فأنزل الله تعالى آية التخيير، حكاه النقاش أيضا. وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود، وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر فى الحلى والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق. وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله أن يتلو عليهن ما نزل فى أمرهن لئلا يكون لأحد منهن عليه منة فى الصبر على ما اختاره من خشونة العيش.
فلما اخترنه وصبرن معه عوضهن الله على صبرهن بأمرين: أحدهما، أن جعلهن أمهات المؤمنين تعظيما لحقهن وتأكيدا لحرمتهن، وتفضيلهن على سائر النساء بقوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ «١»، والثانى: أن حرم الله عليه طلاقهن والاستبدال بهن فقال تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ «٢» . الآية. فكان تحريم طلاقهن مستداما، وأما تحريم التزوج عليهن فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول اللهﷺ- حتى أحل الله له النساء، يعنى اللاتى حرمن عليه، وقيل: الناسخ لتحريمهن قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ «٣» . الآية.
وقال النووى فى الروضة: لما خيرهن فاخترنه كافأهن على حسن صنيعهن بالجنة فقال: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا «٤» .
انتهى.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٣٢.
(٢) سورة الأحزاب: ٥٢.
(٣) سورة الأحزاب: ٥٠.
(٤) سورة الأحزاب: ٢٩.
[ ٢ / ٣١٩ ]
وإنما اختصﷺ- بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك، لأن الجمع بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التى هى من أعظم الآلام، وهو إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون ضررا، فنزه عن ذلك منصبه العالى. وقيل له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ «١» .
* ومنها: إتمام كل تطوع شرع فيه،
حكاه فى الروضة وأصلها، قال النووى: وهو ضعيف. وفرعه بعض الأصحاب: على أنه كان يحرم عليهﷺ- إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل. ذكره فى تهذيب الأسماء واللغات.
* ومنها: أنه كان يلزمهﷺ- أداء فرض الصلاة بلا خلل.
قاله الماوردى: قال العراقى فى شرح المهذب: إنه كان معصوما عن نقص الفرائض. انتهى، والمراد خلل لا يبطل الصلاة.
* وقال بعضهم: كان يجب عليهﷺ- إذا رأى ما يعجبه أن يقول: «لبيك إن العيش عيش الآخرة»
«٢» ثم قال: هذه كلمة صدرت منهﷺ- فى أنعم حالة، وهو يوم حجه بعرفة، وفى أشد حالة، وهو يوم الخندق، انتهى.
* ومنها: أنهﷺ- كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحى،
ولا يسقط عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام، كما ذكره فى زوائد الروضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع.
* ومنها: أنه كانﷺ- يغان على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة.
ذكره ابن القاص ونقله ابن الملقن فى الخصائص، ورواه مسلم وأبو داود من حديث الأغر المزنى بلفظ: «إنه ليغان على قلبى وإنّى لأستغفر الله فى اليوم
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٢٨.
(٢) ضعيف: أخرجه البيهقى فى «السنن الكبرى» (٧/ ٤٨) من مجاهد مرسلا.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
مائة مرة» «١» هذا لفظ مسلم، وقال أبو داود «فى كل يوم»، قال الشيخ ولى الدين بن العراقى: والظاهر أن الجملة الثانية مرتبة على الأولى، وأن سبب الاستغفار: الغين، ويدل لذلك قوله فى رواية النسائى فى عمل اليوم والليلة:
إنه ليغان على قلبى حتى أستغفر الله كل يوم مائة مرة، وفى رواية له أيضا:
فأستغفر الله. وألفاظ الحديث يفسر بعضها بعضا. ويحتمل من حيث اللفظ أن تكون الجملة الثانية كلاما برأسه غير متعلق بما قبله، فيكونﷺ- أخبر بأنه يغان على قلبه، وبأنه يستغفر الله فى اليوم مائة مرة، انتهى.
وقال أبو عبيد: أصل الغين فى هذا، ما يغشى القلب ويغطيه، وأصله:
من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها. وقال غيره: الغين يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق الذى يعرض فى الهواء فلا يمنع ضوء الشمس.
قال القاضى عياض- بعد حكايته ذلك-: فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كانﷺ- دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ومعاناة الأهل، ومقاومة الولى والعدو، ومصلحة النفس، وما كلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة، وهو فى كل هذا فى طاعة ربه، وعبادة خالقه، ولكن لما كانﷺ- أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همته، وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هناك أرفع حاليه، رأىﷺ- حال فترته عنها، وشغله بسواها غضا على حاله، وخفضا من رفيع مقامه، فاستغفر الله من ذلك، قال: وهذا أولى وجوه الحديث وأشهرها، وإلى معنى ما أشرنا إليه مال كثير من الناس، وحام حوله فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محياه، وهو مبنى على جواز الفترة والغفلات والسهو فى غير طريق البلاغ، انتهى.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٧٠٢) فى الذكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه، وأبو داود (١٥١٥) فى الصلاة، باب: فى الاستغفار.
[ ٢ / ٣٢١ ]
وتعقب: بأنه لا ترضى نسبتهﷺ- إلى ذلك، لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة، ولقولهﷺ-: «لست أنسى ولكن أنسى لأسنّ» «١» فهذه ليست فترة وإنما هى لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعى، فالأولى أن يحمل على ما جعله علة فيه، وهو ما دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، وحمل كل أعباء النبوة وحمل أثقالها. انتهى.
وقيل: الغين شىء يعترى القلب مما يقع من حديث النفس، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: وهذا أشار إليه الرافعى فى أماليه، وقال: إن والده كان يقرره. وقيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر لهم.
وقيل: هو السكينة التى تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله تعالى، والشكر لما أولاه.
وقال شيخ الإسلام ابن العراقى أيضا: هذه الجملة حالية، أخبرﷺ- أنه يغان على قلبه مع أن حاله الاستغفار فى اليوم مائة مرة، وهى حال مقدرة، لأن الغين ليس موجودا فى حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين. قال: وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالآخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى، فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا، وحجابا بينه وبينها، فينجمع القلب حينئذ على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرا وملازمة للعبودية، قال: وهذا معنى ما قاله القاضى عياض، انتهى ومراده قوله فى «الشفاء»: وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرا لله تعالى، وملازمة لعبوديته إلى آخر كلامه.
قال الشيخ ابن العراقى: وهو عندى كلام حسن جدّا، وتكون الجملة
_________________
(١) ضعيف: أخرجه مالك فى «الموطأ» (١/ ١٠٠) بلاغا، وهو أحد الأحاديث الأربعة التى قال عنها ابن عبد البر فى «التمهيد» التى لا يوجد فى غيره مسندة ولا مرسلة، انظر «التمهيد» لابن عبد البر (٢٤/ ٣٧٥) .
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الثانية مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار فى إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين أصل محمود، وهو الذى تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال وأحسنها لأن الغين حينئذ وصف محمود وهو الذى نشأ عنه الاستغفار، وعلى الأول يكون «الغين» مما يسعى فى إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء، فنحمله على غشاء يليق بحالهﷺ-، وهو الغشاء الذى يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على الغشاء أمرا محمودا وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، انتهى.
وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله فى كتابه «لطائف المنن» أن الشيخ أبا الحسن الشاذلى قال: رأيت النبىﷺ- فى النوم فسألته عن هذا الحديث «إنه ليغان على قلبى» فقال لى: «يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار» «١» .
القسم الثانى: ما اختص بهﷺ- مما حرم عليه:
* فمنها: تحريم الزكاة عليه،
وكذا الصدقة على الصحيح المشهور المنصوص، قالﷺ-: «إنا لا نأكل الصدقة» «٢» رواه مسلم، ومن قال بإباحتها له يقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزها مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث. قال شيخ الإسلام ابن العراقى، فى شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصهﷺ- الامتناع من أكل الصدقة إما وجوبا وإما تنزها، انتهى. والحكمة من ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس.
_________________
(١) قلت: إن ديننا يؤخذ من الوحى، لا من المنامات، وبخاصة إذا كانت تخالف ظاهر الدين، خشية أن تكون من إلقاء الشيطان إلى النفس، وهو ما يكون غالبا، وليحذر المسلم الحقيقى من مثل هذه المنامات.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (١٤٩١) فى الزكاة، باب: ما يذكر فى الصدقة للنبىﷺ-، ومسلم (١٠٦٩) فى الزكاة، باب: تحريم الزكاة على رسول اللهﷺ-، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
* ومنها: تحريم الزكاة على آلهﷺ-،
وتحريم كون آله عمالا على الزكاة فى الأصح، وكذا يحرم صرف النذر والكفارة إليهم، وأما صدقة التطوع فتحل لهم فى الأصح خلافا للمالكية وهو وجه عندنا.
* ومنها: أنه يحرم عليهﷺ- أكل ما له رائحة كريهة،
كثوم وبصل، لتوقع مجىء الملائكة والوحى كل ساعة. والأكل متكئا فى أحد الوجهين فيهما، والأصح فى الروضة كراهتهما، وتعقب السهيلى الاتكاء فقال: قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك.
* ومنها: تحريم الكتابة والشعر،
وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن يقول إنهﷺ- كان يحسنهما، والأصل أنه كان لا يحسنهما، قال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ «١» . وقال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ «٢» . أى ما هو فى طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته ولا يصلح له. وأجيب: بأن المراد تحريم التوصل إليهما. وهل عدم الشعر خاص بهﷺ- أو بنوع الأنبياء؟ قال بعضهم: هو عام لقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة. وتقدم فى قصة الحديبية البحث فى كونهﷺ- هل كان يحسن الكتابة أو لا.
* ومنها: نزع لأمته إذا لبسها، حتى يقاتل
أو يحكم الله بينه وبين عدوه.
* ومنها: المن ليستكثر،
ذكره الرافعى، قال الله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ «٣» أى: لا تعط شيئا لتعطى أكثر منه، بل أعط لربك، واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب، قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك ومجاهد:
هذا كان للنبىﷺ- خاصة، وليس على أحد من أمته، وقال قتادة: لا تعط شيئا لمجازاة الدنيا، أى أعط لربك، وعن الحسن: لا تمنن على الله
_________________
(١) سورة العنكبوت: ٤٨.
(٢) سورة يس: ٦٩.
(٣) سورة المدثر: ٦.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
بعملك فتستكثره، وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرا وعوضا من الدنيا.
* ومنها: مد العين إلى ما متع به الناس،
قال الله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ «١» أى استحسانا له وتمنيا أن يكون لك مثله أَزْواجًا مِنْهُمْ «٢» أى أشكالا وأشباها من الكفار، وهى المزاوجة بين الأشياء، وهى المشاكلة. وعن ابن عباس: أصنافا منهم، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته، فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات.
* ومنها: خائنة الأعين،
وهى الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يشعر به الحال، كما قيل لهﷺ- فى قصة رجل أراد قتله. هلا أومأت إلينا بقتله، فقال: «ما كان ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين» «٣» .
ولا يحرم ذلك على غيره إلا فى محظور، قاله الرافعى فيما نقله الحجازى فى مختصر الروضة.
* ومنها: نكاح من لم تهاجر،
فى أحد الوجهين: قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ «٤» . أى مهورهن، سمى المهر أجرا لأن المهر أجر على البضع وتقييد الإحلال بإعطائها معجله لا يتوقف الحل عليه، بل لإيثار الأفضل له، كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية فى قوله: وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ «٥» . يعنى من نساء بنى زهرة اللَّاتِي هاجَرْنَ
_________________
(١) سورة الحجر: ٨٨.
(٢) سورة الحجر: ٨٨.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٦٨٣) فى الجهاد، باب: قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، و(٤٣٥٩) فى الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد، من حديث سعدرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٤) سورة الأحزاب: ٥٠.
(٥) سورة الأحزاب: ٥٠.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
مَعَكَ «١» . أى إلى المدينة، قالوا: والمراد هاجرن كما هاجرت، وإن لم تكن هجرتها فى حال هجرتهﷺ-.
وظاهره يدل على أن الهجرة شرط فى التحليل، وأن من لم تهاجر من النساء لم يحل له نكاحها. وقالت أم هانئ: خطبنىﷺ- فاعتذرت إليه بعذر فعذرنى، ثم أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ «٢» . فلم أكن لأحل له، فإنى لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء «٣» . وعن بعض المفسرين: أن شرط الهجرة فى التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه. وعن الماوردى قولان: أحدهما أن الهجرة شرط فى إحلال كل النساء لهﷺ- من غريبة وقريبة، والثانى: أنها شرط فى إحلال بنات عمه وبنات عماته المذكورات فى الآية وليس شرطا فى إحلال الأجنبيات، وعنه أيضا: أن المراد بالمهاجرات المسلمات.
