قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: مكث رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول: "من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة". حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام ثم ائتمروا جميعا فقلنا: حتى متى نترك رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا: يا رسول الله نبايعك؟ قال: "تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم فقال: رويدًا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب أعناق الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٠).
[ ٤٩٤ ]
فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط يعطينا على ذلك الجنة، ﵃ أجمعين. (١)
خطيب الأنصار أبو أمامة أسعد بن زرارة (﵁) يوم العقبة
حدثنا محمَّد بن منصور الجواز قال: ثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: ذهب النبي - ﷺ - وذهب معه بالعباس يوم العقبة فقال العباس: اعلموا (٢) يا معشر الأنصار وأوجزوا فإن علينا عيونا، قال الشعبي: فخطب أبو أمامة أسعد بن زرارة ما خطب المرد ولا الشيب بمثلها قط، فقال: يا رسول الله اشترط لربك واشترط لنفسك واشترط لأصحابك، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم وأشترط لأصحابي المواساة في ذات أيديكم، قالوا: هذا لك فما لنا؟ قال: الجنة، قال: ابسط يدك. (٣)
حديث العقبة كما رواه كعب بن مالك (﵁)
حدثنا عبد الملك بن محمَّد، عن زياد بن عبد الله قال: قال ابن إسحاق: فحدثني معبد بن كعب بن مالك أخو بن سلمة، أن (أخاه) عبيد الله بن كعب بن مالك -وكان من أعلم الأنصار- حدثه أن أباه كعب بن مالك، -وكان كعب ممّن شهد العقبة، وبايع رسول الله - ﷺ - قال: فخرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد فقهنا وصلينا، ومعنا البراء بن معرور -﵁- سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء بن معرور -﵁-: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيًا، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ فقلنا: ما هو؟ قال: تصلون إلى الكعبة! قال: قلنا: ما أمرنا نبينا - ﷺ -، نصلي إلا إلى الشام. وما نريد أن نخالفه. قال: إني لمصل إليها. قال: قلنا: لا تفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاة نصلي إلى الشام ويصلي إلى الكعبة، حتى
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ج ٣/ ٣٢٢.
(٢) تكلموا يا معشر الأنصار.
(٣) هذه رواية الدولابي في الكنى وقد روى ذلك ابن أبي شيبة وابن عساكر.
[ ٤٩٥ ]
قدمنا مكة وقد عبنا ما صنع، وأبى إلا الإقامة عليه. قال: فلما قدمنا مكة، قال: يا أخي انطلق إلى رسول الله - ﷺ - حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإني والله لقد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه، فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه، لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلًا من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله - ﷺ - فقال: هل تعرفونه؟ قال: قلنا: لا. قال: فهل تعرفون العباس بن عبد المطلب -﵁-؟ قال: قلنا: نعم -وكنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا- قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الذي جالس مع العباس -﵁-، فدخلنا المسجد، فإذا العباس -﵁- جالس ورسول الله - ﷺ - معه جالس، فسلمنا، ثم جلسنا إليه، فقال النبي - ﷺ - للعباس -﵁-: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء ابن معرور، سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ: الشاعر؟ -يريد كعب بن مالك -﵁- قال: نعم، قال: فقال البراء بن معرور -﵁-: يا نبي الله إني قد خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله -تعالى- إلى الإِسلام، فرأيت ألا (أضع) هذه البنية بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال - ﷺ -: "قد كنت على قبلة لو صبرت عليها".
قال: فرجع البراء -﵁- إلى قبلة رسول الله - ﷺ -، فصلى معنا إلى الشام. وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس كذلك كما قالوه، ونحن أعلم به منهم.
ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله - ﷺ - العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت ليلة التي واعدنا رسول الله - ﷺ - العقبة من أوسط أيام التشريق، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام -أبو جابر- سيد من ساداتنا، وكلنا يكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت عليه أن تكون حطبًا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإِسلام، وأخبرناه بميعادنا رسول الله - ﷺ - العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا من رجالنا لميعاد رسول الله - ﷺ - مستخفين تسلل القطا، إذ
[ ٤٩٦ ]
اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلًا، منهم امرأتان، نسيبة بنت كعب، أم (عمارة)، إحدى بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي إحدى بني سلمة، وهي: أم منيع. قال: فاجتمعنا بالشعب، ننتظر رسول الله - ﷺ - حتى جاءنا ليلتئذ مع عمه العباس بن عبد المطلب -﵁- وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، فيوثق له، فلما جلسنا كان العباس -﵁- أول من تكلم، فقال: يا معشر الخزرج- قال: وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج أوسها وخزرجها- إن محمَّدًا - ﷺ - منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا، (ممّن) هو على رأينا، وهو في عز من قومه، ومنعة من بلده.
قال: قلنا: ما قلت. فتكلم رسول الله - ﷺ - فدعى إلى الله -تعالى- ورغب في الإسلام، ثم قال صلى الله عله وسلم: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
قال: فأخذ البراء بن معرور -﵁- بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا يا رسول الله فبايعنا فنحن والله أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر. فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله - ﷺ - أبو الهيثم ابن التيهان -حليف بني عبد الأشهل- فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس حبالا، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال: فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، دمي مع دمائكم، وهدمي مع هدمكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم".
وقد قال لهم النبي - ﷺ -: "أخرجوا إلي اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم". فأخرجوا منهم اثنى عشر رجلا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. (١)
وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، قال: قال ابن إسحاق: وأما [معبد] بن كعب بن مالك فحدثني عن أخيه -عبد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك﵁- أنه كان يقول: أول من ضرب على يد رسول الله - ﷺ - البراء ابن معرور -﵁- وتتابع القوم. فلما بايعنا رسول الله - ﷺ - صرخ
_________________
(١) رواه أحمد في المسند: ٣/ ٤٦٠ - ٤٦٢.
[ ٤٩٧ ]
الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعه قط: يا أهل الجباجب والجباحب: المنازل- هل لكم في مذمم والصباء، وقد اجتمعوا على حربكم؟
-والمذمم من كلام العرب: المهين الكسير-.
قال: فقال رسول الله - ﷺ -: ما يقول عدو الله ثم قال رسول الله ﷺ: "هذا ابن أزيب، تسمع يا عدو الله لأفرغن لك". ثم قال رسول الله ﷺ: "ارفضوا إلى رحالكم".
قال: فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا. فقال رسول الله - ﷺ -: لم أؤمر بذلك".
قال: فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا، حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة من قريش حتى جاؤونا في منازلنا. قال: فقالوا: يا معشر الخزرج، قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجوه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وأنه والله ما من العرب أحد [أبغض] إلينا من أن تشب الحرب بيننا وبينه منكم. قال: فأتبعه هنالك قوم من قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه. وصدقوا، لم يعلموا ما كان منا. وبعضنا ينظر إلى بعض. قال: ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان، فقلت كلمة كأني أريد أشرك القوم فيما قالوا: يا أبا جابر، أما تستطع وأنت سيد من ساداتنا أن تتخذ نعلًا مثل نعل هذا الفتى من قريش؟ فسمعها الحارث، فخلعها ثم رمى بها إلي. قال: فقلت: والله لا أردها، فأل صالح قال: والله، لئن صدق الفأل لأسلبنه.
العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري يستوثق لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري -أخو بني سالم بن عوف-:
"يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ " قالوا: "نعم". قال: "إنكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس! فإن كنتم ترون أنكم إذا هلكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا، أسلمتموه، فمن الآن. فهو، والله! إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة". قالوا: "فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا يا رسول الله! إن نحن وفينا؟ " قال: "الجنة".
[ ٤٩٨ ]
وفي رواية اليعقوبي: "أن يمنعوه وأهله مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم. وعليهم أن يحاربوا معه الأسود والأحمر، وأن ينصروه على القريب والبعيد. وشرط لهم الوفاء بذلك الجنة".
قالوا: "أبسط يدك" فبسط يده، فبايعوه (١)
أسماء النقباء الإثنى عشر في بيعة العقبة الآخرة
قال رسول الله - ﷺ -: "أخرجوا منكم اثني عشر نقيبا" فأخرجهم، فكان نقيب بني النجار: أسعد بن زرارة.
وكان نقيب بني سلمة: البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام.
وكان نقيب بني ساعدة: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو.
وكان نقيب بني زريق: رافع بن مالك بن العجلان.
وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع.
وكان نقيب بني عوف بن الخزرج: عبادة بن الصامت.
وكان نقيب بني عبد الأشهل: أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان.
وكان نقيب بني عمرو بن عوف: سعد بن خيثمة.
حديث جابر بن عبد الله عن العقبة الآخرة
حدثنا موسى بن هارون بن عبد الله الحمال. حدثنا محمَّد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا معاوية بن عمر الدهني، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: "حملني خالي جد بن قيس في السبعين راكبًا الذين وفدوا على رسول الله ﷺ ليلة العقبة من قبل الأنصار. فخرج علينا رسول الله - ﷺ -، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب. فقال: يا عم خذ على أخوالك. فقال له السبعون: يا محمَّد سل لربك ولنفسك ما شئت. فقال: أما الذي أسألكم لربي: فتعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأما الذي أسألكم لنفسي، فتمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم. قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة".
_________________
(١) هذه رواية البلاذري.
[ ٤٩٩ ]
أبو الهيثم بن التيهان يستوثق لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن عروة قال: كان أول من بايع رسول الله - ﷺ - أبو الهيثم بن التيهان، وقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس حبالا -والحبال: الحلف والمواثيق- فلعلنا نقطعها ثم ترجع إلى قومك، وقد قطعنا الحبال، وحاربنا الناس؟ فضحك رسول الله - ﷺ - من قوله، وقال: "الدم الدم، الهدم الهدم".
فلما رضي أبو الهيثم بما رجع إليه رسول الله - ﷺ - من قوله، أقبل على قومه فقال: يا قوم هذا رسول الله، أشهد أنه لصادق، وأنه اليوم في حرم الله وأمنه، وبين ظهري قومه وعشيرته، فاعلموا أنكم إن تخرجوه رمتكم العرب عن قوس واحدة، فإن كانت طابت أنفسكم بالقتال في سبيل الله، وذهاب الأموال والأولاد، فادعوه إلى أرضكم، فإنه رسول الله - ﷺ - حقا، وإن خفتم خذلانا، فمن الآن فقالوا عند ذلك: قبلنا عن الله وعن رسوله ما أعطانا، وقد أعطيناك من أنفسنا الذي سألتنا يا رسول الله، فخل بيننا يا أبا الهيثم، وبين رسول الله - ﷺ - فلنبايعه، فقال أبو الهيثم: أنا أول من يبايع ثم تتابعوا كلهم، وصرخ الشيطان من رأس الجبل فقال: يا معشر قريش، هذه الخزرج والأوس تبايع محمدا على قتالكم، ففزعوا عند ذلك وراعهم، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا يرعكم هذا الصوت، فإنه عدو الله إبليس، ليس يسمعه أحد ممّن تخافون" وقام رسول الله - ﷺ - فصرخ بالشيطان "يا ابن أزب هذا عملك، فسأفرغ لك". (١)
عدد أصحاب بيعة العقبة الآخرة
حدثنا يعقوب بن حميد بن عبد الله بن موسى بن إبراهيم التيمي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: خرجنا إلى النبي ﷺ عام العقبة أربعون رجلًا وثلاثون غلاما مع الرجل ابنه وكنت رديف أبي.
_________________
(١) رواه الطبراني هكذا مرسلا، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف.
[ ٥٠٠ ]
تسمية من شهد العقبة من الأنصار
قال ابن إسحاق كانوا ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين:
من بني عبد الأشهل
١ - أبو الهيثم بن التيهان، نقيب، وشهد بدرًا.
٢ - أسيد بن الخضير، نقيب.
٣ - سلمه بن سلامة بن وقش، شهد بدرًا.
من بني حارثة بن الحارث
١ - ظهير بن رافع بن عدي.
٢ - أبو بردة بن نيار، شهد بدرًا.
٣ - نهير بن الهيثم.
من بني عمرو بن عوف
١ - سعد بن خيثمة، نقيب، شهد بدرًا وقتل شهيدًا.
٢ - رفاعة بن بن عبد المنذر، نقيب، شهد بدرًا.
٣ - عبد الله بن جبير، شهد بدرًا وقتل يوم أحد شهيدًا.
٤ - معن بن عدي البلوي، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
٥ - عويم بن مساعده، شهد بدرًا وأحدًا والخندق.
فجميع من شهد العقبة من الأوس أحد عشر رجلًا
من بني الخزرج بن حارثة
١ - أبو أيوب الأنصاري خالد بن يزيد، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
٢ - معاذ بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
٣ - عوف بن الحارث أخوه، شهد بدرًا وقتل شهيدًا.
٤ - معوذ بن الحارث أخوه، شهد بدرًا وقتل شهيدًا.
٥ - عمارة بن حزم بن زيد، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
[ ٥٠١ ]
٦ - أسعد بن زراره، نقيب.
من بني عمرو بن مبذول
١ - سهل بن عتيك بن نعمان، شهد بدرًا.
من بني عمرو بن مالك
١ - أوس بن ثابت بن المنذر، شهد بدرًا.
٢ - أبو طلحه زيد بن سهل، شهد بدرًا.
من بني مازن بن النجار
١ - قيس بن أبي صعصعة، شهد بدرًا.
٢ - غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء قاله بن هشام.
فجميع من شهد العقبة من بني النجار أحد عشر رجلًا.
من بني الحارث بن الخزرج
١ - سعد بن الربيع، نقيب، شهد بدرًا وقتل يوم أحد شهيدًا.
٢ - خارجة بن زيد بن أبي زهير، شهد بدرًا وقتل يوم أحد شهيدًا.
