[المقصد الثالث]
الفصل الأول فى كمال خلقته وجمال صورته ﷺ وشرفه وكرمه
اعلم أن من تمام الإيمان بهﷺ- الإيمان بأن الله تعالى جعل خلق بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمى مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتضح لك من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدس، ولله در الأبوصيرى حيث قال:
فهو الذى تم معناه وصورته ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم
منزه عن شريك فى محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
يعنى: حقيقة الحسن الكامل كائنة فيه، لأنه الذى تم معناه دون غيره، وهى غير منقسمة بينه وبين غيره، وإلا لما كان حسنه تامّا، لأنه إذا انقسم لم ينله إلا بعضه فلا يكون تامّا.
وفى الأثر: أن خالد بن الوليد خرج فى سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء فقال له سيد ذلك الحى: صف لنا محمدا فقال: أما إنى أفصل فلا، فقال الرجل: أجمل، فقال: الرسول على قدر المرسل، ذكره ابن المنير فى أسرار الإسرار.
فمن ذا الذى يصل قدره أن يقدر قدر الرسول، أو يبلغ من الاطلاع على مأثور أحواله المأمول والمسئول؟!
وقد حكى القرطبى- فى كتاب الصلاة- عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنهﷺ-، لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيتهﷺ-. ولقد أحسن الأبوصيرى أيضا حيث قال:
أعيى الورى فهم معناه فليس يرى للقرب والبعد فيه غير منفحم
كالشمس تظهر للعينين من بعد صغيرة وتكل الطرف من أمم
[ ٢ / ٥ ]
وهذا مثل قوله أيضا:
إنما مثلوا صفاتك للنا س كما مثل النجوم الماء
وأشار بقوله «تظهر» إلى وجه التشبيه بالشمس لا مطلقا، ولقد بين عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس حيث قال:
تتيه الشمس والقمر المنير إذا قلنا كأنهما الأمير
لأن الشمس تغرب حين تمسى وأن البدر ينقصه المسير
وهذه التشبيهات الواردة فى حقهﷺ- إنما هى على سبيل التقريب والتمثيل، وإلا فذاته أعلى ومجده أغلى.
فأما رأسه الشريف المقدس فحسبك ما ذكره الترمذى فى جامعه بسنده إلى هند بن أبى هالة قال: كان رسول اللهﷺ- عظيم الهامة «١» .
وقال نافع بن جبير: وصف لنا علىرضي الله عنه- رسول اللهﷺ- فقال:
كان عظيم الهامة «٢» .
وأما وجهه الشريف فحسبك ما روى الشيخان من حديث البراء قال:
كان رسول اللهﷺ- أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير البائن «٣» .
وعن أبى هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللهﷺ- كأن الشمس تجرى فى وجهه «٤» رواه الترمذى والبيهقى وأحمد وابن حبان.
_________________
(١) حسن: انظر ما بعده.
(٢) حسن: أخرجه البيهقى عن على، كما فى «صحيح الجامع» (٤٨٢٠) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٤٩) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٣٧) فى الفضائل، باب: فى صفة النبىﷺ-.
(٤) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٦٤٨) فى المناقب، باب: فى صفة النبىﷺ-، وأحمد فى «مسنده» (٢/ ٣٥٠ و٣٨٠)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٣٠٩)، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٢ / ٦ ]
قال الطيبى: شبه جريان الشمس فى فلكها بجريان الحسن فى وجههﷺ-، قال: ويحتمل أن يكون من تناهى التشبيه جعل وجهه مقرّا ومكانا للشمس ولله در القائل:
لم لا يضىء بك الوجود وليله فيه صباح من جمالك مسفر
فبشمس حسنك كل يوم مشرق وببدر وجهك كل ليل مقمر
وفى البخارى: سئل البراء: أكان وجه رسول اللهﷺ- مثل السيف؟
فقال: لا، بل مثل القمر «١» .
وكأن السائل أراد مثل السيف فى الطول، فرد عليه البراء فقال: بل مثل القمر، أى فى التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف فى اللمعان والصقالة، فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان.
وقال الحافظ النسابة أبو الخطاب بن دحية- رحمه الله تعالى- فى كتابه «التنوير فى مولد البشير النذيرﷺ- وشرف وعظم وكرم»، عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه: ففى هذا الحديث من العلم أن التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح الإقرار عليه، لأن السائل شبه وجه رسول اللهﷺ- بالسيف، ولو شبهه بالشمس لكان أولى، فرد عليه البراء قوله وقال: بل مثل القمر، وأبدع فى تشبيهه، لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من يشاهده، ونوره من غير حر يفزع، ولا كلل ينزع، والناظر إلى القمر متمكن من النظر بخلاف الشمس التى تغشى البصر وتجلب للناظر الضرر. انتهى.
وفى رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة، وقال له رجل: أكان وجه رسول اللهﷺ- مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرا «٢» .
وإنما قال: مستديرا للتنبيه على أنه جمع الصفتين، لأن قوله: مثل
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٥٢) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، والترمذى (٣٦٣٦) فى المناقب، باب: ما جاء فى صفة النبىﷺ-، وأحمد فى «مسنده» (٤/ ٢٨١) .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٣٤٤) فى الفضائل، باب: شيبهﷺ-.
[ ٢ / ٧ ]
السيف يحتمل أن يريد به الطول، ويحتمل أن يريد به اللمعان كما تقدمت إليه الإشارة فيما سبق من العبارة، فرده المسئول ردّا بليغا، ولما جرى التعارف به من أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق، وبالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما، فقوله وكان مستديرا، أشار به إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معا: الحسن والاستدارة.
وقال المحاربى عن أشعث عن أبى إسحاق عن جابر بن سمرة.
أنه قال: رأيت رسول اللهﷺ- فى ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو كان أحسن فى عينى من القمر «١»، وفى رواية: بعد قوله حمراء: فجعلت أماثل بينه وبين القمر.
وروى الترمذى والبيهقى عن على أنه نعتهﷺ- فقال: لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، كان فى وجهه تدوير «٢» . والمكلثم: المدور الوجه، أى لم يكن شديد تدوير الوجه بل فى وجهه تدوير قليل.
وفى حديث على عند أبى عبيد فى الغرائب: وكان فى وجهه تدوير قليل، قال أبو عبيد فى شرحه: يريد أنه ما كان فى غاية التدوير، بل كان فيه سهولة وهى أحلى عند العرب.
وفى حديث أبى هريرة عند الذهلى «٣» فى الزهريات «٤» فى صفته
_________________
(١) حسن غريب: أخرجه الترمذى (٢٨١١) فى الأدب، باب: ما جاء فى الرخصة فى لبس الحمرة للرجال، والدارمى فى «سننه» (٥٧)، وقال الإمام الترمذى: هذا حديث حسن غريب.
(٢) إسناده ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٦٣٨) فى المناقب، باب: ما جاء فى صفة النبىﷺ-، وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب، ليس إسناده بمتصل، و(المطهم): البادن الكثير اللحم.
(٣) هو: الإمام الحافظ، أبو عبد الله، محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابورى، مولى بنى ذهل، أحد أئمة الحديث الحفاظ، حدث عنه الجماعة سوى مسلم، وكان من أعلم الناس بحديث الزهرى، حيث اعتنى بحديثه، وصنفه، حتى قال له على بن المدينى: أنت وارث الزهرى، مات سنة ٢٥٠ هـ، وله تسعون عاما.
(٤) نسبة إلى الزهرى﵀-، وهو الإمام الحافظ، أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرى، ولد سنة ٥٠ هـ، وحدث عن صغار الصحابة كابن عمرو سهل
[ ٢ / ٨ ]
- ﷺ-: كان أسيل الخدين. قال ابن الأثير: الأسالة فى الخد: الاستطالة وأن لا يكون مرتفع الوجنة. قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ولعل هذا هو الحامل لمن سأله أكان وجهه مثل السيف.
وأخرج البخارى عن كعب بن مالك قال: كان رسول اللهﷺ- إذا سرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه «١» . أى الموضع الذى يتبين فيه السرور وهو جبينه.
وقالت عائشةرضي الله عنها-: دخل النبىﷺ- يوما مسرورا تبرق أسارير وجهه «٢» . ولذلك قال كعب كأنه قطعة قمر. وفى حديث جبير بن مطعم عند الطبرانى: التفت إلينا رسول اللهﷺ- بوجه مثل شقة القمر، فهذا محمول على صفته عند الالتفات.
وقد أخرج الطبرانى حديث كعب بن مالك من طرق فى بعضها: كأنه دارة قمر.
ويسأل عن السر فى التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد فى كثير من كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد. وقد كان كعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة، فلابد من التقييد بذلك من حكمة، وما قيل فى أن ذلك من الاحتراز من السواد الذى فى القمر ليس بقوى، لأن المراد بتشبيهه ما فى القمر من الضياء والاستنارة وهو فى تمامه لا يكون فيها أقل مما فى القطعة المجردة، فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.
_________________
(١) - ابن سعد وأنس بن مالك، وعنه أخذ الإمام مالك، وقيل أنه أول من دون السنة بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، توفى﵀- سنة ١٢٤ هـ.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٥٦) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٧٩٩) فى التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.
(٣) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٣٥٥٥) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (١٤٥٩) فى الرضاع، باب: العمل بإلحاق القائف الولد.
[ ٢ / ٩ ]
وعن أبى بكر الصديقرضي الله عنه- قال: كان وجه رسول اللهﷺ- كدارة القمر «١»، أخرجه أبو نعيم.
وروى البيهقى عن أبى إسحاق الهمدانى عن امرأة من همدان- سماها- قالت: حججت مع النبىﷺ- مرات فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة بيده محجن عليه بردان أحمران يكاد يمس شعره منكبه إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إلى فمه فيقبله، قال أبو إسحاق: فقلت لها شبهيه قالت:
كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثلهﷺ- «٢» .
وروى الدارمى والبيهقى وأبو نعيم والطبرانى عن أبى عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوذ صفى لى رسول اللهﷺ-، قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة «٣»، وفى لفظ: يا بنى لو رأيته رأيت الشمس طالعة.
وروى مسلم عن أبى الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول اللهﷺ- فقال: كان أبيض مليح الوجه «٤» .
وفيما أخرجه الترمذى من حديث هند بن أبى هالة «٥»: كان رسول اللهﷺ- فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر «٦» .
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم فى «الدلائل» كما فى «كنز العمال» (١٨٥٢٦) .
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ١٩٩) .
(٣) أخرجه الدارمى فى «سننه» (٦٠)، والطبرانى فى «الكبير» (٢٤/ ٢٧٤) . وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٠) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط، ورجاله وثقوا.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٤٠) فى الفضائل، باب: كان النبىﷺ- أبيض مليح الوجه.
(٥) هو: هند بن أبى هالةرضي الله عنه-، ربيب النبىﷺ-، أمه خديجة زوج النبىﷺ-، قال عنه أبو عمر: كان فصيحا بليغا وصف النبىﷺ- فأحسن وأتقن، قتل مع على يوم الجمل. انظر «الإصابة» (٦/ ٥٥٧) .
(٦) أخرجه الترمذى فى الشمائل، والطبرانى فى الكبير والبيهقى فى شعب الإيمان، كما فى «ضعيف الجامع» (٤٤٧٠) .
[ ٢ / ١٠ ]
وقالت أم معبد حين وصفته لزوجها: متبلج الوجه، يعنى: مشرقه مضيئه، ومنه تبلج الصبح إذا أسفر، وما أحسن قول سيدى على بن وفا حيث قال:
ألا يا صاحب الوجه المليح سألتك لا تغيب عنى فأنت روحى
متى ما غاب شخصك عن عيانى رجعت فلا ترى إلا ضريحى
بحقك جد لرقك يا حبيبى وداو لوعة القلب الجريح
ورقّ لمغرم فى الحب أمسى وأصبح بالهوى دنفا طريح
محب ضاق بالأشواق ذرعا وآوى منك للكرم الفسيح
وفى النهاية «١»: أنه﵇- كان إذا سر فكأن وجهه المرآة، وكأن الجدر تلاحك وجهه. قال: الملاحكة، شدة الملاءمة، أى يرى شخص الجدر فى وجههﷺ-. وفى حديث ابن أبى هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. وذلك: لأن القمر يملأ الأرض بنوره ويؤنس كل من شاهده، وهو يجمع النور من غير أذى ويتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس التى تغشى البصر فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ فى العرف من التشبيه بالقمر، لأنه وقت كماله، كما قال الفاروقرضي الله عنه- حين رآه أو كلما رآه:
لو كنت من شىء سوى بشر كنت المنور ليلة البدر
وقد صادف هذا التشبيه تحقيقا، فمن أسمائهﷺ-: البدر. ولهذا أنشدوا لما قدم المدينة:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
ولقد أحسن من قال:
كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة فيه فلا تظننها كافا لتشبيه
وما أحلى قول ابن الحلاوى:
_________________
(١) هو: النهاية فى غريب الحديث، لابن الأثير.
[ ٢ / ١١ ]
يقولون يحكى البدر فى الحسن وجهه وبدر الدجى عن ذلك الحسن ينحط
كما شبهوا غصن النقا «١» بقوامه لقد بالغوا فى المدح للغصن واشتطوا
فقد حصل للبدر والغصن غاية من الفخر بهذا التشبيه، على أن هذه التشبيهات الواردة فى صفاتهﷺ- إنما هى على عادة الشعراء والعرب، وإلا فلا شىء فى هذه التشبيهات المحدثات يعادل صفاته الخلقية والخلقية، ولله در إمام العارفين سيدى محمد وفا الشاذلى المالكى حيث قال:
كم فيه للأبصار حسن مدهش كم فيه للأرواح راح مسكر
سبحان من أنشاه من سبحاته بشرا بأسرار الغيوب يبشر
قاسوه جهلا بالغزال تغزلا هيهات يشبهه الغزال الأحور
هذا وحقك ما له من مشبه وأرى المشبه بالغزالة يكفر
يأتى عظيم الذنب فى تشبيهه لولا لرب جماله يستغفر
فخر الملاح بحسنهم وجمالهم وبحسنه كل المحاسن تفخر
فجماله مجلى لكل جميلة وله منار كل وجه نير
جنات عدن فى جنى وجناته ودليله أن المراشف كوثر
هيهات ألهو عن هواه بغيره والغير فى حشر الأجانب يحشر
كتب الغرام على فى أسفاره كتبا تؤول بالهوى وتفسر
فدع الدعى وما ادعاه فى الهوى فدعيه بالهجر فيه يهجر
وعليك بالعلم العليم فإنه لخطيبه فى كل خطب منبر
وأما بصره الشريفﷺ- فقد وصفه الله فى كتابه العزيز بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٢» .
وعن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: كان رسول اللهﷺ- يرى بالليل فى الظلمة كما يرى فى النهار فى الضوء «٣» . رواه البخارى.
_________________
(١) ضرب من النبات، له زهر أحمر.
(٢) سورة النجم: ١٧.
(٣) موضوع: أخرجه البيهقى فى الدلائل عن ابن عباس، وابن عدى فى الكامل عن عائشة كما فى «ضعيف الجامع» (٤٥٤٧)، والحديث كما هو واضح ليس فى البخارى. كما قال المصنف ولو معلقا.
[ ٢ / ١٢ ]
وعن عائشةرضي الله عنها- قالت: كان رسول اللهﷺ- يرى فى الظلماء كما يرى فى الضوء «١» . رواه البيهقى.
وعن أبى هريرة أنهﷺ- قال: «هل ترون قبلتى هاهنا، فو الله ما يخفى على ركوعكم ولا سجودكم، إنى لأراكم من وراء ظهرى» «٢» . رواه البخارى ومسلم.
وعند مسلم من رواية أنس أنهﷺ- قال: «أيها الناس، إنى أمامكم فلا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود، فإنى أراكم من أمامى ومن خلفى» «٣» .
وعن مجاهد: فى قوله تعالى الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
«٤» قال: كانﷺ- يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه «٥»، رواه الحميدى فى مسنده، وابن المنذر فى تفسيره.
وهذه الرؤية رؤية إدراك: والرؤية لا تتوقف على وجود آلتها التى هى العين- عند أهل الحق- ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة إلى القديم «٦» العالى، أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية فى حقه على الحاسة والشعاع والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان خرق عادة فى حقهﷺ-، وخالق البصر فى العين قادر على خلقه فى غيرها.
قال الحرالى: وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالة على ما فى حقيقة أمره فى الاطلاع الباطن لسعة علمه، ومعرفته لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ٧٥) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٤١٨) فى المساجد، باب: عظة الإمام الناس فى إتمام الصلاة، ومسلم (٤٢٤) فى المساجد، باب: الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٤٢٦) فى المساجد، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود أو نحوهما.
(٤) سورة الشعراء: ٢١٨، ٢١٩.
(٥) مرسل: أخرجه الحميدى فى «مسنده» (٩٦٢) عن مجاهد مرسلا.
(٦) الأولى أن يقال (الأول) كما نطق القرآن، ولا أعلم سبب العدول من الأول إلى القديم، مع العلم بأن اللفظ القرآنى أدل على المعنى عن غيره من الألفاظ المحدثة، والله المستعان.
[ ٢ / ١٣ ]
الله على ما بين يديه مما تقدم من أمر الله، وعلى ما وراء الوقت مما تأخر من أمر الله، فلما كان على ذلك من الإحاطة فى إدراك مدركات القلوب جعل الله تعالى لهﷺ- مثل ذلك فى مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه كما قالﷺ-. انتهى.
ومن الغريب ما ذكره الزاهدى بختيار محب بن محمود، شارح القدورى فى رسالته الناصرية أنهﷺ- كان له بين كتفيه عينان كسم الخياط يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب؟؟؟ «١» .
وقيل: بل كانت صورهم تنطبع فى حائط قبلته كما تنطبع فى المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم وهذا إن كان نقلا عن الشارع﵇- بطريق صحيح فمقبول وإلا فليس المقام مقام رأى، على أن الأقعد فى إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة والله أعلم.
وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف. وعن بعضهم: المراد بها العلم إما بأن يوحى الله إليه كيفية فعلهم، وإما بأن يلهم، والصحيح والصواب ما تقدم «٢» وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما ذكره ابن الجوزى فى بعض كتبه بغير إسناد أنهﷺ- قال:
«إنى لا أعلم ما وراء جدارى هذا» فإن صح فالمراد منه نفى العلم بالمغيبات، فكيف يجتمعان؟
وأجيب: بأن الأحاديث الأول ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد. وأما إذا ذهبنا إلى الإدراك بالبصر- وهو الصواب- فلا إشكال، لأن نفى العلم هنا عن الغيب وذاك عن مشاهدة.
وفى «المقاصد الحسنة» للحافظ شمس الدين السخاوى حديث: «ما أعلم ما خلف جدارى هذا» «٣» قال شيخنا- يعنى شيخ الإسلام ابن حجر-:
_________________
(١) ذكر ذلك أيضا الحافظ ابن حجر فى «الفتح» (١/ ٥١٥) .
(٢) انظر فى ذلك المصدر السابق.
(٣) انظر «كشف الخفا» للعجلونى (٢١٧٥) .
[ ٢ / ١٤ ]
لا أصل له. قلت: ولكنه قال فى تلخيص تخريج أحاديث الرافعى عند قوله فى الخصائص: «ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه» . هو فى الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة فى ذلك مقيدة بحالة الصلاة وبذلك يجمع بينه وبين قوله: لا أعلم ما وراء جدارى هذا. انتهى.
قال شيخنا، وهذا مشعر بوروده، وعلى تقدير وروده لا تنافى بينهما لعدم تواردهما على محل واحد. انتهى.
فإن قيل: يشكل على هذا- أيضا- إخبارهﷺ- بكثير من المغيبات التى فى زمانه وبعده، ووقعت كما أخبرﷺ-.
فالجواب: إن نفى العلم فى هذا ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان نبيهﷺ- وغيره فمن الله تعالى، إما بوحى أو إلهام، ويدل على ذلك الحديث الذى فيه: أنه لما ضلت ناقتهﷺ- تكلم بعض المنافقين وقال: إن محمدا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته؟ فقالﷺ- لما بلغه ذلك: «والله إنى لا أعلم إلا ما علمنى ربى، وقد دلنى ربى عليها وهى فى موضع كذا وكذا» حبستها شجرة بخطامها فذهبوا فوجدوها كما أخبرﷺ-.
فصح أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلا ما علمه ربه ﵎.
وذكر القاضى عياض- فى الشفاء- أنهﷺ- كان يرى فى الثريا أحد عشر نجما، وعند السهيلى، اثنى عشر.
وفى حديث ابن أبى هالة: وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة «١» .
_________________
(١) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (٢٢/ ١٥٥)، وهو عند أحمد (١/ ٨٩ و١٠١) من حديث علىرضي الله عنه-، بسند فيه مقال.
[ ٢ / ١٥ ]
وهى مفاعلة من اللحظ: وهو النظر بشق العين الذى يلى الصدغ، وأما الذى يلى الأنف فالموق والماق. وقوله: إذا التفت التفت جميعا أراد أنه لا يسارق النظر، وقيل: لا يلوى عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشىء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا. قاله ابن الأثير:
وعن على قال: كان رسول اللهﷺ- عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة «١»، رواه البيهقى.
وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول اللهﷺ- ضليع الفم أشكل العينين منهوس القدمين «٢»، رواه مسلم.
والشكلة: الحمرة تكون فى بياض العين وهو محمود محبوب، وأما الشهلة: فإنها حمرة فى سوادها. وهذا هو الصواب: لا ما فسره بعضهم، بأنه طول شق العين.
وعند الترمذى فى حديث عن على، أنه نعت رسول اللهﷺ- فقال:
كان فى وجهه تدوير أبيض مشرب بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار «٣» الحديث.
والأدعج: الشديد سواد الحدقة.
والأهدب: الطويل الأشفار: وهى شعر العين.
وعنده- أيضا- عن على قال: كان أسود الحدقة أهدب الأشفار.
وعن على: بعثنى النبىﷺ- إلى اليمن فقمت لأخطب يوما على الناس، وحبر من أحبار اليهود واقف بيده سفر ينظر فيه، فلما رآنى قال:
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٢١٢) .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٣٩) فى الفضائل، باب: فى صفة فم النبىﷺ- وعينيه وعقبيه.
(٣) أخرجه الترمذى (٣٦٣٨) فى المناقب، باب: ما جاء فى صفة النبىﷺ-، والبيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٢١٣) من حديث علىرضي الله عنه-، وقد تقدم.
[ ٢ / ١٦ ]
صف لى أبا القاسم، فقلت: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. الحديث، وفيه: قال على: ثم سكت، فقال الحبر وماذا: قلت: هذا ما يحضرنى، قال الحبر: فى عينيه حمرة حسن اللحية، ثم قال على: هذه والله صفته، قال الحبر: فإنى أجد هذه الصفة فى سفر آبائى، وإنى أشهد أنه نبى وأنه رسول الله إلى الناس كافة. الحديث.
وأما سمعه الشريف فحسبك أنه قالﷺ-: «إنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله تعالى» «١» رواه الترمذى من رواية أبى ذر.
وما رواه أبو نعيم عن حكيم بن حزام، بينما رسول اللهﷺ- فى أصحابه إذ قال لهم: «تسمعون ما أسمع» قالوا: ما نسمع من شىء، قال:
«إنى لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» «٢» .
وأما جبينه الكريمﷺ- فقد كان واضح الجبين، مقرون الحاجبين.
بهذا وصفه على، كما عند ابن سعد وابن عساكر فقال: مقرون الحاجبين صلت الجبين أى: واضحه، والقرن: اتصال شعر الحاجبين.
وعند البيهقى عن رجل من الصحابة قال: رأيت رسول اللهﷺ-، فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجبهة رقيق الحاجبين. ولله در القائل:
جبينه مشرق من فوق طرته يتلو الضحى ليله والليل كافره
بالمسك خطت على كافور جبهته من فوق نوناتها سينا ضفائره
مكحل الخلق ما تحصى خصائصه منضر الحسن قد قلت نظائره
_________________
(١) حسن: أخرجه الترمذى (٢٣١٢) فى الزهد، باب: فى قول النبىﷺ-: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا»، وابن ماجه (٤١٩٠) فى الزهد، باب: الحزن والبكاء، وأحمد فى «المسند» (٥/ ١٧٣) بسند حسن.
(٢) أخرجه الطبرانى، والضياء، عن حكيم بن حزام كما فى «كنز العمال» (٢٩٨٣)، وابن أبى حاتم فى التفسير، وأبو الشيخ فى العظمة، كما فى «الكنز» أيضا (٢٩٨٤١) .
[ ٢ / ١٧ ]
وقال ابن أبى هالة: أزج الحواجب- وفسر: بالمقوس الطويل الوافر الشعر- ثم قال: سوابغ من غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أى يمتلئ دما إذا غضب كما يمتلئ الضرع لبنا إذا در. قاله فى النهاية.
وعن مقاتل بن حيان «١» قال: أوحى الله إلى عيسى﵊-: اسمع وأطع يا ابن الطاهرة البتول، إنى خلقتك من غير فحل، فجعلتك آية للعالمين، فإياى فاعبد، وعلى فتوكل، فسر لأهل سوران أنى أنا الله الحى القيوم، الذى لا أزول، صدقوا النبى الأمى، صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه فى وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة الحديث.
والأنجل: الواسع شق العينين. والقرن: بالتحريك: التقاء الحاجبين.
وما وصفه به ابن أبى هالة مخالف لما فى حديث مقاتل بن حيان وما فى حديث أم معبد فإنها قالت: أزج أقرن، أى مقرون الحاجبين، قال ابن الأثير:
والأول هو الصحيح فى صفته، يعنى: سوابغ فى غير قرن. والقنى فى الأنف: طوله ورقة أرنبته مع حدب فى وسطه. وقد وصفهﷺ- غير واحد: بأنه عظيم الهامة، أى الرأس، كذا فى حديث ابن أبى هالة المشهورة.
وقال على بن أبى طالب- فى حديث رواه الترمذى وصححه والبيهقى-:
ضخم الرأس. وكذا قال أنس فى رواية البخارى.
وكانﷺ- أيضا ضخم الكراديس، وهى رؤوس العظام، كما وصفه به على فى حديث الترمذى. وقال أيضا فى رواية للترمذى: جليل المشاش
_________________
(١) هو: مقاتل بن حيان النبطى، أبو بسطام، كان ممن عنى بعلم القرآن، وواظب على الورع فى السر والإعلان، مات بكابل حيث هرب فى أيام خروج أبى مسلم الخراسانى وهو غير مقاتل بن سليمان المفسر، حيث كان معاصرا له، إلا أنه متروك الحديث. انظر «تذكرة الحفاظ» (١/ ١٧٤) .
[ ٢ / ١٨ ]
والكتد «١» . وفسر برؤوس العظام كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أى عظيمها.
والكتد- بفتحتين ويجوز كسر التاء- مجمع الكتفين.
وكانﷺ- دقيق العرنين، أى أعلى الأنف، كما وصفه به على فى رواية ابن سعد وابن عساكر. وفى رواية أيضا عن ابن عمر من وصف على له أيضا: أقنى الأنف، وفسر بالسائل المرتفع وسطه، وقال ابن أبى هالة:
أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمّ، والأشم: الطويل قصبة الأنف.
وأما فمه الشريفﷺ- ففى مسلم من حديث جابر أنهﷺ- كان ضليع الفم «٢» يعنى واسعه. وكذا وصفه به ابن أبى هالة، وزاد يفتتح الكلام ويختم بأشداقه يعنى لسعة فمه، والعرب تمدح به وتذم بصغر الفم. وقال شمر «٣»: عظيم الأسنان.
وفى حديث عند البزار والبيهقى قال أبو هريرة: كان رسول اللهﷺ- أسيل الخدين واسع الفم.
ووصفهﷺ- ابن أبى هالة فقال: أشنب مفلج الأسنان. والشنب:
رونق الأسنان وماؤها. وقيل: رقتها وتحديدها. وأفلج الأسنان أى متفرقها.
وقال على: مبلج الثنايا، بالموحدة، أخرجه ابن سعد من حديث أبى هريرة. وعند ابن عساكر: عن على: براق الثنايا.
وعند ابن عباس قال: كان رسول اللهﷺ- أفلج الثنيتين، إذا تكلم رؤى كالنور يخرج من ثناياه «٤»، رواه الترمذى فى الشمائل، والدارمى، والطبرانى فى الأوسط.
_________________
(١) أخرجه الترمذى (٣٦٣٨) من حديث علىرضي الله عنه-، وقد تقدم.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٣٩) فى الفضائل، باب: فى صفة فم النبىﷺ-، من حديث جابر بن سمرةرضي الله عنه-.
(٣) هو: شمر بن عطية الأسدى الكاهلى الكوفى، من الأثبات، مات فى ولاية خالد. انظر «مشاهير علماء الأمصار» (١/ ١٦٥) .
(٤) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٧٩) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه عبد العزيز بن أبى ثابت، وهو ضعيف.
[ ٢ / ١٩ ]
وكانﷺ- أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم.
بحر من الشهد فى فيه مراشفه يا قوته صدف فيه جواهره
وعن أبى قرصافة قال: بايعنا رسول الله أنا وأمى وخالتى، فلما رجعنا قالت لى أمى وخالتى: يا بنى، ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجها ولا أنقى ثوبا ولا ألين كلاما، ورأينا كالنور يخرج من فيه.
وأما ريقه الشريف ففى الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول اللهﷺ- قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللهﷺ- كلهم يرجو أن يعطاها، قال: «أين على بن أبى طالب؟» فقالوا: هو يا رسول الله يشتكى عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فأتى به، فبصق الرسولﷺ- فى عينيه فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع «١» . الحديث متفق عليه.
وأتى بدلو من ماء، فشرب من الدلو، ثم صب فى البئر، أو قال: «مج فى البئر» ففاح منها مثل رائحة المسك «٢» . رواه أحمد وابن ماجه من حديث وائل بن حجر.
وبزق فى بئر فى دار أنس، فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها، رواه أبو نعيم.
وكانﷺ- يوم عاشوراء يدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتنقل فى أفواههم ويقول للأمهات: «لا ترضعنهم إلى الليل» فكان ريقه يجزئهم «٣» . رواه البيهقى.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٩٤٢) فى الجهاد والسير، باب: دعاء النبىﷺ- إلى الإسلام والنبوة، ومسلم (٢٤٠٦) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل على بن أبى طالبرضي الله عنه-.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٦٥٩) فى الطهارة وسننها، باب: المج فى الإناء، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٣١٥ و٣١٨)، بسند ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجه» .
(٣) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ٢٢٦) .
[ ٢ / ٢٠ ]
ودخلت عليه عميرة بنت مسعود هى وأخواتها يبايعنه وهن خمس فوجدنه يأكل قديدا فمضغ لهن قديدة فمضغتها كل واحدة منهن قطعة قطعة فلقين الله وما وجدن لأفواههن خلوف «١»، رواه الطبرانى.
ومسحﷺ- بيده الشريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة وبطنه وكان به شرى، فما كان يشم أطيب منه رائحة. رواه الطبرانى. وأعطى الحسن لسانه- وكان قد اشتد ظمؤه- فمصه حتى روى. رواه ابن عساكر.
ولله در إمام العارفين سيدى محمد وفا الشاذلى حيث يقول:
جنى النحل فى فيه وفيه حياتنا ولكنه من لى بلثم لثامه
رحيق الثنايا والمثانى تنفست إذا قال فى فيح بطيب ختامه
وأما فصاحة لسانه وجوامع كلمه، وبديع بيانه وحكمه، فكانﷺ- أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح.
ينظم در الثغر نثر مقوله ما حسنه فى نثره ونظامه
يناجى فينجى من يناجى من الجوى فكل كليم برؤه فى كلامه
ففصاحة لسانهﷺ- غاية لا يدرك مداها، ومنزلة لا يدانى منتهاها، وكيف لا يكون ذلك وقد جعل الله تعالى لسانه سيفا من سيوفه، يبين عن مراده، ويدعو به إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره.
أفصح خلق الله إذا لفظ، وأنصحهم إذا وعظ، لا يقول هجرا، ولا ينطق هذرا، كلامه كله يثمر علما، ويمتثل شرعا وحكما، لا يتفوه بشر بكلام أحكم منه فى مقالته، ولا أجزل منه فى عذوبته.
وخليق بمن عبر عن مراد الله بلسانه، وأقام به الحجة على عباده ببيانه،
_________________
(١) ضعيف: وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٣) وقال: رواه الطبرانى وفيه إسحاق بن إدريس الأسوارى، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٢١ ]
وبين مواضع فروضه وأوامره، ونواهيه، وزواجره ووعده ووعيده وإرشاده أن يكون أحكم الخلق جنانا وأفصحهم لسانا، أوضحهم بيانا.
وقد كانﷺ- إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين، يعده العاد، ليس بهذا مسرع لا يحفظ، قالت عائشةرضي الله عنها-: ما كانﷺ- يسرد سردكم هذا، كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه «١» وكان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه «٢» .
وكان يقول: «أنا أفصح العرب» «٣» .
وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال: «كانت لغة إسماعيل قد درست فجاءنى بها جبريل فحفظنيها» «٤» . رواه أبو نعيم.
وروى العسكرى فى الأمثال من حديث على بسند ضعيف جدّا قال:
قدم بنو نهد على النبىﷺ-: الحديث وفيه: ذكر خطبتهم وما أجابهم به النبىﷺ- قال: فقلنا: يا نبى الله، نحن بنو أب واحد، ونشأنا فى بلد واحد، وإنك تكلم العرب بلسان ما نفهم أكثره، فقال: «إن الله ﷿ أدبنى فأحسن أدبى، ونشأت فى بنى سعد بن بكر» «٥» .
وعن محمد بن عبد الرحمن الزهرى عن أبيه عن جده قال: قال رجل: يا رسول الله، أيدالك الرجل امرأته؟ قال: «نعم إذا كان مفلجا» فقال
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٦٨) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٤٩٣) فى الزهد والرقائق، باب: التثبت فى الحديث.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٩٤، ٩٥) فى العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٣) لا أصل له: أخرجه العسكرى فى الأمثال عن بريدة، وفيه حسان بن مصك، متروك، قاله المتقى الهندى فى «كنز العمال» (٣٥٤٧١) .
(٤) ضعيف: أخرجه الغطريف فى جزئه وابن عساكر عن عمر، كما فى «ضعيف الجامع» (١٩١٩) .
(٥) ضعيف: انظر «ضعيف الجامع» (٢٤٩، ٢٥٠) .
[ ٢ / ٢٢ ]
له أبو بكر: يا رسول الله، ما قال لك، وما قلت له؟ قال: «قال: أيماطل الرجل أهله؟ قلت له نعم إذا كان مفلسا»، قال أبو بكر: يا رسول الله، لقد طفت فى العرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك، قال: «أدبنى ربى ونشأت فى بنى سعد» «١» رواه السرقسطى فى الدلائل بسند واه. وكذا أخرجه ابن عساكر. قال فى القاموس: ودالكه أى ماطله انتهى.
وقوله: «ملفجا» بضم الميم وفتح الفاء، اسم فاعل من «ألفج الرجل» فهو ملفج، إذا كان فقيرا، وهو غير مقيس. ومثله أحصن فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، فى ألفاظ شذت، والقياس الكسر، قاله ابن مرزوق. لكن قال ابن الأثير: لم يجىء إلا فى ثلاثة أحرف، أسهب وأحصن وألفج.
وقال غيره: معناه: أيداعب الرجل امرأته، يعنى قبل الجماع؟ وسماه مطلا لكون غرضها الأعظم الجماع. قال: إذا كان عاجزا، ليكون ذلك محركا لشهوته، ولعجزه سمى مفلسا. وقال ابن الأثير: يماطلها بمهرها إذا كان فقيرا. وأما ما يروى: «أنا أفصح من نطق بالضاد» «٢» فقال: ابن كثير: لا أصل له. انتهى لكن معناه صحيح والله أعلم.
وقد حدوا الفصاحة: بخلوص الكلمة من التنافر والغرابة ومخالفة القياس. والمراد بالتنافر: تقارب مخارج الحروف كقوله: غدائره مستشزرات إلى العلا فإن السين والتاء والزاى كلها متقاربة المخارج. والغرابة: كون الكلمة لا تدل على المراد من أول وهلة لاحتمال معنى آخر. ومخالفة القياس: استعمال الكلمة على غير قياس، كإبقاء وجود المثلين من كلمة واحدة من غير إدغام. كقوله: الحمد لله العلى الأجلل. والفصاحة: يوصف بها الكلام والكلمة والمتكلم. والبلاغة: أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، الجزالة: خلاف الركاكة.
_________________
(١) ضعيف: انظر ما قبله.
(٢) لا أصل له: انظر «كشف الخفا» للعجلونى (٦٠٩) .
[ ٢ / ٢٣ ]
ففصاحتهﷺ- إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية والزيادة التى تصدع القلوب قبل الأذهان، وتقرع الجوانح قبل الآذان، مما يروق ويفوق، ويثبت له على سائر البشر الحقوق التى لا تقابل بالعقوق، فهو صاحب جوامع الكلم وبدائع الحكم، وقوارع الزجر وقواطع الأمر، والأمثال السائرة، والغرر السائلة، والدرر المنثورة والدرارى المأثورة والقضايا المحكمة، والوصايا المبرمة، والمواعظ التى هى على القلوب محكمة، والحجج التى هى للد الخصماء مفحمة ملجمة.
وقليل هذا الوصف فى حقهﷺ- وزاده فضلا وشرفا لديه، وقد روى الحاكم فى مستدركه وصححه من حديث ابن عباس: إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمدﷺ- «١» وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، وقد جمع الناس من كلامه الفرد الموجز البديع الذى لم يسبق إليه دواوين، وفى كتاب الشفاء للقاضى عياض من ذلك ما يشفى العليل.
كقولهﷺ-: «المرء مع من أحب» «٢» .
وقوله: «أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين» «٣» .
وقوله: «السعيد من وعظ بغيره» «٤» . ومما لم يذكره القاضى﵀-.
_________________
(١) لم أقف عليه فيه، ولا فى غيره بهذا اللفظ.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦١٦٨، ٦١٦٩) فى الأدب، باب: علامة الحب فى الله ﷿، ومسلم (٢٦٤١) فى البر والصلة، باب: المرء مع من أحب، من حديث ابن مسعودرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: وهو جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (٧) فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول اللهﷺ-، ومسلم (١٧٧٣) فى الجهاد والسير، باب: كتاب النبىﷺ- إلى هر قل يدعوه إلى الإسلام، من حديث أبى سفيانرضي الله عنه-.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٦٤٥) فى القدر، باب: كيفية خلق الآدمى، من حديث ابن مسعودرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٢٤ ]
وقولهﷺ-: «إنما الأعمال بالنيات» «١» رواه الشيخان وغيرهما.
وقوله: «ليس للعامل من عمله إلا ما نواه» «٢» .
وتحت هاتين الكلمتين كنوز من العلم لهذا قال الشافعى﵀-:
حديث الأعمال بالنيات يدخل فى نصف العلم، وذلك أن للدين ظاهرا وباطنا، والنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وأيضا: فالنية عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح. وقال بعض الأئمة: حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين، ووجهه: أن الدين: قول وعمل ونية.
وقوله: «نية المرء خير من عمله» «٣» رواه الطبرانى. لكن قال بعضهم لا يصح رفعه قال: ورواه القضاعى عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصفار، أخبرنا على بن عبد الله الفضل حدثنا محمد بن الحنفية الواسطى، حدثنا محمد بن عبد الله الحلبى، حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس: أن رسول اللهﷺ- كان يقول: «نية المؤمن أبلغ من عمله» «٤» . قال: وهذا إسناد لا ضوء عليه ويوسف بن عطية متروك الحديث.
ورواه عثمان بن عبد الله الشامى من حديث النواس بن سمعان وقال:
«نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله» «٥» وقال ابن عدى:
عثمان بن عبد الله الشامى له أحاديث موضوعات، هذا من جملتها، وقال
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١) فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول اللهﷺ-، ومسلم (١٩٠٧) فى الإمارة، باب: قولهﷺ-: «إنما الأعمال بالنيات»، من حديث عمررضي الله عنه-.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (٦/ ١٨٥)، من حديث سهل بن سعدرضي الله عنه-، وقال الحافظ فى «الفتح» (٤/ ٢١٩) والحديث ضعيف.
(٤) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «سند الشهاب» (١/ ١١٩) بسند فيه متروك، كما قال المصنف.
(٥) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «سند الشهاب» (١/ ١١٩) بسند ضعيف، كما ذكر المصنف.
[ ٢ / ٢٥ ]
ابن الجوزى: لا يصح رفعه، قال: ومعناه: أن النية سر، والعمل ظاهر، [وعمل] السر أفضل، وهو يقتضى أنه لو نوى أن يذكر الله أو يتفكر، تكون نية الذكر والتفكير خيرا منه، وليس بصحيح.
وقيل: إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، وهذا بعيد، لأن العمل إذا خلا عن النية لم يكن فيه خير أصلا.
وقيل: إن النية عمل القلب، والفعل عمل الجوارح، وعمل القلب خير من عمل الجوارح، فإن القلب أمير الجوارح، وبينه وبينها علاقة، فإذا تألمت تألم القلب، وإذا تألم القلب تألمت فارتعدت الفرائص وتغير اللون، فإنه الملك الراعى والجوارح جيشه ورعيته، وعمل الملك أبلغ من عمل رعيته.
وقيل: لما كانت النية أصل الأعمال كلها وروحها ولبها. والأعمال تابعة لها تصح بصحتها وتفسد بفسادها، وهى التى تقلب العمل الصالح فتجعله فاسدا، وغير الصالح تجعله صالحا مثابا عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، فلذا كانت نية المؤمن خيرا من عمله. وقال أبو بكر بن دريد فى مجتباه: المعنى- والله أعلم- أن المؤمن ينوى الأشياء من أبواب البر نحو الصدقة والصوم وغير ذلك فلعله يعجز عن بعض ذلك وهو معقود النية عليه، فنيته خير من عمله.
وقوله: «يا خيل الله اركبى» «١» .
رواه أبو الشيخ فى الناسخ والمنسوخ عن سعيد بن جبير، والعسكرى أنس، وابن عائذ فى المغازى عن قتادة ولفظه عند ابن عائذ: قال بعث رسول اللهﷺ- يومئذ- يعنى يوم الأحزاب- مناديا ينادى: يا خيل الله اركبى.
قال العسكرى وابن دريد فى مجتباه، وهذا على المجاز والتوسع، أراد:
يا فرسان خيل الله اركبى، فاختصره.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٢/ ٣٩٧)، وابن المبارك فى «الجهاد» (١٦١) من قول منادى علىرضي الله عنه-، وانظر «كشف الخفا» (٣١٧٠) .
[ ٢ / ٢٦ ]
وقوله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» «١» .
رواه الشيخان وغيرهما، والمعنى- والله أعلم- أن حظ العاهر الحجر ولا شىء له فى الولد، وقيل: أراد أن حظه الغلظة والخشونة من إقامة الحد التى نهايتها رميه بالحجر. وقيل: أراد بالحجر هنا الكناية عن رجوعه بالخيبة على الولد إذا لم تكن المرأة زوجا له، والله أعلم.
وقوله: «كل الصيد فى جوف الفرا» «٢» .
وهو بفتح الفاء، حمار الوحش، رواه الرامهرمزى فى الأمثال، وسنده جيد، ولكنه مرسل، ونحوه عند العسكرى وقال: جوف أو جنب.
وهذا خاطب به النبىﷺ- أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب حين جاءه مسلما بعد أن كان عدوّا له وهجاه كثير الهجاء مقذعا فيه، فكأنه يقولﷺ- إن الحمار الوحشى من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنك من أعظم أهلى وأمسهم رحما بى، ومن أكرم من يأتينى وكل دونك. انتهى.
وقوله: «الحرب خدعة» «٣» .
رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة قال: سمى النبىﷺ- الحرب خدعة. وليس عند مسلم «سمى»، وقوله: «خدعة» مثلث الخاء، أشهرها:
فتح الخاء وإسكان الدال، قال ثعلب وغيره: وهى لغة النبىﷺ-، والثانية، ضم الخاء وإسكان الدال. والثالثة: ضم الخاء وفتح الدال.
وقد قال ذلكﷺ- يوم الأحزاب، لما بعث نعيم بن مسعود وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، وأشار بذلك إلى أن المماكرة أنفع من المكاثرة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠٥٣) فى البيوع، باب: تفسير المشبهات، ومسلم (١٤٥٧) فى الرضاع، باب: الولد للفراش وتوقى الشبهات، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٢) ذكره العجلى فى «كشف الخفا» (١٩٧٧) وعزاه للرامهرمزى فى الأمثال.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٠٢٨) فى الجهاد والسير، باب: الحرب خدعة، ومسلم (١٧٤٠) فى الجهاد والسير، باب: جواز الخداع فى الحرب.
[ ٢ / ٢٧ ]
قال النووى: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار فى الحرب كيف أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل.
وقوله: «إياكم وخضراء الدمن» «١» .
رواه الرامهرمزى والعسكرى فى الأمثال، وابن عدى فى الكامل، وأبو بكر بن دريد فى المجتبى والقضاعى فى مسند الشهاب والديلمى من حديث الواقدى قال: حدثنا محمد بن سعيد بن دينار عن أبى وجزة يزيد بن عبيد عن عطاء بن يزيد الليثى عن أبى سعيد مرفوعا: قيل يا رسول الله وماذا؟
قال: «المرأة الحسناء فى المنبت السوء» «٢» قال ابن عدى: تفرد به الواقدى.
ومعناه: أنه كره نكاح الفاسدة، وقال: إن أعراق السوء تنزع أولادها، وتفسير حقيقته: أن الريح تجمع الدمن، وهو البعر، فى البقعة من الأرض، ثم يركبه السافى فإذا أصابه المطر أنت نبتا غضّا ناعما، يهتز وتحته الأصل الخبيث، فيكون ظاهره حسنا وباطنه قبيحا فاسدا. والدمن جمع دمنة وأنشد زفر بن الحارث:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا
ومعنى البيت: أن الرجلين قد يظهران الصلح والمودة، وينطويان على البغض والعداوة، كما ينبت المرعى على الدمن. وهذا أكثرى أو كلى فى زماننا، أشار إليه شيخنا.
وقوله: «الأنصار كرشى وعيبتى» «٣» .
رواه البخارى، أى إنهم بطانته، وموضع سره، والعيبة كذلك، لأن
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الرامهرمزى والعسكرى معا فى الأمثال عن أبى سعيد، وفيه الواقدى، كما فى «كنز العمال» (٤٥٦٢٠) .
(٢) ضعيف: وهو تتمة ما قبله.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٧٩٩) فى فضائل الصحابة، باب: قول النبىﷺ-: «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم»، ومسلم (٢٥١٠) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل الأنصاررضي الله عنهم-، من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٢٨ ]
المجتر يجمع علفه فى كرشه، والرجل يضع ثيابه فى عيبته. وقيل: هم الذين أعتمد عليهم وأفزع إليهم وأقوى بهم، وقيل أراد بالكرش الجماعة، أى جماعتى وصحابتى، ويقال: عليه كرش من الناس أى جماعة، ووقع فى رواية الترمذى: «ألا إن عيبتى التى آوى إليها أهل بيتى وإن كرشى الأنصار» «١» .
وقوله: «ولا يجنى على المرء إلا يده» «٢» . رواه الشيخان.
ولأحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص: «لا يجنى جان إلا على نفسه» «٣» وقد أرادﷺ- بهذا: أنه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره، إن قتل أو جرح أو زنى، وإنما يؤخذ بما جنته يده، فيده هى التى أدته إلى ذلك.
وقوله: «ليس الشديد من غلب الناس إنما الشديد من غلب نفسه» «٤» .
رواه ابن حبان فى صحيحه، ورواه الشيخان بلفظ «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب» «٥» يعنى أنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه وشر خصومه. ولذلك قال: «أعدى عدو لك نفسك التى بين جنبيك» «٦» . وهذا من باب المجاز، ومن فصيح الكلام، لأنه
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٩٠٧) فى المناقب، باب: فى فضل الأنصار وقريش، وانظر ما قبله.
(٢) لم أجده، والحديث ليس في الصحيحين.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٢١٥٩) فى الفتن، باب: ما جاء دماؤكم وأموالكم عليكم حرام و(٣٠٨٧) فى التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وابن ماجة (٢٦٦٩) فى الديات، باب: لا يجنى أحد على أحد، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجة» .
(٤) صحيح: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٧١٧)، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، وهو فى الصحيحين بلفظ الحديث الآتى.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٦١١٤) فى الأدب، باب: الحذر من الغضب، ومسلم (٢٦٠٩) في البر والصلة، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٦) ضعيف: ذكره العجلونى فى «كشف الخفا» (٤١٢) وقال: رواه البيهقى فى الزهد بإسناد ضعيف.
[ ٢ / ٢٩ ]
لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شدة الغضب فقهرها بحلمه، وصرعها بثباته كان كالصرعة الذى يصرع الرجال ولا يصرعونه.
وقوله: «ليس الخبر كالمعاينة» «١» .
رواه أحمد وابن منيع والطبرانى والعسكرى.
وقوله: «المجالس بالأمانة» «٢» .
رواه العقيلى فى ترجمة حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه عن جده عن على رفعه، وعن جابر بن عتيك «إذا حدث الرجل ثم التفت فهى أمانة» «٣» ورواه أبو داود فى سننه والترمذى فى جامعه وابن أبى الدنيا فى الصمت. وغيرهم.
ففى هاتين الكلمتين من الحمل على آداب العشرة وآداب الصحبة وكتم السر، وحفظ الود وحسن العهد، وإصلاح ذات البين والتحذير من النميمة بين الإخوان، الموقعة للشنان ما لا يكاد يخفى على مبادى الأذهان.
وقوله: «البلاء موكل بالمنطق» «٤» .
رواه ابن أبى شيبة، والبخارى فى الأدب المفرد، من رواية إبراهيم عن ابن مسعود، ورواه الديلمى عن أبى الدرداء مرفوعا: «البلاء موكل بالمنطق»
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (١/ ٢١٥، ٢٧١)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٢١٣ و٦٢١٤) من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٥٣٧٤) .
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (٤٨٦٩) فى الأدب، باب: فى نقل الحديث، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٤٢)، من حديث جابر بن عبد اللهرضي الله عنهما-، وأخرجه أبو الشيخ ابن حبان فى التوبيخ عن عثمان، وابن عباس كما فى «صحيح الجامع» (٢٣٣٠) وانظر رقم (٦٦٧٨) أيضا.
(٣) حسن: أخرجه أبو داود (٤٨٦٨) فى الأدب، باب: فى نقل الحديث، والترمذى (١٩٥٩) فى البر والصلة، باب: ما جاء أن المجالس أمانة، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٢٤ و٣٧٩ و٣٩٤) عن جابر بن عتيك عن جابر بن عبد الله فذكره.
(٤) ضعيف: انظر «ضعيف الجامع» (٢٣٧٧- ٢٣٨٠) .
[ ٢ / ٣٠ ]
وأورده ابن الجوزى فى الموضوعات من حديث أبى الدرداء وابن مسعود. قال شيخنا فى المقاصد الحسنة: ولا يحسن مع مجموع ما ذكرناه الحكم عليه بالوضع، ويشهد لمعناه قولهﷺ- للأعرابى الذى دخل عليه يعوده. وقال:
«لا بأس طهور» فقال الأعرابى: بل هى حمى تفور على شيخ كبير تزيده القبور، فقالﷺ-: «فنعم إذا» «١» . وأنشد فى معناه:
لا تنطقن بما كرهت فربما نطق اللسان بحادث فيكون
وقولهﷺ-: «ترك الشر صدقة» «٢» .
رواه بعضهم ومعنى ذلك أن من ترك الشر وأذى الناس فكأنه تصدق عليهم، وعلم من ذلك أن فضل ترك الشر كفضل الصدقة.
وقوله: «وأى داء أدوأ من البخل» «٣» .
رواه البخارى، والبخل قد جعلهﷺ- داء، وليس بداء مؤلم لصاحبه، وإنما شبهه بالداء إذ كان مفسدا للرجل مورثا له سوء الثناء، كما أن الداء يؤول إلى طول الضنا وشدة العنا، والقصد من هذا النهى عن البخل أعاذنا الله منه.
وقوله: «لا ينتطح فيها عنزان» «٤» .
أى لا يجرى فيها خلف ولا نزاع.
وقوله: «الحياء خير كله» «٥» متفق عليه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦٥٦) فى المرض، باب: عيادة، الأعراب، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-.
(٢) لا أصل له: ذكره العجلونى فى «كشف الخفا» (٩٦٦) وقال: ذكره فى المواهب من غير عزو لأحد.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣١٣٧) فى فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، من حديث جابررضي الله عنه-.
(٤) ضعيف: أخرجه ابن سعد عن عبد الله بن الحارث بن الفضيل الخطمى عن أبيه مرسلا، وابن عدى، وابن عساكر عن ابن عباسرضي الله عنهما-، كما فى «كنز العمال» (٤٤١٣١) .
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٣٧) فى الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها، من حديث عمران بن حصينرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٣١ ]
وقوله: «اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» «١» .
رواه فى مسند الفردوس من حديث أبى هريرة.
وقوله: «سيد القوم خادمهم» «٢» .
رواه أبو عبد الرحمن السلمى فى «آداب الصحبة» له عن عقبة بن عامر رفعه، وفى سنده ضعف وانقطاع. ورواه غيره أيضا.
وقوله: «فضل العلم خير من فضل العبادة» «٣» . رواه الطبرانى والبزار.
وقوله: «الخيل فى نواصيها الخير» «٤» .
متفق عليه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه بلفظ: «الخيل فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» وفى لفظ لغيرهما: «معقود بنواصيها الخير» .
وقوله: «أعجل الأشياء عقوبة البغى» «٥» .
وقوله: «إن من الشعر لحكما» «٦» .
_________________
(١) ضعيف: أخرجه عبد الرزاق عن معمر بلاغا، كما فى «كنز العمال» (٤٦٣٨٨) .
(٢) ضعيف: أخرجه الخطيب البغدادى فى التاريخ عن ابن عباس كما فى «ضعيف الجامع» (٣٣٢٣)، وأبو نعيم فى الأربعين الصوفية عن أنس كما فى المصدر السابق (٣٣٢٤) .
(٣) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١/ ١٢٠) عن حذيفة بن اليمان وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والبزار وفيه عبد الله بن عبد القدوس، وثقه البخارى وابن حبان وضعفه ابن معين.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٢٨٤٩) فى الجهاد والسير، باب: الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة، ومسلم (١٨٧١) فى الإمارة، باب: الخيل فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة.
(٥) ضعيف: أخرجه ابن ماجة (٤٢١٢) فى الزهد، باب: البغى، من حديث عائشةرضي الله عنها-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٨٤٠) .
(٦) صحيح: أخرجه البخارى (٦١٤٥) فى الأدب، باب: ما يجوز من الشعر، وأبو داود (٥٠١٠) فى الأدب، باب: ما جاء فى الشعر، وابن ماجة (٣٧٥٥) فى الأدب، باب: الشعر، من حديث أبى بن كعبرضي الله عنه-، وهو عند أبى داود (٥٠١١) من حديث ابن عباس، و(٥٠١٢) من حديث بريدةرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٣٢ ]
رواه أبو داود من رواية صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «إن من البيان لسحرا، وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حكما» فقال صعصعة بن صوحان: صدق رسول اللهﷺ-. أما قوله: «إن من البيان لسحرا» فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. وأما قوله:
«إن من العلم جهلا، فتكلف العالم إلى علمه ما لم يعلم يجهله» وأما قوله:
«إن من الشعر حكما» فى هذه المواعظ والأمثال التى يتعظ بها الناس «١» .
ومفهومه: أن بعض الشعر ليس كذلك. لأن من تبعيضية. وفى البخارى: إن من الشعر حكمة. أى قولا صادقا مطابقا للحق.
قال الطبرى: وفى هذا الحديث رد على من كره الشعر مطلقا، واحتج بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان. وعن أبى أمامة- رفعه- أن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: رب اجعل لى قرآنا، قال: قرآنك الشعر. ثم أجاب عن ذلك: بأنها أحاديث واهية. وهو كذلك. فحديث أبى أمامة فيه:
على بن زيد الألهانى، وهو ضعيف. وعلى تقدير قوتها فهو محمول على الإفراط فيه والإكثار منه.
ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه البخارى فى الأدب المفرد، عن عمرو بن الشريد عن أبيه: استنشدنى رسول اللهﷺ- من شعر أمية بن أبى الصلت فأنشدته مائة قافية «٢» .
وقوله: «الصحة والفراغ نعمتان» «٣» . رواه البخارى.
_________________
(١) ذكره أبو داود عقب الحديث رقم (٥٠١٢) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى فى «الأدب المفرد» (٧٩٩ و٨٦٩)، وهو عند مسلم (٢٢٥٥) فى أول كتاب الشعر.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٦٤١٢) فى الرقاق، باب: ما جاء فى الصحة والفراغ، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما- بلفظ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» .
[ ٢ / ٣٣ ]
وقوله: «استعينوا على الحاجات بالكتمان فإن كل ذى نعمة محسود» «١» .
رواه الطبرانى فى معاجمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه، وأخرجه الخلعى عن على مرفوعا: «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها» .
وقوله: «المكر والخديعة فى النار» «٢» .
رواه الديلمى عن أبى هريرة، ومعناه: أن ذا المكر والخداع لا يكون نقيّا ولا خائفا لله، لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وإذا فعلهما أوبق وهذا لا يكون فى تقى، فكل خلة جانبت التقى فهى فى النار.
وقوله: «من غشنا فليس منا» «٣» رواه مسلم فى صحيحه.
وقوله: «المستشار مؤتمن» «٤» .
رواه أحمد وغيره. ومعناه: أن من أفضى إليك بسره وآمنك على ذات نفسه فقد جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلا بما تراه صوابا، فإنه كالأمانة للرجل الذى لا يأمن على إيداع ماله إلا الثقة فى نفسه،
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الصغير» (١١٨٦)، وفى «الكبير» (٢٠/ ٩٤)، وفى «مسند الشاميين» (٤٠٨)، من حديث معاذ بن جبلرضي الله عنه-. وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ١٩٥) وقال: رواه الطبرانى فى الثلاثة، وفيه سعيد بن سلام العطار، قال العجلى: لا بأس به، كذبه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات إلا أن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ.
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود فى «المراسيل» (١٦٧) عن الحسن مرسلا، وهو عند القضاعى فى «مسند الشهاب» (١/ ١٧٥)، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (١٠١) فى الإيمان، باب: قول النبىﷺ-: «من غشنا فليس منا»، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٥١٢٨) فى الأدب، باب: فى المشورة، والترمذى (٢٨٢٢) فى الأدب، باب: إن المستشار مؤتمن، وابن ماجة (٣٧٤٥) فى الأدب، باب: المستشار مؤتمن، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦٧٠٠) .
[ ٢ / ٣٤ ]
والسر الذى ربما كان فى إذاعته تلف النفس أولى بأن لا يجعل إلا عند الموثوق به.
وقوله: «الندم توبة» «١» رواه الطبرانى فى الكبير.
وقوله: «الدال على الخير كفاعله» «٢» .
رواه العسكرى وابن جميع، ومن طريقه المنذرى عن ابن عباس فى حديث مرفوع بلفظ: «وكل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان» والمعنى: أن من دلك على الخير وأرشدك إليه فنلته بإرشاده فكأنه فعل ذلك الخير.
وقوله: «حبك الشىء يعمى ويصم» «٣» .
رواه أبو داود والعسكرى من حديث بقية بن الوليد، عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى مريم عن خالد بن محمد الثقفى عن بلال بن أبى الدرداء عن أبيه مرفوعا، ولم ينفرد به بقية بل توبع عليه. وابن أبى مريم ضعيف. وقد حكم الصغانى عليه بالوضع. وتعقبه العراقى وقال: إن ابن أبى مريم لم يتهمه أحد بكذب، ويكفينا سكوت أبى داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن.
قال العسكرى: أراد النبىﷺ- أن من الحب ما يعميك عن طريق الرشد، ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل أو دين أصمه حبه عن العدل وأعماه عن الرشد، ولذا قال بعض الشعراء:
_________________
(١) صحيح: أخرجه ابن ماجة (٤٢٥٢) فى الزهد، باب: ذكر التوبة، وأحمد فى «المسند» (١/ ٣٧٦ و٤٢٢ و٤٢٣ و٤٣٣)، من حديث ابن مسعودرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦٨٠٢) .
(٢) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٦٧٠) فى العلم، باب: ما جاء فى الدال على الخير كفاعله من حديث أنسرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (١٦٠٥) .
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٥١٣٠) فى الأدب، باب: فى الهوى، وأحمد فى «المسند» (٥/ ١٩٤) و(٦/ ٤٥٠) . والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٢٦٨٨) .
[ ٢ / ٣٥ ]
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدى المساويا
أشار إليه شيخنا فى المقاصد الحسنة.
وقولهﷺ-: «العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم» «١» . رواه الترمذى وأبو داود.
وقوله: «سبقك بها عكاشة» «٢» رواه البخارى.
وقوله: «عجب ربك» «٣» . من كذا.
روى فى عدة روايات عند البخارى وغيره. ومعناه كما قاله ابن الأثير:
عظم ذلك عنده وكبر لديه، أعلم الله أنه إنما يتعجب الآدمى من الشىء إذا عظم موقعه عنده وخفى عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده.
وقيل معنى عجب ربك أى رضى وأثاب، فسماه عجبا مجازا وليس بعجب فى الحقيقة. والأول أوجه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٥٦٥) فى الإجارة، باب: فى تضمين العارية، والترمذى (١٢٦٥) فى البيوع، باب: ما جاء فى أن العارية مؤداء، و(٢١٢٠) فى الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وابن ماجة (٢٣٩٨) فى الصدقات، باب: العارية، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٢٦٧)، من حديث أبى أمامةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «الإرواء» (١٥١٣) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٠٥) فى الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، ومسلم (٢٢٠) فى الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، وهو فى الصحيحين أيضا من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٠١٠) فى الجهاد والسير، باب: الأسارى فى السلاسل، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه- بلفظ: «عجب الله » ومنهج أهل السنة والجماعة إمرار صفات الله ﷿ كما جاءت بلا تعطيل ولا تشبيه، بل نثبت ما أثبته لنفسه، وننفى ما نفاه عن نفسه، أما تأويل بعض الصفات على غير معناها كالعجب مثلا بحجة أنه من صفات البشر، والعجب لا يدخل على الله، فنقول: أن الله ﷿ يسمع ويبصر، والإنسان كذلك يسمع ويبصر، وشتان بين سمع وبصر الله، وسمع وبصر العبد المخلوق، فكذلك نثبت صفة العجب لله دون تشبيهها بصفات المخلوقين.
[ ٢ / ٣٦ ]
وقوله: «قتل صبرا» «١» رواه غير واحد.
وقوله: «ليس المسئول بأعلم من السائل» «٢» رواه مسلم وغيره.
وقوله: «ولا ترفع عصاك عن أهلك أدبا» «٣» .
رواه أحمد، أى لا تدع تأديبهم وجمعهم على طاعة الله، يقال شق العصا، أى فارق الجماعة، وليس المراد الضرب بالعصا، ولكنه جعله مثلا، وقيل: لا تغافل عن أدبهم ومنعهم من الفساد، قاله ابن الأثير.
وقوله: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» «٤» .
رواه البخارى، وذكره ابن دريد وقال: إنه من الكلام الفرد الوجيز الذى لم يسبقﷺ- إلى معناه. أى كل ما أنبت الجدول، وإسناد الإنبات إليه مجاز، والمنبت فى الحقيقة هو الله تعالى، وليست «من» للتبعيض، وحبطا:
بفتح المهملة والموحدة والطاء المهملة أيضا، وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل حتى ينتفخ فيموت، ويلم: بضم الياء، أى يقرب من الهلاك. وهو مثل للمنهمك فى جمع الدنيا، المانع من إخراجها فى وجهها.
وقولهﷺ-: «خير المال عين ساهرة لعين نائمة» «٥» .
ومعناه: عين ماء تجرى ليلا ونهارا وصاحبها نائم، فجعل دوام جريانها:
سهرا لها.
_________________
(١) حسن: أخرجه البزار عن عائشة كما فى «صحيح الجامع» (٤٣٦٠) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٠) فى الإيمان، باب: سؤال جبريل النبىﷺ- عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ومسلم (٩ و١٠) فى الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٣) أخرجه أحمد فى «المسند» (٥/ ٢٣٨) من حديث معاذرضي الله عنه-، وهو عند الطبرانى (٢٤/ ١٩٠) من حديث أميمة مولاة النبىﷺ-، وهو عند البيهقى فى «الكبرى» (٧/ ٣٠٤) من حديث أم أيمنرضي الله عنها-.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (١٤٦٥) فى الزكاة، باب: الصدقة على اليتامى، ومسلم (١٠٥٢) فى الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-.
(٥) لم أقف عليه.
[ ٢ / ٣٧ ]
وقوله: «خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» «١» .
رواه أحمد والطبرانى عن سويد بن هبيرة. ومعنى مأمورة: أى كثيرة النتاج، وسكة مأبورة: أى طريقة مصطفة من النخل، ومنه قيل للأزقة:
سكة، والتأبير: تلقيح النخل. انتهى.
وقولهﷺ-: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» «٢» رواه مسلم من حديث أبى هريرة.
وقوله: «زر غبّا، تزدد حبّا» «٣» .
رواه البزار، والحارث بن أبى أسامة عن أبى هريرة مرفوعا، وفى بعض أحاديث الباب، أنه قيل له: «يا أبا هريرة أين كنت أمس» قال: زرت ناسا من أهلى، فقال: «يا أبا هريرة زر غبّا تزدد حبّا» .
وقوله: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم» «٤» .
رواه أبو يعلى والبزار من طرق، أحدها حسن بلفظ: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق.
_________________
(١) رجاله ثقات، أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ٤٦٨)، والطبرانى فى «الكبير» (٧/ ٩١)، من حديث سويد بن هبيرةرضي الله عنه-، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٢٥٨) وقال: رواه أحمد والطبرانى، ورجال أحمد ثقات.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٦٩٩) فى الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه البزار والطبرانى فى الأوسط والبيهقى فى شعب الإيمان عن أبى هريرة، والبزار والبيهقى فى شعب الإيمان عن أبى ذر، والطبرانى فى الكبير، والحاكم فى المستدرك عن حبيب بن مسلمة الفهرى، والطب فى الكبير عن ابن عمرو، والطبرانى فى الأوسط عن ابن عمر، والخطيب فى التاريخ عن عائشة كما فى «صحيح الجامع» (٣٥٦٨) .
(٤) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٣) عن أبى هريرة وقال: رواه أبو يعلى والبزار وفيه عبد الله بن سعيد المقبرى، وهو ضعيف. اه، والحديث ضعفه كذلك الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٢٠٤٣) .
[ ٢ / ٣٨ ]
وقوله: «الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» «١» رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط والبيهقى.
وقوله: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» «٢» .
رواه البزار والحاكم فى علومه، والبيهقى فى سننه، كلهم من طريق محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا.
وهو مما اختلف فيه على ابن سوقة فى إرساله ووصله، وفى رفعه ووقفه، ثم فى الصحابى، أهو جابر أو عائشة أو عمر. ورجح البخارى فى تاريخه من حديث ابن المنكدر الإرسال، ومعناه: أنه بقى فى طريقه عاجزا عن مقصده، ولم يقض وطره، وقد أعطب ظهره.
والوغول: الدخول، فكأنه قال: إن هذا الدين- مع كونه يسيرا سهلا شديد، فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق، فإن من بالغ بغير رفق وتكلف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يمل حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مثله كمثل الذى يعسف الركاب ويحملها على السير على ما لا تطيق رجاء الإسراع، فينقطع ظهره، فلا هو الذى قطع الأرض التى أراد، ولا هو أبقى ظهره سالما ينتفع به بعد ذلك.
وقولهﷺ-: «من شاد هذا الدين غلبه» .
رواه العسكرى عن بريدة، وللبخارى من حديث معن بن محمد الغفارى عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة مرفوعا: «إن الدين يسر، ولن يشاد
_________________
(١) ضعيف جدّا: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٤) عن ابن عباسرضي الله عنهما-، وقال: رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط، وفيه عيسى بن ميمون المدنى، وهو ضعيف. اه. وقال الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٢٩٤٥): ضعيف جدّا.
(٢) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١/ ٦٢) وقال: رواه البزار، وفيه يحيى بن المتوكل، أبو عقيل، وهو كذاب.
[ ٢ / ٣٩ ]
الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشىء من الدلجة» «١» .
وقوله: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى» «٢» .
رواه الحاكم عن شداد بن أوس، وقال: صحيح على شرط البخارى، وتعقبه الذهبى بأن فيه ابن أبى مريم وهو واه. وكذا رواه العسكرى والقضاعى والترمذى وابن ماجة.
وقوله: «ما حاك فى نفسك فدعه» «٣» .
رواه الطبرانى فى الكبير من حديث أبى أمامة.
وقولهﷺ-: «تنكح المرأة لجمالها ومالها ودينها وحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك» «٤» . متفق عليه من حديث أبى هريرة.
وقوله: «الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه» «٥» رواه البيهقى وأحمد وأبو نعيم مختصرا، والعسكرى بتمامه، كلهم من حديث دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد، وله شواهد.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٩) فى الإيمان، باب: الدين يسر.
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٤٥٩) فى صفة القيامة، باب: منه، وابن ماجة (٤٢٦٠) فى الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، وأحمد فى «المسند» (٤/ ١٢٤)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ١٢٥) و(٤/ ٢٨٠)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٣٠٥) .
(٣) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٥/ ٢٥٢ و٢٥٥)، وابن حبان فى «صحيحه» (١٧٦)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٥٨) و(٤/ ١١١)، والطبرانى فى «الكبير» (٨/ ١١٧)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٠٩٠) فى النكاح، باب: الأكفاء فى النكاح، ومسلم (١٤٦٦) فى الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين.
(٥) ضعيف: أخرجه أحمد فى المسند (٣/ ٧٥) مختصرا، والبيهقى فى «الكبرى» (٢/ ٢٩٧)، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-، وانظر «ضعيف الجامع» (٣٤٢٩ و٣٤٣٠) .
[ ٢ / ٤٠ ]
وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه فى بساتين الطاعات، ويسرح فى ميادين العبادات، ويتنزه قلبه فى رياض الأعمال الميسرة فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة ولا يحصل له جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد فلا يحصل فيه مشقة الصيام.
وقوله: «القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى» «١» .
رواه الطبرانى فى الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر، والقضاعى بدون: «وكنز لا يفنى» عن أنس.
وفى القناعة أحاديث كثيرة، ولو لم يكن فى القنع إلا التمتع بالعز لكفى صاحبه، وكان من دعائهﷺ-: «اللهم قنعنى بما رزقتنى» «٢» وأنشد بعضهم:
ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له ولن ترى قانعا ما عاش مفتقرا
وقولهﷺ-: «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد» «٣» رواه الطبرانى فى معجمه الأوسط من حديث أنس.
وقولهﷺ-: «الاقتصاد فى النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم» «٤» .
رواه البيهقى فى الشعب، والعسكرى فى الأمثال، وابن السنى والديلمى من طريقه والقضاعى كلهم من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعا. وضعفه
_________________
(١) ضعيف جدّا: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٢٥٦) عن جابر، وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه خالد بن إسماعيل المخزومى، وهو متروك. اه، وأخرجه القضاعى عن أنس كما فى «كنز العمال» (٧٠٨٠) .
(٢) أخرجه العسكرى فى «الأمثال»، عن ابن عباسرضي الله عنهما-، كما فى «كنز العمال» (٥٠٩٤) .
(٣) موضوع: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٩٦) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والصغير من طريق عبد السلام بن عبد القدوس، وكلاهما ضعيف.
(٤) موضوع: أخرجه الطبرانى فى «مكارم الأخلاق»، والبيهقى فى «شعب الإيمان» عن ابن عمر، كما فى «ضعيف الجامع» (٢٢٨٦) .
[ ٢ / ٤١ ]
البيهقى، لكن له شاهد عند العسكرى من حديث خلاد بن عيسى عن ثابت عن أنس رفعه: «الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق نصف الدين» «١» وكذا أخرجه الطبرانى وابن لال. ومن شواهده أيضا: ما للعسكرى عن أنس رفعه: «السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ فى اقتصاد» «٢» وللديلمى من حديث أبى أمامة رفعه: «السؤال نصف العلم والرفق نصف المعيشة» «٣» .
وفى صحيح ابن حبان من حديث طويل عن أبى ذر أن النبىﷺ- قال له: «يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كسحن الخلق» «٤» وهذا اللفظ عند البيهقى فى الشعب. وله أيضا وللعسكرى عن على مرفوعا: «التودد نصف الدين، وما عال امرؤ قط على اقتصاد» «٥» أى:
ما افتقر من أنفق قصدا ولم يجاوزه إلى الإسراف.
وقولهﷺ-: «المؤمن من أمنه الناس» «٦» . رواه الترمذى.
وقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما حرم الله» «٧» . متفق عليه عن ابن عمرو، به مرفوعا، وعن أبى موسى، ومسلم عن جابر.
_________________
(١) ضعيف: انظر «ضعيف الجامع» (٢٢٨٧) .
(٢) ضعيف: أخرجه العسكرى فى الأمثال عن أنس، كما فى «كنز العمال» (٢٩٢٦١) وفيه شبيب بن بشر لين الحديث.
(٣) ضعيف: أخرجه الحاكم فى «تاريخه» كما فى «كنز العمال» (٢٩٢٦٠) .
(٤) إسناده ضعيف جدّا: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٣٦١) ضمن حديث طويل جدّا بسند ضعيف جدّا.
(٥) انظر «كشف الخفا» (٤٧٦) .
(٦) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٦٢٧) فى الإيمان، باب: ما جاء المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والنسائى (٨/ ١٠٤) فى الإيمان وشرائعه، باب: صفة المؤمن، وأحمد فى «المسند» (٢/ ٣٧٩)، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦٧١٠) .
(٧) صحيح: أخرجه البخارى (١٠) فى الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومسلم (٤٠) بعضه فى الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأى أموره أفضل.
[ ٢ / ٤٢ ]
وقوله: «قلة العيال أحد اليسارين» «١» .
رواه صاحب مسند الفردوس لفظه: «التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين» .
وقولهﷺ-: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» «٢» .
رواه أبو داود والترمذى من رواية شريك وقيس بن الربيع، كلاهما عن أبى صالح والحارث من رواية الحسن، كلاهما عن أبى هريرة، وقال الترمذى: حديث حسن غريب، وأخرجه الدارمى فى مسنده، والدارقطنى والحاكم وقال: إنه صحيح على شرط مسلم، ولكن أعله ابن حزم وكذا ابن القطان والبيهقى. وقال أبو حاتم: إنه منكر، وقال الشافعى: إنه ليس بثابت عند أهله. وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبىﷺ- من وجه صحيح. قال شيخنا لكن بانضمامها يقوى الحديث. انتهى.
وقوله: «الرضاع يغير الطباع» «٣» رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر.
وقولهﷺ-: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» «٤» .
رواه أحمد وأبو يعلى فى مسنديهما، والبيهقى فى الشعب عن أنس.
وقوله: «النساء حبائل الشيطان» «٥» رواه فى مسند الفردوس عن عقبة ابن عامر.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه القضاعى عن على، والديلمى فى «مسند الفردوس» عن أنس، كما فى «ضعيف الجامع» (٢٥٠٥) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٥٣٥) فى الإجارة، باب: فى الرجل يأخذ حقه من تحت يده، والترمذى (١٢٦٤) فى البيوع، باب: رقم (٣٨)، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٤٠) .
(٣) ضعيف: أخرجه القضاعى عن ابن عباس، كما فى «ضعيف الجامع» (٣١٥٦) .
(٤) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ١٣٥ و١٥٤ و٢١٠ و٢٥١)، وابن حبان فى «صحيحه» (١٩٤)، وأبو يعلى فى مسنده (٢٨٦٣ و٣٤٤٥) والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٧١٧٩) .
(٥) ضعيف: أخرجه الديلمى فى «مسند الفردوس» عن عقبة بن عامر كما فى «كشف الخفا» (٢٨٠٢)، والخرائطى فى «اعتلال القلوب» عن زيد بن خالد الجهنى، كما فى «ضعيف الجامع» (٣٤٢٨) .
[ ٢ / ٤٣ ]
وقولهﷺ-: «حسن العهد من الإيمان» «١» .
رواه الحاكم فى مستدركه، عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبىﷺ- وهو عندى فقال لها: «من أنت؟» فقالت: جثامة المزينة قال: «أنت حسانة، كيف أنتم، كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا» قالت: بخير بأبى أنت وأمى، فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ قال: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وليس له علة.
وقولهﷺ-: «الخمر جماع الإثم» «٢» .
وقولهﷺ-: «جمال الرجل فصاحة لسانه» «٣» .
رواه القضاعى من حديث الأوزاعى والعسكرى من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر، كلاهما عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا.
وأخرجه أيضا الخطيب وابن طاهر، وفى إسناده أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقى والديلمى من حديث جابر رفعه: «الجمال صواب المقال، والكمال حسن الفعال بالصدق» .
وعند العسكرى من حديث العباس: قلت يا نبى الله ما الجمال فى الرجل: قال: «فصاحة لسانه» .
وقولهﷺ-: «منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا» «٤» .
_________________
(١) حسن: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (١/ ٦٢) من حديث عائشةرضي الله عنها-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٠٥٦) .
(٢) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «مسند الشهاب» (١/ ٦٨) .
(٣) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «مسند الشهاب» (١/ ١٦٤) .
(٤) أخرجه الدارمى فى «سننه» (٣٣٢)، والطبرانى فى «الكبير» (١٠/ ١٨٠)، والقضاعى فى «مسند الشهاب» (١/ ٢١٢)، من حديث ابن مسعودرضي الله عنه-، مرفوعا موقوفا، ولعل الصواب وقفه.
[ ٢ / ٤٤ ]
رواه الطبرانى فى الكبير والقضاعى عن ابن مسعود، وهو عند البيهقى فى المدخل: عن القاسم قال: قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان طالب علم وصاحب الدنيا. ولا يستويان، أما صاحب الدنيا فيتمادى فى الطغيان، وأما صاحب العلم فيزداد من رضى الرحمن. وقال: إنه موقوف منقطع.
وكذا رواه البزار والعسكرى وغيرهما وبمجموعها يتقوى، وإن كانت مفرداته ضعيفة، والله أعلم.
وقولهﷺ-: «لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أكثر من العقل، ولا وحشة أشد من العجب» «١» رواه ابن ماجة.
وقولهﷺ-: «الذنب لا ينسى، والبر لا يبلى، والديان لا يموت، فكن كما شئت» «٢» رواه فى مسند الفردوس عن ابن عمر.
وقولهﷺ-: «ما جمع شىء إلى شىء أحسن من حلم إلى علم» «٣» .
رواه العسكرى فى الأمثال من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن على ابن الحسين عن أبيه عن على مرفوعا بزيادة: «وأفضل الإيمان التحبب إلى الناس، ثلاث من لم تكن فيه فليس منى ولا من الله، حلم يرد به جهل الجاهل، وحسن خلق يعيش به فى الناس، عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله تعالى بها عزّا» «٤» .
_________________
(١) ذكره العجلونى فى «كشف الخفا» (٣٠٣٨) وعزاه لابن ماجة والطبرانى عن أبى ذر، ولم أجده فيها، وفى الباب عن على بن أبى طالب يسأل ابنه الحسن فأجابه بذلك.
(٢) مرسل: أخرجه عبد الرزاق عن أبى قلابة مرسلا، كما فى «ضعيف الجامع» (٢٣٦٩) .
(٣) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١/ ١٢١) عن على وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والصغير من رواية حفص بن بشر عن حسن بن الحسين بن يزيد العلوى عن أبيه، ولم أر من ذكر أحدا منهم. اه. وانظر «ضعيف الجامع» (٥٠٥١)، و«كشف الخفا» (٢٢٠٤ و٢٧٣٤) .
(٤) ضعيف: انظر ما قبله.
[ ٢ / ٤٥ ]
وعنده أيضا من حديث جابر مرفوعا: «ما أوى شىء إلى شىء أحسن من حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان إلى حلم» «١» .
وقولهﷺ-: «التمسوا الرزق فى خبايا الأرض» «٢» .
رواه فى جزء ب ى ب ى «٣» عن ابن أبى شريح والمراد الزرع، وأنشدوا:
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها لعلك يوما أن تجاب فترزقا
وقولهﷺ-: «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك فى أهل القبور» «٤» رواه البيهقى فى الشعب والعسكرى من حديث ابن عمر مرفوعا: وأخرجه البخارى والترمذى وغيرهم.
وقولهﷺ-: «صنائع المعروف تقى مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد فى العمر» «٥» . خرج الطبرانى فى الكبير بسند حسن.
وقولهﷺ-: «العفو لا يزيد العبد إلا عزّا، والتواضع لا يزيده إلا رفعة. وما نقص مال من صدقة» «٦» .
_________________
(١) موضوع: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١/ ١٦٢) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه مسعدة بن اليسع، وهو ضعيف جدّا. اه. والحديث حكم بوضعه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٩٦٤) .
(٢) ضعيف: أخرجه الدارقطنى فى الأفراد، والبيهقى فى الشعب عن عائشة، وابن عساكر عن عبد الله بن أبى عباس بن أبى ربيعة، كما فى «ضعيف الجامع» (١١٥٠)، وانظر رقم (٩٠٥) أيضا.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٦٤١٦) فى الرقاق، باب: قول النبىﷺ-: «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» طرفه الأول، والترمذى (٢٣٣٣) فى الزهد، باب: ما جاء فى قصر الأمل، وابن ماجة (٤١١٤) فى الزهد، باب: مثل الدنيا.
(٥) حسن: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٣/ ١١٥) عن أبى أمامة وقال: رواه الطبرانى فى الكبير وإسناده حسن. اه. والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣٧٩٧) .
(٦) أخرجه ابن أبى الدنيا فى «ذم الغضب» عن محمد بن عمير العبدى، كما فى «كنز العمال» (٥٧١٩) .
[ ٢ / ٤٦ ]
وروى مسلم: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» «١» .
وروى القضاعى عن أبى سلمة عن أم سلمة مرفوعا: «ما نقص مال من صدقة ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله تعالى بها عزّا» «٢» .
وروى الديلمى من حديث أبى هريرة مرفوعا: «والذى نفس محمد بيده لا ينقص مال من صدقة» «٣» رواه الترمذى وقال حسن صحيح.
وقولهﷺ-: «اللهم إنى أعوذ بك من شر سمعى، ومن شر بصرى، ومن شر لسانى ومن شر قلبى ومن شر منيى «٤»» «٥» أخرجه أبو داود والترمذى فى جامعه والحاكم فى مستدركه عن شكل.
وقولهﷺ-: «اللهم إنى أعوذ بك من شر فتنة الغنى» «٦» رواه الترمذى والنسائى وأبو داود وابن ماجه.
وقولهﷺ-: «إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل قادر، يحق فيها الحق ويبطل
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٥٨٨) فى البر والصلة، باب: استحباب العفو والتواضع، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٢) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٣/ ١٠٥) وقال: رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط، وفيه زكريا بن دويد، وهو ضعيف جدّا.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٠٢٩) فى البر والصلة، باب: ما جاء فى التواضع.
(٤) المنى: المراد شر الفرج، وقيل: من المنية، أى الموت.
(٥) صحيح: أخرجه أبو داود (١٥٥١) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة، والترمذى (٣٤٩٢) فى الدعوات، باب: رقم (٧٦)، والنسائى (٨/ ٢٦٠) فى الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر السمع والبصر، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤٢٩)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٧١٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (١٢٩٢) .
(٦) صحيح: أخرجه البخارى (٦٣٦٨) فى الدعوات، باب: التعوذ من المأثم والمغرم، ومسلم (٥٨٩) فى الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر الفتن وغيرها، وأبو داود (١٥٤٣) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة، والترمذى (٣٤٩٥) فى الدعوات، باب: رقم (٧٧)، والنسائى (٨/ ٢٦٦) فى الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر فتنة الغنى، وابن ماجه (٣٨٣٨) فى الدعاء، باب: ما تعوذ منه رسول اللهﷺ-، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
[ ٢ / ٤٧ ]
الباطل، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا. فإن كل أم يتبعها ولدها» «١» رواه أبو نعيم فى الحلية من حديث شداد.
وقولهﷺ-: «أخسر الناس صفقة من أذهب آخرته بدنيا غيره» «٢» .
وعند ابن النجار من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه وهو مما بيض له الديلمى: «أخسر الناس صفقة رجل أخلق يديه فى آماله ولم تساعده الأيام على أمنيته، فخرج من الدنيا بغير زاد وقدم على الله بغير حجة» «٣» .
وقولهﷺ-: «إن من كنوز البر كتمان المصائب» «٤» .
وقولهﷺ-: «اليمين حنث أو ندم» «٥» .
رواه أبو يعلى وابن ماجه إلا أنه قال: «إنما الحلف» «٦» .
وقولهﷺ-: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك» «٧» . رواه الترمذى من حديث مكحول عن واثلة، وقال: حسن غريب، وهو عند
_________________
(١) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٢/ ١٨٩) عن شداد بن أوس، وقاله: رواه الطبرانى فى «الكبير»، وفيه أبو مهدى سعيد بن سنان، وهو ضعيف جدّا.
(٢) ضعيف: أخرجه ابن ماجة (٣٩٦٦) فى الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما من حديث أبى أمامةرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٢٠٠٨) .
(٣) ضعيف: أخرجه ابن النجار فى تاريخه عن عامر بن ربيعة، وهو مما بيض له الديلمى (أى لم يذكر سنده، تركه أبيضا لعدم وقوفه على سنده)، كما فى «ضعيف الجامع» (٢٣٧) .
(٤) ضعيف: أخرجه أبو نعيم فى الحلية عن ابن عمر، كما فى «ضعيف الجامع» (٥٣١١) .
(٥) ضعيف: أخرجه أبو يعلى فى «مسنده» (٥٥٨٧)، وهو عند ابن ماجة (٢١٠٣) فى الكفارات، باب: اليمين حنث أو ندم، بلفظ: «إنما الحلف»، من حديث ابن عمررضي الله عنهما-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجة» .
(٦) ضعيف: انظر ما قبله.
(٧) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٥٠٦) فى صفة القيامة، باب: رقم (١٨)، والطبرانى فى «الكبير» (٢٢/ ٥٣)، من حديث واثلة بن الأسقعرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٦٢٤٥) .
[ ٢ / ٤٨ ]
الطبرانى أيضا، وفى رواية لابن أبى الدنيا: «فيرحمه الله» بدل: فيعاقبه الله، وروى الترمذى مرفوعا: «من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» «١» .
وقولهﷺ- لأبى هريرة: «جف القلم بما أنت لاق» «٢» .
قال صاحب فتح المنة بشرح الأخبار لمحيى السنة: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده، فهو من إطلاق اللازم على الملزوم، وهذا اللفظ لم يوجد فى كلام العرب، بل هو من الألفاظ التى لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.
وقولهﷺ-: «اليوم الرهان وغدا السباق والغاية الجنة والهالك من دخل النار» «٣» .
وقولهﷺ-: «من ضمن لى ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنة» «٤» .
رواه الجماعة، منهم العسكرى عن جابر، وفى البخارى والترمذى عن سهل بن سعد بلفظ: «من يضمن لى ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» . والمراد بما بين لحييه: اللسان وما يأتى به النطق، وما بين رجليه:
الفرج، وقال الداودى: المراد بما بين اللحيين: الفم، فيتناول الأقوال والأكل والشرب وسائر ما يأتى بالفم.
_________________
(١) موضوع: أخرجه الترمذى (٢٥٠٥) فى صفة القيامة، باب: رقم (١٨)، من حديث معاذ ابن جبلرضي الله عنه-، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٥٧١٠): موضوع.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٠٧٦) فى النكاح، باب: ما يكره من التبتل والخصاء.
(٣) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٢٢٨) عن ابن عباسرضي الله عنهما-، وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير بنحوه، وفيه أصدم بن حوشب، وهو متروك وفى إسناده الأوسط الوليد بن الفضل العنزى، وهو ضعيف جدّا.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٦٤٧٤) فى الرقاق، باب: حفظ اللسان، من حديث سهل بن سعدرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٤٩ ]
وفى لفظ: «من توكل لى ما بين فقميه ورجليه أتوكل له بالجنة» «١» .
والفقم: بالضم والفتح: اللحى.
وفى لفظ آخر: «من تكفل لى تكفلت له» .
وللديلمى- بسند ضعيف- عن أنس رفعه: «من وقى شر قبقبه وذبذبه ولقلقه وجبت له الجنة» «٢» ولفظ الإحياء: وقى يعنى البطن من القبقبة، وهو صوت يسمع فى البطن، وكأنها حكاية ذلك الصوت، ويجوز أن يكون كناية عن أكل الحرام وشبهه، والذكر واللسان.
فهذا وأشباهه، مما يعسر استقصاؤه. يدلك على ذلك أنهﷺ- قد رقى من الفصاحة وجوامع الكلم درجة لا يقاس بها غيره، وحاز مرتبة لا يقدر فيها قدرهﷺ-.
ومما عد من وجوه بلاغته: ما ذكر أنه جمع متفرقات الشرائع وقواعد الإسلام فى أربعة أحاديث وهى:
حديث «إنما الأعمال بالنية» «٣» رواه الشيخان.
وحديث «الحلال بين والحرام بين» «٤» رواه مسلم.
وحديث «البينة على المدعى واليمين على من أنكر» «٥» .
_________________
(١) أخرجه العسكرى فى الأمثال عن سهل بن سعد، كما فى «كنز العمال» (٤٣٢٠١) .
(٢) انظر «كشف الخفاء» (٢٥٢٣) .
(٣) صحيح: وقد تقدم.
(٤) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٥٢) فى الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، ومسلم (١٥٩٩) فى المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، من حديث النعمان بن بشيررضي الله عنه-.
(٥) صحيح: أخرجه الترمذى (١٣٤١) فى الأحكام، باب: ما جاء فى أن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه، من حديث ابن عمرورضي الله عنهما-، وهو فى الصحيحين بلفظ: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، وانظر «صحيح الجامع» (٢٨٩٧) .
[ ٢ / ٥٠ ]
وحديث «لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» «١» رواه الشيخان.
فالحديث الأول: يشتمل على ربع العبادات.
والثانى: على ربع المعاملات.
والثالث: على ربع الحكومات وفصل الخصومات.
والرابع: على ربع الآداب والمناصفات ويدخل تحته التحذير من الجنايات. قاله ابن المنير.
ومما عدّ أيضا من أنواع بلاغته كلامهﷺ- مع كل ذى لغة بليغة بلغته اتساعا فى الفصاحة، واستحداثا للألفة، فكانﷺ- يخاطب أهل الحضر وبكلام ألين من الدهن وأرق من المزن، ويخاطب أهل البدو بكلام أرسى من الهضب، وأرهف من العضب.
فانظر إلى دعائه لأهل المدينة وقد سألوه ذلك فقال: «اللهم بارك لهم فى مكيالهم وبارك لهم فى صاعهم ومدهم» «٢» وفى حديث آخر: «اللهم بارك لنا فى تمرنا وبارك لنا فى مدينتنا، وبارك لنا فى صاعنا، وبارك لنا فى مدنا. اللهم إنى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة ومثله معه» .
ثم انظر دعاءه لبنى نهد وقد وفدوا عليه فى جملة الوفود، فقام طهفة ابن رهم النهدى يشكو الجدب فقال: أتيناك يا رسول الله من غورى تهامة، بأكوار الميس، ترتمى بنا العيس، نستحلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستخيل الرهام، ونستجيل الجهام، من أرض غائلة النطا،
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١٣) فى الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم (٤٥) فى الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، من حديث أنسرضي الله عنه-، وهو فيها بلفظ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢١٣٠) فى البيوع، باب: بركة صاع النبىﷺ- ومدهم، ومسلم (١٣٦٨) فى الحج، باب: فضل المدينة، من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٥١ ]
غليظة الوطا، قد نشف المدهن، ويبس الجعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدى، ومات الودى، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام وشريعة الإسلام، ما طمى البحر وقام تعار، ولنا نعم همل، أغفال ما تبل ببلال، ووقير كثير الرسل، قليل الرسل، أصابتها سنية حمراء مؤزلة، وليس لها علل ولا نهل.
فقال لهم رسول اللهﷺ-: «اللهم بارك لهم فى محصنها ومخضها ومذقها، وابعث راعيها فى الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك له فى المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا، لكم يا بنى نهد ودائع الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط فى الزكاة، ولا تلحد فى الحياة، ولا تتثاقل عن الصلاة» .
ثم كتب معه كتابا إلى بنى نهد: «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى بنى نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ﷿ ورسوله، لكم يا بنى نهد فى الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، لا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الإماق، وتأكلوا الرباق، من أقر بما فى هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة» «١» وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى تفسير:
فالميس: شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها. نستحلب- بالحاء المهملة- الصبير: بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة، وهو سحاب أبيض متراكب متكاثف. أى نستدر السحاب. ونستخلب- بالخاء المعجمة- الخبير:
بالخاء المعجمة أيضا ثم الموحدة: النبات والعشب، شبه بخبير الإبل وهو وبرها، واستخلابه: احتشاشه بالمخلب وهو المنجل، والخبير: يقع على الوبر والزرع والأكار قاله ابن الأثير.
ونستعضد البرير: أى نقطعه ونجنيه من شجره للأكل، هو بموحدة
_________________
(١) انظر «كنز العمال» (٣٠٣١٧) .
[ ٢ / ٥٢ ]
وراءين بينهما مثناة تحتية، ثمر الأراك إذا اسود وبلغ، وقيل: وهو اسم له فى كل حال، وكانوا يأكلونه فى الجدب. ونستخبل- بالخاء المعجمة- الرهام:
بكسر الراء، وهى الأمطار الضعيفة، واحدتها رهمة، أى نتخيل الماء فى السحاب القليل، وقيل: الرهمة أشد وقعا من الديمة. ونستجيل: بالجيم، أى نراه جائلا تذهب به الريح هاهنا وهاهنا. والجهام: بالجيم، أى السحاب الذى فرغ ماؤه. ومن روى نستخيل- بالخاء المعجمة- فهو نستفعل من «خلت، أخال» إذا ظننت، أراد أن لا نتخيل فى السحاب حالا إلا المطر وإن كان جهاما لشدة حاجتنا إليه، ومن رواه بالحاء المهملة- وهو الأشهر- أراد:
لا ننظر من السحاب فى حال إلا جهام من قلة المطر.
وأرض غائلة- بالغين المعجمة- والنطا- بكسر النون- أى مهلكة للبعد، يقال: بلد نطى، أى بعيد، ويروى المطى وهو مفعل منه. والمدهن: نقرة فى الجبل. والجعثن: بالجيم والمثلاثة، أصل النبات، ويقال: أصل الصليان خاصة وهو نبت معروف. والعسلوج: بضم العين وبالسين المهملتين، آخره جيم، وهو الغصن إذا يبس وذهبت طراوته، وقيل: هو القضيب الحديث الطلوع، يريد أن الأغصان يبست وهلكت من الجدب، وجمعه: عساليج.
والأملوج: بالضم والجيم، ورق شجر يشبه الطرفاء والسرو، وقيل: هو ضرب من النبات ورقه كالعيدان، وقيل: هو نوى المقل. وفى رواية: وسقط الأملوج من البكارة- بالكسر- جمع البكرة- بالفتح- يريد أن السمن الذى قد علا بكارة الإبل بما رعت من هذه الشجرة قد سقط عنها، فسماه باسم المرعى، إذ كان سببا له.
وهلك الهدى: بفتح الهاء وكسر الدال المهملة والتشديد، كالهدى بالتخفيف، وهو ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لتنحر، فأطلق على جميع الإبل لم وإن لم تكن هديا، تسمية للشىء ببعضه، يقال: كم هدى بنى فلان؟ أى كم إبلهم.
ومات الودى: بالتشديد، فسيل النخل، يريد هلكت الإبل ويبست
[ ٢ / ٥٣ ]
النخيل. وبرئنا إليك من الوثن والعنن: الوثن: الصنم، والعنن، الاعتراض، يقال: عنّ لى الشىء أى اعترض، كأنه قال: برئنا إليك من الشرك والظلم، وقيل: أراد به الخلاف والباطل. وما طمى البحر: أى ارتفع بأمواجه. وتعار:
بكسر التاء المثناة الفوقية، يصرف ولا يصرف، اسم جبل: ولنا نعم همل: أى مهملة لا رعاء لها، ولا فيها ما يصلحها ويهديها، فهى كالضالة. والإبل الأغفال: لا لبن فيها.
وقوله﵊-. فى محضها: بالحاء المهملة والضاد المعجمة، أى خالص لبنها.
ومخضها: بالمعجمة، ما مخض من اللبن وأخذ زبده. ومذقها: بفتح الميم وسكون المعجمة وبالقاف، أى ممزوج بالماء.
وابعث راعيها فى الدثر: بالمهملة المفتوحة ثم المثلاثة الساكنة ثم الراء، المال الكثير، وقيل: الخصب والنبات الكثير.
وافجر له الثمد: بفتح المثلاثة، الماء القليل، أى صيره كثيرا.
وودائع الشرك: قيل المراد بها العهود والمواثيق، يقال: توادع الفريقان، إذا أعطى كل واحد منهم عهده للآخر لا يغزوه، وقيل: ما كانوا استودعوه من أموال الكفار الذين لم يدخلوا فى الإسلام، أراد إحلالها لهم لأنها مال كافر قدر عليه من غير عهد ولا شرط.
ووضائع الملك: جمع وضيعة، وهى الوظيفة التى تكون على الملك، وهى ما يلزم الناس فى أموالهم من الزكاة والصدقة، أى لكم الوظائف التى تلزم المسلمين لا تتجاوز عنكم ولا نزيد عليكم فيها شيئا.
ولا تلطط، بضم المثناة الفوقية، ثم اللام الساكنة ثم طاآن، الأولى مكسورة والثانية مجزومة على النهى، أى لا تمنعها. ولا تلحد فى الحياة:
بضم المثناة الفوقية وإسكان اللام وكسر الحاء المهملة آخره دال مهملة، أى: لا تمل عن الحق ما دمت حيّا. قال بعضهم: كذا رواه القتيبى: لا تلطط ولا
[ ٢ / ٥٤ ]
تلحد على النهى للواحد، ولا وجه له لأنه خطاب للجماعة، ورواه غيره ما لم يكن عهد ولا موعد ولا تثاقل عن الصلاة، ولا تلطط فى الزكاة ولا تلحد فى الحياة. قال الحافظ أبو السعادات الجزرى، وهو الوجه، لأنه خطاب للجماعة واقع على ما قبله.
وقوله: «ولا تتثاقل عن الصلاة» أى لا تتخلف. والوظيفة: الحق الواجب. والفريضة: أى الهرمة المسنة، أى لا تأخذ فى الصدقات هذا الصنف كما أنا لا نأخذ خيار المال.
والفارض: - بالفاء والضاد المعجمة- المريضة. والفريش: بفتح الفاء آخره شين معجمة، وهى من الإبل كالنفساء من بنات آدم، أى لكم خيار المال وشراره، ولنا وسطه. وذون العنان: بكسر العين، سير اللجام. والركوب:
بفتح الراء، أى الفرس الذلول. والضبيس، بفتح المعجمة وكسر الموحدة آخره مهملة، المهر العسر الصعب. امتن عليهم بترك الصدقة فى الخيل جيدها ورديئها. ولا يمنع- بضم المثناة التحتية وفتح النون-، سرحكم- بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة- ما سرح من المواشى، أى لا يدخل عليكم أحد فى مراعيكم. ولا يعضد طلحكم: أى لا يقطع. ولا يحبس دركم: أى لا تحبس ذوات الدر عن المرعى إلى أن تجمع الماشية ثم تعد، أو أنا منعناه أن يأخذها لما فى ذلك من الإضرار.
والإماق: بالميم، أى ما لم تضمروا الغيظ، والبكاء، مما يلزمكم من الصدقة، قاله فى القاموس. وقال الزمخشرى: المراد إضمار الكفر والعمل على ترك الاستبصار فى دين الله، وفى رواية: الرماق- بالراء والميم- أى النفاق، يقال: رامقته رماقا، وهو أن تنظر إليه شزرا نظرة العداوة، يعنى ما لم تضق قلوبكم عن الحق، يقال: عيش رماق، أى ضيق، وعيش رمق ومرمق: أى يمسك الروح، والرمق: بقية الروح وآخر النفس.
وتأكلوا الرباق- بكسر الراء وبالموحدة المخففة- أى إلا أن تنقضوا
[ ٢ / ٥٥ ]
العهد، واستعار الأكل لنقض العهد لأن البهيمة إذا أكلت الربق- وهو الحبل تجعل فيه عرى وتشد به- خلصت من الرباط.
والربوة: - بكسر الراء وفتحها وضمها- أى الزيادة. يعنى: من تقاعد عن إعطاء الزكاة فعليه الزيادة فى الفريضة عقوبة له.
فانظر إلى هذا الدعاء والكتاب الذى انطبق على لغتهم، وجاد وزاد عليها فى الجزالة والبداوة وأين هذا من كتابهﷺ- لأنس فى الصدقة، وأين ذلك من كتابه بين قريش والأنصار أنهم أمة واحدة دون الناس من قريش على رباعتهم، يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، ويفكون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على من بغى عليهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، وأن سلم المؤمنين واحد على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت يعقب بعضهم بعضا، ومن اعتبط مؤمنا قتلا فهو قود إلا أن يرضى ولى المقتول، ومن ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأولاهم بهذه الصحيفة البر المحسن. كذا روى مختصرا من حديث ابن شطب.
وقوله: دسيعة ظلم: أى عظيمة من الظلم. ورباعتهم: أمرهم القديم الذى كانوا عليه. ويتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى: أى يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديات وإعطائها، وهو تفاعل من العقل، والمعاقل الديات، جمع معقلة، يقال: بنو فلان على معاقلهم التى كانوا عليها، أى مراتبهم وحالتهم.
ولا يوتغ: أى لا يهلك. ويعقب بعضهم بعضا: أى يكون الغزو بينهم نوبا، فإذا خرجت طائفة ثم عادت لم تكلف أن تعود ثانية حتى يعقبها غيرها. وأين هذا اللين فى القول، وقرب المأخذ فى اللفظ على طريق الحاضرة وعرف الجمهور المشهور من كتابه لذى المشعار الهمدانى، لما لقيه وفد همدان مقدمه من تبوك، فقال مالك بن نمط: يا رسول الله، نصية من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا
[ ٢ / ٥٦ ]
تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام لا ينقض عهدهم عن سنة ماحل، ولا سوداء عنقفير، ما قام لعلع، وما جرى اليعفور بصلع.
فكتب إليهم النبىﷺ-: هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحفاف الرمل، مع وافدها ذى المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عفاها لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبس الحورى، وعليهم فيها المصالغ والقارح.
وقوله نصية من كل حاضر وباد قال ابن الأثير: النصية من ينتصى من القوم أى يختار من نواصيهم، وهم الرؤوس والأشراف، ويقال للأشراف:
نواص، كما يقال للأتباع أذناب. وأتوك على قلص: بضم القاف واللام، جمع قلوص، وهى الناقة الشابة. والنواج: السراع.
وقوله متصلة بحبائل الإسلام أى عهوده وأسبابه. وخارف: بالخاء المعجمة. ويام: بالمثناة التحتية: قبيلتان. ولا ينقض عهدهم عن سنة ماحل:
أى لا ينقض عهدهم بسعى ساع أى بالنميمة والإفساد، كما يقال: لا أفسد ما بينى وبينك بمذاهب الأشرار وطرقهم فى الفساد. والسنة: الطريقة، والسنن أيضا. والعنقفير: بفتح العين المهملة وسكون النون وتقديم القاف، الداهية.
أى لا ينقض عهدهم بسعى الواشى ولا بداهية تنزل. ولعلع: جبل.
وما جرى اليعفور: بفتح التحتية، الخشف وولد البقرة الوحشية، وقيل:
هو تيس الظباء، والجمع: اليعافير، والياء: زائدة. وبصلع: بضم الصاد المهملة وتشديد اللام، الأرض التى لا نبات فيها: وقوله﵊-: «وأهل الجناب الهضب» بكسر الجيم، اسم موضع. و«حفاف الرمل» أسماء بلادهم. «وفراعها» بكسر الفاء وبراء وعين مهملة، أى ما علا من الجبال أو الأرض. «ووهاطها» بكسر الواو، وبطاء مهملة، المواضع
[ ٢ / ٥٧ ]
المطمئنة، واحدها وهط، وبه سمى الوهط، وهو مال كان لعمرو بن العاص بالطائف. وقيل الوهط: قرية بالطائف كان الكرم المذكور بها.
«وعزازها» بفتح العين المهملة ثم زاءين مخففتين، ما صلب من الأرض واشتد وخشن، وإنما يكون فى أطرافها.
«ويأكلون علافها» بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء، جمع علف، وهو ما تأكله الماشية. «وعفاها» بفتح وتخفيف الفاء وبالمد، أى المباح. «ومن دفئهم» بكسر الدال المهملة وسكون الفاء وبالهمز. قال فى المجمل: نتاج الإبل وألبانها والانتفاع بها. «وصرامهم» بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء، أى من نخلهم. والثلب: بكسر المثلاثة واللام الساكنة وبباء موحدة، ما هرم من ذكور الإبل وتكسرت أسنانه. والناب: بالنون الموحدة:
الناقة الهرمة التى طال نابها. والفصيل: بالمهملة الذى انفصل عن أمه.
والفارض: بالفاء المسن من الإبل. والداجن: بالمهملة والجيم، الدابة التى تألف البيوت.
والكبش الحورى: بالحاء المهملة، وواو مفتوحتين فراء مكسورة: الذى فى صوفه حمرة. والصالغ: بالصاد المهملة والغين المعجمة، من صلغت الشاة ونحوها: إذا تمت أسنانها. والقارح: بالقاف والراء والحاء المهملة، من الخيل الذى دخل فى السنة الخامسة. انتهى.
وهذا من جنس كتابه لقطن بن حارثة العليمى من كلب.
هذا كتاب من محمد لعمائر كلب وأحلافها، ومن ظأره الإسلام من غيرهم مع قطن ابن حارثة العليمى، بإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة بحقها فى شدة عقدها ووفاء عهدها، بمحضر من شهود المسلمين، وسمى جماعة منهم دحية بن خليفة الكلبى، عليهم من الهمولة الراعية البساط الظئار فى كل خمسين ناقة غير ذات عوار، والحمولة المائرة لهم لاغية، وفى الشوى الورى مسنة حامل أو حائل، وفيما سقى الجدول من العين المعين العشر، وفى
[ ٢ / ٥٨ ]
العشرى شطره بقيمة الأمين لا يزاد عليهم وظيفة ولا يفرق. شهد على ذلك الله ورسوله، وكتب ثابت بن قيس بن شماس.
وتفسير غريبه أن قوله: ومن ظأره الإسلام: بالظاء المعجمة والهمز، آخره هاء أى: عطف عليه وعليهم. فى الهمولة: بفتح الهاء، التى ترعى بأنفسها. ولا تستعمل فعولة بمعنى مفعولة. والبساط: التى معها أولادها.
والظئار: أن تعطف الناقة على غير ولدها. والحمولة المائرة لهم لاغية: يعنى أن الإبل التى تحمل عليها الميرة- وهى الطعام ونحوه مما يجلب للبيع- لا يؤخذ منها زكاة لأنها عوامل.
وفى الشوى: بفتح الشين المعجمة وكسر الواو والياء المشددة: اسم جمع للشاة. والورى: السمينة. ومن هذا النمط كتابهﷺ- لوائل بن حجر- بتقديم الحاء المضمومة على الجيم الساكنة- إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب، وذكر الفرائض فقال: فى التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك، وأنطوا الثبجة وفى السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما، ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم، ولا توصيم فى الدين، ولا غمة فى فرائض الله، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل على الأقيال.
وفسر الأقيال- وهو بالقاف والمثناة التحتية- بالرؤساء الذين دون الملوك.
والعباهلة: بالمهملة المفتوحة والموحدة، الذين أقروا على ملكهم لا يزالون.
والأوراع: - بفتح الهمزة وسكون الراء آخره عين مهملة- جمع رائع، وهم ذوو الهيئات الحسان الوجوه. والمشابيب: - بفتح الميم والشين المعجمة وباءين موحدتين بينهما مثناة تحتية ساكنة- السادة الرؤوس، الحسان الوجوه. وفى التيعة: - بكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية وبالعين المهملة- أربعون من الغنم. وفى القاموس والنهاية: أدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان. ولا مقورة: بضم الميم وفتح القاف وتشديد الواو.
والألياط: - بفتح الهمزة وسكون اللام آخرها طاء مهملة- أى: لا
[ ٢ / ٥٩ ]
مسترخية الجلود لكونها هزيلة. ولا ضناك: - بكسر المعجمة وتخفيف النون- ضدها وهى المستكثرة اللحم. وأنطوا: بقطع الهمزة أى أعطوا. والثبجة:
بالمثلاثة ثم موحدة ثم جيم مفتوحات، وقد تكسر الموحدة، أى أعطوا الوسط فى الصدقة لا من خيار المال ولا من رذلته. والسيوب: - بضم المهملة وآخره موحدة- أى: الركاز، قاله الهروى، وقيل: المال المدفون فى الجاهلية أو المعدن.
ومن زنى مم بكر: - بكسر الراء بلا تنوين، لأن أصله من البكر، لكن أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميما، وهى ساكنة فأدغمت النون فيها، والمراد بالبكر الجنس، وقال ابن الأثير: أى من بكر ومن ثيب، فقلبت النون الساكنة ميما، أما مع بكر فلأن النون إذا سكنت قبل الباء فإنها تقلب ميما فى النطق، نحو: عنبر وشنبا، وأما مع غير الباء فإنها لغة يمانية، كما يبدلون الميم من لام التعريف. انتهى.
و: فاصقعوه: بهمزة وصل وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف وضم العين المهملة، أى: اضربوه. واستوفضوه: بهمزة وصل وكسر الفاء وضم الضاد المعجمة، أى: غربوه وانفوه. وفضرجوه: بالضاد المعجمة وتشديد الراء وبالجيم. وبالأضاميم: بفتح الهمزة والضاد المعجمة، أى: أدموه بالضرب بجماهير الحجارة. ولا توصيم: بصاد مهملة مكسورة، أى لا كسل عن إقامة الحدود. ولا غمة: بضم المعجمة وتشديد الميم، أى لا تستر ولا تخفى.
ويترفل: بتشديد الفاء المفتوحة: يتسود ويترأس، استعارة من ترفيل الثوب وهو إسباغه وإسباله. وقريب من هذا، كتابه لأكيدر وأهل دومة، كما قدمته فى مكاتباتهﷺ-.
وقالﷺ- فى حديث عطية السعدى: «فإن اليد العليا هى المنطية والسفلى هى المنطاة» «١» قال: فكلمنا رسول اللهﷺ- بلغتنا.
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٣٦٣)، والبيهقى فى «الكبرى» (٤/ ١٩٨)، والطبرانى فى «الكبير» (١٧/ ١٦٦ و١٦٩)، من حديث عروة بن محمد عن أبيه عن جدهرضي الله عنه- والمنطية: هى العطية، والمنطاة: هى المعطاة أى السائلة.
[ ٢ / ٦٠ ]
وقد كان هذا من خصائصه- صلوات الله وسلامه عليه- أن يكلم كل ذى لغة بليغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها، وكان أحدهم لا يتجاوز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربى، وما ذلك منهﷺ- إلا بقوة إلهية وموهبة ربانية، لأنه بعث إلى الكافة طرا، وإلى الخليقة سودا وحمرا، والكلام باللسان يقع فى غاية البيان، ولا يوجد غالبا متكلم بغير لغته إلا قاصرا فى الترجمة نازلا عن صاحب الأصالة فى تلك اللغة، إلا نبينا وسيدنا محمدﷺ- كما تقدم، فإنه زاده الله تكريما وشرفا تكلم فى كل لغة من لغة العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها، وجدير به ذلك فقد أوتى فى سائر القوى البشرية المحمودة زيادة ومزية على الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس ولا يدخل فى تحقيقه إلباس. انتهى.
وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبيّا قط إلا بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكمﷺ- فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر، وروى نحوه من حديث على بن أبى طالب، وروى أنه كان إذا تكلم رؤى كالنور يخرج من ثناياه «١» . وقد كان صوتهﷺ- يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: «خطبنا رسول اللهﷺ- حتى أسمع العواتق فى خدورهن» «٢» رواه البيهقى.
وقالت عائشةرضي الله عنها- جلس رسول اللهﷺ- يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: «اجلسوا»، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو فى بنى غنم فجلس فى مكانه «٣» رواه أبو نعيم.
وقال عبد الرحمن بن معاذ التيمى: خطبنا رسول اللهﷺ- بمنى، ففتحت أسماعنا- وفى لفظ ففتح الله أسماعنا- حتى إن كنا لنسمع ما يقول ونحن فى منازلنا. رواه ابن سعد «٤» .
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ٢٥٦) .
(٣) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ٢٥٦) .
(٤) أخرجه ابن سعد فى «طبقاته» (٢/ ١٧٥) .
[ ٢ / ٦١ ]
وعن أم هانئ قالت كنا نسمع قراءة النبىﷺ- فى جوف الليل عند الكعبة، وأنا على عريشى «١»، رواه ابن ماجه.
وأما ضحكهﷺ-، ففى البخارى عن عائشة: ما رأيت رسول اللهﷺ- مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسّم «٢»، أى: ما رأيته مستجمعا من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكا تاما مقبلا بكليته على الضحك. واللهوات: بفتح اللام، جمع لهاة، وهى اللحمة التى بأعلى الحنجرة من أقصى الفم. وهذا لا ينافيه ما فى حديث أبى هريرة فى قصة المواقع أهله فى رمضان، فضحك رسول اللهﷺ- حتى بدت نواجذه «٣» .
رواه البخارى: وهى بالجيم والذال المعجمة: الأضراس. ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة فى الضحك. لأن عائشة إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة أخبر بما شاهده، والمثبت مقدم على النافى.
وقد قال أهل اللغة: التبسم: مبادىء الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم. وقال ابن أبى هالة: جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام، أى يبدى أسنانه ضاحكا، وحب الغمام: البرد. وقال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر من مجموع الأحاديث: أنهﷺ- كان فى معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك. قال: والمكروه إنما هو الإكثار منه والإفراط فيه لأنه يذهب الوقار. وقال ابن بطال: والذى ينبغى أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك.
وقد روى البخارى فى الأدب المفرد وابن ماجه عن أبى هريرة رفعه:
_________________
(١) حسن: أخرجه النسائى (٢/ ١٧٨) فى الافتتاح، باب: رفع الصوت بالقرآن، وابن ماجه (١٣٤٩) فى إقامة الصلاة، باب: ما جاء فى القراءة فى صلاة الليل، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٤١ و٤٢٤)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦٠٩٢) فى الأدب، باب: التبسم والضحك.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٦٠٨٧) فى الأدب، باب: التبسم والضحك.
[ ٢ / ٦٢ ]
«لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» «١» . وقال أبو هريرة: وإذا ضحكﷺ- يتلألأ فى الجدر «٢» رواه البزار والبيهقى، أى يضىء فى الجدر- بضم الجيم والدال، جمع جدار وهو الحائط- أى يشرق نوره عليها إشراقا كإشراق الشمس عليها.
وكانﷺ- إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسّم ضاحكا حتى يرتفع عنه، بل كان إذا خطب أو ذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته كأنه منذر جيش، صبحكم ومساكم «٣»
. رواه مسلم.
وكان بكاؤهﷺ- من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة ولكن تدمع عيناه حتى تهملان، ويسمع لصدره أزيز، يبكى رحمة لميت خوفا على أمته وشفقة، ومن خشية الله، وعند سماع القرآن، وأحيانا فى صلاة الليل، قاله فى الهدى النبوى. وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، ففى تاريخ البخارى ومصنف ابن أبى شيبة عن يزيد بن الأصم: «ما تثاءب النبى قط» «٤» لكن فى رواية عند ابن أبى شيبة: «ما تثاءب نبى قط» .
وأما يده الشريفةﷺ-، فقد وصفه غير واحد بأنه كان شثن الكفين كما سيأتى، أى غليظ أصابعهما، وبأنه عبل الذراعين رحب الكفين. وقد
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى فى «الأدب المفرد» (٢٥٢ و٢٥٣)، والترمذى (٢٣٠٥) فى الزهد، باب: من اتقى المحارم فهو أعبد الناس، وابن ماجه (٤١٩٣) فى الزهد، باب: الحزن والبكاء، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٧٤٣٥) .
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٢٢٧) .
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٨٦٧) فى الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، من حديث جابررضي الله عنه-.
(٤) ذكره الحافظ فى «الفتح» (١٠/ ٦١٣) وقال: أخرجه ابن أبى شيبة والبخارى فى التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم، والرواية الثانية أخرجها الخطابى من طريق مسلمة بن عبد الملك، ومسلمة أدرك بعض الصحابة، وهو صدوق، ويؤيد ذلك ما ثبت أن التثاؤب من الشيطان. اه.
[ ٢ / ٦٣ ]
مسحﷺ- خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطار «١»، رواه مسلم.
وفى حديث وائل بن حجر عند الطبرانى والبيهقى: لقد كنت أصافح رسول اللهﷺ- أو يمس جلدى جلده، فأتعرفه بعد فى يدى، وإنه لأطيب رائحة من المسك. وقال يزيد بن الأسود: ناولنى رسول اللهﷺ- يده فإذا هى أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك «٢»، رواه البيهقى. وعن المستورد ابن شداد عن أبيه قال: أتيت النبىﷺ- فأخذت بيده فإذا هى ألين من الحرير وأبرد من الثلج «٣»، رواه الطبرانى. ودخلﷺ- على سعد بن أبى وقاص بمكة يعوده وقد اشتكى، قال: فوضع يده على جبهتى فمسح وجهى وصدرى وبطنى، فما زلت يخيل إلى أنى أجد برد يده على كبدى حتى الساعة «٤» .
وفى البخارى من حديث أنس: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول اللهﷺ- «٥» . وهو من باب عطف الخاص على العام، لأن الديباج نوع من الحرير. قيل: وهذا الوصف فى هذا الحديث يخالف ما وقع فى حديث ابن أبى هالة عند الترمذى فى صفتهﷺ-، فأن فيه- كما تقدم- كان شثن الكفين والقدمين، أى غليظهما فى خشونة، وهكذا وصفه علىّ من عدة طرق عند الترمذى والحاكم وغيرهما، وكذا وصف عائشة له عند ابن أبى خيثمة. والجمع بينهما: أن المراد اللين فى الجلد. والغلظ فى العظام، فيجتمع له نعومة البدن وقوته. وقال ابن بطال: كانت كفهﷺ-
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٢٩) فى الفضائل، باب: طيب رائحة النبىﷺ- ولين مسكه.
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٢٥٦) .
(٣) إسناده قوى: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٢) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط ورجال الكبير رجال الصحيح غير موسى بن أيوب النصيبى، وهو ثقة.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦٥٩) فى المرضى، باب: وضع اليد على المريض.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٦١) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-.
[ ٢ / ٦٤ ]
ممتلئة لحما، غير أنها مع ضخامتها كانت لينة، كما فى حديث أنس، قال:
وأما قول الأصمعى: الشثن: غلظ الكف فى خشونة، فلم يوافق على تفسيره بالخشونة، والذى فسر به الخليل أولى، قال: وعلى تسليم ما فسر به الأصمعى الشثن: يحتمل أن يكون أنس وصف حالتى كف النبىﷺ- فكان إذا عمل بكفه فى الجهاد، أو فى مهنة أهله، صار كفه خشنا للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجع كفه إلى أصل جبلته من النعومة.
وقال القاضى عياض: فسر أبو عبيدة الشثن بالغلظ مع القصر.
وتعقب: بأنه ثبت فى وصفهﷺ- أنه كان سائل الأطراف. انتهى. ويؤيد كونها كانت لينة قوله فى رواية النعمان: كان سبط الكفين. بتقديم المهملة على الموحدة، فإنه موافق لوصفها باللين. والتحقيق فى الشثن أنه الغلظ من غير قصر ولا خشونة. وقد نقل ابن خالويه: أن الأصمعى لما فسر الشثن بما مضى، قيل له إنه ورد فى صفة النبىﷺ- أنه لين الكفين، فالى على نفسه أن لا يفسر شيئا فى الحديث. انتهى. وفى حديث معاذ عند الطبرانى والبزار: أردفنى رسول اللهﷺ- خلفه فى سفر، فما مسست شيئا قط ألين من جلدهﷺ-.
وأصيب عائذ بن عمرو فى وجهه يوم حنين، فسال الدم على وجهه وصدره، فسلت النبىﷺ- الدم بيده عن وجهه وصدره، ثم دعا له، فكان أثر يدهﷺ- إلى منتهى ما مسح من صدره غرة سائلة كغرة الفرس «١» رواه الحاكم وأبو نعيم وابن عساكر. وأخرج البخارى فى تاريخ والبغوى وابن منده فى الصحابة من طريق صاعد بن العلاء بن بشر عن أبيه عن جده بشر بن معاوية: أنه قدم مع أبيه معاوية بن ثور على رسول اللهﷺ- فمسح رأسه ودعا له بالبركة فكانت فى وجهه مسحة النبىﷺ- كالغرة وكان لا يمسح شيئا إلا برئ.
ومسحﷺ- رأس مدلوك أبى سفيان فكان ما مرت يده عليه أسود،
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٦٧٧)، والطبرانى فى «الكبير» (١٨/ ٢٠) .
[ ٢ / ٦٥ ]
وشاب ما سوى ذلك. رواه البخارى فى تاريخه والبيهقى. وكذا وقع لهﷺ- فى رأس السائب «١» . رواه البغوى والبيهقى وابن منده. وأخرج البيهقى وصححه، والترمذى وحسنه، عن أبى زيد الأنصارى قال: مسحﷺ- بيده على رأسى ولحيتى ثم قال: «اللهم جمله»، قال: فبلغ بضعا ومائة سنة وما فى لحيته بياض. ولقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات «٢» . ومسحﷺ- رأس حنظلة بن حذيم بيده وقال له: «بورك فيك» فكان يؤتى بالشاة الوارم ضرعها والبعير والإنسان به الورم، فيتفل فى يده ويمسح بصلعته ويقول بسم الله على أثر يد رسول اللهﷺ- فيمسحه ثم يمسح موضع الورم فيذهب الورم «٣» . رواه أحمد والبخارى فى التاريخ وأبو يعلى وغيرهم.
وقد جاء فى عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة بياض إبطيه. فعن أنس قال: رأيت رسول اللهﷺ- يرفع يديه فى الدعاء حتى رأيت بياض إبطيه «٤» . وقال الطبرى: ومن خصائصهﷺ- أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره، أى إلا هوﷺ-، ومثله للقرطبى وزاد: أنه لا شعر عليه، لكن نازع فيه صاحب شرح تقريب الأسانيد، وقال: إنه لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، قال: والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر. وقد قال عبد الله بن أقرم الخزاعى- وقد صلى معهﷺ- كنت أنظر إلى عفرة إبطيه «٥» . حسنه
_________________
(١) ذكر القصة الحافظ ابن حجر فى «الإصابة» (٦/ ٦٢) .
(٢) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٦٢٩) فى المناقب، باب: فى آيات إثبات نبوة النبىﷺ-، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٧٧ و٣٤٠ و٣٤١)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٣) رجاله ثقات: أخرجه أحمد فى «المسند» (٥/ ٦٧)، والبيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ٢١٤) بسند رجاله ثقات.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (١٠٣١) فى الاستسقاء، باب: رفع الإمام يده فى الاستسقاء، ومسلم (٨٩٥) فى صلاة الاستسقاء، باب: رفع اليدين بالدعاء فى الاستسقاء.
(٥) قلت: ثبت ذلك فى حديث صحيح عند البخارى (٢٥٩٧) فى «الهبة»، باب: من لم يقبل الهدية لعلة، من حديث أبى حميد الساعدىرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٦٦ ]
الترمذى. والعفرة: بياض ليس بالناصع كما قاله الهروى وغيره، وسيأتى مزيد لذلك فى الخصائص- إن شاء الله تعالى-.
وعن رجل من بنى حريش قال: ضمنى رسول اللهﷺ- فسال علىّ من عرق إبطيه مثل ريح المسك. رواه البزار. ووصفه علىّ فقال: ذو مسربة «١»، وفسر بخيط من الشعر بين الصدر والسرة. وقال ابن أبى هالة:
دقيق المسربة. وعند ابن سعد عن على: طويل المسربة. وعند البيهقى: له شعرات من لبته إلى سرته تجرى كالقضيب. ليس على صدره ولا على بطنه غيره.
ووصفت بطنه أم هانئ فقالت: ما رأيت بطن رسول اللهﷺ- إلا ذكرت القراطيس المثنى بعضها على بعضها «٢» . رواه الطيالسى والطبرانى.
وقال أبو هريرة: كانﷺ- أبيض كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر «٣»، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين.
وتقدم أن المشاش: رؤوس العظام كالركبتين، ومفاض: أى واسع البطن، وقيل: مستوى البطن مع الصدر. وخرج الإمام أحمد عن محرش الكعبى قال: اعتمر النبىﷺ- من الجعرانه ليلا، فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة «٤» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٦٣٧) فى المناقب، باب: ما جاء فى صفة النبىﷺ-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٢) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٠) وقال: رواه الطبرانى، وفيه جابر الجعفى، وهو ضعيف.
(٣) حسن: أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (١١)، والبيهقى فى «الدلائل» (١/ ١٨٨)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٦١٩) .
(٤) صحيح: أخرجه النسائى (٥/ ٢٠٠) فى الحج، باب: دخول مكة ليلا، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤٢٦) و(٤/ ٦٩) و(٥/ ٣٨٠)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
[ ٢ / ٦٧ ]
وكانﷺ- بعيد ما بين المنكبين «١» رواه البخارى. أى عريض الصدر، ووقع عند ابن سعد من حديث أبى هريرة: رحب الصدر.
وأما قلبه الشريفﷺ-، فاعلم أن القلب مضغة فى الفؤاد معلقة بالنياط، فهو أخص من الفؤاد. قاله الواحدى، وسمى به لتقلبه بالخواطر والعزوم، قال الشاعر:
وما سمى الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب
وقال الزمخشرى: مشتق من التقلب الذى هو المصدر لفرط تقلبه، ألا ترى إلى ما روى أبو موسى الأشعرى عن النبىﷺ-: ومثل هذا القلب كمثل ريشة ملقاة بفلاة يقلبها الريح بطنا لظهر. قال: والفرق بينه وبين الفؤاد، أن الفؤاد وسط القلب، سمى به لتفؤده، أى توقده. وفسر الجوهرى القلب بالفؤاد ثم فسر الفؤاد بالقلب. قال الزركشى: والأحسن قول غيره:
الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبته وسويداؤه، ويؤيد الفرق قولهﷺ-:
«ألين قلوبا وأرق أفئدة»، وهو أولى من قول بعضهم: إنه كرر لاختلاف اللفظ.
وقال الراغب: يعبر بالقلب عن المعانى التى تختص به كالعلم والشجاعة. وقيل: حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم، كقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ «٢»، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والغضب ونحوهما. انتهى.
قال بعض العلماء: وقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبا يعقل عنه، وهو أصل وجوده، إذا صلح قلبه صلح سائره، وإذا فسد قلبه فسد سائره، وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص، الذى هو سر الله
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٥١) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٣٧) فى الفضائل، باب: فى صفة النبىﷺ-، من حديث البراء بن عازبرضي الله عنه-.
(٢) سورة ق: ٣٧.
[ ٢ / ٦٨ ]
يودعه قلب من شاء من عباده، فأول قلب أودعه قلب محمدﷺ- لأنه أول خلق وصورتهﷺ- آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أولهم وآخرهم.
وقد جعل ﷾ أخلاق القلوب للنفوس أعلاما على أسرار القلوب، فمن تحقق قلبه بسر الله اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله، ولذلك جعل الله تعالى لمحمدﷺ- جثمانية اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانيته آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة وعظيم خلقه، وتكون علامات عظيم أخلاقه آيات على سر قلبه المقدس. ولما كان قلبهﷺ- أوسع قلب اطلع الله عليه- كما ورد فى الخبر- كان هو الأولى أن يكون هو قلب العبد الذى يقول فيه الله تعالى: ما وسعنى أرضى ولا سمائى ووسعنى قلب عبدى المؤمن «١» .
ولما كان كماله قبل الإسراء بمنزلة سائر النبيين كان صدره يضيق، فاتسع قلبه لما انشرح صدره، ووضع عنه وزره ورفع له ذكره. وقد صح أن جبريل﵊- شقه واستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده فى مكانه.
قال أنس فلقد كنت أرى أثر المخيط فى صدره «٢» . رواه مسلم.
وإنما خلقت هذه العلقة فى ذاته الكريمة ثم استخرجت منه لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقها تكملة للخلق الإنسانى فلا بد منها، ونزعها أمر ربانى طرأ بعد ذلك، قاله السبكى.
وعند أحمد وصححه الحاكم: ثم استخرجا قلبى فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه ائتنى بماء وثلج فغسلا به جوفى ثم
_________________
(١) موضوع: ذكره الغزالى فى «الإحياء» وقال الحافظ العراقى. لم أر له أصلا.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٦١) فى الإيمان، باب: الإسراء برسول اللهﷺ-، من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٦٩ ]
قال: ائتنى بماء برد فغسلا به قلبى ثم قال: ائتنى بالسكينة فذراها فى قلبى ثم قال أحدهما لصاحبه حصه فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة «١» .
وفى رواية البيهقى أن ملكين جاآنى فى صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد فشرح أحدهما صدرى، ومج الآخر بمنقاره فيه.
وعن أبى هريرة قال: يا رسول الله، ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة. قال: «إنى لفى صحراء أمشى ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسى يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذانى فألصقانى لحلاوة القفا ثم شقا بطنى، وكان أحدهما يختلف بالماء فى طست من ذهب والآخر يغسل جوفى، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدرى- فيما أرى- مفلوق لا أجد له وجعا، ثم قال: اشقق قلبه فشق قلبى، فقال أخرج الغل والحسد منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة قلبه، فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا كان معه فذر عليه، ثم نقر إبهامى، ثم قال: اغد فرجعت بما لم أغد به من رحمتى للصغير ورأفتى على الكبير» «٢» . رواه عبد الله بن الإمام أحمد فى زوائد المسند وأبو نعيم وقال:
تفرد به معاذ عن أبيه، وتفرد بذكر السن.
وعند أبى نعيم فى حديث يونس بن ميسرة: فاستخرج حشوة جوفى فغسلها ثم ذر عليه ذرورا ثم قال: قلب وكيع يعى ما وقع فيه، عينان تبصران وأذنان تسمعان وأنت محمد رسول الله المقفى الحاشر قلبك سليم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة وخلقك قيم وأنت قثم. وهذا الشق روى أنه وقع لهﷺ- مرات فى حال طفوليته إرهاصا. وتقديم المعجزة على زمان البعثة جائز للإرهاص، ومثل هذا فى حق الرسولﷺ- كثير. وبه يجاب عن استشكال وقوع ذلك فى حال طفولتيه لأنه من المعجزات، ولا يجوز أن تتقدم على النبوة، قاله الرازى.
_________________
(١) أخرجه أحمد فى «المسند» (٤/ ١٨٤)، والدارمى فى «سننه» (١٣)، والحاكم فى «المستدرك» (٢/ ٦٧٣)، من حديث عتبة بن عبدرضي الله عنه-.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى «زوائد المسند» (٥/ ١٣٩) .
[ ٢ / ٧٠ ]
والذى عليه أكثر أهل الأصول: اشتراط اقتران المعجزة بالدعوى كما نبهت عليه فى أوائل الكتاب، ويأتى تحقيقه- إن شاء الله تعالى- فى المقصد الرابع. وهو المراد بقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «١» وقد قيل المراد بالشرح فى الآية ما يرجع إلى المعرفة والطاعة. ثم ذكروا فى ذلك وجوها منها أنه لما بعث إلى الأحمر والأسود من جنى وإنسى أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفسح صدره حتى اتسع لجميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر بل هو حالتى البؤس والفرج منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف. فإن قلت: لم قال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ولم يقل: قلبك. أجيب: بأن محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ «٢» فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعى الخير هى الشرح، لا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب.
وقد قال محمد بن على الترمذى: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذى يقصد الشيطان، يجىء إلى الصدر الذى هو حصن القلب فإذا دخل مسلكا أغار فيه وأنزل جنده فيه وبث فيه الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو فى الابتداء حصل الأمن وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية.
وهاهنا دقيقة: «قال الله تعالى حكاية عن موسى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي «٣» وقال لنبينا محمدﷺ-: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «٤» أعطى بلا سؤال، ثم إنه تعالى نعته﵇- فقال وَسِراجًا مُنِيرًا «٥» فانظر إلى
_________________
(١) سورة الشرح: ١.
(٢) سورة الناس: ٥.
(٣) سورة طه: ٢٥.
(٤) سورة الشرح: ١.
(٥) سورة الأحزاب: ٤٦.
[ ٢ / ٧١ ]
التفاوت، فإن شرح الصدر هو أن يصير قابلا للنور، والسراج المنير هو الذى يقتبس منه النور، والفرق واضح. قال الدقاق: كان موسى﵇- مريدا إذ قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي «١» ونبينا محمدﷺ- مراد إذ قال الله له:
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ والله أعلم» .
وأما جماعهﷺ- فقد كان يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال الراوى قلت لأنس: أو كان يطيقه؟
قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين «٢» . رواه البخارى. وعند الإسماعيلى عن معاذ: قوة أربعين زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة. وعن أنس مرفوعا: «يعطى المؤمن فى الجنة قوة كذا وكذا فى الجماع» قلت: يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوة مائة» «٣» .
قال الترمذى: صحيح غريب لا نعرفه عن حديث قتادة إلا من حديث عمران القطان. فإذا ضربنا أربعين فى مائة بلغت أربعة آلاف، فبهذا يندفع ما استشكل من كونهﷺ- أوتى قوة أربعين فقط وسليمان﵊- قوة مائة رجل أو ألف على ما ورد.
وذكر ابن العربى: أنه كان لهﷺ- القوة الظاهرة على الخلق فى الوطء، وكان له فى الأكل القناعة، ليجمع الله له الفضيلتين فى الأمور الاعتيادية كما جمع له الفضيلتين فى الأمور الشرعية، حتى يكون حاله كاملا فى الدارين. انتهى. وطافﷺ- على نسائه التسع فى ليلة. رواه ابن سعد.
وروى أنهﷺ- قال: «أتانى جبريل بقدر فأكلت منها فأعطيت قوة
_________________
(١) سورة طه: ٢٥.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٦٨) فى الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه فى غسل واحد.
(٣) حسن: أخرجه الترمذى (٢٥٣٦) فى صفة الجنة، باب: ما جاء فى صفة جماع أهل الجنة، وابن حبان فى «صحيحه» (٧٤٠٠)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث حسن.
[ ٢ / ٧٢ ]
أربعين رجلا فى الجماع» «١» رواه ابن سعد: حدثنا عبد الله بن موسى عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم مرسلا من حديث أبى هريرة: شكا رسول اللهﷺ- إلى جبريل قلة الجماع فتبسم جبريل حتى تلألأ مجلس رسول اللهﷺ- من بريق ثنايا جبريل فقال له: أين أنت من أكل الهريسة فإن فيه قوة أربعين رجلا. ومن حديث حذيفة بلفظ «أطعمنى جبريل الهريسة أشد بها ظهرى وأتقوى بها على الصلاة» «٢» رواه الدار قطنى. ومن حديث جابر بن سمرة وابن عباس وغيرهم.
وكلها أحاديث واهية. بل صرح الحافظ ابن ناصر الدين فى جزء له سماه رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة أنه موضوع. وروى أنهﷺ- أعطى قوة بضع وأربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة، رواه الحارث بن أبى أسامة. وقد حفظه الله من الاحتلام، فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبى قط، وإنما الاحتلام من الشيطان «٣»، رواه الطبرانى.
وأما قدمه الشريفﷺ- فقد وصفه غير واحد بأنه كان شثن القدمين «٤»، أى غليظ أصابعهما. رواه الترمذى وغيره. وعن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول اللهﷺ- فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه «٥»، رواه أحمد والطبرانى. وعن جابر بن سمرة: كانت خنصر رسول اللهﷺ- من رجله متظاهرة، رواه البيهقى. وقد اشتهر على الألسنة أن سبابة النبىﷺ- كانت أطول من الوسطى «٦» . قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك فى أصابع رجليه. انتهى.
_________________
(١) مرسل: أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (١/ ٣٧٣)، عن صفوان بن سليم مرسلا.
(٢) موضوع: ذكره الحافظ ابن حجر فى «اللسان» (٥/ ١١٦) فى ترجمة محمد بن الحجاج اللخمى، وحكم عليه بالوضع به.
(٣) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١/ ٢٦٧) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط، وفيه عبد الكريم بن أبى ثابت، وهو مجمع على ضعفه.
(٤) تقدم من حديث على قريبا.
(٥) أخرجه البيهقى فى «الكبرى» (٧/ ١٤٥)، والحديث عند أحمد والطبرانى، إلا أنه ليست فيها هذه اللفظة.
(٦) انظر فى ذلك «كشف الخفاء» (١٤٥٧) .
[ ٢ / ٧٣ ]
وقال شيخنا- فى المقاصد الحسنة-: وسلف جمهورهم الكمال الدميرى. هو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة. وعبارته: «كذا رواه ابن هارون عن عبد الله بن مقسم عن سارة ابنة مقسم أنها سمعت ميمونة ابنة كردم تخير أنها رأت أصابع النبىﷺ- كذلك» . فضم ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كون الوسطى من كل أطول من السبابة، وعين اليد منهﷺ- لذلك بناء على أن القصد ذكر وصف اختص بهﷺ- عن غيره.
ولكن الحديث فى مسند الإمام أحمد من حديث يزيد بن هارون المذكور مقيد بالرجل، ولفظه- كما قدمته- فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
وهو عند البيهقى أيضا فى الدلائل «١» من طريق يزيد بن هارون ولفظها: رأيت رسول اللهﷺ- بمكة وهو على ناقته وأنا مع أبى، فدنا منه أبى فأخذ بقدمه فأقر له رسول اللهﷺ- قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
وعن أبى هريرة أنهﷺ- كان إذا وطئ بقدمه بكلها ليس له أخمص «٢» . رواه البيهقى: وعن أبى أمامة الباهلى قال: كان النبىﷺ- لا أخمص له يطأ على قدمه كلها رواه ابن عساكر. وقال ابن أبى هالة: خمصان الأخمصين، مسيح القدمين.
وقال ابن الأثير: الأخمص من القدم الموضع الذى لا يلصق بالأرض منها عند الوطء. والخمصان: البالغ منه، أى إن ذلك الموضع من أسفل قدمه شديد التجافى عن الأرض. وسئل ابن الأعرابى عنه فقال: إذا كان خمص الأخمص بقدر لا يرتفع جدّا، لم يستو أسفل القدم جدّا فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى أو ارتفع جدّا فهو ذم، فيكون بمعنى أن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأول. ووقع فى حديث أبى هريرة إذا وطئ بقدمه وطئ
_________________
(١) (١/ ٢٤٦) .
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٢٤٥) .
[ ٢ / ٧٤ ]
بكلها ليس له أخمص. وقوله: مسيح القدمين أى ملساوتان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق، فإذا أصابهما الماء نبا عنهما كما قال ابن أبى هالة: ينبو عنهما الماء، وهو معنى حديث أبى هريرة. وعن عبد الله بن بريدة قال: كانﷺ- أحسن الناس قدما. رواه ابن سعد.
وأما طولهﷺ- فقال على: كانﷺ- لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطول أقرب «١» . رواه البيهقى. وعنه: كانﷺ- ليس بالذاهب طولا، وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم. رواه عبد الله بن الإمام أحمد.
وعن أبى هريرة قال: كان رسول اللهﷺ- ربعة وهو إلى الطول أقرب «٢» . رواه البزار.
وقوله: ربعة، أى مربوعا، والتأنيث باعتبار النفس. وقد فسر فى الحديث الآتى بأنه ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، والمراد بالطويل البائن:
المفرط فى الطول مع اضطراب القامة.
وقال ابن أبى هالة: أطول من المربوع وأقصر من المشذب- وهو بمعجمتين مفتوحتين ثانيهما مشدد، أى البائن الطول فى نحافة، وهو مثل قوله فى الحديث الآخر لم يكن بالطويل الممغط- وهو بتشديد الميم الثانية- المتناهى الطول. وأمغط النهار إذا امتد، ومغطت الحبل إذا مددته، وأصله منمغط والنون للمطاوعة فقلبت ميما وأدغمت فى الميم، ويقال بالعين المهملة بمعناه.
وعن عائشة قالت: لم يكن رسول اللهﷺ- بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طالهﷺ- ولربما اكتنفه الرجلان
_________________
(١) تقدم حديث على.
(٢) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٠) وقال: رواه البزار، ورجاله وثقوا. اه. قلت: هو فى صحيح البخارى (٣٥٤٧)، من حديث أنس بلفظ: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل لا بالقصير.
[ ٢ / ٧٥ ]
الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب رسول اللهﷺ- إلى الربعة، رواه ابن عساكر والبيهقى. وزاد ابن سبع فى الخصائص: أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين. ووصفه ابن أبى هالة بأنه بادن متماسك، أى معتدل الخلق، كأن أعضاءه يمسك بعضها بعضا.
وأما شعره الشريفﷺ-، فعن قتادة قال: سألت أنسا عن شعر رسول اللهﷺ- فقال: شعر بين شعرين، لا رجل ولا سبط ولا جعد قطط كان بين أذنيه وعاتقه. وفى رواية للشيخين قال: كان رجلا ليس بالسبط ولا الجعد بين أذنه وعاتقه «١» . وفى أخرى: إلى أنصاف أذنيه «٢» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى. وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبىﷺ- عن إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة «٣» .
رواه الترمذى وأبو داود. والوفرة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن. وقال ابن أبى هالة أيضا: كان رجل الشعر- وهو بفتح الراء وكسر الجيم، أى يتكسر قليلا، بخلاف السبط والجعد- إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا، يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. والعقيقة بالقافين، شعر رأسه الشريف، يعنى إن انفرقت بنفسها فرقها وإلا تركها معقوصة، ويروى: إن انفرقت عقيصته- بالصاد المهملة- وهى الشعر المعقوص.
وعن ابن عباس أن رسول اللهﷺ- كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحب
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٩٠٥) فى اللباس، باب: الجعد، ومسلم (٢٣٣٨) فى الفضائل، باب: صفة شعر النبىﷺ-.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٣٨) (٩٦) فيما سبق.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٨٧) فى الترجل، باب: ما جاء فى الشعر، والترمذى (١٧٧٥) فى اللباس، باب: ما جاء فى الجمة واتخاذ الشعر، وابن ماجه (٣٦٣٥) فى اللباس، باب: اتخاذ الجمة والذوائب، وأحمد فى «المسند» (٦/ ١٠٨ و١١٨) من حديث عائشةرضي الله عنها-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ٧٦ ]
موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء، ثم فرقﷺ- رأسه «١» . رواه الترمذى فى الشمائل. وفى صحيح مسلم نحوه.
وسدل الشعر إرساله، والمراد هنا إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة.
وأما الفرق: فهو فرق الشعر بعضه من بعض، قال العلماء: والفرق سنة، لأنه الذى رجع إليهﷺ-، والصحيح جواز الفرق والسدل، لكن الفرق أفضل. وعن عائشة: كان لهﷺ- شعر فوق الجمة ودون الوفرة «٢» . رواه الترمذى. وفى حديث أنس كان إلى أذنيه «٣»، وفى حديث البراء: يضرب منكبيه «٤» . وفى حديث أبى رمثة: يبلغ إلى كتفيه أو منكبيه «٥» . وفى رواية:
ما رأيت من ذى لمة أحسن منه. والجمة: هى الشعر الذى نزل إلى المنكبين.
والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين، واللمة: التى لمت بين المنكبين. قال القاضى عياض: والجمع بين هذه الروايات: أن مايلى الأذن هو الذى يبلغ شحمة أذنيه، وما خلفه هو الذى يضرب منكبيه. قال: وقيل: بل ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين، فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك.
وعن أم هانئ بنت أبى طالب قالت: قدم رسول اللهﷺ- علينا مكة قدمة وله أربع غدائر «٦» . رواه الترمذى فى الشمائل. والغدائر: - بالغين
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٥٨) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٣٦) فى الفضائل، باب: فى سدل النبىﷺ- شعر رأسه إلى جانبيه.
(٢) صحيح: وقد تقدم قبل حديث.
(٣) صحيح: وقد تقدم قريبا.
(٤) صحيح: وقد تقدم قريبا.
(٥) صحيح: وحديث أبى رمثة أخرجه البخارى (٣٥٥١) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٣٧) فى الفضائل، باب: فى صفة النبىﷺ-، وأنه كان أحسن الناس وجها.
(٦) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٩١) فى الترجل، باب: فى الرجل يعقص شعره، والترمذى (١٧٨١) فى اللباس، باب: رقم (٣٨)، وابن ماجه (٣٦٣١) فى اللباس، باب: اتخاذ الجمة والذوائب، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٤١ و٤٢٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى صحيح «سنن أبى داود» .
[ ٢ / ٧٧ ]
المعجمة والدال المهملة- هى الذوائب، واحدتها غديرة. وفى مسلم عن أنس، كان فى لحيتهﷺ- شعرات بيض «١» . وفى رواية عنده: لم ير من الشيب إلا قليلا، وفى أخرى له أيضا: لو شئت أن أعد شمطات كن فى رأسه ولم يخضب. وعنده أيضا: لم يخضبﷺ- إنما كان البياض فى عنفقته وفى الصدغين وفى الرأس نبذ- بضم النون وفتح الباء الموحدة، وبفتح النون وإسكان الموحدة- أى شعرات متفرقة. وفى رواية أخرى: ما شانه الله ببيضاء.
قال الشيخ عبد الجليل فى شعب الإيمان، فيما حكاه عنه الفاكهانى: إنما كان كذلك لأن النساء يكرهن الشيب غالبا، ومن كره من النبىﷺ- شيئا كفر. وقال فى النهاية: قد تكرر فى الحديث جعل الشيب هاهنا عيبا وليس بعيب، فإنه قد جاء فى الحديث: أنه وقار وأنه نور، والشيب ممدوح، وذلك عجيب منه لا سيما فى حق النبىﷺ-. ويمكن الجمع بينهما: ووجه الجمع أنهﷺ- لما رأى أبا قحافة ورأسه كالثغامة «٢» أمرهم بتغييره وكرهه، ولذلك قال: «غيروا الشيب» «٣»، فلما علم أنس ذلك من عادته قال: ما شانه الله ببيضاء بناء على هذا القول وحملا له على هذا الرأى. ولم يسمع الحديث الآخر، ولعل أحدهما ناسخ للآخر انتهى. وفى رواية أبى جحيفة عنده، رأيت رسول اللهﷺ- وهذه منه بيضاء. ووضع الراوى بعض أصابعه على عنفقته. وفى حديث أنس عند البيهقى: ما شانه الله بالشيب، ما كان فى رأسه ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة يعنى شعرة بيضاء. وعن أبى جحيفة كان أبيض قد شمط «٤» . ورواه البخارى. وفى الصحيحين: أن
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٤١) فى الفضائل، باب: شيبهﷺ-.
(٢) الثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر يشبه به الشيب، وقيل: هى شجرة تبيض كأنها الثلج.
(٣) صحيح: والخبر أخرجه مسلم (٢١٠٢) فى اللباس والزينة، باب: استحباب خضاب الشيب بصفرة، أو حمرة وتحريمه بالسواد، من حديث جابررضي الله عنه-.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٣٠٤٤) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-.
[ ٢ / ٧٨ ]
ابن عمر رأى النبىﷺ- يصبغ بالصفرة «١» . وعن ابن عمر: إنما كان شيبهﷺ- نحوا من عشرين شعرة بيضاء «٢» رواه الترمذى. وروى أيضا عن ابن عباس قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال: «شيبتنى هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت» «٣» . وفى حديث جابر عنده: لم يكن فى رأسهﷺ- شيب إلا شعرات فى مفرق رأسه إذا ادهن واراهن الدهن. وفى رواية البيهقى: كان أسود اللحية حسن الشعر. واختلف العلماء: هل خضبﷺ- أم لا؟ قال القاضى عياض: منعه الأكثرون وهو مذهب مالك. وقال النووى: المختار أنه صبغ فى وقت وترك فى معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى وهو صادق، قال: وهذا التأويل كالمتعين، فحديث ابن عمر فى الصحيحين ولا يمكن تركه ولا تأويل له. وأما اختلاف الرواية فى قدر شيبه فالجمع بينهما أنه رأى شيبا يسيرا، فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير ومن نفاه أراد لم يكثر فيه، كما قال فى الرواية الآخرى: لم ير الشيب إلا قليلا، انتهى.
وعن جابر بن سمرة قال: كانﷺ- قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا ادهن لم يتبين، فإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية «٤» .
رواه مسلم والنسائى. وعن أنس كانﷺ- يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته «٥» . رواه البغوى فى شرح السنة. وقد وصفهﷺ- ابن أبى هالة بأنه
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١٦٦) فى الوضوء، باب: غسل الرجلين فى النعلين، ومسلم (١١٨٧) فى الحج، باب: الإهلال من حيث تنبعث الراحلة.
(٢) قلت: هو فى صحيح البخارى (٣٥٤٧) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٤٧) فى الفضائل، باب: فى صفة النبىﷺ- ومبعثه وسنه، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٢٩٧) فى التفسير، باب: سورة الواقعة، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣٧٢٣) .
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٤٤) فى الفضائل، باب: شيبهﷺ-.
(٥) ضعيف: أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (ص ٣٢)، من حديث سهل بن سعدرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٦٠٢) بعد أن عزاه للبيهقى فى الشعب.
[ ٢ / ٧٩ ]
كان موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط عارى الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر. وعن أنس قال: رأيت رسول اللهﷺ- والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا فى يد رجل «١» . رواه مسلم. وسيأتى إن شاء الله تعالى قصة حلق رأسه الشريف فى حجة الوداع.
ولم يرو أنهﷺ- حلق رأسه الشريف فى غير نسك حج أو عمرة فيما علمته، فتبقية الشعر فى الرأس سنة ومنكرها مع علمه يجب تأديبه، ومن لم يستطع التبقية فيباح له إزالته. وقد رأيت بمكة المشرفة فى ذى القعدة سنة سبع وتسعين وثمانمائة شعرة عند الشيخ أبى حامد المرشدى، شاع وذاع أنها من شعرهﷺ-، زرتها صحبة المقام المقرى خليل العباسى والى الله إحسانه عليه. وعن محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة، عندنا من شعر النبىﷺ- أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس، قال: لأن تكون عندى شعرة منه أحب إلى من الدنيا وما فيها «٢» . رواه البخارى. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنهﷺ- كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها «٣» . رواه الترمذى وقال: حديث غريب.
وأخرج الترمذى عن ابن عباس وحسنه قال: كان النبىﷺ- يقص شاربه «٤» . وعنده من حديث زيد بن أرقم قالﷺ-: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» «٥» . وفى الصحيحين: «خالفوا المشركين وفروا اللحى
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٢٥) فى الفضائل، باب: قرب النبى﵇- من الناس وتبركهم به.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (١٧٠) فى الوضوء، باب: الماء الذى يغسل به شعر الإنسان.
(٣) موضوع: أخرجه الترمذى (٢٧٦٢) فى الأدب، باب: ما جاء فى الأخذ من اللحية، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٥١٧)، موضوع.
(٤) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٧٦٠) فى الأدب، باب: ما جاء فى قص الشارب، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
(٥) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٧٦١) فى الأدب، باب: ما جاء فى قص الشارب، والنسائى (٨/ ١٢٩)، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٣٦٦ و٣٦٨)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦٥٣٣) .
[ ٢ / ٨٠ ]
وأحفوا الشوارب» «١» . واختلف فى قص الشارب وحلقه أيهما أفضل: ففى الموطأ يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وعن ابن عبد الحكم عن مالك قال: ويحفى الشارب ويعفى اللحية، وليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى تأديب من حلق شاربه. وعن أشهب أن حلقه بدعة قال: وأرى أن يوجع ضربا من فعله. وقال النووى: المختار أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله. وقال الطحاوى: لم نجد عن الشافعى شيئا منصوصا فى هذا، وكان المزنى والربيع يحفيان شاربهما. وأما أبو حنيفة وصاحباه فمذهبهم فى شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وأما أحمد، فقال الأثرم رأيته يحفى شاربه شديدا. وقد اختلفوا فى كيفية قص الشارب، هل يقص طرفاه أيضا، وهم المسميان بالسبالين أم تترك السبالان كما يفعله كثير من الناس؟
قال الغزالى فى الإحياء: لا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب. فعل ذلك عمررضي الله عنه- وغيره، لأن ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمرة الطعام إذ لا يصل إليه انتهى. وروى أبو داود عن جابر قال: كنا [نعفى] السبال إلا فى حج أو عمرة «٢» . وكره بعضهم إبقاءه لما فيه من التشبه بالأعاجم بل بالمجوس وأهل الكتاب، وهذا أولى بالصواب لما رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث ابن عمر قال: ذكر لرسول اللهﷺ- المجوس فقال: «إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم» «٣»، فكان يجز سباله كما يجز الشاة أو البعير. وروى أحمد فى مسنده فى أثناء حديث لأبى أمامة. فقلنا: يا رسول الله، فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال: «قصوا
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٩٢) فى اللباس، باب: تقليم الأظفار، ومسلم (٢٥٩) فى الطهارة، باب: خصال الفطرة، من حديث ابن عمررضي الله عنهما-.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٢٠١) فى الترجل، باب: فى أخذ الشارب.
(٣) حسن: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٥٤٧٦) من حديث ابن عمررضي الله عنهما-، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
[ ٢ / ٨١ ]
سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب» «١»، والعثانين- بالعين المهملة والثاء المثلاثة وتكرار النون- جمع عثنون وهو اللحية قاله فى شرح تقريب الأسانيد. وأما العانة ففى حديث أنس أن النبىﷺ- كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه «٢» ولكن سنده ضعيف. وروى ابن ماجه والبيهقى، ورجاله ثقات، ولكن أعل بالإرسال. وأنكر الإمام أحمد صحته من حديث أم سلمة أن النبىﷺ- كان إذا طلى بدأ بعانته فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله.
وأما الحديث الذى يروى أن النبىﷺ- دخل حمام الجحفة، فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث كما قاله الحافظ ابن كثير، بل ولم تعرف العرب الحمام ببلادهم إلا بعد موتهﷺ-. وأخرج البيهقى من مرسل أبى جعفر الباقر قال: كان رسول اللهﷺ- يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة «٣» . وله شاهد موصول من حديث أبى هريرة ولكن سنده ضعيف أخرجه البيهقى أيضا فى الشعب. وسئل عنه أحمد فقال يسن يوم الجمعة قبل الزوال. وعنه: يوم الخميس، وعنه يتخير. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهذا هو المعتمد، أنه يستحب كيفما احتاج إليه، قال:
ولم يثبت فى استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وكذا لم يثبت فى كيفيته شىء، ولا فى تعيين يوم له عن النبىﷺ-. وما يعزى من النظم فى ذلك لعلىرضي الله عنه- ثم لشيخ الإسلام ابن حجر قال شيخنا: إنه باطل.
والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلامس رأس الأصبع من الظفر، لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهى إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب
_________________
(١) أخرجه أحمد فى «المسند» (٥/ ٢٦٤)، والطبرانى فى «الكبير» (٨/ ٢٣٦)، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٣١) وقال: رواه أحمد والطبرانى، ورجال أحمد رجال الصحيح خلا القاسم وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر.
(٢) ضعيف: أخرجه البيهقى فى «الكبرى» (١/ ١٥٢) بسند ضعيف، وهو عنده من حديث أم سلمة (١/ ١٥٢) أيضا.
(٣) ضعيف: أخرجه البيهقى فى «الكبرى» (٣/ ٢٤٤) عن أبى جعفر مرسلا، وذكر بسند صحيح عن ابن عمر من فعله.
[ ٢ / ٨٢ ]
غسله فى الطهارة. وقد حكى أصحاب الشافعى فيه وجهين: فقطع المتولى بأن الوضوء حينئذ لا يصح، وقطع الغزالى فى الإحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك.
وأخرج الطبرانى فى الأوسط عن عائشة: كان النبىﷺ- لا يفارق سواكه ومشطه وكان ينظر فى المرآة إذا سرح لحيته «١» . وعن ابن عباس أن النبىﷺ- كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة فى هذه وثلاثة فى هذه «٢» . رواه ابن ماجه والترمذى وأحمد ولفظه: كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل فى كل عين ثلاثة أميال. وروى النسائى والبخارى فى تاريخه عن محمد بن على قال سألت عائشة: أكان النبىﷺ- يتطيب؟ قالت: نعم، بذكارة الطيب، المسك والعنبر «٣» .
وأما مشيهﷺ- فعن على قال: كان رسول اللهﷺ- إذا مشى تكفأ تكفيا، كأنما ينحط من صبب «٤»، رواه الترمذى وصححه البيهقى.
والتكفؤ: الميل إلى سنن المشى. وعند البزار من حديث أبى هريرة: إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها «٥» . وعند الترمذى فى الشمائل من حديثه: وما رأيت أحدا أسرع فى مشيه من رسول اللهﷺ-: كأنما الأرض تطوى له، إنا
_________________
(١) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٧١) وقال: رواه الطبرانى فى «الأوسط»، وفيه سليمان بن أرقم الزهرى، وهو ضعيف.
(٢) ضعيف جدّا: أخرجه الترمذى (١٧٥٧) فى اللباس، باب: ما جاء فى الاكتحال، وابن ماجه (٣٤٩٩) فى الطب، باب: من اكتحل وترا، وأحمد فى «المسند» (١/ ٣٥٤)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٤٨٦) .
(٣) ضعيف الإسناد: أخرجه النسائى (٨/ ١٥٠) فى الزينة، باب: العنبر، وفى «الكبرى» (٩٤٠٧)، والبخارى فى «التاريخ الكبير» (٢/ ٨٨)، بسند ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن النسائى» .
(٤) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٦٣٧) فى المناقب، باب: رقم (٣٧)، وهو عند مسلم (٢٣٣٠) من حديث أنس بنحوه.
(٥) حسن: أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٢٢٧)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٦٣٣) .
[ ٢ / ٨٣ ]
لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث «١» . وعن يزيد بن مرثد قال: كان رسول اللهﷺ- إذا مشى أسرع، حتى يهرول الرجل وراءه فلا يدركه «٢» . رواه ابن سعد: ويروى أنه كان إذا مشى مشى مجتمعا أى قوى الأعضاء غير مسترخ فى المشى. وقال علىرضي الله عنه- كان إذا مشى تقلع «٣» .
وقال ابن أبى هالة: إذا زال زال تقلعا، يخطو تكفيا، ويمشى هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وفى رواية إذا زال زال قلعا- بالفتح والضم، فبالفتح هو مصدر بمعنى الفاعل أى لا يزول قالعا لرجله من الأرض، وهو بالضم إما مصدر أو اسم وهو بمعنى الفتح.
وقال الهروى: «قرأت هذا الحرف فى كتاب غريب الحديث لابن الأنبارى: قلعا: بفتح القاف وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الأزهرى، وهو كما جاء فى حديث آخر كأنما ينحط من صبب، والانحدار من الصبب والتقلع من الأرض قريب بعضه من بعض. أراد: أنه كان يستعمل التثبت ولا يتبين منه فى هذه الحال استعجال ومبادرة شديدة» . وذريع المشية: أى واسع الخطوة قاله ابن الأثير.
وقال ابن القيم: التقلع الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحط من الصبب، وهى مشية أولى العزم والهمة والشجاعة، وهى أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، فكثير من الناس يمشى قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، فهى مذمومة، وإما أن يمشى بانزعاج مشى الجمل الأهوج وهى مشية مذمومة، وهى علامة خفة عقل صاحبها ولا سيما إن أكثر الالتفات حال مشيه يمينا وشمالا. وفى بعض المسانيد: أن المشاة شكوا إلى رسول الله
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٦٤٨) فى المناقب، باب: رقم (٤٥)، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، بسند فيه ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ.
(٢) أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (١/ ٣٧٩) .
(٣) ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٦٣٨) فى المناقب، باب: رقم (٣٨)، وفى «الشمائل» له (٦٠)، والبيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٢٥٢)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
[ ٢ / ٨٤ ]
- ﷺ- من المشى فى حجة الوداع فقال: «استعينوا بالنسلان» «١» وهو العدو الخفيف الذى لا يزعج الماشى.
وأما مشيهﷺ- مع أصحابه، فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: «خلوا ظهرى للملائكة» «٢»، وهو معنى قول القائل: وكان يسوق أصحابه ويماشيهم فرادى وجماعة. ومشىﷺ- فى بعض غزواته مرة فجرحت أصبعه وسال منها الدم فقال: «هل أنت إلا أصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت» «٣» . رواه أبو داود. ولم يكن لهﷺ- ظل فى شمس ولا قمر رواه الترمذى الحكيم عن ذكوان. وقال ابن سبع كانﷺ- نورا.
فكان إذا مشى فى الشمس أو القمر لا يظهر له ظل. قال غيره: ويشهد له قولهﷺ- فى دعائه: «واجعلنى نورا» .
وأما لونه الشريف الأزهرﷺ- فقد وصفه﵇- جمهور أصحابه بالبياض، منهم: أبو بكر وعمر وعلى وأبو جحيفة وابن عمر وابن عباس وابن أبى هالة والحسن بن على وأبو الطفيل ومحرش الكعبى وابن مسعود والبراء وأنس فى إحدى الروايتين عنه.
فأما أبو جحيفة فقال: كان أبيض «٤» . رواه البخارى. وأما أبو الطفيل فقال: كان أبيض مليحا «٥» . رواه الترمذى فى الشمائل، وفى رواية مسلم:
أبيض مليح الوجه. وفى رواية عنه للطبرانى: ما أنسى شدة بياض وجهه مع شدة سواد شعره. وفى شعر أبى طالب:
_________________
(١) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٢٦٧) عن جابر، ولم يعزه لأحد!.
(٢) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ٣٩٨) من حديث جابررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (١٣٨٩) ولكن عزاه لابن سعد.
(٣) قلت: بل هو عند البخارى (٢٨٠٢) فى الجهاد والسير، باب: من ينكب فى سبيل الله، ومسلم (١٧٩٦) فى الجهاد والسير، باب: ما لقى النبىﷺ- من أذى المشركين والمنافقين، من حديث جندب بن سفيانرضي الله عنه-.
(٤) صحيح: وقد تقدم.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٤٠) فى الفضائل، باب: كان النبىﷺ- مليح الوجه.
[ ٢ / ٨٥ ]
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقال على: أبيض مشرب، والمشرب: هو الذى فى بياضه حمرة، كما فى الرواية الآخرى: أبيض مشرب بحمرة، وبهذا فسر قول أنس فى صحيح مسلم: أزهر اللون. وفى النسائى من حديث أبى هريرة: بينا النبىﷺ- جالس بين أصحابه جاء رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذه الأمغر المرتفق «١» . والأمغر: المشرب بحمرة. المرتفق: المتكئ على مرفقه.
وفى البخارى من حديث أنس: ليس بأبيض أمهق «٢» . قال الحافظ ابن حجر:
ووقع عند الداودى تبعا لرواية المروزى: أمهق ليس بأبيض، وفى رواية عند أبى حاتم وغيره أسمر. واستشكله بعضهم وقال: إن غالب هذه الروايات متدافع، وبعضها ممكن الجمع كالأبيض مع رواية مشرب بالحمرة والأزهر، وبعضها غير ممكن الجمع كالأبيض الشديد الوضح مع الأسمر. واعترض الداودى رواية أمهق ليس بأبيض. وهى التى وقعت عنده تبعا لرواية المروزى.
وقال القاضى عياض: إنها وهم، وقال: وكذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض ولا الآدم، ليس بصواب. قال الحافظ ابن حجر: هذا ليس يجيد لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض ولا بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر، ولهذا جاء فى حديث أنس عند أحمد والبزار وابن منده بإسناد صحيح أن النبىﷺ- كان أسمر، وأخرجه البيهقى فى الدلائل من وجه آخر عن أنس، فذكر الصفة النبوية فقال: كانﷺ- أبيض بياضه إلى السمرة. وفى حديث ابن عباس فى صفتهﷺ-: رجل بين رجلين جسمه ولحمه، أحمر إلى البياض، أخرجه أحمد. وقد تبين من مجموع الروايات: أن المراد بالسمرة؛ الحمرة التى تخالط البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما تخالطه
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر كما فى «كنز العمال» (١٨٥٣٣)، ولم أقف عليه فى النسائى، ولعله وهم.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٤٧ و٣٥٤٨) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٤٧) فى الفضائل، باب: فى صفة النبىﷺ- ومبعثه وسنه.
[ ٢ / ٨٦ ]
الحمرة، والمنفى ما لا تخالطه، وهو الذى تكره العرب لونه وتسميه أمهق، وبهذا تبين أن رواية المروزى أمهق ليس بأبيض مقلوبة، على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون الذى ليس بياضه فى الغاية، ولا سمرته ولا حمرته، فقد نقل عن رؤبة: أن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتم على تقدير ثبوت الرواية، وقد تقدم فى حديث أبى جحيفة إطلاق كونه كان أبيض، وكذا فى حديث أبى الطفيل عند مسلم والترمذى.
وفى حديث سراقة عند ابن إسحاق فجعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة، ولأحمد من حديث محرش الكعبى فى عمرة الجعرانة قال: فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة «١» . وعن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصفهﷺ- فقال: كان شديد البياض «٢» أخرجه يعقوب بن سفيان والبزار بإسناد قوى. ويجمع بينهما بما تقدم. وقال البيهقى: يقال: إن المشرب منه بحمرة وإلى السمرة منه ما ضحى للشمس والريح أى كالوجه والعنق وأما ما تحت الثياب فهو الأزهر الأبيض انتهى. وهذا ذكره ابن أبى خيثمة عقب حديث عائشة فى صفتهﷺ- بأبسط من هذا وزاد: ولونه الذى لا يشك فيه الأبيض الأزهر. انتهى والله أعلم.
وقد ضعف بعضهم قول من قال: إنما وصف بالسمرة ما كانت الشمس تصيب منه، بأن أنسا لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، ولم يكنﷺ- ملازما للشمس، نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه فى وقت غيرته الشمس لأمكن، فالأولى حمل السمرة فى رواية أنس على الحمرة التى تخالط البياض كما قدمناه.
تنبيه: فى الشفاء حكاية عن أحمد بن سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبىﷺ- أسود يقتل. انتهى. وهذا يقتضى أن مجرد الكذب عليه فى صفة من صفاته كفر يوجب القتل. وليس كذلك، بل لابد من ضميمة ما يشعر بنقص فى ذلك. كما فى مسألتنا هذه فإن الأسود لون مفضول.
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
[ ٢ / ٨٧ ]
وأما طيب ريحهﷺ- وعرقه وفضلاته، فقد كانت الرائحة الطيبة صفتهﷺ- وإن لم يمس طيبا. وروينا عن أنس قال: ما شممت ريحا قط ولا مسكا ولا عنبرا أطيب من ريح رسول اللهﷺ- «١» . لحديث رواه الإمام أحمد. وفى البخارى: ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبىﷺ-. وفى رواية الترمذى: ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول اللهﷺ-. وقوله: شممت: بكسر الميم الأولى وسكون الثانية. وعن أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد السلمى قالت: كنا عند عتبة أربع نسوة، فما منا امرأة إلا وهى تجتهد فى الطيب لتكون أطيب ريحا منا، وكان إذا خرج إلى الناس قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما: إنا لنجتهد فى الطيب، ولأنت أطيب ريحا منا فمم ذلك؟
فقال: أخذنى الشرى على عهد رسول اللهﷺ- فأتيته فشكوت ذلك إليه، فأمرنى أن أتجرد، فتجردت وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبى على فرجى، فنفث فى يده ثم مسح ظهرى وبطنى بيده، فعبق بى هذا الطيب من يومئذ «٢» رواه الطبرانى فى معجمه الصغير.