* ومنها: تحريم إمساك من كرهته،
قاله الحجازى وغيره.
* ومنها: نكاح الكتابية،
لأن أزواجه أمهات المؤمنين وزوجات له فى الآخرة، ومعه فى درجته فى الجنة، ولأنهﷺ- أشرف من أن يضع ماءه فى رحم كافرة، قالوا: ولو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له.
* ومنها: نكاح الأمة المسلمة،
ولو قدر نكاحه أمة كان ولده منها حرّا، ولا تلزمه قيمته لتعذر الرق. قاله القاضى حسين، وقال أبو عاصم: تلزم، نقله الحجازى، ولا يشترط فى حقه حينئذ خوف العنت ولا فقد الطول. وأما التسرى بالأمة فالأصح الحل، لأنهﷺ- استمتع بأمته ريحانة قبل أن تسلم، وعلى هذا، فهل عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لتكون من زوجاته فى الآخرة،
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٥٠.
(٢) سورة الأحزاب: ٥٠.
(٣) ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٢١٤) فى التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب، والحاكم فى «المستدرك» (٢/ ٢٠٢) بسند فيه السدى، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
والثانى: لا، لأنه لما عرض على ريحانة الإسلام فأبت لم يزلها عن ملكه وأقام على الاستمتاع، وقد أسلمت بعد.
* ومنها: تحريم الإغارة
إذا سمع التكبير، كما ذكره ابن سبع فى الخصائص.
القسم الثالث: فيما اختص بهﷺ- من المباحات.
* اختصﷺ- بإباحة المكث فى المسجد جنبا،
قاله صاحب التلخيص. ومنعه القفال، قال النووى: وما قاله فى التلخيص قد يحتج له بقولهﷺ- فى حديث أبى سعيد الخدرى: «يا على لا يحل لأحد أن يجنب فى هذا المسجد غيرى وغيرك» «١» قال الترمذى: حسن غريب. وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية ضعيف عند الجمهور. ويجاب بأن الترمذى حكم بأنه حسن فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه، لكن إذا شاركهﷺ- على فى ذلك لم يكن من الخصائص. وقد غلّط إمام الحرمين وغيره صاحب التخليص فى الإباحة. واعلم أن معظم المباحات لم يفعلهاﷺ- وإن جازت له.
* ومما اختص به أيضا أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا،
وفى اللمس وجهان، قال النووى: المذهب الجزم بانتقاضه به. واستدل القائلون بالأول بنحو حديث عائشة، عند أبى داود، أن النبىﷺ- كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلى ولا يتوضأ «٢» ورواه النسائى أيضا، وقال أبو داود: هو مرسل، إبراهيم التيمى لم يسمع من عائشة، وقال النسائى: ليس فى هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا.
* واختص أيضا بإباحة الصلاة بعد العصر
، فقد فاتته ركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر. ثم واظب عليهما، ذكره الحجازى، وبجواز
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٧٢٧) فى المناقب، باب: مناقب على بن أبى طالبرضي الله عنه-، بسند ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
(٢) مرسل: أخرجه النسائى (١/ ١٠٤) فى الطهارة، باب: ترك الوضوء من القبلة، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
[ ٢ / ٣٢٧ ]
صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه، كما ذكره فى شرح المهذب وعبارته: كان من خصائصهﷺ- جواز فعل هذا الواجب الخاص به على الراحلة. وبالصلاة على الغائب عند أبى حنيفة ومالك.
* وبالقبلة فى الصوم،
مع قوة الشهوة، روى البخارى من حديث عائشة قالت: (كان رسول اللهﷺ- يقبل بعض نسائه وهو صائم، وكان أملككم لإربه) «١» قال الحافظ ابن حجر: فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكا لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيما يحرم. قال: وفى رواية حماد- عند النسائى- قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت:
أليس كان رسول اللهﷺ- يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه قال: وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبىﷺ- بذلك. قاله القرطبى، قال: وهو اجتهاد منها. ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص: ما رواه مالك فى الموطأ أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم «٢» .
* واختص أيضا بإباحة الوصال فى الصوم:
كما سيأتى، وقال إمام الحرمين، هو قربة فى حقهﷺ-.
* وأن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج،
ويجب على صاحبهما البذل. ويفدى بمهجته مهجة رسول اللهﷺ-. قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ «٣» . ولو قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونهﷺ-، كما وقاه طلحة بنفسه يوم أحد.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١٩٢٧) فى الصوم، باب: المباشرة للصائم، ومسلم (١١٠٦) فى الصيام، باب: بيان أن القبلة فى الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته.
(٢) صحيح: أخرجه مالك فى «الموطأ» (١/ ٢٩٢)، والطحاوى فى «شرح معانى الآثار» (٢/ ٩٥) بسند صحيح.
(٣) سورة الأحزاب: ٦.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وبإباحة النظر إلى الأجنبيات لعصمته،
وسيأتى- إن شاء الله تعالى- فى القسم الرابع حكم غيرهﷺ-. وبجواز الخلوة بهن. قال فى فتح البارى: الذى وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصهﷺ- جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، ويدل له قصة أم حرام بنت ملحان فى دخولهﷺ- عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه «١»، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، انتهى.
* ومنها نكاح أكثر من أربع نسوة،
وكذلك الأنبياء، وفى الزيادة لنبيناﷺ- على التسع خلاف.
* ويجوز له النكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، قال الله تعالى:
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ «٢» . وأما من جهتهﷺ- فلابد من لفظ النكاح أو التزويج على الأصح فى أصل الروضة، وحكاه الرافعى عن ترجيح الشيخ أبى حامد لظاهر قوله تعالى: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ «٣» .
قال البيضاوى: فى قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً الآية، أى أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها ولا تطلب مهرا إن اتفق ذلك، ولذلك نكّرها.
واختلف فى ذلك والقائل به ذكر أنها ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم، قال: وقرئ «أن» بالفتح، أى لأن وهبت، أو مدة أن وهبت، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسا، قال: وقوله: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ «٤» شرط
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٢٧٨٨ و٢٧٨٩) فى الجهاد والسير، باب: الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، ومسلم (١٩١٢) في الإمارة، باب: فضل الغزو فى البحر، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٢) سورة الأحزاب: ٥٠.
(٣) سورة الأحزاب: ٥٠.
(٤) سورة الأحزاب: ٥٠.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
للشرط الأول فى استحباب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول، قال: والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ «النبى» - ﷺ- مكررا. ثم الرجوع إليه فى قوله: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ «١» . إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله. انتهى.
وقال المعافى: وفى معنى «خالصة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها له يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين. قاله أنس بن مالك وابن المسيب. والثانى: أن له أن ينكحها بلا ولى ولا شهود دون غيره. قاله قتادة، والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعى وأحمد، وعن أبى حنيفة ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيرهﷺ- أيضا.
* وكذا يجوز لهﷺ- النكاح بلا مهر
ابتداء وانتهاء، كما تقدم أن المرأة إذا وهبت نفسها لهﷺ- لا يلزمه صداقها. قال النووى: إذا وهبت امرأة نفسها لهﷺ- فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه بعد ذلك مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك، بخلاف غيره فإنه لا يخلو نكاحه من وجوب مهر، إما مسمى وإما مهر المثل والله أعلم.
* وكذا يجوز له النكاح فى حال الإحرام،
قال النووى فى شرح مسلم: قال جماعة من أصحابنا أنهﷺ- كان له أن يتزوج فى حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة، قال: وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا. انتهى.
* وكذا يجوز لهﷺ- النكاح بغير رضى المرأة،
فلو رغب فى نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة، وحرم على غيره خطبتها، أو متزوجة وجب على زوجها طلاقها.
قال الغزالى: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٥٠.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
النزول عن أهله، فإنهﷺ- قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين» «١» .
ويدل لهذه الخصيصة قصة زينب بنت جحش بنت عمتهﷺ- أميمة بنت عبد المطلب، المنصوص عليها بقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ «٢» . أى بنعمة الإسلام وهى أجل النعم وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أى بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن حارثة الكلبى، وكان من سبى الجاهلية، فملكه رسول اللهﷺ- قبل البعثة وأعتقه وتبناه وخطب له زينب فأبت هى وأخوها عبد الله، ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ «٣» . الآية وكان الرجل فى الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره يدعوه الناس به ويرث ميراثه وتحرم عليه زوجته، فنسخ الله تعالى التبنى بقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ «٤» . وبهذه القصة يثبت الحكم بالقول والفعل، فأوحى الله إليه أن زيدا سيطلقها، وأنهﷺ- يتزوجها، وألقى فى قلب زيد كراهتها فأراد فراقها فأتى رسول اللهﷺ- فقال إنى أريد أن أفارق صاحبتى قال: «ما لك؟ أرابك منها شىء؟» قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم على بشرفها وتؤذينى بلسانها، فقال رسول اللهﷺ-: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ «٥»، أى فى أمرها، فلا تطلقها ضرارا وتعللا فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا «٦» . ولم يبق له فيها حاجة، ولما طلقها وانقضت عدتها زوجها الله تعالى له، كما قال تعالى:
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (١٥) فى الإيمان، باب: حب الرسولﷺ- من الإيمان، ومسلم (٤٤) فى الإيمان، باب: وجوب محبة رسول اللهﷺ- أكثر من الأهل والوالد والولد، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٢) سورة الأحزاب: ٣٧.
(٣) سورة الأحزاب: ٣٦.
(٤) سورة الأحزاب: ٥.
(٥) سورة الأحزاب: ٣٧.
(٦) سورة الأحزاب: ٣٧.
[ ٢ / ٣٣١ ]
زَوَّجْناكَها «١» . والمعنى أنه أمره بتزويجها منه، أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد. ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء رسول اللهﷺ-: إن الله تولى نكاحى، وأنتن زوجكن أولياؤكن. وقيل إن زيدا كان السفير للتزويج، وفى ذلك لزيد ابتلاء عظيم وشاهد بين على قوة إيمانه.
وقد علل تعالى تزويجه إياها بقوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ «٢» . أى فى أن يتزوجوا زوجات من كانوا يتبنونه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم فى قوله:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ «٣» .
وأما قوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ «٤» . فمعناه: علمك أنه سيطلقها وتتزوجها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر فى شىء أباحه له، بأن قال:
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ «٥» . مع علمه أنه سيطلق، وهذا مروى عن على بن الحسين، وعليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهرى، وبكر بن العلاء، والقاضى أبى بكر بن العربى وغيرهم.
والمراد بقوله: وَتَخْشَى النَّاسَ «٦» . إنما هو فى إرجاف المنافقين فى تزويج نساء الأبناء، والنبىﷺ- معصوم فى الحركات والسكنات. ولبعض المفسرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوة.
وقيل قوله: وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ «٧» . خطاب من الله تعالى، أو من الرسولﷺ- لزيد، فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما توهم أن رسول اللهﷺ- يريد أن تكون من نسائه.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٣٧.
(٢) سورة الأحزاب: ٣٧.
(٣) سورة النساء: ٢٣.
(٤) سورة الأحزاب: ٣٧.
(٥) سورة الأحزاب: ٣٧.
(٦) سورة الأحزاب: ٣٧.
(٧) سورة الأحزاب: ٣٧.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
قال جار الله: وكم من شىء مباح يتحفظ الإنسان منه ويستحى من إطلاع الناس عليه، فطموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة وغيرها غير موصوف بالقبح فى العقل ولا فى الشرع، وتناول المباح بالطريق الشرعى ليس بقبيح أيضا، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ولا طلب إليه، ولم يكن مستكرها عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه ولا مستهجنا إذا نزل عنها أن ينكحها آخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة واستهم الأنصار بكل شىء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجرى، فإذا كان الأمر مباحا من جميع جهاته لم يكن فيه وجه من وجوه القبح. انتهى.
* وكذا يجوز لهﷺ- النكاح بلا ولى وبلا شهود.
قال النووى:
الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحهﷺ- بلا ولى ولا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك فى حقه﵇-، وهذا الخلاف فى غير زينب أما زينب فمنصوص عليها والله أعلم.
قال العلماء: إنما اعتبروا الولى للمحافظة على الكفاءة، وهوﷺ- فوق الأكفاء، وإنما اعتبر الشهود لأمن الجحود، وهوﷺ- لا يجحد ولو جحدت هى لم يرجع إلى قولها، بل قال العراقى فى شرح المهذب، تكون كافرة بتكذيبه. وكان لهﷺ- تزويج المرأة ممن شاء بغير إذنها وإذن وليها، وله إجبار الصغيرة من غير بناته، وزوج ابنة حمزة مع وجود عمها العباس، فيقدم على الأب. وزوجه الله تعالى بزينب، فدخل عليها بتزويج الله من غير عقد من نفسه. وعبر فى الروضة عن هذا بقوله: وكانت المرأة تحل له بتحليل الله تعالى.
