمِائَة ألف
قَالَ فَقَالَ مُعَاوِيَة كم بَقِي قَالَ سهم وَنصف فَقَالَ قد أَخَذته بِخَمْسِينَ وَمِائَة ألف
قَالَ وَبَاعَ عبد الله بن جَعْفَر نصِيبه من مُعَاوِيَة بستمائة ألف
قَالَ فَلَمَّا فرغ ابْن الزبير من قَضَاء دينه قَالَ بَنو الزبير اقْسمْ بَيْننَا ميراثنا قَالَ وَالله لَا أقسم بَيْنكُم حَتَّى أنادي بِالْمَوْسِمِ أَربع سِنِين أَلا من كَانَ لَهُ عِنْد الزبير دين فليأتنا فلنقضه قَالَ فَجعل كل سنة يُنَادي فِي الْمَوْسِم فَلَمَّا مضى أَربع سِنِين قسم بَينهم وَرفع الثُّلُث
قَالَ وَكَانَ للزبير أَربع نسْوَة فَأصَاب كل امْرَأَة ألف ألف ومائتي ألف
قَالَ فَجَمِيع مَاله خَمْسُونَ ألف ألف وَمِائَتَا ألف
وروينا فِي البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد الله بن الزبير ﵄ قَالَ قلت
[ ١ / ١٠٠ ]
للزبير مَالِي لَا أسمعك تحدث عَن رَسُول الله ﷺ كَمَا يحدث فلَان وَفُلَان قَالَ أما إِنِّي لم أفارقه مُنْذُ أسلمت وَلَكِن سمعته يَقُول من كذب عَليّ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار
٢٢ - سعيد ابْن سعيد بن الْعَاصِ
أَخُو خَالِد وَأَبَان وَقد ذكرناهما فِيمَا تقدم
اسْتشْهد سعيد بن سعيد ابْن الْعَاصِ يَوْم الطَّائِف وَكَانَ إِسْلَامه قبل فتح مَكَّة بِيَسِير وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ يَوْم الْفَتْح على سوق مَكَّة
وَكَانَ لِأَبِيهِ سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة ثَمَانِيَة بَنِينَ ذُكُور مِنْهُم ثَلَاثَة مَاتُوا على الْكفْر أحيحة وَبِه كَانَ يكنى أَبوهُ سعيد بن الْعَاصِ قتل يَوْم الْفجار وَالْعَاص وَعبيدَة قتلا جَمِيعًا ببدر كَافِرين قتل الْعَاصِ عَليّ وَقتل عُبَيْدَة الزبير بن الْعَوام ﵁ قَالَ لقِيت يَوْم بدر عُبَيْدَة بن سعيد بن الْعَاصِ وَهُوَ مدجج فِي الْحَدِيد لَا يرى مِنْهُ إِلَّا عَيناهُ وَكَانَ يكنى أَبَا ذَات الكرش فطعنته بالعنزة فِي عينه فَمَاتَ فَلَقَد وضعت رجْلي عَلَيْهِ ثمَّ تمطيت فَكَانَ الْجهد أَن نزعتها وَلَقَد انثنى طرفاها
تَفْسِير
قَالَ الْجَوْهَرِي مدجج شَاك فِي السِّلَاح يَقُول تدجج
[ ١ / ١٠١ ]
فِي شكته أَي دخل فِي سلاحه كَأَنَّهُ تغطى بهَا ودججت السَّمَاء تغيمت
وَأما أَخُوهُ الْعَاصِ ابْن سعيد بن الْعَاصِ فروى ابْن عبد الْبر فِي تَرْجَمَة ابْنه سعيد بن الْعَاصِ بن سعيد بن الْعَاصِ ابْن أُميَّة عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ رَأَيْته يَوْم بدر يبْحَث التُّرَاب عَنهُ كالأسد فصمد لَهُ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَقتله وَقَالَ عمر يَوْمًا لِابْنِهِ سعيد لم أقتل أَبَاك إِنَّمَا قتلت خَالِي الْعَاصِ بن هِشَام وَمَا لي أَن أكون أعْتَذر من قتل مُشْرك فَقَالَ لَهُ سعيد ابْن الْعَاصِ ﵁ لَو قتلته كنت على الْحق وَكَانَ على الْبَاطِل فتعجب عمر من قَوْله وَقَالَ قُرَيْش أفضل النَّاس أحلاما
وَكَانَ سعيد بن الْعَاصِ بن سعيد بن الْعَاصِ هَذَا أحد أَشْرَاف قُرَيْش مِمَّن جمع الفصاحة والسخاء وَهُوَ أحد الَّذين كتبُوا مصحف عُثْمَان بن عَفَّان ﵁
اسْتَعْملهُ عُثْمَان على الْكُوفَة وغزا بِالنَّاسِ طبرستان وافتتح جرجان فِي زمن عُثْمَان رَضِي الله عَن سنة تسع وَعشْرين وَكَانَ أبدا يُقَال إِنَّه ضرب رجلا على حَبل عَاتِقه فَأخْرج السَّيْف من مرفقه
فَلَمَّا ولي مُعَاوِيَة واستقام لَهُ الْأَمر ولاه الْمَدِينَة ثمَّ عَزله وَولى مَرْوَان وَكَانَ يُعَاقب بَينهمَا فِي أَعمال الْمَدِينَة وَله يَقُول الفرزدق
[ ١ / ١٠٢ ]
(ترى الغر الجحاجح من قُرَيْش إِذا مَا الْأَمر فِي الْحدثَان غالا)
(قيَاما ينظرُونَ إِلَى سعيد كَأَنَّهُمْ يرَوْنَ بِهِ هلالا)
تَفْسِير
الجحجاح السَّيِّد
وغال الْأَمر أهلك وَأخذ من حَيْثُ لَا يدْرِي بِهِ قَالَه الْجَوْهَرِي
وَكَانَ يُقَال لَهُ عكة الْعَسَل لكرمه وَكَانَ إِذا سَأَلَهُ سَائل فَلم يكن عِنْده مَا يُعْطِيهِ كتب لَهُ بِمَا يُرِيد أَن يُعْطِيهِ إِلَى أَيَّام يسره
قَالَ وَلما عزل عَن الْمَدِينَة انْصَرف من الْمَسْجِد وَحده فَرَأى رجلا يتبعهُ فَقَالَ لَهُ أَلَك حَاجَة قَالَ لَا وَلَكِنِّي رَأَيْتُك وَحدك فوصلت جناحك فَقَالَ لَهُ وصلك الله يَا أخي اطلب لي دَوَاة وجلدا وناد مولَايَ فلَانا فَأتي بذلك فَكتب بِعشْرين ألف دِرْهَم دينا عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِذا جَاءَت غلتنا دفعنَا ذَلِك إِلَيْك فَمَاتَ فِي تِلْكَ السّنة فَأتى بِالْكتاب إِلَى ابْنه عَمْرو بن سعيد الْأَشْدَق فَدفع إِلَيْهِ عشْرين ألف دِرْهَم
[ ١ / ١٠٣ ]
توفّي فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة تسع وَخمسين قَالَه ابْن عبد الْبر
وَهُوَ ابْن أخي سعيد ابْن الْعَاصِ بن أُميَّة صَاحب التَّرْجَمَة وَأحد كِتَابه ﷺ وذكرته اسْتِطْرَادًا للفائدة
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي المورد العذب الهني ذكر سعيد بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد الدمياطي فِي جملَة كِتَابه ﷺ
٢٣ - السّجل
روى عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شَرحه للسيرة لعبد الْغَنِيّ قَالَ السّجل كَاتب لرَسُول الله ﷺ ذكره ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم وَقَالَ ابْن الْأَثِير هُوَ مَجْهُول
قَالَ وَرُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ كَاتب للنَّبِي ﷺ يُقَال لَهُ السّجل فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾ وَقَالَ هَذَا غَرِيب تفرد بِهِ حمدَان بن سعيد عَن ابْن نمير عَن عبيد الله عَن نَافِع
قَالَ السُّهيْلي فِي
[ ١ / ١٠٤ ]
التَّعْرِيف والإعلام فِيمَا أبهم فِي الْقُرْآن من الْأَسْمَاء والأعلام وَقد تكلم على هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فَقَالَ السّجل فِيمَا ذكر مُحَمَّد بن الْحسن الْمُقْرِئ عَن جمَاعَة من الْمُفَسّرين قَالَ ملك فِي السَّمَاء الثَّالِثَة ترفع إِلَيْهِ أَعمال الْعباد ترفعها إِلَيْهِ الْحفظَة الموكلون بالخلق فِي كل خَمِيس واثنين وَكَانَ من أعوانه فِيمَا ذكرُوا هاروت وماروت
وَفِي السّنَن لأبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ السّجل كَاتب كَانَ للنَّبِي ﷺ
وَهَذَا لَا يعرف فِي كتاب النَّبِي ﷺ وَلَا فِي أَصْحَابه من اسْمه السّجل وَلَا وجد إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَر
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي وَذكر ابْن دحْيَة أَن رجلا من بني النجار كَانَ يكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ ثمَّ تنصر فأظهر الله فِيهِ لنَبيه ﷺ معْجزَة وَهُوَ أَنه لما دفن لم تقبله الأَرْض
وروينا فِي صَحِيح البُخَارِيّ من بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة عَن أنس ﵁ كَانَ رجل نَصْرَانِيّا فَأسلم وَقَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَكَانَ يكْتب للنَّبِي ﷺ فَعَاد نَصْرَانِيّا فَكَانَ يَقُول مَا يدْرِي مُحَمَّد إِلَّا مَا كتبت لَهُ فأماته الله فدفنوه فَأصْبح وَقد لفظته الأَرْض فَقَالُوا هَذَا فعل مُحَمَّد وَأَصْحَابه لما هرب مِنْهُم نبشوا عَن صاحبنا فألقوه فَحَفَرُوا لَهُ وأعمقوا لَهُ
[ ١ / ١٠٥ ]
فَأصْبح وَقد لفظته الأَرْض فَقَالُوا هَذَا فعل مُحَمَّد وَأَصْحَابه نبشوا عَن صاحبنا فألقوه فَحَفَرُوا لَهُ وأعمقوا لَهُ فِي الأَرْض مَا اسْتَطَاعُوا فَأصْبح وَقد لفظته الأَرْض فَعَلمُوا أَنه لَيْسَ من النَّاس فألقوه
٢٤ - شُرَحْبِيل ابْن حَسَنَة
وَهِي أمه وَأَبوهُ عبد الله بن المطاع بن عبد الله من كِنْدَة حَلِيف لبني زهرَة يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن نسب إِلَى أمه حَسَنَة وَقيل تبنته وَلَيْسَت بِأُمِّهِ
وَهُوَ أول من كتب لرَسُول الله ﷺ
كَانَ من مهاجرة الْحَبَشَة مَعْدُود فِي وُجُوه قُرَيْش وَكَانَ أَمِيرا على ربع من أَربَاع الشَّام
ومواقفه فِي فتوح الشَّام مَعْرُوفَة مَشْهُورَة مِنْهَا لقاءه هُوَ وَعَمْرو بن الْعَاصِ لقسطنطين بن هِرقل خرج إِلَيْهِم من قيسارية الشَّام فِي ثَمَانِينَ ألف لابس من بطارقة الرّوم وأبطالهم وملوكهم مِمَّن انحاز مِنْهُم إِلَيْهِ بساحل الشَّام ومبارزته ﵁ لقيدمون ابْن أُخْت الْملك هِرقل وَكَانَ الْمُسلمُونَ فِي خَمْسَة آلَاف فَخرج إِلَيْهِ والراية بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ اركز الرَّايَة لِئَلَّا تشغلك فركزها
[ ١ / ١٠٦ ]
شُرَحْبِيل فوقفت كالنخلة وغاصت فِي حجر كَأَنَّهَا قد سمرت فِيهِ فتفاءل بالنصر وَخرج للقاء قيدمون والمسلمون يسْأَلُون الله وَيدعونَ لَهُ بالنصر على عدوه
فَلَمَّا رَآهُ البطريق وتأمله ضحك من زيه وَترْجم بلغته وَكَانَ لَهُ صَوت كالرعد وَكَانَ ضخما من الرِّجَال يرى على سَرْجه كَأَنَّهُ البرج والتاج على رَأسه وَكَانَ شُرَحْبِيل ﵁ نحيف الْجِسْم من كَثْرَة صِيَامه وقيامه
فَالْتَقَيَا فسبقه شُرَحْبِيل فَضَربهُ بِالسَّيْفِ لم يعْمل فِيهِ شَيْئا ونبا السَّيْف وضربه قيدمون فَشَجَّهُ وتواخزا على الْخَيل ثمَّ سقطا على الأَرْض وَجعلا يتصارعان وسط الطين ويتخبطان فِيهِ وَكَانَ الْمَطَر كأفواه الْقرب وَمَال عَدو الله على شُرَحْبِيل وَضرب بِيَدِهِ على مراق بَطْنه فقلعه من الأَرْض وَرمى بِهِ على ظَهره ثمَّ اسْتَوَى على صَدره وهم بنحره فَنَادَى شُرَحْبِيل ربه يَا غياث المستغيثين فَخرج إِلَيْهِ من صُفُوف الرّوم طليحة بن خويلد الْأَسدي وَكَانَ ادّعى النُّبُوَّة بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ
فَلَمَّا قرب مِنْهُمَا ظن قيدمون أَنه إِنَّمَا خرج ليعطيه جَوَاده فَلَمَّا قرب مِنْهُمَا ترجل وَمَال على البطريق وسحبه بِرجلِهِ عَن صدر شُرَحْبِيل وَقَالَ قُم يَا عبد الله فقد جَاءَك الْغَوْث من غياث المستغيثين فَوَثَبَ شُرَحْبِيل ينظر إِلَيْهِ مُتَعَجِّبا من قَوْله وَفعله وَإِذا بِالرجلِ متلثما وَقد جرد سَيْفه وَضرب البطريق ضَرْبَة قطع رَأسه وَقَالَ يَا عبد الله خُذ سلبه
فَقَالَ شُرَحْبِيل وَالله مَا رَأَيْت أعجب من أَمرك لِأَنِّي رَأَيْتُك قد جِئْت من
[ ١ / ١٠٧ ]
نَحْو جَيش الْمُشْركين فَمن أَنْت قَالَ أَنا الشقي طليحة الَّذِي كذبت على الله وَزَعَمت أَن الْوَحْي كَانَ ينزل عَليّ من السَّمَاء ثمَّ أسلم وَله قصَّة مَعْرُوفَة ذكرهَا الْوَاقِدِيّ ﵀
قَالَ ابْن عبد الْبر توفّي شُرَحْبِيل ﵁ فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَهُوَ ابْن سبع وَسِتِّينَ سنة
٢٥ - أَبُو سُفْيَان صَخْر بن حَرْب
ابْن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف الْقرشِي الْأمَوِي غلبت عَلَيْهِ كنيته وَأمه صَفِيَّة بنت حزن الْهِلَالِيَّة عمَّة مَيْمُونَة هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة وَيزِيد وَعتبَة وإخوتهم ولد قبل الْفِيل بِعشر سِنِين
وَكَانَ من أَشْرَاف قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ تَاجِرًا يُجهز التُّجَّار بأمواله وأموال قُرَيْش إِلَى الشَّام وَغَيرهَا من أَرض الْعَجم وَكَانَ يخرج أَحْيَانًا بِنَفسِهِ
وَكَانَت إِلَيْهِ راية الرؤساء الْمَعْرُوفَة بالعقاب وَكَانَت لَا يحبسها إِلَّا رَئِيس فَإِذا حميت الْحَرْب وَضَعتهَا فِي يَد الرئيس وَيُقَال كَانَ أفضل قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة رَأيا ثَلَاثَة عتبَة وَأَبُو جهل وَأَبُو سُفْيَان فَلَمَّا أَتَى الله بِالْإِسْلَامِ أدبروا فِي الرَّأْي
أسلم أَبُو سُفْيَان يَوْم الْفَتْح وَشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ حنينا وَأَعْطَاهُ من غنائمها مائَة بعير وَأَرْبَعين أُوقِيَّة فدينها لَهُ بِلَال وَأعْطى ابنيه يزِيد وَمُعَاوِيَة
وَكَانَ يكنى بِأبي حَنْظَلَة بِابْنِهِ حَنْظَلَة الْمَقْتُول يَوْم
[ ١ / ١٠٨ ]
بدر كَافِرًا قَتله عَليّ
وفقئت عينه يَوْم الطَّائِف فَلم يزل أَعور حَتَّى فقئت عينه الْأُخْرَى يَوْم اليرموك أَصَابَهُ حجر فشدخها فَعميَ
مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان وَصلى عَلَيْهِ ابْنه مُعَاوِيَة وَقيل عُثْمَان
وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة
وَكَانَ ربعَة دحداحا ذَا هَامة عَظِيمَة قَالَه ابْن عبد الْبر
فصل فِيهِ خبر إِسْلَامه وَإِسْلَام هِنْد بنت عتبَة زوجه
روينَا عَن ابْن هِشَام وَوجدت عَن غَيره أَنه قَالَ لَيْلَة فتح مَكَّة نزل رَسُول الله ﷺ مر الظهْرَان فَأمر أَصْحَابه فأوقدوا عشرَة آلَاف نَار وَجعل على الحرس عمر بن الْخطاب ﵁
قَالَ ورقت نفس الْعَبَّاس لأهل مَكَّة قَالَ فَقلت وَا صباح قُرَيْش وَالله لَئِن دخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة عنْوَة قبل أَن يأتوه فيستأمنوه إِنَّه لهلاك قُرَيْش إِلَى آخر الدَّهْر
قَالَ فَجَلَست على بغلة رَسُول الله ﷺ الْبَيْضَاء
[ ١ / ١٠٩ ]
فَخرجت عَلَيْهَا حَتَّى جِئْت الْأَرَاك فَقلت لعَلي أجد بعض الحطابة أَو صَاحب لبن أَو ذَا حَاجَة يَأْتِي مَكَّة فيخبرهم بمَكَان رَسُول الله ﷺ لِيخْرجُوا إِلَيْهِ فيستأمنوه قبل أَن يدخلهَا عَلَيْهِم عنْوَة قَالَ فوَاللَّه إِنِّي لأسير عَلَيْهَا وَالْتمس مَا خرجت لَهُ إِذْ سَمِعت كَلَام أبي سُفْيَان وَبُدَيْل ابْن وَرْقَاء وَحَكِيم بن حزَام وهم يتراجعون وَأَبُو سُفْيَان يَقُول مَا رَأَيْت كالليلة نيرانا قطّ وَلَا عسكرا قَالَ يَقُول بديل هَذِه وَالله خُزَاعَة حمشتها الْحَرْب
قَالَ يَقُول أَبُو سُفْيَان خُزَاعَة أذلّ وَأَقل من أَن تكون هَذِه نيرانها وعسكرها
قَالَ فَعرفت صَوته فَقلت يَا أَبَا حَنْظَلَة فَعرف صوتي فَقَالَ أَبُو الْفضل قَالَ قلت نعم قَالَ مَا لَك فدَاك أبي وَأمي قَالَ قلت وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان هَذَا رَسُول الله ﷺ فِي النَّاس وَا صباح قُرَيْش وَالله قَالَ فَمَا الْحِيلَة فدَاك أبي وَأمي قَالَ قلت فَأسلم ثكلتك أمك وَالله لَئِن ظفر بك ليضربن عُنُقك إِن لم تسلم اركب فِي عجز هَذِه البغلة حَتَّى أُتِي بك رَسُول الله ﷺ فأستأمنه لَك فَركب خَلْفي وَرجع صَاحِبَاه قَالَ وَذكر الْوَاقِدِيّ أَنه جَاءَ بهم إِلَى رَسُول الله ﷺ فأسلموا
قَالَ الْعَبَّاس
[ ١ / ١١٠ ]
فَجئْت بِهِ فَكلما مَرَرْت بِنَار من نيران الْمُسلمين قَالُوا عَم رَسُول الله ﷺ على بغلته حَتَّى مَرَرْت بِنَار عمر فَقَالَ من هَذَا وَقَامَ إِلَيّ فَلَمَّا رأى أَبَا سُفْيَان على عجز الدَّابَّة قَالَ أَبُو سُفْيَان عَدو الله الْحَمد لله الَّذِي أمكن مِنْك بِغَيْر عقد وَلَا عهد ثمَّ خرج يشْتَد نَحْو رَسُول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بِمَا تسبق الدَّابَّة البطيئة الرجل البطيء فَاقْتَحَمت عَن البغلة فَدخلت على رَسُول الله ﷺ وَدخل عَلَيْهِ عمر فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا أَبُو سُفْيَان قد أمكن الله مِنْهُ بِغَيْر عقد وَلَا عهد فَدَعْنِي فلأضرب عُنُقه قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي قد أجرته ثمَّ جَلَست إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخذت بِرَأْسِهِ فَقلت وَالله لَا يناجيه اللَّيْلَة دوني رجل
قَالَ فَلَمَّا أَكثر عمر فِي شَأْنه قلت مهلا يَا عمر فوَاللَّه أَن لَو كَانَ من رجال عدي بن كَعْب مَا قلت هَذَا وَلَكِنَّك قد عرفت أَنه من رجال بني عبد منَاف فَقَالَ مهلا يَا عَبَّاس فوَاللَّه لإسلامك يَوْم أسلمت كَانَ أحب إِلَيّ من إِسْلَام الْخطاب لَو أسلم وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قد عرفت أَن إسلامك كَانَ أحب إِلَى رَسُول الله ﷺ من إِسْلَام الْخطاب
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اذْهَبْ بِهِ إِلَى رحلك يَا عَبَّاس فَإِذا أَصبَحت فأتني بِهِ قَالَ فَذَهَبت إِلَى رحلي فَبَاتَ عِنْدِي
[ ١ / ١١١ ]
وروينا عَن السُّهيْلي عَن عبد بن حميد قَالَ لما احتمله الْعَبَّاس مَعَه إِلَى قُبَّته فَأصْبح عِنْده رأى النَّاس وَقد ثَارُوا إِلَى ظُهُورهمْ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان يَا أَبَا الْفضل مَا للنَّاس أأمروا فِي بِشَيْء قَالَ لَا وَلَكنهُمْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاة فَأمره الْعَبَّاس فَتَوَضَّأ ثمَّ انْطلق بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا دخل النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة كبر فَكبر النَّاس بتكبيره ثمَّ ركع فركعوا ثمَّ رفع فَرفعُوا فَقَالَ أَبُو سُفْيَان مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ طَاعَة قوم جمعهم من هَهُنَا وَهَهُنَا وَلَا فَارس الأكارم وَلَا الرّوم ذَات الْقُرُون بأطوع مِنْهُم لَهُ
قَالَ أَبُو الْخطاب ابْن ذِي النسبين دحْيَة وَالْحُسَيْن فِي كتاب مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين الرّوم ذَات الْقُرُون فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا الشُّعُور لأَنهم أَصْحَاب الجمم الطَّوِيلَة
الثَّانِي أَنَّهَا الْحُصُون
الثَّالِث وَهُوَ الصَّحِيح أَنه كلما هلك قرن خلف مَكَانَهُ قرن
وَذكر فِي امتداد قامة الْعَبَّاس وَطوله أَنه كَانَ يقبل الظعن وَهِي الْمَرْأَة تكون فِي الهودج على ظهر الْبَعِير وَكَانَ يقل من الأَرْض فِيمَا زَعَمُوا الْجمل إِذا برك بِحمْلِهِ
قَالَ ابْن هِشَام فَلَمَّا أصبح غَدَوْت بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا
[ ١ / ١١٢ ]
رَآهُ قَالَ وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وأكرمك وأوصلك وَالله لقد ظَنَنْت أَن لَو كَانَ مَعَ الله إِلَه غَيره لقد أغْنى شَيْئا بعد قَالَ وَيحك يَا أَبَا سُفْيَان ألم يَأن لَك أَن تعلم أَنِّي رَسُول الله قَالَ بِأبي أَنْت وَأمي مَا أحلمك وأوصلك أما وَالله هَذِه فَفِي النَّفس مِنْهَا حَتَّى الْآن شَيْء
قَالَ السُّهيْلي عَن عبد بن حميد إِن أَبَا سُفْيَان قَالَ للنَّبِي ﷺ كَيفَ أصنع بالعزى يَعْنِي الصَّنَم الَّذِي كَانَ يعبده فَسَمعهُ عمر من وَرَاء الْقبَّة فَقَالَ تخرأ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان وَيحك يَا عمر إِنَّك رجل فَاحش دَعْنِي مَعَ ابْن عمي فإياه أكلم
وَرُوِيَ عَن يزِيد الرقاشِي قَالَ لما أُتِي رَسُول الله ﷺ بِأبي سُفْيَان عرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان على أَن تحملنِي على بغلتك وتكسوني بردتك وتتخذ مُعَاوِيَة كَاتبا وَأرَاهُ قَالَ وتتزوج أم حَبِيبَة وَمن دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن كل ذَلِك يَقُول رَسُول الله ﷺ نعم
قَالَ ابْن هِشَام فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس وَيحك أسلم وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله
[ ١ / ١١٣ ]
وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قبل أَن يضْرب عُنُقك فَشهد شَهَادَة الْحق وَأسلم
قَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان رجل يحب هَذَا الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا قَالَ نعم من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن أغلق بَابه فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن
وَأمر رَسُول الله ﷺ الْعَبَّاس أَن يحبس أَبَا سُفْيَان بمضيق الْوَادي عِنْد خطم الْجَبَل حَتَّى تمر بِهِ جنود الله فيراها فَفعل
قَالَ القَاضِي عِيَاض خطم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة والجبل بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء بِوَاحِدَة بعْدهَا لَام هُوَ طرفه وَأَنْفه السَّائِل وَهُوَ الكراع وَقيل غَيره وَهَذَا أشهر
قَالَ ابْن هِشَام فمرت الْقَبَائِل على راياتها كلما مرت قَبيلَة قَالَ يَا عَبَّاس من هَذِه فَأَقُول هَذِه سليم فَيَقُول مَا لي ولسليم ثمَّ تمر قَبيلَة فَيَقُول يَا عَبَّاس من هَؤُلَاءِ فَأَقُول مزينة فَيَقُول مَا لي ولمزينة حَتَّى نفذت الْقَبَائِل لَا تمر قَبيلَة إِلَّا سَأَلَني عَنْهَا حَتَّى مر رَسُول الله ﷺ فِي كتيبته الخضراء فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار لَا يرى مِنْهُم إِلَّا الحدق من الْحَدِيد وَرَسُول الله ﷺ على نَاقَته الْقَصْوَاء بَين أبي بكر وَأسيد بن حضير وكتيبة الْأَنْصَار مَعَ سعد بن عبَادَة وَمَعَهُ الرَّايَة وَرَايَة النَّبِي ﷺ مَعَ الزبير فَقَالَ أَبُو سُفْيَان سُبْحَانَ الله يَا عَبَّاس من هَؤُلَاءِ قَالَ قلت هَذَا رَسُول الله ﷺ فِي الْمُهَاجِرين
[ ١ / ١١٤ ]
وَالْأَنْصَار قَالَ مَا لأحد بهؤلاء قبل وَلَا طَاقَة وَالله يَا أَبَا الْفضل لقد أصبح ملك ابْن أَخِيك الْغَدَاة عَظِيما قَالَ قلت يَا أَبَا سُفْيَان إِنَّهَا النُّبُوَّة قَالَ فَنعم إِذا
وَفِي رِوَايَة قَالَ وَكَانَت راية رَسُول الله ﷺ مَعَ سعد بن عبَادَة فَلَمَّا مر بهَا على أبي سُفْيَان وَنظر إِلَيْهِ فَقَالَ الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة الْيَوْم أذلّ الله قُريْشًا فَلَمَّا حَاذَى رَسُول الله ﷺ أَبَا سُفْيَان ناداه يَا رَسُول الله أمرت بقتل قَوْمك فانه زعم سعد وَمن مَعَه حِين مر بِنَا أَنه قاتلنا وَقَالَ الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْحُرْمَة الْيَوْم أذلّ الله قُريْشًا وَإِنِّي أنْشدك الله فِي قَوْمك وَأَنت أبر النَّاس وأرحمهم وأوصلهم وَقَالَ عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف يَا رَسُول الله مَا نَأْمَن سَعْدا أَن تكون مِنْهُ فِي قُرَيْش صولة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا سُفْيَان الْيَوْم يَوْم المرحمة الْيَوْم أعز الله قُريْشًا قَالَ وَأمر رَسُول الله ﷺ سَعْدا أَن يُعْطي الرَّايَة لوَلَده قيس بن سعد حَتَّى لَا تخرج عَنهُ
قَالَ ابْن هِشَام قَالَ الْعَبَّاس فَقلت لأبي سُفْيَان النَّجَاء إِلَى قَوْمك حَتَّى إِذا جَاءَهُم صرخَ بِأَعْلَى صَوته يَا معشر قُرَيْش هَذَا مُحَمَّد قد جَاءَكُم فِيمَا لَا قبل لكم بِهِ فَمن دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن فَقَامَتْ إِلَيْهِ هِنْد بنت عتبَة قد أخذت بشاربه فَقَالَت اقْتُلُوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طَلِيعَة قوم
[ ١ / ١١٥ ]
قَالَ السُّهيْلي الحميت الزق نسبته إِلَى الضخم وَالسمن والأحمس الَّذِي لَا خير عِنْده من قَوْلهم أعام أحمس إِذا لم يكن فِيهِ مطر
وَزَاد عبد بن حميد إِنَّهَا قَالَت يَا آل غَالب اقْتُلُوا الأحمق فَقَالَ لَهَا أَبُو سُفْيَان وَالله لتسلمن أَو لَأَضرِبَن عُنُقك
قَالَ ابْن هِشَام قَالَ أَبُو سُفْيَان وَيْلكُمْ لَا تغرنكم هَذِه من أَنفسكُم فَإِنَّهُ قد جَاءَكُم مَا لَا قبل لكم بِهِ من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن قَالُوا قَاتلك الله فَمَا تغني عَنَّا دَارك
قَالَ وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن
قَالَ فَتفرق النَّاس إِلَى دُورهمْ وَإِلَى الْمَسْجِد
قَالَ فَلَمَّا انْتهى رَسُول الله ﷺ إِلَى ذِي طوى وقف على رَاحِلَته معتجرا بشق برد حبرَة حَمْرَاء وَإنَّهُ ليضع رَأسه تواضعا لله حِين رأى مَا أكْرمه الله بِهِ من الْفَتْح حَتَّى إِن عثنونه ليكاد يمس وَاسِطَة الرحل
قَالَ الْجَوْهَرِي الإعتجار لف الْعِمَامَة على الرَّأْس
والعثنون شعيرات طوال تَحت الحنك
وروينا عَن الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخ مَكَّة حماها الله وشرفها الله وعظمها قَالَ أصعد عمر بن الْخطاب المعلاة فِي بعض حَاجته
[ ١ / ١١٦ ]
يَعْنِي إِذْ كَانَ خَليفَة فَمر بِأبي سُفْيَان بن حَرْب يهنئ جملا لَهُ فَنظر إِلَى أَحْجَار قد بناها أَبُو سُفْيَان شبه الدّكان فِي وَجه دَاره يجلس عَلَيْهِ فِي فَيْء الْغَدَاة فَقَالَ عمر لَا أرجع من وَجْهي هَذَا حَتَّى تقلعه وترفعه
فَبلغ عمر ﵁ الرّوم فجَاء والدكان على حَاله فَقَالَ لَهُ عمر ألم أقل لَك لَا أرجع حَتَّى تقلعه قَالَ أَبُو سُفْيَان انتظرت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ يأتينا بعض أهل مهنتنا فيقلعه وَيَرْفَعهُ فَقَالَ عمر عزمت عَلَيْك لتقلعنه بِيَدِك ولتنقلنه على عُنُقك فَلم يُرَاجِعهُ أَبُو سُفْيَان حَتَّى قلعه بِيَدِهِ وَنقل الْحِجَارَة على عُنُقه وَجعل يَطْرَحهَا فِي الدَّار فَخرجت إِلَيْهِ هِنْد ابْنة عتبَة فَقَالَت يَا عمر أمثل أبي سُفْيَان تكلفه هَذَا كُله وتعجله عَن أَن يَأْتِيهِ بعض أهل مهنته فطعن عمر بمخصرة كَانَت فِي يَده فِي خمارها فَقَالَت هِنْد ونفحتها بِيَدِهَا إِلَيْك عني يَا ابْن الْخطاب فَلَو فِي غير هَذَا الْيَوْم تفعل هَذَا لاضطمت عَلَيْك الأخاشب قَالَ فَلَمَّا قلع أَبُو سُفْيَان الْأَحْجَار ونقلها اسْتقْبل عمر الْقبْلَة وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أعز الْإِسْلَام وَأَهله عمر بن الْخطاب رجل من بني عدى بن كَعْب يَأْمر أَبَا سُفْيَان بن حَرْب سيد بني عبد منَاف بِمَكَّة فيطيعه ثمَّ ولى
[ ١ / ١١٧ ]
تَفْسِير
قَالَ الْجَوْهَرِي هنأت الْبَعِير إِذا طليته بالهناء وَهُوَ القطران
والمهنة بِفَتْح الْمِيم الْخدمَة وَحكى فِيهِ الْكسر والماهن الْخَادِم
والمخصرة كالسوط وكل مَا اختصر الْإِنْسَان بِيَدِهِ فأمسكه من عَصا وَنَحْوهَا
ونفحتها أَي ضربتها ونحتها
والأخاشب جمع أخشب وَهُوَ الْجَبَل الخشن الْعَظِيم والأخشبان جبلان بِمَكَّة
قلت وَدَار أبي سُفْيَان الْيَوْم مجزرة يذبح فِيهَا الجزارون بِمَكَّة مَعْرُوفَة على يسرة المصعد إِلَى الْمُعَلَّى من الْمَسْجِد فسبحان الْخَافِض الرافع الْمعز المذل يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
قَالَ ابْن مُنِير الْحلَبِي وَذكر شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد الدمياطي فِي جملَة كِتَابه ﷺ أَبَا سُفْيَان بن حَرْب ذكره ابْن مسكويه وَذكره ابْن سعد فِيمَن شهد فِي كتاب رَسُول الله ﷺ لنجران ولبني جعيل من بلي
فصل فِي إِسْلَام هِنْد ومبايعتها لرَسُول الله ﷺ
قَالَ ابْن عبد الله الْبر هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس
[ ١ / ١١٨ ]
ابْن عبد منَاف أسلمت عَام الْفَتْح بعد إِسْلَام زَوجهَا فأقرهما رَسُول الله ﷺ على نِكَاحهمَا وَكَانَت امْرَأَة فِيهَا ذكرة لَهَا نفس وأنفة شهِدت أحدا كَافِرَة مَعَ زَوجهَا أبي سُفْيَان وَكَانَت تَقول يَوْم أحد وَهِي تحرض الْمُشْركين على الْقِتَال
(نَحن بَنَات طَارق نمشي على النمارق)
والمسك فِي المفارق والدر فِي المخانق)
(إِن تقبلُوا نعانق ونفرش النمارق)
(أَو تدبروا نفارق فِرَاق غير وامق)
وروى السُّهيْلي فِيهِ بعد قَوْلهَا نمشي على النمارق فَقَالَ مَشى القطا النوازق النزق الخفة
فَلَمَّا قتل حَمْزَة وَثَبت عَلَيْهِ فمثلت بِهِ وَشقت بَطْنه واستخرجت كبده فشوت مِنْهُ وأكلت لِأَنَّهُ كَانَ قد قتل أَبَاهَا يَوْم بدر
وَقيل فعل ذَلِك غَيرهَا
ثمَّ ختم الله لَهَا بِالْإِسْلَامِ
وروينا عَن ابْن هِشَام قَالَ قتل عتبَة بن ربيعَة أَبُو هِنْد وَكَانَ
