المقصد الثامن فى طبه ص لذوى الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات
اعلم أنه لا سبيل لأحد إلى الإحاطة بنقطة من بحار معارفه، أو قطرة مما أفاضه الله تعالى عليه من سحائب عوارفه، وأنت إذا تأملت ما منحه الله تعالى به من جوامع الكلم، وخصه به من بدائع الحكم، وحسن سيره، وحكم حديثه، وإنبائه بأنباء القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى مع الخضر، ويوسف مع إخوته، وأصحاب الكهف، وذى القرنين، وأشباه ذلك، وبدء الخلق، وأخبار الدار الآخرة، وما فى التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وإظهار أحوال الأنبياء وأممهم، وأسرار علومهم ومستودعات سيرهم، وإعلامهم بمكتوم شرائعهم، ومضمنات كتبهم وغير ذلك مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك فضلا عما أفاضه من العلم ومحاسن الآداب والشيم «١»، والمواعظ والحكم، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والرد على فرق الأمم ببراهين الأدلة الواضحات، والإشارة إلى فنون العلوم التى اتخذ أهلها كلامه فيها قدوة، وإشاراته حجة، كاللغة والمعانى والعربية، وقوانين الأحكام الشرعية والسياسات العقلية، ومعارف عوارف الحقائق القلبية، إلى غير ذلك من ضروب العلوم، وفنون المعارف الشاملة لمصالح أمته، كالطب والعبارة «٢» والحساب وغير ذلك مما لا يعد ولا يحد قضيت بإن مجال هذا الباب فى حقهﷺ- ممتد، تنقطع دون نفاده الأدلاء، وإن بحر علمه ومعارفه زاخر لا تكدره الدلاء. وهذا المقصد- أعزك الله- يشتمل على ثلاثة فصول:
_________________
(١) الشيم: الخلق، والشيمة: الطبيعة.
(٢) كذا بالأصل: ولعلها العمارة.
[ ٣ / ٣ ]
الفصل الأول فى طبه ﷺ لذوى الأمراض والعاهات
اعلم أنه قد ثبت أنهﷺ- كان يعود من مرض من أصحابه، حتى لقد عاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهوديّا، كما روى البخارى وأبو داود من حديث أنس: أن غلاما من اليهود كان يخدم النبىﷺ- فمرض فعادهﷺ- فقعد عند رأسه، فقال: «أسلم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال:
أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبىﷺ- وهو يقول: «الحمد لله الذى أنقذه من النار» «١» .
وكانﷺ- يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأل عن حاله ويقول: «كيف تجدك؟» «٢» .
وفى حديث جابر عند البخارى ومسلم والترمذى وأبى داود، قال:
مرضت فأتانى رسول اللهﷺ- يعودنى وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجدانى أغمى على، فتوضأ النبىﷺ- ثم صب وضوءه على فأفقت، فإذا النبىﷺ-، وعند أبى داود: فنضح فى وجهى فأفقت. وفيه: أنهﷺ- قال:
«يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا» «٣» .
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (١٣٥٦) فى الجنائز، باب: إذا أسلم الصبى، وأبو داود (٣٠٩٥) فى الجنائز، باب: فى عيادة الذمى، وأحمد فى المسند (٣/ ١٧٥، ٢٥٧، ٢٦٠ و٢٨٠) .
(٢) حسن: أخرجه الترمذى (٩٨٣) فى الجنائز، باب: رقم (١٠)، وابن ماجه (٤٢٦١) فى الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، وأبو يعلى فى «مسنده» (٦/ ٥٧) من حديث أنسرضي الله عنه-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه، وهو فى صحيح البخارى (٣٩٢٦) فى فضائل الصحابة، من قول عائشةرضي الله عنها-.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٨٨٧) فى الفرائض، باب: من كان ليس له ولد وله أخوات، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٧٢)، وهو فى الصحيحين بدون هذه الزيادة، والرواية صححها الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٣ / ٤ ]
وفى حديث أبى موسى عند البخارى مرفوعا: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العانى» «١» . وعنده من رواية البراء: أمرناﷺ- بسبع، وذكر منها عيادة المريض «٢» وعند مسلم: خمس تجب للمسلم على المسلم، فذكرها منها «٣» . قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، يعنى الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب على التواصل والألفة. وعند الطبرى: يتأكد فى حق من ترجى بركته، ويسن فيمن يراعى حاله، ويباح فيما عدا ذلك. وهو فرض كفاية عند أبى حنيفة، كما قاله أبو الليث السمرقندى «٤» فى «مقدمته» .
واستدل بعموم قوله: «عودوا المريض» على مشروعية العيادة فى كل مرض، واستثنى بعضهم: الأرمد، وردّ: بأنه قد جاء فى عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن الأرقم، قال: عادنى رسول اللهﷺ- من وجع كان بعينى «٥»، رواه أبو داود وصححه الحاكم. وأما ما أخرجه البيهقى والطبرانى مرفوعا: «ثلاثة ليس لهم عيادة، الرمد والدمل والضرس» «٦»،
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٠٤٦) فى الجهاد والسير، باب: فكاك الأسير، وأبو داود (٣١٠٥) فى الجنائز، باب: الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٣٩٤ و٤٠٦)، وابن حبان فى «صحيحه» (٣٣٢٤) .
(٢) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (١٢٣٩) فى الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز، ومسلم (٢٠٦٦) فى اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٣) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (١٢٤٠) فى الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز، ومسلم (٢١٦٢) فى السلام، باب: حق المسلم للمسلم والسلام، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٤) هو: الإمام الفقيه المحدث الزاهد، أبو الليث، نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندى الحنفى، صاحب كتاب «تنبيه الغافلين» وغير ذلك، توفى سنة ٣٧٥ هـ.
(٥) حسن: أخرجه أبو داود (٣١٠٢) فى الجنائز، باب: فى العيادة فى الرمد، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٤٩٢)، والبيهقى فى «السنن الكبرى» (٣/ ٣٨١)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٦) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٢/ ٣٠٠) عن أبى هريرة وقال: رواه الطبرانى فى «الأوسط» وفيه سلمة بن على الحبشى، وهو ضعيف.
[ ٣ / ٥ ]
فصحح البيهقى أنه موقوف على يحيى بن أبى كثير، ويؤخذ من إطلاقه عدم التقييد بزمان يمضى من ابتداء مرضه. وهو قول الجمهور، وجزم الغزالى فى «الإحياء»: بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كانﷺ- لا يعود مريضا إلا بعد ثلاثة «١» وهذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن على، وهو متروك، وقال أبو حاتم هو حديث باطل.
ولا نطيل بإيراد ما ورد فى فضل العيادة، ويكفى حديث أبى هريرة، مما حسنه الترمذى مرفوعا: «من عاد مريضا ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا» «٢» وهذا لفظ ابن ماجه. وفى سنن أبى داود عن أنس مرفوعا: «من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسبا، بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفا» «٣» . وفى حديث أبى سعيد عند ابن حبان فى صحيحه مرفوعا: «خمس من عملهن فى يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضا وشهد جنازة وصام يوما، وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة» «٤» . وعند أحمد، عن كعب مرفوعا: من عاد مريضا، خاض فى
_________________
(١) موضوع: أخرجه ابن ماجه (١٤٣٧) فى الجنائز، باب: ما جاء فى عيادة المريض، وقال البوصيرى فى «الزوائد»: فى إسناده سلمة بن على، قال فيه البخارى وأبو حاتم وأبو زرعة: منكر الحديث، ومن منكراته (كان لا يعود مريضا إلا بعد ثلاثة أيام) قال فيه أبو حاتم: هذا منكر باطل وقال ابن عدى: أحاديثه غير محفوظة، واتفقوا على تضعيفه. اهـ. وقال عنه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٤٩٩): موضوع.
(٢) حسن: أخرجه الترمذى (٢٠٠٨) فى البر والصلة، باب: ما جاء فى زيارة الإخوان، وابن ماجه (١٤٤٣) فى الجنائز، باب: ما جاء فى ثواب من عاد مريضا، وأحمد فى «المسند» (٢/ ٣٢٦ و٣٤٤ و٣٥٤)، وابن حبان فى «صحيحه» (٢٩٦١)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٠٩٧) فى الجنائز، باب: فى فضل العيادة على وضوء، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(٤) إسناده قوى: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٢٧٧١)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده قوى.
[ ٣ / ٦ ]
الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها «١» . زاد الطبرانى: وإذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج.
ولم يكنﷺ- يخص يوما من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتا من الأوقات، فترك العيادة يوم السبت المخالفة للسنة، ابتدعه يهودى طبيب لملك قد مرض وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضى لسبته فمنعه، فخاف على استحلال سبته، ومن سفك دمه، فقال: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ثم أشيع ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده، ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوى: أن العيادة تستحب فى الشتاء ليلا.
وفى الصيف نهارا، ولعل الحكمة فى ذلك أن المريض يتضرر بطول الليل فى الشتاء، وبطول النهار فى الصيف، فتحصل له بالعيادة استراحة.
وينبغى اجتناب التطبب بأعداء الدين، من يهودى أو نحوه، فإنه مقطوع بغشه سيما إن كان المريض كبيرا فى دينه أو علمه، خصوصا إن كان هذا العدو يهوديّا، لأن قاعدة دينهم: أن من نصح منهم مسلما فقد خرج عن دينه، وأن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، ولا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل فى عموم النهى فيمن قتل نفسه بشئ. وقد كثر الضرر فى هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والله تعالى يرحم القائل:
لعن النصارى واليهود فإنهم بلغوا بمكرهم بنا الآمالا
خرجوا أطباء وحسابا لكى يتقسموا الأرواح والأموالا»
ومما كان يفعلهﷺ- ويأمر به تطييب نفوس المرضى وتقوية قلوبهم،
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ٤٦٠)، وهو عنده أيضا (٣/ ٣٠٤)، وابن حبان فى «صحيحه» (٢٩٥٦) من حديث جابررضي الله عنه- بنحوه وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) قلت: رحم الله المسلمين الآن، فأين هم من هذه النصائح، وللأسف نجد من بيننا الآن من يدافع عنهم وعن عقائدهم الباطلة ويقربهم إلينا، ويقولون: إن العلم ليس له دين ولا وطن، وقد كذبوا فى قولهم، ولو فاقوا إلى أنفسهم لعرفوا الحق الذى لا مرية فيه.
[ ٣ / ٧ ]
ففى حديث أبى سعيد الخدرى، قالﷺ-: «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له فى أجله، فإن ذلك يطبب نفسه» «١»، مثل أن يقول له: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، ووجهك الآن أحسن، وما أشبه ذلك. وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه فى مرضه، وأن المرض كفارة، فربما أصلح ذلك قلبه، وأمن من خوف ذلك ونحوه. وقال بعضهم: فى هذا الحديث نوع شريف جدّا من أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذى تقوى به الطبيعة، وتنتعش به القوة، وينبعث به الحار الغريزى، ويساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذى هو غاية تأثير الطبيب.
وفى تفريج نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال السرور عليه تأثير عجيب فى شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذى. وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم.
قال فى الهدى «٢»: وكانﷺ- يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجد، وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئا وعلم أنه لا يضره أمر له به، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له ما ينفعه فى علته، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، كما فى حديث جابر المتقدم، وربما كان يقول للمريض: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله «٣»، وربما كان يقول: كفارة وطهور «٤» . وقالت عائشة: كانﷺ- إذا عاد
_________________
(١) إسناده ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٠٨٧) فى الطب، باب: رقم (٣٤)، وابن ماجه (١٤٣٨) فى الجنائز، باب: ما جاء فى عيادة المريض، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٨٨) .
(٢) يقصد كتاب (زاد المعاد فى هدى خير العباد) للعلامة ابن القيم، فانظره بتحقيقنا، فهو كتاب قيم فى بابه، جامع لأبوابه.
(٣) صحيح: وقد ورد ذلك فى حديث صحيح أخرجه البخارى (٥٦٥٦) فى المرضى، باب: عيادة الأعراب، من حديث ابن عباسرضي الله عنها-.
(٤) شاذ: وقد ورد ذلك فى حديث رواه أحمد بسند رجاله ثقات من حديث أنسرضي الله عنه-، قال الهيثمى فى «المجمع» (٢/ ٢٩٩) اهـ. قلت: وسياقه هو سياق البخارى السابق إلا فى مقولة رسول اللهﷺ- التى بها أعللت رواية أنس عند أحمد﵀-.
[ ٣ / ٨ ]
مريضا يضع يده على المكان الذى يألم ثم يقول: بسم الله «١» . رواه أبو يعلى بسند صحيح. وأخرج الترمذى من حديث أبى أمامة- بسند لين- رفعه: تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته فيسأله كيف هو «٢»، وعند ابن السنى بلفظ: كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟
وإذا علمت هذا، فاعلم أن المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان.
فأما طب القلوب ومعالجتها فخاص بما جاء به الرسول الكريمﷺ- عن ربه تعالى، لا سبيل إلى حصوله إلا من جهته، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقى ذلك إلا من جهة سيدنا محمدﷺ-.
وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء فى المنقول عنهﷺ-، ومنه ما جاء عن غيره، لأنهﷺ- إنما بعث هاديا وداعيا إلى الله وإلى جنته، ومعرفا بالله، ومبينا للأمة مواقع رضاه وآمرا لهم بها، ومواقع سخطه وناهيا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيف شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك.
وأما طب الأجساد فجاء من تكميل شريعته، ومقصودا لغيره، بحيث إنما يستعمل للحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها، ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد، وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدّا، وهى مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة.
_________________
(١) رجاله موثقون: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٢/ ٢٩٩) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله موثقون.
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٧٣١) فى الاستئذان والآداب، باب: ما جاء فى المصافحة، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٢٥٩)، والطبرانى فى «الكبير» (٨/ ٢١١) وقال الترمذى: هذا إسناد ليس بالقوى، وهو كما قال.
[ ٣ / ٩ ]
وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب فى القلوب كضرر السموم فى الأبدان، على اختلاف درجاتها فى الضرر. وهل فى الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصى، فللمعاصى من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة بالقلب والبدن والدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله.
فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله فى القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، وللإمام الشافعىرضي الله عنه-:
شكوت إلى وكيع سوء حفظى فأرشدنى إلى ترك المعاصى
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصى
ومنها: حرمان الرزق، ففى المسند: وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه «١» .
ومنها: وحشة يجدها العاصى فى قلبه، بينه وبين الله، لا يوازيها ولا يقاربها لذة.
ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه، أو متعسرا عليه.
ومنها: ظلمة يجدها فى قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع فى البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، ثم تقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادا فيه، يراها كل أحد.
ومنها: أنها توهن القلب والبدن.
ومنها: حرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق البركة، ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب، وقيل: بتأثير المعاصى فى محق العمر إنما
_________________
(١) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (٥/ ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢)، وابن حبان فى «صحيحه» (٨٧٢) من حديث ثوبانرضي الله عنه-، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث حسن. اهـ. وانظر «ضعيف الجامع» (١٤٥٢) .
[ ٣ / ١٠ ]
هو بأن حقيقة الحياة هى حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعات تزيد فى هذه الأوقات التى هى حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. وبالجملة: فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصى ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة.
ومنها: أن المعصية تورث الذل.
ومنها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نورا، والمعصية تطفئ نور العقل.
ومنها: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ «١» وقد أحسن القائل:
إذا كنت فى نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم
ومن عقوباتها أنها تستجلب مواد هلاك العبد فى دنياه وآخرته، فإن الذنوب هى أمراض متى استحكمت قتلت ولابد، وكما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة الأخلاط الرديئة التى متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها من تناول من يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب، لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التى متى غلبت عليه أفسدته، وحمية توجب له حفظ الصحة، وتجنب ما يضادها، وهى عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، والتقوى اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره.
وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح.
_________________
(١) سورة الشورى: ٣٠.
[ ٣ / ١١ ]
فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمى لها، كيف تكون صحته وبقاؤه، وقد أحسن القائل:
جسمك بالحمية حصنته مخافة من ألم طارى
وكان أولى بك أن تحتمى من المعاصى خشية النار
فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهى، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبا، ولا للشر مهربا، وفى حديث أنس: «ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار» «١» . فقد ظهر لك أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسولﷺ- بواسطة الوحى.
وأما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة. ثم هو نوعان:
نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر الله على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب، وهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب.
ونوع يحتاج إلى الفكر والنظر، كدفع ما يحدث فى البدن مما يخرجه عن الاعتدال، وهو إما حرارة أو برودة، وكل منهما: إما إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم الواحد منها بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن، وقد يقع داخله وهو من أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقيق السبب والعلامة. فالطبيب الحاذق هو الذى يسعى فى تفريق ما يضر بالبدن جمعه، أو عكسه، وفى تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة. والاحتماء عن المؤذى واستفراغ المادة الفاسدة. وقد أشير إلى الثلاثة فى القرآن:
فالأول: فى قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس عن أنس، كما فى «كنز العمال» (٢٠٩٢) .
[ ٣ / ١٢ ]
أَيَّامٍ أُخَرَ «١» وذلك أن السفر مظنة النصب، وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر، وكذلك القول فى المرض.
والثانى: وهو الحمية، من قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «٢» فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد «٣»، وقال تعالى فى آية الوضوء: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا
«٤» فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج.
والثالث: من قوله تعالى: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ «٥» فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذى منع منه المحرم، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن فى الرأس تحت الشعر، لأنه إذا حلق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها. فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه. فقد أرشد تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده.
وفى الصحيحين من حديث عطاء عن أبى هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: «ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء» «٦» . وأخرجه النسائى وابن حبان وصححه الحاكم عن ابن مسعود بلفظ «إن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء
_________________
(١) سورة البقرة: ١٨٤.
(٢) سورة النساء: ٢٩.
(٣) كما ورد فى قصة عمرو بن العاص حينما أصبح جنبا وهو فى إحدى الغزوات فخشى من الغسل بالماء البارد فتيمم وصلى بأصحابه، والقصة أخرجها أبو داود (٣٣٤ و٣٣٥) فى الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، وابن حبان فى «صحيحه» (١٣١٥)، وانظر «الإرواء» (١٥٤) .
(٤) سورة النساء: ٤٣.
(٥) سورة البقرة: ١٩٦.
(٦) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦٧٨) فى الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، وابن ماجه (٣٤٣٩) فى الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، والحديث ليس فى مسلم كما قال المصنف﵀-.
[ ٣ / ١٣ ]
فتداووا» «١» وعند أحمد من حديث أنس: «إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا» «٢» .
وعند البخارى فى «الأدب المفرد»، وأحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذى وابن خزيمة والحاكم عن أسامة بن شريك، رفعه: «تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدا وهو الهرم» «٣» وفى لفظ «إلا السام» - وهو بمهملة مخففة- الموت، يعنى إلا داء الموت، أى المرض الذى قدر على صاحبه الموت فيه واستثنى الهرم فى الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيها بالموت، والجامع بينهما نقص الصحة، أو تقربه من الموت وإفضائه إليه، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعا، والتقدير: لكن الهرم لا دواء له.
ولأبى داود، عن أبى الدرداء، رفعه: «إن الله جعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام» «٤» . وفى البخارى: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم «٥»، فلا يجوز التداوى بالحرام.
وروى مسلم عن جابر، مرفوعا: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء
_________________
(١) صحيح: أخرجه النسائى فى «الكبرى» (٦٨٦٣- ٦٨٦٥)، وابن ماجه (٣٤٣٨) فى الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، وأحمد فى «المسند» (١/ ٣٧٧ و٤١٣ و٤٤٣ و٤٤٦ و٤٥٣)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٠٦٢ و٦٠٧٥)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٢١٨)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وهو كما قال.
(٢) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ١٥٦) بسند صحيح.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٥٥) فى الطب، باب: فى الحمية، والترمذى (٢٠٣٨) فى الطب، باب: ما جاء فى الدواء والحث عليه، وابن ماجه (٣٤٣٦) فى الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٢٧٨)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٠٦٤)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٤) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) فى الطب، باب: فى الأدوية المكروهة، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(٥) ضعيف: أخرجه البخارى (١٠/ ٨١) تعليقا فى الأشربة، باب: شراب الحلوى والعسل، عن ابن مسعود من قوله، ونسبه صاحب «الجامع الصغير» للطبرانى فى الكبير عن أم سلمةرضي الله عنها-، وقال الألبانى فى «ضعيف الجامع» (١٦٣٧): ضعيف.
[ ٣ / ١٤ ]
برئ بإذن الله تعالى» «١» . فالشفاء متوقف على إصابة الدواء بالداء بإذن الله تعالى. وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد فى الكيفية أو الكمية فلا ينجح، بل ربما أحدث داء آخر. وفى رواية على عند الحميدى فى كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك بعث الله ﷿ ملكا ومعه ستر فجعله بين الداء والدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد برأه أمر الملك فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه الله تعالى به.
وفى حديث ابن مسعود رفعه: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله» «٢» رواه أبو نعيم وغيره. وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد. وأما قوله «لكل داء دواء» فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التى لا يمكن طبيب معرفتها، ويكون الله قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليها سبيلا، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله.
ولهذا علقﷺ- الشفاء على مصادفة الدواء للداء، وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدوائه فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء، والدواء بعينه فلا ينجح، والسبب فى ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء، فرب مرضين تشابها، ويكون أحدهما مركبا، لا ينجح فيه ما ينجح فى الذى ليس مركبا، فيقع الخطأ من هناك، وقد يكون متحدا لكن يريد الله أن لا ينجح، وهنا تخضع رقاب الأطباء.
وفى مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافى التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك. وقد سئل الحارث المحاسبى فى كتاب «القصد» من تأليفه: هل يتداوى المتوكل؟
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٠٤) فى السلام، باب: لكل داء دواء، واستحباب التداوى.
(٢) صحيح: حديث ابن مسعود قد تقدم، إلا أن صاحب الجامع الصغير عزاه للحاكم من حديث أبى سعيد، وقال الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (١٨٠٩): صحيح.
[ ٣ / ١٥ ]
قال: نعم، قيل له من أين ذلك؟ قال: من وجود ذلك عن سيد المتوكلين، الذى لم يلحقه لا حق، ولا يسبقه فى التوكل سابق، محمد خير البريةﷺ-. قيل له: ما تقول فى خبر النبىﷺ-: «من استرقى أو اكتوى برئ من التوكل» «١»؟ قال: برئ من توكل المتوكلين الذين ذكرهم فى حديث آخر فقال: «يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب» «٢»، وأما سواهم من المتوكلين فمباح لهم الدواء والاسترقاء. فجعل المحاسبى التوكل بعضه أفضل من بعض.
وقال فى «التمهيد»: إنما أراد بقوله: «برئ من التوكل» إذا استرقى الرقى المكروهة فى الشريعة، أو اكتوى وهو يعلق رغبته فى الشفاء بوجود الكى، وكذلك قوله «لا يسترقون» الرقى المخالفة للشريعة، «لا يكتوون» وقلوبهم معلقة بنفع الكى ومعرضة عن فعل الله تعالى وأن الشفاء من عنده.
وأما إذا فعل ذلك على ما جاء فى الشريعة، وكان ناظرا إلي رب الدواء، وتوقع الشفاء من الله تعالى، وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح لله تعالى، وإتعاب نفسه وكدها فى خدمة ربه، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئا، استدلالا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك فى نفسه وفى غيره انتهى.
فقد تبين أن التداوى لا ينافى التوكل، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التى نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح فى نفس التوكل، كما يقدح فى الأمر والحكمة.
_________________
(١) أخرجه الترمذى (٢٠٥٥) فى الطب، باب: ما جاء فى كراهية الرقية، وابن ماجه (٣٤٨٩) فى الطب، باب: الكى، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٢٤٩ و٢٥٣)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٠٨٧)، من حديث المغيرة بن شعبةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦٠٨١) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٠٥) فى الطب، باب: من اكتوي أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، ومسلم (٢٢٠) فى الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-.
[ ٣ / ١٦ ]
وحكى ابن القيم: أنه ورد فى خبر إسرائيلى، أن الخليل﵊- قال: يا رب ممن الداء؟ قال: منى، قال: فممن الدواء؟ قال: منى.
قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أرسل الدواء على يديه. قال: وفى قولهﷺ-: «لكل داء دواء» تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء، والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء، وبرد من حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التى هى حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته. انتهى.
فإن قلت: ما المراد بالإنزال فى قوله فى الأحاديث السابقة «إلا أنزل له دواء» وفى الرواية الآخرى «شفاء» فالجواب: أنه يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن التقدير، ويحتمل أن يكون المراد إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبىﷺ-.
وأين يقع طب حذاق الأطباء، الذى غايته أن يكون مأخوذا من قياس أو مقدمات وحدس وتجربة، من الوحى الذى يوحيه الله تعالى إلى رسولهﷺ- بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحى كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاء بهﷺ-. بل هاهنا من الأدوية التى تشفى من الأمراض ما لم تهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجربتهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله تعالى والتوكل عليه والانكسار بين يديه، والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق والتفريج عن المكروب.
فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير فى الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، وقد جربت ذلك- والله- مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعله الأدوية الحسية.
[ ٣ / ١٧ ]
ولا ريب أن طب النبىﷺ- متيقن البرء، لصدوره عن الوحى ومشكاة النبوة، وطب غيره أكثره حدس وتجربة، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل، من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول. وأظهر الأمثلة فى ذلك القرآن، الذى هو شفاء لما فى الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره به لقصوره فى الاعتقاد والتلقى بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجسا إلى رجسه، ومرضا إلى مرضه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، والقلوب الحية.
فإعراض الناس عن طب النبوة لإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الكريم الذى هو الشفاء النافع. وكان علاجهﷺ- للمريض على ثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدوية الإلهية الروحانية. والثانى: بالأدوية الطبيعية.
والثالث: بالمركب من الأمرين.
النوع الأول فى طبه ص بالأدوية الإلهية
اعلم أن الله تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم- ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع فى إزالة الداء- من القرآن، فهو للداء شفاء، ولصدأ القلوب جلاء، كما قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «١» .
ولفظه «من» - كما قال الإمام فخر الدين «٢» - ليست للتبعيض بل للجنس، والمعنى: وننزل من هذا الجنس الذى هو القرآن شفاء من الأمراض الروحانية وشفاء أيضا من الأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن المرض الروحانى نوعان:
_________________
(١) سورة الإسراء: ٨٢.
(٢) هو: الإمام العلامة، فخر الدين، محمد بن عمر بن الحسين القرشى البكرى الطبرستانى الأصولى المفسر كبير الأذكياء والحكماء المصنفين، إلا أنه بدت له فى تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفى على طريقة حميدة، له التفسير الكبير، وغير ذلك، مات بهراة سنة ٦٠٦ هـ، وله بضع وستون سنة.
[ ٣ / ١٨ ]
الاعتقادات الباطلة: وأشدها فسادا الاعتقادات الفاسدة فى الإلهية والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، والقرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق فى هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة. ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ فى هذه المطالب، والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة فى هذه المذاهب الباطلة من العيوب لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحانى.
وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريفها وما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة والأعمال المحمودة، فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض. فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية.
وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته ينفع كثيرا من الأمراض. وإذا اعتبر الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقى المجهولة والعزائم التى لا يفهم منها شئ آثارا عظيمة فى تحصيل المنافع ودفع المفاسد، أفلا تكون قراءة القرآن العظيم المشتمل على ذكر جلال الله تعالى وكبريائه، وتعظيم الملائكة المقربين، وتحقير المردة والشياطين سببا لحصول النفع فى الدين والدنيا.
ويتأيد ما ذكرناه بما روى أن النبىﷺ- قال: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله» «١» ونقل عن الشيخ أبى القاسم القشيرى﵀- أن ولده مرض مرضا شديدا حتى أشرف على الموت، فاشتد عليه الأمر، قال: فرأيت النبىﷺ- فى المنام فشكوت إليه ما بولدى فقال: أين أنت من آيات الشفاء؟ فانتبهت فأفكرت فيها فإذا هى فى ستة مواضع من كتاب الله، وهى قوله تعالى:
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ «٢» .
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الدار قطنى فى «الأفراد» عن أبى هريرة، كما فى «كنز العمال» (٢٨١٠٦) .
(٢) سورة التوبة: ١٤.
[ ٣ / ١٩ ]
وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ «١» .
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «٢» .
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٣» .
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» .
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ «٥» .
قال: فكتبتها ثم حللتها بالماء وسقيته إياها فكأنما نشط من عقال، أو كما قال: وانظر رقية اللديغ ب «الفاتحة» وما فيها من السر البديع والبرهان الرفيع. وتأمل قولهﷺ- فى بعض أدعيته: «وأن تجعل القرآن ربيع قلبى وجلاء حزنى، وشفاء صدرى» «٦» فيكون له بمنزلة الدواء الذى يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله. وفى حديث عند ابن ماجه مرفوعا:
«خير الدواء القرآن» «٧» .
وها هنا أمر ينبغى أن يتفطن له، نبه عليه ابن القيم: وهو أن الآيات والأذكار والأدعية التى يستشفى بها، ويرقى بها، هى فى نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعى قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء
_________________
(١) سورة يونس: ٥٧.
(٢) سورة النحل: ٦٩.
(٣) سورة الإسراء: ٨٢.
(٤) سورة الشعراء: ٨٠.
(٥) سورة فصلت: ٤٤.
(٦) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (١/ ٣٩١ و٤٥٢)، وابن حبان فى «صحيحه» (٩٧٢)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٦٩٠)، من حديث عبد الله بن مسعودرضي الله عنه-، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، فإنه مختلف فى سماعه عن أبيه. ا. هـ. وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(٧) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٥٠١ و٣٥٣٣) فى الطب، باب: الاستشفاء بالقرآن، من حديث علىرضي الله عنه-، وقال البوصيرى فى «الزوائد»: فى إسناده الحارث الأعور، وهو ضعيف، وكذا ضعفه الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٢٨٨٥) .
[ ٣ / ٢٠ ]
كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المحل المنفعل، أو لمانع قوى فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك فى الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون المانع قوى يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان الدواء فى نفس فعالة، وهمة مؤثرة أثر فى إزالة الداء.
وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب فى رفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه فى نفسه بأن يكون دعاء لا يجيبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغافلة والسهو واللهو، وقد روى الحاكم حديث: «واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه» «١» .
ومن أنفع الأدوية الدعاء، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وإذا جمع من الدعاء حضور القلب، والجمعية بالكلية على المطلوب، وصادف وقتا من أوقات الإجابة كثلث الليل الأخير، مع الخضوع والانكسار، والذل والتضرع، واستقبال القبلة، والطهارة ورفع اليدين، والبداءة بالحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة والتسليم على سيدنا محمدﷺ- بعد التوبة والاستغفار والصدقة، واللح فى المسألة، وأكثر التملق والدعاء، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، والتوجه إليه بنبيهﷺ- فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، لا سيما إن دعاه بالأدعية التى أخبرﷺ- أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. ولا خلاف فى مشروعية الفزع إلى الله تعالى، والالتجاء إليه فى كل ما ينوب الإنسان.
_________________
(١) حسن: أخرجه الترمذى (٣٤٧٩) فى الدعوات، باب: فى جامع الدعوات عن النبىﷺ-، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٦٧٠)، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ٣ / ٢١ ]
وأما الرقى «١»، فاعلم أن الرقى بالمعوذات من أسماء الله تعالى، هو الطب الروحانى، وإذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى، لكن لما عزّ هذا النوع، فزع الناس إلى الطب الجسمانى. وفى البخارى، من حديث عائشة، (أنهﷺ- كان ينفث على نفسه فى المرض الذى مات فيه بالمعوذات وهى الفلق والناس والإخلاص) «٢» فيكون من باب التغليب، أو المراد الفلق والناس. وكذلك كل ما ورد فى التعويذ فى القرآن، كقوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ «٣» .
وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى من حديث ابن مسعود: أن رسول اللهﷺ- كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقى إلا بالمعوذات «٤»، ففى سنده عبد الرحمن بن حرملة، قال البخارى: لا يصح حديثه. وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن فى الرقية بالفاتحة.
وأما حديث أبى سعيد عند النسائى: كانﷺ- يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فأخذ بهما وترك ما سواهما «٥»، وحسنه
_________________
(١) الرقى: جمع رقية، وهى العوذة، أى الاعتياذ من جنون أو مرض، وأصل العوذ: اللجوء والاعتصام ولا يكون ذلك إلا بالله ﷿، ولا يكون ذلك إلا بكلمات نافعة وردت فى كتابه أو على لسان رسولهﷺ-.
(٢) صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه البخارى (٥٧٣٥) فى الطب، باب: الرقى والقرآن والمعوذات، ومسلم (٢١٩٢) فى السلام، باب: رقية المريض بالمعوذات والنفث، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٣) سورة المؤمنون: ٩٧.
(٤) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٢٢٢) فى الخاتم، باب: ما جاء فى خاتم الذهب، والنسائى (٨/ ١٤١) فى الزينة، باب: الخضاب بالصفرة، وأحمد فى «المسند» (١/ ٣٨٠)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٢١٦) قلت: ولم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود إلا عبد الرحمن بن حرملة، ولم يرو عبد الرحمن بن حرملة إلا عن ابن أخيه القاسم بن حسان، وكلاهما جهلهما الحافظ ابن حجر فى «التقريب»، حيث قال عند كل واحد منها: مقبول، وهى تعنى عنده الجهالة.
(٥) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٠٥٨) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقية بالمعوذتين، والنسائى (٨/ ٢٧١) فى الاستعاذة، باب: الاستعاذة من عين الجان، وابن ماجه (٣٥١١) فى الطب، باب: من استرقى من العين، والحديث صححه الشيخ الألبانى كما فى «صحيح الجامع» (٤٩٠٢) .
[ ٣ / ٢٢ ]
الترمذى، فلا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية، ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما. وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا. وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
- أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته.
- وباللسان العربى، أو بما يعرف معناه من غيره.
- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.
واختلفوا فى كونها شرطا، والراجح أنه لا بد من اعتبارها. وفى صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك: كنا نرقى فى الجاهلية، فقلنا يا رسول الله، كيف ترى فى ذلك؟ فقال: «اعرضوا على رقاكم، لا بأس بالرقى إذا لم يكن فيه شرك» «١» .
وله من حديث جابر: (نهى رسول اللهﷺ- عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم، فقالوا: يا رسول الله، إنها كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، قال: «فاعرضوها على»، قال: فعرضوا عليه، قال: «ما أرى بأسا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه» «٢» وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدى إلى الشرك فإنه يمتنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدى إلى الشرك فيمنع احتياطا. والشرط الأخير لا بد منه.
وقال قوم: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين: (لا رقية إلا من عين أو حمة) «٣» . وأجيب: بأن معنى الحصر فيه
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٠٠) فى السلام، باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، وأبو داود (٣٨٨٦) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقى.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢١٩٩) فى السلام، باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة، وابن ماجه (٣٥١٥) فى الطب، باب: ما رخص فيه من الرقى.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٠٥) فى الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، وهو عند مسلم (٢٢٠) فى الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب من حديث بريدةرضي الله عنه-.
[ ٣ / ٢٣ ]
أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مسّ ونحو ذلك، لا شتراكهما فى كونهما ينشان عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، ويلحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية.
وقد وقع عند أبى داود من حديث أنس مثل حديث عمران وزاد: (أو دم) «١» وفى مسلم من حديث أنس أيضا (رخص رسول اللهﷺ- فى الرقى من العين والحمة والنملة) «٢» وفى حديث آخر (والأذن) «٣»، ولأبى داود من حديث الشفاء بنت عبد الله أن النبىﷺ- قال: «ألا تعلمين هذه- يعنى حفصة- رقية النملة؟» «٤» . والنملة: قروح تخرج فى الجنب وغيره من الجسد. وقيل: المراد بالحصر يعنى الأفضل، أى لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف إلا ذو الفقار، وقال قوم: المنهى عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكر ابن عبد البر والبيهقى وغيرهما.
وروى أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم عن ابن مسعود، رفعه «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» «٥» . والتمائم: جمع تميمة وهى خرزة أو قلادة تعلق فى الرأس، كانوا فى الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات. والتولة:
بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا- شئ كانت المرأة تستجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٨٨٩) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقى، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢١٩٦) فى السلام، باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة.
(٣) لم أقف على زيادة (والأذن) .
(٤) صحيح: والحديث أخرجه أبو داود (٣٨٨٧) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقى، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٧٢)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٥) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٨٣) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقى، وابن ماجه (٣٥٣٠) فى الطب، باب: تعليق التمائم، وأحمد فى «المسند» (١/ ٣٨١)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٤٦٣)، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهو كما قال.
[ ٣ / ٢٤ ]
المضار وجلب المنافع من عند غير الله، ولا يدخل فى ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه. فقد ثبت فى الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-. ولا خلاف فى مشروعية الفزع إلى الله ﷾، والالتجاء إليه سبحانه فى كل ما يقع وكل ما يتوقع.
وقال بعضهم: المنهى عنه من الرقى هو الذى يستعمله المعزم وغيره ممن يدعى تسخير الجن له، فيأتى بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم، والتعوذ من مردتهم، ويقال إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بنى آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقى بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربى الذى يعرف معناه ليكون بريئا من الشرك. وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة. وقال القرطبى: الرقى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان يرقى به فى الجاهلية، مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدى إلى الشرك.
الثانى: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورا فيستحب.
الثالث: ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذى يتضمن الالتجاء إلى الله تعالى به والتبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به فينبغى أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى.
وقال الربيع «١»: سألت الشافعى عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله تعالى، وبما يعرف من ذكر الله تعالى. فقلت: أيرقى أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله. انتهى.
_________________
(١) هو: الربيع بن سليمان، أبو محمد المرادى، مولاهم المصرى، صاحب الإمام الشافعى، وناقل علمه، أفنى عمره فى العلم ونشره، مات فى شوال سنة ٢٧٠ هـ.
[ ٣ / ٢٥ ]
وفى الموطأ: أن أبا بكر قال لليهودية التى كانت ترقى عائشة: ارقيها بكتاب الله «١» . قال النووى وقال القاضى عياض: واختلف قول مالك فى رقية اليهودى والنصرانى المسلم، وبالجواز قال الشافعى والله أعلم.
وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط، والذى يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم.
رقية الذى يصاب بالعين:
روى مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول اللهﷺ-: «العين حق، ولو كان شئ سابق القدر لسبقته العين» «٢» . أى الإصابة بالعين شئ ثابت موجود، وهى من جملة ما تحقق كونه. قال المازرى: أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى، لأن كل شئ ليس محالا فى نفسه، ولا يؤدى إلى قلب حقيقة، ولا إلى فساد دليل، فهو من مجوزات العقول. فإذا أخبر الشارع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة. وقد استشكل بعض الناس هذه الإصابة فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟
وأجيب: بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن فى الهواء إلى بدن المعيون، وقد نقل عن بعض من كان معيانا أنه قال: إذا رأيت شيئا يعجبنى وجدت حرارة تخرج من عينى. ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها فى إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد. ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد.
وقال المازرى: زعم بعض الطبائعيين أن العائن تنبعث من عينيه قوة
_________________
(١) أخرجه مالك فى «الموطأ» (٢/ ٩٤٣) بسند منقطع بين عمرة بنت عبد الرحمن الراوية للقصة لأنها لم تدرك أبا بكررضي الله عنه-، إلا أنها من أحد الثقات فى عائشة، فلعلها سمعته منها.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢١٨٨) فى السلام، باب: الطب والمرض والرقى.
[ ٣ / ٢٦ ]
سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد. وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر فى ذلك مع تجويزه. وإن الذى يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقة أو لا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه. ومن قال ممن ينتمى إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق البارى الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكنه جائز أن تكون عادة ليست ضرورية ولا طبيعية، انتهى.
وهو كلام سديد. وليس المراد بالتأثير المعنى الذى تذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون. وقد أخرج البزار بسنده عن جابر رفعه: «أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس» «١» . قال الراوى: يعنى العين. وقد أجرى الله تعالى العادة بوجود كثير من القوى والخواص فى الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى فى وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه. وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه. وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى فى الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين، وليست هى المؤثرة، وإما التأثير للروح، والأرواح مختلفة فى طبائعها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر فى البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة.
والحاصل: أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسمانى، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذى يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى الله
_________________
(١) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٠٦) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو، وهو ثقة.