٣ - عبد الله بن رواحة، نقيب، شهد المشاهد كلها وقتل يوم مؤتة شهيدًا.
٤ - بشير بن سعد بن ثعلبه، شهد بدرًا.
٥ - عبد الله بن زيد بن ثعلبه الذي أري النداء للصلاة.
٦ - خلاد بن سويد بن ثعلبه، شهد بدرًا وقتل يوم بني قريظة شهيدًا.
٧ - عطية بن عمرو وهو أبو مسعود أحدث القوم سنًا.
من بني بياضة بن عامر
١ - زياد بن لبيد، شهد بدرًا.
٢ - فروة بن عمرو بن وذفه.
٣ - خالد بن قيس بن مالك، شهد بدرًا.
من بني رزيق
١ - رافع بن مالك بن العجلان، نقيب.
٢ - ذكوان بن عبد القيس المهاجري الأنصاري، شهد بدرًا وقتل يوم أحد شهيدًا.
[ ٥٠٢ ]
٣ - عباد بن قيس بن عامر، شهد بدرًا.
٤ - الحارث بن قيس بن خالد، شهد بدرًا.
ومن بني سلمة بن سعد
١ - البراء بن معرور، نقيب.
٢ - بشر بن البراء بن معرور، شهد المشاهد كلها ومات بخيبر مسمومًا.
٣ - سنان بن صيفي بن صخر، شهد بدرًا وقتل يوم الخندق شهيدًا.
٤ - والطفيل بن النعمان بن خنساء، شهد بدرًا وقتل يوم الخندق شهيدًا.
٥ - معقل بن المنذر بن سرح، شهد بدرًا.
٦ - يزيد بن المنذر أخوه، شهد بدرًا.
٧ - مسعود بن يزيد بن سبيع.
٨ - الضحاك بن حارثة بن زيد، شهد بدرًا.
٩ - يزيد بن حرام بن سبيع.
١٠ - جبار بن صخر بن أميه، شهد بدرًا.
١١ - الطفيل بن مالك بن خنساء، شهد بدرًا.
من بني سواد بن غنم
١ - كعب بن مالك، شاعر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
من بني غنم بن سواد
١ - سليم بن عمرو بن حديره، شهد بدرًا.
٢ - قطبه بن عامر بن حديره، شهد بدرًا.
٣ - يزيد بن عامر بن حديره، شهد بدرًا.
٤ - أبو اليسر كعب بن عمرو، شهد بدرًا.
٥ - صيفى بن سواد بن عباد.
من بني نابي بن عمرو
١ - ثعلبة بن غنمه بن عدي، شهد بدرًا وقتل بالخندق شهيدًا.
٢ - عمرو بن غنمه بن عدي.
[ ٥٠٣ ]
٣ - عبس بن عامر بن عدي، شهد بدرًا.
٤ - عبد الله بن أنيس القضاعي.
٥ - خالد بن عمرو بن عدى.
من بني حرام بن كعب
١ - عبد الله بن عمرو بن حرام، نقيب، شهد بدرًا وقتل يوم أحد شهيدًا.
٢ - جابر بن عبد الله.
٣ - معاذ بن عمرو بن الجموح، شهد بدرًا.
٤ - ثابت بن الجذع، شهد بدرًا وقتل بالطائف شهيدًا.
٥ - عمير بن الحارث بن ثعلبه، شهد بدرًا.
٦ - خديج بن سلامة بن أوس البلوي.
٧ - معاذ بن جبل، شهد المشاهد كلها ومات بطاعون عمواس.
من بني عوف بن الخزرج وهم القواقل
١ - عبادة بن الصامت، نقيب، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
٢ - العباس بن عبادة بن نضله المهاجري الأنصاري قتل يوم أحد شهيدًا.
٣ - أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبه البلوي.
٤ - عمرو بن الحارث بن لبدة.
من بني سالم بن غنم وهم بنو الحبلى
١ - رفاعة بن عمرو، شهد بدرًا.
٢ - عقبة بن وهب بن كلدة المهاجري الأنصاري، شهد بدرًا.
من بني ساعده بن كعب
١ - سعد بن عبادة بن دليم، نقيب.
٢ - المنذر بن عمرو بن خنيس، نقيب، شهد بدرًا وقتل يوم بئر معونة.
من بني مازن بن النجار
١ - نسيبه بنت كعب أم عمارة.
[ ٥٠٤ ]
من بني سلمة
١ - أم منيع أسماء بنت عمرو بن عدي.
قريش تستعلم الخبر من عبد الله بن أبي سلول
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن بكر: أنهم أتوا عبد الله بن أبي سلول، فقالوا له مثل ما قال كعب من القول، فقال لهم: إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا، وما علمته كان. قال: فانصرفوا عنه.
قريش تأسر سعد بن عبادة: قال: ونفر الناس من منى، فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو، أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبا. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلي عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير.
خلاص سعد: قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش، فيهم رجل وضيء أبيض، شعشاع، حلو من الرجال.
(قال ابن هشام: الشعشاع الطويل الحسن. قال رؤبة؛ يمطوه من شعشاع غير، مودن يعني: عنق البعير غير القصير، ويقول: مودن اليد، أي ناقص اليد).
قال: فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير، فعند هذا، قال: فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة. قال: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممّن كان معهم فقال ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال: قلت: بلى، والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجارة وأمنعهم ممّن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قال: ويحك! فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلًا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوار، قالا: ومن هو؟ قال سعد بن عبادة، قالا: صدق الله، إن كان ليجير لنا تجارتتا، ويمنعهم أن
[ ٥٠٥ ]
يظلموا ببلده. قال: فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق. وكان الذي لكم سعدًا سهيل بن عمرو، أخو بني عامر بن لؤي.
قال ابن هشام: وكان الرجل الذي أوى إليه، أبا البختري بن هشام.
قال ابن إسحاق: وكان أول شعر قيل في الهجرة بيتين، قالهما ضرار بن الخطاب ابن مرداس، أخو بني محارب بن فهر.