[ ١ / ١١٩ ]
رَأس الْكفْر وَمن أَصْحَاب القليب ببدر وَأَخُوهُ شيبَة والوليد بن عتبَة وحَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان وَكَانُوا أَعدَاء رَسُول الله ﷺ ودعا عَلَيْهِم وَأخْبر بمصارعهم يَوْم بدر قبل الْوَقْعَة فَلم يعد أحد مِنْهُم مصرعه
اشْترك فِي قَتلهمْ عَليّ وَحَمْزَة وَزيد بن حَارِثَة
فَلَمَّا كَانَت وقْعَة أحد وَجمع أَبُو سُفْيَان نَحوا من ثَلَاثَة آلَاف وأتى بهم إِلَى أحد قتل حَمْزَة ﵁ قَتله وَحشِي غُلَام جُبَير بن مطعم وَمثل النِّسَاء بالقتلى من جدع الآذان والأنوف حَتَّى اتَّخذت هِنْد من آذان الرِّجَال خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا وبقرت عَن كبد حَمْزَة فلاكتها فَلم تستطع أَن تسيغها فلفظتها ثمَّ علت على صَخْرَة مشرفة على الْمُسلمين وَقَالَت
(نَحن جزيناكم بِيَوْم بدر وَالْحَرب بعد الْحَرْب ذَات سعر)
(مَا كَانَ لي عَن عتبَة من صَبر وَلَا أخي وَعَمه وبكري)
(شفيت نَفسِي وقضيت نذري شفيت وَحشِي غليل صَدْرِي)
(فَشكر وَحشِي عَليّ عمري حَتَّى ترم أعظمي فِي قَبْرِي)
فأجابتها هِنْد بنت أَثَاثَة بن عباد بن الْمطلب فَقَالَت
[ ١ / ١٢٠ ]
(خزيت فِي بدر وَبعد بدر يَا بنت وقاع عَظِيم الْكفْر)
(صبحك الله غَدَاة الْفجْر م الهاشميين الطوَال الغر)
(بِكُل قطاع حسام يفري حَمْزَة ليثي وَعلي صقري)
(إِذا رام شيب وَأَبُوك غدري فخضبا مِنْهُ ضواحي النَّحْر)
(ونذرك السوء فشر نذر )
وَقَالَت هِنْد بنت عتبَة أَيْضا
(شفيت من حَمْزَة نَفسِي بِأحد حَتَّى بقرت بَطْنه عَن الكبد)
(أذهب عني ذَاك مَا كنت أجد من لذعة الْحزن الشَّديد الْمُعْتَمد)
(وَالْحَرب تعلوكم بشؤبوب برد نقدم أقداما عَلَيْكُم كالأسد)
تَفْسِير غَرِيبه
قَوْلهَا ذَات سعر أَي ذَات هيجان والمسعر الْخشب الَّذِي
[ ١ / ١٢١ ]
يسعر بِهِ النَّار وَمِنْه قيل للرجل مسعر حَرْب يوقدها
وَعتبَة أَبوهَا وأخوها الْوَلِيد وعمها شيبَة وبكرها حَنْظَلَة قتلوا ببدر
قَوْلهَا حَتَّى ترم تَقول رم الْعظم يرم بِالْكَسْرِ رمه أَي بلي فَهُوَ رَمِيم
والوقاع الَّذِي يغتاب النَّاس وَيَقَع فيهم
قَوْلهَا م الهاشميين بِحَذْف النُّون من حرف من لالتقاء الساكنين وَلَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي من وَحدهَا لِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا قَالَه السُّهيْلي
والشؤبوب شدَّة الدّفع من الْمَطَر
وَقَوْلها برد
تعنى كثير الْبرد وَهُوَ حب الْغَمَام قَالَ الشَّاعِر والمرهفات البوارد أَي السيوف القواتل كَأَنَّهَا شبهت الْحَرْب بِدفع الْمَطَر إِذا كَانَ كثير الْبرد قَالَه الْجَوْهَرِي
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَوْم فتح مَكَّة أهْدر دَمهَا وَأمر بقتلها فاختفت ثمَّ أَتَت رَسُول الله ﷺ فتسترت بِالْإِسْلَامِ وَكَانَ بَينهَا وَبَين زَوجهَا فِي الْإِسْلَام لَيْلَة وَاحِدَة
ذكر الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى يأيها النَّبِي إِذا جَاءَك المؤمنت يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا الْآيَة وَذَلِكَ يَوْم فتح مَكَّة قَالَ لما فرغ رَسُول الله ﷺ من بيعَة الرِّجَال وَهُوَ على الصَّفَا وَعمر بن الْخطاب أَسْفَل مِنْهُ وَهُوَ يُبَايع النِّسَاء بِأَمْر رَسُول الله
[ ١ / ١٢٢ ]
ﷺ ويبلغهن عَنهُ وَهِنْد ابْنة عتبَة متنقبة مُتَنَكِّرَة مَعَ النِّسَاء خوفًا من رَسُول الله ﷺ أَن يعرفهَا وَذَلِكَ لما فعلت فِي حَمْزَة عَم النَّبِي ﷺ وَغير ذَلِك من هجائها وتأليبها على النَّبِي ﷺ هِيَ وَأَبُو سُفْيَان زَوجهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ أبايعهن على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا فَرفعت رَأسهَا وَقَالَت وَالله إِنَّك لتأْخذ علينا أمرا مَا رَأَيْنَاك أَخَذته على الرِّجَال وَبَايع الرِّجَال يَوْمئِذٍ على الْإِسْلَام وَالْجهَاد فَقَط فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَلَا يَسْرِقن فَقَالَت هِنْد إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح وَإِنِّي أصبت من مَاله هَنَات تَعْنِي أَشْيَاء والهن الشَّيْء قَالَه الْجَوْهَرِي
فَلَا أَدْرِي أتحل لي أم لَا فَقَالَ أَبُو سُفْيَان مَا أصبت من شَيْء فِيمَا مضى وَفِيمَا غبر فَهُوَ لَك حَلَال غبر يَعْنِي بَقِي وَيُرَاد بِهِ الْمَاضِي أَيْضا وَهُوَ من الأضداد قَالَه الْجَوْهَرِي أَيْضا
فَضَحِك رَسُول الله ﷺ وَعرفهَا فَقَالَ لَهَا وَإنَّك لهِنْد بنت عتبَة قَالَت نعم فَاعْفُ عَمَّا سلف عَفا الله عَنْك فَقَالَ وَلَا يَزْنِين فَقَالَت هِنْد أَو تَزني الْحرَّة فَقَالَ وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ فَقَالَت هِنْد رَبَّيْنَاهُمْ صغَارًا وَقَتَلْتُمُوهُمْ كبارًا فَأنْتم وهم أعلم وَكَانَ ابْنهَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان قد قتل يَوْم بدر فَضَحِك عمر حَتَّى اسْتلْقى وَتَبَسم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ
[ ١ / ١٢٣ ]
وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ وَهُوَ أَن تقذف ولدا على زَوجهَا لَيْسَ مِنْهُ قَالَت هِنْد وَالله إِن الْبُهْتَان لقبيح وَمَا تَأْمُرنَا إِلَّا بِالرشد وَمَكَارِم الْأَخْلَاق قَالَ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف قَالَت هِنْد مَا جلسنا مَجْلِسنَا هَذَا وَفِي أَنْفُسنَا أَن نَعْصِيك فَأقر النسْوَة بِمَا أَخذ عَلَيْهِنَّ
روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ ﵀ أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت جَاءَت هِنْد بنت عتبَة قَالَت يَا رَسُول الله مَا كَانَ على ظهر الأَرْض من أهل خباء أحب إِلَيّ أَن يذلوا من أهل خبائك ثمَّ مَا أصبح الْيَوْم على ظهر الأَرْض أهل خباء أحب إِلَيّ أَن يعزوا من أهل خبائك رَوَاهُ فِي الْفَضَائِل
قَالَ القَاضِي عِيَاض خباء أَو أخباء على الشَّك
كَذَا فِي كتاب مُسلم فِي كتاب الْإِيمَان وَهُوَ من خبأت الأَرْض لِأَنَّهُ يستر فِيهِ والأخباء جمع خباء وَهُوَ من بيُوت الْأَعْرَاب من وبر أَو صوف وَلَا يكون من شعر ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيرهَا من مَنَازِلهمْ ومساكنهم
قَالَ الْوَاقِدِيّ وَذكر يَوْم السلَاسِل من أَيَّام اليرموك وقتال النِّسَاء
[ ١ / ١٢٤ ]
ومجاوبتهن بالأشعار قَالَ وَخرجت هِنْد بنت عتبَة ﵂ وبيدها مزهر والمزهر عود يضْرب بِهِ قَالَه الْجَوْهَرِي وَمن خلفهَا النِّسَاء من الْمُهَاجِرَات وَهِي تَقول الشّعْر الَّذِي قالته يَوْم أحد تحرض بِهِ الْمُشْركين نَحن بَنَات طَارق الأبيات تَعْنِي بقولِهَا بَنَات طَارق النَّجْم زهل ثمَّ اسْتقْبلت خيل ميمنة الْمُسلمين فرأتهم منهزمين فصاحت إِلَى أَيْن تفرون من الله وَمن جنته وَهُوَ مطلع عَلَيْكُم وَنظرت إِلَى أبي سُفْيَان مُنْهَزِمًا فَضربت وَجه حصانه بعمودها وَقَالَت إِلَى أَيْن يَا ابْن حَرْب ارْجع إِلَى الْقِتَال وابذل مهجتك حَتَّى تمحص عَنْك مَا قد سلف مِنْك من تحريضك على رَسُول الله ﷺ
قَالَ الزبير بن الْعَوام لما سَمِعت كَلَام هِنْد لأبي سُفْيَان ذكرت يَوْم أحد وَنحن بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَهِي تحرض الْمُشْركين بِهَذَا الشّعْر على قتال الْمُسلمين فتعجبت من ذَلِك وَقلت لَك الْحَمد يَا رباه تفعل مَا تشَاء سبق عدلك فِي
[ ١ / ١٢٥ ]
خلقك وَلَا يعلم الْغَيْب غَيْرك
قَالَ فعطف أَبُو سُفْيَان عِنْدَمَا سمع كَلَامهَا وَعطف الْمُسلمُونَ مَعَه وَنظرت إِلَى النِّسَاء وَقد حملن مَعَهم وَهن يسابقن الْمُسلمين وَهن بَين أرجل الْخَيل وَرَأَيْت الْمَرْأَة مِنْهُنَّ تقبل إِلَى العلج الْعَظِيم وَهُوَ على فرسه فتتعلق بِهِ فَلَا تُفَارِقهُ حَتَّى تنكسه عَن الْجواد ثمَّ تقتله وَتقول هَذَا بَيَان نصر الله
توفيت هِنْد وَهِي وَأَبُو قُحَافَة وَالِد أبي بكر الصّديق ﵃ فِي يَوْم وَاحِد فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَه ابْن عبد الْبر وَغَيره
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْآجُرِيّ ﵀ فِي كتاب الشَّرِيعَة لَهُ بَاب تَزْوِيج أبي سُفْيَان بهند أم مُعَاوِيَة ﵃ قَالَ أَنا أَبُو عبيد عَليّ بن الْحُسَيْن بن حَرْب القَاضِي أَنا أَبُو السكين زَكَرِيَّا بن يحيى بن عمر ابْن حصن ابْن حميد بن منْهب بن حَارِثَة بن خريم بن أَوْس بن حَارِثَة بن لَام الْكُوفِي قَالَ حَدثنِي عَم أبي زحر بن حصن عَن جده حميد بن منْهب قَالَ كَانَت
[ ١ / ١٢٦ ]
هِنْد بنت عتبَة عِنْد الْفَاكِه بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَكَانَ الْفَاكِه من فتيَان قُرَيْش وَكَانَ لَهُ بَيت الضِّيَافَة يَغْشَاهُ النَّاس على غير إِذن فخلي ذَلِك الْبَيْت يَوْمًا فاضطجع الْفَاكِه وَهِنْد فِيهِ فِي وَقت القائلة ثمَّ خرج الْفَاكِه لبَعض حَاجته وَأَقْبل رجل كَانَ يَغْشَاهُ فولج الْبَيْت فَلَمَّا رأى الْمَرْأَة يَعْنِي هندا ولى هَارِبا وأبصره الْفَاكِه وَهُوَ خَارج من الْبَيْت فَأقبل إِلَى هِنْد فضربها بِرجلِهِ وَقَالَ لَهَا من هَذَا الَّذِي كَانَ عنْدك قَالَت مَا رَأَيْت أحدا وَلَا انْتَبَهت حَتَّى أنبهتني قَالَ لَهَا الحقي بأبيك وَتكلم فِيهَا النَّاس فَقَالَ لَهَا أَبوهَا يَا بنية إِن النَّاس قد أَكْثرُوا فِيك فأنبئيني نبأك فَإِن يكن الرجل عَلَيْك صَادِقا دسست إِلَيْهِ من يقْتله فَيَنْقَطِع عَنْك القالة وَإِن يَك كَاذِبًا حاكمته إِلَى بعض كهان الْيمن فَحَلَفت لَهُ بِمَا كَانُوا يحلفُونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة أَنه لَكَاذِب عَلَيْهَا
فَقَالَ عتبَة للفاكه يَا هَذَا إِنَّك قد رميت ابْنَتي بِأَمْر عَظِيم فحاكمني إِلَى بعض كهان الْيمن فَخرج الْفَاكِه فِي جمَاعَة من بني مَخْزُوم وَخرج عتبَة فِي جمَاعَة من بني عبد منَاف وَخَرجُوا مَعَهم بهند ونسوة مَعهَا فَلَمَّا شارفوا الْبِلَاد وَقَالُوا غَدا نرد على الكاهن تنكر حَال هِنْد وَتغَير وَجههَا فَقَالَ لَهَا أَبوهَا إِنِّي قد أرى مَا بك من تنكر الْحَال وَمَا ذَاك إِلَّا لمكروه عنْدك أَفلا كَانَ هَذَا قبل أَن يشْهد النَّاس مسيرنا قَالَت لَا وَالله يَا أبتاه مَا ذَاك لمكروه وَلَكِنِّي أعرف أَنكُمْ تأتون بشرا يُخطئ ويصيب وَلَا آمنهُ أَن يسمني بسمة تكون عَليّ سبة فِي
[ ١ / ١٢٧ ]
الْعَرَب قَالَ إِنِّي سَوف أختبره من قبل أَن ينظر فِي أَمرك فصفر بفرس حَتَّى أدلي ثمَّ أَخذ حَبَّة من حِنْطَة فَأدْخلهَا فِي إحليلة وأوكأ عَلَيْهَا بسير
فَلَمَّا وردوا على الكاهن أكْرمهم وَنحر لَهُم فَلَمَّا تغدوا قَالَ لَهُ عتبَة إِنَّا قد جئْنَاك فِي أَمر وَإِنِّي قد خبأت لَك خبيئا أختبرك بِهِ فَانْظُر مَا هُوَ قَالَ تَمْرَة فِي كمرة قَالَ أُرِيد أبين من هَذَا قَالَ حَبَّة من بر فِي إحليل مهر قَالَ صدقت انْظُر فِي أَمر هَؤُلَاءِ النسْوَة فَجعل يدنو من إِحْدَاهُنَّ فَيضْرب كتفها وَيَقُول انهضي حَتَّى دنا من هِنْد فَضرب كتفها وَقَالَ انهضي غير وسخاء وَلَا زَانِيَة ولتلدن ملكا يُقَال لَهُ مُعَاوِيَة فَوَثَبَ إِلَيْهَا الْفَاكِه فَأخذ بِيَدِهَا فَنثرَتْ يَدهَا من يَده وَقَالَت إِلَيْك فوَاللَّه لأحرصن على أَن يكون ذَلِك من غَيْرك فَتَزَوجهَا أَبُو سُفْيَان فَجَاءَت بِمُعَاوِيَة ﵃
وَأَنا أَبُو مُحَمَّد بن نَاجِية نَا أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم ثَنَا أَبُو غَسَّان مَالك بن إِسْمَاعِيل النَّهْدِيّ نَا عمر بن زِيَاد الْهِلَالِي عَن عبد الْملك بن نَوْفَل بن مساحق الْمدنِي من بني عَامر بن لؤَي قَالَ قَالَت هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة لأَبِيهَا يَا أَبَت إِنِّي قد ملكت أَمْرِي قَالَ وَذَاكَ حِين فَارقهَا الْفَاكِه بن الْمُغيرَة فَلَا تزَوجنِي رجلا حَتَّى تعرضه عَليّ قَالَ ذَلِك لَك
قَالَ فَقَالَ لَهَا ذَات يَوْم يَا بنية قد
[ ١ / ١٢٨ ]
خَطبك رجلَانِ من قَوْمك وَلست بمسم لَك وَاحِدًا مِنْهُمَا حَتَّى أصفه لَك أما الأول فَفِي الشّرف الصميم والحسب الْكَرِيم تخالين بِهِ هوجا من غفلته وَذَلِكَ إسجاح من شيمته حسن الصَّحَابَة سريع الْإِجَابَة إِن تابعتيه تابعك وَإِن ملت بِهِ كَانَ مَعَك تقضين عَلَيْهِ فِي مَاله وتكتفين بِرَأْيِك عَن رَأْيه
وَأما الآخر فَفِي الْحسب الحسيب والرأي الأريب بدر أرومته وَعز عشيرته يُؤَدب أَهله وَلَا يؤدبونه إِن اتَّبعُوهُ أسهل بهم وَإِن جانبوه توعربهم شَدِيد الْغيرَة سريع الطَّيرَة صَعب حجاب الْقبَّة إِن حَاج فَغير منزور وَإِن نوزع فَغير مَقْصُور
قد بيّنت لَك أَمرهمَا كليهمَا
قَالَت أما الأول فسيد مُطَاع لكريمته مؤات لَهَا فِيمَا عَسى إِن لم تعصم أَن تبين بعد إبائها وتضيع تَحت جنائها وَإِن جَاءَت لَهُ بِولد أحمقت وَإِن أنجبت فَعَن خطأ أنجبت اطو ذكر هَذَا عني فَلَا تسمه لي
وَأما الآخر فبعل الْحرَّة الْكَرِيمَة وَإِنِّي لأخلاق هَذَا لوامقه وَإِنِّي لَهُ لموافقة وَإِنِّي لآخذ بأدب البعل مَعَ لزومي لقبتي وَقلة تلفتي وَإِن السَّلِيل بيني وَبَينه لحري أَن يكون المدافع عَن حَرِيم عشيرته الزَّائِد عَن كتيبتها المحامي عَن حفيظتها الزائن لأرومتها غير مواكل وَلَا زميل عِنْد صعصعة الْحَوَادِث فَمن قَالَ ذَاك أَبُو سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة
قَالَت
[ ١ / ١٢٩ ]
زَوجنِي مِنْهُ وَلَا تلقني إِلَيْهِ إِلْقَاء المستسلس السلس وَلَا تسمه بِي سوم المعاطس الضرس واستخر الله فِي السَّمَاء يخر لَك بِعِلْمِهِ فِي الْقَضَاء
وَرُوِيَ عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ قَالَ مُعَاوِيَة مَا زلت فِي طمع من الْخلَافَة مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَا مُعَاوِيَة إِن ملكت فَأحْسن
وَرُوِيَ عَن خَالِد بن يزِيد بن صبيح عَن أَبِيه عَن مُعَاوِيَة قَالَ كنت أوضئ رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم أفرغ عَلَيْهِ من إِنَاء فِي يَدي فَنظر إِلَيّ نظرة شَدِيدَة فَفَزِعت وَسقط الْإِنَاء من يَدي فَقَالَ يَا مُعَاوِيَة إِن وليت شَيْئا من أُمُور أمتِي فَاتق الله واعدل قَالَ فَمَا زلت أطمع فِيهَا مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم فأسأل الله أَن يَرْزُقنِي الْعدْل فِيكُم
وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد الْأمَوِي عَن جده قَالَ كَانَت أداوة يحملهَا أَبُو هُرَيْرَة مَعَ رَسُول الله ﷺ لوضوئه فاشتكى أَبُو هُرَيْرَة فحملها مُعَاوِيَة فَبَيْنَمَا هُوَ يوضئ النَّبِي ﷺ مِنْهَا رفع النَّبِي ﷺ رَأسه فَقَالَ يَا مُعَاوِيَة إِن وليت من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فَاتق الله واعدل فَمَا زلت أَظن أَنِّي مبتلى بذلك لقَوْل رَسُول الله ﷺ حَتَّى وليت
تَفْسِير غَرِيبه
قَوْله كتاب الشَّرِيعَة قَالَ الْجَوْهَرِي الشَّرِيعَة مَا شرع الله لِعِبَادِهِ
[ ١ / ١٣٠ ]
من الدّين أَي سنّ والشارع الطَّرِيق والشرعة بِالْكَسْرِ الشَّرِيعَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾
قَوْله فِي الشّرف الصميم صميم الشَّيْء خالصه يُقَال هُوَ فِي صميم قومه
قَوْله تخالين بِهِ هوجا يُقَال خلت الشَّيْء خيلا وخيلة ومخيلة وخيلولة أَي ظننته وَهُوَ من بَاب ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا الَّتِي تدخل على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر فَإِن ابتدأت بهَا أعملت وَإِن وسطتها أَو أخرتها فَأَنت بِالْخِيَارِ بَين الإعمال والإلغاء وَتقول فِي مستقبله إخال بِكَسْر الْألف وَهُوَ الْأَفْصَح وَبَنُو أَسد بِفَتْح الْألف وَهُوَ الْقيَاس
قَوْله هوجا هُوَ الرجل الطَّوِيل الَّذِي فِيهِ تسرع وحمق والهوجاء النَّاقة السريعة والهوجاء الرّيح الَّتِي تقلع الْبيُوت فَلذَلِك قَالَت هِنْد إِن جَاءَت لَهُ بِولد أحمقت
قَوْله وَذَلِكَ إسجاح من شيمته الإسجاح حسن الْعَفو يُقَال ملكت فَأَسْجِحْ وَإِذا سَأَلت فَأَسْجِحْ أَي سهل ألفاظك وارفق
قَوْله من شيمته الشيمة الْخلق
قَوْله حسن الصَّحَابَة سريع الْإِجَابَة وَصفه بِحسن الْعشْرَة ولين الْجَانِب مَعَ الهوج وَالْحق الَّذِي ذكر فِيهِ
قَوْله والرأي الأريب هُوَ الرجل الْعَاقِل الداهية
قَوْله بدر أرومته وَعز عشيرته الأروم بِفَتْح الْهمزَة أصل الشَّجَرَة والقرن اسْتِعَارَة هُنَا لأصالته لِأَنَّهُ من بني عبد منَاف
قَوْله يُؤَدب أَهله وَلَا يؤدبونه وَصفه بالشدة والغيرة إِذا كَانَ فيهم كَمَا قَالَت فِي حَدِيث أم زرع إِن دخل فَهد وَإِن خرج أَسد
قَوْله إِن حَاج فَغير منزور مَعْنَاهُ لَا يُرَاجع بِمَا يكره لشدَّة وقاره وهيبته
قَوْله وَإِن نوزع فَغير مَقْصُور يُقَال أقصر عَنهُ إِذا تركته عَن قدره وَقصر عَنهُ ضعف وكل شَيْء حَبسته فقد
[ ١ / ١٣١ ]
قصرته
قَوْلهَا فِيمَا عَسى إِن لم تعصم فضل الْعِصْمَة الْحِفْظ يُقَال اعتصمت بِاللَّه إِذا امْتنعت بِلُطْفِهِ من الْمعْصِيَة والعصمة الْمَنْع أَيْضا يُقَال عصمه الطَّعَام أَي مَنعه من الْجُوع
وَأَبُو عَاصِم كنية السويق
قَوْلهَا إِنِّي لأخلاق هَذَا لوامقة المقة الْمحبَّة وَالْهَاء عوض من الْوَاو وَقد ومقه يمقه بِالْكَسْرِ فيهمَا أَي أحبه فَهُوَ وامق
قَوْلهَا وَإِن السَّلِيل بيني وَبَينه تَعْنِي الْوَلَد
قَوْلهَا المحامي عَن حفيظتها الحفيظة الْغَضَب وَالْحمية وَقَوْلهمْ وَإِن الحفائظ تنقض الأحقاد أَي إِذا رَأَيْت حميمك يظلم حميت لَهُ وَإِن كَانَ فِي قَلْبك عَلَيْهِ حقد
قَوْلهَا غير مواكل وَلَا زميل عِنْد صعصعة الْحَوَادِث المواكل الْعَاجِز يكل أمره إِلَى غَيره ويتكل عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الدَّابَّة تتكل على صَاحبهَا فِي الْعَدو حَتَّى يضْربهَا
والزميل الجبان الضَّعِيف
والصعصعة التَّفَرُّق يُقَال ذهبت الْإِبِل صعاصع أَي مُتَفَرِّقَة
قَوْلهَا المستسلس السلس هُوَ اللين المنقاد
قَوْلهَا وَلَا تسمه بِي سوم المعاطس الضرس وَيُقَال ظَبْي عاطس وَهُوَ الَّذِي يستقبلك من أمامك والضرس أكمة خشنة وناقة ضروس سَيِّئَة الْخلق
وَكَأَنَّهَا أَرَادَت بالسوم فِي حَال الْخطْبَة أَن لَا تلين لَهُ وَلَا تشدد عَلَيْهِ فِيمَا يَقع بَيْنكُمَا الِاتِّفَاق عَلَيْهِ من أَمر الصَدَاق وَغَيره مِمَّا كَانُوا يتفقون عَلَيْهِ عِنْد التَّزْوِيج فِي جاهليتهم
٢٦ - طَلْحَة بن عبيد الله
ابْن عُثْمَان بن عَمْرو ابْن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن
[ ١ / ١٣٢ ]
كَعْب بن لؤَي الْقرشِي التَّيْمِيّ وَأمه الحضرمية اسْمهَا الصعبة بنت عبد الله بن عماد أُخْت الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ يَأْتِي بِشَيْء من ذكرهَا فِي تَرْجَمَة أَخِيهَا يكنى طَلْحَة أَبَا مُحَمَّد وَيعرف بطلحة الْخَيْر وَطَلْحَة الْفَيَّاض وَذَلِكَ أَنه اشْترى مَالا بِموضع يُقَال لَهُ بيسان قَالَ أَبُو عبيد عبد الله بن عبد الْعَزِيز الْبكْرِيّ فِي كتاب مُعْجم مَا استعجم من حرف الْبَاء بيسان بِفَتْح أَوله وسين مُهْملَة موضعان أَحدهمَا بِالشَّام وَالثَّانِي بالحجاز وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث
قَالَ وَذكر الزبير أَن رَسُول الله ﷺ مر بِمَاء يُقَال لَهُ بيسان فِي غَزْوَة ذِي قرد فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل اسْمه بيسان وَهُوَ ملح فَقَالَ بل هُوَ نعْمَان وَهُوَ طيب فَغير رَسُول الله ﷺ اسْمه وَغير الله المَاء فَاشْتَرَاهُ طَلْحَة ثمَّ تصدق بِهِ فَأخْبر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَا أَنْت يَا طَلْحَة إِلَّا فياض فَسُمي بذلك
وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين وَأحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ وَأحد الثَّمَانِية السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام وَأحد الْخَمْسَة الَّذين أَسْلمُوا على يَد أبي بكر ﵁ وَأحد السِّتَّة الَّذين جعل عمر فيهم الشورى وَأخْبر أَن رَسُول الله ﷺ توفّي وَهُوَ عَنْهُم رَاض
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ قبل أَن يخرج من الْمَدِينَة إِلَى بدر هُوَ
[ ١ / ١٣٣ ]
وَسَعِيد بن زيد إِلَى طَرِيق الشَّام يتجسسان الْأَخْبَار يَعْنِي خبر عير أهل مَكَّة الَّتِي قدم بهَا أَبُو سُفْيَان ثمَّ رجعا إِلَى الْمَدِينَة فقدماها يَوْم وقْعَة بدر فَضرب لَهُ رَسُول الله ﷺ بسهمه فَلَمَّا قدم قَالَ وَأجْرِي يَا رَسُول الله قَالَ وأجرك
وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا وأبلى يَوْم أحد بلَاء حسنا وَوقى رَسُول الله ﷺ وَاتَّقَى عَنهُ النبل بِيَدِهِ حَتَّى شلت إصبعه وَضرب ضَرْبَة فِي رَأسه وَحمل رَسُول الله ﷺ على ظَهره حَتَّى اسْتَقل على الصَّخْرَة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْيَوْم أوجب طَلْحَة يَا أَبَا بكر فَقَالَ أَبُو بكر يَوْم أحد كُله لطلْحَة
ويروى أَن رَسُول الله ﷺ نَهَضَ يَوْم أحد ليصعد على صَخْرَة وَكَانَ ظَاهر بَين درعين فَلم يسْتَطع النهوض فاحتمله طَلْحَة بن عبيد الله فأنهضه حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا
وَرُوِيَ أَنه نظر إِلَيْهِ فَقَالَ من أحب أَن ينظر إِلَى شَهِيد يمشي على وَجه الأَرْض فَلْينْظر إِلَى طَلْحَة
ثمَّ شهد الْجمل مُحَاربًا لعَلي ﵁ فَدَعَاهُ وَذكره أَشْيَاء من سوابقه وفضله فَرجع طَلْحَة عَن قِتَاله على نَحْو مَا صنع الزبير بن الْعَوام وَاعْتَزل فِي بعض الصُّفُوف فَرمي بِسَهْم فَقطع من رجله عرق النسا فَلم يزل دَمه ينزف حَتَّى مَاتَ
وَيُقَال أصَاب ثغرة نَحره فدفناه على شاطئ الكلا فَرَآهُ بعض أَهله فِي الْمَنَام فَقَالَ أَلا تريحوني من هَذَا المَاء فَإِنِّي قد غرقت ثَلَاث مَرَّات يَقُولهَا
قَالَ فنبشوه فَإِذا هُوَ أَخْضَر كَأَنَّهُ السلق فنزفوا عَنهُ المَاء ثمَّ استخرجوه فَإِذا مَا يَلِي الأَرْض من لحيته وَوَجهه قد أَكلته الأَرْض فاشتروا لَهُ دَارا فدفنوه فِيهَا
قتل وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة يَوْم الْجمل لعشر
[ ١ / ١٣٤ ]
خلون من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقيل غير ذَلِك
وَسمع عَليّ رَضِي الله عَن رجلا ينشد
(فَتى كَانَ يدينه الْغنى من صديقه إِذا مَا هُوَ اسْتغنى ويبعده الْفقر)
(كَأَن الثريا علقت فِي جَبينه وَفِي خَدّه الشعرى وفى الآخر الْبَدْر)
هَذَا الْبَيْت ذكره المَسْعُودِيّ فِي المروج فَقَالَ ذَاك أَبُو مُحَمَّد طَلْحَة بن عبيد الله ﵁
وَرُوِيَ أَن عليا ﵁ قَالَ فِي خطْبَة خطبهَا حِين نهوضه إِلَى الْجمل إِنِّي بليت بأَرْبعَة أدهى النَّاس وأسخاهم طَلْحَة وَأَشْجَع النَّاس الزبير وأطوع النَّاس فِي النَّاس عَائِشَة وأسرع النَّاس إِلَى فتْنَة يعلى بن أُميَّة
وَرُوِيَ عَنهُ ﵁ أَنه قَالَ إِنِّي وَالله لأرجو أَن أكون أَنا وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مِمَّن قَالَ الله تَعَالَى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا على سرد متقبلين قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ عَليّ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول طَلْحَة وَالزُّبَيْر جاراي
[ ١ / ١٣٥ ]
فِي الْجنَّة
قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد
ذكره عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَقَالَ وَأما مَا وَقع لي مِمَّن كتب لَهُ ﷺ فطلحة ذكره عَليّ بن مُحَمَّد بن مسكويه فِي كتاب تجارب الْأُمَم
٢٧ - عَامر بن فهَيْرَة
مولى أبي بكر الصّديق ﵄ كنيته أَبُو عمر
وَكَانَ مولدا من مولدِي الأزد أسود اللَّوْن مَمْلُوكا للطفيل بن عبد الله بن سَخْبَرَة أخي عَائِشَة ﵂ لأمها
أسلم وَهُوَ مَمْلُوك فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر من الطُّفَيْل وَأعْتقهُ
وَكَانَ من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام أسلم قبل أَن يدْخل رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم وعذب فِي الله كَانَ يرْعَى الْغنم فِي ثَوْر ثمَّ يروح بهَا على رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وهما فِي الْغَار شهد بَدْرًا وَاحِدًا وَقتل يَوْم بِئْر مَعُونَة فِي صفر سنة أَربع من الْهِجْرَة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة قَتله عَامر بن الطُّفَيْل
ويروى عَن عَامر لما أسلم قَالَ رَأَيْت أول طعنة طعنتها عَامر بن فهَيْرَة نورا خرج مِنْهَا
وَلما قدم عَامر بن الطُّفَيْل على رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ من الرجل الَّذِي رَأَيْته لما قتل رفع بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى رَأَيْت
[ ١ / ١٣٦ ]
السَّمَاء دونه فَقَالَ النَّبِي ﷺ ذَاك عَامر بن فهَيْرَة قَالَه ابْن عبد الْبر
وَذكره البُخَارِيّ فِي غَزْوَة الرجيع وَطلب فِي الْقَتْلَى فَلم يُوجد فيرون أَن الْمَلَائِكَة رفعته
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي شَرحه للسيرة الشَّرِيفَة عَامر بن فهَيْرَة ذكره أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَغَيره
وَذكره ابْن إِسْحَاق فِي حَدِيث الْهِجْرَة فَقَالَ كَانَ مخرج رَسُول الله ﷺ بعد بيعَة الْعقبَة بِليَال وَهِي بيعَة الْأَنْصَار خرج هُوَ وَأَبُو بكر لَيْلًا فمضيا وَخرج رَسُول الله ﷺ من خوخة فِي طرف دَار أبي بكر الَّتِي فِي بني جمح ونهضا إِلَى غَار ثَوْر وَضرب العنكبوت على بَابه وَطلبت قُرَيْش رَسُول الله ﷺ أَشد الطّلب حَتَّى انْتَهوا إِلَى بَاب الْغَار فَقَالَ بَعضهم إِن عَلَيْهِ العنكبوت قبل مِيلَاد مُحَمَّد ﷺ وَفِي رِوَايَة أَمر الله شَجَرَة فَنَبَتَتْ فِي وَجه النَّبِي ﷺ فَسترته وَأمر الله حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فوقفتا بِفَم الْغَار وَأَقْبل فتيَان قُرَيْش حَتَّى كَانُوا من النَّبِي ﷺ قدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا فَرَأَوْا الحمامتين فعرفوا أَنه لَيْسَ فِيهِ أحد
وَكَانَ لأبي بكر منحة غنم يرعاها عَامر بن فهَيْرَة ﵁ وَكَانَ يَأْتِيهم بهَا لَيْلًا فيحتلبون فَإِذا كَانَ سحر سرح مَعَ النَّاس
قَالَت عَائِشَة ﵂ وجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لَهما سفرة من جراب فَقطعت أَسمَاء بنت أبي بكر قِطْعَة من نطاقها فأوكت بِهِ الجراب فبذلك سميت ذَات النطاقين
وَمكث رَسُول الله ﷺ وَهُوَ وَأَبُو بكر فِي الْغَار ثَلَاث لَيَال وَكَانَ يبيت عِنْدهمَا عبد الله بن أبي بكر يتسمع الْأَخْبَار بِالنَّهَارِ
واستأجر أَبُو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا والخريت الماهر بِالطَّرِيقِ يُقَال
[ ١ / ١٣٧ ]
لَهُ عبد الله بن أريقط وَهُوَ على دين الْكفْر ولكنهما أمناه ودفعا إِلَيْهِ راحلتيهما وواعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صبح ثَلَاث لَيَال فارتحلا ومعهما عَامر بن فهَيْرَة فَأخذ بهم ابْن أريقط على طَرِيق السَّاحِل