[ ٣ / ٢٧ ]
تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذى يخرج من عين العائن سهم معنوى، إن صادف البدن- لا وقاية له- أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم بل ربما عاد على صاحبه كالسهم الحسى. انتهى ملخصا من فتح البارى وغيره.
قال ابن القيم: والغرض العلاج النبوى لهذه العلة، فمن التعوذات والرقى: الإكثار من قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسى، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامة من شر كل شيطان وهامّة، ومن كل عين لامة. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ فى الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان «١» .
وإذا كان يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه. كما قالﷺ- لعامر بن ربيعة لما عاين سهل بن حنيف: «ألا برّكت عليه» «٢» . ومما يدفع به إصابة العين: قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله «٣» . ومنها رقية جبريل للنبىﷺ- كما رواه مسلم: (بسم الله أرقيك من شر كل شئ يؤذيك، من شر كل ذى نفس أو عين حاسد. الله يشفيك،
_________________
(١) قلت: قد ورد هذا الدعاء مرفوعا، من حديث خالد بن الوليد، وقد رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير المدائنى ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات، قاله الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ١٢٦)، وأورده أيضا فى (١٠/ ١٢٧) من حديث عبد الرحمن بن حنيشرضي الله عنه- وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبرانى بنحوه، ورجال أحد إسنادى أحمد وأبى يعلى وبعض أسانيد الطبرانى رجال الصحيح وكذا رجال الطبرانى، وفى المصدر السابق أيضا عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه-، وقال: رواه الطبرانى فى الصغير، وفيه من لم أعرفه.
(٢) صحيح: وقد ورد ذلك عند مالك فى «الموطأ» (٢/ ٩٣٨) فى أول كتاب العين بسند رجاله ثقات، وانظر ابن ماجه (٣٥٠٩) فى الطب، باب: العين.
(٣) لعله يشير إلى قول الرجل الصالح فى سورة الكهف: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الآية: ٣٩.
[ ٣ / ٢٨ ]
بسم الله أرقيك) «١» . وعنده أيضا من حديث عائشة: كان جبريل يرقى النبىﷺ- إذا اشتكى: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر كل حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذى عين «٢» . وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: «العين حق، ولو كان شئ سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» «٣» .
وظاهر الأمر الوجوب، وحكى فيه المازرى خلافا وصحح الوجوب، وقال: متى خشى الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، وهذا أولى.
ولم يبين فى حديث ابن عباس صفة الاغتسال. قال الحافظ ابن حجر:
وقد وقعت فى حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائى وصححه ابن حبان من طريق الزهرى عن أبى أمامة بن سهل «٤»: أن أباه حدثه أن النبىﷺ- خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشعب الحرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة «٥»، فلبط سهل- أى صرع- وسقط إلى الأرض. فأتى رسول اللهﷺ- فقال: «هل تتهمون من أحد؟» قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامرا، فتغيظ عليه، فقال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت» . ثم قال: اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره فى قدح، ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم كفأ القدح ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس «٦» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢١٨٦) فى السلام، باب: الطب والمرض والرقى.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢١٨٥) فيما سبق.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢١٨٨) فيما سبق، وقد تقدم.
(٤) ما بين المعقوفتين مستدرك من «فتح البارى» للحافظ ابن حجر (١٠/ ٢٥٠) .
(٥) المخبأة: الفتاة فى خدرها، وهو كناية عن شدة بياضه.
(٦) صحيح: وقد تقدمت القصة، وهى عند ابن ماجه (٣٥٠٩) كما تقدم.
[ ٣ / ٢٩ ]
قال المازرى: المراد ب «داخلة إزاره» الطرف المتدلى الذى يلى حقوه الأيمن، قال: وظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى. وزاد القاضى عياض: أن المراد ما يلى جسده من الإزار. وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد، وقيل أراد وركه لأنه معقد الإزار. رأيت مما عزى لخط شيخنا الحافظ أبى الخير السخاوى: قال ابن بكير عن مالك: أنه كناية عن الثوب الذى يلى الجسد.
وقال ابن الأثير فى النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته عين من أحد جاء للعائن بقدح فيه ماء فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه فى القدح ثم يغسل وجهه فيه، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على يده اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب علي قدمه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب ذلك الماء المستعمل على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن الله تعالى، انتهى.
قال المازرى: وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه. وقال ابن العربى: إن توقف فيه متشرع قلنا له: قل الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة، أو متفلسف؛ فالرد عليه أظهر، لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله: الخواص. قال ابن القيم: ومن علاج ذلك والاحتراز منه، ستر محاسن من يخاف عليه العين، بما يردها عنه، كما ذكره البغوى فى كتاب شرح السنة: أن عثمان بن عفان رأى صبيّا مليحا، فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين، ثم قال فى تفسيره، ومعنى دسموا نونته: أى سودوا نونته، والنونة: النقرة التى تكون فى ذقن الصغير «١» .
_________________
(١) انظر ذلك فى «شرح السنة» (١٣/ ١١٦) للإمام البغوى.
[ ٣ / ٣٠ ]
وذكر عن أبى عبد الله الساجى أنه كان فى بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، فكان فى الرقة رجل عائن قل ما نظر إلى شئ إلا أتلفه، فقيل لأبى عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال ليس له إلى ناقتى سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبى عبد الله، فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العائن قد عانها وهى كما ترى. فقال: دلونى عليه، فوقف عليه فقال: بسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير. فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها» .
انتهى.
وفى حديث هذا الباب من الفوائد: أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذى يعجبه الشئ يبادر إلى الدعاء للذى يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الإصابة بالعين قد تقتل.
عقوبة العائن:
وقد اختلف فى جريان القصاص بذلك:
فقال القرطبى: لو أتلف العائن شيئا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو فى ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا. انتهى. ولم تتعرض الشافعية للقصاص فى ذلك، بل منعوه وقالوا: إنه لا يقتل غالبا ولا يعد مهلكا. وقال النووى فى «الروضة»: ولا دية فيه ولا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام، دون ما يختص ببعض الناس وبعض الأحوال مما لا انضباط لها، كيف ولم يقع منه فعل
_________________
(١) قلت: وقد ذكر أيضا هذه القصة ابن القيم فى «زاد المعاد» (٤/ ١٧٤) بتحقيقنا، ولم يعقب عليها.
[ ٣ / ٣١ ]
أصلا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة، وأيضا: فالذى ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه فى زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين، انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: ولا يعكر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه فى معناه، والفرق بينهما عسر. ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم: أنه ينبغى للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذى منعه عمر من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذى منع الشارع أكله من حضور الجماعة. قال النووى: وهذا القول صحيح متعين لا يعرف من غيره تصريح بخلافه.
ذكر رقية النبى ص التى كان يرقى بها
عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول اللهﷺ-؟
قال: بلى، قال: قل اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافى لا شافى إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما «١» . رواه البخارى. وقوله: «مذهب الباس»: بغير همزة للمواخاة، أصله الهمز. وفى قوله «لا شافى إلا أنت» إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوى إن لم يصادف تقدير الله وإلا فلا ينجع. وقوله «لا يغادر- بالعين المعجمة- أى لا يترك» .
وفى البخارى أيضا عن مسروق عن عائشة أن النبىﷺ- كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، واشفه وأنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» «٢» . وقوله «يمسح يده» أى على الوجع. وقوله «إلا شفاؤك» بالرفع بدل من موضع: لا شفاء.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٤٢) فى الطب، باب: رقية النبىﷺ-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٤٣) فى الطب، باب: رقية النبىﷺ-.
[ ٣ / ٣٢ ]
وعن عائشةرضي الله عنها- أن رسول اللهﷺ- كان يرقى ويقول: «امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت» «١» . رواه البخارى أيضا.
وفى صحيح مسلم، عن عثمان بن أبى العاص، أنه شكا إلى رسول اللهﷺ- وجعا يجده فى جسده منذ أسلم، فقال النبىﷺ-: «ضع يدك على الذى تألم من جسدك وقل: بسم الله، ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» «٢» . وإنما كرره ليكون أنجح وأبلغ، كتكرار الدواء لإخراج المادة.
ذكر طبه ص من الفزع والأرق المانع من النوم:
عن بريدة قال: شكا خالد إلى النبىﷺ- فقال: يا رسول الله، ما أنام الليل من الأرق، فقالﷺ-: «إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت، كن لى جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط على أحد منهم أو يبغى على، عزّ جارك، وجل ثناؤك ولا إله غيرك» «٣» رواه الترمذى.
ذكر طبه ص من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى:
فى المسند مرفوعا: «ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيرا منها، إلا آجره الله فى مصيبته وأخلف له خيرا منها» «٤» . قال فى الهدى النبوى «٥»: وهذه الكلمة
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٤٤) فيما سبق.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٠٣) فى السلام، باب: استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء.
(٣) ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٥٢٣) فى الدعوات، باب: منه، وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوى، والحكم بن ظهير قد ترك حديثه بعض أهل الحديث ويروى هذا الحديث عن النبىﷺ- مرسلا من غير هذا الوجه.
(٤) صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٣١٧ و٣٢١)، وهو عند مسلم (٩١٨) فى الجنائز، باب: ما يقال عند المصيبة، من حديث أم سلمةرضي الله عنها-.
(٥) يقصد «زاد المعاد فى هدى خير العباد»، وانظر هذا النقل عنده فى (٤/ ١٨٩) .
[ ٣ / ٣٣ ]
من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له فى عاجلته وآجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن المصيبة:
أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله ﷿ حقيقة، وقد جعله الله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.
الثانى: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله [مولاه الحق]، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجئ ربه فردا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد ونهايته فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره فى مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء.
قال: ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسى بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير فيه إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، وإن سرور «١» الدنيا أحلام نوم، أو ظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، وإن سرت يوما أساءت دهرا، وإن متعت قليلا منعت طويلا، وما ملأت دارا حبرة «٢» إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بيوم سرور، إلا خبأت له يوم شرور.
قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحا إلا ملئ ترحا.
ذكر طبه ص من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب:
عن ابن عباس أن رسول اللهﷺ- كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم» «٣» . وقوله «عند الكرب» أى عند حلول الكرب. وعند مسلم: كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب. وعنده أيضا:
_________________
(١) فى مطبوع «زاد المعاد» (٤/ ١٩٠) (شرور) وهى هنا أصوب.
(٢) فى مطبوع «زاد المعاد» (٤/ ١٩٠) (خيرة) وهى هنا أصوب.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٦٣٤٥ و٦٣٤٦) فى الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب، ومسلم (٢٧٣٠) فى الذكر والدعاء، باب: دعاء الكرب.
[ ٣ / ٣٤ ]
(كان إذا حزبه أمر) - وهى بفتح المهملة والزاى وبالموحدة- أى هجم عليه أو غلبه.
قال الطبرى: معنى قول ابن عباس «يدعو»، وإنما هو تهليل وتعظم، يحتمل أمرين: أحدهما، أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء، كما عند عبد بن حميد «كان إذا حزبه أمر قال » فذكر الذكر المأثور، وزاد: ثم دعا. قال الطبرى: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة وقد سئل عن الحديث الذى فيه «أكثر ما كان يدعو به النبىﷺ- بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» «١» الحديث. فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء، ولكن قال النبىﷺ- عن ربه ﷿: من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين «٢» . وقال أمية ابن أبى الصلت فى مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتى أم قد كفانى حياؤك إن شبمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضك الثناء
فهذا مخلوق حين نسبه إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق.
ثم إن حديث ابن عباس هذا- كما قاله ابن القيم- قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز، ووصفه
_________________
(١) ضعيف: وقد ورد ذلك فى حديث ضعيف أخرجه أحمد فى «المسند» (٢/ ٢١٠) من حديث عبد الله بن عمرورضي الله عنهما-، وقال الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٤٦٤): ضعيف.
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٩٢٦) فى فضائل القرآن، باب: رقم (٢٤)، والدارمى فى «سننه» (٣٣٥٦)، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
[ ٣ / ٣٥ ]
بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوى والسفلى والعرش الذى هو سقف المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذى لا تنبغى العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه، وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوى نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسى، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التى تضمنها هذا الحديث وجدته فى غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخرج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور. وإنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها.
قال ابن بطال حدثنى أبو بكر الرازى قال: كنت بأصبهان عند أبى نعيم فقال له شيخ: إن أبا بكر بن على قد سعى به إلى السلطان فسجن، فرأيت النبىﷺ- فى المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لى النبىﷺ- قل لأبى بكر بن على يدعو بدعاء الكرب الذى فى صحيح البخارى «١» حتى يفرج الله عنه، قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يمكث إلا قليلا حتى أخرج.
وفى حديث على عند النسائى وصححه الحاكم: لقننى رسول اللهﷺ- هذه الكلمات وأمرنى إن نزل بى كرب أو شدة أن أقولها: «لا إله إلا الله الكريم العظيم، سبحان الله تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين» وفى لفظ: «الحليم الكريم» فى الأولى، وفى لفظ لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليم العلى العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له
_________________
(١) هو حديث ابن عباس المتقدم قبل قليل.
[ ٣ / ٣٦ ]
الحليم الكريم، وفى لفظ لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحانه، ﵎ رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين «١» . أخرجها كلها النسائى.
وروى الترمذى عن أبى هريرة أن رسول اللهﷺ- كان إذا أهمه أمر رفع طرفه إلى السماء فقال: «سبحان الله العظيم» وإذا اجتهد فى الدعاء قال:
«يا حى يا قيوم» «٢» وعنده أيضا من حديث أنس: أنهﷺ- كان إذا حزبه أمر قال: «يا حى يا قيوم، بك أستغيث» «٣» .
قال العلامة ابن القيم: وفى تأثير قوله: «يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث» فى دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة «الحياة» متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة «القيومية» متضمنة لجميع صفات الأفعال. ولهذا كان اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو اسم الحى القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الآلام والأسقام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقها هم ولا غم ولا حزن ولا شئ من الآفات. فالتوسل بصفة «الحياة والقيومية» له تأثير فى إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال. فلهذا الاسم «الحى القيوم» تأثير عظيم خاص فى إجابة الدعوات وكشف الكربات. ولهذا كانﷺ- إذا اجتهد فى الدعاء قال: يا حى يا قيوم.
وروى أبو داود عن أبى بكر الصديقرضي الله عنه-، أن رسول اللهﷺ- قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلنى إلى نفسى طرفة
_________________
(١) صحيح: أخرجه النسائى فى «الكبرى» (٧٦٧٣ و٧٦٧٧ و٧٦٧٨ و٨٤١٠- ٨٤١٥ و١٠٤٦٣- ١٠٤٨٢)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٦٨٨ و٦٨٩) و(٣/ ١٤٩) وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. اهـ. قلت: وهو فى الصحيحين بنحوه، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-.
(٢) ضعيف جدّا: أخرجه الترمذى (٣٤٣٦) فى الدعوات، باب: ما جاء ما يقول عند الكرب، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى»: ضعيف جدّا.
(٣) ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٥٢٤) فى الدعوات، والنسائى فى «الكبرى» (٧٦٨٢ و٧٦٨٣ و١٠٤٤٨)، وأبو يعلى فى «مسنده» (٦٥٤٥) بسند ضعيف.
[ ٣ / ٣٧ ]
عين، وأصلح لى شأنى كله، لا إله إلا أنت» «١» . وفى هذا الدعاء- كما قاله فى زاد المعاد- من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيده، والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه ولا يكله إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده، مما له تأثير فى دفع هذا الداء. وكذا قوله فى حديث أسماء بنت عميس عند أبى داود أيضا مرفوعا: «كلمات الكرب: الله ربى لا أشرك به شيئا» «٢» .
وفى مسند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود عن النبىﷺ- قال:
ما أصاب عبدا همّ ولا حزن فقال: «اللهم إنى عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض فىّ حكمك عدل فىّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك أو أعلمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبى، ونور صدرى، وجلاء حزنى، وذهاب همى، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا» «٣» .
وإنما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة لاشتماله على الاعتراف بعبودية الداعى وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده، يصرفها كيف يشاء، وإثبات القدر، وأن أحكام الرب نافذة فى عبده، ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له فى دفعها، وأنه ﷾ عدل فى هذه الأحكام غير ظالم لعبده، ثم
_________________
(١) حسن: أخرجه أبو داود (٥٠٩٠) فى الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، وأحمد فى «مسنده» (٥/ ٤٢)، والبخارى فى «الأدب المفرد» (٧٠١) بسند حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» والحديث من طريق عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبى فلعل بكرة تصحفت عنده لبكر ثم أضاف من أضاف من عنده الصديق باعتباره أبى بكر الصديق، ولعل ذلك نتيجة نقله من الإمام ابن القيم فى «زاد المعاد» حيث وقع فى نفس الوهم- رحمهما الله-.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٥٢٥) فى الصلاة، باب: فى الاستغفار، والنسائى فى «الكبرى» (١٠٤٨٤)، وابن ماجه (٢٨٨٢) فى الدعاء، باب: الدعاء عند الكرب، بسند صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) صحيح: وقد تقدم.
[ ٣ / ٣٨ ]
توسله بأسماء الرب تعالى التى سمى بها نفسه، ما علم العباد منها، وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به فى علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيّا مرسلا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله، وأقربها تحصيلا للمطلوب، ثم سؤاله أن يجعل القرآن لقلبه ربيعا، أى كالربيع الذى يرتع فيه الحيوان، وأن يجعله لصدره كالنور الذى هو مادة الحياة، وبه يتم معاش العباد وأن يجعله شفاء همه وغمه فيكون بمنزلة الدواء الذى يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذى يجلو الطبوع «١» والأصدية، فإذا صدق العليل فى استعما لهذا الدواء أعقبه شفاء تامّا.
وفى سنن أبى داود، عن أبى سعيد الخدرى قال: دخل رسول اللهﷺ- ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: «يا أبا أمامة ما لى أراك فى المسجد فى غير وقت الصلاة» فقال: هموم لزمتنى وديون يا رسول الله، فقال: «ألا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله ﷿ همك، وقضى دينك» قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت، اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همى، وقضى دينى «٢» .
وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان: فالهم والحزن أخوان، والجبن والبخل أخوان، والعجز والكسل أخوان وضلع الدين وغلبة الرجال أخوان، فحصلت الاستعاذة من كل شر.
_________________
(١) الطبوع: جمع طبع، وهى السجية التى جبل عليها الإنسان، كما تأتى بمعنى الدنس والصدأ، ولعلها المقصودة هنا.
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٥٥٥) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة وفى إسناده غسان بن عوف، هو البصرى، قال عنه الحافظ فى «التقريب»: لين الحديث، ولذا ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
[ ٣ / ٣٩ ]
وفى سنن أبى داود- أيضا- عن ابن عباس قال: قال رسول اللهﷺ-: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب» «١» . وإنما كان الاستغفار له تأثيرا فى دفع الهم والضيق لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء كل ملة على أن المعاصى والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب، وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام فى القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار.
وعن ابن عباس عن النبىﷺ-: «من كثرت همومه فليكثر من قول:
لا حول ولا قوة إلا بالله» . وثبت فى الصحيحين أنها كنز من كنوز الجنة «٢»، وفى الترمذى: أنها باب من أبواب الجنة «٣»، وفى بعض الآثار: أنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله.
وروى الطبرانى من حديث أبى هريرة: أن رسول اللهﷺ- قال: «ما كربنى أمر إلا تمثل لى جبريل فقال لى: يا محمد قل توكلت على الحى الذى لا يموت، والحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك، ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا» . وفى كتاب ابن السنى من حديث أبى قتادة عن النبىﷺ-: «من قرأ آية الكرسى وخواتيم سورة البقرة عند
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٥١٨) فى الصلاة، باب: فى الاستغفار، وابن ماجه (٣٨١٩) في الأدب، باب: الاستغفار وأحمد فى «المسند» (١/ ٢٤٨)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٢٩١)، بسند فيه الحكم بن مصعب، قال عنه الحافظ ابن حجر فى «التقريب» مجهول، وهو كما قال، وليس له إلا حديثين أحدهما ليس له أصل، والثانى مثله بهذا اللفظ، والراوى عنه الوليد بن مسلم، وهو ما فيه.
(٢) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٦٣٨٤) فى الدعوات، باب: الدعاء إذا علا عقبة، ومسلم (٢٧٠٤) فى الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر، من حديث أبى موسى الأشعرىرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٥٨١) فى الدعوات، باب: فى فضل لا حول ولا قوة إلا بالله، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤٢٢)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٣٢٣) من حديث سعد بن عباد، - ﵁-، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ. وكذا صححه الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ٣ / ٤٠ ]
الكرب أغاثه الله ﷿» . وعنده- أيضا- من حديث سعد بن أبى وقاص، قال: قالﷺ-: «إنى لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخى يونس: فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين» «١» . وعند الترمذى: «لم يدع بها رجل مسلم فى شئ قط إلا استجيب له» «٢» .
وروى الديلمى فى مسند الفردوس، عن جعفر بن محمد- يعنى الصادق- قال: حدثنى أبى عن جدى أنهﷺ- كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدعاء: «اللهم احرسنى بعينك التى لا تنام، واكنفنى بكنفك الذى لا يرام، وارحمنى بقدرتك على فلا أهلك وأنت رجائى، فكم من نعمة أنعمت بها على قلّ لك بها شكرى، وكم من بلية ابتليتنى بها قلّ لك بها صبرى، فينا من قلّ عند نعمته شكرى فلم يحرمنى، ويا من قلّ عند بليته صبرى فلم يخذلنى، ويا من رآنى على الخطايا فلم يفضحنى، يا ذا المعروف الذى لا ينقضى أبدا، ويا ذا النعمة التى لا تحصى عددا، أسألك أن تصلى على محمد وعلى آل محمد وبك أدرأ فى نحور الأعداء والجبارين، اللهم أعنى على دينى بالدنيا، وعلى آخرتى بالتقوى واحفظنى فيما غبت عنه، ولا تكلنى إلى نفسى فيما حظرته على، يا من لا تضره الذنوب، ولا ينقصه العفو، هب لى ما لا ينقصك، واغفر لى ما لا يضرك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجا قريبا وصبرا جميلا، ورزقا واسعا، والعافية من البلايا، وشكر العافية- وفى رواية: وأسألك الشكر على العافية- وأسألك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
_________________
(١) رجاله ثقات: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٧/ ٦٨) وقال: رواه أحمد ورجال رجال الصحيح غير إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبى وقاص وهو ثقة.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٥٠٥) فى الدعوات، باب: رقم (٨٥)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٦٨٤ و٦٨٥) و(٢/ ٦٣٧ و٦٣٩) والحديث صححه الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣٣٨٣) .
[ ٣ / ٤١ ]
ذكر طبه ص من داء الفقر:
عن ابن عمر: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن الدنيا أدبرت عنى وتولت، قال له: «فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبه يرزقون، قل عند طلوع الفجر: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، استغفر الله مائة مرة تأتيك الدنيا صاغرة» فولى الرجل فمكث ثم عاد فقال: يا رسول الله لقد أقبلت على الدنيا فما أدرى أين أضعها. رواه الخطيب فى رواة مالك.
ذكر طبه ص من داء الحريق:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللهﷺ-:
«إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه» «١» . فإن قلت ما وجه الحكمة فى إطفاء الحريق بالتكبير، أجاب صاحب زاد المعاد: بأنه لما كان الحريق سببه النار، وهى مادة الشيطان التى خلق منها، وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله، وكان للشيطان إعانة عليه وتنفيذ له، وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد، وهما هدى الشيطان، وإليهما يدعو، وبهما يهلك بنى آدم، فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو فى الأرض والفساد، وكبرياء الله تعالى تقمع الشيطان وفعله، فلهذا كان تكبير الله له أثر فى إطفاء الحريق، فإن كبرياء الله تعالى لا يقوم لها شئ، فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبره فى خمود النار التى هى مادة الشيطان. وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. انتهى. وقد جربت ذلك بطيبة فى سنة خمس وتسعين وثمانمائة فوجدت له أثرا عظيما لم أجده لغيره. ولقد شاع وذاع رؤية طيور بحريق طيبة الواقع فى ثالث عشر رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة معلنة بالتكبير.
وفيه يقول قاضى القضاة شمس الدين السخاوى:
_________________
(١) ضعيف جدّا: أخرجه ابن السنى فى «عمل اليوم والليلة» (٢٨٩- ٢٩٢)، وفى سنده القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمرى نسبة إلى عمر بن الخطاب، قال عنه الحافظ فى «التقريب» (٥٤٦٨): متروك رماه أحمد بالكذب.
[ ٣ / ٤٢ ]
فظن كلّ بأن النار تحرقه فما ترى من جواها غير منهزم
فجاءت الطير روتها بأجنحة عن البيوت رآها غير متهم
وقال أيضا فى قصيدة أخرى:
فكل شخص تولى خائفا حذرا فجاءت الطير للنيران تطردها
عن البيوت ولا يخفى لمن بصرا
ذكر ما كان ص يطب به من داء الصرع:
فى الصحيحين أن امرأة أتت النبىﷺ- فقالت: إنى أصرع، وإنى أتكشف، فادع الله لى، فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك» فقالت: أصبر، قالت: فإنى أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها «١» .
قال ابن القيم: الصرع صرعان، صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثانى هو الذى يتكلم فيه الأطباء. فأما علاج صرع الأرواح فيكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج، فالذى من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذى قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا فى نفسه جيدا، وأن يكون الساعد قويّا.
والثانى: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا، حتى إن من المعالجين من يكتفى بقوله: اخرج منه، أو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦٥٢) فى المرضى، باب: فصل من يصرع من الريح، ومسلم (٢٥٧٦) فى البر والصلة، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-.
[ ٣ / ٤٣ ]
قال: وقد كان النبىﷺ- يقول: «اخرج عدو الله أنا رسول الله» «١» وكان بعضهم يعالج ذلك باية الكرسى ويأمر بكثرة قراءتها للمصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين. قال: ومن حدث له الصرع وله خمسة وعشرون سنة وخصوصا بسبب دماغى أيس من برئه، وكذلك إذا استمر به إلى هذه السن. قال: فهذه المرأة التى جاء الحديث أنها تصرع وتتكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها النبىﷺ- بصبرها على هذا المرض بالجنة.
ولقد جربت الإقسام بالنبىﷺ- على الله تعالى «٢» مع قوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ «٣» إلى آخر سورة الفتح فى ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا. ومن الغريب قصة غزالة الحبشية خادمتنا لما صرعت بدرب الحجاز الشريف واستغثت بهﷺ-»
فى ذلك، فجئ إلى بصارعها فى المنام بأمرهﷺ- فوبخته وأقسم أن لا يعود إليها، فاستيقظت وما بها قلبة ومن ثم لم يعد إليها فلله الحمد.
ذكر دوائه ص من داء السحر:
قال النووى: السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد يكون
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٤/ ١٧٠ و١٧١) من حديث يعلى بن مرةرضي الله عنه-، وهو عند ابن ماجه (٣٥٤٨) فى الطب، باب: الفزع والأرق وما يتعوذ منه، من حديث عثمان بن أبى العاصرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
(٢) قلت: الإقسام لا يكون إلا بالله ﷿، لا بنبى مرسل، ولا ملك مقرب، لحديث رسول اللهﷺ-: «من أراد أن يحلف فليحلف بالله» .
(٣) سورة الفتح: ٢٩.
(٤) قلت: الاستغاثة لا تكون إلا بالله ﷿، أو من عبد فيما يقدر عليه، كما استغاث الإسرائيلى بموسى﵇- ضد المصرى، وذلك يكون حال حياته، أما بعد موته فلا يجوز لعدم إمكان الإغاثة فلا يبقى إلا الحى الذى لا موت، ونأسف إنه يوجد من بين علمائنا من يغالى فى ذات رسول اللهﷺ-، ويضعه فوق منزلته الشريفة، والأصل فى ذلك الاتباع، وانظر فى ذلك فى حال أصحاب رسول اللهﷺ- الذين كان الواحد منهم يقع سوطه على الأرض وهو على الدابة، فينيخها ويأتى به ولا يسأل أحدا وهم أحياء، ومنا من يترك الأحياء، ويسأل الموتى.
[ ٣ / ٤٤ ]
كفرا، وقد لا يكون كفرا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضى الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعليمه وتعلمه فحرام، وإذا لم يكن فيه ما يقتضى الكفر عزر فاعله واستتيب منه، ولا يقتل عندنا، وإن تاب قبلت توبته. وقال مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله.
والمسألة مبنية على الخلاف فى قبول توبة الزنديق، لأن الساحر عنده كافر، كما ذكرناه، وعندنا: ليس بكافر «١»، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق.
قال القاضى عياض: وبقول مالك قال أحمد بن حنبل وهو مروى عن جماعة من الصحابة والتابعين. قال أصحابنا: فإذا قتل الساحر بسحره إنسانا واعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبا لزمه القصاص. فإن قال مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية فى ماله لا على عاقلته، لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجانى. قال أصحابنا: ولا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبينة، وإنما يتصور باعتراف الساحر. انتهى. واختلف فى السحر:
فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له، وهو اختيار أبى جعفر الاستراباذى من الشافعية، وأبى بكر الرازى من الحنفية وطائفة. قال النووى:
والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة.
قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلانى: لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال إنه تخييل فقط منع ذلك، والقائلون بأن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض، أو ينتهى إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه، فالذى عليه الجمهور هو الأول.
_________________
(١) قلت: الذى أعرفه عن الإمام الشافعى﵀- أنه لا يكفر الساحر، بل يتوقف فى أمره حتى يستبين له أن ما يأتيه سحر أم لا، حيث إن بعض الدجالين يأتون بأعمال ليست من السحر، فلا يكفرون بها، أما الساحر الحقيقى فكافر كما قال مالك وأحمد- رحمهما الله- مستدلين على ذلك بقول الله تعالى وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ وليس بعد كلام الله كلام.
[ ٣ / ٤٥ ]
وقال المازرى: جمهور العلماء على إثبات السحر، لأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو مزج قوى على ترتيب مخصوص. ونظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا. وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله فى قوله: يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ «١»، لكون المقام مقام تهويل. فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره الله تعالى. وقال المازرى: والصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصّا فى منع الزيادة، ولو قلنا إنها ظاهرة فى ذلك.
ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة، أن السحر يكون معاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبا اتفاقا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدى.
ونقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على يد فاسق. ونقل نحوه النووى فى «زيادة الروضة» عن المتولى. وينبغى أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكا بالشريعة متجنبا للموبقات، فإن الذى يظهر على يديه من الخوارق كرامة وإلا فهو سحر.
وقال القرطبى: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجود تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ «٢» مع أن حبالهم وعصيهم لم يخرجوها عن كونها حبالا وعصيّا.
وقال أبو بكر الرازى فى «الأحكام»: (أخبر الله تعالى أن الذى ظنه
_________________
(١) سورة البقرة: ١٠٢.
(٢) سورة الأعراف: ١١٦.
[ ٣ / ٤٦ ]
موسى أنها تسعى لم يكن سعيّا، وإنما كان تخييلا، وذلك أن عصيهم كانت مجوفة وقد ملئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابا وجعلوا لها آزاجا وملؤوها نارا، فلما طرحت على ذلك الموضع وحمى الزئبق حركا، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصى صارت تتحرك بحركته، فظن من رآها أنها تسعى، ولم تكن تسعى حقيقة، انتهى.
قال القرطبى: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا فى القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفى الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانا، أو عكسه، بسحر الساحر.
وقد ثبت فى البخارى من حديث عائشة أن رسول اللهﷺ- سحر، حتى إن كان ليخيل إليه أنه يفعل الشئ وما فعله، حتى إذا كان ذات ليلة عند عائشة دعا ودعا ثم قال: «يا عائشة، أشعرت أن الله أفتانى فيما استفتيته؟
أتانى رجلان، فقعد أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى، فقال أحدهما: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب «١»، قال من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فى أى شئ؟ قال: فى مشط ومشاقة «٢» وجف طلع «٣» نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: فى بئر ذروان «٤»»، فأتاه رسول اللهﷺ- فى ناس من أصحابه، فجاء فقال: «يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء «٥»، وكان رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، فقلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: قد عافانى الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرّا، فأمر بها فدفنت» . وفى رواية للبخارى أيضا:
«فأتى البئر حتى استخرجه فقال: هذه البئر التى رأيتها»، قالت عائشة: أفلا
_________________
(١) مطبوب: أى مسحور.
(٢) المشاقة: ما يسقط من الشعر حين يمشط.
(٣) جف الطلعة: وعاء الطلع وغشاؤه إذا جف.
(٤) بئر ذروان: بئر فى المدينة فى بستان لأحد اليهود.
(٥) نقاعة الحناء: أى الماء الذى ينقع فيه الحناء، والحناء معروف، وهو الذى يتخذ للخضاب.
[ ٣ / ٤٧ ]
تنشرت «١»؟ قال: «أما الله شفانى، وأكره أن أثير على الناس شرّا» «٢» . وفى حديث ابن عباس عند البيهقى- بسند ضعيف- فى آخر قصة السحر الذى سحر به النبىﷺ- أنهم وجدوا وترا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت الفلق والناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة. وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس أن عليّا وعمارا لما بعثهما النبىﷺ- لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه. وفى رواية ذكرها فى فتح البارى: فنزل رجل فاستخرجه وأنه وجد فى الطلعة تمثالا من شمع تمثال رسول اللهﷺ- وإذا فيه أبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألما، ثم يجد بعدها راحة.
وقد بين الواقدى السنة التى وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن عبد الحكم مرسلا قال: لما رجعﷺ- من الحديبية فى ذى الحجة ودخل المحرم سنة سبع جاءت رؤوس اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفا إلى بنى زريق، وكان ساحرا، فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدا فلم نصنع شيئا، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير. ووقع فى رواية أبى ضمرة عند الإسماعيلى:
فأقام أربعين ليلة، وفى رواية وهيب عن هشام عند أحمد: ستة أشهر.
ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعين يوما من استحكامه. وقال السهيلى: لم أقف فى شئ من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التى مكثﷺ- فيها فى السحر، حتى ظفرت به فى جامع معمر عن الزهرى: أنه لبث سنة. قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدناه موصولا بالإسناد الصحيح، فهو المعتمد. وقال المازرى: أنكر بعض المبتدعة
_________________
(١) عند مسلم: أفلا أحرقته.
(٢) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٣٢٦٨) فى بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، وأطرافه (٥٧٦٣ و٥٧٦٥ و٥٧٦٦ و٦٠٦٣ و٦٣٩١)، ومسلم (٢١٨٩) فى السلام، باب: السحر.
[ ٣ / ٤٨ ]
هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا: أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحمل على هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثمّ، وأنه يوحى إليه بشئ ولم يوح إليه بشئ.
قال المازرى: وهذا كله مردود، لأن الدليل قد قام على صدق النبىﷺ- فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته فى التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التى لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو فى ذلك عرضة لما يعرض لبشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه فى أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك فى أمور الدين، انتهى. وقال غيره: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشئ ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت، فلا يبقى على هذا للملحد حجة.
وقال القاضى عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور، أنه يظهر له من نشاطه ومن سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقور، ويكون قوله فى الرواية الآخرى «حتى كاد ينكر بصره» أى كالذى ينكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشئ يخيل إليه أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته. ويؤيد جميع ما تقدم: أنه لم ينقل عنه فى خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر به.
قال بعضهم: وقد سلك النبىﷺ- فى هذه القصة مسلكى التفويض وتعاطى الأسباب، ففى أول الأمر فوض وسلم لأمر ربه، واحتسب الأجر فى صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشى من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته جنح إلى التداوى. فقد أخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: احتجم النبىﷺ- على رأسه، يعنى حين طب، ثم جنح إلى الدعاء، وكل من المقامين غاية فى الكمال.
[ ٣ / ٤٩ ]
وقال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يؤخذ من النشرة «١» مقاومة السحر الذى هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان تأثير السحر هو فى القلوب الضعيفة، ولهذا كان غالب ما يؤثر فى النساء والصبيان والجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها، انتهى ملخصا.
ويعكر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبىﷺ- مع عظم مقامه، وصدق توجهه وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن الذى ذكره محمول على الغالب، وإنما وقع بهﷺ- لبيان تجويز ذلك عليه.
وأما ما يعالج به من النشرة المقاومة للسحر، فذكر ابن بطال: أن فى كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر «٢» أخضر، فتدق بين حجرين ثم يضرب ذلك بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسى والقلاقل «٣» ثم يحسو منه ثلاث حسيات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه ما كان به، وهو جيد للرجل إذا احتبس عن أهله. وممن صرح بجواز النشرة، المزنى عن الشافعى، وأبو جعفر الطبرى وغيرهما. انتهى.
وقال ابن الحاج «٤» فى «المدخل»: كان الشيخ أبو محمد المرجانى أكثر تداويه بالنشرة يعملها لنفسه ولأولاده ولأصحابه فيجدون على ذلك الشفاء،
_________________
(١) النشرة: بضم النون، ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسّا من الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أى: يكشف ويزال، «النهاية» فى غريب الحديث، مادة (نشر) .
(٢) السدر: شجر النبق.
(٣) يقصد: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، والمعوذتين.
(٤) هو: الإمام العالم، أبو عبد الله، محمد بن محمد بن محمد العبدرى الفاسى المالكى الشهير بابن الحاج، كان فاضلا عارفا يقتدى به، له التاليف النافعة من أجلها هذا الكتاب المسمى «بمدخل الشرع الشريف على المذاهب»، ذكر فيه بدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها، وأكثرها مما ينكر وبعضها مما يحتمل، توفى بالقاهرة سنة ٧٣٧ هـ.
[ ٣ / ٥٠ ]
وأخبر﵀- أن النبىﷺ- أعطاها له فى المنام، وقال: إنه مرة رأى النبىﷺ- وقال له: ما تعلم ما عمل معك ومع أصحابك فى هذه النشرة، نقله عنه خادمه، وهى هذه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ «١» إلى آخر السورة، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٢» لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا «٣» إلى آخر السورة، وسورة الإخلاص والمعوذتين، ثم يكتب: اللهم أنت المحيى وأنت المميت، وأنت الخالق البارئ وأنت المبلى، وأنت المعافى، وأنت الشافى، خلقتنا من ماء مهين، وجعلتنا فى قرار مكين إلى قدر معلوم، اللهم إنى أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، يا من بيده الابتلاء والمعافاة، والشفاء والدواء أسألك بمعجزات نبيك محمدﷺ- حبيبك، وبركات خليلك إبراهيم﵊-، وحرمة كليمك موسى﵊-، اللهم اشفه.
ذكر رقية لكل شكوى:
عن أبى الدرداء قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «من اشتكى منكم شيئا فليقل: ربنا الله الذى فى السماء تقدس اسمك، أمرك فى السماء والأرض، كما رحمتك فى السماء فاجعل رحمتك فى الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين أنزل رحمة من عندك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله» «٤» رواه أبو داود فى سننه.
رقيته ص من الصداع:
روى الحميدى فى «الطب» عن يونس بن يعقوب عن عبد الله قال: كان رسول اللهﷺ- يتعوذ من الصداع، بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله
_________________
(١) سورة التوبة: ١٢٨.
(٢) سورة الإسراء: ٨٢.
(٣) سورة الحشر: ٢١.
(٤) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٨٩٢) فى الطب، باب: كيف الرقى، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى ضعيف سنن أبى داود.
[ ٣ / ٥١ ]
الكبير وأعوذ بالله العظيم من كل عرق نعار «١» ومن شر حر النار «٢» .
ورواه ابن السنى من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-. وأصاب أسماء بنت أبى بكررضي الله عنهما- ورم فى رأسها، فوضع رسول اللهﷺ- يده على ذلك من فوق الثياب فقال: «بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك، بسم الله» صنع ذلك ثلاث مرات، وأمرها أن تقول ذلك، فقالت ثلاثة أيام. فذهب الورم «٣» رواه الشيخ ابن النعمان بسنده والبيهقى.