تداركت سعدا عنوة فأخذته وكان شفاء لو تداركت منذرا
ولو نلته طلت هناك جراحه وكان حريًا أن يهان ويهدرا
قال ابن هشام: وروى: وكان حقيقيا أن يهان ويهدرا
قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت فيهما فقال:
لست إلى سعد ولا المرء منذر إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا
فلولا أبو وهب لمرت قصائد على شرف البرقاء يهوين حسرا
أتفخر بالكتان لما لبسته وقد تلبس الأنباط ريطا مقصرا
فلا تك كاوسنان يحلم أنه بقرية كسرى أو بقرية قيصرا
ولا تك كالثكلى وكانت بمعزل عن الثكل لو كان الفؤاد تفكرا
ولا تك كالشاة التي كان حتفها بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا
ولا تك كالعاوى فأقبل نحره ولم يخشه سهما من النبل مضمرا
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا
عن أبي إسحق السبيعي، وعن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن عمر عن عقيل بن أبي طالب ومحمَّد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن الزهري، أن العباس ابن عبد المطلب وهو يكلم النقباء ويكلمونه. فعرف صوت النبي ﷺ. فنزل وعقل راحلته ثم قال لهم: يا معشر الأوس والخزرج، هذا ابن أخي، وهو أحب الناس إلي. فإن كنتم صدقتموه وآمنتم به وأردتم إخراجه معكم، فإني أريد أن آخذ عليكم موثقًا تطمئن به نفسي ولا تخذلوه ولا تغروه، فإن جيرانكم اليهود وهم له عدو، ولا آمن مكرهم عليه. فقال أسعد بن زرارة -وشق عليه قول العباس حين اتهم عليه أسعد وأصحابه-: يا رسول الله، ائذن لنا فلنجبه غير مخشنين لصدرك ولا
[ ٥٠٦ ]
متعرضين لشيء مما تكره، إلا تصديقًا لإجابتنا إياك وإيمانًا بك. فقال رسول الله ﷺ: أجيبوه غير متهمين. فقال أسعد بن زرارة. وأقبل على النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن لكل دعوة سبيلا إن لينًا وإن شدة. وقد دغوتنا اليوم إلي دعوة متهجمة للناس متوعرة عليهم. دعوتنا إلى ترك ديننا واتباعك على دينك، وتلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك. ودعوتنا إلى قطع ما بيننا وبين الناس من الجوار والأرحام القريب والبعيد، وتلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك. ودعوتنا، ونحن جماعة في دار عز ومنعة لا يطمع فينا أحد، أن يرؤس علينا رجل من غيرنا قد أفرده قومه وأسلمه أعمامه، وتلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك. وكلُّ هؤلاء الرتب مكروهة عند الناس، إلا من عزم الله له على رشده، والتمس الخير في عواقبها، وقد أجبناك إلى ذلك بألسنتنا وصدورنا إيمانًا بما جئت به، وتصديقًا بمعرفة ثبتت في قلوبنا. نبايعك على ذلك ونبايع الله ربنا وربك يد الله فوق أيدينا. ودماؤنا دون دمك وأيدينا دون يدك، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، فإن نف بذلك فبالله نفي ونحن به أسعد، وإن نغدر فبالله نغدر ونحن به أشقى. هذا الصدق منا يا رسول الله، والله المستعان. ثم أقبل على العباس بن عبد المطلب بوجهه فقال: وأما أنت أيها المعترض لنا بالقول دون النبي ﷺ، فالله أعلم ما أردت بذلك. ذكرت أنه ابن أخيك وأنه أحب الناس إليك. فنحن قد قطعنا القريب والبعيد وذا الرحم، ونشهد أنه رسول الله ﷺ، أرسله من عنده، ليس بكذاب.
وأن ما جاء به لا يشبه كلام البشر. وأما ما ذكرت أنك لا تطمئن إلينا في أمره حتى تأخذ مواثيقنا، فهذه خصلة لا نردها على أحد لرسول الله - ﷺ -، فخذ ما شئت. ثم التفت إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله خذ لنفسك ما شئت. واشترط لربك ما شئت. فقال النبي ﷺ، أشترط لربي -﷿- أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ونساءكم. قالوا: فذلك لك يا رسول الله.
[ ٥٠٧ ]
انتشار الإِسلام قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المدينة
حدثنا محمَّد بن عيسى، قال: حدثنا محمَّد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثنا أبي، عن ابن ليلى، عن أبي الزبير.
عن جابر قال:"أقمنا بالمدينة سنتين قبل أن يقدم علينا رسول الله ﷺ، نقيم الصلاة ونعمر المساجد". (١)
ـ[بيعة العقبة الآخرة]ـ
روى ابن سعد بأسانيد قالوا: ثم خرج مصعب بن عمير من المدينة مع السبعين الذي وافوا رسول الله - ﷺ - في العقبة الثانية من حاج الأوس والخزرج، ورافق أسعد بن زرارة في سفره ذلك، فقدم مكة فجاء منزل رسول الله - ﷺ - أولًا ولم يقرب منزله، فجعل يخبر رسول الله - ﷺ - عن الأنصار وسرعتهم إلى الإِسلام واستبطائهم رسول الله - ﷺ - فسر رسول الله ﷺ بكل ما أخبره. وبلغ أمه أنه قد قدم، فأرسلت إليه: يا عاق أتقدم بلدًا أنا فيه لا تبدأ بي؟ فقال: ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله - ﷺ -، فلما سلم على رسول الله - ﷺ - وأخبره بما أخبره ذهب إلى أمه، وذكر الحديث. (٢)
خروج الأنصار مع مصعب بن عمير للحج وملاقاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند العقبة
قال ابن إسحاق ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار
_________________
(١) لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا ابن أبي ليلى.
(٢) ابن سعد: ج ٣/ ١١٨.
[ ٥٠٧ ]
من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله - ﷺ - العقبة من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد، من كرامته والنصر لنبيه، وإعزاز الإِسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله. (١)
روى بسنده عن ابن إسحاق قال: فجميع من شهد العقبة من الأوس والخزرج وأفناء القبائل سبعون رجلًا وامرأتان من بني الخزرج إحداهما أم عمارة وزوجها وابناها، فجميع أصحاب العقبة مع المرأتين خمسة وسبعون نفسا. (٢)
روى بسنده عن عروة بن الزبير فذكر الحديث وفيه قال: ثم حج العام المقبل منهم سبعون رجلا من الأنصار، منهم أربعون رجلًا من ذوي أسنانهم وأشرافهم، وثلاثون شابًا وأصغرهم عقبة بن عمرو، وأبو مسعود، وجابر بن عبد الله. (٣)
روى بسنده عن معاذ بن رفاعة بن رافع، وكان رفاعة من أهل بدر، وكان رافع من أهل العقبة، فكان يقول لابنه: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة. (٤)
وروى بسنده عن كعب بن مالك قال: ولقد شهدت مع النبي - ﷺ - ليلة العقبة حين تواثقنا على الإِسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. (٥)
وروى بسنده عن جابر بن عبد الله، -﵄-، قال: شهد خالاي العقبة. (٦)
روى بسنده عن عويم بن ساعده قال: لما قدمنا مكة قال لي سعد بن خيثمة ومعن بن عدي وعبد الله بن جبير: يا عويم، انطلق بنا حتى نأتي رسول الله - ﷺ - فنسلم عليه فإنا لم نره قط وقد آمنا به، فخرجت معهم، فقيل لي: هو في منزل العباس بن عبد المطلب، فرحلنا عليه فسلمنا وقلنا له: متى نلتقي؟ فقال العباس بن عبد المطلب: إن معكم من قومكم من هو مخالف لكم فأخفوا أمركم حتى ينصدع هذا الحاج ونلتقي نحن وأنتم فنوضح لكم الأمر فتدخلون على أمر بيِّن. فوعدهم رسول الله - ﷺ - الليلة التي
_________________
(١) ابن هشام: ج ٢/ ٤٧.
(٢) دلائل البيهقي: ج ٢/ ٤٥٥.
(٣) دلائل أبي نعيم: ج ١/ ٤٠٩.