* وأعتق أمته صفية وجعل عتقها صداقها
وقد اختلف فى معناه، فقيل إنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة، فتزوجها بها، ويؤيده: قوله فى رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسا قال: سبى رسول اللهﷺ- صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما
[ ٢ / ٣٣٣ ]
أصدقها، قال: نفسها فأعتقها «١»؛ هكذا أخرجه البخارى فى المغازى. وفى رواية حماد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس فى حديثه قال: وصارت صفية لرسول اللهﷺ- ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز لثابت:
يا أبا محمد أنت سألت أنسا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. فهو ظاهر جدّا فى أن المجعول مهرا هو نفس العتق. والتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى ولو كانت القيامة مجهولة، فإن فى صحة العقد بالشرط المذكور وجها عند الشافعية.
وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر، ولكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردى. وقال آخرون: قوله: «أعتقها وتزوجها» معناه: أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقا قال: أصدقها نفسها، أى: لم يصدقها شيئا فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق، ومن ثم قال أبو الطيب الطبرى من الشافعية، وابن المرابط من المالكية ومن تبعهم: أنه قول أنس قاله ظنّا من قبل نفسه ولم يرفعه. ويعارضه ما أخرجه الطبرانى وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: أعتقنى النبىﷺ- وجعل عتقى صداقى. وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنسا قال ذلك بناء على ظنه.
ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبىﷺ- دون غيره. ويحتمل: أنه أعتقها بغير عوض، وتزوجها بغير مهر فى الحال، ولا فى المال، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق وإن لم يكن صداقا، قال: وهذا كقولهم الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا الوجه أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النووى فى «الروضة» .
وممن جزم بأن ذلك كان من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقى قال: وكذا نقله المزنى عن الشافعى قال: وموضع الخصوصية، أنه
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٤٢٠١) فى المغازى، باب: غزوة خيبر، وأطرافه (٣٧١ و٩٤٧ و٢٢٢٨ و٤٢٠٠ و٥٠٨٦ و٥١٦٩) .
[ ٢ / ٣٣٤ ]
أعتقها مطلقا وتزوجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره. انتهى. وقال النووى فى شرح مسلم: الصحيح الذى اختاره المحققون، أنه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من غير صداق، والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر.
* واختلف فى انحصار طلاقهﷺ- فى الثلاث،
وعلى الحصر، قيل: تحلل له من غير محلل، وقيل لا تحل له أبدا.
* وفى وجوب نفقة زوجاته
وجهان، قال النووى: الصحيح:
الوجوب، انتهى. ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم، وبه جزم الاصطخرى من الشافعية، والمشهور عندهم وعند الأكثرين الوجوب.
وفى حل الجمع له بين المرأة وخالتها وعمتها وجهان، لا أختها وبنتها وأمها، قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح فى حقه كالتسرى فى حقنا.
* وكان لهﷺ- أن يصطفى ما شاء من المغنم قبل القسمة
من جارية وغيرها.
* وأبيح له القتال بمكة والقتل بها،
وجواز دخول مكة بغير إحرام مطلقا. ذكره ابن القاص، واستدلوا له بحديث أنس عند الستة: (دخل رسول اللهﷺ- مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر) «١» وذلك من كونهﷺ- كان مستور الرأس بالمغفر، والمحرم يجب عليه كشف رأسه. ومن تصريح جابر والزهرى ومالك بأنه لم يكن محرما.
وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالا فقال: يحتمل أن يكون لعذر. انتهى. وتعقبه الشيخ ولى الدين ابن العراقى فقال: هذا يرده تصريح جابر وغيره: قال: وهذا الاستدلال فى غير موضع الخلاف المشهور، لأنهﷺ- كان خائفا من القتال متأهبا، ومن كان كذلك فله الدخول عندنا بلا إحرام بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه.
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وقد استشكل النووى فى شرح المهذب ذلك، لأن مذهب الشافعى أن مكة فتحت صلحا خلافا لأبى حنيفة فى قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذ فلا خوف. ثم أجاب عنه: بأنهﷺ- صالح أبا سفيان، وكان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحا وهو متأهب للقتال إن غدروا. انتهى.
وقد ذكرت ما فى فتح مكة من المباحث فى قصة فتحها من المقصد الأول. ثم إن غيرهﷺ- إذا لم يكن خائفا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرر دخوله، ففى وجوب الإحرام عليه قولان: أصحهما عند أكثرهم:
أنه لا يجب، وقطع به بعضهم، فإن تكرر دخوله كالحطابين ونحوهم ففيه خلاف مرتب وهو أولى بعدم الوجوب وهو المذهب.
وقال الحنابلة بوجوب الإحرام إلا على الخائف وأصحاب الحاجات، وأوجبه المالكية فى المشهور عندهم على غير ذوى الحاجات المتكررة، وأوجبه الحنفية مطلقا إلا من كان داخل الميقات. وقد تحرر أن المشهور من مذهب الشافعى: عدم الوجوب مطلقا. ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب إلا فيما استثنى.
* ومن خصائصهﷺ- أنه كان يقضى بعلمه من غير خلاف.
وأن يقضى لنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده. ولا تكره له الفتوى والقضاء فى حال الغضب، كما ذكره النووى فى شرح مسلم، وقد قضى للزبير بشراج الحرة «١» بعد أن أغضبه خصم الزبير. لعصمتهﷺ-، فلا يقول فى الغضب إلا كما يقول فى الرضى.
* وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة،
وليس لنا أن نصلى إلا على نبى أو ملك.
* وكان له أن يقتل بعد الأمان.
وأن يلعن من شاء بغير سبب:
واستبعد ذلك.
* وجعل الله شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون
لدعائهﷺ-
_________________
(١) موضع معروف بالمدينة، والقصة أخرجها البخارى (٢٣٦٠) فى المساقاة، باب: مسكر الأنهار، ومسلم (٢٣٥٧) فى الفضائل، باب: وجوب اتباعهﷺ-.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
بذلك «١» . قاله ابن القاص، وردوه عليه، حكاه الحجازى فى مختصر الروضة عن نقل الرافعى.
* وكان يقطع الأراضى قبل فتحها،
لأن الله ملكه الأرض كلها. وأفتى الغزالى بكفر من عارض أولاد تميم الدارى فيما أقطعهم. وقال: إنهﷺ- كان يقطع أرض الجنة فأرض الدنيا أولى.
القسم الرابع: فيما اختص بهﷺ- من الفضائل والكرامات.
* منها: أنه أول النبيين خلقا
«٢»، كما تقرر فى أول هذا الكتاب، وأنه كان نبيّا وآدم بين الروح والجسد، رواه الترمذى من حديث أبى هريرة.
* ومنها: أنه أول من أخذ عليه الميثاق
كما مر.
* ومنها: أنه أول من قال: «بلى» يوم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
رواه أبو سهل القطان فى جزء من أماليه.
* ومنها: أن آدم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله
«٣»، رواه البيهقى وغيره.
* ومنها: أن الله كتب اسمه الشريف على العرش،
وعلى كل سماء، وعلى الجنان وما فيها «٤» . رواه ابن عساكر عن كعب الأحبار.
_________________
(١) صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه مسلم (٢٦٠٠) فى البر والصلة، باب: من لعنه النبىﷺ- أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك، كان له زكاة وأجرا ورحمة من حديث عائشةرضي الله عنها-، و(٢٦٠١) من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه الترمذى (٣٦٠٩) فى المناقب، باب: فى فضل النبىﷺ-، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٦٦) و(٥/ ٥٩ و٣٧٩) من حديث ميسرة الفجررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٥٨١) بلفظ: «كنت نبيّا وآدم بين الروح والجسد» .
(٣) قلت: وفى ذلك مخالفة لقول الله ﷿ وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات: ٥٦، كما أن الأحاديث التى يستدلون بها فى هذا الأمر ضعيفة جدّا، بل وموضوعة أيضا.
(٤) قلت: وهو مثل ما قبله، ولو كان صحيحا لذكره أصحاب الصحاح أو السنن أو حتى أصحاب المسانيد والمعاجم.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
* ومنها: أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن بعده، أن يؤمنوا به وينصروه
، قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ «١» . قال على بن أبى طالب: لم يبعث الله نبيّا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمدﷺ- لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه.
* ومنها: أنه وقع التبشير به فى الكتب السالفة
كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-.
* ومنها: أنه لم يقع فى نسبه من لدن آدم سفاح
«٢» . رواه البيهقى والطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم فى الدلائل.
* ومنها: أنه نكست الأصنام لمولده
رواه الخرائطى- فى الهواتف- وغيره.
* ومنها: أنه ولد مختونا مقطوع السرة،
رواه الطبرانى، وتقدم ما فيه من البحث فى أول الكتاب.
* ومنها: أنه خرج نظيفا،
ما به قذر، رواه ابن سعد.
* ومنها: أنه وقع إلى الأرض ساجدا رافعا أصبعيه كالمتضرع المبتهل.
رواه أبو نعيم من حديث ابن عباس. ورأت أمه عند ولادته نورا خرج منها أضاء له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات الأنبياء. رواه الإمام أحمد، وكان مهدهﷺ- يتحرك بتحريك الملائكة، كما ذكره ابن سبع فى الخصائص، وكان القمر يحدثه وهو فى مهده، ويميل حيث أشار إليه، رواه ابن طغر بك فى «النطق المفهوم» وغيره. وتكلم فى المهد، رواه الواقدى وابن سبع، وظللته الغمامة فى الحر، رواه أبو نعيم والبيهقى، ومال إليه فىء الشجرة إذ سبق إليه، رواه البيهقى.
_________________
(١) سورة آل عمران: ٨١.
(٢) حسن: والحديث أخرجه ابن سعد عن ابن عباس كما فى «صحيح الجامع» (٣٢٢٣) .
[ ٢ / ٣٣٨ ]
* ومنها: شق صدره الشريف
«١» . رواه مسلم وغيره.
* وغطه جبريل عند ابتداء الوحى ثلاث غطات.
عدّ هذه بعضهم من خصائصهﷺ- كما نقله الحافظ ابن حجر، قال: ولم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحى.
* ومنها: أن الله تعالى ذكره فى القرآن عضوا عضوا،
فقلبه بقوله:
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى «٢» . وقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ «٣»، ولسانه بقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «٤»، وقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ* «٥» . وبصره بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٦»، ووجهه بقوله: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ «٧»، ويده وعنقه بقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ «٨»، وظهره وصدره بقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ
_________________
(١) قلت: ثبت ذلك فى أحاديث صحيحة منها ما أخرجه البخارى (٣٤٩) فى الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة فى الإسراء، ومسلم (١٦٢) فى الإيمان، باب: الإسراء برسول اللهﷺ- إلى السماوات، من حديث أنسرضي الله عنه-، وكان ذلك ليلة الإسراء بهﷺ-، وقد ذكر العلماء مرات أخرى لشق صدره، منها ما كان وهو صغير عند حليمة مرضعته وقد ذكر العلماأ أن الشق الأول كان لنزع العلقة التى قيل له عندها هذا حظ الشيطان منك، والشق الثانى للاستعداد للتلقى الحاصل له ليلة الإسراء، كما روى الطيالسى والحارث فى مسنديهما من حديث عائشة أن الشق وقع مرة أخرى عند مجىء جبريل له بالوحى فى غار حراء، والله أعلم، ومناسبته ظاهرة لتلقى الوحى، كما روى أنه شق صدره أيضا وهو ابن عشر سنين أو نحوها فى قصة له مع عبد المطلب أخرجها أبو نعيم فى الدلائل، وروى مرة خامسة، ولكنها لا تثبت، انظر فى ذلك «فتح البارى» لابن حجر (١/ ٤٦٠) .
(٢) سورة النجم: ١١.
(٣) سورة الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.
(٤) سورة النجم: ٣.
(٥) سورة مريم: ٩٧.
(٦) سورة النجم: ١٧.
(٧) سورة البقرة: ١٤٤.
(٨) سورة الإسراء: ٢٩.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ «١» . واشتق اسمه من اسم الله «المحمود» ويشهد له ما أخرجه البخارى فى تاريخه الصغير من طريق على بن زيد، قال: كان أبو طالب يقول:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وهو مشهور لحسان بن ثابت. وسمى أحمد، ولم يسم به أحد قبله «٢» .
رواه مسلم. ولأحمد من حديث على: أعطيت أربعا لم يعطهن أحد قبلى فذكر منها: وسميت أحمد «٣» .