وروى أبو يعلى والطبرانى قصة الذى استعان بهﷺ- على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شىء، فاستدعاه بقارورة فسلت له فيها من عرقه، وقال: «مرها فلتطيب به»، فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة ذلك الطيب فسموا بيت المطيبين. وقال جابر بن عبد الله: كان فى رسول اللهﷺ- خصال: لم يكن فى طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعرفه «٣»، ولم يكن يمر بحجر إلا سجد له. رواه الدارمى والبيهقى وأبو نعيم. ولله در القائل:
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٦١) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٣٠) فى الفضائل، باب: طيب رائحة النبىﷺ-، وأحمد فى «المسند» (٣/ ١٠٧ و٢٠٠ و٢٢٢ و٢٢٧ و٢٢٨ و٢٦٥ و٢٧٠) .
(٢) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٢) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير بنحوه، ورجال الأوسط رجال الصحيح. غير أم عاصم فإنى لم أعرفها.
(٣) أخرجه الدارمى فى «سننه» . (٦٦) .
[ ٢ / ٨٨ ]
فلو أن ركبا يمموك لقادهم نسيمك حتى يستدل به الركب
وعن أنس قال: كان رسول اللهﷺ- إذا مر فى طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب وقالوا: مر رسول اللهﷺ- من هذا الطريق «١» . رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح. وما أحسن قول القائل:
يروح على غير الطريق التى غدا عليها فلا ينهى علاه نهاته
تنفسه فى الوقت أنفاس عطره فمن طيبه طابت له طرقاته
تروح له الأرواح حيث تنسمت لها سحرا من حيه نسماته
وعن عائشة قالت: كان رسول اللهﷺ- أحسن الناس وجها وأنورهم لونا، لم يصفه واصف قط إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر. وكان عرقه فى وجهه مثل اللؤلؤ، أطيب من المسك الإذفر. رواه أبو نعيم. وعن أنس قال:
دخل علينا رسول اللهﷺ- فقال عندنا، فعرق وجاءت أمى بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظﷺ- فقال: «يا أم سليم ما هذا الذى تصنعين؟» قالت: هذا عرقك نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطيب «٢» . رواه مسلم.
وفى رواية له: كانﷺ- يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه. قال فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتيت فقيل لها هذا النبى نائم فى بيتك على فراشك قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره فى قواريرها، ففزعﷺ- فقال: «ما تصنعين يا أم سليم» فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: «أصبت» والعتيدة: كالصندوق الصغير الذى تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها.
_________________
(١) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٢) وقال: رواه أبو يعلى والبزار والطبرانى فى الأوسط، ورجال أبى يعلى وثقوا.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٣١) فى الفضائل، باب: طيب عرق النبىﷺ- والتبرك به.
[ ٢ / ٨٩ ]
وأما ما روى أن الورد خلق من عرقهﷺ- أو من عرق البراق فقال شيخنا فى الأحاديث المشتهرة: قال النووى: لا يصح. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: إنه موضوع، وسبقه لذلك ابن عساكر، وهو فى مسند الفردوس بلفظ: «الورد الأبيض خلق من عرقى ليلة المعراج، والورد الأحمر خلق من عرق جبريل، والورد الأصفر خلق من عرق البراق» «١» . رواه من طريق مكى ابن بندار الزنجانى. حدثنا الحسن بن على بن عبد الواحد القرشى، حدثنا هشام بن عمار عن الزهرى عن أنس به مرفوعا ثم قال: قال أبو مسعود حدث به أبو عبد الله الحاكم عن رجل عن مكى. ومكى تفرد به انتهى.
ورواه أبو الحسين بن فارس اللغوى فى «الريحان والراح» له عن مكى به.
ومكى ممن اتهمه الدارقطنى بالوضع، وله طريق أخرى رواه أبو الفرج النهروانى فى الخامس والتسعين من «الجليس الصالح» له من طريق محمد بن عنبسة بن حماد، حدثنا أبى عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار عن أنس رفعه: «لما عرج بى إلى السماء بكت الأرض من بعدى فنبت اللصف من نباتها، فلما أن رجعت قطر من عرقى على الأرض فنبت ورد أحمر، ألا من أراد أن يشم رائحتى فليشم الورد الأحمر» «٢» . ثم قال أبو الفرج:
اللصف: الكبر، وقال: وما أتى به هذا الخبر فهو اليسير من كثير مما أكرم الله به نبيه ودل على فضله ورفيع منزلته. انتهى. وإنما ذكرته ليعلم «٣» .
وعن جابر بن سمرة أنهﷺ- مسح خده، وقال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار «٤» . قال غيره: مسها بطيب أو لم يمسها يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبى فيعرف من بين الصبيان ريحها. وجؤنة العطار: بضم الجيم وهمزة بعدها، ويجوز تخفيفها واوا: سلسلة مستديرة مغشاة أدما.
_________________
(١) موضوع: ذكره الحافظ ابن حجر فى اللسان (٢/ ٢١٩) فى ترجمة الحسن بن عبد الواحد القزوينى، وقال: هذا حديث موضوع، وضعه من لا علم له.
(٢) موضوع: أخرجه ابن عدى فى «الكامل» (٢/ ٣٤٢) .
(٣) أى: يعلم أنه موضوع.
(٤) صحيح: وقد تقدم.
[ ٢ / ٩٠ ]
وقد ورد مما عزاه القاضى عياض للأخباريين ومن ألف فى الشمائل الكريمة أنهﷺ- كان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض وابتلعت بوله وغائطه وفاحت لذلك رائحة طيبة. قال غيره: ولم يطلع على ما يخرج منه بشر قط. وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدى- كما هو فى بعض نسخ الشفاء، وقالوا: إنه ليس من الرواية ولا من حواشى أصل ابن جبير بل من حواشى غيره- عن عائشةرضي الله عنها- قالت للنبىﷺ-: إنك تأتى الخلا فلا نرى منك شيئا من الأذى فقال: «يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شىء» «١» انتهى.
وفى الشفاء لابن سبع عن بعض الصحابة قال: صحبتهﷺ- فى سفر فلما أراد قضاء الحاجة تأملته وقد دخل مكانا فقضى حاجته، فدخلت الموضع الذى خرج منه فلم ير له أثر غائط ولا بول، ورأيت فى ذلك الموضع ثلاثة أحجار فأخذتهن فوجدت لهن رائحة طيبة وعطرا. قلت: وقد سئل الحافظ عبد الغنى المقدسى: هل روى أنهﷺ- كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال: قد روى ذلك من وجه غريب، والظاهر يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه ولا ذكره، وأما البول فقد شاهده غير واحد.
وشربته أم أيمن والله أعلم انتهى. لكن قال البيهقى: وأما الحديث الذى أخبرنا به أبو الحسين بن بشر أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ حدثنا حسين بن علوان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان النبىﷺ- إذا دخل الغائط دخلت فى أثره فلا أرى شيئا إلا أنى كنت أشم رائحة الطيب، فذكرت ذلك له فقال: «يا عائشة أما علمت أن أجسادنا تنبت على أرواح أهل الجنة وما خرج منها ابتلعته الأرض» «٢» فهذا من موضوعات الحسين بن علوان، لا ينبغى ذكره إلا لبيان أنه موضوع
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الدار قطنى فى الأفراد، وابن الجوزى فى الواجبات، كما فى «كنز العمال» (٣٢٢٥٣) .
(٢) موضوع: أخرجه البيهقى فى «الدلائل»، وابن عساكر عن عائشة، وقال: هذا من موضوعات حسين بن علوان، كما فى «كنز العمال» (٣٢٢٥٥) .
[ ٢ / ٩١ ]
ففى الأحاديث الصحيحة المشهورة فى معجزاته كفاية عن كذب ابن علوان انتهى.
لكن للحديث طرق غير طريق ابن علون: فعند الدار قطنى فى الأفراد:
حدثنا محمد بن سليمان الباهلى حدثنا محمد بن حسان الأموى، أنبأنا عبدة ابن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: يا رسول الله، إنى أراك تدخل الخلاء ثم يأتى الذى بعدك فلا يرى لما يخرج منك أثرا، فقال:
«يا عائشة أما علمت أن الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء» «١»، ومحمد بن حسان بغدادى ثقة، وعبدة من رجال الصحيح. وله طريق أخرى عند ابن سعد، وأخرى عند الحاكم فى مستدركه. وروى أنه كان يتبرك ببوله ودمهﷺ-. فروى ابن حبان فى «الضعفاء» عن ابن عباس قال: حجم النبىﷺ- غلام لبعض قريش، فلما فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط، فنظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا، فحسا دمه حتى فرغ ثم أقبل فنظر فى وجهه فقال: «ويحك ما صنعت بالدم» قلت غيبته من وراء الحائط، قال أين غيبته؟ قلت: يا رسول الله نفست على دمك أن أهريقه فى الأرض فهو فى بطنى فقال: «اذهب فقد أحرزت نفسك من النار» .
وفى سنن سعيد بن منصور من طريق عمرو بن السائب أنه بلغه أن مالكا والد أبى سعيد الخدرى لما جرح النبىﷺ- مص جرحه حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل: مجه، فقال: لا والله لا أمجه أبدا، ثم ازدرده فقال النبىﷺ-: «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» «٢» .
فاستشهد.
وأخرج البزار والطبرانى والحاكم والبيهقى وأبو نعيم فى الحلية، من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: احتجم رسول اللهﷺ- فأعطانى الدم فقال: «اذهب فغيبه» فذهب فشربته فأتيتهﷺ- فقال: «ما
_________________
(١) ضعيف: وانظر ما قبلهما.
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٣/ ٢٦٦) .
[ ٢ / ٩٢ ]
صنعت» قلت: غيبته، قال: «لعلك شربته» قلت: شربته، وفى رواية قلت:
جعلته فى أخفى مكان ظننت أنه خاف عن الناس، قال: «لعلك شربته؟» قلت: شربته، فقال: «ويل لك من الناس وويل للناس منك» . وفى رواية فقال رسول اللهﷺ-: «فما حملك على ذلك» قال: علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم فشربته لذلك، فقال: «ويل لك من الناس» «١» .
وعند الدار قطنى من حديث أسماء بنت أبى بكر نحوه، وفيه: ولا تمسك النار، وفى كتاب الجوهر المكنون فى ذكر القبائل والبطون: أنه لما شرب- أى عبد الله بن الزبير- دمه تضوع فمه مسكا، وبقيت رائحته موجودة فى فمه إلى أن صلبرضي الله عنه-. وأخرج الحسن بن سفيان فى مسنده والحاكم والدار قطنى والطبرانى وأبو نعيم من حديث أبى مالك النخعى عن الأسود بن قيس عن نبيح عن أم أيمن قالت: قام رسول اللهﷺ- من الليل إلى فخارة فى جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبىﷺ- قال: «يا أم أيمن قومى فأهريقى ما فى تلك الفخارة»، فقلت: قد والله شربت ما فيها قالت: فضحك رسول اللهﷺ- حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أما والله لا يبجعن بطنك أبدا» «٢» .
وعن ابن جريج قال: أخبرت أن النبىﷺ- كان يبول فى قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شىء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة «أين البول الذى فى القدح» قالت: شربته قال: «صحة يا أم يوسف» فما مرضت قط حتى كان مرضها الذى ماتت فيه. ورواه أبو داود عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة.
وصحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين وقد وضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن، وهو الذى ذهب إليه شيخ الإسلام البلقينى.
وفى هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمهﷺ-. قال النووى
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٦٣٨) .
(٢) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٧٠)، والطبرانى فى «الكبير» (٢٥/ ٨٩) .
[ ٢ / ٩٣ ]
فى شرح المهذب: واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين: أن أبا طيبة الحجام حجمهﷺ- وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بولهﷺ- فلم ينكر عليها. وحديث أبى طيبة ضعيف، وحديث شرب البول صحيح رواه الدار قطنى وقال: هو حديث حسن صحيح، وذلك كاف فى الاحتجاج لكل الفضلات قياسا، ثم إن القاضى حسينا قال: الأصح القطع بطهارة الجميع انتهى. وبهذا قال أبو حنيفة، كما قاله العينى. وأبو طيبة؛ بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وبالموحدة، نافع الحجام مولى محيصة- بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المثناة تحت وكسرها- هو أبو مسعود الأنصارى.
وقال شيخ الإسلام ابن حجر قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاتهﷺ- وعدّ الأئمة ذلك فى خصائصه. انتهى. قال بعضهم: وكأن السر فى ذلك ما روى من صنيع الملكين حين غسلا جوفه والله أعلم.
وأما سيرتهﷺ- فى البراز، ففى حديث عائشة عند أبى عوانة فى صحيحه والحاكم: ما بال رسول اللهﷺ- قائما منذ أنزل عليه القرآن «١» .
وفى حديث عبد الرحمن بن حسنة عند النسائى وابن ماجه: أنه بال جالسا، فقالوا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة «٢» . وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائما، ويؤيده ما فى حديث عبد الرحمن هذا. وفيه دلالة على أنه كان يخالفهم فى ذلك فيقعد لكونه أستر
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (١٢) فى الطهارة، باب: ما جاء فى النهى عن البول قائما، والنسائى (١/ ٢٦) فى الطهارة، باب: البول فى البيت جالسا، وابن ماجه (٣٠٧) فى الطهارة، باب: فى البول قاعدا، وأحمد فى «المسند» (٦/ ١٣٦ و١٩٢ و٢١٣)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٢) فى الطهارة، باب: الاستبراء من البول، والنسائى (١/ ٢٦) فى الطهارة، باب: البول إلى السترة يستتر بها، وابن ماجه (٣٤٦) فى الطهارة وسننها، باب: التشديد فى البول، وأحمد فى «المسند» (٤/ ١٩٦)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ٩٤ ]
وأبعد عن مماسة البول. وقال حذيفة: أتى رسول اللهﷺ- سباطة قوم فبال قائما ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ «١» . رواه البخارى. وفى رواية غيره: بال قائما ففجع رجليه، أى: فرقهما وباعد ما بينهما.
والسباطة- بضم المهملة وبعدها موحدة- هى المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها، وتكون فى الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك لأنها لا تخلو عن النجاسة. وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهى الجدار ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا فى أصل الجدار، وهو صريح فى رواية أبى عوانة فى صحيحه. وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم فى ذلك بالتصريح أو غيره أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف فى مال أمته دون غيره لأنه أولى بالمؤمنين عن أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقهﷺ-. قال الحافظ ابن حجر: وأما مخالفتهﷺ- لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظار، فقد قيل فيه إنهﷺ- كان مشغولا بمصالح المسلمين، ولعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول فلو أبعد لتضرر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه، أو لعله فعله لبيان الجواز. ثم هو فى البول أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف، والغرض من الإبعاد التستر وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر.
وروى الطبرانى من حديث عصمة بن مالك قال: خرج علينا رسول اللهﷺ- فى بعض سكك المدينة فانتهى إلى سباطة قوم فقال: يا حذيفة استرنى فذكر الحديث «٢» . وظهر منه الحكمة فى إدنائه حذيفة فى تلك الحالة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٢٤) فى الوضوء، باب: البول قائما وقاعدا، ومسلم (٢٧٣) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين.
(٢) انظر «فتح البارى» (١/ ٣٢٩) .
[ ٢ / ٩٥ ]
وقيل: إنما بال قائما لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمررضي الله عنه- قال: البول قائما أحصن للدبر «١» .
وقيل السبب فى ذلك ما روى الشافعى وأحمد: أن العرب كانت تستشفى لوجع الصلب بذلك فلعله كان به. وروى الحاكم والبيهقى من حديث أبى هريرة قال: إنما بالﷺ- قائما لجرح كان بمأبضه «٢» .
والمأبض: بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة: باطن الركبة.
فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود، ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم ولكن ضعفه الدار قطنى والبيهقى، والأظهر: أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول من قعود.
وقيل إن البول عن قيام منسوخ واستدل عليه بحديث عائشة المتقدم.
والصواب: أنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه فى البيوت، وأما غير البيوت فلم تطلع عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وهو جائز من غير كراهة إذا أمن الرشاش.
وكانﷺ- إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: «اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث» «٣» . رواه البخارى من حديث أنس. والخبث: - بضم المعجمة والموحدة- ومراده: ذكران الشياطين وإناثهم. وقد كانﷺ- يستعيذ إظهارا للعبودية، ويجهر بذلك للتعليم. وهل يختص هذا الذكر بالأبنية المعدة لذلك لكونه حضرة الشياطين، أو يعم؟ الأصح الثانى. ويقول
_________________
(١) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١/ ٢٥٧) وقال: رواه الطبرانى فى «الكبير»، وفيه الفضل بن المختار، وهو منكر الحديث يحدث بالأباطيل.
(٢) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (١/ ٢٩٠)، والبيهقى فى «الكبرى» (١/ ١٠١) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (١٤٢) فى الوضوء، باب: ما يقال عند الخلاء، ومسلم (٣٧٥) فى الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
[ ٢ / ٩٦ ]
ذلك قبيل الدخول فى الأمكنة، وأما فى غيرها فيقول فى أول الشروع كتشمير ثيابه مثلا، وهذا مذهب الجمهور، فلو نسى يستعيذ بقلبه لا بلسانه.
وعن أنس: كانﷺ- إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض «١» . رواه الترمذى وأبو داود والدارمى. وعن عائشة قالت: كانﷺ- إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» «٢» رواه الترمذى وابن ماجه.
وعن أنس: كانﷺ- إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى» «٣» . رواه ابن ماجه. وقالﷺ-: «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا» «٤»، رواه البخارى من حديث أبى أيوب الأنصارى. وهذا فى الصحراء، أما فى البنيان فلا، لما روى عن ابن عمر: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتى، فرأيت رسول اللهﷺ- يقضى حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام «٥» . رواه الشيخان.
وأما حديث جابر: عند أبى داود وابن خزيمة، ولفظه عند أحمد: كان رسول اللهﷺ- ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (١٤) فى الطهارة، باب: كيف التكشف عند الحاجة، والترمذى (١٤) فى الطهارة، باب: ما جاء فى الاستتار عند الحاجة، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٦٥٢) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٠) فى الطهارة، باب: ما يقول: الرجل إذا خرج من الخلاء، والترمذى (٧) فى الطهارة، باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء، وابن ماجه (٣٠٠) فى الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء، وأحمد فى «المسند» (٦/ ١٥٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «الإرواء» (٥٢) .
(٣) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٠١) فى الطهارة، باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء، بسند فيه إسماعيل بن مسلم المكى، متفق على تضعيفه، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «الإرواء» (٥٣) .
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (١٤٤) فى الوضوء، باب: لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، ومسلم (٢٦٤) فى الطهارة، باب: الاستطابة.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (١٤٨) فى الوضوء، باب: التبرز فى البيوت، ومسلم (٢٦٦) فى الطهارة، باب: الاستطابة.
[ ٢ / ٩٧ ]
الماء «١» . قال: ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة. فقال فى فتح البارى:
الحق أنه ليس بناسخ لحديث النهى خلافا لمن زعمه، بل هو محمول على أنه رآه فى بناء أو نحوه، لأن ذلك هو المعهود من حالهﷺ- لمبالغته فى التستر. ودعوى خصوصية ذلك بالنبىﷺ- لا دليل عليها، إذا الخصائص لا تثبت بالاحتمال.
ومذهب الجمهور وهو مذهب مالك والشافعى وإسحاق: التفريق بين البنيان والصحراء، وهذا أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة. وقال قوم بالتحريم مطلقا، وهو المشهور عن أبى حنيفة وأحمد، ورجحه من المالكية ابن العربى وحجتهم: أن النهى مقدم على الإباحة، ولم يصححوا حديث جابر المتقدم. وقال قوم بالجواز مطلقا، وهو قول عائشة وعروة وربيعة، محتجين بأن الأحاديث تعارضت فلنرجع إلى أصل الإباحة.
وفى البخارى عن أنس كانﷺ- إذا خرج لحاجته أجىء أنا وغلام، معنا إداوة من ماء، يعنى ليستنجى به «٢» . وفى رواية مسلم عنه: فخرج علينا وقد استنجى بالماء. وعن أبى هريرة قال: اتبعت النبىﷺ- وخرج لحاجته فقال: «ابغنى أحجارا أستنفض بها ولا تأتنى بعظم ولا روث»، فأتيته بأحجار بطرف ثيابى فوضعتها إلى جنبه فلما قضى حاجته أتبعه بهن «٣» . وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبىﷺ- الغائط فأمرنى أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ
_________________
(١) حسن: أخرجه أبو داود (١٣) فى الطهارة، باب: الرخصة فى ذلك، والترمذى (٩) فى الطهارة، باب: ما جاء فى الرخصة فى ذلك، وابن ماجه (٣٢٥) فى الطهارة، باب: الرخصة فى ذلك، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٦٠)، وابن حبان فى «صحيحه» (١٤٢٠)، وابن خزيمة فى «صحيحه» (٥٨)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (١٥١) فى الوضوء، باب: من حمل معه الماء لطهوره، ومسلم (٢٧١) فى الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (١٥٥) فى الوضوء، باب: الاستنجاء بالحجارة.
[ ٢ / ٩٨ ]
الحجرين وألقى الروثة «١» . رواه البخارى. وفى حديث سلمان عند مسلم مرفوعا: «لا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار» «٢» .
وقد أخذ الشافعى وأحمد وأصحاب الحديث بهذا، فاشترطوا أن لا ينقص عن الثلاثة مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها فتزاد حتى ينقى.
ويستحب حينئذ الإيتار، لقولهﷺ-: «ومن استجمر فليوتر» «٣» . وليس بواجب لزيادة فى أبى داود حسنة الإسناد، قال: ومن لا، فلا حرج، قال الخطابى: لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلما اشترط العدد لفظا وعلم الإنقاء فيه معنى دل على إيجاب الأمرين، ونظيره:
العدة بالإقراء، فإن العدد مشترط ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد. وقال الطحاوى: لو كان العدد مشترطا لطلب﵇- حجرا ثالثا. وغفل﵀- عما أخرجه أحمد فى مسنده من طريق معمر عن ابن مسعود فى هذا الحديث، فإن فيه: فألقى الروثة وقال: «إنها ركس، ائتنى بحجر» ورجاله ثقات أثبات. واستدلال الطحاوى فيه نظر، لاحتمال أن يكون اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث، لأن المقصود بالثلاثة: أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد. انتهى ملخصا من فتح البارى.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١٥٦) فى الوضوء، باب: لا يستنجى بروث.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٦٢) فى الطهارة، باب: الاستطابة.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (١٦١) فى الوضوء، باب: الاستنثار فى الوضوء، ومسلم (٢٣٧) فى الطهارة، باب: الإيتار فى الاستنثار والاستجمار، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٩٩ ]
الفصل الثانى فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية
اعلم أن الأخلاق جمع خلق. بضم الخاء واللام ويجوز إسكانها. قال الراغب: الخلق- بالفتح وبالضم- فى الأصل بمعنى واحد، كالشرب والشرب لكن خص الخلق الذى بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذى بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. انتهى. وقد اختلف: هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث ابن مسعود: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم» «١» الحديث رواه البخارى. وقد قال القرطبى: الخلق جبلة فى نوع الإنسان. وهم فى ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شىء منها كان محمودا وإلا فهو المأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودا، وكذا إن كان ضعيفا فيرتاض حتى يقوى.
وقد وقع فى حديث الأشج أنهﷺ- قال له: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة»، قال: يا رسول الله قديما كانا أو حديثا؟ قال:
«قديما»، قال: الحمد لله الذى جبلنى على خلتين يحبهما الله «٢» . رواه أحمد والنسائى وصححه ابن حبان. فترديد السؤال وتقريره عليه بأن فى الخلق ما هو جبلى وما هو مكتسب. وقد كانﷺ- يقول: «اللهم كما حسنت
_________________
(١) صحيح موقوفا: أخرجه البخارى فى «التاريخ الكبير» (٤/ ٣١٣)، وليس فى الصحيح كما يوهم صنيع المؤلف.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٨) فى الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسولهﷺ-، وابن ماجه (٤١٨٧) فى الزهد، باب: الحلم، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٠٠ ]
خلقى فحسن خلقى» «١» . أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وعند مسلم فى حديث دعاء الافتتاح: «واهدنى لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت» «٢» . ولما اجتمع فيهﷺ- من خصال الكمال ما لا يحيط به حد، ولا يحصره عد، أثنى الله تعالى عليه فى كتابه الكريم فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٣»، وكلمة «على» للاستعلاء فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق ومستول عليها.
والخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة، وقد وصف الله تعالى نبيهﷺ- بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم فقال تعالى: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
«٤» ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٥» . فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة. قال الحليمى: وإنما وصف خلقه بالعظم، مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة، ولم يكن خلقهﷺ- مقصورا على ذلك، بل كان رحيما بالمؤمنين، رفيقا بهم، شديدا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبا فى صدور الأعداء، منصورا بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصف خلقه بالعظيم أولى ليشمل الإنعام والانتقام.
وقال الجنيد: وإنما كان خلقهﷺ- عظيما لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى. وقيل: لأنهﷺ- عاشر الخلق بخلقه، وباينهم بقلبه. وقيل:
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد فى المسند عن ابن مسعود، كما فى «صحيح الجامع» (١٣٠٧) إلا أنى لم أقف عليه فى المسند.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٧٧١) فى صلاة المسافرين، باب: الدعاء فى صلاة الليل وقيامه، من حديث علىرضي الله عنه-.
(٣) سورة القلم: ٤.
(٤) سورة النساء: ١١٣.
(٥) سورة القلم: ٤.
[ ٢ / ١٠١ ]
لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قالﷺ- فيما رواه الطبرانى فى الأوسط بسند فيه عمر بن إبراهيم المقدسى وهو ضعيف- عن جابر: «إن الله بعثنى بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال» «١»، وفى رواية مالك فى الموطأ بلاغا: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» «٢» . فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيهﷺ-، فإنه أدب بالقرآن، كما قالت عائشةرضي الله عنها-: (كان خلقه القرآن) «٣» .
قال بعض العارفين: وقد علم أن القرآن فيه المتشابه الذى لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به، أى أقررناه فى نصابه، وأقررنا به من خلف حجابه، وتقلدنا سيف الحجة به ولكن فى قرابه.
وما كونه مما تحصل مقلة ولا حده مما تحس الأنامل
وقال صاحب عوارف المعارف: ولا يبعد أن قول عائشةرضي الله عنها-: (كان خلقه القرآن) فيه رمز غامض، وإيماء خفى إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلقا بأخلاق الله تعالى فعبرت عن المعنى بقولها: (كان خلقه القرآن) استحياء من سبحات الجلال وسترا للحال بلطف المقال، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها. انتهى.
فكما أن معانى القرآن لا تتناهى فكذلك أوصافه الجميلة الدالة على خلقه العظيم لا تتناهى إذ فى كل حالة من أحواله يتجدد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وما يفيضه الله تعالى عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى. فإذا التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عاداته.
قال الحرالى- وهو كما فى القاموس: بتشديد اللام، نسبة إلى قبيلة
_________________
(١) إسناده ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ١٨٨) عن جابر وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه عمر بن إبراهيم القرشى، وهو ضعيف.
(٢) ضعيف: أخرجه مالك فى «الموطأ» (٢/ ٩٠٤) بلاغا.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٧٤٦) فى صلاة المسافرين، باب: جامع صلاة الليل.
[ ٢ / ١٠٢ ]
بالبربر، واسمه: على بن أحمد بن الحسين، ذو التصانيف المشهورة-: ولما كان عرفان قلبهﷺ- بربه ﷿ كما قال﵇-: «بربى عرفت كل شىء» «١» كانت أخلاقه أعظم خلق، فلذلك بعثه إلى الناس كلهم، ولم يقصر رسالته على الإنس حتى عمت الجن، ولم يقصرها على الثقلين حتى عمت جميع العالمين: فكل من كان الله ربه فمحمد رسوله، وكما أن الربوبية تعم العالمين فالخلق المحمدى يشمل جميع العالمين. انتهى. وهذا مصير منه إلى أنهﷺ- قد أرسل إلى الملائكة أيضا، وسيأتى الكلام فى ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى وهو المستعان.
وقد كانﷺ- مجبولا على الأخلاق الكريمة فى أصل خلقته الزكية النقية، لم يحصل له ذلك برياضة نفس، بل بجود إلهى، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف فى قلبه حتى وصل إلى الغاية العليا والمقام الأسنى.
وأصل هذه الخصال الحميدة، والمواهب المجيدة، كمال العقل، لأن به تقتبس الفضائل وتجتنب الرذائل، فالعقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان، قال بعضهم: لكل شىء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر. وأما ما روى «أن الله لما خلق العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتى وجلالى ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطى» . فقال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع باتفاق. انتهى. وفى زوائد عبد الله ابن الإمام أحمد على «الزهد» لأبيه عن على بن مسلم عن سيار بن حاتم- وهو ممن ضعفه غير واحد وكان جماعا للرقائق، وقال القواريرى: إنه لم يكن له عقل- قال:
حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصرى، مرسلا: «لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: ما خلقت خلقا أحب إلى منك، بك آخذ وبك أعطى» .
وأخرجه داود بن المحبر فى كتاب العقل له، وابن المحبر كذاب. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: والوارد فى أول ما خلق الله، حديث أول ما
_________________
(١) لم أقف على هذه العبارة.
[ ٢ / ١٠٣ ]
خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل. ولأبى الشيخ عن قرة بن إياس المزنى رفعه: «الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم» «١» .
وقد اختلف فى ماهية العقل اختلافا طويلا يطول استقصاؤه. وفى القاموس ومن خط مؤلفه نقلت: العقل العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين، أو يطلق لأمور لقوة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعان مجتمعة فى الذهن تكون بمقدمات يستثبت بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان فى حركاته وكلماته، والحق أنه روحانى به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. انتهى.
وقد كانﷺ- من كمال العقل فى الغاية القصوى التى لم يبلغها بشر سواه، ولهذا كانت معارفه عظيمة وخصائصه جسيمة، حارت العقول فى بعض فيض ما أفاضه من غيبه لديه، وكلّت الأفكار فى معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته ومعرفة ربوبيته وتحقق عبوديته. قال وهب بن منبه: قرأت فى أحد وسبعين كتابا، فوجدت فى جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل فى جنب عقلهﷺ- إلا كحبة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا، وإن محمدا أرجح الناس عقلا وأفضلهم رأيا. رواه أبو نعيم فى الحلية وابن عساكر.
وعن بعضهم مما هو فى عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون فى النبىﷺ- وجزء فى سائر المؤمنين، ومن تأمل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشادر، والطبع المتنافر والمتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاءهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه،
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو الشيخ، كما فى «كنز العمال» (٧٠٥٢) .
[ ٢ / ١٠٤ ]
وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروا على أنفسهم، وهجروا فى رضاه أوطانهم وأحباءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين، ولما كان عقلهﷺ- أوسع العقول لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعا لا يضيق عن شىء. فمن ذلك: اتساع خلقه العظيم فى الحلم والعفو مع القدرة وصبرهﷺ- على ما يكره، وحسبك صبره وعفوه﵇- عن الكافرين به المقاتلين المحاربين له فى أشد ما نالوه به من الجراح بحيث كسرت رباعيته، وشج وجهه يوم أحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شق ذلك على أصحابه شديدا، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إنى لم أبعث لعانا، ولكنى بعثت داعيا ورحمة، اللهم اغفر لقومى، أو اهد قومى فإنهم لا يعلمون» «١» .
قال ابن حبان: أى اغفر لهم ذنبهم فى شج وجهى لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقا، إذ لو كان كذلك لأجيب، ولو أجيب لأسلموا كلهم.
كذا قال﵀-. وقد روى عن عمر أنه قال فى بعض كلامه: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا «٢» الآية. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطئ ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» .
وهاهنا دقيقة؛ وهى أنهﷺ- لما شج عفا وقال «اللهم اهد قومى»، وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق قال: «اللهم املأ بطونهم نارا» «٣» فتحمل الشجة الحاصلة فى وجه جسده الشريف، وما تحمل الشجة الحاصلة فى وجه دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجح حتى خالقه على حقه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٥٩٩) فى البر والصلة، باب: النهى عن لعن الدواب وغيرها، مقتصرا على طرفه الأول، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٢) سورة نوح: ٢٦.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٦٢٧) فى المساجد، باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، من حديث علىرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٠٥ ]
واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على التألم بما يفعل بها، ولهذا شق عليهﷺ- نسبتهم له إلى الجور فى القسمة، لكنه﵇- حلم على القائل وصبر، لما علم من جزيل ثواب الصابر وأن الله يأجره بغير حساب. وصبرهﷺ- على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان الله فإنه يمتثل فيه أمر الله تعالى من الشدة كما قال له تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ «١» وقد وقع لهﷺ- أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان فى أمر الله، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد فى الزجر. فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفةﷺ-.
وقد روى الطبرانى وابن حبان والحاكم والبيهقى عن زيد بن سعنة- بالمهملة والنون المفتوحتين، كما قيده به عبد الغنى وذكره الدار قطنى: وبالمثناة التحتية، ثبت فى الشفاء وصحح عليه مؤلفه بخطه، وهو الذى ذكره ابن إسحاق، وهو كما قاله النووى: أجل أحبار اليهود الذين أسلموا- أنه قال:
لم يبق من علامات النبوة شىء إلا وقد عرفته فى وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل فأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت:
ألا تقضينى يا محمد حقى، فو الله إنكم يا بنى عبد المطلب مطل، فقال عمر:
أى عدو الله، أتقول لرسول اللهﷺ- ما أسمع فو الله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفى رأسك، ورسول اللهﷺ- ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة وتبسم ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرنى بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعا مكان ما رعته»، ففعل، فقلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد
_________________
(١) سورة التوبة: ٧٣.
[ ٢ / ١٠٦ ]
عرفتها فى وجه رسول اللهﷺ- حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما:
يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد اختبرتهما، فأشهدك أنى قد رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيّا «١» .
وعن أبى هريرة قال حدثنا رسول اللهﷺ- يوما ثم قام، فقمنا حين قام فنظرنا إلى أعرابى قد أدركه فجبذه بردائه فحمر رقبته، وكان رداء خشنا، فالتفت إليه فقال له الأعرابى: احملنى على بعيرى هذين، فإنك لا تحملنى من مالك ولا من مال أبيك، فقال لهﷺ-: «لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدنى من جبذتك التى جبذتنى»، فكل ذلك يقول له الأعرابى: والله لا أقيدكها، فذكر الحديث، قال: ثم دعا رجلا فقال له: «احمل له على بعيريه هذين على بعير تمرا وعلى الآخر شعيرا» «٢» رواه أبو داود.
ورواه البخارى من حديث أنس بلفظ: كنت أمشى مع النبىﷺ- وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية فأدركه أعرابى فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتقه وقد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لى من مال الله الذى عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء «٣» .
وفى هذا بيان حلمهﷺ- وصبره على الأذى فى النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام، وعن عائشة لم يكن النبى
_________________
(١) أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٢٨٨)، والحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٧٠٠)، والطبرانى فى «الكبير» (٥/ ٢٢٢) .
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٧٧٥) فى الأدب، باب: فى الحلم وأخلاق النبىﷺ-، والنسائى (٨/ ٣٣) فى القسامة، باب: القود من الجبذة، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣١٤٩) فى فرض الخمس، باب: ما كان النبىﷺ- يعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس وغيره، ومسلم (١٠٥٧) فى الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش وغلظة.
[ ٢ / ١٠٧ ]
- ﷺ- فاحشا ولا متفحشا ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح «١» . رواه الترمذى، أى لم يكن له الفحش خلقا ولا مكتسبا. وروى البخارى من حديث ابن عمرو: ولم يكنﷺ- فاحشا ولا متفاحشا «٢»، وفى روايته أيضا من حديث أنس بن مالك: لم يكن النبىﷺ- سبابا ولا فاحشا ولا لعانا «٣» . والفحش: كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، ويدخل فى القول والفعل والصفة، لكن استعماله فى القول أكثر: والمتفحش:
بالتشديد، الذى يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه.
وعن عائشة أن رجلا استأذن على النبىﷺ-، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، أو بئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبىﷺ- فى وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت فى وجهه وانبسطت إليه. فقالﷺ-: «يا عائشة، متى عهدتينى فاحشا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره» «٤»، رواه البخارى. قال ابن بطال: هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى، وكان يقال له الأحمق المطاع. وكذا فسره به القاضى عياض والقرطبى والنووى.
وأخرج عبد الغنى من طريق أبى عامر الخزاعى، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبىﷺ- صوته قال: «بئس أخو العشيرة» . الحديث. والمراد بالعشيرة: الجماعة أو القبيلة، وإنما تطلقﷺ-
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٠١٦) فى البر والصلة، باب: ما جاء فى خلق النبىﷺ-، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٢٣٦)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٧٦٠) فى فضائل الصحابة، باب: مناقب عبد الله بن مسعودرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٦٠٣١) فى الأدب، باب: لم يكن النبىﷺ- فاحشا ولا متفحشا.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٦٠٢٣) فى الأدب، باب: لم يكن النبىﷺ- فاحشا ولا متفحشا، ومسلم (٢٥٩١) فى البر والآداب، باب: مداراة من يتقى فحشه.
[ ٢ / ١٠٨ ]
فى وجهه تألفا له ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم. وقد جمع هذا الحديث كما قال الخطابى علما وأدبا، وليس قولهﷺ- فى أمته بالأمور التى يسمهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم فى بعض، بل الواجب عليهﷺ- أن يبن ذلك ويفصح به، ويعرف الناس أمرهم فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة. ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدى به أمته فى اتقاء شر من هذا سبيله وفى مداراته ليسلموا من شره وغائلته. وقال القرطبى: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة فى دين الله.
ثم قال تبعا للقاضى حسين: والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهو مباحة وربما استحسنت، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبىﷺ- إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق فى مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقدير الإشكال ولله الحمد. وقال القاضى عياض: لم يكن عينية- والله أعلم- حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحا، فأراد النبىﷺ- أن يبين ذلك لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه فى حياة النبىﷺ- وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه بهﷺ- من علامات النبوة، وأما إلانة القول بعد أن دخل فعلى سبيل الائتلاف وفى فتح البارى: أن عيينة ارتد فى زمن الصديق وحارب ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح فى عهد عمر. انتهى.
«وما انتقمﷺ- لنفسه» «١» . رواه البخارى. فإن قلت: قد صح أنهﷺ- أمر بقتل عقبة بن أبى معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيهﷺ- وهذا ينافى قوله: «وما انتقم لنفسه» . فالجواب: أنهم كانوا مع
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٦٠) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٢٧) فى الفضائل، باب: مباعدتهﷺ- للآثام واختياره من المباح أسهله.
[ ٢ / ١٠٩ ]
ذلك ينتهكون حرمات الله. وقيل: أراد أنه لا ينتقم إذا أوذى فى غير السبب الذى يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابى الذى جفا فى رفع صوته عليه، وعن الآخر الذى جبذ بردائه حتى أثر فى كتفه. وحمل الداودى عدم الانتقام على ما يختص بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه.
وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن الزهرى مطولا، وأوله: ما لعن رسول اللهﷺ- مسلما بذكر- أى بصريح اسمه- وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب فى سبيل الله، ولا سئل شيئا قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما، ولا انتقم لنفسه من شىء إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون لله ينتقم «١» . الحديث. ومما روى من اتساع خلقه وحلمهﷺ-، اتساع خلقه لطائفة المنافقين، الذين كانوا يؤذونه إذا غاب ويتملقون له إذا حضر، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية حتى تؤيدها العناية الربانية.
وكانﷺ- كلما أذن له فى التشديد عليهم فتح لهمﷺ- بابا من الرحمة، فكان يستغفر لهم ويدعو لهم، حتى أنزل الله عليه اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «٢»، فقالﷺ-: «خيرنى ربى فاخترت أن أستغفر لهم» ولما قال تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «٣»، فقالﷺ-: «لأزيدن على السبعين» «٤» وأمر ولد الذى تولى كبر النفاق والأذى منهم ببر أبيه، ولما مات كفنه فى ثوبه خلعه عن بدنه وصلى عليه، هذا وعمر ابن الخطابرضي الله عنه- يجذبه بثوبه ويقول: يا رسول الله أتصلى على رأس المنافقين؟ فنتر ثوبه من عمر وقال: «إليك عنى يا عمر» «٥» . فخالف مؤمنا وليّا فى حق منافق عدو، وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحرالى.
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٢/ ٦٧٠)، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٢) سورة التوبة: ٨٠.
(٣) سورة التوبة: ٨٠.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٤٦٧٠) فى التفسير، باب: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية، ومسلم (٢٤٠٠) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمررضي الله عنه-، من حديث ابن عمررضي الله عنهما- بنحوه.
(٥) انظر ما قبله.
[ ٢ / ١١٠ ]
وقال النووى: قيل إنما أعطاه قميصه وكفنه فيه تطييبا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيّا صالحا وقد سأل ذلك فأجابه إليه، وقيل مكافأة لعبد الله المنافق الميت، لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصا. وفى ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاق النبىﷺ-، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء، وقابله بالحسنى فألبسه قميصه كفنا وصلى عليه واستغفر له، قال الله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «١» .
ومن ذلك أنهﷺ- لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره. وعفا عن اليهودية التى سمته فى الشاة على الصحيح من الرواية. والله تعالى يرحم القائل:
وما الفضل إلا خاتم أنت فصه وعفوك نقش الفص فاختم به عذرى
ومن ذلك إشفاقهﷺ- على أهل الكبائر من أمته، وأمره إياهم بالستر، فقال: «من بلى بهذه القاذورات» يعنى المحرمات «فليستتر» «٢» .
وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود ويترحموا عليه لما حنقوا عليه فسبوه ولعنوه، فقال: «قولوا اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» «٣» وقال لهم فى رجل كان كثيرا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة فقال: «لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله» «٤» . فأظهر لهم مكتوم قلبه لما رفضوه بظاهر فعله، وإنما ينظر الله إلى القلوب، طهر الله قلوبنا وغفر عظيم ذنوبنا. ومن ذلك ما رواه الدار قطنى من حديث عائشة عن النبىﷺ- أنه كان يصغى إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها «٥» .
_________________
(١) سورة القلم: ٤.
(٢) ضعيف: أخرجه مالك فى «الموطأ» (٢/ ٨٢٥) عن زيد بن أسلم مرسلا.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٤٧٧) فى الحدود، باب: الحد فى الخمر، وأحمد فى «المسند» (٢/ ٢٩٩) من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٦٧٨٠) فى الحدود، باب: ما يكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج من الملة، من حديث عمر بن الخطابرضي الله عنه-.
(٥) إسناده ضعيف: أخرجه الدار قطنى (١/ ٦٦) بسند فيه عبد الله بن سعيد المقبرى، ضعيف.
[ ٢ / ١١١ ]
ومن ذلك اتساع خلقه فى شريف تواضعه وآدابه وحسن عشرته مع أهله وخدمه وأصحابه. وقال بعضهم: اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة فى قلبه، فعند ذلك تذوب النفس، وفى ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب، فتلين وتنطبع للحق والخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغبارها. وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبيناﷺ- فى أوطان القرب وحسبك من تواضعهﷺ- أن خيره ربه تعالى بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا، فاختار أن يكون نبيّا عبدا، فأعطاه الله تعالى بتواضعه أن جعله أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع، وأول مشفع، فلم يأكل متكئا بعد ذلك حتى فارق الدنيا. وقد قالﷺ-: «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله» «١» رواه الترمذى.
ومن تواضعهﷺ- أنه لا ينهر خادما، روينا فى كتاب الترمذى عن أنس قال: خدمت النبىﷺ- عشر سنين، فما قال لى أف قط ولا قال لشىء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشىء تركته لم تركته؟ «٢» وكذلك كانﷺ- مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحدا قط، وهذا أمر لا تتسع له الطباع البشرية لولا التأييدات الربانية.
وفى رواية مسلم: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول اللهﷺ- «٣» . وقالت عائشة: ما ضرب رسول اللهﷺ- شيئا قط بيده، ولا
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٤٤٥) فى أحاديث الأنبياء، باب: قول الله وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها، وأحمد فى «المسند» (١/ ٢٣ و٢٤ و٤٧)، من حديث عمررضي الله عنه-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦٠٣٨) فى الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء، ومسلم (٢٣٠٩) فى الفضائل، باب: كان رسول اللهﷺ- أحسن الناس خلقا.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣١٦) فى الفضائل، باب: رحمتهﷺ- الصبيان والعيال، من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١١٢ ]
امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد فى سبيل الله، وما نيل منه شىء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شىء من محارم الله فينتقم لله «١» . رواه مسلم.
وسئلت عائشة: كيف كان رسول اللهﷺ- إذا خلا فى بيته؟ قالت:
ألين الناس، بساما ضحاكا «٢»، لم ير قط مادّا رجليه بين أصحابه. وعنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللهﷺ- ما دعاه أحد من أصحابه إلا قال لبيك.
وعند أحمد وابن سعد وصححه ابن حبان عنها: كانﷺ- يخيط ثوبه ويخصف نعله «٣»، وفى رواية لأحمد: ويرفع دلوه، وعنده أيضا: يفلى ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه. وهذا يتعين حمله على أوقات فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة. وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، وركب يوم بنى قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف «٤» رواه الترمذى.
وعن قيس بن سعد قال: زارنا رسول اللهﷺ- فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا وطأ عليه بقطيفة، وركبﷺ- ثم قال سعد: يا قيس، اصحب رسول اللهﷺ-، قال قيس: فقال لى رسول اللهﷺ-:
«اركب» فأبيت، فقال: «إما أن تركب وإما أن تنصرف» . وفى رواية أخرى:
«اركب أمامى فصاحب الدابة أولى بمقدمها» «٥» رواه أبو داود وغيره. وفى
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم قريبا.
(٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن سعد وابن عساكر، كما فى «ضعيف الجامع» (٤٣٨٦) .
(٣) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٦/ ١٢١ و٢٥٦ و٢٦٠)، وابن حبان فى «صحيحه» (٥٦٧٧ و٦٤٤٠ و٥٦٧٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٩٣٧) .
(٤) ضعيف: أخرجه الترمذى (١٠١٧) فى الجنائز، باب: آخر، وقال الترمذى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم عن أنس، ومسلم الأعور يضعف، هو مسلم بن كيسان الملائى.
(٥) ضعيف الإسناد: أخرجه أبو داود (٥١٨٥) فى الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل فى الاستئذان، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤٢١)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١١٣ ]
البخارى من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول اللهﷺ- من خيبر، وإنى لرديف أبى طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول اللهﷺ- رديف رسول اللهﷺ-، إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة، فقال رسول اللهﷺ-: «إنها أمكم»، فشددت الرحل، وركب رسول اللهﷺ-، الحديث «١» . والمرأة: صفية، والردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه.
وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبىﷺ- ليس بينى وبينه إلا آخرة الرحل. وقد ركبﷺ- على حمار على إكاف عليه قطيفة فدكية أردف أسامة وراءه.
ولما قدمﷺ- مكة استقبله أغيلمة بنى عبد المطلب، فحمل واحدا بين يديه، وآخر خلفه. وقال ابن عباس: أتى رسول اللهﷺ- مكة وقد حمل قثم بين يديه والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل بين يديه «٢»، رواه البخارى. وذكر المحب الطبرى فى مختصر السيرة النبوية له، أنهﷺ- ركب حمارا عريا إلى قباء وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة أأحملك» فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب»، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر فاستمسك رسول اللهﷺ- فوقعا جميعا. ثم ركبﷺ- ثم قال:
«يا أبا هريرة أأحملك»؟ فقال: ما شئت يا رسول الله فقال: «اركب» فلم يقدر فتعلق برسول اللهﷺ- فوقعا جميعا، ثم قال: «يا أبا هريرة أأحملك» فقال: لا والذى بعثك بالحق لا رميتك ثالثا «٣» .
وذكر المحب الطبرى أيضا: أنهﷺ- كان فى سفر، وأمر أصحابه بإصلاح شاة فقال رجل: يا رسول الله على ذبحها، وقال الآخر: يا رسول الله، على سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، على طبخها فقال رسول اللهﷺ-: «علىّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال:
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٩٦٨) فى اللباس، باب: إرداف المرأة خلف الرجل.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٩٦٦) فى اللباس، باب: حمل صاحب الدابة غيره بين يديه.
(٣) تقدم.
[ ٢ / ١١٤ ]
«قد علمت أنكم تكفونى ولكنى أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» انتهى. ولم أر هذا لغير الطبرى بعد التتبع نعم رأيت فى جزء تمثال النعل الشريف لأبى اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنت مع النبىﷺ- فى الطواف فانقطعت شسعه فقلت: يا رسول الله ناولنى أصلحه، فقال: «أثرة ولا أحب الأثرة» «١» والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، والأثرة: الاستئثار وهو الانفراد بالشىء. قال: وكأنه كرهﷺ- أن ينفرد أحد بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم فيكون له بمثابة الخادم ويكون لهﷺ- ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلكﷺ- لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه.
ويؤيده ما روى أنهﷺ- أراد أن يمتهن نفسه فى شىء فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: «قد علمت أنكم تكفونى ولكنى أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» انتهى. ثم رأيت شيخنا فى الأحاديث المشتهرة حكى ذلك والله الموفق.
وعن أبى قتادة: وقد وفد النجاشى، فقام النبىﷺ- يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم» «٢» ذكره فى الشفاء.
وفى البخارى: عن أنس: كان الرجل يجعل للنبىﷺ- النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، وإن أهلى أمرونى أن آتى النبىﷺ- فأسأله الذى كانوا أعطوه أو بعضه، وكانﷺ- قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب فى عنقى تقول: كلا والذى لا إله غيره لا نعطيكم وقد
_________________
(١) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٣/ ٢٤٤) وقال: رواه أبو يعلى والطبرانى فى الكبير والأوسط، وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، وفى (٩/ ٢١) وقال: رواه البزار وفيه من لم أعرفه.
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٢/ ٣٠٧) .
[ ٢ / ١١٥ ]
أعطانيها- أو كما قال- والنبىﷺ- يقول: «لك كذا» وتقول كلا والله، حتى أعطاها- حسبت أنه قال- عشرة أمثاله «١» أو كما قال.
وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤبدة وتمليكا لأصل الرقبة، وأراد النبىﷺ- استطابة قلبها فى استرداد ذلك فلاطفها وما زال يزيدها فى العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منهﷺ- وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ولا يخفى ما فى هذا من فرط جوده وكثرة حلمه وبرهﷺ-.
وجاءتهﷺ- امرأة كان فى عقلها شىء، فقالت: إن لى إليك حاجة، فقال: «اجلسى فى أى سكك المدينة شئت أجلس إليك»، وفى رواية مسلم: «حتى أقضى حاجتك»، فخلا معها فى بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها «٢» . ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعهﷺ-.
وقال عبد الله بن أبى الحمساء- بالحاء المهملة المفتوحة والميم الساكنة والسين المهملة وفى آخره همزة ممدودة- بايعت النبىﷺ- قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها فى مكانه، فنسيت فذكرت بعد ثلاث فإذا هو فى مكانه فقال: «لقد شققت على، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» «٣» . رواه أبو داود.
وقال ابن أبى أوفى: كان﵇- لا يأنف أن يمشى مع الأرملة والمسكين فيقضى له الحاجة «٤» . رواه النسائى. وفى رواية البخارى: إن كانت
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٤١٢٠) فى المغازى، باب: مرجع النبىﷺ- من الأحزاب، ومسلم (١٧٧١) فى الجهاد والسير، باب: رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٢٦) فى الفضائل، باب: قرب النبى﵇- من الناس، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٩٩٦) فى الأدب، باب: فى العدة، والبيهقى فى «الكبرى» (١٠/ ١٩٨)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(٤) صحيح: أخرجه النسائى (٣/ ١٠٨) فى السهو، باب: ما يستحب من تقصير الخطبة، والدارمى فى «سننه» (٧٤)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٥٠٠٥) .
[ ٢ / ١١٦ ]
الأمة لتأخذ بيد رسول اللهﷺ- فتنطلق به حيث شاءت «١»، وفى رواية أحمد: فتنطلق به فى حاجتها، وعنده أيضا إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجىء فتأخذ بيد رسول اللهﷺ-، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت.
والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الانقياد.
وقد اشتمل على أنواع من المبالغة فى التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء، أى: أى أمة كانت، وبقوله: حيث شاءت، أى من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها فى تلك الحالة لساعدها على ذلك. وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبرﷺ-.
ودخل الحسن وهو يصلى قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ فى سجوده حتى نزل الحسن، فلما فرغ قال له بعض أصحابه: يا رسول الله قد أطلت سجودك. قال: «إن ابنى ارتحلنى فكرهت أن أعجله» «٢» . أى جعلنى كالراحلة فركب على ظهرى. وكانﷺ- يعود المرضى، ويشهد الجنازة.
أخرجه الترمذى فى الشمائل. وحجﷺ- على رحل رث وعليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم. فقال: «اللهم اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» «٣» .
وكانﷺ- إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بانيتهم فيها الماء، فما
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦٠٧٢) فى الأدب، باب: الكبر، وابن ماجه (٤١٧٧) فى الزهد، باب: البراءة من الكبر والتواضع، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٩٨ و١٧٤ و٢١٥)، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٢) أخرجه البيهقى فى «الكبرى» (٢/ ٢٦٣)، وهو فى الصحيحين بنحوه، ولكن مع أمامة ابنة زينبرضي الله عنها-.
(٣) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٣/ ٢٢١) عن ابن عباس وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه أحمد بن محمد بن القاسم بن أبى بزة ولم أعرفه.
[ ٢ / ١١٧ ]
يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاؤوه فى الغداة الباردة فيغمس يده فيها «١» . رواه مسلم والترمذى.
وكانﷺ- حسن العشرة مع أزواجه، وكانﷺ- ينام مع أزواجه. قال النووى: وهو ظاهر فعله الذى واظب عليه مع مواظبتهﷺ- على قيام الليل، فينام مع إحداهن، فإذا أراد القيام لوظيفته قام وتركها، فيجمع بين وظيفته وأداء حقها المندوب وعشرتها بالمعروف. وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته فى فراش واحد أفضل، لا سيما إذا عرف من حالها حرصها على هذا، ولا يلزم من نومه معها الجماع والله أعلم.
وقد كانﷺ- يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها «٢» . رواه الشيخان. وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب رواه مسلم. وإذا تعرقت عرقا- وهو العظم الذى عليه اللحم- أخذه فوضع فمه على موضع فمها «٣» . رواه مسلم أيضا. وكان يتكئ فى حجرها، ويقبلها وهو صائم «٤» . رواه الشيخان.
وكان يريها الحبشة وهم يلعبون فى المسجد وهى متكئة على منكبه «٥» .
رواه الشيخان. ورواه الترمذى بلفظ: قامﷺ- فإذا حبشة تزفن والصبيان
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٢٤) فى الفضائل، باب: قرب النبى﵇- من الناس، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦١٣٠) فى الأدب، باب: الانبساط إلى الناس، ومسلم (٢٤٤٠) فى فضائل الصحابة، باب: فى فضل عائشة- رضى الله تعالى عنها-.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٣٠٠) فى الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٣٠٠) فى الحيض، باب: النوم مع الحائض وهى فى ثيابها، ومسلم (١١٠٦) فى الصيام، باب: بيان أن القبلة فى الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٤٥٥) فى المساجد، باب: أصحاب الحراب فى المسجد، ومسلم (٨٩٢) فى صلاة العيدين، باب: الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
[ ٢ / ١١٨ ]
حولها، فقال: «يا عائشة تعالى فانظرى» فجئت فوضعت لحيى على منكب رسول اللهﷺ- فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لى:
«أما شبعت أما شبعت» فجعلت أقول: لا، لا «١» . وقال: حسن صحيح غريب.