(٤) البخاري: ج ٥/ ١٠٣ كتاب المناقب باب شهود الملائكة بدرًا.
(٥) ج ٥/ ٦٩ كتاب المناقب باب وفود الأنصار إلى النبي ﷺ بمكة ربيعة العقبة.
(٦) ج ٥/ ٧٠.
[ ٥٠٩ ]
في صبحها النفر الآخر أن يوافيهم أسفل العقبة حيث المسجد اليوم، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا. (١)
روى بسنده عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث وفيه قال: فقال عمه العباس: يا ابن أخي إني لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس -﵁- في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. (٢)
روى بسنده عن عامر قال: انطلق النبي - ﷺ - ومعه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: "ليتكلم متكلمكم، ولا يطيل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم"، فقال قائلهم، وهو أبو أمامة: سل يا محمَّد لربك ما شئت ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله -﷿- وعليكم إذا فعلنا ذلك، قال: فقال: "أسألكم لربى، -﷿-، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤونا وتنصرونا وممنعونا مما منعتم منه أنفسكم"، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "لكم الجنة"، قالوا: فلك ذلك. (٣)
روى بسنده عن سفيان بن أبي العوجاء قال: حدثني من حضرهم تلك الليلة، والعباس ابن عبد المطلب آخذ بيد رسول الله - ﷺ - وهو يقول: يا معشر الأنصار أخفوا جرسكم فإن علينا عيونا، وقدموا ذوى أسنانكم فيكونون الذين يلون كلامنا منكم فإنا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى محالكم واكتموا أمركم فإن طويتم هنا الأمر حتى ينصدع هذا الموسم فأنتم الرجال وأنتم لما بعد اليوم، فقال البراء بن معرور: يا أبا الفضل اسمع منا، فسكت العباس فقال البراء: لك والله عندنا كتمان ما تحب أن نكتم، وإظهار ما تحب أن تظهر، وبذل مهج أنفسنا، ورضا ربنا عنا، إنا أهل حلقة وافرة، وأهل منعة وعز، وقد كنا على ما كنا عليه من عبادة حجر ونحن كذا، فكيف بنا اليوم حين بصرنا الله ما أعمى على غيرنا، وأيدنا بمحمد - ﷺ -؟ ابسط يدك. (٤)
_________________
(١) ابن سعد ج ٤/ ٧.
(٢) مسند الإمام أحمد: ج ٣/ ٣٣٩.
(٣) مسند الإمام أحمد: ج ٤/ ١١٩.
(٤) ج ٤/ ٨.
[ ٥١٠ ]
وروى بسنده عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت فذكر الحديث وفيه قال: فقال أسعد بن زرارة: يا رسول الله، اشترط علي، فقال رسول الله - ﷺ -: "تبايعوني على أن تشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا تنازعوا الأمر أهله، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم" قالوا: نعم، قال قائل من الأنصار: نعم، هذا لك يا رسول الله فما لنا؟ قال: "الجنة والنصر" (١)
روى بسنده عن عروة عن الزبير فذكر الحديث وفيه قال: ومع رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب، فلما حدثهم رسول الله - ﷺ - بالذي خصه الله -﷿- به من النبوة والكرامة، ودعاهم إلى الإِسلام وإلى أن يبايعوه ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم، أجابوا وصدقوا، وقالوا: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: "أشترط لربى أن لا تشركوا به شيئًا، وأن تعبدوه، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، فلما طابت أنفسهم بذلك الشرط، اشترط له العباس وأخذ عليهم المواثيق لرسول الله ﷺ وعظم الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ. (٢)
رجال من الأنصار يشدون العقد للنبي (ﷺ)
مقالة أسعد بن زرارة (﵁):
روى بسنده عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث وفيه قال: فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين، فقال: رويدًا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، -﷿-، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر عند الله، قالوا: يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها. (٣)
_________________
(١) ج ٣/ ٦٠٩.
(٢) دلائل أبي نعيم: ج ١/ ٤٠٩.
(٣) مسند الإمام أحمد: ج ٣/ ٣٤٠.
[ ٥١١ ]
روى بسنده عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت أن أسعد بن زرارة، -﵀-، أخذ بيد رسول الله - ﷺ - يعني ليلة العقبة، فقال: يا أيها الناس هل تدرون على ما تبايعون محمدا؟ إنكم تبايعونه على أن تحاربوا العرب والعجم والجن والإنس مجلبة. فقالوا: نحن حرب لمن حارب، وسلم لمن سالم. (١)
مقالة البراء بن معرور (﵁):
روى بسنده عن ابن عباس، -﵄-، فذكر الحديث وفيه قال: فقام البراء ابن معرور، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الحمد الله الذي أكرمنا بمحمد، - ﷺ -، وجاءنا به، وكان أول من أجاب وآخر من دعا، فأجبنا الله، -﷿-، وسمعنا وأطعنا، يا معشر الأوس والخزرج، قد أكرمكم الله بدينه، فإن أخذتم السمع والطاعة والموازرة بالشكر، فأطيعوا الله ورسوله ثم جلس. (٢)
روى بسنده عن سفيان بن أبي العوجاء فذكر الحديث وفيه قال: فكان أول من ضرب على يد رسول الله - ﷺ - البراء بن معرور، ويقال: أبو الهيثم بن التيهان، ويقال: أسعد بن زرارة. (٣)
وروى بسنده عن سليمان بن سحيم قال: تفاخرت الأوس والخزرج فيمن ضرب على يد رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة أول الناس فقالوا: لا أحد أعلم به من العباس بن عبد المطلب، فسألوا العباس فقال: ما أحد أعلم بهذا مني، أول من ضرب على يد النبي - ﷺ - من تلك الليلة أسعد بن زرارة ثم البراء بن معرور ثم أسيد بن الحضير.
روى بسنده عن عروة بن الزبير فذكر الحديث وفيه مقالة أبي الهيثم بن التيهان لقومه إلى أن قال: فقال أبو الهيثم: فأنا أول من يبايع، ثم تتابعوا كلهم. (٤)
مبايعة النساء:
قال ابن إسحاق: وامرأتان منهم، يزعمون أنهما قد بايعتا، وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء، إنما كان يأخذ عليهن، فإذا أقررن قال "اذهبن فقد بايعتكن". (٥)
_________________
(١) ابن سعد ج ٣/ ٦٠٩.
(٢) المستدرك: ج ٣/ ١٨١.
(٣) ج ٤/ ٨.
(٤) دلائل أبي نعيم: ج ١/ ٤١٠.
(٥) ج ٢/ ٧٤.