* ومنها أنهﷺ- كان يبيت جائعا، ويصبح طاعما
يطعمه ربه ويسقيه من الجنة، كما سيأتى البحث فيه- إن شاء الله تعالى- فى صيامهﷺ- من مقصد عباداته.
* وكان يرى من خلفه كما يرى أمامه
«٤»، رواه مسلم.
ويرى فى الليل وفى الظلمة كما يرى بالنهار والضوء «٥» . رواه البيهقى.
* وكانت ريقه يعذب الماء الملح،
رواه أبو نعيم. ويجزى الرضيع، رواه البيهقى.
* ومنها: أنهﷺ- كان إذا مشى فى الصخر غاصت قدماه فيه،
كما هو مشهور قديما وحديثا على الألسنة «٦»، ونطق به الشعراء فى منظومهم، والبلغاء فى منثورهم، مع اعتضاده بوجود أثر قدمى الخليل إبراهيم﵇- فى حجر المقام المنوه به فى التنزيل فى قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ
_________________
(١) سورة الشرح: ١- ٣.
(٢) صحيح: والحديث أخرجه مسلم (٢٣٥٥) فى الفضائل، باب: فى أسمائهﷺ-، من حديث أبى موسى الأشعرىرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: وقد تقدم.
(٤) صحيح: وقد تقدم.
(٥) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٦/ ٧٠) .
(٦) قلت: لم يثبت ذلك فى شىء من كتب السنة أو السير.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
إِبْراهِيمَ «١» . وهو البالغ تعيينه- وأنه أثره- مبلغ التواتر، القائل فيه أبو طالب:
وموطئ إبراهيم فى الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل
وبما فى البخارى من حديث أبى هريرة مرفوعا من معجزة تأثير ضرب موسى فى الحجر ستّا أو سبعا إذ فرّ بثوبه لما اغتسل «٢» . إذ ما خص نبى بشىء من المعجزات والكرامات إلا ولنبيناﷺ- مثله، كما نصوا عليه، مع ما يؤيد ذلك: وهو وجود أثر حافر بغلته الشريفة- على ما قيل- فى مسجد بطيبة، حتى عرف المسجد بها، بحيث يقال له مسجد البغلة، وما ذاك إلا من سره السارى فيها ليكون ذلك أقوى فى الآية. وأوضح فى الدلالة على إيتائهﷺ- هذه الآية التى أوتيها الخليل فى حجر المقام على وجه أعلى منه.
بل قال الزبير بن بكار فيما نقله المجد الشيرازى فى المغانم المطابة بعد ذكره لأثر البغلة ومسجدها: وفى غربى هذا المسجد أثر كأنه أثر مرفق يذكر أنهﷺ- اتكأ عليه ووضع مرفقه عليه، وعلى حجر آخر أثر الأصابع، والناس يتبركون بهما.
وقال السيد نور الدين السمهودى فى كتاب «وفاء الوفا» بعد إيراد ذلك:
قلت ولم أقف فى ذلك على أصل إلا أن ابن النجار قال فى المساجد التى أدركها خرابا بالمدينة ما لفظه: ومسجدان قرب البقيع أحدهما يعرف بمسجد الإجابة، والثانى يعرف بمسجد البغلة، فيه إسطوان واحد، وهو خراب، وحوله نشز من الحجارة، فيه أثر يقولون إنه أثر حافر بغلة النبىﷺ-، وانتهى.
* وكان إبطهﷺ- لا شعر عليه،
قاله القرطبى، وكان أبيض غير متغير اللون، كما ذكره الطبرى وعده من الخصائص، وذكره بعض الشافعية،
_________________
(١) سورة آل عمران: ٩٧.
(٢) صحيح: والقصة أخرجها البخارى (٢٧٨) فى الغسل، باب: من اغتسل عريانا وحده فى الخلوة، ومسلم (٣٣٩) فى الحيض، باب: جواز الاغتسال عريانا فى الخلوة، وفى الفضائل، باب: من فضائل موسى﵇-.
[ ٢ / ٣٤١ ]
لحديث أنس «١» - المتفق عليه- أنهﷺ- كان يرفع يديه فى الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه.
وقال الشيخ جمال الدين الإسنوى فى «المهمات» إن بياض الإبط كان من خصائصهﷺ-. انتهى.
قال فى شرح تقريب الأسانيد: وما ادعاه من كون هذا من الخصائص فيه نظر، إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، بل لم يرد ذلك فى شىء من الكتب المعتمدة، الخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر، فإن الشعر إذا نتف بقى المكان أبيض، وإن بقى فيه آثار الشعر، ولذلك ورد فى حديث عبد الله بن أقرم الخزاعى، أنه صلى مع رسول اللهﷺ- فقال: كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد «٢»، خرجه الترمذى، وحسنه، والنسائى وابن ماجه، وقد ذكر الهروى فى «الغريبين»، وابن الأثير فى «النهاية» أن العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفرة الأرض، وهو وجهها، وهذا يدل على أن آثار الشعر هو الذى جعل المكان أعفر، وإلا فلو كان خاليا من نبات الشعر جملة لم يكن أعفر.
نعم الذى تعتقد فيهﷺ- أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان نظيفا طيب الرائحة، كما ثبت فى الصحيح.
* وكانﷺ- يبلغ صوته وسمعه
ما لا يبلغه صوت غيره ولا سمعه.
* وكان تنام عينه ولا ينام قلبه
«٣» . رواه البخارى.
* وما تثاءب قط.
رواه ابن أبى شيبة والبخارى فى تاريخه من مرسل
_________________
(١) تقدم حديث أنس.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٧٤) فى الصلاة، باب: ما جاء فى التجافى فى السجود، والنسائى (٢/ ٢١٣) فى الافتتاح، باب: صفة السجود، وابن ماجه (٨٨١) فى إقامة الصلاة، باب: السجود، وأحمد فى «المسند» (٤/ ٣٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
(٣) صحيح: وقد تقدم.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
يزيد بن الأصم قال: ما تثاءب نبى قط، ويؤيد ذلك. أن التثاؤب من الشيطان «١» رواه البخارى.
* وما احتلم قط،
وكذلك الأنبياء «٢» . رواه الطبرانى. وكان عرقه أطيب من المسك. رواه أبو نعيم وغيره.
وإذا مشى مع الطويل طاله،
رواه البيهقى، ولم يقع له ظل على الأرض، ولا رؤى له ظل فى شمس ولا قمر. ويشهد له أنهﷺ- لما سأل الله تعالى أن يجعل فى جميع أعضائه وجهاته نورا، ختم بقوله: «واجعلنى نورا» .
وكانﷺ- لا يقع على ثيابه ذباب قط.
نقله الفخر الرازى، ولا يمتص دمه البعوض، كذا نقله الحجازى وغيره. وما آذاه القمل، قاله ابن سبع فى «الشفاء» والسبتى فى «أعذب الموارد» .
ومنها: انقطاع الكهنة عند مبعثه،
وحراسة السماء من استراق السمع، والرمى بالشهب، قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها، فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى﵇- منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمدﷺ- منعوا من السماوات كلها، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمى بشهاب، وهو الشعلة من النار، فلا يخطئ أبدا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل الناس فى البرارى، وهذا لم يكن ظاهرا قبل مبعث النبىﷺ-، ولم يذكره أحد قبل زمانه. وإنما ظهر فى بدىء أمره، وكان ذلك أساسا لنبوته.
وقال معمر قلت للزهرى: أكان يرمى بالنجوم فى الجاهلية؟ قال: نعم.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٢٨٩) فى بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، ومسلم (٢٩٩٤) فى الزهد والرقائق، باب: تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٢) إسناده ضعيف وقد تقدم.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
قلت: أفرأيت قوله: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ «١» الآية، قال:
غلظت وشدد أمرها حين بعث محمدﷺ-.
وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن فى شدة الحراسة إلا بعد مبعثه، وقيل: إن النجم كان ينقض ويرمى الشياطين ثم يعود إلى مكانه. ذكره البغوى.
ومنها أنه أتى بالبراق ليلة الإسراء مسرجا ملجما،
قيل كانت الأنبياء إنما تركبه عريانا.
ومنها أنه أسرى بهﷺ- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
وعرج به إلى المحل الأعلى، وأراه من آيات ربه الكبرى، وحفظه فى المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وأحضر الأنبياء له وصلى بهم وبالملائكة إماما.
وأطلعه على الجنة والنار. وعزيت هذه للبيهقى.
ومنها: أنه رأى الله تعالى بعينيه
«٢»، كما يأتى فى مقصد الإسراء- إن شاء الله تعالى-، وجمع الله له بين الكلام والرؤية، وكلمه تعالى فى الرفيع الأعلى، وكلم موسى بالجبل.
ومنها أن الملائكة تسير معه حيث سار
يمشون خلف ظهره وقاتلت معه- كما مر- فى غزوة بدر وحنين.
ومنها: أنه يجب علينا أن نصلى ونسلم عليه،
لآية إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٣» إلى آخرها، ولم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم.
ومنها: أنه أوتى الكتاب العزيز، وهو أمى
لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة.
_________________
(١) سورة الجن: ٩.
(٢) قلت: لم يثبت هذا، والصحيح أنه رأى جبريل على صورته التى خلقه الله عليها مرتين، مرة حين البعثة، والآخرى ليلة الإسراء، كما قال علماء التفسير عند قول الله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى سورة النجم: ١٣.
(٣) سورة الأحزاب: ٥٦.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
ومنها: حفظ كتابه هذا من التبديل والتحريف،
حتى سعى كثير من الملحدة والمعطلة لا سيما القرامطة فى تغييره وتبديل محكمه، فما قدروا على إطفاء شىء من نوره، ولا تغيير كلمة من كلمه، ولا تشكيك المسلمين فى حرف من حروفه، قال تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «١» الآية.
وكتابه يشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب، جامعا لأخبار القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب، الذى قطع عمره فى تعلم ذلك.
ويسر الله تعالى حفظه لمتعلميه، وقربه على متحفظيه، كما قال تعالى:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ «٢» وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منها، فكيف بالجم الغفير على مرور السنين عليهم، والقرآن ميسر حفظه للغلمان فى أقرب مدة.
ومنها: أنه أنزل على سبعة أحرف
«٣» تسهيلا علينا، وتيسيرا وشرفا ورحمة وخصوصية لفضلنا.
ومنها: أنه تعالى تكفل بحفظه،
فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٤» أى من التحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى فى صفة القرآن: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٥»، وقوله: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا «٦» .
_________________
(١) سورة فصلت: ٤٢.
(٢) سورة القمر: ١٧.
(٣) حديث النزول على سبعة أحرف، أخرجه البخارى (٤٩٩٢) فى فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، ومسلم (٨١٨) فى صلاة المسافرين، باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، من حديث عمر بن الخطابرضي الله عنه-.
(٤) سورة الحجر: ٩.
(٥) سورة فصلت: ٤٢.
(٦) سورة النساء: ٨٢.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
فإن قلت: هذه الآية تنفى الاختلاف فيه، وحديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» المروى فى البخارى عن عمر، يثبته.
فأجاب الجعبرى فى أول شرحه للشاطبية: بأن المثبت اختلاف تغاير، والمنفى اختلاف تناقض، فموردهما مختلف. انتهى.
فإن قلت: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن فى الصحف، وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه؟
فالجواب: - كما قال الرازى- إن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك، قال: وقال أصحابنا:
وفى هذه الآية دلالة قوية على أن البسملة آية من أول كل سورة، لأن الله تعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونا عن التغيير، وإلا لما كان محفوظا عن الزيادة، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لوجب أيضا أن يظن بهم النقصان. وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة. واختلف فيه، كيف يحفظ القرآن؟
فقال بعضهم: حفظه بأن يجعله معجزا مباينا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه، لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه تغير نظم القرآن، فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن. وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفاده، بل قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف. وقال آخرون: المراد بالحفظ هو أن أحدا لو حاول أن يغير بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير فى حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا، ولم يتفق لشىء، من الكتب مثل هذا الكتاب، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتغيير والتحريف، وقد صان الله تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف، مع أن دواعى الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده، وقد انقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة سنة، وهو بحمد الله فى زيادة من الحفظ.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
ومنها: أنهﷺ- خص باية الكرسى،
وبالمفصل وبالمثانى، وبالسبع الطوال، كما فى حديث ابن عباس بلفظ: «وأعطيت خواتيم سورة البقرة من كنوز العرش، وخصصت به دون الأنبياء، وأعطيت المثانى مكان التوراة، والمئين مكان الإنجيل، والحواميم مكان الزبور، وفضلت بالمفصل» . رواه أبو نعيم فى الدلائل.
وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ «١»، وفى البخارى من حديث أبى هريرة عنهﷺ-: «أم القرآن هى السبع المثانى والقرآن العظيم» «٢» سائرة.