فَلَمَّا رحلوا من قديد عرض لَهما سراقَة بن مَالك بن جعْشم وَهُوَ على فرس لَهُ فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فرسخت قَوَائِم فرسه فَقَالَ يَا مُحَمَّد ادْع الله أَن يُطلق فرسي وأرجع عَنْك وأرد من ورائي فَفعل فَأطلق وَرجع فَوجدَ النَّاس يَلْتَمِسُونَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ارْجعُوا فقد استبرأت لكم مَا هَهُنَا وَقد عَرَفْتُمْ بَصرِي بالأثر فَرَجَعُوا عَنهُ
وَفِي رِوَايَة فَعرض سراقَة عَلَيْهِم الزَّاد وَالْمَتَاع والحملان فَقَالَا أكفنا نَفسك وأخف عَنَّا
وَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ أَن يكْتب لَهُ كتاب أَمن فَأمر ابْن فهَيْرَة فَكتب فِي رقْعَة من أَدَم
ثمَّ مضى رَسُول الله ﷺ وَذكر تَمام الحَدِيث
٢٨ - عبد الله بن الأرقم
قَالَ ابْن عبد الْبر عبد الله بن الأرقم بن عبد يَغُوث بن وهب
[ ١ / ١٣٨ ]
ابْن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب الْقرشِي الزُّهْرِيّ أسلم عَام الْفَتْح كَانَ من المواظبين على كتاب الرسائل عَن رَسُول الله ﷺ وَكتب لأبي بكر واستكتبه عمر وَاسْتَعْملهُ على بَيت المَال وَعُثْمَان بعده وَلم يزل على بَيت المَال خلَافَة عمر كلهَا وسنتين من خلَافَة عُثْمَان حَتَّى استعفاه من ذَلِك فأعفاه
وَكَانَ يُجيب الْمُلُوك عَن رَسُول الله ﷺ وَبلغ من أَمَانَته عِنْده أَنه كَانَ يَأْمُرهُ أَن يكْتب إِلَى بعض الْمُلُوك فَيكْتب ويأمره أَن يطينه ويختمه وَمَا يقرأه لأمانته عِنْده
قَالَ الْجَوْهَرِي طان فلَان الْكتاب يطينه إِذا خَتمه
قَالَ وَكَانَ إِذا غَابَ عبد الله أَمر من حضر أَن يكْتب لَهُ
قَالَ وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك قَالَ بَلغنِي أَنه ورد على رَسُول الله ﷺ كتاب فَقَالَ من يُجيب عني فَقَالَ عبد الله بن الأرقم أَنا فَأجَاب عَنهُ وأتى بِهِ إِلَيْهِ فأعجبه وأنفذه وَكَانَ عمر حَاضرا فأعجبه ذَلِك من عبد الله بن الأرقم وَلم يزل فِي نَفسه يَقُول أصَاب مَا أَرَادَ رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا ولي عمر اسْتَعْملهُ على بَيت المَال
قَالَ وروى ابْن وهب عَن مَالك أَن عُثْمَان أجَازه وَكَانَ لَهُ على بَيت المَال ثَلَاثُونَ ألفا فَأبى أَن يقبلهَا
وروى سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن
[ ١ / ١٣٩ ]
عَمْرو بن دِينَار أَن عُثْمَان اسْتَعْملهُ على بَيت المَال وَأَعْطَاهُ ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فَأبى عبد الله أَن يَأْخُذهَا وَقَالَ إِنَّمَا عملت لله وَإِنَّمَا أجري على الله
وروى أَشهب عَن مَالك أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ يَقُول مَا رَأَيْت أحدا أخْشَى لله من عبد الله بن الأرقم قَالَ وَقَالَ لَهُ لَو كَانَ لَك سَابِقَة مَا قدمت عَلَيْك أحدا وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
٢٩ - عبد الله بن عبد الله بن أبي ابْن سلول
وسلول امْرَأَة عرف بهَا وَهِي من خُزَاعَة أم أبي وَأبي بن مَالك بن سَالم بن غنم بن عَوْف بن الْخَزْرَج وَسَالم يعرف بالحبلى لعظم بَطْنه ولبني الحبلى شرف فِي الْأَنْصَار كَانَ اسْمه الْحباب فَسَماهُ رَسُول الله ﷺ عبد الله وَكَانَ أَبوهُ عبد الله رَأس الْمُنَافِقين وَمِمَّنْ تولى
[ ١ / ١٤٠ ]
الْإِفْك فِي عَائِشَة ﵂ وَابْنه عبد الله من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم شهد بَدْرًا وَاحِدًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَكَانَ أَبوهُ من أَشْرَاف الْخَزْرَج وَكَانُوا اجْتَمعُوا على أَن يُتَوِّجُوهُ ويسندوا إِلَيْهِ أَمرهم قبل مبعث النَّبِي ﷺ فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ نفس على رَسُول الله ﷺ النُّبُوَّة وأخذته الْعِزَّة فَلم يخلص الْإِسْلَام وأضمر النِّفَاق حسدا وبغيا
وَقَالَ فِي غَزْوَة تَبُوك لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل هَكَذَا ذكر ابْن عبد الْبر وسَاق الحَدِيث
وَالَّذِي ذكره الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة
وروينا عَن ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة الشَّرِيفَة أَن قصَّة ابْن أبي ونزول هَذِه الْآيَة كَانَ فِي غَزْوَة بني المصطلق على مَاء من مِيَاههمْ يُقَال لَهُ الْمُريْسِيع من نَاحيَة قديد إِلَى السَّاحِل روى الْبَغَوِيّ وَاللَّفْظ لِابْنِ إِسْحَاق قَالَ فَهزمَ الله بني المصطلق فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك المَاء وَردت وَارِدَة النَّاس وَمَعَ عمر بن الْخطاب أجِير لَهُ من بني غفار يُقَال لَهُ جَهْجَاه بن سعيد يَقُود فرسه فازدحم جَهْجَاه وَسنَان بن وبر الْجُهَنِيّ حَلِيف بني عَوْف بن الْخَزْرَج على المَاء فاقتتلا فَصَرَخَ الْجُهَنِيّ يَا معشر الْأَنْصَار وصرخ جَهْجَاه يَا معشر الْمُهَاجِرين وأعان جهجاها الْغِفَارِيّ رجل من
[ ١ / ١٤١ ]
الْمُهَاجِرين يُقَال لَهُ جِعَال وَكَانَ فَقِيرا قَالَ السُّهيْلي مَاتَ جَهْجَاه بعد قتل عُثْمَان بالأكلة فِي ركبته الَّتِي كسر عَلَيْهَا عَصا رَسُول الله ﷺ الَّتِي كَانَ يخْطب بهَا وَكَانَ أَخذهَا من يَد عُثْمَان وَكسرهَا قَالَ ابْن إِسْحَاق فَغَضب عبد الله بن أبي ابْن سلول وَعِنْده رَهْط من قومه فيهم زيد ابْن أَرقم غُلَام حدث فَقَالَ افعلوها قد نافرونا وكاثرونا فِي بِلَادنَا وَالله مَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَانَ قَالَ الْقَائِل سمن كلبك يَأْكُلك أما وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل يَعْنِي بالأعز نَفسه وَبِالْأَذَلِّ من يجله عَن الْوَصْف بِهَذِهِ الصّفة ﷺ ثمَّ أقبل على من حَضَره من قومه وَقَالَ هَذَا مَا فَعلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُم بِلَادكُمْ وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالكُم أما وَالله لَو أَمْسَكْتُم عَن جِعَال وَذَوِيهِ فضل الطَّعَام لم يركبُوا رِقَابكُمْ ولتحولوا إِلَى غير بِلَادكُمْ فَلَا تنفقوا عَلَيْهِم حَتَّى يَنْفضوا من حول مُحَمَّد ﷺ
فَقَالَ زيد بن أَرقم أَنْت وَالله الذَّلِيل الْقَلِيل الْمُبْغض فِي قَوْمك وَمُحَمّد ﷺ فِي عز من الرَّحْمَن ومودة من الْمُسلمين
فَقَالَ عبد الله بن أبي اسْكُتْ إِنَّمَا كنت أَلعَب
فَمشى زيد بن أَرقم إِلَى رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ بعد فَرَاغه من الْغَزْو فَأخْبرهُ الْخَبَر وَعِنْده عمر بن الْخطاب فَقَالَ دَعْنِي أضْرب عُنُقه يَا رَسُول الله قَالَ فَكيف يَا عمر إِذا تحدث النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه وَلَكِن أذن بالرحيل فارتحل النَّاس
وَأرْسل رَسُول الله ﷺ إِلَى عبد الله بن أبي فَأَتَاهُ فَقَالَ أَنْت صَاحب هَذَا الْكَلَام الَّذِي بَلغنِي فَقَالَ عبد الله وَالَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مَا قلت شَيْئا
[ ١ / ١٤٢ ]
من ذَلِك وَإِن زيدا لَكَاذِب وَكَانَ عبد الله فِي قومه شريفا عَظِيما فَقَالَ من حضر من الْأَنْصَار من أَصْحَابه يَا رَسُول الله عَسى أَن يكون الْغُلَام أوهم فِي حَدِيثه وَلم يحفظ مَا قَالَه فعذره النَّبِي ﷺ
وفشت الْمَلَامَة فِي الْأَنْصَار لزيد وكذبوه وَقَالَ لَهُ عَمه وَكَانَ زيد مَعَه مَا أردْت إِلَى أَن كَذبك رَسُول الله ﷺ وَالنَّاس مقتوك وَكَانَ زيد يُسَايِر النَّبِي ﷺ فاستحيي بعد ذَلِك أَن يدنو من النَّبِي ﷺ فَلَمَّا اسْتَقل رَسُول الله ﷺ وَسَار لقِيه أسيد بن حضير فحياه بِتَحِيَّة النُّبُوَّة وَسلم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله لقد رحت فِي سَاعَة مُنكرَة مَا كنت تروح فِيهَا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أَو مَا بلغك مَا قَالَ صَاحبكُم عبد الله بن أبي قَالَ وَمَا قَالَ قَالَ زعم أَنه إِن رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة أخرج الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَقَالَ أسيد فَأَنت وَالله تخرجه إِن شِئْت هُوَ وَالله الذَّلِيل وَأَنت الْعَزِيز ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله ارْفُقْ بِهِ فوَاللَّه لقد جَاءَ الله بك وَإِن قومه لينظمون لَهُ الخرز ليتوجوه فَإِنَّهُ ليرى أَنَّك قد استلبته ملكا
وَبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي مَا كَانَ من أَمر أَبِيه فَأتى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّه بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عَنهُ فَإِن كنت فَاعِلا فمرني بِهِ فَأَنا أحمل إِلَيْك رَأسه فوَاللَّه لقد علمت الْخَزْرَج مَا كَانَ بهَا رجل أبر بِوَالِديهِ مني وَإِنِّي
[ ١ / ١٤٣ ]
أخْشَى أَن تَأمر بِهِ غَيْرِي فيقتله فَلَا تدعني نَفسِي أَن أنظر إِلَى قَاتل عبد الله بن أبي يمشي فِي النَّاس فأقتل مُؤمنا بِكَافِر فَأدْخل النَّار فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (بل ترفق بِهِ وتحسن صحبته مَا بَقِي مَعنا)
وَجعل بعد ذَلِك إِذا أحدث الْحَدث كَانَ قومه هم الَّذين يعاتبونه ويعنفونه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لعمر بن الْخطاب حِين بلغه ذَلِك من شَأْنهمْ (كَيفَ ترى يَا عمر لَو قتلته يَوْم قلت لي أَقتلهُ لأرعدت لَهُ أنف لَو أَمَرتهَا الْيَوْم بقتْله لقتلته) قَالَ قَالَ عمر قد وَالله علمت لأمر رَسُول الله ﷺ أعظم بركَة من أَمْرِي
فصل
قَالَ السُّهيْلي وروى الدَّارَقُطْنِيّ مُسْندًا أَن رَسُول الله ﷺ مر على جمَاعَة فيهم عبد الله بن أبي فَسلم عَلَيْهِم ثمَّ ولى فَقَالَ عبد الله لقد عتا ابْن أبي كَبْشَة فِي هَذِه الْبِلَاد فَسَمعَهَا ابْنه عبد الله فَاسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فِي أَن يَأْتِيهِ برأَ س أَبِيه قَالَ (لَا وَلَكِن بر
[ ١ / ١٤٤ ]
أَبَاك)
قَالَ السُّهيْلي فِي هَذَا علم عَظِيم وبرهان نير من أَعْلَام نبوته فَإِن الْعَرَب كَانَت أَشد خلق الله حمية وتعصبا فَبلغ الْإِيمَان مِنْهُم وَنور الْيَقِين من قُلُوبهم إِلَى أَن يرغب الرجل مِنْهُم فِي قتل أَبِيه وَولده تقربا إِلَى الله تَعَالَى وتزلفا إِلَيْهِ وَإِلَى رَسُول الله ﷺ مَعَ أَن الرَّسُول ﷺ أبعد النَّاس نسبا مِنْهُم وَمَا تَأَخّر إِسْلَام قومه وَبني عَمه وَسبق إِلَى الْإِيمَان بِهِ الأباعد إِلَّا لحكمة عَظِيمَة إِذْ لَو بَادر أَهله وأقربوه إِلَى الْإِيمَان بِهِ لقيل قوم أَرَادوا الْفَخر بِرَجُل مِنْهُم وتعصبوا لَهُ فَلَمَّا بَادر إِلَيْهِ الأباعد وقاتلوا على حبه من كَانَ مِنْهُم أَو من غَيرهم علم أَن ذَلِك على بَصِيرَة صَادِقَة ويقين قد تغلغل فِي قُلُوبهم وَرَهْبَة من الله ﷿ أزالت صفة قد كَانَت سدكت يَعْنِي لَزِمت فِي نُفُوسهم من أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة لَا يَسْتَطِيع إِزَالَتهَا إِلَّا الَّذِي خلقهمْ فَلذَلِك كَانَ أحدهم يقتل أَبَاهُ وأخاه وأقرباءه فِي حبه ﷺ
قَالَ الْبَغَوِيّ وَسَار رَسُول الله ﷺ يومهم ذَلِك حَتَّى أَمْسَى وليلتهم حَتَّى أصبح وَصدر يومهم حَتَّى آذتهم الشَّمْس ثمَّ نزل
[ ١ / ١٤٥ ]
بِالنَّاسِ فَلم يكن إِلَّا أَن وجدوا مس الأَرْض فوقعوا نياما وَإِنَّمَا فعل ذَلِك ليشغل النَّاس عَن الحَدِيث الَّذِي كَانَ بالْأَمْس من حَدِيث عبد الله بن أبي
فَلَمَّا وافى رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة قَالَ زيد بن أَرقم جَلَست فِي الْبَيْت لما بِي من الْهم وَالْحيَاء فَأنْزل الله تَعَالَى سُورَة الْمُنَافِقين فِي تَصْدِيق زيد وَتَكْذيب عبد الله
فَلَمَّا نزلت أَخذ رَسُول الله ﷺ بأذن زيد وَقَالَ يَا زيد إِن الله صدقك وأوفى بأذنك
وَكَانَ عبد الله بن أبي بِقرب الْمَدِينَة فَلَمَّا أَرَادَ أَن يدخلهَا جَاءَهُ ابْنه عبد الله بن عبد الله بن أبي حَتَّى أَنَاخَ على مجامع طَرِيق الْمَدِينَة فَلَمَّا جَاءَ عبد الله بن أبي قَالَ وَرَاءَك قَالَ مَا لَك وَيلك قَالَ لَا وَالله لَا تدْخلهَا أبدا إِلَّا بِإِذن رَسُول الله ﷺ ولتعلمن الْيَوْم من الْأَعَز من الْأَذَل فَشكى عبد الله إِلَى رَسُول الله ﷺ مَا صنع ابْنه فَأرْسل إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن خل عَنهُ حَتَّى يدْخل فَقَالَ أما إِذْ جَاءَ أَمر رَسُول الله ﷺ فَنعم فَدخل فَلم يلبث إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِل حَتَّى اشْتَكَى وَمَات
قَالَ فَلَمَّا نزلت الْآيَة وَبَان كذب عبد الله بن أبي قيل لَهُ يَا أَبَا حباب إِنَّه قد نزل فِيك آي شَدَّاد فَاذْهَبْ إِلَى رَسُول الله ﷺ يسْتَغْفر لَك فَلوى رَأسه ثمَّ قَالَ أَمرْتُمُونِي أَن أُؤْمِن فآمنت وَأَمَرْتُمُونِي أَن
[ ١ / ١٤٦ ]
أعطي زَكَاة مَالِي لمُحَمد فقد أَعْطَيْت فَمَا بَقِي إِلَّا أَن أَسجد لَهُ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا يسْتَغْفر لكم رَسُول الله لووا رؤوسهم﴾ الْآيَات
قَالَ ابْن عبد الْبر فَلَمَّا مَاتَ أَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ فَجَذَبَهُ عمر وَقَالَ أَلَيْسَ قد نهى الله ﷿ أَن تصلي على الْمُنَافِقين فَقَالَ ﷺ (أَنا بَين خيرتين) ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم﴾ فصلى عَلَيْهِ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ الْآيَة
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يثني على وَلَده عبد الله وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة
عده السُّهيْلي فِي كِتَابه ﷺ فِيمَا ذكره عَن ابْن شبة وَقَالَ ابْن مُنِير الْحلَبِي ذكره ابْن عبد الْبر وَابْن الْأَثِير وَأَبُو مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي فِي كِتَابه أَيْضا
[ ١ / ١٤٧ ]
٣٠ - عبد الله بن رَوَاحَة
ابْن ثَعْلَبَة بن امْرِئ الْقَيْس بن عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس الْأَكْبَر ابْن مَالك الْأَغَر بن ثَعْلَبَة بن كَعْب بن الْخَزْرَج بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ قَالَ السُّهيْلي الْخَزْرَج الرّيح الْبَارِدَة
يكنى أَبَا مُحَمَّد أحد النُّقَبَاء شهد الْعقبَة وبدرا وأحدا وَالْخَنْدَق وَالْحُدَيْبِيَة وَعمرَة الْقَضَاء والمشاهد كلهَا إِلَّا الْفَتْح وَمَا بعده لِأَنَّهُ قتل يَوْم مُؤْتَة شَهِيدا وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء فِيهَا وَأحد الشُّعَرَاء الْمُحْسِنِينَ الَّذين كَانُوا يردون الْأَذَى عَن رَسُول الله ﷺ
وَفِيه وَفِي صَاحِبيهِ حسان وَكَعب بن مَالك نزلت ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا﴾ الْآيَة
وَكَانَت غَزْوَة مُؤْتَة وَهِي من أَعمال الكرك الَّتِي اسْتشْهد فِيهَا عبد الله ابْن رَوَاحَة فِي جُمَادَى سنة ثَمَان بِأَرْض الشَّام
وروى عَنهُ من الصَّحَابَة ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة
وَكَانَ أول خَارج إِلَى الْغَزْو ودعا لَهُ الْمُسلمُونَ أَن يردهُ الله سالما فَقَالَ
(لكنني أسأَل الرَّحْمَن مغْفرَة وضربة ذَات فرغ تقذف الزبدا)
[ ١ / ١٤٨ ]
(أَو طعنة بيَدي حران مجهزة بِحَرْبَة تنفذ الأحشاء والكبدا)
(حَتَّى يُقَال إِذا مروا على جدثي يَا أرشد الله من غاز وَقد رشدا)
الطعنة الفرغاء الواسعة قَالَ الْجَوْهَرِي والحران العطشان وَهُوَ هُنَا المحزون على قتلاه
فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْقِتَال قَالَ
(يَا نفس إِن لم تقتلي تموتي هَذَا حمام الْمَوْت قد صليت)
(وَمَا تمنيت فقد أَعْطَيْت إِن تفعلي فعلهمَا هديت)
يَعْنِي صَاحِبيهِ زيدا وجعفرا
ثمَّ قَاتل حينا ثمَّ نزل فَأَتَاهُ ابْن عَم لَهُ بعرق من لحم فَقَالَ شدّ بِهَذَا ظهرك فانك قد لقِيت فِي أيامك هَذِه مَا لقِيت فَأَخذه من يَده فانتهش مِنْهُ نهشة ثمَّ سمع الحطمة فِي النَّاس فَقَالَ وَأَنت فِي الدُّنْيَا فَأَلْقَاهُ من يَده ثمَّ أَخذ سَيْفه فقاتل حَتَّى قتل ﵀
وَرُوِيَ هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه أَنه قَالَ مَا سَمِعت أحدا أجرأ وَلَا أسْرع شعرًا من عبد الله بن رَوَاحَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَهُ يَوْمًا (قل شعرًا تَقْتَضِيه السَّاعَة وَأَنا أنظر إِلَيْك) فانبعث مَكَانَهُ فَقَالَ
[ ١ / ١٤٩ ]
(إِنِّي تفرست فِيك الْخَيْر أعرفهُ وَالله يعلم أَن مَا خانني الْبَصَر)
(أَنْت النَّبِي وَمن يحرم شَفَاعَته يَوْم الْحساب لقد أزرى بِهِ الْقدر)
(فَثَبت الله مَا آتاك من حسن تثبيت مُوسَى ونصرا كَالَّذي نصروا)
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (وَأَنت فثبتك الله يَا ابْن رَوَاحَة) قَالَ هِشَام بن عُرْوَة فثبته الله أحسن الثَّبَات قتل شَهِيدا وَفتحت لَهُ الْجنَّة فَدَخلَهَا
وَفِي رِوَايَة ابْن هِشَام
(إِنِّي تفرست فِيك الْخَيْر نَافِلَة فراسة خَالَفت فِيك الَّذِي نظرُوا)
(أَنْت النَّبِي وَمن يحرم نوافله وَالْوَجْه مِنْهُ فقد أزرى بِهِ الْقدر)
وقصته مَعَ زَوجته حِين وَقع على أمته مَشْهُورَة رويناها من وُجُوه صِحَاح وَذَلِكَ أَنه مَشى لَيْلَة إِلَى أمة لَهُ فنال مِنْهَا وفطنت لَهُ امْرَأَته فَلَامَتْهُ فجحدها وَكَانَت قد رَأَتْ جمَاعَة لَهَا فَقَالَت لَهُ إِن كنت صَادِقا فاقرأ الْقُرْآن فَقَالَ
[ ١ / ١٥٠ ]
(شهِدت بِأَن وعد الله حق وَأَن النَّار مثوى الكافرينا)
(وَأَن الْعَرْش فَوق المَاء حق وَفَوق الْعَرْش رب الْعَالمين)
(وتحمله مَلَائِكَة غِلَاظ مَلَائِكَة الْإِلَه مسومينا)
فَقَالَت امْرَأَته صدقت وَالله وكذبت عينهَا وَكَانَت لَا تحفظ الْقُرْآن وَلَا تَقْرَأهُ
قَالَ ابْن عبد الْبر وروينا من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء قَالَ لقد رَأَيْتنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره فِي الْيَوْم الْحَار الشَّديد الْحر حَتَّى أَن الرجل ليضع من شدَّة الحريده على رَأسه وَمَا فِي الْقَوْم صَائِم إِلَّا رَسُول الله ﷺ وَعبد الله بن رَوَاحَة ﵁
قَالَ السُّهيْلي وَذكره عمر بن شبة فِي كتاب الْكتاب لَهُ قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي وَذكره ابْن عبد الْبر وَابْن الْأَثِير
٣١ - عبد الله بن سعد بن أبي سرح
ابْن الْحَارِث بن حبيب بن جذيمة بن مَالك بن حسل بن عَامر بن لؤَي الْقرشِي العامري يكنى أَبَا يحيى قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي نسبه حبيب بِالتَّشْدِيدِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ حبيب بن جذيمة بِالتَّخْفِيفِ
أسلم قبل الْفَتْح وَهَاجَر وَكَانَ يكْتب الْوَحْي
قَالَ غَيره وَهُوَ أول من كتب لرَسُول الله ﷺ من قُرَيْش
قَالَ ثمَّ ارْتَدَّ وَرجع إِلَى مَكَّة وَقَالَ
[ ١ / ١٥١ ]
إِنِّي كنت أصرف مُحَمَّدًا ﷺ حَيْثُ أُرِيد كَانَ يملي عَليّ عَزِيز حَكِيم فَأَقُول أَو عليم حَكِيم فَيَقُول (كل صَوَاب)
قَالَ وَفِيه نزل قَوْله تَعَالَى وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ وَلم يُوح إِلَيْهِ شَيْء
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح أَمر رَسُول الله ﷺ بقتْله وَلَو وجد تَحت أَسْتَار الْكَعْبَة ففر إِلَى عُثْمَان وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة أَرْضَعَتْه أم عُثْمَان فغيبه حَتَّى أَتَى بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ بَعْدَمَا اطْمَأَن أهل مَكَّة فاستأمنه لَهُ فَصمت رَسُول الله ﷺ طَويلا ثمَّ قَالَ (نعم) فَلَمَّا انْصَرف عُثْمَان قَالَ رَسُول الله ﷺ لمن حوله (مَا صمت إِلَّا ليقوم إِلَيْهِ بَعْضكُم فَيضْرب عُنُقه) فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار فَهَلا أَوْمَأت إِلَيّ فَقَالَ إِن النَّبِي لَا يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين
وَأسلم عبد الله فَحسن إِسْلَامه وَلم يظْهر مِنْهُ شَيْء يُنكر عَلَيْهِ بعد ذَلِك
وَهُوَ أحد النجباء الْعُقَلَاء الكرماء من قُرَيْش ثمَّ ولاه عُثْمَان مصر فِي خِلَافَته وَفتح على يَدَيْهِ إفريقية
وَكَانَ فَارس بني عَامر بن لؤَي الْمَعْدُود فيهم وَكَانَ صَاحب ميمنة عَمْرو بن الْعَاصِ فِي افتتاحه مصر وَفِي حروبه كلهَا وَلما ولاه عُثْمَان مصر وعزل عَمْرو بن الْعَاصِ غزا أَرض النّوبَة وهادنهم الْهُدْنَة الْبَاقِيَة إِلَى الْيَوْم وغزا الصواري من أَرض الرّوم سنة أَربع وَثَلَاثِينَ
ثمَّ قدم على عُثْمَان واستخلف على مصر السَّائِب بن هِشَام العامري فانتزى مُحَمَّد ابْن أبي حُذَيْفَة بن عتبَة بن ربيعَة فَخلع السَّائِب وتأمر على مصر وَرجع ابْن أبي سرح من الْمَدِينَة فَمَنعه مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة من
[ ١ / ١٥٢ ]
دُخُول مصر فَمضى إِلَى عسقلان فَأَقَامَ بهَا حَتَّى قتل عُثْمَان وَقيل بل أَقَامَ بالرملة حَتَّى مَاتَ فَارًّا من الْفِتْنَة ودعا ربه أَن يَجْعَل خَاتِمَة عمله صَلَاة الصُّبْح فَتَوَضَّأ ثمَّ صلى فَلَمَّا سلم عَن يَمِينه ذهب يسلم عَن يسَاره فَقبض الله روحه ذكر ذَلِك كُله يزِيد بن أبي حبيب قَالَه ابْن عبد الْبر وَذَلِكَ سنة سِتّ أَو سبع وَثَلَاثِينَ وَلم يُبَايع لعَلي بن أبي طَالب وَلَا لمعاوية وَكَانَت وَفَاته قبل اجْتِمَاع النَّاس على مُعَاوِيَة
وَقيل توفّي بافريقية وَالْأول أصح
قَالَ السُّهيْلي ذكره ابْن شبة فِي كِتَابه ﷺ
٣٢ - أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد
ابْن هِلَال بن عبد الله ابْن عمر بن مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي الْقرشِي زوج أم سَلمَة أمه برة بنت عبد الْمطلب بن هَاشم
أسلم بعد عشرَة أنفس وَهَاجَر مَعَ زَوجته أم سَلمَة إِلَى الْحَبَشَة وَهُوَ أول من هَاجر إِلَيْهَا ثمَّ شهد بَدْرًا وَكَانَ أَخا رَسُول الله ﷺ من الرضَاعَة وأخا حَمْزَة أَرْضَعَتْه ثويبة مولاة أبي لَهب أرضعت حَمْزَة ثمَّ رَسُول الله ﷺ ثمَّ أَبَا سَلمَة
واستخلفه رَسُول الله ﷺ على الْمَدِينَة حِين خرج إِلَى غَزْوَة الْعَشِيرَة ذكر القَاضِي عِيَاض فِي الْعَشِيرَة أقوالا للرواة وَالَّذِي رَجحه أَنَّهَا بِضَم الْعين وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَوضِع من أَرض بني مُدْلِج وَهَكَذَا ذكره الْبكْرِيّ
[ ١ / ١٥٣ ]
وَضَبطه فِي المعجم وَكَانَت غَزْوَة الْعَشِيرَة فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة
قَالَ ابْن عبد الْبر هَاجر أَبُو سَلمَة الهجرتين وجرح يَوْم أحد جرحا اندمل ثمَّ انتفض فَمَاتَ مِنْهُ وَذَلِكَ لثلاث مضين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة
وَهُوَ مِمَّن غلبت عَلَيْهِ كنيته وَكَانَ قَالَ عِنْد وَفَاته اللَّهُمَّ اخلفني فِي أَهلِي بِخَير فخلفه رَسُول الله ﷺ على زَوجته فَصَارَت أما للْمُؤْمِنين وَصَارَ رَسُول الله ﷺ ربيب بنيه عمر وَسَلَمَة وَزَيْنَب
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي وَذكر أَبُو مُحَمَّد الدمياطي فِي كِتَابه أَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد وَفِي الأَصْل عبد الْأَشْهَل ذكره ابْن مسكويه
فصل فِي هجرته إِلَى الْمَدِينَة
قَالَ ابْن إِسْحَاق فَحَدثني أبي إِسْحَاق بن يسَار عَن سَلمَة بن عبد الله بن عمر بن أبي سَلمَة عَن جدته أم سَلمَة ﵂ زوج النَّبِي ﷺ قَالَت لما أجمع أَبُو سَلمَة على الْخُرُوج إِلَى الْمَدِينَة رَحل لي بعيره ثمَّ حَملَنِي عَلَيْهِ وَحمل معي ابْني سَلمَة بن أبي سَلمَة فِي حجري ثمَّ خرج بِي يَقُود بعيره
فَلَمَّا رَأَتْهُ رجال بني
[ ١ / ١٥٤ ]
الْمُغيرَة ابْن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم قَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا هَذِه نَفسك غلبتنا عَلَيْهَا رَأَيْت صاحبتنا هَذِه علام نَتْرُكك تسير بهَا فِي الْبِلَاد قَالَت فنزعوا خطام الْبَعِير من يَده فأخذوني مِنْهُ
قَالَت وَغَضب عِنْد ذَلِك بَنو عبد الْأسد رَهْط أبي سَلمَة فَقَالُوا لَا وَالله لَا نَتْرُك ابننا عِنْدهَا إِذْ نزعتموها من صاحبنا
قَالَت فتجاذبوا ببني سَلمَة بَينهم حَتَّى خلعوا يَده وَانْطَلق بِهِ بَنو عبد الْأسد وحبسني بَنو الْمُغيرَة عِنْدهم وَانْطَلق زَوجي أَبُو سَلمَة إِلَى الْمَدِينَة
قَالَت فَفرق بيني وَبَين زَوجي وَبَين ابْني
قَالَت فَكنت أخرج كل غَدَاة فأجلس بِالْأَبْطح فَلَا أَزَال أبْكِي حَتَّى أَمْسَى سنة أَو قَرِيبا مِنْهَا حَتَّى مر بِي رجل من بني عمي أحد بني الْمُغيرَة فَرَأى مَا بِي فرحمني فَقَالَ لبني الْمُغيرَة أَلا تحرجون من هَذِه المسكينة فرقتم بَينهَا وَبَين زَوجهَا وَبَين وَلَدهَا قَالَت فَقَالُوا لي الحقي بزوجك إِن شِئْت قَالَت ورد بَنو عبد الْأسد عِنْد ذَلِك ابْني
قَالَت فارتحلت بَعِيري ثمَّ أخذت ابْني فَوَضَعته فِي حجري ثمَّ خرجت أُرِيد زَوجي بِالْمَدِينَةِ قَالَت وَمَا معي أحد من خلق الله
قَالَت قلت أتبلغ بِمن لقِيت حَتَّى أقدم على زَوجي حَتَّى إِذا كنت بِالتَّنْعِيمِ لقِيت عُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة أَخا بني عبد الدَّار فَقَالَ أَيْن يَا ابْنة أبي أُميَّة وَقَالَت قلت أُرِيد زَوجي بِالْمَدِينَةِ
قَالَ أَو مَا مَعَك أحد قَالَت قلت لَا وَالله إِلَّا الله وَبني هَذَا
قَالَ وَالله مَا لَك من مترك فَأخذ بِخِطَام الْبَعِير وَانْطَلق معي يهوي
[ ١ / ١٥٥ ]
بِي فوَاللَّه مَا صَحِبت رجلا من الْعَرَب قطّ أرى أَنه أكْرم مِنْهُ كَانَ إِذا بلغ الْمنزل أَنَاخَ بِي ثمَّ اسْتَأْخَرَ عني حَتَّى إِذا نزلت اسْتَأْخَرَ ببعيري فحط عَنهُ ثمَّ قَيده فِي الشَّجَرَة ثمَّ تنحى إِلَى شَجَرَة فاضطجع تحتهَا
فَإِذا دنا الرواح قَامَ إِلَى بَعِيري فقدمه فرحله ثمَّ اسْتَأْخَرَ عني وَقَالَ ارْكَبِي فَإِذا ركبت فاستويت على بَعِيري أَتَى فَأخذ بخطامه فقادني حَتَّى ينزل بِي
فَلم يزل يصنع ذَلِك بِي حَتَّى أقدمني الْمَدِينَة فَلَمَّا نظر إِلَى قَرْيَة بني عَمْرو بن عَوْف بقباء قَالَ زَوجك فِي هَذِه الْقرْيَة وَكَانَ أَبُو سَلمَة بهَا نازلا فادخليها على بركَة الله ثمَّ انْصَرف رَاجعا إِلَى مَكَّة
قَالَ فَكَانَت تَقول مَا أعلم أهل بَيت فِي الْإِسْلَام أَصَابَهُم مَا أصَاب آل أبي سَلمَة وَمَا رَأَيْت صاحبا قطّ كَانَ أكْرم من عُثْمَان بن طَلْحَة ﵃ أَجْمَعِينَ وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
٣٣ - عبد الله بن زيد
ابْن عبد ربه بن زيد من بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ الخزرجي الْحَارِثِيّ من بلحارث بن الْخَزْرَج هَذَا هُوَ الصَّحِيح من
[ ١ / ١٥٦ ]
نسبه وَقيل غير ذَلِك قَالَه ابْن عبر الْبر
شهد الْعقبَة وبدرا وَسَائِر الْمشَاهد مَعَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الَّذِي أرِي الْأَذَان فِي النّوم فَأمر بِهِ رَسُول الله ﷺ بِلَالًا على مَا رَوَاهُ عبد الله بن زيد هَذَا وَكَانَت رُؤْيَاهُ فِي سنة إِحْدَى بعد بِنَاء رَسُول الله ﷺ مَسْجده
يكنى أَبَا مُحَمَّد وَكَانَت مَعَه راية بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج يَوْم الْفَتْح
توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْن أَربع وَسِتِّينَ وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان ﵄ قَالَه ابْن عبد الْبر أَيْضا
قَالَ عبد الْكَرِيم بن مُنِير الْحلَبِي وَذكر ابْن عَسَاكِر وَمُحَمّد بن سعد فِي طبقاته أَنه كتب لرَسُول الله ﷺ كتابا إِلَى من أسلم من حدس من لخم
٣٤ - عَمْرو بن العَاصِي
يجوز فِي العَاصِي إِثْبَات الْيَاء وحذفها قَالَه القَاضِي عِيَاض بن وَائِل بن هَاشم بن سعيد بن سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي السَّهْمِي يكنى أَبَا عبد الله وَيُقَال أَبُو مُحَمَّد
وَأمه النَّابِغَة قَالَه ابْن عبد الْبر
[ ١ / ١٥٧ ]
قَالَ وَذكر أَنه جعل لرجل ألف دِرْهَم على أَن يسْأَل عَمْرو بن العَاصِي عَن أمه وَهُوَ على الْمِنْبَر فَسَأَلَهُ فَقَالَ أُمِّي سلمى بنت حَرْمَلَة تلقب النَّابِغَة من بني عنزة أصابتها رماح الْعَرَب فبيعت بعكاظ فاشتراها الْفَاكِه بن الْمُغيرَة ثمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ عبد الله بن جدعَان ثمَّ صَارَت إِلَى الْعَاصِ بن وَائِل فَولدت فأنجبت فَإِن كَانَ جعل لَك شَيْء فَخذه
يَأْتِي خبر إِسْلَامه ووفاته وسنه عِنْد ذكر النَّجَاشِيّ
قَالَ ابْن عبد الْبر ولاه رَسُول الله ﷺ على عمان وَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن قبض رَسُول الله ﷺ وَعمل لعمر وَعُثْمَان وَمُعَاوِيَة وَبَعثه عمر بن الْخطاب ﵁ فِي جَيش إِلَى مصر فَفَتحهَا وولاه عَلَيْهَا وَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن مَاتَ عمر ﵁
وَكَانَ السَّبَب فِي دُخُول عَمْرو بن الْعَاصِ مصر على مَا ذكره ابْن عبد الحكم فِي فتوح مصر أَن عمرا قدم إِلَى بَيت الْمُقَدّس فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْبعْثَة لتِجَارَة فِي نفر من قُرَيْش فَإِذا هم بشماس من شمامسة الرّوم من أهل الْإسْكَنْدَريَّة قدم للصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس
فَخرج فِي بعض جبالها يسيح وَكَانَ عَمْرو يرْعَى إبِله وإبل أَصْحَابه وَكَانَت رعية الْإِبِل نوبا بَينهم فَبَيْنَمَا عَمْرو يرْعَى إبِله إِذْ مر
[ ١ / ١٥٨ ]
بِهِ ذَلِك الشماس وَقد أَصَابَهُ عَطش شَدِيد فِي يَوْم شَدِيد الْحر فَوقف على عَمْرو واستسقاه فَسَقَاهُ عَمْرو من قربَة لَهُ فَشرب حَتَّى رُوِيَ ونام الشماس مَكَانَهُ وَكَانَت إِلَى جنب الشماس حَيْثُ نَام حُفْرَة فَخرجت مِنْهَا حَيَّة عَظِيمَة فَبَصر بهَا عَمْرو فَنزع لَهَا بِسَهْم فَقَتلهَا فَاسْتَيْقَظَ الشماس وَنظر إِلَى الْحَيَّة فَقَالَ مَا هَذِه فَأخْبرهُ عَمْرو خَبَرهَا فَأقبل إِلَى عَمْرو وَقبل رَأسه وَقَالَ قد أحياني الله بك مرَّتَيْنِ فَمَا أقدمك هَذِه الْبِلَاد فَقَالَ قدمت فِي تِجَارَة قَالَ وَكم تراك ترجو أَن تصيب قَالَ رجائي أَن أُصِيب مَا أَشْتَرِي بِهِ بَعِيرًا فَقَالَ لَهُ الشماس كم الدِّيَة عنْدكُمْ قَالَ مائَة من الْإِبِل قَالَ الشماس لسنا أَصْحَاب إبل نَحن أَصْحَاب دَنَانِير قَالَ يكون ألف دِينَار قَالَ فَهَل لَك أَن تتبعني إِلَى بلادي وَلَك عهد الله وميثاقه أَن أُعْطِيك ديتين قَالَ فَانْطَلق عَمْرو مَعَه إِلَى مصر حَتَّى انْتهى إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فرآها عَمْرو فَأَعْجَبتهُ وَوَافَقَ ذَلِك عيدا لَهُم يجْتَمع فِيهِ أَشْرَافهم وملوكهم وَلَهُم أكرة من ذهب مكللة
[ ١ / ١٥٩ ]
يترامون بهَا ويتلقونها بأكمامهم فَمن وَقعت فِي كمه واستقرت فَلم يمت حَتَّى يملكهم
فَلَمَّا قدم عَمْرو أكْرمه الشماس وكساه ثوب ديباج وَجلسَ عَمْرو والشماس مَعَ النَّاس فِي ذَلِك الْمجْلس حَيْثُ يترامون بالأكرة ويتلقونها بأكمامهم فَرمي بهَا رجل مِنْهُم فَأَقْبَلت تهوي حَتَّى وَقعت فِي كم عَمْرو فعجبو من ذَلِك وَقَالُوا مَا كذبتنا هَذِه الأكرة قطّ إِلَّا هَذِه الْمرة أَتَرَى هَذَا الْأَعرَابِي يملكنا هَذَا مَا لَا يكون أبدا
وَدفع الشماس المَال إِلَى عَمْرو ووفى لَهُ فبذلك عرف عَمْرو مدْخل مصر ومخرجها وَرغب عمر بن الْخطاب فِي فتحهَا فَفَتحهَا وَصَارَ ملكهَا
وروى ابْن ظفر فِي انباء نجباء الْأَبْنَاء أَن الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي قَالَ وَهُوَ يرقص وَلَده عمرا
(ظَنِّي بِعَمْرو أَن يفوق حلما وينشق الْخصم الألد رغما)
(وَأَن يسود جمحا وَسَهْما وَأَن يَقُود الْجَيْش مجرا دهما)
(يلهم أحشاد الأعادي لَهما )
تَفْسِير
قَوْله ينشق الْخصم النشق أَن يصب الدَّوَاء وَغَيره فِي الْأنف
[ ١ / ١٦٠ ]
وَذَلِكَ المصوب فِيهِ هُوَ النشوق بِفَتْح النُّون فَإِن صب الدَّوَاء وَغَيره فِي الْحلق فَهُوَ الوجور فَإِن صب فِي أحد جَانِبي الْفَم فَهُوَ اللدود
قَوْله مجرا دهما المجر هُوَ الْعَظِيم والدهم هُوَ الْكثير وَهُوَ أَيْضا الَّذِي يبغت وَمَا بغتك من شَيْء فقد دهمك وَيُقَال جَيش دهم وَعدد دهم أَي كثير وَقَوله يلهم أَي يبتلع فالالتهام الابتلاع بِكَثْرَة
وَقَوله أحشاد جمع حشد وهم المحشودون تَقول حشدت الْقَوْم أحشدهم حشدا وهم حشد بِفَتْح الشين
قَالَ وَبَلغنِي أَن أم عَمْرو وَهِي النَّابِغَة ضربت يَوْمًا وَلَدهَا عمرا وَهُوَ صَغِير جدا عِنْدَمَا دب فَقَالَ لَهَا ستعلمين ثمَّ ذهب إِلَى أَبِيه وَهُوَ فِي نَادِي قومه فَجَلَسَ فِي حجره وبال عَلَيْهِ وَكَانَ أَبوهُ قاذورة متقززا فِي خلقه عسر فتأفف مِنْهُ وَأَرَادَ ضربه فَمَنعه قومه وَقَالُوا هَذَا طِفْل لَا يعقل فَنَهَضَ مغضبا فَدخل على النَّابِغَة فأوجعها ضربا وَأقسم لَهَا بِمَا يعظمه لَئِن بعثت إِلَيْهِ بِهِ وَهُوَ فِي نَادِي قومه ليعودن لَهَا بأشد مِمَّا بَدَأَ
وَلما خرج من عِنْدهَا قَالَ لَهَا عَمْرو ألم أقل لَك فصكت وَجههَا وَنَادَتْ بِالْوَيْلِ فَرجع الْعَاصِ إِلَيْهَا وَتَنَاول السَّوْط فَقَالَت مهلا حَتَّى أخْبرك وحدثته فَقَالَ والكعبة إِنَّه لذُو دهاء فاحذريه
فَكَانَت
[ ١ / ١٦١ ]
تحذره مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ نقمت عَلَيْهِ أمرا فضربته ورصدته فَلم يجد محيصا عَنْهَا سَحَابَة يَوْمه ذَلِك فَلَمَّا كَانَ من الْغَد املس مِنْهَا فَذهب إِلَى أَبِيه وَهُوَ فِي الْحجر مَعَ سادة قُرَيْش فَلَمَّا رَآهُ انتهره فَقَالَ عَمْرو إِن أُمِّي تدعوك فَقَالَ كذبت وجهجه با فَذهب ثمَّ عَاد وَفِي يَده نقبة خلق وضرة كَانَت أمه تمهن فِيهَا وَقصد وَالِده من قبل ظَهره فَلم يشْعر بِهِ حَتَّى قَامَ على الْقَوْم فنشر النقبة وَقَالَ لِأَبِيهِ قَالَت لَك أُمِّي تعال وَهَذِه النقبة أَمارَة فَرمى الْقَوْم النقبة بِأَبْصَارِهِمْ وَكَانَ الْعَاصِ بن وَائِل يتَمَيَّز غَضبا فَتَنَاول من وَلَده النقبة واحتضنه فَأتى بِهِ منزله وأنحى على الْمَرْأَة ضربا وَجعلت تسترفقه وتستنصته وَقد أَخذ الْغَضَب ببصره وسَمعه حَتَّى إِذا أثخنها ضربا وَسكن غَضَبه جلس وَقد خامره النَّدَم على مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْهَا فَقَالَت وَالله مَالِي من ذَنْب إِلَيْك وَمَا أحسبني دهيت إِلَّا من قبل ولدك فَإِنِّي ضَربته أمس قَالَ وَيحك ألم تنفذيه إِلَى بالنقبة أَمارَة قَالَت مَا فعلت فَقَالَ لِابْنِهِ ألم تقل ذَاك قَالَ إِنَّهَا ضربتني فَقَالَ أشهد أَنَّك أدهى الْعَرَب ثمَّ قَالَ لأمه لَا تعرضي لَهُ بعد
تَفْسِير
قَوْله نَادِي قومه النادي اسْم للمجلس مَا دَامَ المتجالسون بِهِ
وَقَوله قاذورة هُوَ المتقزز
وَقَوله فتأفف أَي قَالَ أُفٍّ أُفٍّ
[ ١ / ١٦٢ ]
وَقَوله سَحَابَة يَوْمه أَي جَمِيع يَوْمه هَذَا كَلَام الْعَرَب
وَقَوله جهجه بِهِ أَي نفره وشرده وَمنعه الِاسْتِقْرَار والجهجهة فِي الأَصْل حِكَايَة قَول الْقَائِل جه جه
وَقَوله املس مِنْهَا أَي ذهب وَلم تشعر بِهِ
وَقَوله النقبة هِيَ المئزر يخاط طرفاه فيؤتزر بِهِ فَهُوَ كالسراويل بِغَيْر نيفق وَلَا ساقين محجوزين
وَقَوله وضرة الوضر وسخ الدّهن وَمَا ضاهاه
وَقَوله تمهن أَي تخْدم والمهنة الْخدمَة وَمِنْه فِيمَا ذكر من حسن خلقه ﷺ وتواضعه إِنَّه كَانَ فِي الْبَيْت يخْدم فِي مهنة أَهله وَيقطع مَعَهم اللَّحْم
وَقَوله تميز غَضبا تميز تقطع قَالَه الْجَوْهَرِي
وأنحى يَعْنِي مَال وَاعْتمد يضْربهَا
قَالَ السُّهيْلي ذكره ابْن شبة فِي كتاب الْكتاب لَهُ وَذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَات
٣٥ - الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ
وَاسم الْحَضْرَمِيّ عبد الله بن عماد وَيُقَال ابْن ضمار بن أكبر بن ربيعَة بن مَالك بن أكبر بن عويف بن مَالك بن الْخَزْرَج بن أبي الصدف من حَضرمَوْت حَلِيف بني أُميَّة
ولاه النَّبِي ﷺ الْبَحْرين وَكَانَ بَعثه إِلَى الْمُنْذر بن سَاوَى ملك الْبَحْرين فَفَتحهَا فولاه عَلَيْهَا قَالَه ابْن عبد الْبر وَيَأْتِي ذكره مَعَ رسله ﷺ فِيمَا يَأْتِي من كتَابنَا هَذَا
[ ١ / ١٦٣ ]
قَالَ وَأقرهُ أَبُو بكر على ولَايَته ثمَّ عمر ثمَّ ولاه عمر الْبَصْرَة فَمَاتَ قبل أَن يصل إِلَيْهَا بِمَاء من مياه بني تَمِيم سنة أَربع عشرَة
وَهُوَ أول من بنى مَسْجِدا فِي أَرض الْكفْر وَأول من ضرب الْجِزْيَة على الْكفَّار وَأول من نقش خَاتم الْخلَافَة
وَأَخُوهُ عَامر قتل يَوْم بدر كَافِرًا وأخوهما عَمْرو أول قَتِيل من الْمُشْركين قَتله مُسلم وَكَانَ مَاله أول مَال خمس قتل يَوْم نَخْلَة وأختهم الصعبة كَانَت تَحت أبي سُفْيَان بن حَرْب فَطلقهَا فخلف عَلَيْهَا عبيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ فَولدت لَهُ طَلْحَة بن عبيد الله
وَكَانَ الْعَلَاء ﵁ مجاب الدعْوَة وَأَخُوهُ مَيْمُون حفر بِئْرا فِي الْجَاهِلِيَّة بِأَعْلَى مَكَّة مَعْرُوفَة وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
٣٦ - الْعَلَاء ابْن عقبَة
قَالَ ابْن عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَذكر أَبُو الْحسن بن الْأَثِير فِي تَرْجَمَة الْعَلَاء بن عقبَة إِنَّه كتب للنَّبِي ﷺ أورد ذكره فِي حَدِيث عَمْرو بن حزم وَقَالَ ذكره جَعْفَر أخرجه أَبُو مُوسَى
وَلم يذكرهُ ابْن الْأَثِير فِي كِتَابه الَّذين أوردهم فِي تَرْجَمَة أبي بن كَعْب وعددهم
وَذكره ابْن عَسَاكِر
قلت وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي أَسمَاء الصَّحَابَة فِي بَابه وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
[ ١ / ١٦٤ ]
٣٧ - عبد الْعُزَّى بن خطل
وَقيل اسْمه هِلَال
أسلم وَبَعثه النَّبِي ﷺ مُصدقا وَبعث مَعَه رجلا من الْأَنْصَار وَكَانَ مَعَه مولى لَهُ يَخْدمه مُسلما فَنزل منزلا وَأمر الْمولى أَن يذبح لَهُ تَيْسًا فيصنع لَهُ طَعَاما فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ ابْن خطل وَلم يصنع لَهُ شَيْئا فَعدا عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ ارْتَدَّ مُشْركًا
وَكَانَ يكْتب قُدَّام النَّبِي ﷺ فَكَانَ إِذا نزل ﴿غَفُور رَحِيم﴾ كتب رَحِيم غَفُور وَإِذا نزل ﴿سميع عليم﴾ كتب عليم سميع فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ ذَات (يَوْم اعْرِض عَليّ مَا كنت أملي عَلَيْك) فَلَمَّا عرضه عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (كَذَا أمليت عَلَيْك غَفُور رَحِيم وَرَحِيم غَفُور وَاحِد وَسميع عليم وَعَلِيم سميع وَاحِد قَالَ فَقَالَ ابْن خطل إِن كَانَ مُحَمَّد مَا كنت أكتب لَهُ إِلَّا مَا أُرِيد ثمَّ كفر وَلحق بِمَكَّة فَقَالَ النَّبِي ﷺ (من قتل ابْن خطل فَهُوَ فِي الْجنَّة) فَقتل يَوْم فتح مَكَّة وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة قَالَه عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ
قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَت لَهُ قينتان تُغنيَانِ بِهِجَاء رَسُول الله ﷺ فرتني وَقَرِيبَة فَأمر رَسُول الله ﷺ بِقَتْلِهِمَا مَعَه
قَالَ الْحَاكِم قتلت إِحْدَاهمَا وكتمت الْأُخْرَى حَتَّى استؤمن لَهَا رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ١٦٥ ]
وَقيل قَتله سعد بن حُرَيْث المَخْزُومِي وَأَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ وَهُوَ آخذ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَقيل بَين الْمقَام وزمزم
٣٨ - عقبَة
قَالَ مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَات قَالُوا وَكتب رَسُول الله ﷺ لعوسجة بن حَرْمَلَة الْجُهَنِيّ وَيَأْتِي ذكر الْكتاب فِي تراجم الْمُلُوك وَقَالَ فِي آخِره وَكتب عقبَة وَشهد
هَكَذَا ذكر ابْن سعد وَلم يرفع لَهُ نسبا
وَذكر ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة من اسْمه عقبَة نَحْو الثَّمَانِية عشر وَلم يذكر فيهم كَاتبا وَلَا مَا يدل على ذَلِك وَلَا أَدْرِي أَيهمْ هُوَ وَالله أعلم وَقد نبهت عَلَيْهِ عِنْد ذكر شُجَاع بن وهب الرَّسُول وأخيه عقبَة بن وهب فَلَعَلَّهُ أَن يكون هُوَ وَالله أعلم
٣٩ - مُحَمَّد بن مسلمة
ابْن سَلمَة بن خَالِد بن عدي بن مجدعة بن حَارِثَة بن
[ ١ / ١٦٦ ]
الْحَارِث بن الْخَزْرَج بن عَمْرو بن مَالك بن الْأَوْس حَلِيف لبني الْأَشْهَل الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن وَقيل أَبَا عبد الله
شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا وَكَانَت وَفَاته فِي صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَقيل سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَهُوَ ابْن سبع وَسبعين سنة
كَانَ أسمر شَدِيد السمرَة طَويلا أصلع ذَا جثة وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَهُوَ أحد الَّذين قتلوا كَعْب بن الْأَشْرَف الْيَهُودِيّ بِأَمْر رَسُول الله ﷺ اسْتَخْلَفَهُ رَسُول الله ﷺ على الْمَدِينَة فِي بعض غَزَوَاته
وَلم يشْهد الْجمل وَلَا صفّين وَاعْتَزل الْفِتْنَة وَاتخذ سَيْفا من خشب وَجعله فِي جفن وَذكر أَن رَسُول الله ﷺ أمره بذلك قَالَه ابْن عبد الْبر وَذكره فِي كِتَابه ﷺ فِي تَرْجَمَة أبي بن كَعْب
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي وَذكره أَيْضا فِي كِتَابه ابْن عَسَاكِر وَابْن الْأَثِير
٤٠ - مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان صَخْر
رفعنَا نسبه عِنْد ذكر أَبِيه يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن
قَالَ ابْن عبد الْبر كَانَ هُوَ وَأَبوهُ وَأَخُوهُ من مسلمة الْفَتْح
وَقد رُوِيَ عَن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ أسلمت يَوْم الْقَضِيَّة وَلَقِيت النَّبِي ﷺ مُسلما
وَهُوَ أحد الَّذين كتبُوا لرَسُول الله ﷺ
[ ١ / ١٦٧ ]
قَالَ عبد الْكَرِيم وَرُوِيَ بِسَنَدِهِ إِلَى عَليّ ﵁ أَنه قَالَ لما قتل ابْن خطل يَوْم الْفَتْح وَكَانَ كتب لرَسُول الله ﷺ ثمَّ ارْتَدَّ فَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يسْتَكْتب مُعَاوِيَة فكره أَن يَأْتِي مَا أَتَى ابْن خطل فَاسْتَشَارَ جِبْرِيل عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ اسْتَكْتَبَهُ فَإِنَّهُ أَمِين ذكر ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات هُوَ وَحَدِيث ابْن خطل الْمَذْكُور فِي تَرْجَمته من حرف الْعين وَقَالَ فِيهِ أَصْرَم بن حَوْشَب عَن أبي سِنَان
قَالَ ابْن عبد الْبر قَالَ عمر ﵁ لما دخل الشَّام وَرَأى مُعَاوِيَة هَذَا كسْرَى الْعَرَب وَكَانَ عمر ولاه الشَّام بعد موت أَخِيه يزِيد فَلَمَّا تَلقاهُ فِي موكب عَظِيم قَالَ لَهُ أَنْت صَاحب الموكب الْعَظِيم قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ مَعَ مَا يبلغنِي من وقُوف ذَوي الْحَاجَات ببابك قَالَ مَعَ مَا يبلغك من ذَلِك قَالَ وَلم تفعل هَذَا قَالَ نَحن بِأَرْض جواسيس الْعَدو بهَا كَثِيرَة فَنحب أَن نظهر من عز السُّلْطَان مَا نرهبهم بِهِ فان أَمرتنِي فعلت وَإِن نهيتني انْتَهَيْت فَقَالَ عمر ﵁ لَئِن كَانَ مَا قلت حَقًا إِنَّه لرأي أريب وَإِن كَانَ بَاطِلا إِنَّه لخدعة أديب قَالَ فمرني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا آمُرك وَلَا أَنهَاك فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا
[ ١ / ١٦٨ ]
أحسن مَا صدر هَذَا الْفَتى عَمَّا أوردته فِيهِ قَالَ لحسن موارده جشمناه مَا جشمناه مَعْنَاهُ كلفناه
قَالَه الْجَوْهَرِي
قَالَ وَكَانَ مُعَاوِيَة أَمِيرا بِالشَّام نَحْو عشْرين سنة وَخَلِيفَة نَحْو عشْرين سنة
روى أَبُو بكر الْآجُرِيّ فِي كتاب الشَّرِيعَة لَهُ عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ قَالَ مُعَاوِيَة مَا زلت فِي طمع من الْخلَافَة مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (يَا مُعَاوِيَة إِن ملكت فَأحْسن)
وَرُوِيَ عَن خَالِد بن يزِيد بن صبيح عَن أَبِيه عَن مُعَاوِيَة قَالَ كنت أوضئ رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم أفرغ عَلَيْهِ من إِنَاء فِي يَدي فَنظر إِلَيّ نظرة شَدِيدَة فَفَزِعت وَسقط الْإِنَاء من يَدي فَقَالَ (يَا مُعَاوِيَة إِن وليت شَيْئا من أُمُور أمتِي فَاتق الله واعدل) قَالَ فَمَا زلت أطمع فِيهَا مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم فأسأل الله أَن يَرْزُقنِي الْعدْل فِيكُم
وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد الْأمَوِي عَن جده قَالَ كَانَت إداوة يحملهَا أَبُو هُرَيْرَة مَعَ رَسُول الله ﷺ لوضوئه فاشتكى أَبُو هُرَيْرَة فحملها مُعَاوِيَة فَبينا هُوَ يوضيء النَّبِي ﷺ مِنْهَا رفع
[ ١ / ١٦٩ ]
النَّبِي ﷺ رَأسه فَقَالَ (يَا مُعَاوِيَة إِن وليت من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فَاتق الله واعدل) فَمَا زلت أَظن أَنِّي مبتلى بذلك لقَوْل رَسُول الله ﷺ حَتَّى وليت
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر قَالَ مَا رَأَيْت أحدا بعد رَسُول الله ﷺ أسود من مُعَاوِيَة قيل لَهُ فَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي فَقَالَ كَانُوا وَالله خيرا من مُعَاوِيَة وَأفضل وَكَانَ مُعَاوِيَة أسود مِنْهُم
قَالَ ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ من سُورَة آل عمرَان
قَالَ سيدا فِي الْحلم وَالْعِبَادَة والورع
وَقَالَ ابْن جُبَير سيدا حَلِيمًا وَقَالَ الضَّحَّاك تقيا حَلِيمًا وَقَالَ ابْن عَبَّاس يَقُول تقيا حَلِيمًا وَقَالَ عِكْرِمَة السَّيِّد الَّذِي لَا يغلبه الْغَضَب
قَالَ القَاضِي هُوَ ابْن عَطِيَّة كل من فسر من هَؤُلَاءِ الْعلمَاء السودد بالحلم فقد أحرز أَكثر معنى السودد وَمن جرد تَفْسِيره بِالْعلمِ والتقى وَنَحْوه فَلم لفسر بِحَسب كَلَام الْعَرَب وَقد تحصل الْعلم ليحيى ﵇ بقوله ﷿ ﴿مُصدقا بِكَلِمَة من الله﴾ وَتحصل التقى بباقي لآيَة وَخَصه الله بِذكر السودد الَّذِي هُوَ الِاعْتِمَاد فِي رضى النَّاس
[ ١ / ١٧٠ ]
على أشرف الْوُجُوه دون أَن يُوقع فِي بَاطِل هَذَا لفظ يعم السودد وتفصيله أَن يُقَال بذل الندى وكف الْأَذَى وَهنا هِيَ الْعِفَّة بالفرج وَالْيَد وَاللِّسَان وَاحْتِمَال العظائم وَهنا هُوَ الْحلم وَغَيره من تحمل الغرامات وجبر الْكسر والإفضال عَن المسترفد والإنقاذ من المهلكات وَانْظُر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر) وَذكر حَدِيث شَفَاعَته وَذَلِكَ مِنْهُ اعتمال فِي رضى ولد آدم فَهُوَ سيدهم بذلك
وَقد يُوجد من الثِّقَات الْعلمَاء من لَا يبرز فِي هَذَا الْخِصَال وَقد يُوجد من يبرز فيسمى سيدا وَإِن قصر فِي كثير من الْوَاجِبَات أَعنِي وَاجِبَات النّدب والمكافحة فِي الْحق وَقلة المبالاة بالأئمة
وَقد قَالَ عبد الله بن عمر ﵄ مَا رَأَيْت أحدا أسود من مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قيل لَهُ وَأَبُو بكر وَعمر قَالَ هما خير مِنْهُ وَهُوَ أسود مِنْهُمَا فَهَذِهِ إِشَارَة إِلَى أَن مُعَاوِيَة برز فِي هَذِه الْخِصَال مَا لم يواقع محذورا وَأَن أَبَا بكر وَعمر كَانَا من الاستضلاع بالواجبات وتتبع ذَلِك من أَنفسهمَا وَإِقَامَة الْحَقَائِق على النَّاس بِحَيْثُ كَانَا خيرا من مُعَاوِيَة وَمَعَ تتبع الْحَقَائِق وَحمل النَّاس على الجادة وَقلة المبالاة برضاهم وَالْوَزْن بقسطاس الشَّرِيعَة تحريرا يتحزم كثير من هَذِه الْخِصَال الَّتِي هِيَ السودد ويشتغل الذِّهْن عَنْهَا والتقى وَالْعلم وَالْأَخْذ بالأشد أوكد وَأَعْلَى من السودد إِمَّا أَنه يحسن بالتقي الْعَالم أَن يَأْخُذ من السودد بِكُل مَا لَا يخل بِعِلْمِهِ وتقاه وَهَكَذَا كَانَ يحيى ﵇
[ ١ / ١٧١ ]
وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي يحسن بِوَاجِب وَلَا بُد كَمَا لَيْسَ التتبع والتحرير فِي الشدَّة بِوَاجِب وَلَا بُد وهما طرفا خير قد حفتهما الشَّرِيعَة فَمن صاير إِلَى هَذَا وَمن صاير إِلَى هَذَا وَمِثَال ذَلِك حَاكم صَلِيب معبس فظ على من عِنْد أدنى عوج لَا يعتني فِي حوائج النَّاس وَآخر بسط الْوَجْه بسام يعتني فِيمَا يجوز وَلَا يتبع مَا لم يدْفع إِلَيْهِ وَينفذ الحكم مَعَ رفق بالمحكوم عَلَيْهِ فهما طَرِيقَانِ حسنان
قَالَ ابْن ظفر بَلغنِي أَن هندا بنت عتبَة أم مُعَاوِيَة خرجت من مَكَّة تُرِيدُ الطَّائِف وَمَعَهَا ابْنهَا مُعَاوِيَة قد جعلته بَين يَديهَا فِي مركب لَهَا فَرَآهُ شيخ من الْأَعْرَاب فَقَالَ يَا ظَعِينَة شدي يَديك بِهَذَا الْغُلَام وأكرميه فَإِنَّهُ سيد كرام وُصُول أَرْحَام فَقَالَ هِنْد بل ملك همام كبار عِظَام ضروب هام ومفيض إنعام
تَفْسِير
قَوْلهَا كرام وَعِظَام وكبار أَي كريم عَظِيم كَبِير مِمَّا جَاءَ على فعال بِمَعْنى فعيل
قَالَ وَبَلغنِي أَنَّهَا خرجت وَهُوَ طِفْل وَيَده فِي يَدهَا فعثر فَقَالَت قُم فَلَا انتعشت وسمعها أَعْرَابِي فَقَالَ مهلا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سيسود قومه فَقَالَت ثكلته إِن كَانَ لَا يسود إِلَّا قومه
[ ١ / ١٧٢ ]
وَأورد ابْن ظفر خبر المعاوية يتَضَمَّن فَوَائِد فَاه بهَا على صغر سنه وَشرح غَرِيبه وَمَا يتَعَلَّق بذلك من قبائل قُرَيْش وَبني هَاشم فأوردته لتكمل الْفَائِدَة كَمَا شرطنا فِي صدر هَذَا الْكتاب
قَالَ بَلغنِي أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة نديما لأبي سُفْيَان بن حَرْب فَجَلَسَا على شراب لَهما فِي دَار أبي سُفْيَان وَمُعَاوِيَة مَعَهُمَا يسقيهما وَهُوَ إِذْ ذَاك صَغِير فَلَمَّا أخذت الْخمر مِنْهُمَا أنْشد الْعَبَّاس شعر مطرود بن كَعْب الْخُزَاعِيّ وَكَانَ جاور فِي بني سهم فِي سنة شَدِيدَة وَله بَنَات فتبرموا بِهِ تبرما أظهروه لَهُ فَخرج هُوَ وَبنَاته يحملون أثاثهم متحولين عَنْهُم فَقَالَ فِي ذَلِك شعرًا
(يَا أَيهَا الرجل المحول رَحْله هلا نزلت بآل عبد منَاف)
(هبلتك أمك لَو نزلت إِلَيْهِم ضمنوك من جوع وَمن إقراف)
[ ١ / ١٧٣ ]
(الآخذون الْعَهْد من آفاقها والظاعنون لرحلة الإيلاف)
(والملحقون فقيرهم بغنيهم حَتَّى يعود فقيرهم كالكافي)
(والرائشون وَلَيْسَ يُوجد رائش والقائلون هَلُمَّ للأضياف)
(والضاربون الْجَيْش تبرق بيضه والمانعين الْبيض بالأسياف)
(ويقابلون الرّيح كل عَشِيَّة حَتَّى تغيب الشَّمْس فِي الرجاف)
(لم تَرَ عَيْني مثلهم وهم الأولى كسبوا فعال التلد والأطراف)
[ ١ / ١٧٤ ]
(عَمْرو الْعلَا هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف)
(وَإِذا معد حصلت أنسابها فهم لعمرك جَوْهَر الأصداف)
بَقِي مِنْهَا بَيت لَعَلَّه أغفله وَلَعَلَّه أَن يكون بعد الْبَيْت التَّاسِع وَهُوَ
(سنت إِلَيْهِ الرحلتان كِلَاهُمَا سفر الشتَاء ورحلة الأصياف)
فحمي أَبُو سُفْيَان لما سمع الشّعْر وَجعل يعدد مآثر حَرْب بن أُميَّة ومآثر نَفسه وتناقلا فِي الْمُفَاخَرَة إِلَى أَن قَالَ الْعَبَّاس لأبي سُفْيَان نافرني إِلَى فتاك هَذَا يَعْنِي مُعَاوِيَة فَإِنَّهُ نجيب فَقَالَ أَبُو سُفْيَان قد فعلت
وَكَانَ ذَلِك مِنْهُمَا وَهِنْد تسمع فاهتبلت الفرصة وَقَالَت مُخَاطبَة لابنها مُعَاوِيَة
(اقْضِ فدتك نَفسِي لآل عبد شمس)
(فهم سراة الحمس على قديم الحرس)
[ ١ / ١٧٥ ]
فَقطع عَلَيْهَا مُعَاوِيَة قَوْلهَا فَقَالَ
(صه يَا ابْنة الأكارم فعبد شمس هَاشم)
(هما برغم الراغم كَانَا كغربى صارم)
فَلَمَّا سمع الْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان مقَالَة مُعَاوِيَة ابتدراه أَيهمَا يتَنَاوَلهُ قبل صَاحبه فتعاوراه ضما وتقبيلا وتفدية وافترقا راضيين
تَفْسِير كَلِمَات مشكلات من هَذَا الْخَبَر
أما قَول الشَّاعِر هبلتك أمك فالهبل الْهَلَاك والتلف وَمِنْه قيل للمثقل سمنا إِنَّه لمهبل وَكَذَلِكَ يُقَال لفاسد الْعقل مهبل وَالْعرب تطلق هَذِه الْكَلِمَة ونظائرها من الدُّعَاء بالمكروه وَلَا تُرِيدُ بهَا شرا تجريها مجْرى اللَّغْو الَّذِي لَا يعْتد بِهِ وَقد تجريها مجْرى الْمَدْح عِنْد استعظام الشَّيْء وَقد تجريها مجْرى الحض وَالنَّدْب إِلَى الْفِعْل وَالْقَوْل
وَمن نظائرها قَوْلهم إِذا استحسنوا فعل إِنْسَان أَو قَوْله قَاتله الله وَمَا لَهُ هوت أمه قَالَ الشَّاعِر
(هوت أمه مَا يبْعَث الصُّبْح غاديا وماذا يُؤَدِّي اللَّيْل حِين يؤوب)
[ ١ / ١٧٦ ]
فَهَذَا فِي الْمَدْح والتعظيم وَمِنْهَا قَول عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ ويل أم الْإِمَارَة لَوْلَا قَول الله ﷿ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظلمون فَهَذِهِ لَفْظَة أَرَادَ بهَا الْمَدْح وَحملهَا على الذَّم جهل بمواقع الْكَلم وَمِنْهَا قَول امريء الْقَيْس يصف رجلا بجودة الرماية
(فَهُوَ لَا تنمي رميته مَا لَهُ لاعد من نفره)
فَظَاهر هَذَا أَنه دَعَا عَلَيْهِ بِأَن يهْلك حَتَّى لَا يعد مَعَ قومه إِذا عدوا وَهُوَ لَا يُرِيد ذَلِك بل تعجب من رمايته ومدحه وَمِنْهَا قَوْلهم لَا أَب لفُلَان فِي استعظام مَا يكون مِنْهُ قَالَ الشَّاعِر
(فَمَا راعني إِلَّا زهاء معانقي فَأَي عنيق بَات لي لَا أَبَا ليا)
وَقد نطق النَّبِي ﷺ من نظائرها لقَوْله لصفية عقرى حلقى أَي عقرهَا الله وحلقها وَقَوله عَلَيْك بِذَات الدّين تربت يداك وَهُوَ دُعَاء بالفقر
[ ١ / ١٧٧ ]
وَأما قَول الشَّاعِر من إقراف فالإقراف هُنَا تغير الْجِسْم وضؤلته
وَقَوله الآخذون الْعَهْد من آفاقها
مَعْنَاهُ أَن هَاشم بن عبد منَاف انْطلق إِلَى الشَّام فَأخذ من قَيْصر ملك الرّوم وَمن مُلُوك غَسَّان عهدا وَذمَّة لقريش أَن يَأْتُوا الشَّام ويتجروا بِهِ وَانْطَلق أَخُوهُ عبد الشَّمْس ابْن عبد منَاف إِلَى بِلَاد الْحَبَشَة فَأخذ لتجار قُرَيْش عهدا من النَّجَاشِيّ الْأَكْبَر وَذهب أخوهما الْمطلب بن عبد منَاف إِلَى الْيمن فَأخذ عهدا من مُلُوكهَا لتجار قُرَيْش وَذهب أخوهم نَوْفَل ابْن عبد منَاف إِلَى الْعرَاق فَأخذ عهودا من مُلُوك آل ساسان وَمن سادة من بالعراق من الْعَرَب فتوجهت قُرَيْش للتِّجَارَة إِلَى هَذِه الْأَرْبَعَة الْوُجُوه على حَال آمِنَة بِمَا عقد لَهُم بَنو عبد منَاف من الذمم فمسي بَنو عبد منَاف لذَلِك المجبرين لِأَن الله تَعَالَى جبر بهم قُرَيْش وأغناها بِالتِّجَارَة وَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال الجابرون وَلَكِن هَكَذَا جَاءَ فَيدل على أَن جبرت وأجبرت بِمَعْنى وَاحِد وَالْمعْنَى الْمَشْهُور الْكثير جبرت الكسير وَالْفَقِير فَأَنا جَابر وأجبرت فلَانا على الْأَمر أَي أكرهته فَأَنا مجبر وَقد أدخلُوا أفعل فِي بَاب التَّمْكِين من الْفِعْل فَقَالُوا سقيت الرجل بيَدي