وروى أنهﷺ- سابقها فسبقته، ثم سابقها بعد ذلك فسبقها، قال:
«هذه بتلك» «٢» . رواه أبو داود بلفظ: سابقته فى سفر فسبقته على رجلى، فلما حملت اللحم سابقته فسبقنى فقال: «هذه بتلك السبقة» .
وعن أنس بن مالك: أنهم كانوا يوما عند رسول اللهﷺ- فى بيت عائشةرضي الله عنها-، إذ أتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة، فوضعت بين يدى النبىﷺ- فقال: «ضعوا أيديكم» فوضع نبى الله يده ووضعنا أيدينا فأكلنا، وعائشة تصنع طعاما عجلته قد رأت الصحفة التى أتى بها، فلما فرغت من طعامها جاءت به فوضعته ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها، فقال رسول اللهﷺ-: «كلوا بسم الله، غارت أمكم» ثم أعطى صحفتها أم سلمة فقال: «طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» «٣» . رواه الطبرانى فى الصغير.
وهو عند البخارى بلفظ: كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التى النبى فى بيتها يد الخادم فسقطت
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٦٩١) فى المناقب، باب: رقم (١٧)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٥٧٨) فى الجهاد، باب: فى السبق على الرجل، وابن ماجه (١٩٧٩) فى النكاح، باب: حسن معاشرة النساء، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٩ و٢٦٤) والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) صحيح: وأصل الحديث عند البخارى (٢٤٨١) فى المظالم والغضب، باب: إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره، وأبو داود (٣٥٦٧) فى البيوع، باب: فيمن أفسد شيئا يغرم مثله، والترمذى (١٣٥٩) فى الأحكام، باب: ما جاء فيمن يكسر له الشىء ما يحكم له من مال الكاسر، والنسائى (٧/ ٧٠) فى عشرة النساء، باب: الغيرة، وابن ماجه (٢٣٣٤) فى الأحكام، باب: الحكم فيمن كسر شيئا، من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١١٩ ]
الصحفة وانفلقت، فجمع النبىﷺ- فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذى كان فى الصحفة ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التى هو فى بيتها، فدفع الصحفة إلى التى كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة فى بيت التى كسرت.
وعند أحمد وأبى داود والنسائى، قالت عائشة: ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية، أهدت إلى النبىﷺ- إناء من طعام، فما ملكت نفسى أن كسرته، فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ قال: «إناء كإناء وطعام كطعام» وعند غيرهم: فأخذت القصعة من بين يديه فضربت بها وكسرتها، فقامﷺ- يلتقط اللحم والطعام وهو يقول: «غارت أمكم» فلم يثرب عليها.
فوسع خلقه الكريم آثار طفحات آثار غيرتها، ولم يتأثر، وقضى عليها بحكم الله فى القصاص. وهكذا كانت أحوالهﷺ- مع أزواجه، لا يأخذ عليهن ويعذرهن، وإن أقام عليهن قسطاس عدل أقامه بغير قلق ولا غضب، بل رؤوف رحيم، حريص عليهن وعلى غيرهن، عزيز عليه ما يعنتهم.
قيل: وفى هذا الحديث إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيرى فيما يصدر منها، لأنها فى تلك الحالة يكون عقلها محجوبا بشدة الغضب الذى أثارته الغيرة. وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعا، «إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادى من أعلاه» «١» انتهى.
وعن عائشةرضي الله عنها-: أتيت النبىﷺ- بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة- والنبىﷺ- بينى وبينها-: كلى، فأبت، فقلت لها: كلى، فأبت، فقلت لها: لتأكلين أو لألطخن بها وجهك، فأبت فوضعت يدى فى الخزيرة فلطخت بها وجهها فضحك النبىﷺ- فوضع فخذه لها وقال لسودة:
_________________
(١) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٤/ ٣٢٢) وقال: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وسلمة بن الفضل، وقد وثقه جماعة، ابن معين وابن حبان وأبو حاتم، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد رواه أبو الشيخ فى كتاب الأمثال، وليس فيه غير أسامة بن زيد الليثى، وهو من رجال الصحيح وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.
[ ٢ / ١٢٠ ]
«الطخى وجهها» فلطخت بها وجهى فضحكﷺ- الحديث رواه ابن غيلان من حديث الهاشمى وخرجه الملاء فى سيرته. والخزيرة: لحم يقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق.
وبالجملة؛ فمن تأمل سيرتهﷺ- مع أهله وأصحابه وغيرهم من الفقراء والأيتام والأرامل والأضياف والمساكين، علم أنه قد بلغ من رقة القلب ولينه الغاية التى لا مرمى وراءها لمخلوق. وإن كان يشتد فى حدود الله وحقوقه ودينه، حتى قطع يد السارق، إلى غير ذلك.
وقد كانﷺ- يباسط أصحابه بما يولج حبه فى القلوب، كان له رجل من البادية يسمى زهيرا، وكان يهادى النبىﷺ- بموجود البادية بما يستطرف منها، وكانﷺ- يهاديه ويكافئه بموجود الحاضرة وبما يستطرف منها، وكانﷺ- يقول: «زهير باديتنا، ونحن حاضرته» وكانﷺ- يحبه، فمشىﷺ- يوما إلى السوق فوجده قائما، فجاء من قبل ظهره وضمه بيده إلى صدره فأحس زهير أنه رسول اللهﷺ-، قال: فجعلت أمسح ظهرى فى صدره رجاء بركته.
وفى رواية الترمذى فى الشمائل: فاحتضنه من خلفه ولا يبصره، فقال أرسلنى، من هذا؟ فالتفت فعرف النبىﷺ- فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبىﷺ- حين عرفه، فجعل رسول اللهﷺ- يقول: «من يشترى العبد» فقال له زهير: يا رسول الله، إذن تجدنى كاسدا، فقالﷺ-: «أنت عند الله غال»، وفى رواية للترمذى أيضا: «لكن عند الله لست بكاسد»، أو قال: «أنت عند الله غال» «١» .
وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلا كان يهدى للنبىﷺ- العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبىﷺ-
_________________
(١) أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (١٢١)، وأحمد فى «المسند» (٣/ ١٦١)، وابن حبان فى «صحيحه» (٥٧٩٠)، والبيهقى فى «الكبرى» (٦/ ١٦٩)، من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٢١ ]
فقال: أعط هذا حق متاعه، فما يزيد النبىﷺ- أن يتبسم، ويأمر به فيعطى «١» .
ووقع فى حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا اشترى منها، ثم جاء فقال: يا رسول الله، هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول: «ألم تهده لى» فيقول ليس عندى، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
وكانﷺ- يمزح ولا يقول إلا حقّا، كما روى أبو هريرة، وقد قال له رجل كان فيه بله: يا رسول الله احملنى، فباسطهﷺ- من القول بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك، فقال: «أحملك على ابن الناقة» فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوة فقال: يا رسول الله، ما عسى يغنى عنى ابن الناقة، فقال لهﷺ-: «ويحك وهل يلد الجمل إلا الناقة» «٢» روى حديثه الترمذى وأبو داود.
وباسط عمته صفية وهى عجوز فقال لها: «إن الجنة لا تدخلها عجوز»، فلما جزعت قال لها: «إنك تعودين إلى صورة الشباب فى الجنة» وفى رواية الترمذى عن الحسن: أتتهﷺ- عجوز فقالت: يا رسول الله، ادع الله لى أن يدخلنى الجنة، فقال: «يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز» قال فولت تبكى فقال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز» إن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا «٣» «٤» وذكره رزين.
_________________
(١) مرسل: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٤/ ١٤٨) وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٩٩٨) فى الأدب، باب: ما جاء فى المزاح، والترمذى (١٩٩١) فى البر والصلة، باب: ما جاء فى المزاح، من حديث أنسرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) سورة الواقعة: ٣٥، ٣٦.
(٤) ضعيف: أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (١٢٢)، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٤١٩) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه مسعدة بن اليسع، وهو ضعيف.
[ ٢ / ١٢٢ ]
وكانﷺ- يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويؤنسهم. ويأخذ معهم فى تدبير أمورهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم فى حجره، ومع ذلك سره فى الملكوت يجول حيث أراد الله به. والدعابة: - بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف موحدة- هى الملاطفة فى القول بالمزاح وغيره.
وقد أخرج الترمذى وحسنه من حديث أبى هريرة؛ قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إنى لا أقول إلا حقّا» «١» .
وما ورد عنهﷺ- فى النهى عن المداعبة محمول على الإفراط، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر فى مهمات الدين وغير ذلك. والذى يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب- كما كان هو فعلهﷺ- فهو مستحب. وقال أنس: كان رسول اللهﷺ- أحسن الناس خلقا، وكان لى أخ يقال له: أبو عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على النبىﷺ- ذات يوم فرآه حزينا فقال: «ما شأنه» قالوا:
مات نغره، فقال: «يا أبا عمير ما فعل النغير» «٢» . رواه البخارى ومسلم.
وفى رواية الترمذى قال أنس: كان رسول اللهﷺ- ليخالطنا حتى يقول لأخ لى صغير «يا أبا عمير ما فعل النغير» . قال الجوهرى: النغير: تصغير نغر، والنغر جمع النغرة وهو طائر صغير كالعصفور، والجمع نغران مثل صرد وصردان.
وكان قد ألقى عليه مع الدعابة المهابة، ولقد جاء إليهﷺ- رجل فقام بين يديه فأخذته رعدة شديدة ومهابة، فقال له: «هون عليك، فإنى لست بملك ولا جبار إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة» فنطق الرجل بحاجته، فقامﷺ- فقال: «يا أيها الناس إنى أوحى إلى أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (١٩٩٠) فى البر والصلة، باب: ما جاء فى المزاح، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٥٠٩) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦١٢٩) فى الأدب، باب: الانبساط إلى الناس، ومسلم (٢١٥٠) فى الأداب، باب: استحباب تحنيك المولود عند ولادته، من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٢٣ ]
الله إخوانا» «١» . فسكنﷺ- روعه شفقة، لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وسلب عنه وصف الملوكية بقوله: «فإنى لست بملك» لما يلزمها من الجبروتية، وقال: «إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» «٢» تواضعا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة. ولما رأتهﷺ- قيلة بنت مخرمة فى المسجد، وهو قاعد القرفصاء، ارتعدت من الفرق «٣» رواه أبو داود. وروى مسلم عن عمرو بن العاصى قال: صحبت رسول اللهﷺ-، ما ملأت عينى منه قط حياء منه وتعظيما له، ولو قيل لى صفه لما قدرت «٤»، أو كما قال.
وإذا كان هذا قوله وهو من أجلة الصحابة، ولولا أنهﷺ- كان يباسطهم ويتواضع لهم ويؤنسهم لما قدر أحد منهم أن يقعد معه ولا أن يسمع كلامه﵊- لما رزقه الله تعالى من المهابة والجلالة. يبين ذلك ويوضحه ما روى أنهﷺ- كان إذا فرغ من ركوع الفجر حدث عائشة إن كانت مستيقظة، وإلا اضطجع بالأرض ثم خرج بعد ذلك إلى الصلاة، وما ذاك إلا أنهﷺ- لو خرج على تلك الحالة التى كان عليها، وما حصل له من القرب والتدانى فى مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك من الأحوال التى يكل اللسان عن وصف بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه ولا يباشره، فكانﷺ- يتحدث مع عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم، وهو التأنيس مع عائشة، أو جنس أصل الخلقة التى هى الأرض.
ثم يخرج إليهم، وما ذاك إلا رفقا بهم، وكان بالمؤمنين رحيما. قاله ابن الحاج فى المدخل.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٨٦٥) فى الجنة وصفة نعيمها، باب: الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النار، من حديث عياض بن حمار المجاشعىرضي الله عنه-، بدون ذكر قصة الحديث.
(٢) صحيح: أخرجه ابن ماجة (٢٣١٢) فى الأطعمة، باب: القديد، من حديث أبى مسعودرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
(٣) حسن: أخرجه أبو داود (٤٨٤٧) فى الأدب، باب: فى جلوس الرجل، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٤) صحيح: وهو جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (١٢١) فى الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وقد جاء فى الحديث أنه لما خير بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا نظرﷺ- إلى جبريل كالمستشير له، فنظر جبريل إلى الأرض يشير إلى التواضع، فاختارﷺ- العبودية «١»، فلما كان تواضعهﷺ- إلى الأرض حيث أشار جبريل أورثه الله تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفرف الأعلى، إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى، ووقف بين يديه محمود بن الربيع، وهو صغير ابن خمس سنين، فمجﷺ- فى وجهه مجة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان فى ذلك من البركة أنه لما كبر لم يبق فى ذهنه من ذكر رؤية النبىﷺ- إلا تلك المجة «٢»، فعد بها من الصحابة وحديثه مذكور فى البخارى.
ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة وهو فى مغتسله، فنضح الماء فى وجهها، فكان فى ذلك من البركة فى وجهها أنه لم يتغير، فكان ماء الشباب ثابتا فى وجهها ظاهرا فى رونقها وهى عجوز كبيرة «٣» . وحديثها مذكور فى البخارى. فقد علمت أنهﷺ- كان مع أصحابه وأهله، ومع الغريب والقريب من سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه والمزح بالحق مع الصغير والكبير أحيانا، وإجابة الداعى ولين الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه.
وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبا أو مستحبا أو مباحا، فكان يباسط الخلق ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته فى ظلمات دياجى الجهل، ويقتدوا بهديهﷺ-.
وقد كانت مجالسه مع أصحابهرضي الله عنهم- عامتها مجالس تذكير بالله،
_________________
(١) هذه القصة ذكرها الهيثمى فى «المجمع» (٩/ ١٨- ١٩) من حديث أبى هريرةرضي الله عنه- وقال: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى ورجال الأوليين رجال الصحيح.
(٢) صحيح: والحديث عند البخارى (١٨٩) فى الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس.
(٣) القصة ذكرها الحافظ فى الإصابة، أما حديثها فى البخارى فهو ليس سماعا، حيث ليس لها حديث مرفوع، بل كل أحاديثها بواسطة لصغر سنها.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وترغيب وترهيب، إما بتلاوة القرآن، أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما نفع فى الدين، كما أمره الله تعالى أن يذكر ويعظ ويقص، وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشر وينذر، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقة القلوب، والزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة، كما ذكره أبو هريرة فيما رواه أحمد والترمذى وابن حبان فى صحيحه قال: قلنا: يا رسول الله، ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا فى الدنيا وكنا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا وشممنا أولادنا وأنكرنا أنفسنا. فقالﷺ-: «لو أنكم إذا خرجتم من عندى كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة فى بيوتكم» «١» الحديث.
وقوله: عافسنا: - بالعين المهملة بعد الألف فاء فسين مهملة ساكنة- أى: عالجنا أهلنا ولاعبناهم.
ومن تواضعهﷺ- أنه ما عاب ذواقا قط، ولا عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه «٢» رواه الشيخان. وهذا إن كان الطعام مباحا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأن صنعة الله تعالى لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب. قال فى فتح البارى: والذى يظهر:
التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع. قال النووى: ومن آداب الطعام المتأكدة:
أن لا يعاب، كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج ونحو ذلك.
ومن تواضعه: أن هذه الدنيا شاع سبها فى العالمين، فقالﷺ-: «لا تسبوا الدنيا» «٣»، ثم مدحها فقال: «نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير،
_________________
(١) قلت: هو فى صحيح مسلم (٢٧٥٠) فى التوبة، باب: فضل دوام الذكر والفكر فى أمور الآخرة، من حديث حنظلة الأسيدىرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٦٣) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٠٦٤) فى الأشربة، باب: لا يعيب الطعام، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٣) أخرجه الديلمى وابن النجار عن ابن مسعود، كما فى «كنز العمال» (٣٠٢٩ و٦٣٤٣) .
[ ٢ / ١٢٦ ]
وبها ينجو من الشر» «١» . وقال: «لا تسبوا الدهر»، رواه البخارى من حديث أبى هريرة بلفظ: «ولا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر» «٢» . وفى لفظ له: «يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر، بيدى الليل والنهار» وعند مسلم فى حديث بلفظ «لا يسب أحدكم الدهر» . ومحصل ما قيل فى تأويله، ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد بقوله: إن الله هو الدهر، أى: المدبر للأمور.
ثانيها: أنه على حذف مضاف. أى: صاحب الدهر.
ثالثها: التقدير: مقلب الدهر. ولذلك عقبه بقوله فى رواية البخارى:
بيدى الليل والنهار.
وقال المحققون: من نسب شيئا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكن يكره ذلك لتشبهه بأهل الكفر فى الإطلاق. وما خيرﷺ- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه «٣» . رواه البخارى. أى بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيهما، وأبهم «فاعل» خير ليكون أعم، من قبل الله أو من قبل المخلوقين. وقوله: إلا اختار أيسرهما وقوله: ما لم يكن إثما:
أى لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم فإنه حينئذ يختار الأشد. وفى حديث أنس عند الطبرانى فى الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط.
ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قبل المخلوقين واضح.
ومن تواضعهﷺ- أنه لم يكن له بواب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مر النبىﷺ- بامرأة وهى تبكى عند قبر، فقال: «اتقى الله
_________________
(١) هو تتمة ما قبله.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦١٨١ و٦١٨٢) فى الأدب، باب: لا تسبوا الدهر، ومسلم (٢٢٤٦) فى الألفاظ من الأدب، باب: النهى عن سب الدهر.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٦٠) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٢٧) فى الفضائل، باب: مباعدتهﷺ- للآثام واختياره من المباح أسهله، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
[ ٢ / ١٢٧ ]
واصبرى»، فقالت: إليك عنى فإنك خلو من مصيبتى، قال فجاوزها ومضى. فمر بها رجل فقال لها؛ ما قال لك رسول اللهﷺ-؟ قالت: ما عرفته. قال: إنه لرسول اللهﷺ-. قال فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابا «١» . الحديث رواه البخارى. لكن فى حديث أبى موسى: أنه كان بوابا للنبىﷺ- لما جلس على القف «٢» . وجمع بينهما: بأنهﷺ- إذا لم يكن فى شغل من أهله ولا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه. وفى حديث عمر حين استأذن له الأسود فى قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا، ففيه: أنه كان فى وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله يا رباح استأذن لى. لكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشى أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن له اطمأن.
وقد اختلف فى مشروعية الحجاب للحاكم. فقال الشافعى وجماعة:
ينبغى أن يكون للحاكم أن لا يتخذ حاجبا. وذهب آخرون: إلى جوازه.
وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحب ذلك حينئذ ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل، ويدفع الشرير، والله أعلم.
وأما ما روى من حيائهﷺ-؛ فحسبك ما فى البخارى من حديث أبى سعيد: كان رسول اللهﷺ- أشد حياء من العذراء فى خدرها «٣» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١٢٨٣) فى الجنائز، باب: زيارة القبور، ومسلم (٩٢٦) فى الجنائز، باب: فى الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦٩٣) فى المناقب، باب: مناقب عمر بن الخطاب أبى حفص القرشى العدوىرضي الله عنه-، ومسلم (٢٤٠٣) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفانرضي الله عنه-. وقف البئر: هو الدكة التى تجعل حولها.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٦٢) فى المناقب، باب: صفة النبىﷺ-، ومسلم (٢٣٢٠) فى الفضائل، باب: كثرة حيائهﷺ-.
[ ٢ / ١٢٨ ]
والعذراء: هى البكر. والخدر: - بكسر الخاء المعجمة- أى فى سترها. وهو من باب التتميم، لأن العذراء فى الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجة عنه، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها فى خدرها لا حيث تكون منفردة فيه. والحياء- بالمد- وهو من الحياء، ومنه: الحيا للمطر، لكن هو مقصور. وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حيّا كان الحياء أتم. وهو فى اللغة: تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشىء بسبب. والترك إنما هو من لوازمه. وفى الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير فى حق ذى الحق.
وقال ذو النون: «الحياء وجود الهيبة فى القلب، مع وحشة ما يسبق منك إلى ربك، والحب ينطق والحياء يسكت، والخوف يقلق» .
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استخيا منه وهو مذنب. وهذا الكلام يحتاج إلى شرح ومعناه: أن من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى فى حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستحى خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحيا الله من نظره إليه فى تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحى أن يرى من وليه ما يشينه عنده. وفى الشاهد. شاهد بذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه، من صاحب أو ولد أو من يحبه، وهو يخونه، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب حتى كأنه هو الجانى. وهذا غاية الكرم. وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها.
منها: حياء الكرم، كحيائهﷺ- من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطولوا عنده المقام، واستحيا أن يقول لهم انصرفوا «١» .
_________________
(١) القصة أخرجها البخارى (٤٧٩٣) فى التفسير، باب: قوله لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ، ومسلم (١٤٢٨) فى النكاح، باب: زواج زينب بنت جحشرضي الله عنها-، من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٢٩ ]
ومنها: حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه فى حال غيبته هاج الحياء من قلبه وأحس به فى وجهه، فلا يدرى ما سببه.
ومنها: حياء العبودية، وهو حياء يمتزج بين محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجل منها، فعبوديته له توجب استيحاءه منه لا محالة.
ومنها: حياء المرء من نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقنعها بالدون، فيجد نفسه مستحييا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحى بإحداهما من الآخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحى من غيره أجدر.
والحياء- كما قالﷺ- «لا يأتى إلا بخير» «١»، «وهو من الإيمان» «٢»، كما رواهما البخارى. قال القاضى عياض وغيره: وإنما جعل الحياء من الإيمان- وإن كان غريزة- لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم. وقال القرطبى: الحياء المكتسب هو الذى جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزى. غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب، حتى يكاد يكون غريزيّا، وكان النبىﷺ- قد جمع له النوعان، فكان فى الغريزى أشد حياء من العذراء فى خدرها.
وقال القاضى عياض: وروى عنهﷺ-: كان من حيائه لا يثبت بصره فى وجه أحد.
وأما خوفهﷺ- ربه جل وعلا، فاعلم أن الخوف والوجل والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة. قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجارى
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦١١٧) فى الأدب، باب: الحياء، ومسلم (٣٧) فى الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها، من حديث عمران بن حصينرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: وهو يشير إلى حديث «الإيمان بضع وسبعون شعبة..»، والحديث أخرجه البخارى (٩) فى الإيمان، باب: أمور الإيمان، ومسلم (٣٥) فى الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٣٠ ]
الأنفاس. وقيل الخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف. وقيل الخوف: قوة العلم بمجارى الأحكام، وهذا سبب الخوف، لا أنه نفسه.
وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى: قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «١»، فهو خوف مقرون بمعرفة. وقالﷺ-: «أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية» «٢» فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذى يرى العدو والسيل ونحوهما له حالتان: إحداهما حركة للهرب منه وهى حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره فى مكان لا يصل إليه وهى الخشية.
وأما الرهبة: فهى الإمعان فى الهرب من المكروه، وهى ضد الرغبة التى هى سفر القلب فى طلب المرغوب فيه. وأما الوجل: فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته. وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما تكون مع المعرفة والمحبة. والإجلال: تعظيم مقرون بالحب.
فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قالﷺ-: «إنى لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية» «٣» رواه البخارى، وقالﷺ-: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» «٤» رواه البخارى
_________________
(١) سورة فاطر: ٢٨.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠) فى الإيمان، باب: قول النبىﷺ-: «أنا أعلمكم بالله»، من حديث عائشةرضي الله عنها-، وأخرجه مسلم (١١٠٨) فى الصيام، باب: بيان أن القبلة فى الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، من حديث أم سلمةرضي الله عنها-.
(٣) صحيح: وقد تقدم تخريجه فى الحديث السابق.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (١٠٤٤) فى الكسوف، باب: الصدقة فى الكسوف، ومسلم (٩٠١) فى الكسوف، باب: صلاة الكسوف، من حديث عائشةرضي الله عنها- وأخرجه البخارى (٦٤٨٥) فى الرقاق، باب: قول النبىﷺ-: «لو تعلمون ما أعلم» من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٣١ ]
من حديث أبى هريرة، وفيه دلالة على اختصاصهﷺ- بمعارف بصرية وقلبية. وقد يطلع الله تعالى عليها غيره من المخلصين من أمته لكن بطريق الإجمال، وأما تفصيلها فاختص بهاﷺ-.
وفى صحيح مسلم من حديث أنس أنهﷺ- قال: «والذى نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» قالوا: وما رأيت يا رسول الله قال: «رأيت الجنة والنار» «١» .
فقد جمع الله له بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية، واستحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، ولذا قال: «إن أتقاك وأعلمكم بالله أنا» «٢» وهو فى الصحيح من حديث عائشة: وكانﷺ- يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء «٣» رواه النسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحه بلفظ: كأزيز الرحا، أى خنين من الخوف- بالخاء المعجمة- وهو صوت البكاء. وقيل: وهو أن يجيش جوفه ويغلى بالبكاء.
وأما ما روى من شجاعتهﷺ- ونجدته وقوته فى الله وشدته، فعن أنس: (كان النبىﷺ- أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس)، لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول اللهﷺ- راجعا قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر على فرس لأبى طلحة عرى والسيف فى عنقه وهو يقول: «لن تراعوا» .
وفى رواية: كان فزع بالمدينة فاستعار النبىﷺ- فرسا من أبى طلحة يقال له المندوب، فركب فلما رجع قال: «ما رأينا من شىء، وإن وجدناه
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٤٢٦) فى الصلاة، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود.
(٢) صحيح: وقد تقدم قريبا.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٩٠٤) فى الصلاة، باب: البكاء فى الصلاة، والنسائى (٣/ ١٣) فى السهو، باب: البكاء فى الصلاة، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٢٥)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٦٥ و٧٥٣)، وابن خزيمة فى «صحيحه» (٩٠٠) من حديث عبد الله بن الشخيررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٣٢ ]
لبحرا، أو إنه لبحر» . قال وكان فرسا يبطؤ «١» رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى.
وللبخارى: إن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبىﷺ- فرسا لأبى طلحة كان يقطف، أو فيه قطاف، فلما رجع قال: «وجدنا فرسكم ها بحرا» فكان بعد لا يجارى. وفى أخرى له: ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه فقال: «لن تراعوا إنه لبحر، فما سبق بعد ذلك اليوم» .
قوله لن تراعوا: أى روعا مستقرا، أو روعا يضربكم.
وفى هذا الحديث بيان شجاعتهﷺ- من شدة عجلته فى الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم، بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس. وفيه:
بيان عظيم بركته ومعجزته فى انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان بطيئا وهو معنى قولهﷺ-: «وجدناه بحرا» أى واسع الجرى. وكان فيه قطاف:
يقال: قطف الفرس فى مشيه إذا تضايق خطوه وأسرع مشيه.
قال القاضى عياض: وقد كان فى أفراسهﷺ- فرس يقال له:
مندوب، فلعله صار إليه بعد أبى طلحة. وقال النووى: يحتمل أنهما فرسان اتفقا فى الاسم. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد من رسول اللهﷺ- «٢» . وذكر ابن إسحاق فى كتابه وغيره: أنه كان بمكة رجل شديد القوة يحسن الصراع وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم. فبينا هو ذات يوم فى شعب من شعاب مكة إذ لقيه رسول اللهﷺ- فقال له:
«يا ركانة ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه» - أو كما قال له رسول اللهﷺ- فقال له ركانة: يا محمد، هل من شاهد يدل على صدقك؟ قال:
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٣٩٠٨) فى الجهاد والسير، باب: الحمائل وتعليق السيف بالعنق، ومسلم (٢٣٠٧) فى الفضائل، باب: فى شجاعة النبى﵇- وتقدمه للحرب، وأبو داود (٤٩٨٨) فى الأدب، باب: ما روى فى الرخصة فى ذلك، والترمذى (١٦٨٧) فى الجهاد، باب: ما جاء فى الخروج عند الفزع، وابن ماجه (٢٧٧٢) في الجهاد، باب: الخروج فى النفير.
(٢) صحيح: أخرجه الدارمى فى «سننه» (٥٩) بسند صحيح.
[ ٢ / ١٣٣ ]
«أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم يا محمد، فقال له:
«تهيأ للمصارعة» قال: تهيأت، فدنا منه رسول اللهﷺ- فأخذه ثم صرعه، قال فتعجب ركانة من ذلك، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيا وثالثا. فوقف ركانة متعجبا وقال: إن شأنك لعجيب «١» . رواه الحاكم فى مستدركه عن أبى جعفر محمد بن ركانة المصارع، ورواه أبو داود والترمذى وكذا البيهقى من رواية سعيد بن جبير.
وقد صارعﷺ- جماعة غير ركانة، منهم أبو الأسود الجمحى، كما قاله السهيلى. ورواه البيهقى، وكان شديدا بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة، ويجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرى الجلد ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول اللهﷺ- إلى المصارعة وقال: إن صرعتنى آمنت بك، فصرعه رسول اللهﷺ- فلم يؤمن وفى قصته طول.
وفى البخارى من حديث البراء، وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول اللهﷺ- يوم حنين؟ فقال: فأكببنا على المغانم فاستقبلنا بالسهام.
ولقد رأيت النبىﷺ- وهو على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: «أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» «٢» .
وهذا فى غاية ما يكون من الشجاعة التامة، لأنه فى مثل هذا اليوم فى حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة ليست بسريعة الجرى، ولا تصلح لكر ولا فر ولا هرب، ومع ذلك يركضها إلى وجوههم، وينوه باسمه ليعرفه من ليس يعرفه- صلوات الله وسلامه عليه-. وفى حديث البراء: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول اللهﷺ- أى جعلناه قدامنا واستقبلنا العدو به، وقمنا خلفه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٧٨) فى اللباس، باب: فى العمائم، والترمذى (١٧٨٤) فى اللباس، باب: العمائم على القلانس، والحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٥١١) وأبو يعلى فى «مسنده» (١٤١٢)، والطبرانى فى «الكبير» (٥/ ٧١) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٨٦٤) فى الجهاد والسير، باب: من قاد دابة غيره فى الحرب، ومسلم (١٧٧٦) فى الجهاد والسير، باب: غزوة حنين.
[ ٢ / ١٣٤ ]
وأما ما ذكر من سخائه وجوده وكرمه، فاعلم أن السخاء صفة غريزية، وفى مقابلته الشح، والشح من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» فحكم بالفلاح لمن وقى الشح، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ «٢» أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٣» والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين. وليس الشح من الآدمى بعجيب، لأنه جبلى فيه، وإنما العجب وجود السخاء فى الغريزة، والسخاء أتم وأكمل من الجود، وفى مقابلته البخل، وفى مقابلة السخاء الشح، والجود والبخل يتطرق انتهى الاكتساب بطريق العادة بخلاف الشح والسخاء إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة، فكل سخى جواد وليس كل جواد سخيّا. والجود يتطرق إليه الرياء، ويأتى به الإنسان متطلعا لغرض من الخلق أو الحق بمقابلة من الثناء أو غير ذلك من الخلق والثواب من الله تعالى، ولا يتطرق الرياء إلى السخاء لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه فى عوارف المعارف.
وقد كان رسول اللهﷺ- أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس «٤» رواه البخارى ومسلم من حديث أنس. وأجود: أفعل تفضيل، من الجود وهو إعطاء ما ينبغى لمن ينبغى، ومعناه: هو أسخى الناس، ولما كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة لابد أن يكون فعله أحسن الأفعال، وشكله أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شك يكون أجود الناس، وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم، لأنها أمهات
_________________
(١) سورة الحشر: ٩.
(٢) سورة البقرة: ٣، وسورة الأنفال: ٣، وسورة الحج: ٣٥، وسورة القصص: ٥٤، وسورة السجدة: ١٦، وسورة الشورى: ٣٨.
(٣) سورة البقرة: ٥.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٢٨٢٠) فى الجهاد والسير، باب: الشجاعة فى الحرب والجبن، ومسلم (٢٣٠٧) فى الفضائل، باب: فى شجاعة النبىﷺ- وتقدمه للحرب.
[ ٢ / ١٣٥ ]
الأخلاق، فإن فى كل إنسان ثلاث قوى: إحداها الغضبية، وكمالها الشجاعة، وثانيها، الشهوانية وكمالها الجود، وثالثها العقلية وكمالها النطق بالحكمة.
وفى رواية لمسلم عنه: ما سئل رسول اللهﷺ- شيئا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخاف الفقر «١» . وعنده أيضا عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطانى رسول اللهﷺ- ما أعطانى وإنه لمن أبغض الناس إلى، فما برح يعطينى حتى إنه لأحب الناس إلى «٢» . قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. وفى مغازى الواقدى: إن النبىﷺ- أعطى صفوان يومئذ واديا مملوآ إبلا ونعما، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبى. ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
هذا الذى لا يتقى فقرا إذا يعطى ولو كثر الأنام وداموا
واد من الأنعام أعطى آملا فتحيرت لعطائه الأوهام
وإنما أعطاه ذلك لأنهﷺ- علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء وهو الإحسان فعالجه به حتى برئ من داء الكفر وأسلم، وهذا من كمال شفقته ورحمته ورأفتهﷺ- إذ عامله بكمال الإحسان، وأنقذه من حر النيران إلى برد لطف الجنان. وكان على إذا وصفهﷺ- قال: كان أجود الناس كفّا، وأصدق الناس لهجة. وخرج ابن عدى- بإسناد فيه ضعف- من حديث أنس مرفوعا: «أنا أجود بنى آدم» «٣» .
فهوﷺ- بلا ريب أجود بنى آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم فى جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣١٢) فى الفضائل، باب: ما سئل رسول اللهﷺ- شيئا قط فقال: لا، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣١٣) فيما سبق.
(٣) إسناده ضعيف: أخرجه ابن عدى فى «الكامل» (١/ ٣٥٧) .
[ ٢ / ١٣٦ ]
بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله فى إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:
يروى حديث الندى والبشر عن يده ووجهه بين منهل ومنسجم
من وجه أحمد لى بدر ومن يده بحر ومن فمه در لمنتظم
يمم نبيّا تبارى الريح أنمله والمزن من كل هام الودق مرتكم
لو عامت الفلك فيما فاض من يده لم تلق أعظم بحر منه إن تعم
تحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ به ودع كل طامى الموج ملتطم
لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت كل الأنام وروت قلب كل ظمى
فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحاب من غمائم يمينه. روى البخارى من حديث جابر: (ما سئل رسول اللهﷺ- عن شىء قط فقال: لا) «١» وكذا عند مسلم، أى ما طلب منه شىء من أمر الدنيا فمنعه: قال الفرزدق:
ما قال لا قط إلا فى تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر: ليس المراد أنه يعطى ما يطلب منه جزما، بل المراد: أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغا وإلا سكت. قال: وقد ورد بيان ذلك فى حديث مرسل لابن الحنيفة عند ابن سعد ولفظه: إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو قريب من حديث أبى هريرة؛ ما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه: لم يقل: لا، منعا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما فى قوله تعالى: قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ «٢»، ولا يخفى الفرق بين
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦٠٣٤) فى الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء، ومسلم (٢٣١١) فى الفضائل، باب: ما سئل رسول اللهﷺ- شيئا قط فقال: لا.
(٢) سورة التوبة: ٩٢.
[ ٢ / ١٣٧ ]
قوله: لا أجد ما أحملكم وبين لا أحملكم انتهى. وهو نظير ما فى حديث أبى موسى الأشعرى: لما سأله الأشعريون الحملان فقالﷺ-: «ما عندى ما أحملكم» «١» .
لكن يشكل عليه أنهﷺ- حلف لا يحملهم فقال: «والله لا أحملكم» «٢» فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، ما إذا سئل ما ليس عنده والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث كان المقام لا يقتضى الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن لم يكن يعرف العادة، فلو اقتصر فى جوابه على السكوت مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلا، ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل، والسر فى الجمع بين قوله: «لا أجد ما أحملكم» وقوله: «والله لا أحملكم» أن الأول لبيان أن الذى سئله لم يكن موجودا عنده، والثانى أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا أو بالاستيهاب، إذ لا اضطرار حينئذ، وروى الترمذى أنه حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلا حتى فرغ منها.
قال: وجاءه رجل فقال ما عندى شىء ولكن ابتع على، فإذا جاءنا شىء قضيناه، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر، فكره النبىﷺ-، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذى العرش إقلالا، فتبسمﷺ- وعرف البشر فى وجهه. وقال: «بهذا أمرت» «٣» .
وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣١٣٣) فى الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (١٦٤٩) فى الإيمان، باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها.
(٢) صحيح: وهو جزء مما قبله.
(٣) أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (٢٨١) .
[ ٢ / ١٣٨ ]
وذكر ابن فارس فى كتابه «فى أسماء النبىﷺ-» أنه فى يوم حنين جاءت امرأة فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعته فى هوازن فرد عليهم ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيرا حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذى لم يسمع بمثله فى الوجود.
وفى البخارى من حديث أنس: أنه أتى بمال من البحرين فقال:
«انثروه» - يعنى صبوه- فى المسجد، وكان أكثر مال أتى به النبىﷺ-، فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فقال: أعطنى، فإنى فاديت نفسى وفاديت عقيلا، فقال له «خذ»، فحثا فى ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إلى، قال: لا، قال: فارفعه أنت على، قال: لا، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه على، قال: لا، قال: فارفعه أنت قال: لا، ثم نثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله فانطلق، فما زال النبىﷺ- يتبعه بصره حتى خفى علينا من حرصه، فما قامﷺ- وثم منها درهم «١» .
وفى رواية ابن أبى شيبة من طريق حميد بن هلال مرسلا: كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمى من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل إليهﷺ-.
وسايره جابر على حمل له، فقال لهﷺ-: «بعنى جملك» فقال:
هو لك يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، فقال: «بل بعنيه» فباعه إياه وأمر بلالا أن ينقده ثمنه فنقده، ثم قالﷺ-: «اذهب بالثمن والجمل بارك الله فيهما» «٢» . مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن ورد عليه الجمل وزاده الدعاء بالبركة فيهما. وحديثه فى البخارى ومسلم وغيرهما.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى فى المساجد، باب: القسمة وتعليق القنو فى المسجد تعليقا.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٧١٨) فى الشروط، باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز، ومسلم (٧١٥) فى المساقاة، باب: بيع البعير واستثناء ركوبه.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وقد كان جودهﷺ- كله لله وفى ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج وتارة ينفقه فى سبيل الله، وتارة يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه. وكان يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطى عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش فى نفسه عيش الفقراء، فيأتى عليه الشهر والشهران لا توقد فى بيته تار، وربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من الجوع.
وكانﷺ- قد أتاه سبى، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت وطلبت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد، وقال: «لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع» «١» . وأتته امرأة ببردة فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذهاﷺ- محتاجا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها فقال: «نعم» فلما قامﷺ- لامه أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبىﷺ- أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل فيمنعه «٢» . رواه البخارى من حديث سهل بن سعد. وفى رواية ابن ماجه والطبرانى قال: نعم، فلما دخل طواها وأرسل بها إليه. وأفاد الطبرانى فى رواية زمعة بن صالح أنهﷺ- أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن يفرغ منها. وفى هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقهﷺ- وسعة جوده.
واستنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة التصوف من المشايخ تبركا بهم وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنهﷺ- ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم «٣» رواه البخارى.
_________________
(١) صحيح: وأصل القصة عند البخارى (٣١١٣) فى الخمس، باب: الدليل على أن الخمس لنوائب رسول اللهﷺ- والمساكين، ومسلم (٢٧٢٧) فى الذكر والدعاء، باب: التسبيح أول النهار وعند النوم، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦٠٣٦) فى الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء.
(٣) صحيح: حديث أم خالد أخرجه البخارى (٥٨٢٣) فى اللباس، باب: الخميصة السوداء.
[ ٢ / ١٤٠ ]
لكن قال شيخنا: ما يذكرونه من أن الحسن البصرى لبسها من على بن أبى طالبرضي الله عنه-، فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل، وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر ليس فى شىء من طرقها ما يثبت، ولم يرد فى خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أنهﷺ- ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدا من أصحابه بفعلها، وكل ما يروى صريحا فى ذلك فباطل. قال: ثم إن من الكذب المفترى قول من قال:
إن عليّا ألبس الخرقة الحسن البصرى، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من على سماعا فضلا عن أن يلبسه الخرقة.
وكذا قال الدمياطى والذهبى والعلاء ومغلطاى والعراقى والأبناسى والحلبى وغيرهم مع كون جماعة منهم لبسوها وألبسوها تشبها بالقوم، نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة له المتصلة إلى كميل بن زياد، وهو صحب على ابن أبى طالبرضي الله عنه- من غير خلف فى صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل.
وفى بعض الطرق اتصالها بأويس القرنى، وهو اجتمع بعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالبرضي الله عنهما-. وهذه صحبة لا مطعن فيها، وكثير من السادة يكتفى بمجرد الصحبة كالشاذلية وشيخنا أبى إسحاق المتبولى.
وكان الشيخ يوسف العجمى يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهد واللبس وله فى ذلك رسالته «ريحان القلوب» قرأتها على ولد ولده العارف المسلك سيدى على، مع إلباسه لى الخرقة والتلقين والعهد.
وللشيخ قطب الدين القسطلانى «ارتقاء الرتبة فى اللباس والصحبة» والله يهديناا إلى سواء السبيل.
[ ٢ / ١٤١ ]
الفصل الثالث فيما تدعو ضرورته إليه ﷺ من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك
وفيه أربعة أنواع:
النوع الأول فى عيشه ﷺ فى المأكل والمشرب
اعلم أن تناول الطعام أصل كبير، يحتاج إلى علوم كثيرة، لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية، وتعلق أثره بالقلب والقالب، وبه قوام البدن بإجراء سنة الله تعالى بذلك، والقالب مركب القلب، وبهما عمارة الدنيا والآخرة، والقالب بمفرده على طبيعة الحيوان يستعان به على عمارة الدنيا، والروح والقلب على طبيعة الملائكة يستعان بهما على عمارة الآخرة، وباجتماعهما يصلحان لعمارة الدارين.
قال الغزالى: ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء إلا بالعلم والعمل، ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجات، على تكرار الأوقات. فمن هذا الوجه، قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين، وعليه نبه رب العالمين بقوله، وهو أصدق القائلين: كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا «١»، فمن تناول الأكل ليستعين به على العلم والعمل، ويقوى به على التقوى فلا ينبغى أن يترك نفسه سدى يسترسل فى الأكل استرسال البهائم فى المرعى، فإنما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه، ينبغى أن تظهر أنوار الدين عليه، وإنما
_________________
(١) سورة المؤمنون: ٥١.
[ ٢ / ١٤٢ ]
نور الدين وآدابه وسننه، التى يزم العبد بزمامها، ويلجم المتقى بلجامها، حتى يزن بميزان الشرع، شهوة الطعام فى إقدامها وإحجامها، فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر.
واعلم أن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد روى النسائى وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث المقدام بن معدى كرب أن رسول اللهﷺ- قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب الآدمى لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمى نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» «١» .
قال القرطبى فى شرح «الأسماء» كما نقله شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. وقال غيره: إنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان، ولأنه لا يدخل البطن سواها.
وهل المراد بالثلث التساوى على ظاهر الخبر، أو التقسيم على ثلاثة أقسام متقاربة؟ محل احتمال. وقد صح، (المؤمن يأكل فى معى واحد- وهى بكسر الميم مقصور: المصارين- والكافر يأكل فى سبعة أمعاء) «٢» وليست حقيقة العدد مرادة، وتخصيص السبعة للمبالغة فى التكثير، والمعنى: أن المؤمن من شأنه التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما سد الجوع، ويعين على العبادة، ولخشيته أيضا من حساب من زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك.
وعند أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة؛ المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٣٨٠) فى الزهد، باب: ما جاء فى كراهية كثرة الأكل، وابن ماجه (٣٣٤٩) فى الأطعمة، باب: الاقتصاد فى الأكل وكراهة الشبع، وأحمد فى «المسند» (٤/ ١٣٢)، وابن حبان فى «صحيحه» (٥٢٣٦)، والحاكم فى «مستدركه» (٤/ ٣٦٧)، وقال الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٥٦٧٤): صحيح.
(٢) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٥٣٩٣- ٥٣٩٥) فى الأطعمة، باب: المؤمن يأكل فى معى واحد، ومسلم (٢٠٦٠ و٢٠٦١) فى الأشربة، باب: المؤمن يأكل فى معى واحد، من حديث ابن عمررضي الله عنهما-.
[ ٢ / ١٤٣ ]
متصلة بها: البواب ثم الصائم ثم الرقيق، والثلاثة رقاق. ثم الأعور والقولون والمستقيم وطرفه الدبر، وكلها غلاظ، وقد نظمها زين الدين العراقى فى قوله:
سبعة أمعاء لكل آدمى معدة بوابها مع صائم
ثم الرقيق أعور قولون مع المستقيم مسلك المطاعم
فيكون المعنى: أن الكافر لكونه يأكل بشراهة لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معى واحد.
ولا يلزم من هذا الحديث اطراده فى حق كل مؤمن وكافر، فقد يكون فى المؤمنين من يأكل كثيرا، إما بحسب العادة أو لعارض له من مرض باطن أو لغير ذلك. ويكون فى الكفار من يأكل قليلا إما لمراعاة الصحة على رأى الأطباء، وإنما للرياضة على رأى الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة.
ومحصل القول إن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر. وقيل: المراد أن المؤمن يسمى الله عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل بخلاف الكافر. وقيل: المراد بالمؤمن- فى هذا الحديث- التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته كما ورد فى حديث لأبى أمامة رفعه: «من كثر تفكره قل مطعمه، ومن قل تفكره كثر مطعمه، وقسا قلبه» وقالوا: لا تدخل الحكمة معدة ملئت طعاما، ومن قل طعامه قل شربه وخف منامه، ومن خف منامه ظهرت بركة عمره، ومن امتلأ بطنه كثر شربه، ومن كثر شربه ثقل نومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاء بدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ومن تملأ من الطعام ساء غذاء بدنه وأشرت نفسه وقسا قلبه.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وعن ابن عباس قالﷺ-: «إن أهل الشبع فى الدنيا هم أهل الجوع غدا فى الآخرة» «١» رواه الطبرانى.
وعن سلمان وأبى جحيفة أن النبىﷺ- قال: «إن أكثر الناس شبعا فى الدنيا أطولهم جوعا فى الآخرة» «٢» .
وقالت عائشة: لم يمتلئ جوف النبىﷺ- شبعا قط. وإنه كان فى أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب.
وقولها: لم يمتلئ جوف النبىﷺ- شبعا قط، محمول على الشبع الذى يثقل المعدة ويثبط صاحبه عن القيام بالعبادة، ويفضى إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهى كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة، وليس المراد بالشبع النسبى المعتاد فى الجملة، ففى صحيح مسلم:
خروجهﷺ- وصاحبيه من الجوع، وذهابهم إلى بيت الأنصارى، وذبحه الشاة «٣» . وفيه: فلما أن شبعوا ورووا. قال النووى: فيه جواز الشبع، وما جاء فى كراهته محمول على المداومة عليه.
وعن أبى هريرة قال: ما شبع آل محمدﷺ- من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض «٤» . رواه الشيخان.
_________________
(١) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (١١/ ٢٦٧) وذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٢٥٠، ٢٥١) وقال: فيه يحيى بن سليمان الحفرى، وقد تقدم الكلام عليه، وبقية رجاله ثقات. اه. قلت: وقال فى (١٠/ ٢٤٩): أما يحيى فقد ذكر الذهبى فى الميزان فى آخر ترجمة يحيى ابن سليمان الجعفى فقال: فأما سميه يحيى بن سليمان الحفرى فما علمت به بأسا، ثم ذكر بعده يحيى بن سليمان القرشى، قال أبو نعيم: فيه مقال، وذكره ابن الجوزى، فإن كانا اثنين فالحفرى ثقة.
(٢) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (٦/ ٢٣٦ و٢٦٨) من حديث سلمانرضي الله عنه- و(٢٢/ ١٢٦ و١٣٢) من حديث أبى جحيفةرضي الله عنه-، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٣١) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير بأسانيد وفى أحد أسانيد الكبير محمد بن خالد الكوفى ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٣) صحيح: وسيأتى بتمامه بعد قليل.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٣٧٤) فى الأطعمة، باب: قول الله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ، ومسلم (٢٩٧٦) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (١) .
[ ٢ / ١٤٥ ]
وعن ابن عباس قال: كان رسول اللهﷺ- يبيت الليالى المتتابعة وأهله طاويا لا يجدون عشاء، وإنما كان خبزهم الشعير «١» . رواه الترمذى وصححه.
وفى حديث مسعر عند مسلم: «ما شبع آل محمد يومين من خبز البر، إلا وأحدهما تمر» «٢» .
وأخرج ابن سعد من طريق عمران بن زيد المدنى: حدثنى والدى قال:
دخلنا على عائشة فقالت: خرج- تعنى النبىﷺ- من الدنيا ولم يملأ بطنه فى يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الشعير، وإذا شبع من الشعير لم يشبع من التمر «٣» .
وليس فى هذا ما يدل على ترك الجمع بين لونين، فقد جمعﷺ- القثاء والرطب كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-.
وعن الحسن قال: خطب رسول اللهﷺ- فقال: «والله ما أمسى فى آل محمد صاع من طعام، وإنها لتسعة أبيات» والله ما قالها استقلالا لرزق الله ولكن أراد أن تتأسى به أمته. رواه الدمياطى فى السيرة له.
وعن عائشة قالت: كان يعجب نبى اللهﷺ- من الدنيا ثلاثة أشياء:
الطيب والنساء والطعام، فأصاب اثنتين ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام. ذكره الدمياطى أيضا.
وفى رواية مسلم: «يظل اليوم يلتوى ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه» «٤» .
_________________
(١) حسن: أخرجه الترمذى (٢٣٦٠) فى الزهد، باب: ما جاء فى معيشة النبىﷺ- وأهله، وابن ماجه (٣٣٤٧) فى الأطعمة، باب: خبز الشعير، والطبرانى فى «الكبير» (١١/ ٣٢٨)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٨٩٥) .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٩٧١) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (١)، من حديث عائشةرضي الله عنها-، ومسعر هذا أحد رواته.
(٣) أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (١/ ٤٠٥) .
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٩٧٧) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (١)، من حديث النعمان بن بشيررضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٤٦ ]
وقالت عائشة: إن كنا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا الماء والتمر «١» .
وقال عتبة بن غزوان: لقد رأيتنى- وإنى لسابع سبعة- مع رسول اللهﷺ- ما لنا طعام إلا ورق السمر حتى تقرحت أشداقنا «٢» .
وفى البخارى ومسلم: كانت عائشة تقول لعروة: والله يا ابن أختى، إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة فى شهرين وما أوقد فى أبيات رسول اللهﷺ- نار، قال: قلت: يا خالة فما كان يعيشكم؟
قالت: الأسودان، التمر والماء، إلا أنه كان لرسول اللهﷺ- جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول اللهﷺ- من ألبانها فيسقيناه «٣» .
ولمسلم أيضا: قالت: لقد مات رسول اللهﷺ- وما شبع من خبز وزيت فى يوم واحد مرتين «٤» .
وقال أنس: ما أعلم أن رسول اللهﷺ- رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتى لحق بالله «٥» . رواه البخارى.
والمرقق: الملين المحسن كخبز الحوارى وشبهه، والترقيق: التليين، ولم يكن عندهم مناخل، وقد يكون المرقق: الرقيق الموسع، قاله القاضى عياض.
وجزم به ابن الأثير فقال: وهو السميد وما يصنع من كعك وغيره، وقال ابن الجوزى: هو الخفيف. كأنه أخذه من الرقاق وهى الخشبة التى يرقق بها.
والحوارى: - بضم المهملة وتشديد الواو وفتح الراء- الخالص الذى ينخل مرة بعد أخرى.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٩٧٢) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (١) .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٩٦٧) فى كتاب الزهد والرقائق، باب: رقم (١) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٢٥٦٧) فى الهبة، باب: فضلها والتحريض عليها، ومسلم (٢٩٧٢) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (١) .
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٩٧٤) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (١) .
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٥٤٢١) فى الأطعمة، باب: شاة مسموطة.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وقوله: ولا شاة سميطا: هو الذى أزيل شعره بالماء السخن وشوى بجلده، وإنما يصنع ذلك فى الصغير السن، وهو من فعل المترفهين من وجهين: أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقى لازداد ثمنه، وثانيهما: أن المسلوخ ينتفع بجلده فى اللبس وغيره. والسمط يفسده، وقد جرى ابن بطال وابن الأثير على أن المسموط هو المشوى، لكن الثانى ذكر أن أصله نزع صوفه بالماء الحار كما تقدم، قال: وإنما يفعل ذلك فى الغالب ليشوى.
ولعله يعنى: أنه لم يرد السميط فى مأكوله، وإلا فإن لم يكن معهودا فلا تمدح.
وعن أبى حازم أنه سأل سهلا: هل رأيتم فى زمان النبىﷺ- النقى؟ قال: لا، فقلت: كنتم تنخلون الشعير؟ قال: لا، ولكن كنا ننفخه «١» . رواه البخارى.
وفى رواية له: هل كانت لكم فى عهد رسول اللهﷺ- مناخل؟
فقال: ما رأى النبىﷺ- منخلا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله «٢» .
قال شيخ الإسلام ابن حجر: أظنه احترز عما قبل البعثة، لكونهﷺ- كان يسافر فى تلك المدة إلى الشام تاجرا، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبز النقى عندهم كثير، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه، ولا ريب أنه رأى ذلك عندهم، وأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة، ووصل إلى تبوك وهى من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها. انتهى.
وقد تتبعت هل كانت أقراص خبزه صغارا أم كبارا؟ فلم أجد فى ذلك
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٤١٠) فى الأطعمة، باب: النفخ فى الشعير.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٤١٣) فى الأطعمة، باب: ما كان النبىﷺ- وأصحابه يأكلون.
[ ٢ / ١٤٨ ]
شيئا بعد التفتيش. نعم روى أمره بتصغيرها فى حديث عند الديلمى عن عائشة رفعته بلفظ: «صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه» «١»، وهو واه، بحيث ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات وقال: إن المتهم به جابر بن سليم. وروى عن ابن عمر مرفوعا: «البركة فى صغر القرص» «٢»، ونقل عن النسائى أنه كذب. لكن روى البزار بسند ضعيف عن أبى الدرداء مرفوعا.
«قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه» «٣» قال فى النهاية: وحكى عن الأوزاعى أنه تصغير الأرغفة، كذا حكى البزار عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن بعض أهل العلم: أنه تصغير الأرغفة. أشار إلى ذلك شيخنا فى المقاصد الحسنة.
ولعل هذا سند شيخى وقدوتى وإنسان عين بصيرتى العارف الربانى رهان العارفين أبى إسحاق إبراهيم المتبولى فى تصغير أرغفة سماطه كالشيخ أبى العباس أحمد البدوى «٤» والسادات إكسير معارف السعادات أولى المواهب
_________________
(١) موضوع: أخرجه الأزدى فى الضعفاء والإسماعيلى فى معجمه، كما فى «الجامع الصغير» (٤٩٩٨)، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٣٤٧٢): موضوع.
(٢) موضوع: أخرجه أبو الشيخ ابن حبان فى الثواب عن ابن عباس، والسلفى فى الطوريات عن ابن عمر، كما فى «الجامع الصغير» (٣٢٠٣)، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٢٣٧٢): موضوع.
(٣) ضعيف: أخرجه الطبرانى عن أبى الدرداء، كما فى «ضعيف الجامع» (٤١١٧) .