[ ٥١٢ ]
روى بسنده عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي صعصعة قال: قالت أم عمارة: كانت الرجال تصفق على يد رسول الله - ﷺ - ليلة بيعة العقبة والعباس بن عبد المطلب آخذ بيد رسول الله - ﷺ - فلما بقيت أنا وأم منيع نادى زوجي عرقة بن عمرو: يا رسول الله، هاتان امرأتان حضرتا معنا تبايعانك، فقال رسول الله - ﷺ -: "قد بايعتهما على ما بايعتكم عليه، إني لا أصافح النساء". قالت: فرجعنا إلى رحالنا فلقينا رجلين من قومنا، سليط بن عمرو وأبا داود المازني يريدان أن يحضرا البيعة، فوجدا القوم قد بايعوا، فلما كان بعد بايعا أسعد بن زرارة وكان رأس النقباء في السبعين ليلة العقبة. (١)
مقالة النبي (ﷺ) إثر البيعة:
روى بسنده عن جابر قال: كان العباس آخذا بيد رسول الله - ﷺ - يواثقنا فلما فرغنا قال رسول الله - ﷺ -: "أخذت وأعطيت". (٢)
وروى بسنده عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: هم اثنا عشر نقيبا رأسهم أسعد ابن زرارة.
روى بسنده عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله - ﷺ - قال لهم: "ابعثوا لي منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم فيما كان منهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، عليه لسلام"، فقال أسعد بن زرارة أحد بني النجار: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "وأنت نقيب على قومك"، فبايعوا رسول الله ﷺ وأخذ منهم اثني عشر نقيبا. (٣)
وروى بسنده عن مالك قال: كان أسيد بن حضير أحد النقباء وكانت الأنصار منهم اثنا عشر نقيبا، وكانوا سبعين رجلا. قال مالك: فحدثني شيخ من الأنصار أن جبريل، ﵇، كان يشير له إلى من يجعله نقيبا، قال مالك: كنت أعجب كيف جاء من كل قبيلة رجلان، ومن قبيلة رجل، حتى حدثني هذا الشيخ أن جبريل، -﵇-، كان يشير إليهم يوم البيعة، يوم العقبة، قال لي مالك: عدة النقباء اثنا عشر رجلا تسعة من الخزرج، وثلاثة عن الأوس. (٤)
_________________
(١) ج ٨/ ١٠.
(٢) مسند الإمام أحمد ج ٣/ ٣٩٦.
(٣) دلائل البيهقي: ج٢/ ٤٥٢.
(٤) ج٢/ ٤٥٣.
[ ٥١٣ ]
روى بسنده عن عروة بن الزبير فذكر الحديث وفيه قال: وبلغ قريشا الحديث فأقبلوا حتى إنهم ليتوطؤون على رحل أصحاب رسول الله - ﷺ - وما يبصرونهم، فرجعت قريش، وقال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم: يا رسول الله إن شئت -والذي أكرمك- ملنا على أهل منى بأسيافنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "لم أومر بذلك"، وكان هؤلاء النفر اتفقوا على مرضاة الله، وأوفوا بالشرط من أنفسهم بنصر رسول الله - ﷺ - ثم صدروا رابحين راشدين إلى بلادهم، وجعل الله، -﷿-، لرسوله - ﷺ - وللمؤمنين ملجأً وأنصارًا ودار هجرة. (١)
_________________
(١) دلائل أبي نعيم: ج ١/ ٤١٠.
[ ٥١٤ ]
إسلام أبي ذر الغفاري (﵁)
عن أبي ذر -﵁- قال: (كان لي أخ يقال له أنيس وكان شاعرًا، فسافر هو وشاعر آخر فأتيا مكة، فرجع أنيس فقال: يا أخي! رأيت بمكة رجلا يزعم أنه نبي وأنه على دينك) (١)
عن أبي ذر قال: "قلت لأخي اكفني حتى أذهب، فأنظر إلى النبي ﷺ قال: نعم. وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد أنكروا ما قال وشنفوا له" (٢)
روى البخاري ومسلمٌ عن عبد الله بن الصامت: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام قال: فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس، فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له، فقلت: أما ما مضى من معروفك، فقد كدرته، ولا جماع لنا فيما بعد، فقربنا صرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا بثوبه، فجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن فخير أنيسا، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها، قال: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين، قلت: لمن؟ قال: لله تعالى، قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاء، حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس، فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني، فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث علي، ثم جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قولة على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون، قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر، قال: فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم (٣)، فقلت: أين هذا
_________________
(١) روى الحسن بن سفيان وأبو نعيم.
(٢) روى ابن إسحاق الحربي في غريب الحديث.
(٣) أي: نظرت إلى أضعفهم فسألته.
[ ٥١٥ ]
الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إليَّ، فقال: الصابئ؟ فمال عليَّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم، حتى خررت مغشيا عليَّ، قال: فارتفعت [حين ارتفعت] كأني نصب أحمر، قال: فأتيت زمزم، فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين، بين ليلة ويوم، وما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع، قال: فبينما أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، إذ ضرب على أصمختهم، فما يطوف بالبيت أحد، إلا امرأتان منهم تدعوان إسافًا ونائلة، قال: فأتتا عليَّ في طوافهما، فقلت، أنكحا أحدهما الأخرى، قال: فما تناهتا عن قولهما، قال: فأتتا عليَّ، فقلت: هن مثل الخشبة -غير أني لا أكني- فانطلقتا تولولان، وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا؟ قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر، وهما هابطان، قال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم، وجاء رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته، قال أبو ذر: فكنت أول من حياه بتحية الإِسلام، [قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله] فقال: وعليك ورحمة الله، ثم قال: ممّن أنت؟ قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده، فوضع أصابعه على جبهته، فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده، فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه، فقال: متى كنت ها هنا؟ قال: [قلت]: كنت ها هنا منذ ثلاثين، بين ليلة ويوم، قال: فمن كان يطعمك؟ قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن، بطني وما أجد على كبدي سخفة جوع، قال: إنها مباركة، إنها طعام طعم، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلتة بها، ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله - ﷺ -، فقال: إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل. لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم؟ فأتيت أنيسًا، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت، قال: ما بي رغبة عن
[ ٥١٦ ]
دينك، فإني قد أسلمت وصدقت، فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم أيماء بن رحضة الغفاري، وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله - ﷺ -[المدينة]، فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا، فقال رسول الله عليه وسلم: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله" (١).
إذن النبي (ﷺ) لأصحابه بالهجرة إلى المدينة
قال ابن إسحاق: فلما أذن الله تعالى له - ﷺ - في الحرب، وتابعه هذا الحي من الأنصار على الإِسلام والنصرة له ولمن اتبعه، وأوى إليهم من المسلمين؛ أمر رسول الله ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة، والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: "إن الله، -﷿-، قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها". فخرجوا أرسالًا، وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة (٢).
روى بسنده عن أبي موسى أراه عن النبي - ﷺ - قال: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلي أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب (٣).
وروى بسنده عن عائشة، -﵂-، زوج النبي - ﷺ - قالت: فذكرت الحديث وفيه: فقال النبي - ﷺ - للمسلمين: "إني أريت دار
_________________
(١) رواه البخاري ومسلمٌ.
(٢) ابن هشام: ج ٢/ ٧٦.
(٣) البخاري: ج ٩/ ٥٢.