[ ١ / ١٧٨ ]
وَقَالُوا أسقيته أَي مكنته من الْورْد وقته أَي أَعْطيته قوتا وأقته إِذا مكنته من شَيْء يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْقُوت وقبرت الْمَيِّت بيَدي وأقبرته إِذا أَعْطيته مَا يقبر فِيهِ من الأَرْض
وَلَعَلَّ تسميتهم المجبرين من هَذَا لأَنهم لم يجبروا قُرَيْش بِأَمْوَالِهِمْ بل مكنوهم من فعل مَا يتجبرون بِهِ فَالَّذِي ذكرنَا هُوَ مَقْصُود الشَّاعِر
وَقَوله ويقابلون الرّيح يَقُول يجاودونها فيهبون بالجود كهبوبها
ويروى والمطعمون إِذا الرِّيَاح تناوحت أَي تقابلت فِي الهبوب
وَقَوله تغيب الشَّمْس فِي الرجاف الرجاف هُوَ الْبَحْر سمي بذلك لاضطرابه
وَقَوله فعال التلد والأطراف يُرِيد قديم الفعال وحديثها يَعْنِي المكارم التالدة أَي الْقَدِيمَة والطارفة أَي الحديثة هَذَا مجَاز اللَّفْظَيْنِ قَالَ الْجَوْهَرِي الفعال بِالْفَتْح مصدر مثل ذهب ذَهَابًا وَكَانَت مِنْهُ فعلة حَسَنَة أَو قبيحة
وَقَوله عَمْرو الْعلَا هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ فَهُوَ أَن قُرَيْش أَصَابَتْهُم سنة فنالت مِنْهُم فارتحل هَاشم بن عبد منَاف وَكَانَ اسْمه
[ ١ / ١٧٩ ]
عمرا إِلَى الشَّام فأوقر عيرًا لَهُ من الكعك والفتيت فَقدم بهَا مَكَّة وَنحر الْإِبِل فأطبخ لحومها ثمَّ هشم ذَلِك الكعك والفتيت فَاتخذ مِنْهُ الثَّرِيد فأطعمه النَّاس حَتَّى أحيوا فَسُمي بذلك هاشما
وَقَوله مسنتون أَي أَصَابَتْهُم السّنة وَهِي المجاعة
وَقَوله تناقلا فِي الْمُفَاخَرَة المناقلة فِي الْكَلَام أَن يَقُول هَذَا مرّة وَيَقُول هَذَا مرّة فيتداولا القَوْل بَينهمَا
وَأما قَوْله نافرني إِلَى ولدك فَإِن المنافرة هِيَ المحاكمة وَاخْتلف فِي اشتقاقها فَقيل كَانُوا يتحاكمون فِي الْمُفَاخَرَة فَيَقُولُونَ للْحَاكِم بَينهم أَيّنَا أعز نَفرا وَقيل بل هُوَ من النفير لأَنهم كَانُوا ينفرون إِلَى الْحُكَّام وَتقول نافرت فلَانا فنفرني عَلَيْهِ الْحَاكِم وَكَانُوا يُعْطون الْحَاكِم شَيْئا من أَمْوَالهم فيسمونه النفارة
وَقَوله اهتبلت الفرصة أَي انتهزتها فبادرت إِلَيْهَا
وَقَول هِنْد سراة الحمس السراة جمع السّري وسراة كل شَيْء خِيَاره بِفَتْح السِّين
والحمس قُرَيْش وخزاعة وكل من قَارب بَلْدَة مَكَّة من قبائل الْعَرَب فقد تحمس لمجاورته لَهُم وأصل اللَّفْظَة الشدَّة وَهِي الحماسة فسموا حمسا لأَنهم كَانُوا ذَوي تشدد فِي نحل جاهليتهم
وَفِي بعض الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ صنع أمرا فَصنعَ مثله
[ ١ / ١٨٠ ]
رجل من الْأَنْصَار فَأنْكر النَّبِي ﷺ مَا فعل الْأنْصَارِيّ وَقَالَ لَهُ إِنِّي أحمس يُرِيد أَن هَذَا الَّذِي فعلته أَنا مِمَّا تَفْعَلهُ الحمس دون غَيرهَا فَقَالَ الْأنْصَارِيّ وَأَنا أحمس يُرِيد أَنِّي على دينك ومتبع لَك
وسنعقب هَذَا التَّفْسِير بِذكر قبائل قُرَيْش إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَوْلها على قديم الحرس الحرس هُوَ الدَّهْر اسْم لَهُ قَالَه الْجَوْهَرِي أَيْضا وَقَالَ قَالَ الراجز
(فِي نعْمَة عِشْنَا بِذَاكَ حرسا )
وَيجمع على أحرس وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(لمن طلل داثر آيَة تقادم فِي سالف الأحرس)
وَيُقَال أحرس فلَان بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ حرسا يَعْنِي بذلك كُله الدَّهْر
قَالَ ابْن ظفر وَقَوله صه يَا ابْنة الأكارم هِيَ لَفْظَة مَعْنَاهَا الْأَمر بِالسُّكُوتِ
وَقَوله فعبد شمس هَاشم يُرِيد أَنَّهُمَا كالشيء الْوَاحِد وَذَلِكَ أَنَّهُمَا أَخَوان لأَب وَأم توأمان وَقيل إِن أَحدهمَا خرج من بطن أمه وإصبعه ملتصقة بجبهة أَخِيه فنحيت الْأصْبع فقطرت من الْموضع قطرات من دم فتعيفوا ذَلِك وكرهوه وَقَالَ من تكهن مِنْهُم سَيكون بَينهمَا دم فَكَانَت الْمَلَاحِم الْمَشْهُورَة بَين بني أُميَّة وَبني هَاشم
[ ١ / ١٨١ ]
وَقَوله كغربي صارم الْغرْبَان هما الحدان والصارم السَّيْف الْقَاطِع وَالْمعْنَى هما كحدي السَّيْف لَا فضل لأَحَدهمَا على الآخر وَهَذَا حسن من القَوْل جدا وَمِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ فِيمَا علمت أَلا ترى أَنه لَو قَالَ هما كالعينين فِي الرَّأْس أَو كاليدين فِي الْجَسَد لأمكن أَن يُقَال أَيَّتهمَا الْيُمْنَى وَلَقَد اجْتهد هرم بن قُطْبَة الْفَزارِيّ فِي التَّسْوِيَة بَين عَامر بن الطُّفَيْل وعلقمة بن علاثة حِين تنافرا إِلَيْهِ فَقَالَ هما كركبتي الْبَعِير الأورق أَو قَالَ الآدم تقعان إِلَى الأَرْض مَعًا فَقيل لَهُ أَيَّتهمَا الْيُمْنَى فَلم يحر جَوَابا
وَقد شجر قَول مُعَاوِيَة هَذَا أَعنِي فعبد شمس هَاشم بعض بني أُميَّة هُوَ آدم بن عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ هَذِه الثَّلَاثَة الأبيات فِي قصيدة لَهُ قَالَهَا للمهدي
ذكره مُحَمَّد بن مَرْوَان الْقرشِي السعيدي من ولد سعيد بن الْعَاصِ فِي أَخْبَار مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَزَاد فِيهِ فَبلغ بِهِ غَايَة الْحسن وَالْأَدب وَذَلِكَ أَنه عرض للرشيد ﵀ فِي طَرِيقه فَأعْطَاهُ رقْعَة فَأصَاب فِيهَا
(يَا أَمِين الله إِنِّي قَائِل قَول ذِي صدق ولب وَحسب)
[ ١ / ١٨٢ ]
(لكم الْفضل علينا وَلنَا بكم الْفضل على كل الْعَرَب)
(عبد شمس كَانَ يَتْلُو هاشما وهما بعد لأم ولأب)
(فضل الْأَرْحَام منا إِنَّمَا عبد شمس عَم عبد الْمطلب)
فَأمر لَهُ الرشيد بأَرْبعَة آلَاف دِينَار لكل بَيت مِنْهَا ألف وَقَالَ لَو زِدْت لزدناك فسلك أسلوب التَّسْوِيَة سلوكا ظريفا وتأدب بتفضيل هَاشم
وَأما قبائل قُرَيْش
فَمِنْهَا بَنو هَاشم بن عبد منَاف ابْن قصي مِنْهُم رَسُول الله ﷺ وَمِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ
وَمِنْهَا بَنو أُميَّة ابْن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي مِنْهُم عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَمِنْهُم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
وَمِنْهَا بَنو عبد الدَّار بن قصي مِنْهُم بَنو شيبَة حجبة الْكَعْبَة شرفها الله
وَمِنْهَا بَنو الْمطلب بن قصي مِنْهُم الزبير بن الْعَوام ﵁ وَمِنْهُم خَدِيجَة بنت خويلد زوج النَّبِي ﷺ
وَمِنْهَا بَنو زهرَة بن كلاب بن مرّة أَخُو قصي بن كلاب مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف
[ ١ / ١٨٣ ]
وَسعد بن أبي وَقاص ﵄ وَمِنْهُم آمِنَة أم النَّبِي ﷺ
وَمِنْهَا بَنو تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق ﵁ وَمِنْهُم طَلْحَة بن عبيد الله ﵁
وَمِنْهَا بَنو عدي بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب مِنْهُم عمر الْفَارُوق ﵁ وَمِنْهُم سعيد بن زيد ﵁
وَمِنْهَا بَنو مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب
وَمِنْهَا بَنو سهم وَبَنُو أَخِيه جمح ابْني عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب فَمن بني سهم عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁
وَمِنْهَا بَنو حسل بن عَامر بن لؤَي بن غَالب مِنْهُم سُهَيْل بن عَمْرو
وَمِنْهَا بَنو هِلَال بن أهيب بن ضبة بن الْحَارِث بن فهر بن مَالك بن النَّضر مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁
فَهَؤُلَاءِ قُرَيْش البطاح سموا بذلك لأَنهم دخلُوا بطحاء مَكَّة مَعَ قصي فأقاموا بهَا مَعَ من وَلَده قصي وَلم يكن قبلهم أحد يجترئ على أَن يسكن بمجاورة الْكَعْبَة حَتَّى افْتتح ذَلِك قصي وَكَانَت قُرَيْش تهيبت أَن تُطِيعهُ فِي ذَلِك وخافت أَن تنكر الْعَرَب عَلَيْهَا سكناهَا عِنْد الْكَعْبَة فَلَمَّا كَانَ وَقت الْحَج نحر قصي على طرقات الحجيج الْإِبِل وَنحر أَيْضا بِمَكَّة وصنع الثَّرِيد فأوسع الحجيج إطعاما وسقيا وَهُوَ أول من أطْعم الْحَاج وسقاهم فَقَالَ راجزهم فِي ذَلِك
(آب الحجيج طاعمين دسما بَحر الحسا مستحقبين الشحما)
(أوسعهم زيد قصي لَحْمًا ولبنا مَحْضا وخبزا هشما)
[ ١ / ١٨٤ ]
وَمن قُرَيْش أَيْضا قُرَيْش الظَّوَاهِر وهم الَّذين لزموا ظَاهر الْحرم فأقاموا ببادية مَكَّة وَلم يدخلُوا بطحاءها مَعَ قصي فَمنهمْ بَنو معيص بن عَامر بن لؤَي بن غَالب وَمِنْهُم بَنو الأدرم بن غَالب والأدرم لقب فهم بَنو تيم عَن غَالب أخي لؤَي بن غَالب وَمِنْهُم بَنو محَارب والْحَارث وَلَدي فهر بن مَالك بن النَّضر سوى بني هِلَال بن أهيب بن ضبة بن الْحَارِث الَّذين ذكرنَا أَنهم دخلُوا الْبَطْحَاء فأوطنوها فَهَؤُلَاءِ قُرَيْش الظَّوَاهِر
وَمن قُرَيْش أَيْضا قبائل لَيست بأبطحية وَلَا ظاهرية فَمنهمْ بَنو سامة بن لؤَي بن غَالب لَحِقُوا بعمان وَمِنْهُم بَنو خُزَيْمَة ابْن لؤَي بن غَالب لَحِقُوا ببني شَيبَان وَمِنْهُم بَنو سعد بن لؤَي بن غَالب لَحِقُوا ببني شَيبَان أَيْضا وَمِنْهُم بَنو عَوْف بن لؤَي بن غَالب لَحِقُوا بغطفان
فهولاء لَيْسُوا بحمس وَكَانَت للحمس أُمُور جَاهِلِيَّة شرعوها لأَنْفُسِهِمْ واختصوا بهَا دون غَيرهم على معنى التدين لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا
وَبعد فقد آن رجوعنا إِلَى مَقْصُود الْكتاب قَالَ ابْن عبد الْبر توفّي مُعَاوِيَة ﵀ بِدِمَشْق يَوْم الْخَمِيس لثمان بَقينَ من رَجَب سنة تسع وَخمسين وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة وَذكر غير ذَلِك
[ ١ / ١٨٥ ]
٤١ - معيقيب بن أبي فَاطِمَة
مولى سعيد بن الْعَاصِ ويزعمون أَنه دوسي حَلِيف لآل سعيد ابْن الْعَاصِ أسلم قَدِيما بِمَكَّة وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة وَقدم على النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ فِي السفينتين
وَكَانَ على خَاتم رَسُول الله ﷺ وَاسْتَعْملهُ أَبُو بكر وَعمر على بَيت المَال
وَنزل بِهِ دَاء الجذام فعولج مِنْهُ بِأَمْر عمر بالحنظل فتوقف أمره
وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث قَالَه ابْن عبد الْبر
قلت روينَا عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثا وَاحِدًا لَيْسَ لَهُ فيهمَا غَيره عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن معيقيب عَن النَّبِي ﷺ فِي الرجل يُسَوِّي التُّرَاب حَيْثُ يسْجد قَالَ إِن كنت فَاعِلا فَوَاحِدَة
قَالَ ابْن عبد الْبر عَن أبي رَاشد مولى معيقيب قَالَ قلت لمعيقيب مَالِي لَا أسمعك تحدث عَن النَّبِي ﷺ كَمَا يحدث غَيْرك فَقَالَ أما وَالله إِنِّي لمن أقدمهم صُحْبَة لرَسُول الله ﷺ وَلَكِن كَثْرَة الصمت خير من كَثْرَة الْكَلَام
توفّي فِي آخر خلَافَة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَقيل بل توفّي سنة أَرْبَعِينَ فِي آخر خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁
قَالَ السُّهيْلي ذكره عمر بن شبة فِي كتاب الْكتاب لَهُ
وَقَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي معيقيب بن أبي فَاطِمَة الدوسي ذكره ابْن عَسَاكِر وَابْن الْأَثِير وَشَيخنَا الدمياطي وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
[ ١ / ١٨٦ ]
٤٢ - الْمُغيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ
ابْن أبي عَامر بن مَسْعُود بن معتب بن مَالك بن كَعْب ابْن عَمْرو بن سعد بن عَوْف بن قسي وَهُوَ ثَقِيف يكنى أَبَا عبد الله وَقيل أَبَا عِيسَى وَأمه امْرَأَة من نصر بن مُعَاوِيَة
أسلم عَام الخَنْدَق وَقدم مُهَاجرا وَقيل أول مشاهده الْحُدَيْبِيَة
كَانَ رجلا طوَالًا ذَا هَيْبَة أَعور أُصِيبَت عينه يَوْم اليرموك قَالَ ابْن عبد الْبر
وَقَالَ روى مجَالد عَن الشّعبِيّ قَالَ دهاة الْعَرَب أَرْبَعَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعَمْرو بن الْعَاصِ والمغيرة بن شُعْبَة وَزِيَاد فَأَما مُعَاوِيَة فللأناة والحلم وَأما عَمْرو فللمعضلات وَأما الْمُغيرَة فللمبادهة وَأما زِيَاد فللصغير وَالْكَبِير
وَيَقُولُونَ إِن قيس بن سعد بن عبَادَة لم يكن فِي الدهاء بِدُونِ هَؤُلَاءِ مَعَ كرم كَانَ فِيهِ وَفضل
وَعَن نَافِع قَالَ أحصن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ثَلَاثمِائَة امْرَأَة فِي الْإِسْلَام
قَالَ ابْن وضاح وَقيل ألف
[ ١ / ١٨٧ ]
وولاه عمر الْكُوفَة فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن عَزله عُثْمَان وَاعْتَزل صفّين فَلَمَّا كَانَ حِين الْحكمَيْنِ لحق بِمُعَاوِيَة فَلَمَّا قتل عَليّ وَصَالح مُعَاوِيَة الْحسن وَدخل الْكُوفَة ولاه عَلَيْهَا
وَلما قتل عُثْمَان وَبَايع النَّاس عليا ﵄ دخل عَلَيْهِ الْمُغيرَة فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن لَك عِنْدِي نصيحة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ إِن أردْت أَن يَسْتَقِيم لَك الْأَمر فَاسْتعْمل طَلْحَة بن عبيد الله على الْكُوفَة وَالزُّبَيْر بن الْعَوام على الْبَصْرَة وَابعث إِلَى مُعَاوِيَة بعهده إِلَى الشَّام حَتَّى تلْزمهُ طَاعَتك فَإِذا اسْتَقَرَّتْ لَك الْخلَافَة فأدرها كَيفَ شِئْت بِرَأْيِك فَقَالَ عَليّ ﵁ أما طَلْحَة وَالزُّبَيْر فسأرى رَأْيِي فيهمَا وَأما مُعَاوِيَة فَلَا وَالله لَا أَرَانِي الله مُسْتَعْملا وَلَا مستعينا بِهِ مَا دَامَ على حَاله وَلَكِنِّي أَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُول فِيمَا دخل فِيهِ الْمُسلمُونَ فَإِن أَبى حاكمته إِلَى الله تَعَالَى فَانْصَرف عَنهُ الْمُغيرَة مغضبا لما لم يقبل مِنْهُ نصيحته
فَلَمَّا كَانَ الْغَد أَتَى فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نظرت فِيمَا قلت لَك بالْأَمْس وَمَا جاوبتني بِهِ فَرَأَيْت أَنَّك قد وفقت للخير وَطلب الْحق ثمَّ خرج عَنهُ فَلَقِيَهُ الْحسن ﵁ وَهُوَ خَارج فَقَالَ لِأَبِيهِ مَا قَالَ لَك هَذَا الْأَعْوَر فَقَالَ أَتَانِي أمس
[ ١ / ١٨٨ ]
بِكَذَا وأتاني الْيَوْم بِكَذَا فَقَالَ نصح لَك وَالله أمس وخدعك الْيَوْم
وَقَالَ الْمُغيرَة فِي ذَلِك
(نصحت عليا فِي ابْن هِنْد نصيحة فَرد فَلَا يسمع لَهَا الدَّهْر ثَانِيَة)
(وَقلت لَهُ أرسل إِلَيْهِ بعهده على الشَّام حَتَّى يسْتَقرّ مُعَاوِيَة)
(وَيعلم أهل الشَّام أَن قد ملكته فَأم ابْن هِنْد عِنْد ذَلِك هاويه)
(وتحكم فِيهِ مَا تُرِيدُ فَإِنَّهُ لداهية فارفق بِهِ وَابْن داهية)
(فَلم يقبل النصح الَّذِي جِئْته بِهِ وَكَانَت لَهُ تِلْكَ النَّصِيحَة كَافِيَة)
توفّي الْمُغيرَة سنة خمسين من الْهِجْرَة بِالْكُوفَةِ وَهُوَ وَال عَلَيْهَا لمعاوية واستخلف عَلَيْهَا ابْنه عُرْوَة
ووقف على قَبره مصقلة بن هُبَيْرَة الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ
(إِن تَحت الْأَحْجَار حزما وجودا وخصيما ألدذا معلاق)
[ ١ / ١٨٩ ]
حَيَّة فِي الوجار أَرْبَد لَا ينفع مِنْهُ السَّلِيم نفث الراقي
ثمَّ قَالَ أما وَالله لقد كنت شَدِيد الْعَدَاوَة لمن عاديت شَدِيد الْأُخوة لمن آخيت
قَالَ السُّهيْلي ذكره ابْن شبة فِي كتاب الْكتاب لَهُ وَذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَغَيره فِي الْكتاب أَيْضا
٤٣ - يزِيد بن أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب
رفعنَا نسبه عِنْد ذكر أَبِيه كَانَ أفضل بني أبي سُفْيَان كَانَ يُقَال لَهُ يزِيد الْخَيْر
أسلم يَوْم الْفَتْح وَشهد حنينا وَأَعْطَاهُ رَسُول الله ﷺ من غَنَائِم حنين مائَة بعير وَأَرْبَعين أُوقِيَّة وَزنهَا لَهُ بِلَال
وَاسْتَعْملهُ أَبُو بكر ﵁ وأوصاه وَخرج متبعه رَاجِلا
وَلما اسْتخْلف عمر ﵁ ولاه على فلسطين وناحيتها
فَلَمَّا
[ ١ / ١٩٠ ]
مَاتَ فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة اسْتخْلف أَخَاهُ مُعَاوِيَة فأقره عمر ﵁ قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي صَاحب شرح السِّيرَة ذكره أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كِتَابه السِّيرَة فِي كِتَابه ﷺ وَذكره أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَابْن عبد الْبر وَابْن عبد ربه وَذكره ابْن سعد
٤٤ - رجل من بني النجار
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي ذكره ابْن دحْيَة وَأَنه تنصر وَأظْهر الله فِيهِ لنَبيه ﷺ معْجزَة حِين دفن وألقته الأَرْض وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَقد تقدم خَبره فِي تَرْجَمَة السّجل من حرف السِّين
يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَهَذَا مَا بلغ إِلَيْهِ علمي مِمَّن كتب لَهُ ﷺ بعد الْبَحْث والتتبع لما أوردهُ عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن ﵏ نَحوا من أَربع سِنِين
وجملتهم أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ كَاتبا ﵃ ونفعنا بمحبتهم وحشرنا فِي زمرتهم وَجَعَلنَا من التَّابِعين لسنتهم وَسنَن متبوعهم نَبِي الرَّحْمَة وشفيع الْأمة ﷺ
وَهَذَا أَوَان البدأة برسله والملوك الْمُرْسل إِلَيْهِم على تَرْتِيب مَا تقدم
[ ١ / ١٩١ ]
وَكتبه إِلَى من أسلم وَمن لم يسلم وَالله ﷾ أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب
[ ١ / ١٩٢ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
الْقسم الثَّانِي فِي ذكر رسله ﷺ والمرسل إِلَيْهِم من الْمُلُوك وَغَيرهم يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام
روى مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَات أَن رَسُول الله ﷺ لما رَجَعَ من الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ أرسل الرُّسُل إِلَى الْمُلُوك يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام وَكتب إِلَيْهِم كتبا فَقيل يَا رَسُول الله إِن الْمُلُوك لَا يقرؤون كتابا إِلَّا مَخْتُومًا فَاتخذ رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ خَاتمًا من فضَّة
[ ١ / ١٩٣ ]
فصه مِنْهُ ونقشه ثَلَاثَة أسطر مُحَمَّد رَسُول الله وَختم بِهِ الْكتب فَخرج سِتَّة نفر فِي يَوْم وَاحِد وَذَلِكَ فِي الْمحرم سنة سبع وَأصْبح كل رجل مِنْهُم يتَكَلَّم بِلِسَان الْقَوْم الَّذين بعث إِلَيْهِم
وَكَانَ أَوَّلهمْ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي ﵃
ذكرهم حسان فِي شعر لَهُ يَأْتِي فِي كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ أرسل غَيرهم كَمَا ستراه مُبينًا على الْحُرُوف إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبِه الْحول وَالْقُوَّة وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم
١ - الْأَقْرَع بن عبد الله الْحِمْيَرِي
قَالَ ابْن عبد الْبر بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى ذِي مران وَطَائِفَة من الْيمن
وَقَالَ سيف بن عمر التَّمِيمِي فِي كتاب الرِّدَّة لَهُ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَاتل النَّبِي ﷺ مُسَيْلمَة وَالْأسود وطليحة بالرسل وَلم يشْغلهُ مَا كَانَ فِيهِ من الوجع عَن أَمر الله تَعَالَى فَبعث الْأَقْرَع بن عبد الله إِلَى ذِي زود سعيد بن العاقب وعامر بن شهر وَذي
[ ١ / ١٩٤ ]
يناق شهر وعد آخَرين نذكرهم فِي بابهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٢ - و٣ أبي وعنبسة
قَالَ مُحَمَّد بن سعد فَذكر أسانيده إِلَى ابْن عَبَّاس والْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ وَعَمْرو بن أُميَّة الضمرِي دخل حَدِيث بَعضهم فِي بعض قَالُوا وَكتب رَسُول الله ﷺ إِلَى سعد هذيم من قضاعة وَإِلَى جذام كتابا وَاحِدًا يعلمهُمْ فِيهِ فَرَائض الصَّدَقَة وَيَأْمُرهُمْ أَن يدفعوا الصَّدَقَة إِلَى رسوليه أبي وعنبسة أَو من أَرْسلَاهُ
قَالَ وَلم ينسبا لنا هَكَذَا قَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات فَلَا أَدْرِي أبي هَذَا هُوَ أبي بن كَعْب أَو غَيره وَذكر ابْن عبد الْبر فِي بَاب أبي ثَلَاثَة نفر غير أبي بن كَعْب وَالله أعلم أَيهمْ هُوَ فَإِنَّهُ لم يذكر فِي ترجمتهم شَيْئا يدل على أَنهم أرْسلُوا وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
٤ - جرير بن عبد الله البَجلِيّ
قَالَ ابْن عبد الْبر جرير بن عبد الله بن جَابر هُوَ الشليل بن
[ ١ / ١٩٥ ]
مَالك بن نضر بن ثَعْلَبَة بن جشم بن عَوْف بن خُزَيْمَة بن حَرْب بن عَليّ بن مَالك بن سعد ابْن نَذِير بن قسر بن عبقر بن أَنْمَار بن إراش بن عَمْرو بن الْغَوْث البَجلِيّ
يكنى أَبَا عَمْرو وَقيل أَبَا عبد الله
وبجيلة أمّهم نسبوا إِلَيْهَا وَهِي بجيلة بنت صَعب بن عَليّ بن سعد الْعَشِيرَة
كَانَ سيد قبيلته وَكَانَ إِسْلَامه فِي الْعَام الَّذِي توفّي فِيهِ رَسُول الله ﷺ قبل مَوته بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ مَا حجبني رَسُول الله ﷺ مُنْذُ أسلمت وَلَا رَآنِي قطّ إِلَّا تَبَسم وَضحك
وَقَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ حِين أقبل وافدا (عَلَيْهِ يطلع عَلَيْكُم خير ذِي يمن كَأَن على وَجهه مسحة ملك) فطلع جرير
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف كَانَ جرير يقل فِي ذرْوَة الْبَعِير من طوله وَكَانَت نَعله ذِرَاعا
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى ذِي كلاع وَذي رعين بِالْيمن
وَقَالَ فِيهِ إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه
وَفِيه قَالَ الشَّاعِر
(لَوْلَا جرير هَلَكت بجيلة نعم الْفَتى وبئست الْقَبِيلَة)
[ ١ / ١٩٦ ]
فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ مَا مدح من هجا قومه وَكَانَ عمر يَقُول جرير بن عبد الله يُوسُف هَذِه الْأمة يَعْنِي فِي حسنه وَهُوَ الَّذِي قَالَ لعمر حِين وجد فِي مَجْلِسه رَائِحَة من بعض جُلَسَائِهِ فَقَالَ عمر عزمت على صَاحب هَذِه الرَّائِحَة إِلَّا قَامَ فَتَوَضَّأ
فَقَالَ جرير علينا كلنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فاعزم قَالَ عَلَيْكُم كلكُمْ عزمت ثمَّ قَالَ يَا جرير مَا زلت سيدا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام
وَرُوِيَ بِسَنَدِهِ عَن جرير قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ (أَلا تكفيني ذَا الخلصة) فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي رجل لَا أثبت على الْخَيل فصك فِي صَدْرِي فَقَالَ اللَّهُمَّ ثبته واجعله هاديا مهديا) فَخرجت فِي خمسين من قومِي فأتيناها وأحرقناها
وروينا فِي صَحِيح البُخَارِيّ ﵀ عَن جرير بن عبد الله قَالَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة بَيت يُقَال لَهُ ذُو الخلصة وَكَانَ يُقَال لَهُ الْكَعْبَة اليمانية والكعبة الشامية فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ (هَل أَنْت مريحي من ذِي الخلصة) قَالَ فنفرت إِلَيْهِ فِي خمسين وَمِائَة فَارس من أحمس قَالَ فكسرنا وقتلنا من وجدنَا عِنْده فأتيناه فَأَخْبَرنَاهُ فَدَعَا لنا ولأحمس
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض رَحمَه الله تَعَالَى فِي مشارقه الحمس بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْمِيم وَآخره سين مُهْملَة فسره فِي مُسلم قُرَيْش وَمَا ولدت من غَيرهَا وَقيل
[ ١ / ١٩٧ ]
قُرَيْش وَمن ولدت وأحلافها وَقَالَ الْحَرْبِيّ سموا بذلك من أجل الْكَعْبَة لِأَنَّهَا حمساء فِي لَوْنهَا وَهُوَ بَيَاض يضْرب إِلَى سَواد وهم أَهلهَا وَقيل سموا بذلك فِي الْجَاهِلِيَّة لتحمسهم فِي دينهم أَي تشددهم والحماسة والتحمس الشدَّة وَقيل لشجاعتهم
وَقَالَ الْجَوْهَرِي الأحمس الْمَكَان الصلب قَالَ العجاج
(وَكم قَطعنَا من قفاف حميس )
والأحمس أَيْضا الشَّديد الصلب فِي الدّين والقتال وَقد حمس بِالْكَسْرِ فَهُوَ حمس وأحمس بَين الحمس والحماسة الشجَاعَة والأحمس الشجاع وَإِنَّمَا سميت قُرَيْش وكنانة حمسا لتشددهم فِي دينهم لأَنهم كَانُوا لَا يَسْتَظِلُّونَ أَيَّام منى وَلَا يدْخلُونَ الْبيُوت من أَبْوَابهَا وَلَا يسلأون السّمن وَلَا يلقطون الجلة وعام أحمس شَدِيد وأرضون أحامس جدبة والتحمس التشدد يُقَال تحمس الرجل إِذا تعاصى وحماس اسْم رجل وَقد تقدم الْكَلَام على هَذِه اللَّفْظَة فِي الْكتاب أَيْضا
وروينا فِي البُخَارِيّ أَيْضا عَن جرير ﵁ قَالَ مَا حجبني
[ ١ / ١٩٨ ]
رَسُول الله ﷺ مُنْذُ أسلمت وَلَا رَآنِي إِلَّا ضحك وَلمُسلم وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسم فِي وَجْهي
قَالَ ابْن عبد الْبر وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى ذِي كلاع وَذي ظليم بِالْيمن
وَمِمَّا ذكر من فَصَاحَته وبلاغته قَالَ قدم جرير على عمر بن الْخطاب ﵁ من عِنْد سعد بن أبي وَقاص فَقَالَ لَهُ كَيفَ تركت سَعْدا فِي ولَايَته فَقَالَ تركته أكْرم النَّاس مقدرَة وَأَحْسَنهمْ معذرة هُوَ لَهُم كالأم الْبرة يجمع لَهُم كَمَا تجمع الذّرة مَعَ أَنه مَيْمُون الْأَثر مَرْزُوق الظفر أَشد النَّاس عِنْد الْبَأْس وَأحب قُرَيْش إِلَى النَّاس قَالَ فَأَخْبرنِي عَن النَّاس قَالَ هم كسهام الجعبة مِنْهَا الْقَائِم الرائش وَمِنْهَا العصل الطائش وَابْن أبي وَقاص ثقافها يغمز عصلها وَيُقِيم ميلها وَالله أعلم بالسرائر يَا عمر قَالَ أَخْبرنِي عَن إسْلَامهمْ قَالَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة لأوقاتها وَيُؤْتونَ الطَّاعَة ولاتها فَقَالَ
[ ١ / ١٩٩ ]
عمر بن الْخطاب ﵁ الْحَمد لله إِذا كَانَت الصَّلَاة أُوتيت الزَّكَاة وَإِذا كَانَت الطَّاعَة كَانَت الْجَمَاعَة
وَجَرِير الْقَائِل الخرس خير من الخلابة والبكم خير من الْبذاء الخلابة الخديعة وَالْبذَاء يُقَال بذيء اللِّسَان كثير الْعَيْب قَالَه ابْن فَارس
وَكَانَ جرير رَسُول عَليّ إِلَى مُعَاوِيَة ﵃ فحبسه مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ رده برق مطبوع غير مَكْتُوب وَبعث مَعَه من يُخبرهُ بمنابذته لَهُ فِي خبر طَوِيل
روى عَنهُ بنوه عبيد الله وَالْمُنْذر وَإِبْرَاهِيم
نزل جرير الْكُوفَة وسكنها ثمَّ تحول إِلَى قرقيسياء وَمَات بهَا سنة أَربع وَخمسين وَقيل غير ذَلِك
تَفْسِير غَرِيبه
قَالَ الْجَوْهَرِي فِي قَوْله مِنْهَا العصل الطائش يُقَال للرجل المعوج السَّاق أعصل وشجرة عصلة عوجاء وسهام عصل معوجة والمعصل بِالتَّشْدِيدِ السهْم الَّذِي يلتوي إِذا رمي بِهِ وَهُوَ المُرَاد هُنَا
[ ١ / ٢٠٠ ]
قَوْله ثقافها بالثاء الْمُثَلَّثَة رُوِيَ بِكَسْر الثَّاء وَفتحهَا مَعَ تَشْدِيد الْقَاف والمثاقفة والثقاف مَا تسوى بِهِ الرماح وَمِنْه قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
(إِذا عض الثقاف بهَا اشمأزت تشح قفا المثقف والجبينا) وتثقيفها تسويتها وَهَذَا مثل ضربه يثنى بذلك على سعد بن أبي وَقاص ﵁ فِي إحكامه وَحسن سيرته مَعَ رَعيته إِذْ هُوَ من عُمَّال عمر