رقيته ص من وجع الضرس:
روى البيهقى أن عبد الله بن رواحة شكا إلى النبىﷺ- وجع ضرسه، فوضعﷺ- يده على خده الذى فيه وقال: «اللهم أذهب عنه سوء ما يجد وفحشه، بدعوة نبيك المكين المبارك عندك» سبع مرات، فشفاه الله قبل أن يبرح. وروى الحميدى أن فاطمةرضي الله عنها- أتت رسول اللهﷺ- تشكو ما تلقى من ضربان الضرس، فأدخل سبابته اليمنى فوضعها على السن الذى تألم، فقال: «بسم الله وبالله، أسألك بعزتك وجلالك وقدرتك على كل شئ، فإن مريم لم تلد غير عيسى من روحك وكلمتك، أن تكشف ما تلقى فاطمة بنت خديجة من الضر كله، فسكن ما بها» .
ومن الغريب: ما شاع وذاع عن شيخنا المحب الطبرى إمام مقام الخليل بمكة، ورأيته يفعله غير مرة، وضع يده على رأس الموجوع ضرسه، ويسأل
_________________
(١) قال ابن الأثير فى «النهاية» مادة (نعر): نعر العرق بالدم، إذا ارتفع وعلا، وجرح نعار ونعور، إذا صوت دمه عند خروجه.
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٠٧٥) فى الطب، باب: رقم (٢٦)، وابن ماجه (٣٥٢٦) فى الطب، باب: ما يعوذ به من الحمى، وأحمد فى «المسند» (١/ ٣٠٠)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٤٥٩) من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة، وإبراهيم يضعف فى الحديث، وهو كما قال.
(٣) أخرجه ابن أبى الدنيا فى «المرض والكفارات» (ص ١٢٤) من حديث عائشةرضي الله عنها-، وذكر فيه أن رسول اللهﷺ- أمر عائشة بوضع يدها وأن تقول الدعاء.
[ ٣ / ٥٢ ]
عن اسمه واسم أمه وعن المدة التى يريد المألوم أن لا يألمه فيها، فيقول: سبع سنين أو تسع سنين مثلا بالوتر، قالوا: فما يرفع يده إلا وقد سكن ألمه، ويمكث المدة المذكورة لا يألمه، كما أشيع ذلك واشتهر. ومما جرب أن يكتب على الخد الذى يلى الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ «١»، وإن شاء كتب وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٢» .
رقية لعسر البول:
روى النسائى عن أبى الدرداء أنه أتاه رجل يذكر أن أخاه احتبس بوله، فأصابه حصاة البول، فعلمه رقية سمعها من رسول اللهﷺ-: ربنا الله الذى فى السماء تقدس اسمك، أمرك فى السماء والأرض، كما رحمتك فى السماء فاجعل رحمتك فى الأرض، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب المتطببين فأنزل شفاء من شفائك، ورحمة من رحمتك على هذا الوجع فيبرأ.
وأمره أن يرقيه بها، فرقاه بها فبرئ «٣» . وقد تقدم هذا فى رقية الشكوى العامة من حديث أبى الدرداء.
رقية الحمى:
عن أنس قال: دخل رسول اللهﷺ- على عائشة وهى موعوكة، وهى تسب الحمى، فقال: «لا تسبيها فإنها مأمورة ولكن إن شئت علمتك كلمات إذا قلتهن أذهبها الله عنك» قالت: علمنى، قال: «قولى اللهم ارحم جلدى الرقيق وعظمى الدقيق من شدة الحريق، يا أم ملدم «٤»، إن كنت آمنت بالله العظيم فلا تصدعى الرأس، ولا تنتنى الفم، ولا تأكلى اللحم، ولا تشربى
_________________
(١) سورة الملك: ٢٣.
(٢) سورة الأنعام: ١٣.
(٣) أخرجه النسائى فى «الكبرى» (١٠٨٧٦ و١٠٨٧٧) .
(٤) أم ملدم: كنية الحمى.
[ ٣ / ٥٣ ]
الدم، وتحولى عنى إلى من اتخذ مع الله إلها آخر» فقالتها فذهبت عنها «١»، رواه البيهقى.
وقد جرب ذلك- كما رأيته بخط شيخنا- ولفظه: اللهم ارحم عظمى الدقيق وجلدى الرقيق، وأعوذ بك من فورة الحريق، يا أم ملدم، إن كنت آمنت بالله واليوم الآخر، فلا تأكلى اللحم، ولا تشربى الدم، ولا تفورى على الفم، وانتقلى إلى من يزعم أن مع الله إلها آخر، فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
ويكتب للحمى المثلاثة- مما ذكره صاحب الهدى- على ثلاث ورقات لطاف: بسم الله فرّت، بسم الله مرّت. بسم الله قلّت، ويأخذ كل يوم ورقة ويجعلها فى فمه ويبلعها بماء. وقد رخص جماعة من السلف فى كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشفاء الذى جعله الله فيه. قال ابن الحاج فى «المدخل»: وقد كان الشيخ أبو محمد المرجانى لا تزال الأوراق للحمى وغيرها على باب الزاوية، فمن كان به ألم أخذ ورقة منها فاستعملها فيبرأ بإذن الله تعالى، وكان المكتوب فيها: أزلى لم يزل، ولا يزال، يزيل الزوال، وهو لا يزال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٢» .
وقال المروزى: بلغ أبا عبد الله أنى حممت فكتب لى من الحمى رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ومحمد رسول الله، يا نار كونى بردّا وسلاما على إبراهيم، وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك، إله الحق آمين.
* ومما جرب للخراج، ونقله صاحب زاد المعاد، أن يكتب عليه
_________________
(١) ضعيف: أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ١٦٩) بسند ضعيف.
(٢) سورة الإسراء: ٨٢.
[ ٣ / ٥٤ ]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا «١» .
* ومما يكتب لعسر الولادة ما روى الخلال عن عبد الله بن الإمام أحمد ابن حنبل قال: رأيت أبى يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها فى جام «٢» أبيض، أو شئ نظيف، حديث ابن عباس: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزى أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله اكتب لامرأة قد عسر عليها الولادة منذ يومين فقال: قل له يجئ بجام واسع وزعفران. قال المروزى: ورأيته يكتب لغير واحد.
وفى «المدخل»: يكتب فى آنية جديدة: اخرج أيها الولد من بطن ضيق إلى سعة هذه الدنيا، اخرج بقدرة الذى جعلك فى قرار مكين إلى قدر معلوم، لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، إلى آخر السورة، وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. وتشربها النفساء، ويرش منها على وجهها. قال الشيخ المرجانى: أخذته عن بعض السادة، فما كتبته لأحد إلا نجح فى وقته.
انتهى.
وروى عن عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى﵇- على امرأة وقد اعترض ولدها فى بطنها فقالت: يا كلمة الله ادع الله لى أن يخلصنى مما أنا فيه فقال: يا خالق النفس من النفس، ويا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس خلصها، قال: فرمت بولدها وإذا هى قائمة. قال:
فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها.
_________________
(١) سورة طه: ١٠٥- ١٠٧.
(٢) الجام: إناء أو طاسة.
[ ٣ / ٥٥ ]
ومما يكتب أيضا لذلك، ويكون فى إناء نظيف: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ «١» وتشرب الحامل منه وترش على بطنها.
* ومما يكتب للرعاف «٢» على جبهة المرعوف وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ»
، ولا يجوز كتابتها بدم الرعاف كما يفعله بعض الجهال، فإن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله.
* ومما يكتب لعرق النسا: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم رب كل شئ، ومليك كل شئ، وخالق كل شئ، أنت خلقتنى وخلقت عرق النسا فىّ فلا تسلطه علىّ بأذى، ولا تسلطنى عليه بقطع، واشفنى شفاء لا يغادر سقما، لا شافى إلا أنت.
وأما حفيظة رمضان: لا آلاء إلا آلاؤك يا الله، إنك سميع عليم محيط به علمك كعسلهون، وبالحق أنزلناه وبالحق نزل إلى آخرها فقال شيخنا:
اشتهرت ببلاد اليمن ومكة ومصر والمغرب وجملة بلدان أنها حفيظة رمضان، تحفظ من الغرق والسرق والحرق وسائر الآفات، وتكتب فى آخر جمعة منه، وجمهورهم يكتبها والخطيب يخطب على المنبر، وبعضهم بعد صلاة العصر.
وهذه بدعة لا أصل لها، وإن وقعت فى كلام غير واحد من الأكابر، بل أشعر كلام بعضهم إلى ورودها فى حديث ضعيف، وكان الحافظ ابن حجر ينكرها جدّا، حتى وهو قائم على المنبر فى أثناء خطبته حين يرى من يكتبها.
ذكر ما يقى من كل بلاء:
عن أبان بن عثمان عن أبيه قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول:
«من قال بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ فى الأرض ولا فى السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات حين يمسى لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن
_________________
(١) سورة الانشقاق: ١- ٤.
(٢) الرعاف: نزول الدم من الأنف.
(٣) سورة هود: ٤٤.
[ ٣ / ٥٦ ]
قالها حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسى» . قال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج «١»، فتجعل الذى سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال: ما لك تنظر فو الله ما كذبت على عثمان ولا كذب عثمان على رسول اللهﷺ-، ولكن اليوم الذى أصابنى فيه ما أصابنى غضبت فنسيت أن أقولها «٢» . رواه أبو داود، ورواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح. وعنده: فكان أبان أصابه طرف فالج فجعل الرجل ينظر إليه فقال له أبان: ما لك تنظر إلى، أما إن الحديث كما حدثتك ولكن لم أقله يومئذ ليمضى الله أمرا قدره.
ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء:
وذكر أبو محمد عبد الله بن محمد المالكى الإفريقى، فى كتابه «أخبار أفريقية» عن أنس بن مالك مرفوعا: «من قال بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم عشر مرات برئ من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وعوفى من سبعين بلاء من بلايا الدنيا، منها الجنون والجذام والبرص والريح» . ويشهد له ما رواه الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: «أكثروا من ذكر لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم فإنها من كنز الجنة» . قال مكحول: من قال لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ولا ملجأ من الله إلا إليه، كشف الله عنه سبعين بابا من الضر أدناها الفقر «٣» .
_________________
(١) الفالج: داء معروف يرخى بعض البدن، وكذلك تباعد الأعضاء كالقدمين والأسنان.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٥٠٨٨) فى الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، والترمذى (٣٣٨٨) فى الدعوات، باب: ما جاء فى الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى، وابن ماجه (٣٨٦٩) فى الدعاء، باب: ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى، وأحمد فى «المسند» (١/ ٦٢ و٦٦ و٧٢)، وابن حبان فى صحيحه (٨٥٢ و٨٦٢)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٦٩٥)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهو كما قال.
(٣) ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٦٠١) فى الدعوات، باب: فضل لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال الترمذى: ليس إسناده بمتصل مكحول لم يسمع من أبى هريرة، وهو كما قال إلا أن لطرفه المرفوع شواهد يصحح بها.
[ ٣ / ٥٧ ]
وروى الطبرانى عن أبى هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: «من قال لا حول ولا قوة إلا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم» «١» .
ومن ذلك فى الأمان من الفقر: عن أبى موسى قال: قال رسول اللهﷺ-: «من قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة فى كل يوم لم يصبه فقر أبدا» . رواه ابن أبى الدنيا.
وروى الطبرانى عن أبى هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: «من أبطأ عليه رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» «٢» . وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب يرفعه: من قال كل يوم وليلة: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، مائة مرة كان له أمانا من الفقر وأنسا من وحشة القبر، واستفتح به باب الغنى، واستقرع به باب الجنة. قال بعض رواته: لو رحلتم فى هذا الحديث إلى الصين ما كان كثيرا. ذكره عبد الحق فى كتاب الطب النبوى.
ذكر دواء داء الطعام:
روى البخارى فى تاريخه عن عبد الله بن مسعود: من قال حين يوضع الطعام: بسم الله خير الأسماء فى الأرض وفى السماء، لا يضر مع اسمه داء، اجعل فيه رحمة وشفاء. لم يضره ما كان «٣» .
ذكر دواء أم الصبيان:
عن على قال: قال رسول اللهﷺ-: «من ولد له مولود فأذن فى أذنه
_________________
(١) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٩٨) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه بشر بن رافع الحارثى، وهو ضعيف، وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح، إلا أن النسخة من الطبرانى الأوسط سقط منها عجلان والد محمد الذى بينه وبين أبى هريرة والله أعلم، ا. هـ. قلت: وبشر هذا ضعيف الحديث، قاله الحافظ فى «التقريب» (٦٨٥)، وعلى ذلك فالحديث ضعيف.
(٢) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٣/ ٢٠١) وقال: رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط وفيه يونس بن تميم ضعفه الذهبى بهذا الحديث.
(٣) أخرجه البخارى فى «التاريخ الكبير» (٤/ ٢١) .
[ ٣ / ٥٨ ]
اليمنى وأقام فى اليسرى لم تضره أم الصبيان» «١» رواه ابن السنى، وذكره عبد الحق فى «الطب النبوى» . وأم الصبيان: هى الريح التى تعرض لهم، فربما يخشى عليهم منها. وسر التأذين- كما قاله صاحب تحفة المودود بأحكام المولود- أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التى أول ما يدخل بها فى الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها. مع ما فى ذلك من فائدة أخرى، وهى هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التى قدرها الله وشاءها، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أو أوقات تعلقه به.
النوع الثانى طبه ص بالأدوية الطبيعية
ذكر ما كان ص يعالج به الصداع والشقيقة:
اعلم أن الصداع ألم فى بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان منه فى أحد جانبى الرأس لازما سمى شقيقة- بوزن عظيمة- وسببه أبخرة مرتفعة، أو أخلاط حارة أو باردة ترتفع إلى الدماغ، فإن لم تجد منفذا أحدثت الصداع، فإن مال إلى أحد شقى الرأس أحدث الشقيقة، وإن ملك كل الرأس أحدث داء البيضة تشبيها ببيضة السلاح تشتمل على الرأس كله.
وأسباب الصداع كثيرة: منها ما تقدم، ومنها ما يكون عن ورم فى المعدة أو فى عروقها، أو ريح غليظة فيها، أو لامتلائها، ومنها ما يكون من الحركة العنيفة كالجماع والقئ والاستفراغ والسهر وكثرة الكلام، ومنها ما يحدث من الأعراض النفسانية كالهم والحزن والجوع والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث فى الرأس كضربة تصيبه أو ورم فى صفاق الدماغ، أو حمل شئ
_________________
(١) أخرجه ابن السنى فى «عمل اليوم والليلة» (٦١٧) .
[ ٣ / ٥٩ ]
ثقيل يضغط الرأس، أو تسخينه بشئ خارج عن الاعتدال، أو بتبريده بملاقاة الهواء أو الماء فى البرد.
وأما الشقيقة: فهى فى شرايين الرأس وحدها، أو تختص بالموضع الأضعف من الرأس. وعلاجها بشد العصابة. وقد أخرج الإمام أحمد من حديث بريدة أنهﷺ- كان ربما أخذته الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج «١» . وفى الصحيح أنهﷺ- قال فى مرض موته: «وارأساه» «٢» وأنه خطب وقد عصب رأسه «٣» . فعصب الرأس ينفع فى الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس.
وفى البخارى من حديث ابن عباس: احتجمﷺ- وهو محرم فى رأسه من شقيقة كانت به «٤» . وقد جاءت مقيدة فى بعض طرق ابن عباس نفسه، فعند أبى داود الطيالسى فى مسنده من حديث ابن عباس أن النبىﷺ- احتجم فى وسط رأسه «٥» . وقد قال الأطباء إنها نافعة جدّا. وورد أنهﷺ- احتجم أيضا فى الأخدعين والكاهل «٦» . أخرجه الترمذى وحسنه، وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم. وقد قال الأطباء: الحجامة
_________________
(١) ذكره ابن القيم فى «زاد المعاد» (٤/ ٨٧) وعزاه لأبى نعيم فى «الطب النبوى» .
(٢) صحيح: وقد ورد ذلك فى حديث أخرجه البخارى (٥٦٦٦) فى المرضى، باب: قول المريض: إنى وجع أو وارأساه، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٣) ذكره ابن القيم فى «زاد المعاد» (٤/ ٨٧) وعزاه لأبى نعيم فى «الطب النبوى» .
(٤) أخرجه البخارى (٥٧٠١) تعليقا فى الطب، باب: الحجامة من الشقيقة والصداع، وقال الحافظ فى «الفتح» (١٠/ ١٦٢): وقد وصله الإسماعيلى وقد اتفقت هذه الطرق عن ابن عباس أنه احتجمﷺ- وهو محرم فى رأسه. ا. هـ. قلت: وهى رواية البخارى الموصولة دون تعيين سبب العلة.
(٥) قلت: بل هى عند البخارى (٥٧٠٠) فيما سبق.
(٦) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٦٠) فى الطب، باب: ما جاء فى موضع الحجامة، والترمذى (٢٠٥١) فى الطب، باب: ما جاء فى الحجامة، وابن ماجه (٣٤٨٣) فى الطب، باب: موضع الحجامة، وأحمد فى «المسند» (٣/ ١٩٢)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٠٧٧)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» و(الأخدعان): عرقان فى جانبى العنق، و(الكاهل): ما بين الكتفين، وهو مقدم الظهر.
[ ٣ / ٦٠ ]
على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه والأذنين والعينين والأسنان والأنف.
وقد ورد فى حديث ضعيف جدّا، أخرجه ابن عدى من طريق عمر بن رباح عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس رفعه: الحجامة فى الرأس تنفع فى سبع، من الجنون والجذام والبرص والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين «١» . وعمر متروك، رماه الفلاس وغيره بالكذب.
وروى ابن ماجة فى سننه أن النبىﷺ- كان إذا صدع غلف رأسه بالحناء، ويقول: إنه نافع بإذن الله من الصداع «٢» . وفى صحته نظر. وهو علاج خاص بما إذا كان الصداع من حرارة ملتهبة، ولم يكن من مادة يجب استفراغها، وإذا كان كذلك نفع فيه الحناء نفعا ظاهرا. قالوا: وإذا دق وضمدت به الجبهة مع الخل سكن الصداع، وهذا لا يختص بوجع الرأس بل يعم جميع الأعضاء.
وفى تاريخ البخارى وسنن أبى داود: أن رسول اللهﷺ- ما شكا إليه أحد وجعا فى رأسه إلا قال له «احتجم»، ولا شكا وجعا فى رجليه إلا قال له: «اختضب بالحناء» «٣» . وفى الترمذى عن على بن عبد الله عن جدته- وكانت تخدم النبىﷺ- قالت: ما كان يكون برسول اللهﷺ- قرحة ولا نكتة إلا أمرنى أن أضع عليها الحناء «٤» .
ذكر طبه ص للرمد:
وهو ورم حار يعرض فى الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها،
_________________
(١) ضعيف جدّا: أخرجه ابن عدى فى «الكامل» (٥/ ٥١) فى ترجمة عمر بن رباح، وضعفه.
(٢) ضعيف: وهو عند البزار، وليس ابن ماجه كما ذكر المصنف، وفيه الأحوص بن حكيم، وقد وثق وفيه ضعف كثير، وأبو عون، ولم أعرفه، قاله الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٩٥) .
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٨٠٨) فى الطب، باب: فى الحجامة، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٤٦٢)، من حديث سلمى مولاة النبىﷺ-، وفى إسناده ضعف.
(٤) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٠٥٤) فى الطب، باب: ما جاء فى التداوى بالحناء، وابن ماجه (٣٥٠٢) فى الطب، باب: الحناء، من حديث سلمى مولاة النبىﷺ-، وسنده ضعيف.
[ ٣ / ٦١ ]
وسببه: انصباب أحد الأخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم «١» أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة «٢» والمنخرين أحدث الخنان- بالخاء المعجمة والنون-، أو إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث الشوصة «٣»، وإن لم ينحدر وطلب نفاذا فلم يجد أحدث الصداع، كما تقدم. وروى أنهﷺ- كان يعالج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة.
وفى سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبىﷺ- وبين يديه خبز وتمر فقال: «ادن وكل»، فأخذت تمرا فأكلت، فقال: «تأكل تمرا وبك رمد؟» فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية الآخرى، فتبسم رسول اللهﷺ- «٤» . وقد روى أنه حمى عليّا من الرطب لما أصابه الرمد.
وفى البخارى من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت النبىﷺ- يقول: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» «٥» . والكمأة: نبات لا ورق لها ولا ساق، يوجد فى الأرض من غير أن يزرع. وروى الطبرانى من طريق المنكدر عن جابر قال: كثرت الكمأة على عهد رسول اللهﷺ-، فامتنع قوم من أكلها وقالوا: هو جدرى الأرض، فبلغه ذلك فقال: «إن الكمأة ليست جدرى الأرض، ألا إن الكمأة من المن» «٦» . واختلف فى قوله: «من
_________________
(١) يقصد: الأنف.
(٢) اللهاة: اللحمة التى فى أقصى الحلق.
(٣) الشوصة: وجع فى البطن من ريح تنعقد تحت الأضلاع. (النهاية فى غريب الحديث) مادة (شوص) .
(٤) حسن: أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٣) فى الطب، باب: الحمية، وقال البوصيرى فى «الزوائد»: إسناده صحيح، رجاله ثقات.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٤٤٧٨) فى التفسير، باب: وقوله تعالى: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، ومسلم (٢٠٤٩) فى الأشربة، باب: فضل الكمأة ومداواة العين بها.
(٦) قلت: هو عند الترمذى (٢٠٦٨) بنحوه فى الطب، باب: ما جاء فى الكمأة والعجوة، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، وقال الترمذى: هذا حديث حسن، وهو كما قال.
[ ٣ / ٦٢ ]
المن»، فقيل: من المن الذى أنزل الله على بنى إسرائيل، وهو الطل الذى يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوا، ومنه الترنجبيل فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوا بغير علاج.
وقال الخطابى: ليس المراد أنها نوع من المن الذى أنزل الله على بنى إسرائيل، فإن الذى أنزل على بنى إسرائيل كان كالترنجبيل الذى يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شئ ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقى، وإنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض، الذى ليس فى اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر.
وقال ابن الجوزى: فى المراد بكونها شفاء للعين قولان: أحدهما: أنه ماؤها حقيقة إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها لا تستعمل صرفا فى العين، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين: أحدهما أن يختلط فى الأدوية التى يكتحل بها، حكاه أبو عبيد، ثانيهما: أن تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلى ماؤها ثم يؤخذ الميل «١» فيجعل فى ذلك الشق وهو فاتر، فيكتحل بمائها، لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة ويبقى النافع منه، ولا يجعل الميل فى مائها وهى باردة يابسة فلا ينجع.
وقال آخر: تجعل الكمأة فى قدر جديدة ويصب عليها الماء، ولا يطرح فيها ملح، ثم يؤخذ غطاء جديد نقى فيجعل على القدر، فما جرى على الغطاء من بخار الكمأة فذلك الماء الذى يكتحل به.
وقال ابن واقد: إن ماء الكمأة إذا عصر وربى به الإثمد كان ذلك من أصلح الأشياء للعين إذا اكتحل به يقوى أجفانها، ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة، ويدفع عنها نزول النوازل. وقال أيضا: إذا اكتحل بماء الكمأة وحده بميل من ذهب تبين للفاعل لذلك قوة عجيبة وحدة فى البصر كثيرة.
وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسيحى وابن سينا وغيرهما، قال: والذى يزيل الإشكالات عن هذا
_________________
(١) الميل: العود الذى يكتحل به.
[ ٣ / ٦٣ ]
الاختلاف أن الكمأة وغيرها خلقت فى الأصل سليمة من المضار، ثم عرضت لها الآفات بأمور أخرى، من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التى أرادها الله تعالى، فالكمأة فى الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضر لنيته والعكس بالعكس والله أعلم.
ذكر طبه ص من العذرة:
وهى- بضم المهملة وسكون الذال المعجمة- وجع فى الحلق يعترى الصبيان غالبا، وقيل: هى قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو فى الخرم الذى بين الأنف والحلق، وهو الذى يسمى سقوط اللهاة، وقيل هو اسم اللهاة والمراد وجعها سمى باسمها، وقيل: هو موضع قريب من الهاة، واللهاة- بفتح اللام- اللحمة التى فى أقصى الحلق.
وفى البخارى، من حديث أم قيس بنت محصن الأسدية- أسد خزيمة- وهى أخت عكاشة، أنها أتت رسول اللهﷺ- بابن لها قد علقت عليه من العذرة، فقال النبىﷺ-: «علام تدغرن أولادكن بهذا العلاق؟ عليكم بهذا العود الهندى فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب» «١» يريد الكست وهو العود الهندى. قوله: «تدغرن» خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة والدال المهملة، والدغر: غمز الحلق.
وعن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول اللهﷺ- على عائشة وعندها صبى يسيل منخراه دما، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: به العذرة، أو وجع فى رأسه، فقال: «ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع فلتأخذ قسطا هنديا فلتحله بماء ثم تسعطه إياه» فأمرت عائشة
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦٩٣) فى الطب، باب: السعوط بالقسط الهندى، ومسلم (٢٨٧) فى السلام، باب: التداوى بالعود الهندى وهو الكست.
[ ٣ / ٦٤ ]
فصنع ذلك للصبى فبرئ. الحديث «١» . وفى القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة، وبالعلاق: وهو شئ يعلقونه على الصبيان، فنهاهم النبىﷺ- عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم.
والسعوط: ما يصب فى الأنف.
وقد استشكل معالجتها- أى العذرة- بالقسط الهندى مع كونه حارّا، والعذرة إنما تعرض فى زمن الحر بالصبيان، وأمزجتهم حارة، لا سيما وقطر الحجارة حار؟
وأجيب: بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفى القسط تجفيف للرطوبة وقد يكون نفعه فى هذا الداء بالخاصية، وأيضا فالأدوية الحارة قد تنفع فى الأمراض الحارة بالعرض كثيرا، بل وبالذات أيضا، وقد ذكر ابن سينا فى معالجة سقوط اللهاة بالقسط مع الشب اليمانى، على أنا لو لم نجد شيئا من التوجيهات لكان المعجز خارجا من القواعد الطبية.
ذكر طبه ص لداء استطلاق البطن «٢»:
فى الصحيحين من حديث أبى المتوكل عن أبى سعيد الخدرى: أن رجلا أتى النبىﷺ- فقال: إن أخى يشتكى بطنه- وفى رواية: استطلق بطنه- فقال: «اسقه عسلا»، فسقاه فقال: إنى سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال:
«صدق الله وكذب بطن أخيك» «٣» . وفى رواية مسلم فقال له ثلاث مرات،
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ٣١٥) وإسناده صحيح، وهو عند مسلم (٢٢١٤) فى السلام، باب: التداوى بالعود الهندى بنحوه من حديث أم قيسرضي الله عنها-.
(٢) أى: الإسهال.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦٨٤) فى الطب، باب: الدواء بالعسل، ومسلم (٢٢١٧) فى الطب، باب: التداوى بسقى العسل، والترمذى (٢٠٨٢) فى الطب، باب: ما جاء فى التداوى بالعسل، وأحمد فى «المسند» (٣/ ١٩ و٩٢)، واستدركه الحاكم (٤/ ٤٤٥) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
[ ٣ / ٦٥ ]
ثم جاء الرابعة فقال: «اسقه عسلا»، فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال: «صدق الله» . وفى رواية أحمد عن يزيد بن هارون فقال فى الرابعة:
«اسقه عسلا»، قال فأظنه فسقاه فبرأ، فقالﷺ-: «صدق الله وكذب بطن أخيك» .
قال الخطابى وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب فى موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أى زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى: كذب بطن أخيك، أى لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه.
وقال الإمام فخر الدين الرازى: لعلهﷺ- علم بنور الوحى أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه فى الحال مع كونهﷺ- كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك كان جاريا مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ. وقد اعترض بعض الملاحدة فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟
وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ «١» . فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف، والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع: منها الهيضة التى تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته فوصف لهﷺ- العسل لدفع الفضول المجتمع فى نواحى المعدة من أخلاط لزجة تمنع من استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شئ فى ذلك مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفده أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن
_________________
(١) سورة يونس: ٣٩.
[ ٣ / ٦٦ ]
جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررا آخر، فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفى بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله تعالى.
وفى قولهﷺ-: «وكذب بطن أخيك» إشارة إلى أن هذا الدواء نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء فى الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها.
وقال بعضهم: إن العسل تارة يجرى سريعا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضا، وتارة يبقى فى المعدة فيهيجها بلذعة لها حتى تدفع ويسهل البطن فيكون مسهلا، فإنكار وصفه بالمسهل مطلقا قصور من المنكر. وقال ابن الجوزى: فى وصفهﷺ- العسل لهذا المسهل أربعة أقوال:
أحدها: أن حمل الآية على عمومها فى الشفاء أولى، وإلى ذلك أشار بقوله: صدق الله، أى فى قوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «١» فلما نبه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول فشفى بإذن الله تعالى.
الثانى: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوى بالعسل من الأمراض كلها.
الثالث: أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة، كما تقدم تقريره.
الرابعة: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغم، فلعله شربه أولا بغير طبخ، انتهى.
والثانى والرابع ضعيفان: ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: «عليكم بالشفاءين العسل والقرآن» «٢» أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعا، وأخرجه
_________________
(١) سورة النحل: ٦٩.
(٢) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٢) فى الطب، باب: العسل، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٢٢٢ و٢٢٣ و٤٤٧)، والبيهقى فى «الكبرى» (٩/ ٣٤٤) وقال البيهقى: رفعه غير معروف، والصحيح موقوف، ورواه وكيع عن سفيان موقوفا. ا. هـ. قلت: ولعل ذلك هو الصواب.
[ ٣ / ٦٧ ]
ابن أبى شيبة والحاكم موقوفا، ورجاله رجال الصحيح. وأثر على: إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته شيئا من صداقها فليشتر به عسلا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجمع هنيئا مريئا مباركا، أخرجه ابن أبى حاتم فى التفسير بسند حسن.
وروينا عنهرضي الله عنه- أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله فى صحفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهما عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلا فليشربه فإنه شفاء: قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره، أى من وجوه: قال الله تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ»
وقال: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا «٢» وقال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا «٣» وقال فى العسل: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «٤» .
ذكر طبه ص فى يبس الطبيعة بما يمشيه ويلينه:
روى الترمذى وابن ماجه فى سننه من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول اللهﷺ-: «بماذا كنت تستمشين؟» قالت: بالشبرم، قال: «حار حار ضار ضار» ثم قالت: استمشيت بالسنا، فقال النبىﷺ-: «لو أن شيئا كان فيه شفاء من الموت لكان فى السنا» «٥» . قال أبو عيسى هذا حديث غريب، وقد ذكر البخارى فى تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس مثل ما ذكره الترمذى. وذكر أبو محمد الحميدى فى كتاب «الطب» له أنهﷺ- قال: «إياكم والشبرم فإنه حار حار، ضار ضار،
_________________
(١) سورة الإسراء: ٨٢.
(٢) سورة ق: ٩.
(٣) سورة النساء: ٤.
(٤) سورة النحل: ٦٩.
(٥) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٠٨١) فى الطب، باب: ما جاء فى السنا، وابن ماجه (٣٤٦١) فى الطب، باب: دواء المشى، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٦٩)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٢٢٤ و٤٤٨)، والبيهقى فى «الكبرى» (٩/ ٣٤٦) والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
[ ٣ / ٦٨ ]
وعليكم بالسنا فتداووا به، فلو دفع الموت شئ لدفعه السنا» . وحكى عبد الحق الإشبيلى فى كتاب «الطب النبوى» له أن المحاسبى ذكر فى كتابه المسمى ب «القصد إلى الله» أن النبىﷺ- شرب السنا بالتمر.
وفى سنن ابن ماجه، من حديث إبراهيم بن أبى عبلة قال: سمعت عبد الله بن أم حرام، وكان ممن صلى مع رسول اللهﷺ- إلى القبلتين، يقول:
«عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام»، قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: «الموت» «١» . قالوا: والشبرم: قشر عرق شجرة، وهو حار يابس فى الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التى منع الأطباء من استعمالها لخطرها وفرط إسهالها.
وأما السنا: فهو نبت حجازى، وأفضله المكى، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس فى الدرجة الأولى، يسهل الصفراء أو السوداء، ويقوى جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع فى الوسواس السوداوى.
قال الرازى: السنا والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة وينفعان فى الجرب والحكة، قال والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم. وأما السنوت، فقيل هو العسل، وقيل: رب عكة السمن يخرج خطوطا سودا على السمن، وقيل: حب يشبه الكمون وليس به، وقيل: هو الكمون الكرمانى، وقيل: إنه الرازيانج، وقيل إنه الشبث، وقيل إنه العسل الذى يكون فى زقاق السمن.
قال بعض الأطباء: وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب، أى:
يخلط السنا مدقوقا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردا، لما فى العسل والسمن من إصلاح السنا وإعانته على الإسهال.
_________________
(١) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٧) فى الطب، باب: السنا والسنوت، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
[ ٣ / ٦٩ ]
ذكر طبه ص للمفؤود:
وهو الذى أصيب فؤاده، فهو يشتكيه كالمبطون. روى أبو داود عن سعد قال: مرضت مرضا، فأتانى رسول اللهﷺ- يعودنى، فوضع يده بين ثديىّ حتى وجدت بردها على فؤادى، وقال لى: «إنك رجل مفؤود، فائت الحارث ابن كلدة «١» من ثقيف فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلد بهن الفؤاد» «٢» .
وهذا الحديث من الخطاب العام الذى أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم. والتمر لأهل المدينة كالحنطة لغيرهم، و«اللدود»: ما يسقاه الإنسان من أحد جانبى الفم. وفى التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما أهل المدينة، ولا سيما العجوة، وفى كونها سبعا خاصية أخرى تدرك بالوحى. وفى الصحيحين «من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية لم يضره فى ذلك اليوم سم ولا سحر» «٣» .
ذكر طبه ص لذات الجنب:
فى البخاري مرفوعا: «عليكم بهذا العود الهندى، فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب» «٤» . وفى الترمذى من حديث زيد بن أرقم قال: قالﷺ-: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحرى والزيت» «٥» . واعلم أن ذات الجنب هو ورم حار يعرض فى الغشاء المستبطن للأعضاء، وقد يطلق على ما يعرض فى نواحى الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات
_________________
(١) هو: أحد حكماء العرب وكان طبيبا مشهورا فى عصره، عاصر عهد النبوة.
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٨٧٥) فى الطب، باب: فى تمرة العجوة، وإسناده ضعيف.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٤٤٥) فى الأطعمة، باب: العجوة، ومسلم (٢٠٤٧) فى الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، من حديث سعدرضي الله عنه-.
(٤) صحيح: وقد تقدم من حديث أم قيسرضي الله عنه-.
(٥) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٠٧٩) فى الطب، باب: ما جاء فى دواء ذات الجنب، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
[ ٣ / ٧٠ ]
والعضل الذى فى الصدر والأضلاع، فيحدث وجعا. فالأول هو ذات الجنب الحقيقى، الذى تكلم عليه الأطباء، قالوا: ويحدث بسببه خمسة أمراض:
الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشارى.
ويقال لذات الجنب أيضا: وجع الخاصرة، وهو من الأمراض المخوفة لأنها تحدث بين القلب والكبد، وهو من سئ الأسقام. والمراد بذات الجنب هنا الثانى، لأن القسط وهو العود الهندى هو الذى يداوى به الريح الغليظة.
وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحى أنه قال: العود حار يابس قايض، محبس للبطن، ويقوى الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح ويفتح السدد، ويذهب فضل الرطوبة، نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب الحقيقية أيضا إذا كانت ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما فى وقت انحطاط العلة.
ذكر طبه ص لداء الاستسقاء:
عن أنس قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبىﷺ-، فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبىﷺ- فقال: «لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من ألبانها وأبوالها»، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول اللهﷺ- فى آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم فى الشمس حتى ماتوا «١» .
رواه الشيخان.
واعلم أن الاستسقاء مرض مادى، سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء فتربو بها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحى التى فيها تدبير الغذاء والأخلاط. وأقسامه ثلاثة: لحمى، وهو أصعبها، وهو الذى يربو معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو مع الدم فى
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٢٣٣) فى الوضوء، باب: أبوال الإبل والدواب والغنم، ومسلم (١٦٧١) فى القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين.
[ ٣ / ٧١ ]
الأعضاء. وزقى: وهو الذى يجتمع منه فى البطن الأسفل مادة مائية رديئة يسمع لها عند الحركة خضخضة كالماء فى الزق، وهو أردأ أنواعه عند أكثر الأطباء، وطبلى: وهو الذى ينتفخ معه البطن بمادة ريحية، إذا ضربت عليه سمعت له صوتا كصوت الطبل.
وإنما أمرهمﷺ- بشرب ذلك، لأن فى لبن اللقاح جلاء وتليينا وإدرارا وتلطيفا وتفتيحا للسدد، إذ كان أكثر رعيها الشيح والقيصوم والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء خصوصا إذا استعمل بحرارته التى يخرج بها من الضرع، مع بول الفصيل، وهو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك ما يزيد فى ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن.
وأما ضعف المعدة فذكر ابن الحاج فى المدخل: أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد المرجانى النبىﷺ- وهو يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتا بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز «١»، يفعل ذلك سبعة أيام ففعله فبرئ. ومرض بعض الناس ببرد المعدة فرأى الشيخ المرجانى أيضا النبىﷺ- وهو يشير بهذا الدواء: أوقية ونصف أوقية عسل نحل، ودر همين شونيز، ومثلها أنيسون، ونصف أوقية من النعنع الأخضر، ومن القرنفل نصف درهم، ومن القرفة نصف درهم، وشئ من قشر الليمون، مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار، فاستعمله فبرئ.
ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجانى النبىﷺ- وهو يشير بهذا الدواء: شونيز ثلاثة دراهم، ومن خزامى در همين ونصف، ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامى ومثله من الغليا، ووزن درهم من البلوط وهو ثمرة الفؤاد، وأوقية من الزيت المرقى تجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به وهو ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار وزن
_________________
(١) الشونيز: الحبة السوداء.
[ ٣ / ٧٢ ]
در همين على الريق، وعند النوم وزن درهم ونصف، فاستعمله فبرئ. ثم إنهﷺ- بعد ذلك قال فى النوم لذلك الشخص الذى أخبره بهذا الدواء إنه ينفع لأدواء هى: الريح، وسلسل الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، وألم النفاس، وتعقد الرياح.
والزيت المرقى: صفته أن تأخذ شيئا من الزيت الطيب، وتجعله فى إناء نظيف وتحركه بعود، وتقرأ عليه سورة الإخلاص والمعوذتين، ولَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «١» إلى آخر السورة وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٢» لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ «٣» إلى آخر السورة.
وحصل لآخر قولنج، فرأى الشيخ المرجاني النبىﷺ- فأشار بهذا الدواء: وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم ونصف من الزيت المرقى، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، وتعمل له التلبينة ويستعملها بعد إن يفطر على ذلك، والتلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيها عسل، ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله فبرئ بعد أن أعيا الأطباء.
ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ فرأى النبىﷺ- وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الألية والزيت المرقى، ورقيق البيضة، ويخلط ذلك كله، ويمده على الموضع ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل بعدما يدق دقّا ناعما حتى يعود مثل الدقيق. ففعله فبرئ.
وشكا بعض الناس الدوخة فى رأسه فرأى الشيخ النبىﷺ- فى النوم فأشار إلى هذا الدواء: قرنفل وزنجبيل وقرفة وجوزة طيب وسنبل، من
_________________
(١) سورة التوبة: ١٢٨.
(٢) سورة الإسراء: ٨٢.
(٣) سورة الحشر: ٢١.
[ ٣ / ٧٣ ]
كل واحد درهم ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ثم يطبخ ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، فيكون عسل النحل غالبا عليه، ففعله فبرأ، انتهى. وهذا وإن كان مناما فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجانى لذلك.
ذكر طبه ص من داء عرق النسا:
وهو بفتح النون والمهملة، المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب إضافة الشئ إلى محله. قيل: وسمى بذلك لأن ألمه ينسى ما سواه. وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهى إلى آخر القدم وراء الكعب. وعن أنس أن رسول اللهﷺ- قال: «دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق فى كل يوم جزآ» «١» رواه ابن ماجه.
وهذا الدواء خاص بالعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم، وهو أنفعه لهم، لأن هذا المرض يحدث عن يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة، فعلاجها بالإسهال. والألية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين. وفى تعيين الشاة الأعرابية، قلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها، وخاصية مرعاها، لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيح والقيصوم ونحوهما، وهذه إذا تغذى بها الحيوان صار فى لحمه من طبعها، بعد أن يلطفه تغذية، ويكسبها مزاجا ألطف منها ولا سيما الألية.
