نص البيعة: قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة ابن الصامت، قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة. وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله -﷿- إن شاء عذب وإن شاء غفر. (١)
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله بن عبد الله الخولاني أبي إدريس أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا، فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله -﷿- إن شاء عذب وإن شاء غفر.
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا الحكم بن نافع أبو اليمان ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خيثم حدثني إسماعيل بن عبيد الأنصاري فذكر الحديث (٢) فقال عبادة (يعني ابن الصامت -﵁-) لأبي هريرة يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إنا بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في اليسر والعسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله
_________________
(١) أخرجه البخاريُّ في مناقب الأنصار (٤/ ٢٥) باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة وبيعة العقبة.
(٢) رواه الإمام أحمد ٥/ ٣٢٥ وابنه في زوان السنن ٥/ ٣٢٩ صحيح ابن ماجه (٨٦٦). كان هذا الحدث في السنة الثانية عشر للبعثة في العاشر من رجب.
[ ٤٨٢ ]
﵎ ولا نخاف لومة لائم فيه وعلى أن ننصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التي بايعنا عليها فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وفى الله ﵎ بما بايع عليه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أسماء الاثنى عشر رجلًا الذين أسلموا في العقبة الأولى
١ - أسعد بن زراره.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعه.
٣ - معاذ بن الحارث بن رفاعه.
٤ - رافع بن مالك بن العجلان.
٥ - ذكوان بن عبد قيس.
٦ - عبادة بن الصامت.
٧ - أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبه البلوي.
٨ - العباس بن عبادة بن نضله.
٩ - عقبة بن عامر بن نابي.
١٥ - قطبة بن عامر بن حديده.
١١ - أبو الهيثم بن التيهان.
١٢ - عويم بن ساعده.
إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يد مصعب بن عمير (﵃)
قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو ابن حزم: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل
[ ٤٨٣ ]
ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن زيد بن عبد الأشهل ابن خاله أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر. (١)
قال ابن هشام: واسم ظفر: كعب بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس- قالا: على بئر يقال لها: بئر مرق فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدمًا، قال فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما؛ فلما رآه أسعد بن زرارة، قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه؛ قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال فوقف عليهما متشتمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة؛ فقال له مصعب: أوتجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإِسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا: فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تصلي. فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلًا، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت
_________________
(١) الخضمات: من الخضم، وهو الأكل بالفم كله. والقضم بأطراف الأسنان. ويقال: هو أكل اليابس، والخضم: أكل الرطب، فكأنه سمع خضمه، وهي الماشية التي تخضم، فكأنه سمي بذاك لخصب كان فيه (الروض الأنف ٣/ ١٩٦). تاريخ الإِسلام ٢٩٣.
[ ٤٨٤ ]
الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك، ليخفروك. (١) قال: فقام سعد مغضبًا مبادرًا، تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف سعد أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، أما والله، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارينا بما نكره -وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان- قال: فقال له مصعب: أوتقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإِسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم، لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا: تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبل عامدًا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير.
قال: فلما رأه قومه مقبلًا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله.
قالا: فوالله ما أمسى دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة،
_________________
(١) لينقضوا عهدك.
[ ٤٨٥ ]
وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعرًا لهم وقائدًا، يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإِسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، وقال فيما رأى من الإِسلام، وما اختلف الناس فيه من أمره:
أرب الناس أشياء ألمت يلف الصعب منها بالذلول
أرب الناس أما إذ ضللنا فيسرنا لمعروف السبيل
فلولا ربنا كنا يهودًا وما دين اليهود بذي شكول
ولولاربنا كنا نصارى مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفًا ديننا عن كل جيل
نسوق الهدى ترسف مذعنات مكشفه المناكب في الجلول
كتاب الأنصار إلى رسول الله طالبين معلمًا
لما انصرف أهل العقبة الأولى الإثنا عشر، وفشا الإِسلام في دور الأنصار، أرسلت الأنصار رجلًا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكتبت إليه كتابًا: (ابعث إلينا رجلًا يفقهنا في الدين ويقرئنا القرآن).