وَقَوله الخرس خير من الخلابة الخلابة الخديعة بِاللِّسَانِ تَقول مِنْهُ خلبه يخلبه بِالضَّمِّ وَفِي الْمثل إِذا لم تغلب فاخلب أَي فاخدع وَرجل خلاب وخلبوب أَي خداع كَذَّاب قَالَ الشَّاعِر
(وَشر الرِّجَال الغادر الخلبوب )
فالبرق الخلب الَّذِي لَا غيث فِيهِ كَأَنَّهُ خَادع وَكَذَلِكَ السَّحَاب الَّذِي لَا مطر فِيهِ
قَوْله والبكم خير من الْبذاء قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل
[ ١ / ٢٠١ ]
عِيَاض ﵀ هُوَ الْفُحْش فِي القَوْل بذو يبذو بِضَم ثَانِيهمَا مثل كرم يكرم والمصدر بذاء بفتحهما مَمْدُود كَذَا قَيده القيني وَقيل بذاء بِالْكَسْرِ ومباذأة وبذاءة وَكله مَهْمُوز وَرجل بذيء مَهْمُوز فَاحش القَوْل وَيَقُول فِيهِ بِذِي أَيْضا مشدد غير مَهْمُوز وَكَذَلِكَ أَيْضا فِي الرث الْهَيْئَة وَهِي البذاذة أَيْضا
٥ - جبر مولى أبي رهم
قَالَ ابْن عبد الْبر جبر بن عبد الله القبطي مولى أبي بصرة الْغِفَارِيّ هُوَ الَّذِي أَتَى من عِنْد الْمُقَوْقس بمارية الْقبْطِيَّة مَعَ حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى رَسُول الله ﷺ
قَالَ السُّهيْلي مولى أبي رهم
٦ - حَاطِب بن أبي بلتعة اللَّخْمِيّ
قَالَ الْجَوْهَرِي المتبلتع الَّذِي يتظرف ويتكيس
وَقَالَ أَبُو الدقيش الْأَعرَابِي هُوَ الَّذِي يتبلتع فِي كَلَامه أَي يتحذلق ويتظرف وَلَيْسَ عِنْده شَيْء
قَالَ هدبة بن الخشرم
[ ١ / ٢٠٢ ]
(وَلَا تنكحي إِن فرق الدَّهْر بَيْننَا أغم الْقَفَا وَالْوَجْه لَيْسَ بأنزعا)
(ولاقرزلا وسط الرِّجَال جنادفا إِذا مَا مَشى أَو قَالَ قولا تبلتعا)
والقرزل اللَّئِيم من الرِّجَال والجنادف بِالضَّمِّ الْقصير الغليظ الْخلقَة
قَالَ ابْن عبد الْبر حَاطِب بن أبي بلتعة من ولد لخم بن عدي يكنى أَبَا عبد الله وَقيل أَبَا مُحَمَّد
وَاسم أبي بلتعة عَمْرو بن رَاشد بن معَاذ اللَّخْمِيّ حَلِيف قُرَيْش وَيُقَال إِنَّه من مذْحج وَقيل هُوَ حَلِيف الزبير بن الْعَوام وَقيل بل كَانَ عبدا لِعبيد الله بن حميد بن زُهَيْر بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعزي بن قصي فكاتبه يَوْم الْفَتْح وَهُوَ من أهل الْيمن
وَالْأَكْثَر أَنه حَلِيف لبني أَسد بن عبد الْعُزَّى
شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة
وَمَات سنة ثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ ابْن خمس
[ ١ / ٢٠٣ ]
وَسِتِّينَ سنة وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان ﵁
وَقد شهد الله لحاطب بِالْإِيمَان فِي قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الْآيَة
وَذَلِكَ أَن حَاطِبًا كتب إِلَى أهل مَكَّة قبل حَرَكَة رَسُول الله ﷺ إِلَيْهَا عَام الْفَتْح يُخْبِرهُمْ بِبَعْض مَا يُرِيد رَسُول الله ﷺ بهم من الْغَزْو إِلَيْهِم وَبعث كِتَابه مَعَ امْرَأَة فَنزل جِبْرِيل ﵇ بذلك على رَسُول الله ﷺ فَبعث رَسُول الله ﷺ فِي طلب الْمَرْأَة إِلَى رَوْضَة خَاخ فَأخذ الْكتاب مِنْهَا وأتى بِهِ النَّبِي ﷺ فَاعْتَذر حَاطِب وَقَالَ مَا فعلته رَغْبَة عَن ديني فَنزلت فِيهِ آيَات من صدر سُورَة الممتحنة
فَأَرَادَ عمر قَتله فَقَالَ ﷺ (إِنَّه قد شهد بَدْرًا) الحَدِيث قَالَه ابْن عبد الْبر ورويناه فِي صَحِيح البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ
قَالَ السُّهيْلي الْمَرْأَة الَّتِي بعث مَعهَا الْكتاب اسْمهَا سارة مولاة لقريش
قَالَ وَقيل إِنَّه كَانَ فِي كتاب حَاطِب إِلَى أهل مَكَّة إِن رَسُول الله ﷺ قد توجه إِلَيْكُم بِجَيْش كالليل يسير كالسيل وَأقسم بِاللَّه لَو
[ ١ / ٢٠٤ ]
سَار إِلَيْكُم وَحده لنصره الله عَلَيْكُم فَإِنَّهُ منجز لَهُ مَا وعده فِيكُم فَإِن الله وليه وناصره
قَالَ وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على قتل الجاسوس الْمُسلم فَإِن عمر ﵁ أَرَادَ قَتله فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (إِنَّه شهد بَدْرًا) فعلق حكم الْمَنْع من قَتله بِشُهُود بدر فَدلَّ على أَن من فعل مثل فعله وَلَيْسَ ببدري أَنه يقتل
وروى ابْن عبد الْبر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ جَاءَ غُلَام لحاطب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَا يدْخل حَاطِب الْجنَّة وَكَانَ شَدِيدا على الرَّقِيق فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (كذبت لَا يدْخل النَّار أحد شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة)
وأرسله رَسُول الله ﷺ إِلَى مصر وَهُوَ أحد السِّتَّة الَّذين ذكرهم حسان فِي شعره
وأرسله أَبُو بكر ﵁ فِي خِلَافَته أَيْضا وَيَأْتِي ذكر من ذَلِك فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٧ - حَيَّان بن مِلَّة
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي تَرْجَمَة دحْيَة وَذكر ابْن الْأَثِير عَن ابْن إِسْحَاق ان حَيَّان بن مِلَّة أَخُو أنيف الْيَمَانِيّ من أهل فلسطين لَهُ صُحْبَة وَصَحب دحْيَة بن خَليفَة إِلَى قَيْصر لما بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ
[ ١ / ٢٠٥ ]
لم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي بَابه فَالله ﷾ أعلم
٨ - الْحَارِث بن عُمَيْر الْأَزْدِيّ
أحد بني لَهب بَعثه رَسُول الله ﷺ بكتابه إِلَى الشَّام إِلَى ملك الرّوم وَقيل إِلَى صَاحب بصرى فَعرض لَهُ شُرَحْبِيل بن عَمْرو الغساني فأوثقه رِبَاطًا ثمَّ قدم فَضربت عُنُقه صبرا وَلم يقتل لرَسُول الله ﷺ رَسُول غَيره
فَلَمَّا اتَّصل برَسُول الله ﷺ خَبره بعث إِلَى مُؤْتَة زيد ابْن حَارِثَة فِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف فلقيتهم الرّوم فِي نَحْو من مائَة ألف قَالَه ابْن عبد الْبر
وَذكره ابْن سيد النَّاس فتح الدّين فِي عُيُون الْأَثر وَزَاد فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ حِين بلغه الْخَبَر
وَكَانَ ذَلِك سَبَب غَزْوَة مُؤْتَة وَهِي بِأَدْنَى البلقاء من أَرض الشَّام فِي جُمَادَى الأول سنة ثَمَان وَيَأْتِي ذكر مِنْهَا فِي حرف الْخَاء من الرُّسُل
٩ - حُرَيْث بن زيد الْخَيل
ذكره ابْن سعد فِي رسله إِلَى يحنة بن رؤبة الإيلي يَأْتِي
[ ١ / ٢٠٦ ]
ذكره فِي تَرْجَمته ﷺ
قَالَ ابْن عبد الْبر اسْمه حُرَيْث زيد بن الْخَيل وسمى أَبَاهُ رَسُول الله ﷺ حِين أسلم زيد الْخَيْر بن مهلهل بن زيد بن منْهب الطَّائِي أسلم هُوَ وَأَبوهُ وَأَخُوهُ مكنف وَشهد قتال الرِّدَّة مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد
قَالَ وَذكره الدَّارَقُطْنِيّ
١٠ - حَرْمَلَة
ذكره ابْن سعد أَيْضا مَعَ حُرَيْث رَسُولا إِلَى يحنة الإيلي وَلم ينْسبهُ وَذكر ابْن عبد الْبر جمَاعَة اسمهم حَرْمَلَة فَلم أعلم أَيهمْ هُوَ
١١ - خَالِد بن الْوَلِيد
ذكرنَا طرفا من خَبره ورفعنا نسبه عِنْد ذكر كِتَابه ﷺ
وَيَأْتِي خبر إِسْلَامه مَعَ عَمْرو بن العَاصِي فِي تَرْجَمَة النَّجَاشِيّ ﵃
شهد غَزْوَة مُؤْتَة بِنَاحِيَة كرك الشوبك من بِلَاد الشَّام وَكَانَ لَهُ فِيهَا
[ ١ / ٢٠٧ ]
آثَار جميلَة
قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَ بهَا من الرّوم ونصارى الْعَرَب مائَة ألف وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة آلَاف وَكَانَ النَّبِي ﷺ أعْطى الرَّايَة زيد ابْن حَارِثَة فَقتل ثمَّ أَخذهَا جَعْفَر فَقتل ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فَقتل قَالَ الْحَاكِم فِي الإكليل فَأخذ الرَّايَة ثَابت بن أقرم أَخُو بني العجلان وَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين اصْطَلحُوا على رجل مِنْكُم
قَالُوا أَنْت قَالَ لَا وَرفع الرَّايَة فَاصْطَلَحُوا على خَالِد بن الْوَلِيد فَدفع الرَّايَة لَهُ وَقَالَ أَنْت أعلم بِالْقِتَالِ مني
فَلَمَّا أصبح خَالِد جعل مُقَدّمَة الْجَيْش ساقته وساقته مقدمته وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته فَأنْكر الْمُشْركُونَ مَا كَانُوا يعْرفُونَ من راياتهم وهيأتهم وَقَالُوا قد جَاءَهُم مدد فرعبوا وانكشفوا منهزمين وَقتلُوا مقتلة لم يَقْتُلهَا قوم وَأُصِيب نَاس من الْمُسلمين وغنموا بعض أَمْتعَة الْمُشْركين فَكَانَ مِمَّا غنموا خَاتمًا جَاءَ بِهِ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ قتلت صَاحبه فنفله لَهُ رَسُول الله ﷺ
وروى عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ قَالَ كَانَ لي رَفِيق من أهل الْيمن فلقينا جموع الرّوم بمؤتة وَفِيهِمْ رجل على فرس لَهُ أشقر عَلَيْهِ سرج مَذْهَب وَسلَاح مَذْهَب فَجعل الرُّومِي يغري بِالْمُسْلِمين وَقعد لَهُ الْيَمَانِيّ خلف صَخْرَة فَمر بِهِ الرُّومِي فعرقب فرسه فَخر وعلاه
[ ١ / ٢٠٨ ]
فَقتله وَحَازَ سلبه وسلاحه
فَلَمَّا فتح الله للْمُسلمين بعث إِلَيْهِ خَالِد فَأخذ مِنْهُ السَّلب قَالَ عَوْف فَأَتَيْته فَقلت يَا خَالِد أما علمت أَن رَسُول الله ﷺ قضى بالسلب للْقَاتِل قَالَ بلَى وَلَكِنِّي استكثرته فَقلت لتردنه إِلَيْهِ أَو لأعرفنكها عِنْد رَسُول الله ﷺ فَأبى أَن يرد عَلَيْهِ
قَالَ عَوْف واجتمعنا عِنْد رَسُول الله ﷺ فقصصت عَلَيْهِ قصَّة الْيَمَانِيّ وَمَا فعل خَالِد فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا خَالِد مَا حملك على مَا صنعت) فَقَالَ يَا رَسُول الله استكثرته فَقَالَ (رد عَلَيْهِ مَا أخذت مِنْهُ) قَالَ عَوْف فَقلت دُونك يَا خَالِد ألم أُفٍّ لَك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (وَمَا ذَاك) قَالَ فَأَخْبَرته قَالَ فَغَضب وَقَالَ (يَا خَالِد لَا ترد عَلَيْهِ هَل أَنْتُم تاركون لي امرائي لكم لكم صفوة أَمرهم وَعَلَيْهِم كدره) وَهَذَا الحَدِيث فِيهِ نظر كَأَنَّهُ وَالله أعلم مَنْسُوخ بِمَا وَقع لأبي قَتَادَة فِي غَزْوَة حنين فَإِنَّهَا مُتَأَخِّرَة عَن مُؤْتَة
قَالَ ابْن عَائِذ ثمَّ إِن خَالِدا لما أَخذ الرَّايَة قَاتلهم قتالا شَدِيدا ثمَّ انحاز الْفَرِيقَانِ عَن غير هزيمَة وَرفعت الأَرْض لرَسُول الله ﷺ حَتَّى نظر إِلَى معترك الْقَوْم وَلما أَخذ خَالِد اللِّوَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ هُوَ بِالْمَدِينَةِ (الْآن حمي الْوَطِيس) وَرُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ (ثمَّ أَخذ الرَّايَة خَالِد بن الْوَلِيد نعم عبد الله وأخو الْعَشِيرَة وَسيف من سيوف الله)
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَعَن خَالِد قَالَ لقد انْقَطع فِي يَدي يَوْمئِذٍ تِسْعَة أسياف حَتَّى وَقعت فِي يَدي صفيحة يَمَانِية فَصَبَرت
وَصلى رَسُول الله ﷺ ظهر ذَلِك الْيَوْم وَأخْبر الْمُسلمين بخبرهم
ووفد يعلى بن مُنَبّه على رَسُول الله ﷺ بِخَبَر أهل مُؤْتَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن شِئْت أَخْبَرتك بخبرهم) قَالَ أَخْبرنِي فَأخْبرهُ خبرهم كُله فَقَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا تركت من حَدِيثهمْ حرفا وَاحِدًا فَقَالَ (إِن الله رفع لي الأَرْض حَتَّى رَأَيْت معتركهم وهم بِالشَّام ورأيتهم فِي الْجنَّة على سرر من ذهب وَإِن الله تَعَالَى أبدل جعفرا بيدَيْهِ جناحين يطير بهما فِي الْجنَّة) وَكَانَ ﵁ أَخذ اللِّوَاء وَنزل عَن فرس لَهُ شقراء فعرقبها فَكَانَت أول فرس عرقبت فِي الْإِسْلَام فقاتل حَتَّى قطعت يَمِينه فَأخذ اللِّوَاء بيساره فَقطعت فاحتضن اللِّوَاء فَقتل وَهُوَ كَذَلِك ضربه رجل من الرّوم فَقَطعه نِصْفَيْنِ فَوجدَ فِي أحد نصفيه بضعَة وَثَمَانُونَ جرحا ووجدوا فِيمَا أقبل من بدنه اثْنَتَيْنِ وَسبعين ضَرْبَة بِسيف وطعنه بِرُمْح
قَالَ الْبَغَوِيّ أنزل الله تَعَالَى فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة ﴿ذَرْنِي وَمن خلقت وحيدا وَجعلت لَهُ مَالا ممدودا وبنين شُهُودًا﴾
[ ١ / ٢١٠ ]
وَكَانُوا سَبْعَة وهم الْوَلِيد بن الْوَلِيد وخَالِد وَعمارَة وَهِشَام وَالْعَاص وَقيس وَعبد شمس أسلم مِنْهُم ثَلَاثَة خَالِد وَهِشَام والوليد
وَكَانَ الْوَلِيد شَدِيد الْعَدَاوَة لرَسُول الله ﷺ وَمَات على كفره
١٢ - دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ
قَالَ ابْن عبد الْبر دحْيَة بن خَليفَة بن فَرْوَة بن فضَالة بن زيد بن امْرِئ الْقَيْس بن الْخَزْرَج والخزرج الْعَظِيم هُوَ زيد مَنَاة بن عَامر بن بكر ابْن عَامر الْأَكْبَر بن عَوْف بن بكر بن عَوْف بن عذرة ابْن زيد اللات بن رفيدة بن ثَوْر بن كلب
كَانَ من كبار الصَّحَابَة أسلم قَدِيما لم يشْهد بَدْرًا وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا
وَسكن دمشق بقرية المزة
وَبَقِي إِلَى خلَافَة مُعَاوِيَة
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى قَيْصر فِي الْهُدْنَة سنة سِتّ من الْهِجْرَة
وَهُوَ أحد الرُّسُل السِّتَّة
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُشبههُ بِجِبْرِيل ﵇
[ ١ / ٢١١ ]
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي دحْيَة فِي لُغَة أهل الْيمن الرئيس
قَالَ المطرزي الدحو الْبسط لِأَن الرئيس يبسط أَصْحَابه
قَالَ يَعْقُوب بِكَسْر الدَّال لَا غير وَقَالَ أَبُو حَاتِم بِالْفَتْح لَا غير
ابْن امْرِئ الْقَيْس بن الْخَزْرَج بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الزَّاي وَفتح الرَّاء وَكسرهَا بَعضهم وَهُوَ فِي اللُّغَة الْعَظِيم
وصحفه ابْن قُتَيْبَة فَقَالَ الْخَزْرَج
كَانَ جِبْرِيل ينزل على صُورَة دحْيَة وَكَانَ من أجمل النَّاس
رُوِيَ أَنه كَانَ إِذا قدم من الشَّام لم تبْق معصر إِلَّا خرجت تنظر إِلَيْهِ قَالَ الْجَوْهَرِي المعصر الْجَارِيَة أول من أدْركْت وحاضت
قَالَ دحْيَة لما قدمت من الشَّام أهديت إِلَى النَّبِي ﷺ فَاكِهَة يابسة فستق ولوز وكعك وجبة صوف وخفين ساذجين فلبسهما حَتَّى
[ ١ / ٢١٢ ]
تخرقا
وَأَعْطَانِي قبطية وَقَالَ (أعْط صَاحبَتك مِنْهَا تَجْعَلهُ خمارا ومرها تجْعَل تَحْتَهُ شَيْئا لِئَلَّا يصف)
قَالَ الْجَوْهَرِي الْقبْطِيَّة ثِيَاب بيض رقاق من كتَّان تتَّخذ بِمصْر
قَالَ أَبُو الْخطاب ابْن دحْيَة ذُو النسبين توفّي دحْيَة بقرية تيم على مَقْبرَة من ناصرة فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وقبره فِي أَعلَى الْجَبَل بعد أَن دَعَا على نَفسه أَن يقبضهُ الله لما رأى من رَغْبَة النَّاس عَن هدي رَسُول الله ﷺ وهدي أَصْحَابه
قَالَ وَلَا خلاف بَين أهل النّسَب أَن دحْيَة أعقب وَولده مدفون على مقربة من قرافة مصر مستجاب فِيهِ الدُّعَاء وَهُوَ الْأَمِير أَبُو النَّجْم بدر بن خَليفَة ﵁
١٣ - رِفَاعَة بن زيد الجذامي
قَالَ ابْن عبد الْبر رِفَاعَة بن زيد بن وهب الضبيبي من بني الضبيب هَذَا قَول أهل الحَدِيث
وَقَالَ أهل النّسَب الضبيني بالنُّون قبل الْيَاء الْأَخِيرَة من بني ضبينة من جذام
قدم على النَّبِي ﷺ فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة فِي جمَاعَة من قومه فأسلموا وَعقد لَهُ رَسُول الله ﷺ لِوَاء وَأهْدى إِلَى رَسُول الله ﷺ غُلَاما وَكتب لَهُ كتابا إِلَى قومه فأسلموا
يُقَال إِنَّه أهْدى إِلَى رَسُول الله ﷺ الْغُلَام الْأسود الْمُسَمّى مدعما الْمَقْتُول بِخَيْبَر
وَذكره ابْن إِسْحَاق أَيْضا فِي السِّيرَة بِنَحْوِ من هَذَا
[ ١ / ٢١٣ ]
١٤ - زِيَاد بن حَنْظَلَة
التَّمِيمِي ثمَّ الْعمريّ
قَالَ ابْن عبد الْبر لَهُ صُحْبَة وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة وَهُوَ الَّذِي بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى قيس بن عَاصِم والزبرقان بن بدر ليتعاونوا على مُسَيْلمَة وطليحة وَالْأسود وَقد عمل لرَسُول الله ﷺ وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى عَليّ ﵁ وَشهد مَعَه مشاهده كلهَا
وَذكره سيف بن عمر فِي كتاب الرِّدَّة
١٥ - سليط بن عَمْرو
ابْن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر بن لؤَي الْقرشِي العامري أَخُو السَّكْرَان وَسُهيْل ابْني عَمْرو وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين هَاجر الهجرتين وَشهد بَدْرًا
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى هَوْذَة وَإِلَى ثُمَامَة بن أَثَال الْحَنَفِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة الْمُلُوك إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ الطَّبَرِيّ قتل بِالْيَمَامَةِ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَقيل سنة أَربع عشرَة وَهُوَ أحد السِّتَّة أَيْضا
[ ١ / ٢١٤ ]
١٦ - السَّائِب بن الْعَوام
ابْن خويلد بن أَسد الْقرشِي الْأَسدي أَخُو الزبير أمهما صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب
شهد أحدا وَالْخَنْدَق والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا قَالَه ابْن عبد الْبر
قَالَ عبد الْكَرِيم وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى مُسَيْلمَة بِكِتَاب آخر بعد عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي
١٧ - شُجَاع بن أبي وهب
وَيُقَال ابْن وهبان بن ربيعَة بن أَسد ابْن صُهَيْب بن مَالك بن كثير بن غنم بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة الْأَسدي حَلِيف لبني عبد شمس يكنى أَبَا وهب
أسلم قَدِيما وَشهد هُوَ وَأَخُوهُ عقبَة بن أبي وهب بَدْرًا والمشاهد كلهَا
وَهُوَ من مهاجرة الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة وَقدم مِنْهَا حِين بَلغهُمْ إِسْلَام أهل مَكَّة وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر الغساني وَإِلَى جبلة بن الْأَيْهَم وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة وَهُوَ ابْن بضع وَأَرْبَعين سنة قَالَه ابْن عبد الْبر
[ ١ / ٢١٥ ]
يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَلَعَلَّ عقبَة الَّذِي ذكره ابْن سعد فِي الْكتاب وَلم يذكر لَهُ نسبا أَن يكون هُوَ عقبَة بن وهب أَخُو شُجَاع هَذَا فَالله أعلم
وَقَالَ ابْن عَسَاكِر إِنَّه ﷺ بعث شجاعا إِلَى هِرقل مَعَ دحْيَة بن خَليفَة
وَذكر عبد الْكَرِيم الْحلَبِي أَنه هَاجر إِلَى الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة وَعَاد إِلَى مَكَّة ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة
وَبَعثه سَرِيَّة فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَهُوَ أحد السِّتَّة الَّذين بعثوا
١٨ - شُرَحْبِيل
ذكر ابْن سعد فِي رسله ﷺ إِلَى يحنة بن رؤبة صَاحب أَيْلَة شُرَحْبِيل كَمَا سَيَأْتِي فِي حرف الْيَاء عِنْد ذكر الْمُلُوك وَلم يرفع لَهُ نسبا وَلَا ذكر لَهُ أَبَا يعرف بِهِ وَذكر ابْن عبد الْبر فِي بَاب شُرَحْبِيل سِتَّة نفر وَذكر مِنْهُم شُرَحْبِيل بن غيلَان بن سَلمَة الثَّقَفِيّ قَالَ وَكَانَ أحد الْخَمْسَة الَّذِي بعثتهم ثَقِيف بِإِسْلَامِهِمْ مَعَ عبد ياليل فَلَا أعلم هُوَ هَذَا أَو شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْكَاتِب أَو غَيرهمَا وَالله أعلم
[ ١ / ٢١٦ ]
١٩ - صلصل بن شُرَحْبِيل
قَالَ ابْن عبد الْبر لَا أَقف عَن نسبه لَهُ صُحْبَة وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة وَخَبره مَشْهُور فِي إرْسَال رَسُول الله ﷺ إِلَى صَفْوَان بن أُميَّة وسبرة الْعَنْبَري ووكيع الدَّارمِيّ وَعَمْرو بن المحجوب العامري وَعَمْرو بن الخفاجي من بني عَامر وَهُوَ أحد رسله ﷺ
وَذكره سيف فِي كتاب الرِّدَّة
٢٠ - ضرار بن الْأَزْوَر الْأَسدي
قَالَ ابْن عبد الْبر ضرار بن الْأَزْوَر بن مرداس بن حبيب بن عَمْرو بن كثير بن عَمْرو بن شَيبَان الْأَسدي يكنى أَبَا الْأَزْوَر وَيُقَال أَبُو بِلَال
كَانَ فَارِسًا شجاعا شَاعِرًا مطبوعا اسْتشْهد يَوْم الْيَمَامَة
وَلما قدم على رَسُول الله ﷺ وَقَالَ
(تركت الْخُمُور وَضرب القداح وَاللَّهْو تعللة وانتهالا)
(فيا رب لَا تغبن صفقتي فقد بِعْت أَهلِي وَمَالِي بدالا)
[ ١ / ٢١٧ ]
قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا غبنت صفقتك يَا ضرار وَكَانَ رَسُول الله ﷺ بَعثه إِلَى بني الصيداء وَبَعض بني الدئل
وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب قتل ضرار بن الْأَزْوَر يَوْم أجنادين فِي خلَافَة أبي بكر الصّديق ﵁
وَقَالَ غَيره توفّي ضرار بن الْأَزْوَر فِي خلَافَة عمر بِالْكُوفَةِ
وَذكر الْوَاقِدِيّ قَالَ قَاتل ضرار بن الْأَزْوَر يَوْم الْيَمَامَة قتالا شَدِيدا حَتَّى قطعت ساقاه جَمِيعًا فَجعل يحبو على رُكْبَتَيْهِ وَيُقَاتل وتطؤه الْخَيل حَتَّى غَلبه الْمَوْت
وَقد قيل مكث ضرار بن الْأَزْوَر بِالْيَمَامَةِ مجروحا ثمَّ مَاتَ قبل أَن يرتحل خَالِد بِيَوْم
قَالَ وَهَذَا أثبت عِنْدِي من غَيره انْتهى مَا قَالَه ابْن عبد الْبر مُخْتَصرا
وَذكره سيف بن عمر التَّمِيمِي فَقَالَ فِي محاربة النَّبِي ﷺ أهل الرِّدَّة قَالَ حاربهم رَسُول الله ﷺ بالرسل والكتب
قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس قَاتل النَّبِي ﷺ الْأسود ومسيلمة وطليحة وأشياعهم بالرسل وَلم يشْغلهُ مَا كَانَ فِيهِ من وجع عَن أَمر الله ﷿ والذب عَن دينه فَبعث وبر بن يحنس إِلَى فَيْرُوز وجشيش الديلمي فِي جمَاعَة ذكرته وَذكرت كلا مِنْهُم فِي بَابه من حُرُوف المعجم فِي الرُّسُل
ثمَّ قَالَ يَعْنِي سيف بن عمر وَبعث ضرار بن الْأَزْوَر الْأَسدي إِلَى عَوْف الزّرْقَانِيّ من بني الصيداء وَسنَان الْأَسدي ثمَّ الغنمي وقضاعي الديلمي
يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَقد ذكره الْوَاقِدِيّ فِي
[ ١ / ٢١٨ ]
فتوح الشَّام وَذكر مواقفه فِي حروب كَثِيرَة مِنْهَا بَيت لهيا وهم على حِصَار دمشق وأمير الْجَيْش خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ وَأَنه برز لِلْقِتَالِ وَهُوَ عَار بسراويله على فرس عَرَبِيّ
وَذكر أسره وخلاصه على يَدي رَافع بن عميرَة الطَّائِي
وَذكر أَيْضا أَن أَبَا عُبَيْدَة ﵁ بَعثه على جَيش بعد فتح حلب وَأَن جبلة بن الْأَيْهَم أسره أَيْضا وَمَعَهُ مِائَتَيْنِ من الصَّحَابَة وَأَنه دخل بِهِ إِلَى أنطاكية إِلَى الْملك هِرقل وَأَنه أَرَادَ قَتله فَمَنعه من ذَلِك يوقنا صَاحب حلب وَكَانَ يوقنا إِذْ ذَاك مُسلما يكتم إِسْلَامه من الرّوم لينصب عَلَيْهِم وَأنْشد ضرار أبياتا يُخَاطب فِيهَا يوقنا وَابْن عَمه مِنْهَا
(أَلا أَيهَا الشخصان بِاللَّه بلغا سلامي إِلَى أطلال مَكَّة وَالْحجر)
(فلقيتما مَا عشتما ألف نعْمَة بعز وإقبال يَدُوم مَعَ النَّصْر)
وَهِي نَحْو الثَّلَاثِينَ بَيْتا يتشوق فِيهَا إِلَى أَهله وَأُخْته خَوْلَة وَكَانَت من المترجلات البازلات ذكر مواقفها مَعَ أَخِيهَا ضرار أَيْضا فِي فتوح الشَّام
وَذكره أَيْضا فِي فتوح مصر وَأَن القبط أسروه هُوَ وَأُخْته من
[ ١ / ٢١٩ ]
سَاحل الشَّام وَأتوا بهما إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي مراكب الْبَحْر وَأَن خَالِدا خلصهما عِنْد توجههما مَعَ جَيش من القبط إِلَى دير الزّجاج
وَالْمَشْهُور فِي زَمَاننَا هَذَا أَن قَبره بِظَاهِر دمشق فَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ
٢١ - ظبْيَان بن مرْثَد السدُوسِي
أرْسلهُ رَسُول الله ﷺ إِلَى بكر ابْن وَائِل ذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي بَابه
٢٢ - عبد الله بن حذافة السَّهْمِي
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي ﵀ وَهَذَا أحد السِّتَّة الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُلُوك الَّذين ذكرهم ابْن سعد وَهُوَ عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي الْقرشِي أَبُو حذافة
أسلم قَدِيما وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة مَعَ أَخِيه خُنَيْس زوج حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب قبل النَّبِي ﷺ
ذكر ابْن يُونُس فِي تَارِيخه أَنه شهد بَدْرًا وَأَنه من أهل مصر وَرَوَاهُ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلم يذكر ذَلِك غَيره
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى كسْرَى كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهُوَ الْقَائِل لرَسُول الله ﷺ حِين قَالَ سلوني عَمَّا شِئْتُم قَالَ من أبي يَا رَسُول الله قَالَ أَبوك حذافة بن قيس فَقَالَت لَهُ أمه مَا سَمِعت بِابْن أعق مِنْك
[ ١ / ٢٢٠ ]
أمنت أَن تكون أمك قارفت مَا تقارف نسَاء الْجَاهِلِيَّة فتفضحها على أعين النَّاس فَقَالَ وَالله لَو ألحقني بِعَبْد أسود للحقت بِهِ
وَكَانَت فِيهِ دعابة مَعْرُوفَة
وَعَن اللَّيْث بن سعد قَالَ بَلغنِي أَنه حل حزَام رَاحِلَة رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره حَتَّى كَاد رَسُول الله ﷺ يَقع
قَالَ ابْن وهب فَقلت لليث ليضحكه قَالَ نعم كَانَت فِيهِ دعابة
قَالَ عبد الْكَرِيم وأسرته الرّوم فَقَالَ لَهُ الطاغية تنصر وَإِلَّا ألقيتك فِي بقرة نُحَاس فَقَالَ لَا أفعل فَدَعَا بالبقرة فملئت زيتا وأغليت ودعا بِرَجُل من أُسَارَى الْمُسلمين فَعرض عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّة فَأبى فَأَلْقَاهُ فِي الْبَقَرَة فَإِذا عِظَامه تلوح فَقَالَ لعبد الله تنصر وَإِلَّا ألقيتك فِيهَا قَالَ لَا أفعل فَقرب إِلَيْهَا فَبكى فَقَالُوا جزع فَقَالَ مَا بَكَيْت جزعا مِمَّا يصنع بِي وَلَكِنِّي بَكَيْت حَيْثُ مَا لي إِلَّا نفس وَاحِدَة يفعل بهَا هَذَا فِي الله كنت أحب أَن يكون لي من الْأَنْفس عدد كل شَعْرَة فِي ثمَّ يفعل بِي هَذَا فأعجب بِهِ وَأحب أَن يُطلقهُ فَقَالَ تنصر وأزوجك ابْنَتي وأقاسمك ملكي قَالَ مَا أفعل قَالَ قبل رَأْسِي
[ ١ / ٢٢١ ]
وأطلقك وَأطلق مَعَك ثَمَانِينَ أَسِيرًا من الْمُسلمين قَالَ أما هَذِه فَنعم فَقبل رَأسه وَأطْلقهُ وَأطلق مَعَه ثَمَانِينَ أَسِيرًا
فَلَمَّا قدمُوا على عمر قَامَ إِلَيْهِ عمر فَقبل رَأسه فَكَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يمازحون عبد الله وَيَقُولُونَ قبلت رَأس العلج فَيَقُول أطلق الله بِتِلْكَ التقبيلة ثَمَانِينَ رجلا من الْمُسلمين
وَمن دعابته أَن رَسُول الله ﷺ أمره على سَرِيَّة فَأَمرهمْ أَن يجمعوا حطبا ويوقدوا نَارا فَلَمَّا أوقدوها أَمرهم بالتقحم فِيهَا فَأَبَوا فَقَالَ لَهُم ألم يَأْمُركُمْ رَسُول الله ﷺ بطاعتي وَقَالَ من أطَاع أَمِيري فقد أَطَاعَنِي فَقَالُوا مَا آمنا بِاللَّه وأطعنا رَسُوله إِلَّا لننجو من النَّار فصوب رَسُول الله ﷺ فعلهم وَقَالَ (لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَهُوَ // حَدِيث صَحِيح // روى البُخَارِيّ مَعْنَاهُ
توفّي عبد الله فِي خلَافَة عُثْمَان بِمصْر وَشهد فتحهَا وَدفن بمقبرتها
وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن عبد الله بن حذافة صلى فَجهز بِصَلَاتِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ نَاجٍ رَبك بِقِرَاءَتِك يَا ابْن حذافة وَلَا تسمعني وأسمع رَبك
قَالَ عبد الْكَرِيم وَقيل إِنَّمَا سيره رَسُول الله ﷺ إِلَى كسْرَى لِأَنَّهُ كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِم كثيرا
[ ١ / ٢٢٢ ]
٢٣ - أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ
واسْمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حَرْب بن عَامر ابْن عُمَيْر وَقيل هنزة وَقيل عنزة بن بكر بن عَامر بن عذر بن وَائِل بن نَاجِية بن الْجمَاهِر ابْن الْأَشْعر وَهُوَ نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابْن قحطان وَفِي نسبه بعض الِاخْتِلَاف
وَأمه طيبَة وهب بن عك كَانَت قد أسلمت وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ ذكر الْوَاقِدِيّ أَنه قدم مَكَّة مَعَ إخْوَته فِي جمَاعَة من الْأَشْعَرِيين فحالف سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة أَبَا أحيحة ثمَّ أسلم وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة
وَقيل إِنَّه رَجَعَ بعد قدومه مَكَّة ومحالفته من حَالف من بني عبد شمس إِلَى بِلَاد قومه حَتَّى قدم مَعَ الْأَشْعَرِيين نَحْو خمسين رجلا فِي سفينة فألقتهم الرّيح إِلَى النَّجَاشِيّ بِأَرْض الْحَبَشَة فَوَافَقُوا خُرُوج جَعْفَر وَأَصْحَابه مِنْهَا فَأتوا مَعَهم وقدمت السفينتان مَعًا سفينة
[ ١ / ٢٢٣ ]
الْأَشْعَرِيين وسفينة جَعْفَر وَأَصْحَابه على النَّبِي ﷺ حِين فتح خَيْبَر فَلهَذَا ذكره ابْن إِسْحَاق فِيمَن هَاجر إِلَى الْحَبَشَة
ولاه رَسُول الله ﷺ من مخاليف الْيمن زبيد وذواتها إِلَى السَّاحِل وولاه عمر الْبَصْرَة فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى صدر من خلَافَة عُثْمَان ثمَّ كَانَ من أمره يَوْم الْحكمَيْنِ مَا كَانَ
وَمَات بِالْكُوفَةِ وَقيل بِمَكَّة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَقيل سنة خمسين وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ وَقيل غير ذَلِك
وَكَانَ من أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ قَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ (لقد أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد)
قَالَ عبد الْكَرِيم قَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ لقد أدْركْت الْجَاهِلِيَّة فَمَا سَمِعت صَوت صنج وَلَا بربط وَلَا مزمار أحسن من صَوت أبي مُوسَى
تَفْسِير
المخلاف لأهل الْيمن وَاحِد المخاليف وَهِي كورها وَلكُل مخلاف مِنْهَا اسْم يعرف بِهِ قَالَه الْجَوْهَرِي
قَوْله مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد قَالَ القَاضِي عِيَاض أَصله الصَّوْت الْحسن وَالزمر الْغناء وَمِنْه لقد أُوتى مِزْمَارًا الحَدِيث أَي صَوتا
[ ١ / ٢٢٤ ]
حسنا
قَوْله صَوت صنج قَالَ الْجَوْهَرِي الصنج الَّذِي تعرفه الْعَرَب هُوَ الَّذِي يتَّخذ من صفر يضْرب بِالْآخرِ وَأما الصنج ذُو الأوتار فتختص بِهِ الْعَجم وهما معربان وَقَالَ
(قل لسوار إِذا مَا جِئْته وَابْن علاثة)
(زَاد فِي الصنج عبيد الله أوتارا ثَلَاثَة)
فصل
ولنذكر طرفا من أَخْبَار أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِمَام أهل السّنة فِي الِاعْتِقَاد ﵀ وَهُوَ من ذُرِّيَّة أبي مُوسَى ﵁ الْعَالم الْكَبِير قامع أهل الْبدع
قَالَ أَبُو بكر بن ثَابت خطيب بَغْدَاد ﵀ هُوَ عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن أبي بشر واسْمه إِسْحَاق بن سَالم بن إِسْمَاعِيل ا ٤ بن عبد الله بن مُوسَى بن بِلَال بن أبي بردة بن أبي مُوسَى أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ الْمُتَكَلّم صَاحب الْكتب والتصانيف فِي الرَّد على الملحدة وَغَيرهم من الْمُعْتَزلَة والرافضة والجهمية والخوارج وَسَائِر أَصْنَاف المبتدعة
وَهُوَ بَصرِي سكن بَغْدَاد وَتُوفِّي بهَا
ولد أَبُو الْحسن سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَمَات سنة نَيف وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة
وَله
[ ١ / ٢٢٥ ]
خَمْسَة وَخَمْسُونَ تصنيفا
وَكَانَ يَأْكُل من غلَّة ضَيْعَة وَقفهَا جده بِلَال بن أبي بردة على عقبه
وَكَانَت نَفَقَته فِي كل سنة سَبْعَة عشر درهما
قَالَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي كَانَت الْمُعْتَزلَة قد رفعوا رُؤْسهمْ حَتَّى أظهر الله أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ فجحرهم فِي أقماع السمسم
قَالَ مُحَمَّد الشهرستاني فِي الْملَل والنحل وَذكر أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ قَالَ وَمن عَجِيب الاتفاقات أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يَعْنِي جده كَانَ يُقرر مَا قَرَّرَهُ أَبُو الْحسن بِعَيْنِه فِي مذْهبه وَقد جرى مناظرة بَين عَمْرو بن الْعَاصِ وَبَينه فَقَالَ عَمْرو إِن أجد أحدا أخاصم إِلَيْهِ رَبِّي ﷿ فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَنا ذَلِك المتحاكم إِلَيْهِ قَالَ عَمْرو أيقدر عَليّ شَيْئا ثمَّ يُعَذِّبنِي عَلَيْهِ قَالَ نعم قَالَ عَمْرو لم قَالَ لِأَنَّهُ لَا يظلمك فَسكت عَمْرو وَلم يحر جَوَابا
ثمَّ بَين لَهُ فِي كَلَام يطول ذكره
وَمِمَّا ذكر من مدحه وَهِي لأبي الْقَاسِم الْجَزرِي
[ ١ / ٢٢٦ ]
(خُذ مَا بدا لَك أَو فدع كثرت مقالات الْبدع)
(إِن النَّبِي الْمُصْطَفى دينا حَنِيفا قد شرع)
(وَرَضي بِهِ لِعِبَادِهِ رب تَعَالَى فارتفع)
(قد كَانَ دينا وَاحِدًا حَتَّى تصرم مَا اجْتمع)
(قوم أضلهم الْهوى وَالْآخرُونَ لَهُم تبع)
(الله أيد شَيخنَا وَبِه الْبَريَّة قد شفع)
(الْأَشْعَرِيّ إمامنا شيخ الدّيانَة والورع)
(بسط الْمقَالة بِالْهدى وقطيع حجَّته انْقَطع)
(حَتَّى استضيء بنوره وَالله أتقن مَا صنع)
(من قَالَ غير مقاله أخطى الطَّرِيقَة وابتدع)
(لَا ينكرن كَلَامه إِلَّا أَخُو جهل لكع)
(أهل الْعُقُول تيقظوا فالفجر فِي الْأُفق انصدع)
(نسبوا إِلَى رب العلى مَا قَوْله مِنْهُ منع)
(زَعَمُوا بِأَن كَلَامه مثل الْكَلَام المستمع)
(فبرئت مِنْهُم إِنَّهُم ركبُوا قبيحات الشنع)
قَالَ ابْن سعد فِي الْوُفُود قدم الأشعريون على رَسُول الله ﷺ وهم خَمْسُونَ رجلا فيهم أَبُو مُوسَى فِي سفن وَخَرجُوا بجدة فَلَمَّا دنوا من الْمَدِينَة جعلُوا يَقُولُونَ غَدا نلقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه ﷺ وَرَضي عَنْهُم ثمَّ قدمُوا فوجدوا رَسُول الله ﷺ فِي سَفَره بِخَيْبَر
[ ١ / ٢٢٧ ]
فأسلموا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الأشعريون فِي النَّاس كصرة فِيهَا مسك
٢٤ - عبد الله بن عَوْسَجَة العرني
ذكره ابْن سعد وَأَن النَّبِي ﷺ بَعثه بِكِتَاب إِلَى سمْعَان الراقع يَأْتِي ذكره فِي حرف السِّين من المكاتبات إِلَى الْمُلُوك وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي بَابه
٢٥ - عبد الله ابْن بديل
ابْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ يَأْتِي ذكره مَعَ أخيع عبد الرَّحْمَن
٢٦ - عبيد الله بن عبد الْخَالِق
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَذكره أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يحيى ابْن الْأمين الطليطلي فِي كتاب
[ ١ / ٢٢٨ ]
الِاسْتِدْرَاك على أبي عمر ابْن عبد الْبر فِي أَسمَاء الصَّحَابَة من حَدِيث أَيُّوب بن نهيك عَن عَطاء قَالَ سَمِعت ابْن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ (يَقُول من يذهب بكتابي هَذَا إِلَى طاغية الرّوم) فَعرض ذَلِك ثَلَاث مَرَّات فَقَالَ عِنْد ذَلِك (من يذهب بِهِ فَلهُ الْجنَّة) فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار يدعى عبيد الله بن عبد الْخَالِق فَقَالَ أَنا أذهب بِهِ ولي الْجنَّة وَإِن هَلَكت دون ذَلِك فَقَالَ (لَك الْجنَّة إِن بلغت وَإِن قتلت وَإِن هَلَكت فقد أوجب الله لَك الْجنَّة) فَانْطَلق بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ حَتَّى بلغ بَاب الطاغي فَقَالَ أَنا رَسُول رَسُول رب الْعَالمين فَأذن لَهُ فَدخل عَلَيْهِ فَعرف طاغية الرّوم أَنه جَاءَ بِالْحَقِّ من عِنْد نَبِي مُرْسل ثمَّ عرض كتاب النَّبِي ﷺ فَجمع الرّوم عِنْده ثمَّ عرض عَلَيْهِم فكرهوا مَا جَاءَ بِهِ فَآمن بِهِ رجل مِنْهُم فَقتل عِنْد إيمَانه
ثمَّ إِن الرجل رَجَعَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْهُ وَمَا كَانَ من قتل الرجل فَقَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك الرجل يبْعَث أمة وَحده لذَلِك الْمَقْتُول
[ ١ / ٢٢٩ ]
٢٧ - الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ
رفعنَا نسبه فِي ذكر كِتَابه ﷺ فَهُوَ كَاتب وَرَسُول
وَنَذْكُر الْآن شَيْئا من كراماته ووفاته قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي
ذكر الْخلال فِي كرامات الْأَوْلِيَاء عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ لما بعث النَّبِي ﷺ الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْبَحْرين رَأَيْت مِنْهُ ثَلَاث خِصَال إنتهينا إِلَى شاطئ الْبَحْر فَقَالَ سموا الله تَعَالَى واقتحموا فسمينا واقتحمنا فعبرنا فَمَا بل المَاء أَسْفَل أخفافنا وضربنا بفلاة من الأَرْض وَلَيْسَ مَعنا مَاء فشكونا إِلَيْهِ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ دَعَا الله تَعَالَى فَإِذا سَحَابَة مثل الترس فسقتنا وَاسْتَقَيْنَا وَمَات فدفناه فِي الرمل فَلَمَّا سرنا غير بعيد قُلْنَا يَجِيء سبع يَأْكُلهُ فرجعنا لم نره وَكَانَ عبوره فِي الْبَحْر إِلَى أهل دارين وَله فِي قتال الرِّدَّة أثر عَظِيم
توفّي سنة أَربع عشرَة وَقيل سنة إِحْدَى وَعشْرين قبل أَن يصل إِلَى الْبَصْرَة بِمَاء لبني تَمِيم يُقَال لَهُ يماس
[ ١ / ٢٣٠ ]
بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُنْذر بن سَاوَى ملك الْبَحْرين كَمَا يَأْتِي مُبينًا فِي مَوْضِعه من كتَابنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٢٨ - عَمْرو بن الْعَاصِ
بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى ملكي عمان جَيْفَر وَعبد ابْني جلندى الأزديين كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه وَهُوَ كَاتب وَرَسُول
وَيَأْتِي أَيْضا خبر إِسْلَامه ووفاته عِنْد ذكر النَّجَاشِيّ
٢٩ - عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي
ابْن خويلد بن عبد الله ابْن إِيَاس بن عبيد بن نَاشِرَة بن كَعْب بن جدي بِضَم الْجِيم وَفتح الدَّال بن ضَمرَة بن بكر بن عبد مَنَاة بن عَليّ بن كنَانَة
يكنى أَبَا أُميَّة قَالَه ابْن عبد الْبر قَالَ وَشهد بَدْرًا وأحدا مَعَ الْمُشْركين وَأسلم حِين انْصَرف الْمُشْركُونَ من أحد
وَقَالَ ابْن سعد أسلم قَدِيما وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة ثمَّ هَاجر إِلَى
[ ١ / ٢٣١ ]
الْمَدِينَة
وَأول مُشَاهدَة بِئْر مَعُونَة وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَبْعَثهُ فِي أُمُوره لنجدته وجرأته أسرته بَنو عَامر فَقَالَ لَهُ عَامر بن الطُّفَيْل إِنَّه كَانَ على أُمِّي نسمَة فَاذْهَبْ فَأَنت حر عَنْهَا وجز ناصيته وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى النَّجَاشِيّ وَإِلَى أبي سُفْيَان بن حَرْب وَهُوَ مَعْدُود فِي أهل الْحجاز
وَأول رسله السِّتَّة الَّذين ذكرهم حسان كَمَا سَيَأْتِي
قَالَ ابْن عبد الْبر روى عَنهُ ابناه جَعْفَر وَعبد الله وَابْن أَخِيه الزبْرِقَان بن عبد الله بن أُميَّة
مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة
قَالَ الْحَافِظ شرف الدّين عبد الْمُؤمن بن خلف الدمياطي فِي السِّيرَة الشَّرِيفَة وَذكر سَرِيَّة عَمْرو بن أُميَّة وَسَلَمَة بن أسلم بن حريش إِلَى أبي سُفْيَان بِمَكَّة وَذَلِكَ أَن أَبَا سُفْيَان ابْن حَرْب قَالَ لنفر من قُرَيْش أَلا أحد يغر مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّهُ يمشي فِي الْأَسْوَاق فَأَتَاهُ رجل من الْأَعْرَاب فَقَالَ قد وجدت أجمع الرِّجَال قلبا وأشدهم بطشا وأسرعهم شدا فَإِن أَنْت قويتني خرجت إِلَيْهِ حَتَّى أغتاله وَمَعِي خنجر مثل خافية النسْر فأشوره ثمَّ أَخذ فِي عير فأسبق الْقَوْم
[ ١ / ٢٣٢ ]
عدوا فَإِنِّي هاد بِالطَّرِيقِ خريت
قَالَ أَنْت صاحبنا فَأعْطَاهُ بَعِيرًا وَنَفَقَة وَقَالَ اطو أَمرك فَخرج لَيْلًا فَسَار على رَاحِلَته خمْسا وصبح ظهراء الْحرَّة صبح سادسة
ثمَّ أقبل يسْأَل عَن رَسُول الله ﷺ حَتَّى دلّ عَلَيْهِ فعقل رَاحِلَته ثمَّ أقبل على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي مَسْجِد بني عبد الْأَشْهَل فَلَمَّا رَآهُ قَالَ إِن هَذَا ليريد غدرا فَذهب ليجني على رَسُول الله ﷺ فَجَذَبَهُ أسيد ابْن الْحضير بداخلة إزَاره فَإِذا بالخنجر فأسقط فِي يَده وَقَالَ دمي دمي وَأخذ أسيد بلبته فدغته فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أصدقني مَا أَنْت قَالَ وَأَنا آمن قَالَ نعم فَأخْبرهُ بِخَبَرِهِ وَمَا جعل بِهِ أَبُو سُفْيَان فخلى عَنهُ رَسُول الله ﷺ وَبعث عَمْرو بن أُميَّة وَسَلَمَة بن أسلم إِلَى أبي سُفْيَان وَقَالَ إِن أصبْتُمَا مِنْهُ غرَّة فاقتلاه فدخلا مَكَّة وَمضى عَمْرو يطوف بِالْبَيْتِ لَيْلًا فَرَآهُ مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان فَعرفهُ فَأخْبر قُريْشًا بمكانه فخافوه وطلبوه وَكَانَ فاتكا فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَالُوا لم يَأْتِ عَمْرو لخير فحشد لَهُ أهل مَكَّة وتجمعوا فهرب عَمْرو وَسَلَمَة فلقي عَمْرو عبيد الله بن مَالك التَّيْمِيّ فَقتله وَقتل آخر من بني الدئل سَمعه يتغني وَيَقُول
(وَلست بِمُسلم مَا دمت حَيا وَلست أدين دين المسلمينا)
وَلَقي رسولين لقريش بعثتهما يتجسسان الْخَبَر فَقتل أَحدهمَا وَأسر الآخر فَقدم بِهِ الْمَدِينَة
فَجعل عَمْرو يخبر رَسُول الله ﷺ وَرَسُول الله
[ ١ / ٢٣٣ ]
ﷺ يضْحك
وَله ﵁ أَخْبَار عَجِيبَة فِي تجسسه وتبليغه المراسلات ودخوله فِي عَسْكَر الْعَدو وَالْخُرُوج مِنْهُ وَلَا يعلم بِهِ كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي فتوح الشَّام وفتوح مصر وَغير ذَلِك
وَكَانَ يُسمى ساعي النَّبِي ﷺ وَرَضي الله عَنهُ قَالَه الْمُؤلف عَفا الله عَنهُ
٣٠ - عَمْرو بن حزم
قَالَ مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَات وَكتب رَسُول الله ﷺ لعَمْرو بن حزم حِين بَعثه إِلَى الْيمن عهدا يُعلمهُ فِيهِ شرائع الْإِسْلَام وفرائضه وحدوده وَكتب أبي
قَالَ ابْن عبد الْبر عَمْرو ابْن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي من بني مَالك بن النجار وَذكر فِي نسبه خلافًا
يكنى أَبَا الضَّحَّاك وَلم يشْهد بَدْرًا وَأول مُشَاهدَة الخَنْدَق
وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ على نَجْرَان وهم بلحارث بن كَعْب وَهُوَ ابْن سبع عشرَة سنة ليفقههم فِي الدّين وَيُعلمهُم الْقُرْآن وَيَأْخُذ صَدَقَاتهمْ وَذَلِكَ سنة عشر بعد أَن بعث إِلَيْهِم خَالِد بن الْوَلِيد فأسلموا وَكتب لَهُ كتابا فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن
[ ١ / ٢٣٤ ]
وَالصَّدقَات والديات
وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَخمسين وَقيل إِن عَمْرو بن حزم توفّي فِي خلَافَة عمر ﵁ وَفِي ذَلِك خلاف ذكره ابْن عبد الْبر وَقَالَ روى عَنهُ ابْنه مُحَمَّد وَالنضْر بن عبد الله السّلمِيّ وَزِيَاد بن نعيم الْحَضْرَمِيّ
٣١ - عقبَة بن نمر
قَالَ ابْن عبد الْبر وَفد على النَّبِي ﷺ فِي وَفد هَمدَان
وَلم يرفع لَهُ نسبا
وَذكر ابْن إِسْحَاق فِي الْوُفُود فَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ أما بعد فَإِن رَسُول الله مُحَمَّدًا النَّبِي أرسل إِلَى زرْعَة ذِي يزن أَن إِذا أَتَاكُم رُسُلِي فأوصيكم بهم خيرا معَاذ بن جبل وَعبد الله بن زيد وَمَالك بن عبَادَة وَعقبَة بن نمر وَمَالك بن مرّة وأصحابهم وَأَن اجْمَعُوا مَا عنْدكُمْ من الصَّدَقَة والجزية وأبلغوها رُسُلِي وَأَن أَمِيرهمْ معَاذ بن جبل فَلَا يَنْقَلِبْنَ إِلَّا رَاضِيا
[ ١ / ٢٣٥ ]
٣٢ - أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن الدوسي
وَكَانَ من حَقه أَن يقدم تلو العبادلة
قَالَ ابْن عبد الْبر أَبُو هُرَيْرَة هُوَ عُمَيْر بن عَامر بن عبد ذِي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صَعب ابْن مُنَبّه بن سعد بن ثَعْلَبَة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس
ذكر ابْن عبد الْبر فِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَافا كثيرا حَاصله أَنه كَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة عبد شمس وَفِي الْإِسْلَام عبد الله أَو عبد الرَّحْمَن وغلبت عَلَيْهِ كنيته فَعرف بهَا
رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ كنت أحمل هرة فِي كمي فرآني النَّبِي ﷺ فَقَالَ لي مَا هَذَا فَقلت هرة فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة
أسلم ﵁ عَام خَيْبَر وشهدها مَعَ رَسُول الله ﷺ وَكَانَ يَدُور مَعَه حَيْثُ دَار وَكَانَ من أحفظ الصَّحَابَة ﵃
وَشهد لَهُ رَسُول الله ﷺ بِأَنَّهُ حَرِيص على الْعلم والْحَدِيث
وَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي سَمِعت مِنْك حَدِيثا كثيرا وَإِنِّي أخْشَى أَن أنسى فَقَالَ ابْسُطْ رداءك قَالَ فبسطته فغرف بِيَدِهِ فِيهِ ثمَّ
[ ١ / ٢٣٦ ]
قَالَ ضمه فَمَا نسيت شَيْئا بعد
قَالَ البُخَارِيّ روى عَنهُ أَكثر من ثَمَانمِائَة مَا بَين صَاحب وتابع
اسْتَعْملهُ عمر على الْبَحْرين ثمَّ عَزله ثمَّ أَرَادَهُ على الْعَمَل فَأبى وَلم يزل بِالْمَدِينَةِ حَتَّى توفّي بهَا سنة سبع وَخمسين وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة
وَقيل مَاتَ بالعقيق وَصلى عَلَيْهِ الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان وَكَانَ أَمِير الْمَدِينَة ومروان مَعْزُول
قَالَ ابْن سعد كتب رَسُول الله ﷺ إِلَى مجوس هجر يعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام فَإِن أَبَوا أخذت مِنْهُم الْجِزْيَة وَبعث أَبَا هُرَيْرَة مَعَ الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ وأوصاه بِهِ خيرا
قَالَ صَاحب زبد الفكرة روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة آلَاف حَدِيث وثلاثمائة وَأَرْبَعَة وَسبعين حَدِيثا وَإِنَّمَا صَحبه أَربع سِنِين
وَكَانَ مَرْوَان يستخلفه على الْمَدِينَة إِذا حج وَإِذا غَابَ فَكَانَ يركب الْحمار ورسنه من لِيف ويحتطب عَلَيْهِ ويعبر فِي السُّوق وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة
وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه بِلَال روى عَن أَبِيه وَشهد صفّين مَعَ مُعَاوِيَة وعاش إِلَى زمن سُلَيْمَان بن عبد الْملك
[ ١ / ٢٣٧ ]
رُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ يُصَلِّي خلف عَليّ وَيَأْكُل على سماط مُعَاوِيَة فَإِذا وَقع الْقِتَال قعد على الكوم فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ الصَّلَاة خلف عَليّ أتم وسماط مُعَاوِيَة أدسم والقعاد على الكوم أسلم
روى الْحميدِي فِي إِفْرَاد البُخَارِيّ ﵀ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه كَانَ يَقُول وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِن كنت لأعتمد بكبدي على الأَرْض من الْجُوع وَإِن كنت لأشد الْحجر على بَطْني من الْجُوع وَلَقَد قعدت يَوْمًا على طريقهم الَّذِي يخرجُون مِنْهُ فَمر أَبُو بكر فَسَأَلته عَن آيَة من كتاب الله مَا سَأَلته إِلَّا ليشبعني فَمر فَلم يفعل ثمَّ مر بِي عمر فَسَأَلته عَن آيَة من كتاب الله مَا سَأَلته إِلَّا ليشبعني فَمر فَلم يفعل ثمَّ مر بِي أَبُو الْقَاسِم ﷺ فَتَبَسَّمَ حِين رَآنِي وَعرف مَا فِي نَفسِي وَمَا فِي وَجْهي ثمَّ قَالَ أَبَا هر قلت لبيْك يَا رَسُول الله قَالَ الْحق وَمضى فاتبعته فَدخل فَاسْتَأْذن فَأذن لي فَدخل فَوجدَ لَبَنًا فِي قدح فَقَالَ من أَيْن هَذَا اللَّبن قَالُوا أهداه لَك فلَان أَو فُلَانَة قَالَ أباهر
[ ١ / ٢٣٨ ]
قلت لبيْك رَسُول الله قَالَ الْحق إِلَى أهل الصّفة فادعهم لي قَالَ وَأهل الصّفة أضياف الْإِسْلَام لَا يأوون على أهل وَلَا مَال وَلَا على أحد إِذا أَتَتْهُ صَدَقَة بعث بهَا إِلَيْهِم وَلم يتَنَاوَل مِنْهَا شَيْئا وَإِذا أَتَتْهُ هَدِيَّة أرسل إِلَيْهِم وَأصَاب مِنْهَا وأشركهم فِيهَا فساءني ذَلِك فَقلت وَمَا هَذَا اللَّبن فِي أهل الصّفة كنت أَحَق أَن أُصِيب من هَذَا اللَّبن شربة أتقوى بهَا فَإِذا جاؤوا أَمرنِي فَكنت أَنا أعطيهم وَمَا عَسى أَن يبلغنِي من هَذَا اللَّبن وَلم يكن من طَاعَة الله وَطَاعَة رَسُوله بُد فأتيتهم فدعوتهم فَأَقْبَلُوا وَاسْتَأْذَنُوا فَأذن لَهُم وَأخذُوا مجَالِسهمْ من الْبَيْت
قَالَ يَا أَبَا هر قلت لبيْك يَا رَسُول الله قَالَ خُذ فأعطهم قَالَ فَأخذت الْقدح فَجعلت أعْطِيه الرجل فيشرب حَتَّى يروي ثمَّ يرد عَليّ الْقدح فَأعْطِيه الآخر فيشرب حَتَّى يروي ثمَّ يرد عَليّ الْقدح حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي ﷺ وَقد روى الْقَوْم كلهم فَأخذ الْقدح فَوَضعه على يَده فَنظر إِلَيّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ أَبَا هر قلت لبيْك يَا رَسُول الله قَالَ بقيت أَنْت وَأَنا قلت صدقت يَا رَسُول الله قَالَ اقعد فَاشْرَبْ فَقَعَدت فَشَرِبت فَقَالَ اشرب فَشَرِبت فَمَا زَالَ يَقُول اشرب حَتَّى قلت لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أجد لَهُ مسلكا قَالَ فأرني فأعطيته الْقدح فَحَمدَ الله وسمى وَشرب الفضلة
ورويناه فِي كتاب الرقَاق فِي البُخَارِيّ ورويناه فِي صَحِيح مُسلم فِي
[ ١ / ٢٣٩ ]
حَدِيث أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ الطَّوِيل وَزَاد فِيهِ فَقلت لَا أشْرب حَتَّى تشرب يَا رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن ساقي الْقَوْم آخِرهم وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه آخِرهم شربا
وروينا فِي جَامع التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن رَافع قَالَ قلت لأبي هُرَيْرَة لم كنيت أَبَا هُرَيْرَة قَالَ أما تفرق مني قلت بلَى وَالله إِنِّي لأهابك قَالَ كنت راعي غنم أَهلِي وَكَانَت لي هُرَيْرَة صَغِيرَة فَكنت أضعها بِاللَّيْلِ فِي شَجَرَة فَإِذا كَانَ النَّهَار ذهبت بهَا معي فلعبت بهَا فكنوني أَبَا هُرَيْرَة قَالَ التِّرْمِذِيّ // حَدِيث غَرِيب //
وروينا فِيهِ عَنهُ قَالَ لَيْسَ أحد أَكثر حَدِيثا عَن رَسُول الله ﷺ مني إِلَّا عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب وَكنت لَا أكتب
٣٣ - عبد الرَّحْمَن ابْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ
قَالَ ابْن عبد الْبر عبد الرَّحْمَن بن بديل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ قَالَ الْكَلْبِيّ هُوَ وَأَخُوهُ عبد الله رَسُولا رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن وشهدا
[ ١ / ٢٤٠ ]
صفّين جَمِيعًا
وَقتل عبد الله بصفين وَكَانَ سيد خُزَاعَة أسلم مَعَ أَبِيه قبل الْفَتْح وَشهد حنينا والطائف وتبوك
وَكَانَ لَهُ قدر وجلالة وَكَانَ عَلَيْهِ فِي صفّين دِرْعَانِ وسيفان وَكَانَ لَهُ بهَا موقف عَظِيم
وَقتل هُوَ وَأَخُوهُ عبد الرَّحْمَن بهَا
٣٤ - عَيَّاش بن أبي ربيعَة
وَاسم أبي ربيعَة عَمْرو بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن وَقيل أَبَا عبد الله
هُوَ أَخُو أبي جهل بن هِشَام لأمه أمهما أم الْجلاس وَاسْمهَا أَسمَاء بنت مخربة ابْن جندل بن أبير بن نهشل بن دارم وَهُوَ أَخُو عبد الله بن أبي ربيعَة لِأَبِيهِ وَأمه
كَانَ إِسْلَامه قَدِيما قبل أَن يدْخل رَسُول الله ﷺ دَار الأرقم وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَعَ امْرَأَته
[ ١ / ٢٤١ ]
أَسمَاء ابْنة سَلمَة بن مخربة ولدت لَهُ بهَا ابْنه عبد الله
ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة فَجمع الهجرتين
قَالَ ابْن إِسْحَاق فِي حَدِيث الْهِجْرَة ثمَّ خرج عمر بن الْخطاب وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي حَتَّى قدما الْمَدِينَة قَالَ عمر اتَّعَدْت لما أردنَا الْهِجْرَة أَنا وَعَيَّاش وَهِشَام ابْن الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي التَّنَاضِب من أضاة بني غفار وَقُلْنَا أَيّنَا لم يصبح عِنْدهَا فقد حبس فليمض صَاحِبَاه قَالَ فَأَصْبَحت أَنا وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة عِنْد التَّنَاضِب وَحبس عَنَّا هِشَام قَالَ السُّهيْلي التَّنَاضِب بِكَسْر الضَّاد كَأَنَّهُ جمع تنضب وَهُوَ ضرب من الشّجر تألفه الحرباء تتَّخذ مِنْهُ القسي ودخانه أَبيض
قَالَ وأضاة بني غفار على عشرَة أَمْيَال من مَكَّة والأضاة الغدير كَأَنَّهَا مقلوب من وضأة على وزن فعلة واشتقاقه من الْوَضَاءَة بِالْمدِّ وَهِي النَّظَافَة لِأَن المَاء ينظف وَجمعه إضاء قَالَ النَّابِغَة
[ ١ / ٢٤٢ ]
(وَهن إضاء صافيات الغلائل )
قَالَ عمر فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة نزلنَا فِي بني عَمْرو ابْن عَوْف بقباء وَخرج أَبُو جهل بن هِشَام والْحَارث أَخُوهُ إِلَى عَيَّاش وَكَانَ ابْن عَمهمَا وأخاهما لِأُمِّهِمَا حَتَّى قدما علينا الْمَدِينَة وَرَسُول الله ﷺ بِمَكَّة فَكَلمَاهُ فَقَالَا لَهُ إِن أمك قد نذرت أَن لَا يمس رَأسهَا مشط حَتَّى تراك وَلَا تستظل من شمس حَتَّى تراك فرق لَهَا فَقلت لَهُ يَا عَيَّاش إِنَّه وَالله إِن يُرِيدُكَ الْقَوْم إِلَّا ليفتنوك عَن دينك فَاحْذَرْهُمْ فوَاللَّه لَو قد آذَى أمك الْقمل لامتشطت وَلَو قد اشْتَدَّ عَلَيْهَا حر مَكَّة لاستظلت قَالَ فَقَالَ أبر قسم أُمِّي ولي هُنَاكَ مَال فَآخذهُ قَالَ فَقلت وَالله إِنَّك لتعلم أَنِّي لمن أَكثر قُرَيْش مَالا فلك نصف مَالِي وَلَا تذْهب مَعَهُمَا قَالَ فَأبى عَليّ إِلَّا أَن يخرج مَعَهُمَا فَلَمَّا أَبى إِلَّا ذَلِك قَالَ قلت أما إِذْ قد فعلت مَا فعلت فَخذ نَاقَتي هَذِه فَإِنَّهَا نَاقَة نجيبة ذَلُول فَالْزَمْ ظهرهَا فَإِن رَابَك من الْقَوْم ريب فَانْجُ عَلَيْهَا
فَخرج عَلَيْهَا مَعَهُمَا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض الطَّرِيق قَالَ لَهُ أَبُو جهل يَا أخي وَالله لقد استغلظت بَعِيري هَذَا أَفلا تعقبني على نَاقَتك هَذِه قَالَ
[ ١ / ٢٤٣ ]
بلَى قَالَ فَأَنَاخَ وأناخا لِيَتَحَوَّل عَلَيْهَا فَلَمَّا اسْتَووا بِالْأَرْضِ عدوا عَلَيْهِ فَأَوْثَقَاهُ رِبَاطًا ثمَّ دخلا بِهِ مَكَّة وفتناه فَافْتتنَ ودخلا بِهِ نَهَارا موثقًا ثمَّ قَالَا يَا أهل مَكَّة هَكَذَا فافعلوا بسفهائكم كَمَا فعلنَا بسفيهنا هَذَا
قَالَ عمر فَكُنَّا نقُول مَا الله بقابل مِمَّن افْتتن صرفا وَلَا عدلا وَلَا تَوْبَة
قوم عرفُوا الله ثمَّ رجعُوا إِلَى الْكفْر لبلاء أَصَابَهُم
قَالَ وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِك لأَنْفُسِهِمْ