واختلفوا: لم سميت مثانى، فعن الحسن وابن عباس وقتادة لأنها تثنى فى الصلاة، فتقرأ فى كل صلاة، وقيل لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء، كما فى حديث أبى هريرة عنهﷺ-:
«يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين» «٣» . وقيل لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة. وعن مجاهد: لأن الله استثناها وادخرها لهذه الأمة، فما أعطاها غيرهم.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن السبع المثانى هى السبع الطوال، أولها سورة البقرة، وآخرها سورة الأنفال مع التوبة، وقال بعضهم:
سورة يونس بدل الأنفال: قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثانى لأن الفرائض والحدود والأمثال والخبر والعبر ثنيت فيها. وقال طاووس:
القرآن كله مثانى، قال الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ «٤»، وسمى القرآن مثانى لأن القصص ثنيت فيه والله أعلم.
_________________
(١) سورة الحجر: ٨٧.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٤/ ٤٧) فى التفسير، باب: قوله وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٣٩٥) فى الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة فى كل ركعة.
(٤) سورة الزمر: ٢٣.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ومنها: أنه أعطى مفاتيح الخزائن
«١» . قال بعضهم: وهى خزائن أجناس العالم ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم، فكل ما ظهر من رزق العالم فإن الاسم الإلهى لا يعطيه إلا عن محمدﷺ- الذى بيده المفاتيح، كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو، وأعطى هذا السيد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن.
ومنها: أنه أوتى جوامع الكلم،
فالكلم جمع كلمة، وكلمات الله تعالى لا تنفد، فالكلمة منه كلمات، ولما علم جوامع الكلم أعطى الإعجاز بالقرآن الذى هو كلام الله تعالى، وهو المترجم عن الله تعالى، فوقع الإعجاز فى الترجمة التى هى له، فإن المعانى المجردة عن المواد لا يتصور الإعجاز بها وإنما الإعجاز ربط هذه المعانى بصور الكلم القائم من نظم الحروف، فهو لسان الحق وسمعه وبصره.
ومنها: أنه بعث إلى الناس كافة،
قال بعضهم: وهو من الكفت، وهو الضم، قال الله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا «٢» تضم الأحياء على ظهرها، والأموتا فى بطنها، كذلك ضمت شريعتهﷺ- جميع الناس، فلا يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به، ولما سمع الجن القرآن يتلى قالوا: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ «٣» الآية، فضمت شريعته الإنس والجن، وعمت رحمته التى أرسل بها العالم، قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٤»، فمن لم تنله رحمته فما ذلك من جهته، وإنما ذلك من جهة القابل. فهو كالنور الشمسى أفاض شعاعه على الأرض، فمن استتر عنه فى كنّ أو ظل جدار فهو الذى لم يقبل انتشار النور عليه، وعدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع. انتهى.
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (١٣٤٤) فى الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد، ومسلم (٢٢٩٦) فى الفضائل، باب: إثبات حوض نبيناﷺ-، من حديث عقبة بن عامررضي الله عنه-.
(٢) سورة المرسلات: ٢٥.
(٣) سورة الأحقاف: ٣١.
(٤) سورة الأنبياء: ١٠٧.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
فإن قلت: إن نوحا كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، فإنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه، وقد كان مرسلا إليه، وقد جاء فى حديث جابر وغيره «وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود» «١» وفى رواية «إلى الناس كافة» .
أجاب الحافظ ابن حجر، - رحمه الله تعالى-: بأن هذا العموم الذى حصل لنوح﵇- لم يكن فى أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذى وقع، وهو انحصار الخلق فى الموجودين بعد هلاك سائر الناس. وأما نبيناﷺ- فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك.
وأما قول أهل الموقف لنوح- كما صح فى حديث الشفاعة-: إنه أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه ﷾ فى عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
واستدل بعضهم لعموم بعثته: بكونه دعا على جميع من فى الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا، لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٢»، وقد ثبت أنه أول الرسل.
وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم فى أثناء مدة نوح، وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم. فأجيب:
وهذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه نبئ فى زمن نوح غيره. ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبيناﷺ- فى ذلك بقاء شريعته. انتهى.
وأما قول بعض اليهود: أن نبينا محمداﷺ- إنما هو مبعوث إلى العرب خاصة، ففاسد. والدليل عليه أنهم- أى اليهود- سلموا أنه رسول صادق إلى العرب، فوجب أن يكون كل ما يقوله حقّا، وقد ثبت بالتواتر أنه
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٣٣٥) فى التيمم، باب: وقول الله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ومسلم (٥٢١) فى المساجد، باب: رقم (١) .
(٢) سورة الإسراء: ١٥.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
يدعى أنه رسول إلى كل الناس، فلو كذبوه فيه لزم التناقض، أشار إليه صاحب المعالم «١» .
ومنها: نصرهﷺ- بالرعب مسيرة شهر
«٢»، والشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط، فهو أسرع قاطع، لعموم رعبه فى قلوب أعدائه، فلا يقبل الرعب إلا عدو مقصود ليتميز السعيد من الشقى، ومفهوم هذا: أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب فى هذه المدة، ولا فى أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: «ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بينى وبينهم مسيرة شهر» «٣» فالظاهر اختصاصه به مطلقا. وإنما جعل الغاية شهرا، لأنه لم يكر بين بلدهﷺ- وبين أحد من أعدائه أكثر من شهر وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى ولو كان وحده بغير عسكر، وهل هى حاصلة لأمته من بعده، فيه احتمال.
ومنها: إحلال الغنائم ولم تحل لأحد قبله.
وقد كان من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له فى الجهاد، فلم تكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته «٤» . قال بعضهم: أعطىﷺ- ما يوافق شهوة أمته، لأن النفوس لها التذاذ بها، لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها وغلبة، فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها فى مقابلة ما قاسوه من الشدة والتعب.
ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا
«٥»، والمراد: موضع
_________________
(١) يقصد كتاب «معالم السنن» للخطابى.
(٢) صحيح: وقد ثبت ذلك فى حديث أخرجه مسلم (٢٢١) فى المساجد، باب: رقم (١) من حديث جابررضي الله عنه-.
(٣) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (٢/ ٢٢٢)، من حديث عبد الله بن عمرورضي الله عنهما-.
(٤) صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه البخارى (٣١٢٤) فى فرض الخمس، باب: قول النبىﷺ-: «أحلت لكم الغنائم»، ومسلم (١٧٤٧) فى الجهاد والسير، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٥) صحيح: وهو جزء من حديث جابر المتقدم قريبا.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
سجود، أى لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبنى للصلاة، وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة فى جميعها كان كالمسجد فى ذلك. وقيل المراد: جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا، وجعلت لغيرى مسجدا ولم تجعل له طهورا، لأن عيسى كان يسيح فى الأرض، ويصلى حيث أدركته الصلاة، قاله ابن التين ومن قبله الداودى.
وقيل: إنما أبيح لهم فى موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة فأبيح لهم فى جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته.
والأظهر: ما قاله الخطابى، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة فى أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ «وكان من قبلى إنما كانوا يصلون فى كنائسهم» وهذا نص فى موضع النزاع فتثبت الخصوصية. ويؤيده ما رواه البزار من حديث ابن عباس، نحو حديث جابر وفيه: ولم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى يبلغ محرابه قاله فى فتح البارى «١» .
ومنها: أن معجزتهﷺ- مستمرة إلى يوم القيامة،
ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت لوقتها، فلم يبق إلا خبرها، والقرآن العظيم لم تزل حجته قاهرة ومعارضته ممتنعة.
ومنها: أنه أكثر الأنبياء معجزة.
قال القاضى عياض: أما كونها كثيرة فهذا القرآن وكله معجز، وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين بسورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «٢» أو آية فى قدرها، وذهب بعضهم: إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة، وذهب آخرون إلى أن كل جملة منتظمة منه معجزة، وإن كانت من كلمة أو كلمتين.
قال القاضى: والحق ما ذكرناه أولا، لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٣» فهو أقل ما تحداهم به، مع ما ينصر هذا القول من نظر وتحقيق
_________________
(١) انظر «فتح البارى» (٨/ ٢٥٨) .
(٢) سورة الكوثر: ١.
(٣) سورة البقرة: ٢٣.
[ ٢ / ٣٥١ ]
يطول بسطه. وإذا كان هذا، ففى القرآن من الكلمات نحو سبع وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم، وعدد كلمات إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ عشر كلمات، فيتجزأ القرآن على نسبة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أزيد من سبعة آلاف جزء، فكل واحد منها معجز فى نفسه، ثم إعجازه- كما تقدم- بوجهين.
طريق بلاغته، وطريق نظمه، فصار فى كل جزء من هذا العدد معجزتان فتضاعف العدد من هذا الوجه، ثم فيه وجوه إعجاز أخر، من الإخبار بعلوم الغيب، فقد يكون فى السورة الواحدة من هذه التجزئة الإخبار عن أشياء من الغيب، كل خبر منها بنفسه معجز، فتضاعفت العدد كرة أخرى. ثم وجوه الإعجاز الآخر التى ذكرناها توجب التضعيف، هذا فى حق القرآن، فلا يكاد يأخذ العدد معجزاته، ولا يحوى الحصر براهينه، انتهى.
ومن ذلك انشقاق القمر وتسليم الحجر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعهﷺ-، ولم يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك، كما ذكره ابن عبد السلام وغيره، وتقدم ما فيه من المباحث.
ومنها: أنه خاتم الأنبياء والمرسلين،
قالﷺ-: «مثلى ومثل الأنبياء قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين» «١» . رواه البخارى ومسلم.
ومنها: أن شرعه مؤبد إلى يوم الدين،
وناسخ لجميع شرائع النبيين، وأنه أكثر الأنبياء تابعا كما قالﷺ-: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «٢» . رواه الشيخان من حديث أبى هريرة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٥٣٥) فى المناقب، باب: خاتم النبيينﷺ-، ومسلم (٢٢٨٦) فى الفضائل، باب: ذكر كونهﷺ- خاتم النبيين، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٤٩٨١) فى فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحى، ومسلم (١٥٢) فى الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمدﷺ- إلى جميع الناس.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
ومنها: أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه،
كما سيأتى تقريره- إن شاء الله تعالى-.
ومنها: أنه أرسل إلى الجن اتفاقا،
والدليل على ذلك قبل الإجماع:
الكتاب والسنة، قال تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا «١»، وقد أجمع المفسرون على دخول الجن فى هذه الآية، وهو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلا بدليل. وإن قيل إن الملائكة خارجون من ذلك فلا يضر، لأن العام المخصوص حجة عند جمهور العلماء والأصوليين، ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة. وقال تعالى فى الأحقاف: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ «٢»، فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم، وهو معنى بعثته إليهم، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما السنة، ففى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة: أن رسول اللهﷺ- قال: «فضلت على الأنبياء بست» فذكر منها «وأرسلت إلى الخلق كافة» «٣» فإنه يشمل الإنس والجن، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز. والكلام فيه كالكلام فى آية الفرقان [١] .
فإن قلت: إن قوله: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا «٤» وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ «٥» ظاهر فى اختصاص رسالتهﷺ- بالإنس، واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر.
فالجواب: إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق القائل بأن مفهوم اللقب حجة، و«الناس» من قبيل اللقب، فإن المسألة المترجمة فى الأصول «بمفهوم اللقب» لا تختص باللقب بل الأعلام كلها وأسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة. و«الناس» اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له. فهذه
_________________
(١) سورة الفرقان: ١.
(٢) سورة الأحقاف: ٣١.
(٣) صحيح: والحديث أخرجه مسلم (٥٢٣٠) فى المساجد، باب: رقم (١) .
(٤) سورة الأعراف: ١٥٨.
(٥) سورة سبأ: ٢٨.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
الآية ليس فيها أصلا ما يفهم منه أنه ليس رسولا إلى غيرهم إلا على مذهب الدقاق، بل ولا يتم على مذهب التمسك بهذا المفهوم أيضا لأن الدقاق إنما يقول به حيث لم يظهر غرض آخر سواه فى تخصيص ذلك الاسم، وحيث ظهر غرض لا يقول بالمفهوم، بل يحمل التخصيص على ذلك الغرض، والغرض فى الآية التعميم فى جميع الناس، وعدم اختصاص الرسالة ببعضهم، فلا يلزم نفى الرسالة عن غيرهم، لا على مذهب الدقاق ولا على مذهب غيره. وإنما خاطب الناس لأنهم الذين تغلب رؤيتهم والخطاب معهم، فمقصود الآية خطاب الناس، والتعميم فيهم لا النفى عن غيرهم، وهذا إذا قلنا إن لفظ الناس لا يشمل الجن، فإن قلنا إنه يشملهم فواضح.
