ثمَّ خرج النَّبِي ﷺ لعشر خلون من شهر الصّيام عَازِمًا على الْجِهَاد فِي سَبِيل المنزه عَن السّنة والمنام واستخلف عبد الله بن أم مَكْتُوم وأبدل الْمَنْطُوق إخفاء لِلْأَمْرِ بِالْمَفْهُومِ
واستنفر أهل الْحَرْب وَالْحَرب وَاسْتظْهر بِمن حوله من قبائل الْعَرَب ثمَّ سَار فِي عشرَة آلَاف مقَاتل ليَطَأ المخادع من قُرَيْش والمخاتل حَيْثُ تعدوا رسم الْحُدُود وَنَقَضُوا مَا بَينه وَبينهمْ من العهود وسلوا سيف النكث من غمده وحاربوا خُزَاعَة الداخلين فِي عقده على أَنهم ندموا فَلم يَنْفَعهُمْ النَّدَم وَقدم أَبُو سُفْيَان لتجديد عَهدهم فَرجع قَائِلا يَا زلَّة الْقدَم
وَمضى رَسُول الله ﷺ وَبَين للصائمين رخصَة الْفطر فِي السّفر وَعلم فَلَمَّا انْتهى إِلَى قديد حقق الْوَسَائِل وَدفع الألوية والرايات إِلَى الْقَبَائِل وَاسْتمرّ حَتَّى نزل بمر الظهْرَان وَأمر الْجَيْش تِلْكَ اللَّيْلَة بإيقاد النيرَان
فَلَمَّا قَارب مَكَّة تقدمه عَمه الْعَبَّاس فلقي أَبَا سُفْيَان يتحسب أَخْبَار
[ ١٩٩ ]
النَّاس فجَاء بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ بديل بن وَرْقَاء وَحَكِيم بن حزَام فأسلموا بَين يَدَيْهِ وفازوا بالجود الْمَوْجُود لَدَيْهِ
ثمَّ انْطلق بِأبي سُفْيَان إِلَى مضيق الْوَادي فَرَأى من جنود الله مَا يعجز عَن حصره الْحَاضِر والبادي
وَدخل النَّبِي ﷺ فِي كتيبته الَّتِي أنارت بخضرتها الْأَبْصَار وَهُوَ على نَاقَته الْقَصْوَاء تحدق بِهِ الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَلَمَّا انْتهى إِلَى ذِي طوى وقف متواضعا لرَبه وَعين لكل ذِي راية جِهَة يدْخل مِنْهَا بصحبه ثمَّ ذهب حَتَّى نزل بِأَعْلَاهَا وَاسْتقر مبتهجا بِالنعَم الَّتِي حازها وحواها
وَفتح مَكَّة على أصح الْقَوْلَيْنِ صلحا وَنهى جُنُوده عَن الْقِتَال عفوا وصفحا
وَلما اطْمَأَن النَّاس طَاف بِالْبَيْتِ سبعا واستلم الْحجر وَدخل الْكَعْبَة وَصلى فِيهَا وَأمر بطمس مَا كَانَ بهَا من الصُّور وَكَانَ حولهَا أصنام مشدودة بالرصاص فَجعل يُشِير إِلَيْهَا وَهِي تسْقط حَيْثُ لات حِين مناص
وَقَامَ على بَابهَا فَوحد الله وَقَرَأَ شَيْئا من الْقُرْآن وَأذن لِبلَال أَن يعلن على ظهرهَا بِالْأَذَانِ
وَقصر الصَّلَاة مُدَّة إِقَامَته فِيهَا وَبعث السَّرَايَا إِلَى أَمَاكِن من نَوَاحِيهَا وَمكث يسدد الْأُمُور ويقرر الْأَحْوَال إِلَى أَن خرج مِنْهَا إِلَى حنين فِي أَوَائِل شَوَّال
[ ٢٠٠ ]
وَفِي هَذِه الْغَزْوَة يَقُول الْعَبَّاس بن مرداس من أَبْيَات
(منا بِمَكَّة يَوْم فتح مُحَمَّد ألف تسيل بِهِ البطاح مُسَوَّم)
(نصروا الرَّسُول وشاهدوا أَيَّامه وشعارهم يَوْم اللِّقَاء مقدم)
(فِي منزل ثبتَتْ بِهِ أَقْدَامهم ضنك كَأَن الْهَام فِيهِ الحنتم)
(جرت سنابكها بِنَجْد قبلهَا حَتَّى استقاد لَهَا الحجار الأدهم) وفيهَا يَقُول من أَبْيَات
(بِمَكَّة إِذْ جِئْنَا كَأَن لواءنا عِقَاب أَرَادَت بعد تحليقها خطفا)
(على شخص الْأَبْصَار تحسب بَينهَا إِذا هِيَ جالت فِي مراودها عرفا)
(غَدَاة وطئنا الْمُشْركين فَلم نجد لأمر رَسُول الله عدلا وَلَا صرفا)
(ببيض تثير الْهَام من مستقرها وتقطف أَعْنَاق الكماة بهَا قطفا)
[ ٢٠١ ]
وفيهَا يَقُول من أَبْيَات
(يَا خير من ركب الْمطِي وَمن مَشى فَوق التُّرَاب إِذا تعد الْأَنْفس) إِنَّا وَفينَا بِالَّذِي عاهدتنا وَالْخَيْل تقدع بالكماة وتضرس) حَتَّى صبحنا أهل مَكَّة فيلقا شهبا يقدمهَا الْهمام الأشوس) من كل أغلب من سليم فَوْقه بَيْضَاء محكمَة الدخال وقونس) يغشى الكتيبة معلما وبكفه عضب يقد بِهِ ولدن مدعس) وفيهَا يَقُول بجير بن زُهَيْر بن أبي سلمى من أَبْيَات
(ضربناهم بِمَكَّة يَوْم فتح النَّبِي الْبر بالبيض الحفاف) وأبنا غَانِمِينَ بِنَا اشتهينا وآبوا نادمين على الْخلاف)
[ ٢٠٢ ]
(وأعطينا رَسُول الله منا مواثقنا على حسن التصافي) وفيهَا يَقُول فضَالة بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ
(قَالَت هَلُمَّ إِلَى الحَدِيث فَقلت لَا يَأْبَى عَلَيْك الله وَالْإِسْلَام) لَو كنت جِئْت مُحَمَّدًا وقبيله بِالْفَتْح يَوْم تكسر الْأَصْنَام) لرأيت دين الله أضحى بَيْننَا والشرك يغشى وَجهه الإظلام)