فَلَمَّا قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة أنزل الله ﷿ فيهم وَفِي قَوْلنَا وَقَوْلهمْ لأَنْفُسِهِمْ يعبادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا إِلَى قَوْله وَأَنْتُم لَا تشعرون قَالَ عمر فكتبتها بيَدي فِي صحيفَة وَبعث بهَا إِلَى هِشَام بن الْعَاصِ
فَقَالَ هِشَام لما أَتَتْنِي جعلت أقرأها بِذِي طوى أصعد بهَا فِيهِ وأصوب وَلَا أفهمها حَتَّى قلت اللَّهُمَّ فهمنيها قَالَ فَألْقى الله فِي قلبِي أَنَّهَا إِنَّمَا أنزلت فِينَا وَفِيمَا كُنَّا نقُول فِي أَنْفُسنَا وَيُقَال فِينَا
قَالَ فَرَجَعت إِلَى بَعِيري فَجَلَست عَلَيْهِ فلحقت برَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ
وَأما عَيَّاش بن أبي ربيعَة فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ من لي بعياش وَهِشَام فَقَالَ الْوَلِيد
[ ١ / ٢٤٤ ]
ابْن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة أَنا لَك بهما يَا رَسُول الله فَخرج إِلَى مَكَّة فَقَدمهَا مستخفيا فلقي امْرَأَة تحمل طَعَاما فَقَالَ لَهَا أَيْن تريدين يَا أمة الله قَالَت أُرِيد هذَيْن المحبوسين تعنيهما فتبعها حَتَّى عرف موضعهما وَكَانَا محبوسين فِي بَيت لَا سقف لَهُ فَلَمَّا أَمْسَى تسور عَلَيْهِمَا ثمَّ أَخذ مروة فوضعها تَحت قيديهما ثمَّ ضربهما بِسَيْفِهِ فقطعهما فَكَانَ يُقَال لسيفه ذُو الْمَرْوَة لذَلِك ثمَّ حملهما على بعير وسَاق بهما فعثر فدميت أُصْبُعه فَقَالَ
(هَل أَنْت إِلَّا أصْبع دميت وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت)
ثمَّ قدم بهما على رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة
وَكَانَ ذَلِك فِي الْمحرم من أول سني الْهِجْرَة
قَالَ ابْن عبد الْبر قنت رَسُول الله ﷺ شهرا يَدْعُو للمستضعفين بِمَكَّة ويسمي مِنْهُم الْوَلِيد ابْن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْخَبَر بذلك من أصح أَخْبَار الْآحَاد
قتل يَوْم اليرموك وَقيل مَاتَ بِمَكَّة
وَالله أعلم
ذكر ابْن سعد فِي الطَّبَقَات عَيَّاش بن أبي ربيعَة فِي رسله ﷺ
[ ١ / ٢٤٥ ]
إِلَى الْحَارِث ومسروح ونعيم بن عبد كلال من حمير كَمَا سَيَأْتِي مُبينًا عِنْد ذكر الْمُلُوك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٣٥ - فرات بن حَيَّان
ابْن ثَعْلَبَة الْعجلِيّ من بني عجل من بكر بن وَائِل ابْن قاسط حَلِيف لبني سهم هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ
رُوِيَ عَنهُ حَارِثَة بن مضرب وحَنْظَلَة بن الرّبيع قَالَه ابْن عبد الْبر
وَرُوِيَ عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ بَعثه إِلَى ثُمَامَة بن أَثَال فِي قتل مُسَيْلمَة وقتاله
وَذكر سيف بن عمر فِي كتاب الرِّدَّة قَالَ خرج فرات والرحال وَأَبُو هُرَيْرَة من عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لضرس أحدهم فِي النَّار أعظم من أحد وَأَن مَعَه لِوَاء غادر قَالَ فرات فَبَلغنَا ذَلِك فَمَا أمنا حَتَّى صنع الرّحال مَا صنع ثمَّ قتل يَعْنِي مَعَ الْمُرْتَدين فِي خلَافَة أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ فَخر أَبُو هُرَيْرَة وفرات ساجدين لله ﷿
٣٦ - قدامَة بن مَظْعُون
قَالَ ابْن عبد الْبر قدامَة بن مَظْعُون بن حبيب بن وهب بن
[ ١ / ٢٤٦ ]
حذافة بن جمح الْقرشِي الجُمَحِي يكنى أَبَا عمر وَقيل أَبَا عَمْرو وَالْأول أشهر
أمه امْرَأَة من بني جمح وَهُوَ خَال عبد الله وَحَفْصَة ابْني عمر بن الْخطاب ﵃
وَكَانَ تَحْتَهُ صَفِيَّة بنت الْخطاب أُخْت عمر هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَعَ أَخَوَيْهِ عُثْمَان وَعبد الله
وَشهد بَدْرًا وَسَائِر الْمشَاهد مَعَ رَسُول الله ﷺ
اسْتَعْملهُ عمر على الْبَحْرين ثمَّ عَزله وَجلده على الْخمر لسَبَب يطول ذكره ابْن عبد الْبر وغاضب عمر ثمَّ صَالحه لرؤيا رَآهَا عمر لما قفل من الْحَج وَنزل بالسقيا نَام فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ عجلوا عَليّ بِقُدَامَةَ فوَاللَّه لقد أَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ سَالم قدامَة فَإِنَّهُ أَخُوك فعجلوا عَليّ بِهِ فَلَمَّا أَتَوْهُ أَبى أَن يَأْتِي ثمَّ جَاءَ فَكَلمهُ عمر واستغفر لَهُ
قَالَ ابْن عبد الْبر وَلم يحد فِي الْخمر أحد من أهل بدر إِلَّا قدامَة بن مَظْعُون ﵁
توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسِتِّينَ سنة ذكره ابْن سعد فِي رسله ﷺ إِلَى الْمُنْذر بن سَاوَى هُوَ وَأَبُو هُرَيْرَة ﵄ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٣٧ - قيس بن نمط الأرحبي
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي أرحب بطن من هَمدَان باسكان الْمِيم
[ ١ / ٢٤٧ ]
وَالدَّال الْمُهْملَة وَهِي الْقَبِيلَة
قَالَ عَليّ ﵁
(وَلَو كنت بوابا على بَاب جنَّة لَقلت لهمدان ادخلي بِسَلام)
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي الْوُفُود
وَذكر الرشاطي أَن قيس ابْن نمط بن قيس بن مَالك وَقيل قيس بن مَالك بن نمط الأرحبي خرج حَاجا فِي الْجَاهِلِيَّة فَوَافَقَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم فَقَالَ هَل عِنْد قَوْمك من مَنْعَة قَالَ نَحن أمنع الْعَرَب وَقد خلفت فِي الْحَيّ فَارِسًا مُطَاعًا يكنى أَبَا زيد قيس بن عَمْرو وَقيل أَبُو زيد عَمْرو بن مَالك فَاكْتُبْ إِلَيْهِ حَتَّى أوافيك بِهِ فَكتب إِلَيْهِ
فَأتى قيس بن نمط أَبَا زيد بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ فَأسلم وَأسلم بعض أرحب وأقبلا فِي جمَاعَة إِلَى مَكَّة ليقبلا برَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن وَذَلِكَ بعد عَاميْنِ أَو ثَلَاثَة وَأَقْبَلت الْأَنْصَار فِي تِلْكَ الْمدَّة فعاقدوا رَسُول الله ﷺ فَخرج إِلَيْهِم فَمضى قيس بن نمط وَخلف أَصْحَابه بِمَكَّة فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ قَالَ وَفِي الرجل وَأخْبر بقَوْمه) فَقَالَ (سأكتب لَك كتابا وأجعلك على قَوْمك)
فَكتب لَهُ فِي قِطْعَة أَدِيم وَأسلم جَمِيع هَمدَان وَقدمُوا على رَسُول الله ﷺ مقدمه من تَبُوك وَهُوَ مائَة وَعِشْرُونَ رَاكِبًا
وَقَالَ ابْن سعد قدم وَفد هَمدَان على رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِم مقطعات الْحبرَة مكففة بالديباج فَقَالَ رَسُول
[ ١ / ٢٤٨ ]
الله ﷺ (نعم الْحَيّ هَمدَان مَا أسرعها إِلَى النَّصْر وأصبرها على الْجهد وَمِنْهُم أبدال وَفِيهِمْ أوتاد الْإِسْلَام)
وَلم يذكر ابْن عبد الْبر قيسا فِي بَابه يَعْنِي قيس بن نمط
٣٨ - معَاذ بن جبل
ابْن عَمْرو بن أَوْس قَالَ الْجَوْهَرِي الْأَوْس الْعَطاء والأوس الذِّئْب وَبِه سمي الرجل وَأَوْس أَبُو قَبيلَة من الْيمن وَهُوَ أَوْس بن قيلة أَخُو الْخَزْرَج مِنْهُم الْأَنْصَار وقيلة أمهما نسبا إِلَيْهَا وهما ابْنا حَارِثَة ابْن ثَعْلَبَة من الْيمن والخزرج الرّيح الْجنُوب غير مجراة بن عَائِذ ابْن عدي ابْن كَعْب بن عَمْرو بن أُدي بن سعد بن عَليّ بن أَسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ الخزرجي الْجُشَمِي يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن
وَنسبه بَعضهم فِي بني سَلمَة بن سعد بن عَليّ
قَالَ ابْن إِسْحَاق هُوَ من بني جشم بن الْخَزْرَج وَإِنَّمَا ادَّعَتْهُ بَنو سَلمَة لِأَنَّهُ كَانَ أَخا سهل بن مُحَمَّد بن الْجد بن قيس لأمه
وَذكر الزبير عَن ابْن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ رَهْط معَاذ بَنو أدّى بن سعد بن الْخَزْرَج قَالَ وَلم يبْق من بني أُدي أحد
[ ١ / ٢٤٩ ]
وعدادهم فِي بني سَلمَة وَكَانَ آخر من بَقِي مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن معَاذ بن جبل مَاتَ بِالشَّام فِي الطَّاعُون فانقرضوا
شهد الْعقبَة وبدرا والمشاهد كلهَا وَكَانَ عمره لما أسلم ثَمَانِي عشرَة سنة
بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى جملَة الْيمن دَاعيا إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم عَامَّة أهل الْيمن مُلُوكهمْ وعامتهم طَوْعًا من غير قتال
وَذكر ابْن الْحذاء فِي التَّعْرِيف أَن رَسُول الله ﷺ بعث معَاذًا إِلَى الْيمن فِي شهر ربيع الأول سنة عشر وَقدم فِي خلَافَة أبي بكر فِي الْحجَّة الَّتِي حج فِيهَا عمر
قَالَ الْحَاكِم فِي الإكليل بَعثه وَأَبا مُوسَى إِلَى الْيمن عِنْد انْصِرَافه من تَبُوك سنة تسع
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ بَاب بعث أبي مُوسَى ومعاذ إِلَى الْيمن قبل حجَّة الْوَدَاع
قَالَ ابْن عبد الْبر وَقَالَ ابْن إِسْحَاق إِن رَسُول الله ﷺ بعث معَاذًا إِلَى الْجند من الْيمن يعلم النَّاس الْقُرْآن وَشَرَائِع الْإِسْلَام وَيَقْضِي بَينهم وَجعل إِلَيْهِ قبض الصَّدقَات من الْعمَّال الَّذين بِالْيمن وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد قسم الْيمن على خَمْسَة رجال خَالِد بن سعيد على صنعاء وَالْمُهَاجِر بن أبي أُميَّة على كِنْدَة وَزِيَاد بن لبيد على
[ ١ / ٢٥٠ ]
حَضرمَوْت ومعاذ بن جبل على الْجند وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ على زبيد وَزَمعَة وعدن والساحل وَقَالَ لِمعَاذ بن جبل حِين وَجهه بِمَا تقضي قَالَ بِمَا فِي كتاب الله تَعَالَى قَالَ فَإِن لم تَجِد قَالَ بِمَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ قَالَ فَإِن لم تَجِد قَالَ أجتهد رَأْيِي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله لما يحب رَسُول الله ﷺ
قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم الْجند مَفْتُوح الْحُرُوف مَوضِع بِالْيمن قَالَ الراجز
(تنقلا من بلد إِلَى بلد يَوْمًا بِصَنْعَاء وَيَوْما بالجند)
وجند بِضَم أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه وبالدال الْمُهْملَة جبل بِالْيمن أَيْضا
قَالَ وَزَمعَة بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه وَعين مُهْملَة من منَازِل حمير بِالْيمن وَذكره
قَالَ الْحَاكِم وَرُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ شيع معَاذًا فِي جمَاعَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار إِلَى أَن ركب معَاذ وَرَسُول الله ﷺ يمشي ويوصيه
وَكَانَ أحد الْأَنْصَار الثَّلَاثَة الَّذين كَانُوا يفتون على عهد رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ٢٥١ ]
وهم أبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل وَزيد بن ثَابت وَثَلَاثَة من الْمُهَاجِرين عَمْرو عُثْمَان وَعلي ﵃
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أعلمهم بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل
يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة أَمَام الْعلمَاء برتوة أَو رتوتين بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق أَي برمية سهم وَقيل بميل وَقيل بمدى الْبَصَر
قَالَ ابْن عبد الْبر وَكَانَ شَابًّا جميلا من أفضل شباب قومه سَمحا لَا يمسك
قَالَ الْمَدَائِنِي مَاتَ معَاذ بِنَاحِيَة الْأُرْدُن فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَلَاثِينَ سنة قَالَ وَلم يُولد لَهُ قطّ كَمَا قَالَ الْوَاقِدِيّ
وَذكر أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ أَنه مَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَعشْرين سنة
وَعند سعيد بن الْمسيب قَالَ قبض معَاذ وَهُوَ ابْن ثَلَاث أَو أَربع وَثَلَاثِينَ سنة
قَالَ زرْعَة قَالَ لي أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَفِيه مَاتَ معَاذ وَأَبُو عُبَيْدَة
قَالَ وَكَانَ الطَّاعُون سنة سبع عشرَة وثمان عشرَة وَفِي سنة سبع عشرَة رَجَعَ عمر من سرغ بِجَيْش الْمُسلمين لِئَلَّا يقدمهم على الطَّاعُون
عمواس قَرْيَة بَين الرملة وَبَيت الْمُقَدّس بِفَتْح أَوله وثانية وَبعده وَاو
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَألف وسين مُهْملَة قَالَ وَذكر الْأَصْمَعِي أَنه إِنَّمَا سمي الطَّاعُون بذلك لقَولهم عَم وآسى وَمَات فِيهِ نَحْو خَمْسَة وَعشْرين ألفا قَالَه الْبكْرِيّ
وَقَالَ سرغ بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه بعده غين مُعْجمَة مَدِينَة بِالشَّام افتتحها أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح
وَذكر ابْن عبد الْبر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أصَاب النَّاس طاعون بالجابية فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ تفَرقُوا عَنهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة النَّار فَقَامَ معَاذ بن جبل فَقَالَ لقد كنت فِينَا ولأنت أضلّ من حمَار أهلك سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول هُوَ رَحْمَة لهَذِهِ الْأمة اللَّهُمَّ فاذكرمعاذا وَآل معَاذ فِيمَن تذكره بِهَذِهِ الرَّحْمَة
روى عَنهُ من الصَّحَابَة عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن أبي أوفى وَأنس بن مَالك وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ فِي جمَاعَة ﵃
كَانَ عبد الله بن عمر يَقُول حَدثنَا عَن العاقلين الْعَالمين قيل من هما قَالَ معَاذ وَأَبُو الدَّرْدَاء ﵄
وَعَن فَرْوَة الْأَشْجَعِيّ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله
[ ١ / ٢٥٣ ]
عَنهُ فَقَالَ إِن معادا كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا وَلم يَك من الْمُشْركين فَقلت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِنَّمَا قَالَ الله إِن إِبْرَهِيمُ كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا فَأَعَادَ قَوْله إِن معَاذًا فَلَمَّا رَأَيْته أعَاد عرفت أَنه تعمد الْأَمر فَسكت فَقَالَ أَتَدْرِي مَا الْأمة وَمَا القانت قلت الله أعلم قَالَ الْأمة الَّذِي يعلم الْخَيْر ويؤتم بِهِ ويقتدى وَالْقَانِت الْمُطِيع لله وَكَذَلِكَ كَانَ معَاذ بن جبل معلما للخير مُطيعًا لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ
يَقُول مُؤَلفه أَبُو عبد الله مُحَمَّد عَفا الله عَنهُ زرت قبر معَاذ ﵁ وقبر وَلَده عبد الرَّحْمَن إِلَى جَانِبه بِنَاحِيَة بيسان الْغَوْر على شاطئ الشَّرِيعَة وَهِي نهر الْأُرْدُن على يمنة الطَّرِيق المصعد فِي ذيل عقبَة الْقصير قصير الْغَوْر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وزرت أَيْضا قبر أبي عُبَيْدَة ﵁ أَسْفَل مِنْهُ وَأَنت منحدر مَعَ نهر الشَّرِيعَة من شرقيها أَيْضا إِلَى جَانب قَرْيَة تسمى عمتا تصعد مِنْهَا إِلَى مَدِينَة عجلون ونهر اليرموك مَنْصُوب إِلَى الشَّرِيعَة من أَرض اليرموك بَين قبريهما والمدى بَينهمَا غير بعيد ﵄
[ ١ / ٢٥٤ ]
٣٩ - مَالك بن مرَارَة
قَالَ ابْن عبد الْبر وَيُقَال مَالك بن فَزَارَة وَالصَّحِيح ابْن مرَارَة وَقَالَ بَعضهم الرهاوي
وروى عَطاء بن ميسرَة عَن الثِّقَة عِنْده عَن مَالك بن مرَارَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من كبر)
وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد وَكتب رَسُول الله ﷺ إِلَى أهل الْيمن كتابا يُخْبِرهُمْ فِيهِ بشرائع الْإِسْلَام وفرائض الصَّدَقَة فِي الْمَوَاشِي وَالْأَمْوَال ويوصيهم بِأَصْحَابِهِ وَرُسُله خيرا وَكَانَ رَسُوله إِلَيْهِم معَاذ بن جبل وَمَالك بن مرَارَة ويخبرهم بوصول رسولهم إِلَيْهِ وَمَا بلغ عَنْهُم
قَالَ ابْن عبد الْبر وَلَيْسَ مَالك بن مرَارَة مَشْهُورا فِي الصَّحَابَة
قَالَ ابْن سعد وَكَانَ مَالك بن مرَارَة رَسُول أهل الْيمن إِلَى النَّبِي ﷺ بِإِسْلَامِهِمْ وطاعتهم وَكتب إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ أَن مَالك بن مرَارَة قد بلغ الْخَبَر وَحفظ الْغَيْب
[ ١ / ٢٥٥ ]
٤٠ - مَالك بن عقبَة
قَالَ ابْن عبد الْبر مَالك بن عقبَة أَو عقبَة بن مَالك هَكَذَا جرى ذكره على الشَّك هُوَ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة روى عَنهُ بشر بن عَاصِم
ذكره ابْن عبد الْبر وَلم يرفع لَهُ نسبا
وَذكره ابْن إِسْحَاق فِي الْوُفُود مَعَ معَاذ بن جبل وَعبد الله بن زيد وَمَالك ابْن عبَادَة وَعقبَة بن نمر وَقد ذكرت إرسالهم فِي تَرْجَمته فِي حرف الْعين
٤١ - مَالك بن عبَادَة
قَالَ ابْن عبد الْبر مَالك بن عبَادَة الغافقي وغافق هُوَ ابْن الْعَاصِ بن عَمْرو بن مَازِن بن الأزد بن الْغَوْث أَبُو مُوسَى مصري وَيُقَال شَامي لَهُ صُحْبَة مَاتَ سنة ثَمَان وَخمسين
وَذكره ابْن إِسْحَاق مَعَ رسله ﷺ فِي الْوُفُود أَيْضا كَمَا تقدم
٤٢ - المُهَاجر بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي
وَاسم أبي أُميَّة حُذَيْفَة وَقيل سهل وَقيل هَاشم وَالْمَشْهُور حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر ابْن مَخْزُوم الْقرشِي
هُوَ أَخُو أم
[ ١ / ٢٥٦ ]
سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ شقيقها كَانَ اسْمه الْوَلِيد فَلَمَّا قدم قَالَت أخي الْوَلِيد قدم مُهَاجرا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هُوَ المُهَاجر فَعرفت أم سَلمَة مَا أَرَادَ من تَحْويل اسْمه وَأَنه كره فَقَالَت هُوَ المُهَاجر يَا رَسُول الله فِي خبر فِيهِ طول وَفِيه عيب اسْم الْوَلِيد
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى الْحَارِث بن عبد كلال الْحِمْيَرِي أحد مقاولة الْيمن وَاسْتَعْملهُ على صدقَات كِنْدَة والصدف فَتوفي رَسُول الله ﷺ وَلم يسر إِلَيْهَا قَالَه ابْن عبد الْبر
وَقَالَ عبد الْكَرِيم فَبَعثه أَبُو بكر إِلَى قتال أهل الرِّدَّة بِالْيمن وَله فِيهَا أثر كَبِير وافتتح حصن النُّجَيْر بِضَم النُّون وَفتح الْجِيم ثمَّ يَاء مثناة من تَحت وَرَاء حصن لَجأ إِلَيْهِ أهل الرِّدَّة فِي أَيَّام أبي بكر وَهُوَ بحضرموت وَكَانَ مَعَه زِيَاد بن لبيد الْأنْصَارِيّ فبعثا بالأشعث بن قيس أَسِيرًا فَمن عَلَيْهِ أَبُو بكر وحقن دَمه
٤٣ - نمير بن خَرشَة
قَالَ ابْن عبد الْبر نمير بن خَرشَة بن ربيعَة الثَّقَفِيّ حَلِيف لَهُم من بني الْحَارِث بن كَعْب
كَانَ أحد الَّذين قدمُوا مَعَ عبد يَا ليل بِإِسْلَام ثَقِيف
[ ١ / ٢٥٧ ]
قَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَكتب رَسُول الله ﷺ لثقيف كتابا أَن لَهُم ذمَّة الله وَذمَّة مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ على مَا كتب لَهُم وَكتب خَالِد بن سعيد وَشهد الْحسن وَالْحُسَيْن وَدفع الْكتاب إِلَى نمير بن خَرشَة
٤٤ - نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ
قَالَ ابْن عبد الْبر جده عَامر هَاجر إِلَى رَسُول الله ﷺ إِلَى الخَنْدَق وَهُوَ الَّذِي خذل الْمُشْركين وَبني قُرَيْظَة حَتَّى صرف الله الْمُشْركين بعد أَن أرسل الله عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم يروها وَخَبره فِي تخذيل بني قُرَيْظَة وَالْمُشْرِكين فِي السّير خبر عَجِيب وَنزلت فِيهِ ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ كني عَنهُ وَحده بِالنَّاسِ
سكن نعيم الْمَدِينَة وَمَات فِي خلَافَة عُثْمَان وَقيل قتل فِي الْجمل قبل قدوم عَليّ ﵁
وَذكر سيف بن عمر فِي كتاب الرِّدَّة أَنه كَانَ رَسُول رَسُول الله ﷺ إِلَى ابْن ذِي اللِّحْيَة وَابْن مشيمصة الجبيري
[ ١ / ٢٥٨ ]
٤٥ - وَاثِلَة بن الْأَسْقَع
ابْن عبد الْعُزَّى بن عبد يَا ليل بن ناشب بن غيرَة بن سعد ابْن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن عَليّ بن كنَانَة اللَّيْثِيّ
أسلم وَالنَّبِيّ ﷺ يتجهز إِلَى تَبُوك
وَيُقَال إِنَّه خدم النَّبِي ﷺ ثَلَاث سِنِين وَكَانَ من أهل الصّفة
نزل الْبَصْرَة ثمَّ سكن الشَّام وَشهد الْمَغَازِي بِدِمَشْق وحمص ثمَّ تحول إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَمَات بهَا وَقيل بِدِمَشْق فِي آخر خلَافَة عبد الْملك سنة خمس أَو سِتّ وَثَمَانِينَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَتِسْعين سنة وَقيل مائَة سنة
يكنى أَبَا الْأَسْقَع وَقيل أَبَا مُحَمَّد وَقَالَ ابْن معِين أَبَا قرصافة
روى عَنهُ من الشاميين مَكْحُول وَغَيره قَالَه ابْن عبد الْبر
قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي الْوُفُود وَفد وَاثِلَة بن الْأَسْقَع على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يتجهز إِلَى تَبُوك فَأسلم وَبَايع وَرجع إِلَى أَهله فَأخْبرهُم فَقَالَ لَهُ أَبوهُ لَا أُكَلِّمك كلمة أبدا وَسمعت أُخْته كَلَامه فَأسْلمت وجهزته فَرجع إِلَى رَسُول الله ﷺ فَوَجَدَهُ قد سَار إِلَى تَبُوك فَقَالَ من يحملني عقبه وَله سهمي فَحَمله كَعْب بن عجْرَة حَتَّى لحق برَسُول الله ﷺ وَشهد مَعَه تَبُوك
وَبَعثه رَسُول الله ﷺ مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أكيدر فغنم فجَاء بسهمه إِلَى كَعْب بن عجْرَة فَأبى أَن يقبله وَقَالَ إِنَّمَا حَملتك لله
[ ١ / ٢٥٩ ]
٤٦ - الْوَلِيد بن بَحر الجرهمي
بَعثه إِلَى الْأَقْيَال من أهل حَضرمَوْت قَالَه القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلامَة الْقُضَاعِي فِي عُيُون المعارف وفنون أَخْبَار الخلائف وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي بَابه
٤٧ - وبرة
وَقيل وبر بن يحنس
قَالَ ابْن عبد الْبر وَيُقَال ابْن مُحصن الْخُزَاعِيّ لَهُ صُحْبَة وَهُوَ الَّذِي بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى داذويه وفيروز الديلمي وجشيش الديلمي بِالْيمن ليقتلوا الْأسود الْكذَّاب الْعَنسِي الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة
روى سيف بن عمر فِي كتاب الرِّدَّة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَاتل النَّبِي ﷺ مُسَيْلمَة وَالْأسود وطليحة بالرسل وَلم يشْغلهُ مَا كَانَ فِيهِ من الوجع عَن أَمر الله تَعَالَى فَبعث وبر بن يحنس الْأَزْدِيّ إِلَى فَيْرُوز وجشيش الديلميين وداذويه الْإِصْطَخْرِي وَكَانَت هَذِه الْحِكَايَة فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ﷺ
[ ١ / ٢٦٠ ]
٤٨ - يزِيد بن شهَاب يَعْفُور
وَله ﷺ رَسُول عَجِيب ذكرته لما فِيهِ من المعجزة الغريبة وَهُوَ يزِيد بن شهَاب يَعْفُور حِمَاره ﷺ
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَذكر أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي تَارِيخه يسْندهُ إِلَى أبي مَنْظُور قَالَ لما فتح رَسُول الله ﷺ خَيْبَر أصَاب حمارا أسود قَالَ فَكلم رَسُول الله ﷺ الْحمار فَكَلمهُ الْحمار فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (مَا اسْمك) قَالَ اسْمِي يزِيد بن شهَاب قَالَ السُّهيْلي زِيَاد أخرج الله من نسل جدي سِتِّينَ حمارا كلهم لم يركبهم إِلَّا نَبِي قد كنت أتوقعك لتركبني لم يبْق من نسل جدي غَيْرِي وَلَا من الْأَنْبِيَاء غَيْرك قد كنت قبلك لرجل يَهُودِيّ وَكنت أتعثر بِهِ عمدا وَكَانَ يجيع بَطْني وَيضْرب ظَهْري فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (فَأَنت يَعْفُور يَا يَعْفُور تشْتَهي الْإِنَاث) قَالَ لَا
فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يركبه فِي حَاجته فَإِذا نزل عَنهُ بعث بِهِ إِلَى بَاب الرجل فَيَأْتِي الْبَاب فيقرعه بِرَأْسِهِ فَإِذا خرج إِلَيْهِ صَاحب الدَّار أَوْمَأ إِلَيْهِ فَيعلم أَن رَسُول الله ﷺ أرْسلهُ إِلَيْهِ فَيَأْتِي النَّبِي ﷺ
فَلَمَّا قبض رَسُول الله ﷺ جَاءَ إِلَى بِئْر كَانَت لأبي الْهَيْثَم بن التيهَان فتردى فِيهَا جزعا على رَسُول الله ﷺ فَصَارَت قَبره
وَقَالَ هَذَا // حَدِيث غَرِيب // وَفِي إِسْنَاده غير وَاحِد من المجهولين
وَذكر السُّهيْلي أَن ابْن فورك ذكر فِي كتاب الْفُصُول أَنه كَانَ من غَنَائِم خَيْبَر وَأَنه طرح نَفسه فِي بِئْر يَوْم مَاتَ النَّبِي ﷺ
[ ١ / ٢٦١ ]
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا // حَدِيث مَوْضُوع //
وَقَالَ قَالَ ابْن حبَان لَا أصل لَهُ وَإِسْنَاده لَيْسَ بِشَيْء وَذكر من وَضعه
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ نفق يَعْفُور منصرف رَسُول الله ﷺ من حجَّة الْوَدَاع
وَقَالَ ابْن عَبدُوس يَعْفُور كَانَ أَخْضَر مَأْخُوذ من العفرة وَهُوَ لون التُّرَاب وَقيل سمي بِهِ تَشْبِيها فِي عدوه باليعفور وَهُوَ الظبي وَقيل الخشف وَقيل ولد الْبَقَرَة الوحشية
والعفر من الظباء الَّتِي تعلو بياضها حمرَة
يَقُول مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَهَذَا علم من أَعْلَام نبوته ﷺ فليتني كنت شَعْرَة فِي جلد هَذَا الْحمار الْمُبَارك الَّذِي كَانَ فِي كل وَقت يلامس جلده جلد سيد الْبشر وَيسمع لَهُ ويطيعه ويخاطبه وَيفهم عَنهُ وناهيك بِهِ معْجزَة من بعض معجزاته ﷺ
سُؤال
مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله ﷺ يَا يَعْفُور تشْتَهي الْإِنَاث قَالَ لَا وترديه فِي الْبِئْر يَوْم قبض ﷺ وَكَانَ لَهُ ﷺ دَوَاب غَيره لم يفعل ذَلِك وَاحِد مِنْهُم بل الدلْدل وَهِي بغلته الْبَيْضَاء بقيت إِلَى خلَافَة مُعَاوِيَة وركبها عَليّ ﵁ فِي صفّين
[ ١ / ٢٦٢ ]
فَالْجَوَاب عَن ذَلِك
وَالْحكمَة فِيهِ وَالله أعلم أَن يَعْفُور قَالَ أخرج الله من نسل جدي سِتِّينَ حمارا لم يركبهم إِلَّا نَبِي ثمَّ قَالَ وَلم يبْق من نسل جدي غَيْرِي وَلَا من الْأَنْبِيَاء غَيْرك وتردى فِي الْبِئْر وَلم يشته الْإِنَاث حَتَّى لَا يبْقى لَهُ نسل فَإِنَّهُ آخِرهم كَمَا أَن النَّبِي ﷺ آخر الْأَنْبِيَاء كَمَا قَالَ لِئَلَّا يركبه أحد بعده إِذْ هُوَ مركوب الْأَنْبِيَاء وَأَيْضًا جزعا عَلَيْهِ وتحزنا ويحق لَهُ أَن يجزع ويحزن عَلَيْهِ ﷺ
وَهَذَا مَا بلغ إِلَيْهِ علمي من رسله ﷺ
ولنختم بوفود السبَاع إِلَيْهِ ﷺ وإرسالهم إِلَيْهِ ورده عَلَيْهِم
فصل
قَالَ عبد الْكَرِيم فِي شرح السِّيرَة إِن السبَاع وفدت عَلَيْهِ ﷺ تسأله أَن يفْرض لَهَا مَا تَأْكُله
قَالَ ابْن سعد عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب قَالَ بَينا رَسُول الله ﷺ جَالس بِالْمَدِينَةِ فِي أَصْحَابه أقبل ذِئْب فَوقف بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فعوى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا وَافد السبَاع إِلَيْكُم فَإِن أَحْبَبْتُم أَن تفرضوا لَهُ شَيْئا لَا يعدوه
[ ١ / ٢٦٣ ]
إِلَى غَيره وَإِن أَحْبَبْتُم تَرَكْتُمُوهُ وتحرزتم مِنْهُ فَمَا أَخذ فَهُوَ رزقه فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا تطيب أَنْفُسنَا لَهُ بِشَيْء فَأَوْمأ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بأصابعه أَي خالسهم فولى وَله عسلان
قَالَ الْجَوْهَرِي العسلان الخبب يُقَال عسل الذِّئْب عسلانا إِذا أعنق وأسرع قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي
(عسلان الذِّئْب أَمْسَى قاربا برد اللَّيْل عَلَيْهِ فنسل)
وروى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ جَاءَ ذِئْب إِلَى رَسُول الله ﷺ ثمَّ جعل يبصبص بِذَنبِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا وَافد الذئاب جَاءَ يسألكم أَن تجْعَلُوا لَهُ شَيْئا من أَمْوَالكُم فَقَالُوا
[ ١ / ٢٦٤ ]