فبعث إليهم رسول الله مصعب بن عمير. فكتب مصعب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يستأذنه أن يجمِّع لهم.
بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى المدينة يعلمان الأنصار القرآن
عن البراء قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال
[ ٤٨٦ ]
وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها. (١)
وفي رواية الطبراني:
ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أن ابعث إلينا رجلًا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله، فإنه أدنى أن يتبع، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس [سرًا]، ويفشو الإِسلام، ويكثر أهله، وهم في ذلك مستخفون بدعائهم، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر مرق (٢) أو قريبًا منها، فجلسوا هنالك، وبعثوا إلى رهط من أهل الأرض، فأتوهم مستخفين، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم، ويقص عليهم القرآن، أخبر بهم سعد بن معاذ، فأتاهم في لأمته، ومعه الرمح، حتى وقف عليه، فقال: علام يأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم [إليه]، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا، فرجعوا، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مرق أو قريبًا منها، فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية، فواعدهم بوعيدٍ دون الوعيد الأول، فلما رأى أسعد منه لينًا، قال: يا ابن خالة اسمع من قوله، فإن سمعت منه منكرًا، فاردده يا هذا منه، وإن سمعت خيرًا فأجب الله، فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليهم مصعب بن عمير ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فقال سعد: وما أسمع إلا ما أعرف، فرجع وقد هداه الله تعالى، ولم يظهر أمر الإِسلام حتى رجع، فرجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإِسلام، وأظهر إسلامه، وقال: من شك فيه من صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى، فليأتنا بأهدى منه، نأخذ به،
_________________
(١) هذا حديث صحيح رواه البخاري ٨/ ٥٣٧. قلت بعثه قبل الهجرة بعامين في شهر رجب بعد العقبة الثانية.
(٢) طرق التصحيح من كتاب المدينة وبين الماضي والحاضر للعياشي.
[ ٤٨٧ ]
فوالله لقد جاء أمر لتحزن فيه الرقاب، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد ودعائه، إلا من لا يذكر، فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرها.
ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير واشتدوا على أسعد بن زرارة، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ، فلم يزل يدعو ويهدي [الله] على يديه حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم فكان المسلمون أعز أهلها، وصلح أمرهم، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان يدعى المقرئ. (١)
إقامة أول جمعة في الإِسلام
أذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يجمع بمكة، ولا يبدي لهم فكتب إلى مصعب بن عمير: (أما بعد: فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم. فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين).
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: ابعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم إلى أهل المدينة ليقرئهم القرآن، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يجمع بهم فأذن له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وليس يومئذٍ بأمير، ولكنه انطلق يعلم أهل المدينة، قال معمر: فكان الزهري يقول: حيث ما كان أمير فإنه يعظ أصحابه يوم الجمعة، ويصلي بهم ركعتين.
أبو أمامه أسعد بن زراره يصلي أول جمعة في الإِسلام
_________________
(١) رواه الطبراني مرسلًا، وفيه: ابن لهيعة، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.
[ ٤٨٨ ]
وحدثني عبد الملك بن محمَّد، عن زياد بن عبد الله، قال: قال ابن إسحاق: حدثني محمَّد بن أبي أمامة بن [سهل] ابن حنيف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت مع أبي كعب بن مالك حين ذهب بصره، وكنت إذا خرجت معه إلى الجمعة [فسمع] الأذان صلى [على] أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال: فمكث على ذلك حينًا لا يسمع الأذان للجمعة إلا صلى عليه واستغفر له. قال: فقلت في نفسي: إن هذا يعجزني أن لا أسأله؟ ما له إذا سمع الأذان بالجمعة صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة؟ قال: فخرجت به يوم الجمعة كما كنا نخرج، فلما سمع الأذان بالجمعة صلى عليه، واستغفر له. قال: فقلت: يا أبه ما لك إذ سمعت الأذان بالجمعة صليت على أبي أمامة أسعد بن زرارة؟ فقال: أي بني، أول من جمع بنا بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة، مكان يقال له: نقيع الخضمات. قال: قلت له: وكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا. (١)
_________________
(١) رواه ابن هشام في السيرة ٢/ ٧٧ والحاكم ٣/ ١٨٧ عن طريق ابن إسحاق وإسناده حسن. نقيع الخضمات غرب مسجد الجمعة الذي في طريق قباء.