[ ٥١٧ ]
هجرتكم ذات نخل بين لابتين"، وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة (١).
وروى بسنده عن أبي هريرة، -﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" (٢).
روى بسنده عن صهيب قال: قال رسول الله ﵌: "أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة، فإما أن تكون هجرًا، أو تكون يثرب" (٣).
روى بسنده عن جرير بن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: "إن الله أوحى إلي: أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين أو قنسرين" (٤).
ورى بسنديه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف وعن عائشة قالا: لما صدر السبعون من عند رسول الله - ﷺ - طابت نفسه وقد جعل الله له منعه وقومًا أهل حرب وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج، فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله - ﷺ - واستأذنوه في الهجرة، فقال: "قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين، وهما الحرتان، ولو كانت السراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي"، ثم مكث أيامًا ثم خرج إلى أصحابه مسرورًا فقال: "قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها"؛ فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك (٥).
روى بسنده عن عروة أنه قال لما رجع من أرض الحبشة من رجع ممّن كان هاجر
_________________
(١) البخاري: ج ٥/ ٧٥.
(٢) البخاري: ج ٣/ ٢٦.
(٣) المستدرك: ج ٣/ ٤٠٠.
(٤) الترمذي: ج ٥/ ٧٢١ كتاب المناقب باب في فضل المدينة ج ٣٩٢٣.
(٥) ابن سعد: ج ١/ ٢٢٥.
[ ٥١٨ ]
إليها قبل هجرة النبي - ﷺ - إلى المدينة، جعل أهل الإِسلام يزدادون ويكثرون، وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الإِسلام، فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله - ﷺ - بمكة، فلما رأت ذلك قريش تذامرت على أن يفتنوهم، ويشتدوا عليهم فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. وذكر الحديث وفيه بيعة العقبة الثانية ثم قال: فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه بالخروج إلى المدينة؛ وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله ﷺ أصحابه وخرج، وهي التي أنزل الله -﷿- فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١).
أول ظعينة قدمت المدينة المنورة
حدثنا عبد الله بن شبيب، ثنا ذؤيب بن عمامة السهمي، ثنا عبد العزيز ابن محمَّد، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: سمعت أبي يقول "أول ظعينة قدمت المدينة، ليلى بنت أبي حثمة، وهي زوجته" (٢).
أول من هاجر إلى المدينة
عن البراء بن عازب -﵁- قال: "أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله - ﷺ -: مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرآننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ثم قدم النبي - ﷺ -، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور. (٣)
_________________
(١) الطبري: ج ٢/ ٣٦٦.
(٢) ابن سعد: ج ٨/ ٢٦٧.
(٣) رواه البخاري.
[ ٥١٩ ]
قصة هجرة أم سلمة (﵂)
روى ابن إسحاق بسنده (١) عن أم سلمه زوج النبي ﷺ قالت: لما أجمع أبو سلمه الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمه في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمه بينهم، حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، انطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح (٢)، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها، حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي، فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تحرجون (٣) من هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله، قالت: فقلت: أتبلغ (٤) بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة (٥) بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلي أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أوما معك أحد؟ قالت: فقلت: لا والله إلا الله وبني هذا، قال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوى بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قط أرى أنه
_________________
(١) ابن هشام: ج ٢/ ٧٧.
(٢) بالأبطح: الأبطح: المكان المتسع يمر السيل فيترك فيه الرمل والحصى الصغار، ومنه أبطح مكة (الوسيط: ج ١/ ٦٠).
(٣) تحرجون: تحرج فلان إذا فعل فعلًا يتحرج به، من الحرج: الإثم والضيق (لسان العرب: ج ٢/ ٨٢١).
(٤) أتبلغ: تبلغ بالشيء: اكتفى به (الوسيط: ج ١/ ٦٩).
(٥) ترجم له ابن حجر في الإصابة (ج ٢/ ٤٦٠) فقال: "أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر مع خالد بن الوليد، وشهد الفتح مع النبي - ﷺ - فأعطاه مفتاح الكعبة". وسيرد ذكره فيما بعد.
[ ٥٢٠ ]
كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلًا، فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة قال: فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإِسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحه (١).
روى بسنده (٢) عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - قالت: إنها لما قدمت المدينة أخبرتهم أنها ابنة أبى أميه بن المغيرة؛ فكذبوها ويقولون: ما أكذب الغرائب حتى أنشأ ناس منهم إلى الحج فقالوا: ما تكتبين إلى أهلك فكتبت معهم فرجعوا إلى المدينة يصدقونها فازدادت عليهم كرامة (٣).
روى بسنده عن أم سلمة قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة (٤)، فأنزل الله تعالى ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٥).
هجرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى المدينة
قال ابن إسحاق: ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة: عامر بن ربيعة، حليف بني عدي بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم بن عبد الله
_________________
(١) الخير في عيون الأثر (ج ١/ ١٧٣).
(٢) مسند الإمام أحمد: ج ٦/ ٣٠٧.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (ج٤/ ١٩) والبيهقيُّ في السنن (ج ٧/ ٣٠١)، وفي الدلائل (ج ٣/ ٤٦٤) وابن سعد في الطبقات (ج ٨/ ٩٣). ذكر ابن عبد البر في الدرر: (ص:٦٩): أن أبا سلمة حبست عنه امرأته أم سلمة بمكة نحو سنة.
(٤) الترمذيُّ: ج ٥/ ٢٣٧ كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة النساء ح ٣٠٢٣.
(٥) آل عمران:١٩٥، والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (ج ٢/ ٣٠٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
[ ٥٢١ ]
بن عوف بن عبيد بن على بن كعب. ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف بني أمية بن عبد شمس احتمل بأهله وبأخيه عبد بن جحش، وهو أبو أحمد -وكان أبو أحمد رجلًا ضرير البصر، وكان يطوف مكة، أعلاها وأسفلها، بغير قائد، وكان شاعرًا، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم- فغلقت دار بني جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعه. والعباس بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة؛، وهي دار أبان في عثمان اليوم التي بالردم، وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة بن ربيعه تخفق أبوابها يبابا (١) ليس فيها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء، ثم قال:
وكل دار، وإن طالت سلامتها يومًا ستدركها النكباء والحوب
قال ابن هشام: وهنا البيت لأبي داود الإيادي في قصيدة له.
والحوب: التوجع.
قال ابن إسحاق: ثم قال عتبة بن ربيعة: أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها! فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من قل بن قل.
قال ابن هشام: القل: الواحد. قال لبيد بن ربيعة:
كل بني حرة مصيرهم قل وإن أكثرت من العدد
قال ابن إسحاق.: ثم قال: هنا عمل ابن أخي هنا، فرق جماعتنا، وشتت أمرنا وقطع بيننا. فكان منزل أبي سلمة بن عبد الأسد، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وأخيه أبي أحمد جحش، على مبشر بن عبد المنذر بن زنير بقباء، في بني عمرو بن عوف، ثم قدم المهاجرون أرسالا، وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول لله - ﷺ - هجرة رجالهم ونسائهم: عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد بن جحش، وعكاشة بن محصن، وشجاع، وعقبة، ابنا وهب، وأربد بن حميرة.