(٤) قلت: الثابت عنه من كتب السير أنه كان يأتى بأفعال المجاذيب، ومما يؤسف له أن كل من أتى بفعل من أفعال المجاذيب، اعتبره الناس وليّا، وأقاموا له ضريحا بعد وفاته، يطوفون به، وينذرون له، ويستغيثون به، وكلها أفعال شركية، لا يصح للمسلم الإتيان بها، ومن أراد معرفة الولاية الحقيقية فلينظر فى سيرة أنبياء الله، فى خلق الله، الذين أمرنا باتباعهم، والهدى على سيرهم، وكذلك صحابتهم الكرام والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، ويكفى أن يعرف عن هؤلاء المجاذيب أنه لم يعرف لهم صلاة ولا صيام ولا حج ولا درس علم ولا فقه عنهم منتشر كالأئمة الأربعة مثلا، ولا أعلم على أى شىء اعتبرهم الناس أولياء، أو عارفين بالله، وهل العارف بالله من يترك الصلاة، أو الصيام أو غيرها من العبادات، بل والنكاح الذى هو من سنن المرسلين، سبحانك ما هذا إلا بهتان عظيم، بل ومما يؤسف له أن بعضهم كأحمد البدوى مثلا ترك الجهاد فى سبيل-
[ ٢ / ١٤٩ ]
العلية والحقائق المحمدية بنى الوفاء أعاد الله من بركاتهم وواصل إمداداتهم إلينا.
وعن عائشة قالت: توفىﷺ- وليس عندى شىء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير فى رف لى، فأكلت منه حتى طال على فكلته ففنى «١» رواه البخارى ومسلم.
وعندهما أيضا قالت: توفى رسول اللهﷺ- ودرعه مرهونة عند يهودى فى ثلاثين صاعا من شعير «٢» .
وقال ابن عباس: ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله.
رواه الترمذى «٣» .
وعن أبى هريرة قال: خرج رسول اللهﷺ- ذات يوم فإذا هو بأبى بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: «وأنا والذى نفسى بيده لآخرجنى الذى أخرجكما» فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس فى بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا. فقال لهاﷺ-: «أين فلان؟» قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصارى، فنظر إلى رسول اللهﷺ- وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا منى. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر
_________________
(١) - الله ضد أعداء الله حينما أغاروا على بلاد المسلمين واستباحوا بيضتهم ولم يحرك ساكنا، بل دعا الناس إلى ترك جهادهم!! بحجة أنهم قدر الله، ولو عرف هذا قدر الله حقّا لأمر بمدافعة قدر الله بالأسباب المشروعة، ورحم الله عمر حينما أراد دخول الشام، فعلم أن فيها وباء فامتنع عن الدخول، فقيل له: أتفر من قدر الله، فقال: بل نفر من قدر الله إلى قدر الله، وما هذا منه إلا أخذا بالأسباب المشروعة، وغير ذلك كثير، والله المستعان.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٠٩٧) فى الخمس، باب: نفقة نساء النبىﷺ- بعد وفاته، ومسلم (٢٩٧٣) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (١) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٢٩١٦) فى الجهاد والسير، باب: ما قيل فى درع النبىﷺ-. ومسلم (١٦٠٣) فى الجهاد والسير.
(٤) أخرجه الترمذى (١٢١٤) فى البيوع، باب: ما جاء فى الرخصة فى الشراء إلى أجل.
[ ٢ / ١٥٠ ]
ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية فقال له رسول اللهﷺ-: «إياك والحلوب» فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قالﷺ- لأبى بكر وعمر: «والذى نفسى بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم» «١» رواه مسلم وغيره. وهذا السؤال سؤال تشريف وإنعام وتعديد فضل وإكرام.
وعن طلحة بن نافع أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخذ رسول اللهﷺ- بيدى ذات يوم إلى منزله فأخرج إليه فلق من خبز، فقال: «ما من أدم؟» فقالوا: لا، إلا شىء من خل، قال: «نعم الأدم الخل» . قال جابر:
فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبى اللهﷺ- وقال طلحة: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر «٢» . رواه مسلم.
وروى عن ابن بجير قال: أصاب النبىﷺ- جوع يوما، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال: «ألا رب نفس الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم» «٣» رواه ابن أبى الدنيا.
وعن أنس عن أبى طلحة قال: شكونا إلى رسول اللهﷺ- الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول اللهﷺ- عن بطنه عن حجرين «٤»، قال الترمذى: هذا حديث غريب من حديث أبى طلحة لا نعرفه
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه مسلم (٢٠٣٨) فى الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٥٢) فى الأشربة، باب: فضيلة الخل.
(٣) ضعيف جدّا: أخرجه ابن سعد والبيهقى فى شعب الإيمان، كما فى «ضعيف الجامع» (٢١٨١) .
(٤) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٣٧١) فى الزهد، باب: ما جاء فى معيشة أصحاب النبىﷺ-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
[ ٢ / ١٥١ ]
إلا من هذا الوجه. ومعنى قوله: ورفعنا عن بطوننا عن حجر. قال: كان أحدهم يشد فى بطنه الحجر من الجهد والضعف الذى به من الجوع.
وقصة جابر- يوم الخندق- حين رأى النبىﷺ- يوم الخندق، وقد قام إلى الكدية وبطنه معصوب بحجر. وتقدمت، وما أحسن قول الأبوصيرى:
وشد من سغب أحشاءه وطوى تحت الحجارة كشحا مترف الأدم
والكشح: كما ذكرته فى شرح هذه القصيدة، ما بين خاصرته الشريفة وأقصر ضلع من جنبه الشريف، وإنما فعل هذاﷺ- ليسكن بعض ألم الجوع، وإنما كان هذا الفعل مسكنا لأن كلب الجوع من شدة حرارة المعدة الغريزية، فهى إذا امتلأت من الطعام اشتغلت تلك الحرارة بالطعام، فإذا لم يكن فيها طعام طلبت رطوبات الجسم وجواهره، فيتألم الإنسان بتلك الحرارة فتتعلق بكثير من جواهر البدن، فإذا انضمت على المعدة الأحشاء والجلد خمدت نارها بعض الخمود فقل الألم.
وإنما تألمه بالجوع ليحصل به تضعيف الأجر مع حفظ قوته ونضارة جسمه، حتى إن من رآه لا يظن أن به جوعا، لأن جسمهﷺ- إنما كان يرى أشد نضارة من أجسام المترفين بالنعم فى الدنيا. وهذا المعنى هو الذى قصده الناظم بقوله «مترف الأدم» وهو من باب الاحتراس والتكميل، لأنه لما ذكر أنه شد من سغب. خاف أن يتوهم أن جسمه الشريف حينئذ يظهر فيه أثر الجوع فاحترس ورفع ذلك الإبهام بقوله: مترف الأدم.
وقد أنكر أبو حاتم بن حبان أحاديث وضع الحجر على بطنه الشريف من الجوع، وقال: إنها باطلة، متمسكا بحديث الوصال «لست كأحدكم إنى
[ ٢ / ١٥٢ ]
أطعم وأسقى» «١» قال: وإنما معناه: الحجز، بالزاى وهو طرف الإزار، لأن الله تعالى قد كان يطعم رسول اللهﷺ- ويسقيه إذا واصل، فكيف يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ وما يغنى الحجر عن الجوع. انتهى.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون عصب الحجر لعادة العرب أو أهل المدينة أنهم يفعلون ذلك إذا خلت أجوافهم وغارت بطونهم يشدون عليها حجرا ففعلﷺ- ذلك ليعلم أصحابه أنه ليس عنده ما يستأثر به عليهم.
والصواب: صحة الأحاديث، وأنهﷺ- فعل ذلك اختيارا للثواب.
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (١٩٦١) فى الصوم، باب: الوصال، ومسلم (١١٠٤) فى الصيام، باب: النهى عن الوصال فى الصوم، وابن حبان فى «صحيحه» (٣٥٧٩)، من حديث أنسرضي الله عنه-، وقال ابن حبان هذا الكلام عقب الحديث السابق.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وقد استشكل كونهﷺ- وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعا، مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق فى عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابى بقطيع من الغنم، وغير ذلك، مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبى بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه. وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه، وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك.
وأجاب عنه الطبرى- كما حكاه فى فتح البارى- أن ذلك كان منهم فى حالة دون حالة لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار وتارة لكراهة الشبع وكثرة الأكل، انتهى. وتعقب: بأن ما نفاه مطلقا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث وأخرج ابن حبان فى صحيحه عن عائشة: «من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم» «١»، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك إلى غير ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: والحق أن الكثير منهم كانوا فى حال ضيق قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم.
وقد قالﷺ-: «لقد أخفت فى الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت فى الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت على ثلاثون من يوم وليلة ما لى ولبلال طعام يأكله أحد إلا شىء يواريه إبط بلال» «٢» . رواه الترمذى وصححه.
_________________
(١) إسناده قوى: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٦٨٤)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوى.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٤٧٢) فى صفة القيامة والرقائق والورع، وابن ماجه (١٥١) فى المقدمة، باب: فى فضائل أصحاب رسول اللهﷺ-، من حديث أنسرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ٢ / ١٥٤ ]
نعم كانﷺ- يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط فى الدنيا له، كما أخرج الترمذى من حديث أبى أمامة، أن رسول اللهﷺ- قال: «عرض على ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا، يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» «١» وحكمة هذا التفصيل الاستلذاذ بالخطاب، وإلا فالله تعالى عالم بالأشياء جملة وتفصيلا.
وعن ابن عباس قال: كان رسول اللهﷺ- ذات يوم وجبريل على الصفا، فقال رسول اللهﷺ-: «يا جبريل والذى بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق، ولا كف من سويق»، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته فقال رسول اللهﷺ-: «أمر الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثنى إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرنى أن أعرض عليك أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة فإن رضيت فعلت، فإن شئت نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: بل نبيّا عبدا ثلاثا» «٢»، رواه الطبرانى بإسناد حسن.
فانظر إلى همته العلية كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها، ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها فى طاعة ربه، فأبى ذلك واختار العبودية المحضة، فيا لها من همة شريفة رفيعة ما أسناها ونفس زكية كريمة ما أبهاها، ولله در صاحب بردة المديح حيث قال:
وراودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فأراه أيما شمم
وأكدت زهده فيها ضرورته إن الضرورة لا تعدو على العصم
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٣٤٧) فى الزهد، باب: ما جاء فى الكفاف والصبر عليه، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
(٢) قلت: انظر «مجمع الزوائد» (٩/ ١٩، ٢٠) .
[ ٢ / ١٥٥ ]
أى كيف تدعو ضرورة سيد المعصومين إلى زخرف الدنيا، وهى وما فيها إنما برزت لأجله، فكيف يضطر إليها. لكن فى كلامه شىء، فإنه فى مقام المديح فلا يليق منه الوصف بالزهد ولا بالضرورة.
قال الحليمى فى شعب الإيمان: من تعظيم النبىﷺ- أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة، فلا يقال كان فقيرا.
وأنكر بعضهم إطلاق الزهد فى حقهﷺ-. وقد حكى صاحب «نثر الدر» عن محمد بن واسع أنه قيل له: فلان زاهد، قال: وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها. وقد ذكر القاضى عياض فى الشفاء، ونقله عنه الشيخ تقى الدين السبكى فى كتابه «السيف المسلول» أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقه الطليطلى وصلبه لاستخفافه بحق النبىﷺ- وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات لأكلها.
انتهى.
وقد ذكر الشيخ بدر الدين الزركشى عن بعض الفقهاء المتأخرين أنه كان يقول: لم يكن النبىﷺ- فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس بالله، قد كفى أمر دنياه فى نفسه وعياله، وكان يقول فى قولهﷺ-: «اللهم أحينى مسكينا» «١» إن المراد به استكانة القلب لا المسكنة التى هى أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته. وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك انتهى. وأما ما يروى أنهﷺ- قال: «الفقر فخرى وبه أفتخر» «٢» فقال شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر: هو باطل موضوع.
واعلم أنه لم يكن من عادته الكريمةﷺ- حبس نفسه الشريفة على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى سواه، فإن ذلك يضر بالطبيعة جدّا، ولو
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٣٥٢) فى الزهد، باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، من حديث أنسرضي الله عنه- وأخرجه ابن ماجه (٤١٢٦) فى الزهد، باب: مجالسة الفقراء، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (١٢٦١) .
(٢) باطل موضوع: قاله الحافظ ابن حجر كما فى «كشف الخفاء» (١٨٣٥) للعجلونى.
[ ٢ / ١٥٦ ]
أنه أفضل الأغذية، بل كانﷺ- يأكل مما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر وغيره مما سيأتى، فأكلﷺ- الحلوى والعسل وكان يحبهما «١»، رواه البخارى والترمذى، والحلوى: بالقصر والمد، كل حلو، وقال الخطابى: اسم الحلوى لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة، وقال ابن سيدة: ما عولج من الطعام بحلو، وقد يطلق على الفاكهة.
قال الخطابى: ولم يكن حبهﷺ- لها على معنى كثرة التشهى لها، وشدة نزاع النفس إليها، وإنما كان ينال منها إذا أحضرت إليه نيلا صالحا فيعلم بذلك أنها تعجبه، ووقع فى كتاب فقه اللغة للثعالبى: أن حلوى النبىﷺ- التى كان يحبها هى المجيع- بالميم والجيم، بوزن عظيم- وهو تمر يعجن بلبن، حكاه فى فتح البارى.
ولم يصح ورود أنهﷺ- كان يحب السكر ولا أنه تصدق به ولا أنه رآه. لكن أخرج أبو جعفر الطحاوى والبيهقى فى سننه من حديث لمازة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل: أن رسول اللهﷺ- حضر ملاك رجل من الأنصار، فجاءت الجوارى معهن الأطباق عليها اللوز والسكر فأمسك القوم أيديهم، فقالﷺ-: «ألا تنتهبون؟» قالوا: إنك نهيت عن النهبة، قال: «أما العرسان فلا» «٢»، قال: فرأيت النبىﷺ- يجاذبهم ويجاذبونه.
واحتج به الطحاوى على أن النثار غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة، وقضى به على الأحاديث الصحيحة التى فيها النهى عن النهبة. لكن
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٥٩٩) فى الأشربة، باب: الباذق، والترمذى (١٨٣١) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى حب النبىﷺ- الحلواء والعسل، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٢) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (٢٠/ ٩٧)، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٤/ ٥٦، ٢٩٠) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه حازم مولى بنى هاشم عن لمازة، وليس ابن زبار، هذا متأخر، ولم أجد من ترجمها وبقية رجاله ثقات، ورواه الطبرانى فى الأوسط أتم من هذا، بإسناد فيه بشر بن إبراهيم وهو وضاع، وهو غير هذا الإسناد.
[ ٢ / ١٥٧ ]
قال البيهقى بعد رواية الحديث: وهذا لا يثبت، ثم قال: وروى من حديث عائشة عنهﷺ-، ولا يثبت فى هذا المعنى شىء، وشنع على الطحاوى القول فى ذلك جدّا فى كتاب المعرفة وقال: الحديث إنما يروى عن عون بن عمارة وعصمة بن سليمان وكلاهما لا يحتج به، وشيخهما لمازة بن المغيرة مجهول، فهاتان علتان كل منهما منفردة توجب ضعف الحديث فكيف بهما مجتمعتان؟! هذا وخالد بن معدان منقطع ولا حجة فى منقطع. فهذه علل ثلاث يضعف الحديث بدونها. وقد أفرد الكلام على ذلك ابن مفلح اليوسفى والله أعلم.
وعن ليث بن أبى سالم قال: أول من خبص فى الإسلام عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما وبعث به إلى رسول اللهﷺ- فأكل فاستطابه. قال الطبرى فى الرياض: رواه خيثمة فى فضائل عثمان. وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان بن عفان عليه دقيق حوارى وسمن وعسل، فأتى بها النبىﷺ- فدعا فيها بالبركة ثم دعا ببرمة فنصبت على النار وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن ثم عصد حتى نضج أو كاد ينضج ثم أنزل فقالﷺ-: «كلوا هذا شىء تسميه فارس الخبيص» «١» قال الطبرى: خرجه تمام فى فوائده والطبرانى فى معجمه ورجاله ثقات. وأكلﷺ- لحم الضأن. وهذه الثلاثة- أعنى:
الحلوى والعسل واللحم. من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة.
«واللحم سيد طعام أهل الجنة»، وفى رواية «هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة» «٢»، رواه ابن ماجة وابن أبى الدنيا من حديث أبى الدرداء مرفوعا. وسنده ضعيف وله شواهد منها:
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ١١٢)، والطبرانى فى «الصغير» (٨٣٣)، من حديث عبد الله بن سلامرضي الله عنه-، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٣٧، ٣٨) وقال: رواه الطبرانى فى الثلاثة، ورجال الصغير والأوسط ثقات.
(٢) ضعيف جدّا: أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٥) فى الأطعمة، باب: اللحم، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجه»، وانظر «ضعيف الجامع» (٣٣٢٧) .
[ ٢ / ١٥٨ ]
عن على رفعه: سيد طعام الدنيا اللحم ثم الأرز، أخرجه أبو نعيم فى الطب النبوى. وأكل اللحم يزيد سبعين قوة. قاله الزهرى.
وعن على: أنه يصفى اللون ويحسن الخلق ومن تركه أربعين ليلة ساء خلقه. ولأبى الشيخ ابن حيان من رواية ابن سمعان قال: سمعت من علمائنا يقولون: كان أحب الطعام إلى رسول اللهﷺ- اللحم، وهو يزيد فى السمع، وهو سيد الطعام فى الدنيا والآخرة، ولو سألت ربى أن يعطمنيه كل يوم لفعل. وقال الإمام الشافعى: إن أكله يزيد فى العقل.
وكانﷺ- يعجبه الذراع ولذلك سم فيه، وعن أبى رافع أنه أهديت له شاة فجعلها فى قدر، فدخل رسول اللهﷺ- فقال: «ما هذا يا أبا رافع؟» فقال: شاة أهديت لنا يا رسول الله فطبختها فى القدر. قال: «ناولنى الذراع يا أبا رافع»، فناولته الذراع، ثم قال: «ناولنى الذراع الآخر»، فناولته الذراع الآخر، فقال: «ناولنى الذراع الآخر» فقال: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان فقال له رسول اللهﷺ-: «أما إنك لو سكت لناولتنى ذراعا فذراعا ما سكت»، ثم دعا بماء فمضمض فاه وغسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى «١» . الحديث رواه أحمد.
ورواه الدارمى والترمذى عن أبى عبيد بلفظ: طبخت لهﷺ- قدرا، وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال: «ناولنى الذراع»، فقلت: يا رسول الله وكم للشاة من ذراع؟ فقال: «والذى نفسى بيده لو سكت لناولتنى الذراع ما دعوت» .
وقالت عائشة: وكان الذراع أحب إليه، وكان لا يأكل اللحم إلا غبّا، وكان يعجل إليها لأنه أعجل نضجا «٢»، رواه الترمذى.
_________________
(١) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (٦/ ٨ و٣٩٢)، والطبرانى فى «الكبير» (١/ ٣٢٤ و٣٢٥) والحديث ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٣١١) وقال: رواه أحمد والطبرانى، ورواه فى الأوسط باختصار، وأحد إسنادى أحمد حسن.
(٢) منكر: أخرجه الترمذى (١٨٣٨) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى أى اللحم كان أحب إلى رسول اللهﷺ-، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» منكر.
[ ٢ / ١٥٩ ]
وكذلك كان يحب لحم الرقبة. فعن ضباعة بنت الزبير أنها ذبحت فى بيتها شاة، فأرسل إليها رسول اللهﷺ-: «أن أطعمينا من شاتكم»، فقالت: ما بقى عندنا إلا الرقبة، وإنى لأستحى أن أرسل بها إلى رسول اللهﷺ-. فرجع الرسول فأخبره، فقال: «ارجع إليها فقل لها: أرسلى بها فإنها هاربة الشاة وأقرب الشاة إلى الخير وأبعدها من الأذى» «١» .
ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع والعضد، وهو أخف على المعدة وأسرع انهضاما، وفى هذا أنه ينبغى مراعاة الأغذية التى تجمع ثلاث خواص: أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها فى القوى، الثانى: خفتها على المعدة وسرعة انحدارها عنها، الثالث: سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء.
وقالﷺ-: «أطيب اللحم لحم الظهر» «٢»، رواه الترمذى.
وأما الحديث أنهﷺ- كان يكره الكليتين لمكانهما من البول، فقال الحافظ العراقى رويناه فى جزء من حديث أبى بكر محمد بن عبد الله بن الشخير من حديث ابن عباس بإسناد فيه ضعف. انتهى.
وكانﷺ- ينتهش اللحم، أى يقبض عليه بفمه ويزيله من العظم أو غيره، وينتشله أى يقتلعه من المرق. والنهش بعد الانتشال.
وفى البخارى: أنهﷺ- احتز من كتف شاة فى يده، فدعى إلى الصلاة، فألقاها والسكين التى يحتز بها، ثم قال إلى الصلاة، ولم يتوضأ «٣» .
_________________
(١) أخرجه أحمد فى «المسند» (٦/ ٣٦٠)، والنسائى فى «الكبرى» (٦٦٥٨)، والطبرانى فى «الكبير» (٢٤/ ٣٣٧) .
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٨) فى الأطعمة، باب: أطايب اللحم، وأحمد فى «المسند» (١/ ٢٠٤)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ١٢٤) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠٧) فى الوضوء، باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، ومسلم (٢٥٤) فى الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-.
[ ٢ / ١٦٠ ]
قال ابن بطال: هذا الحديث يرد حديث أبى معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رفعته: «لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم وانهشوا فإنه أهنأ وأمرأ» «١» قال أبو داود وهو حديث ليس بالقوى.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى﵀-، له شاهد من حديث صفوان بن أمية. أخرجه الترمذى بلفظ: «انهشوا اللحم نهشا، فإنه أهنأ وأمرأ» «٢» وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم انتهى. قال: وعبد الكريم هو أبو أمية بن أبى المخارق، ضعيف، لكن أخرجه ابن أبى عاصم من وجه آخر عن صفوان بن أمية فهو حسن لكن ليس فيه ما زاده أبو معشر من التصريح بالنهى عن قطع اللحم بالسكين. وأكثر ما فى حديث صفوان أن النهش أولى. انتهى.
ويمكن الجمع: بأن النهش مما على العظم الصغير، والاحتزاز مما على الكبير. وأكلﷺ- الشواء، فعن أم سلمة أنها قربت إلى النبىﷺ- جنبا مشويّا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ «٣»، قال الترمذى: حسن صحيح. وأكلﷺ- القديد، كما فى حديث فى السنن عن رجل قال:
ذبحت لرسول اللهﷺ- شاة ونحن مسافرون. فقال: «أصلح لحمها»، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة «٤» وأكلﷺ- من الكبد المشوية. وأكل لحم الدجاج «٥» رواه الشيخان والترمذى وغيرهم. وأكل لحم حمار
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٧٧٨) فى الأطعمة، باب: فى أكل اللحم، من حديث عائشةرضي الله عنها-، وأخرجه الترمذى (١٨٣٥) فى الأطعمة، باب: ما جاء أنه قال: انهشوا اللحم نهشا، وأحمد فى «المسند» من حديث صفوان بن أميةرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(٢) ضعيف: وقد تقدم فيما قبله.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (١٨٢٩) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى أكل الشواء، والنسائى فى «الكبرى» (١٨٩)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (١٩٧٥) فى الأضاحى، باب: بيان ما كان من النهى عن أكل لحوم الأضاحى بعد ثلاث فى أول الإسلام.
(٥) صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه البخارى (٥٥١٧) فى الذبائح والصيد، -
[ ٢ / ١٦١ ]
الوحش «١» رواه الشيخان، وأكل لحم الجمل سفرا وحضرا. وأكل لحم الأرنب «٢» رواه الشيخان. وأكل من دواب البحر «٣» رواه مسلم.
وأكل الثريد- وهو بفتح المثلاثة- أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم. ومن أمثالهم: الثريد أحد اللحمين. وروى أبو داود من حديث ابن عباس قال: أحب الطعام إلى رسول اللهﷺ- الثريد من الخبز والثريد من الحيس «٤» . وأكلهﷺ- بالسمن، وأكل الخبز بالزيت.
وعن حذيفة أن النبىﷺ- قال: «إن جبريل أطعمنى الهريسة، يشد بها ظهرى لقيام الليل» «٥»، رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه محمد بن الحجاج اللخمى، وهو الذى وضع هذا الحديث.
وأكلﷺ- الدباء وكانت تعجبه، وكان يتتبعها من حوالى القصعة، قال أنس فلم أزل أحب الدباء من يومئذ «٦» . رواه مسلم. وقال النووى: فيه
_________________
(١) - باب: لحم الدجاج، ومسلم (١٦٤٩) فى الأيمان، باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، أن يأتى الذى هو خير، ويكفر عن يمينه، من حديث أبى موسى الأشعرىرضي الله عنه-.
(٢) قلت: الذى فى الصحيحين، أنه لم يأكل لأنه كان حرم، وهو يدل على إباحته، لأن ردهﷺ- لم يكن لحرمته، كما أنه قد أكل أمامه بأمره فى قصة أخرى، وكلتاهما فى الصحيحين، انظر صحيح البخارى (١٨٢١)، ومسلم (١١٩٦) من حديث أبى قتادةرضي الله عنه-، والبخارى (٢٥٩٦)، ومسلم (١١٩٣) من حديث الصعب بن جثامةرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه البخارى (٢٥٧٢) فى الهبة، باب: قبول هدية الصيد، ومسلم (١٩٥٣) فى الصيد والذبائح، باب: إباحة الأرنب، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٤) صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه مسلم (١٩٣٥) فى الصيد والذبائح، باب: إباحة ميتات البحر، من حديث جابررضي الله عنه-.
(٥) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٧٨٣) فى الأطعمة، باب: فى أكل الثريد، والحديث ضعفه أبو داود والشيخ الألبانى.
(٦) موضوع: ذكره الحافظ ابن حجر فى «اللسان» (٥/ ١١٦) فى ترجمة محمد بن الحجاج اللخمى، وحكم عليه بالوضع به.
(٧) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠٩٢) فى البيوع، باب: السهولة والسماحة فى الشراء والبيع، ومسلم (٢٠٤١) فى الأشربة، باب: جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين.
[ ٢ / ١٦٢ ]
أنه يستحب أن تحب الدباء وكذلك كل شىء كان يحبهﷺ-. وكذلك أكلﷺ- السلق مطبوخا بالشعير قال الترمذى: حديث حسن غريب.
وأتى الحسن بن على وابن عباس وابن جعفر إلى سلمى فقالوا: اصنعى لنا طعاما مما كان يعجب رسول اللهﷺ- ويحسن أكله: فقالت: يا بنى لا تشتهيه اليوم فقال: بلى اصنعيه لنا، فقامت فأخذت شيئا من الشعير فطحنته ثم جعلته فى قدر وصبت عليه شيئا من زيت ودقت الفلفل والتوابل فقربته إليهم فقالت: هذا مما كان يعجبهﷺ- ويحسن أكله. رواه الترمذى.
وأكلﷺ- الخزيرة- وهى بخاء معجمة مفتوحة ثم زاى مكسورة، وبعد التحتانية الساكنة راء- ما يتخذ من الدقيق على هيئة العصيدة، لكن أرق منها، قاله الطبرى. وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم، وقال القتبى وتبعه الجوهرى: أن يؤخذ اللحم فيقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهى عصيدة. وقيل: مرقة تصفى من بلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة بالإعجام من النخالة، والحريرة- يعنى بالإهمال- من اللبن.
وقال عتبان: غدا على رسول اللهﷺ- وأبو بكر حين ارتفع النهار، وحبسناه على خزير صنعناه «١» وأكلﷺ- الأقط «٢»، قاله ابن عباس فيما رواه وهو جبن اللبن المستخرج زبده، أكلته وهو كثير بمكة والمدينة زادهما الله شرفا، وهو أشبه شىء بالكشك. وأكلﷺ- الرطب والتمر والبسر. رواه مسلم والترمذى وغيرهما.
وأكل الكباث «٣» . رواه مسلم، وهو بفتح الكاف وتخفيف الموحدة وبعد
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (١١٨٦) فى التطوع، باب: صلاة النوافل جماعة، ومسلم (٢٦٣) فى المساجد، باب: الرخصة فى التخلف عن الجماعة بعذر.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٥٧٥) فى الهبة، باب: قبول الهدية، ومسلم (١٩٤٧) فى الصيد والذبائح، باب: إباحة العنب، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-:
(٣) قلت: هو فى الصحيحين الأمر بأكل الأسود منه لأنه أطيبه، والحديث أخرجه البخارى (٣٤٠٦) فى أحاديث الأنبياء، باب: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ، ومسلم (٢٠٥٠) فى الأشربة، باب: فضيلة الأسود من الكباث، من حديث جابررضي الله عنه- و(الكباث) شىء يشبه التين.
[ ٢ / ١٦٣ ]
الألف مثلاثة، النضيج من تمر الأراك. وقيل ورق الأراك، وتعقبه الإسماعيلى فقال: إنما هو تمر الأراك وهو البرير- بموحدة بوزن الحرير- فإذا اسود فهو الكباث. وفى النهاية لابن الأثير؛ أنهﷺ- كان يحب الجذب- بالجيم والذال المعجمة المفتوحتين- أى الجمار، وهو شحم النخل واحدتها جذبة.
وأما الجبن، ففى السنن من حديث ابن عمر قال: أتى النبىﷺ- بجبنة فى تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع «١» رواه أبو داود.
وكانﷺ- يراعى صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان فى أحد الطعامين ما يحتاج إلى كسر وتعديل كسره وعدله بضده إن أمكن، كتعديله حرارة الرطب بالبطيخ. وهذا أصل كبير فى المركبات من الأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف. وروى أبو داود من حديث أبى أسامة عن هشام أنهﷺ- كان يأكل البطيخ بالرطب، ويقول يكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا «٢» . ورواه يزيد بن رومان عن الزهرى عن عروة بتقديم «الطاء» كما للنوقانى، وبتأخيرها كما للنسائى فى الوليمة، فكأنه عند هشام باللفظين.
وكذا رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث محمد بن عبد الرحمن عن الإمام أحمد بن حنبل عن وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبى، سمعت حميدا يحدث عن أنس أن النبىﷺ- كان يأكل الطبيخ أو البطيخ بالرطب، وقال عقبة: الشك من أحمد «٣» . وتقديم الطاء لغة حكاها صاحب المحكم.
وقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ لأنه لم ينقل كيفية أكل رسول اللهﷺ- له. وروى الطبرانى فى الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر
_________________
(١) حسن: أخرجه أبو داود (٣٨١٩) فى الأطعمة باب: أكل الجبن، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (٣٨٣٦) فى الأطعمة، باب: فى الجمع بين لونين فى الأكل، والترمذى (١٨٤٣) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى أكل البطيخ بالرطب من حديث عائشةرضي الله عنها- والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) صحيح: وهو عند ابن حبان فى «صحيحه» (٥٢٤٨)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط، إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٢ / ١٦٤ ]
قال: رأيت فى يمين النبىﷺ- قثاء وفى شماله رطبا وهو يأكل من ذا مرة، ومن ذا مرة «١»، وفى سنده ضعف. وأخرج فيه، وفى الطب لأبى نعيم من حديث أنس. كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه. وسنده ضعيف أيضا.
وأخرج النسائى بسند صحيح عن حميد عن أنس: رأيت رسول اللهﷺ- يجمع بين الرطب والخربز- «٢» وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاى- نوع من البطيخ الأصفر. وفى هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ فى الحديث الأخضر، واعتلوا بأن الأصفر فيه حرارة كما فى الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفئ الآخر. والجواب عن ذلك بأن فى الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم.
وفى رواية النسائى أيضا، بسند صحيح عن عائشة أن نبى اللهﷺ- أكل البطيخ والرطب جميعا «٣» . وأخرج ابن ماجه عن عائشة: أرادت أمى معالجتى للسمنة لتدخلنى على رسول اللهﷺ- فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت كأحسن سمنة «٤» . ورواه النسائى وقال:
بالتمر، مكان الرطب. وأما فضائل البطيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النوقاتى فى جزء كما قال الحافظ والله أعلم.
وقد كانﷺ- يأكل التمر بالزبد ويعجبه. فعن عبد الله وعطية ابنى بسر، قالا: دخل علينا رسول اللهﷺ- فقدمنا له زبدا وتمرا، وكان يحب
_________________
(١) ضعيف جدّا: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٩/ ١٧٠) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه أصرم بن حوشب، وهو متروك.
(٢) صحيح: أخرجه البغدادى فى «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٠)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٩١٦) وعزاه فيه لأحمد والترمذى فى الشمائل والنسائى.
(٣) حسن: وقد تقدم قريبا.
(٤) صحيح: والحديث أخرجه أبو داود (٣٩٠٣) فى الطب، باب: فى السمنة، والنسائى فى «الكبرى» (٦٧٢٥)، وابن ماجه (٣٣٢٤) فى الأطعمة، باب: القثاء والرطب يجمعان، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٦٥ ]
الزبد والتمر»
. رواه أبو داود وابن ماجه. وسمى النبىﷺ- اللبن والتمر الأطيبين «٢» . رواه أحمد. وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما، فتارة يأدمه باللحم ويقول: هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة، وتارة بالبطيخ، وتارة بالتمر، فإنه وضع تمرة على كسرة من خبز الشعير، وقال: «هذه إدام هذه» «٣»، رواه أبو داود والترمذى بسند حسن من حديث يوسف بن عبد الله ابن سلام قال: رأيت النبىﷺ- أخذ فذكره. قال ابن القيم: وهذا من تدبير الغذاء، فإن الشعير بارد يابس، والتمر حار رطب- على أصح القولين- فإدام خبز الشعير به من أحسن التدبير. وتارة بالخل، ويقول: نعم الأدم الخل «٤» رواه مسلم، وتقدم.
قال الخطابى والقاضى عياض: معناه مدح الاقتصاد فى المأكل، ومنع النفس من ملاذ الأطعمة، تقديره: ائتدموا بالخل وما فى معناه مما تخفف مؤنته ولا يعز وجوده، ولا تنافسوا فى الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن.
وتعقبه النووى فقال: الذى ينبغى أن يجزم به، أنه مدح للخل نفسه، وأما الاقتصاد فى المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر. انتهى. وقال ابن القيم: هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيله على غيره كما ظنه بعضهم، قال: وسبب الحديث أنه دخل على أهله يوما فقدموا له خبزا فقال: «ما من أدم؟» فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فقال: «نعم الأدم الخل» والمقصود أن أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما، وسمى الأدم أدما لإصلاحه الخبز وجعله ملائما لحفظ الصحة،
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٣٧) فى الأطعمة، باب: فى الجمع بين لونين فى الأكل، وابن ماجه (٣٣٣٤) فى الأطعمة، باب: التمر بالزبد، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٩٢١) .
(٢) أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ٤٧٤) عن رجل من الصحابة.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٢٥٩ و٣٢٦٠) فى الأيمان والنذور، باب: الرجل يحلف أن لا يتأدم، و(٣٨٣٠) فى الأطعمة، باب: فى التمر، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(٤) صحيح: وقد تقدم.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وليس فى هذا تفضيل له على اللبن واللحم والعسل والمرق، ولو حضر لحم أو لبن لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرا وتطييبا لقلب من قدمه له، لا تفضيلا له على سائر أنواع الأدم.
وكانﷺ- يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمى عنها.
وهذا من أكبر أسباب الصحة، فإن الله سبحانه بحكمته جعل فى كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها فى وقته، فيكون تناوله من أسباب صحتهم وعافيتهم، ويغنى عن كثير من الأدوية، وقل من احتمى عن فاكهة بلدة خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسما وأبعدهم من الصحة والقوة، فمن أكل منها ما ينبغى فى الوقت الذى ينبغى، على الوجه الذى ينبغى كان له دواء نافعا.
وقد روى ابن عباس قال: رأيت رسول اللهﷺ- يأكل العنب خرطا «١» . رويناه فى الغيلانيات. لكن قال أبو جعفر العقيلى- كما حكاه فى الهدى- لا أصل لهذا الحديث. قال ابن الأثير: يقال خرط العنقود واخترطه إذا وضعه فى فيه ثم يأخذ حبه ويخرج عرجونه عاريا منه. قال: وجاء فى بعض الروايات خرصا- بالصاد بدل الطاء-.
وأما البصل فروى أبو داود فى سننه عن عائشة أنها سئلت عن البصل فقالت: إن آخر طعام أكله رسول اللهﷺ- فيه بصل «٢» . وثبت عنه فى الصحيحين أنه منع آكله من دخول المسجد «٣» . وكانﷺ- يترك الثوم دائما
_________________
(١) موضوع: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٣٨) وقال: رواه الطبرانى، وفيه زياد بن المنذر، وهو كذاب. اه. قلت: وانظر «ضعيف الجامع» (٤٥٢٠) .
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٨٢٩) فى الأطعمة، باب: فى أكل الثوم، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٨٩)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(٣) صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه البخارى (٨٥٤) فى الأذان، باب: ما جاء فى الثوم النىء والبصل والكراث، ومسلم (٥٦٤) فى المساجد، باب: نهى من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح، من حديث جابررضي الله عنه-، وفى الباب عن غيره من الصحابة.
[ ٢ / ١٦٧ ]
لأنه يتوقع مجىء الملائكة والوحى كل ساعة. قال النووى: واختلف أصحابنا فى حكم الثوم فى حقهﷺ- وكذلك البصل والكراث ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هى محرمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه وليست محرمة لعموم قولهﷺ-: «لا» فى جواب: أحرام هى؟ «١» ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث: ليس بحرام فى حقكم. انتهى. فينبغى لمحبه موافقتهﷺ- فى ترك الثوم ونحوه، وكراهة ما كان يكرههﷺ-، فإن من أوصاف المحب الصادق أن يحب ما أحب محبوبه ويكره ما يكرهه.
وكانﷺ- يأكل بأصابعه الثلاث «٢» . رواه الترمذى فى الشمائل وهذا- كما فى الهدى- أنفع ما يكون من الأكلات، فإن الأكل بأصبع أكل المتكبر، ولا يستلذ به الآكل ولا يمريه ولا يشبعه إلا بعد طول، ولا يفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها فى كل أكلة فيأخذها على إغماض كما يأخذ الرجل حقه حبة حبة أو نحو ذلك، فلا يلتذ بأخذه، والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على الآلة وعلى المعدة، وربما استدت الآلات فمات، وتغصب الآلات على دفعه، والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكلهﷺ-، وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاثة.
وكانﷺ- يلعق أصابعه إذا فرغ ثلاثا: رواه الترمذى فى الشمائل.
وفى رواية مسلم ويلعق يده قبل أن يمسحها. وفى رواية أنه أمر بلعق الأصابع والصحفة «٣» . وقد روى الترمذى عن أم عاصم قالت: دخل علينا نبيشة الخير، ونحن نأكل فى قصعة فحدثنا أن رسول اللهﷺ- قال: «من أكل
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه مسلم (٥٦٥) فيما سبق، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: والحديث أخرجه مسلم (٢٠٣٢) فى الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع والقصعة، وأبو داود (٣٨٤٨) فى الأطعمة، باب: فى المنديل، من حديث كعب بن مالكرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: وهو إحدى روايات حديث مسلم السابق.
[ ٢ / ١٦٨ ]
فى قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة» «١»، وكذا أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن شاهين والدارمى وغيرهم. وقال الترمذى: إنه حديث غريب. وأورده بعضهم بلفظ: تستغفر الصحفة للاحسها. وفى حديث جابر مرفوعا عن أبى الشيخ فى الثواب: «من أكل ما يسقط من الخوان أو القصعة أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف عن ولده الحمق» «٢» . وللديلمى من طريق الرشيد عن آبائه عن ابن عباس رفعه؛ «من أكل ما يسقط من المائدة خرج ولده صباح الوجوه، ونفى عنه الفقر» «٣» .
وأورده الغزالى فى الإحياء بلفظ: «عاش فى سعة وعوفى فى ولده» وكلها مناكير.
لكن فى مسلم عن جابر وأنس مرفوعا: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه لأنه لا يدرى فى أى طعامه البركة» «٤» . وفى حديث كعب بن عجرة عند الطبرانى فى الأوسط صفة لعق الأصابع، ولفظه:
رأيت رسول اللهﷺ- يأكل بأصابعه الثلاث، بالإبهام والتى تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، الوسطى ثم التى تليها ثم الإبهام «٥» . قال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثا لأنها أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها أول ما ينزل الطعام. وقد وقع فى مرسل ابن شهاب
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الترمذى (١٨٠٤) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى اللقمة تسقط، وابن ماجه (٣٢٧١ و٣٢٧٢) فى الأطعمة، باب: تنقية الصحفة، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٧٦)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
(٢) ضعيف: أخرجه الحسن بن معروف فى فضائل بنى هاشم، والخطيب وابن النجار عن ابن عباس، كما فى «كنز العمال» (٤٠٨٢٣)، وانظر «كشف الخفاء» (٢٣٩٣) .
(٣) تقدم فيما قبله.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٣٣) فى الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع والقصعة من حديث جابررضي الله عنه-، وأخرجه مسلم (٢٠٣٤) من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٥) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٢٨) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه الحسن بن إبراهيم الأوبى، ومحمد بن كعب بن عجرة ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.
[ ٢ / ١٦٩ ]
عند سعيد بن منصور أن النبىﷺ- كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين ما تقدم باختلاف الحال. وقد جاءت علة اللعق مبينة- فى بعض الروايات- أنه لا يدرى أحدكم فى أى طعامه البركة. وفى الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذارا ممن ينسب للرياسة والإمرة فى الدنيا. نعم، يحصل ذلك لو فعله أثناء الأكل لأنه يعيد أصابعه فى الطعام، وعليها أثر ريقه.
قال الخطابى: عاب قوم أفسد عقلهم الترفه لعق الأصابع، وزعموا أنه مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذى علق بالأصابع والصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرا، وليس فى ذلك أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل أن لا بأس بذلك، فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصبعه فى فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه، ثم لم يقل أحد إن ذلك قذارة وسوء أدب، انتهى. ولا ريب أن من استقذر ما نسب إلى رسول اللهﷺ- سيىء الأدب، يخشى عليه أمر عظيم، فنسأل الله بوجاهة وجهه الكريم أن لا يسلك بنا غير حلاوة سبيل سنته وأن يديم لنا محبته. وقد كانﷺ- لا يأكل متكئا، لما صح أنه قال «لا آكل متكئا» «١» . رواه البخارى. وقال: «إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد» «٢» . وروى ابن ماجه والطبرانى بإسناد حسن قال: أهديت للنبىﷺ- شاة، فجثا على ركبتيه يأكل فقال له أعرابى: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله جعلنى كريما ولم يجعلنى جبارا عنيدا» «٣» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٣٩٨ و٥٣٩٩) فى الأطعمة، باب: الأكل متكئا، من حديث أبى جحيفةرضي الله عنه-.
(٢) تقدم.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٧٧٣) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الأكل من أعلى الصحفة، وابن ماجه (٣٢٦٣) فى الأطعمة، باب: الأكل متكئا، من حديث عبد الله بن بسررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
[ ٢ / ١٧٠ ]
قال ابن بطال: إنما فعل ذلك النبىﷺ- تواضعا لله، ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهرى قال: أتى النبىﷺ- ملك لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال: «بل عبدا نبيّا» قال فما أكل متكئا «١» .
وهذا مرسل أو معضل، وقد وصله النسائى من طريق الزبيدى عن الزهرى عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال: ما رؤى النبىﷺ- يأكل متكئا قط. وأخرج ابن أبى شيبة عن مجاهد قال: ما أكل النبىﷺ- متكئا إلا مرة واحدة. ويمكن الجمع بأن تلك المرة التى فى أثر مجاهد لم يطلع عليها عبد الله بن عمرو. فقد أخرج ابن شاهين «فى ناسخه» من مرسل عطاء بن يسار: أن جبريل رأى النبىﷺ- يأكل متكئا فنهاه، وروى ابن ماجه أنهﷺ- نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه «٢» . وقد فسر القاضى عياض فى الشفاء الاتكاء بالتمكن للأكل والتقعدد للجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التى يعتمد فيها الجالس على ما تحته. قال:
والجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل ويستكثر منه. والنبىﷺ- إنما كان جلوسه للأكل المستوفز مقعيا. قال: وليس معنى الحديث فى الاتكاء الميل على شق عند المحققين انتهى. والإقعاء: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره، وهو المنهى عنه فى الصلاة.
وتفسير القاضى عياض الاتكاء بما فسره به حكاه فى الإكمال عن الخطابى، وقال: إن الخطابى خالف فى هذا التأويل أكثر الناس، وأنهم إنما حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين. انتهى. والذى رأيته يعزى للخطابى: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه وليس كذلك،
_________________
(١) تقدم.
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (٣٧٧٤) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الجلوس على مائدة عليها بعض ما يكره، وابن ماجه (٣٣٧٠) فى الأطعمة، باب: النهى عن الأكل منبطحا، من حديث عبد الله بن عمررضي الله عنهما-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
[ ٢ / ١٧١ ]
بل هو المعتمد على الوطاء الذى تحته. انتهى. وقد فسر أيضا بالميل على أحد الشقين، وبه فسر ابن الجوزى: وقيل هو الاعتماد على الشىء، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض. وقد أخرج ابن عدى بسند ضعيف: زجر النبىﷺ- أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل. قال الإمام مالك: هو نوع من الاتكاء، قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى: وفى هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئا، ولا يختص بصفة بعينها، وحكى ابن الأثير فى النهاية أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب. وقال ابن القيم: إنه يضر بالآكل، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعى عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء.
وأما الاعتماد على الشىء فهو جلوس الجبابرة المنافى للعبودية، ولهذا قالﷺ-: «آكل كما يأكل العبد» «١» . وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائل والوطاء الذى تحت الجالس- كما ذكرته عن الخطابى- فيكون المعنى: أنى إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام، لكنى آكل بلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزا.
وفى حديث أنس أنهﷺ- أكل تمرا وهو مقع «٢»، من الجوع. وفى رواية: وهو محتفز. والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن. واختلف السلف فى حكم الأكل متكئا، فزعم ابن القاص: أن ذلك من خصائصهﷺ-.
وتعقبه السهيلى فقال: قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئا لم يكن فى ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة.
_________________
(١) تقدم.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٧٧١) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الأكل متكئا، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٧٢ ]
قال فى فتح البارى: وفى الحمل نظر، وقد أخرج ابن أبى شيبة عن ابن عباس وخالد بن الوليد ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار وغيرهم جواز ذلك مطلقا، وإذا ثبت كونه مكروها أو خلاف الأولى، فالمستحب فى صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى. انتهى.
وقال ابن القيم: ويذكر عنهﷺ- أنه كان يجلس للأكل متوركا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعاﷺ- لله ﷿ وأدبا بين يديه. قال وهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعى الذى خلقها الله تعالى عليه.
انتهى. وأخرج ابن أبى شيبة من طريق إبراهيم النخعى قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاة مخافة أن تعظم بطونهم.
وكانﷺ- إذا وضع يده فى الطعام يسمى الله تعالى «١» . وأما قول النووى فى آداب الأكل من الأذكار: والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت السنة. فقال فى فتح البارى: لم أر لما أدعاه من الأفضلية دليلا خاصا. وكانﷺ- يحمد فى آخره فيقول:
«الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا» «٢» رواه الترمذى. وقوله: «غير مودع» بفتح الدال الثقيلة- أى غير متروك. ولا مستغنى: بفتح النون. وربنا: بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى: هو ربنا؛ ويجوز النصب على المدح، أو الاختصاص، أو إضمار أعنى. وقال ابن الجوزى: بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء.
وفى رواية: «الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» «٣» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٤/ ٣٣٧) عن رجل خدم النبىﷺ- ثمان سنين، وله شاهد صحيح من أمره لغلام وسيأتى.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٤٥٨ و٥٤٥٩) فى الأطعمة، باب: ما يقول إذا فرغ من طعامه، من حديث أبى أمامةرضي الله عنه-.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٨٥٠) فى الأطعمة، باب: ما يقول الرجل إذا طعم، والترمذى (٣٤٥٧) فى الدعوات، باب: ما يقول إذا فرغ من الطعام، وابن ماجه (٣٢٨٣) فى-
[ ٢ / ١٧٣ ]
وللنسائى من طريق عبد الرحمن بن جبير المصرى أنه حدثه رجل خدم النبىﷺ- ثمان سنين له كان يسمع النبىﷺ- إذا قرب إليه طعام يقول:
«بسم الله»، فإذا فرغ قال: «اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت» «١» وسنده صحيح.
وقد كانﷺ- يحب التيامن من شأنه كله «٢»، وقالﷺ-: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» «٣» . قال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالى ثم النووى. لكن نص الشافعى فى الرسالة وفى موضع آخر من الأم على الوجوب، كذا ذكر عنه الصيرفى فى شرح الرسالة. ونقل البويطى فى مختصره: أن الأكل من رأس الثريد، والتعريس على الطريق، والقران فى التمر حرام. ومثل البيضاوى فى منهاجه للندب بقوله: «كل مما يليك» وتعقبه الشيخ تاج الدين بن السبكى فى شرحه: بأن الشافعى نص فى غير هذا الموضع على أن من أكل مما لا يليه عالما بالنهى كان عاصيا آثما، قال: وقد جمع والدى نظائر هذه المسألة فى كتاب له سماه «كشف اللبس عن المسائل الخمس» ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب.
قال شيخ الإسلام ابن حجر: بعد أن ذكر ذلك: ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد فى الأكل بالشمال، ففى صحيح مسلم أن النبى
_________________
(١) - الأطعمة، باب: ما يقال إذا فرغ من الطعام، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٢ و٩٨ و٢٥٣) من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه- والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٤٣٦) .
(٢) تقدم قريبا.
(٣) قلت: ورد ذلك فى حديث أخرجه البخارى (٤٢٦) فى الصلاة، باب: التيمن فى دخول المسجد وغيره، ومسلم (٢٦٨) فى الطهارة، باب: التيمن فى الطهور وغيره، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٣٧٦) فى الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، والأكل باليمين، ومسلم (٢٠٢٢) فى الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، من حديث عمر بن أبى سلمةرضي الله عنهما-.
[ ٢ / ١٧٤ ]
- ﷺ- رأى رجلا يأكل بشماله فقال: «كل بيمينك» فقال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت» «١» فما رفعها إلى فيه بعد فإن قلت: إنهﷺ- كان يتتبع الدباء من حوالى القصعة وهو يعارض الأكل مما يلى: فالجواب: أنه يحمل الجواز على ما إذا علم رضى من يأكل معه، فإذا علم كراهة من يأكل معه لذلك لم يأكل إلا مما يليه. قال ابن بطال: وإنما جالت يد رسول اللهﷺ- فى الطعام، لأنه علم أن أحدا لا يتكره ذلك منه ولا يتقذره، بل كانوا يتبركون بريقه وبما مسه بيده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها. وقال غيره: إنما فعل ذلك لأنه كان يأكل وحده. وهو غير مسلّم، لأن أنسا أكل معهﷺ-. وحديث عكراش عند الترمذى: الذى فيه التفصيل بين ما إذا كان لونا واحدا فلا يتعدى ما يليه، أو أكثر من لون فيجوز، ضعيف والله أعلم.
وقرب إليهﷺ- طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» «٢» رواه الترمذى. وفى رواية له: أنهﷺ- قال: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» «٣» . فيحمل الوضوء الأول على الشرعى والثانى على اللغوى. وروى أبو يعلى بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذى من حذاءه.
ولم يكنﷺ- يأكل طعاما حارا، فروى الطبرانى فى الصغير والأوسط من حديث بلال بن أبى هريرة عن أبيه أن النبىﷺ- أتى
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٢١) فيما سبق، من حديث سلمة بن الأكوعرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٣٧٤) فى الحيض، باب: جواز أكل المحدث الطعام، وأنه لا كراهة فى ذلك، وأبو داود (٣٧٦٠) فى الأطعمة، باب: فى غسل اليدين عند الطعام، والترمذى (١٨٤٧) فى الأطعمة، باب: فى ترك الوضوء قبل الطعام، والنسائى (١/ ٨٥) فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٧٦١) فى الأطعمة، باب: فى غسل اليد قبل الطعام، والترمذى (١٨٤٦) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الوضوء قبل الطعام وبعده، من حديث سلمانرضي الله عنه-، وقال أبو داود عقبه: وهو ضعيف.
[ ٢ / ١٧٥ ]
بصحفة تفور، فقال: «إن الله لم يطعمنا نارا» «١» قال: وبلال قليل الرواية عن أبيه. انتهى. وعند أبى نعيم فى الحلية، من حديث أنس مرفوعا: كان يكره الكى والطعام الحار ويقول: «عليكم بالبارد فإنه ذو بركة، ألا وإن الحار لا بركة له» «٢» الحديث. ولأحمد وأبى نعيم من حديث أسماء أنها كانت إذا ثردت غطته بشىء حتى يذهب فوره ثم تقول: إنى سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «هو أعظم بركة» «٣» . لكن عند البيهقى- بسند صحيح- عن أبى هريرة قال: أتى النبىﷺ- بطعام سخن فقال: «ما دخل بطنى طعام سخن منذ كذا وكذا قبل اليوم» «٤» .
وكان لهﷺ- قدح من خشب مضبب بحديد، قال أنس لقد سقيتهﷺ- بهذا القدح الشراب كله: الماء والنبيذ والعسل. وفى البخارى عن سهل بن سعد قال: أقبل النبىﷺ- حتى جلس فى سقيفة بنى ساعدة هو وأصحابه، ثم قال «اسقنا يا سهل» فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه «٥»، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له. الحديث. وكان عمر بن عبد العزيز قد ولى حينئذ إمرة المدينة.
وعند البخارى من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبىﷺ- عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة. قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، وقال: قال أنس: لقد سقيت رسول اللهﷺ- فى هذا القدح أكثر من كذا وكذا «٦»، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة
_________________
(١) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٢٠) وقال: رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط، وفيه عبد الله بن يزيد البكرى، ضعفه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات.
(٢) ضعيف جدّا: أخرجه أبو نعيم فى «الحلية» (٨/ ٢٥٢)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٦٠٦) .
(٣) ضعيف: أخرجه أبو نعيم فى «الحلية» (٨/ ١٧٧)، وانظر «كشف الخفاء» للعجلونى (٣٦) .
(٤) أخرجه البيهقى فى «السنن الكبرى» (٧/ ٢٨٠) .
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦٣٧) فى الأشربة، باب: الشرب من قدح النبىﷺ-، ومسلم (٢٠٠٧) فى الأشربة، باب: إباحة النبيذ الذى لم يشتد ولم يصر مسكرا.
(٦) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٥٦٣٨) فى الأشربة، باب: الشرب من قدح النبىﷺ- وآنيته.
[ ٢ / ١٧٦ ]
من حديث فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول اللهﷺ- وتركه.
وعنده: فى فرض الخمس من طريق أبى حمزة السكرى عن عاصم قال: رأيت القدح وشربت منه. وأخرجه أبو نعيم من طريق على بن الحسن ابن شقيق عن أبى حمزة، ثم قال: قال على بن الحسن وأنا رأيت القدح وشربت منه. وذكر القرطبى فى مختصر البخارى أنه رأى فى بعض النسخ القديمة من البخارى: قال أبو عبد الله البخارى: - رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت فيه، وكان اشترى من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف. ووقع عند أحمد من طريق شريك عن عاصم: رأيت عند أنس قدح النبىﷺ- فيه ضبة من فضة. وقوله من نضار- بضم النون وبالضاد المعجمة- الخالص من العود ومن كل شىء ويقال: أصله من شجر النبع، وقيل: من الأثل ولونه يميل إلى الصفرة. ولم يأكلﷺ- على خوان ولا أكل خبزا مرققا «١»، رواه الترمذى. والخوان- بكسر المعجمة ويجوز ضمها- المائدة ما لم يكن عليها طعام، وأما السفرة: فاشتهرت لما يوضع عليه الطعام. وكانﷺ- ينهى عن النوم على الأكل، ويذكر أنه يقسى القلب، ذكره أبو نعيم، ولذا قال الأطباء- كما فى الهدى «٢» - من أراد حفظ الصحة فليمش بعد العشاء ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه فإنه يضر جدّا، والصلاة بعد الأكل تسهل هضمه.
وأما شربهﷺ- فقد كان يستعذب له الماء، أى يطلب له الماء الحلو.
قالت عائشة: كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا «٣» . رواه أبو داود. وهى- بضم المهملة وبالقاف- وهى عين بينها وبين المدينة يومان.
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم.
(٢) هو كتاب «زاد المعاد فى هدى خير العباد» لابن القيم﵀-، وهو كتاب مشهور فى بابه.