[ ٤٨٩ ]
إسلام حواء بنت يزيد (﵂)
روى بسنده عن عاصم بن قتادة قال: كانت حواء بنت يزيد بن السكن، عند قيس بن عبيد الخطيب، كذا قال وإنما هو ابن الخطيم بالمدينة، وكانت أمها عقرب بنت معاذ أخت سعد بن معاذ، فأسلمت حواء، فحسن إسلامها، وكان زوجها قيس على كفره، فكان يدخل عليها وهي تصلي، فيؤذيها، وكان لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة أمر يكون بالمدينة إلا بلغه وأخبر به. قال قيس: فقدت مكة في رهط من مشركي قومي حجاجًا، فبينا نحن إذ جاء رجل يسأل عني فدل علي فأتاني فقال: (أنت قيس؟) قلت: نعم، قال: (زوج حواء؟) قلت: نعم، قال: (فمالك تعبث بامرأتك وتؤذيها على دينها؟) فقلت: إني لا أفعل، قال: (فلا تفعل ذلك بها، دعها لي)، قلت: نعم، فدما قدم قيس المدينة ذكر ذلك لامرأته وقال: فشأنك بدينك، فوالله ما رأيته إلا حسن الوجه حسن الهيئة. (١)
ترحم ابن سعد لحواء فذكر خبر إسلامها إلى أن قال: ووافى قيس بن الخطيم ذا المجاز، سوقًا من أسواق مكة، فأتاه رسول الله فدعاه إلى الإِسلام وحرص عليه، فقال قيس: ما أحسن ما تدعو إليه! وإن الذي تدعو إليه لحسن، ولكن الحرب شغلتني عن هذا الحديث. وجعل رسول الله يلح عليه ويكنيه ويقول: (يا أبا يزيد أدعوك إلى الله). ويرد عليه قيس كلامه الأول، فقال رسول الله: (يا أبا يزيد إن صاحبتك حواء قد بلغني أنك تسيء صحبتها مذ فارقت دينك فاتق الله واحفظني فيها ولا تعرض لها)، قال: نعم وكرامة، أفعل ما أحببت لا أعرض لها إلا بخير وذكر الحديث بمعنى ما تقدم. (٢)
_________________
(١) دلائل البيهقي: ج ٢/ ٤٥٥.
(٢) ابن سعد: ج ٨/ ٣٢٣.
[ ٤٩٠ ]
ذكر العقبة الآخرة وهم السبعون الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
روى ابن سعد بأسانيده المتعددة، قالوا: لما حضر الحج مشى أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج وموافاة رسول الله - ﷺ - والإِسلام يومئذ فاش بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلًا أو رجلين في خمر الأوس والخزرج وهم خمسمائة، حتى قدموا على رسول الله - ﷺ - مكة، فسلموا على رسول الله - ﷺ -، ثم وعدهم من وسط أيام التشريق ليلة النفر الأول إذا هدأت الرجل أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى بأسفل العقبة حيث المسجد اليوم، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا، قال: فخرج القوم بعد هدأة يتسللون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله - ﷺ - إلى ذلك الموضع معه العباس بن عبد المطلب ليس معه أحد غيره، فكان أول من طلع على رسول الله - ﷺ - رافع بن مالك الزرقي، ثم توافى السبعون ومعهم امرأتان، قال أسعد بن زرارة: فكان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج إنكم قد دعوتم محمدًا إلى ما دعوتموه إليه، ومحمَّد من أعز الناس في عشيرته، يمنعه والله منا من كان على قوله، ومن لم يكن منا على قوله يمنعه للحسب والشرف، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة، فارتأوا رأيكم وأتمروا بينكم ولا تفترقوا إلا عن ملأٍ منكم واجتماع، فإن أحسن الحديث أصدقه، فقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله - ﷺ -، قال: وتلا رسول الله - ﷺ - عليهم القرآن ثم دعاهم إلى الله ورغبهم في الإِسلام وذكر الذي اجتمعوا له، فأجابه البراء بن معرور بالإيمان والتصديق ثم قال: يا رسول الله بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر، ويقال إن أبا الهيثم بن التيهان كان أول من تكلم وأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله - ﷺ - وصدقه، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، ولغطوا، فقال العباس بن عبد المطب: وهو أخذ بيد رسول الله صلى الله
[ ٤٩١ ]