قال ابن هشام: ويقال ابن حميرة.
_________________
(١) اليباب: القفر.
[ ٥٢٢ ]
قال ابن إسحاق: ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، ويزيد بن رقيش، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقف بن عمرو، وربيعة بن أكثم، والزبير بن عبيد، وتمام بن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة ومحمَّد بن عبد الله بن جحش.
ومن نسائهم: زينب بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وحذامة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وآمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم، وحمنة بنت جحش.
وقال أبو أحمد بن جحش بن رئاب، وهو يذكر هجرة بني أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تعالى وإلى رسوله - ﷺ -، وإيعابهم في ذلك حين دعوا إلى الهجرة:
ولو حلفت بين الصفا أم أحمد ومروتها بالله برت يمينها
لنحن الألى كنا بها ثم لم نزل بمكة حتى عثا سمينها
بها خيمت غنم بن دودان وابتنت وما إن غدت غنم وخف قطينها (١)
إلى الله تغدو بين عن مثنى وواحد ودين رسول الله بالحق دينها
وقال أبو أحمد بن جحش أيضًا:
لما رأتني أم أحمد غاديا بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول: فإما كنت لابد فاعلا فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب
فقلت لها: بل يثرب اليوم وجهنا ومنا يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح وناصحة تبكي بدمع وتندب
ترى أن وترًا نأينا عن بلادنا ونحن نرى أن الرغائب نطلب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى .. أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
_________________
(١) القطين: القم المقيمون.
[ ٥٢٣ ]
كفوجين: أنا منهما فموفق على الحق مهدي، وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا
ورعنا إلى قول النبي محمَّد فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمُتّ بأرحام إليهم قريبة ولا قرب بالأرحام إذ لا نقرب
فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم وأية صهر بعد صهري ترقب
ستعلم يوما أيُّنا إذ تزايلوا وزيل أمر الناس للحق أصوب
قال ابن هشام: قوله "ولْتَنْأَ يثرب"، وقوله "إذ لا نقرب"، عن غير ابن إسحاق قال ابن هشام يريد بقوله: "إذ"، إذا، كقول الله -﷿-: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال أبو النجم العجلي:
ثم جزاه الله عنا إذا جزى جنات عدن في العلالي والعلا
نزول المهاجرين العصبة بجانب قباء رضوان الله عليهم
حدثنا محمَّد بن عثمان العجلي، قال ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر -﵄-: إن المهاجرين حين أقبلوا من مكة إلى المدينة نزلوا العصبة إلى جنب قباء، فأمهم سالم مولى أبي حذيفة لأنه كان أكثرهم قرآنا فيهم أبو سلمة بن عبد الأسد وعمر -﵃-. (١)
هجرة عمر بن الخطاب (﵁)
روى ابن إسحاق بسنده عن عمر بن الخطاب قال: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه، قال: فأصبحت
_________________
(١) رواه البخاري وأبو داود ٦٩٢، ٥٨٨.
[ ٥٢٤ ]
أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب وحبس عنها هشام وفتن فافتتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، حتى قدما علينا المدينة، ورسول الله صلى الله عله وسلم بمكة، فكلماه، وقالا: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها، فقلت له: يا عياش إنّه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، قال: فقال: أبر قسم أمي، ولي هنالك مال فآخذه، قال فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما، قال: فأبي علي إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما. حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيرى هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقا. وربطاه ثم دخلا به مكة وفتناة فافتتن. (١)
فكنا نقول: ما الله بقايل ممّن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة؛ قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاصي، قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى
_________________
(١) ابن هشام: ج ٢/ ٨٤.
[ ٥٢٥ ]
قلت: اللَّهم فهمنيها، قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول لأنفسنا ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ.
أبو عثمان النهدي -﵀- قال: "سمعت ابن عمر يغضب إذا له: إنّه هاجر قبل أبيه، قال ابن عمر: قدمت أنا وعمر على النبي - ﷺ - المدينة، فوجدناه قائلا، فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمر، فقال: اذهب فانظر: هل استيقظ؟ فوجدته قد استيقظ، فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر، فجئنا نهرول، فبايعه، ثم بايعته" (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري (شرح الغريب) القائل: الذي أقام وقت شدة الحر، إما في مكان أو بيت، لينكسر الحر يخرج أو يسير.
[ ٥٢٦ ]
اشتغاله بالتجارة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أيام الموسم قبل هجرته إلى المدينة
عن سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزًا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يمشي، فساومنا بسراويل: فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (زن وأرجح). (١)
عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزًا من هجر، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ونحن بمني، ووزان يزن بالأجر، فاشترى منا سراويل، فقال للوزان: (زن وأرجح). (٢)
عن سماك بن حرب. قال: سمعت مالكًا، أبا صفوان بن عميرة، قال: بعت من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رجل سراويل قبل الهجرة. فوزن لي، فأرجح لي. (٣)
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إذا وزنتم فأرجحوا).
عن أبي صفوان بن عميرة، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بمكة قبل أن يهاجر -بهذا الحديث- ولم يذكر يزن بأجر. (٤)
_________________
(١) صحيح ابن ماجه ٢٢٢٠.
(٢) صحيح ابن ماجه ٢٢٢٠.
(٣) صحيح أحاديث البيوع.
(٤) صحيح ابن ماجه ٢٢٢١.
[ ٥٢٧ ]
أحداث في سيرة رسول الله (ﷺ)
* لما دخل في الثامنة والثلاثين من عمره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حبب إليه الخلاء.
* لما دخل في التاسعة والثلاثين من عمره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نزل عليه القرآن الكريم ونبئ باقرأ، ثم كانت فترة النبوة ثلاث سنوات.
* لما بلغ الثانية والأربعين من عمره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نزلت عليه سورة المدثر وأرسل إلى الناس، ثم كانت الدعوة إلى الإسلام في السر مدة ثلاث سنوات.
* لما دخل في الخامسة والأربعين من عمره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نزلت عليه آية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فدعا إلى الإِسلام جهرًا.
* لما دخل في السادسة والأربعين من عمره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة.
* لما دخل في السابعة والأربعين من عمره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حاصرت قريش بني هاشم في الشعب قرابة ثلاث سنوات.
* في العام التاسع والأربعين من عمره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم توفيت زوجته خديجة بنت خويلد أم المؤمنين -﵂-.
[ ٥٢٨ ]
* في العام الخمسين من عمر - ﷺ - خرج إلى الطائف يدعو ثقيف إلى الإِسلام.
* في العام الواحد والخمسين من عمره - ﷺ - أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
* في العام الثاني والخمسين من عمره - ﷺ - كانت العقبة الأولى وإسلام الجن.
* في العام الثالث والخمسين من عمره - ﷺ - كانت العقبة الآخرة وهجرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى المدينة.
[ ٥٢٩ ]