ذكر طبه ص من الأورام والخراجات:
بالبط والبزل «٢»، يذكر عن علىرضي الله عنه- قال: دخلت مع رسول اللهﷺ- على رجل يعوده، بظهره ورم، فقالوا: يا رسول الله، هو بهذه مدة،
_________________
(١) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٣٤٦٣) فى الطب، باب: دواء عرق النسا، وقال البوصيرى فى الزوائد: إسناده صحيح، وهو كما قال.
(٢) البط: هو القطع والشق، والبزل: كذلك.
[ ٣ / ٧٤ ]
فقال: «بطوا عنه» قال على: فما برحت حتى بطت، والنبىﷺ- شاهد «١» .
ذكر طبه ص بقطع العروق والكى:
روى البخارى ومسلم من حديث جابر بن عبد الله، أن النبىﷺ- بعث إلى أبى بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا وكواه عليه «٢» . وأخرج مسلم عن جابر: لما رمى سعد بن معاذ فى أكحله، حسمه النبىﷺ- «٣» .
وروى الطحاوى، وصححه الحاكم عن أنس قال: كوانى أبو طلحة فى زمن النبىﷺ- «٤» .
وعند الترمذى: أنهﷺ- كوى أسعد بن زرارة من الشوكة «٥» . وروى مسلم عن عمران بن حصين قال: كان يسلّم على حتى اكتويت فتركت، ثم تركت فعاد «٦» . وفى رواية: إن الذى كان انقطع عنى رجع إلى، يعنى تسليم الملائكة. وروى أحمد وأبو داود والترمذى عن عمران: نهى رسول اللهﷺ- عن الكى، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، الحديث «٧» .
_________________
(١) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٩٩) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه أبو الربيع السمان، وهو ضعيف.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٠٧) فى السلام، باب: لكل داء دواء، والحديث ليس فى البخارى، كما قال المصنف.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٠٨) فيما سبق.
(٤) صحيح: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٤٦٣)، والطحاوى فى «شرح معانى الآثار» (٤/ ٣٢١)، وهو عند البخارى (٥٧١٩- ٥٧٢١) فى الطب، باب: ذات الجنب، وأحمد فى «المسند» (٣/ ١٣٩)، إلا أنه عند البخارى لم يرفعه إلى عهد رسول اللهﷺ- بل اكتفى بقوله «كواه أبو طلحة بيده» .
(٥) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٠٥٠) فى الطب، باب: ما جاء فى الرخصة فى ذلك من حديث أنسرضي الله عنه- والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (١٢٢٦) فى الحج، باب: جواز التمتع.
(٧) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٦٥) فى الطب، باب: فى الكى، والترمذى (٢٠٤٩) فى الطب، باب: ما جاء فى كراهية الكى، وابن ماجه (٣٤٩٠) فى الطب، باب: الكى، وسنده صحيح.
[ ٣ / ٧٥ ]
وإنما يستعمل الكى فى الخلط الباغى الذى لا تحسم مادته إلا به، ولهذا وصفهﷺ- ثم نهى عنه «١»، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول فى أمثلتها: آخر الدواء الكى. والنهى فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى، لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح.
وقال ابن قتيبة: الكى نوعان: كى الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذى قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى. لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثانى: كى الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذى شرع التداوى له، فإن كان الكى لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق.
وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، ولذا وقع الثناء على تاركه، وأما النهى عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقا إلى الشفاء. وقال بعضهم: إنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم الداء بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذى يكتوى التعذيب بالنار لأمر مظنون.
قال فى فتح البارى: ولم أر فى أثر صحيح أن النبىﷺ- اكتوى، إلا أن القرطبى نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبرى أن النبىﷺ- اكتوى، وذكره الحليمى بلفظ: وروى أنه أكوى للجرح الذى أصابه بأحد.
قال الحافظ ابن حجر: والثابت فى الصحيح فى غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه. وليس هذا الكى المعهود.
_________________
(١) صحيح: وهو يشير إلى الحديث الذى عند البخارى (٥٦٨٠ و٥٦٨١) فى الطب، باب: الشفاء فى ثلاث.
[ ٣ / ٧٦ ]
ذكر طبه ص من الطاعون:
قال الخليل «١»: الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام والوباء الذى يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقال القاضى أبو بكر بن العربى: الطاعون، الوجع الغالب الذى يطفئ الروح، سمى بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال أبو الوليد الباجى: وهو مرض يعم الكثير من الناس فى جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس. وقال القاضى عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة فى الجسد، والوباء عموم الأمراض فسميت طاعونا تشبيها بها فى الهلاك. وقال النووى فى تهذيبه: هو بثر وورم مؤلم جدّا ويخرج مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقئ، ويخرج غالبا فى المراق والآباط، وقد يخرج فى الأيدى والأصابع وسائر البدن.
وقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث فى المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند الأربية، وسببه ورم ردئ يستحيل إلى جوهر سمى يفسد العضو، ويغير ما يليه، ويؤدى إلى القلب كيفية رديئة تحدث القئ والغثيان والغشى والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع فى الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قلّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عن الوباء فى البلاد الوبيئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء: فهو فساد جواهر الهواء الذى هو مادة الروح ومدده.
والحاصل: أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونا بطريق المجاز، لاشتراكهما فى عموم المرض أو كثرة الموت.
_________________
(١) هو: الخليل بن أحمد الفراهيدى، اللغوى المشهور، عنه أخذ سيبويه علم اللغة، وإليه ينسب نشأة علم العروض.
[ ٣ / ٧٧ ]
والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء، أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية، وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهى أوبأ أرض الله، وقال بلال: أخرجونا إلى أرض الوباء.
والطاعون: من طعن الجن، وإنما لم يتعرض له الأطباء لكونه من طعن الجن، لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف من الشارع، فتكلموا فى ذلك على ما اقتضته قواعدهم، وإنما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبا فى أعدل الفصول، وفى أصح البلاد هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام فى الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، والطاعون يذهب أحيانا ويجئ أحيانا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو فى مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع دون موضع من الجسد لا يجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضى تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا فى الغالب يقتل غالبا بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن. كما ثبت فى الأحاديث الواردة فى ذلك.
منها حديث أحمد والطبرانى عن أبى بكر بن أبى موسى الأشعرى عن أبيه قال: سألت عنه رسول اللهﷺ- فقال: «هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة» «١» .
وقال الشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: يقع فى الألسنة، وهو فى النهاية تبعا لغريبى الهروى بلفظ «وخز إخوانكم» ولم أره بلفظ «إخوانكم» بعد التتبع الطويل البالغ فى شئ من طرق الحديث المسندة، لا فى الكتب المشهورة، ولا فى الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد الطبرانى أو كتاب الطواعين لابن أبى الدنيا، ولا وجود لذلك فى واحد منها والله أعلم.
انتهى.
_________________
(١) أخرجه أحمد فى «المسند» (٤/ ٣٩٥ و٤١٣)، والطبرانى فى «الصغير» (٣٥١)، و«الأوسط» (١٤١٨) .
[ ٣ / ٧٨ ]
وفى الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه» «١» . وقد ذكر العلماء فى النهى عن الخروج حكما:
منها: أن الطاعون: فى الغالب يكون عاما فى البلد الذى يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار، لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثا فلا يليق بالعاقل.
ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض المذكور أو بغيره ضائع المصلحة، لفقد من يتعهده حيّا وميتا. وأيضا: لو شرع الخروج. فخرج الأقوياء لكان فى ذلك كسر قلوب الضعفاء، وقد قالوا: إن حكمة الوعيد فى الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخلافه.
وقد جمع الغزالى بين الأمرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر فى الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير فى الباطن، فالخارج من البلد الذى يقع فيه لا يخلص غالبا مما استحكم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للأصحاء فى الخروج لبقى المرضى لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم.
ومنها: ما ذكره بعض الأطباء: أن المكان الذى يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة فتألفها وتصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الرديئة التى حصل تكيف بدنها بها فأفسدته فمنع من الخروج لهذه النكتة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٤٧٣) فى أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار، ومسلم (٢٢١٨) فى السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها.
[ ٣ / ٧٩ ]
ومنها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع اللوم المنهى عنه. وقال العارف ابن أبى جمرة: البلاء إنما يقصد به أهل البقعة، لا البقعة نفسها، فمن أراد الله تعالى إنزال البلاء به فهو واقع به لا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشدنا الشارع إلى عدم النصب.
وقال ابن القيم: جمعﷺ- للأمة فى نهيه عن الدخول إلى الأرض التى هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه، كمال التحرز منه، فإن فى الدخول فى الأرض التى هو فيها تعرضا للبلاء وموافاة له فى محل سلطانه، وإعانة الإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التى أرشد الله تعالى إليها، وهى حمية من الأمكنة والأهوية المؤذية، وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان:
أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله تعالى والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا.
والثانى: ما قاله أئمة الطب أنه يجب على من كان يحترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة، وهى مضرة جدّا. هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبى من الحديث النبوى، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، انتهى.
ذكر طبه ص من السلعة «١»:
أخرج البخارى فى تاريخه، والطبرانى والبيهقى عن شرحبيل الجعفى قال: أتيت النبىﷺ- وبكفى سلعة، فقلت يا رسول الله قد آذتنى، تحول بينى وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعنان الدابة، فنفث فى كفى، ووضع كفه على السلعة فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها وما أرى أثرها.
_________________
(١) السّلعة: الغدة.
[ ٣ / ٨٠ ]
ومسحﷺ- وجه أبيض بن حمال وكان به القوباء فلم يمس من ذلك اليوم ومنها أثر «١»، رواه البيهقى وغيره.
ذكر طبه ص من الحمى:
روى البخارى من حديث ابن عمر عن النبىﷺ- قال: «الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء البارد» «٢» واختلف فى نسبتها إلى جهنم. فقيل:
حقيقة، واللهب الحاصل فى جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها فى هذه الدار عبرة ودلالة.
وقيل: الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى: أن حر الحمى شبيه بحر جهنم، تنبيها للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها. قوله «فأطفئوها» بهمزة قطع، أمر من: أطفأ. وروى الطبرانى «الحمى حظ المؤمن من النار»»
. وفى رواية نافع عن ابن عمر، عند الشيخين: قال رسول اللهﷺ-: «إن الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» بهمزة وصل والراء مضمومة على المشهور وحكى كسر الراء. وفى رواية ابن ماجه «بالماء البارد» «٤» . وفى رواية أبى جمرة- بالجيم- عند البخارى، قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتنى الحمى، فاحتبست أياما، فقال: ما حبسك؟ فقلت: الحمى، قال:
أبردها بماء زمزم، فإن رسول اللهﷺ- قال: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم» «٥» شك.
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ١٧٦- ١٧٧) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٢٦٤) فى بدء الخلق، باب: صفة النار، ومسلم (٢٢٠٩) فى السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوى.
(٣) أخرجه الطبرانى فى «الصغير» (٣١٤)، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٤) هى عند ابن ماجه (٣٤٧٢) فى الطب، باب: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء.
(٥) هى عند البخارى (٣٢٦١) فى بدء الخلق، باب: صفة النار، وأحمد فى «المسند» (١/ ٢٩١) .
[ ٣ / ٨١ ]
قال ابن القيم: قوله «بالماء» فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو الصحيح، والثانى: أنه ماء زمزم. ثم قال بعد أن روى حديث أبى جمرة هذا، وراوى هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمرا لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم، وأخبرهم بما عندهم من الماء، انتهى. وتعقب: بأنه وقع فى رواية أحمد عن عفان بن همام: «فأبردوها بماء زمزم» ولم يشك، وكذا أخرجه النسائى، وابن حبان والحاكم.
وقال ابن القيم: واختلف من قال إنه على عمومه هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن أن الذى حمل من قال إن المراد به الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد فى الحمى ولم يفهم وجهه. مع أن لقوله وجها حسنا وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمان بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا، انتهى.
وقال الخطابى وغيره: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، بأن اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك، لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سببا للتلف. وقد غلط بعض من ينسب إلى العلم «١»، فانغمس فى الماء لما أصابته الحمى، فاحتنقت الحرارة فى باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولا سيئا لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه فى ذلك جهله بمعنى الحديث.
والجواب: أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب فى صدق الخبر، فيقال له أولا، من أين حملت الأمر على الاغتسال، وليس فى الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلا عن اختصاصها بالغسل، وإنما فى الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم فى الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصدهﷺ- استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل
_________________
(١) فى الأصل (العمل)، والصواب ما أثبتناه، وكذا فى «فتح البارى» (١٠/ ١٨٦) .
[ ٣ / ٨٢ ]
الانتفاع به، وهذا كما وقع فى أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما صنعته أسماء بنت أبى بكر الصديقرضي الله عنهما-: فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئا من الماء بين يديه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابى ولا سيما مثل أسماء بنت أبى بكر التى هى كانت تلازم بيت النبىﷺ- أعلم بالمراد من غيرها.
وقد ذكر أبو نعيم وغيره، من حديث أنس يرفعه: «إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر» «١» . وقال المازرى: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل حتى إن المريض يكون الشئ دواءه فى ساعة فيكون داءه فى الساعة التى تليها لعارض يعرض له من غضب يحمى مزاجه مثلا فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشفاء لشخص لشئ فى حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره فى سائر الأحوال. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف، وقوة الطباع. ويحتمل أن يكون هذا فى وقت مخصوص فيكون من الخواص التى اطلع عليها النبىﷺ- بالوحى، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب.
وجعل ابن القيم خطابهﷺ- فى هذا الحديث خاصّا لأهل الحجاز وما والاهم، إذ كان أكثر الحميات التى تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية، الحادثة من شدة حرارة الشمس. قال: هذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا، لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل فى القلب، وتنشر منه بتوسط الروح والدم فى العروق إلى جميع البدن وهى قسمان: عرضية وهى الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك،
_________________
(١) صحيح: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٢٢٣ و٤٤٧)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وهو كما قال.
[ ٣ / ٨٣ ]
ومرضية وهى ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهى حمى يوم، لا تقلع غالبا فى يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهى حمى دق، وهى أخطرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفينية، وهى بعدد الأخلاط الأربعة: أعنى صفراوية، سوداوية، بلغمية، دموية، وتحت هذا الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الأفراد والتركيب. انتهى.
وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول. فإنها تسكن بالانغماس فى الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج وبغيره، ولا يحتاج إلى علاج آخر. وقد قال جالينوس: لو أن شابّا خشن اللحم خصب البدن ليس فى أحشائه ورم استحم بماء بارد وسبح فيه فى وقت القيظ عند منتهى الحمى لانتفع بذلك.
وقد تكرر فى الحديث استعمالهﷺ- الماء البارد فى علته، كما فى الحديث: «صبوا على من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن» «١» . وفى المسند وغيره من حديث الحسن عن سمرة يرفعه «الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء البارد» وكانﷺ- إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل «٢» وصححه الحاكم، ولكن قال فى إسناده راو ضعيف. وعن أنس رفعه: «إذا حم أحدكم فليشن عليه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال» «٣» أخرجه الطحاوى وأبو نعيم فى الطب. وأخرج الطبرانى من حديث عبد الرحمن بن المرقع، رفعه: «الحمى رائد الموت، وهى سجن الله فى
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (١٩٨) فى الوضوء، باب: الغسل والوضوء فى المخضب والقدح، وأحمد فى «المسند» (٦/ ١٥١) من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٢) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٤٤٧)، هكذا وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه الزيادة، وطرفه الأول عند أحمد فى «المسند» (٥/ ٢٨١)، من حديث ثوبانرضي الله عنه-، ولم أقف عليه فيه من حديث سمرة.
(٣) صحيح: وقد تقدم قبل حديثين.
[ ٣ / ٨٤ ]
الأرض، فبردوا لها الماء فى الشنان وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء» «١» قال ففعلوا فذهب عنهم.
وقد أخرج الترمذى من حديث ثوبان مرفوعا: «إذا أصاب أحدكم الحمى وهى قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع فى نهر جار، ويستقبل جريته، وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصدق رسولك، بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاثة غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله» «٢» قال الترمذى: غريب، وفى سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.
ذكر طبه ص من حكة الجسد وما يولد القمل:
لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة رخصﷺ- للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف فى لبس الحرير لحكة كانت بهما، كما فى البخارى عن قتادة أن أنسا حدثهم أن النبىﷺ- رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير فى قميص من حرير من حكة كانت بهما.
وفى رواية أن عبد الرحمن والزبير شكيا إلى النبىﷺ- يعنى القمل- فأرخص لهما فى الحرير، فرأيته عليهما فى غزاة. وفى رواية رخص النبىﷺ- لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فى الحرير. وفى رواية رخص النبىﷺ-، أو رخص لحكة كانت بهما «٣» .
ويحتمل أن تكون إحدى العلتين بأحد الرجلين، أو أن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى المسبب. قال النووى: هذا
_________________
(١) ضعيف: أخرجه القضاعى فى مسند الشهاب (١/ ٦٩)، عن عبد الرحمن بن المرقع، وأخرجه ابن الدنيا فى «المرض والكفارات» (ص ٧٣)، والقضاعى فى مسند الشهاب (١/ ٦٩) عن الحسن مرسلا.
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٠٨٤) فى الطب، باب: ما جاء فى التداوى بالغسل، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٢٨١)، والحديث ضعفه الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
(٣) صحيح: وانظر هذه الروايات عند البخارى (٢٩١٩- ٢٩٢٢) فى الجهاد والسير، باب: الحرير فى الحرب، وطرفه (٥٧٩٥) .
[ ٣ / ٨٥ ]
الحديث صريح فى الدلالة لمذهب الشافعى وموافقيه: أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة، وكذا للقمل وما فى معنى ذلك.
وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، انتهى. وتعقب قوله: «لما فيه من البرودة» بأن الحرير حار. والصواب: أن الحكمة فيه إنما هى لخاصية فيه تدفع الحكة والقمل.
وقال ابن القيم: وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة فى مزاجه، مسخنا للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه. وقال الرازى: الإبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن، يربى اللحم، وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من ثياب القطن وأقل حرارة منه، ولما كانت ثياب الحرير ليس فيها من اليبس والخشونة كغيرها صارت نافعة من الحكة، لأن الحكة- كما قدمته- لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخصﷺ- لهما فى الحرير لمداواة الحكة.
ذكر طبه ﷺ- من السم الذى أصابه بخيبر:
تقدم فى غزوتها قصة اليهودية التى أهدت إليه الشاة المسمومة، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت للنبىﷺ- شاة مصلية بخيبر، فقال: «ما هذه؟» قالت: هدية، وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل. فأكل النبىﷺ- وأكل أصحابه، ثم قال: «أمسكوا» ثم قال للمرأة: «هل سميت هذا الشاة؟» قالت من أخبرك؟ قال: «هذا العظم، لساقها» وهو فى يده، قالت: نعم قال:
«لم؟» قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبيّا لم يضرك. قال: فاحتجم النبىﷺ- ثلاثا على كاهله «١» .
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٤/ ٢٦٠- ٢٦١) من هذا الطريق، وهى فى «صحيح البخارى» (٣١٦٩) فى الجزية والموادعة، باب: إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، بسياق آخر.
[ ٣ / ٨٦ ]
وقد ذكروا فى علاج السم أنه يكون بالاستفراغات وبالأدوية التى تعارض فعل السم وتبطله، إما بكيفياتها وإما بخواصها، فمن عدم الدواء فليبادر إلى الدواء الكلى، وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارا، فإن القوة السمية تسرى فى الدم، فتبعثه فى العروق والمجارى، حتى تصل إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التى خالطته، فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله، أو تضعفه.
ولما احتجمﷺ- احتجم على الكاهل، لأنه أقرب إلى القلب، فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجا كليّا بل بقى أثرها مع ضعفه لما يريد الله تعالى من تكميل مراتب الفضل كلها له بالشهادة زاده الله فضلا وشرفا.
النوع الثالث فى طبه ص بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية
ذكر طبه ص من القرحة والجرح وكل شكوى:
عن عائشة أن رسول اللهﷺ- كان يقول للمريض: «بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا» . وفى رواية: كان يقول فى الرقية:
«بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا» «١» رواه البخارى.
وفى رواية لمسلم: كان إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض، الحديث. وقوله: «تربة أرضنا؟» خبر مبتدأ محذوف، أى هذه تربة أرضنا. وقوله «يشفى سقيمنا» ضبط بوجهين، بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع، وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٤٥ و٥٧٤٦) فى الطب، باب: رقية النبىﷺ-، ومسلم (٢١٩٤) في السلام، باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة.
[ ٣ / ٨٧ ]
قال النووى: معنى الحديث، أنه أخذ من ريق نفسه: على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق بها شئ منه، ثم مسح به على الموضع العليل أو الجرح قائلا الكلام المذكور فى حالة المسح.
وقال القرطبى: زعم بعض الناس أن السر فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذى به الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه، مع منفعته فى تجفيف الجراح واندمالها. وقال فى الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع.
وتعقبة القرطبى: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق، وملازمة ذلك فى أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسولهﷺ-: وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية فى ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة.
وقال البيضاوى: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا فى النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير فى حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغى للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه فى سقائه ليأمن مضرة ذلك، ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.
وقال التوربشتى كأن المراد بالتربة الإشارة إلى النطفة، كأن تضرع بلسان الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهين عليك أن تشفى من كانت هذه نشأته.
وقال النووى: وقيل المراد «بأرضنا؟» أرض المدينة لبركتها، و«بعضنا» رسول اللهﷺ- لشرف ريقه فيكون ذلك مخصوصا. وفيه نظر. وفى حديث عائشة عند أبى داود والنسائى: أن النبىﷺ- دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض، فقال: «اكشف الباس رب الناس»، ثم أخذ
[ ٣ / ٨٨ ]
ترابا من بطحان فجعله فى قدح ثم نفث عليه، ثم صبه عليه قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقى.
ذكر طبه- ص من لدغة العقرب:
عن عبد الله بن مسعود قال: بينا رسول اللهﷺ- يصلى إذ سجد فلدغته عقرب فى إصبعه، فانصرف رسول اللهﷺ- وقال: «لعن الله العقرب، ما تدع نبيّا ولا غيره»، ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة فى الماء والملح، ويقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «١» والمعوذتين حتى سكنت «٢» رواه ابن أبى شيبة فى مسنده. وقال ابن عبد البر: رقى رسول اللهﷺ- من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع بماء فيه ملح.
وهذا طب مركب من الطبيعى والإلهى، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة، التى هى مجامع التوحيد، وفى المعوذتين استعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا. ولهذا أوصىﷺ- عقبة بن عامر أن يقرأهما عقب كل صلاة «٣» . رواه الترمذى. وفى هذا سر عظيم فى استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة. وقال: «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» «٤» .
وأما الماء والملح فهو الطب الطبيعى، فإن فى الملح نفعا لكثير من السموم ولا سيما لدغة العقرب، وفيه من القوة الجاذبة ما يجذب السموم ويحللها، ولما كان فى لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعملﷺ- الماء والملح لذلك.
_________________
(١) سورة الإخلاص: ١.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة فى «مصنفه» (٥/ ٤٤) من حديث علىرضي الله عنه-، ولم أجده من حديث ابن مسعود، وكذا هو فى «مجمع الزوائد» (٥/ ١١١) وقال: رواه الطبرانى فى الصغير، وإسناده حسن.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (١٥٢٣) فى الصلاة، باب: فى الاستغفار، والترمذى (٢٩٠٣) فى فضائل القرآن، باب: ما جاء فى المعوذتين، والنسائى (٣/ ٦٨) فى السهو، باب: الأمر بقراءة المعوذات بعد التسليم فى الصلاة، وأحمد فى «المسند» (٤/ ١٥٥ و٢٠١) والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (١٤٦٣) فى الصلاة، باب: فى المعوذتين، من حديث عقبة بن عامررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٣ / ٨٩ ]
ذكر الطب من النملة:
وهى بفتح النون وإسكان الميم، قروح تخرج فى الجنب، وسمى نملة لأن صاحبه يحس فى مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه. وفى حديث مسلم عن أنس أنهﷺ- رخص فى الرقية من الحمة والعين والنملة «١» . وروى الخلال أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقى فى الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبىﷺ- وكانت بايعته بمكة قالت: يا رسول الله إنى كنت أرقى فى الجاهلية من النملة، وأريد أن أعرضها عليك، فعرضتها فقالت:
بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس. قال: «ترقى بها على عود سبع مرات، وتقصد به مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة» .
ذكر طبه ص من البثرة:
روى النسائى عن بعض أزواج النبىﷺ- قال: «عندك ذريرة؟» قلت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال: «اللهم مطفئ الكبير، ومكبر الصغير، أطفئها عنى، فطفئت» «٢» .
ذكر طبه ص من حرق النار:
روى النسائى عن محمد بن حاطب قال: تناولت قدرا، فأصاب كفى من مائها، فاحترق ظهر كفى، فانطلقت بى أمى إلى النبىﷺ-، فقال:
«أذهب الباس رب الناس» قال: وأحسبه قال: «واشف أنت الشافى وتفل» «٣» .
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه مسلم (٢١٩٦) فى السلام، باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة.
(٢) أخرجه النسائى فى «الكبرى» (١٠٨٧٠)، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٣٧٠)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٢٣٠) .
(٣) حسن: أخرجه النسائى فى «الكبرى» (١٠٠١٥)، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤١٨) و(٤/ ٢٥٩)، و(٦/ ٤٣٧)، وابن حبان فى «صحيحه» (٢٩٧٧)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٧٠) والحديث حسنه الشيخ شعيب الأرناؤوط.
[ ٣ / ٩٠ ]
ذكر طبه ص بالحمية:
وهى قسمان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله.
فالأولى: حمية الأصحاء.
والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن التزايد، وأخذت القوى فى دفعه.
والأصل فى الحمية قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ إلى قوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا «١» فحمى المريض من استعمال الماء لأنه يضره، كما وقعت الإشارة لذلك فى أوائل هذا المقصد.
وقد قال بعض أفاضل الأطباء: رأس الطب الحمية. والحمية للصحيح عندهم فى المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، لأن التخليط يوجب الانتكاس والانتكاس أصعب من ابتداء المرض. والفاكهة تضر الناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة، وفى سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبىﷺ- وبين يديه خبز وتمر، فقال: «ادن وكل» فأخذت تمرا فأكلت، فقال: «أتأكل تمرا وبك رمد؟» فقلت يا رسول الله أمضغ من الناحية الآخرى، فتبسم رسول اللهﷺ- «٢» . ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به التمر.
وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل على رسول اللهﷺ- ومعه على، وهو ناقه من مرض، ولنا دوال معلقة، فقام رسول اللهﷺ- يأكل منها، وقام على يأكل منها، فطفق النبىﷺ- يقول لعلى: «إنك ناقه» حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقالﷺ- لعلى: «من هذا أصب فإنه أنفع لك» «٣» رواه ابن ماجه.
_________________
(١) سورة النساء: ٤٣.
(٢) حسن: وقد تقدم.
(٣) حسن: أخرجه أبو داود (٣٨٥٦) فى الطب، باب: فى الحمية، والترمذى (٢٠٣٧) فى الطب، باب: ما جاء فى الحمية، وابن ماجه (٣٤٤٢) فى الطب، باب: الحمية، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٦٣ و٣٦٤)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٣ / ٩١ ]
وإنما منعهﷺ- من أكله من الدوالى لأن فى الفاكهة نوع ثقل على المعدة، ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من أنفع الأغذية للناقه، ففى ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة. فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء، لكى يمتنع تزايده وانتشاره.
قال ابن القيم: ومما ينبغى أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشئ اليسير الذى لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة يتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع من تناوله ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء. ولهذا أقر النبىﷺ- صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره. ففى هذا الحديث- يعنى حديث صهيب- سر طبى لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه عن جوع صادق وإن كان نافعا فى نفسه. فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك بالعكس.
ذكر حمية المريض من الماء:
عن قتادة بن النعمان أن رسول اللهﷺ- قال: «إذا أحب الله العبد حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمى سقيمه الماء» «١» . قال الترمذى حديث حسن غريب.
وروى الحميدى مرفوعا: «لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم» .
وللطبرانى فى الأوسط عن أبى سعيد مرفوعا: «من شرب الماء على الريق انتقصت قوته» وفيه محمد بن مخلد الرعينى، وهو ضعيف.
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٠٣٦) فى الطب، باب: ما جاء فى الحمية، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٣٤٤) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهو كما قال.
[ ٣ / ٩٢ ]
ذكر أمره ص بالحمية من الماء المشمس خوف البرص:
روى الدار قطنى عن عمر بن الخطابرضي الله عنه- قال: «لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص» «١» . وروى الدار قطنى هذا المعنى مرفوعا من حديث عامر عن النبىﷺ-، وهو ضعيف. وكذا خرج العقيلى نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعى عن عمر.
فعلى هذا يكره استعمال الماء المشمس شرعا خوف البرص، لكنهم اشترطوا شروطا: أن يكون فى البلاد الحارة، والأوقات الحارة دون الباردة، وفى الأوانى المنطبعة على الأصح دون الحجر والخشب ونحوهما. واستثنى النقدان لصفائهما. وقال الجوينى بالتسوية، حكاه ابن الصلاح. ولا يكره المشمس فى الحياض والبرك قطعا، وأن يكون الاستعمال فى البدن لا فى الثوب، وأن يكون مستعملا حال حرارته، فلو برد زالت الكراهة فى الأصح فى الروضة وصحح فى الشرح الصغير عدم الزوال. واشترط صاحب التهذيب- كما قاله الجيلى- أن يكون رأس الإناء منسدا لتنحبس الحرارة، وفى شرح المهذب أنها شرعية يثاب تاركها وقال فى شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية، وإذا قلنا بالكراهة فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة.
وقال الطبرى: إن خاف الأذى حرم، وقال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله، واختار النووى فى الروضة عدم الكراهة مطلقا، وحكاه الرويانى فى البحر عن النص.
ذكر الحمية من طعام البخلاء:
عن عبد الله بن عمر، أن رسول اللهﷺ- قال: «طعام البخيل داء وطعام الأسخياء شفاء» . رواه التنيسى عن مالك فى غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق فى الأحكام.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الدار قطنى فى «سننه» (١/ ٣٩) بسند فيه مجهول وبه ضعفه الشيخ الألبانى فى «الإرواء» (١/ ٥٣- ٥٤) .
[ ٣ / ٩٣ ]
ذكر الحمية من داء الكسل:
روى أبو داود فى المراسيل عن يونس عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن:
أنه رآه مضطجعا فى الشمس، قال يونس فنهانى وقال: بلغنى أن رسول اللهﷺ- قال: «إنها تورث الكسل وتثير الداء الدفين» «١» .
ذكر الحمية من داء البواسير:
عن الحسن قال: قال رسول اللهﷺ-: «لا يجامعن أحدكم وبه حقن خلاء، فإنه يكون منه البواسير» «٢» رواه أبو أحمد الحاكم.
ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحى الذباب بانغماس الثانى:
عن أبى هريرةرضي الله عنه-، أن رسول اللهﷺ- قال: «إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن فى أحد جناحيه شفاء وفى الآخر داء» «٣» . وفى رواية أبى داود: «فإنه يتقى بجناحه الذى فيه الداء، فليغمسه كله» . وفى رواية الطحاوى: فإن يقدم السم ويؤخر الشفاء. وفى قوله «كله» دفع توهم المجاز فى الاكتفاء بالبعض.
قال شيخ شيوخنا «٤»: لم يقع لى فى شئ من الطرق تعيين الجناح الذى فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقى بجناحه الأيسر. فعرف أن الأيمن هو الذى فيه الشفاء. وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا: «عمر الذباب أربعون ليلة. والذباب كله فى النار إلا النحل» «٥» . وسنده لا بأس به.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود فى «المراسيل» (٤٧٣ و٤٧٤) بلاغا.
(٢) ضعيف: أخرجه ابن النجار عن أنس كما فى «كنز العمال» (٤٤٩٠٢)، وأعاده برقم (٤٥٨٩٢) . ولم أجده فى «المستدرك» للحاكم.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٣٢٠) فى بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب فى شراب أحدكم فليغمسه.
(٤) هو شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانى.
(٥) صحيح: أخرج طرفه الأخير البزار وأبو يعلى فى مسنده والطبرانى فى الكبير، عن ابن عمر، والطبرانى فى الكبير عن ابن عباس وابن مسعودرضي الله عنهما-، كما فى «صحيح الجامع» (٣٤٤٢) . وقد أوله بعض العلماء أن المقصود بذلك أنه ليعذب به أهل النار، لا ليعذب هو.
[ ٣ / ٩٤ ]
قال الجاحظ: كونه فى النار ليس تعذيبا له بل ليعذب أهل النار له، ويتولد من العفونة. ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر فى أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادا، وربما بقى عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعى: لأى علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكان ألحت عليه ذبابة. وقال الشافعى: سألنى ولم يكن عندى جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة، فرحمة الله عليه ورضوانه.
ذكره أمره ص بالحمية من الوباء النازل فى الإناء بالليل بتغطيته:
عن جابر قال: قال رسول اللهﷺ-: «غطوا الإناء وأوكوا السقاء، فإن فى السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء» «١» . رواه مسلم فى صحيحه. قيل:
وذلك فى آخر شهور السنة الرومية.
ذكر حمية الوليد من إرضاع الحمقى:
روى أبو داود فى المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السهمى قال: نهى رسول اللهﷺ- أن نسترضع الحمقاء، فإن اللبن يشبه. وعند ابن حبيب:
يعدى، وعند القضاعى بسند حسن من حديث ابن عباس مرفوعا: «الرضاع يغير الطباع» «٢» . وعند ابن حبيب أيضا مرفوعا: «أنه نهى عن استرضاع الفاجرة» . وعن عمر بن الخطاب: «أن اللبن ينزع لمن تسترضع» .
وأما الحمية من البرد فاشتهر على الألسنة: «اتقوا البرد فإنه قتل أبا
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠١٤) فى الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء وإغلاق الأبواب وذكر اسم الله عليها.
(٢) ضعيف: أخرجه القضاعى فى «مسند الشهاب» (١/ ٥٦)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٣١٥٦) .
[ ٣ / ٩٥ ]
الدرداء»»
. لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه: فإن كان واردا فيحتاج إلى تأويل، فإن أبا الدرداء عاش بعد النبى دهرا. انتهى. وأما ما اشتهر أيضا: «أصل كل داء البردة» «٢»، فقال شيخنا: رواه أبو نعيم والمستغفرى معا فى الطب النبوى والدار قطنى فى العلل، كلهم من طريق تمام ابن نجيح عن الحسن البصرى عن أنس رفعه. وتمام: ضعفه الدار قطنى وغيره، ووثقه ابن معين.
ولأبى نعيم أيضا من حديث ابن المبارك عن السائب بن عبد الله بن على بن زحر عن ابن عباس مرفوعا مثله. ومن حديث عمرو بن الحارث عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد رفعه: «أصل كل داء من البردة» «٣» . وقد قال الدار قطنى عقب حديث أنس من علله: عباد بن منصور عن الحسن من قوله، وهو أشبه بالصواب. وجعله الزمخشرى فى «الفائق» من كلام ابن مسعود.
قال الدار قطنى فى كتاب التصحيف: قال أهل اللغة «البردة» يعنى بإسكان الراء، والصواب «البردة» يعنى بالفتح، وهى التخمة، لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب. من «برد» إذا ثبت وسكن. وقد أورد أبو نعيم مضموما لهذه الأحاديث، حديث الحارث بن فضيل عن زياد بن ميناء عن أبى هريرة رفعه: «استدفئوا من الحر والبرد» .
وكذا أورد المستغفرى مع ما عنده منها حديث إسحاق بن نجيح عن أبان عن أنس رفعه: «إن الملائكة لترح بفراغ البرد عن أمتى، أصل كل داء البرد» وهما ضعيفان وذلك شاهد لما حكى عن اللغويين فى كون المحدثين رووه بالسكون. انتهى.
_________________
(١) ضعيف: وانظر كشف الخفاء (٧٣) للعجلونى، وقد ذكر فيه كلام الحافظ ابن حجر المذكور.
(٢) ضعيف جدّا: ذكره العجلونى فى كشف الخفاء (٣٨٠)، وكذا السيوطى فى «الجامع الصغير» (١٠٨٧)، وقال الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٨٩٣): ضعيف جدّا.
(٣) ضعيف جدّا: وانظر المصادر السابقة. وكذا «كنز العمال» (٢٨٢٤٩) .
[ ٣ / ٩٦ ]
الفصل الثانى فى تعبيره ص الرؤيا
يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف: إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة فى ذلك. وأما «الرؤيا» بوزن فعلى- وقد تسهل الهمزة- فهى ما يراه الشخص فى منامه.
قال القاضى أبو بكر بن العربى: الرؤيا إدراكات يخلقها الله تعالى فى قلب العبد على يد ملك أو شيطان، إما بأسمائها، أى حقيقتها، وإما بكناها أى بعبارتها، وإما تخليطا. وذهب أبو بكر بن الطيب: إلى أنها اعتقادات، واحتج بأن الرائى قد يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا، وليس هذا إدراكا، فوجب أن يكون اعتقادا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد. قال ابن العربى: والأول أولى، والذى ذكره ابن الطيب من قبيل المثل فالإدراك يتعلق به لا بأصل الذات.
وقال المازرى: كثر كلام الناس فى حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع «١»، فاضطربت أقاويلهم، فمن ينتمى إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط، فيقول:
من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح فى الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود فى الجو وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جوزه العقل، وجاز أن يجرى الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع فى موضع التجويز غلط.
_________________
(١) الدليل السمعى: أى الكتاب والسنة لأنهما تلقيا عن طريق السماع من الوحى، بخلاف الدليل العقلى الذى لا يستمد منهما.
[ ٣ / ٩٧ ]
ومن ينتمى إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجرى فى الأرض هى فى العالم العلوى كالنقوش، فما حاذى بعض النفوس منها انتقش فيها. قال:
وهذا أشد فسادا من الأول، لكونه تحكما لا برهان عليه. والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجرى فى العالم العلوى الأعراض، والأعراض لا ينتقش فيها.
قال: والصحيح ما عليه أهل السنة، أن الله تعالى يخلق فى النائم اعتقادات قل يخلقها فى قلب اليقظان فإذا خلقها جعلها علما على أمور أخرى خلقها أو يخلقها فى ثانى الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف. وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسره، وتارة بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضره، والعلم عند الله.
وأخرج الحاكم والعقيلى من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: لقى عمر عليّا فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، قال: نعم، سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلئ نوما إلا تخرج روحه إلى العرش، فالذى لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التى صدق، والذى يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التى تكذب» «١» . قال الذهبى فى تلخيصه: هذا حديث منكر، ولم يصححه المؤلف.
وذكر ابن القيم حديثا مرفوعا غير معزو: أن رؤيا المؤمن كلام يكلمه ربه به فى المنام. ووجد الحديث للترمذى «٢» فى «نوادر الأصول» من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه فى الأصل الثامن والسبعين، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبى عمر، وهو واه، وفى سنده جند بن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة.
_________________
(١) منكر: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٤٣٩)، ولم يصححه، وتعقبه الذهبى قائلا: بل منكر.
(٢) هو: الحكيم الترمذى، صاحب نوادر الأصول وغير ذلك، وليس الإمام الترمذى صاحب السنن المعروف.
[ ٣ / ٩٨ ]
قال الحكيم «١»: قال بعض أهل التفسير فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «٢» أى فى المنام. ورؤيا الأنبياء وحى بخلاف غيرهم، فالوحى لا يدخله خلل لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنه قد يحضرها الشيطان.
وقال الحكيم أيضا: وكل الله بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بنى آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منها، ويضرب لكل على قصته مثلا، فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمى قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره بكل طريق، فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها أو بغافلته عنها.
الرؤيا الصالحة جزء من النبوة:
وفى البخارى من حديث أنس: أن رسول اللهﷺ- قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة» «٣» .
والمراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلطه عليهم. وقد استشكل كون الرؤيا جزآ من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموتهﷺ-.
وأجيب: بأن الرؤيا إن وقعت منهﷺ- فهى جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبى فهى جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز. وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق. وتعقب بقول مالك- كما حكاه ابن عبد البر- أنه سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب. ثم قال: الرؤية جزء من النبوة.
_________________
(١) هو السابق.
(٢) سورة الشورى: ٥١.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٦٩٨٣) في التعبير، باب: رؤيا الصالحين.
[ ٣ / ٩٩ ]
وأجيب: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغى أن تكلم فيها بغير علم، فليس المراد أن الرؤيا الصالحة نبوة، لأن المراد تشبيه الرؤية بالنبوة، وجزء الشئ لا يستلزم ثبوت وصفه، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعا صوته لا يسمى مؤذنا، وفى حديث أم كرز الكعبية عند أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» «١» . وعند أحمد من حديث عائشة مرفوعا: «لم يبق بعدى من المبشرات إلا الرؤيا» «٢» وفى حديث ابن عباس عند مسلم وأبى داود: أنهﷺ- كشف الستارة ورأسه معصوب فى مرضه الذى مات فيه، والناس صفوف خلف أبى بكر فقال: «يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له» «٣»، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهى صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه.
وقوله: «من الرجل الصالح» لا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، وحكى ابن بطال الاتفاق عليه. وقوله: «جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة» كذا فى أكثر الأحاديث. وروى مسلم من حديث أبى هريرة «جزء من خمسة وأربعين جزآ من النبوة» «٤»، وعنده أيضا من حديث ابن عمر «جزء من سبعين جزآ» «٥»، وعند الطبرانى: «جزء من ستة وسبعين» «٦»، وسنده
_________________
(١) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٣٨٩٦) فى تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٨١)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٠٤٧)، ولم أجده فى الجزء المطبوع من صحيح ابن خزيمة، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
(٢) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٦/ ٨٢٩) بسند صحيح.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٤٧٩) فى الصلاة، باب: النهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود، وأبو داود (٨٧٦) فى الصلاة، باب: فى الدعاء فى الركوع والسجود.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٦٣) (٦) فى الرؤيا.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٦٥) فى الرؤيا.
(٦) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (١٠/ ٢٢٣)، من حديث ابن مسعودرضي الله عنه-، بسند فيه الركين، هو: الربيع بن سهل الفزارى، ضعيف الحديث.
[ ٣ / ١٠٠ ]
ضعيف، وعنه عن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعا: «جزء من ستة وعشرين جزآ» . ووقع فى شرح مسلم للنووى وفى رواية عبادة: «أربعة وعشرين» . والذى يتحصل من الروايات عشرة، أقلها ما عند النووى، وأكثرها: من ستة وسبعين، وأضربنا عن باقيها خوف الإطالة.
قال القاضى أبو بكر بن العربى: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبى، وإنما القدر الذى أراده النبىﷺ- أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة فى الجملة، لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة.
وقال المازرى: لا يلزم العالم أن يعرف كل شئ جملة وتفصيلا، فقد جعل الله للعالم حدّا يقف عنده، فمنه ما يعلم به المراد جملة وتفصيلا، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلا، وهذا من هذا القبيل.
وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبة، فنقل ابن بطال عن أبى سعيد السفاقسى أن بعض أهل العلم ذكر أن الله تعالى أوحى إلى نبيه فى المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك فى اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحى فى المنام جزء من ستة وأربعين جزآ، لأنه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح. قال ابن بطال: هذا التأويل بعيد من وجهين:
أحدهما: أنه قد اختلف فى قدر المدة التى بعد بعثتهﷺ-.
والثانى: أنه يبقى حديث السبعين جزآ بغير معنى.
وهذا الذى قاله من الإنكار فى هذه المسألة سبقه إليه الخطابى فقال: كان بعض أهل العلم يقولون فى تأويل هذا العدد قولا لا يكاد يتحقق، وذلك أنهﷺ- أقام بعد الوحى ثلاثا وعشرين سنة، وكان يوحى إليه فى منامه ستة أشهر، وهى نصف سنة، فهى جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة. قال الخطابى: وهذا وإن كان وجها تحتمله قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب
[ ٣ / ١٠١ ]
على من قاله أن يثبت ما ادعاه خبرا، ولم نسمع فيه أثرا ولا ذكر مدعيه فى ذلك خبرا، فكأنه قاله على سبيل الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئا.
وليس كل ما خفى علينا علمه يلزمنا حجته، كأعداد الركعات وأيام الصيام، ورمى الجمرات، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك فى موجب اعتقادنا للزومها. وقد ذكروا فى المناسبات غير ذلك ما يطول ذكره.
وعن أبى سعيد عن النبىﷺ- قال: «أصدق الرؤيا بالأسحار» «١» رواه الترمذى والدارمى. وروى مسلم من حديث أبى هريرة عن النبىﷺ- قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» «٢» . قال الخطابى فى «المعالم» فى قوله: «إذا اقترب الزمان» قولان:
أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت استهوائهما، أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبا، قال:
والمعبرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان عند اعتدال الليل والنهار وإدراك الثمار.
والثانى: أن اقتراب الزمان انتهاء مدته، إذا دنا قيام الساعة.
وتعقب الأول: بأنه يبعده التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذى تعتدل فيه الطبائع لا يختص به. وجزم ابن بطال بأن الثانى هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه الترمذى من طريق معمر عن أيوب فى هذا الحديث بلفظ: فى آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن. وقيل: المراد بالزمان المذكور زمان المهدى عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٢٧٤) فى الرؤيا، باب: قوله لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، والدارمى (٢١٤٦)، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٢٩، ٦٨)، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٤٣٤)، بسند ضعيف.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٦٣) فى الرؤيا، وطرفه الأول عند البخارى (٧٠١٧) فى التعبير، باب: القيد فى المنام.
[ ٣ / ١٠٢ ]
وقال القرطبى فى «المفهم»: المراد- والله أعلم- باخر الزمان المذكور فى الحديث، زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم﵉- بعد قتله الدجال، فأهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالا بعد الصدر الأول.
وأصدقهم أقوالا، فكانت رؤياهم لا تكذب، ومن ثم قال عقب هذا:
وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، وإنما كانت كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه وقوى إدراكه، وانتقشت فيه المعانى على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب أحواله الصدق فى يقظته فإنه يستصحب ذلك فى نومه فلا يرى إلا صدقا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط، فإنه يفسد قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطا وأضغاثا، وقد يندر المنام أحيانا، فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم. انتهى ملخصا.
وعن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللهﷺ-: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هى من الله، فليحمد الله عليها وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هى من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها، فإنها لا تضره» «١» رواه البخارى. وفى رواية لمسلم: «ورؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا وكره منها شيئا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب» «٢» . وقوله: «فليبشر» بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة، من البشرى.
وفى حديث أبى رزين عند الترمذى: «ولا يقصها إلا على وادّ» «٣» - بتشديد الدال، اسم فاعل من الود- «أو ذى رأى» وفى أخرى: «ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا» وفى أخرى: «لا تقص رؤياك إلا على عالم أو
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦٩٨٥) فى التعبير، باب: الرؤيا من الله.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٦١) فى الرؤيا، من حديث أبى قتادةرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٥٠٢٠) فى الأدب، باب: ما جاء فى الرؤيا، والترمذى (٢٢٧٨) فى الرؤيا، باب: ما جاء فى تعبير الرؤيا، وابن ماجه (٣٩١٤) فى تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا إذا عبرت وقعت فلا يقصها إلا على وادّ، والدارمى (٢١٤٨)، وأحمد فى «المسند» (٤/ ١٠ و١١ و١٢ و١٣) والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٣ / ١٠٣ ]
ناصح» . وفى حديث أبى سعيد عند مسلم: «فليحمد الله عليها وليحدث بها» «١» .
وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره.
وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، ويتفل حين يهب من نومه، ولا يذكرها لأحد أصلا. فى البخارى من حديث أبى هريرة خامسة: وهى الصلاة، ولفظه:
«فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل» «٢» . لكن لم يصرح البخارى بوصله، وصرح به مسلم، وزاد مسلم سادسة: وهى التحول من جنبه الذى كان عليه فقال: عن جابر رفعه: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذى كان عليه» «٣» .
قال النووى: وينبغى أن تجمع هذه الروايات كلها، ويعمل بجميع ما تضمنته، فإن اقتصر على بعضها أجزأ فى رفع ضررها كما صرحت به الأحاديث. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لم ير فى شئ من الأحاديث الاقتصار على واحد، ثم قال: لكن أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية فى دفع شرها. انتهى.
ولا ريب أن الصلاة تجمع ذلك كله كما قاله القرطبى، لأنه إذا قام يصلى تحول عن جنبه، وبصق ونفث عند المضمضة فى الوضوء، واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا الله فى أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها. وذكر بعضهم سابعة: وهى قراءة آية الكرسى، ولم يذكر لذلك مستندا، فإن أخذه من
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦٩٨٥) فى التعبير، باب: الرؤيا من الله، والحديث عند البخارى كما تقدم، وليس في مسلم، كما قال المصنف.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٧٠١٧) فى التعبير، باب: القيد فى المنام، ومسلم (٢٢٦٣) فى الرؤيا.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٦٢) فى الرؤيا.
[ ٣ / ١٠٤ ]
عموم قوله فى حديث أبى هريرة: «ولا يقربك شيطان» فيتجه، قال: وينبغى أن يقرأها فى صلاته المذكورة.
وحكمة التفل- كما قال القاضى عياض- أمر به طردا للشيطان الذى حضر الرؤيا المكروهة، تحقيرا له واستقذارا، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها، والتثليث للتأكيد. وقد ورد التفل والنفث والبصق، قال النووى فى الكلام على النفث على الرقية- تبعا للقاضى عياض-: اختلف فى التفل والنفث، فقيل: هما بمعنى واحد لا يكونان إلا بريق. وقال أبو عبيد:
يشترط فى التفل ريق يسير، ولا يكون فى النفث، وقيل عكسه. وسئلت عائشة عن النفث فى الرقية فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه.
قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد. قال: وقد جاء فى حديث أبى سعيد فى الرقية بفاتحة الكتاب: فجعل يجمع بزاقه.
قال القاضى: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشر للرقية المقارن للذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء.
وقال النووى أيضا: وأكثر الروايات فى الرؤية «فلينفث» وهو النفخ اللطيف بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن المطلوب فى الموضعين مختلف، لأن المطلوب فى الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم، والمطلوب هنا طرد الشيطان، وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما تقدم.
فالذى يجمع الثلاثة، الحمل على التفل، فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له نفث، وبالنظر إلى الريق قيل له بصق. وأما قوله:
«فإنها لا تضره» فمعناه- كما قاله النووى-: أن الله تعالى جعل ما ذكر سبب للسلامة من المكروه المرتب على الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال، وأما التحول، فللتفاؤل بتحول تلك الحال التى كان عليها.
والحكمة فى قوله فى الرؤيا الحسنة: «ولا يخبر بها إلا من يحب» لأنه إذا حدث بها من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب، إما بغضا وإما حسدا، فقد تقع على تلك الصفة، أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنا ونكدا فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك.
[ ٣ / ١٠٥ ]
وقد روى من حديث أنس مرفوعا: «الرؤيا لأول عابر» «١» . وهو حديث ضعيف، فيه يزيد الرقاشى، ولكن له شاهد أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه، بسند حسن، وصححه الحاكم عن أبى رزين العقيلى رفعه:
«الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت» «٢» .
وعند الدارمى بسند حسن عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف فى التجارة، فأتت رسول اللهﷺ- فقالت: إن زوجى غائب، وتركنى حاملا، فرأيت فى منامى أن سارية بيتى انكسرت وأنى ولدت غلاما أعور، فقال: «خير يرجع زوجك إن شاء الله تعالى صالحا، وتلدين غلاما برّا»، فذكرت ذلك ثلاثا، فجاءت ورسول اللهﷺ- غائب، فسألتها فأخبرتنى بالمنام، فقلت لها: لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك، وتلدين غلاما فاجرا، فقعدت تبكى، فجاء رسول اللهﷺ- فقال: «مه يا عائشة، إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها» «٣» .
وعند سعيد بن منصور بن مرسل عطاء بن أبى رباح: جاءت امرأة إلى رسول اللهﷺ- فقالت: إنى رأيت كأن جائزة بيتى انكسرت، وكان زوجها غائبا، قال: «رد الله عليك زوجك، فرجع سالما» «٤» الحديث. قال أبو عبيد وغيره: معنى قوله: «الرؤيا لأول عابر» إذا كان العابر الأول عالما، فعبر وأصاب وجه التعبير، وإلا فهى لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب فى تعبير المنام ليتوصل بذلك إلى مراد الله تعالى فيما ضربه من المثل، فإن أصاب فلا ينبغى أن يسأل غيره، وإن لم يصب فليسأل الثانى، وعليه أن يخبر بما عنده ويبين ما جهل الأول. هكذا قال، وفيه بحث يطول ذكره.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٩١٥) فى تعبير الرؤيا، باب: علام تعبر به الرؤيا، من حديث أنس، وفيه يزيد بن أبان الرقاشى، وهو ضعيف.
(٢) صحيح: وقد تقدم، وطرفه «ولا يقصها إلا على واد» .
(٣) أخرجه الدارمى (٢١٦٣)، وذكره الحافظ فى «الفتح» (١٢/ ٤٣٣) وقال: سنده حسن.
(٤) ذكره الحافظ فى «الفتح» (١٢/ ٤٣٣) وقال: سنده صحيح عن عطاء.
[ ٣ / ١٠٦ ]
ومن آداب المعبر، ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر أنه كتب إلى أبى موسى: فإذا رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه فليقل: خير لنا وشر لأعدائنا. ورجاله ثقات، ولكن سنده منقطع. وفى حديث ابن زمل «١» عند الطبرانى والبيهقى فى الدلائل: لما قص على النبىﷺ- رؤياه، فقالﷺ-: «خير تتلقاه وشر تتوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين اقصص على رؤياك» «٢» الحديث، وسنده ضعيف جدّا، ويأتى- إن شاء الله تعالى-. ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا فى الليل، وأن لا يقصها على امرأة، لكن ثبت أنهﷺ- كان إذا صلى الغداة يقول: «هل رأى أحد الليلة رؤيا» «٣»، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، ويعبر لهم ما يقصون، وبوب عليه البخارى: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
قالوا: وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير: إن المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل الغروب، فإن الحديث دل على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، فلا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها فى أوقات كراهة الصلاة.
قال المهلب «٤»: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات، لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، وقبل ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائى ما
_________________
(١) ذكره الحافظ فى «اللسان» (٣/ ٢٨٧) وقال: تابعى أرسل ولا يكاد يعرف، ليس بمعتمد، وقال ابن حبان فى الثقات، يقال له صحبة.
(٢) ضعيف: وهو جزء من حديث طويل أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (٨/ ٣٠٢)، والبيهقى فى «الدلائل» (٧/ ٣٦- ٣٨) .
(٣) الحديث أخرجه البخارى (٧٠٤٧) فى التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
(٤) هو: المهلب بن أحمد بن أبى صفرة الأسدى الأندلسى المريى، مصنف «شرح صحيح البخارى»، كان أحد الأئمة الفصحاء الموصوفين بالذكاء، وتوفى سنة ٤٣٥ هـ.
[ ٣ / ١٠٧ ]
يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشر بالخير ويحذر من الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان فى الرؤيا تحذير من معصية فيكف عنها، وربما كانت إنذارا لأمر فيكون له مترقبا. قال: فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار. قاله فى فتح البارى.
وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائى أن يكون صادق اللهجة، وأن ينام على وضوء، على جنبه الأيمن، وأن يقرأ عند نومه والشمس، والليل، والتين، وسورة الإخلاص والمعوذتين وأن يقول: اللهم إنى أعوذ بك من سيئ الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان فى اليقظة والمنام، اللهم إنى أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير منسية، اللهم أرنى فى منامى ما أحب. وأن لا يقصها على عدو ولا جاهل. إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائى تنحصر فى قسمين:
* أضغاث أحلام وهى لا تنذر بشئ وهى أنواع:
الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائى. كأنه يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو رأى أنه واقع فى هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك. وروى مسلم عن جابر: جاء أعرابى فقال: يا رسول الله، إنى حلمت أن رأسى قطع وأنا أتبعه، فزجرهﷺ- وقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك فى المنام» «١» .
الثانى: أن يرى أن بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات ونحوه من المحال عقلا.
الثالث: ما يحدث به نفسه فى اليقظة أو يتمناه، فيراه كما هو فى المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته فى اليقظة، أو ما يغلب على مزاجه ويقع على المستقبل غالبا، وعن الحال كثيرا، وعن الماضى قليلا.
* القسم الثانى: الرؤيا الصادقة، وهى رؤيا الأنبياء، ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهى التى تقع فى اليقظة على وفق ما
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٦٨) فى الرؤيا، باب: قول النبىﷺ-: «من رآنى فى المنام فقد رآنى» .
[ ٣ / ١٠٨ ]
وقعت فى النوم، وقد وقع لنبيناﷺ- من الرؤيا الصادقة التى كفلق الصبح ما لا يعد ولا يحد. قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول اللهﷺ- من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح»
. الحديث رواه البخارى. وفى رواية: الرؤيا الصالحة.
وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة فى حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة فى الأصل أخص. فرؤيا النبىﷺ- كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهو الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع فى الرؤيا يوم أحد، فإنهﷺ- رأى بقرا تذبح، ورأى فى سيفه ثلما، فأول البقر ما أصاب أصحابه يوم أحد، والثلم الذى فى سيفه برجل من أهل بيته يقتل، ثم كانت العاقبة للمتقين، وكان بعد ذلك النصر والفتح على الخلق أجمعين.
وأما رؤيا غير الأنبياء، فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة بأنها التى لا تحتاج إلى تفسير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقا. وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينورى فى «التعبير القادرى»:
الرؤيا الصالحة ما يقع بعينه، أو ما يعبر فى المنام، أو يخبر به من لا يكذب، والصالحة ما فسر. واعلم أن الناس فى الرؤيا على ثلاث درجات:
الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير.
والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير.
ومن عداهم: يقع فى رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال فى حقهم، وفسقة فالغالب على
_________________
(١) صحيح: الحديث أخرجه البخارى (٣) فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول اللهﷺ-.
[ ٣ / ١٠٩ ]
رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وكفار: ويندر فى رؤياهم الصدق جدّا، ويشير إلى ذلك قولهﷺ-: «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا» «١»، أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة.
وقد وقعت الصادقة من بعض الكفار كما فى رؤيا صاحبى السجن مع يوسف﵇-، ورؤيا ملكهما وغير ذلك. وقد روى الإمام أحمد مرفوعا وصححه ابن حبان من حديث أبى سعيد: أصدق الرؤيا بالأسحار. وذكر الإمام نصر بن يعقوب الدينورى أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثانى يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وإن أسرعها تأويلا رؤيا السحر، ولا سيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة، وعن محمد بن سيرين: رؤيا النهار مثل رؤيا الليل، والنساء بمثل الرجال، وعن القيروانى: أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلا فهو لزوجها، وكذا حكم العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه.
ومن مرائيه الكريمةﷺ-: شربه اللبن وتعبره بالعلم، كما فى حديث ابن عمر عند البخارى قال: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى إنى لأرى الرى يخرج من أظفارى، ثم أعطيت فضلى- يعنى عمر-»، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال:
«العلم» «٢» . وفى رواية الكشميهنى: من أظافرى، وفى رواية صالح بن كيسان: من أطرافى.
وهذه الرؤية يحتمل بأن تكون بصرية، وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون علمية، ويؤيد الأول: ما أخرجه الحاكم والطبرانى من طريق أبى بكر بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده فى هذا الحديث: «فشربت حتى رأيته
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦٨١) فى المناقب، باب: مناقب عمر بن الخطاب أبى حفص القرشى العدوىرضي الله عنه-، ومسلم (٢٣٩١) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمررضي الله عنه-.
[ ٣ / ١١٠ ]
يجرى فى عروقى بين الجلد واللحم» «١»، على أنه محتمل أيضا. قال بعض العارفين: الذى خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، وهو كما قال، لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم والذى ذكره قد يكون خارقا للعادة فيكون من باب الكرامة.
وقال العارف ابن أبى جمرة: تأول النبىﷺ- اللبن بالعلم اعتبارا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن فقال له جبريل: أخذت الفطرة، انتهى. وقد جاء فى بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة، كما أخرجه البزار من حديث أبى هريرة رفعه: اللبن فى المنام فطرة.
وذكر الدينورى: أن اللبن المذكور فى هذا يختص بلبن الإبل، وأنه لشاربه مال حلال وعلم، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك فى الدين، وألبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذى أمر، وفى الحديث: أن علم النبىرضي الله عنه- بالله لا يبلغ أحد درجته فيه، لأنه شرب حتى رأى الرى يخرج من أطرافه. وأما إعطاؤه فضله لعمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله بحيث كان لا تأخذه فى الله لومة لائم، ووجه التعبير فى الحديث بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم فى كثرة النفع، وكونهما سببا للصلاح، فاللبن للغذاء البدنى، والعلم للغذاء المعنوى.
ومن ذلك رؤيتهﷺ- القميص وتعبيره بالدين. وعن أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-، عن النبىﷺ- قال: «بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علىّ وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدى، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومرّ علىّ عمر وعليه قميص يجره» . قالوا: ما أولته يا رسول الله؟ قال:
«الدين» «٢»، رواه البخارى. وفى رواية الترمذى الحكيم من طريق أخرى فى هذا الحديث، فقال أبو بكر: علام تؤول هذا يا رسول الله؟
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٩٢)، والطبرانى فى «الكبير» (١٢/ ٢٩٣)، وفى «فضائل الصحابة» (١/ ٢٥٣)، من الطريق المذكور.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٣) فى الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان فى الأعمال، ومسلم (٢٣٩٠) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمررضي الله عنه-.
[ ٣ / ١١١ ]
و«الثدى» بضم المثلاثة وكسر الدال وتشديد الياء، جمع ثدى، بفتح ثم سكون، والمعنى: أن القميص قصير جدّا بحيث لا يستر من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها. وقوله: «ومنها ما يبلغ دون ذلك» يحتمل أن يريد به من جهة السفل، وهو الظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يكون دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما فى رواية الترمذى الحكيم المذكورة:
فمنهم من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه.
ويجوز النصب فى قوله «الدين» والتقدير: أولته الدين، ويجوز الرفع.
وفى رواية الحكيم المذكورة: على الإيمان. وقد قيل فى وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة فى الدنيا، والدين يسترها فى الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ «١» .
واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده. وقال ابن العربى: إنما أولﷺ- القميص بالدين، لأن الدين يستر عورة الجهل، كما يستر القميص عورة البدن. قال:
وأما غير عمر فالذى كان يبلغ الثدى هو الذى يستر قلبه عن الكفر ولو كان يتعاطى المعاصى، والذى كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه باد هو الذى لم يستر رجله عن المشى إلى المعصية، والذى يستر رجله هو الذى احتجب بالتقوى من جميع الوجوه، والذى يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص.
وأشار العارف ابن أبى جمرة: إلى أن المراد بالناس فى الحديث:
المؤمنون، لتأويله القميص بالدين، قال: والذى يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية، بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهى، وكان لعمر فى ذلك المقام العالى.
_________________
(١) سورة الأعراف: ٢٦.
[ ٣ / ١١٢ ]
قال: ويؤخذ من هذا الحديث، أن كل ما يرى فى القميص من حسن أو غيره فإنه يعبر بدين لابسه، والنكتة فى القميص أن لابسه إذا اختار نزعه، وإذا اختار أبقاه، فلما ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل فى ذلك سابغ الأثواب، ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العمل. وفى الحديث: أن أهل الدين يتفاضلون فى الدين بالقلة والكثرة، وبالقوة والضعف، وهذا من أمثلة ما يحمد فى المنام ويذم فى اليقظة شرعا، أعنى جر القميص، لما روى من الوعيد فى تطويله.
ومن ذلك رؤيتهﷺ- السوارين الذهب فى يده الشريفة وتعبيرهما بالكذابين. روى البخارى عن عبيد الله بن عبد الله قال: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا النبىﷺ- التى ذكر فقال ابن عباس ذكر لى أن رسول اللهﷺ- قال: «بينا أنا نائم إذ رأيت أنه وضع فى يدىّ سواران من ذهب فقطعتهما وكرهتهما، فأذن لى فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان» «١» . فقال عبيد الله: أحدهما العنسى الذى قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة.
وفى رواية أبى هريرة عند الشيخين: «بينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض فوضع فى يدىّ سواران من ذهب، فكبرا على وأهمانى، فأوحى إلىّ أن أنفخهما، فأولتهما الكذابين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة» «٢» . قال المهلب: هذه الرؤيا ليست على وجهها، وإنما هى ضرب من المثل، وإنما أول النبىﷺ- السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشئ فى غير موضعه، فلما رأى فى يديه سوارين من ذهب وليسا من لبسه، لأنهما من حلية النساء، عرف أنه سيظهر من يدعى ما ليس له.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٤٣٧٥) فى المغازى، باب: وفد بنى حنيفة، ومسلم (٢٢٧٣) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبىﷺ-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٧٠٣٧) فى التعبير، باب: النفخ فى المنام، ومسلم (٢٢٧٤) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبىﷺ-.
[ ٣ / ١١٣ ]
وأيضا: ففى كونهما من ذهب، والذهب منهى عن لبسه، دليل على الكذب، وأيضا: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شئ يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له فى نفخهما فطارا، فعرف أنه ينسب إليهما أمر، وأن كلامه بالوحى الذى جاء به يزيلهما من موضعهما.
وقال ابن العربى: كان النبىﷺ- يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسى، فأول الرؤيا عليهما ليكونا ذلك، إخراجا للمنام عليهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت. ويحتمل أن يكون بوحى. والمراد ب «خزائن الأرض» التى ذكر، ما فتح على أمته من الغنائم ومن ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التى فيها الذهب والفضة.
وقال القرطبى: إنما كبر عليه السواران لكون الذهب من حلية النساء، ومما حرم على الرجال، وفى طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما، ومناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا، أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا، فكانوا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر الكذابان، وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعاويهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك، فكأن اليدين بمنزلة البلدين، والسوارين بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفا، والزخرف من أسماء الذهب.
وقال أهل التعبير: من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء تعريجا ناله ضرر، فإن غاب فى السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه.
ومن ذلك: رؤيتهﷺ- المرأة السوداء الثائرة الرأس، تعبيرها بنقل وباء المدينة إلى الجحفة. روى البخارى من حديث عبد الله بن عمر، أن النبىﷺ- قال: «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة- وهى الجحفة- فأولت أن وباء المدينة نقل إليها» «١» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٧٠٣٨) فى التعبير، باب: إذا رأى أنه أخرج الشئ من كورة فأسكنه موضعا آخر، وأطرافه (٧٠٣٩ و٧٠٤٠) .
[ ٣ / ١١٤ ]
وهذا من قسم الرؤيا المعبرة، وهى مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء: السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعرها أن الذى يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة.
وقال القيروانى من أهل التعبير: كل شئ غلبت عليه السوداء فى أكثر وجوهها فهو مكروه، وقال غيره: ثوران الرأس يؤول بالحمى لأنها تثير البدن بالاقشعرار وبارتفاع الرأس، لا سيما من السوداء فإنها أكثر استيحاشا.
ومن ذلك: رؤيتهﷺ- أنه فى درع حصينة وبقرا تنحر وتعبير ذلك.
عن أبى موسى عن النبىﷺ- قال: «رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هى المدينة يثرب، ورأيت فيه بقرا، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذى أتانا الله «١» بعد يوم بدر» «٢» رواه البخارى ومسلم. وروى الإمام أحمد وغيره عن جابر: أن النبىﷺ- قال: «رأيت كأنى فى درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأولت الدرع الحصينة بالمدينة، والبقر بقرا» «٣» . وهذه اللفظة الأخيرة وهى «بقر» بفتح الموحدة، وسكون القاف مصدر بقره يبقره بقرا.
ولهذا الحديث سبب جاء بيانه فى حديث ابن عباس عند أحمد أيضا والنسائى والطبرانى، وصححه الحاكم من طريق أبى الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس فى قصة أحد، وإشارة النبىﷺ- عليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة، ولبسه اللأمة وندامتهم على ذلك، وقولهﷺ-: «لا ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها
_________________
(١) سقط من الأصل، وزدناها من مصادر التخريج.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦٢٢) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (٢٢٧٢) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبىﷺ-.
(٣) حسن: أخرجه الدارمى (٢١٥٩)، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٥١)، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد (١/ ٢٧١)، والحاكم (٢/ ١٤١) و(٣/ ٤١) يحسن به.
[ ٣ / ١١٥ ]
حتى يقاتل» وفيه: «إنى رأيت أنى فى درع حصينة» «١» الحديث، بنحو حديث جابر، وأتم منه، وقد تقدمت الإشارة إليه فى غزوة أحد من المقصد الأول.
والمراد بقوله: «وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذى أتانا الله بعد يوم بدر» فتح خيبر ثم مكة، أى ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين.
قال فى فتح البارى: وفى هذا السياق إشعار بأن قوله فى الخبر «والله خير» من جملة الرؤيا. قال: والذى يظهر لى أن لفظة «والله خير» لم يتحرر إيراده، وأن رواية ابن إسحاق هى المحررة، وأنه رأى بقرا ورأى خيرا. فأول البقر على من قتل من الصحابة يوم أحد، وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق فى القتال والصبر على الجهاد يوم بدر وبعده إلى فتح مكة، والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد نبه عليه ابن بطال.
ومن ذلك رؤيتهﷺ- أنه أتى برطب. روى مسلم عن أنس قال:
سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «رأيت الليلة فيما يرى النائم، كأنى فى دار عقبة بن رافع، وأتيت برطب من رطب ابن طاب «٢»، فأولته بأن الرفعة لنا فى الدنيا، والعاقبة فى الآخرة، وأن ديننا قد طاب» «٣» .
ومن ذلك: رؤيتهﷺ- سيفا يهزه، وتعبيره ما روى فى حديث أبى موسى المتقدم أنه قال: «ورأيت فى رؤياى هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب به المؤمنون يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان. فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين» «٤» رواه الشيخان.
وهذه أيضا من ضرب المثل، ولما كانﷺ- يصول بالصحابة عبر عن
_________________
(١) حسن: وقد تقدم فى الشاهد الذى قبله.
(٢) رطب ابن طاب، هو نوع من أنواع تمر المدينة منسوب إلى ابن طاب، رجل من أهلها. النهاية فى غريب الحديث مادة (طيب) .
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٧٠) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبىﷺ-.
(٤) صحيح: وقد تقدم قبل حديثين.
[ ٣ / ١١٦ ]
السيف بهم، وبهزه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وفى الهزة الآخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبر به عن اجتماعهم والفتح عليهم.
وقال أهل التعبير: السيف يصرف على أوجه؛ منها أن من نال سيفا فإنه ينال سلطانا، وإما ولاية وإما وديعة، وإما زوجة، وإما ولدا، فإن سله من غمده فانثلم سلمت زوجته وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد وسلم السيف فبالعكس، فإن سلما أو عطبا فكذلك. وقائم السيف يتعلق بالأب والعصبات، ونعله بالأم وذوى الرحم، وإن جرد السيف وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرده فى خصومة. وربما عبر السيف بسلطان جائر.
وقال بعض أهل التعبير أيضا: من رأى أنه أغمد سيفا فإنه يتزوج، أو ضرب شخصا بسيف فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنه يغلبه، ومن رأى سيفا عظيما فهو فتنة، ومن قلد سيفا قلد أمرا، فإن كان قصيرا لم يدم أمره.
ومن ذلك: رؤيتهﷺ- أنه على قليب. عن أبى هريرةرضي الله عنه- أن رسول اللهﷺ- قال: «بينا أنا نائم، رأيتنى على قليب، وعليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفى نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريّا من الناس ينزع نزع ابن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن» «١» .
وعبقرى القوم: سيدهم وكبيرهم وقويهم. وفى رواية: فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر. وفى رواية: فأتانى أبو بكر فأخذ الدلو من يدى ليريحنى. وفى رواية موسى عن سالم عن أبيه: رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفى نزعه ضعف والله يغفر له، ثم قام
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦٦٤) فى فضائل الصحابة، باب: قول النبىﷺ-: «لو كنت متخذا خليلا»، ومسلم (٢٣٩٢) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمررضي الله عنه-.
[ ٣ / ١١٧ ]
عمر بن الخطاب فاستحالت غربا، فما رأيت من الناس يفرى فرية حتى ضرب الناس بعطن. رواه البخارى.
قال النووى: قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين، من ظهور آثارهما الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبىﷺ-، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر به قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام فى زمنه. فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذى فيه حياتهم وصلاحهم، وأميرهم المستقى لهم منها، وفى قوله: «فأخذ الدلو من يدى ليريحنى» إشارة إلى خلافة أبى بكر بعد موتهﷺ-، لأن الموت راحة من كد الدنيا وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم. وأما قوله: «وفى نزعه ضعف» فهو إخبار عن حاله فى قصر مدة ولايته، وأما ولاية عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس فى قولهﷺ-: «والله يغفر له» نقض، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، إنما هى كلمة كانوا يقولونها. وقوله: «فاستحالت فى يده غربا» أى تحولت الدلو غربا- بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة- أى:
دلوا عظيما.
وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا عظيما دلى من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ فعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء على فانتشطت وانتضح عليه منها شئ. والعراقى: جمع عرقوة الدلو، وهى الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان كالصليب، وقد يقال: عرقيت الدلو إذا ركبت العرقوة فيها. وانتشطت: أى جذبت ورفعت. فهذه نبذة من مرائيه الكريمةﷺ- مع تعبيرها.
وأما ما رآه غيره فعبرﷺ- له بما يخص ويعم من أمور الدنيا والآخرة. فقد كانﷺ- إذا انفتل من صلاة الصبح أقبل على الصحابة
[ ٣ / ١١٨ ]
فيقول: «من رأى منكم الليلة رؤيا فليقصها على أعبرها له، فيقص الناس عليه مرائيهم» «١» . وروى البخارى والترمذى عن سمرة بن جندب قال: كان رسول اللهﷺ- يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رأيا؟» فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وأنه قال ذات غداة: «هل رأى أحد منكم رؤيا» وقالوا: ما منا أحد رأى شيئا، قال: «لكنى أتانى الليلة آتيان، وإنهما ابتعثانى فقالا لى: انطلق، فانطلقت فأتيت على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوى بالصخرة لرأسه فتثلغ رأسه» «٢» الحديث.
وأقامﷺ- يسأل أصحابه: «هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا، ما شاء الله» ثم ترك السؤال فكان يعبر لمن قص متبرعا. واختلف النقلة فى سبب تركه السؤال:
فقيل: سبب ذلك حديث أبى بكرة- عند الترمذى وأبى داود- أنهﷺ- قال ذات يوم: «من رأى منكم الرؤيا؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله، رأيت كأن ميزانا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبى بكر، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهة فى وجه رسول اللهﷺ-. انتهى.
قالوا: فمن حينئذ لم يسأل رسول اللهﷺ- أحدا عن رؤيا.
قال بعضهم: وسبب كراهتهﷺ- إيثاره لستر العواقب وإخفاء المراتب، فلما كانت هذه الرؤيا كاشفة لمنازلهم مبينة لفضل بعضهم على بعض فى التعيين خشى أن يتواتر ويتوالى ما هو أبلغ فى الكشف من ذلك، ولله فى ستر خلقه حكمة بالغة ومشيئة نافذة.
وقال ابن قتيبة- فيما ذكره ابن المنير-: سبب تركه السؤال فى حديث ابن زمل: كان رسول اللهﷺ- إذا صلى الصبح قالﷺ- وهو ثان
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم من حديث ابن عمررضي الله عنهما-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٧٠٤٧) فى التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، والترمذى (٢٢٩٤) فى الرؤيا، باب: ما جاء فى رؤيا النبىﷺ- الميزان والدلو، ولكنه عند الترمذى مختصرا.
[ ٣ / ١١٩ ]
رجليه: «سبحان الله وبحمده وأستغفر الله، إن الله كان توابا، سبعين مرة» ثم يقول: «سبعون بسبعمائة، لا خير فيمن كانت ذنوبه فى يوم أكثر من سبعمائة» ثم يستقبل الناس بوجهه فيقول: «هل رأى أحد منكم شيئا؟» قال ابن زمل: فقلت ذات يوم أنا يا رسول الله، قال: «خير تتلقاه وشر تتوقاه، وخير لنا وشر لأعدائنا، والحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك» . قال: رأيت جميع الناس على طريق رحب لاحب سهل، والناس على الجادة منطلقون، فبينما هم كذلك أشفى ذلك الطريق بهم على مرج لم تر عينى مثله، يرف رفيفا، يقطر نداه، فيه من أنواع الكلأ، فكأنى بالرعلة الأولى حين أشرفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم فى الطريق فلم يضلوه يمينا وشمالا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدهم، وهم أكثر منهم أضعافا، فلما أشرفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم فى الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ومضوا على ذلك. قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشرفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، فمالوا فى المرج يمينا وشمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت فى أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل أقنى آدم «١»، إذا هو تكلم يسمو، يكاد يفزع الرجال طولا، وإذا عن يسارك رجل ربعة «٢» تارّ أحمر، كثير خيلان الوجه «٣»، إذا هو تكلم أصغيتم إليه إكراما له، وإذا أمام ذلك شيخ كأنكم تقتدون به، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت كأنك تبعثها يا رسول الله. قال: فانتقع لون رسول اللهﷺ- ساعة، ثم سرى عنه، فقال: «أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل، فذلك ما حملتكم عليه من الهدى، فأنتم عليه، وأما المرج الذى رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، لم نتعلق بها ولم تردنا ولم نردها، وأما
_________________
(١) أقنى الأنف: ارتفاع أعلاه واحد يداب وسطه وسبوع طرفه، أو نتوء وسط القصبة، و(آدم): أى أسمر.
(٢) التار: الممتلئ البدن.
(٣) خيلان: جمع خال، وهو الشامة فى الجسد.
[ ٣ / ١٢٠ ]
الرعلة الثانية والثالثة- وقص كلامه- فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت فعلى طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقانى، وأما المنبر فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا فى آخرها ألفا، وأما الرجل الطويل الآدم فذلك موسى، نكرمه بفضل الله إياه، وأما الرجل الربعة التار الأحمر، فذلك عيسى﵇- نكرمه بفضل منزلته من الله، وأما الشيخ الذى رأيت كأننا نقتدى به فذلك إبراهيم﵇-، وأما الناقة العجفاء الشارف التى رأيتنى أبعثها فهى الساعة عليها، أى على الأمة تقوم، لأنه لا نبى بعدى ولا أمة بعد أمتى» . قال الراوى: فما سأل رسول اللهﷺ- بعد هذا أحدا عن رؤيا، إلا أن يجئ الرجل متبرعا فيحدثه بها» «١» رواه ابن قتيبة والطبرانى والبيهقى فى الدلائل، وسنده ضعيف جدّا.
ومن غريب ما نقل عنهﷺ- من التعبير، أن زرارة بن عمرو النخعى قدم على رسول اللهﷺ- فى وفد النخع، فقال: يا رسول الله، إنى رأيت فى طريقى هذا رؤيا، رأيت أتانا «٢» تركتها فى الحى ولدت جديا أسفع أحوى، فقال له رسول اللهﷺ-: «هل لك من أمة تركتها مصرة حملا؟» قال: نعم تركت أمة أظنها قد حملت، قال: «فقد ولدت غلاما وهو ابنك»، قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منى»، فدنا منه، قال: «هل بك برص تكتمه؟» قال: نعم والذى بعثك بالحق ما رآه مخلوق ولا علم به أحد، قال: «فهو ذاك» .
فقال: ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان، قال:
ذلك ملك العرب عاد إلى أفضل زيه وبهجته. قال: ورأيت عجوزا شمطاء تخرج من الأرض، قال: تلك بقية الدنيا. قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، آكلكم وأهلكم ومالكم فقال النبىﷺ-: «تلك فتنة تكون
_________________
(١) ضعيف: وقد تقدم حديث ابن زمل.
(٢) الأتان: أنثى الحمار.
[ ٣ / ١٢١ ]
فى آخر الزمان»، قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال: «يفتك الناس بإمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس»، وخالفﷺ- بين أصابعه، يحسب المسئ أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء البارد.
فانظر إلى هذا التعبير البارز من مشكاة النبوة، محشوّا حلاوة الحق، مكسوّا طلاوة الصدق مجلوّا بأنوار الوحى. والأسفع: الذى أصاب جسده لون آخر. والأحوى: الأسود الذى ليس بالشديد. والمسكتان: السواران من ذهب. وأطبق الرأس: عظامه. والاشتجار: الاختلاف والاشتباك. فإن قلت:
تعبيرهﷺ- السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما بالكذابين فيما مر.
أجيب: بأن النعمان بن المنذر كان ملك العرب، وكان مملكا من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك ويحلونهم، وكان السواران من زى النعمان ليسا بمنكرين فى حقه، ولا موضوعين فى غير موضعهما عرفا، وأما النبى فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته فجدير أن يهمه ذلك لأنه ليس من زيه، فاستدل به على أمر يوضع فى غير موضعه، ولكن حمدت العاقبة بذهابهما، ولله الحمد.
ومن ذلك: ما روى عن قيس بن عباد- بضم العين وتخفيف الموحدة- قال: كنت فى حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، قال:
سبحان الله، ما كان ينبغى لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع فى روضة خضراء، فنصب فيها، وفى رأسها عروة، وفى أسفلها منصف- والمنصف الوصيف- فقال: ارقه، فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول اللهﷺ- فقال: «يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى» «١» . رواه البخارى.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٧٠١٠) فى التعبير، باب: الخضر فى المنام والروضة الخضراء، ومسلم (٢٤٨٤) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن سلامرضي الله عنه-.
[ ٣ / ١٢٢ ]
وفى رواية خرشة: بينما أنا نائم أتانى رجل فقال لى قم، فأخذ بيدى فانطلقت معه، فإذا أنا بجوادّ- بجيم ودال مشددة، جمع جادة وهى الطريق المسلوك- عن شمالى، قال: فأخذت لآخذ فيها- أى أسير فقال: لا تأخذ فيها فإنها طريق أهل الشمال.
وفى رواية النسائى من طريقه: فبينا أنا أمشى إذ عرض لى طريق عن شمالى، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها.
وفى رواية مسلم: فإذا منهج عن يمينى، فقال لى خذها هنا، فأتى بى جبلا فقال لى: اصعد، قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت، حتى فعلت ذلك مرارا.
وفى رواية ابن عون: فقال تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة، العروة الوثقى، لا تزال متمسكا بالإسلام حتى تموت.
وفى رواية خرشة عند النسائى وابن ماجه قال: رأيت خيرا، أما المنهج فالمحشر وأما الجبل فهو منزل الشهداء، زاد مسلم: ولن تناله.
وهذا علم من أعلام نبوة نبيناﷺ- فإن عبد الله بن سلام لم يمت شهيدا، وإنما مات على فراشه فى أول خلافة معاوية بالمدينة.
وقولهم إنه من أهل الجنة، أخذوه من قوله لما ذكر طريق الشمال: إنك لست من أهلها. وإنما قال: «ما كان ينبغى لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم» «١» على سبيل التواضع وكراهية أن يشار إليه بالأصابع، خشية أن يدخله العجب، عافانا الله من سائر المكاره.
وقال القيروانى: الروضة التى لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها، وتعبر أيضا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك انتهى. وقال غيره من المعبرين: الحلقة والعروة المجهولة، تدل لمن تمسك بها على قوته فى دينه، وإخلاصه فيه.
_________________
(١) هى فى رواية مسلم السابقة.
[ ٣ / ١٢٣ ]
ومن ذلك، ما رواه البخارى عن أم العلاء، وهى امرأة من نسائهم، بايعت رسول الله: وأريت لعثمان بن مظعون بعد موته فى النوم عينا تجرى، فجئت رسول اللهﷺ- فذكرت ذلك له، فقال: «ذاك عمله يجري له» «١» .
وقد قيل: يحتمل أنه كان لعثمان شئ من عمله بقى له ثوابه جاريا كالصدقة، وأنكره مغلطاى وقال: لم يكن له شئ من الأمور الثلاثة التى ذكرها مسلم فى حديث أبى هريرة رفعه: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» «٢» .
وتعقبه شيخ الحفاظ ابن حجر: بأنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها، وهو السائب، مات فى خلافة أبى بكر، فهو أحد الثلاث. قال: وقد كان عثمان من الأغنياء، فلا يبعد أن يكون له صدقة استمرت بعد موته.
وقال المهلب: العين الجارية تحتمل وجوها، فإن كان ماؤها صافيا عبرت بالعمل الصالح، وإلا فلا. وقال غيره: العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحى أو ميت. وقال آخر: عين الماء نعمة وبركة وخير، وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة يبكى لها أهل داره، والله أعلم.
فهذا طرف من تعبيرهﷺ-، يهدى إلى غيره مما يشبهه، وإلا فالذى نقل عنهﷺ- من غرائب التأويل، ولطائف التعبير- كما قاله ابن المنير- لا تحصره المجلدات.
وأنت إذا تأملت أن كل كرامة أوتيها واحدة من هذه الأمة فى علم أو عمل، هى من آثار معجزة نبيهﷺ-، وسر تصديقه، وبركات طريقه، وثمرات الاهتداء بهديه وتوفيقه، واستحضرت ما أوتيه الإمام محمد بن سيرين من لطائف التعبير، مما شاع وذاع، وامتلأت به الأسماع، طبق الأرض صدقا وصوابا، وعجبا عجابا، بل بحرا عبابا، قضيت بأن ما منحهﷺ-
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٦٨٧) فى الشهادات، باب: القرعة فى المشكلات.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٦٣١) فى الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.
[ ٣ / ١٢٤ ]
من العلوم والمعارف، لا تحيط به العبارات، ولا تدرك حقيقة كنهه الإشارات، وإذا كان هذا ابن سيرين واحد من أمتهﷺ- نقل عنه فى فن التعبير ما لا يعد لكثرته، فكيف بهﷺ- وزاده فضلا وشرفا لديه، وأفاض علينا من سحائب علومه ومعارفه، وتعطف علينا بعواطفه.
الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات
اعلم أن الغيب يختص به تعالى، وما وقع منه على لسان رسولهﷺ- وغيره فمن الله تعالى، إما بوحى أو إلهام، والشاهد لهذا قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ «١» ليكون معجزة له. واستدل به على إبطال الكرامات.
وأجيب: بتخصيص الرسول بالملك، والإظهار بما يكون بغير توسطه، وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون برؤيا الملائكة، كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء، وفى حديث مرّ: أنهﷺ- قال: «والله إنى لا أعلم إلا ما علمنى ربى» «٢» فكل ما ورد عنهﷺ- من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به، إعلاما على ثبوت نبوته، ودلائل على صدق رسالته، وقد اشتهر وانتشر أمرهﷺ- بين أصحابه بالاطلاع على الغيوب، حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه: اسكت فو الله لو لم يكن عندنا من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء، ويشهد له قول ابن رواحة:
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الصبح ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع
وقال حسان بن ثابت:
_________________
(١) سورة الجن: ٢٦، ٢٧.
(٢) تقدم.
[ ٣ / ١٢٥ ]
نبى يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله فى كل مشهد
فإن قال فى يوم مقالة غائب فتصديقها فى ضحوة اليوم أو غد
وهذا الفصل ينقسم قسمين:
الأول: فيما أخبر بهﷺ- مما نطق به القرآن. من ذلك: فى قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إلى قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «١» فقوله وَلَنْ تَفْعَلُوا إخبار عن غيب تقضى العادة بخلافه.
ومن ذلك: قوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «٢» الآية، فإنه قد كان لقريش قافلتان: إحداهما ذات غنيمة دون الآخرى، فأخبر الله تعالى عما فى ضمائرهم، وأنجز ما وعد، ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشئ بعد وقوعه غير جائز.
ومن ذلك: قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ»
، وهذا إخبار عن المستقبل، لأن «السين» بمعنى الاستقبال، يعنى كفار قريش يوم بدر، وقد كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف، وكانوا مستعدين بالمال والسلاح، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وليس معهم إلا فرسان، إحداهما للزبير بن العوام، والآخرى للمقداد، فهزم الله المشركين ومكن المسلمين من قتل أبطالهم واغتنام أموالهم.
ومن ذلك: قوله تعالى فى كفار قريش سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا «٤»، يريد ما قذف الله فى قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ونادى أبو سفيان: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقالﷺ-: «إن
_________________
(١) سورة البقرة: ٢٣، ٢٤.
(٢) سورة الأنفال: ٧.
(٣) سورة القمر: ٤٥.
(٤) سورة آل عمران: ١٥١.
[ ٣ / ١٢٦ ]
شاء الله»، وقيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى الله فى قلوبهم الرعب.
ومن ذلك: قوله تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ إلى قوله: لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ «١»، سبب نزول هذه الآية أن كسرى وقيصر تقاتلا فغلب كسرى قيصر، فساء المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب، ولتعظيم قيصر كتاب النبىﷺ-، وتمزيق كسرى كتابه، وفرح المشركون به، فأخبر الله تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون فى بضع سنين، والبضع ما بين الثلاثة إلى العشر، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية، وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين «٢» .
ومن ذلك: قوله تعالى: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا «٣» فأخبر أنهم لا يتمنون الموت بالقلب ولا بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا، فأخبر فوجد مخبره كما أخبر، فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت لسارعوا إلى تكذيبه بالتمنى، ولو لم يعلم ذلك لخشى أن يجيبوا إليه فيقضى عليه بالكذب، قال البيضاوى: وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت لنقل واشتهر، فإن التمنى ليس من عمل القلب فيخفى. وروى مرفوعا: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات وما بقى يهودى على وجه الأرض» «٤» .
ومن ذلك: قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
_________________
(١) سورة الروم: ١- ٦.
(٢) قلت: عند الترمذى (٣١٩٣) فى التفسير، باب: ومن سورة الروم، إلا أنه ذكر أن انتصار الفرس على الروم كان فى مكة، وانتصار الروم على الفرس كان مع بدر، فكان ذلك الفرح لأنهم أهل كتاب وأقرب إلى المسلمين من أهل الأوثان الذين هم أقرب إلى كفار قريش، ولا أظن ذلك يرجع إلى سبب معاملة كسرى وقيصر لرسل رسول اللهﷺ-، لأن ذلك كان بعد غزوة بدر بكثير.
(٣) سورة الجمعة: ٦، ٧.
(٤) الذى فى تفسير ابن كثير، أن المقصود بتمنى الموت هنا المباهلة كما جاء فى سورة آل عمران، بمعنى أنه إن كنتم على هدى وأن محمدا وأصحابه على ضلالة فادعوا بالموت على الضال من الفئتين إن كنتم صادقين فيما تزعمون.
[ ٣ / ١٢٧ ]
الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ «١» الآية. هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، وأئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تعالى ذلك ولله الحمد والمنة، فإنه لم يمتﷺ- حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشى ملك الحبشة الذى تملك بعد أصحمة﵀-.
ثم لما مات رسول اللهﷺ- واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديقرضي الله عنه- فلمّ شعث ما وهى عند موتهﷺ- ووطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ففتحوا طرفا منها، وجيشا آخر صحبة أبى عبيدة إلى أرض الشام، وجيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاص إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامى فى أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها. وتوفاه الله تعالى واختار له ما عنده. ومنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق.
فقام فى الأمر بعده قياما تامّا، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله فى قوة سيره وكمال عدله، وتم فى أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزاع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية، وأنفق أموالهما فى سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول اللهﷺ- «٢» .
_________________
(١) سورة النور: ٥٥.
(٢) يشير إلى الحديث الصحيح الذى أخرجه البخارى (٣٠٢٨) فى الجهاد والسير، باب: الحرب خدعة، ومسلم (٢٩١٨) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه- بلفظ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذى نفس محمد بيده، لتنفقن كنوزهما فى سبيل الله» صدقت يا رسول الله.
[ ٣ / ١٢٨ ]
ثم لما كانت الدولة العثمانية «١» امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدّا، وجئ بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه للأمة على حفظ القرآن، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله.
ومن ذلك: قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «٢»، فاليهود أذل الكفار فى كل مكان وزمان كما أخبر.
ومن ذلك: قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «٣»، وهذا ظاهر فى العباد بأن دين الإسلام كما أخبر عال على سائر الأديان.
ومن ذلك، قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٤» إلى آخرها، فكان كما أخبر، دخل الناس فى الإسلام أفواجا، فما ماتﷺ- وفى بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام. إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه.
القسم الثانى: فيما أخبر بهﷺ- من الغيوب سوى ما فى القرآن العزيز فكان كما أخبر به فى حياته وبعد مماته. أخرج الطبرانى عن ابن عمر قال: قال رسول اللهﷺ-: «إن الله قد رفع لى الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفى هذه» «٥» .
_________________
(١) نسبة إلى عثمان بن عفانرضي الله عنه-، فالسياق هنا يشير إلى ذلك.
(٢) سورة البقرة: ٦١.
(٣) سورة التوبة: ٣٣.
(٤) سورة النصر: ١.
(٥) ضعيف: ذكر الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٧) وقال: رواه الطبرانى ورجاله وثقوا على ضعف كثير فى سعيد بن سنان الرهاوى.
[ ٣ / ١٢٩ ]
وعن حذيقة قال: قام فينا رسول الله قائما، فما ترك شيئا يكون فى مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابه هؤلاء، وإنه ليكون منه الشئ قد نسيته فأراه فأعرفه «١» فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه «٢» ثم قال حذيفة: ما أدرى أنسى أصحابى أم تناسوه، والله ما ترك رسول اللهﷺ- من قائد فتنة إلى أن تنقضى الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا وقد سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته رواه أبو داود.
وروى مسلم من حديث ابن مسعود فى الدجال: فيبعثن عشرة فوارس طليعة، قال رسول اللهﷺ-: «إنى لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، وهم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ» «٣» . فوضح من هذا الخبر وغيره مما يأتى من الأخبار، وسنح من خواطر الأبرار الأخيار أنهﷺ- عرفهم بما يقع فى حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه فلا سبيل إلى فوته. وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول اللهﷺ- وما يحرك طائر جناحه فى السماء إلا ذكرنا منه علما. ولا شك أن الله تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين. وأما علم عوارف المعارف الإلهية فتلك لا يتناهى عددها، وإليهﷺ- ينتهى مددها.
ومن ذلك: ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن النبىﷺ- نعى النجاشى للناس فى اليوم الذى مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى وصف بهم وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات» «٤» . وفى حديث أنس عند أحمد والبخارى:
_________________
(١) ليست هذه العبارة فى سنن أبى داود.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٤٠) فى الفتن والملاحم، باب: ذكر الفتن ودلائلها، وهو عند البخارى (٦٦٠٤) فى القدر، باب: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، ومسلم (٢٨٩١) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: إخبار النبىﷺ- فيما يكون إلى قيام الساعة، بلفظ قريب منه.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٨٩٩) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: إقبال الروم فى كثرة القتل عند خروج الدجال.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (١٢٤٥) فى الجنائز، باب: الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، ومسلم (٩٥١) فى الجنائز، باب: فى التكبير على الجنازة.
[ ٣ / ١٣٠ ]
أن رسول اللهﷺ- صعد أحدا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله وقال له: «أثبت أحد، فإنما عليك نبى، وصديق وشهيدان» «١» فكان كما أخبرﷺ-.
ومن ذلك: ما رواه الشيخان من حديث أبى هريرة أنهرضي الله عنه- قال:
«إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذى نفسى بيده لتنفقن كنوزهما فى سبيل الله» «٢» قال النووى قال الشافعى وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، كما كان فى زمنهﷺ-، فأعلمناﷺ- بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، وكان كما قال، فأما كسرى فانقطع ملكه وزال بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق، واضمحل بدعوة النبىﷺ-، وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون بلاده واستقرت للمسلمين ولله الحمد، انتهى.
وقد وقع ذلك فى خلافة سيدنا عمر بن الخطاب كما قدمته، وقالﷺ- لسراقة: «كيف بك إذا لبست سوارى كسرى؟» فلما أتى بهما عمر ألبسهما إياه وقال: «الحمد لله الذى سلبهما كسرى وألبسهما سراقة» «٣» .
ومن ذلك: إخبارهﷺ- بالمال الذى تركه عمه العباس عند أم الفضل، بعد أن كتمه، فقال: ما علمه غيرى وغيرها وأسلم كما تقدم ذلك فى غزوة بدر من المقصد الأول. وإخباره بشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة.
وبموضع ناقته حين ضلت وكيف تعلقت بخطامها فى الشجرة.
ولما رجع المشركون يوم الأحزاب، قال النبىﷺ-: «الآن نغزوهم
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦٧٥) فى فضائل الصحابة، باب: قول النبىﷺ-: «لو كنت متخذا خليلا» .
(٢) صحيح: وقد تقدم قريبا.
(٣) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى وابن عساكر، عن الحسن مرسلا، كما فى «كنز العمال» (٣٥٧٥٢) .
[ ٣ / ١٣١ ]
ولا يغزونا» «١»، فلم يغزﷺ- بعدها. وبعثﷺ- جيشا إلى مؤتة، وأمر عليهم زيد بن حارثة ثم قال: «فإن أصيب فجعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة»، فلما التقى المسلمون بمؤتة جلس النبىﷺ- على المنبر، فكشف له حتى نظر إلى معركتهم فقال: «أخذ الراية زيد بن حارثة حتى استشهد»، فصلى عليه ثم قال: «استغفرو له، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب حتى استشهد»، فصلى عليه ثم قال: «استغفروا لأخيكم جعفر، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد» فصلى عليه، ثم قال:
«استغفروا لأخيكم» «٢» . فأخبر أصحابه بقتلهم فى الساعة التى قتلوا فيها، ومؤتة دون دمشق بأرض البلقاء.
وعن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول اللهﷺ- صبيحة اليوم الذى قتل فيه جعفر وأصحابه فقال: «يا أسماء، أين بنو جعفر» فجئت بهم، فضمهم وشمهم ثم ذرفت عيناه بالدموع فبكى، فقلت: يا رسول الله، أبلغك عن جعفر شئ؟ قال: «نعم قتل اليوم» «٣»، رواه يعقوب الإسفراينى فى كتاب دلائل الإعجاز، وخرجه ابن إسحاق والبغوى.
ومن ذلك، قولهﷺ-: «زويت لى الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها» «٤»، فكان كذلك امتدت فى المشارق والمغارب ما بين أقصى الهند إلى أقصى المشرق إلى بحر طنجة حيث لا عمارة وراءه، وذلك ما لم تملكه أية أمة من الأمم.
ومن ذلك: إعلامه قريشا بأكل الأرضة ما فى صحيفتهم التى تظاهروا
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٤١١٠) فى المغازى، باب: غزوة الخندق، وهى الأحزاب، من حديث سليمان بن حددرضي الله عنه-.
(٢) انظر القضية فى «دلائل النبوة» للبيهقى (٤/ ٣٦١- ٣٦٢) .
(٣) أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (٨/ ٢٢٠) .
(٤) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٢) فى الفتن، باب: ما يكون من الفتن، وهو عند مسلم (٢٨٨٩) بنحوه فى الفتن، باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، من حديث ثوبانرضي الله عنه-.
[ ٣ / ١٣٢ ]
بها على بنى هاشم، وقطعوا بها رحمهم، وأنها أبقت فيها كل اسم لله، فوجدوها كما قالﷺ-.
ومن ذلك: ما رواه الطبرانى فى الكبير، والبزار من حديث ابن عمر قال: كنت جالسا مع النبىﷺ- فى مسجد منى، فأتى رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما ثم قالا: يا رسول الله، جئنا نسألك فقال: «إن شئتما أن أخبركما بما جئتما تسألانى عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألانى فعلت» فقالا: أخبرنا يا رسول الله، فقال الثقفى للأنصارى: سل، فقال:
أخبرنى يا رسول الله، قال: «جئتنى تسألنى عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام، ومالك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف ومالك فيهما، وعن سعيك بين الصفا والمروة ومالك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة ومالك فيه، وعن رميك الجمار ومالك فيه، وعن نحرك ومالك فيه، وعن حلاقك رأسك ومالك فيه مع الإفاضة» . فقال: والذى بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك «١» .
ومن ذلك: ما روى عن واثلة بن الأسقع قال: أتيت رسول اللهﷺ-، وهو فى نفر من أصحابه يحدثهم، فجلست وسط الحلقة، فقال بعضهم: يا واثلة قم عن هذا المجلس، فقد نهينا عنه، فقال رسول اللهﷺ-: «دعونى وإياه فإنى أعلم بالذى أخرجه من منزله» قلت: يا رسول الله ما الذى أخرجنى؟ قال: «أخرجك من منزلك لتسأل عن البر وعن الشك» قال: قلت والذى بعثك بالحق ما أخرجنى غيره، فقالﷺ-: «البر ما استقر فى الصدر، واطمأن إليه القلب، والشك ما لم يستقر فى الصدر، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون» «٢» .
_________________
(١) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٢/ ٢٧٤- ٢٧٥) وقال: رواه البزار والطبرانى فى «الكبير» بنحوه، ورجال البزار موثقون.
(٢) قلت: القصة بنحوها عند مسلم (٢٥٥٣) فى البر والصلة، باب: تفسير البر والإثم، والترمذى (٢٣٨٩) فى الزهد، باب: ما جاء فى البر والإثم، وأحمد فى «المسند» (٤/ ١٨٢) من حديث النواس بن سمعان، ولم أقف على هذه القصة عن واثلة بن الأسقع، لا صاحب الطبقات ولا صاحب الإصابة وعديد غيرهم.
[ ٣ / ١٣٣ ]
ومن ذلك: قوله لفاطمةرضي الله عنها- فى مرضه: «إنك أول أهلى لحوقا بى» «١» فعاشت بعده ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر. وقولهﷺ- لنسائه:
«أسرعكن بى لحوقا، أطولكن يدا» فكانت زينب بنت جحش لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق «٢» .
ومن ذلك، قولهﷺ- لعلى: «أتدرى من أشقى الآخرين» قلت:
الله ورسوله أعلم، قال: قاتلك. أخرجه أحمد فى المناقب. وعند ابن أبى حاتم «الذى يضربك على هذا» وأشار إلى يافوخه، وعند المحاملى: قال على: عهد إلى رسول اللهﷺ-، لتخضبن هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ورأسه، وعند الضحاك: «الذى يضربك على هذه فتبتل منها هذه» وأخذ بلحيته. فضربه عبد الرحمن بن ملجم. وعند الطبرانى وأبى نعيم، من حديث جابر مرفوعا: إنك مؤمر مستخلف، وإنك مقتول، وإن هذه مخضوبة من هذه.
وقالﷺ- لمعاوية: «أما إنك ستلى أمر أمتى من بعدى، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم» . قال معاوية: فما زلت أرجوها حتى قمت مقامى هذا «٣» . رواه ابن عساكر.
وأخرج ابن عساكر أيضا من حديث عروة بن رويم مرفوعا: لن يغلب معاوية أبدا، وإن عليّا قال يوم صفين: لو ذكرت هذا الحديث ما قاتلت معاوية.
ومن ذلك قولهﷺ-: «يقتل هذا مظلوما» وأشار إلى عثمان
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦٢٤) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (٢٤٥٠) فى فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبى- عليهما الصلاة والسلام- من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (١٤٢٠) فى الزكاة، باب: أى الصدقة أفضل ومسلم (٢٤٥٢) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل زينب أم المؤمنينرضي الله عنها-، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٣) رواه الطبرانى فى الأوسط، كما فى «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٥٦) .
[ ٣ / ١٣٤ ]
- ﵁- «١» . خرجه البغوى فى المصابيح من الحسان والترمذى وقال حسن غريب، وخرجه أحمد، فكان كما قالﷺ-، فاستشهد فى الدار وبين يديه المصحف، فنضح الدم على هذه الآية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٢» .
وفى الشفاء «٣» أنهﷺ- قال: «يقتل عثمان وهو يقرأ فى المصحف، وإن الله عسى أن يلبسه قميصا، وإنهم يريدون خلعه وإنه سيقطر دمه على قوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وقد أخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: إن رسول اللهﷺ- قال: «يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك» على قوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»
لكن قال الذهبى: إنه حديث موضوع.
وقد روى مسلم عن أسامة بن زيد أن رسول اللهﷺ- أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال: (هل ترون ما أرى، إنى لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر) «٥» فوقعت فتنة قتلة عثمان وتتابعت الفتن إلى فتنة الحرة وكانت لثلاث بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة، وجرت فيها مواقع كثيرة موجودة فى كتب التواريخ.
وأخرج البيهقى عن الحسن «٦» قال: لما كان يوم الحرة قتل أهلى، حتى لا يكاد ينفلت منهم أحد. وأخرج أيضا عن أنس بن مالك قال: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، منهم ثلاثمائة من الصحابة، وذلك فى
_________________
(١) حسن الإسناد: أخرجه الترمذى (٣٧٠٨) فى المناقب، باب: رقم (٧٧)، من حديث ابن عمررضي الله عنهما- وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال.
(٢) سورة البقرة: ١٣٧.
(٣) هو الشفاء للقاضى عياض.
(٤) سورة البقرة: ١٣٧.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (١٨٧٨) فى فضائل المدينة، باب: آطام المدينة، ومسلم (٢٨٨٥) فى الفتن، باب: نزول الفتن كمواقع القطر، وقد قصر المصنف فى عزوه إلى مسلم فقط، وهو عند البخارى أيضا. و(الأطم): هو القصد والحصن، وجمعه آطام.
(٦) هو: الحسن البصرى، من خيار أئمة التابعين.
[ ٣ / ١٣٥ ]
خلافة يزيد. وأخرج أيضا عن مغيرة قال: انتهب أبو مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام وافتض فيها ألف عذراء.
وقالﷺ- لأبى موسى وهو قاعد على قف بئر «١» أريس، لما طرق عثمان الباب «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» «٢» إشارة إلى ما تقدم من استشهاده يوم الدار بل أصرح من ذلك كله ما رواه أحمد عن ابن عمر قال ذكر رسول اللهﷺ- فتنة، فمر رجل فقال: «يقتل فيها هذا يومئذ ظلما»، قال: فنظرت فإذا هو عثمان «٣» . وإسناده صحيح.
وأخبرﷺ- بوقعة الجمل وصفين وقتال عائشة والزبير عليّا، كما أخرجه الحاكم وصححه البيهقى عن أم سلمة قالت: ذكر رسول اللهﷺ- خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة فقال: «انظرى يا حميراء أن لا تكونى أنت»، ثم التفت إلى على فقال له: «إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها» «٤» .
وعن ابن عباس مرفوعا: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب «٥»، ويقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعدما كادت» «٦» .
رواه البزار وأبو نعيم.
_________________
(١) قف البئر: أى حافتها.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦٧٤) فى فضائل الصحابة، باب: قول النبىﷺ-: «لو كنت متخذا خليلا»، ومسلم (٢٤٠٣) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمانرضي الله عنه-.
(٣) حسن: أخرجه الترمذى (٣٧٠٨) فى المناقب، باب: رقم (٧٧)، وأحمد فى «المسند» (٢/ ١١٥)، وقد تقدم قريبا.
(٤) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ١٢٩) .
(٥) الحوأب: الواسع من الأودية، وهو هنا منزل بين مكة والبصرة، وهو الذى نزلته عائشة لما جاءت إلى البصرة فى وقعة الجمل.
(٦) رجاله ثقات: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٧/ ٢٣٤) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات. اهـ. قلت: وهو عند أحمد (٦/ ٥٢ و٩٧)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٧٣٢)، والحاكم فى «المستدرك» (٣/ ١٢٩) من حديث عائشةرضي الله عنها- بسند صحيح.
[ ٣ / ١٣٦ ]
وأخرج الحاكم وصححه البيهقى عن أبى الأسود قال: شهدت الزبير خرج يريد عليّا فقال على: أنشدك الله، هل سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «تقاتله وأنت له ظالم» «١»، فمضى الزبير منصرفا. وفى رواية أبى يعلى والبيهقى قال الزبير: بلى ولكن نسيت.
ومن ذلك قولهﷺ- فى الحسن بن على: «إن ابنى هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» «٢» رواه البخارى، فكان كما قالﷺ-، لأنه لما قتل على بن أبى طالب بايع الحسن أكثر من أربعين ألفا، فبقى سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء النهر من خراسان، ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه، فلما تراء الجمعان بموضع يقال له بستكين بناحية الأنبار من أرض السواد، فعلم أن لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الآخرى، فكتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه دون غيره على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشئ مما كان فى أيام أبيه، فأجابه معاوية إلا عشرة، فلم يزل يراجعه حتى بعث إليه برق أبيض وقال: اكتب فيه ما شئت فأنا ألتزمه، واصطلحا على ذلك، فكان الأمر كما قال النبىﷺ-: «أن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» .
وأخرج الدولابى أن الحسن «٣» قال: كانت جماجم العرب بيدى يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء المسلمين.
ومن ذلك: إعلامهﷺ- بقتل الحسين بالطف، وأخرج بيده تربة وقال: فيها مضجعه، رواه البغوى فى معجمه من حديث أنس بن مالك بلفظ: استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبىﷺ- فأذن له وكان فى يوم
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٤١٣)، والبيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ٤١٥) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٧٠٤) فى الصلح، باب: قول النبىﷺ- للحسن بن علىرضي الله عنهما- ابنى هذا سيد من حديث أبى بكرةرضي الله عنه-.
(٣) الحسن هنا هو: الحسن بن علىرضي الله عنهما- الذى قيل فيه نص الحديث السابق.
[ ٣ / ١٣٧ ]
أم سلمة، فقال النبىﷺ-: «يا أم سلمة احفظى علينا الباب لا يدخل علينا أحد» فبينما هى على الباب إذ دخل الحسين فاقتحم فوثب على رسول اللهﷺ- فجعل رسول اللهﷺ- يلثمه ويقبله، فقال له الملك:
أتحبه؟ قال: «نعم»، قال: إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذى يقتل فيه، فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته فى ثوبها. قال: ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء. وخرجه أبو حاتم فى صحيحه ورواه أحمد بنحوه. والسهلة- بالكسر-: رمل خشن ليس بالدقاق الناعم.
وفى رواية الملاء، قالت ثم ناولنى كفّا من تراب أحمر، وقال: إن هذا من تربة الأرض التى يقتل بها فمتى صار دما فاعلمى أن قد قتل. قالت أم سلمة: فوضعته فى قارورة عندى وكنت أقول: إن يوما يتحول فيه دما ليوم عظيم. الحديث.
فاستشهد الحسين كما قالﷺ- بكربلاء من أرض العراق، بناحية الكوفة، ويعرف الموضع بالطف، وقتله سنان بن أنس النخعى وقيل غيره، ولما قتلوه بعثوا برأسه إلى يزيد، فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون بالرأس، فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم من حديد فكتبت سطرا بدم:
أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب
فهربوا وتركوا الرأس. أخرجه منصور بن عمار وذكر أبو نعيم الحافظ فى كتاب دلائل النبوة عن نضرة الأزدية أنها قالت: لما قتل الحسين بن على أمطرت السماء دما فأصبحنا وجبابنا وجرارنا مملوءة دما. وكذا روى فى أحاديث غير هذا وقالﷺ- لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» «١» . رواه البخارى فكان كما قالﷺ-.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٤٤٧) فى المساجد، باب: التعاون فى بناء المسجد، ومسلم (٢٩١٥) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، من حديث أبى سعيد الخدرى عن أبى قتادة الأنصارىرضي الله عنهما-.
[ ٣ / ١٣٨ ]
ومن ذلك: ما رواه أبو عمر بن عبد البر أن عبد الله بن عمر رأى رجلا مع النبىﷺ- فلم يعرفه، فقال النبىﷺ-: «أرأيته؟» قال: نعم. قال:
«ذاك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك»، فعمى فى آخر عمره.
ومن ذلك: قولهﷺ- لثابت بن قيس بن شماس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا» «١» رواه الحاكم وصححه، والبيهقى وأبو نعيم، فقتل يوم مسيلمة الكذاب باليمامة.
ومن ذلك: قوله لعبد الله بن الزبير: «ويل لك من الناس، وويل للناس منك» «٢» . فكان من أمره مع الحجاج ما كان.
ومن ذلك: حديث أبى هريرة أنهرضي الله عنه- قال: «إن هذا الدين بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا عضوضا، ثم يكون سلطانا وجبرية» «٣» . وقوله: ملكا عضوضا أى يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه عضّا.
وفى حديث سفينة عند أبى داود والترمذى قال: قال رسول اللهﷺ-: «الخلافة فى أمتى ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» «٤» . قال سعيد بن جمعان: أمسك خلافة أبى بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة على فوجدناها ثلاثين سنة، فقيل له: إن بنى أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال:
كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك «٥» .
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٢٦٠ و٢٦١) وصححهما.
(٢) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٦٣٨)، وابن أبى عاصم فى «الآحاد والمثانى» (١/ ٤١٤)، وسكت عنه الحافظان الحاكم والذهبى.
(٣) أخرجه أبو يعلى فى «مسنده» (٨٧٣)، وأبو داود فى «مسنده» (٢٢٨)، والطبرانى فى «الكبير» (١/ ١٥٦) و(٢٠/ ٥٣)، والبيهقى فى «الكبرى» (٨/ ١٥٩) من حديث أبى عبيدة ابن الجراح ومعاذ بن جبلرضي الله عنهما-، ولم أقف عليه من حديث أبى هريرة.
(٤) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٢٢٦) فى الفتن، باب: ما جاء فى الخلافة، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٢٢٠ و٢٢١)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٣٣٤١) .
(٥) ذكره الترمذى عقب الحديث السابق.
[ ٣ / ١٣٩ ]
وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس أن أم الفضل مرت بهﷺ- فقال:
إنك حامل بغلام فإذا ولدتيه فائتنى به، قالت: فلما ولدته أتيته به فأذن فى أذنه اليمنى وأقام فى اليسرى وألبأه من ريقه وسماه عبد الله وقال: اذهبى بأبى الخلفاء فأخبرت العباس فأتاه فذكر له ذلك فقال: هو ما أخبرتك، هذا أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح، حتى يكون منهم المهدى، حتى يكون منهم من يصلى بعيسى ابن مريم.
وأخرج أبو يعلى عن معاوية سمعت رسول اللهﷺ- يقول:
«لتظهرن الترك على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم» «١» .
ومن ذلك: إخبارهﷺ- بعالم المدينة، أخرج الحاكم وصححه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلم يجدوا عالما أعلم من عالم المدينة» «٢» . قال سفيان بن عيينة: نرى هذا العالم مالك بن أنس، وقال عبد الرزاق: ولم يعرف بهذا الاسم غيره ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما ضربت إليه، وقال أبو مصعب: كان الناس يزدحمون على باب مالك ويقتتلون عليه من الزحام، يعنى لطلب العلم. وممن روى عنه من الأئمة المشهورين: محمد بن شهاب الزهرى «٣»، والسفيانان والشافعى والأوزاعى إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام «٤»، وصاحباه: أبو يوسف ومحمد ابن الحسن وعبد الرحمن بن مهدى شيخ الإمام أحمد ويحيى بن يحيى شيخ
_________________
(١) لم أقف عليه فيه.
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٦٨٠) بنحوه فى العلم، باب: ما جاء فى عالم المدينة، وأحمد فى «المسند» (٢/ ٢٩٩)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ١٦٨)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات لكن فيه عنعنة ابن جريج وأبى الزبير، وهما مدلسان.
(٣) قلت: محمد بن شهاب الزهرى، من طبقة شيوخ مالك، فقد روى عنه مالك، كما روى عن مالك من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، وغالبا ما يكون ذلك من باب اعتراف الشيخ بالتلميذ.
(٤) قلت: الإمام أبو حنيفة، أسن من الإمام مالك، كما لم يثبت عنهما أنهما التقيا، فلا أظن أنه روى عنه شيئا، وكذلك صاحباه.
[ ٣ / ١٤٠ ]
البخارى، وأبو رجاء قتيبة بن سعيد شيخ البخارى، وذو النون المصرى، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن أدهم. كما نقله العلامة عيسى بن مسعود الزواوى فى كتابه «المنهج السالك إلى معرفة قدر الإمام مالك» .
وإخباره بعالم قريش؛ عن ابن مسعود قال: قال رسول اللهﷺ-:
«لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما» «١» . رواه أبو داود الطيالسى فى مسنده، وفيه الجارود مجهول، لكن له شواهد عن أبى هريرة فى تاريخ بغداد للخطيب وعن على وابن عباس فى المدخل للبيهقى. قال الإمام أحمد وغيره: هذا العالم هو الشافعى، لأنه لم ينتشر فى طباق الأرض من علم عالم قريش من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعى، وما كان الإمام أحمد ليذكر حديثا موضوعا يحتج أو يستأنس به فى أمر شيخه الشافعى. وأما قوله: «وروى عن النبىﷺ- أنه قالت عالم قريش» إلخ، بصيغة التمريض احتياطا للشك فى ضعفه، فإن إسناده لا يخلو من ضعف.
قاله العراقى ردّا على الصغانى فى زعمه أنه موضوع، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه فى كتابه سماه: لذة العيش فى طرق حديث الأئمة من قريش، كما أفاده شيخنا.
وأخبرﷺ- بأن طائفة من أمته لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتى أمر الله «٢» . رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة وبأن الله تعالى يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها «٣» . رواه الحاكم من حديث أبى هريرة. وبذهاب الأمثال فالأمثل رواه الحاكم وصححه
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الطيالسى فى «مسنده» (٣٠٩) بسند ضعيف.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٧٣١١) فى الاعتصام، باب: قول النبىﷺ-: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق» . وهم أهل العلم، ومسلم (١٩٢١) فى الإمارة، باب: قولهﷺ-: «لا تزال طائفة من أمتى» من حديث المغيرة بن شعبةرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٩١) فى الملاحم، باب: ما يذكر فى الملاحم، والحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٥٦٧ و٥٦٨)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٣ / ١٤١ ]
بلفظ: تذهبون الخير فالخير «١» . وبالخوارج رواه الشيخان من حديث أبى سعيد الخدرى بلفظ: بينما نحن عند رسول اللهﷺ- وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة، فقال: يا رسول الله، «اعدل» فقال: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر: يا رسول الله دعنى أضرب عنقه، فقالﷺ-: «دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس» «٢» .
قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول اللهﷺ-، وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول اللهﷺ- الذى نعته.
وأخبرﷺ- أيضا بالرافضة، أخرجه البيهقى عن على قال: قال رسول اللهﷺ-: «يكون فى أمتى قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام» «٣» .
وأخبر أيضا بالقدرية والمرجئة وقال: هم مجوس هذه الأمة «٤»، رواه الطبرانى فى الأوسط عن أنس.
_________________
(١) حسن: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٤٨٠)، وابن حبان فى «صحيحه» (٧٢٢٥)، والطبرانى فى «الكبير» (٥/ ٢٩)، من حديث رويفع بن ثابت الأنصارىرضي الله عنه-، والحديث حسنه لغيره الشيخ الأرناؤوط فى صحيح ابن حبان.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦١٠) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (١٠٦٤) فى الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-، وقد ذكر البخارى ومسلم تتمة كلام أبى سعيد عقب حديثه السابق.
(٣) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (١/ ١٠٣)، والبيهقى فى «الدلائل» (٦/ ٥٤٧) بسند فيه يحيى بن المتوكل، وهو ضعيف الحديث، إلا أن للحديث شواهد أخرجها أبو يعلى فى «مسنده» (٦٧٤٩) من حديث فاطمة بنت النبى﵉-، والطبرانى فى «الكبير» (١٢/ ٢٤٢)، وعبد بن حميد (٦٩٨) من حديث ابن عباسرضي الله عنهما- بأسانيد حسنها الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٢٢) .
(٤) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٩٢) فى المقدمة، باب: فى القدر، والطبرانى فى «الصغير» (١/ ٣٦٨)، من حديث جابررضي الله عنه-، من طريق بقية عن الأوزاعى عن ابن جريج عن أبى الزبير عنه، وهذا إسناد ضعيف. ولم أقف عليه من حديث أنسرضي الله عنه-، وقد رمز إليه الشيخ الألبانى بالحسن.
[ ٣ / ١٤٢ ]
وقد أخبرﷺ- أصحابه بأشياء بين موته وبين الساعة وحذر من مفاجأتها، كما يحذر من حاد عن الطاعة، وأن الساعة لا تقوم حتى تظهر جملة الأمارات فى العالم، فإذا جاءت الطامة الكبرى، يطيش منها الجاهل والعالم. كما روى من رفع الأمانة والقرآن، واشتهار الخيانة وحسد الأقران وقلة الرجال، وكثرة النسوان، إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار. وقد تعين أن نلمّ بذكر طرف من الآثار الصحاح والحسان: فروى البخارى من حديث أبى هريرة: أن رسول اللهﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج- وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم الرجل من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذى يعرضه عليه: لا أرب لى فيه، وحتى يتطاول الناس فى البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول:
يا ليتنى مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانهم لم تكون آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته ولا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» «١» .
فهذه ثلاث عشرة علامة جمعها أبو هريرة فى حديث واحد، ولم يبق بعد هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط. وقد ظهر أكثر هذه العلامات:
فأما قوله: «حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة» يريد فتنة معاوية وعلى بصفين. قال القاضى أبو بكر بن العربى: وهذا أول خطب طرق الإسلام.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٧١٢١) فى الفتن، باب: خروج النار.
[ ٣ / ١٤٣ ]
وتعقبه القرطبى بأن أول أمر دهم الإسلام موت النبىﷺ-، ثم بعد موته موت عمر، لأن بموتهﷺ- انقطع الوحى وكان أول ظهور الشر ارتداد العرب وغير ذلك، وبموت عمر سل سيف الفتنة بقتل عثمان. وكان من قضاء الله وقدره ما كان وما يكون.
وأما قوله: «دجالون كذابون قريب من ثلاثين» فقد جاء عددهم معينا من حديث حذيفة قال: قال رسول اللهﷺ-: «يكون فى أمتى دجالون كذابون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة. وأنا خاتم النبيين لا نبى بعدى» .
أخرجه الحافظ أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب قال القاضى عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عدّ من تنب من زمن النبىﷺ- إلى الآن من اشتهر بذلك لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب التاريخ عرف صحة هذا.
وقوله: «حتى يقبض العلم» فقد قبض ولم يبق إلا رسمه. وأما:
«الزلازل» فوقع منها شئ كثير، وقد شاهدنا بعضها. وأما قوله: «حتى يكثر فيكم المال فيفيض وحتى يهم رب المال من يقبل صدقته» فهذا مما لم يقع.
وقوله: «حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتنى مكانه» لما يرى من عظيم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول العلماء وغير ذلك، مما ظهر كثير منه.
وفى حديث أبى هريرة عند الشيخين أن رسول اللهﷺ- قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى» «١» .
وقد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة فى ليلة الأربعاء بعد العشاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وفى يوم الثلاثاء اشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وتتابعت حطمتها، وارتجت الأرض بمن عليها، وعجت الأصوات لباريها، ودامت الحركة إثر الحركة، حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلكة، وزلزلوا زلزالا شديدا، من جملة ثمانية عشر حركة فى يوم واحد دون ليلته.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٧١١٨) فى الفتن، باب: خروج النار، ومسلم (٢٩٠٢) فى الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز.
[ ٣ / ١٤٤ ]
قال القرطبى: وكان يأتى المدينة ببركتهﷺ- نسيم بارد، وشوهد من هذه النار غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها.
قال: وقال لى بعض أصحابنا: ولقد رأيتها صاعدة فى الهواء من مسيرة خمسة أيام. قال: وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى.
وقال الشيخ قطب الدين القسطلانى: أقامت اثنين وخمسين يوما، وكان انطفاؤها فى السابع والعشرين من رجب ليلة الإسراء والمعراج بهﷺ-.
وبالجملة فاستيفاء الكلام على هذه النار يخرج عن المقصود، وقد نبه عليه القرطبى فى التذكرة، وأفردها بالتأليف قطب الدين القسطلانى فى كتاب سماه «جمل الإيجاز فى الإعجاز بنار الحجاز» فأتى فيه من دقائق الحقائق بالعجب العجاب، والله الموفق للصواب.
[ ٣ / ١٤٥ ]
المقصد التاسع وفيه:
* فى لطيفة من عباداته.
[ ٣ / ١٤٧ ]
المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته
قال الله تعالى مخاطبا لهﷺ-: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ «١» . فأمره تعالى بعبادته حتى يأتيه الموت، وهو المراد ب «اليقين»، وإنما سمى الموت باليقين لأنه أمر متيقن. فإن قلت: ما الفائدة فى قوله: حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ»
وكان قوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ «٣» كافيا فى الأمر بالعبادة؟
أجاب القرطبى تبعا لغيره: بأنه لو قال: وَاعْبُدْ رَبَّكَ «٤» مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا، ولما قال: حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ «٥» أى اعبد ربك فى جميع زمان حياتك ولا تمل ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من هذه العبادة.
كما قال العبد الصالح: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا «٦» .
وهذا مصير منه إلى أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، وهى مسألة معروفة فى الأصول اختلف فيها. وهى: هل الأمر المطلق يفيد التكرار، أو المرة الواحدة، أو لا يفيد شيئا منها؟ على مذاهب:
الأول: أنه لا يفيد التكرار ولا ينافيه، بل إنما يفيد طلب فعل المأمور به من غير إشعار بالمرة أو المرات، لكن المرة ضرورية لأجل تحقيق الامتثال، إذ
_________________
(١) سورة الحجر: ٩٧- ٩٩.
(٢) سورة الحجر: ٩٩.
(٣) سورة الحجر: ٩٩.
(٤) سورة الحجر: ٩٩.
(٥) سورة الحجر: ٩٩.
(٦) سورة مريم: ٣١.
[ ٣ / ١٤٩ ]
لا توجد الماهية بأقل منها، وهذا مختار الإمام «١» مع نقله له على الأقلين، ورجحه الآمدى وابن الحاجب وغيرهما.
الثانى: أنه يفيد التكرار مطلقا، كما ذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينى وأبو حاتم القزوينى، فإن عيّن للتكرار أمدا استوعبه، وإلا استوعب زمان العمر، لكن بحسب الإمكان، فلا يستوعب زمن قضاء الحاجة والنوم وغيرهما من الضروريات.
الثالث: أنه يدل على المرة، حكاه الشيخ أبو إسحاق فى شرح «اللمع» عن أكثر أصحابنا وأبى حنيفة وغيرهم. وإن علق بشرط أو صفة اقتضى التكرار بحسب تكرار المعلق به، نحو وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا «٢» والزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ «٣»، انتهى ملخصا من شرح العلامة أبى الحسن الأشمونى لنظمه جمع الجوامع للعلامة ابن السبكى.
وقد روى جبير بن نفير «٤» مرسلا أن النبىﷺ- قال: «ما أوحى إلىّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إلى أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» «٥» . رواه البغوى فى شرح السنة وأبو نعيم فى الحلية عن أبى مسلم الخولانى «٦» . وقد أمر الله نبيهﷺ- فى هذه الآية بأربعة أشياء: التسبيح والتحميد والسجود والعبادة.
واختلف العلماء فى أنه كيف صار الإقبال على مثل هذه الطاعات سببا لزوال ضيق القلب والحزن.
_________________
(١) يقصد إمام الحرمين، الإمام الجوينى﵀-.
(٢) سورة المائدة: ٦.
(٣) سورة النور: ٢.
(٤) ممن أسلم قديما، إلا أنه لم يهاجر إلا فى زمن عمر بن الخطاب، ولذلك فروايته عن النبىﷺ- مرسلا، لأنها لا تكون إلا بواسطة.
(٥) أخرجه الحاكم فى تاريخه، عن أبى ذر، كما فى «كنز العمال» (٦٣٧٤) .
(٦) كالذى قبله، أسلم قديما، إلا أنه لم يدرك زمن النبىﷺ-، حيث أنه لما رحل إليه، وجده قد مات، فعلى ذلك فحديثه مرسل أيضا.
[ ٣ / ١٥٠ ]
فحكى الإمام فخر الدين الرازى عن بعض المحققين أنه قال: إذا اشتغل الإنسان بمثل هذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها، فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم. وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات، كأنه يقول: تجب على عبادتك سواء أعطيتنى الخيرات أو ألقيتنى فى المكروهات.
وقال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ «١» . فأمره تعالىﷺ- بالعبادة والمصابرة على مشاق التكاليف فى الإنذار والإبلاغ. فإن قلت: لم لم يقل: واصبر على عبادته، بل قال: وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ «٢» .
فالجواب: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن فى قولك للمحارب: اصطبر لقرنك أى: اثبت له فيما يورده عليك من مشاقه. والمعنى: أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها قاله الفخر الرازى وكذا البيضاوى.
وقال تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ «٣» . فأول درجات السير إلى الله عبودية الله تعالى، وآخرها التوكل عليه، وإذا كان العبد لا يزال مسافرا إلى ربه لا ينقطع سيره إليه ما دام فى قيد الحياة، فهو محتاج إلى زاد العبادة لا يستغنى عنه البتة، ولو أتى بأعمال الثقلين جميعا، وكلما كان العبد إلى ربه أقرب كان جهاده إلى الله أعظم، قال تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ «٤» ولهذا كان النبىﷺ- أعظم الخلق اجتهادا «٥» وقياما بوظائف العبادة، ومحافظته عليها إلى أن توفاه الله تعالى. وتأمل أصحابهرضي الله عنهم- فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب مقاما عظم جهادهم واجتهادهم.
_________________
(١) سورة مريم: ٦٥.
(٢) سورة مريم: ٦٥.
(٣) سورة هود: ١٢٣.
(٤) سورة الحج: ٧٨.
(٥) لعل الصواب: جهادا.
[ ٣ / ١٥١ ]
ولا يلتفت إلى ما يظنه بعض المنتسبين إلى التصوف حيث قال: «القرب الحقيقى ينقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ويريح الجسد والجوارح من كد العمل» . زاعما بذلك سقوط التكليف عنه. وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا، حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التى هى أمانى النفس وخدع الشيطان. فلو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة ما دام قادرا عليه.
وقد اختلف العلماء: هل كانﷺ- قبل بعثته متعبدا بشرع من قبله أم لا؟
فقال جماعة: لم يكن متعبدا بشئ، وهو قول الجمهور، واحتجوا بأنه لو كان كذلك لنقل، ولما أمكن كتمه وستره فى العادة، إذ كان من مهم أمره، وأولى ما اهتبل به من سيرته، ولفخر به أهل تلك الشريعة ولا حتجوا به عليه، ولم يؤثر بشئ من ذلك.
وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا، قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا. والتعليل الأول المستند إلى النقل أولى.
وذهب آخرون إلى الوقف فى أمرهﷺ- وترك قطع الحكم عليه بشئ من ذلك، إذ لم يحل الوجهين منها العقل، وهذا مذهب الإمام أبى المعالى إمام الحرمين وكذا الغزالى والآمدى.
وقال آخرون: كان عاملا بشرع من قبله. ثم اختلفوا: هل يتعين ذلك الشرع أم لا؟ فوقف بعضهم عن التعيين وأحجم، وجسر بعضهم على التعيين وصمم، ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع فقيل نوح، وقيل إبراهيم، وقيل موسى، وقيل عيسى.
فهذه جملة المذاهب فى هذه المسألة. والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضى أبو بكر، وأبعدها مذاهب التعيين، إذ لو كان شئ من ذلك لنقل- كما قدمناه- ولم يخف جملة، ولا حجة لهم فى أن عيسى﵇- آخر الأنبياء
[ ٣ / ١٥٢ ]
فلزمت شريعته من جاء بعده، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى، بل الصحيح أنه لم يكن لنبى دعوة عامة إلا لنبيناﷺ-. انتهى ملخصا من كلام القاضى عياض، وهو كلام حسن بديع، لكن قوله: فهذه جملة المذاهب، فيه نظر، لأنه بقى منها شئ، فقد قيل شريعة آدم أيضا، وهو محكى عن ابن برهان، وقيل جميع الشرائع. حكاه صاحب «المحصول» من المالكية.
وأما قول من قال: إنهﷺ- كان على شريعة إبراهيم، وليس له شرع منفرد به، وأن المقصود من بعثتهﷺ- إحياء شرع إبراهيم، وعول فى إثبات مذهبه على قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا «١» فهذا قول ساقط مردود، لا يصدر مثله إلا عن سخيف العقل كثيف الطبع.
وإنما المراد بهذه الآية الاتباع فى التوحيد، لأنه لما وصف إبراهيم﵇- فى هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما قال: إِنْ أَتَّبِعُ «٢» كان المراد منه ذلك. ومثله قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «٣» وقد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث ولم يكن له شريعة تخصه كيوسف بن يعقوب. على قول من يقول إنه ليس برسول «٤» . وقد سمى الله تعالى جماعة منهم فى هذه الآية وشرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فدل على أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى.
فإن قيل: النبىﷺ- إنما نفى الشرك وثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية، وإذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد، فيمتنع حمل قوله: إِنْ أَتَّبِعُ «٥» على هذا المعنى، فوجب حمله على الشرائع التى يصح حصول المتابعة فيها.
_________________
(١) سورة النحل: ١٢٣.
(٢) سورة النحل: ١٢٣.
(٣) سورة الأنعام: ٩٠.
(٤) وذلك على اعتبار من يفرق بين (الرسول) و(النبى) على أن الرسول من أوحى إليه بشئ وأمر بتبليغه، والنبى من جاء بإحياء شريعة رسول سبقته.
(٥) سورة النحل: ١٢٣.
[ ٣ / ١٥٣ ]
أجاب الفخر الرازى: بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته فى كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة، على ما هو الطريقة المألوفة فى القرآن.
وقد قال صاحب الكشاف «١»: لفظة «ثم» فى قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ «٢» تدل على تعظيم منزلة رسول اللهﷺ- وإجلال محله، فإن أشرف ما أوتى خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتى من النعمة اتباع رسول اللهﷺ- ملته، من قبل أن هذه اللفظة دلت على تباعد النعت فى المرتبة على سائر المدائح التى مدحه الله بها، انتهى.
ومراده بالمدائح: المذكورة فى قوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ «٣» .
وقال ابن العراقى فى شرح تقريب الأسانيد: وليت شعرى كيف تلك العبادة؟ وأى أنواعها هى؟ وعلى أى وجه فعلها؟ يحتاج ذلك لنقل. ولا أستحضره الآن. انتهى.
وقال شيخ الإسلام البلقينى فى شرح البخارى: لم تجئ فى الأحاديث التى وقفنا عليها كيفية تعبدهﷺ-، لكن روى ابن إسحاق وغيره أنهﷺ- كان يخرج إلى حراء فى كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، وكان من تنسك قريش فى الجاهلية أن يطعم الرجل من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، وحمل بعضهم التعبد على التفكر.
_________________
(١) هو: الإمام المعتزلى الكبير، أبو القاسم، محمود بن عمر الزمخشرى الخوارزمى، الذى ولد بها، كان رأسا فى البلاغة والعربية والمعانى والبديع، كما كان داعيا إلى الاعتزال- سامحه الله-، مات ليلة عرفة سنة ٥٣٨ هـ.
(٢) سورة النحل: ١٢٣.
(٣) سورة النحل: ١٢٠- ١٢٢.
[ ٣ / ١٥٤ ]
قال «١»: وعندى أن هذا التعبد يشتمل على أنواع: وهى الانعزال عن الناس، كما صنع إبراهيم﵇- باعتزاله قومه والانقطاع إلى الله تعالى، فإن «انتظار الفرج عبادة» «٢»، كما رواه على بن أبى طالب مرفوعا، وينضم إلى ذلك الأفكار، وعن بعضهم: كانت عبادتهﷺ- فى حراء التفكر.
انتهى.
وقد آن أن أشرع فيما قصدته على النحو الذى أردته. وقد اقتصرت من عباداته على سبعة أنواع:
النوع الأول فى الطهارة وفيه فصول:
الفصل الأول: فى ذكر وضوئه ص وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
اعلم أن الوضوء، بالضم: الفعل، وبالفتح: الماء الذى يتوضأ به، على المشهور فيهما، وهو مشتق من الوضاءة، وسمى به لأن المصلى يتنظف به فيصير وضيئا. وقد استنبط بعض العلماء- كما حكاه فى فتح البارى- إيجاب النية فى الوضوء من قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا «٣» لأن التقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها. ومثله قوله: إذا رأيت الأمير فقم، أى، لأجله.
وقال ابن القيم: لم يرو أنهﷺ- كان يقول فى أول وضوئه نويت رفع الحدث ولا غيرها، لا هو ولا أصحابه البتة، ولم يرو عنه لا بسند صحيح ولا ضعيف. انتهى.
_________________
(١) القال هنا: شيخ الإسلام البلقينى أحد شراح البخارى.
(٢) ضعيف: أخرجه ابن أبى الدنيا فى الفرج، وابن عساكر عن على، كما فى «ضعيف الجامع» (١٣٣١) وانظر رقمى (١٣٢٩ و١٣٣٠) .
(٣) سورة المائدة: ٦.
[ ٣ / ١٥٥ ]
قال: أما التلفظ بالنية فلا نعلم أنه روى عنهﷺ-، وأما كونه أتى بها فقد قال الإمام فخر الدين الرازى فى «المعالم»: اعلم أنا إذا أردنا أن نقول فى أمر من الأمور: هل فعله الرسولﷺ-؟ قلنا فى إثباته طرق:
الأول: أنا إذا أردنا أن نقول إنهﷺ- توضأ مع النية والترتيب، قلنا:
لا شك أن الوضوء مع النية والترتيب أفضل، والعلم الضرورى حاصل بأن أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوى، ولم يثبت عندنا أنه أتى بالوضوء العارى عن النية والترتيب، والشك لا يعارض اليقين، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوى، فوجب أن يجب علينا مثله.
والطريق الثانى: أن نقول: لو أنهﷺ- ترك النية والترتيب وجب علينا تركه للدلائل الدالة على وجوب الاقتداء به، ولما لم يجب علينا تركه ثبت أنه ما تركه، بل فعله. وفى الصحيحين وغيرهما من حديث عمر مرفوعا «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» «١» . قال البخارى:
«فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام» .
وأشار بذكر الوضوء إلى خلاف من لم يشترط فيه النية، كما نقل عن الأوزاعى وأبى حنيفة وغيرهما. وحجتهم: أنه ليس عبادة مستقلة، بل وسيلة إلى عبادة كالصلاة. ونوقضوا بالتيمم، فإنه وسيلة، وقد اشترط الحنفية فيه النية. واستدل الجمهور على اشتراط النية فى الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد الثواب عليه فلا بد من قصد يميزه ليحصل الثواب الموعود به.
وقوله: «إنما الأعمال بالنيات» ليس المراد منه نفى ذات العمل لأنه قد يوجد بغير نية، بل المراد نفى أحكامها كالصحة والكمال. ولكن الحمل على نفى الصحة أولى لأنه أشبه بنفى الشئ نفسه، ولأن اللفظ دل على نفى الذات بالصريح وعلى نفى الصفات بالتبع، فلما منع الدليل نفى الذات بقيت دلالته على نفى الصفات مستمرة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١) فى بدء الوحى، باب: بدء الوحى، ومسلم (١٩٠٧) فى الإمارة، باب: قولهﷺ-: «إنما الأعمال بالنية» .
[ ٣ / ١٥٦ ]
قال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية، قدروا: صحة الأعمال، والذين لم يشترطوها قدروا: كمال الأعمال. ورجح الأول لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى.
وفى هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى اشتراط النية، وليس الخلاف بينهم فى ذلك إلا فى الوسائل، وأما المقاصد فلا اختلاف بينهم فى اشتراط النية لها. ومن ثم خالف الحنفية فى اشتراطها للوضوء كما تقدم، وخالف الأوزاعى فى اشتراطها فى التيمم أيضا. نعم بين العلماء اختلاف فى اقتران النية بأول العمل كما هو معروف فى مبسوطات الفقه.
وأما قوله- أى البخارى- «فدخل فيه الإيمان»، فتوجيه دخول النية فى الإيمان على طريقة البخارى: أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب، من خشية الله وتعظيمه ومحبته والتقرب إليه، لأنها متميزة لله فلا تحتاج إلى نية تميزها، لأن النية إنما تميز العمل لله عن العمل لغيره رياء، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم عن الحمية.
وقوله أيضا: «والأحكام» أى المعاملات التى يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات فتشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها، وكل صورة لم تشترط فيها النية فذلك لدليل خاص.
وقد ذكر ابن المنير ضابطا- لما تشترط فيه النية مما لا تشترط فيه- فقال:
كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة، وتقاضته الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب.
قال: وإنما اختلف العلماء فى بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة.
قال: وأما ما كان من المعانى المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويّا، ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلى.
[ ٣ / ١٥٧ ]
وأما الأقوال، فتحتاج إلى النية فى ثلاثة مواطن: أحدها: التقرب إلى الله تعالى فرارا من الرياء، والثانى: التمييز عن الألفاظ المحتملة لغير المقصود. والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. انتهى، ذكره الحافظ ابن حجر فى فتح البارى.
وقد اختلف العلماء فى الوقت الذى وجب فيه الوضوء:
فقال بعضهم: أول ما فرض بالمدينة، وتمسك بقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ «١» الآية. ونقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة فرض عليهﷺ- وهو بمكة، كما افترضت الصلاة، وأنه لم يصل قطّ إلا بوضوء، وقال: وهذا مما لا يجهله عالم.
وقال الحاكم فى المستدرك: أهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس:
دخلت فاطمةرضي الله عنها- على النبىﷺ- وهى تبكى فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: «ائتونى بوضوء فتوضأ» «٢» . قال الحافظ ابن حجر: وذا يصلح أن يكون ردّا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ.
وقد جزم ابن الجهم المالكى بأنه كان قبل الهجرة مندوبا، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة. ورد عليه بما أخرجه ابن لهيعة فى المغازى التى يرويها عن أبى الأسود عن عروة أن جبريل﵇- علم النبىﷺ- الوضوء عند نزوله عليه بالوحى. وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضا، لكن قال: عن الزهرى عن عروة، عن أسامة بن زيد عن أبيه، وأخرجه ابن ماجه من رواية رشدين بن سعد عن عقيل عن الزهرى نحوه،
_________________
(١) سورة المائدة: ٦.
(٢) ضعيف: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (١/ ٢٦٨)، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، وقال الحاكم: حديث صحيح ولا أعلم له علة. قلت: إن مولد ابن عباسرضي الله عنهما- كان فى الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، فمتى تحمل رواية هذا الخبر فى مكة قبل الهجرة!.
[ ٣ / ١٥٨ ]
لكن لم يذكر زيد بن حارثة فى السند، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولا. ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة.
وعن أنس قال: كان رسول اللهﷺ- يتوضأ لكل صلاة. قيل له:
كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزى أحدنا الوضوء ما لم يحدث «١» . رواه البخارى وأبو داود والترمذى. وعن عثمانرضي الله عنه- أن رسول اللهﷺ- كان يتوضأ لكل صلاة. رواه الدارمى. وروى مسلم عن بريدة قال: كان رسول اللهﷺ- يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى صلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: فعلت شيئا لم تكن تفعله، فقال: «عمدا فعلته يا عمر» «٢» يعنى لبيان الجواز. وفى رواية أحمد وأبى داود، من حديث عبد الله بن أبى عامر الغسيل، أنهﷺ- أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة»
ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. واختلف العلماء فى موجب الوضوء:
فقيل: يجب بالحدث وجوبا موسعا.
وقيل: به وبالقيام إلى الصلاة معا، ورجحه جماعة من الشافعية.
وقيل: بالقيام إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه أصحاب السنن عن ابن عباس مرفوعا: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. وقد تمسك بحديث عبد الله بن أبى عامر هذا من قال بوجوب السواك عليهﷺ-، لكن فى إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس، والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢١٤) فى الوضوء، باب: الوضوء من غير حدث، وأبو داود (١٧١) فى الطهارة، باب: الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد، والترمذى (٦٠) فى الطهارة، باب: ما جاء فى الوضوء لكل صلاة.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٧٧) فى الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد.
(٣) حسن: أخرجه أبو داود (٤٨) فى الطهارة، باب: السواك، والدارمى (٦٥٨)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٢٥٨) والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٣ / ١٥٩ ]
وأخرج الطبرانى فى الأوسط والبيهقى فى السنن عن عائشة مرفوعا:
«ثلاث هن علىّ فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل» «١» . وقد روى أحمد فى مسنده بإسناد حسن من حديث واثلة بن الأسقع أن رسول اللهﷺ- قال: «أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب على» «٢» . وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس بواجب علينا. لكن حكى عن بعض الشافعية أنه أوجبه للصلاة ونوزع فيه. واتفقوا على أنه مستحب مطلقا، ويتأكد بأحوال:
منها: عند الوضوء وإرادة الصلاة.
ومنها: عند القيام من النوم، لما ثبت فى الصحيحين من حديث حذيفة أنهﷺ- (كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) «٣» لكن قد يقال:
المراد، قام من الليل للصلاة، فيكون المراد السواك للصلاة وعند الوضوء.
ومنها: قراءة القرآن، كما جزم به الرافعى.
ومنها: تغير الفم، سواء فيه تغير الرائحة أو تغير اللون، كصفرة الأسنان، كما ذكره الرافعى.
ومنها: دخول المنزل، جزم به النووى فى زيادة الروضة، لما روى مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه، من حديث عائشة، أنهﷺ- (كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك) «٤» .
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أحمد فى «المسند» (١/ ٢٣١)، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٤٤١)، والدار قطنى فى «سننه» (٢/ ٢١)، والبيهقى فى «الكبرى» (٢/ ٤٦٨) و(٩/ ٢٦٤)، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، بسند فيه أبو جناب الكلبى، اسمه يحيى بن أبى حية، ضعيف الحديث، ولم يتابع عليه.
(٢) أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ٤٩٠)، والطبرانى فى «الكبير» (٢٢/ ٧٦)، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٢/ ٩٨) وقال: وفيه ليث بن أبى سليم، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٢٤٦) فى الوضوء، باب: السواك، ومسلم (٢٥٥) فى الطهارة، باب: السواك.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٥٣) فى الطهارة، باب: السواك.
[ ٣ / ١٦٠ ]
ومنها: إرادة النوم، كما ذكره الشيخ أبو حامد «١» فى «الرونق» «٢»، وروى فيه ما رواه ابن عدى فى الكامل من حديث جابر: أن رسول اللهﷺ- كان يستاك إذا أخذ مضجعه «٣» . وفيه: حرام بن عثمان، متروك.
ومنها: الانصراف من صلاة الليل، لما روى ابن ماجه من حديث ابن عباس بإسناد صحيح قال: كان رسول اللهﷺ- يصلى بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك «٤» .
ويجزئ بكل خشن، ولو بأصبع غيره الخشنة، وقد جزم النووى فى شرح المهذب ودقائق المنهاج أنه يجزئ بها قطعا. قال فى شرح تقريب الأسانيد: وما أدرى ما وجه التفرقة بين أصبعه وأصبع غيره وكونه جزآ منه لا يظهر منه ما يقتضى منعه، بل كونها أصبعه أبلغ فى الإزالة، لأنه يتمكن بها أكثر من تمكن غيره أن يسوكه بأصبعه لا جرم. قال النووى فى شرح المهذب: المختار أجزاؤه مطلقا. قال: وبه قطع القاضى حسين والمحاملى فى اللباب والبغوى واختاره فى البحر. انتهى.
ولقد أطبق أصحاب الشافعى على استحباب «الأراك» فروى الطبرانى من حديث أبى خيرة الصنابحى- وله صحبة- حديثا قال فيه: ثم أمر لنا رسول اللهﷺ- بأراك فقال: «استاكوا بهذا» «٥» .
_________________
(١) هو: الشيخ أبو حامد الإسفرايينى الفقيه الشافعى المعروف، المتوفى سنة ٤٠٦ هـ.
(٢) الرونق: مختصر فى فروع الشافعية على طريقة اللباب للمحاملى، وقد اختلف فى مؤلفه، قيل إنه منسوب إلى الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، وقيل إنه من تصانيف أبى حاتم القزوينى كذا فى طبقات السبكى، قال ابن السبكى: وهذا غير مستبعد فإن أبا حاتم قرأ على المحاملى والرونق أشبه شئ بكلام المحاملى فى اللباب، انظر كشف الظنون (١/ ٩٣٤) .
(٣) ضعيف: لضعيف راويه.
(٤) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٢٨٨) فى الطهارة، باب: السواك، والحديث صححه الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٩٦١) .
(٥) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ٦١- ٦٢) وقال: رواه الطبرانى، وفيه جماعة لم أعرفهم.
[ ٣ / ١٦١ ]
وفى مستدرك الحاكم من حديث عائشة فى دخول أخيها عبد الرحمن ابن أبى بكر فى مرضهﷺ- ومعه سواك من أراك، فأخذته عائشة فطيبته ثم أعطته رسول اللهﷺ- فاستاك به «١» . والحديث فى الصحيح وليس فيه ذكر الأراك. وفى بعض طرقه عند البخارى: ومعه سواك من جريد النخل.
وقد روى أبو نعيم فى كتاب السواك، من حديث عائشة قالت: كان النبىﷺ- يستاك عرضا «٢»، وروى البيهقى أيضا من حديث ربيعة بن أكثم قال: كان رسول اللهﷺ- يستاك عرضا الحديث.
قال أصحابنا: والمراد بقوله «عرضا»: عرض الأسنان فى طول الفم.
وهل الأولى أن يباشر المستاك بيمينه أو شماله؟ قال بعضهم بيمينه، لحديث:
كان يعجبه التيمن فى ترجله وتنعله وطهره وسواكه. وبناه بعضهم على أنه هل هو من باب التطهير والتطيب، أو من باب إزالة القاذورات. فإن قلنا بالأول استحب أن يكون باليمنى، وإن قلنا بالثانى فبشماله لحديث عائشة:
كانت يد رسول اللهﷺ- اليمين لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه وما كان من أذى «٣» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قال فى شرح تقريب الأسانيد: وما استدل به على أنه يستحب باليمين ليس فيه دلالة، فإن المراد منه بالشق الأيمن فى الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى فى التطهير، والبداءة بالجانب الأيمن فى الاستياك، وأما كونه يفعل ذلك بيمينه فيحتاج إلى نقل، والظاهر أنه من باب إزالة الأذى
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٨)، وهو فى صحيح البخارى (٨٩٠) فى الجمعة، باب: من تسوك بسواك غيره، بدون ذكر (الأراك) ورواية (جريد النخل) عند البخارى (٤٤٥١) .
(٢) ضعيف: أخرجه البغوى وابن قانع والطبرانى فى الكبير وابن السنى وأبو نعيم فى الطب عن بهز، والبيهقى فى السنن عن ربيعة بن أكثم، كما فى «ضعيف الجامع» (٤٥٥٢) .
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٣ و٣٤) فى الطهارة، باب: كراهية مس الذكر باليمين فى الاستبراء، وأحمد فى «المسند» (٦/ ١٥٦ و١٧٠ و٢٦٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٣ / ١٦٢ ]
كالامتخاط ونحوه فيكون باليسرى. وقد صرح بذلك أبو العباس أحمد القرطبى فقال فى «المفهم» حكاية عن مالك: أنه لا يتسوك فى المساجد لأنه من باب إزالة القذر والله أعلم.
وأما مقدار ما كانﷺ- يتوضأ أو يغتسل به من الماء:
فعن أنس قال: كان رسول اللهﷺ- يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد، وفى رواية: كان يغتسل بخمسة مكاكيك ويتوضأ بمكوك «١» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود وعنده: يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع. ورواه الترمذى وعنده: أنهﷺ- قال: «يجزئ فى الوضوء رطلان من الماء» «٢» . وعن عائشة قالت: كانﷺ- يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد «٣» . رواه أبو داود. وعن ابن عباس، أن النبىﷺ- وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد «٤» . والصاع: خمسة أرطال وثلث، برطل بغداد، وهو على ما قاله النووى مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم.
وحذرﷺ- أمته من الإسراف فيه.
ومر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟» قال: أفى الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار» «٥»، رواه أحمد بإسناد لين، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠١) فى الوضوء، باب: الوضوء بالمد، ومسلم (٣٢٥) فى الحيض، باب: القدر المستحب من الماء فى غسل الجنابة، وأبو داود (٩٥) فى الطهارة، باب: ما يجزئ من الماء من الوضوء.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذى (٦٠٩) فى الجمعة، باب: قدر ما يجزئ من الماء فى الوضوء، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٩٢) فى الطهارة، باب: ما يجزئ من الماء فى الوضوء، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٢٥٣) فى الغسل، باب: الغسل بالصاع ونحوه، ومسلم (٣٢٢) فى الحيض، باب: القدر المستحب من الماء فى غسل الجنابة.
(٥) ضعيف: أخرجه أحمد فى «المسند» (٢/ ٢٢١)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصرضي الله عنه-، بسند فيه ضعف.
[ ٣ / ١٦٣ ]
وقالﷺ-: «إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء» «١» . رواه الترمذى من حديث أبى بن كعب.
الفصل الثانى فى وضوئه ص مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا
عن ابن عباس قال: توضأ رسول اللهﷺ- مرة مرة «٢» . رواه البخارى وأبو داود وغيرهما. وهو بيان لمجمل قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا «٣» الآية. إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا يتعين بعدد، فبين الشارع أن المرة الواحدة، للإيجاب، وما زاد عليها للاستحباب. وأما حديث أبى بن كعب أنهﷺ- دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» «٤»، ففيه بيان القول والفعل معا، لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه، وله طرق أخرى كلها ضعيفة، كما قال فى فتح البارى.
وعن عبد الله بن زيد أن رسول اللهﷺ- توضأ مرتين مرتين وقال:
«نور على نور» «٥» ذكره رزين، وعن عثمانرضي الله عنه- أن رسول اللهﷺ-
_________________
(١) ضعيف جدّا: أخرجه الترمذى (٥٧) فى الطهارة، باب: ما جاء فى كراهية الإسراف فى الوضوء بالماء، وابن ماجه (٤٢١) فى الطهارة، باب: ما جاء فى القصد فى الوضوء وكراهة التعدى فيه، وأحمد فى «المسند» (٥/ ١٣٦)، بسند ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (١٥٧) فى الوضوء، باب: الوضوء مرة مرة.
(٣) سورة المائدة: ٦.
(٤) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٤٢٠) فى الطهارة، باب: ما جاء فى الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، والدار قطنى في «سننه» (١/ ٨١)، وقال البوصيرى فى الزوائد. فى إسناده زيد هو العمى، ضعيف، وكذا الراوى عنه، ورواه الإمام أحمد فى مسنده عن أبى إسرائيل عن زيد العمى عن نافع عن ابن عمر.
(٥) صحيح دون طرفه الأخير: والحديث أخرجه البخارى (١٥٨) فى الوضوء، باب: الوضوء مرتين مرتين، ولم أقف على زيادة «نور على نور» .
[ ٣ / ١٦٤ ]
توضأ ثلاثا ثلاثا «١» . رواه أحمد ومسلم. وعنه أن رسول اللهﷺ- توضأ ثلاثا وقال: «هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى ووضوء إبراهيم» «٢» .
ذكره رزين، وضعفه النووى فى شرح مسلم كما حكاه فى مشكاة المصابيح.
ولم يأت فى شئ من الأحاديث المرفوعة فى صفة وضوئهﷺ- أنه زاد على ثلاث، بل روى عنه أنه نهى عن الزيادة على الثلاث.
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبىﷺ- توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: «من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» «٣»، رواه أبو داود بإسناد جيد، لكن عده مسلم فى جملة ما أنكروه على عمرو بن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة.
وأجيب: بأنه أمر نسبى، والإساءة تتعلق بالنقص والظلم بالزيادة، وقيل: فيه حذف تقديره: من نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه أبو نعيم عن حماد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعا: «الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، فإن نقص من واحدة أو زاد على الثلاث فقد أخطأ» «٤» وهو مرسل رجاله ثقات.
وأجيب عن الحديث أيضا: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم يقتصر على قوله: فمن زاد فقط، كذا رواه ابن خزيمة فى صحيحه. قال الشافعى: لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث، فإن زاد أكرهه، أى لم أحرمه، لأن قوله: لا أحب، يقتضى الكراهة وهذا هو الأصح عند الشافعية أنه يكره كراهة تنزيه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٠) فى الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.
(٢) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٤١٩) فى الطهارة، باب: ما جاء فى الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، والدار قطنى فى «سننه» (١/ ٧٩- ٨١)، من حديث ابن عمر، ولم أجده من حديث عثمان، وقال البوصيرى فى «الزوائد» فى الإسناد زيد العمى وهو ضعيف، وعبد الرحيم متروك، بل كذاب، ومعاوية بن قرة لم يلق ابن عمر، قاله أبو حاتم فى العلل وصرح به الحاكم فى المستدرك.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٣٥) فى الطهارة، باب: الوضوء ثلاثا ثلاثا.
(٤) المطلب بن حنطب، مختلف فى صحبته بين من أثبتها وبين من نفاها، وعلى ذلك فمن الممكن أن يكون حديثه موصولا.
[ ٣ / ١٦٥ ]
وحكى الدارمى من الشافعية عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء، كالزيادة فى الصلاة، وهو قياس فاسد. وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث. وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم.
ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق.
الفصل الثالث فى صفة وضوئه ﷺ
عن عثمان بن عفانرضي الله عنه- أنه دعا بإناء فأفرغ على يديه ثلاث مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه فى الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول اللهﷺ-: «من توضأ نحو وضوئى هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» «١» رواه البخارى.
وقد استدل بعضهم بقوله: «ثم أدخل يمينه» على عدم اشتراط نية الاغتراف. ولا دلالة فيه نفيّا ولا إثباتا، وأما اشتراط نية الاغتراف فليس فى هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها. قال الغزالى: مجرد الاغتراف لا يصيّر الماء مستعملا، لأن الاستعمال إنما يقع فى المغترف منه. وبهذا قطع البغوى.
وقد ذكروا فى حكمة تأخير غسل الوجه، أنه لاعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح بالأنف. فقدمت المضمضة والاستنشاق قبل الوجه، وهو مفروض احتياطا للعبادة.
وقال النووى فى قوله: «نحو وضوئى»، إنما لم يقلﷺ-: مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره. لكن تعقبه فى «فتح البارى» بأنه ثبت
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١٦٠) فى الوضوء، باب: الوضوء ثلاثا ثلاثا.
[ ٣ / ١٦٦ ]
التعبير بها فى رواية البخارى فى الرقاق من طريق معاذ بن عبد الرحمن عن حمران بن عثمان ولفظه: «من توضأ مثل وضوئى هذا» . وفى الصيام من رواية معمر: «من توضأ وضوئى هذا»، قال: وعلى هذا فالتعبير بنحو من تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازا، ولأن «مثل» وإن كانت تقتضى المساواة ظاهرا، لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود، انتهى.
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصارى، أنه قيل له: توضأ لنا وضوء رسول اللهﷺ-، فدعا بإناء، فأكفأ على يديه فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فتمضمض واستنشق من كف واحد ففعل ذلك ثلاثا «١» . ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا. ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح رأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول اللهﷺ-.
وفى رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذى بدأ منه «٢» . رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود والترمذى والنسائى. وفى رواية لأبى داود: ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه فى صماخى أذنيه.
وفى رواية أبى داود والترمذى والنسائى عن عبد خير، أبى عمارة بن زيد بن خولى- بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء- الهمدانى،
_________________
(١) زيادة من مصادر التخريج.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (١٨٥) فى الوضوء، باب: مسح الرأس كله، ومسلم (٢٣٥) فى الطهارة، باب: وضوء النبىﷺ-، وأبو داود (١١٨- ١٢٠) فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبىﷺ-، والترمذى (٣٢) فى الطهارة، باب: ما جاء فى مسح الرأس أنه يبدأ بمقدم الرأس إلى مؤخره، والنسائى (١/ ٧١) فى الطهارة، باب: حد الغسل، وباب: صفة مسح الرأس، وابن ماجه (٤٣٤) فى الطهارة، باب: ما جاء فى مسح الرأس، ومالك (١/ ١٨) فى الطهارة، باب: العمل فى الوضوء.
[ ٣ / ١٦٧ ]
من كبار أصحاب على بن أبى طالب، قال: أتانا على وقد صلى، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهور وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتى بإنا فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من الكف الذى يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم جعل يده اليمنى فى الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله اليسرى ثلاثا، وقال: من سره أن يعلم وضوء رسول اللهﷺ- فهو هذا «١» .
وقال ابن القيم: والصحيح أنهﷺ- لم يكرر مسح رأسه، انتهى.
وقال النووى: والأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة وفى بعضها الاقتصار على قوله: مسح. واحتج الشافعى بحديث عثمانرضي الله عنه- فى صحيح مسلم أنهﷺ- توضأ ثلاثا ثلاثا، وبالقياس على باقى الأعضاء، انتهى.
وأجيب: بأنه مجمل مبين فى الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب ويخص بالمغسول، وبأن المسح مبنى على التخفيف فلا يقاس على الغسل الذى المراد منه المبالغة فى الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر فى المسح لصار فى صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء.
واحتج الشافعية أيضا بما رواه أبو داود فى سننه عن عثمان من وجهين، صحح أحدهما ابن خزيمة: أنهﷺ- مسح رأسه ثلاثا «٢» . وفى رواية أبى داود والترمذى من حديث الربيع بنت معوذ: فغسل كفيه ثلاثا، ووضأ وجهه ثلاثا، وتمضمض واستنشق مرة، ووضأ يديه ثلاثا، ومسح رأسه مرتين بدأ
_________________
(١) حسن: أخرجه أبو داود (١١٦) مختصرا فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبىﷺ-، والترمذى (٤٨) فى الطهارة، باب: ما جاء فى وضوء النبىﷺ-، والنسائى (١/ ٧٠) فى الطهارة، باب: عدد غسل اليدين، وأحمد فى «المسند» (١/ ١٢٧) بسند حسن.
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (١١٠) فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبىﷺ-، بسند فيه عامر بن شقيق بن جمرة، ضعيف الحديث.
[ ٣ / ١٦٨ ]
بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كليهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثا ثلاثا» .
وقد أجاب العلماء عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز، ويؤيده رواية مرتين هذه. وقال ابن السمعانى- كما حكاه فى فتح البارى- اختلاف الرواية يحمل على التعدد، فيكون مسح تارة مرة، وتارة ثلاثا، فليس في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد، ويحتج للتعدد بالقياس على المغسول، لأن الوضوء طهارة حكمية، ولا فرق فى الطهارة الحكمية بين الغسل والمسح.
قال «٢»: ومن أقوى الأدلة على عدم التعدد، الحديث المشهور الذى صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاصى فى صفة الوضوء بعد أن فرغ: «من زاد على هذا فقد أساء وظلم» «٣» فإن فى رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة فى مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من الأحاديث فى تثليث المسح، إن صحت- على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس، جمعا بين الأدلة. انتهى.
وفى حديث عبد الله بن زيد- عند البخارى- الذى ذكرته قبل: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر. وفى رواية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما فى المكان الذى بدأ منه. وزاد ابن الطباع بعد قوله:
«ثم مسح رأسه» كله، كما هو فى رواية ابن خزيمة. وفى رواية غيره- كما
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٢٦- ١٣١) فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبىﷺ-، والترمذى (٣٣) فى الطهارة، باب: ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس، وابن ماجه (٣٩٠) فى الطهارة، باب: الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه، و(٤٣٨) باب: ما جاء فى مسح الرأس، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٣٧٩) بسند فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال مشهور، ولا سيما إذا عنعن.
(٢) القائل هنا: هو الحافظ ابن حجر صاحب فتح البارى.
(٣) تقدم: وفيه ضعف بهذه الزيادة.
[ ٣ / ١٦٩ ]
قدمته-: «برأسه» بزيادة الباء، موافقة لقوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ «١» .
قال البيضاوى: «الباء» أى فى الآية مزيدة، وقيل: للتبعيض، فإنه الفارق بين قولك، مسحت المنديل وبالمنديل، ووجه أن يقال: إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فلكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضى الاستيعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رؤوسكم فإنه كقوله:
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، انتهى.
وقال الشافعى: احتمل قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ «٢» جميع الرأس أو بعضه، فدلت السنة على أن بعضه يجزئ، والفرق بينه وبين قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ «٣» فى التيمم، أن المسح فيه بدل عن الغسل، ومسح الرأس أصل فافترقا. ولا يرد كون مسح الخف بدلا عن غسل الرجل، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع.
وقد روى من حديث عطاء أنهﷺ- توضأ، فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه، وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولا أخرجه أبو داود من حديث أنس «٤»، وفى إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، لكن اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة وهذا مثال لما ذكره الشافعى من أن المرسل يعضد بمرسل آخر أو مسند.
وفى الباب أيضا عن عثمان فى صفة الوضوء قال: ومسح مقدم رأسه،
_________________
(١) سورة المائدة: ٦.
(٢) سورة المائدة: ٦.
(٣) سورة المائدة: ٦.
(٤) حديث أنس أخرجه أبو داود (١٤٧) فى الطهارة، باب: المسح على العمامة وابن ماجه (٥٦٤) فى الطهارة، باب: ما جاء فى المسح على العمامة، والحديث فى إسناده أبو معقل الراوى عن أنس مجهول، والراوى عنه عبد العزيز بن مسلم مقبول الحديث، قاله الحافظ فى «التقريب» (٤١٢٣) .
[ ٣ / ١٧٠ ]
أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبى مالك مختلف فيه.
وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك قاله ابن حزم. قال الحافظ ابن حجر:
وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره. انتهى.
واختلف فى القدر الواجب فى مسح الرأس، فذهب الشافعى وجماعة إلى أن الواجب ما ينطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة أخذا باليقين. وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعابه أخذا بالاحتياط. وقال أبو حنيفة فى رواية: الواجب ربعه، لأنهﷺ- مسح على ناصيته وهو قريب من الربع. والله أعلم.
وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: دخلت على رسول اللهﷺ- وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق «١» . رواه أبو داود. وعنه أيضا قال: إن رسول اللهﷺ- توضأ، فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد «٢» . رواه ابن ماجه.
وفى حديث مسلم أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه فى الإناء فمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاث مرات. وفى حديث عبد الله بن زيد عند البخارى: ثم غسل ومضمض واستنشق من كف واحد ثم قال: هكذا وضوء رسول اللهﷺ- «٣» . قال النووى: فيه أن السنة فى المضمضة والاستنشاق، أن يأخذ الماء لهما بيمينه، قال: وفى الأفضل فى كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه:
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٣٩) فى الطهارة، باب: فى الفرق بين المضمضة والاستنشاق، والبيهقى فى «الكبرى» (١/ ٥١) وقال: قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: أن ابن عيينة كان ينكره ويقول: أيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده.
(٢) قلت: هو عند ابن ماجه (٤٠٤) فى الطهارة، باب: المضمضة والاستنشاق من كف واحد، من حديث علىرضي الله عنه-، وذكر حديثان معه فى نفس الباب ليس فيها أحد من طريق طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده.
(٣) تقدم حديثى عثمان وعبد الله بن زيدرضي الله عنهما-.
[ ٣ / ١٧١ ]
الأصح: يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق.
والثانى: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا.
والثالث: يجمع أيضا بغرفة، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق.
والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثا، ثم يستنشق من الآخرى ثلاثا.
والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات.
قال: والصحيح الأول: وبه جاءت الأحاديث الصحيحة. وقد ذهب الإمام أحمد وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق، وهو أن يبلغ الماء إلى خياشمه، مستدلين بقولهﷺ- فى حديث أبى هريرة: «إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه ماء ثم ليستنثر» «١» لظاهر الأمر. وحمله الجمهور ومالك والشافعى وأهل الكوفة على الندب، لقولهﷺ- للأعرابى: «توضأ كما أمر الله» «٢»، وليس فى الآية المائدة: ٦ ذكر الاستنشاق، والله أعلم.
وعند أبى داود: كانﷺ- يمسح الماقين «٣» . وعن عثمان أنهﷺ-
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١٦٢) فى الوضوء، باب: الاستجمار وترا، ومسلم (٢٣٧) فى الطهارة، باب: الإيتار فى الاستنثار والاستجمار.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٨٦١) فى الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه فى الركوع والسجود، من حديث رفاعة بن رافعرضي الله عنه-، والحديث صححه الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٣٤) فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبىﷺ-، وابن ماجه (٤٤٤) فى الطهارة، باب: الأذنان من الرأس، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٢٥٨ و٢٦٤)، من حديث أبى أمامةرضي الله عنه-، والراوى عنه شهر بن حوشب، وفيه مقال مشهور.
[ ٣ / ١٧٢ ]
كان يخلل لحيته «١»، رواه الترمذى وابن ماجه. وعنده من حديث ابن عمر:
كانﷺ- إذا توضأ عرك «٢» عارضيه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها «٣» . وعن أنس كان رسول اللهﷺ- إذا توضأ أخذ كفّا من ماء فيدخله تحت حنكه ويخلل به لحيته ويقول: «بهذا أمرنى ربى ﷿» «٤» رواه أبو داود. وعن أبى رافع: كانﷺ- إذا توضأ حرك خاتمه «٥» . رواه ابن ماجه والدار قطنى وضعفه. وعن المستورد بن شداد: كانﷺ- إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره «٦»، رواه الترمذى وأبو داود وابن ماجه.
وعن عائشة: كانت يد رسول اللهﷺ- اليمنى لطهوره وطعامه. وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى «٧» .
وعن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول اللهﷺ- فى سفر، وأنه ذهب لحاجة له وأن المغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ «٨» . رواه
_________________
(١) حسن: أخرجه الترمذى (٣١) فى الطهارة، باب: ما جاء فى تخليل اللحية، وابن ماجه (٤٣٠) فى الطهارة، باب: ما جاء فى تخليل اللحية، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح.
(٢) عرك: أى دلك.
(٣) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٤٣٢) فى الطهارة، باب: ما جاء فى تخليل اللحية، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجه» .
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (١٤٥) فى الطهارة، باب: تخليل اللحية، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٥) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٤٤٩) فى الطهارة، باب: تخليل الأصابع، والدار قطنى فى «سننه» (١/ ٨٣) وقال البوصيرى فى «الزوائد»: إسناده ضعيف، لضعف معمر وأبيه محمد بن عبيد الله.
(٦) حسن: أخرجه أبو داود (١٤٨) فى الطهارة، باب: غسل الرجلين، والترمذى (٤٠) فى الطهارة، باب: ما جاء فى تخليل الأصابع، وابن ماجه (٤٤٦) فى الطهارة، باب: تخليل الأصابع، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٢٢٩)، وقال الترمذى: حديث حسن غريب، وهو كما قال.
(٧) صحيح: وقد تقدم.
(٨) صحيح: أخرجه البخارى (١٨٢) فى الطهارة، باب: الرجل يوضئ صاحبه، ومسلم (٢٧٤) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين.
[ ٣ / ١٧٣ ]
البخارى ومسلم. وعن صفوان بن عسال: صببت على النبىﷺ- الماء فى السفر والحضر فى الوضوء «١» . رواه ابن ماجه. وفى ذلك جواز استعانة الرجل بغيره فى صب الماء فى الوضوء من غير كراهة، وكذا إحضار الماء من باب أولى، ولا دليل فى هذين الحديثين لجواز الإعانة المباشرة.
وقد روى الحاكم فى المستدرك، من حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت:
أتيت النبىﷺ- بوضوء فقال: «أمسكى»، فمسكت عليه. وهذا أصرح فى عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه فى الحضر، ولكونه بصيغة الطلب، والله أعلم.
وفى الترمذى، من حديث معاذ بن جبل: كانﷺ- إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه «٢» . وعن عائشة: كانت لهﷺ- خرقة ينشف بها بعد الوضوء «٣» . قال الترمذى: هذا الحديث ليس بالقائم، وأبو معاذ الراوى ضعيف عند أهل الحديث.
وقد احتجمﷺ- ولم يتوضأ، ولم يزد، على غسل محاجمه «٤»، رواه الدار قطنى. وأكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ «٥» . رواه البخارى ومسلم. وللنسائى: قال كان آخر الأمرين من رسول اللهﷺ- ترك الوضوء
_________________
(١) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٩١) فى الطهارة، باب: الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه، وفى إسناده حذيفة بن أبى حذيفة، لم يعرف إلا بهذا الحديث، ولذا قال عنه الحافظ فى «التقريب» (١١٥٥): مقبول، أى: عند المتابعة.
(٢) إسناده ضعيف: أخرجه الترمذى (٥٤) فى الطهارة، باب: ما جاء فى المنديل بعد الوضوء، وقال الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى»: إسناده ضعيف.
(٣) ضعيف: أخرجه الترمذى (٥٣) فيما سبق، وقال الترمذى: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبىﷺ- فى هذا الباب شئ، وهو كما قال.
(٤) ضعيف: أخرجه الدار قطنى فى «سننه» (١/ ١٥١، ١٥٢) وضعفه.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠٧) فى الوضوء، باب: إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، ومسلم (٣٥٤) فى الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار، من حديث عبد الله بن عباسرضي الله عنهما-.
[ ٣ / ١٧٤ ]
مما غيرت النار «١» . وشربﷺ- لبنا ولم يتمضمض ولم يتوضأ وصلى «٢» . رواه أبو داود، وأتى بالسويق فأمر به فثرى فأكل منه، ثم قام إلى المغرب فتمضمض «٣» . رواه البخارى ومالك والنسائى. وكانﷺ- إذا قام من النوم ربما توضأ، وربما لم يتوضأ، لأن عينه تنام ولا ينام قلبه «٤» كما فى البخارى وغيره. وفيه دليل على أن النوم ليس حدثا بل مظنة الحدث، فلو أحدث لعلم بذلك فتكون الخصوصية شعوره بالوقوع بخلاف غيره. قال الخطابى: وإنما منع قلبه النوم ليعى الوحى الذى يأتيه فى منامه.
الفصل الرابع فى مسحه ص على الخفين
اعلم أنه قد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه قد روى عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وقد أشار الشافعى فى الأم إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقا،
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (١٩٢) فى الطهارة، باب: فى ترك الوضوء مما مست النار، والنسائى (١/ ١٠٨) فى الطهارة، باب: ترك الوضوء مما غيرت النار، من حديث جابررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (١٩٧) فى الطهارة، باب: الرخصة فى ذلك، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» وهو فى الصحيحين عن ابن عباس بلفظ: «ثم دعا بماء فتمضمض» .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠٩) فى الوضوء، باب: من مضمض من السويق ولم يتوضأ، والنسائى (١/ ١٠٨) فى الطهارة، باب: المضمضة من السويق، ومالك فى «الموطأ» (١/ ٢٦)، من حديث سويد بن النعمانرضي الله عنه-.
(٤) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٣٥٦٩) فى المناقب، باب: كان النبىﷺ- تنام عيناه ولا ينام قلبه، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
[ ٣ / ١٧٥ ]
وثانيهما: للمسافر دون المقيم، وهذا الثانى مقتضى ما فى «المدونة»، وبه جزم ابن الحاجب.
وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل، المسح على الخفين أو نزعهما وغسل الرجلين؟ والذى اختاره: أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. وقال النووى: مذهب أصحابنا أن الغسل أفضل لكونه الأصل، لكن بشرط أن لا يترك المسح.
وقد تمسك من اكتفى بالمسح بقوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ «١» عطفا على وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ «٢» . فذهب إلى ظاهرها جماعة من الصحابة والتابعين، وحكى عن ابن عباس فى رواية ضعيفة، والثابت عنه خلافه.
وعن عكرمة والشعبى وقتادة: الواجب الغسل أو المسح. وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما. وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة من فعلهﷺ- كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-، فإنه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبة.
منها: أنه قرئ وَأَرْجُلَكُمْ»
بالنصب عطفا على أيديكم.
وقيل: إنه معطوف على محل بِرُؤُسِكُمْ «٤»، كقوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ «٥» بالنصب.
وقيل: المسح فى الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين، فحملوا قراءة «الجر» على مسح الخفين، وقراءة «النصب» على غسل الرجلين. وجعل البيضاوى «الجر» على الجوار، قال: ونظيره فى القرآن كقوله
_________________
(١) سورة المائدة: ٦.
(٢) سورة المائدة: ٦.
(٣) سورة المائدة: ٦.
(٤) سورة المائدة: ٦.
(٥) سورة سبأ: ١٠.
[ ٣ / ١٧٦ ]
تعالى: عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ «١» وَحُورٌ عِينٌ «٢» بالجر فى قراءة حمزة والكسائى. وقولهم «جحر ضب خرب» وللنحاة باب فى ذلك. وفائدته:
التنبيه على أنه ينبغى أن يقتصد فى صب الماء عليهما ويغسلا غسلا يقرب من المسح. انتهى.
وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول اللهﷺ- غزوة تبوك، فتبرز رسول الله قبل الغائط فحملت معه إداوة- قبل الفجر- فلما رجع أخذت أهريق على يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده من تحت الجبة؛ وألقى الجبة على منكبيه وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: «دعهما فإنى أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما، ثم ركب وركبت» «٣» . الحديث رواه مسلم.
وعند الترمذى من حديث المغيرة أيضا أنهﷺ- مسح على الخفين على ظاهرهما «٤» . وعند أبى داود من حديثه أيضا: ومسح﵊- على الجوربين والنعلين «٥» . وعنه قال: مسح رسول اللهﷺ- على الخفين، فقلت: يا رسول الله، نسيت، فقال: «بل أنت نسيت، بهذا أمرنى ربى ﷿» «٦» . رواه أبو داود وأحمد. وعن عمرو بن أمية
_________________
(١) سورة هود: ٢٦.
(٢) سورة الواقعة: ٢٢.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦٣) فى الصلاة، باب: الصلاة فى الجبة الشامية، ومسلم (٢٧٤) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين.
(٤) صحيح: أخرجه الترمذى (٩٨) فى الطهارة، باب: ما جاء فى المسح على الخفين ظاهرهما، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٥) صحيح: أخرجه أبو داود (١٥٩) فى الطهارة، باب: المسح على الجوربين، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٦) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٥٦) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين، وأحمد فى «المستدرك» (٤/ ٢٥٣) من حديث المغيرة بن شعبةرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
[ ٣ / ١٧٧ ]
الضمرى قال: رأيتهﷺ- يمسح على عمامته وخفيه «١» . رواه البخارى.
وقال على بن أبى طالب: جعلﷺ- المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم «٢» . رواه مسلم.
الفصل الخامس فى تيممه ﷺ
اعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من خصائص هذه الأمة. وأجمعوا على أن التيمم لا يكون إلا فى الوجه واليدين، سواء كان عن حدث أكبر، أو عن حدث أصغر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها. واختلفوا فى كيفيته: فمذهبنا ومذهب الأكثرين، أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين «٣» .
وعن حذيفة قال: قال رسول اللهﷺ-: «فضلنا على الناس بثلاث:
جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» «٤» رواه مسلم. وفى رواية أبى أمامة عند البخارى: «جعلت الأرض كلها لى ولأمتى مسجدا وطهورا» «٥» . وهذا
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠٥) فى الوضوء، باب: المسح على الخفين، وابن ماجه (٥٦٢) فى الطهارة، باب: ما جاء فى المسح على العمامة، وأحمد فى «المسند» (١/ ٢٠٤ و٢٠٥) .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٧٦) فى الطهارة، باب: التوقيت فى المسح على الخفين.
(٣) قال الألبانى فى «الإرواء» (١/ ١٨٥)، واعلم أنه قد روى هذا الحديث عن عمار بلفظ ضربتين، كما وقع فى بعض طرقه إلى المرفقين، وكل ذلك معلول لا يصح، قال الحافظ فى «التلخيص» (١/ ١٥٣): وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة، وما روى عنه من ضربتين فكلها مضطربة، وقد جمع البيهقى طرق حديث عمار فأبلغ.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٥٢٢) فى المساجد، باب: رقم (١) .
(٥) قلت: الحديث عند أحمد فى «المسند» (٥/ ٢٤٨)، وليس فى البخارى كما قال المصنف، والحديث صححه الألبانى فى «الإرواء» (١٥٢) .
[ ٣ / ١٧٨ ]
عام، وحديث حذيفة خاص، فينبغى أن يحمل العام عليه، فتختص الطهورية بالتراب. ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ «التربة» على خصوصية التيمم بالتراب، بأن قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
وأجيب: بأنه ورد فى الحديث بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره.
وفى حديث على «وجعل لى التراب طهورا» أخرجه أحمد والبيهقى بإسناد حسن. وعن عمار: قال رجل لعمر بن الخطاب: إنى أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا فى سفر، أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبىﷺ- فقال: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضرب النبىﷺ- بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه «١» رواه البخارى ومسلم.
واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب، وسقوط استحباب التكرار فى التيمم لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف. وعن أبى الجهيم بن الحارث بن الصمة قال: مررت على النبىﷺ- وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد على، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على، رواه البغوى فى شرح السنة وقال: حديث حسن. وهذا محمول على أن الجدار كان مباحا، أو مملوكا لإنسان كان يعرف رضاه.
الفصل السادس فى غسله ﷺ
والغسل- بضم الغين- اسم للاغتسال. وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح، حكاه ابن سيده وغيره.
وقيل: المصدر بالفتح، والاغتسال بالضم. وقيل: الغسل- بالفتح-: فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذى يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٣٨) فى التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما، ومسلم (٣٦٨) فى الحيض، باب: التيمم.
[ ٣ / ١٧٩ ]
كالإشنان. وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء. وحقيقة الاغتسال:
غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية.
ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا «١» وقوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا «٢» . ففى الآية الأولى إجمال، وهو قوله تعالى: فَاطَّهَّرُوا «٣» بينه قوله فى الآية الثانية: حَتَّى تَغْتَسِلُوا «٤» . ويؤيده قوله تعالى فى الحائض: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ «٥» المفسر ب «اغتسلن» . اتفاقا.
وقد كان رسول اللهﷺ- يطوف على نسائه بغسل واحد «٦» . رواه مسلم من حديث أنس. وعن أبى رافع: طافﷺ- ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلا واحدا آخرا، قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» «٧» . رواه أحمد وأبو داود والنسائى.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين وأما الوضوء
_________________
(١) سورة المائدة: ٦.
(٢) سورة النساء: ٤٣.
(٣) سورة المائدة: ٦.
(٤) سورة النساء: ٤٣.
(٥) سورة البقرة: ٢٢٢.
(٦) صحيح: أخرجه مسلم (٣٠٩) فى الحيض، باب: جواز نوم الجنب، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٧) حسن: أخرجه أبو داود (٢١٩) فى الطهارة، باب: الوضوء لمن أراد أن يعود، والنسائى فى «الكبرى» كما فى «التحفة» (٩/ ٢٠٦)، وابن ماجه (٥٩٠) فى الطهارة، باب: فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلا، وأحمد فى «المسند» (٦/ ٨)، قلت: وقد رد البعض هذا الحديث بحديث أنس السابق، والأمر أنه ليس بينه وبين حديث أنس اختلاف، بل كان يفعل هذا مرة وذاك أخرى، ليدل الحديث على استحباب الغسل قبل المعاودة ولا خلاف فى ذلك.
[ ٣ / ١٨٠ ]
فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف إنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوآ» «١» رواه مسلم. وحمله بعضهم على الوضوء اللغوى، فقال: المراد به غسل الفرج، انتهى. وقالت عائشة: كانﷺ- إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه فى الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جسده كله «٢» . رواه البخارى.
ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينة فى هذا الحديث عن هشام «قبل أن يدخلهما فى الإناء» «٣» رواه الشافعى والترمذى وزاد أيضا: «ثم يغسل فرجه» «٤» وكذا لمسلم وأبى داود. وهى زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه فى أثناء الغسل.
ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفى بغسلها فى الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة فى أول عضو.
وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى. ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل.
وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٣٠٨) فى الحيض، باب: جواز نوم الجنب، من حديث أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٤٨) فى الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل، ومسلم (٣١٦) فى الحيض، باب: صفة غسل الجنابة.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (١٠٤) فى الطهارة، باب: ما جاء فى الغسل من الجنابة.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٣١٦) فى الحيض، باب: صفة غسل الجنابة، والنسائى (١/ ١٣٣) فى الطهارة، باب: ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء.
[ ٣ / ١٨١ ]
وقوله: «فيخلل بها أصول الشعر» أى شعر رأسه، ويدل عليه رواية حماد بن سملة عن هشام- عند البيهقى-: يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقال القاضى عياض:
احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية فى الغسل. إما لعموم قوله:
«أصول الشعر» وإما بالقياس على شعر الرأس. وفائدة التخليل، إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقا، إلا إن كان الشعر متلبدا بشئ يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله.
واختلف فى وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر. ونقل عن مالك والمزنى: وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك فى الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما.
وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد فى الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.
وفى قوله فى هذا الحديث: «ثلاث غرفات» استحباب التثليث فى الغسل. قال النووى: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما انفرد به الماوردى، فإنه قال:
لا يستحب التكرار فى الغسل. قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى- ومنه لخصت ما ذكرته- قلت: وكذا قال الشيخ أبو على السنجى وكذا قال القرطبى. وقالت ميمونة: وضعت لهﷺ- ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه «١» . رواه البخارى. ولم يقيد فى هذه الرواية بعدد، فيحمل على أقل مسمى الغسل، وهو مرة واحدة لأن الأصل عدم الزيادة عليها. وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق فى غسل الجنابة، لقوله: «ثم مضمض واستنشق» وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما. وتعقب: بأن الفعل
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٥٧) فى الغسل، باب: الغسل مرة واحدة.
[ ٣ / ١٨٢ ]
المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك.
وعنها (توضأﷺ- وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما) «١» رواه البخارى. وفيه التصريح بتأخير الرجلين فى وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة. ويمكن الجمع بينهما، إما بحمل رواية عائشة على المجاز، وإما بحمله على حالة أخرى. وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء. فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين.
وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية: فى الأفضل قولان، قال النووى: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه.
قال: ولم يقع فى شئ من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس فى هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن الوضوء للغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى عنه بغسلها. وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللهﷺ-: «أما أنا فأفيض على رأسى ثلاثا، وأشار بيديه كلتيهما» «٢» رواه البخارى. وفيه عن أبى هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا رسول اللهﷺ-، فلما قام فى مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: «مكانكم»، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه «٣» . وقوله: «ذكر» أى تذكر، لا أنه قال ذلك لفظا، وعلم
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٤٩) فى الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل، من حديث ميمونةرضي الله عنها-، وهو رواية للحديث السابق.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٢٥٤) فى الغسل، باب: من أفاض على رأسه ثلاثا، ومسلم (٣٢٧) فى الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثا، واللفظ للبخارى، ولعله اقتصر فى العزو للبخارى فقط لذلك.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٢٧٥) فى الغسل، باب: إذا ذكر فى المسجد أنه جنب، ومسلم (٦٠٥) فى المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة.
[ ٣ / ١٨٣ ]
الراوى ذلك من قرائن، أو بإعلامه له بعد ذلك. وظاهر قوله: «فكبر» الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول فى الصلاة. وعنده أيضا من حديث ميمونة: وضعت للنبىﷺ- غسلا وسترته بثوب، وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه «١» . وقد استدل بعضهم بقولها: «فناولته ثوبا فلم يأخذه» على كراهة التنشيف بعد الغسل. ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال المهلب «٢»: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة بلل الماء، وللتواضع، أو لشئ رآه فى الثوب من حرير أو وسخ. وقد وقع عند أحمد فى هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعى فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة.
وقال التيمى فى شرحه: فى هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة فى التنشيف لأن كلّا منهما إزالة. وقال النووى: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه، أشهرها: أن المستحب تركه، وقيل مكروه، وقيل مباح، وقيل مستحب، وقيل مكروه فى الصيف مباح فى الشتاء. وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء، ولكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعى وغيره، ولفظه: «تنفضوا أيديكم فى الوضوء فإنها مراوح الشيطان» قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووى.
وقالت عائشة: كان رسول اللهﷺ- إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٦٦) فى الغسل، باب: من أفرغ بيمينه على شماله فى الغسل.
(٢) هو: المهلب بن أحمد بن أبى صفرة، وقد تقدمت ترجمته.
[ ٣ / ١٨٤ ]
فرجه وتوضأ للصلاة»
. رواه البخارى. وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف. وقوله: «وتوضأ للصلاة» أى وضوآ كما للصلاة، أى وضوآ شرعيّا لا لغويّا، وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة.
والحكمة فيه أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابى قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة.
وقيل: الحكمة فيه أنه أحد الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد روى البيهقى بإسناد حسن عن عائشة أنهﷺ- كان إذا أجنب وأراد أن ينام توضأ أو تيمم. ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل غير ذلك. انتهى ملخصا من فتح البارى.
النوع الثانى فى ذكر صلاته ص
اعلم أن بالصلاة يحصل تحقيق العبودية، وأداء حق الربوبية وسائر العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة. وقد جمع الله تعالى للمصلين فى كل ركعة ما فرق على أهل السموات، فلله ملائكة فى الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود والقيام والقعود.
واجتمع فيها أيضا من العبوديات ما لم يجتمع فى غيرها، منها:
الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة والقيام
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٨٨) فى الغسل، باب: الجنب يتوضأ ثم ينام، ومسلم (٣٠٥) فى الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له.
[ ٣ / ١٨٥ ]
والركوع والسجود، والتسبيح فى الركوع، والدعاء فى السجود، إلى غير ذلك. فهى مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة، والقراءة بمجردها عبادة وكذا كل فرد فرد.
وقد أمر الله تعالى نبيه بالصلاة فى قوله سبحانه: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ «١»، وقال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها «٢» .
وفى ذلك- كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير «٣»: أمدنا الله بمدده- إشارة إلى أن فى الصلاة تكليفا للنفوس شاقّا عليها، لأنها تأتى فى أوقات ملاذّ العباد وأشغالهم، فيطالبون بالخروج عن ذلك كله إلى القيام بين يديه، والفراغ مما سوى الله تعالى، فلذلك قال تعالى: وَاصْطَبِرْ عَلَيْها «٤» .
قال: ومما يدل على أن فى القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية، قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ «٥» . فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج فى الصلاة إلى الصبر، صبر على ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها، وصبر يمنع القلوب فيها من غفلاتها، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ «٦» فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر، إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير، فذلك يدل على ما قلنا، أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال تعالى فى الآية الآخرى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «٧» . انتهى ملخصا.
ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام:
_________________
(١) سورة العنكبوت: ٤٥.
(٢) سورة طه: ١٣٢.
(٣) هو: كتاب «التنوير فى إسقاط التدبير» لابن عطاء الله الإسكندرانى المتوفى سنة (٧٠٩ هـ) . انظر كشف الظنون لحاجى خليفة (١/ ٥٠٢) .
(٤) سورة طه: ١٣٢.
(٥) سورة البقرة: ٤٥.
(٦) سورة البقرة: ٤٥.
(٧) سورة التوبة: ٦٢.
[ ٣ / ١٨٦ ]
[القسم الأول] فى الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب
الباب الأول فى الصلوات الخمس وفيه فصول:
الفصل الأول فى فرضها
عن أنس قال: فرضت على النبىﷺ- ليلة أسرى به خمسون صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نادى: يا محمد إنه لا يبدل القول لدى، وإن لك بهذه الخمس خمسين «١» . رواه الترمذى هكذا مختصرا، ورواه البخارى ومسلم من حديث طويل تقدم فى مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث.
وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة «٢» . رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وقوله: «فى الخوف ركعة» محمول على أن المراد ركعة مع الإمام وينفرد بالآخرى.
وعن عائشة: فرض الله الصلاة- حين فرضها- ركعتين ركعتين، ثم أتمها فى الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى «٣» . رواه
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٦٨٧) فى صلاة المسافرين، باب: رقم (١)، وأبو داود (١٢٤٧) فى الصلاة، باب: من قال يصلى بكل طائفة ركعة ولا يقضون، والنسائى (٣/ ١١٨) فى أول كتاب تقصير الصلاة فى السفر.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٠) فى الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة فى الإسراء، وأطرافه (١٠٩٠ و٣٩٣٥)، ومسلم (٦٨٥) فى أول صلاة المسافرين.
[ ٣ / ١٨٧ ]
البخارى. وعنده- فى كتاب الهجرة- من طريق معمر عن الزهرى، عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجرﷺ- ففرضت أربعا.
فعيّن فى هذه الرواية أن الزيادة فى قوله فى الحديث الذى قبله «وزيد فى صلاة الحضر» وقعت بالمدينة. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية، وبنوا عليه: أن القصر فى السفر عزيمة لا رخصة.
واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ «١»، لأن نفى الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شئ أطول منه، ويدل على أنه رخصة أيضا قوله﵊-:
«صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» «٢» رواه مسلم. وأما خبر:
فرضت الصلاة ركعتين، أى فى السفر فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما، جمعا بين الأخبار. قاله فى المجموع.
الفصل الثانى فى ذكر تعيين الأوقات التى صلى فيهاﷺ- الصلوات الخمس
عن جابر: أن جبريل﵊- أتى النبىﷺ- يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل، ورسول اللهﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللهﷺ-، فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل ظل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول اللهﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللهﷺ-، فصلى العصر، ثم أتاه جبريل حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول اللهﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللهﷺ- فصلى المغرب، ثم تاه جبريل حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول اللهﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللهﷺ- فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل ورسول اللهﷺ- خلفه، والناس خلف رسول اللهﷺ-، فصلى الغداة.
_________________
(١) سورة النساء: ١٠١.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٦٨٥) فى أول صلاة المسافرين، من حديث عمررضي الله عنه-.
[ ٣ / ١٨٨ ]
ثم أتاه فى اليوم الثانى حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثلى شخصه فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق فصنع كما صنع بالأمس فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة وصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة. ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت «١» . رواه النسائى.
وفى رواية قال: خرج رسول اللهﷺ- فصلى الظهر حين زالت الشمس، وكان الفئ قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفئ قدر الشراك، وظل الرجل مثله، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين الفجر، ثم صلى الغداة- أى الظهر- حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل- شك أحد رواته- ثم صلى الفجر فأسفر.
وعن ابن عباس: قالﷺ-: «أمّنى جبريل عند البيت مرتين، فصلى بى الظهر فى الأولى حين كان الفئ مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شئ مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم» «٢» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (١٥٠) فى الصلاة، باب: ما جاء فى مواقيت الصلاة عن النبىﷺ-، والنسائى (١/ ٢٥١- ٢٥٢) فى المواقيت، باب: أول وقت العصر، و(١/ ٢٥٥- ٢٥٦)، باب: آخر وقت العصر، و(١/ ٢٦١) باب: آخر وقت المغرب، و(١/ ٢٦٣) باب: أول وقت العشاء، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٣٠ و٣٥١)، والحديث صححه الألبانى فى «الإرواء» (٢٥٠) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٩٣) فى الصلاة، باب: فى المواقيت، والترمذى (١٤٩) فى الصلاة، باب: ما جاء فى مواقيت الصلاة عن النبىﷺ-، وأحمد فى «المسند» (١/ ٣٣٣)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «الإرواء» (٢٤٩) .
[ ٣ / ١٨٩ ]
وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شئ مثله كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شئ مثليه، ثم صلى المغرب كوقت الأولى، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت إلى جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين، رواه الترمذى وغيره.
وقوله: «صلى بى الظهر حين كان ظل كل شئ مثله» أى فرغ منها حينئذ، كما شرع فى العصر فى اليوم الأول، وحينئذ فلا اشتراك بينهما فى وقت، ويدل له حديث مسلم «وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر» .
وقوله فى حديث جابر «فصلى الظهر حين زالت الشمس» يقتضى جواز فعل الظهر إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفئ، مثل الشراك، كما اتفقت عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة، وأما حديث ابن عباس فالمراد به أنه حين زالت الشمس كان الفئ حينئذ مثل الشراك، لا أنه أخر إلى أن صار مثل الشراك. ذكره فى المجموع.
وقد بيّن ابن إسحاق فى المغازى أن صلاة جبريل بهﷺ- كانت صبيحة الليلة التى فرضت الصلاة فيها، وهى ليلة الإسراء. ولفظه: قال نافع ابن جبير وغيره: لما أصبحﷺ- من الليلة التى أسرى به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت «الأولى» - أى صلاة الظهر- فأمر فصيح بأصحابه: «الصلاة جامعة»، فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبىﷺ- بأصحابه فذكر الحديث.
وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبىﷺ-. وإنما دعاهم بقوله:
«الصلاة جامعة» لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ. واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره. ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبى بكر فى صلاته خلف النبىﷺ- وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما سيأتى تقريره- إن شاء الله تعالى-.
[ ٣ / ١٩٠ ]
وقد صلىﷺ- العصر والشمس فى حجرة عائشة لم يظهر الفئ من حجرتها «١» . رواه البخارى ومسلم. وقال أنس: كان رسول اللهﷺ- يصلى العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالى فيأتيهم والشمس مرتفعة «٢»، وبعض العوالى من المدينة على أربعة أميال. رواه البخارى.
وفى ذلك دليل على تعجيلهﷺ- بصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضى مسافة أربعة أميال، والمراد بالشمس ضوؤها وعن سلمة بن الأكوع أنهﷺ- كان يصلى المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب «٣» . رواه البخارى ومسلم والترمذى. وعن رافع بن خديج: كنا نصلى المغرب معهﷺ- فينصرف أحدنا، وإنه ليرى مواقع نبله «٤» . رواه البخارى ومسلم.
والنبل- بفتح النون-: السهام العربية: أى يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها، ومقتضاه المبادرة بالمغرب فى أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق.
وكانﷺ- إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل «٥» . رواه
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٤٥) فى المواقيت، باب: وقت العصر، ومسلم (٦١١) فى المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٤٨ و٥٥٠ و٥٥١) فى المواقيت، باب: وقت العصر، ومسلم (٦٢١) فى المساجد، باب: استحباب التبكير بالعصر.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦١) فى المواقيت، باب: وقت المغرب، ومسلم (٦٣٦) فى المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس، وأبو داود (٤١٧) فى الصلاة، باب: فى وقت المغرب، والترمذى (١٦٤) فى الصلاة، باب: ما جاء فى وقت المغرب، وابن ماجه (٦٨٨) فى الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٥٩) فى المواقيت، باب: وقت المغرب، ومسلم (٦٣٧) فى المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس.
(٥) صحيح: أخرجه النسائى (١/ ٢٤٨) فى المواقيت، باب: تعجيل الظهر فى البرد، وللبخارى نحوه أخرجه برقم (٥٦٠) من حديث جابررضي الله عنه-.
[ ٣ / ١٩١ ]
النسائى من حديث أنس. ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية «١» .
رواه أبو داود من رواية على بن شيبان. وقال﵊-: «إذا قدّم العشاء فابدؤوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم» «٢»، رواه البخارى ومسلم.
وعند أبى داود: «ولا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره» «٣» .
واعتمﷺ- بالعشاء ليلة، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج رسول اللهﷺ- فقال: «ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم»، قال: ولا تصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول «٤» . زاد فى رواية: وذلك قبل أن يفشوا الإسلام.
وفى رواية: فخرج ورأسه تقطر ماء يقول: «لولا أن أشق على أمتى، أو على الناس، لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة» «٥» . رواه البخارى ومسلم.
وفى رواية أبى داود من حديث أبى سعيد: فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: «خذوا مقاعدكم»، فأخذنا مقاعدنا، فقال: «إن الناس قد صلوها وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا فى صلاة ما انتظرتم الصلاة،
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٠٨) فى الصلاة، باب: فى وقت صلاة العصر، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى ضعيف سنن أبى داود.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦٧٢) فى الأذان، باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، ومسلم (٥٥٧) فى المساجد، باب: كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذى يريد أكله فى الحال، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود عن جابر كما فى «ضعيف الجامع» (٦١٨٢) .
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٦٦) فى المواقيت، باب: فضل العشاء، وأطرافه (٥٦٩ و٨٦٢ و٨٦٤)، ومسلم (٦٣٨) فى المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٧٢٣٩) فى التمنى، باب: ما يجوز من اللهو، ومسلم (٦٣٩) فى المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها، من حديث ابن عمررضي الله عنهما-.
[ ٣ / ١٩٢ ]
ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لآخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل» «١» . وفى حديث أبى هريرة: «لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» «٢»، صححه الترمذى.
فعلى هذا: من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمورين فالتأخير فى حقه أفضل. وقد قرر النووى ذلك فى شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم. وقال الطحاوى: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعى فى الجديد.
وقال فى القديم: التعجيل أفضل. وكذا قال فى «الإملاء» وصححه النووى فى جماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم. وتعقب: بأنه ذكره فى «الإملاء» وهو من كتبه الجديدة. والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، قاله فى فتح البارى.