والخلاف فيه مبنى على الخلاف فى اشتقاق «الناس»، هل هو من النوس، وهو الحركة، أو من الأنس ضد الوحشة؟ فإذا قلنا بالأول أطلق على الفريقين، ولكن استعماله فى الإنس أغلب، فحيث أطلق فالمراد به ولد آدم، وإذا قلنا بالثانى فلا، لأنا لا نبصر الجن ولا نأنس بهم، فدخول الجن فى الآية إما ممتنع وإما قليل فلا يحمل عليه، وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بها، لكنها لا تدل على خلافه.
وأما قول الضحاك ومن تبعه: أن الرسل إلى الجن منهم، لقوله تعالى:
مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«١» فهو ظاهر الآية، لكن لم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك فى هذه الملة. وإنما محل الخلاف فى ذلك فى الملل المتقدمة خاصة، وأما فى هذه الملة فنبينا محمد، - ﷺ- هو المرسل إليهم وإلى غيرهم، ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم مطلقا، ولا ينبغى أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع، على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلا من الإنس، ولم يكن من الجن قط رسول، لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب صح ذلك. ونظيره: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «٢» وهما يخرجان من الملح دون العذب، وقيل الرسل من الجن
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٣٠.
(٢) سورة الرحمن: ٢٢.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
رسل الرسل من بنى آدم إليهم لا رسل الله، لقوله تعالى: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ «١»، قاله بعض العلماء.
ومنها: أنه أرسل الملائكة
فى أحد القولين، ورجحه السبكى. قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا «٢» ولا نزاع أن المراد بالعبد هاهنا محمدﷺ-، والعالم هو ما سوى الله تعالى، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، وبطل بذلك قول من قال:
إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض، لأن لفظ «العالمين» يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى جميع الخلق.
ولو قيل لمدعى «خروج الملائكة من هذا العموم» أقم الدليل عليه ربما عجز عنه، فإنه يحتمل أن يكون من الملائكة من أنذرهﷺ- إما ليلة الإسراء وإما غيرها. لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم فى شىء خاص أن يكون بالشريعة كلها.
وإذا قلنا إن الملائكة هم مؤمنو الجن السماوية، فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذى قام الإجماع عليه، لزم عموم الرسالة لهم، لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ.
والجمهور: على أن «العالمين» فى آية الفرقان عام مخصوص بالجن والإنس كما فسر بهما حديث «وأرسلت إلى الخلق كافة» المروى فى مسلم.
وصرح الحليمى والبيهقى- فى الباب الرابع من شعب الإيمان- بأنهﷺ- لم يرسل إلى الملائكة، وفى الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه. وفى تفسير الإمام فخر الدين الرازى، والبرهان للنسفى: حكاية الإجماع فى تفسير آية الفرقان على أنه لم يكن رسولا إليهم، كما حكاه العلامة الجلال المحلى والله أعلم.
_________________
(١) سورة الأحقاف: ٢٩.
(٢) سورة الفرقان: ١.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وعبارة النسفى: ثم إنهم قالوا هذه الآية تدل على أحكام: أولها: أن قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا «١» يتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة. لكنا أجمعنا على أنهﷺ- لم يكن رسولا إلى الملائكة، بل يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعا. وهو عبارة الإمام فخر الدين أيضا.
وقد تعقب الجلال المحلى العلامة كمال الدين بن أبى شريف فقال:
اعلم أن البيهقى نقل ذلك عن الحليمى، فإنه قال: هذا معنى كلام الحليمى، وفى قوله هذا إشعار التبرى من عهدته، وبتقدير أن لا إشعار فيه فلم يصرح بأنه مرضى عنده. وأما الحليمى فإنه وإن كان من أهل السنة فقد وافق المعتزلة فى تفضيل الملائكة على الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-، وما نقله عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه عليه.
وأما ما ذكره من حكاية الرازى والنسفى الإجماع على أنهﷺ- لم يكن مرسلا إليهم، فقد وقع فى نسخ من تفسير الرازى «لكنا بيّنا» بدل «أجمعنا»، على أن قوله: «أجمعنا» ليس صريحا فى إجماع الأمة، لأن مثل هذه العبارة تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين، بل لو صرح به لمنع، فقد قال الإمام السبكى فى قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا قال المفسرون كلهم فى تفسيرها للجن والإنس، وقال بعضهم وللملائكة، انتهى.
وبالجملة: فالاعتماد على تفسير الرازى والنسفى فى حكاية إجماع انفردا بحكايته أمر لا ينتهض حجة على طريقة علماء النقل، لأن مدارك نقل الإجماع من كلام الأئمة وحفاظ الأمة كابن المنذر وابن عبد البر، ومن فوقهما فى الاطلاع كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة ومن يلحق بهم فى سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان لها من الشهرة عند علماء النقل ما يغنى عن بسط الكلام فيها.
واللائق بهذه المسألة التوقف عن الخوض فيها على وجه يتضمن دعوى القطع فى شىء من الجانبين، انتهى.
_________________
(١) سورة الفرقان: ١.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ومنها: أنه أرسل رحمة للعالمين،
كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» قال السمرقندى: يعنى للجن والإنس، وقيل لجميع الخلق، رحمة للمؤمن بالهداية ورحمة للمنافق بالأمان من القتل. وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر، لأن كل نبى إذا كذب أهلك الله من كذبه، ومحمدﷺ- أخر من كذبه إلى الموت أو القيامة. وأما من صدقه فله الرحمة فى الدنيا والآخرة، فذاتهﷺ- كما روى- رحمة تعم المؤمن والكافر كما قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ «٢» وقالﷺ-: «إنما أنا رحمة مهداة» «٣» رواه الدارمى والبيهقى من حديث أبى هريرة، وسيأتى فى المقصد السادس مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى-. والله الموفق.
* ومنها: أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم فى القرآن،
فقال: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا داود، يا زكريا، يا يحيى، يا عيسى، ولم يخاطب هو فيه إلا ب «يا أيها الرسول» «يا أيها النبى» «يا أيها المزمل» «يا أيها المدثر» .
* ومنها: أنه حرم على الأمة نداءه باسمه،
قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا «٤» أى لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبى الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت، وقيل: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا فى جواز الإعراض والمساهلة فى الإجابة.
* ومنها: أنه يحرم الجهر له بالقول،
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ
_________________
(١) سورة الأنبياء: ١٠٧.
(٢) سورة الأنفال: ٣٣.
(٣) تقدم.
(٤) سورة النور: ٦٣.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ «١» . قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ «٢» كان أبو بكر لا يكلم النبىﷺ- إلا كأخى السرار «٣» وروى أنهﷺ- ما كان يسمع كلام عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته «٤» .
وكان ثابت بن قيس فى أذنه وقر، وكان جهوريّا، فلما نزلت تخلف عن رسول اللهﷺ-، فتفقده ودعاه، فقال: يا رسول الله لقد أنزلت عليك هذه الآية، وإنى رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملى قد حبط، فقالﷺ-: «لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة» «٥» . قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشى بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة فى حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض الانكشاف وانهزمت طائفة منهم، فقاتل حتى قتل.
* ومنها: أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ «٦»، إذ العقل يقتضى حسن الأدب ومراعاة الحشمة وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ «٧»
_________________
(١) سورة الحجرات: ٢.
(٢) سورة الحجرات: ٢.
(٣) ذكره الحافظ فى «الفتح» (٨/ ٥٩١) وقال: وهذا مرسل، وقد أخرجه الحاكم موصولا نحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبى بكر، ولم يذكر عن أبيه.
(٤) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (٤٨٤٥) فى التفسير، باب: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية من حديث عبد الله بن الزبيررضي الله عنهما-.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٣٦١٣) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (١١٩) فى الإيمان، باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٦) سورة الحجرات: ٤.
(٧) سورة الحجرات: ٥.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
أى لكان الصبر خيرا لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسولﷺ- الموجبين للثناء والثواب.
* ومنها: أنه حبيب الله، وجمع له بين المحبة والخلة،
وسيأتى تحقيق ذلك وما فيه من المباحث فى آخر المقصد السابع، - إن شاء الله تعالى-.
* ومنها: أنه تعالى أقسم على رسالته وبحياته وببلده وعصره
، كما سيأتى فى المقصد السادس، - إن شاء الله تعالى-.
* ومنها: أنه كلم بجميع أصناف الوحى،
كما نقل عن ابن عبد السلام وسبق تحقيقه في المبعث من المقصد الأول.
* ومنها: أن إسرافيل هبط عليه، ولم يهبط على نبى قبله،
أخرجه الطبرانى من حديث ابن عمر: سمعت رسول اللهﷺ- يقول: «لقد هبط علىّ ملك من السماء ما هبط على نبى قبلى، ولا يهبط على أحد بعدى، وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربك إليك أمرنى أن أخبرك إن شئت نبيّا عبدا، وإن شئت نبيّا ملكا، فنظرت إلى جبريل فأومأ إلى أن تواضع، فلو أنى قلت نبيّا ملكا، لسارت الجبال معى ذهبا» «١» .
* ومنها: أنه سيد ولد آدم،
رواه مسلم من حديث أبى هريرة بلفظ:
«أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» «٢» وعند الترمذى من حديث أبى سعيد الخدرى «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر» «٣» .
وإنما قال ذلك إخبارا عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد، وتحدثا بنعمة الله عنده، وإعلاما لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: «ولا فخر» أى إن هذه الفضيلة التى نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسى، ولا بلغتها بقوتى، فليس لى أن أفتخر بها.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (١٢/ ٣٤٨)، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٩/ ١٩) وقال: وفيه يحيى بن عبد الله البابلتى، وهو ضعيف.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
* ومنها: أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،
قال الله تعالى:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «١» .
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصهﷺ- أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك، ويدل له قولهم فى الموقف: «نفسى نفسى» . وقال ابن كثير فى تفسير هذه الآية- يعنى آية الفتح- لم يشاركه فيها غيره. وقد أخرج أبو يعلى والطبرانى والبيهقى عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمداﷺ- على أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: فما فضله على أهل السماء، قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء:
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ «٢» وقال لمحمدﷺ-:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فقد كتب له براءة، قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ «٣» وقال لمحمد: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ «٤»، فأرسله إلى الإنس والجن.
* ومنها: أنه أكرم الخلق على الله
، فهو أفضل من كل المرسلين، وجميع الملائكة المقربين، وسيأتى الجواب عن قولهﷺ- فى حديث ابن عباس، عند مسلم: «ما ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» «٥» ونحو ذلك فى المقصد السادس- إن شاء الله تعالى-.
* ومنها: إسلام قرينه.
رواه مسلم من حديث ابن مسعود، والبزار من حديث ابن عباس.
_________________
(١) سورة الفتح: ٢.
(٢) سورة الأنبياء: ٢٩.
(٣) سورة إبراهيم: ٤.
(٤) سورة سبأ: ٢٨.
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (٣٣٩٦) فى أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى، ومسلم (٢٣٧٧) فى الفضائل، باب: فى ذكر يونس﵇-.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
* ومنها: أنه لا يجوز عليه الخطأ،
كما ذكره ابن أبى هريرة والماوردى:
وقال قوم: ولا النسيان، حكاه النووى فى شرح مسلم.
* ومنها: أن الميت يسأل عنه- ص فى قبره
، فعن عائشة أن رسول اللهﷺ- قال: «وأما فتنة القبر فبى يفتنون وعنى يسألون، فإذا كان الرجل أجلس، فيقال له ما هذا الرجل الذى كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله» «١» . الحديث رواه أحمد والبيهقى.
* ومنها: أنه حرم نكاح أزواجه من بعده،
قال الله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «٢» أى هن فى الحرمة كالأمهات، حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية، ولأنهن أزواج له فى الآخرة، وهذا فى غير المخيرات، فمن اختارت منهن الدنيا ففى حلها للأزواج طريقان: أحدهما طرد الخلاف، والثانى: القطع بالحل واختاره الإمام «٣» والغزالى.
وأزواجه اللاتى توفى عنهن محرمات على غيره أبدا، وفى جواز النظر إليهن وجهان: أشهرهما المنع، ويثبت لهن حكم الأمومة فى احترامهن وطاعتهن وتحريم نكاحهن، لا فى جواز الخلوة بهن والنفقة عليهن والميراث.
ولا يتعدى ذلك إلى غيرهن فلا يقال بناتهن أخوات للمؤمنين على الأصح.