عليه وسلم: أخفوا حرسكم فإن علينا عيونا، وقدموا ذوي أسنانكم، فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى محالكم، فتكلم البراء ابن معرور فأجاب العباس بن عبد المطلب، ثم قال: ابسط يدك يا رسول الله، فكان أول من ضرب على يد رسول الله - ﷺ -، البراء بن معرور، ويقال أول من ضرب على يده أبو الهيثم بن التيهان، ويقال أسعد بن زرارة، ثم ضرب السبعون كلهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله - ﷺ -: إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لي جبريل، فلما تخيرهم قال للنقباء: أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم، فلما بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الأخاشب، هل لكم في محمَّد والصباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: انفضوا إلى رحالكم، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل منى بأسيافنا، وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره، فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لم نرمر بذلك فانفضوا إلى رحالكم، فتفرقوا إلى رحالهم، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وأيم الله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتأتوا علي بمثل هذا، ولو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني، فلما رجعت قريش من عندهم رحل البراء بن معرور فتقدم إلى بطن يأجج وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم في كل وجه ولا تعدوا طرق المدينة، وحزبوا عليهم، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنسعة وجعلوا يضربونه ويجرون شعره، وكان ذا جمة، حتى أدخلوه مكة، فجاءه مطعم بن عدي والحارث بن أمية بن عبد شمس فخلصاه من بين أيديهم، وأتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادة أن يكروا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل القوم جميعا إلى المدينة. (١)
_________________
(١) ج ١/ ٢٢١.
[ ٤٩٢ ]
شروط البيعة في العقبة الأخيرة
قال ابن إسحاق: وكانت بيعة الحرب، حين أذن الله لرسوله - ﷺ - في القتال شروطًا سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى، كانت الأولى على بيعة النساء وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله - ﷺ - في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله - ﷺ - في العقبه الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبادة بن الوليد بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن جده عبادة ابن الصامت، وكان أحد النقباء، قال: بايعنا رسول الله - ﷺبيعة الحرب وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء- على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
الدعوة إلى الله بين الأنصار وتهيئتهم لملاقاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن عبد الرحمن بن معبد بن كعب بن مالك حدثني أبي عن كعب قال: لما قدم اثنا عشر رجلا من العقبة وقد أمرهم رسول الله - ﷺ - أن يوافوه سبعون رجلا في العام المقبل أقمنا سنة يمشي أحدنا إلى صاحبه بالشسع والرحل والمطعم حتى وافاه سبعون رجلا.
حديث أبو مسعود عقبة بن عمرو عن العقبة الآخرة (١)
حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن عامر الشعبي عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: وعدنا رسول الله - ﷺ - في أصل العقبة يوم الأضحى، ونحن سبعون رجلًا، قال عقبة: إني لأصغرهم سنا، فأتانا رسول الله - ﷺ - فقال: "أوجزوا في الخطبة فإني أخاف عليكم كفار قريش"، فقلنا
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير.
[ ٤٩٣ ]
يا رسول الله، سلنا لربك وسلنا لنفسك وسلنا لأصحابك وأخبرنا ما لنا من الثواب على الله -عَزَّ
وجَلَّ- وعليك، فقال: "أما الذي أسأل لربي تؤمنوا به ولا تشركوا به شيئًا، وأما الذي أسأل لنفسي فإني أسألكم أن تطيعوني أهدكم سبيل الرشاد، وأسألكم لي ولأصحابي أن تواسونا في ذات أيديكم، وأن تمنعونا مما منعتم منه أنفسكم، فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعلي" قال: فمددنا أيدينا فبايعناه. (١)