(٣) حسن: أخرجه أبو داود (٣٧٣٥) فى الأشربة، باب: فى إسكاء الآنية، وأحمد فى «المسند» (٦/ ١٠٨)، وابن حبان فى «صحيحه» (٥٣٣٢)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوى.
[ ٢ / ١٧٧ ]
قال ابن بطال: واستعذاب الماء لا ينافى الزهد، ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك لما فيه من السرف. وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح قد فعله الصالحون. وليس فى شرب الماء المالح فضيلة. وقد كانﷺ- يشرب العسل الممزوج بالماء البارد.
قال ابن القيم: وفى هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدى إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شرب العسل ولعقه على الريق يزيل البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال ويفتح سددها، والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن. وقالت عائشة: كان أحب الشراب إليهﷺ- الحلو البارد «١» . رواه الترمذى. ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذى نقع فيه التمر والزبيب. وكان ينبذ له أول الليل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التى تجىء، والغد إلى العصر، فإن بقى شىء سقاه الخدام أو أمر به فصب «٢» . رواه مسلم.
وهذا النبيذ: هو ماء يطرح فيه تمر يحليه، وله نفع عظيم فى زيادة القوة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره إلى الإسكار. وكانﷺ- يشرب اللبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد، لأن اللبن عند الحلب يكون حارا، وتلك البلاد فى الغالب حارة، فكان يكسر حر اللبن بالماء البارد. وعن جابر أنهﷺ- دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب له، فسلم فرد الرجل وهو يحول الماء فى حائطه، فقالﷺ-: «إن كان عندك ماء بات فى شنه وإلا كرعنا» فقال: عندى ماء بات فى شن، فانطلق إلى العريش فسكب فى قدح ثم حلب عليه من لبن داجن، فشربﷺ- «٣» الحديث. رواه البخارى.
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (١٨٩٥) فى الأشربة، باب: ما جاء أى الشراب كان أحب إلى رسول اللهﷺ-، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٨ و٤٠)، والحديث أعله الترمذى بالإرسال، وصححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٠٤) فى الأشربة، باب: إباحة النبيذ الذى لم يشتد ولم يصر مسكرا، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦١٣) فى الأشربة، باب: شرب اللبن بالماء.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وكانﷺ- يقول: «ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن» «١» قال الترمذى: حديث حسن.
وللترمذى أيضا: عن ابن عمر مرفوعا: «ثلاثة لا ترد: اللبن والوسادة والدهن» «٢» وأنشد بعضهم:
قد كان من سيرة خير الورى صلى عليه الله طول الزمن
أن لا يرد الطيب والمتكا واللحم أيضا يا أخى واللبن
قال ابن القيم: ولم يكنﷺ- يشرب على طعامه لئلا يفسده، ولا سيما إن كان الماء حارا أو باردا إنه ردىء جدّا. انتهى. وكانﷺ- يشرب قاعدا وكان ذلك عادته. رواه مسلم. وفى رواية له أيضا: أنه نهى عن الشرب قائما «٣» وفى رواية له أيضا عن أبى هريرة: «لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسى فليستقىء» «٤» . وفى الصحيحين من حديث ابن عباس قال: أتيت النبىﷺ- بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم «٥» . وفى حديث على عند البخارى: أنه شرب وهو قائم، ثم قال: «إن أناسا يكرهون الشرب قائما، وإن النبىﷺ- صنع مثل ما صنعت» «٦» .
وكل هذه الأحاديث صحيحة ولا إشكال فيها ولا تعارض، وغلط من
_________________
(١) حسن: أخرجه أبو داود (٣٧٣٠) فى الأشربة، باب: ما يقول إذا شرب اللبن، والترمذى (٣٤٥٥) في الدعوات، باب: ما يقول إذا أكل طعاما، وأحمد فى «المسند» (١/ ٢٢٥) من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣٨١) .
(٢) حسن: أخرجه الترمذى (٢٧٩٠) فى الأدب، باب: ما جاء فى كراهية رد الطيب، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣٠٤٦) .
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٢٥) فى الأشربة، باب: كراهية الشرب قائما، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٢٦) فيما سبق، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (١٦٣٧) فى الحج، باب: ما جاء فى زمزم، ومسلم (٢٠٢٧) فى الأشربة، باب: فى الشرب من زمزم قائما.
(٦) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦١٥ و٥٦١٦) فى الأشربة، باب: الشرب قائما.
[ ٢ / ١٧٩ ]
زعم أن فيها نسخا، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، والصواب: أن النهى محمول على كراهة التنزيه، وأما شربهﷺ- قائما فلبيان الجواز. فإن قلت: كيف يكون الشرب قائما مكروها، وقد فعلهﷺ-؟ فالجواب: أن فعلهﷺ- إذا بيانا للجواز لا يكون مكروها، بل البيان واجب عليهﷺ-. وأما قولهﷺ-: «فمن نسى فليستقىء» فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائما أن يتقيأ لهذا الحديث الصحيح الصريح سواء كان ناسيا أو لا، قاله النووى.
وقال المالكية: لا بأس بالشرب قائما، واستدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم قال: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائما. ويقول مالك إنه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلى أنهم كانوا يشربون قياما. وأجابوا عن حديث أبى هريرة «لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسى فليستقىء» بأن عبد الحق قال:
فى إسناده عمر بن حمزة العمرى، وهو ضعيف. انتهى. وقال المازرى: قال بعض شيوخنا لعل النهى ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائما قبلهم استبدادا به، وخروجا عن كون ساقى القوم آخرهم شربا.
وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبى هريرة: قال:
والأظهر لى أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز، وأحاديث النهى تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل، لأن فى الشرب قائما ضرّا ما، فكره من أجله، وفعله هو لأمنه منه، قال: وعلى هذا الثانى يحمل قوله: «فمن شرب فليستقىء» على أن ذلك يحرك خلطا يكون القىء دواءه، ويؤيده قول النخعى: إنما نهى عن ذلك لداء البطن. انتهى. وقال ابن القيم:
للشرب قائما آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الرى التام، ولا يستقر فى المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب قائما، فإذا فعله نادرا لم يضره.
وعند أحمد عن أبى هريرة أنه رأى رجلا يشرب قائما، فقال له قئه،
[ ٢ / ١٨٠ ]
فقال: لم؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه: الشيطان «١» . وكانﷺ- يتنفس فى الشراب ثلاثا ويقول:
«إنه أروى وأمرأ وأبرأ» «٢» رواه مسلم. ومعنى تنفسه: إبانة القدح عن فيه، وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشرب. وأخرج الطبرانى فى الأوسط بسند حسن عن أبى هريرة: أن النبىﷺ- كان يشرب فى ثلاثة أنفاس «٣»: إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله، فإذا أخره حمد الله، يفعل ذلك ثلاثا.
وفى هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة، نبهﷺ- على مجامعها بقوله «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» فأروى: من الرى- بكسر الراء من غير همز- أشد ريّا وأبلغه وأنفعه. وأبرأ، أفعل من البرء- بالهمز- وهو الشفاء، أى يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، تسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت عنه الثانية. وأيضا:
فإنه أسلم لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة، فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروى دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية لشدة برده وكثرة كميته، أو يضعفها فيؤدى ذلك إلى فساد المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة، خصوصا فى سكان البلاد الحارة، وفى الأزمنة الحارة، فإن الشرب فيهما وهلة واحدة مخوف عليهم جدّا.
وقوله: أمرأ: بالهمز، أفعل من مرؤ الطعام والشراب فى بدنه إذا داخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع. انتهى. وقال بعضهم: والمعنى أنه يصير هنيئا مريئا. أى: سالما أو مبرئا من مرض أو عطش أو أذى. ويؤخذ من ذلك:
أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم. ومن آفات الشرب نهلة واحدة، أنه
_________________
(١) أخرجه أحمد فى «المسند» (٢/ ٣٠١) .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٢٨) فى الأشربة، باب: كراهة التنفس فى نفس الإناء، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٣) إسناده ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٨٢) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه اليمان بن المغيرة، وهو ضعيف.
[ ٢ / ١٨١ ]
يخاف منه الشرق، بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن من ذلك. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقى وغيرهما عن النبىﷺ-: إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصّا، ولا يعب عبّا فإنه يورث الكباد «١» . والكباد: - بضم الكاف وتخفيف الباء- وجع الكبد.
ولا معارضة بين التنفس هنا وبين النهى عن التنفس فى الإناء الوارد فى الحديث، لأن المنهى عنه التنفس داخل الإناء، فإنه ربما حصل للماء تغير من النفس، إما لكون المتنفس كان متغير الفم لمأكول مثلا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، وهاهنا التنفس خارج الإناء فلا تعارض، فلو لم يتنفس جاز الشرب بنفس واحد، وقيل يمنع مطلقا لأنه شرب الشيطان.
وكانﷺ- إذا دعى لطعام وتبعه أحد أعلم به رب المنزل، فيقول:
«إن هذا تبعنا فإن شئت رجع» «٢» . وكان يكرر على أضيافه ويعرض عليهم الأكل مرارا، وفى حديث أبى هريرة فى قصة شرب اللبن، وقوله مرارا:
«اشرب» فما زال يقول: اشرب حتى قال: والذى بعثك بالحق لا أجد له مسلكا «٣» . رواه البخارى. وكانﷺ- إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلا.
رواه البيهقى فى الشعب عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا. وفى حديث ابن عمر مرفوعا عند ابن ماجه والبيهقى: «إذا وضعت المائدة فلا يقوم الرجل
_________________
(١) ضعيف: أخرجه سعيد بن منصور فى سننه وابن السنى، وأبو نعيم فى الطب، والبيهقى فى شعب الإيمان عن ابن أبى حسين مرسلا، كما فى «ضعيف الجامع» (٥٦١) .
(٢) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٢٠٨١) فى البيوع، باب: السهولة والسماحة فى الشراء والبيع، ومسلم (٢٠٣٦) فى الأشربة، باب: ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه، من حديث أبى مسعودرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: وهو جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (٦٤٥٢) فى الرقاق، باب: كيف كان عيش النبىﷺ- وأصحابه، وتخليهم من الدنيا.
[ ٢ / ١٨٢ ]
وإن شبع حتى يفرغ القوم، فإن ذلك يخجل جليسه وعسى أن يكون له فى الطعام حاجة» «١» .
وكانﷺ- إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم. فدعا فى منزل عبد الله بن بسر فقال: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم» «٢» رواه مسلم، ودعا فى منزل سعد فقال: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة» «٣» رواه أبو داود، وسقاه آخر لبنا فقال: «اللهم أمتعه بشبابه» «٤» فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء، رواه ابن السنى.
النوع الثانى فى لباسه ﷺ وفراشه
قال البخارى: باب ما كان النبىﷺ- يتجوز من اللباس. يعنى يتوسع فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفيس الغالى، بل يستعمل ما تيسر.
وقال القاضى عياض: كانﷺ- قد اقتصر منه على ما تدعوه ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس- فى غالب أحواله- الشملة والكساء الخشن والأردية والأزر، ويقسم على من حضره أقبية
_________________
(١) ضعيف جدّا: أخرجه ابن ماجه (٣٢٩٥) فى الأطعمة، باب: النهى أن يقام عن الطعام حتى يرفع، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجه» .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٤٢) فى الأشربة، باب: استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٥٤) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الدعاء لرب الطعام إذا أكل عنده، والدارمى فى «سننه» (١٧٧٢)، وأحمد فى «المسند» (٣/ ١١٨ و٢٠١)، من حديث أنسرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (١٢٢٦) .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة فى «مصنفه» (٦/ ٣٢٢) من حديث عمرو بن الحمقرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٨٣ ]
الديباج المخوصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر. إذ المباهاة فى الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، وهى من سمات النساء، والمحمود منها نقاوة الثوب، والتوسط فى جنسه، وكونه ليس مثله، غير مسقط لمروءة جنسه. انتهى.
وقد روى أبو نعيم فى الحلية عن ابن عمر مرفوعا: «أن من كرامة المؤمن على الله ﷿ نقاء ثوبه ورضاه باليسير» «١» .
وله أيضا من حديث جابر: أن النبىﷺ- رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقى به ثيابه؟» «٢» .
فقد كانت سيرتهﷺ- فى ملبسه أتم وأنفع للبدن وأخفه عليه، فإنه لم تكن عمامته بالكبيرة التى يؤذى حملها ويضعفه ويجعله عرضة للآفات، كما يشاهد من حال أصحابها ولا بالصغيرة التى تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد بل وسطا بين ذلك، وكان يدخلها تحت حنكه، فإنها تقى العنق من الحر والبرد، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل، والكر والفر، وكذلك الأردية والأزر أخف على البدن من غيرها.
وقد أطنب ابن الحاج فى المدخل فى الاستدلال لاستحباب التحنيك، ثم قال: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلابد فيها من فعل سنن تتعلق بها، من تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد، إن كانت مما ليس جديدا، وامتثال السنة فى صفة التعميم، من فعل التحنيك والعذبة. وتصغير العمامة يعنى سبعة أذرع أو نحوها، يخرجون منها التحنيك والعذبة، فإن زاد فى العمامة قليلا لأجل حر أو برد فيسامح فيه. ثم قال بعد أن ذكر قوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣»، فعليك بأن تتسرول قاعدا وتتعمم قائما. انتهى.
_________________
(١) ضعيف جدّا: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٣٢) وقال: رواه الطبرانى، وفيه عباد بن كثير، وثقه ابن معين، وضعفه غيره، وحرول بن حنفل ثقة، وقال ابن المدينى: له مناكير، وبقية رجاله ثقات. اه، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٥٣٠٩) .
(٢) رواه الطبرانى وأبو نعيم، كما فى «كشف الخفاء» للعجلونى (٩٢٢) .
(٣) سورة الحشر: ٧.
[ ٢ / ١٨٤ ]
ولم يكنﷺ- يطول أكمامه ويوسعها، بل كان كم قميصه إلى الرسغ، وهو منتهى الكف عند المفصل، لا يجاوز اليد فيشق على لابسه ويمنعه سرعة الحركة والبطش، ولا يقصرهﷺ- عن هذا فتبرز للحر والبرد، وقد روى عن أسماء بنت يزيد قالت: كان كم قميص رسول اللهﷺ- إلى الرسغ. رواه الترمذى.
وكان ذيل قميصه وردائه إلى أنصاف الساقين، لم يتجاوز الكعبين، فيؤذى الماشى ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه، فيتأذى بالحر والبرد. أشار إليه فى زاد المعاد.
وأخرج الترمذى عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتى تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشى بالمدينة إذا إنسان خلفى يقول: «ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى»، فإذا هو رسول اللهﷺ-، فقلت: يا رسول الله إنما هى بردة قال: «أما لك فى أسوة؟» فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه «١» .
وأخرج الطبرانى من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر قال: رآنى النبىﷺ- أسبلت إزارى، فقال: «يا ابن عمر كل شىء لمس الأرض من الثياب فهو فى النار» «٢» . وفى البخارى من حديث أبى هريرة عن النبىﷺ- قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فى النار» «٣» .
قال الخطابى: يريد أن الموضع الذى يناله الإزار من أسفل الكعبين فى النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه: أن الذى دون الكعبين من القدم يعذب بالنار عقوبة. وحاصله أنه من باب تسمية الشىء باسم ما جاوره أو حل فيه، وتكون «من» بيانية.
_________________
(١) أخرجه النسائى فى «الكبرى» (٩٦٨٢ و٩٦٨٣)، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٣٦٤) .
(٢) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٢/ ٩٨)، والطبرانى فى «الكبير» (١٢/ ٣٨٧)، وانظر ما بعده.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٨٧) فى اللباس، باب: ما أسفل من الكعبين فهو فى النار.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وللطبرانى من حديث عبد الله بن مغافل، رفعه: (إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففى النار) «١» والإزرة: - بالكسر- الحالة وهيئة الائتزار مثل الركبة والجلسة.
واعلم طهر الله ثوبى وثوبك، ونزه سرى وسرك- أن هذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الذى ورد فيه الوعيد بالاتفاق.
وقد أخرج أصحاب السنن إلا الترمذى- واستغربه- وابن أبى شيبة من طريق عبد العزيز بن أبى رواد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبىﷺ- أنه قال: «الإسبال فى الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئا منها خيلاء» «٢» الحديث، فبين فى هذه الرواية أن الحكم ليس خاصّا بالإزار، وإن جاء فى أكثر طرق الأحاديث بلفظ الإزار. قال الطبرى: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار، لأن أكثر الناس فى عهده كانوا يلبسون الأزر والأردية، فلما لبس الناس القمص والدراريع كان حكمها حكم الإزار فى النهى.
قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك، وفى تصوير جر العمامة نظر إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات، فمهما زاد على العادة فى ذلك كان من الإسبال.
وهل يدخل فى الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر. والذى يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين دخل فى ذلك. قال ابن القيم: وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال، التى هى كالآخراج، وعمائم كالأبراج، فلم يلبسهاﷺ- هو ولا أحد من أصحابه، وهى مخالفة لسنته، وفى جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء، انتهى. وقال صاحب «المدخل»: ولا يخفى على ذى بصيرة أن كم بعض من
_________________
(١) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٢٦) عن عبد الله بن مغافل وقال: رواه الطبرانى وفيه الحكم بن عبد الملك القرشى، وهو ضعيف.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٩٤) فى اللباس، باب: فى قدر موضع الإزار، والنسائى (٨/ ٢٠٨) فى الزينة، باب: إسبال الإزار، وابن ماجه (٣٥٧٦) فى اللباس، باب: طول القميص كم هو؟، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٧٧٠) .
[ ٢ / ١٨٦ ]
ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة المال المنهى عنها، لأنه قد يفضل من ذلك الكم ثوب لغيره. انتهى. لكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك فى تحريمه، وما كان على طريق العادة، فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع منه. ونقل القاضى عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد فى اللباس من الطول والسعة.
وفى حديث أبى هريرة عند البخارى مرفوعا «بينما رجل يمشى تعجبه [نفسه] مرجل جمته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» «١» . وفى الطبرانى وأبى داود «إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته» «٢» .
وهذا الوعيد المذكور يتناول الرجال والنساء على هذا الفعل المخصوص، وقد فهمت ذلك أم سلمةرضي الله عنها-، فأخرج النسائى والترمذى- وصححه- من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: فقالت أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن فقال: يرخين شبرا فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه «٣» . وحاصل ما ذكر فى ذلك: أن للرجال حالين، حال استحباب: وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز: وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان: حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، وأن الإسبال يكون فى الإزار والقميص والعمامة، وأنه لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٨٩) فى اللباس، باب: من جر ثوبه من الخيلاء، ومسلم (٢٠٨٨) فى اللباس، باب: تحريم التبختر فى المشى مع إعجابه بثيابه.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير عن أبى جوى الجهنى، كما فى «كنز العمال» (٧٧٨٨) .
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١١٧) فى اللباس، باب: فى قدر الذيل، والترمذى (١٧٣١) فى اللباس، باب: ما جاء فى ذيول النساء، والنسائى (٨/ ٢٠٩) فى الزينة، باب: ذيول النساء، وأحمد فى «المسند» (٢/ ٥) و(٦/ ٢١٣ و٣٠٩)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٨٧ ]
للخيلاء، وإن كان لغيرها فهو مكروه للتنزيه. قال النووى: وظواهر الأحاديث فى تقييدها بالخيلاء يدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، قال:
وهذا نص الشافعى على الفرق كما ذكرنا انتهى.
تنبيه: قال العراقى فى شرح الترمذى: الذراع الذى رخص للنساء فيه، هل ابتداؤه من الحد الممنوع منه الرجال، وهو من الكعبين، أو من الحد المستحب وهو أنصاف الساقين، أو حده من أول ما يمس الأرض؟ الظاهر أن المراد الثالث: بدليل حديث أم سلمة الذى رواه أبو داود والنسائى- واللفظ له- وابن ماجه، قالت: سئل رسول اللهﷺ- كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال «شبرا» قالت: إذا ينكشف عنها، قال: «فذراع لا تزيد عليه» «١» فظاهره: أن لها أن تجر على الأرض منه ذراعا. قال: والظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران، لما فى سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: رخص رسول اللهﷺ- لأمهات المؤمنين شبرا، ثم استزدنه فزادهن شبرا. فدل على أن الذراع المأذون فيه شبران وهو الذراع الذى يقاس به الحصر اليوم. وإنما جاز ذلك للنساء لأجل الستر لأن المرأة كلها عورة إلا ما استثنى.
وقد كان لهﷺ- عمامة تسمى السحاب، ويلبس تحتها القلانس اللاطئة. والقلانس: جمع قلنسوة- بفتح القاف وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو، وقد تبدل ياء تحتية، وقد تبدل ألفا وتفتح السين، يقال: قلنساة، وقد تحذف النون من هذه بعدها هاء تأنيث- غشاء مبطن يستر به الرأس، قاله الفراء فى شرح «الفصيح» . وقال ابن هشام: هى التى يقول لها العامة الشاشية، وفى «المحكم»: هى ملابس الرؤوس، معروفة، قال أبو هلال العسكرى: هى التى تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر، كأنها عنده رأس البرنس. انتهى.
وروى الترمذى عن جابررضي الله عنه- قال: (دخل النبىﷺ- مكة يوم
_________________
(١) صحيح: وهو ما قبله.
[ ٢ / ١٨٨ ]
الفتح وعليه عمامة سوداء) «١»، وفى رواية لأنس عند البخارى (دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر) «٢» وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس. ويجمع بينهما: بأن العمامة السوداء كانت فوق المغفر.
وجمع بينهما القاضى عياض: بأن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله فى حديث عمرو بن حريث عن أبيه (خطب الناس وعليه عمامة سوداء) «٣» لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. قال الولى بن العراقى: وهو أولى وأظهر فى الجمع من الأول. وقد تقدم نحو ذلك فى غزوة فتح مكة.
وعن ابن عمر قال: (كان النبىﷺ- إذا اعتم سدل) «٤» رواه الترمذى فى الشمائل، زاد مسلم (وقد أرخى طرفها بين كتفيه) . وقد روى أبو محمد ابن حيان «٥» فى كتاب «أخلاق النبىﷺ-» من حديث ابن عمر: كان رسول اللهﷺ- يعتم قال: يدير كور العمامة على رأسه ويغرسها من ورائه ويرخى لها ذؤابة بين كتفيه. وروى مسلم من حديث عمرو بن حريث قال:
(رأيت النبىﷺ- على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه) «٦» وعنده أيضا عن جابر، وقال: «دخل مكة وعليه عمامة سوداء» «٧» ولم يذكر فيه ذؤابة، فدل على أنه لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه. لكن قد يقال: إن دخوله مكة كان وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه، فلبس فى كل موطن ما يناسبه.
وقال ابن القيم فى الهدى النبوى: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٥٨) فى الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٥٩) فى الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (١٨٤٦) فى الحج، باب: دخول الحرم ومكة بغير إحرام.
(٤) صحيح: أخرجه الترمذى (١٧٣٦) فى اللباس، باب: فى سدل العمامة بين الكتفين، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٦٧٦) .
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٥٩) من حديث عمرو بن الحريث المتقدم قبل حديث.
(٦) قلت: هو الحديث السابق.
(٧) صحيح: وقد تقدم قريبا.
[ ٢ / ١٨٩ ]
فى سبب الذؤابة شيئا بديعا: وهو أن النبىﷺ- إنما اتخذها صبيحة المنام الذى رآه بالمدينة لما رأى رب العزة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: لا أدرى، فوضع يده بين كتفى فعلمت ما بين السماء والأرض «١» .
الحديث وهو فى الترمذى، وسئل عنه البخارى فقال: صحيح. قال: فمن تلك الغداة أرخى الذؤابة بين كتفيه. قال: وهذا من العلم الذى تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم، قال: ولم أر هذه الفائدة فى شأن الذؤابة لغيره. انتهى.
وعبارة غير الهدى: وذكر ابن تيمية أنهﷺ- لما رأى ربه واضعا يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة. انتهى لكن قال العراقى بعد أن ذكره:
لم نجد لذلك أصلا. انتهى. وروى ابن أبى شيبة عن على قال: عممنى رسول اللهﷺ- بعمامة سدل طرفها على منكبى وقال: «إن الله أمدنى يوم بدر ويوم حنين بملائكة معممين هذه العمة» وقال: «إن العمامة حاجز بين المسلمين وبين المشركين» «٢» .
قال عبد الحق الإشبيلى: وسنة العمامة- بعد فعلها- أن يرخى طرفها ويتحنك به، فإن كانت بغير طرف ولا تحنيك فذلك يكره عند العلماء، واختلف فى وجه الكراهة، فقيل لمخالفة السنة فيها، وقيل: لأنها كذلك عمائم الشياطين. وجاءت الأحاديث فى إرسال طرفها على أنواع: منها ما تقدم أنه أرسل طرفها على منكب على، ومنها: أن عبد الرحمن بن عوف قال: عممنى رسول اللهﷺ- فسدلها بين يدى ومن خلفى «٣» . ذكره أبو داود. وعن ابن عباس أنه رأى النبىﷺ- وعليه عمامة دسماء أى سوداء.
رواه الترمذى.
وفى حديث ركانة أنهﷺ- قال: «إن فرق ما بيننا وبين المشركين
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٢٣٣) فى التفسير، باب: ومن سورة ص، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٢) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى (١٠/ ١٤)، من حديث علىرضي الله عنه-.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٠٧٩) فى اللباس، باب: فى العمائم، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٩٠ ]
العمائم على القلانس» «١» . رواه الترمذى أيضا. وعن أبى كبشة الأنمارى قال: كانت كمام أصحاب النبىﷺ- بطحا. رواه الترمذى أيضا. وفى رواية أكمة، وهما جمع كثرة وقلة، الكمة: القلنسوة، يعنى أنها كانت منبطحة غير منتصبة، وعن عائشة أن رسول اللهﷺ- كانت له كمة بيضاء، رواه الدمياطى. وكان أحب الثياب إليهﷺ- القميص، كما فى الشمائل للترمذى، من حديث أم سلمة قالت: (كان أحب الثياب إلى رسول اللهﷺ- القميص) «٢» . وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: أتيت رسول اللهﷺ- فى رهط من مزينة لنبايعه وإن قميصه لمطلق الأزرار- أو قال: زر قميصه مطلق- قال: فأدخلت يدى فى جيب قميصه فمسست الخاتم «٣» . رواه الترمذى.
وعن أنس قال: كان قميص رسول اللهﷺ- قطنا قصير الطول والكمين، رواه الدمياطى. وعن أنس بن مالك قال: كان أحب الثياب إلى رسول اللهﷺ- يلبسه الحبرة «٤» . رواه الترمذى. والحبرة: ضرب من البرود فيه حمرة. وعن أبى رمثة قال: رأيت رسول اللهﷺ- وعليه بردان أخضران «٥» رواه الترمذى. وعن عطاء عن أبى يعلى عن أبيه قال: رأيت
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٠٧٨) فى اللباس، باب: العمائم، والترمذى (١٧٨٤) فى اللباس، باب: رقم (٤١)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٣٩٥٩) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٢٥) فى اللباس، باب: ما جاء فى القميص، والترمذى (١٧٦٢) فى اللباس، باب: ما جاء فى القميص، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٦٢٥) .
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٨٢) فى اللباس، باب: فى حل الأزرار، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤٣٤) و(٤/ ١٩) و(٥/ ٣٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨١٢ و٥٨١٣) فى اللباس، باب: البرود والحبرة والشملة، ومسلم (٢٠٧٩) فى اللباس والزينة، باب: فضل لباس ثياب الحبرة.
(٥) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٠٦) فى الترجل، باب: فى الخضاب، والترمذى (٢٨١٢) فى الأدب، باب: ما جاء فى الثوب الأخضر، والنسائى (٣/ ١٨٥) فى صلاة العيدين، باب: الزينة للخطبة للعيدين، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٩١ ]
رسول اللهﷺ- يطوف بالبيت مضطبعا ببرد أخضر «١» . رواه أبو داود.
وعن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه أن النبىﷺ- لبس جبة رومية ضيقة الكمين «٢» . رواه الترمذى. وعن أبى ذر: أتيت النبىﷺ- وعليه ثوب أبيض «٣» . رواه البخارى: وعن عائشة قالت: خرج رسول اللهﷺ- ذات غداة وعليه مرط شعر أسود «٤» . رواه الترمذى. وعن أنس قال كان رسول اللهﷺ- يلبس الصوف، وكان لهﷺ- كساء ملبد يلبسه ويقول:
«إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد» «٥» رواه الشيخان.
فإن قلت قد علم من هذا، ومن سيرة السلف الصالح، بذاذة الهيئة ورثاثة الملابس، فما بال الشاذلية من الصوفية يجملون هياتهم وملابسهم، وطريقهم الاقتداء بالسنة الشريفة والسلف الصالح.
أجاب العارف الربانى على الوفائى، أذاقنا الله حلاوة مشربه، ومن خطه الكريم نقلت بما لفظه: ذلك لأنهم نظروا إلى المعانى والحكم. فوجدوا السلف الصالح لما وجدوا أهل الغافلة والشغل لدنياهم منهمكين على الزينة الظاهرة، تفاخرا بدنياهم واطمئنانا إليها وإشعارا بأنهم من أهلها، خالفوهم إظهارا لحقارة ما حقره الحق مما عظمه الغافلون بالغنى عما اطمأن إليه الغافلون؛ فكأن أطمارهم يومئذ تقول الحمد لله الذى أغنانا به عما أفقر نفسه إليه من همه دنياه. فلما طال الأمد وقست القلوب بنسيان ذلك المعنى، واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار وبذاذة الهيئة حيلة على جلب دنياهم انعكس
_________________
(١) حسن: أخرجه أبو داود (١٨٨٣) فى المناسك، باب: الاضطباع فى الطواف، والبيهقى فى «السنن الكبرى» (٥/ ٧٩)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٢) صحيح: أخرجه الترمذى (١٧٦٨) فى اللباس، باب: ما جاء فى لبس الجبة والخفين، والنسائى (١/ ٨٣) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين فى السفر، وابن ماجه (٣٥٦٣) فى اللباس، باب: لبس الصوف، والحديث أصله عند مسلم (٢٧٤) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٢٧) فى اللباس، باب: الثياب البيض، ومسلم (٩٤) فى الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٨١) فى اللباس والزينة، باب: التواضع فى اللباس.
(٥) قلت: هو ليس فيهما، ولم أجده.
[ ٢ / ١٩٢ ]
الأمر، فصار مخالفة هؤلاء فى ذلك لله هو قول السلف وطريقتهم كما تقدم.
قال وقد أرشد الأستاذ أبو الحسن الشاذلى. قدس الله سره العزيز، إلى ذلك بقوله لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتى هذه تقول: الحمد لله، وهيئتك هذه تقول: أعطونى شيئا من دنياكم. والقوم أفعالهم دائرة مع الحكمة الربانية مرادهم مرضاة ربهم. انتهى ما قاله سيدى على وفا.
وقد ورد فى الحديث الصحيح عنهﷺ-: «إن الله جميل يحب الجمال» «١» وفى الحديث الآخر «إن الله نظيف يحب النظافة» «٢» وفى السنن عن أبى الأحوص الجشمى عن أبيه قال: رآنى النبىﷺ- وعلى أطمار- وفى رواية النسائى: وعلى ثوب دون- فقال: «هل لك من مال؟» قلت:
نعم، قال: «من أى المال؟» قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاء، قال:
«فكثر نعمته وكرامته عليك» «٣»، وفى رواية النسائى قال: «فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته» وفى حديث جابر أنهﷺ- رأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال: «ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه»، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: «ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه» «٤» رواه أحمد.
وفى السنن: «إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» «٥» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٩١) فى الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، من حديث عبد الله ابن مسعودرضي الله عنه-.
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٧٩٩) فى الأدب، باب: ما جاء فى النظافة، من حديث سعدرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (١٦١٦) .
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٦٣) فى اللباس، باب: فى غسل الثوب، والنسائى (٨/ ١٨٠) فى الزينة، باب: الجلاجل، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤٧٣) و(٤/ ١٣٧)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٥٤) .
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٦٢) فى اللباس، باب: فى غسل الثوب، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٥٧)، وابن حبان فى «صحيحه» (٥٤٨٣)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٥) صحيح: وقد تقدم قبل حديث.
[ ٢ / ١٩٣ ]
فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذى يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباسا يجمل ظواهرهم، وتقوى تجمل بواطنهم فقال تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ «١» . وقال فى أهل الجنة: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا «٢» .
وهو سبحانه كما يحب الجمال فى الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والهيئة، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله. ولكن ضل فى هذا الموضع فريقان:
فريق قالوا: كل ما خلق الله تعالى جميل، فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئا، قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة، واحتجوا بقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ «٣» . وهؤلاء قد عدموا الغيرة لله من قلوبهم، والبغض فى الله، والمعاداة فيه، وإنكار المنكر وإقامة الحدود.
والفريق الثانى، قالوا: قد ذم الله جمال الصور، وتمام القامة والخلقة، فقال عن المنافقين وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ «٤» . وفى صحيح مسلم مرفوعا «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» «٥»، قالوا: وقد حرم الله علينا لباس الحرير والذهب، وآنية الذهب والفضة، وذلك من أعظم جمال الدنيا. وقال تعالى: وَلا تَمُدَّنَ
_________________
(١) سورة الأعراف: ٢٦.
(٢) سورة الإنسان: ١١، ١٢.
(٣) سورة السجدة: ٧.
(٤) سورة المنافقون: ٤.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٢٥٦٤) فى البر والصلة، باب: تحريم ظلم الإنسان وخذله واحتقاره، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٩٤ ]
عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ «١» . وفى الحديث «البذاذة من الإيمان» «٢» وقد ذم الله المسرفين، والسرف كما يكون فى الطعام والشراب يكون فى اللباس.
وفصل النزاع أن يقال: الجمال فى الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع:
منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.
فالمحمود منه، ما كان لله وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبىﷺ- يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير فى الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.
والمذموم منه: ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء، وأن يكون من هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيرا من الناس ليس له همة فى سوى ذلك.
وأما ما لا يحمد ولا يذم فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين. والمقصود من هذا الحديث أن الله تعالى يحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه فى لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والشعور المكروهة، والختان وتقليم الأظافر وغير ذلك مما وردت به السنة، والله أعلم.
وعن جابر بن سمرة قال: رأيت النبىﷺ- فى ليلة مقمرة أضحيان، فجعلت أنظر إليهﷺ- وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن عندى من القمر «٣» . رواه الدارمى والترمذى: وعن عون بن أبى جحيفة عن
_________________
(١) سورة طه: ١٣١.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٦١) فى الترجل، باب: رقم (١)، وابن ماجه (٤١١٨) فى الزهد، باب: من لا يؤبه له، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٥١)، من حديث أبى أمامةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٨٧٩) .
(٣) صحيح: وقد تقدم.
[ ٢ / ١٩٥ ]
أبيه قال: رأيت النبىﷺ- وعليه حلة حمراء كأننى أنظر إلى بريق ساقيه «١» . قال سفيان: أراه حبرة. وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت أحدا من الناس أحسن فى حلة حمراء من رسول اللهﷺ- «٢» . رواهما الترمذى.
وفى البخارى ومسلم: رأيته فى حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه.
وفى رواية لأبى داود ما رأيت من ذى لمة فى حلة حمراء أحسن من رسول اللهﷺ- «٣» . وقوله: من ذى لمة: - بكسر اللام- أى شعر الرأس، دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت فهى الجمة.
وفى النسائى: ما رأيت رجلا أحسن فى حلة حمراء من رسول اللهﷺ-. قال فى القاموس: الحلة- بالضم- إزار ورداء، برد أو غيره، ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة.
قال ابن القيم: وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتا، ولا يخالطها غيرها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمانية، وهى معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط، وإلا فالأحمر البحت ينهى عنه أشد النهى، وفى صحيح البخارى: (أنهﷺ- نهى عن المياثر الحمر) «٤» وفى صحيح مسلم عن ابن عمر قال: (رأى النبىﷺ- على ثوبين معصفرين فقال: «إن هذا لباس الكفار فلا تلبسهما» «٥» ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صباغا أحمر. قال: وفى جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرهما نظر، وأما كراهته فشديدة، فكيف يظن النبىﷺ- أنه لبس الأحمر القانى، كلا لقد أعاذه الله منه، وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء والله أعلم. انتهى.
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٤٩) فى اللباس، باب: الميثرة الحمراء، من حديث البراءرضي الله عنه-.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٧٧) فى اللباس، باب: النهى عن لبس الرجل الثوب المعصفر.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وقال النووى: اختلف العلماء فى الثياب المعصفرة، وهى المصبوغة بعصفر فأباحها جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعى وأبو حنيفة ومالك، ولكنه قال: غيرها أفضل منها. وفى رواية عنه أنه أجاز لبسها فى البيوت وأفنية الدور وكرهه فى المحافل والأسواق وغيرها.
وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهى على هذا، لأنه ثبت أنهﷺ- لبس حلة حمراء، وفى الصحيحين من حديث ابن عمر أنهﷺ- صبغ بالصفرة، وحمل بعضهم النهى على المحرم بالحج أو العمرة.
وقد أتقن البيهقى المسألة فى «معرفة السنن» فقال: نهى الشافعى الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر، قال الشافعى: وإنما رخصت فى المعصفر لأنى لم أجد أحدا يحكى عنهﷺ- النهى عنه، إلا ما قال علىرضي الله عنه- أنهﷺ- نهانى ولا أقول نهاكم. قال البيهقى: وقد جاءت أحاديث تدل على أن النهى على العموم، ثم ذكر حديث مسلم «أن هذه من لباس الكفار» وأحاديث غيرها، ثم قال: ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعى لقال بها إن شاء الله تعالى، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعى أنه قال: إذا صح الحديث بخلاف قولى فاعملوا بالحديث ودعوا قولى. وفى رواية: مذهبى.
قال البيهقى: قال الشافعى: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر وآمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقى: فتبع السنة فى المزعفر فمتابعتها فى المعصفر أولى به، انتهى.
ورأيت فى فتاوى شيخنا العلامة قاسم أحد أئمة الحنفية ومحققيها كراهته للتحريم مع صحة الصلاة فيه، واستدل له بما ذكرته، وبما فى حديث طاووس عند الحاكم وقال على شرطهما عن ابن عمرو بن العاص قال:
دخلت على النبىﷺ- وعلى ثوب معصفر، قال: «من أين لك هذا؟» قال: صنعته لى أهلى فقالﷺ-: «احرقه» «١» انتهى.
_________________
(١) قلت: هو عند أبى داود (٤٠٦٨) فى اللباس، باب: فى الحمرة، ولكن الحرق من فعل عبد الله بن عمرو لا من قولهﷺ-، بل قال له لما علم بفعله: «أفلا كسوته بعض أهلك» .
[ ٢ / ١٩٧ ]
وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول اللهﷺ- يلبس برده الأحمر فى العيدين والجمعة «١»، وعن يحيى بن عبد الله بن مالك قال: كان رسول اللهﷺ- يصبغ ثيابه بالزعفران قميصه ورداءه وعمامته. رواهما الدمياطى.
وهو عند أبى داود بلفظ: يصبغ بالورس والزعفران ثيابه حتى عمامته «٢»، وكذا رواه من حديث زيد بن أسلم وأم سلمة وابن عمر، لكن يعارضه ما فى الصحيح أنهﷺ- نهى عن التزعفر والله أعلم.
وأما صفة إزارهﷺ-، فعن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى قال:
أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض رسول اللهﷺ- فى هذين «٣»، رواه البخارى، وفى رواية: إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه التى تدعونها الملبدة، وفى رواية: كساء ملبدا. قال ابن الأثير: أى مرقعا، يقال: لبدت القميص ألبده، ولبدته، ويقال للخرقة التى يرقع بها صدر القميص. اللبدة: وقيل الملبد: الذى ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبد.
وروى مسلم من حديث عائشة قالت: خرج رسول اللهﷺ- ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود «٤» والمرط: - بكسر الميم وإسكان الراء- كساء من صوف أو خز، يؤتزر به. والمرحل: بتشديد الحاء المهملة المفتوحة، كمعظم، هو الذى فيه صور الرحال، قال فى القاموس فى مادة ر ح ل: وك «معظم»: برد فيه تصاوير رحل، قال: وتفسير الجوهرى إياه بإزار خز فيه علم، غير جيد، إنما ذلك تفسير المرجل- بالجيم-، وقال فى مادة ر ج ل- يعنى الجيم-: وبرد مرجل كمعظم، فيه صور الرجال، انتهى.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه البيهقى، كما فى «ضعيف الجامع» (٤٦٢٠) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٦٤) فى اللباس، باب: فى المصبوغ بالصفرة، والنسائى (٨/ ١٤٠) فى الزينة، باب: الخضاب بالصفرة، والحديث صحح إسناده الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨١٨) فى اللباس، باب: الأكسية والخمائص، ومسلم (٢٠٨٠) فى اللباس والزينة، باب: التواضع فى اللباس.
(٤) صحيح: وقد تقدم.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وقال النووى: والصواب الذى رواه الجمهور، وضبطه المتقنون: بالحاء المهملة، أى عليه صور رحال الإبل، ولا بأس بهذه الصورة، وإنما يحرم تصوير الحيوان. وقال الخطابى، المرحل، الذى فيه خطوط والله أعلم.
وعن عروة: أن طول رداء النبىﷺ- أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر وعن عروة أيضا: أن ثوب رسول اللهﷺ- الذى كان يخرج فيه إلى الوفد رداء أخضر فى طول أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر. وعن معن بن عيسى قال: حدثنا محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبىﷺ- من حبرة له حاشيتان. وعن ابن عمر قال: دخلت على رسول اللهﷺ- وعليه إزار يتقعقع. وعن يزيد بن أبى حبيب أنهﷺ- كان يرخى الإزار بين يديه ويرفعه من ورائه. وعن ابن عباس قال: رأيت رسول اللهﷺ- يأتزر تحت سرته وتبدو سرته، ورأيت عمر يأتزر فوق سرته، رواها كلها الدمياطى.
(فصل) وعن أسماء بنت أبى بكر، أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، وقالت: هذه جبة رسول اللهﷺ-، كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبىﷺ- يلبسها فنحن نغسلها للمرضى نستشفى بها «١» . رواه مسلم. وقوله:
جبة طيالسة: بإضافة جبة إلى طيالسة. وكسروانية: بكسر الكاف وفتحها، والسين ساكنة والراء مفتوحة، نسبة إلى كسرى ملك الفرس. ولبنة: بكسر اللام وإسكان الباء، رقعة فى جيب القميص.
وفيه: جواز لبس ما له فرجان وأنه لا كراهة فيه، وأن المراد بالنهى عن الحرير المتحمض منه، أو ما أكثره منه، وأنه ليس المراد تحريم كل جزء منه، بخلاف الخمر والذهب فإنه يحرم كل جزء منهما، قاله النووى.
(لطيفة) قيل: لما كان رسول اللهﷺ- لا يبدو منه إلا طيب، كان آية
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٦٩) فى اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
[ ٢ / ١٩٩ ]
ذلك فى بدنه الشريف أنه لا يتسخ له ثوب، فما اتسخ له ثوب قط، وقال ابن سبع فى «الشفاء» والسبتى فى «أعذب الموارد وأطيب الموالد»: لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له وتكريماﷺ- لكن يشكل عليه ما رواه أحمد والترمذى فى الشمائل عن عائشةرضي الله عنها-: كان رسول اللهﷺ- يفلى ثوبه ويحلب شاته «١»، ومن لازم التفلى وجود شىء يؤذى فى الجملة، إما قملا أو برغوثا أو نحو ذلك. ويمكن أن يجاب: بأن التفلى لاستقذار وجود ما علق بثوبه الشريف من غيره، ولو لم يحصل منه أذى فى حقهﷺ-، وهذا فيه بحث، لأن أذى القمل هو غذاؤه من البدن على ما أجرى الله العادة، وإذا امتنع الغذاء لا يعيش الحيوان عادة. ونقل الفخر الرازى: أن الذباب لا يقع على ثيابه قط، وأنه لا يمتص دمه البعوض.
وأما الطيلسان- وهو بفتح اللام، واحدة الطيالسة، والهاء فى الجمع للعجمة لأنه فارسى معرب، وهو الساج أيضا، وقال ابن خالويه فى شرح «الفصيح» يقال للطيلسان الأخضر: الساج، وفى «المجمل» لابن فارس:
الطاق الطيلسان- فقال ابن القيم: لم ينقل عنهﷺ- أنه لبسه، ولا أحد من أصحابه، بل ثبت فى صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان عن النبىﷺ- أنه ذكر الدجال فقال: «يخرج معه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة» «٢» ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة فقال: ما أشبههم بيهود خيبر.
قال: ومن هاهنا كرهه جماعة من السلف والخلف، لما روى أبو داود والحاكم فى المستدرك أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» «٣» وفى الترمذى:
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو نعيم فى الحلية، كما فى «صحيح الجامع» (٤٩٩٦) .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٩٤٤) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: فى بقية من أحاديث الدجال، من حديث أنس، وليس عن النواس بن سمعانرضي الله عنهم-.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٣١) فى اللباس، باب: فى لبس الشهرة، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦١٤٩) .
[ ٢ / ٢٠٠ ]
«ليس منا من تشبه بغيرنا» «١» وأما ما جاء فى حديث الهجرة أنهﷺ- جاء إلى أبى بكررضي الله عنه- متقنعا بالهاجرة، فإنما فعلهﷺ- تلك الساعة ليختفى بذلك للحاجة، ولم يكن عادته التقنع. وقد ذكر أنس عنهﷺ- أنه كان يكثر القناع «٢» . وهذا إنما كان يفعله للحاجة من الحر ونحوه. قال شيخ الإسلام الولى بن العراقى فى شرح تقريب [الأسانيد:] التقنع معروف وهو تغطية الرأس بطرف العمامة أو برداء أو نحو ذلك. انتهى. وقال ابن الحاج فى «المدخل»: وأما قناع الرجل فهو أن يغطى رأسه بردائه ويرد طرفه على أحد كتفيه. انتهى.
وأما قول ابن القيم: إنهﷺ- إنما فعل ذلك للحاجة، فيرد عليه حديث سهل بن سعد أنهﷺ- كان يكثر القناع. رواه البيهقى فى الشعب والترمذى. وللبيهقى فى الشعب أيضا وابن سعد فى طبقاته من حديث أنس بلفظ: يكثر التقنع، فهذا وما أشبهه يرد قول ابن القيم: أنه لم ينقل عنه أنهﷺ- لبسه.
وأما قوله: ولا أحد من أصحابه، فيرده ما أخرجه الحاكم فى المستدرك، بسند على شرط الشيخين عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول اللهﷺ- يذكر فتنة فقربها، فمر رجل مقنع فى ثوب، فقال: «هذا يومئذ على الهدى»، فقمت فإذا هو عثمان بن عفانرضي الله عنه- «٣» . وأخرج سعيد بن منصور فى سننه عن أبى العلاء قال: رأيت الحسن بن على يصلى وهو مقنع
_________________
(١) حسن: أخرجه الترمذى (٢٦٩٥) فى الاستئذان، باب: فى كراهية إشارة اليد فى السلام، من حديث ابن عمرورضي الله عنهما-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٥٠٤٣٤) .
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (ص ٣٢)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٦٠١) .
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٧٠٤) فى المناقب، باب: فى مناقب عثمان بن عفانرضي الله عنه-، وابن ماجه (١١١) فى المقدمة، باب: فضل عثمانرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ٢ / ٢٠١ ]
رأسه، وأخرج ابن سعد عن سليمان بن المغيرة قال: رأيت الحسن يلبس الطيالسة، وأخرج عن عمارة بن زاذان قال: رأيت على الحسن طيلسانا أندقيّا.
وأما ما ذكره ابن القيم من قصة اليهود، فقال الحافظ ابن حجر: إنما يصلح الاستدلال به فى الوقت الذى تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك فى هذه الأزمنة فصار ذلك داخلا فى عموم المباح، وقد ذكره ابن عبد السلام فى أمثلة البدعة المباحة. وقد يصير من شعار قوم فيكون تركه من الإخلال بالمروءة. وقيل: إنما أنكر أنس ألوان الطيالسة لأنها كانت صفراء.
والله أعلم.
وأما الخاتم ففى الصحيحين عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- اتخذ خاتما من ورق، فكان فى يده، ثم كان فى يد أبى بكر، ثم كان فى يد عمر، ثم كان فى يد عثمان حتى وقع فى بئر أريس «١» . وفيهما أيضا عن أنس بن مالك أن النبىﷺ- لبس خاتم فضة فيه فص حبشى، وكان يجعل فصه مما يلى كفه. وأخرج أحمد والنسائى والترمذى والبزار فى مسنده عن بريدة أن النبىﷺ- رأى فى يد رجل خاتما من حديد، فقال: «ما لى أجد منك ريح الأصنام»، ثم قال له: «اتخذه من فضة ولا تزد على مثقال» «٢» .
وقد اختلف العلماء فى لبسه فى الجملة، فأباحه كثير من أهل العلم من غير كراهة، ومنهم من كرهه إذا قصد به الزينة، ومنهم من كرهه إلا لذى سلطان، لحديث أبى داود والنسائى عن أبى ريحانة أن النبىﷺ- نهى عن لبس الخاتم إلا لذى سلطان. ولأنهﷺ- إنما اتخذه لحاجة ختم الكتب التى
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٦٦) فى اللباس، باب: خاتم الفضة، ومسلم (٢٠٩١) فى اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال.
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٢٢٣) فى الخاتم، باب: ما جاء فى خاتم الحديد، والترمذى (١٧٨٥) فى اللباس، باب: ما جاء فى الخاتم الحديد، والنسائى (٨/ ١٧٢) فى الزينة، باب: مقدار ما يجعل فى الخاتم من الفضة، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
[ ٢ / ٢٠٢ ]
يبعثها إلى الملوك، كما فى حديث أنس أنهﷺ- كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا بختم فصاغ خاتما ونقش فيه:
محمد رسول الله، وإنما لبسه أبو بكررضي الله عنه- لأجل ولايته، فإنه كان يحتاج إليه كما كانﷺ- يحتاج إليه وكذلك عمر وعثمان.
وحكى ابن عبد البر عن طائفة من العلماء كراهة لبسه مطلقا، احتجاجا بحديث أنس أنهﷺ- نبذه ولم يلبسه. وفى الشمائل للترمذى عن ابن عمر أنهﷺ- اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه. وفى الصحيحين من حديث أنس أنه رأى فى يدهﷺ- خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول اللهﷺ- خاتمه فطرح الناس خواتيمهم.
والصواب: القول الأول، فإن لبس النبىﷺ- الخاتم إنما كان فى الأصل لأجل المصلحة لختم الكتب التى يرسلها إلى الملوك، ثم استدام لبسه ولبسه أصحابه معه، ولم ينكره عليهم، بل أقرهم عليه، فدل ذلك على الإباحة المجردة. وأما حديث النهى عن الخاتم إلا لذى سلطان فقال ابن رجب: ذكر بعض أصحابنا أن أحمد ضعفه. وأما ما جاء فى حديث الزهرى عن أنس أنهﷺ- لبسه يوما واحدا ثم ألقاه. فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه وهم من الزهرى، وسهو جرى على لسانه لفظ الورق، وإنما الذى لبسه يوما واحدا ثم ألقاه كان من ذهب، كما ثبت ذلك من غير وجه فى حديث ابن عمر وأنس أيضا.
الثانى: أن الخاتم الذى رمى بهﷺ- لم يكن كله فضة، وإنما كان حديدا عليه فضة، وروى أبو داود عن معيقيب الصحابى- وكان على خاتم النبىﷺ- قال: كان خاتم النبىﷺ- من حديد ملوى عليه فضة.
فلعل هذا هو الذى لبسه يوما واحدا ثم طرحه، ولعله هو الذى كان يختم به ولا يلبسه.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
الثالث: إن طرحه إنما كان لئلا يظن أنه سنة مسنونة، فإنهم اتخذوا الخواتيم لما رأوه قد لبسه فتبين بطرحه أنه ليس بمشروع ولا سنة.
ثم إن الخاتم قد يكون تارة من ذهب، وتارة من فضة، وتارة يكون من حديد، وتارة من صفر أو رصاص أو نحوها، وتارة من عقيق.
* فأما الذهب ففى الصحيحين عن البراء بن عازب قال: (نهانا رسول اللهﷺ- عن خاتم الذهب وآنية الفضة) «١» . وفيهما عن أبى هريرة عنهﷺ-: (أنه نهى عن خاتم الذهب) «٢»، وفيهما أيضا عن ابن عمر أنهﷺ- اتخذ خاتما من ذهب فجعله فى يمينه وجعل فصه مما يلى باطن كفه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب. قال: فصعد رسول اللهﷺ- المنبر فألقاه ونهى عن التختم بالذهب) «٣» .
وهو مذهب الأئمة الأربعة: مالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد وأكثر العلماء.
ورخصت فيه طائفة منهم إسحاق بن راهواه وقال: مات خمسة من أصحابهﷺ- خواتيمهم من ذهب. قال مصعب بن سعد: رأيت على طلحة وسعد وصهيب خواتيم من ذهب. وعن حمزة بن أبى أسيد والزبير بن المنذر بن أبى أسيد أنهما نزعا من يد أبى أسيد خاتما من ذهب حين مات، وكان بدريّا، رواهما البخارى فى تاريخه. وروى النسائى عن سعيد بن المسيب قال: قال عثمان لصهيب ما لى أرى عليك خاتم الذهب فقال: قد رآه من هو خير منك فلم يعبه، قال: من هو؟ قال: رسول اللهﷺ-.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥١٧٥) فى النكاح، باب: حق إجابة الوليمة، ومسلم (٢٠٦٦) فى اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٦٤) فى اللباس، باب: خواتيم الذهب، ومسلم (٢٠٨٩) فى اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٦٦) فى اللباس، باب: خاتم الفضة، ومسلم (٢٠٩١) فى اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
* وأما خاتم الفضة، فأباحه كثير من العلماء، ولبسهﷺ- وجماعة من أصحابه. قال الرافعى: يجوز للرجل التختم بالفضة، وكذا قال النووى فى الروضة وغيرها، وكتب أصحابنا طافحة بجوازه. وروى أبو داود وصححه ابن حبان، من حديث بريدة بن الحصيب أن النبىﷺ- قال للابس خاتم الحديد: «ما لى أرى عليك حلية أهل النار»، فطرحه وقال: يا رسول الله، من أى شىء أتخذه؟ قال: «من ورق ولا تتمه مثقالا» «١» .
وأخرجه أيضا النسائى والترمذى وقال: غريب. وأخرجه أحمد وأبو يعلى فى مسنديهما والضياء فى المختارة مما ليس فى الصحيحين ورجاله رجال الصحيحين إلا عبد الله بن مسلم المعروف بأبى طيبة، وهو محدث مشهور، وتصحيح ابن حبان لحديثه دال على قبوله، فأقل أحواله أن يكون من درجة الحسن.
والأصل فى النهى كونه للتحريم، ولأن الأصل فى استعمال الفضة للرجال التحريم إلا ما رخص فيه، فإذا حد فيه حد وجب الوقوف عنده، وبقى ما عداه على الأصل. وقد قال ابن الرفعة فى باب ما يكره لبسه فى «الكفاية»: وينبغى أن ينقص وزنه عن مثقال. لأن رسول اللهﷺ- رأى رجلا، وساق الحديث. وقوله ينبغى، يصلح للوجوب وغيره، وحمله عليه أولى، لأنه ساق الحديث مساق الاحتجاج لهذا الحكم، فلا يصرف النهى عن حقيقته إلا بصارف.
وظاهر صنيع ابن الملقن فى شرح منهاج النووى يقتضيه، فإنه قال فى زكاة النقد: فرع فى أبى داود وصحيح ابن حبان من حديث بريدة أنهﷺ- قال لذلك الرجل: فذكر الحديث فساقه سوق الفروع التى لا خلاف فيها بين الأصحاب، وظاهر ذلك تحريم المثقال.
وفى «القوت» للأذرعى: لم يتعرض أصحابنا لمقدار الخاتم ولعلهم
_________________
(١) ضعيف: وقد تقدم قريبا من حديث بريدة قبل حديثين.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
اكتفوا بالعرف، فما خرج عنه كان إسرافا كما قالوا فى الخلخال للمرأة ونحوه، والصواب الضبط بما نص عليه فى الحديث وليس فى كلامهم ما يخالفه، هذا لفظه. وهو يشير إلى هذا الحديث.
