" ومات أبو طالب وازداد من البلاء على رسول الله - ﷺ - شدة، فعمد إلى ثقيف يرجو أن يؤووه وينصروه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف وهم أخوةٌ عبد ياليل بن عمرو وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومه منه فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبدًا، لئن كنت رسولًا لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك. وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك!! وأفشوا ذلك في ثقيف -الذي قال لهم- واجتمعوا يستهزئون برسول الله - ﷺ - وقعدوا له صفين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان الدماء، عمد إلى حائط كرومهم فأتى ظل حبلة من الكرم فجلس
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير برقم [١٢٠٣٨] وابن حبان في صحيحه ٩٦٧.
(٢) كان هذا الحدث في السنة الخامسة قبل الهجرة.
[ ٣٧٩ ]
في أصلها مكروبًا موجعًا، تسيل قدماه الدماء، وإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما، لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله، وبه الذي به، فأرسلا إليه غلامهما "عداسًا" بعنب، وهو نصراني من أهل نينوى، فلما أتاه وضع العنب بين يديه، فقال رسول الله - ﷺ -: بسم الله، فعجب عداس، فقال له رسول الله - ﷺ -: من أي أرض أنت يا عداس؟ قال أنا من أهل نينوى، فقال النبي - ﷺ - من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متى. فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - من شأن يونس ما عرف، وكان رسول الله - ﷺ - لا يحقر أحدًا يبلغه رسالات الله تعالى، قال: يا رسول الله أخبرني خبر يونس بن متى، فلما أخبره رسول الله - ﷺ - من شأن يونس بن متى ما أوحى إليه من شأنه، خرَّ ساجدًا للرسول - ﷺ - ثم جعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلما أبصر عتبة وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا له: ما شأنك؟ سجدت لمحمد، وقبلت قدميه، ولم نرك فعلت هذا بأحد منا، قال: هذا رجل صالح حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا يدعى يونس بن متى، فأخبرني أنه رسول الله فضحكا، وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك إنه رجل يخدع. ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى مكة".