وقيل: إنما حرمن لأنهﷺ- حى فى قبره، ولذا حكى الماوردى أنه لا يجب عليهن عدة الوفاة. وفى التى فارقها فى الحياة- كالمستعيذة- والتى رأى بكشحها بياضا- أوجه: أحدها، يحرمن أيضا، وهو الذى نص عليه الشافعى وصححه فى الروضة، لعموم الآية، وليس المراد بمن بعده بعدية الموت بل بعدية النكاح. وقيل: لا. والثالث: وصححه إمام الحرمين والرافعى فى الصغير: تحريم المدخول بها فقط، لما روى أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة فى زمن عمر، فهم عمر برجمه فأخبر أنها لم تكن مدخولا بها فكف. وفى أمة فارقها بعد وطئها أوجه ثالثها: تحرم إن فارقها بالموت- كمارية- ولا تحرم إن باعها فى الحياة. انتهى.
_________________
(١) صحيح: والحديث أخرجه أحمد فى «المسند» (٦/ ١٣٩)، وأصله فى الصحيح.
(٢) سورة الأحزاب: ٦.
(٣) يقصد: إمام الحرمين، الإمام الجوينى.
[ ٢ / ٣٦١ ]
* ومنها: ما عده ابن عبد السلام أنه يجوز أن يقسم على الله به
وليس ذلك لغيره، قال ابن عبد السلام: وهذا ينبغى أن يكون مقصورا على النبىﷺ-، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا فى درجته، وأن يكون هذا مما خص به لعلو درجته ومرتبته «١»، انتهى.
* ومنها: أنه يحرم رؤية أشخاص أزواجه فى الأزر،
وكذا يحرم كشف وجوههن وأكفهن لشهادة أو غيرها، كما صرحه به القاضى عياض، وعبارته:
فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف فى الوجه والكفين، فلا يجوز كشف ذلك فى شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستقرات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز، ثم استدل بما فى الموطأ، أن حفصة لما توفى عمررضي الله عنه- سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها لتستر شخصها. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، فقد كن بعد النبىﷺ- يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص.
انتهى.
وأما حكم نظر غير أزواجه ففى الروضة وأصلها عن الأكثرين: جواز النظر إلى وجه حرة كبيرة أجنبية وكفيها إذا لم يخف فتنة، مع الكراهة، وقوة كلام الشيخين: الرافعى والنووى تقتضى رجحانه، وصوبه فى «المهمات»
_________________
(١) قلت: روى الترمذى (٣٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٨٥)، وأحمد فى «المسند» (٤/ ١٣٨) عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبىﷺ- فقال: ادع الله أن يعافينى. قال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك»، قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة، إنى توجهت بك إلى ربى فى حاجتى هذه لتقضى لى، اللهم فشفعه فى» . ا. هـ إلا أن العلماء قد ذكروا أن هذا من خصائصهﷺ- حال حياته، لأن السائل قال: فشفعه فى، بمعنى: اقبل شفاعته (دعاءه) فى.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
لتصريح الرافعى فى الشرح بأن الأكثرين عليه، لكن نقل ابن العراقى أن شيخه البلقينى قال: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما فى المنهاج، وقد جزم به فى «التدريب»، وقوة كلام الشرح الصغير تقتضى رجحانه، وعلله باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات. ونقلا فى «الروضة» و«أصلها» هذا الاتفاق وأقراه.
وعورض: بنقل القاضى عياض عن العلماء مطلقا: أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها فى الطريق، وإنما هو سنة، وعلى الرجال غض البصر، وحكاه عنه النووى فى شرح مسلم وأقره. قاله الشيخ نجم الدين ابن قاضى عجلون فى تصحيح المنهاج والله أعلم. وكان النكاح فى حقهﷺ- عبادة مطلقا، كما قاله السبكى، وهو فى حق غيره ليس بعبادة عندنا، بل من المباحات، والعبادة عارضة له.
* ومنها: أن أولاد بناته ينسبون إليه،
قالﷺ- فى الحسن: «إن ابنى هذا سيد» «١» رواه أبو يعلى.
* ومنها: أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه.
قالﷺ-: «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببى ونسبى» «٢» . والنسب بالولادة والسبب بالزواج. قيل: إن أمته ينتفعون بالنسبة إليه يوم القيامة بخلاف أمة غيره.
* ومنها: أنه لا يتزوج على بناته.
فعن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول اللهﷺ- على المنبر يقول: «إن بنى هاشم بن المغيرة استأذنونى فى أن ينكحوا ابنتهم على بن أبى طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن أبى طالب أن طلق ابنتى وينكح ابنتهم، فإنما ابنتى بضعة
_________________
(١) صحيح: وقد تقدم.
(٢) صحيح: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ١٥٣)، والبيهقى فى «السنن الكبرى»، (٧/ ٦٣ و٦٤ و١١٤)، والطبرانى فى «الكبير» (٣/ ٤٤ و٤٥)، من حديث عمررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٥٢٧) .
[ ٢ / ٣٦٣ ]
منى يريا بنى ما رابها، ويؤذينى ما آذاها» «١» أخرجه الشيخان، وصححه الترمذى.
وعنه (أن على بن أبى طالب خطب بنت أبى جهل، وعنده فاطمة بنت النبىﷺ-، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبىﷺ- فقالت: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا على ناكح ابنة أبى جهل. قال المسور: فقال النبىﷺ- فسمعته حين تشهد قال: «أما بعد فإنى أنكحت أبا العاصى بن الربيع، فحدثنى فصدقنى، وإن فاطمة بنت محمد بضعة منى، وإنما أكره أن يفتنوها، وإنه والله لا تجتمع بنت رسول اللهﷺ- وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا» . قال: فترك على الخطبة) «٢»: أخرجه الشيخان.
واسم بنت أبى جهل هذه: جويرية، أسلمت وبايعت، وتزوجها عتاب ابن أسيد، ثم أبان بن سعيد بن العاصى. قال أبو داود: حرم الله تعالى على على أن ينكح على فاطمة فى حياتها، بقوله ﷿: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣» .
وذكر الشيخ أبو على السنجى، فى شرح التلخيص: أنه يحرم التزوج على بنات النبىﷺ-، ويحتمل أن يكون ذلك خاصّا بفاطمةرضي الله عنها-، وقد عللﷺ- بأن ذلك يؤذيه، وإذايتهﷺ- حرام بالاتفاق، وفى هذا تحريم أذى من يتأذى النبىﷺ- بتأذيه، لأن إيذاء النبىﷺ- حرام اتفاقا، قليله وكثيره. وقد جزمﷺ- بأنه يؤذيه ما آذى فاطمة، فكل من وقع منه فى حق فاطمة شىء فتأذت به فهو يؤذى النبىﷺ- بشهادة هذا الخبر الصحيح.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٢٣٠) فى النكاح، باب: ذب الرجل عن ابنته فى الغيرة والإنصاف، ومسلم (٢٤٤٩) فى فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبى- عليهما الصلاة والسلام-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٧٢٩) فى المناقب، باب: ذكر أصهار النبىﷺ-، ومسلم (٢٤٤٩) فيما تقدم.
(٣) سورة الحشر: ٧.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبىﷺ- أقرب إلى خشية الافتتان فى الدين، ومع ذلك فكانﷺ- يستكثر من الزوجات، وتوجد منهن الغيرة، ومع ذلك ما راعىﷺ- ذلك فى حقهن، كما راعاه فى حق فاطمة؟
وأجيب: بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادة عليه وهو زوجهنﷺ- لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخواطر، بحيث إن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خلقه وجميل خلقه جميع ما يصدر منه، بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب.
ومنها «١»: أنه لا يجتهد فى محراب صلى إليه يمنة ولا يسرة،
وأفتى شيخ الإسلام أبو زرعة ابن العراقى فى شخص امتنع من الصلاة إلى محراب النبىﷺ- وقال: أنا أجتهد وأصلى، بأنه إن فعل ذلك مع الاعتراف بأنه على ما كان فى زمن النبىﷺ- فهو ردة، وإن ذكر تأويلا بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه فى زمنهﷺ- بل غير عما كان عليه، فهذا سبب اجتهادى، لم يحكم بردته، وإن لم يكن هذا التأويل صحيحا.
ومنها: أن من رآه فى المنام فقد رآه حقّا
فإن الشيطان لا يتمثل به. وفى رواية مسلم «من رآنى فى المنام فسيرانى فى اليقظة أو لكأنما رآنى فى اليقظة، لا يتمثل الشيطان بى» «٢» . قال الحافظ ابن حجر: ووقع عند الإسماعيلى:
«فقد رآنى فى اليقظة» بدل قوله «فسيرانى» ومثله عند ابن ماجه وصححه الترمذى من حديث ابن مسعود «٣» . وفى رواية أبى قتادة- عند مسلم أيضا-
_________________
(١) ومنها هنا عائدة على خصائصهﷺ- التى هى موضوع هذا الباب.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٦٩٩٣) فى التعبير، باب: من رأى النبىﷺ- فى المنام، ومسلم (٢٢٦٦) فى الرؤيا، باب: قول النبىﷺ-: «من رآنى فى المنام فقد رآنى»، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٢٧٦) فى الرؤيا، باب: ما جاء فى قول النبىﷺ-: «من رآنى فى المنام فقد رآنى»، وابن ماجه (٣٩٠٠) فى تعبير الرؤيا، باب: رؤية النبىﷺ- فى المنام، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ٢ / ٣٦٥ ]
«من رآنى فقد رأى الحق» «١» . وله أيضا من حديث جابر «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنه لا ينبغى للشيطان أن يتمثل فى صورتى» «٢» وفى رواية «من رآنى فى المنام فقد رآنى فإنه لا ينبغى للشيطان أن يتشبه بى» . وفى حديث أبى سعيد عند البخارى «فإن الشيطان لا يتكوننى» «٣» أى لا يتكون كونى، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل.
وفى حديث أبى قتادة عند البخارى «لا يتراءى بى» «٤» بالراء، بوزن يتعاطى، ومعناه: لا يستطيع أن يتمثل بى، يعنى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصور فى أى صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور فى صورة النبىﷺ-.
وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا فى الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائى على صورته التى كان عليها، ومنهم من ضيق الذرع فى ذلك حتى قال: لابد أن يراه على صورته التى قبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التى لم تبلغ عشرين شعرة.
وعن حماد بن زيد قال: كان محمد- يعنى ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبىﷺ- قال: صف الذى رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح. وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب: حدثنى أبى قال: قلت لابن عباس، رأيت النبىﷺ- فى المنام، قال: صفه لى، قال: فذكرت الحسن بن على فشبهته به، قال: قد رأيته، وسنده جيد.
لكن يعارضه: ما أخرجه ابن أبى عاصم من وجه آخر عن أبى هريرة قال: قال رسول اللهﷺ-: «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنى أرى فى كل
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦٩٩٦) فى التعبير، باب: من رأى النبىﷺ- فى المنام، ومسلم (٢٢٦١) فى الرؤيا، باب: قول النبىﷺ-: «من رآنى فى المنام فقد رآنى» .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٦٨) فى الرؤيا، باب: قول النبىﷺ-: «من رآنى فى المنام فقد رآنى» .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٦٩٩٧) فى التعبير، باب: من رأى النبىﷺ- فى المنام.
(٤) صحيح: وقد تقدم حديث أبى قتادة قبل حديثين.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
صورة» «١» وفى سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط. قال القاضى أبو بكر بن العربى: رؤيتهﷺ- بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال.
قال: وقد شذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلا.
قال وقوله: «فسيرانى» معناه فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق وغيب، وأما قوله «فكأنما رآنى» فهو تشبيه ومعناه: أنه لو رآنى فى اليقظة لطابق ما رآه فى المنام، فيكون الأول حقّا وحقيقة، والثانى حقّا وتمثيلا. قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة، فإن رآه على خلاف صفته فهى أمثال. فإن رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائى، وعلى العكس فبالعكس.
وقال القاضى عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله «فقد رآنى» أو «فقد رأى الحق» أن من رآه على صورته المعروفة فى حياته كانت رؤياه حقّا، ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل، انتهى. وتعقبه النووى فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى. وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فقال: لم يظهر لى من كلام القاضى عياض ما ينافى ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة فى الحالين، لكن فى الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية: مما يحتاج إلى التعبير.
وقال بعضهم؛ معناه، أن من رآه [رآه] «٢» على صورته التى كان عليها.
ويلزم من قول من قال: «إنه لا تكون رؤيته إلا على صورته المعلومة» أن من
_________________
(١) إسناده ضعيف: ذكره الحافظ فى «الفتح» (١٢/ ٣٨٤) وقال: وفى سنده صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط، ا. هـ. قلت: والروايات السابقة أيضا ذكرها الحافظ ابن حجر فى نفس الموضع.
(٢) زيادة من المصدر السابق، وهى صحيحة.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام. ومن المعلوم أنه يرى فى النوم على حالة بخلاف حالته فى الدنيا من الأحوال اللائقة به، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشىء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله:
«فإن الشيطان لا يتمثل بى» فالأولى أن ننزه رؤياه، وكذا رؤيا شىء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ فى الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان فى يقظته، فالصحيح فى تأويل هذا الحديث: أن مقصوده أن رؤيته فى كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا، بل هى حق فى نفسها، ولو رؤى على غير صورته، فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله، وهذا قول القاضى أبى بكر الطيب وغيره. ويؤيده قوله: «فقد رأى الحق» أشار إليه القرطبى.
وقال ابن بطال: قوله: «فسيرانى فى اليقظة» يريد تصديق تلك الرؤيا فى اليقظة وصحتها وخروجها على الحق، وليس المراد أنه يراه فى الآخرة، لأنه سيراه يوم القيامة فى اليقظة جميع أمته، من رآه فى النوم ومن لم يره.
وقال المازرى: إن كان المحفوظ «فكأنما رآنى فى اليقظة» فمعناه ظاهر، وإن كان المحفوظ «فسيرانى فى اليقظة» احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه، فإنه إذ رآه فى المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك فى اليقظة، وأوحى الله بذلك إليهﷺ-. وقيل معناه: سيرى تأويل تلك الرؤيا فى اليقظة وصحتها.
وأجاب القاضى عياض: باحتمال أن تكون رؤياه له فى النوم على الصفة التى عرف بها، ووصف عليها، موجبة لتكرمته فى الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، أو الشفاعة له، بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات. قال: ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين فى القيامة بمنع رؤية نبيهﷺ- مدة.
وحمله ابن أبى جمرة على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس أو غيره، أنه رأى النبىﷺ- فى النوم، فبقى بعد اليقظة متفكرا فى هذا الحديث،
[ ٢ / ٣٦٨ ]
فدخل على بعض أمهات المؤمنين- لعلها خالته ميمونة- فأخرجت له المرآة التى كانت للنبىﷺ- فنظر فيها صورة النبىﷺ- ولم ير صورة نفسه.
وقال الغزالى: ليس معنى قوله: «فقد رآنى» أنه رأى جسمى وبدنى وإنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذى فى نفسى إليه، وكذلك قوله: «فسيرانى فى اليقظة» ليس المراد أنه يرى جسمى وبدنى.
قال: والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفىﷺ- ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى فى المنام، فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهى تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال آلة حقّا فى كونه واسطة فى التعريف، فيقول الرائى: رأيت الله ﷿ فى المنام، لا يعنى أنى رأيت ذات الله تعالى، كما يقول فى حق غيره.
وقال الغزالى أيضا فى بعض فتاويه: من رأى الرسول- يعنى فى المنام- لم ير حقيقة شخصه المودع روضة المدينة، وإنما رأى مثاله لا شخصه، ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة والشكل.
وقال الطيبى: المعنى من رآنى فى المنام بأى صفة كنت فليبشر وليعلم أنه قد رآنى الرؤيا الحق، أى رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله: «فقد رآنى» فالشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية فى الكمال، أى فقد رآنى رؤيا ليس بعدها شىء.
والحاصل من الأجوبة:
أنه على التشبيه والتمثيل ويدل عليه قوله «فكأنما رآنى فى اليقظة» .
ثانيها: معناه، سيرى فى اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة.
ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
رابعها: المراد أنه فى المرآة التى كانت له إن أمكنه ذلك، قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر: وهذا من أبعد المحامل.
خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من رآه حينئذ ممن لم يره فى المنام.
والصواب كما قدمناه فى رؤيتهﷺ- التعميم، على أى حالة رآه الرائى بشرط أن يكون على صورته الحقيقية فى وقت ما، سواء كان فى شبابه أو رجوليته أو كهوليته، أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائى، كما قال بعض علماء التعبير: إن من رآه شيخا فهو غاية سلم، ومن رآه شابّا فهو غاية حرب.
وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيّا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائى وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا فذلك دال على سوء حال الرائى.
وقال العارف ابن أبى جمرة: من رآه فى صورة حسنة فذاك حسن فى دين الرائى، وإن كان فى جارحة من جوارحه شين أو نقص فذلك خلل فى الرائى من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى فى رؤياه حتى يتبين للرائى هل عنده خلل أو لا؟ لأنهﷺ- نورانى مثل المرآة الصقيلة، ما كان فى الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها، وفى ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها، كذلك يقال فى كلامهﷺ- فى النوم: أنه يعرض على سنته، فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل فى سمع الرائى، فرؤيا الذات الكريمة حق، والخلل إنما هو فى سمع الرائى له أو بصره، قال: وهذا غير ما سمعته فى ذلك، انتهى.
وقال بعضهم: ليست رؤيتهﷺ- رؤيا عين، إنما يرى بالبصائر، وذلك لا يستدعى حصر المرئى بل يرى من المشرق إلى المغرب ومن الأرض إلى العرش، كما ترى الصورة فى المرآة المحاذية لها، وليست الصورة منتقلة إلى جرم المرآة، وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
واختلاف رؤيتهﷺ- بأن يراه بعضهم شيخا وآخر شابّا، وآخر ضاحكا وآخر باكيا، يرجع إلى حال الرائين، كاختلاف الصورة الواحدة فى مرائى مختلفة الأشكال والمقادير، ففى الكبيرة يرى وجهه كبيرا، وفى الصغيرة صغيرا، وفى المعوجة معوجّا، وفى الطويلة طويلا، إلى غير ذلك، فالاختلاف راجع إلى اختلاف أشكال المرائى، لا إلى وجه الرائى. كذلك الراؤون لهﷺ- أحوالهم بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه متبسما إليه دل على أن الرائى متمسك بسنته، والله أعلم.
وقد أجاب الشيخ بدر الدين الزركشى عن سؤال رؤية جماعة لهﷺ- فى آن واحد من أقطار متباعدة، مع أن رؤيتهﷺ- حق: بأنهﷺ- سراج، ونور الشمس فى هذا العالم، مثال نوره فى العوالم كلها، وكما أن الشمس يراها كل من فى المشرق والمغرب فى ساعة واحدة وبصفات مختلفة فكذلك النبىﷺ-، ولله در القائل:
كالبدر من أى النواحى جئته يهدى إلى عينيك نورا ثاقبا
وأما رؤيتهﷺ- فى اليقظة بعد موتهﷺ- فقال شيخنا: لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة، ولا عن من بعدهم.
وقد اشتد حزن فاطمة عليهﷺ- حتى ماتت كمدا بعده بستة أشهر- على الصحيح- وبيتها مجاور لضريحه الشريف، ولم ينقل عنها رؤيته فى المدة التى تأخرت عنه.
وإنما حكى بعض الصالحين حكايات عن أنفسهم، كما هو فى «توثيق عرى الإيمان» للبارزى و«بهجة النفوس» لأبى محمد عبد الله بن جمرة، و«روض الرياحين» للعفيف اليافعى، وغيره من تصانيفه، والشيخ صفى الدين ابن أبى المنصور فى رسالته.
وعبارة ابن أبى جمرة: قد ذكر عن السلف والخلف إلى هلم جرّا عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث يعنى «من رآنى فى المنام فسيرانى فى اليقظة» أنهم رأوهﷺ- فى النوم فرأوه بعد ذلك فى اليقظة، وسألوه عن
[ ٢ / ٣٧١ ]
أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التى منها يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص.
ثم قال: والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يكون ممن يصدق بكرامات الأولياء، أو لا، فإن كان الثانى فقد سقط البحث معه، فإنه مكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، وإن كان الأول فهذه منها، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة فى أشياء فى العالمين العلوى والسفلى عديدة مع التصديق بذلك «١» .
وقال الشيخ ابن أبى المنصور فى رسالته، ويقال: إن الشيخ أبا العباس القسطلانى دخل مرة على النبىﷺ- فقال النبىﷺ-: «أخذ الله بيدك يا أحمد» . وعن الشيخ أبى السعود قال: وكنت أزور شيخنا أبا العباس وغيره من صلحاء مصر فلما انقطعت واشتغلت وفتح على، لم يكن لى شيخ إلا النبىﷺ-، وأنه كان يصافحه عقب كل صلاة.
وقال الشيخ أبو العباس الحراز: دخلت على النبىﷺ- مرة فوجدته يكتب مناشير الأولياء بالولاية، قال: وكتب لأخى محمد معهم منشورا، فقلت: يا رسول الله، ما تكتب لى كأخى؟ قال: «أتريد أن تكون فمهارا» وهذه لغة أندلسية، تعنى طريقا، وفهم عنه أن له مقاما غير هذا.
وقال حجة الإسلام الغزالى فى كتابه «المنقذ من الضلال»: وهم- يعنى
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٩١): وهذه رؤية فى المنام وأما فى اليقظة فمن ظن أن أحدا من الموتى يجىء بنفسه للناس عيانا قبل القيامة فمن جهله أتى، ومن هنا ضلت النصارى حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب- كما يظنون- أنه أتى إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم وهذا مذكور فى أناجيلهم وكلها تشهد بذلك، وذاك الذى جاء كان شيطانا قال: أنا المسيح، ولم يكن هو المسيح نفسه، ويجوز أن يشتبه مثل هذا على الحواريين، كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين، ولكن ما أخبرهم المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذى يجب عليهم تبليغه، ولم يرفع حتى بلغ رسالات ربه، فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء. اه. قلت: وكذلك الحال مع نبيناﷺ- لا يجىء لأحد بعد موته فى الحياة الدنيا، ولو كان ذلك حقّا لجاء إلى أناس لا خلاف على كراماتهم كأصحابه.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
أرباب القلوب- فى يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد. انتهى.
ورأيت فى كتاب المنح الإلهية فى مناقب السادة الوفائية عن سيدى على ابن سيدى محمد وفا أنه قال فى بعض مشاهده: كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب، فأتيته يوما فرأيت إنسانا يقرأ عليه سورة الضُّحى «١» وصحبته رفيق له وهو يلوى شدقيه بالإمالة، ورفيقه يضحك إعجابا، فرأيت النبىﷺ- يقظة لا مناما وعليه قميص أبيض قطن، ثم رأيت القميص على فقال لى: اقرأ فقرأت عليه سورة وَالضُّحى وأَ لَمْ نَشْرَحْ ثم غاب عنى، فلما بلغت إحدى وعشرين أحرمت بصلاة الصبح بالقرافة فرأيت النبىﷺ- قبالة وجهى فعانقنى فقال لى: وأما بنعمة ربك فحدث، فأوتيت لسانه من ذلك الوقت. انتهى.
وأما ما حكاه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله فى «لطائف المنن» عن الشيخ أبى العباس المرسى، أنه كان مع الشيخ أبى الحسن الشاذلى بالقيروان فى ليلة الجمعة سابع عشرى رمضان، فذهب معه إلى الجامع.. الحكاية، إلى أن قال: ورأيت رسول اللهﷺ- وهو يقول: «يا على طهر ثيابك من الدنس تحط بمدد الله فى كل نفس إلخ»، فيحتمل أن يكون مناما.
وكذلك قول الشيخ قطب الدين القسطلانى: كنت أقرأ على أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبى بالمدينة النبوية، فجئته يوما فى وقت خلوة، وأنا يومئذ حديث السن فخرج إلى وقال لى: من أدبك بهذا الأدب؟
وعاب على، قال: فذهبت وأنا منكسر الخاطر، فدخلت المسجد وقعدت عند قبر النبىﷺ-، فبينا أنا جالس على تلك الحال، فإذا بالشيخ قد جاءنى وقال: قم، فقد جاء فيك شفيع لا يرد.
ونحوه: ما حكاه السهروردى فى «عوارف المعارف» عن الشيخ
_________________
(١) سورة الضحى: ١.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
عبد القادر الكيلانى أنه قال: ما تزوجت حتى قال لى رسول اللهﷺ-:
«تزوج» «١» .
وحكى عن السيد نور الدين الإيجى، والد السيد عفيف الدين، أنه فى بعض زياراته للنبىﷺ- سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف:
عليك السلام يا ولدى.
وقال البدر حسن بن الأهدل فى مسألة الرؤية له: إن وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، وصار العلم بذلك قويّا، انتفى عنه الشك، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له شبهة فيه، ولكن يقع لهم ذلك فى بعض غيبة حسّ وغموض طرف، لورود حالة لا تكاد تضبطها العبارة.
ومراتبهم فى الرؤية متفاوتة، وكثيرا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد رواية متصلة صحيحة عمن يوثق به. وأما من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى مناما، أو فى غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالا ونورا فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان فيجب التحرز فى هذا الباب.