وكذا مشى عليه ابن العماد فى التعقيبات وعبارته: وإذا جاز لبس الخاتم فشرطه أن لا يبلغ به مثقالا للحديث. انتهى. لكن قال الحافظ العراقى فى شرح الترمذى: إن النهى فى قوله: «ولا تتمه مثقالا» محمول على التنزيه، فيكره أن يبلغ به وزن مثقال. قال: وفى رواية لأبى داود، فى رواية صاحب المعالم: «ولا تتمه مثقالا ولا قيمة مثقال» وليست هذه الزيادة فى رواية اللؤلؤى. ومعنى هذه الزيادة أنه ربما وصل الخاتم بالنفاسة فى صنعته إلى أن يكون قيمة مثقال فهو داخل فى النهى أيضا. انتهى. وقد أفتى العلامة السراج العبادى بأنه يجوز أن يبلغ به مثقالا وأن ما زاد عليه حرام.
* وأما خاتم الحديد، فأخرج أبو داود فى الخاتم من سننه، والبيهقى في شعب الإيمان والأدب وغيرهما من تصانيفه من طريقه، والنسائى فى الزينة من سننه، وابن حبان فى صحيحه: أن رجلا جاء إلى النبىﷺ- وعليه خاتم من شبه- وهو بفتح المعجمة والموحدة، وبإسكانها وكسر المعجمة، نوع من النحاس كانت الأصنام تتخذ منه، وسمى بذلك لشبهه بالذهب لونا- فقال: «ما لى أجد منك ريح الأصنام»، فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: «ما لى أرى عليك حلية أهل النار فطرحه» «١» وأخرجه الترمذى لكنه قال: من صفر بدل من شبه، وهما بمعنى. قال النووى فى شرح المهذب: قال صاحب الإبانة: يكره الخاتم من حديد أو شبه، وتابعه صاحب البيان فقال: يكره الخاتم من حديد أو نحاس أو رصاص لحديث بريدة.
وقال صاحب التتمة: لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص لحديث
_________________
(١) ضعيف: وهو الحديث السابق.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الصحيحين: أن رسول اللهﷺ- قال للذى خطب الواهبة نفسها: «اطلب ولو خاتما من حديد» «١» قال: ولو كان فيه كراهة لم يأذن فيه.
وفى سنن أبى داود بإسناد جيد عن معيقيب الصحابى: كان خاتمهﷺ- من حديد ملوى عليه فضة «٢» . والمختار: أنه لا يكره لهذين الحديثين. وقال فى شرح مسلم فى الكلام على حديث المرأة الواهبة نفسها:
وفى هذا الحديث جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف حكاه القاضى، ولأصحابنا فى كراهته وجهان أصحهما لا يكره لأن الحديث فى النهى عنه ضعيف. انتهى. ولعل تضعيف النووى للحديث إنما هو بالنسبة إلى مقاومة حديث سهل بن سعد فى الصحيحين وغيرهما فى قصة الواهبة نفسها لا مطلقا، كيف وله فى ذلك شواهد عدة، إن لم ترقه إلى درجة الصحة لم تدعه ينزل عن درجة الحسن.
* وأما خاتم العقيق: فعن أنس أن رسول اللهﷺ- قال: «تختموا بالعقيق، واليمين أحق بالزينة» «٣» وفى سنده مجهول، وروى بلفظ تختموا بالعقيق فإنه ينفى الفقر. وروى يعقوب بن إبراهيم عن عائشة مرفوعا:
«تختموا بالعقيق فإنه مبارك» «٤» ويعقوب متروك. وروى أبو بكر بن شعيب عن فاطمةرضي الله عنها- مرفوعا: «من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرا» «٥» وهذا أيضا لا يثبت.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٠٢٩) فى فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ومسلم (١٤٢٥) فى النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، من حديث سهل بن سعدرضي الله عنه-.
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٢٢٤) فى الخاتم، باب: ما جاء فى خاتم الحديد، والنسائى (٨/ ١٧٥) فى الزينة، باب: لبس خاتم حديد ملوى عليه بفضة، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن النسائى» .
(٣) موضوع: أخرجه ابن عدى عن أنس، كما فى «ضعيف الجامع» (٢٤١١) .
(٤) موضوع: أخرجه العقيلى فى الضعفاء، وابن لال فى مكارم الأخلاق، والحاكم فى تاريخه، والبيهقى فى «شعب الإيمان»، والخطيب فى التاريخ، وابن عساكر، والديلمى فى مسند الفردوس عن عائشة، كما فى «ضعيف الجامع» (٢٤١٠) .
(٥) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٥٤) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وعمرو بن الشريد لم يسمع من فاطمة، وزهير بن عباد الرواسى وثقه أبو حاتم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وكذا ورد فيه أحاديث غير هذه، وكلها كما قال الحافظ ابن رجب لا تثبت، وقال العقيلى: لا يصح فى التختم بالعقيق عن النبىﷺ- شىء.
وروى ابن فنجويه فى كتاب الخواتيم له بإسناد ضعيف عن على مرفوعا: «من تختم بالياقوت الأصفر منع الطاعون» «١»، وإسناده ضعيف.
وأما فص خاتمهﷺ-، فروى أنس أن النبىﷺ- اتخذ خاتما من فضة، فصه منه «٢» . أخرجه البخارى وغيره. وفى صحيح مسلم أن خاتمهﷺ- كان فصه حبشيّا «٣» . قال النووى: قال العلماء: يعنى حجرا حبشيّا، أى فصا من جزع أو عقيق، فإن معدنهما بالحبشة واليمن. انتهى، فإن صح أنهم كانوا يعنون بالحبشى العقيق فيكون له خاتمان: أحدهما فصه عقيق، والآخر فصه فضة، وفى شرح مسلم للنووى حكاية أنهﷺ- كان له فى وقت خاتم فصه منه، قال: وفى حديث آخر فصه من عقيق، انتهى.
لكن لم يرو عنهﷺ- أنه لبس خاتما كله عقيقا.
وأما نقش خاتمهﷺ-، ففى صحيح مسلم (عن أنس أن النبىﷺ- صنع خاتما من ورق نقش فيه: محمد رسول الله. وقال للناس: «إنى اتخذت خاتما من فضة ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه» «٤» .
قال الترمذى: معنى قوله: «لا تنقشوا عليه» نهى أن ينقش أحد على خاتمه: محمد رسول الله. وفى رواية للنسائى: (اتخذ خاتما من ورق فصه
_________________
(١) ضعيف: أخرجه ابن زنجويه فى كتاب الخواتيم عن على وسنده ضعيف، كما فى «كنز العمال» (١٧٢٩٨) .
(٢) لم أقف على رواية «فصه منه» وهى عند الترمذى (١٧٤٠) فى اللباس.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٩٤) فى اللباس والزينة، باب: فى خاتم الورق فصه حبشى.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٧٧) فى اللباس، باب: قول النبىﷺ-: «لا ينقش على نقش خاتمه»، ومسلم (٢٠٩٢) فى اللباس والزينة، باب: لبس النبىﷺ- خاتما من ورق نقشه محمد رسول الله.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
حبشى، ونقش فيه: محمد رسول الله) «١» . وفى رواية البخارى والترمذى (وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر) «٢» .
قال فى فتح البارى: ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك، وأنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على الترتيب العادى، فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به تقتضى أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا، وأما قول بعض الشيوخ أن كتابته كانت من فوق يعنى الجلالة أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد أسفلها، فلم أر التصريح بذلك فى شىء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلى يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال: محمد سطر، والسطر الثانى رسول، والسطر الثالث: الله.
وعن ابن عمر أنهﷺ- كان يلبس خاتمه فى يمينه، فلما قبض صار فى يد أبى بكر فى يمينه، فلما قبض صار فى يد عمر فى يمينه، ثم صار فى يد عثمان فى يمينه، ثم ذهب يوم الدار عليه: «لا إله إلا الله» . رواه بركة بن محمد الحلبى، كما حكاه ابن رجب فى كتاب الخواتيم، ثم قال: وهى رواية ساقطة جدّا، فإن بركة مذكور بالكذب، وفى لفظه ما يدل على بطلانه، وهو قوله: ذهب يوم الدار عليه: لا إله إلا الله، فإنه إنما سقط فى بئر أريس قبل يوم الدار، وقد عاش عثمان بعده مدة واتخذ له خاتما عوضه، وإنما كان نقشه، محمد رسول الله لا كلمة الإخلاص. انتهى.
تنبيه: قال شيخ الإسلام الشرف المناوى: وتحصل السنة بلبس الخاتم مطلقا، ولو مستعارا أو مستأجرا، لكن الأوفق للسنة لبسه بالملك، والاستدامة على ذلك، ويجوز تعداد الخواتيم اتخاذا، وأما الاستعمال فمفهوم كلام الرافعى عدم الجواز، وبه صرح المحب الطبرى فقال: المتجه أنه لا يجوز
_________________
(١) صحيح: أخرجه النسائى (٨/ ١٧٢) فى الزينة، باب: صفة خاتم النبىﷺ-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣١٠٦) فى الخمس، باب: ما ذكر فى درع النبىﷺ- وعصاه وقدحه وخاتمه، والترمذى (١٧٤٧ و١٧٤٨) فى اللباس، باب: ما جاء فى نقش الخاتم.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
للرجل أن يلبس خاتمين من فضة فى يديه أو فى إحداهما، لأن استعمال الفضة حرام إلا ما وردت به الرخصة، ولم ترد إلا فى خاتم واحد، لكن ذكر الخوارزمى فى الكافى أنه لا يجوز له أن يلبس زوجا فى يد وفرادى فى الآخرى، فإن لبس فى كل واحدة زوجا فقال الصيدلانى فى الفتاوى لا يجوز. وقال الدارمى فى الاستذكار يكره للرجل لبس فوق خاتمين، فاقتصاره على الكراهة يدل على عدم الحرمة، وإذا تقرر ذلك فالمسألة ذات خلاف، والذى يظهر كلام المحب الطبرى، فإن تسامحنا اعتمدنا على ما أفتى به الصيدلانى. انتهى.
ويجوز التختم فى اليمين واليسار، واختلف الناس فى أفضلهما، فقيل:
اليسار، وهو نص الإمام أحمد، فى رواية صالح قال: التختم فى اليسار أحب إلى، وهو مذهب الإمام مالك، ويروى أنه كان يلبسه فى يساره، وكذلك الإمام الشافعى. وفى صحيح مسلم عن أنس قال: (كان خاتم النبىﷺ- فى هذه وأشار إلى الخنصر فى يده اليسرى) «١» . وفى سنن أبو داود (عن ابن عمر أنه كانﷺ- يتختم فى يساره) «٢» وروى إسماعيل بن مسلم عن السليطى قال: أتيت النبىﷺ- فى ليلة قمراء، وكأنى أنظر إلى عكن بطنه، وكأنها القباطى وإلى وبيص خاتمه فى يساره. وإسماعيل هذا قال البخارى: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه. وقد ذكر بعض الحفاظ- كما أفاده الحافظ ابن رجب- أن التختم فى اليسار مروى عن عامة الصحابة والتابعين.
ورجحت طائفة التختم فى اليمين، وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن جعفر، وروى حماد بن سلمة قال: رأيت ابن أبى رافع يتختم فى يمينه فسألته عن ذلك فقال: رأيت عبد الله بن جعفر يتختم فى يمينه، وقال: كانﷺ-
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٩٥) فى اللباس والزينة، باب: فى لبس الخاتم فى الخنصر من اليد.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٢٧) فى الخاتم، باب: ما جاء فى التختم فى اليمين أو اليسار؟، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٨٩٩) .
[ ٢ / ٢١٠ ]
يتختم فى يمينه «١»، رواه أحمد والنسائى وابن ماجه والترمذى وقال: قال محمد- يعنى البخارى- هذا أصح شىء روى عن النبىﷺ- فى هذا الباب.
وفى الشمائل للترمذى عن جابر أنهﷺ- كان يتختم فى يمينه. وهذا فيه ضعف، لحال عبد الله بن ميمون. ويروى من حديث عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: قبض رسول اللهﷺ- والخاتم فى يمينه، وعباد بن صهيب متروك أيضا. وروى البزار فى مسنده من حديث عبيد بن القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبىﷺ- كان يتختم فى يمينه، وقبض والخاتم فى يمينه. وعبيد هذا كذاب. قال الحافظ ابن رجب: وقد جاء التصريح بأن تختمهﷺ- فى يساره كان آخر الأمرين فى حديث رواه سليمان بن محمد عن عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر أن النبىﷺ- كان يتختم فى يمينه ثم إنه حوله إلى يساره «٢» .
وقال وكيع: التختم فى اليمين ليس بسنة.
ونص أحمد: أنه يكره التختم فى السبابة والوسطى. وروى عن على أنه قال: (نهانى رسول اللهﷺ- أن أتختم فى هذه أو هذه وأومأ إلى السبابة والوسطى) «٣» والله أعلم. وفى اللباب: وكانﷺ- يتختم، وربما خرج وفى خاتمه خيط مربوط يستذكر به الشىء، ورواه ابن عدى بسند ضعيف من حديث واثلة بلفظ: كانﷺ- إذا أراد حاجة أوثق فى خاتمه
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (١٧٤٤) فى اللباس، باب: ما جاء فى لبس الخاتم فى اليمين، والنسائى (٨/ ١٧٥)، فى الزينة، باب: موضع الخاتم من اليد، وابن ماجه (٣٦٤٧) فى اللباس، باب: التختم باليمين، وأحمد فى «المسند» (١/ ٢٠٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٩٠٠) .
(٢) ضعيف: أخرجه ابن عدى فى الكامل عن ابن عمر، وابن عساكر عن عائشة، كما فى «ضعيف الجامع» (٤٥٣٢) .
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٧٨) فى اللباس والزينة، باب: النهى عن لبس الرجل الثوب المعصفر.
[ ٢ / ٢١١ ]
خيطا. وروى أبو يعلى عن ابن عمر أنه إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط فى أصبعه خيطا ليذكرها. وكذا هو فى رابع الخلعيات. لكن فيه سالم بن عبد الأعلى أبو الفيض، رماه ابن حبان بالوضع بل اتهمه أبو حاتم بهذا الحديث.
وأما السراويل فاختلف هل لبسها النبىﷺ- أم لا؟ فجزم بعض العلماء بأنهﷺ- لم يلبسه، ويستأنس له بما جزم به النووى فى ترجمة عثمان بن عفانرضي الله عنه- من كتاب تهذيب الأسماء واللغات: أنهرضي الله عنه- لم يلبس السراويل فى جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله. فإنهم كانوا أحرص شىء على اتباعهﷺ-.
لكن قد ورد فى حديث عند أبى يعلى الموصلى فى مسنده بسند ضعيف جدّا عن أبى هريرة قال: دخلت السوق يوما مع رسول اللهﷺ- فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له رسول اللهﷺ-: «اتزن وأرجح»، فقال الوزان إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد، فقال أبو هريرة فقلت له: كفى بك من الوهن والجفاء فى دينك ألا تعرف نبيك، فطرح الميزان، ووثب إلى يد رسول اللهﷺ- يريد أن يقبلها فجذب يدهﷺ- منه وقال: «يا هذا إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم»، فوزن فأرجح وأخذ رسول اللهﷺ- السراويل. قال أبو هريرة: فذهبت لأحمله عنه فقال: «صاحب الشىء أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم»، قال: قلت يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قال: «أجل، فى السفر والحضر، وبالليل والنهار، فإنى أمرت بالستر، فلم أجد شيئا أستر منه» «١» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٣٣٦) فى البيوع، باب: فى الرجحان فى الوزن والوزن بالأجر، والترمذى (١٣٠٥) فى البيوع، باب: ما جاء فى الرجحان فى الوزن، والنسائى (٧/ ٢٨٤) فى البيوع، باب: الرجحان فى الوزن، وابن ماجة (٢٢٢٠) فى التجارات، باب: الرجحان فى الوزن، والدارمى فى «سننه» (٢٥٨٥)، وأحمد فى «المسند» -
[ ٢ / ٢١٢ ]
وكذا أخرجه ابن حبان فى الضعفاء عن أبى يعلى، ورواه الطبرانى فى الأوسط، والدار قطنى فى الأفراد، والعقيلى فى الضعفاء، ومداره على يوسف ابن زياد الواسطى. لكن قد صح شراء النبىﷺ- له. وفى الهدى:
والظاهر أنهﷺ- إنما اشتراه ليلبسه. وقد روى أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسونه فى زمانه وبإذنه. قال أبو عبد الله الحجازى فى حاشيته على «الشفاء»: وما قاله فى الهدى من أنهﷺ- لبس السراويل، قالوا: سبق قلم والله أعلم. وقد أورد أبو سعيد النيسابورى ذكر الحديث فى تجارتهﷺ- من كتابه «شرف المصطفى» . وقد ترجم البخارى فى اللباس من صحيحه: باب السراويل، وأورد فيه حديث المحرم لكونه لم يرد فيه شىء على شرطه.
وأما الخف: فروى الترمذى عن بريدة أن النجاشى أهدى للنبىﷺ- خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما «١» .
وعن المغيرة بن شعبة قال: أهدى دحية للنبىﷺ- خفين فلبسهما.
وقال إسرائيل عن جابر عن عامر: وجبة فلبسهما حتى تخرقا، لا يدرى النبىﷺ- أذكيان هما أم لا «٢» . رواه الطبرانى.
وأما نعلهﷺ-، والنعل- كما قال صاحب المحكم- ما وقيت به القدم، ففى البخارى عن قتادة عن أنس (أن نعل النبىﷺ- كان لها
_________________
(١) - (٤/ ٣٥٢)، وابن حبان فى «صحيحه» (٢١٤٧)، والحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٣٥) و(٤/ ٢١٣)، من حديث سويد بن قيسرضي الله عنه-، مختصرا، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» وانظر «كشف الخفاء» (١٥٨٢) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٥٥) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين، والترمذى (٢٨٢٠) فى الأدب، باب: ما جاء فى الخف الأسود، وابن ماجه (٥٤٩) فى الطهارة، باب: ما جاء فى المسح على الخفين، و(٣٦٢٠) فى اللباس، باب: الخفاف السود، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (١٧٦٩) فى اللباس، باب: ما جاء فى لبس الجبة والخفين، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ٢ / ٢١٣ ]
قبالان) «١» . والقبالان: تثنية القبال، وهو زمام النعل، وهو السير الذى يكون بين الأصبعين. وعن ابن عباس قال: كان لنعل النبىﷺ- قبالان مثنى شراكهما، رواه الترمذى فى الشمائل، وفيها أيضا عن أبى هريرة قال: كان لنعل رسول اللهﷺ- قبالان. وعن عيسى بن طهمان قال: أخرج إلينا أنس ابن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثنى ثابت بعد عن أنس: أنهما كانتا نعلى النبى «٢» . وعن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: رأيتك تلبس النعال السبتية، قال: إنى رأيت رسول اللهﷺ- يلبس النعال التى ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها «٣» . وعن عمرو بن حريث قال:
رأيت رسول اللهﷺ- يصلى فى نعلين مخصوفتين «٤» . وعن عائشة كان رسول اللهﷺ- يحب التيمن ما استطاع فى ترجله وتنعله وطهوره «٥» رواه الترمذى.
وعن أبى هريرة، قالﷺ-: «إذا تنعل أحدكم فليبدأ باليمين، فإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمين أولهما تنعل وآخرهما تنزع» «٦» .
وكانﷺ- ينهى أن ينتعل الرجل قائما «٧» . رواه أبو داود والترمذى.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٥٧ و٥٨٥٨) فى اللباس، باب: قبالان في نعل.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣١٠٧) فى فرض الخمس، باب: ما ذكر من درع النبىﷺ-.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٥١) فى اللباس، باب: النعال السبتية وغيرها، ومسلم (١١٨٧) فى الحج، باب: الإحلال من حيث تنبعث الراحلة.
(٤) أخرجه النسائى فى «الكبرى» (٩٨٠٣ و٩٨٠٤)، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٥٨) .
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (١٦٨) فى الوضوء، باب: التيمن فى الوضوء والغسل، ومسلم (٢٦٨) فى الطهارة، باب: التيمن فى الطهور وغيره.
(٦) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٥٦) في اللباس، باب: ينزع نعله اليسرى، ومسلم (٢٠٩٧) فى اللباس والزينة، باب: استحباب لبس النعل فى اليمنى أولا.
(٧) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٣٥) في اللباس، باب: فى الانتعال، من حديث جابررضي الله عنه-، وأخرجه الترمذى (١٧٧٥) فى اللباس، باب ما جاء فى كراهية أن ينتعل الرجل وهو قائم، وابن ماجه (٣٦١٨) فى اللباس، باب: الانتعال قائما، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، وأخرجه الترمذى (١٧٧٦) من حديث أنسرضي الله عنه-، وأخرجه ابن ماجه (٣٦١٩) من حديث ابن عمررضي الله عنهما-.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وقد ذكر أبو اليمن بن عساكر تمثال نعله الكريمة- عليه أفضل الصلاة والسلام- فى جزء مفرد رويته قراءة وسماعا. وكذا أفرده بالتأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خلف السلمى المشهور بابن الحاج من أهل المرية بالأندلس وكذا غيرهما. ولم أثبتها هنا اتكالا على شهرتها وصعوبة ضبط تسطيرها إلا على حاذق.
ومن بعض ما ذكر من فضلها وجرب من نفعها وبركتها، ما ذكره أبو جعفر أحمد بن عبد المجيد، وكان شيخا صالحا قال: حذوت هذا المثال لبعض الطلبة فجاءنى يوما فقال لى رأيت البارحة من بركة هذا النعل عجبا.
أصاب زوجى وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النعل على موضع الوجع وقلت: اللهم أرنى بركة صاحب هذا النعل، فشفاها الله للحين.
وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمد: ومما جرب من بركته أن من أمسكه عنده متبركا به كان له أمانا من بغى البغاة وغلبة العداة وحرزا من كل شيطان مارد وعين كل حاسد، وإن أمسكته المرأة الحامل بيمينها وقد اشتد عليها الطلق تيسر أمرها بحول الله وقوته، ولله در أبى اليمن بن عساكر حيث قال:
يا منشدا فى رسم ربع خال ومناشدا لدوارس الأطلال
دع ندب آثار وذكر ماثر لأحبة بانوا وعصر خال
والثم ثرى الأثر الكريم فحبذا إن فزت منه بلثم ذا التمثال
أثر له بقلوبنا أثر لها شغل الخلى بحب ذات الخال
قبّل لك الإقبال نعلى أخمص حل الهلال بها محل قبال
ألصق بها قلبا يقلبه الهوى وجلا على الأوصاب والأوجال
صافح بها خدّا وعفر وجنة فى تربها وجدا وفرط فعال
سيبل حر جوى ثوى بجوانح فى الحب ما جنحت إلى الإبلال
يا شبه نعل المصطفى روحى الفدا لمحلك الأسمى الشريف العال
هملت لمرآك العيون وقد نأى مرمى العيان بغير ما إهمال
[ ٢ / ٢١٥ ]
وتذكرت عهد العقيق فتأثرت شوقا عقيق المدمع الهطال
وصبت فواصلت الحنين إلى الذى ما زال بالى منه فى بلبال
أذكرتنى قدما لها قدم العلا والجود والمعروف والإفضال
أذكرتنى من لم يزل ذكرى له يعتاد فى الأبكار والآصال
ولها المفاخر والماثر فى الدنا والدين والأقوال والأفعال
لو أن خدى يحتذى نعلا لها لبلغت من نيل المنى آمال
أو أن أجفانى لوطء نعالها أرض سمت عزا بذا الإذلال
وما أحسن قول أبى الحكم بن المرحل فى قصيدة ذكرها أبو إسحاق بن الحاج:
بوصف حبيبى طرز الشعر ناظمه ونمنم خد الطرس بالنقش راقمه
رؤوف عطوف أوسع الناس رحمة وجادت عليهم بالنوال غمائمه
له الحسن والإحسان فى كل مذهب فاثاره محبوبة ومعالمه
به ختم الله النبيين كلهم وكل فعال صالح فهو خاتمه
أحب رسول الله حبّا لو أنه تقاسمه قومى كفتهم قسائمه
كأن فؤادى كلما مرّ ذكره من الورق خفاق أصيبت قوادمه
أهيم إذا هبت نواسم أرضه ومن لفؤادى أن تهب نواسمه
فأنشق مسكا طيبا فكأنما نوافجه جاءت به ولطائمه
ومما دعانى والدعاوى كثيرة إلى الشوق أن الشوق مما أكاتمه
مثال لنعلى من أحب هويته فها أنا فى يومى وليلى ألاثمه
أجر على رأسى ووجهى أديمه وألثمه طورا وطورا ألازمه
أمثله فى رجل أكرم من مشى فتبصره عينى وما أنا حالمه
أحرك خدى ثم أحسب وقعه على وجنتى خطوا هناك يداومه
ومن لى بوقع النعل فى حر وجنتى لماش علت فوق النجوم براجمه
سأجعله فوق الترائب عوذة لقلبى لعل القلب يبرد حاجمه
وأربطة فوق الشؤون تميمة لجفنى لعل الجفن يرقأ ساجمه
[ ٢ / ٢١٦ ]
ألا بأبى تمثال نعل محمد لطاب لحاذيه وقدس خادمه
يود هلال الأفق لو أنه هوى يزاحمنا في لثمه ونزاحمه
وما ذاك إلا أن حب نبينا يقوم بأجسام الخليقة لازمه
سلام عليه كلما هبت الصبا وغنت بأغصان الأراك حمائمه
ولأبى بكر أحمد بن الإمام أبى محمد عبد الله بن الحسين القرطبى﵀-:
ونعل خضعنا هيبة لبهائها وإنا متى نخضع لها أبدا نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنها حقيقتها تاج وصورتها نعل
بأخمص خير الخلق حازت مزية على التاج حتى باهت المفرق الرجل
طريق الهدى عنها استنارت لمبصر وإن بحار الجود من فيضها حلوا
سلونا ولكن عن سواها وإنما نهيم بمغناها الغريب وما نسلوا
فما شاقنا مذ راقنا رسم عزها حميم ولا مال كريم ولا نسل
شفاء لذى سقم رجاء لبائس أمان لذى خوف كذا يحسب الفضل
وأما فراشهﷺ-، فقد كانﷺ- آخذا من ذلك بما تدعو ضرورته إليه، وترك ما سوى ذلك.
وفى صحيح مسلم قولهﷺ-: «فراش للرجل وفراش لامرأته والثالث للضيف، والرابع للشيطان» «١» .
قال العلماء: معناه ما زاد على الحاجة فاتخاذه إنما هو للمباهاة والاختيال، والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذموم، وكل مذموم يضاف للشيطان لأنه يرتضيه ويوسوس به ويحسنه، وقيل: إنه على ظاهره، وإنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان عليه مبيت ومقيل، وأما تعداد الفراش للزوج والزوجة فلا بأس به لأنه قد يحتاج كل واحد منهما إلى فراش عند المرض ونحوه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٨٤) فى اللباس والزينة، باب: كراهة ما زاد على الحاجة من الفراش واللباس، من حديث جابررضي الله عنه-.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وعن عائشة: «إنما كان فراش رسول اللهﷺ- الذى ينام عليه أدما حشوه الليف» «١» رواه الشيخان.
وروى البيهقى من حديثها، قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول اللهﷺ- قطيفة مثنية، فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول اللهﷺ- فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قلت: يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فبعثت إلى بهذا، فقال: «رديه يا عائشة فو الله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضة» «٢» .
وعند عبد الله بن مسعود: نام رسول اللهﷺ- على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه «٣» . الحديث رواه ابن ماجه والترمذى وقال: حسن صحيح.
والطبرانى ولفظه: دخلت على النبىﷺ- وهو فى غرفة كأنها حمام. وهو نائم على حصير، وقد أثر فى جنبه فبكيت، فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» قلت: يا رسول الله كسرى وقيصر يطؤون على الخز والديباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك، فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة» «٤» .
وقوله: كأنها بيت حمام- بتشديد الميم- أى أن فيها من الحر والكرب كما فى بيت الحمام. وعن ابن عباس قال: حدثنى عمر بن الخطاب قال:
دخلت على رسول اللهﷺ- وهو على حصير، قال: فجلست، فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر فى جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناى، فقال: «ما يبكيك يا ابن
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦٤٥٦) فى الرقاق، باب: كيف كان عيش النبىﷺ- وأصحابه، ومسلم (٢٠٨٢) فى اللباس والزينة، باب: التواضع فى اللباس.
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٣٤٥) .
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٣٧٧) فى الزهد، باب: رقم (٣١)، وأبو يعلى فى «مسنده» (٢٢٩٢)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٤) حسن: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (١٠/ ١٦٢) وذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٣٢٦) وقال: رواه الطبرانى، وفيه عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.
[ ٢ / ٢١٨ ]
الخطاب»، فقال: يا نبى الله، وما لى لا أبكى وهذا الحصير قد أثر فى جنبك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر فى الثمار والأنهار، وأنت نبى الله وصفوته، وهذه خزائنك. قال: «يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا» «١» . رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولفظه.
قال عمررضي الله عنه-: استأذنت على رسول اللهﷺ- فدخلت عليه فى مشربة، وإنه لمضطجع على خصفة وإن بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، وإن فوق رأسه لإهاب عطين، وفى ناحية المشربة قرظ، فسلمت عليه وجلست فقلت: أنت نبى الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال: «أولئك عجلت لهم طيباتهم وهى وشيكة الانقطاع وإنا قوم أخرت لنا طيباتنا فى آخرتنا» «٢» .
وعن عائشة، كان لرسول اللهﷺ- سرير مرمّل بالبردى، عليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبردى، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبىﷺ- نائم عليه، فلما رآهما استوى جالسا، فنظرا فإذا أثر السرير فى جنب رسول اللهﷺ- فقالا: يا رسول الله ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير والديباج فقالﷺ-: «لا تقولا هذا، فإن فراشى كسرى وقيصر فى النار، وإن فراشى وسريرى هذا عاقبته إلى الجنة» «٣» . رواه ابن حبان فى صحيحه. ويروى أنهﷺ- ما عاب مضجعا قط، إن فرش له اضطجع، وإلا اضطجع على الأرض. وتغطىﷺ- باللحاف، قالﷺ-: «ما أتانى جبريل وأنا فى لحاف امرأة منكن غير عائشة» «٤» .
_________________
(١) حسن: أخرجه ابن ماجه (٤١٥٣) فى الزهد، باب: ضجاع آل محمدﷺ-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
(٢) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ١١٧)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٣) أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٧٠٤) .
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٣٧٧٥) فى المناقب، باب: فضل عائشةرضي الله عنها-، من حديث أم سلمةرضي الله عنها-.
[ ٢ / ٢١٩ ]
النوع الثالث فى سيرته ﷺ فى نكاحه
قد كانﷺ- يأخذ من الجماع بالأكمل، مما تحفظ به الصحة، وتتم به اللذة وسرور النفس، وتحصل به مقاصده التى وضع لأجلها. فإن الجماع فى الأصل وضع لثلاثة أشياء، هى مقاصده الأصلية:
أحدها: حفظ النفس ودوام النوع الإنسانى إلى أن تتكامل العدة التى قدر الله تعالى بروزها إلى هذا العالم.
الثانى: إخراج الماء الذى يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.
الثالث: قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة، وهذه هى الفائدة التى فى الجنة، إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإنزال، وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أسباب حفظ الصحة. لكن لا ينبغى إخراج المنى إلا فى طلب النسل، وإخراج ما احتقن منه، فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة، منها الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك، وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا، فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة.
قال محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعضائه وانسدت مجاريها، وتقلص ذكره، وقد رأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم كابة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم. أشار إليه فى زاد المعاد.
ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه فى دنياه وآخرته، وينفع المرأة، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية، ولذلك كانﷺ- يتعاهده ويقول كما فى حديث أنس عند الطبرانى فى الأوسط،
[ ٢ / ٢٢٠ ]
والنسائى فى سننه: «حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة» «١» أى لمناجاته فيها ربه، زاد الإمام أحمد فى الزهد: وأصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن.
فمحبة النساء والنكاح من كمال الإنسان، هذا خليل الله إبراهيم، إمام الحنفاء، كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، أحب هاجر وتسرى بها. وذكر سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: كان الخليل إبراهيم﵊- يزور هاجر فى كل يوم من الشام على البراق شغفا بها وقلة صبر عنها. وهذا داود﵊- كان عنده تسع وتسعون امرأة فأحب تلك المرأة وتزوج بها فكمل المائة وهذا سليمان ابنه كان يطوف فى الليلة على تسعين امرأة.
تنبيه: قد وقع فى الإحياء للغزالى، وتفسير آل عمران من الكشاف، وكثير من كتب الفقهاء: «حبب إلى من دنياكم ثلاث» «٢» . وقالوا: إنه﵊- قال «ثلاث» ولم يذكر إلا اثنتين: الطيب والنساء. قالوا:
ومنه قول الشاعر:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت مالى وكنت بهن قدما مولعا
الخمر والماء القراح وأطلى بالزعفران فلا أزال مولعا
وذكرها ابن فورك فى جزء مفرد ووجهها وأطنب فى ذلك، وهذا عندهم يسمى «طيا» وهو أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلم، وأنشد الزمخشرى عليه:
كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها
وفائدة الطى عندهم تكثير ذلك الشىء: لكن قال ابن القيم وغيره: من
_________________
(١) صحيح: أخرجه النسائى (٧/ ٦١) فى عشرة النساء، باب: حب النساء، وأحمد فى «مسنده» (٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥) من حديث أنسرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣١٢٤) .
(٢) انظر فى ذلك «كشف الخفاء» للعجلونى (١٠٨٩) .
[ ٢ / ٢٢١ ]
رواه «حبب إلى من دنياكم ثلاث» فقد وهم، ولم يقلﷺ-: ثلاث، والصلاة ليست من أمور الدنيا التى تضاف إليها. انتهى، نعم تضاف إليها لكونها ظرفا لوقوعها فقط، فهى عبادة محضة. وقال شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر فى تاريخ الكشاف: إن لفظ «ثلاث» لم تقع فى شىء من طرقه، وزيادته مفسدة للمعنى. وكذا قال شيخ الإسلام الولى ابن العراقى فى أماليه، وعبارته: ليست هذه اللفظة وهى «ثلاث» فى شىء من كتب الحديث، وهى مفسدة للمعنى، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا. وكذا صرح به الزركشى وغيره، كما حكاه شيخنا فى المقاصد الحسنة وأقره.
وقال ابن الحاج فى المدخل: انظر إلى حكمة قولهﷺ- «حبب» ولم يقل: أحببت، وقال: «من دنياكم» فأضافها إليهم دونه﵊-، فدل على أن حبه كان خاصا بمولاه تعالى، وجعلت قرة عينه فى الصلاة، فكانﷺ- بشرىّ الظاهر، ملكوتى الباطن. وكانﷺ- لا يأتى إلى شىء من أحوال البشرية إلا تأنيسا لأمته وتشريعا لها، لا أنه محتاج إلى شىء من ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ «١» فقال: «لكم» ولم يقل: إنى ملك، فلم ينف الملكية عنه إلا بالنسبة إليهم، أعنى فى معانيهﷺ- لا فى ذاته الكريمة، إذ إنهﷺ- يلحق بشريته ما يلحق البشر، ولهذا قال سيدى أبو الحسن الشاذلى فى صفتهﷺ-: هو بشر ليس كالأبشار، كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار. وهذا منه﵀- على سبيل التقريب للفهوم، فدل على أنهﷺ- ملكى الباطن، ومن كان ملكى الباطن ملك نفسه.
انتهى.
وهاهنا لطيفة: روى أنهﷺ- لما قال: «حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاة»، قال أبو بكر: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا: النظر إلى وجهك، وجمع المال للإنفاق عليك،
_________________
(١) سورة الأنعام: ٥٠.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
والتوسل بقرابتك إليك. وقال عمر: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا:
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقيام بأمر الله، وقال عثمان: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا إشباع الجائع وإرواء الظمان وكسوة العارى، وقال على بن أبى طالب: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا الصوم فى الصيف، وإقراء الضيف والضرب بين يديك بالسيف. قال الطبرى: خرجه الجندى. كذا قال والعهدة عليه.
وعن أنس أن رسول اللهﷺ- قال: «فضلت على الناس بأربع بالسماحة والشجاعة وكثرة الجماع وشدة البطش» «١» . رواه الطبرانى. وقال أنس: (كانﷺ- يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل، وهن إحدى عشرة، قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين) «٢» رواه البخارى من طريق قتادة. قال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه. ورواه سعيد بن أبى عروبة وغيره عن قتادة فقال: (تسع نسوة) «٣» انتهى. وكذا رواه البخارى من طريق سعيد بن أبى عروبة أيضا بلفظ (وله يومئذ تسع نسوة) . وقد جمع بينهما ابن حبان فى صحيحه بأن حمل ذلك على حالتين، لكنه وهم فى قوله: إن الأولى كانت فى أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة، والحالة الثانية فى آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة.
وموضع هذا الوهم منه: إنهﷺ- لما قدم المدينة لم يكن تحته سوى سودة ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة وحفصة وزينب بنت خزيمة فى السنة الرابعة، ثم زينب بنت جحش فى الخامسة، ثم جويرية فى السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة فى السابعة، هؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور لكن تحمل رواية هشام على
_________________
(١) موضوع: أخرجه الطبرانى فى الكبير، والإسماعيلى فى معجمه، كما فى «ضعيف الجامع» (٣٩٨٥) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٦٨) فى الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد.
(٣) هو تتمة ما قبله.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليهن لفظ «نسائه» تغليبا. فإن قلت:
وطء المرأة فى يوم الآخرى ممنوع، والقسم وإن لم يكن واجبا عليهﷺ- لكنه التزمه تطييبا لنفوسهن. أجيب: باحتمال إذن صاحبة اليوم له، أو أنه فى يوم لم يثبت فيه قسم بعد، كيوم قدومه من سفر، أو اليوم الذى بعد كمال الدورة، لأنه يستأنف القسم فيما بعد، أو أنه من خصائصهﷺ-، وقد اختص فى باب النساء بأشياء، كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
وعن طاووس ومجاهد: أعطىﷺ- قوة أربعين رجلا فى الجماع «١» . رواه ابن سعد. وفى رواية عن مجاهد: قوة بضع وأربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة. رواه الحارث بن أبى أسامة. وعند أحمد والنسائى، وصححه الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه: «إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة فى الأكل والشرب والجماع والشهوة» «٢» . وعن صفوان بن سليم مرفوعا: «أتانى جبريل بقدر، فأكلت منها فأعطيت قوة أربعين رجلا فى الجماع» «٣» . رواه ابن سعد.
ولما كانﷺ- ممن أقدر على القوة فى الجماع وأعطى الكثير منه، أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره. قال ابن عباس: تزوجوا فإن أفضل هذه الأمة أكثرها نساء. يشير إليهﷺ-، وقيد بهذه الأمة ليخرج مثل سليمان﵇- فإنه كان أكثر نساء.
ووقع عند الطبرانى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: تزوجوا فإن خيرنا أكثرنا نساء، قيل المعنى: خير أمة محمدﷺ- من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى: والذى يظهر أن مراد ابن عباس ب «الخير» النبىﷺ- وب «الأمة» أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك
_________________
(١) تقدم فى حديث الهريسة، وهو ضعيف.
(٢) أخرجه أحمد فى «المسند» (٤/ ٣٧١)، والدارمى فى «سننه» (٢٨٢٥)، والطبرانى فى «الكبير» (٥/ ١٧٧ و١٧٨) .
(٣) تقدم.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحا ما آثر النبىﷺ- غيره، وكان- مع كونه أخشى الناس لله وأعلمهم به- يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التى لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة فى خرق العادة لكونه كان لا يجد ما يستمتع به من القوت غالبا، وإن وجد فكان يؤثر بأكثره، ويصوم كثيرا ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه فى الليلة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن، وقوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من مأكول ومشروب، وهى عندهﷺ- نادرة أو معدومة.
وقال بعض العلماء: لما كان الحر لفضله على العبد يستبيح من النساء أكثر مما يستبيح العبد، وجب أن يكون النبىﷺ- لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما تستبيحه الأمة. قالوا: ومن فوائد ذلك، زيادة التكليف بهن مع تحمل أعباء الرسالة، فيكون ذلك أعظم لمشاقه وأكثر لأجره، ومنها: أن النكاح فى حقه عبادة، ومنها: نقل محاسنه الباطنة، وقد تزوجﷺ- أم حبيبة وكان أبوها فى ذلك الوقت عدوه، وصفية وقد قتل أباها وعمها وزوجها، فلو لم يطلعن من باطن أحواله على أنه أكمل خلق الله لكانت الطباع البشرية تقتضى ميلهن إلى آبائهن وقرابتهن، فكان فى كثرة النساء عنده بيان لمعجزاته وكماله باطنا، كما عرف الرجال منه الظاهر.
وقد رغبﷺ- فى النكاح. فروى أبو داود والنسائى من حديث معقل بن يسار مرفوعا: «تزوجوا الولود الودود فإنى مكاثر بكم الأمم» «١» وفى ابن ماجه عن أبى هريرة رفعه: «انكحوا فإنى مكاثر بكم الأمم» . وهو معنى ما اشتهر على الألسنة: «تناكحوا تناسلوا فإنى أباهى بكم الأمم» «٢»، ولم أقف عليه بهذا اللفظ.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٠٥٠) فى النكاح، باب: من تزوج الولود، والنسائى (٦/ ٦٥) فى النكاح، باب: كراهية تزويج العقيم، والحاكم فى «المستدرك» (٢/ ١٧٦)، من حديث معقل بن يساررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٩٤٠) .
(٢) انظر هذه الرواية فى «كشف الخفاء» للعجلونى (١٠٢١) .
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وأرشدﷺ- من لم يستطع الباءة إلى الصوم، لأن كثرته تقلل مادة النكاح، وتضعف ما يجده المرء من الحرارة القوية التى تبعثه على النكاح، وخص الشباب فى قوله: «يا معشر الشباب» «١» لأن للشباب من شهوة النكاح ما ليس لغيرهم. وقد ظهر لك أن النكاح أعظم فى الأجر والثواب من الصيام، فإنهﷺ- لم يأمر أولا بالصوم إنما أمر به عند عدم الطول إلى النكاح، وإذا كان النكاح ينوى به التناسل لتكثير هذه الأمة المحمدية فهو بلا شك أفضل.
قال عمر بن الخطابرضي الله عنه-: إنى لأطأ النساء وما لى إليهن حاجة، رجاء أن يخرج الله من ظهرى من يكاثر به محمدﷺ- الأمم يوم القيامة.
ذكره ابن أبى جمرة.
وانظر كون نبيناﷺ- بالإجماع- أعبد الناس، مع ما طبعت عليه بشريته من حب الجماع، وكيف لم يخل بعبادته شيئا، لأنهﷺ- لم يكن يأتيها إلا على مشروعيتها، وهذا هو غاية الكمال فى البشرية، لأنه يرجع ما طبع عليه تابعا لما أمر به.
وقد روى عنهﷺ- أنه قال: «لا رهبانية فى الإسلام» «٢» . وهى ترك النساء، ولو كان تركهن أفضل لشرع ذلك فى ديننا، إذ هو خير الأديان. وقد قال سليمان﵇-: لأطوفن الليلة على مائة امرأة «٣» . رواه البخارى.
وهذا فيه معجزة لسليمان﵇-، إذ البشر عاجز عن الطواف على مائة
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٠٦٥) فى النكاح، باب: قول النبىﷺ-: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، ومسلم (١٤٠٠) فى النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، من حديث عبد الله بن مسعودرضي الله عنه-.
(٢) لم أره بهذا اللفظ: قاله الحافظ ابن حجر، لكن فى حديث سعد بن أبى وقاص عند البيهقى «أن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة»، نقلا عن «كشف الخفاء» (٣١٥٤) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٤٢٤) فى أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، ومسلم (١٦٥٤) فى الأيمان، باب: الاستثناء، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
امرأة فى ليلة واحدة، فأظهر الله تعالى قدرته بأن أعطى لسليمان﵇- القوة على ذلك فكان فيها معجزة وإظهار قدرة وإبداء حكمة، ردّا على من ربط الأشياء بالعوائذ فيقول: لا يكون كذا إلا من كذا، ولا يتولد كذا إلا من كذا، فألقى الله فى صلب سليمان ماء مائة رجل.
وكان له ثلاثمائة زوجة وألف سرية وهذا لا يعطى تفضيل سليمان﵇- على نبيناﷺ-، إذ سيدنا محمد لم يعط إلا ماء أربعين رجلا، ولم يكن له غير عشر نسوة، لأن مرتبة نبيناﷺ- فى الأفضلية لا يساويه فيها أحد، وسليمان تمنى أن يكون ملكا فأعطى ذلك، وأعطى هذه القوة فى الجماع لكى يتم له الملك على خرق العادة من كل الجهات ليمتاز بذلك.
فكان نساؤه من جنس ملكه الذى لا ينبغى لأحد من بعده كما طلب.
ونبينا محمدﷺ- لما خير بين أن يكون نبيّا ملكا أبى ذلك، واختار أن يكون نبيّا عبدا، فأعطى من الخصوصية ذلك القدر لكونهﷺ- اختار الفقر والعبودية فأعطى الزائد لخرق العادة فى النوع الذى اختار وهو الفقر والعبودية، فكانﷺ- يربط على بطنه الأحجار من شدة الجوع والمجاهدة، وهو على حاله فى الجماع لم ينقصه شيئا، والناس أبدا إذا أخذهم الجوع والمجاهدة لا يستطيعون ذلك، فهو أبلغ فى المعجزة، قاله فى بهجة النفوس، والله أعلم.
النوع الرابع فى نومه ﷺ
كانﷺ- ينام أول الليل ويستيقظ فى أول النصف الثانى، فيقوم فيستاك ويتوضأ، ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه، وكان ينام على جانبه الأيمن، ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه، غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب، لأنهﷺ- كان يحب التيامن فى شأنه كله، وليرشد أمته، لأن فى الاضطجاع على الشق الأيمن سرّا، وهو
[ ٢ / ٢٢٧ ]
أن القلب معلق فى الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نوما، لأنه يكون فى دعة واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على الشق الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق فى النوم لقلق القلب، وطلبه مستقره وميله إليه.
قالوا: وكثرة النوم على الجانب الأيسر- وإن كان أهنأ- مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه، فتنصب المواد فيه. وأما قول القاضى عياض فى الشفاء: وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم.. إلخ، ففيه شىء، لأنهﷺ- لا ينام قلبه، فسواء كان نومه على الجانب الأيمن أو الأيسر فهذا الحكم ثابت له، وما علله به إنما تستقيم فى حق من ينام قلبه، وحينئذ فالأحسن تعليله بحب التيامن، أو بقصده التعليم، كما مر. وأردأ النوم، النوم على الظهر، ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم، وأردأ منه أن ينام منبطحا على وجهه، وفى سنن ابن ماجه أنهﷺ- مر برجل فى المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله وقال: «قم، أو اقعد، فإنها نومة جهنمية» «١» .
وكانﷺ- ينام على النطع تارة، وعلى الفراش تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة. وكان فراشه أدما حشوه ليف. وكان له مسح ينام عليه. وكانﷺ- إذا أخذ مضجعه وضع كفه تحت خده الأيمن وقال:
«رب قنى عذابك يوم تبعث عبادك» «٢» وفى رواية: «يوم تجمع عبادك» .
وقال أبو قتادة: كانﷺ- إذا عرّس بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه «٣» . وقال ابن
_________________
(١) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٧٣٥) فى الأدب، باب: النهى عن الاضطجاع على الوجه، من حديث أبى أمامةرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجه» .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٥٠٤٥) فى الأدب، باب: ما يقول عند النوم، من حديث حفصةرضي الله عنها-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٦٨٣) فى المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٢٩٨) .
[ ٢ / ٢٢٨ ]
عباس: كانﷺ- إذا نام نفخ «١» . وعن حذيفة كانﷺ- إذا أوى إلى فراشه قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا» «٢» . وقالت عائشة: كان يجمع كفيه فينفث فيهما ويقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٣» وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ «٤» وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «٥» ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. يصنع ذلك ثلاث مرات «٦» . وقال أنس: كان رسول اللهﷺ- إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، وكم ممن لا كافى له ولا مؤوى» «٧» . روى ذلك الترمذى.
وكانﷺ- تنام عينه ولا ينام قلبه «٨»، رواه البخارى من حديث عائشة، قاله لها﵊- لما قالت له: أتنام قبل أن توتر، وإنما كانﷺ- لا ينام قلبه لأن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحالة لنبيناﷺ-، ولمن أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسوله من ذلك جزء، بحسب نصيبه منها، فمستيقظ القلب وغافله، كمستيقظ البدن ونائمه، وإلى هذا الذى ذكرته أشار صاحب المعارف العلية والحقائق السنية سيدى على ابن سيدى محمد وفا:
عينى تنام لكن قلبى والله ما ينام
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦٩٨) فى الأذان، باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام، ومسلم (٧٦٣) فى صلاة المسافرين، باب: الدعاء فى صلاة الليل وقيامه. (٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦٣١٢) فى الدعوات، باب: ما يقول إذا نام. (٣) سورة الإخلاص: ١. (٤) سورة الفلق: ١. (٥) سورة الناس: ١. (٦) صحيح: أخرجه البخارى (٨/ ٥٠) فى فضائل القرآن، باب: فضل المعوذات. (٧) صحيح: أخرجه مسلم (٥/ ٢٧) فى الذكر والدعاء، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع. (٨) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٦٩) فى المناقب، باب: كان النبىﷺ- تنام عيناه ولا ينام قلبه.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وكيف ينام عاشق مسبى فى الحب مستهام
ناظر إلى وجه الحبيب شاخص على الدوام أتاه فى المعنى مرسوم أن يمحى الرسوم
فقال بالحى القيوم يا سعد من يقوم
وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين حديث نومهﷺ- فى الوادى عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس وحميت حتى أيقظه عمررضي الله عنه- بالتكبير «١» .
فقال النووى: له جوابان، أحدهما: أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان، والثانى: أنه كان له حالان، حال كان قلبه لا ينام وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه وهو نادر، فصادف هذا، أى قصة النوم عن الصلاة. قال: والصحيح المعتمد هو الأول والثانى ضعيف.
قال فى فتح البارى: وهو كما قال، ولا يقال: القلب- وإن كان لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلا- لكنه يدرك إذا كان يقظانا مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميت الشمس مدة طويلة، لا تخفى على من لم يكن مستغرقا، لأنا نقول: يحتمل أن يقال:
كان قلبهﷺ- إذ ذاك مستغرقا بالوحى، ولا يلزم من ذلك وصفه بالنوم، كما كان يستغرقﷺ- حالة إلقاء الوحى فى اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنه أوقع فى النفس، كما فى قصة سهوه فى الصلاة، وقريب من هذا جواب ابن المنير: أن القلب يحصل له السهو فى اليقظة لمصلحة التشريع، ففى النوم بطريق الأولى، أو على السواء.
وقال ابن العربى فى القبس: النبىﷺ- كيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة فى حق وتحقيق، ومع الملائكة فى كل طريق، إن نسى فباكد من
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٣٤٤) فى التيمم، باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء، ومسلم (٦٨٢) فى المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيلها، من حديث عمران بن حصينرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
المنسى اشتغل، وإن نام فبقلبه ونفسه على الله أقبل، ولهذا قالت الصحابة كانﷺ- إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ، لأنا لا ندرى ما هو فيه، فنومه عن الصلاة أو نسيانه لشىء منها لم يكن عن آفة، وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها لتكون لنا سنة. انتهى.
وقد أجيب عن أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة منها: أن معنى قوله: «لا ينام قلبى» أى لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه، ومنها: أن معناه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذى قبله.
قال ابن دقيق العيد، كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أن قولهﷺ-: «إن عينى تنامان ولا ينام قلبى» «١» خرج جوابا عن قول عائشة: أتنام قبل أن توتر؟ وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذى تكلموا فيه. وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرق بين من شرع فى النوم مطمئن القلب به، وبين من شرع فيه متعلقا باليقظة.
قال: وعلى هذا فلا تعارض ولا إشكال فى حديث النوم حتى طلعت الشمس، لأنه يحتمل أنه اطمأن فى نومه لما أوجبه تعب السير معتمدا على من وكله بكلاءة الفجر، انتهى.
ومحصله تخصيص اليقظة المفهومة من قوله «ولا ينام قلبى» بإدراكه وقت الوتر إدراكا معنويّا لتعلقه به، وأن نومه فى حديث الباب كان نوما مستغرقا، ويؤيده قول بلال: أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك، كما فى حديث أبى هريرة عند مسلم، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقا، وقد اعترض عليه: بأن ما قاله يقتضى اعتبار خصوص السبب، وأجاب، بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليها السياق، وهو هنا كذلك.
ومن الأجوبة الضعيفة أيضا: قول من قال: كان قلبه يقظانا وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك لمصلحة التشريع، والله أعلم انتهى.
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم قبل حديث.
[ ٢ / ٢٣١ ]
المقصد الرابع وفيه فصلان:
* فى معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته.
* وما خص به من خصائص آياته وبدائع كراماته.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
الفصل الأول فى معجزاته ص
تعريف المعجزة بالدليل:
اعلم أيها المحب لهذا النبى الكريم، والرسول العظيم- سلك الله بى وبك مناهج سنته، وأماتنا على محبته، بمنه ورحمته- أن المعجزة هى الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدى الدال على صدق الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فعلم أن لها شروطا:
* أحدها: أن تكون خارقة للعادة
، كانشقاق القمر، وانفجار الماء من بين الأصابع، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، وإعدام جبل.
فخرج غير الخارق للعادة، كطلوع الشمس كل يوم.
* الثانى: أن تكون مقرونة بالتحدى،
وهو طلب المعارضة والمقابلة. قال الجوهرى: يقال: تحديث فلانا، إذا باريته فى فعل ونازعته للغلبة. وفى القاموس: نحوه. وفى الأساس: حدا، يحدو، وهو حادى الإبل، واحتدى بها حداء إذا غنى، ومن المجاز: تحدى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة.
وأصله: الحداء، يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أى يطلب حداءه. كما يقال: توفاه بمعنى استوفاه، وفى بعض الحواشى الموثوق بها، كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار وحاد عن يساره، يتحدى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أى يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه حتى استعمل فى كل مباراة. انتهى من حاشية الطيبى على الكشاف. وقال المحققون: التحدى، الدعوى للرسالة. انتهى.
* والشرط الثالث من شروط المعجزة:
أن لا يأتى أحد بمثل ما أتى به
[ ٢ / ٢٣٥ ]
المتحدى على وجه المعارضة. وعبر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة وهو أحسن من التعبير: بعدم المعارضة، لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها. والشرط إنما هو عدم إمكانها. وقد خرج بقيد «التحدى» الخارق من غير تحد، وهو الكرامة للولى. وب «المقارنة» الخارق المتقدم على التحدى، كإظلال الغمام، وشق الصدر، الواقعين لنبيناﷺ- قبل دعوى الرسالة، وكلام عيسى فى المهد، وما شابه ذلك مما وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة، فإنها ليست معجزات إنما هى كرامات، ظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء فيجوز ظهورها عليهم أيضا، وحينئذ يسمى «إرهاصا» أى تأسيسا للنبوة كما صرح به العلامة السيد الجرجانى فى شرح المواقف، وغيره، وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم.
وخرج أيضا بقيد «المقارنة» المتأخر عن التحدى، بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما روى بعد وفاتهﷺ- من نطق بعض الموتى بالشهادتين وشبهه، مما تواترت به الأخبار. وخرج أيضا ب «أمن المعارضة» السحر المقرون بالتحدى، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم. واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع أم لا؟ فقال بالأول قائلون، حتى جوزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارا. وذهب آخرون: إلى أن أحدا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة طبيعة إلا الله تعالى لأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عينا. قالوا: ولو جوزنا للساحر ما جاز على النبى فأى فرق عندكم بينهما؟ فإن لجأتم إلى ما ذكره القاضى أبو بكر الباقلانى من الفرق بالتحدى فقط قيل لكم هذا باطل من وجوه: